{"ً":{"ٌ":30017,"ٍ":"المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["hmwtm_1.pdf","hmwtm_2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية\nلشيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)\nالمؤلف: محمد بن خليفة بن علي التميمي\nاعتنى به وأعده للنشر: عبد الجبار بن عبد العظيم بن محمد آل ماجد\nالناشر: دار الأماجد للطباعة والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1083,"ٕ":1,"ٖ":1770155452,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"توطئة","level":1,"page":3},{"title":"موضوع الفتوى","level":1,"page":3},{"title":"ما حصل لشيخ الإسلام بعد كتابة هذه الفتوى","level":1,"page":4},{"title":"القسم الأول: أهل السنة والجماعة","level":2,"page":7},{"title":"القسم الثاني: المعطلة","level":2,"page":9},{"title":"القسم الثالث: المشبهة","level":2,"page":9},{"title":"أهمية باب الأسماء الحسنى والصفات العلى","level":1,"page":23},{"title":"أولا: هو شطر باب الإيمان بالله تعالى","level":2,"page":23},{"title":"ثانيا: توحيد الأسماء والصفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق","level":2,"page":25},{"title":"ثالثا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل العلوم الدينية","level":2,"page":26},{"title":"رابعا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف","level":2,"page":26},{"title":"خامسا: العلم بأسماء الله وصفاته يفتح للعبد باب معرفة الله","level":2,"page":29},{"title":"سادسا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته","level":2,"page":30},{"title":"سابعا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب","level":2,"page":31},{"title":"ثامنا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته","level":2,"page":35},{"title":"تاسعا: ضرورة تجنب الباطل، وعدم مخالفة طريق الحق في هذا الباب","level":2,"page":36},{"title":"أولا: الأدلة من القرآن الكريم على إثبات صفة العلو لله ﷿","level":2,"page":74},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو","level":2,"page":85},{"title":"ثالثا: أقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين","level":2,"page":89},{"title":"رابعا: دليل الفطرة","level":2,"page":92},{"title":"خامسا: أقوال السلف","level":2,"page":95},{"title":"المسألة الأولى: زمن ظهور هذه المقالة","level":3,"page":144},{"title":"المسألة الثانية: أول من قال بها","level":3,"page":156},{"title":"المسألة الثالثة: وأول من أظهرها","level":3,"page":189},{"title":"المسألة الرابعة: أصول المقالة وجذورها","level":3,"page":210},{"title":"تعريف السمنية","level":4,"page":218},{"title":"أصل الكلمة","level":5,"page":218},{"title":"موطنها","level":6,"page":219},{"title":"تأثره بالسمنية","level":6,"page":222},{"title":"مناظرة الجهم بن صفوان للسمنية","level":5,"page":223},{"title":"المسألة الخامسة: زمن اشتهار المقالة","level":3,"page":231},{"title":"المسألة السادسة: زمن انتشار المقالة","level":3,"page":255},{"title":"فصل: وصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله","level":1,"page":295},{"title":"أ - معنى التحريف وبيان أنواعه","level":2,"page":309},{"title":"ب - معنى التعطيل","level":2,"page":312},{"title":"الكرامية","level":2,"page":324},{"title":"ومن أقوال العلماء في تقرير هذا الأساس","level":2,"page":340},{"title":"الأمر الأول: بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل","level":2,"page":366},{"title":"الأمر الثاني: بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل","level":2,"page":367},{"title":"١ - الأصل الأول","level":3,"page":411},{"title":"٢ - الأصل الثاني","level":3,"page":411},{"title":"أولا: الجهمية","level":4,"page":414},{"title":"ثانيا: المعتزلة","level":4,"page":416},{"title":"النجارية","level":5,"page":418},{"title":"الضرارية","level":5,"page":419},{"title":"ثالثا: متكلمة الصفاتية (الكلابية - الأشاعرة - الماتريدية)","level":4,"page":419},{"title":"مسألة تكفير المعين","level":3,"page":489},{"title":"القول الأول: قول أهل السنة والجماعة ومن وافقهم","level":2,"page":496},{"title":"القول الثاني: قول المعطلة من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة، ومتأخري الأشاعرة، والقرامطة الباطنية","level":2,"page":500},{"title":"القول الثالث","level":2,"page":501},{"title":"القول الرابع","level":2,"page":513},{"title":"أولا: مذهب السلف في الاستواء","level":2,"page":517},{"title":"ثانيا: أقوال المخالفين","level":2,"page":521},{"title":"أولا: الاستواء عليه","level":2,"page":580},{"title":"ثانيا: العرش أعلى المخلوقات أرفعها وسقفها","level":2,"page":581},{"title":"ثالثا: العرش أكبر المخلوقات وأعظمها وأثقلها","level":2,"page":581},{"title":"رابعا: العرش ليس داخلا فيما يقبض ويطوى","level":2,"page":583},{"title":"حملة العرش","level":1,"page":585},{"title":"الفريق الأول: نفاة الاستواء","level":2,"page":642},{"title":"الفريق الثاني: القول بالتفويض","level":2,"page":651},{"title":"الفريق الثالث: قول المشبهة","level":2,"page":653},{"title":"الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز في الأخبار","level":1,"page":686},{"title":"تعريف النسخ في اللغة","level":2,"page":686},{"title":"القول الحق في هذه المسألة","level":2,"page":704},{"title":"أولا: اتصال السند","level":2,"page":750},{"title":"ثانيا: يتميزون باعتقادهم بأن هذا الدين - بحمد الله تعالى - واضح","level":2,"page":750},{"title":"ثالثا: حفظهم للأصلين رواية ودراية","level":2,"page":751},{"title":"رابعا: وسطيتهم بين الطوائف والفرق","level":2,"page":751},{"title":"خامسا: ويتميزون باعتقادهم أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكن أحد منهم على بدعة","level":2,"page":752},{"title":"سادسا: ومن سمات أهل الحق قولهم: أن العقل الصريح دائما موافق للرسول ﷺ لا يخالفه قط","level":2,"page":754},{"title":"سابعا: من سمات أهل السنة حرصهم على الجماعة والألفة ونبذهم للاختلاف والفرقة","level":2,"page":755},{"title":"ثامنا: من سمات أهل السنة الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة","level":2,"page":755},{"title":"تاسعا: من سمات أهل السنة أنهم يعطون كل ذي حق حقه وهم أبعد الناس عن التكفير","level":2,"page":757},{"title":"عاشرا: من سمات أهل السنة أنهم قليل في زمن الفتن","level":2,"page":759},{"title":"الحادي عشر: ومن سمات أهل السنة أنهم يقولون: إن المسائل التي يقع الخلاف فيها ليست على درجة واحدة","level":2,"page":759},{"title":"الثاني عشر: ومن سمات أهل السنة أنهم يقولون: إن الحق لا يعرف بالرجال؛ بل الرجال يعرفون بالحق","level":2,"page":761},{"title":"أما المسألة الأولى: السمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى","level":3,"page":778},{"title":"المسألة الثانية: أن من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين","level":3,"page":782},{"title":"المسألة الثالثة: أنه لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إماما، برا كان أو فاجرا","level":3,"page":788},{"title":"أنواع التقدير","level":2,"page":792},{"title":"الجانب الأول: المعنى اللغوي","level":3,"page":802},{"title":"الجانب الثاني: المعنى الشرعي للإيمان","level":3,"page":805},{"title":"الجانب الثالث: دلالة اسم الإيمان","level":3,"page":807},{"title":"الجانب الرابع: أقوال الناس في مسمى الإيمان","level":3,"page":810},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه","level":1,"page":814},{"title":"أولا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن","level":2,"page":814},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":815},{"title":"ثالثا: أقوال السلف الصالح في زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":817},{"title":"رابعا: الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":818},{"title":"خامسا: ثمرة الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":824},{"title":"فمن القرآن","level":3,"page":830},{"title":"من السنة","level":3,"page":831},{"title":"تنبيهات مهمة","level":3,"page":832},{"title":"القول الأول: قول أهل السنة والجماعة","level":2,"page":840},{"title":"القول الثاني: المعتزلة","level":2,"page":843},{"title":"الشفاعة","level":1,"page":850},{"title":"أنواع شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة","level":2,"page":850},{"title":"المسألة الأولى: معنى الميزان في اللغة","level":3,"page":855},{"title":"المسألة الثانية: الأدلة على ثبوت الميزان","level":3,"page":857},{"title":"المسألة الثالثة: معنى الميزان في الشرع","level":3,"page":859},{"title":"المسألة الرابعة: صفات الميزان","level":3,"page":860},{"title":"المسألة الخامسة: خلاف العلماء في الميزان هل هو واحد أم متعدد","level":3,"page":865},{"title":"المسألة السادسة: الأقوال في الموزون","level":3,"page":866},{"title":"المسألة السابعة: كيفية وزن الأعمال","level":3,"page":869},{"title":"المسألة الأولى","level":2,"page":888},{"title":"المسألة الثانية","level":2,"page":889},{"title":"أولا: أقسام الشهادة","level":3,"page":905},{"title":"ثانيا: مسألة الشهادة لمعين بجنة أو نار","level":3,"page":905},{"title":"المراء والجدال في الدين بدعة","level":1,"page":914},{"title":"تعريف الجدل","level":2,"page":914},{"title":"الفرق بين الجدال والمراء","level":2,"page":915},{"title":"اتحاد عام، واتحاد خاص.","level":2,"page":929},{"title":"نعتقد: أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ نبينا محمدا ﷺ خليلا وحبيبا","level":1,"page":931},{"title":"أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم","level":1,"page":933},{"title":"أن الله لا يأمر بأكل الحلال، ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة","level":1,"page":936},{"title":"الديوان أو المحكمة الباطنية","level":2,"page":950},{"title":"الفراسة","level":1,"page":961},{"title":"تعريف الفراسة","level":2,"page":961},{"title":"الفراسة في الكتاب والسنة","level":2,"page":962},{"title":"من ثمرات الإيمان بالقدر","level":2,"page":1048},{"title":"المسألة الأولى: الكلام في الجسم والجوهر","level":3,"page":1061},{"title":"المسألة الثانية موقف أهل السنة الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع","level":3,"page":1090},{"title":"المسألة الثالثة: أن القول في الصفات كالقول في الذات","level":3,"page":1094},{"title":"أولا: الألفاظ المختلفة","level":4,"page":1122},{"title":"ثانيا: الألفاظ المتفقة في اللفظ والرسم","level":4,"page":1123},{"title":"المعية","level":1,"page":1125},{"title":"المعنى الأول: المعية العامة","level":2,"page":1125},{"title":"المعنى الثاني: المعية الخاصة","level":2,"page":1126},{"title":"الاستواء","level":1,"page":1128},{"title":"العلو والفوقية الحقيقية","level":1,"page":1131},{"title":"أن الله في السماء","level":1,"page":1132},{"title":"قول النبي ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه","level":2,"page":1138},{"title":"ظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين","level":1,"page":1143},{"title":"الذين ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه","level":1,"page":1156},{"title":"الذين وافقوا ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، أو الذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب الإمكان","level":1,"page":1163},{"title":"أسباب هذه الألقاب التي يطلقونها على أهل السنة","level":1,"page":1166},{"title":"من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد، فقد سلب العباد الاختيار والقدرة، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة»","level":1,"page":1168},{"title":"من قال: إن الله فوق العرش، فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب محدود، وأنه مشابه لخلقه","level":1,"page":1170},{"title":"إن لله علما وقدرة، فقد زعم أنه جسم مركب، وهو مشبه؛ لأن هذه الصفات أعراض","level":1,"page":1171},{"title":"ومن حكى عن الناس المقالات، وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها","level":1,"page":1174},{"title":"الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام","level":1,"page":1175},{"title":"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء","level":1,"page":1180},{"title":"القسمان اللذان ينفيان ظاهرها","level":1,"page":1187},{"title":"المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك.","level":1,"page":1201},{"title":"الصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها، القطع بالطريقة الثابتة، كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله ﷾","level":1,"page":1202},{"title":"اشتبه عليه ذلك أو غيره، فليدع بدعاء النبي","level":1,"page":1205},{"title":"إذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة","level":1,"page":1206},{"title":"عرف أن غالب ما يزعمونه برهانا وهو شبهة، ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها","level":1,"page":1208},{"title":"من علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم هم في الغالب في قول مختلف","level":1,"page":1212}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"1,292":287,"1,293":288,"1,294":289,"1,295":290,"1,296":291,"1,297":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,363":358,"1,364":359,"1,365":360,"1,366":361,"1,367":362,"1,368":363,"1,369":364,"1,370":365,"1,371":366,"1,372":367,"1,373":368,"1,374":369,"1,375":370,"1,376":371,"1,377":372,"1,378":373,"1,379":374,"1,380":375,"1,381":376,"1,382":377,"1,383":378,"1,384":379,"1,385":380,"1,386":381,"1,387":382,"1,388":383,"1,389":384,"1,390":385,"1,391":386,"1,392":387,"1,393":388,"1,394":389,"1,395":390,"1,396":391,"1,397":392,"1,398":393,"1,399":394,"1,400":395,"1,401":396,"1,402":397,"1,403":398,"1,404":399,"1,405":400,"1,406":401,"1,407":402,"1,408":403,"1,409":404,"1,410":405,"1,411":406,"1,412":407,"1,413":408,"1,414":409,"1,415":410,"1,416":411,"1,417":412,"1,418":413,"1,419":414,"1,420":415,"1,421":416,"1,422":417,"1,423":418,"1,424":419,"1,425":420,"1,426":421,"1,427":422,"1,428":423,"1,429":424,"1,430":425,"1,431":426,"1,432":427,"1,433":428,"1,434":429,"1,435":430,"1,436":431,"1,437":432,"1,438":433,"1,439":434,"1,440":435,"1,441":436,"1,442":437,"1,443":438,"1,444":439,"1,445":440,"1,446":441,"1,447":442,"1,448":443,"1,449":444,"1,450":445,"1,451":446,"1,452":447,"1,453":448,"1,454":449,"1,455":450,"1,456":451,"1,457":452,"1,458":453,"1,459":454,"1,460":455,"1,461":456,"1,462":457,"1,463":458,"1,464":459,"1,465":460,"1,466":461,"1,467":462,"1,468":463,"1,469":464,"1,470":465,"1,471":466,"1,472":467,"1,473":468,"1,474":469,"1,475":470,"1,476":471,"1,477":472,"1,478":473,"1,479":474,"1,480":475,"1,481":476,"1,482":477,"1,483":478,"1,484":479,"1,485":480,"1,486":481,"1,487":482,"1,488":483,"1,489":484,"1,490":485,"1,491":486,"1,492":487,"1,493":488,"1,494":489,"1,495":490,"1,496":491,"1,497":492,"1,498":493,"1,499":494,"1,500":495,"1,501":496,"1,502":497,"1,503":498,"1,504":499,"1,505":500,"1,506":501,"1,507":502,"1,508":503,"1,509":504,"1,510":505,"1,511":506,"1,512":507,"1,513":508,"1,514":509,"1,515":510,"1,516":511,"1,517":512,"1,518":513,"1,519":514,"1,520":515,"1,521":516,"1,522":517,"1,523":518,"1,524":519,"1,525":520,"1,526":521,"1,527":522,"1,528":523,"1,529":524,"1,530":525,"1,531":526,"1,532":527,"1,533":528,"1,534":529,"1,535":530,"1,536":531,"1,537":532,"1,538":533,"1,539":534,"1,540":535,"1,541":536,"1,542":537,"1,543":538,"1,544":539,"1,545":540,"1,546":541,"1,547":542,"1,548":543,"1,549":544,"1,550":545,"1,551":546,"1,552":547,"1,553":548,"1,554":549,"1,555":550,"1,556":551,"1,557":552,"1,558":553,"1,559":554,"1,560":555,"1,561":556,"1,562":557,"1,563":558,"1,564":559,"1,565":560,"1,566":561,"1,567":562,"1,568":563,"1,569":564,"1,570":565,"1,571":566,"1,572":567,"1,573":568,"1,574":569,"1,575":570,"1,576":571,"1,577":572,"1,578":573,"1,579":574,"1,580":575,"1,581":576,"1,582":577,"1,583":578,"1,584":579,"1,585":580,"1,586":581,"1,587":582,"1,588":583,"1,589":584,"1,590":585,"1,591":586,"1,592":587,"1,593":588,"1,594":589,"1,595":590,"1,596":591,"1,597":592,"1,598":593,"1,599":594,"1,600":595,"1,602":596,"1,603":597,"1,604":598,"1,605":599,"1,606":600,"1,607":601,"1,608":602,"1,609":603,"1,610":604,"1,611":605,"1,612":606,"1,613":607,"1,614":608,"1,615":609,"1,616":610,"2,5":611,"2,6":612,"2,7":613,"2,8":614,"2,9":615,"2,10":616,"2,11":617,"2,12":618,"2,13":619,"2,14":620,"2,15":621,"2,16":622,"2,17":623,"2,18":624,"2,19":625,"2,20":626,"2,21":627,"2,22":628,"2,23":629,"2,24":630,"2,25":631,"2,26":632,"2,27":633,"2,28":634,"2,29":635,"2,30":636,"2,31":637,"2,32":638,"2,33":639,"2,34":640,"2,35":641,"2,36":642,"2,37":643,"2,38":644,"2,39":645,"2,40":646,"2,41":647,"2,42":648,"2,43":649,"2,44":650,"2,45":651,"2,46":652,"2,47":653,"2,48":654,"2,49":655,"2,50":656,"2,51":657,"2,52":658,"2,53":659,"2,54":660,"2,55":661,"2,56":662,"2,57":663,"2,58":664,"2,59":665,"2,60":666,"2,61":667,"2,62":668,"2,63":669,"2,64":670,"2,65":671,"2,66":672,"2,67":673,"2,68":674,"2,69":675,"2,70":676,"2,71":677,"2,72":678,"2,73":679,"2,74":681,"2,75":682,"2,76":683,"2,77":684,"2,78":685,"2,79":686,"2,80":687,"2,81":688,"2,82":689,"2,83":690,"2,84":691,"2,85":692,"2,86":693,"2,87":694,"2,88":695,"2,89":696,"2,90":697,"2,91":698,"2,92":699,"2,93":700,"2,94":701,"2,95":702,"2,96":703,"2,97":704,"2,98":705,"2,99":706,"2,100":707,"2,101":708,"2,102":709,"2,103":710,"2,104":711,"2,105":712,"2,106":713,"2,107":714,"2,108":715,"2,109":716,"2,110":717,"2,111":718,"2,112":719,"2,113":720,"2,114":721,"2,115":722,"2,116":723,"2,117":724,"2,118":725,"2,119":726,"2,120":727,"2,121":728,"2,122":729,"2,123":730,"2,124":731,"2,125":732,"2,126":733,"2,127":734,"2,128":735,"2,129":736,"2,130":737,"2,131":738,"2,132":739,"2,133":740,"2,134":741,"2,135":742,"2,136":743,"2,137":744,"2,138":745,"2,139":746,"2,140":747,"2,141":748,"2,142":749,"2,143":750,"2,144":751,"2,145":752,"2,146":753,"2,147":754,"2,148":755,"2,149":756,"2,150":757,"2,151":758,"2,152":759,"2,153":760,"2,154":761,"2,155":762,"2,156":763,"2,157":764,"2,158":765,"2,159":766,"2,160":767,"2,161":768,"2,162":769,"2,163":770,"2,164":771,"2,165":772,"2,166":773,"2,167":774,"2,168":775,"2,169":776,"2,170":777,"2,171":778,"2,172":779,"2,173":780,"2,174":781,"2,175":782,"2,176":783,"2,177":784,"2,178":785,"2,179":786,"2,180":787,"2,181":788,"2,182":789,"2,183":790,"2,184":791,"2,185":792,"2,186":793,"2,187":794,"2,188":795,"2,189":796,"2,190":797,"2,191":798,"2,192":799,"2,193":800,"2,194":801,"2,195":802,"2,196":803,"2,197":804,"2,198":805,"2,199":806,"2,200":807,"2,201":808,"2,202":809,"2,203":810,"2,204":811,"2,205":812,"2,206":813,"2,207":814,"2,208":815,"2,209":816,"2,210":817,"2,211":818,"2,212":819,"2,213":820,"2,214":821,"2,215":822,"2,216":823,"2,217":824,"2,218":825,"2,219":826,"2,220":827,"2,221":828,"2,222":829,"2,223":830,"2,224":831,"2,225":832,"2,226":833,"2,227":834,"2,228":835,"2,229":836,"2,230":837,"2,231":838,"2,232":839,"2,233":840,"2,234":841,"2,235":842,"2,236":843,"2,237":844,"2,238":845,"2,239":846,"2,240":847,"2,241":848,"2,242":849,"2,243":850,"2,244":851,"2,245":852,"2,246":853,"2,247":854,"2,248":855,"2,249":856,"2,250":857,"2,251":858,"2,252":859,"2,253":860,"2,254":861,"2,255":862,"2,256":863,"2,257":864,"2,258":865,"2,259":866,"2,260":867,"2,261":868,"2,262":869,"2,263":870,"2,264":871,"2,265":872,"2,266":873,"2,267":874,"2,268":875,"2,269":876,"2,270":877,"2,271":878,"2,272":879,"2,273":880,"2,274":881,"2,275":882,"2,276":883,"2,277":884,"2,278":885,"2,279":886,"2,280":887,"2,281":888,"2,282":889,"2,283":890,"2,284":891,"2,285":892,"2,286":893,"2,287":894,"2,288":895,"2,289":896,"2,290":897,"2,291":898,"2,292":899,"2,293":900,"2,294":901,"2,295":902,"2,296":903,"2,297":904,"2,298":905,"2,299":906,"2,300":907,"2,301":908,"2,302":909,"2,303":910,"2,304":911,"2,305":912,"2,306":913,"2,307":914,"2,308":915,"2,309":916,"2,310":917,"2,311":918,"2,312":919,"2,313":920,"2,314":921,"2,315":922,"2,316":923,"2,317":924,"2,318":925,"2,319":926,"2,320":927,"2,321":928,"2,322":929,"2,323":930,"2,324":931,"2,325":933,"2,326":934,"2,327":935,"2,328":936,"2,329":937,"2,330":938,"2,331":939,"2,332":940,"2,333":941,"2,334":942,"2,335":943,"2,336":944,"2,337":945,"2,338":946,"2,339":947,"2,340":948,"2,341":949,"2,342":950,"2,343":951,"2,344":952,"2,345":953,"2,346":954,"2,347":955,"2,348":956,"2,349":957,"2,350":958,"2,351":959,"2,352":960,"2,353":961,"2,354":962,"2,355":963,"2,356":964,"2,357":965,"2,358":966,"2,359":967,"2,360":968,"2,361":969,"2,362":970,"2,363":971,"2,364":972,"2,365":973,"2,366":974,"2,367":975,"2,368":976,"2,369":977,"2,370":978,"2,371":979,"2,372":980,"2,373":981,"2,374":982,"2,375":983,"2,376":984,"2,377":985,"2,378":986,"2,379":987,"2,380":988,"2,381":989,"2,382":990,"2,383":991,"2,384":992,"2,385":993,"2,386":994,"2,387":995,"2,388":996,"2,389":997,"2,390":998,"2,391":999,"2,392":1000,"2,393":1001,"2,394":1002,"2,395":1003,"2,396":1004,"2,397":1005,"2,398":1006,"2,399":1007,"2,400":1008,"2,401":1009,"2,402":1010,"2,403":1011,"2,404":1012,"2,405":1013,"2,406":1014,"2,407":1015,"2,408":1016,"2,409":1017,"2,410":1018,"2,411":1019,"2,412":1020,"2,413":1021,"2,414":1022,"2,415":1023,"2,416":1024,"2,417":1025,"2,418":1026,"2,419":1027,"2,420":1028,"2,421":1029,"2,422":1030,"2,423":1031,"2,424":1032,"2,425":1033,"2,426":1034,"2,427":1035,"2,428":1036,"2,429":1037,"2,430":1038,"2,431":1039,"2,432":1040,"2,433":1041,"2,434":1042,"2,435":1043,"2,436":1044,"2,437":1045,"2,438":1046,"2,439":1047,"2,440":1048,"2,441":1049,"2,442":1050,"2,443":1051,"2,444":1052,"2,445":1053,"2,446":1054,"2,447":1057,"2,448":1059,"2,449":1060,"2,450":1061,"2,451":1062,"2,452":1063,"2,453":1064,"2,454":1065,"2,455":1067,"2,456":1068,"2,457":1069,"2,458":1070,"2,459":1071,"2,460":1072,"2,461":1073,"2,462":1074,"2,463":1075,"2,464":1076,"2,465":1077,"2,466":1078,"2,467":1079,"2,468":1080,"2,469":1081,"2,470":1082,"2,471":1083,"2,472":1084,"2,473":1085,"2,474":1087,"2,475":1088,"2,476":1089,"2,477":1090,"2,478":1091,"2,479":1092,"2,480":1093,"2,481":1094,"2,482":1095,"2,483":1096,"2,484":1097,"2,485":1098,"2,486":1099,"2,487":1100,"2,488":1101,"2,489":1102,"2,490":1103,"2,491":1104,"2,492":1105,"2,493":1106,"2,494":1107,"2,495":1108,"2,496":1109,"2,497":1110,"2,498":1111,"2,499":1112,"2,500":1113,"2,501":1114,"2,502":1115,"2,503":1116,"2,504":1117,"2,505":1118,"2,506":1119,"2,507":1120,"2,508":1121,"2,509":1122,"2,510":1123,"2,511":1124,"2,512":1125,"2,513":1126,"2,514":1127,"2,515":1128,"2,516":1129,"2,517":1130,"2,518":1131,"2,519":1132,"2,520":1133,"2,521":1134,"2,522":1135,"2,523":1136,"2,524":1137,"2,525":1138,"2,526":1139,"2,527":1140,"2,528":1141,"2,529":1142,"2,530":1143,"2,531":1144,"2,532":1145,"2,533":1146,"2,534":1147,"2,535":1148,"2,536":1149,"2,537":1150,"2,538":1151,"2,539":1152,"2,540":1153,"2,541":1154,"2,542":1155,"2,543":1156,"2,544":1157,"2,545":1158,"2,546":1159,"2,547":1160,"2,548":1161,"2,549":1162,"2,550":1163,"2,551":1164,"2,552":1165,"2,553":1166,"2,554":1167,"2,555":1168,"2,556":1169,"2,557":1170,"2,558":1171,"2,559":1172,"2,560":1173,"2,561":1174,"2,562":1175,"2,563":1176,"2,564":1177,"2,565":1178,"2,566":1179,"2,567":1180,"2,568":1181,"2,569":1182,"2,570":1183,"2,571":1184,"2,572":1185,"2,573":1186,"2,574":1187,"2,575":1188,"2,576":1189,"2,577":1190,"2,578":1191,"2,579":1192,"2,580":1193,"2,581":1194,"2,582":1195,"2,583":1196,"2,584":1197,"2,585":1198,"2,586":1199,"2,587":1200,"2,588":1201,"2,589":1202,"2,590":1203,"2,591":1204,"2,592":1205,"2,593":1206,"2,594":1208,"2,595":1209,"2,596":1210,"2,597":1211,"2,598":1212,"2,599":1213,"2,600":1214,"2,601":1215,"2,602":1216,"2,603":1217,"2,604":1218,"2,605":1219},"ٜ":{"1":[5,616],"2":[5,605]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,446","2,446","2,447","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3],"4":[4],"7":[5],"9":[6,7],"23":[8,9],"25":[10],"26":[11,12],"29":[13],"30":[14],"31":[15],"35":[16],"36":[17],"74":[18],"85":[19],"89":[20],"92":[21],"95":[22],"144":[23],"156":[24],"189":[25],"210":[26],"218":[27,28],"219":[29],"222":[30],"223":[31],"231":[32],"255":[33],"295":[34],"309":[35],"312":[36],"324":[37],"340":[38],"366":[39],"367":[40],"411":[41,42],"414":[43],"416":[44],"418":[45],"419":[46,47],"489":[48],"496":[49],"500":[50],"501":[51],"513":[52],"517":[53],"521":[54],"580":[55],"581":[56,57],"583":[58],"585":[59],"642":[60],"651":[61],"653":[62],"686":[63,64],"704":[65],"750":[66,67],"751":[68,69],"752":[70],"754":[71],"755":[72,73],"757":[74],"759":[75,76],"761":[77],"778":[78],"782":[79],"788":[80],"792":[81],"802":[82],"805":[83],"807":[84],"810":[85],"814":[86,87],"815":[88],"817":[89],"818":[90],"824":[91],"830":[92],"831":[93],"832":[94],"840":[95],"843":[96],"850":[97,98],"855":[99],"857":[100],"859":[101],"860":[102],"865":[103],"866":[104],"869":[105],"888":[106],"889":[107],"905":[108,109],"914":[110,111],"915":[112],"929":[113],"931":[114],"933":[115],"936":[116],"950":[117],"961":[118,119],"962":[120],"1048":[121],"1061":[122],"1090":[123],"1094":[124],"1122":[125],"1123":[126],"1125":[127,128],"1126":[129],"1128":[130],"1131":[131],"1132":[132],"1138":[133],"1143":[134],"1156":[135],"1163":[136],"1166":[137],"1168":[138],"1170":[139],"1171":[140],"1174":[141],"1175":[142],"1180":[143],"1187":[144],"1201":[145],"1202":[146],"1205":[147],"1206":[148],"1208":[149],"1212":[150]},"ٟ":[],"numbers":{"1":9,"2":11,"3":18,"4":19,"5":20,"6":22,"7":42,"8":45,"9":48,"10":49,"11":53,"12":61,"13":73,"14":74,"15":82,"16":88,"17":90,"18":92,"19":95,"20":99,"21":101,"22":103,"23":104,"24":104,"25":105,"26":105,"27":105,"28":126,"29":127,"30":128,"31":130,"32":132,"33":134,"34":135,"35":136,"36":137,"37":138,"38":139,"39":144,"40":144,"41":213,"42":218,"43":229,"44":231,"45":255,"46":280,"47":283,"48":285,"49":286,"50":289,"51":293,"52":294,"53":295,"54":309,"55":333,"56":336,"57":341,"58":349,"59":355,"60":359,"61":359,"62":369,"63":371,"64":375,"65":375,"66":375,"67":379,"68":388,"69":391,"70":398,"71":400,"72":412,"73":436,"74":436,"75":436,"76":436,"77":436,"78":441,"79":445,"80":449,"81":449,"82":453,"83":454,"84":456,"85":456,"86":456,"87":459,"88":459,"89":459,"90":459,"91":459,"92":460,"93":460,"94":460,"95":467,"96":478,"97":492,"98":516,"99":517,"100":535,"101":537,"102":538,"103":539,"104":539,"105":539,"106":541,"107":543,"108":544,"109":546,"110":547,"111":548,"112":550,"113":551,"114":552,"115":554,"116":561,"117":562,"118":562,"119":564,"120":566,"121":568,"122":625,"123":631,"124":632,"125":637,"126":657,"127":663,"128":668,"129":685,"130":723,"131":1003,"132":1006,"133":1010,"134":1023,"135":1028,"136":1083,"137":1099,"138":1102,"139":1107,"140":1110,"141":1111,"142":1113,"143":1117,"144":1122,"145":1125,"146":1128,"147":1131,"148":1132,"149":1136,"150":1138,"151":1140,"152":1143,"153":1146,"154":1147,"155":1150,"156":1156,"157":1159,"158":1163,"159":1166,"160":1168,"161":1170,"162":1171,"163":1174,"164":1202,"165":1205,"166":1206,"167":1206,"168":1208,"169":1210,"170":1212,"171":1214,"172":1219},"number_max":172,"number_pages":{"9":1,"11":2,"18":3,"19":4,"20":5,"22":6,"42":7,"45":8,"48":9,"49":10,"53":11,"61":12,"73":13,"74":14,"82":15,"88":16,"90":17,"92":18,"95":19,"99":20,"101":21,"103":22,"104":24,"105":27,"126":28,"127":29,"128":30,"130":31,"132":32,"134":33,"135":34,"136":35,"137":36,"138":37,"139":38,"144":40,"213":41,"218":42,"229":43,"231":44,"255":45,"280":46,"283":47,"285":48,"286":49,"289":50,"293":51,"294":52,"295":53,"309":54,"333":55,"336":56,"341":57,"349":58,"355":59,"359":61,"369":62,"371":63,"375":66,"379":67,"388":68,"391":69,"398":70,"400":71,"412":72,"436":77,"441":78,"445":79,"449":81,"453":82,"454":83,"456":86,"459":91,"460":94,"467":95,"478":96,"492":97,"516":98,"517":99,"535":100,"537":101,"538":102,"539":105,"541":106,"543":107,"544":108,"546":109,"547":110,"548":111,"550":112,"551":113,"552":114,"554":115,"561":116,"562":118,"564":119,"566":120,"568":121,"625":122,"631":123,"632":124,"637":125,"657":126,"663":127,"668":128,"685":129,"723":130,"1003":131,"1006":132,"1010":133,"1023":134,"1028":135,"1083":136,"1099":137,"1102":138,"1107":139,"1110":140,"1111":141,"1113":142,"1117":143,"1122":144,"1125":145,"1128":146,"1131":147,"1132":148,"1136":149,"1138":150,"1140":151,"1143":152,"1146":153,"1147":154,"1150":155,"1156":156,"1159":157,"1163":158,"1166":159,"1168":160,"1170":161,"1171":162,"1174":163,"1202":164,"1205":165,"1206":167,"1208":168,"1210":169,"1212":170,"1214":171,"1219":172}},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، وبعد،\nفقد من الله علي بعونه ومنه وتوفيقه بالقيام بشرح رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة \" الفتوى الحموية الكبرى\" في عدة دروس على بعض الطلبة، ويسر الله لي معاودة النظر في ذلك الشرح المسموع بعد تفريغ أشرطته، وكنت أمام أحد خيارين:\nالخيار الأول: إما أن أكتفي بذلك الشرح الذي هو عبارة عن تعليقات مختصرة تناسب ذلك المقام، وكما يفعل البعض من الذين شرحوا تلك الكتب والرسائل والمسائل، وكما هو الحال فيما وقفت عليه من شروح للفتوى الحموية الكبرى.\nوالخيار الثاني: -وهو الذي اخترته هنا-وهو أن أقوم بشرح موسع لهذه الفتوى وذلك ليتناسب مع مقام التأليف كما قيل لكل مقام مقال، وسيرًا على نهج من توسع في الشروح كما فعل شارح العقيدة الطحاوية -رحمه الله تعالى- والذي لايزال نفع كتابه وفائدته أعم وأكبر، حيث يستفيد منه الطالب المبتدئ والمتوسط في الطلب والمتقدم فيه، وبحكم تخصصي الدقيق في باب الأسماء والصفات وانصراف قدر كبير من عمري واطلاعي على جوانب دقيقة في هذا الباب تأصيلًا وتقعيدًا وتأليفًا، فقد سرت في هذا الشرح هذا المسلك لعلي أفيد فيه طلبة العلم وليجدوا فيه قدرًا متميزًا على غيره من الشروح التي ألفت في شرح الفتوى الحموية الكبرى.\nكما حرصت على تضمين هذا الشرح الكثير من النقول والاستشهاد بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية من مؤلفاته الأخرى المتعلقة بذات الموضوع، وكذلك من كلام تلاميذه وكذلك بكلام بقية العلماء حرصًا على تناول المسألة بأكبر قدر ممكن من النقول والاستشهادات وبخاصة إذا كانت تلك النقول تحمل المزيد من التوضيح التفصيل والتقسيم الموضحة لذلك الموضع.","vol":"1","page":5},{"text":"مع إقراري بأن الشرح الموسع قد يعتريه بعض التطويل أو التكرار لذكر بعض المسائل ومعاودة سردها في أكثر من موطن، ولكن لعله يشفع لي أن ذلك سببه ورود المسألة في أكثر من موطن مما يستدعي الأمر أحيانا معاودة شرحها مرة أخرى، أو ذكر طرف منها، فكلام شيخ الإسلام في الفتوى الحموية الكبرى قد يتكرر في المسألة لداعى من الدواعي ولمناسبة مقاربة لتلك المناسبة التي ورد فيها سابقًا.\nكما أن الفتوى الحموية حوت نقولًا عن جملة من العلماء الذين نقل الإمام ابن تيمية قولهم في عدد من المسائل العقدية، فاستدعى المقام بيان تلك المسائل وشرحها حتى يقف الطالب على مضمون تلك المسائل وشرحها بالرغم أنها ليست من كلام شيخ الإسلام نفسه.\nوفي العموم يبقى هذا الشرح محاولة لإخراج الفتوى الحموية الكبرى بصورة أوضح وأجلى وأحسب أن المطلع عليه سيقف بشكل مفصل ومقعد عن مسائل ومباحث باب الأسماء والصفات الذي هو موضوع الفتوى تأصيلًا وتقريرًا، مع أن بعض تلك المسائل لا تختص بهذا الباب تحديدًا وإنما تتعلق بأبواب العقيدة عامة.\nويبقى مع ذلك أن جهد البشر يعتريه النقص والخلل، فأرجو أن أكون قد أصبت بما كتبت، وإن كان الأمر على خلاف ذلك فأرجو على المطلع على ذلك الخلل والنقص أن يرشدني لذلك لعلي أستدركه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>توطئة</span>\n<span data-type='title' id=toc-3>موضوع الفتوى:</span>\nهذه رسالة الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ويعرف من سؤال السائل في أول الكتاب، أن مضمون الكتاب هو مسائل توحيد الأسماء والصفات.\nوقد سلك الإمام ابن تيمية في جوابه مسلك التأصيل أولًا ثم مسلك التقرير.\nوالمقصود بمسلك التأصيل أنه ﵀ بين الأصول التي يرجع إليها أهل السنة والجماعة في تقرير أصول التلقي فيباب العقيدة عمومًا وفي باب الأسماء خصوصًا، وشرح تلك الأصول على ما سيأتي تفصيله أثناء الشرح.\nثم تكلم في معرض عرض الجوانب التأصيلية عن مناهج أصحاب الفرق التي ضلت في هذا الباب وبين أصولهم التي قام عليها معتقدهم، وتحدث في أثناء ذلك عن أصول مقالاتهم وعن أول من قال بها وعن أسباب ظهورها وانتشارها والقائلين بها.\nثم ذكر الجوانب التقريرية المتضمنة لذكر عقيدة أهل السنة في هذا الباب عمومًا وفي بعض مسائل الصفات خصوصًا.\nثم ذكر طرفًا من أقوال العلماء في تقرير إثبات الصفات على وجه العموم والخصوص، وحرص أن يتناول تلك الأقوال بحسب تنوع مذاهب أصحابها الفقهية أو انتماءاتهم الأخرى كالصوفية.\nوبعد ذلك لخص مواقف الطوائف من نصوص الصفات وذكر أقسامهم.\nوعندما تقرأ في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عليك أن تعلم أن من طريقته في كل مسألة وقع فيها اختلاف، اعتماده الخطوات الآتية:\nأولًا: يؤصل للمسألة بحيث يبين أصول أهل السنة فيها والتي تتمثل بالرجوع إلى الكتاب السنة وفق فهم السلف الصالح.\nثانيًا: يبين معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مستدلًا لذلك بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، فهذا هو معتقد أهل السنة: كتابٌ وسنة وفق فهم سلف الأمة،","vol":"1","page":7},{"text":"ثالثًا: يبين أقوال المخالفين يتعرض للشُبهة التي يحاول هؤلاء أن يلحقوها بالحق، ثم بعد ذلك من منهجه أنه يردُّ على الأُسُسَ التي اعتمدها أولئك في باطلهم.\nفهذه طريقته وهذا منهجه في سائر المسائل التي يتكلم عنها، فهو من جهة يعيد الأمر إلى أصله وأساسه ويحيي ما اندثر من علم السلف، وهذه قضية ميزت كلام وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فامتاز بذلك أنه في سائر كتبه إذا ناقش مسألة من المسائل فإنه يعيدك إلى أصولها حتى تفهم أن هذا هو قول الله فيها، وهذا هو قول رسوله ﷺ، وهذا قول السلف الصالح.\n\n<span data-type='title' id=toc-4>ما حصل لشيخ الإسلام بعد كتابة هذه الفتوى:</span>\nحصلت محنة لشيخ الإسلام ابن تيمية بدمشق بسبب الفتوى الحموية، وقد ذكرت هذه المحنة في العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢١٩ - ٢١٨). قال الشيخ علم الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية.\nوكان الشروع فيها في أول الشهر، وظهرت يوم الخامس منه واستمرت إلى آخر الشهر.\nوملخصها: أنه كان كتب جوابا سئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين. واجتمع بسيف الدين جاغان في ذلك في حال نيابته بدمشق وقيامه، فقام نائب السلطنة، وامتثل أمره. وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به.\nفحصل بذلك ضيق لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ وتألمهم لظهوره وذكره الحسن.\nفانضاف شيء إلى أشياء. ولم يجدوا مساغًا إلى الكلام فيه لزهده، وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم، وجودة الفهم. فعمدوا إلى الكلام في العقيدة. لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب. فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحدة واحدة. وأغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم -حاشاه من ذلك - وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه. وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك. ولم يقع من ذلك شيء والعياذ بالله.","vol":"1","page":8},{"text":"وسعوا في ذلك سعيا شديدًا، في أيام كثيرة المطر والوحل والبرد، وسعوا في ذلك سعيا شديدا.\nفوافقهم جلال الدين الحنفي، قاضي الحنفية يومئذ، على ذلك. ومشي معهم إلى دار الحديث الأشرفية. وطلب حضوره، وأرسل إليه فلم يحضر.\nوأرسل إليه في الجواب: إن العقائد ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك التحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي.\nفوصلت إليه هذه الرسالة فأغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا لم يحضر. ورد عليه.\nفأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فأجاب إلى ذلك. فنودي في بعض البلد ثم بادر سيف الدين جاغان، وأرسل طائفة. فضرب المنادي وجماعة ممن حوله، وأخرق بهم. فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة.\nثم طلب سيف الدين جاغان من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسل والأعوان عليهم في البلدة، فاختفوا واحتمي مقدمهم ببدر الدين الأتابكي، ودخل عليه في داره. وسأله أن يجيره من ذلك؟ فترفق في أمره إلى أن سكن غضب سيف الدين جاغان. ثم إن الشيخ جلس يوم الجمعة على عادته ثالث عشر الشهر. وكان تفسيره في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: ٤] وذكر الحلم وما ينبغي استعماله. وكان ميعادًا جليلا. ثم إنه اجتمع بالقاضي إمام الدين الشافعي، وواعده لقراءة جزئه الذي أجاب فيه. وهو المعروف بالحموية.\nفاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر، من بكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد، ميعادة طويلا مستمرة. وقرئت فيه جميع العقيدة، وبين مراده في مواضع أشكلت. ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم، ولا ممن حضر المجلس، بحيث انفصل عنهم، والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر. وانفصل عنهم عن طيبة.\nوخرج الناس ينظرون ما يسمعون من طيب أخباره. فوصل إلى داره في ملأ كثير من الناس، وعندهم استبشار وسرور به، وهو في ذلك كله ثابت الجأش، قوى القلب، واثق بالنصر الإلهي لا يلتفت إلى نصر مخلوق، ولا يعول عليه.\nوكان سعيهم في حقه أتم السعي، لم يبقوا ممكنا من الاجتماع بمن يرتجون منه أدنى نصر لهم، وتكلموا في حقه بأنواع الأذى، وبأمور يستحي الإنسان من الله","vol":"1","page":9},{"text":"سبحانه أن يحكيها، فضلا عن أن يختلقها، ويلفقها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.\nوالذين سعوا فيه معروفون عندنا وعند كل أحد، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع. وكذلك من ساعدهم بقول، أو تشنيع، أو إغراء أو إرسال رسالة، أو إفتاء، أو شهادة، أو أذى لبعض أصحاب الشيخ ومن يلوذ به، أو شتم، أو غيبة، أو تشويش باطن، فإنه وقع من ذلك شيء كثير من جماعة كثيرة.\nورأى جماعة من الصالحين والأخيار في هذه الواقعة وعقيبها للشيخ مرائي حسنة جليلة، ولو ضبطت كانت مجلدة تامة. انتهى ما ذكره).\nوذكر الإمام ابن كثير ﵀ في بدايته في أحداث سنة ثمان وتسعين وستمائة وبعد ذكره لمقتل الملك المنصور لاجين قال ص ٤ من الجزء الرابع عشر:\nوكان قد وقع في أواخر دولة لاجين بعد خروج قبجق من البلد محنة للشيخ تقي الدين بن تيمية؛ قام عليه جماعة من الفقهاء، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي، فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة (بالحموية)، فانتصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده، فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة من نادي على العقيدة فسكت الباقون، فلما كان يوم الجمعة عمل الشيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته. وفسر في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم» [القلم: ٤] ثم اجتمع بالقاضي إمام الدين يوم السبت واجتمع عنده جماعة من الفضلاء وبحثوا في الحموية وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير، ثم ذهب الشيخ تقي الدين، وقد تمهدت الأمور وسكنت الأحوال، وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنا، ومقصده حسنا. اه.","vol":"1","page":10},{"text":"﷽\n\n(١) \"ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات؛ كقوله ﷺ: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار» إلى غير ذلك من الأحاديث [وما قالت العلماء، وابسُطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى؟] فأجاب: \"\n<hr><s0>\n\nالحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:\nالسائل سأل سؤالًا وهو: \"ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ \"، إلى غير ذلك من صفات، وسأل كذلك عن أحاديث الصفات، فالسؤال عن نصوص الصفات بما فيها الآيات والأحاديث.\nومعلومٌ أن الناس قد انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type='title' id=toc-5>القسم الأول: أهل السنة والجماعة.</span>\nالذين أثبتوا تلك الأسماء والصفات التي جاء ذكرها في كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ، فإذا قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فإن هذا النص خبر، أخبر الله فيه أنه استوى على عرشه، فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله وكماله، لا يماثله فيه أحدٌ من خلقه والله أعلم بكيفيته.","vol":"1","page":11},{"text":"فهذا الجواب تضمن ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: إثبات صفة الاستواء لله ﷿.\nالأمر الثاني: نفي مماثلة صفات الله ﷿ لصفات المخلوقين.\nالأمر الثالث: عدم الخوض في كيفية صفات الله ﷿.\nفما أخبر الله به في هذه الآية يجب أن يُثبت لله تعالى، فإذا قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فإن هذا يوجب على المؤمن أن يصدق به، لأن نصوص القرآن والسنة تدور حول حالين:\nالحال الأول: إما أن يُخبر الله تعالى بشيء.\nكقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، هذا إخبارٌ.\nالحال الثاني: وإما أن يأمر بشيء.\nمثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فهنا أمر من الله لعباده بأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.\nفالخبر يجب على المؤمن تجاهه التصديق، فإذا أخبرنا الله تعالى بأنه استوى على عرشه، فإن علينا أن تصدق بأن الله تعالى استوى على عرشه، وإذا جاءنا الأمر مثل: وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، فيجب علينا الامتثال والانقياد، فإن كان أمر إيجاب يجب علينا أن نقوم به، وإن كان أمر نهيٍ فيجب علينا أن ننتهي عنه.\nفالواجب على الموحد إذا أخبر الله تعالى باستوائه على عرشه أن يعتقد ثلاثة أمور:\nأولًا: يجب عليه أن يؤمن بأن الله ﷾ مستوٍ على عرشه استواءً حقيقة كما أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nثانيًا: أن يثبت لله استواءً يليق بجلاله وكماله تعالى؛ لِأن الله تعالى قد قال في آية أخرى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فمعنى هذا أن الله في استوائه على عرشه لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، ونعني بذلك أن الله تعالى لا يحتاج إلى العرش ولا يفتقر إليه.\nثالثًا: يجب علينا ألا نخوض في كيفية استوائه، هذا أمرٌ لا ينبغي ولا يجوز للمسلم أن يخوض فيه.\nفإذًا تُثبتُ ما أثبته الله لنفسه؛ لأن الله أخبر بذلك، ومع إثبات ذلك يجب أن تعتقد أن الله تعالى لا يماثله ولا يساويه في ذلك أحدٌ من خلقه، مع عدم الخوض في كيفية الاستواء.","vol":"1","page":12},{"text":"فالمقصود والمراد من نفي المماثلة أن لله خصائص، أي أمورٌ يختص بها لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، ثم بعد ذلك فالله تعالى ما أطلعنا ولا أخبرنا ولا تعبدنا بمعرفة كيفية استوائه، وكلنا يعلم جواب الإمام مالك ﵀-إذ سأله السائل: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فغضب الإمام مالك من سؤال السائل وقال: \"الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة\" (^١).\nفإذًا الكيف مجهول، فلا يقال كيف استوى؟ أو كيف ينزل؟ أو كيف يداه؟ أو كيف قدماه؟ إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته ﷾ لا نعلم كيفيتها وهذا سيأتي جوابه إن شاء الله تعالى.\nفإذًا هذه نصوص وردت لإثبات صفاتٍ لله تعالى، فهناك من أثبتها وهم أهل السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>القسم الثاني: المعطلة.</span>\nهذا القسم يندرج تحته فئات:\n١. فمنهم من أنكر جميع الأسماء والصفات، ويقول: لا نثبت لله اسمًا ولا صفة، ومن هؤلاء؟ الجهمية.\n٢. وهناك من أثبت الأسماء إثباتًا لفظيًا وأنكر جميع الصفات، لذلك يقولون: سميعٌ بلا سمع، وعليمٌ بلا علم، وبصيرٌ بلا بصر، وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم.\n٣. وهناك من أثبت بعض الصفات وأنكر البعض الآخر، وهؤلاء هم الأشاعرة والماتريدية والكلابية، وإن كان الذي يُعرف اليوم الأشاعرة والماتريدية دون الكلابية.\nفمن نفى تلك الصفات، أخذ يغير معاني تلك الآيات، فإذا جاء إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال الاستواء بمعنى الاستيلاء، ويريد بهذا أن ينكر أن الله استوى على عرشه حقيقة،\nوسنأتي إن شاء الله إلى ما يثبته الأشاعرة وما ينفونه من الصفات، فهم أثبتوا البعض ونفوا البعض، فممَّا نفوه الاستواء، فهم لا يثبتونه لله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>القسم الثالث: المشبهة.</span>\nوهؤلاء أثبتوا الصفات، ولكنهم أدخلوا في الإثبات أمورًا لا تليق لله تعالى.\n_________\n(^١) انظر الموطأ للإمام مالك الجزء الأول صفحة (٢٥٣).","vol":"1","page":13},{"text":"وقالوا: استواءٌ كاستوائي، أو يدٌ كيدي، أو سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري، فزادوا في الإثبات إلى درجة التشبيه.\nوفحوى هذه الفتوى الحموية يدور على مسألتين يريد المؤلف أن يتحدث عنهما:\nالأولى: الكلام في توحيد الأسماء والصفات.\nالثانية: أن الناس انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام.","vol":"1","page":14},{"text":"(٢) \" [الحمد لله رب العالمين] قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره\"\n<hr><s0>\n\nالمصنف يريد قبل الجواب على سؤال السائل أن يضع مقدمة على اعتبار أن الأمور التأصيلية تسبق الأمور التقريرية، فيقول: إن الذي يجب أن يقوله كل أحد والذي يقوله هو أن نأخذ بما جاء في الكتاب وما جاء في السنة وما كان عليه سلف الأمة، فيجب أن نرجع إلى كلام الله تعالى، وإلى كلام رسوله ﷺ، وإلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة ومن التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان.\nفهذا الأمر الذي يجب أن يرجع إليه عند هذه المسألة بل وعند جميع مسائل الدين، بمعنى أنه يجب على كل مسلمٍ أن يرضى بكلام الله وكلام رسوله ﷺ وبما كان عليه الصحابة وما كان عليه التابعون وما كان عليه تابعوا التابعين.\nوبحمد الله كل هذا محفوظ، فكتاب الله بين أيدينا، وسنة المصطفى ﷺ محفوظة منقولة، نعرف الصحيح منها والضعيف، فنعرف ما ثبت وما لم يثبت، وحتى ما ذكره وقاله الصحابة وما قاله التابعون أو ما قاله تابعو التابعين ومن بعدهم من أئمة الهدى، فكلام هؤلاء كله مسطر ومدون فيجب الرجوع إليه، ويجب الأخذ به.\nوهذه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يُرجع المسائل إلى أصولها، التي هي أصول المسلمين التي هي قال الله ﷿ وقال الرسول ﷺ وما كان عليه سلف الأمة، فهذه أصول الإسلام، فلا يجوز أن تُهجر وتُترك ويستبدل بها أراء وكلام الرجال والفلسفة والمنطق فهذا أمرٌ لا يقبله المسلم أو يرتضيه في دينه، إذ كيف يرتضي قال الفضلاء، وقال الحكماء، وقال العقلاء، ومنطق اليونان وفلسفتهم بدلًا من كلام الله وكلام رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة، فهذا أمرٌ لا يقبل.\nوالمصنف ﵀ يريد أن يقرر الأمور التأصيلية قبل الدخول في المسائل التقريرية","vol":"1","page":15},{"text":"على اعتبار أن الخلاف في هذا الباب مع المخالفين من المعطلة كان أساسًا في تحديد مصادر التلقي في هذا الباب حيث جعل المعطلة الأصل لديهم هو العقل دون الرجوع إلى الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح، ولذلك هذه كتب أهل الكلام كالأشاعرة المتأخرين في الاعتقاد-على سبيل المثال-إذا نظر الناظر فيها في باب التوحيد وباب النبوات، لا يجد لهؤلاء تأصيلًا أو تقريرًا من الكتاب أو من السنة أو من كلام السلف الصالح في هذين البابين، فهم لا يذكرون آية أو حديثًا أو قولًا للسلف الصالح، إنما إذا تصفحت مثل هذه الكتب ستجد كلامًا مركبًا من المنطق والفلسفة وغاية أدلتهم أن يقولوا قال الفضلاء وقال الحكماء وقال العقلاء.\nبل إن الأمر يصل إلى أكبر من ذلك حتى إنهم قدموا أقوال هؤلاء على كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ،\nفأهل التعطيل جعلوا أقوال البشر أو ما يسمونه \"العقل\" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به، وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه -يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) ١ (^١).\nوقال: \"كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا\" (^٢)\nفهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروض عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي\n_________\n(^١) الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي ص ١٣٢ - ١٣٣.\n(^٢) المستصفى ٢/ ١٣٧ - ١٣٨","vol":"1","page":16},{"text":"نظرةً على كتب الأشاعرة مثلًا يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!\nوأما باب السمعيات-أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد-فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.\nومن ذلك مثلًا هناك مسألة يطرحها بعض الأشاعرة ويطرحها غيرهم فيقولون: الدلائل النقلية، ويقصدون بها الكتاب والسنة، هل تفيد اليقين؟ (^١) بمعنى هل هي قاطعة الدلالة؟\nفالجواب عندهم: لا، ويبدؤون تعليلاتهم بعد ذلك بقولهم: قيل: لا،\nأولًا: لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة، أي بما أنه كلامٌ لفظي فإنه لابد عند ذلك من النظر في وضع اللغة، وأصل اللغة ومراد المتكلم.\nوالأول: الذي هو وضع اللغة قالوا: يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، يعني تعرف أن اللغة ينقلها علماء اللغة، ويتناقلها الناس، وكذلك علم النحو والصرف وأصولها، أي أصول هذه العلوم تثبت برواية الآحاد وفروعها بالأقيسة وكلاهما ظنيان.\nوكل هذا كلام فلسفي لنقضٌ وهدمٌ لكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ بأرائهم وعقولهم.\nوالثاني: الذي هو الإرادة، أي: مراد المتكلم يتوقف على أمورٍ ذكروها وهي: عدم النقل، والاشتراك، والمجاز، والإضمار، والتقسيط، والتقديم، والتأخير، والكل لجوازه لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن\".\n_________\n(^١) انظر المواقف لعضد الدين الإيجي ص ٤٠","vol":"1","page":17},{"text":"فهو يشكك في النصوص الشرعية، ويقول: \"إن غايتها الظن\"، ثم بعد ذلك يقول: \"ثم بعد الأمرين\"، أي الوضع والإرادة،\nثانيًا: لابد من العلم بعدم المعارض العقلي، يعني إذا جاء النص وجاء المنطق الذي وضعوه وركبوه فعارض النص، فعند ذلك تحدث مشكلة، فعلى سبيل المثال جاء نصٌ يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ويثبت الاستواء، وفي عقولهم أن الله تعالى لا يوصف بتلك الصفات، فهنا يقولون: \"ما بعد الأمرين لابد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعًا\"، بمعنى أن المسألة ليس فيها تردد عندهم بل يجب قطعًا أن تقدم الدليل العقلي على الدليل النقلي.\nوانظر وتأمل في كلامهم فيقول قائلهم هنا مبررًا ومعللًا هذا الحكم وفق أربع فرضيات هي:\nالفرضية الأولى: إذ لا يمكن العمل بهما، فإذا كان النقل يقول نعم، والعقل يقول لا، فلا يمكن أن نعمل بنعم ولا في وقتٍ واحد، فتقول استوى ولم يستو،\nالفرضية الثانية: ولا يمكن العمل بنقيضهما، يعني لا يمكن أن تنفي الاثنين هذا يقول نعم وهذا يقول لا تقول لا نعم ولا لا.\nالفرضية الثالثة: أن تقديم النقل على العقل إبطالٌ للأصل بالفرع، عندهم أن العقل هو الأصل هو الأساس الذي يجب التحاكم إليه، فإن قضى العقل بشيء فيجب الأخذ به، فأنت لو قدمت النقل على العقل فإنك أبطلت النقل، لأن النقل عندهم: لا يثبت إلا بالعقل، فعندهم أن النقل فرع والعقل أصل وهذه قضية واسعة لا يمكن أن ندخل فيها ونتوسع فيها بعمق.\nالفرضية الرابعة: أن يقدم العقل على النقل باعتباره هو الأصل على حد قولهم.\nوالشاهد من هذا الكلام: أن القوم قدموا عقولهم على كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ.\nفانظر إلى كلام شيخ الإسلام وانظر إلى كلامهم، فكلام شيخ الإسلام يقول: \"قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، \".\nوهؤلاء يقولون: يجب أن نعود في الأمر إلى ما جاءت به العقول ونترك المنقول، وأنت إذا تأملت كتب المتأخرين من الأشاعرة وأمثالهم في باب الإلهيات والنبوات لا تجد قال الله وقال رسوله.","vol":"1","page":18},{"text":"فهذا أول كتاب الإرشاد للجويني، في أول مسألة يقررها يقول: \"بابٌ في أحكام النظر\" أي النظر في وجود الله، فأول مسألة يقررها يقول: \"أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم\" (^١) وهذه عبارات كلامية يصعب فهمها فلو قرأت من هذا عشرات الصفحات لابد أن تكون قد درست المنطق والفلسفة لكي تستطيع أن تفهم.\nلكن مراده بهذا: أنه يجب على الإنسان إذا بلغ سن البلوغ أن ينظر في وجود الله، وعندهم أن هذا النظر لابد أن يسبقه شك أولًا بوجود الله، فأين الدليل من كلام الله وكلام رسوله الذي يوجب على المسلم أن ينظر بعد بلوغه سن التكليف.\nوالسؤال الذي يفرض نفسه لكل من قد تجاوز سن البلوغ، هل قام بهذا الواجب الذي أوجبه الجويني، لأنه ليس في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ما يوجب ذلك، فما يقرره ليس مبنيًا على الكتاب والسنة بل على الفلسفة والمنطق.\nولذلك لا تجد مدرسة أشعرية إلا والفلسفة والمنطق يُدرسان فيها؛ لأنهما هما السبيلان الوحيدان لفهم مثل هذه الكتب، ولا تجد اعتناءً ولا اهتمامًا بالكتاب ولا بالسنة في هذه المسائل من مسائل الدين وهذا لا يعني التعميم فالأشاعرة على سبيل المثال يأخذون في باب السمعيات كما يسمونه أي ما يتعلق باليوم الآخر وأشراط الساعة والوعد والوعيد ونحوها بكلام الله وكلام رسوله ولذلك سمو هذا الباب باب السمعيات وكذلك الشأن في الأمور العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات يأخذون بالكتاب والسنة دون باب الإلهيات والنبوات بحسب تقسيمهم لأبواب الاعتقاد.\nوالسؤال الذي يفرض نفسه هل يقبل أن نأخذ أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والمعاملات وغير ذلك والآداب والأخلاق واليوم الآخر وأشراط الساعة من الكتاب والسنة وتترك أبواب الإلهيات والنبوات؟ هذا أمر غير مقبول.\nلذلك شيخ الإسلام هنا يريد أن يقرر هذه المسألة، وأن الذي يجب على الإنسان أن يرجع إليه ما دام أن الاختلاف قد حصل ووقع إنما هو الرجوع للكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، فذلك الذي يحتكم إليه في حال وقوع النزاع بين هؤلاء جميعًا.\n_________\n(^١) الإرشاد للجويني ص ١١","vol":"1","page":19},{"text":"أفلا نرضى بكتاب الله ﷿ حكمًا ألا نرضى بكلام رسوله ﷺ حكمًا؟ وهذا أمرٌ لله تعالى أمرنا به فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وهذا أمرٌ ليس في باب العقيدة وليس في باب الأسماء والصفات فقط، بل في جميع مسائل الدين، أوليس النبي ﷺ قد أكمل هذا الدين وبلغه وتركنا كما قال النبي ﷺ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (^١).\nفإذًا لا يحتاج هذا الدين إلى من يزيد فيه ولا إلى من ينقص فيه ولا إلى من يغير أو يبدل فيه أبدًا فهو دينٌ كاملٌ لكن الخلل يأتي من الناس، إما لجهلهم أو لتركهم أو لبعدهم عن الكتاب والسنة.\nفمسائل الدين، الواجب على الإنسان أن ينظر فيها بهدي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح، وينظر ماذا قالوا في هذه المسائل، فإذًا قول المصنف ﵀: \"قولنا فيه ما قال الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم بإحسان وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. \"\nفهذا هو ما أمرٌ الله تعالى وأخبر به، ألم يقل ﷾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\nألم يقل ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ألم يقل عن رسوله ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nألم يقل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].\nفنصوص الكتاب والسنة، نطقت به ودعت إليه، فعلى الإنسان أن يرجع في مسائل الدين إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.\nوالله ﷾ زكى الصحابة، ولذلك قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، فانظر إلى قوله ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾، أي ساروا على نهجهم وهديهم، فلو كان نهجهم نهجًا منحرفًا أيقول اتبعوهم؟ أيأمر باتباعهم؟\nفإذًا ما يقوله شيخ الإسلام هنا ليس رأيًا من عنده، وإنما هو أمرٌ دعت إليه النصوص.\n_________\n(^١) انظر سنن ابن ماجه برقم (٤٣)، والإمام أحمد في المسند (مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ) (١٧١٤٢)، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه الجزء الأول، صفحة (١١٥): صحيح.","vol":"1","page":20},{"text":"والنبي ﷺ قال: «عَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ» (^١).\nوقال ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (^٢).\nفإذًا شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية وشهد لهم بالفضل وأمر بالسير على نهجهم والتمسك بهديهم.\n_________\n(^١) انظر سنن أبي داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الجزء الثاني صفحة (٨٠٥): صحيح.\n(^٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابٌ: لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ برقم (٢٦٥٢)، ومسلم كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَابُ فَضْلِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (٢٥٣٣)، والترمذي (٣٨٥٩)، وابن ماجه (٢٣٦٢)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٣٥٩٤).","vol":"1","page":21},{"text":"(٣) \"فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرا، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] \".\n<hr><s0>\n\nأي أن ما يجب اعتقاده في هذا الباب إنما هو أمرٌ دعت إليه النصوص، فأخذ يقرر هذا بالأدلة، إذ لا يعقل أن يُترك ويُهجر كلام الله وكلام رسوله ﷺ في هذه المسائل لا لشيءٍ إلا لأن عقول القوم ومنطقهم الفاسد الباطل لم يصدق بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ولم يؤمن بأسماء الله وصفاته، وكما قال الشاعر:\n\"وكم من عائب قولًا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم\" (^١)،\nوالمقصود: أنه إذا كان الدليل واضحًا وجاء من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ثم يأتي من يعيب كلام الله وكلام رسوله لا لشيء، فما ذلك إلا لأن فهمه سقيم مريض.\nفالعيب إذًا في فهمه وليس في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وهذا يقرر في المسلم عقيدة وهي: أن الأمر والحكم في هذا الباب هو لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح رضوان الله عليهم.\n_________\n(^١) انظر كتاب الأمثال السائرة من شعر المتنبي صفحة (٣٥).","vol":"1","page":22},{"text":"(٤) \"فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بُعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينه، وأتم عليه نعمته.\nمحالٌ مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشتبهًا فلم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه. \".\n<hr><s0>\n\nمقصود المصنف ﵀ أن هؤلاء لما جاءوا وألفوا مثل هذه الكتب وتحدثوا عن أسماء الله وصفاته وعن التوحيد، فدونوا وسطروا في كتبهم كلام المنطق والفلسفة وتركوا كلام الله تعالى وكلام رسولهِ ﷺ.\nهل هذا سببه أن الآيات والأحاديث لم تتحدث في هذا الباب ولم تبينه؟ هل يُعقل هذا؟، فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: هل يمكن أن يكون النبي ﷺ ترك هذا الباب ولا دليل فيه ولا كلام فيه حتى احتاج هؤلاء إلى أن يعودوا إلى كتب الفلسفة والمنطق فيأخذوا منها أحكامًا ويقرروا فيها مسائل من المنطق والفلسفة؟ هل سبب هذا هو نقص النصوص وقصورها؟ لا والله، هذا أمرٌ لا يقبله المسلم.","vol":"1","page":23},{"text":"(٥) \"فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الكتاب اعتقادًا وقولًا؟!\nومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أُمَّتَه كل شيء حتى الخراءة.\nوقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».\nوقال فيما صح عنه أيضًا: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم».\nوقال أبو ذر ﵁: «لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا».\nوقال عمر بن الخطاب ﵁: «قام فينا رسول الله ﷺ [مقامًا] فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» رواه البخاري.\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية\" لا شك أن أعظم أبواب الدين وأهمها وأصلها هو الإيمان بالله وتوحيده ﷾ لأنه على أساسه يقوم الدين، ألم يقل الله ﷾ لنبيه ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، والشرك ضد التوحيد، فلو اختل التوحيد لحبط العمل وبطل الدين، فهو الأصل والأساس.\nوقول المصنف: \"فإن معرفة هذا\" أي معرفة أسماء الله وصفاته \"أصل الدين وأساس الهداية، بل وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس\"، أي أن أفضل شيء هو أن تعرف الله ﷾؛ لأنك إن عرفت الله عبدت الله اتقيته وخفته وحدثت الخشية والرجاء والخوف والإنابة والمحبة، وغير ذلك من الأمور كل هذا يأتي بعد معرفة الله ﷾.\nوقال المصنف: \"فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا؟! \" أي أيعقل أن يكونوا قد تركوا هذا الباب ولم يحكموه ولم يتقنوه حتى يأتي هؤلاء ويأتوا بشيءٍ من عند أنفسهم ويهجروا","vol":"1","page":24},{"text":"الكتاب والسنة؛ بحجة أن الكتاب والسنة لم يتكلما في هذه المسائل أو لم تتقن ولم تحكم هذه المسائل، هل هذا يتصوره مسلم؟\nوقال المصنف: \"ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أُمَّتَه كل شيء\" نعم والله لم يمت النبي ﷺ إلا وقد علم الأمة كل ما تحتاج إليه من أمر دينها، فقد بين ووضح حتى أنه في حجة الوداع أشهد الناس فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ» (^١)، فقالوا: بلى، فكان النبي ﷺ يرفع أصبعه السبابة إلى السماء فيقول: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاثًا» فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فيقول: وقال ﷺ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» (^٢)، ويقول: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ»، أي واجبًا عليه «أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (^٣).\nهذا كلامه ﷺ، أخبر أنه قد بين ووضح وبلغ، فهل يُعقل أنه ترك هذا الباب ولم يوضح ما يجب فيه ولم يبين ما يجب اعتقاده فيه؟ هذا محال، وأصحابه ﷺ شهدوا بأن النبي ﷺ قد علمهم وبلغهم وأفهمهم أمور دينهم حتى يقول أبو ذر: \" لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا \" (^٤) بمعنى أن النبي ﷺ كان يبين لهم كل شيء.\nوقال عمر: \" قَامَ فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ-مَقَاما، فَأخبَرَنَا عنْ بَدءِ الخَلقِ حتى دَخَلَ أهلُ الجنةِ مَنَازِلَهُم، وأهلُ النَّارِ منازِلَهم \" (^٥) أي تحدث من بدء الخليقة إلى دخول الناس إلى الجنة وإلى النار. \" حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ\".\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (١٦٧٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ (٢٠٣٨٦)، والدارمي (١٩٥٧).\n(^٢) تقدم تخريجه، انظر صفحة رقم (٧).\n(^٣) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٤)، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي (٤١٩١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦٧٩٣).\n(^٤) انظر مسند الإمام أحمد مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ برقم (٢١٣٦١)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في حاشية المسند الجزء (٣٥) صفحة (٢٩٠): حديث حسن.\n(^٥) انظر صحيح البخاري كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، برقم (٣١٩٢).","vol":"1","page":25},{"text":"(٦) \"محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم [ويعتقدونه] بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مُسكة من إيمان وحكمة، أن لا يكون [بيان] هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام. \"\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"فمحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم وما يعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، \" أي محال أن يعلمهم صغائر الأمور والأمور الفرعية ويترك الأمور الأصلية هل هذا يتوقع من النبي ﷺ؟.\nفإذًا على هذا يجب أن يعلم أن الخلل ليس من الكتاب والسنة ولكن من القوم الذين ابتعدوا عن الكتاب والسنة.\nفلا شك أن العلم بالله تعالى هو أشرف وأعلى ما يكون في العلم والمعرفة؛ لأنه كما يُقال: \"شرف العلم من شرف المعلوم\" (^١) فالمعلوم أن المعلوم هنا هو الله ﷾.\nفذلك كل أمرٍ يتعلق بالله ﷾ من أشرف وأهم ما يكون، فلذلك عندما يدرس هذا الجانب من توحيد الله تعالى فاليعرف أن هذا أشرف علم يدرسه العبد، كيف لا والمعلوم هو أسماء الله وصفاته، وتوضيح ما يجب اعتقاده في الله ﷾.\nفلا شك أن هذا أشرف علم تكتسبه النفوس، لأنه يجب على العبد أن يعرف ما يليق بالله وما لا يليق به ﷾ ما يجب لله وما يمتنع عن الله ﷾ وتميز ما بين الحق والباطل في هذا الباب، فيعرف العبد أسماء الله ﷾ وصفاته التي أثبتها لنفسه ويعرف كذلك ما نفاه عن نفسه ﷾ فهذا أشرف علم تكتسبه النفوس.\n_________\n(^١) انظر كتاب النبوات لابن تيمية الجزء الأول، صفحة (٤٠٨).","vol":"1","page":26},{"text":"فأفضل وأغلى وغاية ما يكتسبه الإنسان من العلم والمعرفة هو أن يعرف الله ﷾، وكما أوصى النبي ﷺ ابن عباس وهو غلام فقال له: «يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» (^١)، ومعنى احفظ الله؟ أي اعرف الله تعالى، واعرف حدوده، واعرف ما أوجبه عليك من شرائع وأحكام، فإذا أنت حفظت الله تعالى فإن الله يحفظك، وقال ﷺ: \" تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ \" (^٢)\nوقول المصنف: \" الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته ﷾ أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية. \"\n\nتتجلى<span data-type='title' id=toc-8> أهمية باب الأسماء الحُسنى والصِّفات العُلى </span>في الأمور التالية:\n<span data-type='title' id=toc-9>أولًا: هو شَطر باب الإيمان بالله تعالى:</span>\nفلا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تَبَع له وفرع عنه، فهو أهم ما خُلق لها الخلق، وأُرسلت به الرسل، وأُنزلت به الكتب، وأُسِّست عليه الملة؛ فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأنَّ الإنسان لما كان مخلوقًا مَربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وبارئه؛ فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غِنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عِوض، وليس لكل شيء عن الله عوض؛ فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربِّه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خُلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فُضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يُعلم من تَتبع دعوات الرسل في القرآن.\nوملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بَعث الله ﷾ رسوله ﷺ، وإليه دَعت الرسل-صلوات الله وسلامه عليهم-من أولهم إلى آخرهم.\n_________\n(^١) انظر سنن الترمذي برقم (٢٥١٦)، وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والإمام أحمد في المسند وَمِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ (٢٦٦٩)، قال الشيخ الالباني في المشكاة الجزء الثالث، صفحة (١٤٥٩): صحيح.\n(^٢) انظر مسند الإمام أحمد مِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ برقم (٢٨٠٣)، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في الجزء الخامس صفحة (١٩): حديث صحيح.","vol":"1","page":27},{"text":"وأحدهما: التوحيد العِلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.\nقال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «ولا ريبَ أنَّ العِلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأَفضلها، ونِسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أَجَلُّ العلوم وأشرفُها، فهو أصلها كلها، كما أنَّ كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته، وكل علم فهو تابع للعلم به مُفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم، كما أنَّه- سبحانه- ربُّ كل شيء ومليكه ومُوجده …»، إلى أن قال: «فالعِلم بذاته- سبحانه- وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه فهو- في ذاته- ربُّ كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عَرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).\nوالنوع الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يَجعل له عدلًا في شيء من الأشياء.\nوقد جمع ﷾ هذين النوعين في سورتي الإخلاص، وهما سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.\nوسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.\nفسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيانُ ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.\nوسورة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.\nولا يتمُّ أحدُ التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنَّة الفجر والوتر والمغرب، وقد ورد كذلك في سُنَّة المغرب القراءة بهاتين السورتين (^٢)؛ ليكون فاتحة العمل وخاتمته توحيدًا؛ إذ مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦)، دار الكتب العلمية-بيروت.\n(^٢) قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٢٦) عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾».\nوأخرج الترمذي (٤٦٢) عن ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الوتر: ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿؟؟؟﴾، و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في ركعة ركعة»، وأخرجه الدارمي بنحوه (١٦٣٠)، وصححه الألباني في «صلاة التراويح» (ص ١٠٨).\nوأخرج النسائي (٩٢٢) عن ابن عمر ﵁ قال: «رَمَقتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِشرين مَرَّةً يقرأ في الرَّكعَتَينِ بعد المغرب، وفي الرَّكعَتَين قبل الفجرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٣٨٥): «إسناده جيد»، وصححه الشيخ أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٨/ ٨٩)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٢٨).","vol":"1","page":28},{"text":"توحيدًا (^١).\nفالتوحيد المطلوب من العبد شَطره هو توحيد الأسماء والصفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>ثانيًا: توحيد الأسماء والصِّفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق:</span>\nإنَّ شرف العلم تابع لشرف معلومه؛ لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه، ولشدة الحاجة إلى معرفته وعِظم النفع بها.\nولا ريب أن أَجَلَّ مَعلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.\nفلا ريب أن العلمَ به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات (^٢).\nفإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أنَّ الغاية أشرف من الوسيلة؛ فكيف تُفضل الوسائل على غاياتها؟\nقيل: كل مِنْ العلم والعمل ينقسم إلى قسمين؛ منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإنَّ العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مطلوب لنفسه، مراد لذاته؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، فقد أخبر- سبحانه- أنه خلق السموات والأرض، ونَزَّل الأمر بينهن؛ ليَعلم عباده أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير؛ فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل\n_________\n(^١) انظر «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية» لابن القيم (ص ٣٥، ٣٦).\n(^٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).","vol":"1","page":29},{"text":"لابد معه من عبادته وحده لا شريك له؛ فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.\nالأمر الأول: أن يُعرف الربُّ تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.\nوالأمر الثاني: أن يُعبد بمُوجبها ومُقتضاها.\nفكما أنَّ عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضًا، فإنَّ العلم من أفضل العبادات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل العلوم الدينية:</span>\nكما أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها فهو أصلها كلها، فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عرف الله عَرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو: أنَّ مَنْ نسي ربَّه أنساه ذاته ونفسه، فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده؛ لأنَّه خرج عن فطرته التي خلق عليها، فنسي ربَّه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها؛ قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، فغفل عن ذكر ربه؛ فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مُشتت القلب مُضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلًا.\nفالعِلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مُستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>رابعًا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف:</span>\nمعرفة أسماء الله وصفاته هي الأساس الذي يَنبني عليه عمل العبد، ومن خلالها تتحدد العلاقة التي تربط العبد بربه، وعلى ضوئها يَعبد المسلم ربَّه، ويتقرب إليه.\nقال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: «وأصلُ الإيمان: قولُ القلب الذي هو التَّصديق. وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع؛ إذ لا مُلائمة لأرواح العباد أتم من ملاءمة إلهها؛ الذي هو الله الذي لا إله إلا هو».\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٧٨).\n(^٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).","vol":"1","page":30},{"text":"ولذلك كان منهج السلف يقوم على أمرين؛ هما:\n١ - العلم بالله.\n٢ - والعمل لله.\nفجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.\nوحققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.\nفوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:\nإحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.\nوالمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (^١).\nوهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.\nفالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله تعالى، وعَطَّلوا صفاتِه ﷿.\nوعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و«واحد في صفاته»: «لا نظير له». و«واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (^٢)، ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: «ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز» ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤١) بتصرف.\n(^٢) انظر: «المِلل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٤٢)، مؤسسة الحلبي.","vol":"1","page":31},{"text":"تحدثوا عن أفعال الله تعالى هذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.\nوأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.\nوهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.\nأمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله ٥ على لسان رسوله ﷺ.\nفالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن.\nفلذلك لا بد لصاحب السُّنَّة أن يدرس هذا الباب، وأن يَبني هذه الدراسة على الكتاب والسنة؛ ليعرف الله ﷿، فلن تكون من أصحاب السنة ولن تكون من أتباع السلف حتى تُعنى بهذا الباب، وطبعًا العلم بهذا الباب- كما ذكر العلماء مطلوب لذاته، ليس وسيلة للعمل كما يزعم البعض؛ فكلٌّ من العِلم بالله والعمل لله مطلوب لذاته؛ فقد يكون منه ما هو وسيلة، ومنه ما هو غاية؛ فيجب أن نعلم أنه لا بد من معرفة هذا الباب وتعلمه؛ باعتبار أنه أمر مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد وأن يجتمع معه عبادة الله ﷿، وإلا فإن العبد لا يكون مؤمنًا، وبهذا نعلم أن من أهمية هذا الباب أنه أصلٌ عظيمٌ في منهج أهل السنة والجماعة؛ فبالتالي لا بد من الاعتناء به، ولا بد من الاهتمام به، ولا بد من تعلُّمِه، وكما أشار المصنف: لا بد منه لأهميته وعِظمه ومنزلته، وكذلك لوقوع الاختلاف والافتراق في هذا الباب بين الفِرَق والطوائف لا بد من مزيد جهد وعناية بفهمه وتوضيحه ودراسته وتعلمه وتطبيقه.\nوالله تعالى ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ","vol":"1","page":32},{"text":"بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فالله تعالى تَعَرَّف إليك! فضلًا منه ومِنَّة عليك عَرَّفك بأسمائه وصفاته، عَرَّفك بأنه العليم، وأنه السميع، وأنه البصير، وأنه القدير، وأنه الغفور، وأنه الرحيم، وأنه الجبَّار، وأنه المتكبر .. إلى غير ذلك مِنْ أسماء الله ٥ وصفاتِه الواردة في الكتاب والسُّنَّة؛ فمِنَّةٌ عُظمى فتحها الله عليك! بالله عليك كيف تُغلقها على نفسِك؟! بل إن الله رَغَّبك في هذه المعرفة فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .. إلى غير ذلك من المواطن التي ذُكرت فيها أسماء الله ﷿؛ إمَّا جملة وإما تفصيلًا.\nفافتح بابَ معرفة الله تعالى! لا تُغلقه على نفسك! لا تحرم هذا القلب من أن يَعرف ربَّه، ويَعرف معبودَه!\n\n<span data-type='title' id=toc-13>خامسًا: العلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد باب معرفة الله:</span>\nإنَّ محبة الشيء فرع عن الشعور به، وأعرف الخلق بالله أشدهم حُبًّا له، فكل من عرف الله أحبه، والعلم يَفتح هذا الباب العظيم الذي هو سِرُّ الخَلق والأمر (^١)؛ فمن أعظم أصول الدين: المحبة، بل هي قاعدة العبادة، فكيف يكون حبٌّ في قلب العبد المؤمن وهو لم يعرف الله ٥؛ فالله تعالى فتح لنا باب معرفته من هذا الطريق، فإن شئت فادخل وتعَرَّف على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وإلا فإنك محروم مِنْ ضِمن مَنْ حُرم مِنْ هذا الخير العظيم؛ فطمأنينة القلب وحياته هي في هذا الأمر العظيم: في معرفة الله ﷿، ولا سبيل للحصول على هذه المعرفة إلا من باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلا تَستقر للعبد قَدَم في معرفة الله إلا بالتعرف على أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة؛ فالعلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد هذا البابَ العظيمَ، فالله ﷿ لم يجعل السبيل إلى معرفته من طريق الاطلاع على ذاته، فهذا الباب موصود إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحدٌ مِنكم ربَّه ﷿ حتى يَموت» (^٢).\nوكذلك فإنَّ من المحال أن تَستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":33},{"text":"التفصيل، فهي عاجزة عن ذلك لكونه من المُغيبات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الوحي، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهذه الآية تُبين محدودية علم الإنسان.\nوقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بَعث الرسل به مُعَرِّفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:\n١ - تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: «شريعته المتضمنة لأمره ونهيه».\n٢ - تعريفهم مآلهم في الآخرة.\nوهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مَبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>سادسًا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته:</span>\nعلى أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها؛ فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليها؛ لسلامة قلبه، وصلاح معتقده، واستقامة عمله، فهذه المعرفة لأسماء الله وصفاته وأفعاله تُوجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يَليق به، ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.\nوذلك يتم بتدبر كلام الله تعالى، وما تعَرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نَزَّه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه.\nوالجدير ذِكره أن معرفة الله نوعان:\nالنوع الأول: المعرفة الإجمالية:\nوهي التي تَلزم العبد المؤمن؛ لينعقد بها أصلُ الإيمان، وهي تتحقق بالقدر الذي يميز العبد به بين ربه وبين سائر الآلهة الباطلة، ويتحقق بها الإيمان المجمل، وتجعله في سلامة من الكفر والشرك المُخرجين من الإيمان، وتُخرجه من حدِّ الجهل بربه وما يجب له.","vol":"1","page":34},{"text":"وهذه المعرفة يتحصل عليها من قراءة سورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرها من الآيات، ومعرفة معانيها.\nولكن هذه المعرفة لا تُوجب قوة الإيمان والرسوخ فيه.\nالنوع الثاني: المعرفة التفصيلية:\nوهذه تكون بمعرفة الأدلة التفصيلية الواردة في هذا الباب، وتعلمها واعتقاد اتصاف الله بها، ومعرفة معانيها، والعمل بمقتضياتها وأحكامها.\nوهذه المعرفة هي التي يحصل بها زيادة الإيمان ورسوخه، فكلما ازداد العبد علمًا بالله زاد إيمانه وخشيته ومحبته لربِّه وتَعلقه به؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، كما تجلب للعبد النور والبصيرة التي تُحَصِّنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.\n«والعلم بالله يُراد به في الأصل نوعان:\nأحدهما: العلم به نفسه، أي: بما هو متصف به مِنْ نُعوت الجلال والإكرام، وما دَلَّت عليه أسماؤه الحسنى.\nوهذا العلم إذا رَسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يعلم أن الله يُثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته.\nوالنوع الثاني: يُراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي والحلال والحرام.\nولهذا قال بعض السلف: العلماء ثلاثة:\n١ - عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله.\n٢ - عالم بأمر الله ليس عالمًا بالله.\n٣ - عالم بالله وبأمر الله.\nفالعالم بالله: الذي يخشى الله. والعالم بأمر الله: الذي يعرف الحلال والحرام» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>سابعًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب:</span>\nيجب أن نعلم أنَّ معرفة الله تعالى هي حياة قلوبنا؛ فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٣) بتصرف بسير.","vol":"1","page":35},{"text":"سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تَعرف ربها ومعبودها وفاطرها، ويكون أحب إليها مما سواه، ولا يمكن أن تنجو وأن تَسعد في الآخرة إلَّا بهذه المعرفة والمحبة.\nوالإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربِّه لا يكون إلا شقيًّا مُعذَّبًا كما هو حال الكافرين.\nفالله-﵎-خلق هذا الإنسان ورَكَّبه من الجسد والروح، وشاء أن يكون قَوَام هذا الجسد من هذه الأرض؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وجعل حياة هذا الجسد من التراب؛ فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها.\nوجعل في هذا الجسد الروح؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].\nأمَّا أصل هذه الروح ومادتها فهذا لا علم لنا به: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فأمرٌ استأثر الله تعالى به في علم الغيب عنده.\nلكن الله ﷿ شاء أن يكون قِوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته؛ قال ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبَّة فاطره وبارئه، ودوام ذِكره، والسعي في مرضاته، لذلك فإنَّ مَنْ في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التَّبَصُّر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خُلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأُرسلت الرسل، وقامت السموات والأرض، ووُجدت الجنة والنار، ولأجله شُرعت الشرائع، وأُسِّست الملة، ونُصبت القِبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.\nوهو بحقٍّ أفضل ما اكتسبته القلوب، وحصَّلته النفوس، وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه (^١).\n_________\n(^١) انظر: «الفتوى الحموية الكبرى» (ص ٢٨، ٢٩).","vol":"1","page":36},{"text":"وإذا تأملت أعمال القلوب وجدت-مثلًا-أن كل حبٍّ هو تَبَعٌ لحبِّ الله ﷿؛ وكذلك الخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والإخلاص، والرغبة، والرهبة .. إلى غير ذلك.\nفلا يمكن أن تتحرك أعمال القلوب في القلب ولا أن تقوم بواجبها ما لم تكن على معرفة بالله ﷿!\nإذًا، كيف تتحقق في القلب أعمال القلوب؟\nفمثلًا إذا علمت أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المُميت، وهو النَّافع، وهو الضَّار، وهو القابض، وهو الباسط.\nإذا علمت هذا أَثْمَر في قلبك توكلًا على الله ﷿. هذه المعرفة تُوَلِّدُ التوكل. ممن تخاف ومَن ترجو والرزق بيد الواحد الأحد ﷿؟! يرزق من يشاء بغير حساب. وكيف ترجو ما في يد الناس؟ أو حتى كيف تحسد فلانًا من الناس: أن أعطاه الله تعالى من فضله؛ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ فالخير بيد الله ﷿، والله يختص برحمته مَنْ يشاء؛ فكيف لقلبٍ أن يحسد لو كان على إيمان؟! ويحسد مَن؟! كأنما يعترض على حكم الله ﷿: أن أعطى فلانًا ومنع فلانًا!\nفصلاح قلوبنا وحمايتها من تلك الأمراض التي تضرها، وتفسد على الإنسان حياته مِنْ غِلٍّ وحسد وحقد وغِيبة ونميمة .. إلى غير ذلك من أمراض سببها هو: أن الإنسان ما عرف الله تعالى حقَّ المعرفة، ومثلًا الله ﷿ أخبرك بأنه عليم، وأنَّه سميع، وأنه بصير؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومُطَّلِع على عملك وعلى فعلك؛ أفَلَا يحملُك هذا على الحياء منه؟!\nفيجب أن يحمل هذا العبدَ على خوف الله تعالى، على مراقبته، على خشيته؛ فلو أن النفوس استحضرت هذه المعاني لَمَا أَقْدَمَت على فِعل معصية، ولذلك يقول النبي ﷺ: «لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مؤمن، ولا يَشرب الخمرَ حين يَشرب وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرق السارق حين يَسرق وهو مؤمن …»، الحديث (^١)؛ لأنه لو قام الإيمان كما يجب-وكما ينبغي-في نفسِه في تلك اللحظات لَمَا أقدم على فَعلته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":37},{"text":"أنت لو لَمَحت أحدًا من الناس وأنت على معصية لربما استحييت منه، ولربما خِفت أن يُفشي سِرَّك! فكيف وأنت أمام عالم الغيب والشَّهادة، المُطَّلِع على جميع أحوالك وعلى جميع أمورك وعلى جميع سكناتك وعلى جميع حركاتك؛ ألا تستحي مِنْ الله ﷿؟! وكما يذكرون أنَّ رجلًا لقي أعرابية فأرادها على نفسها فأَبَت وقالت: أي ثكلتك أمك، أَمَا لك زاجر من كرم؟ أما لك ناهٍ مِنْ دين؟ قال: قلت: واللهِ إنَّه لا يَرانا إلا الكواكب، قالت: ها بأبي أنت، وأين مُكوكبها» (^١)؛ فأراد أن يُطمأنها أنَّه لا يراهم أحد إلا هذه الكواكب! فقالت له: «وأين مُكوكبُها؟!»؛ فذكَّرَته بالله ﷿ في تلك اللحظة؛ فقام عنها، وكان ذلك سببًا في هدايته.\nفنحن لو استحضرنا معاني أسماء الله وصفاته لكان هذا سببًا في حياة قلوبنا، ولكنَّ قلوبَنا مُلئت بالغفلة عن الله ﷿ والإعراض عن معرفة أسمائه وصفاته؛ فأصابها ما أصابها من أمراض أثقلت كواهلنا، وأفسدت علينا أمر ديننا، وأفسدت علينا أمر دنيانا، بل إن الواحد منا يقف في الصلاة ويسمع آيات الله سبحانه تُتلى عليه، ومع ذلك قلبه قاسٍ، وأصبح قلبًا متحجرًا مهما ذُكِّر بآية عذاب أو وعيد لا يهتز لها، ولا يتحرك لها شعور في قلبه من ذِكر شيء من آيات الله ﷿؛ فأصابنا ما أصابنا من أمراض في قلوبنا وفي نفوسنا بسبب أننا غفلنا عن معرفة الله ﷿.\nفليتنا نعودُ إلى أسماء الله وصفاته! ليتنا نتدبر ما جاء فيها من معانٍ، وما تُثمره من ثمرات! أنت إذا أثمرت هذه المعرفة في قلبك التوكل حصلت عِزَّة للمؤمن، وحصلت طمأنينة للنفس، وكذلك إذا حصل حياء وإذا حصل خوف وإذا حصلت خشية منعك هذا مِنْ أن تقترف معصية؛ لا في السر ولا في العلن. إذا حصلت هذه المعرفة قامت بك محبةٌ لله تعالى وتعظيم وإجلال.\nهذه المعرفة وهذه المحبة وهذا التعظيم وهذا الإجلال يحملك على أن تُراقب الله ﷿ في جميع أحوالك، وأن يكون اللهُ تعالى أحبَّ إليك مِنْ كل شيء وأعظم وأكبر وأجَل من كل شيء، لكن للأسف حَرمنا قلوبنا من ذلك، فلربما استحقت وعيدَ الله ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]؛ فقست القلوب، والقلوب تقسو، بل وتمرض وتموت، والله تعالى قد قال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]؛ فالران: هو الصدأ؛ يعلو على هذه القلوب حتى تصبح هذه القلوب صَدِأَة، هذه القلوب قاسية مُبتعدة عن ذكر الله ﷿.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٦٥) عن العتبي.","vol":"1","page":38},{"text":"فأين النفس المطمئنة التي ستنادى كما قال الله ﷿: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧]؟!\nفمعرفةُ الله ﷿ حياةٌ لقلوبنا، وستثمر لنا من أنواع الإيمان وأنواع العمل ما يكون-بإذن الله تعالى-سببًا في صلاحنا وصلاح أحوالنا وصلاح مَعاشنا وصلاح معادنا؛ لو أننا عرفنا ذلك وعملنا به!\n\n<span data-type='title' id=toc-16>ثامنًا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته:</span>\nمما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تُثمره معرفة أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة في الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تَجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.\nفهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشيةَ الله لا محالة؛ فلكلِّ اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.\nولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ فالأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مُطَّرِد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فمثلًا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يُثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.\nوعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنَّه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يُرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه؛ فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.\nومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبِرِّه وإحسانه ورحمته تُوجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.\nوكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العُلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية.","vol":"1","page":39},{"text":"فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها (^١).\nوبهذا يتبين أنَّ معرفة العبد لأسماء الله وصفاته على الوجه الذي أخبر الله ﷿ به في كتابه وسنة رسوله ﷺ تُوجب على العبد القيام بعبودية الله على الوجه الأكمل، فكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص والتعبد أقوى، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر؛ إذ كل اسم من أسمائه ﷿ له تَعَبُّد مُختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا.\n(علمًا ومعرفة): أي: إنَّ مَنْ عَلِم أنَّ الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة، ثم اعتقد ذلك، فهذه عبادة.\nو(حالًا) أي: إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.\nوهذه الطريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.\nوالدعاء بها يتناول: دعاء المسألة. ودعاء الثناء. ودعاء التعبد.\nوهو-سبحانه-يدعو عباده إلى أن يَعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>تاسعًا: ضرورة تجنُّب الباطل، وعدم مخالفة طريق الحق في هذا الباب:</span>\nقد وقع الخلاف في هذا الباب، وكَثُر كلام أهل الباطل فيه؛ لما عرفوا من أهميته، فبالتالي ازداد تسلطهم عليه، وأرادوا أن يَحجبوا الناس عن معرفة الله تعالى؛ لأنهم بهذا سيوصدون الباب، وإذا أُوصد الباب لم يمكن الدخول! فَكَثُر الخلاف والافتراق، فكان لا بد مِنْ مَعرفة تَنبني على الكتاب والسنة، وكان لا بد من فهم للحقِّ حتى يُتَّبع، ولا بد من معرفة للباطل حتى يُجتنب.\nفباب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومَزلة؛ من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمُشبهة من جهة أخرى.\nفمن واجب طالب العلم: أن يَتعمق في فهم الحق المَبني على الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه،\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩٠).\n(^٢) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":40},{"text":"والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربِّه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.\nفمن الواجب على المسلم: أن يدرس هذا الباب وأن يتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضَرَّت أصحابها، وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قُوى حُبِّهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.\nومعلوم: أنه لا يستقر للعبد قَدَمٌ في المعرفة-بل ولا في الإيمان-حتى يؤمن بأسماء وصفات الربِّ ﷻ، ويَعرفها معرفة تُخرجه عن حدِّ الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتَعَرُّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان؛ فمَن جَحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.\nفينبغي للمؤمن أن يَبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وأن تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتُلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ، فالمعرفة الصحيحة هي المُتلقاة من الكتاب والسنة، وما رُوي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.\nومما يذكره العلماء في أهمية هذا العلم- الذي هو العلم بأسماء الله وصفاته- بالإضافة إلى كونه شطر باب (الإيمان بالله تعالى): أنه أشرف العلوم؛ فهو أشرف العلوم وأعظمها وأجلها وأكبرها؛ فإذا قلنا: إن شرف العلم تابع لشرف المعلوم، فالمعلوم هنا: هو ما يليق بأسماء الله تعالى من أسمائه وصفاته ﷿، وما تَعَرَّف به إلى خلقه مما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ؛ من أسمائه الحسنى وصفاته العُلى؛ فأنت أمام أشرف علم تكتسبُه؛ فلا شك أن العلم شرفٌ لصاحبه، وأشرف علم يكتسبُه العبد المؤمن هو معرفة الله ﷿؛ لأن شرف العلم تابع لشرف المعلوم.\nوالمعلوم هنا: هو الله ﷿ وما يليق به من الأسماء والصفات والأفعال؛ فلذلك","vol":"1","page":41},{"text":"ينبغي على المؤمن مع حرصه على إكمال توحيده أن يحرص كذلك على نيل هذا الشرف العظيم، وهو أن يكتسب هذا العلم الصحيح بأسماء الله وصفاته، كذلك مما يدل على شرف هذا العلم: أنه أصل العلوم وأساسها، كما يقول العلماء: «مَنْ عرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).\nوتأمل هذا وخذه من قول الله ﷿ حيث قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وقد قال النبيُّ ﷺ في وصيته لابن عباس: «يا غلام- أو- يا غُلَيِّم: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تُجاهك» (^٢)، ونحن نعلم أنَّ حفظ الله ﷿ بمعرفته وعبادته، فإذا ما العبدُ حَفِظ الله ﷿ فإن الله تعالى تعَهَّد بحفظِه، وتعهد بصلاح أمره؛ فيجب أن نعلم أن هذا العلمَ هو أصلُ العلوم الدينية.\nفنسيان العبد لربه عقوبته أن الله ﷿ يُنسيه أمرَ نفسِه وصلاحَ نفسه؛ يقول ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]: «تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو أنَّ مَنْ نَسِي ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه؛ فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده؛ فصار مُعَطَّلًا مُهملًا بمنزلة الأنعام السَّائبة، بل ربُّما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه؛ لبقائها هداها الذي أعطاها إيَّاه خالقُها» (^٣)، وهذا تجده- كذلك- في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، قال قتادة: «أضاع أكبر الضَّيعة؛ أضاع نفسه وعسى مع ذلك أن تجده حافظًا لما له، مُضَيِّعًا لدينه» (^٤).\nفإذا أنت علمت هذا الباب أصلحت أساس العلم عندك؛ فعلمك ومعرفتك بالله ﷿ ستنبني عليها جميعُ المعارف؛ لأن هذا أصلُ العلم وأصلُ الدِّين، وإن كنت مضيعًا لهذا الباب ضَيَّعت جميعَ أحوالك وجميع أمورك وجميع مصالحك في دنياك وفي أُخراك.\n_________\n(^١) انظر «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في «مسنده» (٢٦٦٩) من حديث ابن عباس ﵄، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢).\n(^٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (ص ٢٥)، وقال الإمام ابن كثير: «﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه» «تفسير ابن كثير» (٥/ ١٥٤).","vol":"1","page":42},{"text":"وتأمل مَنْ كان غافلًا عن الله ﷿، وعن معرفته، وعن الإيمان بأسمائه وصفاته، ولو نظرنا إلى عينة من أحوال بعض الناس الذين غَفلوا عن الله ﷿، وغفلت قلوبهم عن ذِكر الله ﷿، وما يُصيبهم من القلق والضياع والحسرة والنَّدامة؛ فمثلًا صاحبُ المُخَدِّرَات- والعياذ بالله- يظن أن طريق سعادته عن طريق هذا الأمر الذي يُهلك صحته، ويهلك عقله، بل ويفسد عليه الضرورات الخمس المعلومة (^١)؛ فيظل صاحب هذه المخدرات يتعاطى تلك الحقنة- مثلًا- حتى يصل إلى مرحلة هو يعلم- ويجزم- أنها قد تكون أقوى من أن يتحملها هذا الجسم؛ فتكون سببًا في هلاكه، فيُختم له- والعياذ بالله- بخاتمة سوء؛ فتجده قد مات في دورة المياه- دورة الخلاء- أصبحت نهايته في ذلك المكان، وقتل نفسه بيده، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، فإذا ما اعتنى المسلم بأصل العلم وبأصل الدين- وهو العلم بأسماء الله وصفاته- فإن ذلك سيحرك كوامن الإيمان في النفس، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا؛ فإذا ما ضيع هذا، فإن ذلك يكون سببًا في ضياعه في دنياه وفي أُخراه، فكما يقول ابن القيم: «بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده» (^٢)، والعياذ بالله.\nفخلاصة الأمر: ضرورة معرفة الحق بدليله، وضرورة معرفة الباطل بِشُبهه حتى يُمكن التصدي له.\nوهذا الباب-بحمد الله-أُحكم إحكامًا عظيمًا، ومن آية واحدة تستطيع أن تَستخرج عِدَّة قواعد، كما سيأتيك الآن في بعض هذه القواعد؛ انظر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، و﴿وَلِلَّهِ﴾ هذه فيها قاعدة. ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ فيها قاعدة. ﴿الْحُسْنَى﴾ فيها قاعدة. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فيها قاعدة. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيها قاعدة. في آية واحدة تستخرج جملة من القواعد وجملة من المعاني، ولو أنَّنا تدبرنا كلام الله وكلام رسوله ﷺ سيكون هذا-بإذن الله تعالى- سببًا في أن تلين هذه القلوب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، ستلين هذه القلوب، وسيكون هذا سببًا في فلاحها وسعادتها.\n_________\n(^١) وهي: (الدِّين والنَّفْس والعقل والعِرض والمال)، وقد جاء الإسلام بحفظها؛ قال الإمام الشاطبي ﵀: «اتفقت الأمة -بل سائر الملل -على أنَّ الشريعة وُضِعَت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس …، وعِلْمُها عند الأُمَّة كالضَّروري». «الموافقات» (١/ ٣١).\n(^٢) تَقَدَّم كلامه قريبًا.","vol":"1","page":43},{"text":"معلوم أن دعوة الرسل تقوم على ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: تعريف الناس بربهم، لأن النبي ﷺ لما جاء إلى كفار قريش كانوا لا يعرفون الله حق المعرفة وكانوا يشركون ويعبدون الأصنام بل وعبدوا الشياطين وفعلوا ما فعلوا كل هذا لجهلهم بربهم، فأول أمور الرسالة تعريف الناس بربهم، وأن يوحدوا الله، أن يفردوا الله ﷾.\nثانيًا: تعريفهم بما يجب عليهم لربهم ألا وهو عبادته، يعني الأحكام والشرائع هذا حلالٌ وهذا حرام.\nثالثًا: تعريفهم الغاية التي سيصلون إليها وهي الجنة والنار، لذلك أنت لو قرأت النصوص تجدها كلها تدور حول هذه الثلاثة، تعريف الله بربهم، تعريفهم بالطريق الذي يوصلهم إلى الله وهو عبادة الله تعالى والذي يقربهم إلى رضوانه ويبعدهم عن سخطه وعن عقابه وعن عذابه ألا وهو الشرائع والأحكام، ثم تذكيرهم بالمآل والمرجع والمصير الذي هو يوم القيامة يوم الآخرة.\nفعندما يقرأ العبد القرآن أو يقرأ نصوص السنة يجد أن النصوص كلها تدور حول هذه الأمور الثلاثة ولذلك يأخذ العبد درسًا في الدعوة، بأنه إذا دعا الناس فعليه بهذا المنهج أن يبدأ في تُعليم الناس التوحيد، ومن ثم أن يُعلمهم الشرائع والأحكام وأن يُذكرهم بالجنة والنار.\nفإذا تم الاعتناء بهذه الثلاثة فقد عرف الداعية حقيقة دعوة الرسل لذلك هنا قال المصنف:\n\"الذي معرفته\" هذا الأمر الأول.\n\"وعبادته\" هذا الأمر الثاني.\n\"والوصول إليه\" هذا الأمر الثالث.\nوكل هذه الثلاثة ترتكز على معرفة أسماء الله وصفاته، كيف لا، وكل من أراد أن يُعلم الناس توحيد الله تعالى فإن طريقه إلى هذا أن يشرح للناس ويبين لهم أسماء الله وصفاته.\nفيقول: إن الله قوي، وإن الله أحد، وإن الله صمد، وإن الله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وإن الله سميع وإن الله بصير وإن الله قدير وإن الله عزيز وكل هذا يأتي من معرفة أسماء الله وصفاته.\nفإذًا ليس للناس من طريقٍ إلى معرفة الله تعالى إلا بمعرفة أسمائه وصفاته","vol":"1","page":44},{"text":"وأفعاله، ثم إذا أراد الداعية أن يحيي في النفوس عبادة الله تعالى والتفرد إليه فإنه سيقول لهم توبوا إلى الله لأن الله تواب، وادعوا الله لأن الله سميع وقريب يسمع الدعاء، واستغفروا الله لأن الله غفور، ثم بعد ذلك يُذكرهم باليوم الآخر ويبين لهم أن الله غفور رحيم ولكنه شديد العقاب، فكل هذا يرتكز على معرفة أسماء الله وصفاته.\nوعلى هذا فإن هذا الباب هو أهم أبواب الدين فيستحيل استحالة تامة أن يكون النبي ﷺ قد قصر في بيان هذا الباب، أو ترك هذا الباب مجهولًا، بل كما يقول العلماء عند حديث: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» فقالوا: قل هو الله أحد في الأسماء والصفات، ولذلك ثلث النصوص في الأسماء والصفات.\nوقول المصنف: \"فإذًا كيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، \"\nأي أن النبي ﷺ بين وأحكم هذا الباب، فعلى كل مؤمن به أن يزيل من ذهنه أن هذا الباب لا وجود له في الكتاب والسنة بل نصوص الكتاب والسنة مليئة به والأحاديث مستفيضة.","vol":"1","page":45},{"text":"(٧) \"إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المحال أن [يكون] خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين و[غير] قائلين في هذا الباب بالحق المبين،\"\n<hr><s0>\n\nأي إذا كان النبي ﷺ قد بين ووضح وأحكم وأتقن هذا الباب، فأيضًا هل تتوقع من خير الأمة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين أن يكونوا قد فرطوا في هذا الباب هل هذا أمر يتوقع منهم؟ والله يستحيل.\nوقد يشكك مشكك فيقول: قد يكون الصحابة والتابعون كانوا مشغولين بالجهاد، وهذا أمر أشغلهم عن العلم، وهذا ليس بصحيح أبدًا فما أشغلهم الجهاد عن العلم، وما أشغلهم حتى عن العبادة والطاعة، بل كانوا رهبانًا وعُبَّادا في الليل وفرسانًا في النهار، وكانوا على حلق العلم هكذا علمهم وعودهم النبي ﷺ فكانوا أعلم هذه الأمة.\nوهم أتقى الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم أفضلها، فهذه الخيرية ثابتة لهم من كل وجه، فهم أعلمنا، وهم أفضلنا، وهم أتقانا، ولذلك النبي ﷺ يقول: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (^١)، وأحد جبل في المدينة معروف بكبر حجمه، فلو كان عندك مثل أحد ذهبًا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه.\nويؤكد المصنف ﵀ أنه يستحيل أن يقع التقصير في هذا الباب أو الإهمال من\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كتاب أصحاب النبي ﷺ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا»، برقم (٣٦٧٣)، ومسلم كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، بَابُ تَحْرِيمِ سَبِّ الصَّحَابَةِ ﵃ (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١١٠٧٩).","vol":"1","page":46},{"text":"خير قرون هذه الأمة وأعظمها منزلة ومكانة وعلمًا وشرفًا، ويريد المصنف أن يوضح أن المخالفين في هذا الباب قد تركوا كتاب الله تعالى وتركوا كلام رسوله ﷺ وتركوا كلام السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأخذوا يتكلمون بكلامٍ لا أصل له في الكتاب ولا في السنة ولا حتى في كلام سلف الأمة، فالسؤال الذي يطرح نفسه مادام هذا الذي جاء به هؤلاء شيء وما كان عليه السلف شيء أخر فالأمر لا يخرج عن أحد أمرين:\nإما أن يكون النبي قصر وحاشاه ﷺ.\nأو يكون الصحابة والتابعون والقرون المفضلة قصروا وأيضًا حاشاهم.\nأو يكون هؤلاء على غير الحق.\nورحم الله الإمام أبا العباس المقريزي القائل: \" أصلُ كلّ بدعةٍ في الدين: البعدُ عن كلام السلف، والانحراف عن اعتقاد الصدر الأول (^١) \"\nومن سمات أهل البدع تنقصهم للصحابة والطعن فيهم فها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (^٢):\nأما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين:\nالأمر الأول: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم.\nالأمر الثاني: وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم.\nفنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق، ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (^٣).\nوأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه.\n_________\n(^١) كتابه المواعظ والاعتبار (٤/ ١٩٨)\n(^٢) الفرق بين الفرق للبغدادي ٣١٨ وما بعدها\n(^٣) فضل الإجماع ص ١٤٠","vol":"1","page":47},{"text":"ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية (^١). (^٢)\nوأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.\nأما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا بعض آل البيت - وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية، والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.\nوالأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، ويلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: \"ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض\" (^٣). (^٤)\n_________\n(^١) قال ابن تيمية: \"وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: \"حَشْوِيَّةٌ\" فَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ لَهُ مُسَمًّى مَعْرُوفٌ لَا فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ؛ وَلَكِنْ يُذْكَرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ. وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَشْوِيًّا. وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَالَتْ قَوْلًا تُخَالِفُ بِهِ الْجُمْهُورَ وَالْعَامَّةَ يُنْسَبُ إلَى أَنَّهُ قَوْلُ الْحَشْوِيَّةِ أَيْ الَّذِينَ هُمْ حَشْوٌ فِي النَّاسِ لَيْسُوا مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ عِنْدَهُمْ؛ فَالْمُعْتَزِلَةُ تُسَمِّي مَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ حَشْوِيًّا وَالْجَهْمِيَّة يُسَمُّونَ مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ حَشْوِيَّةً وَالْقَرَامِطَةُ -كَأَتْبَاعِ الْحَاكِمِ -يُسَمُّونَ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ حَشْوِيًّا. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ يُسَمُّونَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَوْلَ الْجُمْهُورِ وَكَذَلِكَ الْفَلَاسِفَةُ تُسَمِّي ذَلِكَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ \"فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَاصَّةَ لَا تَقُولُهُ؛ وَإِنَّمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ وَالْجُمْهُورُ فَأَضَافَهُ إلَيْهِمْ وَسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةً. وَالطَّائِفَةُ تُضَافُ تَارَةً إلَى الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَقَالَتِهَا كَمَا يُقَالُ: الْجَهْمِيَّة والإباضية والأزارقة والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ والكَرَّامِيَة وَيُقَالُ فِي أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ: مَالِكِيَّةٌ وَحَنَفِيَّةٌ وَشَافِعِيَّةٌ وَحَنْبَلِيَّةٌ. وَتَارَةً تُضَافُ إلَى قَوْلِهَا وَعَمَلِهَا كَمَا يُقَالُ: الرَّوَافِضُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَفْظَةُ الْحَشْوِيَّةِ لَا يَنْبَنِي لَا عَنْ هَذَا وَلَا عَنْ هَذَا. \" مجموع الفتاوى ١٢/ ١٧٦\n(^٢) انظر الفرق بين الفرق ص/ ١٢١، التبصير في الدين ص ٦٩، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٩.\nميزان الاعتدال ٣/ ٢٧٥ عقيدة أهل السنة في الصحابة الجزء: ٢/ ٨٢٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧\n(^٤) المصدر موقع الدرر السنية الموسوعة العقدية","vol":"1","page":48},{"text":"(٨) \"لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق. وكلاهما ممتنع.\nأما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه، أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب وصفاته. وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر.\nوهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم. هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟!\nوأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم. \"\n<hr><s0>\n\nأورد المصنف احتمالين وأجاب عنهما في مسألة دعوى عدم تكلم القرون المفضلة في هذا الباب فقال: إن خلاف ذلك أحد أمرين:\nالأمر الأول: إما أنهم لا علم لهم وبالتالي إذا كان لا علم لهم لم يتكلموا في هذا الباب.\nالأمر الثاني: أو أنهم كانوا على خلاف الحق.\nثم شرع في الرد على هذين الاحتمالين فقال:\nأي إنسان له رغبة في العلم ورغبة في العبادة لابد أن يجعل هذا الباب أعظم مطلوب لديه.\n\"وهذا أمرٌ معلوم بالفطرة فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عن مقتضاه\" أي ما دامت النفوس تشتاق إلى معرفة","vol":"1","page":49},{"text":"هذا النوع من العلم فكيف يتخلف عن ذلك علمهم ومعرفتهم بهذا الباب، وهذا مع خير الأمة وأفضل الأمة وأعلم الأمة وأتقى الأمة.\nفإذًا هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق فكيف تتصور أن يقع من خير الأمة وأفضل الأمة؟ فقال: \"هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟! \"\nالأمر الثاني: \"وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم\"، أي لا يعتقد إنسان أن خير القرون كانوا ضلالًا في هذا الباب حاشا وكلا، بل هم هداة مهتدون، فإذًا كل هذا يقرره المصنف لكي يصل إلى نتيجة المقصود منها أن المخالفون في هذا الباب قد تركوا هذه النصوص، تركوا الكتاب والسنة وتركوا كلام سلف الأمة واستبدلوا بذلك بضاعة أخرى.\n\"فَالسُّنَّةُ هِيَ مَا تَلَقَّاهُ الصَّحَابَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمْ التَّابِعُونَ ثُمَّ تَابِعُوهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِهَا أَعْلَمَ وَعَلَيْهَا أَصْبَرَ. \" (^١)\nقال ابن تيمية: \"الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.\nوَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ\" (^٢)\nمع الاعتقاد الجازم بأن \"أَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا مُتَوَافِرَةٌ فِي الْكَمَالِ مُتَنَاهِيَةٌ إلَى غَايَةِ التَّمَامِ لَا يَلْحَقُ شَيْئًا مِنْهَا نَقْصٌ بِحَالِ\" (^٣)\nفالناظر في هذا الباب يجد نفسه بين بضاعتين: إما أن يرتضي هذه البضاعة، أو يرتضي تلك البضاعة والله تعالى يقول: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، وقد قال مزكيًا نبيه ﷺ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٨\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٠\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ٧٧","vol":"1","page":50},{"text":"فمراد شيخ الإسلام بهذه المقدمة أن يقرر هذه المسألة التأصيلية؛ لأنها مفترق الطرق، فإما أن يسلك المتعلم طريق الكتاب والسنة أو طريق الفلسفة والمنطق، فلا شك أن الناشئ عندما يدرس في أي علمٍ لابد أن يكون هناك أصول يرجع إليها.\nفكل إنسان يتعلم أي علم لابد أن يكون لذلك العلم مصادر وأصول يرجع إليها، فعليه أن يختار لنفسه إلى أي أصلٍ يرجع؟ فإما أن يكون أصله ومأخذه في هذا الأمر قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ وقال الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وقال أئمة الإسلام، أو يقول كما قال هؤلاء: قال الفضلاء قال العقلاء كما يسمونهم؟\nفيريد المصنف بهذه المقدمة أن يكون في ذهن السائل أحد طريقين:\nإما أن يكون الأصل والمرجع في هذه المسائل إلى أصول السلف الصالح وهي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وكلام الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين.\nوإما أن يكون أمرًا مركبًا على الفلسفة والمنطق كما ركبه هؤلاء.\nولذلك يلاحظ أن هؤلاء الذين خالفوا منهج السلف في هذا الباب إذا أرادوا أن يُدرِّسوا أو يَدْرسوا مسائل التوحيد على طريقتهم في مدارسهم، فإنهم يحتاجون إلى الفلسفة والمنطق إذا أرادوا التوسع في هذه المسائل والتعمق فيها ولا يرجعون في ذلك إلى الكتاب والسنة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.\nفهذه مقدمة سطرها شيخ الإسلام ليرسم فيها أصلًا وأساسًا وقاعدة يضعها القارئ أو المستمع لكلامه في ذهنه، فيقول مخاطبًا له أي الطريقين تختار وأي السبيلين تسلك؟، فإما أن ترضى بكلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ وكلام سلف الأمة رضوان الله عليهم وخير هذه الأمة وإما أن تحيد عن ذلك وتسلك ما سلكه القوم في هذا الباب.","vol":"1","page":51},{"text":"(٩) \"ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه،\n<hr><s0>\n\nأي أن الكلام عن منزلة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومكانتهم في الدين وأنهم أعلم الأمة وأفهمها وأعرفها بدين الله استفاضت به كتب أهل السنة والجماعة، بل إن علمهم وفقههم وكتبهم مبنية عليه، وقد أجمع علماء الحديث على عدالة الصحابة ﵃، ولا شك في صحة جميع ما يروونه. كما اعتبر علماء الأصول قول الصحابي مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي.\nوما من عالم من علماء الأمة إلا وهو يثني عليهم ويعرف لهم منزلتهم ومكانتهم وفضلهم وشرفهم، ولا يخالف في ذلك إلا من كان صاحب بدعة ولله در الإمام مالك إمام دار الهجرة \"فقد روي أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ] حتى بلغ [لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ]، فقال مالك: من أصبح من الناس وفي قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية.\nقال الإمام القرطبي: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين\". (^١)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن، للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ١٦/ ٢٨٣","vol":"1","page":52},{"text":"(١٠) \"ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من أن «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».\nفإن هؤلاء المبتدعة الذين يفضّلون طريقة الخلف على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.\nفهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف.\nوسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص للشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنًى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وهي التي يسمونها طريقة السلف وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.\nفلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله\".\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":53},{"text":"من المعلوم أن أهل الباطل حاولوا بشتى الطرق والأساليب نصر باطلهم، وبما أن قولهم يقوم في أساسه على محاربة النصوص الشرعية وفهم السلف الصالح لها باعتبارها المنطلق الأساس لدى أهل السنة والجماعة تأصيلًا وتقريرًا، فإن من جملة ما زعموه مقولتهم المشهورة «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».\nوقد شرع المصنف في الرد على هذه المقولة من عدة أوجه منها:\nأولًا: أن هذا القول لا يصدر إلا \"ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها\"\nثانيًا: أن هؤلاء المعطلة إنما قالوا ما قالوا إلا لزعمهم الفاسد أن السلف لا يعرفون معاني القرآن والسنة، وأنهم مجرد أناس يؤمنون بألفاظ لا يعرفون معانيها، فقال المصنف: \"إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك\".\nثالثًا: أن هذه المقولة تجمع بين الجهل بطريقة السلف بالكذب على السلف، والجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف \"فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف. \"\nرابعًا: أن هذه المقولة مبنية على فساد في العقل وكفر بالسمع أما فساد العقل فهو جعلهم العقل أساسًا في هذا الباب، وجعلوا ما ركبوه من شبه عقلية هي الأساس الذي يعتمد عليه في تأصيل وتقرير مسائل هذا الباب العظيم الذي هو باب الإلهيات، وبما أن النصوص الشرعية تخالف ما جاؤا به فقد عمدوا لتحريفها، وهذا ما عناه المصنف بقوله: \"فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه. \"\nخامسًا: أن سبب هذه المقولة الباطلة هو معتقد هؤلاء في باب الأسماء والصفات، حيث نفوا قيام الصفات بالله تعالى بناء على مشاركتهم لأهل الباطل من الفلاسفة على اختلاف مشاربهم، الذين أنكروا أن يوصف الله بصفات قائمة به حقيقة وغاية أمرهم أنهم جعلوا وجود الله وجودًا ذهنيًا لا حقيقة له في الخارج، فربط المصنف بين معتقد هؤلاء ومن سبقهم فقال: \"وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص للشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، \"","vol":"1","page":54},{"text":"سادسًا: أن مقولة هؤلاء إنما هي نتيجة لما ركبوه من باطل بنوا عليه معتقدهم في هذا الباب، وكما هو الحال في ترتيب الأمور المنطقية أن الكلام يتركب من مقدمات ونتائج فإن هذه المقولة ركبت من مقدمتين ونتيجة وهذه النتيجة مؤداها كما ذكر المصنف: \"فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله. \"\nوهذه المقولة ردها غير واحد من العلماء:\nفهذا الحافظ ابن حجر يقول: عن بعض أهل العلم: (قول من قال: \"طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم\" ليس بمستقيم، لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات.\nفجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمنعه القطع بصحة تأويله) (^١)\nوقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلامًا لا يعلم معناه جميع الأمة، ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم]: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧ وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك\" (^٢)\nقال الإمام الشوكاني ﵀: \"فهم - أي أهل الكلام - متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا: هنيئا للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي حاصلها أن يهنئ من ظفر بها للجاهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم، وممن يدين بدينهم، ويمشي على طريقهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت، ويدل بأوضح دلالة على أن هذه\n_________\n(^١) فتح الباري ١٣/ ٣٥٢\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٣٤","vol":"1","page":55},{"text":"الأعلمية التي طلبوها: الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه: أن الجهل خير منه، وينتهي عند البلوغ إلى غايته، والوصول إلى نهايته أن يكون جاهلا به، عاطلا عنه، ففي هذا عبرة للمعتدين وآية بينة للناظرين .. \" (^١)\nقال ابن تيمية: \"قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من خرج عما جاء به الرسول ﷺ في الأقوال والأعمال باطنا أو ظاهرا.\nومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول ﷺ، ومن كان موافقًا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة موافقته، مذموم من جهة مخالفته.\nوهذا مذهب سلف الأئمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل الأسماء والأحكام، \" (^٢)\nوقال ابن تيمية: \"ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأئمة وأئمتها فلا بد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيأ فلا بد أن يسلك بنيات الطرق، وإن كان ما يفعله الرجل من ذلك قد يكون مجتهدًا فيه مخطئًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون ذنبًا، وقد يكون فسقًا، وقد يكون كفرًا، بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق ليس فيها عوج كما قال تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). \" (^٣)\n_________\n(^١) التحف في مذاهب السلف للشوكاني ص ١٦ ط: الصحابة\n(^٢) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٩\n(^٣) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٠","vol":"1","page":56},{"text":"(١١) \"ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم. حيث يقول:\nلعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها .. وسَيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالِمِ\nفلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ … على ذقَنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ\nوأقروا على نفوسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم؛ كقول بعض رؤسائهم:\nنهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا … وغاية دنيانا أذى ووبالُ\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا.\n[لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. أقرأُ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وأقرأُ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي].\nويقول الآخر [منهم]: «لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمة [منه] فالويل لفلان، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي» ويقول الآخر منهم: «أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام».\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":57},{"text":"شرع المصنف في إيراد نماذج من نهايات تجارب بعض كبار أئمة المتكلمين الذين بلغوا نهاية المطاف ووصلوا إلى نتيجة مفادها الحيرة والاضطراب وقد حكى بعضهم تلك الحال التي وصلوا إليها فهذا وهذا الشهرستاني يصف حال المتكلمين في قوله:\nلعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها … وسَيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالِمِ\nفلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ … على ذقَنٍ أو قارعًا سِنَّ نادمِ (^١)\nوقد عارض الإمام الصنعاني هذه الأبيات بقوله:\nلعلك أهملت الطواف بمعهدِ الرَّ … سول ومن لاقاه من كل عالمِ\nفما حار من يهدي بهدي محمدٍ … ولستَ تراه قارعا سن نادم (^٢)\nووُجِدَ بخطِ الشيخِ سُليمانِ بن عبدِ اللهِ ابن شيخِ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أحسن الله لهم المآب وأجزل لهم الثواب في هامش الحموية على بيتي الشهرستاني ما صورته:\nقد قلتُ أبياتًا جوابا على البيتين الَذين أنشدهما الشهرستاني في كتابه \"نهاية الإقدام\":\nأظُنُكَ أهملتَ الطوافَ بمعهدٍ … لخيرِ الهداةِ المرسَلِينَ الأكارمِ\nوطوَّفتَ في عَمْياءَ بادٍ ضَلالهُا … بناها ذوو الإشراكِ مِنْ كلِ ظالمِ\nفلاسفةٌ لا يعرفونَ إلاهَهم … ومعبودَهم، فاعجب لهذِي العظائم\nفلو كُنْتَ أكثرتَ الطوافَ بمعهدِ … الرَسُولِ ومَنْ لاقاهُ مِنْ كلِ عالمِ\nلما كُنْتَ حيرانًا كمَنْ تَبِعَ الخطَا … مع الجهلِ بالتنزيلِ مثلَ البهائمِ\nفَما ضَلَّ مَنْ يَمشي على إثْرِ أحمد … ولستَ تراهُ قارعًا سِنَّ نادمِ\nوهذا الفخر الرازي (^٣) يقول:\nنهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا … وغاية دنيانا أذى ووبالُ\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\nوهذا نص ما ذكره الرازي في خاتمة كتابه أقسام اللذات أورده هنا بتمامه ردًا\n_________\n(^١) نهاية الإقدام (٣) والأبيات فيها اختلاف في بعض العبارات في الشطر الأول من البيت الأول عما أورده المصنف هنا: حيث ورد في الكتاب (لقد طفت في تلك المعاهد كلها)\n(^٢) نقلها الشيخ محمد رشاد سالم في تحقيقه لكتاب درء التعارض ١/ ١٥٩\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٦٠","vol":"1","page":58},{"text":"على من يشكك في صحة نسبة هذا الكلام إليه حيث يقول: \"فلهذه الأسباب نقول: ليتنا بقينا على العدم الأول! وليتنا ما شاهدنا هذا العالم! وليت النفس لم تتعلّق بهذا البدن! وفي هذا المعنى قلت:\nنهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\nفكم قد رأينا في رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا\nكم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال\nواعلم أني بعد التوغل في هذه المضائق، والتعمّق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم وهو ترك التعمق، والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل،\nفاقرأ في التنزيه:\nقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨].\nوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].\nواقرأ في الإثبات:\nقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].\nوقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\nوأقرأ في أن الكل من الله:\nقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].\nوفي تنزيهه عما لا ينبغي:\nقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] الآية، وعلى هذا القانون فقس.\nوأقول من صميم القلب، ومن داخل الروح: إني مقرُّ بأن كل ما كان هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجل فهو لك، وكل ما فيه عيبُ أو نقص فأنت منزه عنه.\nومقر بأنّ عقلي وقهمي قاصرٌ عن الوصول إلى كنه حقيقة ذرة من ذرات","vol":"1","page":59},{"text":"مخلوقاتك، ومقر بأني ما مدحتك بما يليق بك؛ لأن المدائح محصورة في نوعين:\nإمّا في شرح صفات الجلال، وهو تنزيه الله عمّا لا ينبغي.\nوإما في شرح صفات الإكرام، وهو وصف الله بكونه خالقا لهذا العالم.\nأما الأوّل، ففيه سوء أدب من بعض الوجوه؛ لأن الرجل إذا قال للسلطان: \"أنت لست بأعمى، ولست بأصم ولا أبرص\"، فإنه يستوجب الزجر والحجر.\nوأما الثاني، ففيه سوء أدب؛ لأن جميع كمالات المخلوقات بالنسبة إلى كمال الخالق نقائص؛ فشرح كمال الخالق بنسب إضافية إلى المخلوق سوء أدب.\nفيا رب العزة! إني مقر بأني لا أقدر على مدحك إلا من أحد هذين الطريقين. ومقر بأن كل واحد منهما لا يليق بجلالك وبعزتك. ولكني كالمعذور؛ حيث لا أعرف شيئا سواه، ولا أهتدي إلى ما هو أعلى منه. \" (^١) انتهى كلامه.\nفالرازي يقر هنا فيقول: \" رأيت الأصوب والأصلح في هذا الباب: طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم\".\nفليت هذه الرسالة من الرازي يتعظ بها من يطلع عليها من هو مصر على اتباع علم الكلام، والرازي معروف مكانته ومنزلته لدى أهل الكلام فهو منظر الأشعرية المتأخرة حيث لم يأتي على الأشاعرة المتأخرين مثله، ومن بعده هم عيال عليه حتى يومنا هذا.\nقال ابن القيم معقبًا على كلام الرازي بعد أن نقله: \"فليتأمل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من العبر فإنه لم يأت في المتأخرين من حصل من العلوم العقلية ما حصله ووقف على نهايات أقدام العقلاء وغايات مباحث الفضلاء وضرب بعضها ببعض ومخضها أشد المخض، فما رآها تشفي علة داء الجهالة ولا تروي غلة ظمأ الشوق والطلب، وأنها لم تحل عنه عقدة واحدة من هذه العقد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب.\n١ - فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله فإنه شاك في ذات رب العالمين هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها أم ماهيته نفس وجوده الواجب، ومات ولم تنحل له عقدتها.\n٢ - وشاك في صفاته هل هي أمور وجودية أم نسب إضافية عدمية ومات ولم تنحل له عقدتها.\n_________\n(^١) أقسام اللذات للرازي ص ٢٦٢ - ٢٦٣","vol":"1","page":60},{"text":"٣ - وشاك في أفعاله هل هي مقارنة له أزلا وأبدا لم تزل معه أم الفعل متأخر عنه تأخرا لا نهاية لأمده فصار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا ومات لم تنحل له عقدتها.\nفننظر في كتبه الكلامية قول المتكلمين، وفي كتبه الفلسفية قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهما حائرا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء\" (^١)\nوأما توبة الجويني فقال عنها المصنف: \"ويقول الآخر [منهم]: «لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمة [منه] فالويل لفلان، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي» (^٢)\nوهذا أبو حامد الغزالي يقول كما ذكر المصنف: \"ويقول الآخر منهم: «أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام».\nقال ابن تيمية في معرض حديثه عن تجربة الغزالي وما حكاه عن نفسه وأنه طالع كتب أهل الكلام، ثم الفلاسفة، ثم الباطنية، ثم المتصوفة: \"ولهذا تبين له في آخر عمره إن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم، ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور ممّا أنكره الناس عليه، حتى قال المازري وغيره ما معناه: \" (^٣)\nوقال أيضًا: \"وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولا تلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيرا بطريقة الصحابة والتابعين، بل كان يقول عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث، ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار، ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ذلك كتاب أبي طالب ورسالة القشيري وغير ذلك، وبما وجده في كتب\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٦\n(^٢) ذكر ابن الجوزي: أن الحافظ أبا جعفر قال: سمعت أبا المعالي يقول: \"ركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، وإلا فالويل لابن الجويني\". راجع: المنتظم ٩/ ١٩. وقد ذكر هذا الخبر: الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧٠ - ٤٧١، والسبكي في طبقاته ٥/ ١٨٥، وابن تيمية في التسعينية ١/ ١٩٨\n(^٣) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٧٤","vol":"1","page":61},{"text":"أصحاب الشافعي ونحو ذلك فخيار ما يأتي به ما يأخذ من هؤلاء وهؤلاء. \" (^١)\nوالمصنف يريد هنا الإشارة إلى أن أهل الكلام الذين سلكوا هذا الباب حالهم دائر بين ثلاثة أحوال:\nالحال الأول: حال التوبة والندم والرجوع إلى مذهب أهل السنة والجماعة.\nوالحال الثاني: حال الشك والارتياب، ومن ذلك ما نقله عن الغزالي، وقد ذكر المصنف نماذج لحال هؤلاء ومن ذلك قوله: \"وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الحونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق)، وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن. أنه قال عند الموت: \"أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي. أموت وما علمت شيئا\" (^٢)\nوقال ابن تيمية ﵀: \"حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: أبيت بالليل، وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء\" (^٣)\nوقال آخر: \"بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته\" (^٤)\nقال ابن تيمية: \"ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئًا كثيرًا، وما لم يبلغني من حيرتهم وتشككهم أكثر وأكثر (^٥) \"\nوقال أبو الوفاء بن عقيل ﵀: \"وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد؛ تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين … \" (^٦)\nوالحال الثالث: هو التردد والانتقال من قول إلى قول ويصف المصنف حال هؤلاء بقوله: \"إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف -\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٠\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٢\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣\n(^٥) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٦٦\n(^٦) تلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٨٥","vol":"1","page":62},{"text":"عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل\" (^١)\nأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة.\nومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث، ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.\nوبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة. \" (^٢)\nوقال ابن القيم يصف حالهم: \"وأضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها لا يثبت له فيها قول، بل تارة يقول بالقول ويجزم به، وتارة يقول بضده ويجزم به، وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية، وأهل الكلام والفلسفة أشد اختلافا وتنازعا بينهم فيها من جميع أرباب العلوم على الإطلاق ولهذا كلما كان الرجل منهم أفضل كان إقراره بالجهل والحيرة على نفسه أعظم، كما قال بعض العارفين أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام:\nوقال أفضل المتأخرين من هؤلاء لتلاميذه عند الموت: \"أشهدكم أني أموت وما عرفت مسألة واحدة إلا مسألة افتقار الممكن إلى واجب، ثم قال والافتقار أمر عدمي فها أنا ذا أموت وما عرفت شيئا\".\nوقال ابن الجويني عند موته: \"لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم وما أدري على ماذا أموت أشهدكم أني أموت على عقيدة أمي\". وقال آخر في خطبة كتابه في الكلام لعمري:\nلقد طفت في تلك المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم\nفلم أر إلا واضعا كف حائر … على ذقن أو قارعا سن نادم\" (^٣)\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ١١٦\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠\n(^٣) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٣","vol":"1","page":63},{"text":"قال ابن القيم بعد أن أورد جملة من تجارب أهل الكلام وما وصلوا إليه من حيرة واضطراب: \"فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ضد اليقين ومن الحيرة والشك، فمن الذي شكا من القرآن والسنة والأدلة اللفظية هذه الشكاية، ومن الذي ذكر أنها حيرته ولم تهده أو ليس بها هدى الله أنبياءه ورسله وخير خلقه، قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلا: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] فهذا أكمل الخلق عقلا يخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظية التي أوحاها الله إليه؛ وهؤلاء المتهوكون المتحيرون يقولون أنها لا تفيد يقينا ولا علمًا ولا هدى وهذا موضع المثل المشهور (رمتني بدائها وانسلت). \" (^١)\nوأصحاب الكلام وصفهم المصنف في هذا المتن بقوله:\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٦٩","vol":"1","page":64},{"text":"(١٢) \"ثم [هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف] إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون: أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب آياته وذاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، [فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم]، وأحاطوا من حقائق المعارف، وبواطن الحقائق، بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.\nثم كيف يكون خير قرون الأمة، أنقص في العلم والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟\nأم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم؛ أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟!\nوإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت هذه المقدمة عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوّك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا ﷺ من البيّنات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، ولشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة، وليس غرضي واحدًا، وإنما أصف نوع هؤلاء، ونوع هؤلاء. \"\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":65},{"text":"ولا يزال المصنف-رحمه الله تعالى-يبين في هذه المقدمة أن حقيقة الكلام والصراع القائم في هذه المسألة، أي مسألة الأسماء والصفات، إنما هو صراعٌ بين فريقين، فريقٌ اعتمد العقل علمًا وأصلًا، وبعد ذلك بعقله الفاسد أخذ يطعن في الشرع، ويترك نصوص الكتاب والسنة، ويترك ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين ومن جاء بعدهم في هذا الباب، واعتمد على ظلمات مركبة من المنطق والفلسفة، وعقد عليها أمورًا في هذا الباب أوجبت عند هؤلاء رد كثير من نصوص الصفات، وسبق وأن بينَّا أن هذا الفريق لم يعملوا بنصوص الكتاب والسنة، وأن من يقرأ في كتب القوم، يجد أن هذه الكتب اعتمدت على مقدمات منطقية فلسفية أخذوها من فلاسفة اليونان وفلاسفة الهند وغيرهم، وبنوا عليها معتقدهم في هذا الباب، وبالتالي فإن الصراع قائم بين نصوص الكتاب والسنة وبين فلسفة اليونان وفلسفة الهند وغيرها من الفلسفات التي تأثر بها هؤلاء وأدخلوها على المسلمين على صورة مضيئة توهم أن هذا هو الحق؟\nقال ابن تيمية: \"ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما -قيل فيها:] إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [] الذاريات: ٨ [\nحجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور\nويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: \"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام \" (^١).\nومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر - والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم - رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة] فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون [الأحقاف: ٢٦]. ومن كان عليما بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ١٩٣","vol":"1","page":66},{"text":"ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا\" (^١)\nقال ابن رجب الحنبلي: \"وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله. ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين. وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولا بطريق الأولى. كالثوري والأوزاعي والليث. وابن المبارك. وطبقتهم. وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا.\nفإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظن بهم ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا باللَه ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمة قلوبًا. وأعمقها علومًا. وأقلها تكلفًا. وروي نحوه عن ابن عمر أيضًا. وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا.\nوقال ابن مسعودًا أيضًا: \"إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه، وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم. \" (^٢)\nوهذه المسألة تقودنا إلى أن هناك في الواقع في فكر السلمين هناك ثلاثة مناهج:\nالمنهج الأول: منهجٌ اعتمد الكتاب والسنة وكلام القرون الأولى من الصحابة والتابعين، وعادوا في عامة جميع أمور الدين سواءٌ كانت أمورًا تتعلق بالاعتقاد أو تتعلق بالعبادات أو تتعلق بالمعاملات، أو تتعلق بغير ذلك من أحكام الإسلام كل هذا عادوا فيه إلى منهج الكتاب والسنة، وهذا هو المنهج السليم الذي سار عليه من تمسك بمنهج سلف الأمة وتمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وكلام الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى - ومن صار على نهجهم، وهذا المنهج قائم يدعو الناس جميعًا أن يأخذوا أمر دينهم من كلام ربهم ﷿ ومن سنة نبيهم ﷺ، وكلام السلف الصالح والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين رضوان الله تعالى عيهم أجمعين، فالله ﷾ وأخبر في كتابه فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ١١٩\n(^٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤","vol":"1","page":67},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nوفي هذه الآية جمع الله ﷾ بين الكتاب والسنة، فقال سبحانه عن كتابه العزيز: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ فسماه الله روحًا، وقال عن رسوله ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nفمن تمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وعاد في كل أمرٍ من أمور الدين، سواء كان هذا الأمر يتعلق بجانب بالاعتقاد أو بجانب العبادة، أو بجانب المعاملات والآداب وسائر أمور الدين رجع إلى تلك النصوص وأخذها واعتمد عليها، وكذلك استقرء ما جاء فيها من أحكام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\nالمنهج الثاني: ما يُسمى المنهج الفلسفي أو المنهج العقلي أو المنهج الكلامي، والمقصود به قول الفلاسفة أو قول أهل الكلام أو العقلانيين.\nفهؤلاء قوم جاؤا إلى ميراث أولئك الملاحدة والفلاسفة وأخذوا به، وركبوا تلك القواعد المنطقية الفلسفية، وبعد ذلك جعلوا من هذه القواعد حقائق لا تقبل الشك أو الجدل وجعلوها أمورًا غير قابلة للرد.\nولذلك على هذا الأساس أخذوا يطعنون الكتاب والسنة، فطعنوا في المتواتر، وطعنوا في الآحاد، أما المتواتر فقالوا إنه ظني، والدليل العقلي قطعي، أي تلك القواعد المنطقية الفلسفية التي ركبوها وكانت من صنعهم، هي في ظنهم واعتقادهم أنها قطعية ثابتة لا تقبل النزاع ولا الأخذ ولا الرد.\nأما نصوص الكتاب والسنة، وإن كانت قد ثبتت بالتواتر، فإنها في اعتبارهم ظنية أي ظنية من جهة دلالتها وبذلك لا يمكن أن تعارض الأمور الظنية الأمور القطعية، والظنية في نظرهم المتواتر من نصوص الكتاب والسنة. وإذا لم تكن النصوص متواترة وكانت أخبار آحاد فإن القاعدة عندهم تقول إن أخبار الآحاد لا تقبل في باب الاعتقاد بمعنى أنها مرفوضة تمامًا ولا تقبل، وهذا الكلام يقرره هؤلاء في كتبهم، فكتبهم تنص على هذا فيما يسمونه قانون التأويل، فأخذوا يطعنون في نصوص الكتاب والسنة إن استطاعوا أن يطعنوا في ثبوتها طعنوا، وليتهم طعنوا في ثبوتها على قواعد المحدثين لكان الأمر على الرأس والعين، فإذا لم يثبت الحديث ولم تصح الرواية ولم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن فلا بأس أن نردها، ولكن وإن جاء في البخاري ومسلم واتفقا عليهما فإنه عند هؤلاء لا يقبل في","vol":"1","page":68},{"text":"باب العقائد على حد قولهم، وهذا المنهج العقلاني ليس مقتصرًا على باب العقائد بل تجده أيضًا في علوم التفسير وتجده كذلك في أبواب الفقه وتجده في كثير من فنون العلم وخذ مثلًا مدراس التفسير فمدارس التفسير ثلاثة هي:\nالتفسير بالمأثور وهذا منهج أهل الحديث وأهل السنة من الاعتماد على الكتاب والسنة وكلام السلف وجعله أساسًا في تفسير كتاب الله العزيز.\nوهناك التفسير بالرأي وهذا هو المنهج العقلاني الذي يقول به هؤلاء وهو التفسير بالرأي وبما تراه العقول دون الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، فهناك من فسر القرآن بالرأي الناشئ عن هوى كما فسرت المعتزلة والخوارج والإباضية والرافضة والأشاعرة والماتريدية القرآن بآرائهم وأهوائهم وتركوا تفاسير السلف إلى تفاسير محدثة فهؤلاء مذمومون، لأنهم فسروا القرآن برأي لا دليل عليه ولا حجة فيه وإنما نشأ ذلك التفسير عن هوى فهذا رأي مذموم ومردود على صاحبه.\nأما من فسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط، وكان اجتهادهم واستنباطهم صحيحا، وهذا إنما يسوغ إذا كمل لدي المفسر شروط جواز التفسير بالاجتهاد والاستنباط، وقد جمع الشروط التي بها يجوز للمفسر أن يفسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط.\nالمنهج الثالث: هو المنهج الباطني، فبعد أن ذكرنا كلًا من المنهج السلفي والمنهج العقلاني بقي المنهج الباطني.\nوهناك التفسير الباطني الإشاري أو التفسير بالرمز الذي يوجد عند غلاة المتصوفة والرافضة إذ جعلوا لهم رموزًا تخصهم يفسرون على أساسها نصوص الكتاب العزيز، فإنهم يقولون إن الظاهر غير مراد أصلا وإنما المراد الباطن وقصدهم نفي الشريعة\nوالمنهج الباطني إما رافضي أو صوفي، والمنهج الصوفي يقوم على الوجد والذوق والكشف والمنامات والرؤى، فهؤلاء إذا بدى لهم أن يشرعوا أمرًا فإن قائلهم يقول رأيت النبي ﷺ في المنام والتقيت به وقال لي كذا وكذا، وبعد ذلك خرج للناس بطريقة صوفية جديدة أو بتشريع أمر من الأمور.\nوالناس يدورون بين أحد هذه المناهج أو يكون عند بعضهم خليط بين منهج ومنهج فأحيانا تجد الشخص يجمع بين المنهج الصوفي والمنهج العقلاني.\nولذلك يجد الإنسان نفسه أمام قضية مصيرية، فإما أن نكون عند طلب هذا العلم أن نرتضي لأنفسنا طريقًا ومنهجا يقوم على قال الله تعالى وقال رسوله ﷺ، وقال ابن عباس ﵄، وقال ابن جبير، وقال أبو حنيفة، وقال مالك، وقال الشافعي، وقال","vol":"1","page":69},{"text":"الإمام أحمد، وقال ابن قتيبة، فإما أن نكون على هذا المنهج في تعلمنا لهذا الدين.\nوإما أن نطوي هذه الصفحة ونستبعدها ونأتي مع من يقول قال الفضلاء قال العقلاء قال الحكماء ونؤسس على ذلك قواعد منطقية وفلسفية نبنيها ونرتبها ثم بعد ذلك نهجر كتاب الله ﷿ ونهجر كلام رسوله ﷺ ونعرض عن كلام السلف الصالح وأئمة هذا الدين.\nوإما أن نأخذ بالمنهج الثالث الذي يقول بأن هذه الأمور تؤخذ عن طريق أنواع من السلوك والطرق ثم بعد ذلك يقول أصحابها حدثني قلبي عن ربي، ورأيت ربي، ورأيت النبي ﷺ في المنام، أو كشف لي الحجاب، وهكذا بالذوق والمنامات وغير ذلك.\nفالناس اليوم لا يخرجون في تلقيهم عن هذه المناهج الثلاثة أو جمعوا بين منهج الصوفي ومنهج الفلسفي وهذا كثير عند طوائف من الناس، وسبب خلطهم بين هذين المنهجين لأن المهج الفلسفي منهج فكري نظري يفتقر للنواحي السلوكية العملية والمنهج الصوفي منهج عملي سلوكي يفتقر للنواحي العلمية.\nفالمنهج الصوفي يركز على الناحية السلوكية والتربية العملية، ولكن طرق سلوكية أحدثها هؤلاء من عند أنفسهم وجعلوها من دين الله تعالى وهي لم ترد في دين الله تعالى وصدق المصطفى ﷺ إذ يقول: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^١).\nفعلى طالب العلم أن يتصور هذه المناهج وهذه المدارس ولا تغب عنه طالما هو في سبيل العلم وطريق العلم، فطالب العلم وهو يدرس فنون العلم من عقيدة وتفسير وفقه وأصول يجد هذه المدارس ماثلة أمامه.\nفهؤلاء الذين يتكلم عنهم شيخ الإسلام في هذه المقدمة صاروا على منهج فلسفي، وجاؤوا بقواعد منطقية وفلسفية، ولذلك لا تجد هذا العلم يُدرَّس في مدارس أولئك من أهل الكلام كالأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، إلا وبجانبه يقومون بتدريس المنطق، فهذا العلم له لغته الخاصة فلا يستطيع الدارس لديهم أن يفهم الكلام المذكور في أمهات كتبهم إلا من خلال علم المنطق والفلسفة قال ابن تيمية: \"فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، برقم (٢٦٩٧)، ومسلم كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ (١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)، والإمام أحمد في المسند الْمُلْحَقُ الْمُسْتَدْرَكُ مِنْ مُسْنَدِ الْأَنْصَارِ بَقِيَّةُ خَامِسَ عَشَرَ الْأَنْصَارِ (٢٦٠٣٣).","vol":"1","page":70},{"text":"ينتفع به البليد\" (^١).\nولا شك أن طالب العلم عندما يكون على منهج النبوة فإنه ليس بحاجة لتعلم تلك العلوم وجعلها أساسًا لصياغة علم العقيدة ففرق بين المنهجين.\nفكل بدعة تقوم في مقابلها تموت السنة، فهؤلاء لما أحيوا بدعة المنطق والفلسفة، كان مقابل هذا أن أماتوا علم مصطلح الحديث، وبالتالي لا تجد عند عامة هؤلاء علم أو معرفة بالصحيح من السقيم، لا عند أهل الفلسفة والكلام ولا عند أهل التصوف.\nولذلك تجد أن كتب هؤلاء مملوءة بأحاديث موضوعة أحيانًا وأحاديث مكذوبة، والواحد منهم لا يدري ولا يفرق هل هذا ثبتت صحته أو لم تثبت صحته، بينما هو يجيد علم المنطق إجادة تامة، فهنا نتذكر قول ابن عباس ﵄-إذ يقول: \" مَا أَتَى عَلَى النَّاسِ عَامٌ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تَحْيَى الْبِدَعُ، وَتَمُوتَ السُّنَنُ \" (^٢).\nففي مقابل إحياء البدع تموت السنة، ولذلك انظر لهؤلاء في علم العقيدة مثلًا تجد أن أهل الفلسفة والكلام نبذوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم، وكما يقول شيخ الإسلام: وكما هو واقعٌ منهم أنهم استجهلوا أعلام هذه الأمة وأفضل هذه الأمة علمًا وخيرًا واعتقادًا وسلوكًا أصحاب المصطفى ﷺ ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين الذين إذا قرأ الإنسان في سيرهم احتقر نفسه لما كانوا عليه من العلم والفضل، حتى أن أحدهم ليحفظ ألوف المسائل.\nقال ابن رجب الحنبلي\": وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. \" (^٣)\nإلى أن قال ﵀: \"وينقسم هؤلاء إلى قسمين:\nأحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين ١/ ٢\n(^٢) انظر المعجم الكبير للطبراني برقم (١٠٦١٠).\n(^٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢","vol":"1","page":71},{"text":"بالمخلوقين كقول المعتزلة: \"لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة\" وقولهم: \"لو كان له كلام يسمع لكان جسما\"، ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.\nوالثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظًا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.\nوقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^١). \"\nوكل هذا الاعتقاد حملهم على أن تنبذ النصوص عندهم، وشكَّكُوا وطعنوا في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، واستعاضوه واستبدلوا به بدلًا من هذا بقواعد المنطق والفلسفة، وركبوا التوحيد على هذا الأساس.\nومن عاد إلى كتبهم وقرأ سيجد علمًا لا أساس له من الكتاب والسنة ومركبٌ وفق قواعد المنهج الفلسفي.\nفإذًا لما أدخل هؤلاء الفلسفة والمنطق في هذا العلم وفي غيره، كان هذا على حساب الكتاب والسنة، وهكذا فعل المتصوفة لما أحدثوا ما أحدثوا من البدع، كان هذا على حساب إتباع السنة.\nقال ابن رجب الحنبلي: \"الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه، فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا، ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه.\nوما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون \"هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا\". \" (^٢)\nفإذًا لا يغب عن بال من يطلب العلم، أنه أمام أحد مناهج ثلاثة، فالمنهج\n_________\n(^١) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣\n(^٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤","vol":"1","page":72},{"text":"الفلسفي ركز على الجانب العلمي، والقضايا العلمية كقضايا التوحيد، والمنهج الصوفي ركز على القضايا العملية، لذلك من كان له احتكاك بأمثال هؤلاء سيرى ويلمس أن هؤلاء يعتنون بالجانب العلمي، أي الأشاعرة وغيرهم، لذلك لا تجد في كتب الأشاعرة إلا ناحية علمية فكرية، وإذا جاء إلى المتصوفة جاء إلى نواحي عملية سلوكية.\nولذلك كل واحد من هؤلاء ضيع أمران، فالمنهج الفلسفي منهج علمي فكري، أهمل جانب العمل، ولذلك ما تراه اليوم في المناهج المتفرعة عن هذه المناهج العقلانية، تجد أن هؤلاء فقط يعتنون بالناحية الفكرية دون ناحية تطبيقية.\nهذه المناهج التي نراها اليوم في الفكر الإسلامي وفي ساحة التفكير الإسلامي لما نبعت من هذه المناهج العقلانية، تجدها نواحي نظرية، فإذا رأيت الواحد منهم في التطبيق، تجده على خلاف ما يسِرُّ، قد يكون في فكره ونظره مثلًا يتكلم عن الإخوة الإسلامية ويتكلم عن اعتصام المسلمين ويتكلم عن هذه القضايا بكلامٍ جيد وجميل، لكن انظر إليه من ناحية التطبيق تجده صفر اليدين.\nفإن كان يدعو إلى الوحدة، فهو في بيته غير ملتزم، وفي نفسه غير ملتزم، كل هذا نابع عن أساس هذا المنهج العقلاني الذي يأتي للقضايا فيقررها دون ثمرة ودون تطبيق.\nوالمنهج الصوفي يعتني بالناحية السلوكية دون الناحية العلمية، لذلك تلمس من هؤلاء أنه إذا تعمق في تصوفه ألحد، حتى أنه يصل إلى مرحلة أنه يزعم عن نفسه أنه هو الله، لأن علمه قليل وإن كان في التطبيق يُجْهِدُ نفسه، يُجْهِدُ نفسه في الذكر، يُجْهِدُ نفسه في البعد عن الناس والتجرد والزهد إلى غير ذلك.\nفالسبب في هذا الخلل الواقع، هو البعد عن الكتاب والسنة، لأن منهج الكتاب والسنة منهجٌ علمي عمليّ.\nولذلك تجد أن منهج السلف الصالح ومنهج أهل السُنَّة والجماعة يعتني بكلا الجانبين - بالجانب العلمي وبالجانب العملي -، ولكن في ذات الوقت يبني الأمرين على نصوص الكتاب والسُنَّة.\nولذلك يقول علماء هذا المنهج: لا يمكن أن نصل إلى علمٍ صحيح إلا بطريق الكتاب والسُنَّة، ولا يمكن أن نأتي بعملٍ صحيح إلا بطريق الكتاب والسُنَّة، فلا بد من العلم والعمل معًا، ولا بد أن يكون كلٌ من العلم والعمل مبنيَّان على الكتاب والسُنَّة.\nوهذه المسائل مسائل أساسية، وعلى أساسها يتم التمييز بين الصواب والخطأ،","vol":"1","page":73},{"text":"وبين الحق والباطل، فلا \"لا تَكُنْ إِمَّعَةً إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْتَ، وَإِنْ أَسَاءَ النَّاسُ أَسَأْتَ\" (^١)، فينبغي أن يكون للإنسان نهجٌ يسير عليه من بداية طريقه في العلم، إلى أن يمنَّ الله عليك بالعمل وبالدعوة لهذا الدين.\nفلا بد أن يختار نقطة البداية لنفسه، فالمنهج السلفي يقوم على ركيزتين:\nعلى العلم والعمل، وهذا الكلام لم يأت من فراغ، فلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فهاتان الشهادتان التي يطالب بهما كل إنسان من بداية الأمر، وكما قال النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٢) فلا إله إلا الله لها جانب علمي وهو أن تعرف الله، وجانب عملي وهو أن تعبد الله، ومحمدٌ رسول الله لها جانب علمي وهو أن تصدقه فيما أخبر، وجانب عملي وهو أن تطيعه فيما أمر وتجتنب ما نهى عنه وزجر.\nفلا بد أن يكون علم الإنسان من بداية الطريق مبنيًا على علمٍ صحيح وعلى عملٍ صحيح.\nكما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] هذه الناحية العملية.\n﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وهذه الناحية الاعتقادية العلمية؛ ولذلك الله ﷾ ركَّب في الإنسان:\n- قوةً في التفكير والعلم والنظر.\n- وقوةً في الإرادة والعمل.\nومن النصوص الدالة على وجود هاتين القوتين:\nقول الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].\nوقول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٣)،\n_________\n(^١) انظر سنن الترمذي برقم (٢٠٠٧)، قال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي الجزء الخامس صفحة (٥): ضعيف.\n(^٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، برقم (٧٢٨٤)، ومسل م كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (٢٢)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٧١)، والنسائي (٣٠٩٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (٧٦).\n(^٣) انظر سنن الترمذي برقم (٣٤٨٣)، وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في رياض الصالحين صفحة (٥٠٦): ضعيف وحسَّنه الترمذي.\nوأصح منه قوله ﷺ: «اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي» عند ابن حبان في صحيحه، برقم: (٨٩٨).","vol":"1","page":74},{"text":"وقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^١).\nوضع خطوطًا تحت ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٢)، «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٣).\nستجد إرشادًا ودليلًا على أن في الإنسان قُوَّتين: قوةً في العلم، فإذًا هو أُلهِم الرشد، وسَلِم من الغواية؛ استقامت عنده قوة العمل، وإذا هو كذلك هُدِي لطريق الحق، وعرف طريق الحق وسَلِم من الضلال، فعند ذلك تسقيم عنده قوة العلم.\nفإذًا قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، دليل على سلامة علمه وفكره واعتقاده، وسلامة عمله وسلوكه.\nولذلك قال النبي ﷺ في تزكية أصحابه: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٤)، والرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فلذلك كما نعلم أن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فادعوا بهذا الدعاء «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^٥).\nلأنك إذا أُلهمت الرشد استقام وسُدِّد فكرك، وإن سلمت من شر النفس؛ فبالتالي استقام عملك وسلوكك، وبعد ذلك حصلت لك الهداية في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الإنسان يُخشى عليه من أمرين: الشهوات والشبهات، فهما جيشان من الباطل الشيطان يغزوك بهما، جيش الشهوات المحرمة، وجيش الشبهات المضللة، فأنت إن نجوت من الشهوات المحرمة ومن الشبهات المضللة؛ فبالتالي تكون قد نلت الخير كله.\nفلا بد أن تسقيم عند الإنسان كل من القوَّتين.\nفقوة التفكير والعلم يتم بناؤها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، وليس على الفلسفة والمنطق، وعلى آراء الرجال.\n_________\n(^١) انظر سنن أبي داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الجزء الثاني صفحة (٨٠٥): صحيح.\n(^٢) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٣).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (. . .).","vol":"1","page":75},{"text":"وقوة العمل والسلوك ينبغي كذلك أن يكون العمل الذي يطبِّقه العبد ويعمله مبنيًا على نصوص الكتاب والسُنَّة.\nفينبغي ألا تغيب هذه المسألة؛ لأنها مسألة أساسية، ما دام العبد قد اختار لنفسه طريق العلم، فعليه أن يدخل من باب السُنَّة، ويتعمق ويقرأ، ويستقرئ هذا المنهج من خلال القرآن، ومن خلال السُنَّة ومن خلال كلام السلف الصالح، وحينها سيجد ينابيع العلم.\nواعلم أن البدع نوعان:\nالنوع الأول: بدعٌ قد يكون أهلها متمسِّكون ببعض النصوص، مثلًا: مَنْ يكون من المرجئة، أو مَنْ يكون من الخوارج والمعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة، هؤلاء يتمسكون بنصوص وهؤلاء يتمسكون بنصوص، نصوص جاءت بالوعيد لأهل الكبائر مثلًا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣].\nهذا نص، وذاك يتمسَّك بنصٍ في الإرجاء، فهذه البدعة قد يكون لبعض لأهلها متمسك لشيء من النصوص دون الشيء الآخر.\nالنوع الثاني: بدع ليس لها متمسك من النصوص. ومن ذلك الخلاف في مسألة الصفات فهو ليس خلافًا في فهم النصوص، إنما هذه البدعة ليس لهم فيها أصل من الكتاب والسُنَّة، وحتى هم يعترفون بهذا أن ليس لهم دليل من الكتاب والسُنَّة على ما يقولون.","vol":"1","page":76},{"text":"(١٣) \"وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه فوق كل شيء، وعليٌّ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، \"\n<hr><s0>\n\nبعد أن انتهى المصنف ﵀ من ذكر ما يتعلق بالجوانب التأصيلية، وبيان أن الأساس في هذا الباب وغيره من مسائل الدين هو الرجوع إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ، شرع المصنف ﵀ في تقرير مسألة العلو والتي ذكرها السائل في رسالته لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال السائل: \" ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات. \"\nفبين المصنف هنا المنهجية التي سيسير عليها في تقرير إثبات صفة العلو حيث سيورد أمثلة من:\nأولًا: القرآن الكريم.\nثانيًا: السنة النبوية.\nثالثًا: أقوال الصحابة والتابعين.\nرابعًا: أقوال أئمة الإسلام.\nفبين شيخ الإسلام ﵀ هنا أن إثبات هذه الصفة ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية، كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم وكلام أئمة الإسلام فهذه النصوص من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-تدل دلالةً واضحةً صريحةً على إثبات صفة العلوِّ لله ﷾.\nوشرع في سرد تلك الأدلة بحسب هذا التقسيم الذي أورده:","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>أولًا: الأدلة من القرآن الكريم على إثبات صفة العلو لله ﷿.</span>\n(١٤) مثل:\n• قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ [فاطر: ١٠]،\n• ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]\n• ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًاِ﴾ [الملك: ١٦١٧]،\n• ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]،\n• ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]،\n• ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]،\n• ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]،\n• ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، في ستة مواضع،\n• ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]،\n• ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦٣٧]،\n• ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]،\n• ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤]. إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة.\n<hr><s0>\n\nوفي شرح كلام المصنف هناك وقفات:\nالوقفة الأولى: كثرة أدلة إثبات صفة العلو.\nليس غرض المصنف هنا حصر أدلة القرآن الكريم على إثبات صفة العلو لله تعالى وإنما ذكر أمثلة من تلك الأدلة فالأدلة أكثر من تحصر.","vol":"1","page":78},{"text":"قال ابن تيمية: \"قَدْ وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالْفَوْقِيَّةِ فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: فِي الْقُرْآنِ أَلْفُ دَلِيلٍ أَوْ أَزْيَدُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالٍ عَلَى الْخَلْقِ وَأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ دَلِيلٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ\" (^١)\nوقال ﵀: \"دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ وَهِيَ دَلَائِلُ جَلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ مَفْهُومَةٌ: مِنْ الْقُرْآنِ مَعْقُولَةٌ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. \" (^٢)\nالوقفة الثانية: تنوع عبارات القرآن في إثبات صفة العلو.\nفالقرآن الكريم من أوله إلى آخره مليء بما هو إما نص ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه عال على خلقه ومستو على عرشه، وقد تنوعت تلك الدلالات، فوردت بأصناف من العبارات، فقد أشار العلماء إلى ذلك التنوع في العبارة على إثبات هذه الصفة، ومن ذلك:\n١ - التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].\n٢ - ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].\n٣ - التصريح بالعروج إليه، نحو ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوُحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].\n٤ - التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلكَلِمُ الطّيّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\n٥ - التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنّي مُتَوفَيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\n٦ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو، ذاتًا، وقدرًا، وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.\n٧ - التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٢٦\n(^٢) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٤","vol":"1","page":79},{"text":"﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢]. وهذا يدل على شيئين:\nالأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره.\nالثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.\n٨ - التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقوله ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا.\n٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:\nإما أن تكون «في» بمعنى «على».\nوإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.\n١٠ التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة.\n١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (^١).\nوفي قوله ﷾: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ -بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه.\nوكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٤ - ٣١٧).","vol":"1","page":80},{"text":"ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه.\nالوقفة الثالثة: المواقف من صفة العلو وموقفهم من النصوص.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَقَدْ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ \" أَرْبَعُ فِرَقٍ \" (^١).\nالقول الأول:\nالقائل: الْجَهْمِيَّة الْنُّفَاةِ\nقولهم: يَقُولُونَ: لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَ الْعَالَمِ وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ لَا يَقُولُونَ بِعُلُوِّهِ وَلَا بِفَوْقِيَّتِهِ.\nموقفهم من النصوص: لَمْ يَتَّبِعْوا شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ؛ بَلْ خَالَفَوهَا كُلَّهَا فليس لهم متمسك في النصوص بَلْ الْجَمِيعُ عِنْدَهُمْ مُتَأَوِّلٌ أَوْ مُفَوِّضٌ. وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ قَدْ يَتَمَسَّكُونَ بِنُصُوصِ: كَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ إلَّا الْجَهْمِيَّة فَإِنَّهُمْ لَيْسَ مَعَهُمْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُوَافِقُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ النَّفْيِ؛ \"\nالقول الثاني:\nالقائل: النجارية وَكَثِيرٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة.\nقولهم: هم على قسمين:\n١ - عُبَّادُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.\n٢ - أَهْلُ الْوَحْدَة يَقُولُونَ: إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَمَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مُرَكَّبًا مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.\nموقفهم من النصوص: هُمْ يَحْتَجُّونَ بِنُصُوصِ \" الْمَعِيَّةِ وَالْقُرْبِ \"؛ وَيَتَأَوَّلُونَ نُصُوصَ \" الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ فهم تَرَكَوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَوا بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِم مَعَانِيهَا.\nالقول الثالث:\nالقائل: هذا قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني (^٢)، وزهير\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٦ - ٢٣١ بتصرف\n(^٢) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة ورأس فرقة التومنية منها. انظر ترجمته ومذهبه في مقالات الأشعري (١/ ٢٠٤، ٣٢٦)، (٢/ ٢٣٢)، والملل والنحل (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":81},{"text":"الأثري (^١)، وأصحابهما (^٢)، وهو موجود في كلام السالمية (^٣) كأبي طالب المكي (^٤) وأتباعه كأبي الحكم برجان (^٥) وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (^٦)\nقولهم: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.\nفهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٧).\nوالفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.\nويزعم أصحاب هذا القول إنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.\n_________\n(^١) زهير الأثري، لم أقف على ترجمته، وقد تكلم الأشعري عن آرائه بالتفصيل في المقالات (١/ ٣٢٦).\n(^٢) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).\n(^٣) هم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم المتوفى سنة (٢٩٧ هـ) وابنه أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم المتوفى سنة (٣٥٠ هـ)، وقد تتلمذ أحمد بن محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، ويجمع السالمية بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التشبيه ونزعة صوفية اتحادية.\nانظر شذرات الذهب (٣/ ٣٦)، وطبقات الصوفية (ص ٤١٤ - ٤١٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٥٧ - ٢٠٢).\n(^٤) أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، صوفي نشأ واشتهر بمكة، وهو صاحب كتاب \"قوت القلوب\" في التصوف وهو من أكبر رجال السالمية، قال عنه الخطيب البغدادي: (ذكر فيه أشياء مستشنعة في الصفات)، توفي سنة (٣٨٦ هـ).\nانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٨٩)، وميزان الاعتدال (٣/ ٦٥٥)، ولسان الميزان (٥/ ٣٠٠).\n(^٥) أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، متصوف، توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمراكش. \"انظر ترجمته في لسان الميزان (٤/ ١٣ - ١٤)، فوات الوفيات (١/ ٥٦٩)، الاعلام (٤/ ١٢٩).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩)\n(^٧) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).","vol":"1","page":82},{"text":"موقفهم من نصوص الصفات: يَقُولُون: نحن نقِرُّ بِهَذِهِ \"لنُّصُوصِ وَهَذِهِ لَا نصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهِ.\nوَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فهم يَقُولُون: أَنَا اتَّبَعَنا النُّصُوصَ كُلَّهَا لَكِنَّهُم غالطوا أَيْضًا. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ \" الصُّوفِيَّةِ \" حَتَّى صَاحِبُ \" مَنَازِلِ السَّائِرِينَ \" فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. سُئِلَ \" الْجُنَيْد \" عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ \"فَلَا يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَالشِّيعَةِ فِي أَئِمَّتِهَا؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ يُنْكِرُ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيِ الْحُلُولِ وَمَا قَالُوهُ فِي إثْبَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا مَعْرِفَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا كَمَّلَهَا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ.\nالرد عليهم:\nإنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.\nأما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة \"المعراج وصعود الملائكة","vol":"1","page":83},{"text":"ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.\nوأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات \"أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.\nفإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.\nوإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).\nالقول الرابع:\nالقائل: سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ\nقولهم: أَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُمْ مِنْهُ بَائِنُونَ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ الْعِبَادِ عُمُومًا بِعِلْمِهِ وَمَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مُجِيبٌ.\nموقفهم من نصوص الصفات: يؤمنون بجميع نصوص الصفات ولا يرون أن بينها أي تعارض فأَثْبَتُوا وَآمَنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلْكَلِمِ\nفإجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: \"كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله-تعالى-ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٦٥). وأخرجه ابن بطة في الشرح والإبانة (ص ٢٢٩). وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية، انظر مجموع الفتوى (٥/ ٣٩)، وصحح إسناده.\nوقال: \"وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك\". وأخرجه الذهبي في السير (٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٨/ ٤٠٢). وأورده في تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٩ - ١٨٠)، وفي الأربعين (ص ٤٢، برقم ١٣). وفي العلو (ص ١٠٢)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات. وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣١، ١٣٥) وصحح إسناده، وقال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٢٣ ورواته أئمة ثقات. وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٦)","vol":"1","page":84},{"text":"وقال أبو نصر السجزي: \"فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله-سبحانه-بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش\" (^١).\nوقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: \"وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه\" (^٢).\nوكلام السلف من الصحابة والتابعين، من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد \"نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك (^٣)، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" وكذلك الذهبي في كتابيه \"العلو\" و\"العرش\".\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل\": (٦/ ٢٥٠).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل\": (٦/ ٢٥٠).\n(^٣) انظر: \"مجموع الفتاوى\": (٥/ ٦).","vol":"1","page":85},{"text":"(١٥) \"وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى مثل:\n• قصة معراج رسول الله ﷺ إلى ربه (^١)،\n• ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه،\n• وقول الملائكة الذين يتعاقبون [فيكم] بالليل والنهار، فيخرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم (^٢).\n• وفي الصحيح في حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً» (^٣)،\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  يشير المصنف إلى الحديث الوارد عن أنس، وغيره، في حديث الإسراء برسول الله ﷺ إلى ربه ﷿، فذكر الحديث، وقال فيه: \"فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، ففتح فإذا فيها آدم ثم صعد حتى أتى السماء الثانية\" إلى أن قال: \"ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فإذا إبراهيم، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى\".\nولفظ البخاري: \"ثم دنا فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى\" كما في القرآن. قال: \"ففرض عليّ الصلاة خمسين، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: إن أمتك ٤ لا تطيق ذلك، ورجعت ٥ إلى ربي، فوضع عني عشرًا\"\nأخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٠٨، ٢١٠). والبخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج (ص ٧٩٤ - ٧٩٦، ح ٣٨٨٧)، وكتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ص ٦٥٦ - ٦٥٧، ح ٣٢٠٧). ط: دار السلام. وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٤٥ - ١٤٧).\n(^٢) يشير المصنف ﵀ إلى حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، والفجر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\". متفق على صحته أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، (ح ٥٥٥ ص ١١٤) ط: دار السلام. وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٣٩) كتاب المساجد.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي (٥/ ٣٢٦)\nوأخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٧٤٢) كتاب الزكاة.","vol":"1","page":86},{"text":"• وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع». قال ﷺ: «إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له، فليقل: ربنا الله الذي في السماء …» (^١) وذكره.\n• وقوله في حديث الأوعال (^٢): «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» (^٣). رواه أبو داود.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ٢١). وأبو داود في سننه، كتاب الطب (٤/ ٢١٨). والدارمي في الرد على الجهمية (ص ١٨). والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٨). وابن حبان في الضعفاء (١/ ١٠٨). وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٤). والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، وصححه. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٨٩). وأبو يعلى في إبطال التأويلات (ق ١٥٣/ ب). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٢٧، ح ٨٩٢). وابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ٤٨، برقم ١٨). وأخرجه قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٠٥، برقم ٥٩)، و(٢/ ١١١ - ١١٢، برقم ٦٥). وأورده الذهبي في العلو (ص ٢٧)، وقال: \"وزيادة لين الحديث\". ورد الذهبي تصحيح الحاكم له بقوله: \"زيادة، قال البخاري وغيره منكر الحديث\"، وذكر في ترجمته في الميزان (٢/ ٩٨) أنه انفرد بهذا الحديث فالإسناد ضعيف. \"\n(^٢) الأوعال: جمع وعل بكسر العين، وهو تيس الجبل. النهاية (٥/ ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠٧). وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/ ٩٣، برقم ٤٧٢٣). وأخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٩). وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة الحاقة (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥، برقم ٣٣٢٠). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٨). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٣). وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ح ١٤٤). والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٨٩ - ١٠٩٠، ح ٦٦٥). وابن منده في التوحيد (١/ ١١٧). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٠). والذهبي في العلو (ص ٤٩). ومدار الحديث من جميع طرقه على \"عبد الله بن عميرة\" وعبد الله فيه جهالة، ولذلك قال الألباني في تخريج السنة (١/ ٢٥٤): \"إسناده ضعيف، وعبد الله بن عميرة، قال الذهبي: فيه جهالة، وقال البخاري: لا نعلم له سماعًا من الأحنف بن قيس\". انتهى كلامه. ولكن الجوزقاني صرح في الأباطيل (١/ ٧٩) بصحة الحديث. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣/ ١٩٢) حيث قال: \"إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي ﷺ، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته\". انتهى كلامه. وكذلك مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه. انظر تهذيب السنن (٧/ ٩٢ - ٩٣). \"","vol":"1","page":87},{"text":"[وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم، فهو مروي من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عنه موصولًا إلى النبي ﷺ.\n• وقوله في الحديث الصحيح للجارية: «أين الله؟» (^١) قالت: في السماء. قال:\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) \"  من المعلوم أن مذهب عامة أهل السنة، وسلف الأمة، وأئمتها أنهم يرون إثبات السؤال عن الله تعالى (بأين)، ولا ينفون ذلك عنه مطلقًا، وذلك لثبوت النصوص الصريحة الصحيحة عن النبي ﷺ في ذلك سؤالًا وجوابًا.\nوالسلف يقولون: إن من نفى السؤال بأين، لا بد له من دليل يستدل به على انتفاء ذلك، ولا دليل لهم، ذلك لأنها مسألة إثبات الشرع، فمن أنكرها فإنما ينكر المصطفى\".\nوقد خالف السلف في قولهم هذا الجهمية، والمعتزلة، ومتأخرة الأشاعرة، الذين يزعمون أنه لا يجوز السؤال عن الله تعالى بأين؛ لأن في ذلك سؤالًا عن المكان، وهم يزعمون أن الله ليس في مكان، لأن المكان لا يكون إلا للجسم، والله ليس بجسم، لأن الجسم لا يكون إلا محدثًا ممكنًا ويظهر توضيح هذا الرأي في قول ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٠٤) \"ولا بد في قوله \"أين كان ربنا؟ \" من تقدير مضاف محذوف، كما حدث في قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ ونحوه فيكون التقدير: أين كان عرش ربنا؟ يدل عليه قوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ \".\nفقول ابن الأثير \"أنه لا بد من تقدير مضاف محذوف\" الذي دفعه إليه هو اعتقاده بأنه لا يجوز السؤال عن الله تعالى بأين، لأنه يترتب على ذلك إثبات الجهة والمكان لله تعالى، وهي منفية عنه كما هو مذهب الأشاعرة المتأخرين الذين يعد ابن \"الأثير واحدًا منهم. ومما يجدر ذكره أن ما هرب إليه ابن الأثير من تقدير المضاف لا ينجيه مما هرب منه، لأنه إذا أثبت الجهة لعرشه ﷾ ثبتت له أيضًا لكونه مستويًا عليه\". انظر الاستقامة لابن تيمية (١/ ١٢٦ - ١٢٧).\nوقال الذهبي في العلو (ص ٢٦) بعد ذكر حديث الجارية: \"وهكذا رأينا في كل من يُسأل أين الله، يبادر بفطرته ويقول في السماء. في الخبر مسألتان\nإحداهما: شرعية قول المسلم (أين الله)؟\nوثانيهما: قول المسؤول (في السماء) فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ﷺ\" ا. هـ. \"\nوقال القاضي أبو يعلى الفراء في كتاب \"إبطال التأويل\": قال بعد أن ذكر حديث الجارية: \"اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء\"٧.\nوذكر أشياء، إلى أن قال: \"وقد أطلق أحمد بذلك فيما أخرجه في \"الرد على الجهمية\" فقال: فقد أخبرنا بأنه في السماء فقال ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾، وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وقال ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقد أخبر الله ﷿ أنه في السماء وهو على عرشه\".\nوذكر كلامًا طويلًا ليس هذا موضعه\" \"انظر إبطال التأويلات (١/ ٢٣٣). \"","vol":"1","page":88},{"text":"«من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (^١).\n• وقوله في الحديث الصحيح: «إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي» (^٢).\n• وقوله في حديث قبض الروح: «حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله» (^٣) إسناده على شرط الصحيحين. \"\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-19>ثانيًا: الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو.</span>\nالسنة مليئة بالأحاديث الدالة على علو الله-﷾-واستوائه على عرشه، وقد تكلم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. فتح الباري (٦/ ٢٨٧). وأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/ ٩٥).\n(^٣) رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٦٤، ٦/ ١٤٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٧ - ٤٠) وقال بعد أن ساقه بعدة أسانيد: \"هذه الأسانيد التي ذكرتها كلها صحيحة على شرط الشيخين\"، والحديث أخرجه كذلك عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (ص ٢٥٤ - ٢٥٧، ٢٦١). وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، ح ١٨). والآجري في الشريعة (٣/ ١٣٥٤، ح ٩٢٣). والبيهقي في إثبات عذاب القبر (ص ٣٥). وابن قدامة في العلو (ص ٥٤ - ٥٥، برقم ٢٤). وقال أبو نعيم فيما نقله عنه شيخ الإسلام في شرح \"حديث النزول (ص ٨٧): \"هذا حديث متفق على عدالة ناقليه\"، وعنه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣٦) \"صحيح صححه جماعة من الحفاظ\". وأورده الذهبي في العلو وعزاه للإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وقال: \"هو على شرط البخاري ومسلم، ورواه أئمة عن ابن أبي ذئب\" العلو (ص ٢٢). وقال البوصيري في الزوائد (٤/ ٢٥٠): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\". \"","vol":"1","page":89},{"text":"المصنف على إثبات ذلك في خلال الكثير من الأحاديث، كأحاديث المعراج، وأحاديث صعود الملائكة ونزولها من عند الله، وعروج الروح إليه، واستواء الخالق على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ورؤيته في الآخرة، فالسُّنَّةُ قد دلَّت على عُلُوِّ الله بدلالاتها الثلاث: (القولية، والفعلية، والتقريرية).\nأولًا: أما السُّنَّة القولية فمنها:\n١ حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً».\n٢ حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض».\nثانيًا: وأما أدلة السُّنَّة الفِعلية فمنها:\n١ - ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ في حديث حَجَّةِ الوَدَاعِ، وفيه: أن رسول الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا …»، إلى أن قال جابر ﵁: «فقال بإصبعه السَّبَّابَة يَرْفَعُهَا إلى السَّماء وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: اللهم اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (^١).\nقال العَلَّامة ابن القَيِّم ﵀ مُعَلِّقًا على هذا الحديث: «ليشهد الجميعُ أن الرَّبَّ الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه» (^٢).\n٢ - ما في الصَّحيحين في رفعه ﷺ يديه إلى السماء قائلًا: «اللهم اسقنا» (^٣). وهكذا رفعه يديه في الاستسقاء وغير ذلك.\nثالثًا: ومن أدلة السُّنَّة التقريريَّة وأشهرها:\nما رواه معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي ﵁ قال: «كانت لي جاريةٌ تَرْعَى غَنَمًا قِبَلَ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلَعْتُ ذات يومٍ فإذا بالذئب قد ذهب بشاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لكني صَكَكْتُهَا، فأتيتُ رسول الله ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء، قال: «ومَن أنا؟». قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).\n(^٢) «إعلام المُوقعين» (٢/ ٣١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٥).","vol":"1","page":90},{"text":"وقد تقدم ذكر موقف المعطلة عمومًا من نصوص السنة ورفضهم الاحتجاج بها بزعم أنها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا يحتج بها في باب الاعتقاد، مع وصفهم لها بأنها أحاديث التشبيه كقول الغزالي: \" وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة\" (^١). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، والحديث كلام المصطفى ﷺ-كيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها.\nفشتان بين من يعظم السنة ويوقرها يحتج بها ويصدرها ويستدل بها، وبين من لا يقيم لها وزنًا أو اعتبارًا، بل ويتهكم بنصوصها وينفر منها بألقاب وأسماء تجعل السامع ينفر منها، بل ويقدم عليها زبالة الأفكار وأقوال من لم يعرف الله ﷿ حق المعرفة.\n_________\n(^١) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).","vol":"1","page":91},{"text":"(١٦) \"\n• وقول عبد الله بن رواحة ﵁ الذي أنشده النبيَّ ﷺ وأقره عليه:\nشهدتُ بأن وعدَ الله حق … وأنَّ النار مثوى الكافرينا\nوأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا (^١)\n• وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي (^٢) الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: «آمن شعره وكفر قلبه»:\nمجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبنا الأعلى الذي سبق الناس … وسوى فوق السماء سريرا\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  جاء في الاستيعاب (١/ ٢٩٦) بهامش الإصابة وقال: \"روينا من وجوه صحاح. \" عن عبد الله بن رواحة أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، فرأته امرأته فلامته، فجحدها، فقالت: له إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال: (شعر)\nشهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا\nوأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا\nفقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن، فأخبر النبي ﷺ بذلك فضحك وقال: \"غفر لك كذبك بتمجيدك ربك\".\nوأسنده ابن عساكر في تاريخه (٩/ ١٠٩/ ب)، (جزء عبد الله بن جابر -عبد الله بن زيد). وأورده ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ٩٩ برقم ٦٧)، وعزاه لابن عبد البر. وأورده الذهبي في العلو (ص ٤١، ٤٢)، وعزاه لابن عبد البر وقال: \"قلت: روي من وجوه مرسلة منها يحيى بن أيوب المصري، حدثنا عمارة بن غزية عن قدامة بن محمد ابن إبراهيم الحاطبي فذكره، فهو منقطع\"، وفي السير (١/ ٢٣٨). وأورده السبكي في طبقات الشافعية (١/ ٢٦٤، ٢٦٥)، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عمن حدثه عن عبد الله بن رواحة، وإسناده ضعيف لجهالة من حدثه ولإعضاله لأن عبد العزيز من أتباع التابعين. وقال النووي في المجموع (٢/ ١٦٣): (إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع) (ورواه الدارمي في الرد على الجهمية (٨٢) من طريق آخر، وفيه يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، وقدامة بن إبراهيم مقبول كما في التقريب يعني حيث يتابع وإلا فلين، وفيه انقطاع بين قدامة وابن رواحة). \"\n(^٢) أمية بن عبد الله، أبي الصلت، بن ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف، أدرك الإسلام ولم يسلم، مات سنة خمس من الهجرة. انظر: تهذيب ابن عساكر (٣/ ١١٨ - ١٣١). \"","vol":"1","page":92},{"text":"شرجعًا (^١) ما يناله بصر العين … يرى دونه الملائكة صورا (^٢) \" (^٣)\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-20>ثالثًا: أقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.</span>\nوهكذا ما أوثر عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.\nفأوثر عن عبد الله بن رواحة أنه قال في أبيات شعرٍ له:\nشهدت بأن وعد الله … حقٌ وأن النار مثوى الكافرينا\nوأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا\nفإذًا هذا واضح في إثبات صفة العلوِّ والاستواء لله ﷾.\nوهكذا في شعر أمية بن أبي الصلت وقد سمعه النبي ﷺ-ولم يرده، فمن شعره أنه قال:\nمجِّدوا اللَهَ فَهوَ لِلمَجدِ أَهلٌ … رَبُّنا في السَماءِ أَمسى كَبيرا\nبالبناء الأَعلى الَذي سَبَقَ الناسَ … وَسَوَّى فَوقَ السَماءِ سَريرا\nفإذًا هذا مما يدل على أن هذا الأمر لو كان فيه ما يخالف العقيدة لما قَبِلَه النبي ﷺ، ولما قَبِلَ أن يسمعه، ولما قَبِلَ أن يقبله، ولما قَبِلَه العلماء، ولما علقوا عليه فيما أوردوه من كتبهم.\n_________\n(^١) قوله: \"شرجعًا\": أي طويلًا. العرش للذهبي ٢/ ٧٤\n(^٢) و\"صورًا\": جمع أصور، وهو المائل العنق. العرش للذهبي ٢/ ٧٤\n(^٣) أورده ابن قتيبة في الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة (ص ٢٤٠). وأبو يعلى في إبطال التأويلات (ق ١٥٤/ أ). وابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠٠ - ١٠١، برقم ٦٩). والذهبي في العلو (ص ٤٢ - ٤٣)، قال: إسناده منقطع. وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣١٠). وعزاه السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٥٧ بشرح الفيض) إلى أبي بكر الأنباري في المصاحف، والخطيب في تاريخه وابن عساكر. وذكر المناوي في الفيض (١/ ٥٩) إسناد الأنباري وقال: \"فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك الحديث كما في التقريب لابن حجر، ثم ذكر إخراج الخطيب وابن عساكر وقال: \"بإسناد ضعيف وعزا الحديث ابن حجر في الإصابة (٤/ ٣٧٦) إلى الفاكهي بإسناد فيه الكلبي، وهو متهم بالكذب، ورمي بالرفض\".","vol":"1","page":93},{"text":"(١٧) \"إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ-المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوِّين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء\".\n<hr><s0>\n\nفهذه نصوص كما يقول: \"إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله ﵎\"، وإن شئت الاستزادة في هذا فارجع إلى كتابي \"العلو\" و\"العرش\" للذهبي، فالذهبي جمع في كتابيه الكثير من النصوص والآيات والأحاديث والمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وقد قام الشيخ الألباني باختصار هذا الكتاب فيما سماه مختصر العلو، فإن شئت ارجع إلى مثل هذا الكتاب تجد أن المؤلف جمع فيه العشرات من النصوص.\nوكذلك ارجع إلى كتاب ابن القيم \"اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية\"، فابن القيم في هذا الكتاب جمع كذلك العشرات من النصوص في هذه المسألة، فالرجوع إلى هذين الكتابين يؤكد ويبين أن كتاب الله تعالى جاء بإثبات صفة العلو، وسنة المصطفى ﷺ-جاءت بإثبات صفة العلو، وكذا أن هناك العشرات بل المئات من النصوص عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومَن جاء بعدهم من الأئمة تؤكد على إثبات هذه الصفة، وعلى أن اعتقادهم فيها هو إثبات صفة العلو لله ﷾.\nوفي المقابل لو جئت إلى القوم فقلت لهم: أين دليلكم من كلام الله تعالى أو من كلام رسوله ﷺ-أو من المأثور عن الصحابة والتابعين أو تابعي التابعين؟، أعطونا دليلًا واحدًا يؤكد على صحة ما تزعمون، وما تقولون؟\nوذكر المصنف ﵀ في هذا الموضع ما يتعلق بصفة العلو، وما يتصل بهذه الصفة من جملةِ صفاتٍ.\nفأعظم مسألتين في باب أسماء الله وصفاته: هما صفة العلو وصفة الكلام، وهذا","vol":"1","page":94},{"text":"لأهمية هاتين المسألتين في هذا الباب؛ لأن أهل الباطل من المعطلة أَصَّلوا قولهم في صفة العلو بناء على أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد، فكذَّبوا بكل غيب، ولذلك أنكروا عُلُوَّ الله ﷾؛ وهو أعظم غيب، وهم بذلك يُريدون الوصول إلى إنكار وجوده؛ لأن في إثبات علوه إثباتًا لوجوده جل وعلا، وإثبات وجوده إثبات لأعظم الغيب.\nوكذلك أرادوا أن يتسلطوا على صفة الكلام؛ لأن في إثباتها إثبات للوحي، وهو مصدر العلم الشرعي، فهم يريدون أن يُفسدوا هذا الباب؛ ليقصروا مصدر العلم على نفوسهم، وبالتالي يريدون أن يُسووا بين قولهم وقول رسول الله ﷺ باعتبار أن مصدر الاثنين واحد.\nوبالتالي، فمسألة العلو من أعظم المسائل؛ لذلك نجد أن النصوص التي أثبتت هذه الصفة متواترة ومتنوعة ومتعددة، حتى إنَّ العلماء يذكرون أن في كتاب الله ﷿ أكثر من ثلاثمائة آية تتكلم عن علوِّ الله بأساليب متنوعة ومتعددة كما تقدم ذكره.","vol":"1","page":95},{"text":"(١٨) \"كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية الإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته\".\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-21>رابعًا: دليل الفطرة.</span>\nثم انتقل المصنف إلى دليل الفطرة: فدليل الفطرة أمرٌ الله ﷾-جَبَلَ النفوس عليه، فما من قائلٍ يقول: يا الله، إلا ويجد في نفسه ضرورة تطلب جهة العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرة، فأنت إن شئت انظر بعد أن تصلي في مساجد المسلمين كيف يرفع الناس أيديهم في الدعاء، ويتجهون إلى جهة العلو، ولا يلتفتون يمنةً ولا يسرة.\nفقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة ﵀: «باب ذكر البيان أن الله ﷿ في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم.\nوكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (^٢).\nفالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبو\n_________\n(^١) «التوحيد» (١/ ٢٥٤).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥).","vol":"1","page":96},{"text":"جعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (^١).\nفالله ﷾ فطر هذه القلوب على إثبات علوه ﷿ فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله ﷾ فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي ﷺ لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال ﷺ: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (^٢).\nفإذًا هذا أمرٌ مغروسٌ في الفِطَرِ، الله تعالى فَطَرَ الناس على ذلك، وما من إنسانٍ صاحب فطرةٍ سليمة إلا وهذا الأمر في فطرته، وهذا يؤكده حديث الجارية، لما سألها النبي ﷺ: أين الله؟ قالت: في السماء، وهذا جاء في صحيح مسلم.\nبل إن هذا أمرٌ مغروسٌ في فطر الأمم جميعًا، على اعتقاد بأن الله تعالى في السماء؛ ولذلك ما من إنسان يحزبه أمر إلا إذا أراد أن يدعو الله تعالى وأن يناجي الله ﷾-مد يديه إلى السماء، واتجه بقلبه إلى جهة السماء، يسأل الله ﷾، ويطلب الله ﷾.\nفإذًا كما يقول المصنف: \"كما فطر الله على ذلك جميع الأمم\"، فجميع الأمم بلا استثناء مفطورةٌ على الإيمان بأن الله تعالى في السماء، وأنه عالٍ على خلقه، سواءٌ كانوا عَرَبًا أو عَجَمًا في الجاهلية أو الإسلام، \"إلا مَنْ اجتالته الشياطين عن فطرته\" (^٣) يعني: إنسان غُيِّرت فطرته، إذ لُقِّن أن الله في كل مكان، هذا إنسانٌ آخر، إنسانٌ تغيرت فطرته بمغيرٍ خارجي.\nوكما قال النبي ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (^٤)؛ معنى ذلك أن الفطرة قد تتغير إذا لُقِّن هذا الإنسان أمرًا مخالفًا\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وقد تقدَّم قريبًا.\n(^٣) انظر المصدر السابق.\n(^٤) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ، برقم (١٣٥٩)، ومسلم كتاب الْقَدَرِ، بَابُ مَعْنَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ (٢٦٥٨)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٨)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧١٨١).","vol":"1","page":97},{"text":"للفطرة، بأن لُقِّن وقيل له: إن الله في كل مكان، بعد ذلك أصبحت مثل هذه الأمور عقيدة في نفسه، ليست أمرًا فطريًا، ولكنه أمرٌ خارجٌ عن الفطرة، ومؤثرٌ ومغيرٌ خارجي عن الفطرة.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارًا بذلك، وتصديقًا من غير أن يتواطؤا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.\nوكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.\nفهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك\" (^١).\n_________\n(^١) انظر درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥) بتصرف.","vol":"1","page":98},{"text":"(١٩) (ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا)\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-22>خامسًا: أقوال السلف.</span>\nمقصود المصنف ﵀ أن هناك مئات أو ألوف النصوص التي تؤكد أن عقيدة السلف في هذه المسألة هي هذه، وأنت لو رجعت إلى قدماء الأشاعرة، كالبيهقي مثلًا وهو من قدماء الأشاعرة، والأشاعرة يجعلونه من أوائلهم، أو ارجع إلى ابن فورك، أو ارجع إلى الباقلاني، فهذه كتبهم موجودة وهم من قدماء الأشاعرة، ومع ذلك لم ينكروا العلو، بل أثبتوا صفة العلو.\nفلو تجاهلنا علماء السلف، فعلى أقل الأمور أن يرجع الإنسان إلى كتب قدماء الأشاعرة، فإن كتب قدماء الأشاعرة لا تنكر صفة العلو بل تثبتها، وهذا كتاب التمهيد للباقلاني مثلًا، أو كتب البيهقي، مثل كتاب الأسماء والصفات مثلًا.\nفكتب قدماء الأشاعرة تؤكد أن عقيدة القدماء منهم، هي إثبات صفة العلو؛ لأن الأشاعرة المتأخرين إنما تأثروا بهذا الفكر وحملوه من المعتزلة وليس عن قدمائهم؛ لأنه لم يكن عند القدماء من خلل إلا في إنكار ذلك النوع من الصفات، فالقدماء أخذوا عقيدتهم من الكلابية، والكلابية كان إنكارهم والخلل عندهم إنكارهم صفات الأفعال الاختيارية، لكن الجويني إمام الحرمين، ثم مَنْ جاء من بعده كالغزالي إلى الرازي إلى غيرهم، هؤلاء هم الذين أنكروا مثل هذه الصفات وهي مما أخذوه من المعتزلة.\nوكذلك تأثر المعتزلة بهذا الفكر من الجهمية، فهذا الفكر لم يكن موجودًا عند واصل بن عطاء، ولكن تلاميذ المعتزلة هم الذين أخذوا فكر إنكار الصفات، أما واصل فكان خلله في مسائل محدودة، منها مرتكب الكبيرة، ومنها مسألة القدر، ولم يكن عند واصل بن عطاء ولا من في طبقته إنكارٌ للصفات، وإنما جاء هذا عند تلاميذ المعتزلة.","vol":"1","page":99},{"text":"وكما يقول شيخ الإسلام: \"إذا كان الغلط في الأوائل شبرًا صار من بعده ذراعًا، ثم باعًا، ثم إلى ما شاء الله\" (^١)، فالبعد عن الكتاب والسُنَّة لا شك أنه طريق هلاك.\nفإذًا أقوال السلف موجودة، وإن شئت ارجع إلى شرح أصول اعتقاد أهل السُنَّة للالكائي، وإن شئت ارجع إلى كتاب الشريعة للآجري، وإن شئت ارجع إلى كتاب السُنَّة للإمام أحمد، والسُنَّة لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتب السلف الحمد لله مطبوعة ومخدومة في هذا الزمان.\nولذلك مَنْ كان على عقيدة أهل السُنَّة عليه أن يعتني بجمع المأثور، وينظر في المأثور عن علماء السلف في صفات الله تعالى، وهو محفوظٌ وبأسانيده بفضل الله تعالى، فهو العلم كما قال الإمام الشافعي:\nالعلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذلك وسواس الشياطين\nفينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يكون على بصيرةٍ وعلى بينة، وأراد أن يؤصِّل لنفسه، فعليه أن يعتني بالمأثور، فما جعل الكثير من طلبة العلم في حيرةٍ واضطراب، وفي شكٍ وارتياب إلا أنهم لم يجعلوا لعلمهم الذي يعتنون بجمعه أصلًا وأساسًا يعتمدون عليه، بل غاية الكثير منهم إذا استحسن كلامًا من فلان، قال به وحمله في فكره وفي رأسه، ثم يأتي آخر بكلامٍ يناقضه ويضادُّه فيحمله، فيكون في حيرةٍ واضطراب، وتستمر هذه الحيرة معه، لأنه لا يعلم مع مَنْ يعلم مع مَنْ يتلقى وممن يأخذ، فتجده اليوم على فكرٍ معين ثم غدًا على فكرٍ آخر، وكل هذا سببه السطحية التي هو عليها، وإذا أردت أن تؤسِّس علمًا واعتقادًا في نفسك فاجعله على هذه الثوابت.\nفانظر إلى ما في كتاب الله تعالى واعرفه واحفظه، وانظر إلى ما في سنة المصطفى ﷺ-واعرفها واحفظها، وانظر فيما هو من المأثور من كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم واعرفه واحفظه، ثم بعد ذلك يكون قد وسعك ما وسعهم ولك في ذلك غنية، فهم أئمة وأعلام هدى، والعلم يؤخذ منهم وعنهم وكما يقول بعض السلف: «من لم يسعه ما وسع الرسول ﷺ وما وسع الصحابة فلا وسع الله عليه» (^٢).\nولا شك أن كل واحدٍ يعرف لهؤلاء ما لهم من قدر، وما لهم من منزلة، سواء\n_________\n(^١) انظر كتاب بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية صفحة (٤٥١).\n(^٢) انظر كتاب سير أعلام النبلاء الجزء (١١) صفحة (٣١٣).","vol":"1","page":100},{"text":"كانوا أصحاب محمدٍ ﷺ-فهم خير هذه الأمة، قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه.\nولذلك ابن مسعود، وهو صحابي جليل يحث على هذا المنهج فيقول: \" مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فإنَّ الْحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ \"، يقول هذا وهو في وقته.\nوبعد ذلك يقول: \" أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اخْتَارَهُمُ الله لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى أَثَرِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُم منْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ \" (^١).\nهذه كلمات قالها ابن مسعود ﵁-ومشهورٌ عن ابن مسعود ﵁-أنه من أشدِّ الصحابة محاربةً للبدع، فانظر إلى هذه الكلمات وتمعنها فهي تضع منهجا وترسم طريقا، \"أولئك أصحاب محمد\"، لماذا الإعراض عن هؤلاء؟ وعن كلامهم؟\nأليسوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا؟\nأليسوا أعمقها علمًا؟\nأليسوا أقلَّها تكلفًا وبُعدًا عن البدع والأهواء؟\nأليسوا قومًا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﵌ وإقامة دينه؟ فلماذا نعرض عن كلامهم وعن المأثور عنهم اعتقادًا وعملًا؟\nفينبغي للإنسان أن يسير على هذا النهج، ثم إذا وجدت كتابًا يسير على هذا النهج فافرح به، واسعَ لحفظه، ولا تكن ممن قال عنهم علي ﵁: \"همج رعاع أتباع كل ناعق\" (^٢)، فليس كل مَنْ تكلم أو تفوَّه بكلمة واستطاع أن يقنعك بها، ليس هو على الحق، وإلا سيتعدد الحق، ويضطرب الناس، ويضطرب الفكر. قال الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: \"أو كلما جاءنا رجل ألحن بحجته من الآخر أخذنا بقوله وتركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ\".\nولكن عليك أن تعتمد هذا الأصل وهذه القاعدة، وتؤسِّس علمك عليها، فإنه\n_________\n(^١) انظر شرح السنة للبغوي برقم (١٠٥)، ومشكاة المصابيح (١٩٣)، قال الشيخ الالباني ضعيف.\n(^٢) انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الجزء الثاني، صفحة (٩٨٤) برقم (١٨٧٧)، وقال وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ.","vol":"1","page":101},{"text":"والله إن سرت على هذا، بإذن الله تسلم وتنجو من كثيرٍ من الفتن وكثيرٍ من الأهواء التي يومًا ما ستنقشع وتنجلي، ثم بعد ذلك يظهر ما فيها من الفساد والانحراف.\nفهذه وصية السلف يتناقلونها ويتواصون بها قديمًا وحديثًا، ونحن حملناها من مشايخنا، فأذكر أن الشيخ حماد الأنصاري ﵀-عندما كان يدرِّسنا كان يوصينا بمثل هذا، وكان يسرد علينا كتب السلف المأثورة حتى وإن كانت مخطوطات، ويرشدنا إلى مواضعها، ويعطينا من أخبارها.\nفبحمد الله هذا كان حافظًا للإنسان وهو في طور التأسيس عندما يقتني ويقرأ، كان حافظًا بفضل الله تعالى لنا من أن نزيغ عن هذا المنهج، فهذه وصية أشعر والله أنني بنفسي استفدت منها من هذا الشيخ، وأحفظها له إلى هذا اليوم، أنه أوصانا بكتب المأثور، وأوصانا باقتنائها، وأوصانا بمدارستها ودراستها؛ لأن فيها العلم وفيها الخير.\nفإن تركنا هذا العلم وهذا الخير، فلا شك أن بعد ذلك قد استبدلنا هذا العلم بالأهواء والبدع، وبأقوالٍ لا ندريٍ ألها أساسٌ وسلطان من الحق أو ليس لها أساسٌ من الحق؟، فلا يغيب عنك أن كلام السلف له قيمته، بل له قيمةٌ من أعظم ما تكون؛ لأنه يؤكد ويبين صحة هذا المنهج، وأن هذا المنهج ليس منهجًا شاذًّا أو منفردًا، أو قد انفرد به فلان من الناس.\nبل هو كلام الأئمة السابقين الذين لا شك أن علمهم محفوظٌ وموروث، وبحمد الله طبع الكثير منه، وهو إلى يومنا هذا لا يزال تحت عناية الدارسين، فلا تتجاهل هذا العلم، ولا تتجاهل هذه النصوص، واعتنِ بها جمعًا وقراءة وعلمًا وتعلُّمًا وتعليمًا.","vol":"1","page":102},{"text":"(٢٠) \"ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول ﷺ، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا\".\n<hr><s0>\n\nبدأ المصنف ﵀ بعد أن انتهى من تأسيس أصول أهل السنة في هذه الباب، بالانتقال للخصم وإلى ما معه، وكأن لسان مقاله يقول: يا تُرى هذه بضاعتنا قال الله وقال الرسول، وقال السلف الصالح، فما بضاعة القوم؟ هل لهم فيما زعموا وفيما ادَّعوا دليل من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟\nفليس عند القوم الذين خالفوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، دليل من كلام الله تعالى ولا من كلام رسوله ﷺ، ولا من كلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، أو من أئمة الدين المشهورين المعروفين كالأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى.\nفهذا يوضح أن هؤلاء ليس لهم في هذا الميراث من نصيب، وليس لهم حظٌّ، بل ساحتهم خالية من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، لأنهم لا يرون لهذا قيمة، فلا تجد في باب الإلهيات ولا في باب النبوات؛ لأنهم يقسمون أبواب الاعتقاد إلى ثلاثة أبواب:\nباب الإلهيات.\nباب النبوات.\nباب السمعيات.\nفالإلهيات: أي إثبات وجود الله كما يقولون وهذا منتهى التوحيد عندهم.\nوالنبوات: أي الإيمان بنبوة النبي.\nوالسمعيات: أي ما يتعلق بالبعث والنشور واليوم الآخر.\nولن تجد في البابين الأُولَيَيْن، باب الإلهيات وباب النبوات، قال الله وقال الرسول، بخلاف ما قد تجد في باب السمعيات؛ وهم أسموها سمعيات لأنها -كما","vol":"1","page":103},{"text":"يقولون-مصدرها الكتاب والسُنَّة، لكن في باب التوحيد وفي باب النبوات لن تجد قال الله وقال الرسول، إنما ستجد قال القدماء، قال الحكماء، قال العقلاء، ويعنون بذلك أهل المنطق والفلسفة.\nومما يؤكد ذلك أيضًا أنك لا تستطيع فهم عقيدة الأشاعرة حتى تدرس المنطق، فهو سُلَّمٌ لفهم عقيدتهم، مما يدل ويؤكد أن هؤلاء ليس لهم حظٌ في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، ولا في المأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم؛ لأن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌ وكلام هؤلاء لا يحتاج إلى فلسفةٍ ومنطق.\nومَن ذا الذي يقول: إن القرآن يحتاج إلى علم المنطق لكي يُفهم؟، أو أن كلام الرسول ﷺ-يحتاج إلى المنطق والفلسفة لكي يُفهم؟، أو أن كلام السلف الصالح يحتاج إلى هذا لكي يفهم؟\nفإذًا، هذا تنبيهٌ وإشارة من شيخ الإسلام أن هذه أصول أهل السُنَّة، وهذا معتقدهم، فإن شئت فاعتمد وقل بما قالوا، أما القوم فلا حظ لهم ولا نصيب في هذه الأصول.","vol":"1","page":104},{"text":"(٢١) \"ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه [بذاته] في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع، ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟». فيقولون: نعم. فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها [إليهم] ويقول: «اللهم اشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثير.\nفإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله، ثم على رسوله ﷺ ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق الذي يجب اعتقاده ولا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف، أو كل فاضل أن يعتقدها\"\n<hr><s0>\n\nأي ليعطينا أي إنسان من هؤلاء أنه ورد عن الصحابة أو التابعين وتابعي التابعين أو عن الأئمة الأربعة أنهم قالوا إن الله في كل مكان.\nبل إن الإمام أبو حنيفة يقول: \"مَنْ أنكر إن الله ﷾-في السماء فقد كفر\" (^١)، فحكم عليه بالكفر، وللشافعي ﵀-كلام في هؤلاء سنأتي إليه في نهاية هذه الفتوى بإذن الله تعالى.\nفهذه أقوال المبتدعة تدور حول هذه العبارات، فمن منكرٍ لعلوِّ الله تعالى، ومن منكرٍ لاستوائه، ومن منكرٍ وقائلٍ بأن الله تعالى بذاته في كل مكان، ومن قائلٍ بأن الله\n_________\n(^١) انظر كتاب الفقه الأكبر صفحة (١٣٥).","vol":"1","page":105},{"text":"لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا متصلٌ ولا منفصل، ومن قائلٍ إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، مع أن النبي ﷺ-في حجة الوداع كان يرفع إصبعه السبابة هكذا وينكبها إلى أصحابه كما قال ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ-لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمعٍ حضره الرسول ﷺ-جعل يقول: «اللَّهُمَّ قَدْ بَلَّغْتُ». قَالُوا: نَعَمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ» (^١).\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (١٦٧٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ (٢٠٣٨٦)، والدارمي (١٩٥٧).","vol":"1","page":106},{"text":"(٢٢) \"فلئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين. \"\n<hr><s0>\n\nلو كان الحق فيما يزعم هؤلاء فالنصوص تقول شيئًا، وهم يقولون شيئًا آخر، فالحق واحد لا يتعدد، فإما أن يكون الحق في صف هذه النصوص، وإما أن يكون الحق في صف هؤلاء، فأنت اجمع واعقد مقارنة كما يرشدك شيخ الإسلام، اجمع النصوص واقرأها، ثم انظر في قول هؤلاء، هل تجد في قول هؤلاء ما يدل عليه النصُّ ويؤكده؟ أم أن قولهم على خلاف ما يقول النصُّ؟\nفإذًا بعد ذلك، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإما أن يكون الكتاب والسُنَّة وسلف الأمة على الخطأ وحاشا أن يكون الأمر كذلك، وإما أن يكون هؤلاء على الخطأ، وهذا الأمر من أوضح وأبين ما يكون، فإنهم على الخطأ البيِّن، إذا كان الأمر في مثل هذه المقارنة.\nفإذًا كما يقول المصنف: كيف يُعقل أن الحق يكون على خلاف ما جاء في النصوص، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، هل نقول بعد ذلك إن للشريعة ظاهرًا وباطنًا؟، ونزعم كما زعم الباطنية من الرافضة والصوفية، أو أن للنصوص شريعة وحقيقة.\nفلا شك أن هذا الشرع واحد، وأن ظاهره وباطنه سواء، ولا يقول مثل هذا الكلام إلا مَنْ انحرفت عقيدته من المتصوفة والباطنية، فهؤلاء الذين إذا جئت تخاطبهم فقالوا: اذهبوا عنا أنتم علماء الشريعة ونحن علماء الحقيقة، وأنتم علماء الظاهر ونحن علماء الباطن، فالشريعة ظاهرها وباطنها سواء والأمر واحد ولا يختلف، فيطرح المصنف مثل هذا الاستفهام وكيف يكون هذا الحق ثم لا يعتقدونه.","vol":"1","page":107},{"text":"(٢٣) \"فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ ﷿ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ -سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ -وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ. ثُمَّ هُمْ هَهُنَا فَرِيقَانِ: أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: مَا لَمْ تُثْبِتْهُ عُقُولُكُمْ فَانْفُوهُ -وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ تَوَقَّفُوا فِيهِ -وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ -الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -فَانْفُوهُ وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ؛ وَمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ قِيَاسَكُمْ هَذَا أَوْ يُثْبِتُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ عُقُولُكُمْ -عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِهِمْ -فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ؛ لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ. أَوْ أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ مَعَ نَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ؛ هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ عَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ.\n\n(٢٤) وهذا الكلام قد رأيته صرَّح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه، ومضمونه أن كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون والمجوس، وبعض الصابئين. وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة، ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أُمروا أن يكفروا بهم، وما أشبه هؤلاء المتكلفين بقوله ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":108},{"text":"فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية.\nثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عن من قال كقولهم لتشابه قلوبهم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ..﴾ [البقرة: ٢١٣]\n\n(٢٥) ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتاب هدًى للناس، ولا بيانًا ولا شفاء [لما في الصدور] ولا نورًا، ولا مردًّا عند التنازع، لأنا نعلم بالاضطرار [أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أن الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه [الكتاب والسنة] لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لقد أبعد النجعة وهو إما مُلْغِز، أو مُدَلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين.\n\n(٢٦) ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مَرَدَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالًا.\nيا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يومًا من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا؛ فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه.\n\n(٢٧) ثم الرسول ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله»\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":109},{"text":"ورُوي عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». فهلا قال من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين.\n<hr><s0>\n\nلا يزال المُصَنِّف رحمه الله تعالى يبين من خلال هذه العبارات ومن خلال ما يعقده من موازنة بين منهج أهل الحق ومناهج أهل الباطل، يبين حقيقة الأمر وحقيقة الخلاف في أصله، وكما تعلمون أن الخلاف هنا خلافٌ بين منهجين؛ إما منهج أهل الحق المبني على الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، كما أسلف المُصَنِّف وبين وقدم، وإما المنهج العقلي الفلسفي المبني على منطق اليونان وفلاسفة الهند وأشكالهم وأمثالهم.\nففي بداية هذا الكلام قال المُصَنِّف: \"فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ ﷿ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنِ انْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِا\"، فهنا يبين أن هؤلاء قد طرحوا منهج الحق ونَحَّوْهُ جانبًا وأقصوه وأبعدوه، وكما ذكرنا سالفًا أنك لا تجد عند هؤلاء استدلالًا بالنصوص في باب الإلهيات ولا في باب النبوات، وهذان البابان كما ذكرنا هما أصلا هذا الدين؛ لأن هذا الدين قام على أصلين هما: التوحيد والاتباع؛ أي لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوكما قال المصطفى ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وهذا جانب التوحيد، «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (^١)، وهذا جانب الإيمان بالنبي ﷺ واتباع النبي ﷺ.\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، برقم (٧٢٨٤)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (٢٢)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٧١)، والنسائي (٣٠٩٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (٧٦).","vol":"1","page":110},{"text":"فهؤلاء القوم في هذين الأصلين أقصوا منهج الحق وأبعدوا نصوص الكتاب والسنة، وأبعدوا كذلك منهج السلف الصالح، وبالتالي لن تجد في كتبهم قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ، وإنما الذي ستجده: قال بعض الفضلاء، وقال بعض الحكماء، وقال بعض العقلاء.\nوبالتالي يريد أن يشير المُصَنِّف في هذه العبارات، إلى أن هؤلاء اعتمدوا منهجًا وهو الاعتماد على العقل كما زعموا، وسبق أن أسلفنا أن هذا الأمر إنما هو أصل المنهج الفلسفي، وأن المنهج الفلسفي قام على أصلين:\nالأصل الأول: أن العلم فقط في المحسوس المشاهد، فهذا الذي يسلِّمون به ويقولون به.\nوالأصل الثاني: أن الأصل في العلم هو الإنسان؛ أي عقل الإنسان، وأنه لا إيمان بغيبٍ ولا بوحي.\nفعلى هذين الأصلين يقوم قطب الرحى عند أصحاب المناهج العقلية؛ أي أن الإيمان ينحصر في المحسوس المشاهد، وأن الأصل في العلم هو الإنسان، وبالتالي ينبني على هذا أنه لا عبرة ولا إيمان بالغيب، وينبني على هذا أنه لا اعتبار ولا قيمة للوحي، فكل أصلٍ من هذين الأصلين لديهم يهدم أصلًا من أصول الدين.\nفإذا كان هناك - على حد زعمهم - لا غيب، فمعنى هذا أنه لا توحيد ولا إيمان بالله ﷿، ولذلك لن تجد عند هؤلاء في باب التوحيد إيمانًا بوجود الله تعالى إلا بقدر ما قد يكون الأمر في الخيال والذهن لا في الحقيقة والواقع.\nفلو جئت إلى أشعريٍّ فقلت له: أين الله؟ فإما أن يقول لك: في كل مكان، أو أن يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، فلا يستطيع أن يثبت لله وجودًا حقيقًا يمكن للإنسان أن يقتنع به.\nثم في أصلهم الثاني هدمٌ للوحي، الذي هو الإيمان بالنبي ﷺ، فإذًا هم استبدلوا منهج الحق بمنهجٍ فلسفي عقلي يقول: إن المرجع في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل إلى عقل الإنسان، فما أجازه عقل هؤلاء، وما أجازه منطقهم فهو المعتمد وهو المقبول والمسَلَّم، وما عداه فهو دائرٌ بين حالين: إما أن يُنفي وإما أن يتوقف الإنسان فيه.\nويحكي المصنف قولهم: \"وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ - سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ\"، فعندهم لا اعتبار","vol":"1","page":111},{"text":"للوحي، فإنك إذا نظرت في عباراتهم ستجدها عبارات قد يكون بعضها ليس له أصلٌ في الكتاب ولا في السنة، كتسميته تعالى «واجب الوجود»، فمثلًا، ابن سينا عندما يتحدث عن وجود الله تعالى يقول: «واجب الوجود واحد في ذاته بسيط لا تَكَثُّرَ فيه بوجهٍ من الوجوه ولا قسمة له لا في الكم ولا في الكيف ولا في المعقول ولا في اللا معقول ولا في المتناهي ولا في اللا متناهي» (^١) إلى نحو هذه العبارات المنطقية الفلسفية التي لا تجد لها أصلًا في الكتاب ولا في السنة.\nفتسميته «واجب الوجود» هذا أمرٌ لم يرد به نصٌ من الكتاب أو السنة، ولو جئت تسأل عن «واجب الوجود» في معاجم الفلسفة ستجد أن المراد به: الوجود الذهني الخيالى الذي ليس له حقيقة ولا واقع.\nفإذًا هم على هذا بنوا أصل هذه المسألة على عقولهم وفلسفتهم ومنطقهم، ولم يبنوا أصل هذه المسألة على كتاب أو على سُنَّة، وإن شئت فانظر في كتبهم، لن تجد لهم دليلًا من الكتاب أو السُنَّة في هذه المسائل، بل إنهم لا يقبلون هذا.\nولذلك هم أسَّسوا ما يسمَّى «قانون التأويل»، وقانون التأويل يقول: «إذا تعارض العقل والنقل فأيهما يقدم؟» فقالوا بالترتيب المنطقي - قالوا: «إما أن يُجْمَعَ بين الأمرين» (^٢)، أي نأخذ بالعقل والنقل وهذا لا يمكن؛ لأن العقل مثلًا يقول: لا، والنقل يقول: نعم، فكيف تجمع بين لا ونعم في وقت واحد؟ هل هذا يمكن؟ فقالوا: «لا يمكن الجمع بين النقيضين أو الجمع بين الضدين» (^٣).\nالمقصود ب «النقيضين» أو ب «الضدين» أن أحدهما يقول: «لا» والثاني يقول: «نعم»، فلئن كان النص يقول للعلوِّ: «نعم»، أو للاستواء «نعم»، فإن عقولهم تقول: «لا»، فقالوا: «يستحيل الجمع بين الضدين ويستحيل ترك الأمرين» (^٤) أي أن نترك العقل والنقل.\nوقالوا بعد ذلك: «إما أن يقدم العقل على النقل أو يقدم النقل على العقل» (^٥) فقالوا: «لو قدمنا النقل على العقل»، فعلى حد زعمهم، العقل هو الأصل والنقل فرع، فيقولون: «تقديم الفرع على الأصل فيه إبطالٌ للأصل والفرع».\n_________\n(^١) انظر كتاب العرش وما روى فيه صفحة (١٢٣).\n(^٢) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).\n(^٣) انظر المصدر السابق.\n(^٤) انظر المصدر السابق.\n(^٥) انظر كتاء درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الأول صفحة (٤).","vol":"1","page":112},{"text":"انظر ترتيبهم! قالوا: «لو قدمنا النقل على العقل فإن في ذلك إبطال للأصل والفرع» (^١) لأن النقل فرع والعقل أصل، فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي ﷺ، فبالتالي جعلوا من العقل أصلًا يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.\nفبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل - أي عن العقل - فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي، فبالتالي عندهم إثبات ما جاء به النبي متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، افهم هذه المسألة، إثبات ما جاء به النبي - الذي هو الوحي - متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، وإثبات نُبُوَّة النبي متوقف على العقل.\nفالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.\nفعلى هذا الترتيب عندهم أنه مادام العقل هو الأصل وما جاء به النبي ﷺ هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي ﷺ فإنك بذلك أبطلت الأصل.\n«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (^٢)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي، وهذا لا تنسى - كما ذكرنا - يعود على أنهم يقولون: «إن الأصل في العلم هو الإنسان» (^٣)، فعلى هذا الترتيب قالوا يستحيل أن يُقَدَّم النقل على العقل.\nما بقي عندهم إلا خيارٌ واحد: أن يقدم العقل على النقل، فهذا أساس ما يسمَّى عندهم بقانون التأويل، الذي من خلاله بعد ذلك طعنوا في النصوص ثبوتًا ودلالة، فحكموا بقطعية العقل، وأما النقل فهو ظنيّ على حد زعمهم، فبعد ذلك حكموا على الآحاد منها - أي من النصوص - بأنها لا تُقْبَلُ ولا تُعْتَمَدُ.\nولمناقشة أصل المتكلمين القاضي بتقديم العقل على النقل عند التعارض يقال:\nهذا القانون مبني على ثلاث مقدمات:\n١ - ثبوت التعارض بين العقل والنقل.\n٢ - انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة المذكورة.\n٣ - بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت القسم الرابع، أي تقديم العقل.\n_________\n(^١) انظر المصدر السابق.\n(^٢) انظر المصدر السابق.\n(^٣) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء السابع صفحة (١٣٠).","vol":"1","page":113},{"text":"وهذه المقدمات كلها متهافتة لا تقوم على أساس من الشرع، ولا من العقل السليم، وإثبات تهافتها من وجوه.\nالوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيَّان أو دليلان عقليان أو دليلان سمعي وعقلي، فلا يخلو الأمر إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنِّيَّين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، وعلى هذا الأساس يجري الحكم لأحدهما أو عليه، فيقال: أما القطعيان فلا يمكن تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعي سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا، نظرًا لقطعيَّة دلالته لا بكونه عقليًّا أو سمعياًّ وإن كانا ظنِّيَّين صرنا إلى الترجيح،، ووجب تقديم الراجح سمعيًّا كان أو عقليًّا، وعلى هذا فقولهم: إذا تعارض العقل والنقل؛ فإما أن يريدوا القطعيَّين فلا نسلم إمكان التعارض بينهما، وإما أن يريدوا به الظنيين، فالتقديم للراجح، وإما أن يريدوا ما يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدَّم، فإن قُدِّر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم بهذا أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ فادح، وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التأخير والإطراح كون النقلي نقليًّا خطأ. وهذا الوجه يقضي على مقدمتهم الثانية والثالثة.\nالوجه الثاني: قولهم: «العقل أصل النقل» ممنوع؛ فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أن الرسول ﷺ حق، وإن كذبه من كذبه، ووجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، وإن جهله من جهله أو جحده من جحده، وعلى هذا فليس القدح في العقل قدحًا في الحقائق الثابتة بالسمع. وهذا واضحٌ إن شاء الله.\nالوجه الثالث: أن العقل الصريح السليم لا يعارض النقل الصحيح، إذا كان الدليل السمعي ثابتًا في نفسه، ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة، وأوهامًا كاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأملها العاقل حق التأمل وجدها مخالفةً لصريح المعقول، وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقلي خالف دليلًا سمعيًّا صحيح الدلالة، وعليه إذا عارض هذا المسمى دليلًا عقليًّا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه.","vol":"1","page":114},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أسباب ضلال كثير من الناس أنهم ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول ﷺ وليس الأمر كذلك بل كل ما عُلم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول ﷺ إلا ما يوافقه ويصدقه» إه.\nوقال ابن القيِّم ﵀: «إن ما عُلم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ولا يأتي بخلافه، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خالف النصوص الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها» إه.\nوقد يقال: إن المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ، وليست ثابتة بين العقل وبين ما أخبر به الرسول ﷺ.\nوالجواب: أن هذا الكلام يغير صورة المسألة، فتصير هكذا: إذا تعارض الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي، وهذا كلام لا فائدة فيه، ولا حاصل له، وكل عاقلٍ يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل، وقد قدمنا في التمهيد أن كلام المبلغ الأمين يستحيل أن يكون ظاهرًا في غير المراد ويتركه من غير بيان، فإن أمانة التبليغ تنافي ذلك.\nالوجه الرابع: أنه لو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:\n١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.\n٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله ﷺ فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.\n٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟\n٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم","vol":"1","page":115},{"text":"يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.\nالوجه الخامس: أن العقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن المقلد يمكن أن يصير عالمًا، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولًا يوحى إليه.\nفلو دلَّ مقلد مقلدًا آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين - وهو كونه مفتيًا - لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.\nوهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.\nالوجه السادس: أن تقديم العقل على الشرع يتضمَّن القدح في العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة إذا قورنت بجبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادة العقل، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، قال العلامة ابن الوزير اليماني: «فإن قيل: تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض، لأن السمع علم بالعقل فهو أصل، ولو بطل العقل بطل السمع والعقل معًا، وهذه من قواعد المتكلمين، قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضًا بعد أن دلَّ العقل على صحته لبطلا أيضًا معًا، لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية» (^١).\n_________\n(^١) \"إيثار الحق\" ص ١١٧ إلى ١١٩ وأشار إلى أن ممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي.","vol":"1","page":116},{"text":"الوجه السابع: أن الحكم للعقل بالتقديم المطلق ممتنع متناقض، لأن كون الشيء معلومًا بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه عمرو، كما أن الإنسان قد يعقل شيئًا ما في وقت، ويجهله في وقت آخر، فأكثر العقلاء - مثلًا - يعلمون أن كون العالم عالمًا بلا علم وحيًّا بلا حياة، ومريدًا بلا إرادة، وسميعًا بصيرًا بلا سمع ولا بصر، محال بضرورة العقل، بينما يقول بعض المتكلمين: إن ذلك هو الواجب في حق الله تعالى مستدلين على ذلك بالعقل، وبهذا تعلم أن الرد إلى العقول عند النزاع لا يزيد المختلفين إلا اختلافًا واضطرابًا، وشكًّا وارتيابًا وعلى هذا لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النِّزاع والاختلاف إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه، وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول:\nعقلي بالثقة به أولى من عقل من ينازعني.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئًا واحدًا بيِّنًا بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه، وأما الشرع فهو في نفسه قول صادق، وهذه صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [سور النساء: ٥٩]، فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب، إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافًا واضطرابًا وشكًّا وارتيابًا» اه.\nوممّا يوكِّد عدم انضباط نتائج العقول خاصة في البحوث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته ذلك التعارض العجيب الذي نجده عند أهل المدرسة الواحدة من مدارس الكلام، انظر إلى قول الرازي - وهو ينتقض الغزالي _: «من الأصحاب من قال: السميع البصير أكمل ممن ليس بسميع، والواحد منا سميع بصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال، وهذا ضعيف، لأن لقائل أن يقول: الماشي أكمل ممن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفًا به لزم أن يكون","vol":"1","page":117},{"text":"الواحد أكمل من الله تعالى» (١) اه.\nوبهذا يتبيّن خطورة الاعتماد على العقل المجرد في إثبات الصفات، حيث يفتح بابًا للإلزامات واسعًا. بينما الواقف مع النص لا يمكن إلزامه بشيء من ذلك ولله الحمد والمنَّة.\nالوجه الثامن: إن منهج تقديم العقل على الوحي مخالف لمنهج سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم في كل زمانٍ ومكان، بل هو مخالف لمناهج جميع الفرق الإسلامية إلا فرقة المتكلمين، ومنهجٌ هذا سبيله أولى بالسقوط والبطلان، يقول شيخ الإسلام: «فأما معارضة القرآن بمعقولٍ أو قياس فهذا لم يكن يستحله أحدٌ من السلف، وإنما ابتدع ذلك لما ظهرت الجهمية والمعتزلة، ونحوهم ممن بنوا أصول دينهم على ما سموه معقولًا، وردُّوا القرآن إليه، وقالوا: إذا تعارض العقل والشرع إما أن يفوض أو يتأول فهؤلاء من أعظم المجادلين في آيات الله بغير سلطانٍ أتاهم». ويقول ابن القيِّم: «وأنت إذا تأملت أصول الفرق الإسلامية كلها وجدَّتها متفقة على تقديم الوحي على العقل، ولم يؤسِّسوا مقالاتهم على ما أسَّسها عليه هؤلاء - يعني المتكلمين - من تقديم آرائهم وعقولهم على نصوص الوحي، فإن هذا أساس طريقة أعداء الرسل فهم متفقون على هذا الأصل».\nويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه». ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ، ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (^١).\nالوجه التاسع: إن من نتائج هذا القانون أن لا يُستفاد من الرسول شيئًا؛ لأن اعتقاد بطلان ظاهر خبر من أخبار الرسول ﷺ بلا قرينة واضحة شرعية يوجب أن لا يوثق بشيءٍ من أخباره، «ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢","vol":"1","page":118},{"text":"يستفيدون من الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة أقسام: نوع يجب رده وتكذيبه، ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته، ونوع يقر (^١)».\nوعلى هذا يكون لازم قولهم بوجوب رجوع كل عاقل إلى ما يراه عقله صحيحًا أن لا تكون هناك طاعة لله ولرسوله بل للعقول، فتكون وظيفة الرسل والكتب ضربًا من العبث.\nالوجه العاشر: أنه لا إيمان إلا بالتسليم للوحي: قال تعالى: ﴿فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلِّموا تسليمًا﴾ [النساء/ ٦٥] فأقسم ﷾ أنه لا إيمان إلا بتحكيم رسوله في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمة ولا يبقى فيها حرج، ونسلِّم لحكمه تسليمًا مطلقًا، فلا نعارضه برأيٍ ولا عقلٍ ولا هوىً ولا غيره، وقال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله﴾ [الشورى/ ١٠]، قال ابن القيِّم: «وهذا نصٌّ صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردودٌ إلى الله وحده، وهو الحاكم فيه على لسان رسوله ﷺ، فلو قُدِّم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه».\nوعلى هذا يلزم العقلانيِّين الذين يرون تقديم العقل على النقل أن يسلِّموا بالقوانين الوضعيَّة التي وضعها البشر بعقولهم، وهي لا ريب تعارض الشريعة الإسلامية في الغالب فإن فعلوا ذلك لحقوا بالعلمانيِّين الفسقة، وإلا تناقضوا أقبح التناقض وخالفوا قوانينهم، معترفين بفعلهم ببطلانه وتهافته.\nالوجه الحادي عشر: إن كلَّ نصٍّ خالف العقل الصريح فهو مكذوب، فلم يجئ في القرآن ولا في السنة حرف واحد يخالف العقل الصريح، ويمكن التمثيل للنصوص المخالفة للعقل الصريح بحديث: «إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق خيلًا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق وهذا حديث موضوع باطل سندًا ومتنًا والمتهم بوضعه محمد بن شجاع الثلجي، قال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يشك في وضعه، وما وضع هذا مسلم، وإنه لمن أركِّ الموضوعات وأبردها، إذ هو مستحيل لأن الخالق لا يخلق نفسه» ثم قال: «فكل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع» (^٢) إه.\nوإذا كان الأمر كذلك فليس هناك مجال للقول بتقديم العقل عند تعارضه مع\n_________\n(^١) (محصل أفكار المتقدمين) ص ١٢٤.\n(^٢) الموضوعات (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":119},{"text":"النصوص؛ إذ لا يتعارض مع النصوص الثابتة الصريحة، فالتعارض نتيجة خللٍ إما في العقل أو في الرواية.\nالوجه الثاني عشر: أن أصحاب هذا المنهج العقلاني هم أبعد الناس عن معرفة الحق في التوحيد والصفات والقدر، وأكثر الناس شكًّا وحيرةً واضطرابًا، قال ابن القيِّم: «وحدثني شيخ الإسلام قال: حكى لي بعض الأذكياء وكان قد قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة، وهو ابن واصل الحموي أنه قال له الشيخ: أضطجع على فراشي، وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجَّح عندي شيء، ولهذا ذهب طائفة من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة، ومعناه: أنها قد تكافأت وتعارضت فلم يعرف الحق من الباطل، وصدقوا وكذبوا» اه.\nيعني صدقوا في قولهم: أنهم لم يعرفوا الحق، وكذبوا في قولهم بتكافؤ الأدلة، ويؤكد هذا اعترافات كبار المتكلمين، وتوبة بعضهم وتحسرهم من الأعمار التي ضاعت في طلب الكلام، ومن ذلك: قول الغزالي: «فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين، فإنه يشعر نفوس المستمعين بأن فيه صنعة جدلٍ يعجز عنه العامي، لا لكونه حقًّا في نفسه، وربما يكون ذلك سببًا لرسوخ العناد في قلبه، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين، ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من الاعتزال - أو من بدعة - إلى غيره ومن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ولا على العكس … بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًّا مشرف على الزوال بكل شبهة» (١) إه.\nهذا اعتراف صريح من أحد فحول الكلام بأن المنهج العقلي لا يؤدي إلى معرفة الله المعرفة الحقّة، رغم أن الغزالي اعترف بأن بضاعته في الحديث مزجاة أي قليلة (^١)\nقال شيخ الإسلام: «فإن تلك العقيدة الفطرية التي للعجائز خير من هذه الأباطيل التي هي من شعب الكفر والنفاق، وهم يجعلونها من باب التحقيق والتدقيق» (^٢).\n«ومات الغزالي وهو مشتغل بالبخاري ومسلم، والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول ما حصل له مقصوده، ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة».\n_________\n(^١) انظر \"قانون التأويل\" للغزالي ص ٢٤٦.\n(^٢) «الرد على المنطقيين» ص ٣٢٧.","vol":"1","page":120},{"text":"فعلى المسلم الناصح لنفسه أن يبتعد عن الكلام والخوض في كل ما لا يعود عليه بالنفع في آخرته وأن يجتهد في تصحيح عقيدته بأن لا يأخذها إلا من الكتاب العزيز والسنة المطهرة على فهم السلف الصالح، وأن يسلك منهجهم في العبادة والسلوك، في كل صغيرة وكبيرة من تصرفاته، وأي مخالفة لهذا الخط المستقيم فإن مصير صاحبها إلى الندم، والشاهد ما ذكرنا، والله تعالى المستعان. اه\nالوجه الثالث عشر: إن الذين ركبوا عقولهم فزعموا أن العقل يجب تقديمه على النقل عند التعارض حتى في باب الأسماء والصفات إنما أتوا من جهلهم وعدم تفريقهم بين ما يحيله العقل وما لا يدركه، لأن للعقل مجاله الذي إذا اشتغل في إطاره أفاد وأنتج الخير لصاحبه، ومتى وقع الخروج به عند ذلك الإطار أخفق وكان وبالًا على صاحبه، قال العلامة ابن خلدون: «واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود (^١)».\nالوجه الرابع عشر: قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام …﴾ [الفرقان/ ٥٩] وقال تعالى: ﴿ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجلٍ مسمى﴾ [الروم/ ٨] وقال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم أن خلق السموات والأرض …﴾ [التوبة/ ٣٦].\nفي هذه الآيات وأمثالها بيان واضح لا خفاء فيه أن هذا الكون - بسماواته وأراضيه وكل ما فيه من أجرام سماوية أو أرضية - مخلوق خلقه الله تعالى في الوقت الذي شاءه أن يخلقه فيه، وقال تعالى: ﴿لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه﴾\n_________\n(^١) انظر «الصواعق» ٤٥٩.","vol":"1","page":121},{"text":"[القصص/ ٨٨] وفي هذه الآية إخبار من الله تعالى بأن هذا الكون بكل ما فيه آيل إلى الزوال، أي أن للكون بداية ونهاية، وأن الله الذي خلقه هو الذي ينهيه بمشيئته وقدرته ﷾.\nوإذا نظرنا من جانب آخر ألفينا جماهير الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين يقولون بقدم العالم، وأنه لم يزل موجودًا مع الله تعالى، مستدلين بمقدمات عقلية وضعوها وقرروها، فقالوا: لا يتصور أن يصدر حادث من قديم بغير واسطة أصلًا. ويقولون كذلك بأبدية العالم، قال الغزالي: «فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا بداية لوجوده، فهو أبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده، ولا فناؤه، بل لم يزل كذلك، ولا يزال أيضًا كذلك.\nفهنا ندعو أصحاب القانون العقلي للتأمل والإجابة فنقول لهم: هذه نصوص القرآن الكريم، وهذه مقررات عقول هؤلاء والفحول الكبار من العقلانيين الذين لا يشك في سعة عقولهم إلا المخبول متعارضة متناقضة غاية التناقض، فما موقفكم منها، فإن طبقتم قانونكم القاضي بتقديم العقل على النقل انكشف أمركم ولحقتم بهؤلاء الدهريين، وخرجتم من دائرة الإسلام، وإن قدمتم النقل على العقل رجعتم عن قانونكم واعترفتم بفشله وتهافته، وإن قلتم إن عقولكم تخالف عقول هؤلاء الفلاسفة وتتفق هنا مع ما تقرر في السمع، كان كذلك اعترافًا منكم بعدم انضباط العقول كما قررناه في الوجه السابع، وليس لكم وراء هذه الخيارات الثلاثة إلا السكوت الذي يلجأ إليه كل عاجز جاهل مفحم: ﴿فقطع دابر القوم الذي ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ [الأنعام/ ٤٥].\nوكما أسلفنا، ليس المقياس في الثبوت أو عدم الثبوت الذي هو ميزان المحدثين، وإلا لو كان الأمر كذلك فعلى الرأس والعين، لو كان الخبر ضعيفًا غير صحيح فلا شك أنه مع ذلك لا يثبت ولا يمكن أن نعتمد إلا ما ثبت عن النبي ﷺ وثبتت صحته.\nلكن المقياس عندهم ليس هذا، فكما ذكرنا لو ورد هذا الخبر من أخبار الآحاد في البخاري ومسلم فإنه لا حجة فيه في باب الاعتقاد عندهم، فليس الميزان ميزان أهل الحديث، ولكن الميزان أن كل خبر آحاد هو عند هؤلاء باطل مردود ولا يمكن أن تقوم به حجة.\nوهذا ما يقوله الغزالي في المستصفى، فهو يقول هذا، يقول: «وظواهر أحاديث التشبيه لا يعتد بها»، فأحاديث التشبيه، أي أحاديث الصفات، كلام المصطفى ﷺ","vol":"1","page":122},{"text":"الذي لا ينطق عن الهوي ينبذ ويوصف بهذا الوصف القبيح؛ «أحاديث التشبيه»، حتى ينفر السامع من كلام النبي ﷺ حتى وإن جاء في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم مثلًا، وهذا أمر لاشك أنه متفق على ثبوته ومتفق على قبوله عند أهل السُنَّة كافة.\nإذًا لتفهم أن هؤلاء بنوا أصل دينهم على العقل، وبالتالي لو قلت لأشعري مثلًا: لماذا تثبت السمع والبصر وتنفي العلوَّ والنزول والاستواء؟ مع أن هذا جاء به نص وهذا جاء به نصٌّ، فلو كان مستند الأشعري في الإثبات إلى قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ، فإن هذا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.\nلكن لو جئت إلى تعليلاته ستجد أنه يقول: إن هذه الصفات السبع ثبتت بالعقل، وبالتالي أنا أعتمدها، وما عداها لم يثبت فهذا لا يمكن اعتمادها ولا يمكن قبولها.\nولذلك إذا قرأت لشيخ الإسلام في التدمرية، فإنه يناقش هؤلاء بمثل هذا فيقول: «القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإن قلتم إن لله سمعًا وبصرًا فإن لله يدًا وإن لله علوًّا وإن لله استواءً» (^١)، لكن يريد شيخ الإسلام هنا أن ينبه ويبين أن هؤلاء تركوا هذا المنهج من أصله ومن أساسه، واعتمدوا على عقولهم إثباتًا ونفيًا.\nفإذًا هم يصفون الله تعالى بما أجازته عقولهم وما أثبتته عقولهم بغض النظر عن وروده في الكتاب والسنة.\n\"وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ\"، فبالتالي هم ينفون الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، ولو جئت تسألهم لماذا؟ لقالوا: إن العقل لا يجيز ذلك.\nثم هم ها هنا فريقان، أكثرهم يقولون: \"ما لم تثبته عقولكم فانفوه\"، أي الذي لا تثبته العقول يُنفي ولا يثبت، ومنهم من يقول: \"بل توقفوا فيه\"، وهذا يدور على طريقين عند المعَطِّلة: طريق التفويض وطريق التأويل.\nفطريق التأويل: هو طريق النفي.\nوطريق التفويض: وهو طريق التوقف.\nفتارة تراهم ينفون الاستواء ويؤلون معناه بالاستيلاء، وتارة يتوقفون عن تأويل\n_________\n(^١) انظر كتاب التدميرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع صفحة (٣١).","vol":"1","page":123},{"text":"المعنى مع اتفاقهم في كلا الحالين على نفي وجود صفة الاستواء لله على الحقيقة، وكما يقول قائلهم\nوكل نص أوهم التشبيها أَوِّلْهُ أو فَوِّضْه ورم تنزيها\n«وكل نص أوهم التشبيها» (^١) أي كل نصٍ لا تشهد له عقولكم وعلى حد زعمهم يطلقون عليه عبارة «أوهم التشبيها»، فأنتم بين خيارين؛ «أَوِّلْهُ» أي غيِّر وبدِّل معناه، يقولوا: «استوى» بمعنى: استولى، ويقولون: «اليد» بمعنى: النعمة والقدرة … وهكذا.\nأو «فَوِّضْه» أي توقف في تحديد المعنى المراد، والنتيجة بعد ذلك فإنك تقصد بذلك تنزيه الله ﷾ عن هذا إثبات هذه الصفة له.\nفإذًا هم بين مسلكين في هذا، إما مسلك التأويل وإما مسلك التفويض،\n\"وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ -الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -فَانْفُوهُ وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ\".\nأي ارجعوا عند التنازع لعقولكم، ولاشك أن هذا هدمٌ للأصل الثاني من أصلي هذا الدين وهو الاتباع، من الرجوع إلى الوحي الذي جاء به النبي ﷺ وهو الكتاب والسنة.\nفحقيقة مذهب القوم، نبذ الكتاب والسنة والإعراض عن كلام الله تعالى ورسوله ﷺ، فضلًا عن كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، والرجوع بالمسألة إلى شُبَهٍ وأوهام عقلية لا أصل لها ولا أساس لها في الدين، فلذلك يقول: \"فإنه الحق الذي تعبدتكم به\"، يعني كأن هؤلاء شرعوا دينًا جديدًا.\nولذلك هذه المسألة من أهم مسائل الاعتقاد، وتبين عمق وحقيقة الخلاف بين أهل السُنَّة وبين غيرهم، ولا بظن ظان أن الخلاف بين أهل السُنَّة وبين هؤلاء خلافٌ سطحي أو خلافٌ فرعي، لا، إنما هو في أصليّ الدين، ولذلك تجد برهان هذا الخلاف واضحًا في مسألة التوحيد ومسألة الاتباع.\nولذلك خذ هذا مقياسًا لنفسك ومقياسًا على الآخرين، إذا أردت أن تقيِّم نفسك وتقيِّم الآخرين، فانظر إلى موقفك من أصليّ الدين؛ من التوحيد ومن الاتباع، فعلى هذا احكم على نفسك واحكم على غيرك.\n_________\n(^١) انظر كتاب جوهرة التوحيد البيت رقم (٤٠).","vol":"1","page":124},{"text":"فالبعض قد ينظر نظرة أخرى في هذا الصراع القائم بين المناهج، والذي تظهر فيه اختلافات كثيرة، فيبدأ بعقد مقارنة في الحسنات والسيئات، ويتناسى أن يعقد مقارنة في أصليّ الدين، فالمقارنة ينبغي أن تخرج من هنا؛ من التوحيد والاتباع، فما موقف كل فريقٍ من التوحيد والاتباع؟ وانظر بعد ذلك أثر ذلك في ظهور الشرك وظهور البدعة.\nفالبعض قد يقول: هذا منهجٌ يدعو إلى وحدة المسلمين، ووحدة المسلمين مطلب وهدف، فلماذا يُحارَب؟ أو لماذا يردُّ على هذا المنهج؟ ولماذا لا نتفق على هذه المسألة؟ وبعد ذلك ننظر في المسائل الأخرى، فيقال له: قف، هناك ما هو أهم من وحدة الأشخاص ووحدة الناس، فالأهم أن تخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد والإيمان، وأن تلزم الناس باتباع الدين واتباع الوحي.\nمع أن هذا لا يمنع أن يكون لكل أحد حسناته وسيئاته كما قال ابن تيمية ﵀: \"ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم\". (^١)\nفلئن كان هؤلاء صادقين، فإن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (^٢)، وإلا فإن أهل مكة جاءوا للنبي ﷺ وعرضوا عليه اجتماع الكلمة، ولو كان الأمر اجتماع الكلمة، لعقد النبي ﷺ صلحًا مع كفار قريش، وأصبح الأمر والغاية والمقصد هو توحيد الكلمة واجتماعها.\nفما قيمة اجتماع الكلمة إذا كان هناك تلاعبٌ بأصليّ الدين وإهمالٌ للتوحيد وإهمال للاتباع والسنة، فافهم حقيقة الأمر.\nأُعيد وأقول: إذا أردت أن تقيِّم نفسك وأن تقيِّم مواقف الآخرين، فانظر إليهم وانظر إلى نفسك في أصليّ الدين. هل أنت مؤمن بالله تعالى؟ عارف بالله تعالى؟ عابدٌ لله ﷾؟ متَّبعٌ لشرع الله تعالى؟ فأنت لا شك على الخير في هذا، وإن كان هؤلاء يسيرون على هذا النهج وعلى هذا الطريق؟ فلا شك أنهم على الخير والهدى، ولذلك سيؤكد المُصَنِّف هذا من خلال ذكر الافتراق بعد أسطر.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٤٣\n(^٢) تقدم تخريجه، انظر صفحة رقم (. . . .).","vol":"1","page":125},{"text":"ومن شبه أهل الكلام أنهم لو قيل لهم: لماذا تركتم كلام النبي ﷺ وتركتم الوحيَ وأخذتم بضدهما فهذه النصوص جاءت بإثبات هذا وأنتم تنفونه، لزعموا وادَّعوا وقالوا: إن النبي ﷺ ترك مثل هذه القضايا امتحانًا لعقول الناس.\nفمنهج الكلام يقوم على الطعن في هذين الأصلين؛ ألا وهما التوحيد والاتباع، ولذلك ترى الخلل واضحًا عندهم في مثل هذه المسائل، ولذلك لا ترى مجتمعًا من مجتمعات أهل الكلام إلا وقد ضعف فيه التوحيد والاتباع، وتجد بدلًا من ذلك الشرك والبدع، حتى أصبحت السُنَّة بدعة والبدعة سنة، ولو جاءهم شخص بسنة لرفضوه ولحاربوه.\nوليس هذا أمر مبني على الجهل وحده، بل هو عقيدة مترسخة في نفوسهم، ولو كان الجهل وحده لكان الأمر يكتفي فيه أن تُتلَى عليهم الآيات والنصوص ويسمعون كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فيعودوا إلى رشدهم، ولكن الأمر أخطر من ذلك بكثير، ولا يقتصر على الجهل وحده.\nفهؤلاء يقفون من الوحي موقفا تختلف درجته بحسب درجة ذلك المنهج الفلسفي أو الكلامي، فعند الفلاسفة بنوعيهم؛ أهل الفلسفة البحتة أو الفلسفة الباطنية يقولون: «إن الرسول ليس إلا مجرد شخصٍ عبقري استطاع أن يخيِّل للناس ويوهم الناس بأن هناك وجودًا لله حقيقة وأن هناك جنَّةً حقيقة وأن هناك نارًا حقيقة وأن هناك شرعًا حقيقة، وكل هذا لا أصل له ولا وجود له ولا حقيقة»، فبالتالي ينظرون إلى الرسول بشخصه المصْلِح.\nفمثلًا: قد يكتب البعض «عظماء العالم»، ويجعل في كتابه مائة عظيم، ويجعل محمدًا ﷺ في أول القائمة، فالبعض يفرح بهذا فيقول: جعل النبي ﷺ في رأس القائمة.\nلكن افهم واعلم أن النبي الذي تنظر إليه ليس النبي الذي ينظر إليه هذا، النظرة غير النظرة، فهو ينظر إلى شخص النبي ﷺ بأنه عبقري وذكي، استطاع أن يوهم الناس بمثل هذه الأمور، فعند أهل الفلسفة أن هذا نابع من كونه وهم وخيال وكذب لأجل المصلحة.\nلكن أهل الكلام دون ذلك؛ يقولون: «نعم هذا الأمر على خلاف الحقيقة، ولكن النبي ﷺ ترك الحقيقة امتحانًا لعقول الناس»، بهذا يبرِّرون.\nفهذا قول المُصَنِّف: \"فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ؛ لَكِنْ","vol":"1","page":126},{"text":"لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ\"، فهم يقولون: نعم إن النبي ﷺ أخبر بخلاف الحقيقة، وأن الأمر ليس على ظاهره، فلا علو ولا استواء، ولا نزول ولا يد، بل إن بعضهم يبالغ حيث يقول: «لا عرش ولا كرسي» (^١).\nفبعضهم إذا جاء يفسر «العرش» قال: «العرش أي: الملك» (^٢)، وينكر حتى وجود ذي العرش على الحقيقة.\nفعندهم أن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، وإذا سألتهم لماذا والنبي قال كذا وكذا؟ قالوا: «النبي ﷺ أخبر بهذه الأمور وتركها لاجتهاد العقول»، وهذا الزعم يفتح بابًا من الشر، فقد يأتي من يقول: ليس هناك صلاة على الحقيقة، ويأتي آخر ويقول: ليس هناك صيام على الحقيقة، وليس هناك حج على الحقيقة، وليس هناك جهاد على الحقيقة … ويمشي الأمر على هذا المنوال.\nفهم بالتالي أسَّسوا أصولًا باطلة، وأصدروا أحكامًا على الكتاب والسنة باطلة، وبعد ذلك خلت لهم الساحة، ولذلك إذا جاءهم شخص يدعو إلى الكتاب والسنة اجتهدوا في عدائه ومحاربته؛ لعلمهم أن ما في الكتاب والسنة يشهد بخلاف ما يقولون ويزعمون، ولذلك تجد حتى إن مناهجهم تحارِب الكتاب والسنة بطريق غير مباشر، فيحاربون المأثور ويسعون إلى تجهيل الناس بمصطلح الحديث، وإذا درسوا كتب السُنَّة مثلا درسوها للتبرك والبركة لا للعلم والاستفادة، وقصروا الكتاب والسنة على ما يتعلق بالأحكام والعبادات والمعاملات، وأخرجوا الكتاب والسنة من أبواب العقائد.\nولذلك لو سألتهم: لماذا أنتم في باب الأحكام وباب العبادات وأبواب المعاملات تأخذون بالكتاب والسنة وتوردون الدليل، وتتركون هذا في أبواب العقائد؟ ولماذا أنتم مثلًا شافعية أو مالكية، ولماذا لستم في العقيدة على قول الشافعي أو مالك؟\nولماذا لا تحتجون بكلام الشافعي أو بكلام الإمام مالك في بعض الاعتقادات، فكل هذا يؤكد هذه الحقيقة التي يجب على الإنسان أن يعرفها إذا كان جاهلا بها، وإذا لم يقتنع بما يقوله شيخ الإسلام، فما عليه إلا أن يرجع إلى كتاب من كتب هؤلاء، من أمهات كتبهم في الاعتقاد، وينظر وستجد ما يقول، لن تجد إلا: «قال\n_________\n(^١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الثاني صفحة (٣٣٦).\n(^٢) انظر كتاب تاج العروس الجزء (١٧) صفحة (٢٥٣).","vol":"1","page":127},{"text":"بعض الفضلاء»، «قال بعض الحكماء»، «قال بعض العقلاء» (^١)، وهذا ما أشار إليه المُصَنِّف بقوله: «قال فُلَانٌ وقال فُلَانٌ».\nفإذًا هم بعد نبذهم للنصوص سلكوا أحد مسلكين إما التأويل وإما التفويض، والتأويل هو الذي أشار إليه المُصَنِّف بقوله:\n\"لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ\". وهذا منهج التأويل \"أَوْ أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ\" أي منهج التفويض؛ لأن مسالك التعطيل في أصلها مسلكان:\n١ مسلك الوهم والتخييل وهذا عند الفلاسفة،\n٢ مسلك التبديل، وهذا عند أهل الكلام.\nومسلك التبديل نوعان:\nإما مسلك التأويل أي: التحريف.\nأو مسلك التفويض.\nفالفلاسفة من بداية الأمر قالوا: هذه الأمور تبقى على أساس أنها وهم وخيال، فالمتفلسف ليس بحاجة إلى أن يبدِّل وليس بحاجة إلى أن يأوِّل، إنما بعبارة واحدة يقول: «هذه الأمور تبقى في حد الوهم وفي حيز الوهم والخيال ولا وجود لها في الحقيقة» (^٢)، فهذا مسلك الوهم والتخييل، وهو مسلك الفلاسفة، لأنهم يقولون: «إن النُبُوَّة أمر مكتسب» (^٣) أي صناعة كأي صناعة، فالإنسان يمهر مثلًا في النجارة، أو يمهر في الحدادة، فكذلك لا مانع أنه يمهر في النبوة، ويكتسب هذه الأمور بعقله وخبرته، فهذا قول الفلاسفة.\nأما مسلك التبديل فهذا مسلك أهل الكلام، وهم في ذلك فريقان إما أهل تحريف وتأويل أو مسلك تفويض وتجهيل، والمصنف في هذه الفتوى يركز على عقيدة هؤلاء وعلى قولهم.\nوالمصنف ﵀ يتكلم هنا عن مسلك التبديل الذي ينقسم إلى قسمين:\n_________\n(^١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (١٦).\n(^٢) انظر كتاب معارج القدس في مدراج معرفة النفس للغزالي صفحة (١٢٣)، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الخامس صفحة (١٢٨).\n(^٣) انظر كتاب معارج القدس في مدراج معرفة النفس للغزالي صفحة (١٣٠)، والرد على المنطقيين لابن تيمية صفحة (٢٧٧).","vol":"1","page":128},{"text":"إما التحريف والتأويل: وهو كما ضربنا له مثالًا بقولهم: «استوى أي: استولى».\nأو مسلك التجهيل: وهو دعوى التوقف في معنى النصوص، فيقولون: «الله أعلم بمراده» (^١).\nفهذه حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين، فحقيقة رأيهم يدور بين التأويل وبين التفويض، أي بين التحريف أو التجهيل، فالتفويض في حقيقته هو دعوى الجهل والتوقف في معاني النصوص، وأن هذه النصوص لا يعلم معناها، وهذا أمرٌ لو طبق في الواقع فلا يمكن أن يطبق، فهل يعقل أنه لا يمكن التفريق بين «استوى» و«نزل»؟ هل نقرأ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فلا نفهم المراد من هذه الآية وتقرأ مثلًا قول النبي ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) فلا نفهم مراده.\nهل يعقل أن يتكلم الله ﷿ أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام لا يعرف ولا يعلم معناه؟ فهل عندما نقرأ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، هل يعني هذا أننا ما تفهم معنى هذا الكلام؟\nفما من إنسان يعرف لغة العرب وإلا ويعرف معنى «اليد» وما جاءت به من معاني في لغة العرب وأن سياق الكلام هو الذي يحدد المعنى المراد منها، وإن كانت كيفية هذه اليد الله أعلم بها، وكذلك نعلم معنى الوجه، ونعلم معنى العين، ونعلم ونفرق بين هذه الألفاظ؛ لأن كل لفظ له في لغة العرب معنى.\n_________\n(^١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الأول صفحة (٢٠١).\n(^٢) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).","vol":"1","page":129},{"text":"(٢٨) \"وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَأَيْته صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَمَضْمُونُهُ: أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ لَا يَهْتَدِي بِهِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَنَّ الرَّسُولَ مَعْزُولٌ عَنْ التَّعْلِيمِ وَالْإِخْبَارِ بِصِفَاتِ مَنْ أَرْسَلَهُ\"\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَأَيْتُه صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ\" أي يقولون هذا الكلام صراحة، \"وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ\"، فمنهج القوم لا يخرج عن هذا المنهج وهذا الطريق، فكلهم سائرون عليه، فما أجازته عقولهم قالوا به، فالعقول أجازت سبع صفات إذًا سبع صفات، ما عداها بين خيارين: إما التحريف الذي يسمونه التأويل، أو التجهيل الذي يسمونه التفويض، ومضمونه أن كتاب الله تعالى لا يبتدأ به في معرفة الله، فمضمون كلامهم نبذ الكتاب والسنة، \"وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله\"، وإلا لماذا يحيدون عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟ إلا أن هذا هو مضمون كلامهم، وإلا لما فعلوا ما فعلوا من البعد عن الكتاب والسنة، بل ومحاربة من يدعو للكتاب والسنة.","vol":"1","page":130},{"text":"(٢٩) \"وَأَنَّ النَّاسَ عِنْدَ التَّنَازُعِ لَا يَرُدُّونَ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ بَلْ إلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَى مِثْلِ مَا يَتَحَاكَمُ إلَيْهِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْأَنْبِيَاءِ كالبراهمة وَالْفَلَاسِفَةِ -وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ-وَالْمَجُوسُ وَبَعْضُ الصَّابِئِينَ. وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّدُّ لَا يَزِيدُ الْأَمْرَ إلَّا شِدَّةً وَلَا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ فَرِيقٍ طَوَاغِيتُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْهِمْ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ. وَمَا أَشْبَهَ حَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦١: ٦٣]. \"\n<hr><s0>\n\nلو قلت لواحدٍ منهم: تعال للكتاب والسنة لصدَّ وأعرض، ولو قيل لهم: لماذا لا تتحاكمون في هذه المسائل للكتاب والسنة وكلام سلف الأمة؟ وكل هذا ثابتٌ مدون، لوجدت منهم صدودًا وإعراضًا ورغبة في التمسك بهذه المناهج العقيمة الفاسدة التي إنما أُخذت - كما سيذكر شيخ الإسلام - من كلام الفلاسفة وأشباههم.","vol":"1","page":131},{"text":"(٣٠) \"فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا دُعُوا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَإِلَى الرَّسُولِ -وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى سُنَّتِهِ-أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّا قَصَدْنَا الْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ. \"\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا دُعُوا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَإِلَى الرَّسُولِ -وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى سُنَّتِهِ\"، أي أن هؤلاء المخالفون إذا عرض عليهم الرجوع إلى الكتاب والسنة وقيل لهم: تعالوا للكتاب والسنة واتركوا ما تسمونه بالمعقولات، وعليكم أن تحاجُّونا بقال الله وقال الرسول، وترجعوا الأمر إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، لن تجد منهم قبولًا ولن تجد منهم إلا الصدود والإعراض.\nقال المصنف: \"أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّا قَصَدْنَا الْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ\" فتحت دعوى التوفيق بين المعقول والمنقول، حكموا ببطلان المنقول وقدَّسوا المعقول حتى جعلوه في أعلى الدرجات، قطعًا، فجعلوه قطعي الثبوت وقطعي الدلالة.\nفهذا هو ردهم، وأنهم أرادوا الإحسان وأنهم أرادوا التوفيق بين المنقول والمعقول، وبعد ذلك يوردون الشُبَه أو الأعذار من هذا القبيل، فقد يقول قائلهم: الكافر كيف يقبل قال الله وقال الرسول، وكيف تطلبون منا أن نقيم توحيدًا على الكتاب والسنة ونترك ونتجاهل العقل؟ ومن أمثال هذا الكلام.\nفيقال لهم: لو سلم لك هذا الكلام جدلًا، فأنت الآن أولًا لماذا لا تخاطب المسلم بقال الله وقال الرسول؟ فأطفال المسلمين وأبناء المسلمين الذين بين أيديكم لماذا لا تنشؤوهم على منهج الكتاب والسنة؟ ثم لكل حادثٍ حديث، إن كان الكلام مع من لا يؤمن بالله واليوم الآخر فهذا أمر آخر، وإن كان بحمد الله في الكتاب","vol":"1","page":132},{"text":"والسنة خطابٌ لمن هو كافر ولمن هو مشرك ولمن هو زنديق، كل هؤلاء جاء في القرآن ما تقوم به الحجة عليهم جميعًا.\nفالقرآن خطاب للمؤمن ولغير المؤمن، وبيانٌ لحال أهل الإيمان وبيان لحال أهل الكفر جميعًا على تنوع كفرهم، فهذه بعض أعذارهم في مثل ما ذهبوا إليه من منهج وطريقة،","vol":"1","page":133},{"text":"(٣١) \"ثُمَّ عَامَّةُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا دَلَائِلَ: إنَّمَا تَقَلَّدُوا أَكْثَرَهَا عَنْ طَاغُوتٍ مِنْ طَوَاغِيتِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الصَّابِئِينَ أَوْ بَعْضِ وَرَثَتِهِمْ الَّذِينَ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ مِثْلُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ أَوْ عَمَّنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ؛ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ..﴾ [البقرة: ٢١٣] \"\n<hr><s0>\n\nأي أن عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل، إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت المشركين والصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم مثل فلان وفلان.\nولذلك لن تجد في كلامهم إلا قال الفضلاء، قال الحكماء، قال العقلاء، من هم الفضلاء ومن هم الحكماء ومن هم العقلاء؟ أمثال أرسطو وأفلاطون وإرسطاليس وفيثاغورس، وغيرهم فهؤلاء عندهم هم الفضلاء والعقلاء والحكماء، فلان وفلان من الفلاسفة الذين جعلوهم هم أهل الحكمة.\n«أَوْ عَمَّنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ، أي الذين ساروا على نهجهم كالفارابي وابن سينا وغيرهم، هؤلاء يأخذون عنهم مثل هذه القواعد والمسالك الفلسفية.\n\"قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا\" [النساء: ٦٥]، فإذًا الإيمان بحق أن يكون التحاكم إلى الوحي، وأن يكون هناك تسليم بهذا.\nولذلك ينبغي على الإنسان أن يضع هذه المسألة نصب عينيه، وأن لا تغيب عنه، فإذا رأى هذا الاختلاف القائم، فلا يكن عنده نوع حيرة أو اضطراب أو عدم فهم للمسألة في عمومها فيحتار ويضطرب، فلا مجال للحيرة أو للاضطراب؛ فهو إما أن يسلك هذا المنهج أو يسلك ذاك المنهج، فإما أن يكون في صف الكتاب","vol":"1","page":134},{"text":"والسنة أو يكون في الصف المقابل، فبالتالي لا مجال إلى أن يحتار أو أن يضطرب في هذا الباب وهو يجد الصراع بين الحق والباطل، صراعًا واضحًا جليًا.\nفليس للقوم مستمسك بأية من كلام الله، أو بحديثٍ من كلام النبي ﷺ تشهد بما يزعمون وبما يقولون، ولئن كان البعض يجد البيئة التي يعيش فيها بيئة تعتقد مثل هذا وتسير على هذا، ولئن كان البعض قد تربَّى على أفراد أو على مشايخ أو على أساتذة درسوا مثل هذا، فلا تحمله العصبية ولا تحمله كثرة الباطل أو كثرة الشر على أن تنتصر للباطل، لأنه بهذا يجابه ويعاند ويُشاقّ حكم الله تعالى، فمن كان من أهل الإيمان فالله ﷾ جعل للإيمان علامة وهي أن ترجع في حال الاختلاف إلى ميزان القسط العدل وهو الكتاب والسنة، فتزن الأمور بهذا ولا تزنها بالهوى ولا بالعصبية. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، أي لا ينبغي أن يكون في صدره ضيق أو حرج من هذا الأمر الذي جاءت به النصوص، وإنما يجب عليه أن يرجع ويعود ويسلِّم ويستسلم للحق إن كان من أهل الإيمان، فتلك علامة الإيمان في قلب العبد المؤمن، وإلا فإن في إيمانه خلل أو فيه ما فيه من الزيغ والفساد.","vol":"1","page":135},{"text":"(٣٢) \"وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَلَا نُورًا وَلَا مَرَدًّا عِنْدَ التَّنَازُعِ لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفُونَ: إنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ: لَمْ يَدُلْ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا. \"\n<hr><s0>\n\nعاد المصنف إلى قولهم، فقال: \"وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ\"، ألم يقل ﷾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]؟ ألم يقل ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء: ٩]؟ فبالتالي لماذا ينظر في هذه المسائل؟\nفلا زال المُصَنِّف يؤكد على هذه القضية، ولا ينبغي أن يسأم الإنسان من سماعها أو تكرارها؛ لأنها هي منشأ الخلاف، وإن كُرِّرت أو تردَّدت على أسماعه كثيرًا، ولا ينبغي أن تغيب لحظة عنه عند دراسة هذه المسائل.\nلأنه أحيانًا قد تأتي شُبَهٌ يلقيها هؤلاء، فهذه الشُبَهُ كما قيل، «الشبهة» في أصلها هي اشتباه الحق بالباطل، فالإنسان عند شبهة معينة قد يقع لديه اضطراب وعدم وضوح وعدم معرفة للرد على هذه الشبهة، فلابد هنا أن يلجأ إلى الأصل وهو أن يعود إلى أن الخلاف إنما هو في أصل هذا الدين وليس في مسألة فرعية، وهو في أصلٍ كبير ألا وهو تقديم الكتاب والسنة أو تقديم العقل؟\nفقد يلقون من الشُبه ما يلقون، فمثلًا يقول بعضهم: «إن لو أثبتنا الاستواء للزم من ذلك من التحيز» (^١)، ولزم أن الله سبحانه محصور في مكان أو غير ذلك من هذه العبارات، فهذه شبه قد لا يعرف البعض جوابها، فلا يعني هذا أنك تسقط من أول وهلة أو تضطرب قدماك في هذه الأمور وتبدأ تشك في الحق.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية الجزء الخامس صفحة (٢٨٥).","vol":"1","page":136},{"text":"فدائمًا أهل الباطل يسلطون شبههم، حتى الملاحدة لهم شبه، وحتى أهل الشرك لهم شبه، كل فريق له شبهه.\nفلابد هنا من تمسكٍ بالأصل، ولا بأس بعد ذلك أن يعرف الإنسان جواب بعض الشبه، وكيفية الرد عليها، لكن عليه أن لا يغيب عن ذهنه أن للمسألة أصلًا وهو إما منهج الحق وإما منهج الباطل.\nبعد ذلك تشويه الحقائق وقلب الحقائق، هذا أمرٌ هو من عادة أهل الباطل، فمن عادتهم كما ذكر الله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، فلابد من محاولة لطمس الحق، يسعون في هذا جاهدين، لكن ينبغي أن يكون للحق رجال، ينافحون عنه ويذودون عنه ويردُّون على أهل الباطل باطلهم.\nوهذا ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكَّكت فيه من متشابه القرآن، فأورد شبههم وردَّ عليها، وذكر في مقدمته أنه لابد أن يكون لأهل الحق من يذوذون عنه، وينفون عنه تحريف المبطلين.","vol":"1","page":137},{"text":"(٣٣) \"لأنا نعلم بالاضطرار [أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أن الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه [الكتاب والسنة] لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. \"\n<hr><s0>\n\nأي وإنما غاية المتحذلق من هؤلاء أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].\nدائمًا تجد مثل هذه الآيات يوردها هؤلاء من باب التلبيس على الناس، يُلبِّسون على الناس، في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، و﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].\nفإذا جاءوا إلى إنكار صفة قالوا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأن إثبات «الاستواء» يلزم منه التشبيه، وبالتالي الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يثبت له الاستواء، فيأتي بهذه الكلمة وهي كلمة حق أريد بها باطل، كم من كلمة حقٍ أريد بها باطل؟\nوهنا تسأل: لماذا لا يقول هذا عند إثباته للسمع أو للبصر، فلماذا لا يقول: ليس كمثله شيءٍ فإذًا لا يثبت له سمعًا؛ لأن للمخلوق سمعًا، أو لأن للمخلوق بصرًا، أو لأن للمخلوق كلامًا، ونحو هذا.\nفإذًا مثل هذه - كما يقول شيخ الإسلام - \"غَايَةُ الْمُتَحَذْلِقِ أَنْ يَسْتَنْتِجَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ \"، وهؤلاء يوردون هذا الكلام ليس اعتمادًا؛ لأنهم دائمًا يتحرزون من اعتماد النص أصلًا في هذا الباب؛ لأنهم لا يقبلون في هذين البابين - كما ذكرنا - قال الله تعالى وقال الرسول ﵌، ولكن من باب إيراد الشُبَه التي يدخلونها على الناس.","vol":"1","page":138},{"text":"(٣٤) \"وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ وَهُوَ إمَّا مُلْغِزٌ وَإِمَّا مُدَلِّسٌ لَمْ يُخَاطِبْهُمْ بِلِسَانِ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. \"\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: «وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ»، والمقصود ب «النَّجْعَةَ» يعني المكان الذي يطلب فيه الكلأ، فيقال: «فلان أبعد النَّجْعَةَ»، أي أبعد المكان الذي يطلب فيه الكلأ والعشب.\nفمن يستدل بهذه النصوص على نفي الاستواء، كيف يكون هذا دليلًا له؟ كأن يأتي بقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فيستدل به على نفي الاستواء؟، ويا ترى لماذا لا يستدل به على نفي السمع والبصر، أو العلم أو الحياة؟، وهو إما مُلْغِز من باب اللغز والإلغاز (ألغز الشَّخصُ في الكلام: أخفى مراده منه، جعل ظاهره خلاف باطنه، لم يُبَيِّنْ مرادَه، لم يُظْهر معناه) أو مدلِّس ولم يخاطبهم بلسان عربي ماذا؟ مبين، فلا يمكن أن يستدل بمثل هذه النصوص على نفي هذه الصفات، فليس فيها دليل على مثل هذا.","vol":"1","page":139},{"text":"(٣٥) \"وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُ النَّاسِ بِلَا رِسَالَةٍ: خَيْرًا لَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ. لِأَنَّ مَرَدَّهُمْ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ؛ وَإِنَّمَا الرِّسَالَةُ زَادَتْهُمْ عَمًى وَضَلَالَةً. \"\n<hr><s0>\n\nأي أن لازم مقالة التعطيل ومقالة أهل الكلام، أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد وهو العقل، مادام وجود الوحي وعدمه سواء عندهم، فإذًا لا قيمة ولا وزن للرسالة، مادام الأمر لا يمكن اعتماد النص فيه، فإذًا ما الداعي إلى النبوة والوحي والرسالة؟\nفهل القرآن نزل فقط لتزيين الأصوات في المسابقات، والقراءة على الأموات كما يفعل بعض هؤلاء؟ أو أنه نزل ليحكم بين الناس، وليعلِّم الناس ويهديهم ويبين لهم ويشفي صدورهم، فإذًا هذا من لازم هذه المقالة.\nوالسؤال الذي يطرح نقسه لهؤلاء؛ أن يقال لهم: إذا كنتم ترون أن الأصل في هذا الباب هو المعقول، إذًا ما الداعي وما الحاجة إلى الرسالة والنُبُوَّة مع أن هذه الرسالة والنُبُوَّة جاءت بضد ما تقولون؟ فيبقى أن عدمها خيرٌ من وجودها، وهذا أمر لو اعتقده إنسان لكفر.","vol":"1","page":140},{"text":"(٣٦) \"يَا سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ لَمْ يَقُلْ الرَّسُولُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ: هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ اعْتَقِدُوا الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَقَايِيسُكُمْ أَوْ اعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَ ظَاهِرَهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ أَوِ انْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا فَتَوَقَّفُوا فِيهِ أَوِ انْفُوهُ؟ \"\n<hr><s0>\n\nمراد المصنف أنه يقال للمخالفين: هل بالله ورد عن الرسول ﷺ شيءٌ من قولكم هذا؟ كقولكم: استوى: بمعنى استولى، أو اليد: بمعنى النعمة والقدرة، أو هل حرَّف أو فوَّض أحدٌ من سلف هذه الأمة.\nفإذًا «لَمْ يَقُلْ الرَّسُولُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ: هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ. وَلَكِنِ اعْتَقِدُوا الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَقَايِيسُكُمْ أَوِ اعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَ ظَاهِرَهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ أَوِ انْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا، فَتَوَقَّفُوا فِيهِ أَوْ انْفُوهُ؟» ما ورد هذا عن النبي ﷺ ولم يقله، وهذا يؤكد فساد دعواهم وفساد زعمهم.","vol":"1","page":141},{"text":"(٣٧) \"ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَقَدْ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ» (^١). وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٢). \"\n<hr><s0>\n\nأي أن الرسول ﷺ أخبر كما ورد في الأحاديث الثابتة عنه بافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة وأرشدهم كما ثبت في النص إلى التمسك بالكتاب والسنة، ولم يحلهم إلى عقولهم، وإنما أحالهم إلى كتاب الله تعالى وسنته.\nوروي عنه ﷺ أنه قال في وصف الفرقة الناجية: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٣)، فانظروا على ماذا كان النبي ﷺ؟ وعلى ماذا كان أصحاب النبي ﷺ؟ وذلك كما يقول بعض السلف: «من لم يسعه ما وسع الرسول ﷺ وما وسع الصحابة فلا وسع الله عليه» (^٤).\n_________\n(^١) انظر مسند الإمام أحمد مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ برقم (١١٥٦١)، قال الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الجزء الرابع صفحة (٣٥٧): إسناده حسن في الشواهد.\n(^٢) انظر سنن الترمذي برقم (٢٦٤١) وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي الجزء السادس، صفحة (١٤١): حسن.\n(^٣) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٤).\n(^٤) انظر كتاب سير أعلام النبلاء الجزء (١١) صفحة (٣١٣).","vol":"1","page":142},{"text":"(٣٨) \"فَهَلَّا قَالَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ أَوْ بِمَفْهُومِ الْقُرْآنِ أَوْ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ: فَهُوَ ضَالٌّ؟ وَإِنَّمَا الْهُدَى رُجُوعُكُمْ إلَى مَقَايِيسِ عُقُولِكُمْ وَمَا يُحْدِثُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْكُمْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ -فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ -وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ. \"\n<hr><s0>\n\nتعد مقالة التعطيل من أكثر المقالات خطورة نظرًا لأبعادها الخطيرة التي تشكلها على الإسلام وأهله:\nفالبعد الأول: الذي يدلل على خطورة هذه المقالة كونها تمس أعظم جوانب هذا الدين وأكبر مسائله ألا وهو الإيمان بالله ﷿ الذي هو أول أركان الإيمان وأعظم مبانيه.\nفأصحاب هذه المقالة الأوائل سعوا في صد الناس عن هذا الدين من طريق الوقوف على بابه الذي يدخل منه، ذلك لأن من عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل. فأرادوا بتعطيلهم لأسماء الله وصفاته قطع الطريق من أوله.\nفبدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية فقد روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان بن طرخان التيمي (^١) قال: (ليس قوم أشد نقضًا للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله ﷿ (^٢)\nودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له «شمعلة» على المهدي فقال: دلني على\n_________\n(^١) شيخ الاسلام أبو المعتمر سليمان بن طرخان القيسي البصري مولاهم، لم يكن تيميا بل نزل فيهم، ثقة عابد، مات سنة ١٤٣ هـ (التقريب ١/ ٣٢٦).\n(^٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ١٠٤، ١٠٥ رقم (٨).","vol":"1","page":143},{"text":"أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية، الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير وخالق شر فضرب عنقه وصلبه. (^١)\nوقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئًا) (^٢) وقد مضى عصر الصحابة (^٣) وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة مصونة. إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم) (^٤)\nوأما البعد الثاني: في خطورة هذه المقالة فهو كونها أول مقالة تعارض الوحي بالعقل، فلم تكن المقالات السابقة لهذه المقالة تطعن في الدين من هذا الجانب، فالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة عند ظهورهم لم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم للنصوص والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، فكانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، ولا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص، فأصحاب مقالة التعطيل هم الذين فتحوا هذا الباب العظيم من أبواب الشر إذ طعنوا في نصوص الوحي وقدموا شبههم العقلية عليها. (^٥)\nوأما البعد الثالث: لهذه المقالة فهو ما أفرزته هذه المقالة من الفرق والآراء المنحرفة، فقد تولد عن هذه المقالة أنماط مختلفة وطروحات غريبة عن جوهر الإسلام وصفائه.\nوضربت هذه المقالة أطنابها في الفكر الإسلامي، ولا يتصور مدى الضرر الذي الحقته بحياة المسلمين وعقيدتهم.\n_________\n(^١) كتاب خلق أفعال العباد ص ١١، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ١/ ٤٨.\n(^٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ١٠٩ رقم (١٧).\n(^٣) كان آخر الصحابة موتًا الطفيل عامر بن واثلة الليثي ﵁، وصحح الذهبي أنه مات سنة عشر ومائة. انظر تدريب الراوي ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩.\n(^٤) -الفتوى الحموية ص ٤٧.\n(^٥) -انظر درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤.","vol":"1","page":144},{"text":"فالتيار الفلسفي والكلامي بتفرعاته ومدارسه وطوائفه إنما هو نتاج هذه المقالة الخبيثة التي تولى كبر إظهارها شيخ المعطلة النفاة الجعد بن درهم، وتبعه في ذلك تلميذه الجهم بن صفوان ثم توالت طوائف الباطل تذكى نار هذه المقالة وتنفث من خلالها سمومها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه. \"\nهذا يبين ويؤكد فساد الأصول التي بنى عليها المعطلة اعتقادهم في هذا الباب وفي غيره. فكل هذا تأكيد لما ذكرناه أولًا من أن الصراع قائم بين منهجين؛ منهج يعتمد الوحيَ ومنهج يعتمد العقل على حد زعمهم، وإن كان الأمر كما يقول شيخ الإسلام في كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل» أنه ليس هناك تعارض بين العقل والنقل، وبالله كيف للعقل أن يتدخل في أمرٍ هو غيب؟\nفلو قيل لأحد من وراء هذا الجدار؟ أو ماذا يحدث خلف هذا الجدار؟ ما استطاع أن يجيب، لأنه شيءٌ غيبه الله ﷿ عنه، والله يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فنفى الإحاطة - إحاطة علم الإنسان بالله تعالى، وقال عن محدودية علم الإنسان: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال هذا في مقامٍ هو عند ذكر الروح، فليس إلى ذلك من سبيل.\nفأنى للإنسان أن يخوض في هذه المسائل بعقله فيحدد ما يستحقه الله وما لا يستحقه الله تعالى، ويحاد ويعارض الوحيَ الذي أخبر فيه الله تعالى عن أسمائه وصفاته وأفعاله، فيقول: «استوى» وأنت تقول: لا؟ ويقول «نزل» وتقول أنت: لا؟ فكيف لعاقل أن يقبل مثل هذا الرد ومثل هذا الإعراض عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟\nوهذا حقيقة الصراع، وبعد هذا يبدأ من هنا يتربى الإنسان وينشأ، فإما أن يربي ويُنشأ على هذه المناهج وعلى قواعدها وعلى منطقها، وبالتالي هنا هؤلاء يجعلون دراسة المنطق أمرًا لابد منه وأمرًا حتميًا لمن يدرس باب الاعتقاد، وإما أن تجعل الأصل هو الكتاب والسنة وتُنَشَّأ وتُربى على مثل هذا، فأنت بين هذين الطريقين.\nوالسؤال الذي يوجه لكل من سيتولى تعليم جيل من الأمة، على أي المذهبين تسلك؟ وعلى أي الطريقين تسير؟ هل يا ترى ستجعلهم على منهج الوحي يتربون وينشؤون ويتعلمون ويدينون لله تعالى بما أخبر وبما أمر ﷾؟ أم أنك ستحيد عن هذا وتختار تلك المناهج الباطلة الفاسدة وتربيهم على مثل ذلك؟ وبالتالي النتيجة","vol":"1","page":145},{"text":"الحتمية لهذا: الإعراض عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ والإعراض عن كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.\nوبالتالي لاشك أن الله تعالى سيسألك عما عملت، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من عمل به إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وقال ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا» أي من أحيا سُنَّة حسنة فله أجرها «وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً» أي من أحيا سُنَّة سيئة من مثل هذه السنن سنن الضلال فلاشك أن «كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شيء» (^١).\nفإما أن تُحْيِيَ السُنَّة وتحارب البدعة وإما أن تكون على النقيض من ذلك، ولا يُوهِنُ من عزمك إذا عرفت الحق! كثرة الباطل أو صولة الباطل، فكن مع الحق ولا تبالي، فهنا شيخ الإسلام أسس وعقد مثل هذه المقدمة ليقرر في النفوس أن الصراع ليس فقط في فهم بعض النصوص كما قد يتخيل البعض، وإنما الصراع بين منهج يرفض النصوص رفضًا تامًا ويشكك فيها وبين منهج يعتمد النصوص.\nوذكرنا سابقًا أن أهل البدع نوعان: بدعٌ قد يكون لبعض أهلها متمسك في الكتاب والسنة، بمعنى أن لهم أدلة وإن كان ما يستدلون به يعني لا يشهد بما يقولون من وجه آخر، فمثلًا لو جئت إلى أهل الوعيد وهم الخوارج مثلًا تجد أن لهم متمسكًا في النصوص، فيستدلون بأحاديث ونصوص الوعيد، وإن كانوا قد يتجاهلون نصوص الوعد، وقد تجد كذلك للمرجئة متمسك في النصوص؛ لأنهم أخذوا بنصوص الوعد وإن كانوا قد تركوا نصوص الوعيد.\nفتجد أن الخلاف في هذه المسائل قد يكون مبني على أدلة في النصوص، لكن الخلاف في مسائل الأسماء والصفات من نوع البدع التي ليس لأهلها متمسك في النصوص، بل إنهم هم بأنفسهم لا يعتمدون النص أصلًا في عقيدتهم.\nفإذًا هذا لا يغيب عن ذهنك، وافهمه في صراع المناهج وفي اختلاف الأمة؛ هذا الصراع القائم والحاصل قديمًا وحديثًا مرجعه إلى هذا الأمر، والله تعالى من\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كِتَاب الزَّكَاةِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنَ النَّارِ، برقم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٥)، وابن ماجه (٢٠٣)، والنسائي (٢٥٥٤)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩١٥٦)، والدارمي (٥٢٩).","vol":"1","page":146},{"text":"حين إنزال آدم بين له هذا، فقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].\nهذا حقيقة صراع المناهج، حقيقته إما فريقٌ يعتمد الوحيَ أصلًا ودينًا له، أو فريق يحيد عن الوحي أصلًا ودينًا، ولا تكون في حيرة واضطراب في أمرك، وصدق النبي ﷺ لما بيَّن فقال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي؛ كِتَابَ الله، ﷿» (^١)، وقال في وصف الفرقة الناجية: «مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه انظر صفحة رقم (٤).\n(^٢) تقدم تخريجه انظر صفحة رقم (٤).","vol":"1","page":147},{"text":"(٣٩) \"ثُمَّ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ - مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ - إنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ تَلَامِذَةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ وَضُلَّالِ الصَّابِئِينَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي الْإِسْلَامِ - أَعْنِي أَنَّ اللَّهَ ﷾ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً وَأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَنَحْوَ ذَلِكَ - هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ؛ وَأَظْهَرَهَا فَنُسِبَتْ مُقَالَةُ الْجَهْمِيَّة إلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ بْنِ أُخْتِ لَبِيَدِ بْنِ الْأَعْصَمِ وَأَخَذَهَا طَالُوتُ مِنْ لَبِيَدِ بْنِ الْأَعْصَمِ: الْيَهُودِيِّ السَّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ.\n\n(٤٠) وَكَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ هَذَا -فِيمَا قِيلَ- مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ - بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نمرود والكنعانيين الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ - ونمرود هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ وَفِرْعَوْنَ مَلِكُ مِصْرَ وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ مَلِكُ الْيُونَانِ وَقَيْصَرَ مَلِكُ الرُّومِ. فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمَ عَلَمٍ. \"\n<hr><s0>\n\nالمُصَنِّف ﵀ أراد أن يتحدث عن عدد من المسائل هي:\n\n<span data-type='title' id=toc-23>المسألة الأولى: زمن ظهور هذه المقالة.</span>\nالمسألة الثانية: أول من قال بها.\nالمسألة الثالثة: وأول من أظهرها.\nالمسألة الرابعة: أصول المقالة وجذورها.\nالمسألة الخامسة: زمن اشتهار المقالة.\nالمسألة السادسة: زمن انتشار المقالة.\nوإليك تفصيل ذلك:\nالمسألة الأولى: زمن ظهور هذه المقالة.\nالحديث عن هذه المسألة يمكن ترتيبه من حيث:","vol":"1","page":148},{"text":"١ الجانب التاريخي.\n٢ الجانب المقالي.\nأما الجانب الأول: الجانب التاريخي.\nفأولُ ظهورٍ لهذه المقالة - كما قال المصنف: \"وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ\"، ففي عهد هشام بن عبد الملك أظهر الجعد بن دِرْهَم مقالةَ نفي الصفات وأظهر القولَ بنفي الصفات، فهو أول من عُرِفَ عنه القول بنفي الصفات وإِظهارِ هذه المقالة.\nوقال ابن تيمية: \"ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة «الجهمية» في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. \" (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر «الجعد بن درهم» وصاحبه «الجهم بن صفوان» ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات) (^٢).\nوالجدير ذكره أن الأوائل من خلفاء بني أمية كانوا شديدين على المبتدعة لا يترددون في قمعهم فمن مواقفهم في ذلك:\n١ - موقف عبد الملك بن مروان مع معبد الجهني الذي كان أول من تكلم في القدر بالبصرة، فصلبه عبد الملك بن مروان بدمشق ثم قتله. (^٣)\n٢ - موقف عمر بن عبد العزيز الذي كان مقيمًا للسنة حربًا على البدع وأهلها ومواقفه في ذلك مشهورة مشكورة، ومن ذلك إحضاره لغيلان بن مسلم الدمشقي الذي تنسب إليه فرقة \"الغيلانية\" من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، لم يسبقه في ذلك سوى معبد الجهني، وعنه أخذ غيلان. فأحضره عمر بن عبد العزيز فاستتابه فتاب، فتركه. (^٤)\n_________\n(^١) -منهاج السنة ١/ ٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٣.\n(^٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، ٢٢٦، ميزان الاعتدال ٣/ ١٨٣، الاعلام ٧/ ٢٦٣.\n(^٤) الكامل لابن الأثير ٥/ ٢٦٣، الأعلام ٥/ ١٢٤، درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٣، وانظر خبر ذلك في كتاب الشريعة للآجري ص ٢٢٨ - ٢٢٩، والتنبيه والرد للملطي ص ١٧٨، السنة لعبد الله بن احمد ٢/ ٤٢٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٧٨٨، الإبانة لابن بطة، كتاب القدر الثاني ص ٢٣١، الفتاوى ٧/ ١٤. \"","vol":"1","page":149},{"text":"٣ - موقف هشام بن عبد الملك وقد تقدم خبره مع غيلان والجعد والجهم.\nوكل من يتأمل في التاريخ يجد أن لبني أمية الأوائل أياد بيضاء في هذا الجانب، وإن كان لبعضهم هنات وزلات في جوانب أخرى، والتاريخ يشهد لهم أن راية السنة وعلماء السنة هم السادة في ذلك العصر، ولكل زمان دولة ورجال.\nأما أواخر خلفاء بني أمية فقد كان بعضهم مواليًا لأهل البدع بل يقول بقولهم ومن أولئك:\n١ - يزيد بن الوليد -يزيد الثاني-والذي يلقب بيزيد الناقص وقد تولى الخلافة سنة ١٢٦ هـ وكان قدريًا حتى أنه ولى على العراق منصور بن جمهور وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية (^١)\nقال ابن الأثير: (ولم يكن منصور من أهل الدين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية.) (^٢)\nوقال الشافعي: (لما ولى يزيد بن الوليد، دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان) (^٣) لكن خلافة يزيد لم تزد على ستة أشهر.\n٢ - مروان بن محمد الملقب بمروان الحمار، وكان آخر خلفاء بني أمية وتولى الخلافة من سنة ١٢٧ هـ إلى ١٣٢ هـ وقد تقدم أنه تعلم من الجعد ابن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك. وكان يسمى بمروان الجعدي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها) (^٤)\nوقال أيضًا: (وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة، فإنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل، وانتصر لهم.) (^٥)\n(ولذلك كان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سببًا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة). (^٦)\n_________\n(^١) البداية ١٠/ ١٤، شذرات الذهب ١/ ١٦٧، تاريخ ابن خلدون ٣/ ١٠٩، ١١٢.\n(^٢) الكامل ٥/ ٢٩٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.\n(^٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ١١٧٨.","vol":"1","page":150},{"text":"وهكذا بنو العباس أيضًا لهم مواقف بين مؤيد لأهل البدع ومدافع عن السنة. فمثلًا: هارون الرشيد ومن قبله، كانت لهم مواقف محمودة في حرب أهل البدع، وهكذا الهادي والمهدي إلى أن جاء المأمون؛ فالمأمون، والمعتصم، والواثق هؤلاء كانوا مناصرين لأهل البدع، وكان المأمون أول من انتصر لأهل البدع، وجعل السلطة بأيديهم، إلى أن جاء المتوكل فأعاد الأمور إلى نصابها، والتاريخ يحتاج إلى من يتأمل فيه، حتى يتبين للناس كيف هي مواقف الخلفاء والأمراء من البدع وأهلها، فبنو العباس كان منهم من هو مناصر للسنة، وكان منهم من هو مناصر لأهل البدع والأهواء.\nوأما الجانب المقالي:\nيقول ابن القيم عن تاريخ التسلسل المقالي لهذه المقالة مع ما سبقها من مقالات: (مضى الرعيل الأول [من الصحابة] في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.\nفلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة\" (^١)\nفهذه المقالة سبقها مقالات، مثل: مقالة الخوارج ومقالة التشيع وكذلك مقالة\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٦٩، ١٠٧١.","vol":"1","page":151},{"text":"مرتكب الكبيرة وكذلك مقالة القَدَر، فهذه المقالات أسبق ظهورًا من مقالةِ نفي الصفات، ومقالة نفي الصفات إِنَّما جاءت بعد هذه. (^١)\nمقالة الخوارج\nتأخر زمن ظهور مقالة التعطيل مقارنة بغيرها من المقالات المتقدمة، فلم يكن لمقالة التعطيل وجود في عصر الصحابة وكبار التابعين، وإنما تأخر ظهورها إلى أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية. فمقالة تعطيل الصفات ليست بأول المقالات ظهورًا في المجتمع المسلم، فقد سبقها عدة مقالات لعل أولها مقالتا الخوارج والشيعة الذين ظهروا في آخر خلافة علي ﵁. (^٢)\nولقد كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين لا تنازع بينهم، وكانوا على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول. (^٣) إلى أن حدث في أواخر خلافة عثمان ﵁ أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة فقتلوا عثمان ﵁ سنة (٣٥ هـ)، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ووقعت الفتنة، وأدى ذلك إلى اقتتالهم بصفين سنة (٣٧ هـ)، واتفقوا على تحكيم حكمين، فخرجت الخوارج من ذلك الحين على أمير المؤمنين علي ﵁، وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له: \"حروراء\" فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي ﵁ أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله ﷺ فقاتلهم فهم الفرقة المارقة التي قال فيها النبي ﷺ: \"تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق\". (^٤)\n_________\n(^١) الناس في ترتيب أهل الأهواء على «أقسام»:\n١ - منهم من يرتبهم على زمن حدوثهم، فيبدأ بالخوارج.\n٢ - ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغِلَظِهِ فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية، كما فعله كثير من أصحاب أحمد ﵀، كعبد الله ابنه ونحوه، وكالخلال، وأبي عبد الله بن بطة، وأمثالهما، وكأبي الفرج المقدسي، وكلا الطائفتين تختم بالجهمية؛ لأنهم أغلظ البدع، وكالبخاري في صحيحه فإنه بدأ ب «كتاب الإيمان والرد على المرجئة» وختمه بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية، ولما صنف الكتاب في الكلام صاروا يقدمون التوحيد والصفات، فيكون الكلام أولًا مع الجهمية) انظر مجموع الفتاوى ١٣/ ٤٩، ٥٠.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤، مجموع الفتاوى ٦/ ٣٣.\n(^٣) منهاج السنة ١/ ٣٠٦.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/ ١١٣ ط ١، دار المعرفة","vol":"1","page":152},{"text":"وكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ ولم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ المؤمن هو البر والتقي، فقالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:\n\"الأولى\": أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.\n\"الثانية\": أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك. (^١)\nوبذلك خرجت الخوارج بجهلهم وعتوهم وتكفيرهم للمسلمين وقتلهم إياهم. (^٢) وكانت آراؤهم مفرعة على الجهل وقوة النفوس والاعتقاد الفاسد.\nمقالة الشيعة\nوحدثت أيضًا في خلافة علي ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ) بدعة (التشيع) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف.\nالطائفة الأولى:\n\"الغلاة\" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال:\nلما رأيت الأمر أمرًا منكرًا/ أججت ناري ودعوت قنبرًا\nوالطائفة الثانية:\n\"السابة\" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا).\nوالطائفة الثالثة:\n\"المفضلة\" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه أنه قال:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣١، ٣٢.\n(^٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.","vol":"1","page":153},{"text":"\"فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري.\nوقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: \"خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري (^١) وغيره)\nقال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.\nقال الإمام المطلبي: \"لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو \"كانوا طيرًا لكانوا رخمًا\". (^٢)\nفاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.\nولم تكابد الأمة من شؤم شيء ما كابدت من شؤم تلك الفتنة. لم يكد قلب مسلم يسلم من شرب منها إلا من رحم ربك فعصم. (^٣)\nومنذ أن ظهر التشيع واليهود (^٤) والمجوس (^٥) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.\nولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله. ٥/ ٧\n(^٢) منهاج السنة ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣، ٣٤.\n(^٣) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٤، ٣٠٥ «بتصرف»\n(^٤) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.\n(^٥) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.","vol":"1","page":154},{"text":"الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من \"النصيرية\" و\"الإسماعيلية\" وأمثالهم من الملاحدة \"القرامطة\" وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (^١)\nومن شنيع عقائدهم القول بأن القرآن مبدل ومحرف ومزيد فيه ومنقوص منه، وأن معظم الصحابة ارتدوا بعد إسلامهم إن لم يكونوا كلهم ماعدا علي بن أبي طالب ونفر قليل معهم.\nوقد وصل الضلال ببعضهم والجراءة على الله تعالى، إلى أن يقول بخيانة جبريل للرسالة، وأنه أرسل إلى علي فعدل إلى محمد.\nولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (^٢)\nفهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة، (^٣) بعد مقتل عثمان ﵁ فلما قتل ذو النورين بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام، وفي حرم الرسول ﷺ بأعين المسلمين، وانشقت العصا وتفرقت الجماعة، تشاءمت الأعين، وتخاذلت الأنفس، اختلفت الآراء، وتباعدت القلوب، وساءت الظنون، واستعلت الريب، واستقوت التهم، وجدت كل فتنة فرصتها، فلفظت غصتها، واشتغل الرعاع، وأسلم الشارك، وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا، فأخذت الغواة أزمة الضلالة، فتهوست لها من قلوب أهل الغفلة. (^٤)\nمقالة القدرية\nثم حدثت بعد ذلك بدعة \"القدرية\" في آخر عصر الصحابة (^٥) وكان القدر قد حدث أهله قبل أهل النفي للصفات، فمقالة القدر ظهرت في خلافة عبد الله الزبير (٦٤ - ٧٣ هـ) بعد موت معاوية. (^٦)\nولهذا تكلم فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع. (^٧) ﵃.\nوابن عباس مات (٦٨ هـ) قبل ابن الزبير وابن عمر مات عقب موته (٧٤ هـ).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.\n(^٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.\n(^٣) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.\n(^٤) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٣\n(^٥) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.\n(^٦) الحسنة والسيئة ص ١٠٣.\n(^٧) منهاج السنة ص ١٠٣.","vol":"1","page":155},{"text":"وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز، والشام، والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز. (^١)\nوأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني. (^٢)\nقال الهروي: (فأما القدر فأول من تكلم به معبد الجهني رجل من أهل البصرة، كان عنده حظ من العلم يقال له \"معبد بن خالد، ويقال معبد ابن عبد الله بن عويم، مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث، وأصابته جراحة، وهو أول من تكلم بالقدر، وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب. (^٣) مات قبل التسعين (^٤) قتله الحجاج بن يوسف وقيل صلبه عبد الملك بن مروان سنة ثمانين. (^٥)\nوأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني (^٦)\nقال الهروي: (فتكلم عليه عمرو بن عبيد، وجادل به غيلان بن مسلم الدمشقي وغيلان هو ابن أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان، وكان عنده حظ من العلم، تكلم به أيام عبد الملك بن مروان، واستتابه عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر منه تكذيب التوبة (^٧) زمن يزيد بن عبد الملك ثم لما ولى هشام بن عبد الملك سنة (١٠٦ هـ) أرسل إلى غيلان وأحضر له الأوزاعي لمناظرته، ثم قتله (^٨) فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها بشر. (^٩)\n(وأما عمرو بن عبيد فهو عمرو بن كيسان أبو عثمان مولى بني تميم البصري، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه، ونظم له كلاما ونصبه إمامًا، ودعا إليه ودل عليه، فصار مذهبًا يسلك، وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى رأس المعتزلة، سموا به لاعتزاله حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي\n_________\n(^١) الحسنة السيئة ص ١٠٣.\n(^٢) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥.\n(^٣) ذم الكلام ص ٣٠٣.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.\n(^٥) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.\n(^٦) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.\n(^٧) ذم الكلام ص ٣٠٣.\n(^٨) الشريعة للآجري ص ٢٢٨، التنبيه والرد للملطي ص ١٦٨.\n(^٩) ذم الكلام ص ٣٠٣.","vol":"1","page":156},{"text":"النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل الشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي، فسلط الله عليه وعلى من استتبع واخترع، سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبوبكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، فهتك استاره، وأظهر عواره، ورسمه باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة) (^١).\nونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة. (^٢)\nوأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.\nفلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين:\n١ - \"النفاة\": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.\n٢ - \"المجبرة\" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط. (^٣)\nمقالة المعتزلة\nثم أحدثت المعتزلة القول بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها. (^٤)\nوكانت \"الخوارج\" قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: \"إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك (^٥) وخاض في ذلك المعتزلة\n_________\n(^١) ذم الكلام ص ٣٠٣.\n(^٢) ذم الكلام ص ٣٠٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦، ٣٧.\n(^٤) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧.","vol":"1","page":157},{"text":"بعد موت الحسن البصري (١١٠ هـ) في أوائل المائة الثانية، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئًا من نفي الصفات. (^١)\nفقال عمرو عبيد (١٤٣ هـ) وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل هم في منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنهم ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفارًا. واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة. (^٢) والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد قول جهم في رده على الجهمية قال: (فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام. (^٣)\nمقالة المرجئة\nوحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا إن الأعمال ليست من الإيمان. (^٤)\nوأول ما ظهرت بدعة الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث سنة (٨٣ هـ) وقيل إن أول من قال به هو ذر بن عبد الله المرهبي الهمداني (توفي قبل المائة).\nفقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن سلمة بن كهيل (قال: وصف \"ذر\" الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال إني أخاف أن يتخذ هذا دينًا، فلما أتته الكتب من الأفاق قال فسمعته يقول بعد وهل أمر غير هذا)\nوقال أبو داود: كان مرجئًا وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير بالإرجاء. (^٥)\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ) هو أول من قال بالإرجاء) (^٦)\nوكانت بدعة الإرجاء مقتصرة في بدايتها على إرجاء الفقهاء ولذلك كانت هذه\n_________\n(^١) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧، ٣٨.\n(^٣) شرح الأصفهانية ص ٦٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨.\n(^٥) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٢٩ رقم ٦٧٧).\n(^٦) تهذيب التهذيب ٣/ ٢١٨.","vol":"1","page":158},{"text":"البدعة أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم، (^١) إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب. فكان الخلاف معهم في الأعمال هل هي من الإيمان؟، وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته نزاع لفظي. (^٢)\nوصارت المرجئة بعد ذلك على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء. وهم علماؤهم وأئمتهم وأحسنهم قولًا.\nوقد استقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس هي:\n١ - زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق.\n٢ - زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\n٣ - زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان.\nالقسم الثاني: الذين قالوا: \"هو تصديق القلب فقط وإن لم يتكلم به\".\nوهذا قول الجهمية، وهو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه. فالجهم كان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة.\nالقسم الثالث: الذين يقولون: \"الإيمان هو القول فقط\".\nفمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وهذا قول الكرامية.\nوهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض الناس يحكى عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٩٧، ٣١١) (٥/ ٥٠٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨.","vol":"1","page":159},{"text":"كامل الإيمان، وإنه من أهل النار. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-24>المسألة الثانية: أول من قال بها</span>\nذكر المصنف رحمه الله تعالى: أن الجعد هو أول من قال هذه المقالة، فكما قال المصنف: \"فإن أول من حُفِظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله ﷾ ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك، هو الجعد بن درهم\" فالجعد بن درهم هو أول تلقف مقالة نفي الصفات وقال بها، وتلقف كذلك مقالة نفي القدر من غيلان، وقد كان لدى الجعد بدعتان يدعو إليهما: بدعة نفي القدر، وبدعة نفي الصفات، فما كان من هشام بن عبد الملك إلا أن أمر بقتله.\nفالجعد بن درهم هو أول من عرف عنه أنه أظهر في الإسلام مقالة التعطيل. (^٢)\nقال الهروي: (وأما فتنة إنكار الكلام لله ﷿ فأول من زرعها جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري -وهو أستاذ أئمة الإسلام وقائدهم-: (ليس الجعد من أمة محمد ﷺ. (^٣)\nوقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة.\nفلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضَحِيَّةً، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سماواته على\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨ - ٥٥، ٥٦.\n(^٢) -منهاج السنة ١/ ٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧.\n(^٣) -ذم الكلام ص ٣٠٤.","vol":"1","page":160},{"text":"عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليمًا وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا) (^١).\nوالحديث عن الجعد بن درهم يمكن إجماله في الأمور الآتية:\n• اسمه ونسبه:\nلم تذكر المصادر والمراجع التي وقفت عليها إلا اسمه واسم أبيه فقط فهو \"الجعد بن درهم\"\nوأشارت المصادر إلى أنه من الموالي (^٢) وليس من العرب ولعل في كونه من الموالي ما يبرر اقتصار نسبه على اسمه واسم أبيه، فالعجم في الغالب لم تكن لهم عناية بحفظ أنسابهم بخلاف ما كان عليه الحال عند العرب.\nوقد اختلف في ولائه لأي قبائل العرب:\nفقال السمعاني (^٣) والزبيدي (^٤) وابن الأثير (^٥): \"الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة\"\nوقال ابن كثير \"ويقال إنه من موالي بني مروان\" (^٦) وكذا قال الثعالبي (^٧)\nنسبه إلى مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أحد خلفاء بني أمية. وقال ابن نباتة: \"هو مولى بني الحكم\" نسبة إلى الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي.\nوهذه الأقوال متضاربة فالسمعاني والزبيدي وابن الأثير جزموا بولائه لسويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي. والجعفي: بطن من سعد العشيرة، من القحطانية وهذا يتعارض مع ما ذكره ابن كثير ولم يجزم به والثعالبي حيث قالا: \"ويقال إنه من بني مروان\" وكذا قول ابن نباتة إنه مولى بني الحكم.\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٠ - ١٠٧٢\n(^٢) الموالي: هم المنسوبون إلى القبائل مطلقًا، وهم ثلاثة أقسام:\n١ - ولاء عتق: وهو الغالب بحيث ينسب إلى من أعتقه.\n٢ - ولاء إسلام: وذلك بأن يسلم الأعجمي على يد عربي.\n٣ - ولاء الحلف: وذلك بأن يكون الشخص حليفًا لقبيلة فينسب إليها. انظر المنهل الراوي من تقريب النواوي ص ١٩٩ - ٢٠٠.\n(^٣) الأنساب ٣/ ٢٦٥.\n(^٤) تاج العروس ٢/ ٣٢١.\n(^٥) اللباب ١/ ٢٣٠.\n(^٦) البداية ٩/ ٣٥٠.\n(^٧) لطائف المعارف ص ٤٣.","vol":"1","page":161},{"text":"ولعل الصواب الذي يترجح عندي ما ذكره السمعاني والزبيدي وابن الأثير، فهم أدرى بهذا الجانب وعنايتهم به أكبر وقد جزموا بنسبته إلى سويد بن غفلة.\nويساورني الشك أن هناك تصحيفًا في كلام ابن كثير في البداية، عند قوله: (بني مروان) فلعل الصواب (بني مران) بدون واو، ولو كان الأمر كذلك فإن الأقوال تجتمع (فبنوا مران) بطن من جعفي، من سعد العشيرة والله أعلم بالصواب. \" (^١)\n• أصول الجعد\nهناك معلومة ذكرها ابن نباتة إن صحت فإن فيها إشارة إلى أصول الجعد العرقية التي يرجع إليها.\nقال ابن نباتة: \"ويروى أن أم مروان كانت أمة، وكان الجعد أخاها\" (^٢) فهذه المعلومة إن ثبتت فإنها تفيد أن الجعد يرجع في نسبه إلى أصول كردية. لأن أم مروان بن محمد كانت أم ولد كردية كما ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين.\nقال الطبري وابن الأثير في ترجمة مروان بن محمد: \"وكانت أمه أم ولد كردية، كانت لإبراهيم ابن الأشتر أخذها محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم فولدت مروان\" (^٣) (^٤)\nوقال ابن كثير: (وأمه أمة كردية يقال لها لبابة، وكانت لإبراهيم ابن الأشتر النخعي، أخذها محمد بن مروان يوم قتله، فاستولدها مروان هذا، ويقال إنها كانت لمصعب بن الزبير) (^٥)\nوقال البلاذري: (وأمه كردية أخذها أبوه من عسكر ابن الأشتر، فيقال إنه أخذها وبها حَبَل فولدت مروان على فراشه) (^٦)\nوقال القلقشندي: (وأمه لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر وكانت كردية) (^٧)\nولكن ابن كثير يرى أن الجعد بن درهم يرجع إلى أصول فارسية حيث قال: \"وأصله من خراسان\" (^٨) دون أن يذكر اسم المدينة التي ينتسب إليها.\n_________\n(^١) انظر كتاب مقالة التعطيل والجعد بن درهم ص ١٣٦\n(^٢) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص ١٩٣\n(^٣) تاريخ الطبري ٧/ ٤٤٢٤٤٣\n(^٤) الكامل ٥/ ٤٢٨\n(^٥) البداية ١٠/ ٤٦ وانظر مروج الذهب ٣/ ٢٤٧\n(^٦) أنساب الأشراف ٥/ ١٨٦\n(^٧) مآثر الإنافة في معالم الخلافة ١/ ١٦٢ ط الكويت\n(^٨) البداية ٩/ ٣٥٠","vol":"1","page":162},{"text":"ويدعم هذا الرأي حادثة وقعت للجعد انتصر فيها لفارسيته.\nقال ابن الأثير: \"وقيل إن الجعد كان زنديقًا وعظه ميمون بن مهران (١١٧ هـ). فقال: \"لشاة قباذ\" أحب إلى مما تدين له\" (^١) فكلمة \"شاة قباذ\" (^٢) كلمة فارسية ف\"شاة\": معناها \"ملك\" و\"قُباذ\": ملك من ملوك الفرس وهو قباذ بن فيروز والد كسرى أنوشروان. \"\nوعلى كل حال فإن الرجل ثبتت أعجميته، وعلى القول بأن أصول الجعد فارسية، فإن ذلك يدعم مقولة ابن حزم التي يقول فيها: (الأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى إنهم يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم؛ فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، ففي كل ذلك يظهر الله ﷾ الحق .... فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام …) (^٣) وبلا شك أن الإسلام وأهله كانوا في تلك العصور في عزة ومنعة وتمكين، ولم يكن يجترئ كافر ولا منافق متعوذ بالإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق أن يظهر ما في نفسه من الكفر وإنكار النبوة، فرقًا من السيف، وتخوفًا من الافتضاح. بل كانوا يتقلبون مع المسلمين بغم ويعيشون فيهم على رغم. (^٤)\n• مولده:\nلم تسعفنا كتب التاريخ والتراجم والمقالات بشيء عن تاريخ ولادته، وليس ذلك بمستغرب، فالرجل ضال مبتدع، ولولا ما ابتدعه ما اشتهر وما عرف، إضافة إلى أن العناية بهذا الجانب تعد ضعيفة إلى حد كبير في تراجم السابقين، والجعد لم يعط عناية بتاريخ قتله فضلًا عن أن يعطى عناية بتاريخ مولده.\n_________\n(^١) الكامل ٥/ ٤٢٩\n(^٢) \"قال الجواليقي في المُعْرَب (٢٦٥): و\"قباذ\" ملك من ملوك الفرس، أعجمي، وقد تكلمت به العرب قديمًا. قال عدي بن زيد يذكر من هلك\nسَلَبْنَ قُبَاذ رَبَّ فارِسَ مُلْكَهُ وحَشَّتْ بِكَفَّيْهَا بَوَارِقُ آمِدِ\"\n(^٣) الفصل ٢/ ١١٥ - ١١٦\n(^٤) الرد على الجهمية للدارمي ص ٦ - ٧ بتصرف","vol":"1","page":163},{"text":"• موطنه:\nإن مما لا شك فيه أن للبيئة التي ينشأ فيها الإنسان أثرها البالغ في حياته سلبًا وإيجابًا، فالإنسان مدني بطبعه يتأثر بمن حوله، ويؤثر على من حوله، فإذا وجد الإنسان البيئة الصحيحة السليمة ساعد ذلك في تنشئته التنشئة السليمة، وإعداده الإعداد الجيد، وبنائه البناء السليم.\nوإذا كان الأمر على العكس من ذلك، بحيث ينشأ المرء في بيئة منحرفة متلوثة بالأفكار الفاسدة، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الشخص الذي ينشأ في هذه البيئة، فقد يتشرب تلك الأفكار ويعتقدها ويكون من حملة لوائها.\nوالجعد بن درهم من هذا الصنف الثاني، فبيئته التي نشأ فيها ساعدت على حمله لأفكار الضلال وتشربه لها. وسأحرر لك القول في موطنه وبلدته التي نشأ فيها ومن ثم أوضح لك مدى تأثير بيئة الجعد على ما حمله من أفكار. فأقول وبالله التوفيق:\nأما من حيث المنطقة فهو ينسب إلى الجزيرة الفراتية وفي ذلك يقول الهروي: (فأما الجعد فكان جزري الأصل) (^١) وهذه النسبة إلى الجزيرة وهي بلاد بين دجلة والفرات وإنما قيل لها جزيرة لهذا وفيها عدة بلاد منها الموصل، وحران، والرقة، وغيرها. (^٢)\nأما عن موطنه وبلده:\nفالجعد بن درهم فيما قيل من أهل \"حران\" (^٣) كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران) (^٤)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران) (^٥)\n_________\n(^١) ذم الكلام للهروي ١/ ق ١٤٣ النسخة الظاهرية حيث ٣٣٧\n(^٢) الأنساب ٣/ ٢٤٨\n(^٣) \"حَرّان\": بتشديد الراء، بلدة في الجزيرة بين الشام والعراق، وهي مدينة قديمة \"بين الرها والرقة، وقيل إن هاران عم ابراهيم الخليل ﵇ عمرها، فسميت باسمه وقيل \"هاران\" ثم إنها عربت فقيل \"حران\" (معجم البلدان ٢/ ٢٣٥، معجم ما استعجم ١/ ٤٣٥، الأنساب ٤/ ٩٦. \"\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣١٣\n(^٥) منهاج السنة ٢/ ١٩٢","vol":"1","page":164},{"text":"وقال ابن عساكر: (وقيل إنه كان من أهل حران) (^١)\nوقال الذهبي: (وأصله من حران) (^٢)\nوحران مدينة تقع بالجزيرة الفراتية من أرض العراق ولا يتعارض هذا القول مع ما ذكره ابن كثير في تاريخه حيث قال: (قال غير واحد من الأئمة كان الجعد بن درهم من أهل الشام) (^٣)\nفالجعد بن درهم حراني المولد والنشأة، وكان يسكن الجزيرة الفراتية في أول أمره، وعمل في تلك الفترة معلمًا ومؤدبًا لمروان بن محمد لما كان واليًا على الجزيرة أيام هشام بن عبد الملك (^٤) ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق وسكن فيها (^٥) ثم هرب من دمشق إلى الكوفة (^٦) كما سنفصله عن قريب.\nوإذا كان الجعد قد نشأ بحران وتعلم فيها، فإن حران كانت دار الصابئة المشركين (^٧)، وفيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين المشركين، وكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل (^٨) وكان بها هيكل \"العلة الأولى\" هيكل \"العقل الأول\" هيكل \"النفس الكلية\" هيكل \"زحل\" هيكل \"المشترى\" هيكل \"المريخ\" هيكل \"الشمس\" وكذلك \"الزهرة\" و\"عطارد\" و\"القمر\".\nوكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ولذا لما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم، وتعلم منهم، وأخذ عنهم ما أخذ من الفلسفة. (^٩)\nفيكون الجعد قد أخذ مقالته عن هؤلاء الصابئة الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس للرب إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما. (^١٠)\n_________\n(^١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠\n(^٢) تاريخ الإسلام وفيات (١٠١ - ١٢٠) (٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(^٣) البداية ١٠/ ١٩\n(^٤) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ تاج العروس ٢/ ٣٢١\n(^٥) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ والبداية ٩/ ٣٥٠\n(^٦) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ والبداية ٩/ ٣٥٠\n(^٧) الرد على المنطقيين ص ٢٨٧\n(^٨) الفتوى الحموية الكبرى ص ٤٨ - ٤٩\n(^٩) الرد على المنطقيين ص ٢٨٧ - ٢٨٨\n(^١٠) الفتوى الحموية الكبرى ص ٤٩","vol":"1","page":165},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب) (^١)\n• بدء ظهور مقالة الجعد\nتشير بعض المصادر إلى أن الجعد كان في بدء أمره يسكن الجزيرة الفراتية (^٢) من أرض العراق وفيها بدء نشر فكره الضال المنحرف.\nقال السمعاني: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة وقع إلى الجزيرة وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي بها إذ ذاك مروان بن محمد) (^٣)\nوقال ابن الأثير: (مذهب الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة، صار إلى الجزيرة، وأخذ برأيه جماعة، وكان الوالي حينئذ مروان بن محمد الحمار وإليه ينسب مروان فيقال الجعدي) (^٤)\nوقال الزبيدي: (الجعد بن درهم مولى سويد بن غفلة صاحب رأي أخذ به جماعة بالجزيرة) (^٥)\nومن أشهر من تأثر بفكر الجعد في هذه الفترة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ولهذا يقال له مروان الجعدي، فنسب إليه إذ أن الجعد هو شيخه وأستاذه (^٦) فالجعد كان مؤدبًا لمروان بن محمد في الفترة التي كان فيها مروان واليًا لهشام بن عبد الملك على الجزيرة من أرض العراق فتعلم مروان من الجعد مذهبه في القول بخلق القرآن، والقدر وغير ذلك، وكان الناس يذمون مروان لنسبته إليه (^٧) وقيل: إنه كان مؤدبا له في صغره (^٨) فقد كان مولد مروان بالجزيرة في سنة اثنتين وسبعين للهجرة (^٩) وذكر أنه كان مؤدبًا له ولولده. (^١٠)\nوبسبب مروان بن محمد انتشر فكر الجعد في الجزيرة الفراتية قال ابن القيم:\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣١٣\n(^٢) الأعلام ٢/ ١٢٠\n(^٣) الأنساب للسمعاني ٣/ ٢٦٥\n(^٤) اللباب ١/ ٢٣٠\n(^٥) تاج العروس ٢/ ٣٢١\n(^٦) البداية ٩/ ٣٥٠ و١٠/ ١٩ ومختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠\n(^٧) الكامل ٥/ ١٦٠. تاج العروس ٢/ ٣٢١\n(^٨) الأعلام ٢/ ١٢٠\n(^٩) سير أعلام النبلاء ٦/ ٧٤\n(^١٠) الفهرست ص ٤٠١","vol":"1","page":166},{"text":"(وإنما نفق عند الناس لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا يسمى مروان الجعدي). (^١)\nوانتقل الجعد بعد ذلك من الجزيرة إلى دمشق، وسكنها وهي يوم ذلك عاصمة الخلافة، وحاضرة العلم والعلماء، ولعل المبرر في انتقاله إليها: محاولته لبث فكره المنحرف الضال على نطاق أوسع، لما تمثله دمشق في ذلك الوقت من كونها دار الخلافة ومركز الحضارة والعلم، وملتقى العلماء وطلاب العلم.\nويظهر هذا القصد جليًا في إظهار الجعد لبدعته، ومحاولته لطرحها في مجالس العلماء، ومجادلتهم في ذلك، كما هي حال أمثاله من المبتدعة الزنادقة الذين يستخدمون مثل هذه الأساليب في نشر فكرهم المنحرف.\nقال ابن كثير: (سكن الجعد دمشق، وكانت له بها دار بالقرب من القلاسيين إلى جانب الكنيسة) (^٢)\nوقال ابن عساكر: (كان يسكن دمشق، وله بها دار) (^٣)\nوقال ابن كثير: (وذكر أنه كان يتردد إلى وهب بن منبه، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك) (^٤)\nوقال عبد الصمد بن معقل: قال الجعد بن درهم: ما كلمت عالمًا قط إلا غضب وحل حبوته غير وهب. (^٥)\nوقد كان لمناظرات الجعد ومجادلاته مع العلماء أثرها العكسي عليه، فلم تحقق ما يصبو إليه من أهداف كزرع الشبه وزعزعة المعتقد وإحداث البلبلة في فكر المسلمين. بل على العكس من ذلك فقد ساعدت تلك المناظرات على كشفه وفضح مقاصده وبيان فساد معتقده ورفع أمره إلى ولي الأمر وخليفة المسلمين هشام بن عبد الملك المعروف بمواقفه من المبتدعة.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧\n(^٢) البداية ٩/ ٣٥٠\n(^٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠\n(^٤) البداية ٩/ ٣٥٠\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٤٧ وتاريخ دمشق ١٧/ ٤٧٧","vol":"1","page":167},{"text":"ويروي لنا ابن الأثير سبب اكتشاف أمر الجعد وسبب طلب هشام له والقبض عليه فيقول: (وقيل إن الجعد كان زنديقًا، وعظه ميمون بن مهران فقال: لشاه قباذ أحب إلي مما تدين به.\nفقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون وطلبه هشام وسيره إلى خالد القسري فقتله) (^١) فهذا النص التاريخي يوضح أن الفضل في كشف أمر الجعد ورفع أمره يعود لميمون بن مهران الذي وعظ الجعد في بداية الأمر فلما رأى أن الموعظة لا تنفع شهد عليه؛ فطلبه هشام بن عبد الملك، وقد اختلفت الروايات التاريخية في طريقة إخراج الجعد من دمشق:\nفقال ابن الأثير: (وقيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله …) (^٢)\nويروي ابن عساكر وابن كثير رواية تختلف عن رواية ابن الأثير فيقول ابن عساكر: (كان الجعد أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد فطلبه بنو أمية فهرب من دمشق وسكن الكوفة، ومنه تعلم الجهم بن صفوان بالكوفة خلق القرآن) (^٣)\nوقال ابن كثير: (وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم، فسكن الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول منه) (^٤)\nويروى أبو محمد اليمني رواية ثالثة في قصة إخراج الجعد من دمشق فيقول: (فبان له [أي هشام بن عبد الملك] بعض زندقته فنفاه إلى البصرة وكان عليها إذ ذاك خالد بن عبد الله القسري فرفع إليه خبره في يوم الأضحى …) (^٥) وذكر قصة ذبحه. والروايات التاريخية تذكر أن للجعد نشاطًا بالبصرة وبالكوفة، فممن أشار إلى نشر الجعد لبدعته بالبصرة الدارمي حيث قال: (كان أول من أظهر شيئًا منه [أي التكذيب بكلام الله] بعد كفار قريش الجعد بن درهم بالبصرة، وجهم بخراسان\n_________\n(^١) الكامل ٥/ ٤٢٩\n(^٢) الكامل ٥/ ٢٦٣\n(^٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠\n(^٤) البداية ٩/ ٣٥٠\n(^٥) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ٢٨٧","vol":"1","page":168},{"text":"إقتداءًا بكفار قريش، فقتل الله جهمًا شر قتلة. وأما الجعد فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) (^١) فالشاهد قوله إنه \"أظهره بالبصرة\".\nوأما عن نشاطه في الكوفة فقد تقدم قول ابن كثير: (فهرب من دمشق وسكن الكوفة ومنه تعلم الجهم بالكوفة خلق القرآن.)\nفالذي يستنتج من تلك الروايات أن الجعد كان يتردد بين الكوفة والبصرة، لكن تبقى مسألة نفيه محل النظر فمثل هذه المسألة لا يكون حلها بالنفي، إلا أن يكون المقصود بالنفي السجن، وبالتالي إذا كان هذا هو المراد فإن هذه الرواية تتفق مع رواية ابن الأثير.\nويستنتج من الأخبار السابقة الأمور التالية:\n١ - أن بدعة الجعد ظهرت بوادرها في الجزيرة الفراتية من أرض العراق، ثم أظهرها الجعد بدمشق لما انتقل إليها وسكن فيها، فطلبه بنو أمية لما علموا بأمره، فهرب منها إلى الكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه.\n٢ - أن زمن ظهور بدعة الجعد كان في أيام خلافة هشام بن عبد الملك الذي تولى الخلافة في الفترة ما بين ١٠٥ - ١٢٥ هـ.\n٣ - أن الفضل في الإنكار على الجعد والأمر بقتله يعود في المقام الأول إلى هشام بن عبد الملك، وليس لخالد بن عبد الله القسري فهشام هو الذي طلب الجعد لما أظهر بدعته بدمشق، ولكن الجعد هرب إلى الكوفة، فأرسل هشام في طلبه كما في خبر ابن كثير، وابن عساكر. أو أن هشاما نفاه إلى البصرة كما في خبر اليماني. أو أن هشامًا قبض عليه، وأرسله إلى عامله بالعراق خالد القسري، وأمره بقتله، لكن خالد اكتفى بحبسه ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله. كما أشار إلى ذلك ابن الأثير.\nوالذي يترجح عندي أن خبر ابن كثير وابن عساكر أقرب للصواب لأن الجعد عندما كان في الكوفة أخذ منه الجهم بن صفوان مقالته. وعمومًا فإن جميع الروايات توضح أن الفضل يعود في الدرجة الأولى لهشام ابن عبد الملك، وإن كان الفضل يرجع لخالد\n_________\n(^١) الرد على الجهمية ص ٧","vol":"1","page":169},{"text":"القسري في طريقة إعلانه لهذا الأمر في مجمع الناس بعيد الأضحى، ففي ذلك ترهيب لكل مبتدع. ولقد كان هشام شديدًا على أهل البدع، وليست هذه هي المنقبة الوحيدة له. فقد كان من مناقبه في حرب أهل البدع والأهواء قتله لغيلان الدمشقي الذي أظهر القول بنفي القدر في أيام عمر بن عبد العزيز، فأحضره عمر، واستتابه، فتاب. ثم عاد للكلام فيه أيام هشام، فأحضره من ناصرة ثم أحضر له الأوزاعي لمناظرته، فأفتى الأوزاعي بقتله، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم أمر به فصلب. (^١)\nفقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي جعفر الخطمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟\nقال: يُكذَب عليَّ يا أمير المؤمنين، ويُقالُ عليَّ ما لم أقل.\nقال: ما تقول في العلم؟\nقال: قد نفذ العلم.\nقال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت، ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك أن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر.\nثم قال: تقرأ ياسين؟\nقال: نعم.\nفقال: اقرأ ﴿يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾\nفقرأ: ﴿يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾\nفقال: قف، كيف ترى؟\nقال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين.\nقال: زد. فقرأ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾\nقال: قال عمر ﵀: قل ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: كيف ترى؟\n_________\n(^١) الكامل لابن الأثير ٥/ ٢٦٣ الأعلام ٥/ ١٢٤","vol":"1","page":170},{"text":"قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني لأعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدًا.\nقال: اذهب، فلما ولى. قال: اللهم إن كان كاذبًا فيما قال فأذقه حر السلاح.\nقال: فلم يتكلم زمن عمر ﵀، فلما كان زمن يزيد بن عبد الملك جاء رجل لا يهتم لهذا ولا ينظر فيه فتكلم غيلان، فلما ولي هشام أرسل إليه فقال: أليس عاهدت الله ﷿ لعمر أن لا تتكلم في شيء من هذا الأمر أبدًا؟\nقال: أقلني فوالله لا أعود.\nقال: لا أقالني الله إن أقلتك هل تقرأ فاتحة الكتاب؟\nقال: نعم.\nقال: فاقرأ.\nفقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾\nقال: قف، علام استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه إلا به، أو على أمر في يدك أو بيدك؟ اذهبوا فاقطعوا يديه ورجليه واضربوا عنقه واصلبوه.) (^١)\nوأخرج الآجري بسنده وكذا ابن حبان عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: \"كنت عند عبادة بن نُسَيٍّ، فأتاه رجل. فأخبره أن أمير المؤمنين هشامًا قطع يد غيلان ولسانه وصلبه، فقال له: حقًا ما تقول؟\nقال: نعم.\nقال: أصاب والله السنة والقضية، ولأكتبن إلى أمير المؤمنين فلأحسنن له ما صنع\" (^٢)\nومن مناقب هشام كذلك إصداره أمرًا لواليه بخراسان نصر بن سيار بقتل الجهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق صالح بن الإمام أحمد بن حنبل قال: قرأت في دواوين هشام ابن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان: أما بعد فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية فإن ظفرت به فاقتله) (^٣) ولكن هشام توفي قبل ذلك فقد كانت وفاته سنة (١٢٦ هـ) والجهم قتل سنة (١٢٨ هـ).\n_________\n(^١) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠ رقم ٩٤٨ والشريعة للآجري ص ٢٢٨ وانظر التنبيه والرد للملطي ص ١٦٨\n(^٢) الشريعة للآجري ص ٢٢٩ والمجروحين لابن حبان ٢/ ٢٠٠\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنمة والجماعة للالكائي ٣/ ٣٨١ رقم ٦٣٧ وفتح الباري ١٣/ ٣٤٦","vol":"1","page":171},{"text":"فهذه ثلاث مناقب لهشام تظهر شدته على أهل البدع.\n• مقتل الجعد\nقتل الجعد بن درهم بالعراق في مدينة واسط في أوائل المائة الثانية على عهد علماء التابعين مثل الحسن البصري (ت ١١٠ هـ) وغيره. (^١)\n• \"سبب قتله\"\nويروى ابن الأثير سبب قتله فيقول: (وقيل: إن الجعد كان زنديقًا، وعظه ميمون بن مهران. فقال: لشاه قباذ أحب إلي مما تدين به. فقال له: قتلك الله، وهو قاتلك، وشهد عليه ميمون، وطلبه هشام فظفر به وسيره إلى خالد القسري فقتله) (^٢)\nفهذه الرواية التاريخية تظهر أن ميمون بن مهران (ت ١١٧ هـ) -وهو أحد الأربعة الذين كانوا هم علماء الناس في زمن هشام بن عبد الملك (^٣) وهم مكحول والحسن والزهري وميمون بن مهران (^٤) -هو الذي رفع أمر الجعد لهشام وأعد الشهود الذين شهدوا على الجعد بالكفر. (^٥)\nوفي هذا رد على زعم من زعم أن قتل الجعد كان بدافع سياسي من أمثال \"شارل بلاذا\" في كتابه \"الجاحظ\" حيث قال: (وقد تكون هناك أسباب سياسية أو عداء شخصي بين هشام والجعد لا تشير إليه المصادر، وجعلت هشام بن عبد الملك يأمر بقتل الجعد) (^٦)\nوعلي سامي النشار حيث قال: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد-كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي) (^٧)\nوهذا التشكيك لا مستند له إلا التخرصات والأوهام ولذلك لم يستطع أحد منهما أن يبرهن لذلك ويدلل عليه.\n• تاريخ قتل الجعد\nحددت المصادر التاريخية وغيرها الساعة واليوم والشهر والبلد والمكان الذي قتل فيه الجعد والطريقة والأداة والذابح الذي ذبح الجعد.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠\n(^٢) الكامل لابن الأثير ٥/ ٤٢٩\n(^٣) تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٩١\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٩\n(^٥) أنساب الأشراف للبلاذري ٨/ ٢٤١\n(^٦) الجاحظ ص ٣٠٨ نقلًا عن كتاب الجهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي ص ٥٣\n(^٧) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/ ٣٣١","vol":"1","page":172},{"text":"فالساعة: هي صباح يوم عيد الأضحى بعد انتهاء الخطبة.\nواليوم: هو اليوم العاشر.\nوالشهر: شهر ذي الحجة.\nوالبلد: هي واسط.\nوالمكان: أسفل المنبر.\nوالطريقة والأداة والذابح: ذبح بالسكين ذبحًا بيد خالد بن عبد الله القسري.\nولكن مع كل هذه المعلومات التفصيلية الدقيقة، يبقى أن العام الذي قتل فيه الجعد لم يعرف بالتحديد، ولم أقف على من حدد وقت قتله إلا الهروي في ذم الكلام حيث قال: (فأما الجعد بن درهم فضحى به خالد ابن عبد الله القسري على رؤوس الخلائق وماله يومئذ نكير ذلك سنة نيف وعشرين ومائة) (^١)\nولكن هذه المعلومة غير صحيحة لأن عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمارة العراق كان سنة عشرين ومائة. فكيف يكون قتل الجعد بعد العشرين ومائة؟ فخالد بن عبد الله القسري تولى إمارة العراق سنة ست ومائة وعزل في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة (^٢)\nوالذهبي ذكر قتل الجعد في حوادث سنة عشرين ومائة (^٣) ولكن هذا لا يتفق مع عزل خالد الذي كان في شهر جمادى الأولى من هذه السنة والقتل وقع في شهر ذي الحجة، ولكن ربما يحمل قول الذهبي على جبر الكسر، وعلى هذا فإن قتل الجعد يكون قد وقع قبل سنة عشرين ومائة، فالقتل وقع في أوائل المائة الثانية فيما بين سنة ست ومائة وسنة تسع عشرة ومائة. وهي مدة إمارة خالد القسري على العراق.\nولكن يمكن أن نستشف من عبارة شيخ الإسلام التي قال فيها: (فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك) (^٤) أن قتله كان قبل سنة (١١٠ هـ) فالحسن البصري مات سنة (١١٠ هـ) فإذا اعتمدنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية فإن الحادثة تكون قد وقعت ما بين\n_________\n(^١) ذم الكلام ص ٣٠٥\n(^٢) الكامل ٥/ ٢٢٤ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٦\n(^٣) تاريخ الإسلام \"حوادث ووفيات (١٠١ - ١٢٠) (٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠","vol":"1","page":173},{"text":"(١٠٦ هـ) و(١١٠ هـ). ولكن يبقى التحديد الدقيق لسنة قتل الجعد غير معروف.\n• سبب قتل الجعد\nوقد ضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين وهم بقايا التابعين في وقته مثل الحسن البصري وغيره، الذين حمدوه على ما فعل وشكروا ذلك. (^١)\nقال الدارمي: (أظهر الجعد بن درهم بعض رأيه في زمن خالد القسري، فزعم أن الله ﵎ لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليما، فذبحه بواسط يوم الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا لما ظهر هذا القول في أوائل الإسلام قُتل من أظهره، وهو الجعد بن درهم يوم الأضحى، فقتله خالد بن عبد الله القسري برضا علماء الإسلام) (^٣)\nوقال النديم في الفهرست: \"وقَتَلَ الجعدَ هشامُ بن عبد الملك في خلافته بعد أن طال حبسه في يد خالد بن عبد الله القسري. فيقال إن آل الجعد رفعوا قصته إلى هشام، يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال هشام: أهو حي بعد، وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى، وجعله بدلًا من الأضحية بعد أن قال ذلك على المنبر بأمر هشام\". (^٤)\nوقال ابن القيم: \"فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، فلما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميرًا على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: \"أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر فكان ضحية.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠\n(^٢) الرد على الجهمية ص ١١٠ ط المكتب الإسلامي.\n(^٣) منهاج السنة ص ١٦٥\n(^٤) الفهرست ص ٤٠١ ط طهران","vol":"1","page":174},{"text":"ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها والناس إذ ذاك عنق واحد) (^١)\nوقال ابن العماد الحنبلي: (خطب خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وكان ممن حضره الجعد بن درهم. فقال خالد في خطبته الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا. فقال الجعد وهو بجانب المنبر لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا ولا موسى كليمًا ولكن من وراء وراء فلما أكمل خالد خطبته قال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولا موسى كليمًا في كلام طويل ثم نزل فذبحه في أسفل المنبر. فلله ما أعظمها وأقبلها من أضحية) (^٢)\nوقال ابن عساكر: (وأما الجعد بن درهم فقتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة، وكان خالد واليًا عليها، أتي به في الوثاق حتى صلى وخطب ثم قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني أريد أن أضحى اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا؛ ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين) (^٣)\nوقد أخرج البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، وغيره، قال: حدثنا قتيبة حدثني القاسم بن محمد ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى وقال: ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم. زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول الجعد بن درهم ثم نزل فذبحه) (^٤)\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٠ - ١٠٧٣.\n(^٢) شذرات الذهب ١/ ١٦٩\n(^٣) مختصر تاريخ ابن عساكر ٦/ ٥٠\n(^٤) \"انظر خلق أفعال العباد للبخاري ص ٧، والتاريخ الكبير للبخاري (١/ ١/ ٦٤، ١/ ٢/ ١٥٨ ت ١٤٣ - ٥٤٢) وعزاها ابن كثير في البداية (١٠/ ٢١) لابن أبي حاتم في السنة، والسنة للخلال (٥/ ٨٧، ٨٨، رقم ١٦٩٠) والرد على الجهمية للدارمي (ص ٧)، والرد على بشر المريسي (١١٨)، والشريعة للآجري (٩٧، ٣٢٨)، والرد على من يقول القرآن مخلوق للنجاد (٥٤) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٢/ ٣١٩ رقم ٥١٢) والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٢٠٥) والأسماء والصفات للبيهقي (٣٢٥) وابن بطة في الإبانة، الكتاب الثالث الرد على الجهمية (٢/ ١٢٠ رقم ٣٨٦) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/ ٤٢٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٨/ ١١٨)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥/ ٤٨٧)، واللباب لابن الأثير ٣/ ٣٩٢، ومنهاج السنة ٣/ ١٦٥، ١٦٦، الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧١، شذرات الذهب ١/ ١٦٩. \"","vol":"1","page":175},{"text":"قال ابن عساكر: (ثم نزل وجز رأسه بيده بالسكين) (^١)\nوقال الذهبي في العلو للعلي الغفار: (قرأت في كتاب الرد على الجهمية لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب التصانيف حدثنا عيسى ابن أبي عمران الرملي حدثنا أيوب بن سويد عن السري بن يحي قال: خطبنا خالد القسري وقال: انصرفوا إلى ضحاياكم تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد، وذكر القصة) (^٢)\nوالقصة مشهورة كما قال عنها الذهبي (^٣) وقد تناقلها جمع من علماء السنة منهم البخاري، والدارمي، وابن أبي حاتم واللالكائي، والآجري، وابن كثير، والذهبي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم.\nوقد شكر علماء المسلمين هذا العمل وأثنوا عليه، وعلى رأس أولئك الحسن البصري (^٤).\nقال ابن القيم:\nولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ … ـقسري يوم ذبائح القربان\nإذ قال ابراهيم ليس خليله … كلا ولا موسى الكليم الداني\nشكرا لضحية كل صاحب سنة … لله درك من أخي قربان (^٥)\nوقال أبو محمد اليمني: (فاستحسن الناس منه ذلك، وقالوا نفى الغل عن الإسلام جزاه الله خيرًا) (^٦).\nوقال الدارمي: (وأما الجعد، فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط في يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن. بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) (^٧).\nوقال الذهبي بعد ذكره قصة قتل خالد القسري للجعد (هذه من حسناته هي وقتله مغيرة (^٨)\n_________\n(^١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠\n(^٢) العلو للعلي الغفار ص ١٠٠\n(^٣) ميزان الاعتدال ١/ ١٣٩٩ ت ١٤٨٢ وتاريخ الإسلام ٧/ ٣٣٨\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠ و١٣/ ١٧٧\n(^٥) شرح القصيدة النونية للهراس ١/ ٢٥\n(^٦) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ٢٨٧\n(^٧) الرد على الجهمية للدارمي ٧، ١١٠\n(^٨) المغيرة بن سعيد البجلي، كان رافضيًا خبيثًا كذابًا ساحرًا ادعى النبوة، وفضل عليًا على الأنبياء، وكان مجسمًا\"\nتاريخ الطبري (٧/ ١٢٨، ١٢٩)، سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٦)، ميزان الاعتدال (٤/ ١٦٠، ١٦١).","vol":"1","page":176},{"text":"الكذاب) (^١). وكذلك من حسناته قتله لبيان بن سمعان النهدي. (^٢)\n• ردود على بعض الشبه\nوإن مما يؤسف له أن بعض الكتاب المعاصرين حاول الطعن في ثبوت قصة قتل الجعد من جهة إسنادها، وتحامل في الوقت نفسه على خلفاء بني أمية وكذا على خالد القسري، وطعن بطعون، لم يكن هو السابق إليها وإنما هو مقلد لغيره فيها. ومجارٍ لبعض من سبقه من الكتاب. وسأتعرض لهذه الطعون وأرد عليها بما يفتح الله علي في ذلك.\nقال صاحب كتاب قصص لا تثبت «مشهور بن حسن» في الجزء الثالث، الباب الخامس: «من قصص الأمراء والسلاطين» القصة «التاسعة والعشرون» «ذبح خالد بن عبد الله القسري الجعد بن درهم» ٣/ ٢٥١ - ٢٥٦. قال تحت عنوان «تنبيهات هامة»\n«ومما يضعف هذه القصة أمور منها»:\nأولًا: هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد.\nثانيًا: ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، ولذا قال الذهبي في \"السير\" (٥/ ٤٣٢) عقب القصة: \"قلت: هذه من حسناته\"\nثالثًا: لم يكن من همِّ أمثال القسري -آنذاك-هذه الغيرة التي لا تكون إلا لمن يعتقد العقيدة الحقة، وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه، ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة.\nرابعًا: الذي يهمنا هنا تقرير وتأكيد أن هذه الحادثة مع تعليل القتل الذي فيها لم يرد إلينا بإسناد نظيف، والله الهادي.) (^٣)\nقلت: جانب المؤلف الصواب في هذه التنبيهات وسأعلل للقارئ الكريم وطلاب العلم ذلك من خلال الرد على كل فقرة من الفقرات التي ذكرها.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٣٢.\n(^٢) بيان بن سمعان من الغلاة القائلين بألوهية علي بن أبي طالب ﵁، فقتله خالد القسري على ذلك.) الملل والنحل ١/ ١٥١، ١٥٢. \"\n(^٣) -قصص لا تثبت ٣/ ٢٥٦، الناشر: دار الصميعي.","vol":"1","page":177},{"text":"الشبهة الأولى\nذكر المؤلف في الفقرة الأولى: «أن هذه القصة مدارها على ضعفاء ومجاهيل، فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد».\nوالجواب على ذلك:\nهذه أولى الشبه حيث سوى بين علم الحديث وعلم التاريخ في منهج النقد وأراد أن يطبق منهج المحدثين تطبيقًا حرفيًا في نقد الروايات التاريخية، وهذا خطأ جسيم وأمر لا يسلم به لا علماء الحديث ولا التاريخ، وأعطى للقارئ الكريم نقلًا واحدًا يدل على فساد زعم المؤلف أن هذه القصة غير ثابتة على معايير أهل النقد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد «ثلاثة علوم ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير» وفي لفظ «ليس لها أسانيد» ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره.) (^١) انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.\nقلت: هذه معايير أهل النقد يبينها ابن تيمية:\n١ - أن يكون الشيء مشهورًا عند أهل الفن.\n٢ - تعدد طرقه.\nوالقصة التي معنا اجتمع فيها الشرطان:\n١ - شهرتها عند أهل الفن: وقد شهد بذلك الذهبي حيث قال: وهذه قصة مشهورة رواها قتيبة بن سعيد والحسن بن الصباح وعثمان بن سعيد الدارمي عن ابن أبي سفيان المعمري (^٢). وقال في ميزان الاعتدال (والقصة مشهورة) (^٣)\nوقال ابن كثير بعد أن ذكر القصة: (وقد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي وعبد الله بن أحمد وذكره ابن عساكر في التاريخ) (^٤) وقال في موضع آخر ذكر فيه القصة: (وقد روى البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، وابن أبي حاتم في السنة، وغير واحد ممن صنف في كتب السنة ..) (^٥) وذكر القصة.\n_________\n(^١) -تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري ص ١٦ - ١٧. ط: الدار العلمية، الهند.\n(^٢) -تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١ - ١٢٠، ٧/ ٣٣٧، ٣٣٨ ت ٣٤٣.\n(^٣) -١/ ٣٩٩.\n(^٤) -البداية ٩/ ٣٥٠.\n(^٥) -البداية ١٠/ ١٩.","vol":"1","page":178},{"text":"فهذه شهادة من عالمين من علماء هذا الفن، وقد نقل المؤلف هذه الشهادات، ووضعها تحت عنوان: «شهرة القصة» ولكن -والله أعلم-يبدو أنه لم يتنبه لمعنى هذه العبارة ودلالتها في معايير أهل النقد، ولذلك فإني أقول إن المؤلف جازف بقوله: (فهي غير ثابتة على معايير أهل النقد) فيجب عليه الرجوع إلى معايير نقد الروايات التاريخية، ويفرق بينها وبين معايير المحدثين قبل أن يخوض في المسألة بمثل هذا الخوض المجانب للصواب.\n٢ - وأما الشرط الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام فهو «تعدد الطرق» وقصة قتل الجعد جاءت من طريقين سبق ذكرهما وقد ذكرهما الذهبي في العلو للعلي الغفار وذكرها المؤلف في كتابه.\nوبما أن القصة قد تحقق فيها شرط الشهرة وشرط تعدد الطرق. فهي كما ذكر شيخ الإسلام تكون معتبرة عند أهل الفن، ولا يضرها كونها مرسلة أو منقطعة أو غير ذلك من العلل التي يمكن اعتبارها سببًا في رد الأحاديث المرفوعة ومن المعلوم أن الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتصل بالسنة، ويا ليت المؤلف المذكور أمعن النظر في تعليق الألباني على العلو للذهبي، حيث قال معلقًا على صنيع ابن أبي حاتم في رواية هذه القصة عن عيسى بن أبي عمران مع قوله في الجرح والتعديل: (كتبت عنه بالرملة، فنظر أبي في حديثه، فقال: يدل حديثه أنه غير صدوق، فتركت الرواية عنه) (^١) فقال الألباني: (قلت: ولعل روايته عنه هذه القصة، لأنها ليست حديثًا مرفوعًا، والله أعلم) (^٢) انتهى كلام الألباني، وكلامه يدل على التفريق بين الفنين فن الحديث وفن التاريخ. فلكل واحد منهما قواعد وضوابط تخصه.\nقال ابن تيمية ﵀: (فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما نقل عن النبي ﷺ لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة، وأما الإسرائيليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها.) (^٣) بل حتى في فن الحديث يفرق بين الأحاديث المتعلقة بالعقائد والأحكام والحلال والحرام والسنن والأحاديث المتعلقة بفضائل الأعمال والترغيب والترهيب والدعوات، فيتساهل في أسانيد هذه ويتشدد في أسانيد تلك.\n_________\n(^١) -٦/ ٢٨٦.\n(^٢) -مختصر العلو ص ١٣٤.\n(^٣) الرد على البكري ص ٢٠.","vol":"1","page":179},{"text":"قال شيخنا الشيخ حماد بن محمد الأنصاري: (إن الحديث إذا لم يتضمن عقيدة ولا حلالًا ولا حرامًا جاز العمل به في الفضائل، لأن باب الفضائل لا يشدد فيه هذا التشديد إذا كان لهذه الفضيلة أصل في الشرع. (^١)\nقال الحاكم قال عبد الرحمن بن مهدي: إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحث والدعوات تساهلنا في الأسانيد) (^٢)\nوقال الإمام أحمد: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد. (^٣)\nوقد ذكر البيهقي أقسام الخبر وقال: وضرب لا يكون راويه متهمًا بالوضع غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته ويكون مجهولًا لم يتثبت من عدالته وشرائط قبوله ما يوجب القبول، فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكام، وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم) (^٤)\nفإذا كان يُفرق بمثل هذا التفريق داخل فن الحديث، فما بال المؤلف المذكور يخلط مثل هذا الخلط ويصدر حكمه الجائر فيقول: «غير ثابتة على معايير أهل النقد» فيا ليته على أقل أحواله رضي بحكم الألباني حيث قال: «لكنه يتقوى بالذي بعده فإن إسناده خير منه، ولعله لذلك جزم العلماء بهذه القصة ..» وهذا كلام رصين متين فالألباني يعترف بجزم العلماء بهذه القصة، وأنت أيها التلميذ تجزم بعدم ثبوتها!!!\nثم إنه لمن الغريب حقًا أنه لم يسبق لأحد من العلماء الذين ذكروا هذه القصة على كثرتهم وشهرتهم وإمامتهم، أن تعقب هذه القصة بمثل ما ذكره هذا المؤلف، فكيف مضت مئات السنين ولا نجد من ينتقد هذه القصة ويطعن في ثبوتها، مع مرورها على أساطين المحدثين والمؤرخين، وهم الأعلم والأدرى بمعايير النقد وموازينه؟\n_________\n(^١) رفع الاشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة ص ٣٦.\n(^٢) المستدرك كتاب الدعاء ١/ ٤٩٠.\n(^٣) المدخل إلى الصحيحين للحاكم.\n(^٤) مختصر العلو ص ١٣٣.","vol":"1","page":180},{"text":"وإن من أعظم الظلم والبهتان أن ينكر الرجل ما تواتر به النقل وامتلأت به الكتب، وشاع بين الخاص والعام. وحري بهذا المؤلف وأمثاله أن لا يخوضوا في هذه المسائل وهم يعلمون أن الأئمة الكبار قد تلقوا ذلك بالقبول ولم يرد منهم اعتراض يذكر لا من قريب أو بعيد.\nالشبهة الثانية:\nقال المؤلف ثانيًا: ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، ولذا قال الذهبي في \"السير\" (٥/ ٤٣٢) عقب القصة: \"قلت: هذه من حسناته\"!. انتهى كلامه.\nقلت: المؤلف متناقض في مواقفه ويكيل بمكيالين ويزن بميزانين، فهو في قصة قتل الجعد يريد تطبيق شروط المحدثين في ثبوت الحديث المرفوع على قصة تاريخية. وهنا في سيرة خالد القسري أصدر حكمًا بأنها مظلمة دون أن يحقق في أسانيد سيرته أو أن يُفصل شيئا من ذلك وهذا الغمز في هذه القصة من هذا الوجه لم يكن المؤلف أول من طعن في ذلك بل هو مجارٍ لغيره فيه.\nفمن قبله جمال القاسمي في كتابه تاريخ الجهمية والمعتزلة (^١) الذي نقل خليطًا من الروايات في الطعن في خالد بن عبد الله القسري بأنه جعل الولاية للنصارى والمجوس على المسلمين، وأنه كان ناصبيًا يبغض عليًا ﵁، وأن الإسلام كان في عهده ذليلًا، وأحال من أراد استيفاء أحواله وأخباره إلى كتاب الأغاني للأصفهاني الشيعي (^٢)\nولنا مع كلام المؤلف وكلام القاسمي وقفات:\nالوقفة الأولى: زعْمُ المؤلف بأن ترجمة القسري مظلمة وكذا التهم التي ذكرها القاسمي، على فرض صحتها، لا تطعن في صحة القصة، فلو قرأ المؤلف ومن قبله القاسمي التاريخ بتأمل لعلموا أن صاحب القرار في إعدام وقتل الجعد هو هشام بن عبد الملك، فالفضل يعود إليه في المقام الأول فلو اعتمدنا رواية ابن الأثير للقصة، لعلمنا أن هشامًا هو الذي قبض على الجعد وأرسله إلى خالد القسري وأن خالدًا القسري اكتفى بحبسه ولم ينفذ أمر القتل وأن هشامًا أرسل إلى خالد يلومه ويعزم عليه بقتله. قال ابن الأثير: (وقيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام\n_________\n(^١) -تاريخ الجهمية والمعتزلة ص ٣٨ - ٤٢.\n(^٢) -انظر كتاب السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني لوليد الأعظمي.","vol":"1","page":181},{"text":"هشام بن عبد الملك، فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق، وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشامًا، فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله) (^١)\nولو اعتمدنا رواية ابن عساكر وابن كثير لوجدنا كذلك هشام بن عبد الملك هو الذي طلب القبض على الجعد في بداية الأمر عندما كان في دمشق لكن الجعد هرب إلى الكوفة.\nقال ابن عساكر: (كان الجعد أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد فطلبه بنو أمية فهرب من دمشق إلى الكوفة) (^٢)\nوقال ابن كثير: (وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم، فسكن الكوفة ..) (^٣)\nوالنديم في الفهرست ينص على أن هشامًا هو الذي أمر بقتل الجعد حيث قال: (وقتَلَ الجعدَ هشامُ بن عبد الملك في خلافته بعد أن طال حبسه في يد خالد بن عبد الله القسري. فيقال إن آل الجعد رفعوا قصته إلى هشام، يشكون ضعفهم وطول حبس الجعد، فقال هشام: أهو حي بعد؟! وكتب إلى خالد في قتله، فقتله يوم أضحى، وجعله بدلًا من الأضحية بعد أن قال ذلك على المنبر، بأمر هشام ..) (^٤) فالروايات التاريخية السابق ذكرها تؤكد أن هشام بن عبد الملك هو صاحب القرار في ذلك.\nالوقفة الثانية: لا يسلم للمؤلف زعمه بأن ترجمة خالد بن عبد الله القسري مظلمة، وفيها ما يفيد أنه كان ظالمًا، وليس الأمر كما زعم فالرجل له وعليه، وهناك صفحات مشرقة في تاريخه، وبعض ما نسب إليه لا يصح عنه. فهذا الذهبي ينصفه ويقول في ترجمته: (الأمير الكبير أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد ين أسد بن كرز البجلي القسري الدمشقي أمير العراقين لهشام، وولي قبل ذلك مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان وكان جوادًا ممدحًا معظمًا عالي الرتبة من نبلاء الرجال، لكنه فيه نصب معروف …) وقد اعتذر له بعد أن ذكر شيئًا مما له وعليه فقال: (وكان خالد على هناته يرجع إلى الإسلام.) (^٥)\n_________\n(^١) الكامل ٥/ ٢٦٣.\n(^٢) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠.\n(^٣) البداية ٩/ ٣٥٠.\n(^٤) الفهرست ص ٤٠١.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٢٥ - ٤٣٢.","vol":"1","page":182},{"text":"وقد أشاد الذهبي بقتله للجعد بن درهم وقال: هذه من حسناته هي وقتله مغيرة الكذاب.\nوقد دافع عنه ابن كثير في البداية بعد أن أورد بعضًا من تلك المثالب التي نسبت إليه وقال: (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه، فإنه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد (^١) وقد نسب إليه صاحب العقد (^٢) أشياء لا تصح، لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة لأهل البيت) (^٣)\nوحال صاحب كتاب الأغاني الذي اعتمد عليه القاسمي في ترجمة القسري ليس ببعيد عن صاحب العقد الفريد فقد قال عنه ابن كثير: (وكان فيه تشيع، قال ابن الجوزي: ومثله لا يوثق به، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب العشق ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى فيه كل قبيح ومنكر) (^٤) والأصفهاني قد روى الكثير من أخبار كتابه عن طائفة من الرواة الكذابين. (^٥)\nوأما عن اتهامه بالنصب وشتم علي ﵁ فأجاب عنه ابن الأثير فقال: (قيل كان يفعل ذلك نفيا للتهمة وتقربًا إلى القوم) (^٦) وقال: وكان خالد يصل الهاشميين ويبرهم. (^٧)\nوفي العموم فإن خالدًا القسري ليست ترجمته مظلمة بالصورة التي حاول المؤلف والقاسمي رسمها عنه في ذهن القارئ وأترك الحكم للقارئ الكريم ليقارن بين كلام الذهبي وابن كثير من جهة -وهما إمامان من أئمة أهل السنة في المعتقد والتاريخ-وبين كلام صاحب العقد الفريد وصاحب الأغاني-الشيعيين الحاقدين على أعلام أهل السنة. فأي الفريقين خير مقامًا.\nالوقفة الثالثة: أساء المؤلف استخدام عبارة الذهبي في السير (٥/ ٤٣٢) حيث قال الذهبي بعد إيراده لقصة قتل الجعد (قلت: هذا من حسناته هي وقتله مغيرة\n_________\n(^١) يقصد قتله للمغيرة الكذاب، وبيان بن سمعان.\n(^٢) صاحب العقد الفريد ابن عبدربه.\n(^٣) البداية ١٠/ ٢١.\n(^٤) البداية ١١/ ٢٦٣.\n(^٥) مقالات في المذاهب والفرق ص ٧٣، جمع عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف.\n(^٦) الكامل ٥/ ٢٢٤.\n(^٧) الكامل ٥/ ٢٢٤.","vol":"1","page":183},{"text":"الكذاب) فقد أراد المؤلف إفهام القارئ أن الذهبي يذم خالد بن عبد الله القسري، والأمر في حقيقته على العكس من ذلك، فلقد أنصف الذهبي خالدًا القسري، ولم يقصد بتلك العبارة انتقاصه أو التقليل من حسناته، ومن يقرأ سير أعلام النبلاء، يدرك صواب ما أقول.\nوقد شكر علماء المسلمين هذا العمل وأثنوا عليه، وعلى رأس أولئك الحسن البصري. (^١)\nوقال ابن القيم:\nولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ … ـقسري يوم ذبائح القربان\nإذ قال ابراهيم ليس خليله … كلا ولا موسى الكليم الداني\nشكر الضحية كل صاحب سنة … لله درك من أخي قربان (^٢)\nوقال أبو محمد اليمني (فاستحسن الناس منه ذلك، وقالوا نفى الغل عن الإسلام جزاه الله خيرًا) (^٣)\nوقال الدارمي: (وأما الجعد فأخذه خالد بن عبد الله القسري، فذبحه ذبحًا بواسط يوم الأضحى، على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، ولا يعيبه به عائب، ولا يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه) (^٤)\nالشبهة الثالثة\nقال المؤلف: (ثالثا: لم يكن من همِّ أمثال القسري-آنذاك-هذه الغيرة التي لا تكون إلا ممن يعتقد العقيدة الحقة، وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه، ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة.) انتهى كلامه (^٥)\nقلت: لي مع هذه الشبهة وقفات:\nالوقفة الأولى: قول المؤلف: (لم يكن من همِّ أمثال القسري-آنذاك-هذه الغيرة التي لا تكون إلا لمن يعتقد العقيدة الحقة)\nهذا الطعن في القسري يخالفه قول ابن كثير (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٧٧، ١٢/ ٣٥٠.\n(^٢) شرح القصيدة النونية للهراس ١/ ٢٥.\n(^٣) عقائد الثلاث والسبعين فرقة ١/ ٢٨٧.\n(^٤) الرد على الجهمية للدارمي (٧ - ١١٠) ط: المكتب الإسلامي.\n(^٥) قصص لا تثبت ٣/ ٢٥٦.","vol":"1","page":184},{"text":"فإنه كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد) (^١) وليست أدرى ما موقف المؤلف من كلام هذا الإمام العلم الحافظ ابن كثير؟\nالوقفة الثانية: قول المؤلف: (وكان الخلفاء وولاتهم في زمن الأمويين أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل مثل هذه).\nالرد عليه: هذه العبارة ليست من كلام المؤلف وإنما نقلها عن شعيب الأرنؤوط في تعليقه على السير وعزاها الأرنؤوط إلى بعض الباحثين. (^٢)\nوالمؤلف هنا أورد هذه العبارة بطريقة توهم أنها من كلامه وهي عبارة خطيرة لأنها لم تستثنِ أحدًا من خلفاء بني أمية ولا حتى الصحابي الجليل معاوية ﵁، أول خلفاء بني أمية، وكذلك لم تستثنِ عمر ابن عبد العزيز وهو أحد خلفاء بني أمية وعلم من أعلام أهل السنة، والمؤلف ينقل عبارات وينسبها لنفسه وهو لا يدرك مدى خطورتها وفسادها، فمثل هذه العبارة لا تصدر من شخص يحمل عقيدة أهل السنة.\nوقد سبق أن تحدثت عن جهود بني أمية الأوائل في الدفاع عن السنة وإطفاء نار أهل الضلال والبدع، والحق يقال إنَّ راية السنة وكلمة علماء السنة كانت هي العليا في تلك الفترة، ولم يكن أهل البدع يتجرؤون على إظهار بدعهم فضلا عن أن يدعوا إليها.\nالوقفة الثالثة: قال المؤلف (ولهذا قال بعض الباحثين المعاصرين إن قتل الجعد لم يكن إلا لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة) وأشار في الحاشية إلى سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣).\nوالجواب عن ذلك: نقل المؤلف هذا الكلام عن شعيب الأرنؤوط من تعليقه على كتاب سير أعلام النبلاء، فقد قال بعد أن نقل كلام ابن كثير عن الجعد وأنه أخذ مقالته عن اليهود، قلت-القائل الأرنؤوط-لم يذكر ابن كثير سنده في هذا الخبر حتى ننظر فيه، ويغلب على الظن أنه افتعله أعداء الجعد. ولم يحكموه لأن أفكاره التي طرحها في العقيدة مناقضة كل المناقضة لما عليه اليهود، فهو ينكر بعض الصفات القديمة القائمة بذات الله ويؤولها لينزه الله تعالى عن سمات الحدوث، ويقول بخلق القرآن وأن الله لم يكلم موسى بكلام قديم بل بكلام حادث، بينما\n_________\n(^١) البداية ١٠/ ٢١.\n(^٢) انظر تعليقه على سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٣٣.","vol":"1","page":185},{"text":"اليهود المعروف عنهم الإغراق في التجسيم والتشبيه، ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن قتل الجعد كان لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة، ويعلل ذلك بأن خلفاء بني أمية وولاتهم كانوا أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل تمت إلى العقيدة) انتهى كلام الأرنؤوط وهو كلام مشحون بالطعن والغمز والافتراء، ولست هنا بصدد الرد على جميع ما ورد في هذا النقل من عبارات باطلة، لكن المقصود الرد على زعم من قال بأن الدافع لقتل الجعد كان سياسيًا. وقد شارك على سامي النشار الأرنؤوط في هذا الزعم والتسويغ لضلالات الجعد وانحرافاته حيث يقول: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله-أي الجعد-كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه سبب سياسي) (^١)\nولكن لم يوضح صاحب الأرنؤوط ولا النشار ما هو الدافع السياسي وراء قتل الجعد، فبقيت دعواهم مجرد استنتاج لا دليل عليه ولا برهان، وهو استنتاج لا يقوم على أساس من الواقع، ويحق لنا أن نسأل ما هو الدافع السياسي المزعوم، وأي ثقل كان الجعد يشكله في الساحة السياسية آنذاك، خاصة إذا علمنا أنه من الموالي والعمل السياسي آنذاك بيد العرب فهم الولاة وهم القادة وهم أهل الحل والعقد والرأي والمشورة، ولذلك كان يحسب لهم حسابهم في كل تحرك سياسي على عهد الأمويين، ولم يكن للموالي دور سياسي إلا في عهد العباسيين ولذلك فإن هذه الدعوى أوهن من بيت العنكبوت. والحقيقة أن قتل الجعد كان لزندقته وإلحاده (^٢) وفي هذا يقول ابن تيمية: «فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين، وهم بقايا التابعين في وقته: مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل، وشكروا ذلك.» (^٣)\nوما كنت لأسطر هذه الكلمات إلا إحقاقًا للحق ودفاعًا عنه، والله أسأل أن ينفع بما كتبت.\n• أقوال العلماء فيه\nقال اللالكائي: عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: (أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم) (^٤)\n_________\n(^١) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ١/ ٣٣١.\n(^٢) مقالات في المذاهب والفرق ص ٧٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠.\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/ ٣٨٢ رقم ٦٤١.","vol":"1","page":186},{"text":"وقال ابن عساكر في ترجمة الجعد: (أول من قال بخلق القرآن) (^١)\nوقال الهروي: (وأما فتنة إنكار الكلام لله ﷿ فأول من زرعها جعد بن درهم، فلما ظهر جعد قال الزهري وهو أستاذ أئمة الإسلام وقائدهم: ليس الجعد من أمة محمد ﷺ (^٢)\nوقال ابن الأثير: (وكان مروان يلقب بالحمار والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك، وقيل إن الجعد كان زنديقًا) (^٣)\nوقال ابن كثير في ترجمة الجعد: (هو أول من قال بخلق القرآن) (^٤)\nوقال الذهبي: (وكان الجعد أول من تفوه بأن الله لا يتكلم) (^٥)\nوقال السيوطي في الأوائل: (أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد الجعد بن درهم) (^٦)\nوقال الذهبي في ترجمته في الميزان: (مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، فقتل على ذلك يوم النحر والقصة مشهورة) (^٧)\nوقال البيهقي بعد أن ساق بأسانيده أقوال أئمة السلف في أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق: (ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن أحد من الناس في زمان الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، وأول من خالف الجماعة في ذلك الجعد بن درهم فأنكر عليه خالد بن عبد الله القسري وقتله) (^٨)\nوقال الطبري: (إن أول من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم) (^٩)\nقال ابن العماد الحنبلي: (والجعد هذا من أول من نفى الصفات وعنه انتشرت مقالة الجهمية إذ ممن حذا حذوه في ذلك الجهم بن صفوان عاملهما الله تعالى بعدله.) (^١٠).\n_________\n(^١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠، وانظر الوسائل في مسامرة الأوائل للسيوطي ص ١١٦.\n(^٢) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٤.\n(^٣) الكامل في التاريخ ٥/ ٤٢٩.\n(^٤) البداية ٩/ ٣٥٠.\n(^٥) تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١٠١٢٠، ٧/ ٣٣٧، ٣٣٨ ت ٣٤٣).\n(^٦) لوامع الأنوار البهية ١/ ٢٣.\n(^٧) ميزان الاعتدال (١/ ٣٩٩، ت ١٤٨٢)\n(^٨) الأسماء والصفات ص ٣٢٥.\n(^٩) صريح السنة\n(^١٠) شذرات الذهب ١/ ١٦٩.","vol":"1","page":187},{"text":"وقال الذهبي في ديوان الضعفاء: (الجعد بن درهم، الضال، ذبحه خالد القسري، أنكر أن إبراهيم ﵇ خليل الله.) (^١)\nوقال عنه أبو الحسن علي بن محمد المدائني الأخباري: (كان زنديقًا وقد قال له وهب من منبه إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله أن له يدًا، وأن له عينًا ما قلنا ذلك. ثم لم يلبث الجعد أن صلب) (^٢)\nوقال ابن كثير: (وذكر أنه -أي الجعد-كان يتردد إلى وهب بن منبه، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك. ثم لم يلبث الجعد أن صلب ثم قتل ذكره ابن عساكر) (^٣)\nوقال ابن حجر: (وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها أنه جعل في قارورة ترابًا وماءً فاستحال دودًا وهوامًا فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه. فبلغ ذلك جعفر بن محمد فقال: فليقل كم هو، وكم الذكران منه والإناث إن كان، وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره. فبلغه ذلك فرجع) (^٤)\nوقال ابن نباتة: (دخل على الجعد يومًا بُهْلول، فقال أحسن الله عزاءك في ﴿قل هو الله أحد﴾ فإنها ماتت!\nقال: وكيف تموت؟\nقال: لأنك تقول: إنها مخلوقة، وكل مخلوق يموت) (^٥)\nوقال ابن عساكر: (وأخذ الجعد بن درهم من أبان بن سمعان وأخذ أبان من طالوت وأخذ طالوت من لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ، وكان لبيد يقرأ القرآن وكان يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان طالوت زنديقًا وأفشى الزندقة، ثم أظهره جعد بن درهم) (^٦)\n_________\n(^١) ديوان الضعفاء ص ٦٣ ت ٧٤٢.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٣٣.\n(^٣) البداية ٩/ ٣٥٠، تاريخ الإسلام (وفيات ١٠١، ١٢٠) ٧/ ٣٣٨.\n(^٤) لسان الميزان ٢/ ١٠٥.\n(^٥) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون ص ٢٩٤.\n(^٦) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠.","vol":"1","page":188},{"text":"وقال ابن كثير: (وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول ﷺ، وأخذها لبيد عن يهودي باليمن) (^١)\nوقال النديم في الفهرست: (كان الجعد بن درهم الذي ينسب إليه مروان بن محمد، فيقال مروان الجعدي، وكان مؤدبًا له ولولده، فأدخله في الزندقة.) (^٢)\nوقال ابن القيم: (فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة) (^٣)\nوقال القلقشندي في ترجمة مروان: (ويعرف بالجعدي لأنه أخذ عن الجعد ابن درهم مذهبه في الكلام في القول بخلق القرآن والقدر) (^٤)\nقال المطهر بن طاهر المقدسي: (وقيل له الجعدي لأن الجعد بن درهم الزنديق كان غلب عليه وفيه يقول الشاعر:\nأتاك قومُ برجالٍ جُرْد … مخالفًا ينصُرُ دِينَ الجعد\nمكذبًا بجحد يومَ الوَعْد (^٥)\n• بدعه ومقالته\nوبعد فهذه جملة من الأفكار المنحرفة ذكر العلماء أن الجعد كان ينادي بها ويظهرها ويدعو إليها. ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:\n١ - إنكاره لصفات الخالق، ولا شك أن جحود صفاته مستلزم لجحود ذاته (^٦)\nفأراد الجعد بذلك هدم الأصل الأول من أصلي الدين الذي هو \"الإيمان بالله\"\nفالجعد وأمثاله لا يؤمنون بوجود حقيقي لله تعالى، ويجعلون وجود الله أمرًا مقدرًا في الذهن والخيال لا حقيقة له في الخارج، فلذلك هم لا يصفونه بصفة ثبوتية،\n_________\n(^١) البداية ٩/ ٣٥٠.\n(^٢) الفهرست ص ٤٠١.\n(^٣) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٠، ١٠٧١.\n(^٤) مآثر الإنافة في معالم الخلافة ١/ ١٦٢، ط: الكويت.\n(^٥) -البدء والتاريخ ٦/ ٥٤، ٥٥.\n(^٦) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥١.","vol":"1","page":189},{"text":"ويقتصرون على وصفه بالصفات السلبية أو الإضافية أو المركبة منهما.\nوالجعد أول من أحدث ذلك في الإسلام، وقد كان أسبق من الجهم ابن صفوان، ولكن الجهم كان له في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه ولذلك اشتهر نسبة هذه المقالة إليه (^١)\nفقيل مقالة الجهمية، ولم يقل مقالة الجعدية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهاتان الصفتان -أي كلامه ورضاه الذي يتضمن محبته ومشيئته-هما اللتان أنكرهما الجعد بن درهم أول الجهمية، لما زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، إذ لا محبة له ولا رضا؛ ولم يكلم موسى تكليما) (^٢)\n٢ - إنكاره أن الله يتكلم حقيقة، وهذا إنكار لحقيقة الرسالة. (^٣)\nفالصابئة المتفلسفة شيوخ الجعد لا يثبتون وجود الله على الحقيقة فضلًا أن يثبتوا له صفة الكلام، ولذلك هم يقولون: (إن الله ليس له كلام في الحقيقة، وإن كلام الله اسم لما يفيض على قلب النبي من \"العقل الفعال\" أو غيره. و\"ملائكة الله\" اسم لما يتشكل في نفسه من الصور النورانية ولهذا يقول هؤلاء إن خاصية النبي التخييل (^٤)، وإن ما جاء به النبي ليس كلامًا لله على الحقيقة، وإنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق (^٥).\nفأراد الجعد بذلك هدم الأصل الثاني من أصلي الدين الذي هو الإيمان بالنبي ﷺ ورسالته. وذلك من خلال إنكاره لكلام الله المستلزم لإنكار حقيقة الرسالة، وقد تجلت بدعته هذه في قوله بخلق القرآن فهو أول من تكلم به.\nقال الهروي: (وأما الذين قالوا بإنكار الكلام لله ﷿، فأرادوا إبطال الكل، فإن الله على زعمهم الكاذب إذا لم يكن متكلمًا، بطل الوحي، وارتفع الأمر والنهي وذهبت الملة، فلا يكون جبريل ﵇ سمع ما بلغ، ولا الرسول ﷺ أخذ ما أنفذ. فبطُلَ التسليم والسمع والتقليد، ويبقى المعقول الذي به قاموا.) (^٦)\n٣ - إنكاره محبة الله لأحد من عباده، وبالتالي أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهو يريد بذلك الطعن في نبي الله إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، ولا غرابة في\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية ١/ ١٦٣، ١٦٤ \"بتصرف\"\n(^٢) الاستقامة ١/ ٢١٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥١، ٣٥٢.\n(^٥) ذم الكلام ص ٣٠٦.\n(^٦) ذم الكلام ص ٣٠٦.","vol":"1","page":190},{"text":"ذلك فأئمة الجعد هم الصابئة المشركون عباد الكواكب، وهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل ﵇ إمام الحنفاء، وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلًا. (^١) بل إن هؤلاء يقولون إن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، فلا يحب الرب عبده، ولا يحب العبد ربه.\nوهدفهم هو التعطيل والجحود، لأن إنكار محبة العبد ربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودًا.\nكما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربًا خالقًا.\nفصار إنكار المحبة مستلزمًا لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التعطيل والجحود (^٢) ولذا أطلق إمام المعطلة الجعد بن درهم القول بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا. (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة -خصوم إبراهيم الخليل ﵇-فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون ونمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه. والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف). (^٤)\nوقال ﵀: (وكان أول من أنكر المحبة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: «ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا» ثم نزل فذبحه. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن كان من أصله أن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، لم يكن للخلة عنده معنى. (^٥)\n٤ - من بدع الجعد معارضته للنصوص بالعقليات، وهو أول من أحدث هذه البدعة، وفتح بابًا من أبواب الشر على المسلمين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٧، ٦٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧٣، منهاج السنة ٥/ ٣٢٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧١.\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٥، ١٧٦، وانظر منهاج السنة ٣/ ١٦٥، ١٦٦.\n(^٥) منهاج السنة ٥/ ٣٢١، ٣٢٢، وانظر كتاب: مدارج السالكين ١/ ٩٢.","vol":"1","page":191},{"text":"فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي ﵁، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدَّعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، .... وأولهم الجعد بن درهم) (^١)\nفأول ما ظهر علم الكلام في الإسلام بعد المائة الأولى، من جهة الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ثم صار إلى أصحاب عمرو بن عبيد، كأبي الهذيل العلاف وأمثاله. (^٢)\nفالجعد هو مشعل نار هذه الفتنة، وعلم الكلام جر على المسلمين الكثير من البلايا والمحن والفتن التي لا نزال إلى يومنا هذا نعاني منها.\nوقال ابن القيم: (مضى الرعيل الأول [من الصحابة] في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.\nفلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة) (^٣)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤.\n(^٢) منهاج السنة ٨/ ٥.\n(^٣) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٦٩، ١٠٧١.","vol":"1","page":192},{"text":"٥ - من بدع الجعد إنكاره للقدر.\nفقد ذكره البغدادي في عداد القدرية حيث قال: (ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم.) (^١)\nوذكر أن الحمارية من القدرية قد تأثروا ببعض أفكار الجعد في هذه المسألة فقال: (وأخذوا من جعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري قوله بأن النظر الذي يوجب المعرفة تكون تلك المعرفة فعلًا لا فاعل لها.) (^٢)\nوقد زعم هؤلاء الحمارية أن الخمر ليست من فعل الله، وإنما هي من فعل الخمار، لأن الله تعالى لا يفعل ما يكون سبب المعصية وزعموا أن الإنسان قد يخلق أنواعًا من الحيوانات، كاللحم إذا دفنه الإنسان أو يضعه في الشمس فيدود، وزعموا أن تلك الديدان من خلق الإنسان، وكذلك العقارب التي تظهر من التبن تحت الآجُرّ زعموا أنها من اختراع من جمع بين الآجُرّ والتبن. (^٣)\nوهذا الزعم كان الجعد أسبق من الحمارية إليه فقد ذكر ابن حجر في اللسان أن الجعد كان يقول بذلك حيث قال: (وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها أنه جعل في قارورة ترابًا وماءً فاستحال دودًا وهواما فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه) (^٤)\nولذلك فإني لا استبعد أن تكون الحمارية نسبة إلى مروان الحمار الذي تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك كما أشار إلى ذلك ابن الأثير (^٥) وغيره. (^٦) وبهذا يعلم أن أفكار الجعد كانت تدور حول تعطيل ذي الجلال والإكرام وإنكار صفاته، وتكذيب رسله، وإبطال وحيه.). (^٧)\n\n<span data-type='title' id=toc-25>المسألة الثالثة: وأول من أظهرها.</span>\nقال المصنف: \"وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها\"؛ فهذه المقالة نسبت إلى الجهم واشتهرت عنه أكثر من اشتهارها عن الجعد، والسبب في ذلك يرجع إلى\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق ص ١٨ - ١٩.\n(^٢) الفرق بين الفرق ص ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(^٣) الفرق بين الفرق ص ٢٧٩.\n(^٤) لسان الميزان ٢/ ١٠٥.\n(^٥) الكامل ٥/ ٤٢٩.\n(^٦) انظر مأثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي ١/ ١٦٢.\n(^٧) الرد على الجهمية للدارمي (ص ٧) ط: المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":193},{"text":"قوة السلطان وموقفه من أهل البدع، بحيث لم يتمكن الجعد من بثِّ هذه المقالة ونشرها إلا على نطاق ضيق محدود.\nولهذا السبب ما اشتهرت نسبة هذه المقالة للجعد، وإنما اشتهرت نسبتها إلى الجهم، لأن الجهم بعد ذلك فرَّ إلى خرسان واستطاع أن يكون له مهلة من الوقت، إذ أنه وجد هناك من هو خارج على بني أمية، وهو الحارث بن سريج الذي خرج على بني أمية، ولحق به الجهم بن صفوان فوجده خارجًا، وتحالف معه، وكان الحارث قد عيَّن الجهم في وظيفة، ما يسمى الداعي، أي الناطق الرسمي باسم الحارث، فكان الجهم هو الذي يذهب إلى مجامع الناس وإلى مساجدهم، وينشر الدعوة إلى الخروج على بني أمية وعلى هشام بالذات، والدعوة إلى بدعته التي هو عليها، فوجد مرتعًا خصبًا في ذلك.\nفالجهم اشتهرت عنه هذه المقالة؛ لأنه هو الذي تمكن من إظهارها بسبب خروجه إلى خرسان، وكون الأمر في ذلك الحين، يعني في تلك المناطق غير مستتب لبني أمية، مع أن هشام أرسل جيشًا بقيادة سلمة بن أحوز إلى خرسان لأجل أن يستتب الأمر هناك، وفعلًا استطاع هذا الجيش بعد وفاة هشام أن يقتل الحارث، واستطاع أن يقبض على الجهم بن صفوان، ويقتله، وقال قائد الجيش: \"والله لو كنت في بطن أمي لشققته لكي أخرجك وأقتلك\" (^١). فلم يكن قائد هذا الجيش بالمتهاون أو المتساهل مع الجهم بن صفوان بل أمر بقتله، وكان شديدًا على الخارجين على بني أمية في ذلك الحين.\nوالجهم هو الذي نشر ذلك المذهب وتكلم عليه فبسطه وطراه ودعا إليه، وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، نظرًا لما كان عليه من سلاطة في اللسان، وكثرة الجدل والمراء.\nفهو صاحب ذلك المذهب الخبيث الذي اشتهر بنسبته إليه والذي صار به مذهبًا، فلم يزل هو يدعو إليه الرجال، وامرأته «زهرة» تدعو إليه النساء، حتى استهويا به خلقًا من خلق الله كثيرًا.\nوكانت فتنته بالمشرق، فهناك بسطت ومهدت ثم سارت في البلاد (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ، ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق أكثر كلامًا\n_________\n(^١) انظر كتاب البداية والنهاية الجزء العاشر صفحة (٢٩).\n(^٢) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٥.","vol":"1","page":194},{"text":"في رد مذهب جهم من أهل الحجاز، مثل إبراهيم بن طهمان، وخارجة بن مصعب، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم وقد تكلم في ذمهم ابن الماجشون، وغيرهما وكذلك الأوزاعي، وحماد بن زيد وغيرهم.) (^١)\nوقد ظهر الجهم في آخر دولة بني أمية. وقد قتل في بعض الحروب (^٢) سنة (١٢٨ هـ).\nاسمه وكنيته ونسبه (^٣)\nاتفق جميع من ذكره على اسمه واسم أبيه، وأنه (جهم بن صفوان) (^٤)، إلا أن بعضهم أضافوا (ال) قبل اسمه، فجعلوه «الجهم بن صفوان» (^٥). والأمر في هذا واسع، حيث إن بعض الأسماء العربية تجوز فيها إضافة (ال) قبلها، مثل (حسن) و(الحسن)، و(حسين) و(الحسين).\nولم يذكر نسبه بعد أبيه، ولعل السبب في ذلك أن الجهم كان من العجم، ومن المعروف عنهم -إلى يومنا هذا-أنهم لا يهتمون بحفظ أنسابهم كما هو موجود عند العرب.\nإلا أن يوسف بن موسي (^٦)، ذكر أن الجعد بن درهم هو أبو الجهم أو جده، حيث قال: «أتعرف الجعد؟ هو أبو الجهم أو جده (شك الراوي) الذي شك في الله أربعين صباحًا») (^٧)، ولا شك أن هذا ليس بصحيح، فهو قول شاذ يخالف أقوال جميع العلماء الآخرين، حيث\nاتفقوا على أن الجعد شيخ الجهم، وليس أبا له. ويمكن أن تحمل كلمة (الأبوة) على غير معناها الحقيقي، فلعله قصد أن الجهم أخذ عن الجعد ولازمه ملازمة الابن لأبيه، والله أعلم.\nكما اتفق جميع من ذكر كنيته على أنها «أبو محرز (^٨). ويظهر أنه كان مشهورًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٢.\n(^٣) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية\n(^٤) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، والبداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٣٩)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٤٢٦).\n(^٥) مثل الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص ٦٥).\n(^٦) هو: يوسف بن موسي بن راشد القطان، أبو يعقوب الكوفي، من شيوخ البخاري والترمذي. وثقه غير واحد من أهل العلم. توفي سنة ٢٠٣ هـ. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٤٦٢).\n(^٧) السنة للخلال (٥/ ٨٨)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ١٢١).\n(^٨) انظر على سبيل المثال: تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم (٤/ ٢٩٩)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٩٩).","vol":"1","page":195},{"text":"بهذه الكنية، لأنه لما قتل صاح الناس: «قتل أبو محرز» (^١).\nبلده ونسبته (^٢)\nكان الجهم بن صفوان من الموالي، حيث ذكرت بعض المصادر أنه مولي لبني راسب، ولا يوجد خلاف في هذا (^٣). والأغلب في الولاء أنه ولاء عتق، وقد يكون ولاء إسلام\nوالراسبي: «بفتح الراء وسكون الألف وكسر السين المهملة وفي آخرها باء موحدة» (^٤)، إما نسبة إلى بني راسب، «وهي قبيلة نزلت البصرة … وراسب هو ابن ميدغان بن مالك بن نصر بن الأزد، بطن من الأزد» (^٥)، أو إلى راسب بن الخزرج بن جدة بن جرم بن ربان، رجل جاهلي، بنوه بطن من جرم من القحطانية. وهذا الثاني هو الذي رجحه ابن الأثير حيث قال: «ينسب إليه جهم بن صفوان رأس الجهمية» (^٦).\nواختلف العلماء في بلده، فنسبه ابن حزم، والذهبي، وابن حجر وجماعة (^٧) إلى (سمرقند) (^٨).\nوقال مقاتل بن سليمان، وأبو إسماعيل الهروي، وعبد القادر الجيلاني وفخر الدين الرازي، والمقريزي وغيرهم (^٩) أنه من (أهل ترمذ) (^١٠). كما نقل اللالكائي\n_________\n(^١) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠).\n(^٢) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٠ - ٧٤\n(^٣) انظر: تاريخ الطبري، (٧/ ٣٣٠)، والفصل لابن حزم، (٤/ ٢٩٦)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠، ص. ٦٥)، والبداية والنهاية لابن كثير، (٩/ ٤٣٩)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٥٠)\n(^٤) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).\n(^٥) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).\n(^٦) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير (٢/ ٧).\n(^٧) انظر: الفصل، لابن حزم (٤/ ٢٩٦)، وميزان الاعتدال، للذهبي (١/ ٤٢٦)، ولسان الميزان، لابن حجر (٢/ ٣٤٩).\n(^٨) سمرقند: بلد معروف في بلاد ما رواء النهر، وتقع شمال مدينة (ترمذ).\nانظر: معجم البلدان، للحموي (٣/ ٦٦). ومدينة سمرقند تقع حالية في أوزبكستان.\n(^٩) الإبانة لابن بطة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، وذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠)، والغنية للجيلاني (ص ١١٨)، واعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ١٠٣)، والخطط للمقريزي (٢/ ٣٤٦).\n(^١٠) ترمذ: بكسر التاء على المشهور، وقيل بفتحها، وقيل بضمها، مدينة مشهورة راكبة على نهر جيحون من جانبه الشرقي. انظر: معجم البلدان، اللحموي (١/ ٤٤٠). وتقع حالية بين حدود أوزبكستان وأفغانستان.","vol":"1","page":196},{"text":"من كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ (^١)، وذكر الصفدي أن بدعته ظهرت في ترمذ (^٢)\nوهذا الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا حيث قال: «ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق، من ترمذ» (^٣).\nوتردد ابن كثير في نسبته، فقال إنه (الخزري) (^٤)، وقيل: الترمذي (^٥). ولم أقف على من نسبه إلى (الخزر) غير ابن كثير (^٦).\nونسبه السمعاني (^٧) إلى مدينة بلخ (^٨)، كما نسب إلى الكوفة (^٩)، وإلى مرو (^١٠).\nونقل الخلال بسند فيه مجاهيل عن الإمام أحمد أنه قال: سمعت بعض ولد ساسان يقول: سمعت جهما يقول: «أنا من حران من قدار» (^١١).\nويلاحظ أن أكثر هذه المدن متقاربة بعضها من بعض، مثل: ترمذ، وسمرقند، وبلخ، فكلها في شمال شرقي خراسان.\nيقول الباحث ياسر قاضي: \"والذي يظهر أنه ولد في سمرقند، ثم انتقل إلى ترمذ، وذلك أن بعض المصادر ذكرت أنه نفي إلى ترمذ (^١٢)، والعادة أن الرجل لا ينفى إلى بلده، ثم إن أكثر المصادر نسبته إلى سمرقند.\n_________\n(^١) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).\n(^٢) الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).\n(^٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٣٠١).\n(^٤) الخزر: هو بلاد الترك خلف باب الأبواب، المعروف بالدربند، وهو اسم إقليم أيضا، كما هو اسم مملكة. انظر: معجم البلدان للحموي (٢/ ٢٣١). وهو يقع حاليا في وسط روسيا.\n(^٥) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).\n(^٦) قال الدكتور ياسر قاضي: ربما وقع هنا خطأ مطبعي، وأراد أن يقول إنه (جزري) الأصل، فإذا كان\nهذا، فلعله التبس عليه أمر الجعد، فهو الذي كان جزري الأصل. انظر: ذم الكلام وأهله للهروي (٥/ ١٢٠).\n(^٧) انظر: الأنساب للسمعاني (١/ ٤٧٨).\n(^٨) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان، بينها وبين ترمذ اثنا عشر فرسخا. انظر: معجم البلدان (١/ ٣٧٨). وتقع حالية في أفغانستان.\n(^٩) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٣٤).\n(^١٠) انظر: الغنية للجيلاني (ص. ١١٨).\n(^١١) السنة للخلال (٥/ ٨٣).\n(^١٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).","vol":"1","page":197},{"text":"فالجمع بين النسبين أن يقال: إنه من سمرقند، ولكن نشأ في ترمذ، لذلك ظهرت بدعته فيها كما صرح بذلك غير واحد من أهل العلم. \" (^١)\nنشأته (^٢):\nلم تذكر كتب التاريخ معلومات عن نشأته، ولا عن أبويه أو طفولته ولكن بالاستقراء بعض المدن التي زارها.\nفمما سبق علمنا أن له علاقة بمدينتي سمرقند وترمذ، بل ظهر أول أمره في ترمذ (^٣)، ونفي إليها (^٤).\nوذكر عنه أنه أقام ببلخ مدة من الزمن، يصلي في مسجد مقاتل بن سليمان ويتناظر معه (^٥)، وأنه زار الكوفة ولقي شيخه الجعد أول ما لقيه هناك (^٦). كما نعلم من سيرته مع الحارث بن سريج أنه ذهب إلى مرو (^٧)، حيث قتل هناك.\nولم أجد من نص على تاريخ بدء دعوته، ولكن ذكر شيخ الإسلام أن «ظهور جهم (كان) بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك» (^٨)، يعني بين سنة ١٠٥ - ١٢٠\nعلمه (^٩)\nعاش الجهم بن صفوان في وقت مبكر في تاريخ الإسلام، حيث كان التابعون والعلماء متوافرين، ولكنه أعرض عن العلم تماما، وآثر علم الكلام والفلسفة على علم الكتاب والسنة.\nوقد شهد غير واحد من أهل العلم على جهله، وعلى أنه لم يجالس العلماء قط، فقال عبد العزيز بن أبي سلمة: «إن كلام جهم صفة بلا معني، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم. ولقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة. فخالف كتاب الله بجهله، وقال سبحانه: (ثم طلقتموهن من\n_________\n(^١) مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٧٢ - ٧٣.\n(^٢) المصدر كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢.\n(^٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٧٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٩١ - ١٩٠).\n(^٤) البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤٠٥).\n(^٥) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).\n(^٦) نفس المصدر (٩/ ٤٠٥).\n(^٧) مرو: وتعرف بمرو الشاهجان، أشهر مدن خراسان وقصبتها، يتخللها أنهار كثيرة. انظر: معجم البلدان للحموي (٤/ ٢٠٣). وتقع حاليا في تركمنستان.\n(^٨) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٣٠٢).\n(^٩) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان ١/ ٩٥","vol":"1","page":198},{"text":"قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ٤ [الأحزاب: ٤٩]. (^١)\nوقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٢).\nوقال مقاتل بن سليمان: «إن جهما والله ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء، وإنما كان رجلا أعطى لساناُ» (^٣).\nوقال الذهبي، ونقله عنه الحافظ ابن حجر: «وما علمته روي شيئًا» (^٤).\nولم يكن الجهم معرضا عن علم الوحي فحسب، بل كان مقبلا على علم الكلام، ناظرًا فيه، داعية إليه. ذكر ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسة الأهل العلم. كان تكلم كلام المتكلمين …» (^٥).\nوقال الإمام أحمد عنه: «وكان صاحب خصومات وكلام» (^٦).\nويكفي للدلالة على موقفه من العلم موقفه من كتاب الله ﷿، فقد قال أبو نعيم البلخي: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكان خاصًا به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟ فقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يومًا آية كذا وكذا نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدًا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها. ثم قرأ سورة طه فلما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها. ثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكر ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه».\nوفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره هاهنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).\n(^٢) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).\n(^٣) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٦٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٦١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر. (٦٠/ ١٢٠).\n(^٤) ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، و: لسان الميزان (٢/ ٣٤٩).\n(^٥) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).\n(^٦) الرد على الجهمية (ص ١٠٢).","vol":"1","page":199},{"text":"وفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر عليه، ودفعه برجله» (^١).\nولأجل هذه الأفعال القبيحة وغيرها، نسبه أهل العلم إلى الكفر والزندقة.\nومع هذا الجهل المركب، كتب جهم كتابا في بيان عقيدته والرد على مقاتل بن سليمان، فذكر ابن عساكر أن مقاتل بن سليمان كان يقص في جامع مرو، فقدم عليه جهم وجلس إليه، ثم وقعت العصبية بينهما، فوضع كل واحد منهما على الآخر كتابا ينقض على صاحبه (^٢).\nكما ذكرت بعض المصادر أنه ألف كتابا في نفي الصفات -ولعله هو الكتاب نفسه في الرد على مقاتل، أو كتاب آخر (^٣).\nكما ذكر عبد الله بن أحمد أثرا فيه إشارة إلى أن الجهم كان يؤلف في خراسان ويرسل كتاباته إلى الآخرين يدعو إلى مقالاته (^٤).\nوقد كتب بعض أتباعه كلامه كذلك، فقال الإمام أحمد: «كتب إلي ذاك المغازلي بكتاب فيه كلام جهم (^٥).\nوذكر في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أنه كان قدرية جهمية، وأنه أعطى نعيم بن حماد كتابا فيه رأي جهم، فدفع إليه كتاب جهم، فمزقه نعيم وطرحه (^٦).\nوكان الجهم يقف في المساجد ويدعو الناس إلى قوله في التعطيل، فروي عن مكي بن إبراهيم أنه قال: «رأيته في مسجد بلخ، يقول بتعطيل الله عن عرشه وأن العرش منه خال» (^٧).\nوقيل: إن واصل بن عطاء أرسل حفص بن سالم إلى ترمذ لمناظرة جهم بن صفوان، فناظره «فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق يقصد المعتزلة، فلما عاد\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرواية الثانية في الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢) وسنده صحيح.\n(^٢) تاريخ دمشق (٦٠/ ١٢٠)، ويغلب على الظن أن كتابه هذا كان في الصفات، حيث خالفه مقاتل في هذه المسألة.\n(^٣) الغنية للجيلاني (ص ١١٨).\n(^٤) انظر: كتاب السنة (١/ ١٨٣).\n(^٥) السنة للخلال (٥/ ١٤٥).\n(^٦) انظر: الكامل لابن عدي (١/ ٢٢١)، وفي التهذيب لابن حجر أن إبراهيم هذا توفي سنة ١٨٤ هـ (تهذيب التهذيب، ١/ ٨٤).\n(^٧) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٧).","vol":"1","page":200},{"text":"حفص إلى البصرة، رجع جهم إلى قول الباطل» (^١).\nوقد ثبت أن الجهم خالف أهل السنة في مسائل كثيرة، أوصلها الإمام أحمد إلى سبعين مسألة. نقل الخلال عن إسحاق بن عيسى البار أنه قال: «قدم علينا رجل من صور، معرف بالصوري، متكلم، حسن الهيئة كأنه راهب، فأعجبنا أمره، ثم إنما لقي سائل فجعل يقول لنا: الإيمان مخلوق، والزكاة مخلوق، والحج مخلوق، والجهاد مخلوق. فجعلنا لا ندري ما نرد عليه، فأتينا عبد الواهب الوراق، فقصصنا عليه أمره، فقال: ما أدري ما هذا؟ ائتوا أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فإنه جهبذ هذا الأمر.\nقال: فأتينا أبا عبد الله، فأخبرناه بما أخبرنا عبد الوهاب من المسائل التي ألقاها علينا. فقال لنا أبو عبد الله: «هذه مسائل الجهم بن صفوان، وهي سبعون مسألة، اذهبوا فاطردوا هذا من عندكم (^٢).\nإذا ثبت أن الجهم ابتدع أقوالا كثيرة، ولكن الذي وصلنا منه أقل من هذا بكثير، ولله تعالى حكم بالغة في ذلك، والله أعلى وأعلم.\nومما نعرف عنه أنه كان رجلا فصيحًا، فعن مقاتل أنه قال في الجهم: إنما كان رجلا أعطي لسانا (^٣).\nونقل اللالكائي عن كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلا كوفي الأصل، فصيح اللسان» (^٤).\nوقال أيوب بن أبي تميمة: «كان جهم فيما بلغنا لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه» (^٥).\nووصفه غير واحد من أهل العلم بأنه كان ذا أدب ونظر وذكاء وفكر وجدال ومراء (^٦).\n_________\n(^١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار (ص ١٩٣)، والمنية والأمل لابن المرتضى (ص ١٩).\n(^٢) انظر: السنة (٥/ ٩٣)\n(^٣) الرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٠)، ومسائل أحمد لأبي دواد (ص ٢٦٩).\n(^٤) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤).\n(^٥) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).\n(^٦) الوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ، ص ٦٦).","vol":"1","page":201},{"text":"وهذا النوع من دعاة الضلال وصفهم شيخ الإسلام في هذه الفتوى بقوله: \" أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ [الأحقاف: ٢٦].\nهذا، وقد ذكرت بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولدًا نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.\nقال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرًا» (^١).\nوعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم - وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها - فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (^٢).\nوعن الأصمعي أنه قال: «قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود». فقال الأصمعي: «هي كافرة بهذه المقالة» (^٣).\nوكان لابنه محمد منصب عند الخليفة العباسي المأمون، فذكر الكناني: «وكان الناس في ذلك الزمان في أمر عظيم، ومنع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والدعاؤون من القعود في الجامعين ببغداد، وفي غيرهما من سائر المواضع، إلا بشرًا المريسي، ومحمد بن الجهم بن صفوان (وفي نسخة زيادة: الذي به تعرف الجهمية)، ومن كان موافقة لهما على مذهبهما، فإنهم كانوا يقعدون ويجتمع الناس إليهم، فيعلمونهم الكفر والضلال» (^٤) وكان محمد هذا يحضر مجالس المأمون ويدعو إلى بدعته، ويناظر من حضر مجالس المأمون من علماء أهل السنة؟ (^٥)\nوقد ذكر هذا الرجل في بعض المصادر الأخرى (^٦).\n_________\n(^١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٠).\n(^٢) الرد على الجهمية لابن بطة (٣/ ١٨٩).\n(^٣) مختصر العلو للذهبي، اختصار الألباني (ص ١٧٠، أثر ١٨٩).\n(^٤) كتاب الحيدة (ص ٤).\n(^٥) انظر: نفس المصدر (ص ٥، و٣٦، و١٢٣).\n(^٦) انطر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٤٥، وص ٥٠)، حيث قال عنه: «ثم نصير إلى محمد بن الجهم البرمكي، فنجد مصحفه كتب أرستطاطاليس، في الكون والفساد والكيان، وحدود المنطق بها، يقطع دهره ولا يصوم شهر رمضان لأنه -فيما ذكر-لا يقدر على الصوم …».","vol":"1","page":202},{"text":"وكان أتباعه في حياته محدودين، فقد ذكر ابن كلاب في كتابه الصفات أنه لم يكن للجهم سوى خمسين أتباعه، وقيل: بل رجلان فقط) (^١).\nشيخه وسلسلة إسناد مقالاته (^٢)\nاشتهر بين العلماء أن الجهم كان تلميذا للجعد بن درهم، ومن خاصته بحيث لم يشتهر بين تلاميذ الجعد سواه.\nقال البخاري: «قال قتيبة بن سعيد: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم» (^٣)، فالجعد إذا هو الشيخ الأساسي للجهم بن صفوان.\nوذكر بعض المؤرخين أن الجهم لقي الجعد في الكوفة، بعد ما هرب الجعد من بني أمية، حيث نص ابن كثير أن الجعد «أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فطلبته بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول منه» (^٤).\nيقول شيخ الإسلام: «فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات، وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك» (^٥).\nوبين شيخ الإسلام أن «… أصل قولهم هذا مأخوذ من المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلًا» (^٦).\nوذكر في موضع آخر أن إسناد جهم في مقالاته متلقي من الصابئة الفلاسفة، والمشركين البراهمة، واليهود السحرة (^٧).\n_________\n(^١) نقله من كتاب ابن فورك شيخ الإسلام في درء التعارض (٦/ ١٩٤)، بينما في مجموع الفتاوي (٥/ ٣٢٠) قيل إنهما رجلان فقط.\n(^٢) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٧٦ - ٨٢\n(^٣) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٨)، وذكره كذلك السمعاني في الأنساب (١/ ٤٦٨).\n(^٤) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).\n(^٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٢/ ١١٩).\n(^٦) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٩٧).\n(^٧) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٥١).","vol":"1","page":203},{"text":"مقتله (^١)\nتاريخ قتله: قتل الجهم بن صفوان، يوم الثلاثاء، التاسع عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة ثمان وعشرين ومائة من الهجرة. ويؤخذ يوم وتاريخ قتله من الأحداث التي صاحبت القتال الذي حصل بين الحارث بن سريج ونصر ابن سيار، فنعلم أن القتال بدأ يوم الاثنين، ٢٨ جمادى الآخرة، ١٢٨ هـ (^٢)، واستمر القتال إلى اليوم الثاني، حيث انهزم فريق الحارث، ودخل سلم معسكره، وأسر الجهم وقتله في ذلك اليوم.\nمكان قتله: قتل بخراسان، خارج سور مدينة مرو، على شط نهر بلخ. لأن معسكر الحارث كان خارج سور مدينة مرو، ولما انهزم الحارث، دخل سلم معسكره وأسر فيه الجهم بن صفوان، ثم قتله سلم على شط النهر (^٣).\nمن قتله وتفاصيل القتل: فالذي قتله هو عبد ربه بن سيسن، غلام سلم بن أحوز، والي الشرطة لنصر بن سيار، بأمر من سلم، بعد أن رفض قبول الأمان الذي أخذه الجهم من ابنه. والقتل كان بضرب عنق الجهم بالسيف.\nفقد فذكر الطبري أنه لما أسر الجهم بن صفوان، قال جهم لسلم: «إن لي ولثا (^٤) من ابنك حارث»، فقال له سلم: «ما كان ينبغي له أن يفعل، ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب، وأبرأك إلي عيسي بن مريم ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت»، وأمر غلامه عبد ربه بن سيسن فقتله (^٥).\nولا ينافي هذا أن كثيرا من العلماء ذكروا أن سلم هو الذي قتله (^٦)» وذلك لأن سلم أمر بقتله، وقتله غلامه، فجاز نسبة الفعل إليه.\n_________\n(^١) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان (١/ ١٠٩ - ١١٥)\n(^٢) ذكر هذا التاريخ الطبري في تاريخه (٧/ ٣٣٣)، وابن الأثير في الكامل. (٤/ ٣٤٨).\n(^٣) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٥)، وكذلك نقل الزركلي من كتاب (الحور العين) أن الجهم قتل في مرو على شط نهر بلخ (انظر: الأعلام، ٢/ ١٤١). وذكر المكان أيضا اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ٣٤٤)، والأشعري في مقالات الإسلاميين (ص ٢٨٠)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ٧٣).\n(^٤) الولث: العهد بين القوم، يقع من غير قصد، ويكون غير مؤكد، أو: الوعد الضعيف. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ١٠٥٥).\n(^٥) تاريخ الطبري (٧/ ٣٣٠).\n(^٦) منهم: البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٢٢)، والأشعري في مقالات الإسلاميين (ص ٢٨٠)، ويزيد بن هارون، كما في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص ١٩٧)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢١)، والبغدادي في الفرق بين الفرق (ص. ١٩٥)، وابن حزم في الفصل (٤/ ٢٩٦)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ٧٣)، وابن الأثير في اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ٣١٧) والذهبي في السير (٦/ ٢٧).","vol":"1","page":204},{"text":"ووصف لنا بكير بن معروف ما حصل للجهم حين قتل، فقال: «رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق الجهم فاسود وجهه -أي وجه جهم (^١)، وهذا الأثر يبين طريقة قتله.\nسبب قتله:\nأكد العلماء (^٢) بأنه قتل من أجل مقالاته وأفعاله الدينية المنحرفة. وهناك بعض الآثار تؤيد هذا القول، فعن يزيد بن هارون أنه قال: «لعن الله الجهم ومن قال بقوله، كان كافرًا جاحدًا ترك الصلاة أربعين يوما يزعم أنه يرتاد دينا، وذلك أنه شك في الإسلام. قال يزيد: قتله سلم بن أحوز على هذا القول (^٣).\nونقل ابن حجر من كتاب ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولي بني هاشم قال: «قال سلم حيث أخذه، يا جهم! إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك. ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك، فقتله».\nومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفواي: «بلغ سلم بن أحوز وكان على شرطة خراسان أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسي تكليمًا، فقتله» (^٤).\nوروى أحمد بن حنبل عن علي بن عاصم أنه قال: «ذهبت إلى محمد بن سوقة، فقال: ههنا رجل قد بلغني أنه لم يصل، فمررت معه إليه، فقال: يا جهم، ما هذا؟ بلغني أنك لا تصلي. قال: نعم. قال: مذ كم؟ قال: من تسعة وثلاثين يوما، واليوم أربعين. قال: فلم لا تصلي؟ قال: حتى يتبين لي لمن أصلي. قال: فجهد به ابن\n_________\n(^١) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).\n(^٢) مال إلى هذا القول الذهبي، حيث قال: قيل إن سلم بن أحوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلم موسي، (السير ٦/ ٢٧)، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه، كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم …» (مجموع الفتاوي ٣٥/ ٤١٤).\n(^٣) كتاب السنة للخلال (ص ١٦٧)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي. (٣/ ٤٢١).\n(^٤) هذان الأثران ذكرهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٠٨)، ولم أجدهما مسندين في المصادر التي راجعتها. ومن المعلوم أن كتاب ابن أبي حاتم في عداد المفقود.","vol":"1","page":205},{"text":"سوقة أن يرجع، أو أن يتوب، أو يقلع، فلم يفعل. فذهب إلى الوالي، فأخذه فضرب عنقه وصلبه» (^١).\nوقد جاء من المتأخرين من رأى أن قتله كان لأسباب سياسية فحسب (^٢)، ونص كثير منهم على قول سلم له حين قتله: «لا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت»، ويرون أن هذا صريح في أن سبب قتله أمر سياسي. حيث ورد هذا السبب في عدد من الروايات قال الحافظ ابن حجر: «وكان قتل جهم بن صفوان سنة ثمان وعشرين، وسببه أنه كان يقص في عسكر الحارث بن سريج، الخارج على أمراء خراسان، فقبض عليه نصر بن سيار، فقال له: استبقني. فقال: لو ملأت هذا الملأ كواكب، وأنزلت إلي عيسي ابن مريم، ما نجوتك. والله لوكنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، ولا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت، وأمر بقتله (^٣).\nوالذي يترجح أن التعبير بمقولة أسباب سياسة هي مقولة محدثة نقلها بعض المتأخرين من كلام بعض المستشرقين فمما وقفت عليه أن المستشرق \"شارل بلاذا\" في كتابه \"الجاحظ\" حيث قال عن مقتل الجعد بن درهم: (وقد تكون هناك أسباب سياسية أو عداء شخصي بين هشام والجعد لا تشير إليه المصادر، وجعلت هشام بن عبد الملك يأمر بقتل الجعد) وكذلك علي سامي النشار حيث قال: (لا نستطيع أن نصدق أن قتله -أي الجعد-كان لآرائه الفكرية، بل يبدو أنه لسبب سياسي) وهذا التشكيك لا مستند له إلا التخرصات والأوهام ولذلك لم يستطع أحد منهما أن يبرهن لذلك ويدلل عليه.\nوجمال الدين القاسمي في كتابه تاريخ الجهمية والمعتزلة حيث قال: \" ومن تأمل ما قص يعلم أن قتل جهم إنما كان الأمر سياسي لا ديني، وقد صرح بذلك سلم (رئيس شرطة نصر) قاتله بقوله: والله لا يقوم علينا من اليمانية أكثر مما قمت فتفطن\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٤ خ هـ، ص ٦٧).\n(^٢) منهم الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀-في كتابه (تاريخ الجهمية والمعتزلة، ص ١٦). وينبه أن الشيخ، مع جلالته وعلمه، وقع في أخطاء فاحشة في هذا الكتاب، حيث وصف جهما بأنه كان «داعية للكتاب والسنة، ناقمًا على من انحرف عنهما، مجتهدًا في أبواب من مسائل الصفات … (ص ١٨)»، وعلى كل حال، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا محمد ﷺ، ولعله كان يرى هذا الرأي في المرحلة الأولى من حياته حيث كان -كما صرح بنفسه -أشعري المعتقد، ثم انتسب إلى أهل السنة.\n(^٣) لسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٠٠).","vol":"1","page":206},{"text":"ولا تكن أسير التقليد\" (^١).\nولا شك أن هذا لا يمكن اعتباره مستندًا فاصلًا في هذه المسألة، لأن من كان على جهاز الشرطة قد يكون كلامه نابعًا مما يعيشه من صورة الأمر فقد يعبر عن الأسباب من عدة جوانب، ولو أنصف القاسمي لأورد الروايات الأخرى التي تؤكد أنه ورد في سياق حواره أنه قتله لمقالته في التعطيل فقد قال سلم حيث أخذه، يا جهم! إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك. ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك، فقتله».\nومن طريق معتمر بن سليمان عن خلاد الطفواي: «بلغ سلم بن أحوز وكان على شرطة خراسان أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسي تكليمًا، فقتله» (^٢).\nوعلى هذا فقتل الجهم اجتمعت فيه عدة عوامل، ذلك لأن الجهم خرج على جماعة المسلمين، وقاتل ولاة الأمر، فارتكب جريمة تستحق القتال، علاوة على أن الجهم لم يكن مجهولا لدى بني أمية. فكان قد طلبه بنو أمية قبل قتله بسنوات الأجل مقالاته.\nفقد نقل اللالكائي عن عبيد بن هاشم أنه قال: «أول من قال القرآن مخلوق: جهم، فأرسلت إليه بنو أمية، فطلبته -يعني قتلته-فطفي الأمر … (^٣). وثقل أيضا عن هارون بن معروف أنه قال: «كتب هشام بن عبد الملك -أو بعض ملوك بني أمية -إلى سلم بن أحوز أن يقتل جهما حيثما لقيه، فقتله سلم بن أحوز وكان والي مرو (^٤).\nونقل عن صالح بن أبي عبد الله أنه قال: «قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى عامله بخراسان نصر بن سيار: أما بعد، فقد نجم (^٥) قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان. فإن أنت ظفرت به فاقتله وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه» (^٦).\nوقال أبو إسماعيل الهروي: «وأما الجعد بن درهم، فضحي به خالد بن عبد الله\n_________\n(^١) تاريخ الجهمية والمعتزلة ص ١٦ - ١٧.\n(^٢) هذان الأثران ذكرهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٠٨)، ولم أجدهما مسندين في المصادر التي راجعتها. ومن المعلوم أن كتاب ابن أبي حاتم في عداد المفقود.\n(^٣) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٢).\n(^٤) نفس المصدر (٣/ ٤٢٤).\n(^٥) نجم: طلع وظهر. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٩٠٤).\n(^٦) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).","vol":"1","page":207},{"text":"القسري على رؤوس الخلائق، وما له يومئذ نكير، وذلك سنة نيف وعشرين ومئة. وأما الجهم، فكان بمرو، فكتب هشام بن عبد الملك إلى واليه على خراسان نصر بن سيار يأمره بقتله، فكتب إلى سلم بن أحوز وكان على مرو، فضرب عنقه بين نظارة أهل العلم وهم يحمدون ذلك (^١).\nوقد قال بعض الباحثين المعاصرين بالجمع بين السببين، قال د. يوسف الوابل: «لا يمنع أن يكون قتله لأمر سياسي، وإن كان قد أمر الخليفة هشام بن عبد الملك بقتله قبل ذلك الأمر ديني، وهو اشتهر عنه من شكهـ وتركه الصلاة أربعين يوما … فكان ذلك سببًا قويًا في أن يأمر الخليفة هشام بن عبد الملك عامله على خراسان نصر بن سيار أن يقتله، ولكنه لم يظفر به إلا حينما خرج مع الحارث بن سريج، فعند ذلك أمر بقتله» (^٢) وبناء على ما سبق، يرى فريق أنه نستطيع أن نجمع بين السبين، حيث لا منافاة بينهما، ونقول: إن بني أمية أمروا نصر بن سيار بقتله، فكتب نصر إلى والي شرطه سلم بن أحوز بذلك، ولكنه لم يستطع العثور عليه إلا بعد هزيمة الحارث بن سريج، فقتل من أجل مقالاته ومن أجل خروجه مع الحارث بن سريج. ومما يقوي هذا الأمر أنه لم يذكر أن سلمة قتل أسيرًا غيره، حيث نص المؤرخون على أن سلمة أسر أناسًا كثيرين من جيش الحارث، وقتل جهم. فربما قصده من بين سائر الأسارى لأجل الحكم السابق من خلفاء بني أمية.\nهذا، وقد قيل إن جهما تاب قبل موته، فروى أبوداود وغيره عن أحمد بن حفص بن عبد الله، قال حدثني أبي، قال إبراهيم بن طهمان: حدثنا من لا يتهم-غير واحد-أن جهما رجع عن قوله ونزع عنه، وتاب إلى الله منه، فما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه! ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم!» (^٣).\nوهذا الإسناد صحيح إلى إبراهيم بن طهمان، ولكنه منقطع لأنه توفي سنة ١٦٨ هـ (^٤)، ولم يسم لنا شيوخه، ثم هو مخالف لجميع ما وصل إلينا من الأخبار عنه، فالله أعلم.\n_________\n(^١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٢).\n(^٢) انظر: مقدمته الكتاب الإبانة، الرد على الجهمية لابن بطة (١/ ٦٩).\n(^٣) مسائل أحمد لأبي داود (ص ٢٦٩)، والرد على الجهمية لابن بطة. (٢/ ٩١).\n(^٤) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ٧٨)، وقد ذكر بعض الروايات الأخرى في تاريخ وفاته كلها متقاربة.","vol":"1","page":208},{"text":"بدع الجهم\nإن جهم بن صفوان -كغيره من أهل البدع -لم يعط الكتاب والسنة حقهما، بل استدل بآيات متشابهات، وأول القرآن على غير تأويله (^١)، وحرفه عن مواضعه.\nولا غرو في ذلك، فإنه كان يزعم أن القرآن مخلوق، وهو قول يتوصل به إلى إنكار الوحي، والحط من علو مرتبة القرآن وهيبته في النفس\".\nلذا بني مقالته في الصفات على آيات ثلاث فقط، وأهمل الآلاف من الآيات المحكمات، وأول هذه الآيات المتشابهات على غير تأويلها. يقول الإمام أحمد عنه أنه «وجد ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ من المتشابه، قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشوري: ١١]، وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)» [الأنعام: ٣]، وقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣). فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية، … وتأول كتاب الله على غير تأويله» (^٢).\nويكفي للدلالة على موقفه من الكتاب العزيز ما رواه غير واحد من علماء السلف بأسانيدهم عن أبي نعيم البلخي أنه قال: «كان رجل من أهل مرو صديقًا لجهم (وفي رواية: وكأن خاض به)، ثم قطعه وجفاه (وفي رواية: ثم تركهـ وجعل يهتف بكفره)، فقيل له: لم جفوته؟\nفقال: جاء منه ما لا يحتمل، قرأت عليه يوما آية كذا وكذا -نسيها الراوي -فقال: ما كان أظرف محمدا (وفي رواية زيادة: حين قالها)، فاحتملتها.\nثم قرأ سورة طه فلما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، قال: أما والله لو وجدت سبيلا إلى حكها، لحككتها من المصحف، فاحتملتها.\nثم قرأ القصص، فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكر قصة في موضع فلم يتمها، ثم ذكرها ههنا فلم يتمها، ثم رمى بالمصحف من حجره برجليه، فوثب عليه.\nوفي رواية: «جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف، ثم قال: أي شيء هذا؟ ذكره ها هنا فلم يتم ذكره، وذكره ثم فلم يتم ذكره».\nوفي رواية ثالثة: «دفع المصحف بيديه جميعا من حجره، فرمي به أبعد ما يقدر\n_________\n(^١) انظر كلام الإمام أحمد هذا في رده على الجهمية (ص ١٠٨).\n(^٢) الرد على الجهمية (ص ١٠٢ - ١٠٨)، ورواه ابن بطة في الإبانة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.","vol":"1","page":209},{"text":"عليه، ودفعه برجله» (^١).\nبل تجاسر على القول بأن القرآن غير محفوظ.\nفعن زر بن صالح السدوسي أنه قال: «لقيت جهما فقلت: هل نطق الرب؟\nقال: لا.\nقلت: فينطق؟\nقال: لا.\nفقلت: فمن يقول (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، ومن يرد عليه و(لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]؟\nفقال: لا أدري، زادوا في هذا القرآن ونقصوا» (^٢).\nفالقرآن عنده كلام مخلوق مبدل محرف، فما عسى يكون قيمته عنده حينئذ؟\nوإذا كان هذا موقفه من كلام رب البرية، هل يحتاج بعد ذلك لبيان موقفه من كلام أصدق البشرية ورسول رب الأرض والسموات؟\nولقد نص الإمام أحمد على أن الجهم … كذب بأحاديث رسول الله ﷺ (^٣). ولما بلغ الإمام أحمد قول أحدهم: «لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني التي في الرؤية»، قال أحمد: «كأنه نزع إلى رأي جهم (^٤)، وفيه إشارة إلى أن الجهم كان ينكر الأحاديث.\nولم يعرف عنه استشهاد واحد منه بحديث رسول الله -صحيح أو ضعيف أو موضوع -للمقالات التي ذهب إليها.\nويدل على جهله المركب شهادة علماء الحديث فيه، فقد سئل جهم عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: عليها العدة (^٥)، وهذا جهل واضح بكتاب الله تعالى إذ يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب: ٤٩].\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٢)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٩٧). قال الألباني في مختصر العلو (ص ١٩٢): وسنده صحيح، وقد سبق ذكره.\n(^٢) ذم الكلام وأهله، للهروي (٥/ ١٢٧، أثر ١٤٥٣)، وذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤١).\n(^٣) الرد على الجهمية والزنادقة (ص ١٠٤).\n(^٤) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ٤٥٥).\n(^٥) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١).","vol":"1","page":210},{"text":"وشهد عليه علماء الحديث أنه لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح (^١)، وعرف عنه أنه لم يجالس العلماء، ولا روي شيئا من الأحاديث (^٢).\nوالذي يعرض عن المصدرين الأساسين سيقع حتما في مخالفة السلف الصالح وإجماع المسلمين، كما نص غير واحد من علماء الإسلام على ذلك. وقد بين كثير من العلماء مخالفة جهم لإجماع المسلمين (^٣)، بل ومخالفة جماهير العقلاء من الأولين والآخرين (^٤).\nفهذه الأمور -أعني الإعراض عن الكتاب والسنة وسلف الأمة-يجتمع فيها جميع أهل البدع على خلاف بينهم في درجة ومستوى مخالفتهم لهذه الأصول (^٥).\nغير أن الذي ابتدعه جهم بن صفوان وأختص به من بين سائر الفرق قبله هو معارضة النصوص بما يزعم أنه عقل. فقد بين ابن القيم أن الجهمية هم أول من عارض السمعيات بالعقليات من بين الطوائف.\nفالشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، مع أنهم ابتعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، إلا أنهم لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم للنصوص، «فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي … وأولهم شيخهم الجعد بن درهم»، إلى أن قال: «… وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل، وإذا تعارض العقل والنقل، قدمنا العقل. قالوا: نحن أنصار العقل، الداعون إليه، المخاصمون له، المتحاكمون إليه … إلخ (^٦).\nوقال ابن تيمية: «ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي، والمرجئة\n_________\n(^١) ذكره شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٩٠).\n(^٢) السنة للخلال (٥/ ٨٥)، ومسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٩٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٣/ ١٩١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٤٠/ ١٢٠).\n(^٣) ميزان الاعتدال للذهبي، (١/ ٤٣٦)، ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٤٩).\n(^٤) انظر مثلا: رد الدارمي على بشر المريسي (ص ٢٢٣)، والشريعة للآجري (١/ ٢٣٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٥).\n(^٥) انظر: درء التعارض لابن تيمية (٣/ ٥١).\n(^٦) انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧ - ١٠٩).","vol":"1","page":211},{"text":"والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة، وأولهم الجعد بن درهم …» (^١)\nكما ذكر ابن القيم أن جميع الفرق الإسلامية قبل الجهمية، إذا تؤملت أصولهم، وجدت أنها كلها متفقة على تقديم الوحي على العقل، فلم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها المتكلمون، من تقديم عقولهم على نصوص الوحي (^٢).\nويؤيد هذا ما حكاه الشهرستاني والصفدي عن الجهم أنه موافق للمعتزلة في إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع (^٣).\nكما يدل على منهجه هذا: مقالاته الكثيرة التي ليس عليها أدني دليل لا من الكتاب ولا من السنة، بل كلها مبنية على ما يزعمه أصول عقلية، وهي في الحقيقة أصول يونانية جاهلية.\nفمثلا قوله في الإيمان وأنه مجرد المعرفة، وأخذه بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، إنكاره ما ورد من الكتاب والسنة من الأسماء والصفات، وإنكاره الشفاعة، وعذاب القبر، والصراط، وإنكاره للملائكة، وغير ذلك من عقائده، يدل\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (٥/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٨٢١).\n(^٣) الملل والنحل (١/ ٧٤)، و: الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).\nوهذه الجملة تحتمل معاني عدة:\nالأول: القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كما هو قول المعتزلة.\nالثاني: وجوب معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن من لم يعرف الله قبل ورود الشرع فهو آثم ويستحق العذاب. وهذا هو أقوى الاحتمالات، لأن مسألة وجوب معرفة الله تعالى، أهو عقلي أم شرعي؟ من أشهر مسائل علم الكلام.\nالثالث: أن هذه الجملة تشير إلى منهج جهم العام في تقديم العقل على النقل. وهذا، وإن كان أضعف من الاحتمال الأول والثاني، إلا أنه لازمه.\nالرابع: حصول معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن معرفة الله تعالى أمر عقلي. وهذا الرابع -وإن كان يقول به الجهم-إلا أنه ليس مراد الشهرستاني، بدليل أنه قال إن جهما (موافق للمعتزلة) في هذا الأمر، مخالف للأشعرية، كما يدل السياق على ذلك. فالأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم إن معرفة الله تعالى أمر عقلي، ولكنهم خالفوهم في وجوب المعرفة: هل هو شرعي أم عقلي؟ فثبت أن هذا المعنى الرابع ليس مرادًا للشهرستاني، والله أعلم.","vol":"1","page":212},{"text":"دلالة واضحة بأنه لم يكن يهتم بنصوص الكتاب والسنة، ولا يعطي لهما وزنة، بل جميع هذه الأقوال مبنية على أصول فاسدة وأقوال مستوردة.\nفشأن جهم كشأن من بعده من أرباب الكلام المتبعين له، «ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة.\nوإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع. وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات» (^١).\nفخلاصة القول إن الجهم كان يدعو لأمور منها:\n١ - إنكار الأسماء والصفات.\nفالجهم بن صفوان أنكر الأسماء والصفات.\n٢ - قوله بأن الإيمان هو المعرفة.\nفقد كان في مسائل الإيمان على الإرجاء يقول: \"إن الإيمان هو مجرد المعرفة\" (^٢).\n٣ - القول بفناء الجنة والنار.\nكذلك كان يدعو للقول بفناء الجنة والنار معًا.\n٤ - القول بالجبر في باب القدر.\nفقد كان كذلك جبريًا في باب القدر، يقول: \"إن العبد مجبور\" (^٣).\nوالمعتزلة كانوا في الصفِّ المقابل إذ ذاك لأنهم يقولون بمقالة القدرية، أي إنكار قدرة الله ﷾، وأما الجهم فهو ينكر قدرة العبد ويقول: إن العبد مجبور على فعله، والناس في القدر ثلاثة: إما أن يكونوا قدرية، أو جبرية، أو أهل السنة والجماعة.\nفالجبرية الذين ينكرون قدرة العبد ويقولون: إن العبد مجبور على فعله وهذا قول الجهمية، أتباع جهم.\nوالقدرية الذين يقولون: إن الله ﷾ ليس له قدرة ولا تصرُّف في فعل العبد وإنما\n_________\n(^١) من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٢٩).\n(^٢) انظر كتاب سير اعلام النبلاء الجزء السادس، صفحة (٢٧).\n(^٣) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول، صفحة (٨٥).","vol":"1","page":213},{"text":"العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله تعالى قدرة أو تصرُّف في فعل العبد، فهم في مقابل الجهمية إذ ذاك.\nفهذه أشهر ما عند الجهم من المقالات، ومقالات الجهم كان لها أتباعها، وكان أتباعها في المشرق جهة خرسان.\nلذلك كان أئمة السنة في المشرق أقوالهم وآثارهم أكثر في مسائل الجهمية من العلماء في الشام، أو العلماء في الحجاز، أو علماء السنة كذلك في مصر وغيرها؛ لأن ظهور المقالة كان في جهة المشرق جهة خرسان. ولذلك كان تأثر الأحناف بهذه المقالة أكثر من تأثر غيرهم في ذلك الحين، حتى أن بشر المريسي كان من الحنفية ولذلك أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة عنَّف بشرًا وحاكمه على مقولته هذه.\nفكان تأثر الأحناف بهذه المقالة باعتبار أن ظهورها كان في المشرق، وكان لمذهب أبي حنيفة قبولًا في ذلك الاتجاه أي في خرسان. فالمعتزلة في ذلك الحين لم يكونوا بعد قد تأثروا بمقالة الجهمية في نفي الصفات، ولذلك فإن العلماء إذا نسبوا هذه المقالة قالوا: مقالة الجهمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>المسألة الرابعة: أصول المقالة وجذورها.</span>\nتحدث المصنف عن أصول وجذور هذه المقالة وذكر أنها تعود في أصلها إلى ثلاثة مشارب.\nالمشرب الأول: المشرب اليهودي.\nالمشرب الثاني المشرب الصابئ.\nالمشرب الثالث: المشرب الوثني.\nأما المشرب الأول: فهو ما أشار إليه المصنف فقال: \"وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان\" (^١)، فأراد هنا أن يبين المشرب اليهودي في هذه المقالة، فهناك مشرب يهودي وهذه تسمى سلسلة الخشب كما يقول عنها علماء السلف، فهناك سلسلة الذهب، وهناك سلسلة الخشب، فاعلم أن هذه سلسلة الخشب، وأما سلسلة الذهب فهي مالك عن نافع عن ابن عمر.\nفإليك سلسلة الخشب: الجهم عن الجعد بن درهم عن أبان بن سمعان، وأبان تارة يقال عنه: أبان، وتارة يقال عنه بيان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن\n_________\n(^١) انظر كتاب الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية الجزء الأول، صفحة (٢٣٤).","vol":"1","page":214},{"text":"أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي، واليهود معروف عنهم موقفهم من الله تعالى في أسمائه وصفاته، فهم في جانب الصفات تنقَّصوا الله ﷿ ووصفوه بالبخل، ووصفوه بالتعب، ووصفوه بصفات نزَّه الله تعالى نفسه عنها في كتابه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\nفإذًا هذا موقف اليهود من الصفات، اليهود يسمُّون الإله يهوى، يقولون عنه: يهوى، وأصل هذه الكلمة استفهام، تعني، ما هو، لأنهم لا يثبتون لله اسما، فمن مقالاتهم إنكار الأسماء لله ﷾.\nفحاول اليهود بثُّ هذا الفكر الذي عندهم، لأن من اليهود من لا يثبت اسمًا لله تعالى إلا على سبيل الاستفهام، يعني ما هو. فهذا مأخذ كلمة يهوى عندهم، فيهوى يعني الإله، فهي أصلها استفهام، ما هو؟\nفما يجعلون له اسما، فبالتالي ظهرت هذه المقالة من هذا الأمر الذي هو موجود عند اليهود، ومعروف في عقائدهم وتاريخهم، ومن يقرأ في عقائد اليهود في هذه الجوانب يعرف أن لهم صلة وعلاقة وثيقة بظهور هذه المقالة، وقد أشار هنا إلى شيء من أصولها. فلبيد ابن الأعصم اختُلِف، هل هو من اليهود أو حليفٌ لليهود؟ والخلاف في هذا مبثوث في كتب أهل العلم، فالشاهد أن هذا هو أصل المقالة من جهة المشرب اليهودي. فهنا قال المصنف: \"إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود\".\nوأما المشرب الثاني: وهو المشرب الصابئ: فهو ما أشار إليه المصنف فقال: \"وكَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ هَذَا -فِيمَا قِيلَ-مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ\" فقيل إنه من أهل حران، وقيل: أنه دخل حران، وحران بلد الصابئة، بقايا دين النمرود، فما زال في حران إلى ذلك الوقت كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين، ونعرف أن إبراهيم ﵇ دعا النمرود ودعا قومه إلى الإسلام، وكانوا -أي هؤلاء-يبنون الهياكل، ويعبدون الكواكب.\nفكان لهؤلاء يعني خطَّان: خط فلسفي، وخط وثني يتخذ من الهياكل أماكن للعبادة، فهناك هيكل للقمر، وهيكل للشمس، وهيكل للزهرة، وهيكل … هكذا للكواكب، كانوا يعبدون تلك الكواكب. فقال المصنف: \"بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نمرود والكنعانيين الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ\" ولعله يشير إلى ما نسب إلى الرازي من تصنيفه كتابًا في ذلك، وهو كتاب مشهور ومعروف إلى يومنا هذا،","vol":"1","page":215},{"text":"يذكر أنه منسوب إلى الرازي وهو: السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم.\nفصنفه مصنفه على مذهب هؤلاء المشركين عباد الهياكل والكواكب.\nوقال المصنف: \"ونمرود هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ وَفِرْعَوْنَ مَلِكُ مِصْرَ وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ مَلِكُ الْيُونَانِ وَقَيْصَرَ مَلِكُ الرُّومِ. فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمَ عَلَمٍ. \" ذكر المصنف هنا أن النمرود إنما هو اسم جنس لا اسم علم، كما يقال لملك المصريين (فرعون)، وكما يقال لملك الحبشة (النجاشي)، وكما يقال يعني (قيصر) ملك الروم، وهكذا فهو اسم جنس لا اسم علم، هذا استطراد من المصنف في بيان معنى النمرود.","vol":"1","page":216},{"text":"(٤١) \"فَكَانَتْ الصَّابِئَةُ -إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ- إذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ وَعُلَمَاؤُهُمْ هُمْ الْفَلَاسِفَةُ وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُ قَدْ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا؛ بَلْ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ؛ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ -الَّذِينَ كَانُوا إذْ ذَاكَ -كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ. وَمَذْهَبُ الْنُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الرَّبِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَهُمْ الَّذِينَ بُعَثَ إلَيْهِمْ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ فَيَكُونُ الْجَعْدُ قَدْ أَخَذَهَا عَنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ. وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ\".\n<hr><s0>\n\nفهؤلاء الصابئة بقايا دين النمرود كان لهم خطَّان، خط فلسفي، وخط وثني. فالخط الفلسفي عند علمائهم، والخط الوثني عند عبادهم وعوامهم، فقال المصنف هنا: \"فَكَانَتْ الصَّابِئَةُ -إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ-إذْ ذَاكَ عَلَى الشِّرْكِ، وَعُلَمَاؤُهُمْ هُمْ الْفَلَاسِفَةُ\" إذًا كان عندهم بقايا فلسفة، وبعد هذا بين شيخ الإسلام، أن لفظ الصابئة جاء في القرآن في موضعين: في موضع ذم، وفي موضع مدح؛ لأن أوائل الفلاسفة كانوا يقرُّون بوجود الله تعالى، وإنما عُرِف القول بقدم العالم وإنكار وجود الله من عهد أرسطو، بدأ أرسطو هو الذي ينكر وجود الله ﷾.\nفالصابئة الذين أثني الله عليهم في القرآن، كانوا أناسًا يعبدون الله تعالى على غير شريعة، أي على غير اتباع نبيٍّ بعينه، فهذا قسْمٌ من هؤلاء، وقد ذكرهم الله ﷾","vol":"1","page":217},{"text":"فيمن ذكر من الأصناف الأخرى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فكانوا يتعبَّدون لله تعالى على غير شريعة بعينها، وهذا الذي قيل في هذا الصنف من الصابئة: قوم يعبدون الله تعالى على غير شريعة بعينها، فهؤلاء صنف قد دخلوا في هذا الحال الذي هو حال مدح.\nوذمُّوا في مواضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، هذه ستة أصناف كما يقول عنها ابن عباس: \"الأديان ستة خمسة للشيطان، وواحد للرحمن\" (^١)، فهذا مقام ذمِّ لهؤلاء.\nفإذًا لفظ الصابئة يطلق أحيانًا ويراد به، الصنف منهم الذين عبدوا الله تعالى على غير شريعة بعينها، وصنف مذموم وهم الذين كانوا على دين النمرود.\n\"لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ؛ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَصَارُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ\"\nذكر المصنف أن قليلًا منهم كان يشملهم هذا الحال، أما أكثرهم فهم على الشرك، كما أن اليهود فيهم كذلك من حرَّف وبدَّل وغيَّر، وكذلك النصارى فيهم من حرَّف وبدَّل وغيَّر، وسائر الأصناف على هذا الحال.\nلذلك تجد أن هناك آيات تثني أحيانًا على أهل الكتاب، وآيات تذمُّهم، وآيات تثني عليهم وتمدحهم. فالمدح يكون لأهل الخير منهم، والذمُّ يكون على الذين بدَّلوا وحرَّفوا دينهم، فالثناء يكون لمن تقدم منهم ولم يغيِّر، ولم يبدِّل، ولم يحرِّف، أو لمن أدرك الإسلام فكان له الفضل بحيث كان له سبق في الحق، وكان له أيضًا فضل اتباع النبي ﷺ، وهكذا تجد هذا كثيرًا في القرآن، تجده كثيرًا في القرآن.\n\"فَأُولَئِكَ الصَّابِئُونَ -الَّذِينَ كَانُوا إذْ ذَاكَ -كَانُوا كُفَّارًا أَوْ مُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ. \" ومقصود المصنف أنه انتهى صنف الصابئة الذين كانوا يتعبَّدون الله على غير شريعة، فلا يكون ولا يعقل أن يكون لهؤلاء وجود أو أمر يُمدحون عليه بعد بعثت النبي ﷺ، إذ إن نبوءة النبي ﷺ كانت عامة لكل الخلق، ولا يسع أحد أن يخرج عنها. فإذًا عندما دخل الجعد حران كانت حران إذ ذاك فيها من\n_________\n(^١) انظر كتاب الدر المنثور للسيوطي الجزء السادس، صفحة (١٦).","vol":"1","page":218},{"text":"كان على الشرك، وعبادة الكواكب، وبناء الهياكل، \"فأولئك الصابئون\" يقصد بهم الذين دخل عليهم الجعد كانوا إذ ذاك كفارًا أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل.\n\"وَمَذْهَبُ الْنُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الرَّبِّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَهُمْ الَّذِينَ بُعَثَ إلَيْهِمْ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ فَيَكُونُ الْجَعْدُ قَدْ أَخَذَهَا عَنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ. \" ومذهب النفاة من هؤلاء الذين هم فلاسفتهم: أنه ليس له إلاَّ صفات سلبية أو إضافية أو مركَّبة منهما، ويقصد بهؤلاء الذين تلقَّى عنهم الجعد وأخذ منهم الجعد، فقد كانوا أصحاب فلسفة صابئة، وفلاسفة الصابئة كان قولهم في هذه المسائل: عدم إثبات صفات الله تعالى، إذ أنه كما أسلفنا الفلاسفة عمومًا لا يرون أن هناك وجودًا لله تعالى على الحقيقة.\nوبالتالي يدور كلامهم بين صفات سلبية أو إضافية.\nفالسلبية مثل قولهم: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباين، ولا، ولا … وتأتي اللاأت اللامتناهية، هذا جانب.\nوالإضافية مثل قولهم عنه: واجب الوجود، هي عبارات في حقيقتها لا تدل على أنه له صفة ثابتة، وهي عبارات يثبتونها، المقصد منها أنه ليس لله ﷿ صفات والإضافات عندهم هي أمر لا يتعلق بالذات، لأنهم في حقيقتهم لا يريدون إثبات ذاته، بل أمر خارج عن الذات كما يقولون: واجب الوجود.\nفإذا قلت لهم: ما واجب الوجود؟ قال قائلهم: \"واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، ولا قسمة له لا في الكَمِّ، ولا في الكيف، ولا في المعقول، ولا في اللامعقول، ولا في الهيلولي، ولا في الصورة، ولا، ولا، ولا … \" عبارات منتهاها أنه في الذهن دون الخارج، أنه موجود وجودًا ذهنيًا في الخيال لا حقيقة له، فهذا كلامهم يقول لك: \"واحد بسيط\"، وهذه عبارات فلسفية، لابد لفهمها أن تنظر إلى تفسير معنى الواحد عندهم، فهم لا يقصدون بالواحد الوحدانية، وهكذا معنى البسيط عندهم؟\nإذًا قولهم \"واحد بسيط\" معناه: أن وجوده وجودًا مطلقًا أي وجود ذهني، فلو فسرت هذا في عباراتهم لوجدت أن معنى الواحد عندهم: هو الوجود المطلق الذي هو في الخيال لا في الحقيقة.\nوهذا هو السِتَار الذي استطاع به هؤلاء أن ينشروا كتبهم، ويبثوا مقالاتهم لأن كل","vol":"1","page":219},{"text":"حرف، وكل كلمة تحتاج إلى قاموس لا يستطيع فهمه إلا من تربى على أيديهم، فلا يمكن أن يأتيك الواحد منهم ويقول لك مباشرة: إن وجود الله تعالى وجود ذهني لا حقيقة له في الخارج، هذه المسألة لا يمكن أن يقولها صراحة لكن يغلِّفها بغلاف فلسفي وعبارات فلسفية، حتى إذا قرأتها لم تفهم منها حرفًا، فمعنى \"واحد بسيط لا تكثر فيه\"؟! وما معنى \"الوجود\"؟! وما معنى \"لا قسمة له لا في الكَمِّ ولا في الكيف؟! ولا في المعقول ولا في اللامعقول؟! ولا في المتناهي ولا في اللامتناهي؟! ولا في الهيلولي ولا في الصورة\"؟!\nكل هذا الكلام بحاجة إلى قاموس يوضح معنى كل عبارة وماذا تعني.\nفإذًا هذا هو أصل كلام هؤلاء، ومن يدرس طريقة الفلسفة، وحبذا لو يقرأ كتاب ابن تيمية [الرد على المنطقيين] فقد أشار إلى شيء من تاريخ الفلاسفة، ومن أقوالهم، ومقالاتهم، ومن ضمنهم هؤلاء فلاسفة حران، وحران في بلاد الشام. وعلى التقسيم السياسي الآن تقع قرب الحدود التركية.\nقال المصنف: \"وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ\"\nالمصنف أراد هنا أن ما دامت المسألة تتعلق بحران، أراد أن يشير إشارة إلى الفارابي، لأن الفارابي هو أول من ترجم كتب أرسطو، وأرسطو هو أول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فقد أخذ الفارابي كتب أرسطو وترجمها إلى العربية، وحاول أن يصبغها بصبغة الإسلام. فالفارابي معروف تاريخه أنه من الفلاسفة الزنادقة، وكان يشتهر بالموسيقى، حتى أنهم ينسبون إليه أنه هو أول من اخترع آلة القانون، هذا من آلات الموسيقى هذا تاريخه هذا يعني مجده الذي يرجع إليه، وكما يقول يعني ابن كثير: \"إن كان مات على ما كان عليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" فهو أول من ترجم كتب أرسطو، وابن سينا عيال على الفارابي في هذه المسألة، فأول من ترجم كتب هذا الملحد، يعني بشاعة هذا كمن يأخذ يعني مبادئ ستالين أو لينين ويأخذها ويترجمها إلى العربية، فكيف تأخذ كلام ملحد من ملاحدة اليونان ينكر وجود الله تعالى؟، وهو أول من قال بقدم العالم، ثم تُتَرْجِم هذا وتنقله إلى المسلمين، وتصبغه بصبغة إسلامية كالذي صبغ الشيوعية بصبغة إسلامية وسماها اشتراكية في الإسلام، فأراد أن يخضع الإسلام للاشتراكية، وأراد هذا أن يخضع الإسلام للفلسفة، فهذا في بشاعة هذا بل إن ذاك أبشع منه.","vol":"1","page":220},{"text":"فالفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وهذا يشير إلى استمرار هذه المدرسة حتى إلى عهد الفارابي، فالفارابي كان متأخرا، ومع ذلك ما زال في حران من يدعو إلى تلك الفلسفات.\nقال ابن تيمية: \"قيل إن أرسطو هذا بدل طريقة الصابئة الذين كانوا قبله والذين كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر الذين أثنى عليهم القرآن فهذا الكلام المنقول عنه يوافق ذلك وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة من الجهمية وغيرهم اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم فغيروا فطرة الله تعالى وبدلوا كتاب الله والله ﷾ خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة وهؤلاء بدلوا وغيروا فطرة الله وشرعته خلقه وأمره\" (^١)\nوهذا من حيث الأصل الصابئي.\nوأما المشرب الثالث: وهو المشرب الوثني فقال عنه المصنف:\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية","vol":"1","page":221},{"text":"(٤٢) \"وَأَخَذَهَا الْجَهْمُ أَيْضًا -فِيمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ -لَمَّا نَاظَرَ «السُمْنِيَّة» بَعْضَ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ -وَهُمْ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنْ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ-فَهَذِهِ أَسَانِيدُ جَهْمٍ تَرْجِعُ إلَى الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَلَاسِفَةُ الضَّالُّونَ هُمْ إمَّا مِنْ الصَّابِئِينَ وَإِمَّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ. \"\n<hr><s0>\n\nأراد المصنف أن يشير إلى مشرب ثالث لهذه المقالة وهو المشرب الوثني، فبعد أن انتهى من ذكر الأصل والمشرب اليهودي والمشرب الصابئي، بقي أن يعرف بالمشرب الشركي الوثني.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>تعريف السمنية:</span> قبل ذكر القصة التي وقعت بين الجهم والسمنية، يستحسن أن نقدم عرضا موجزًا عن هذه الطائفة (^١).\n<span data-type='title' id=toc-28>أصل الكلمة:</span>\n١ السمنية السَمَنيّة أو الشُّمَنية لفظ مشتق من اللغة البالية سَمَنَه، والتي بدورها مشتقة من السنسكريتية … وتلفظ شرَمَنَه.\n_________\n(^١) انظر: أصول الدين، للبغدادي (ص ١٠ - ١١، وص ١٧٩، وص ٣١٩ - ٣٢٠)، ولسان العرب لابن منظور، (١٣/ ٢٢٠)، والإبانة لابن بطة، كتاب الإيمان (١/ ٣٨١)، وكتاب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة للبيروني (ص ٩٣، ١٢٢، ٢٠٩، ٢٧٧، ٤٧٨)، والتسعينية لابن تيمية (١٤٦/ ١ - ١٤٩).\nقال الباحث ياسر قاضي: \"ومن الجدير بالذكر أنني بحثت عن معلومات حول هذه الفرقة في كثير من المصادر الإنجليزية، فلم أجد لها ذكر أصلا (إلا ما وجدت عن ديانة (الشمن) الذي سأذكره بعد قليل)، مما يدل على أن المسلمين اهتموا غاية الاهتمام بذكر عقائد وتاريخ الملل الأخرى، ولهم قدم سبق في هذا العلم، فلولا كتب المسلمين في علم الملل والنحل، لضاع الكثير من المعلومات عن الأديان والملل القديمة\" كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٨٣.","vol":"1","page":222},{"text":"٢ وقيل: إن السمنية (وقيل: الشمنية) بضم السين وفتح الميم كلمة معربة (^١)، وكانت تلفظ بالشرَمَنَة أو الشمَنية، حسب اللغة البالية التي اشتُقت منها، لوصف هذه الجماعة.\n٣ ونسب بعضهم تسميتها بالسمنية إلى بلدة سومنات الواقعة في بالهند، حيث كانت نشأتهم.\nمعناها:\nقيل: تعني الباحث أو المتصوف.\nوقيل: الكلمة مشتقة من (ش ر م) بمعنى اجتهد في التنسك. حقيقتها:\nذكرت عدة أقوال بشأن أصولها منها:\n١ أنها فئة مستقلة عن البوذية والهندوسية، وأنها أسبق، وأنها حركات صوفية ظهرت في الألفية الأولى قبل الميلاد في الهند، وقامت على مبادئها البوذية والجاينية وبعض الفرق الصوفية الهندوسية، وأنها مبنية على عقائد مشتركة كالتناسخ والكارما ولكنها سلكت منهجًا حرًا في التعبد والتنسك لا يلتزم بطقوس ولا نصوص (^٢).\n٢ القول بأن السمنية هي البوذية.\nفقد ذكر أبو الريحان البيروني السمنية بلفظ الشُّمَنية في كتابه: \"تحقيق ما للهند من مقولة\"، قائلًا بأنهم \"أصحاب البُدّ\" أي البوذيون وبأن خراسان وفارس والعراق والموصل إلى حدود الشام كانت قديمًا على دين هؤلاء حتى ظهور زرادشت الذي دعا إلى المجوسية، فلما انتشرت المجوسية على أيدي الملوك بعده في فارس والعراق انجلت السمنية إلى مشارق بلخ وبقي المجوس بأرض الهند (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-29>موطنها:</span>\nكانت هذه الفرقة منتشرة في خراسان وفارس والعراق وبلاد ما وراء النهر قبل دخول (زردشت) لهذه البلاد، ثم انتشرت المجوسية في تلك البلاد، وبقي القليل منهم شرقي بلخ (^٤).\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٢٢٠).\n(^٢)  James G.Lochtefeld، The Illustrated Encyclopedia of Hinduism (The Rosen Publishing Group، ٢٠٠٢)، vol.II، p. ٦٣٩\n(^٣)  أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة، بيروت: عالم الكتب، ٢٠١١ م، ص: [١٩]\n(^٤) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني (ص ١٥).","vol":"1","page":223},{"text":"يقول ابن النديم، في كتابه \"الفهرست\": إن أكثر سكان ما وراء نهر الفرات كانوا يتبعون هذا المذهب، قبل الإسلام.\nويعرفهم البيروني في كتاب \"الهند\" بأنهم أصحاب البد، أي البوذيون، حيث كانت الديانة السائدة من حدود بلاد الشام في الموصل مرورًا بالعراق إلى دولة فارس حتى خراسان، وذلك قبل ظهور دعوة \"زرادشت\" إلى المجوسية التي انتشرت في تلك المنطقة وتراجعت السمنية إلى الشرق، حتى انتشار الإسلام في تلك البلاد في آسيا الصغرى، إلا أن البعض يرى أن السمنيّة مذهبٌ، سبق البوذية وكان مقدمة لها.\nويرى الباحث عبد الله نومسوك في كتابه البوذية أنها كانت منتشرة في فترة زمنية من التاريخ فيقول: \" انتشرت البوذية في فارس وخراسان وما جاورها قبل الفتح الإسلامي: فقد ثبت بالأدلة التاريخية أن الدعوة البوذية كانت نشطة في زمن قبل الإسلام في شرق البلاد الفارسية، وفي خراسان، وغيرها من بلاد آسيا الوسطى وقد أشار إلى ذلك ابن النديم (^١)، وكذلك البيروني، الذي تنبه إلى أن الفرقة المعروفة بالسمنية وهي البوذية كانت مزدهرة في خراسان، وفارس، والعراق، والموصل، إلى حدود الشام (^٢).\nوما زالت البوذية مزدهرة في هذه المناطق حتى في صدر الإسلام، بدليل ما ذكره «هيون سانغ، الرحالة الصيني المعروف في مذكراته أنه عندما دخل «بلخ» إحدى مدن خراسان (^٣) وجد الأديرة البوذية منتشرة فيها، وأنه عاش فترة طويلة مع الرهبان البوذيين في بلخ وغيرها من مدن خراسان، ونشر معهم تعاليم البوذية (^٤). (^٥)\nعقائدها: ذكر من عقائدهم:\n١ - قولهم بقدم العالم، كالدهرية.\n_________\n(^١) الفهرست (٤٨٤).\n(^٢) انظر: كتاب البيروني في تحقيق ما للهند (١٥).\n(^٣) كان إقليم خراسان أيام الخلافة الإسلامية ينقسم إلى أربعة أرباع، نسب كل ربع إلى إحدى المدن الأربعة الكبرى التي كانت في أوقات مختلفة عواصم للإقليم بصورة منفردة أو مجتمعة، وهذه المدن هي نيسابور، ومرو، وهراة، وبلخ. انظر: «بلدان الخلافة الشرقية: (٢١، ٤٢٤، ٤٦٢) وما بعدها.\n(^٤)  Buddhism in Middle Asia P. ٥٦، ٥٧»  وقد كانت رحلته كانت في فترة (٦٢٩ - ٦٤٥ م) وهي فترة صدر الإسلام، لأن الرسول ﷺ عاش في فترة (٥٧٠. ٦٣٢ م).\n(^٥) البوذية لعبد الله نومسوك ص ٣٩٦ - ٣٩٧","vol":"1","page":224},{"text":"٢ - وزادوا عليهم القول بتكافؤ الأدلة وإبطال النظر والاستدلال (^١).\n٣ - وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس، وأنه لا موجود إلا ما وقعت عليه الحواس (^٢). فهم يؤمنون بما تدركه الحواس الخمس فحسب، ولا يؤمنون بالغيبيات مهما كانت، والحواس بالنسبة إليهم تعطي الحقائق التي يمكن إدراكها ومعرفتها،\n٤ - وأنكروا وقوع العلم من الأخبار المتواترة (^٣).\n٥ - كما أنكروا الأعراض (^٤).\n٦ - وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت،\n٧ - ومنهم جماعة تؤمن بتناسخ الأرواح (^٥)، وأخرى تنكر ذلك. فقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة فأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان. ويقولون إن الأرض لا تزال تهوي سفلًا بمن عليها. (^٦)\n٨ - وكان فريق منهم يعبد الصنم (بوذا) (^٧)، وكتابهم المقدس (جورامين) (^٨). ولا تلتزم هذه الفرقة بطقوس تعبّد محددة، ولا يوجد لديها نصوص تستند إليها،\n٩ - ولا يدفنون موتاهم، بل يطرحون جثثهم في الماء الجاري، لظنهم أن البوذا أمرهم بذلك (^٩). ولقد شبههم بعض علماء السنة بالمجوس (^١٠).\n_________\n(^١) ومعنى ذلك: أنه لا يمكن عندهم نصر مذهب على مذهب، ولا تغليب مقالة على مقالة، بل دلائل كل مقالة مكافئة لدلائل سائر المقالات. انظر: الفصل الابن حزم (٥/ ٢٥٣)\n(^٢) الحور العين للحميري (ص ١٣٩).\n(^٣) انظر: أصول الدين، للبغدادي (ص ٣١٩ - ٣٢٠).\n(^٤) الحور العين للحميري (ص ١٣٩).\n(^٥) الكارما، في اللغة السنسكريتية تعني العمل، والهندوس يرون أن جميع أعمال البشر خيرًا كانت أو شرًا لابد من أن يجازي عليها بالثواب أو بالعقاب، ويكون الجزاء في هذه الحياة. أما التناسخ فهو القول بأن الروح بعد مفارقتها الجسد ترجع إلى العالم الأرضي، حيث تتقمص جسدا آخر لتثاب في الأرض أو تعاقب حسب ما قدمت من عمل في دورتها السابقة.\n(^٦) انظر: كتاب التوحيد للماتريدي (ص ١٥٢).\n(^٧) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني (ص ٩٣)\n(^٨) نفس المصدر (ص ١٢٢).\n(^٩) نفس المصدر (ص ٤٧٩).\n(^١٠) انظر ما نقله شيخ الإسلام عن الإمام محمد بن سلام البيكندي في التسعينية (١/ ٢٤٠). ولعل وجه الشبه بالمجوس أنهم ينكرون البعث والمعاد، والله أعلم.","vol":"1","page":225},{"text":"١٠ - وذكر أن لأتباع مذهب السمنية \"نبي\" اسمه بوداسف، ولكنه ليس محصورًا بشخص محدد، وإنما هو اسم مشتق من \"بوديساتوا\"، أي \"الكائن المستنير\" كما يصفه البوذيون، وهو الذي يتمتع بدرجة عالية من \"الرقي الروحي\"، ولكنه لم ينفصل عن الناس، بل بقي قريبًا وملاصقًا لهم، يعمل على تحريرهم من معاناتهم.\nقال أيوب بن أبي تميمة: «ما أعلم أحدًا من أهل الضلال أكذب على كتاب الله من السمنية»، ثم علق على هذا الكلام محمد بن سلام البيكندي قائلا: «وهو عندنا كما قال. لا أعلم أحدًا أجهل، ولا أحمق قولًا منهم. لا يتعلقون من كتاب الله بشيء، ولا يحتجون، إنما هو حب وبغض: من أحب دخل الجنة، ومن أبغض دخل النار» (^١).\nهذا أهم ما يعرف عن هذه الفرقة. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-30>تأثره بالسمنية:</span>\nإذا كان الجهم هو الذي أظهر مقالة التعطيل، فلا شك أنه تأثر كذلك بالسمنية،\n_________\n(^١) أخرج هذا الأثر وعلق عليه الإمام أبو عبد الله محمد بن سلام في كتابه: السنة والجماعة، وكتابه مفقود، وقد ذكر هذا الأثر والتعليق عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في: التسعينية (١/ ٢٣٩).\n(^٢) يقول الباحث ياسر قاضي: وهم معروفون بال (شمن) (Shamanism)،  ويظهر من دراسة عقائدهم أنهم تحولوا كثيرًا عبر العصور عن عقائدهم القديمة، حيث اهتمامهم الرئيس هو علاج الأمراض الطبية والنفسية بتعليم الحيوانات، ذلك لأنهم يعتقدون أن الحيوانات قادرة على الكلام، فيتكلمون معهم بطرق سحرية. وأظن أن الذي أداهم إلى هذا قول قدمائهم بتناسخ الأرواح، فيظنون أن روح الإنسان داخلة في هذا الحيوان الذي يخاطبونه.\nوعددهم قليل جدا، وهم موجودون في قبائل المغول، والهنود الحمر في أمريكا. والكتابات عنهم نادرة، ولكن أكاد أجزم بحسب ما اطلعت عليه أن هذه الديانة هي ما تبقى من (السمنية) القديمة، وذلك لأمور، منها:\n١) تشابه الاسمين (علما بأن بعض المصادر الإسلامية لقبتهم ب: الشمنية).\n٢) ولأن (الشمن) المعاصرين لا يؤمنون بوجود إله خالق الكون أصلا، وهذا أمر نادر جدا عند الديانات القديمة.\n٣) كما أن (الشمن) يذكرون أن أصولهم من بلاد آسيا، وهذا يتطابق مع أصل (السمنية)، إذ كانوا قوما من الهند.\n٤) ثم عاداتهم في تعليم الحيوانات فيها إشارة إلى عقائد (السمنية) كما أسلفت. والله تعالى أعلم. انظر عن (الشمن) المعاصرين: (الإنترنت).\nhttp:// deoxy.org/ shaover.htm","vol":"1","page":226},{"text":"وهم ينتمون إلى الأديان الوثنية فقال المصنف: \"وَأَخَذَهَا الْجَهْمُ أَيْضًا -فِيمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ -لَمَّا نَاظَرَ \"السمنية\" بَعْضَ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ-\" فهذا المشرب الثالث إنما جاء من طريق الجهم لما ناظر السمنية، فقد ذكر كثير من أهل العلم أن الجهم بن صفوان تناظر مع (السمنية)، وكان لهذه المناظرة أثر بالغ في انحرافه، فمن أجلها ترك الصلاة أربعين يوما، وشكك في وجود الله، ثم بعد ذلك أنكر العلو، والرؤية، وادعى أن الله في كل مكان.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>مناظرة الجهم بن صفوان للسمنية </span>(^١)\nحفظت لنا كتب العقائد تفاصيل هذه المناظرة، وأثرها على الجهم، حيث نقلها كثير من علماء السلف. وفيما يلي بعض ما نقل عنهم حول هذه المناظرة.\nقال ضمرة عن ابن شوذب: «ترك الجهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك، فخاصمه بعض السمنية، فشك فأقام أربعين يوما لا يصلي»، ثم قال ضمرة: وقد رآه ابن شوذب (^٢). وقال مروان بن معاوية الفزاري: «جهم مكث أربعين يوما لا يعرف ربه» (^٣)، وفي رواية عنه: «قبح الله جهما، حدثني ابن عم لي من أهل خراسان أن جهما شك في الله أربعين صباحا» (^٤). وعن يزيد بن هارون قال: «لعن الله الجهم ومن قال بقوله، كان كافرًا جاحدًا ترك الصلاة أربعين يوما يزعم أنه يرتاد دينًا، وذلك أنه شك في الإسلام». ثم قال يزيد: «قتله سلم بن أحوز على هذا القول» (^٥). وقال أبو حاتم الرازي: «افترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة … منهم الجهمية، وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف. وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية، وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا شككوه في دينه وفي ربه، حتى ترك الصلاة أربعين يوما لا يصلي،\n_________\n(^١) المصدر: كتاب مقالات الجهم بن صفوان وأثرها على الفرق الإسلامية ١/ ٨٦ - ٩٤.\n(^٢) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ١١)، والسنة للخلال (٥/ ٨٣)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٠)، ومسائل أحمد، لأبي داود (ص ٢٩٩) وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (٥/ ٩٢١).\n(^٣) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٢٠).\n(^٤) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص ١٧٤ و٢٧٦)، والسنة للخلال (٥/ ٨٧)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٣).\n(^٥) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص ١٦٧)، والرد على الجهمية لابن بطة (٢/ ٩٤)، والكتاب اللطيف لابن شاهين (ص ٨٨).","vol":"1","page":227},{"text":"فقال: لا أصلي لمن لا أعرف، ثم اشتق هذا الكلام» (^١).\nوروى أحمد بن حنبل عن علي بن عاصم أنه قال: «ذهبت إلى محمد بن سوقة، فقال: ههنا رجل قد بلغني أنه لم يصل، فمررت معه إليه، فقال: يا جهم، ما هذا؟ بلغني أنك لا تصلي.\nقال: نعم. قال: مذ كم؟ قال: من تسعة وثلاثين يوما، واليوم أربعين. قال: فلم لا تصلي؟ قال: حتى يتبين لي لمن أصلي. قال: فجهد به ابن سوقة أن يرجع، أو أن يتوب، أو يقلع، فلم يفعل. فذهب إلى الوالي، فأخذه فضرب عنقه وصلبه» (^٢).\nوقال الملطي: «وإنما سموا جهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية -صنف من العجم بناحية خراسان. وكانوا شككوه في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يوما، وقال: لا أصلي لمن لا أعرفه، ثم اشتق هذا الكلام، وبنى عليه من بعده» (^٣). وقال الصفدي: «ترك الصلاة أربعين يوما فأنكر عليه الوالي فقال: إذا ثبت عندي من أعبده صليت له، فضرب عنقه» (^٤).\nونقل اللالكائي من كتاب ابن أبي حاتم عن أبي معاذ خلف بن سليمان البلخي أنه قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان رجلًا كوفي الأصل، فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم. كان تكلم كلام المتكلمين، وكلمه السمنية، فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده. فدخل البيت لا يخرج كذا وكذا (وفي رواية: قال لهم: أجلوني، فأجلوه) ثم خرج عليهم بعد أيام، فقال: هو هذا الهواء، مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء. ثم قال: أبو معاذ: كذب عدو الله، إن الله في السماء على عرشه وكما وصف نفسه» (^٥). وقال محمد بن سلام البيكندي في كتابه السنة والجماعة: «وكان جهم -فيما بلغنا-لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانًا منكرًا، فكان يجادل ويقول برأيه. يجادل السمنية، وهم شبه المجوس، يعتقدون الأصنام، فكلمهم، فأحرجوه حتى ترك الصلاة أربعين يوما، لا يعرف ربه. وكلامهم يدعو إلى الزندقة، وكلامهم وصفناه لغير واحد من أهل الفقه والبصر، فمالوا آخر أمرهم إلى الزندقة، والرجل إذا رسخ في كلامهم ترك الصلاة\n_________\n(^١) كتاب الإبانة لابن بطة كتاب الإيمان (١/ ٣٨١).\n(^٢) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ١٢١ - ١٩١ هـ، ص ٦٧).\n(^٣) التنبيه والرد (ص ٩٦).\n(^٤) الوافي بالوفيات (١١/ ١٦٠ - ١٦١).\n(^٥) شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٢٤).","vol":"1","page":228},{"text":"واتبع الشهوات (^١).\nوقد ذكر الإمام أحمد وغيره تفاصيل هذه المناظرة، حيث قال: «وكان مما علمنا من أمر عدو الله جهم أنه كان من أهل خرسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى. فلقي ناسًا من المشركين يقال لهم السمنية، فعرفوا الجهم، فقالوا له: «نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك».\nفكان مما كلموا به جهما أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال جهم: نعم.\nفقالوا له: هل رأيت إلهك؟\nقال: لا.\nقالوا: فهل سمعت كلامه؟\nقال: لا.\nقالوا: فشممت له رائحة؟\nقال: لا.\nقالوا: فوجدت له حسًا؟\nقال: لا.\nقالوا: فوجدت له مجسًا؟\nقال: لا.\nقالوا: فما يدريك أنه إله؟\nقال: فتحير جهم، فلم يدر من يعبد أربعين يوما، ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى تزعم أن الروح التي في عيسى ﵇ هي روح الله من ذاته، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، فدخل في جسد عيسي، فتكلم على لسان عيسي، وهو روح غائب عن الأبصار.\nفاستدرك جهم من هذه الحجة، فقال للسمنية: ألستم تزعمون أن في أجسادكم أرواحًا؟\nقالوا: نعم.\nقال: هل رأيتم أرواحكم؟\n_________\n(^١) ذكر هذا الكلام شيخ الإسلام في التسعينية (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":229},{"text":"قالوا: لا.\nقال: أفسمعتم كلامها؟\nقالوا: لا.\nقال: فوجدتم لها حسًا؟\nقالوا: لا.\nقال جهم: فكذلك الله ﷿، لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهو في كل مكان.\nوفي رواية أخرى: لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار) ولا يكون في مكان دون مكان.\nووجد ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ من المتشابه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣). فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية، وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ، وتأول كتاب الله على تأويله، فاتبعه من أهل البصرة من أصحاب عمرو بن عبيد، وأناس من أصحاب أبي حنيفة فأضل بكلامه خلقًا كثيرًا» انتهى كلامه ﵀ (^١).\nوقيل: إن جهما تحير في إجابة السمنية، فأرسل إلى واصل بن عطاء يستنجده، فأجابه واصل بحجج عقلية، إلا أن تفاصيل هذه القصة مخالفة تماما مع ما في جميع المصادر الأخرى، والظاهر أنه من مخترعات المعتزلة (^٢).\n_________\n(^١) الرد على الجهمية للإمام أحمد، (ص ١٠٢ - ١٠٤)، ورواه ابن بطة في الإبانة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.\n(^٢) ذكر القاضي عبد الجبار هذه القصة بتفاصيلها، فقال: \"وذكر أبو الحسن بن فرذويه أن قوما من السمنية أتوا جهم بن صفوان فقالوا له: هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة؟ قال: لا. قالوا: فحدثنا عن معبودك الذي تعبده أشيء وجدته في هذه المشاعر؟ قال: لا. قالوا: فإذا كان المعروف لا يخرج عن ذلك، وليس معبودك منها، فقد دخل في المجهول. قال: فسكت جهم، وكتب إلى واصل، فكتب إليه واصل: قد كان يجب أن تشترط وجهة سادسة، وهو الدليل، فتقول: إن المعروف لا يخرج عن المشاعر الخمسة وعن الدليل، فلما لم تشترط ذلك، شككت وكفرت …» إلخ القصة، وفيه أن السمنية قصدوا واصلا وناظروا معه، ثم أسلموا. راجع: «فضل الاعتزال» و«طبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار (ص ١٦٥ و٢٤٠)، و«المنية والأمل» لابن المرتضى (ص ١٩).","vol":"1","page":230},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه المناظرة: «فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مبدأ حال جهم إمام هؤلاء المتكلمين النفاة يبين ما ذكرته فإنه لما ناظر من ناظره من المشركين السمنية من الهند، وجحدوا الإله، لكون الجهم لم يدركهـ شيء من حواسه، لا ببصره، ولا بسمعه، ولا بشمه، ولا بذوقه، ولا بحسه، كان مضمون هذا الكلام أن كل ما لا يحسه الإنسان بحواسه الخمس، فإنه ينكره ولا يقر به، فأجابهم الجهم: أنه قد يكون في الموجود ما لا يمكن إحساسه بشيء من هذه الحواس، وهي الروح التي في العبد، وزعم أنها لا تختص بشيء من الأمكنة، وهذا الذي قاله هو قول الصابئة الفلاسفة المشائين (^١).\nوقال أيضا: «فكان حق الجهم أن يقول لهم: إن أردتم أني لا بد أن أحس بإلهي فلا يجب عندكم أن ينكر الإنسان ما لم يحسه هو. وإن أردتم أنه لا بد أن يمكن أن يحس به فإلهي يمكن أن يرى وأن يسمع كلامه. وإن أردتم أنه لا بد أن يكون قد عرفه بالحس بعض الآدميين، فهذا -مع أنه غير واجب -فقد سمع كلامه من سمعه من الرسل، وهو أحد الحواس، وقد رآه بعضهم أيضا عند كثير من أهل الإثبات قالوا: وكان يقول لهم: أتريدون أنه لا بد أن يحسه هذا الحس الظاهر، أم يكفي إحساس الباطن إياه وشهوده إياه؟ الأول منقوض بأحوالنا الباطنية، الجسمانية والنفسية، وأما الثاني فمسلم، وقد شهدته بعض القلوب. فعدل عن ذلك، وادعي وجود موجود لا يمكن إحساسه، وهو الروح، وهذا هو قول المتفلسفة المشائين … إلخ. (^٢)\nوهذه الشبهة تقوم على النظرة الفلسفية، وهي أن الإيمان فقط ينحصر في المحسوس المشاهد، وأنه لا قيمة لشيء بعد ذلك، وأنه لا يمكن أن نؤمن بشيء خارج هذه الحواس. فالمبدأ الفلسفي يقوم على ركيزتين\nالأولى: أن مصدر العلم هو عقل الإنسان،\nوالثانية: وأن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد.\nورد هذه الشبهة بسيط، فالإيمان لا يتوقف على المحسوسات، فالإنسان يؤمن بكثير من الأشياء وهو لا يحسها ولا يشاهدها، فالإيمان لا يتوقف على المحسوس والمشاهد. لكن الجهم لما قال له هؤلاء هذه الشبه تأثر بها حتى إنه بقي أربعين يومًا لا يصلي.\n_________\n(^١) التسعينية (١/ ٢٤٧).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٢٠)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":231},{"text":"فبعد ذلك خرج يدعو إلى نفي الصفات، وجعل وجود الله تعالى وجودًا ذهنيًا، فاكتسب هذا من السمنية، واقرأ هذا في كلام الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية.\nفعرَّف المصنف السمنية بأنهم: \"وَهُمْ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنْ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ\" وهذا مبدأ مشترك بين فلاسفة الهند، وفلاسفة اليونان، وفلاسفة الدنيا كلها إلى يومنا هذا، وسياسيات التعليم والتربية في يومنا هذا تعتمد على هذه المبادئ، ومن أجل ذلك جعلوا العلوم محصورة في العلوم الطبيعية، والعلوم الرياضية دون العلوم الدينية التي تعتمد على الغيب، وعلى الوحي، وعلى النصوص.","vol":"1","page":232},{"text":"(٤٣) \"فَهَذِهِ أَسَانِيدُ جَهْمٍ تَرْجِعُ إلَى الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَلَاسِفَةُ الضَّالُّونَ هُمْ إمَّا مِنْ الصَّابِئِينَ وَإِمَّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ\"\n<hr><s0>\n\nأي أن أسانيدهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة وهي إما أن ترجع إلى فلسفة تعود في جذورها إلى الفلسفة اليونانية، وهذه فلسفة بعد أرسطو هي فلسفة إلحادية لا تؤمن بإله، ولا تؤمن برب ولا بمعبود.\nوإما فلسفة هندية تعود إلى أصول وثنية، وإلى يومنا هذا تعرف عند الهنود، وعند البوذيين هذه الفلسفات، وأيضًا لا يزال مسمى السمنية عندهم إلى يومنا هذا معروف عند تلك الديانات الوثنية، كالهندوسية، والبوذية، والكمفوشية، وغيرها وإذا سألتم الهنادكة وغيرهم تجدون عندهم هذا الفكر، وهم يعرفون السمنية، فهذا من حيث المشرب في أوله.\nوقال ابن تيمية: \" وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن مبدأ التجهم في هذه الأمة كان أصله من المشركين ومبدلة الصابئين من الهند واليونان وكان من مبدلة أهل الكتاب من اليهود وأن الجعد بن دهم ثم الجهم بن صفوان ومن اتبعهما أخذوا ذلك عنهم\" (^١)\nوهذا الذي قرره المصنف ذكره الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات حيث قال: \"وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات\nالحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله ﷿ التي يوصف بها لنفسه، وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية","vol":"1","page":233},{"text":"صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للبارئ علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما \"كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.\nوقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن البارئ سبحانه عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة\" (^١)\nوقال في الإبانة عن أصول الديانة (^٢) \"فصل\nوزعمت الجهمية أن الله تعالى لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم، قادر، حي، سميع، بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا سميع، ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت إن الله عالم، قادر، حي، سميع، بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم، والقدرة، والسمع، والبصر. \"\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين ٢/ ١٧٦ - ١٧٧\n(^٢) / ١٤٣","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>المسألة الخامسة: زمن اشتهار المقالة.</span>\n(٤٤) \"ثم لَمَّا عُرّبت الكتب الرومية في حدود المائة الثالثة زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.\nولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته،\n<hr><s0>\n\nوبعد مقتل الجهم بن صفوان على يد سلم بن أحوز، قام لهذه المقالة أحمد بن أبي داؤد (٢٤٠ هـ) وبشر المريسي (٢١٨ هـ) فملآ الدنيا محنة والقلوب فتنة دهرًا طويلًا.\n(فما إن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون (١٩٨ هـ -٢١٨ هـ)، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل. فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه، فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها) (^١)\nقال ابن تيمية: (الجهمية لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق، لكن قوى أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه. ثم لما تولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء، ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب وهو بالثغر بطرسوس إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابًا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد؛ ثم كتب كتابًا ثانيًا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه، فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٧٢.","vol":"1","page":235},{"text":"منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه؛ وكان هذا سنة ثماني عشر ومائتين.) (^١)\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن تلك الحقبة الزمنية وما قبلها وما بعدها: (وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوى كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي (١٥٨ - ١٦٩ هـ) والرشيد (١٧٠ - ١٩٤ هـ) ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين. كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا الله، والرشيد كان كثير الغزو والحج.\nوذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم النبي ﷺ حيث قال: «الفتنة ها هنا»؛ ظهر حينئذ كثير من البدع، وعربت أيضًا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم من المجوس الفرس، والصابئين الروم، والمشركين الهنود، وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانًا وعدلًا وجودًا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك.\nوفي دولة «أبي العباس المأمون» ظهر «الخرمية» ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.\nفلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوى ما قوى من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة. وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلًا وعدلًا، وإنما هو جهل وظلم، إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل، فتولد من ذلك محنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى، مما يطول وصفه) (^٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين فظهرت\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٨٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٠، ٢١.","vol":"1","page":236},{"text":"الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه\" (^١)\nقال ابن تيمية: \"وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقبلها وبعدها اجتلبت كتب اليونان وغيرهم من الروم من بلاد النصارى وعربت وانتشر مذهب مبدلة الصابئة مثل أرسطو وذويه، ظهر في ذلك الزمان الخرمية، وهم أول القرامطة الباطنية الذين كانوا في الباطن يأخذون بعض دين الصابئين المبدلين، وبعض دين المجوس، كما أخذوا عن هؤلاء كلامهم في العقل والنفس، وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور والظلمة، وكسوا ذلك عبارات وتصرفوا فيه وأخرجوه إلى المسلمين، وكان من القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان، وهم كانوا يميلون كثيرا إلى طريقة الصابئة المبدلين، وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا، وذكر ابن سينا أن أباه كان من أهل دعوتهم من أهل دعوة المصريين منهم، وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر وغلبوا عليها، قال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة لكونهم كانوا يرونها، وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر، وظهر بذلك تصديق ما أخبر به النبي ﷺ كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\" قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى\" قال فمن\"، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع\" فقيل يا رسول الله كفارس والروم قال: \"فمن الناس إلا أولئك\" ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى.\nوالنبوة كل ما ظهر نورها انطفت البدع، وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورا فكان إنما يظهر من البدع ما كان أخف من غيره، كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والتشيع، ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة، ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية، ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم.\nوكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية","vol":"1","page":237},{"text":"الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان، مع ما أظهروه من التشيع، وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا، كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه\" (^١).\nوقال: \"وهؤلاء الصابئة المبدلون ومن بدل دينه من اليهود والنصارى وسائر المشركين هم (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) هم من الذين اختلفوا من بعد ما كانوا أمة واحدة كما قال تعالى (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) ولهذا يوجد في هؤلاء الصابئة المتفلسفة وغيرهم من الاختلاف والافتراق في أصول الدين أعظم مما يوجد بين اليهود والنصارى لأن أهل الكتاب أقرب إلى الهدى من الصابئين فمبتدعتهم دون مبتدعة الصابئين والتفرق والاختلاف في الصابئين أكثر ولهذا فيهم من عبادة الأصنام والكواكب والشرك مالا يوجد منه في أهل الكتابين وإن كان قد وجد فيهم من الشرك ما وجد فهو في أولئك أعظم وهؤلاء وأمثالهم هم الذين بدلوا وغيروا ما فطر الله تعالى عليه عباده وأرسل به رسله وصار فيهم من الاستكبار وطلب العلو ودعوى التحقيق في العلوم والمعارف وعلو الهمة في الأعمال ما هم في الحقيقة متصفون عنده كما قال تعالى فيهم (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) وقال تعالى وتقدس (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) وقال تعالى (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) وبالجملة فهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل وسائر الملل وخطاب القرآن لهم كثير جدا فإنهم أئمة لأتباعهم وهم من السادة والكبراء الذين قال الله تعالى في أتباعهم (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا أنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) وكان فرعون موسى من أكابر\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٨.","vol":"1","page":238},{"text":"ملوك هؤلاء وقد ذكر الله تعالى في قصته في القرآن ما فيه عبرة وكذلك مشركو قريش الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا كان فيهم الشبه بهؤلاء أن يكونوا أئمة من كفر بعدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح \"الناس تبع لقريش في هذا الشأن مؤمنهم تبع لمؤمنهم وكافرهم تبع لكافرهم\" وكان في أئمة الكفر الوحيد الذي قال الله تعالى (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) إلى قوله تعالى (إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر) فاستعمل نظر أهل المنطق من التفكير الذي يطلب به الحد الأوسط ثم التقدير الذي هو القياس الذي ينتقل فيه من الحد الأوسط إلى المطلوب وكذب بكون القرآن كلام الله تعالى وجعله كلام البشر وهذا في الحقيقة قول هؤلاء المتفلسفة كما قد بيناه في غير هذا الكتاب\" (^١)\nقال الذهبي: (لما تولى المأمون الخلافة على رأس المائتين، نجم التشيع وأبدى صفحته. (وكان المأمون شيعيًا) (^٢)\nوبزغ فجر الكلام، وعربت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، وقد كانت الأمة منه في عافية، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه فامتحن العلماء فلا حول ولا قوة إلا بالله. إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف، وتُقَدَّم عقول الفلاسفة، ويُعْزَلَ منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة. فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) (^٣)\nفالمأمون أول من أعلن بدعة القول بخلق القرآن من السلاطين ودعا إليها بقوة السلطان، (وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة ومائتين فأنكر الناس ذلك واضطربوا ولم ينل مقصوده ففتر إلى وقت) (^٤) (ولكنه لم يرجع عن قوله وصمم على امتحان العلماء في سنة ثمان عشرة وشدد عليهم فأخذه الله.) (^٥)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولابد أن يقابله\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٩٤٨٣.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨١.\n(^٣) تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٨.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨١.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨٣، فوات الوفيات ٢/ ٢٣٨.","vol":"1","page":239},{"text":"على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها) (^١)\nقال السيوطي: (أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملة الإسلام وأحضرها من جزيرة قبرص المأمون.) (^٢)\nقال ابن تيمية: \"فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثَّانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب ما أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور، وجرت المحنة المشهورة\" (^٣)\nوفي هذه المرحلة قويت شوكت التعطيل واتسعت دائرته ونشط دعاته وكثرت طوائفه. فبعد أن كان خصوم أهل السنة هم الجهمية فقط، ظهر المعتزلة الذين حملوا راية التعطيل ووجهوا دفته، ودخلوا فيه بقوة هيأها لهم المأمون ومن بعده المعتصم ثم الواثق. وشايعهم على ذلك العديد من الفرق الضالة، فجمعت المعتزلة من ذلك الوقت بين بليتين «بلية نفي الصفات» و«بلية نفي القدر». وفي هذه المرحلة ظهر القرامطة، وبدؤوا يظهرون قولهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت «محنة الإمام أحمد» سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول ﷺ وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل؛ طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين.) (^٤)\nوفي هذه المرحلة أيضًا ظهرت «الصفاتية» وهم وإن كانوا من أقرب المتكلمين إلى السنة إلا أنهم خالفوا قول أهل السنة بنفيهم للصفات الاختيارية، وعلى رأس أولئك عبد الله بن سعيد بن كلاب (٢٣٤ هـ) والحارث بن أسد المحاسبي (ت ٢٣٤) وأبو العباس القلانسي وغيرهم، ومنذ ذلك الحين اتسعت دائرة التعطيل وعظم خطره وكثر خصوم السنة.\nوهكذا الشأن إذا مكن لأهل البدع وكان لهم الدولة والسلطة، فإذا مُكِّن لهم بدولة وسلطة رأيت العجب العجاب. وهكذا الرافضة لم يكن لهم دولة حتى كان لهم من الجانب الإسماعيلي،\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية ١/ ٩.\n(^٢) الوسائل إلى مسامرة الأوائل ص ١١٨.\n(^٣) التسعينية ١/ ٢٩٥\n(^٤) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٥٨.","vol":"1","page":240},{"text":"دولة الفاطميين فبدأت لهم دولة، ومن الجانب الاثنا عشري الجعفري الإمامي ظهرت الدولة البويهية فكان لها دور، ثم الدور الأظهر للدولة الصفوية، وكذلك حتى الأشاعرة أصبح لهم دولة لما قام ابن تومرت (^١) وأسَّس دولة الموحدين، فبدأ يُنْشَاأُ لهم دولة، فهكذا الفكر إذا وجد له دولة أصبح له شر وخطر عظيم، إذا كان فكرًا منحرفًا عن الحق، فلما ظهر لهم دولة أصبحت لهم شوكة، وأصبحوا بعد ذلك يُكرِهون الناس كَرْهًا على أقوالهم ومقالاتهم.\nومن هنا نعرف مكانة أهل السنة وكيف أنهم أعرف الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق، فما ألزموا الناس إلزامًا بهذه القوة والإكراه مع أنهم يجتهدون في دعوة الناس وقيام الحق لهم، ولكن ليس بالقوة التي فعلها هؤلاء بحيث يأخذون من السلطان أمرًا، بأن من لم يقل بهذه المقالة كما فعل هؤلاء في عهد المأمون يعزل من منصبه، وبعد ذلك يطرد كما فعل وامتحن القضاة، وامتحن العلماء، وامتحن الأئمة في هذا امتحانًا عظيمًا، وهو ما يعرف بمحنة الإمام أحمد ابن حنبل أو فتنة القول بخلق القرآن، واقرأ هذا تعرف كيف أن هؤلاء المعتزلة والجهمية لما مكن لهم فعلوا الأفاعيل، وفتنة القول بخلق القرآن ليست فقط عند المعتزلة، وإنما تبناها كذلك الجهمية، وتبناها كذلك المرجئة، فهناك مشارب مختلفة اجتمعت على هذا، وامتحنت أهل السنة في ذلك.\nفبدأ بعد ذلك شيخ الإسلام يريد أن يبين زمن انتشار المقالة، لأن لها زمن ظهور، وزمن انتشار، فزمن الظهور بدأ مع الجهم، وزمن الانتشار بدأ في عهد المأمون، وفي هذه المرحلة أخذت هذه المقالة أبعادًا متعددة تمثلت في الأمور التالية:\n_________\n(^١) المهدي بن تومرت (٥٢٤ هـ) صاحب دولة الموحدين واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة، ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ونشر دعوته بين أناس من البربر وغيرهم من الجهال الذي لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم بعض شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعًا من المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين، وادعى أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ. وعظم اعتقاد أتباعه فيه، واستحلوا بسبب ما علمهم من المعتقد الأشعري والفلسفي دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا على معتقد أهل السنة واتهموهم زورًا وبهتانًا أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة.\nفكان ابن تومرت هو السبب في إدخال العقيدة الأشعرية في بلاد المغرب التي كانت قبل ذلك سنية سلفية فحسبنا الله ونعم الوكيل.","vol":"1","page":241},{"text":"الأمر الأول: تدخل بعض خلفاء الدولة العباسية فيها بانتصارهم لخصوم أهل السنة والجماعة من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.\nقال ابن تيمية: \"فَلَمَّا ظَهَرَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة أَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مَقَالَتَهُمْ وَرَدُّوهَا وَقَابَلُوهَا بِمَا تَسْتَحِقُّ مِنْ الْإِنْكَارِ الشَّرْعِيِّ وَكَانَتْ خَفِيَّةً إلَى أَنْ ظَهَرَتْ وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ الْجَهْمِيَّة فِي أَوَاخِرِ \" الْمِائَةِ الْأُولَى \" وَأَوَائِلِ \" الثَّانِيَةِ \" فِي دَوْلَةِ أَوْلَادِ الرَّشِيدِ \"فَامْتَحَنُوا النَّاسَ الْمِحْنَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي دَعَوْا النَّاسَ فِيهَا إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَلَوَازِمِ ذَلِكَ: مِثْلَ إنْكَارِ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْرَاضِ؛ فَلَوْ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ لَقَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ فَيَلْزَمُ التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ. \" (^١)\nالأمر الثاني: تشعب وتوسع رقعة الخلاف في هذه المسائل حيث أصبح هناك ثلاثة أقوال رئيسة في هذه المسألة:\nالقول الأول: أهل السنة والجماعة.\nالقول الثاني: المشبهة.\nالقول الثالث: المعطلة.\nقال ابن تيمية واصفًا توسع رقعة الخلاف في هذه المسائل: \"وَحَدَثَ مَعَ الْجَهْمِيَّة قَوْمٌ شَبَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ؛ فَجَعَلُوا صِفَاتِهِ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَأَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةِ وَعَلَى الْمُشَبِّهَةِ الْمُمَثِّلَةِ\" (^٢)\nوقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين\nالفريق الأول المعتزلة ومن وافقهم.\nوالفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم\nفقال: \"وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.\nقَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٣٥\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١٣٥","vol":"1","page":242},{"text":"الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.\nوَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.\nفَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.\nوَأَمَّا \"السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ\" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ\" (^١)\nويلاحظ أن كلا الفريقين استعمل لفظ (الجسم) إما إثباتًا وإما نفيًا، هناك فرق بين التشبيه والتجسيم:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.\nفإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.\nوقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦","vol":"1","page":243},{"text":"والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.\nفإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.\nفمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.\nوذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.\nوإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.\nإذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.\nولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.\nلكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على","vol":"1","page":244},{"text":"أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.\nوقال: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:\nصنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.\nوصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.\nوصنف ثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.\nوصنف رابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (^١).\nوقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين:\nالفريق الأول: المعتزلة ومن وافقهم.\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.","vol":"1","page":245},{"text":"والفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم\nفقال: \"وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.\nقَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.\nوَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.\nفَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.\nوَأَمَّا \"السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ\" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ\" (^١)\nوعليه فإن الخلاف مع المعطلة لم يكن مع صنف واحد وإنما هو مع أصناف وطوائف ولكل واحد من هؤلاء قوله الذي يتميز به مع أن السلف في ذلك الحين يطلقون عليهم اسم \"الجهمية\" والمقام هنا يستدعي أن نعطي نبذة سريعة عن الجهمية فنقول:\nكلمة الجهم أو مصطلح الجهمية: يطلق عند العلماء ويراد به أحد الأمرين:\nالأمر الأول: الإطلاق الخاص فالمقصود به: الجهمية الفرقة بعينها أي أتباع الجهم بن صفوان.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦","vol":"1","page":246},{"text":"الأمر الثاني: أو الإطلاق العام والمقصود به: الجهمية المقالة ويشمل ذلك مع الجهمية غيرهم من الفرق الذين شاركوا الجهمية في مقالة تعطيل الصفات كالمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم.\nقال ابن تيمية: \"الجهمية على ثلاث درجات:\nفشرها الغالية: الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى، قالوا: هو مجاز فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا تكلم ولا يتكلم، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم كما ذكره الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية:\nقال: فعند ذلك تبيّن للناس أنهم لا يثبتون شيئًا، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق.\nفقلنا: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق، هو مجهول لا يعرف بصفة؟\nقالوا: نعم. قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا، إنَّما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.\nفقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى.\nقالوا: لم يتكلم ولا يتكلم، لأنَّ الكلام لا يكون إلّا بجارحة والجوارح عن الله منتفية، وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد النَّاس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنَّما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر.\nوقال أبو الحسن الأشعري في كتاب \"الإبانة\" باب الرد على الزنادقة الجهمية، في نفيهم علم الله وقدرته، قال الله ﷿: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال ﷾: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ وذكر تعالى القوة، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾.\nوزعمت الجهمية والقدرية أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهار نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا: لا علم ولا قدرة لله، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم.","vol":"1","page":247},{"text":"قال: وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأنَّ الزنادقة قال كثير منهم: ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فاتت بمعناه، وقالت: إن الله ﷿ عالم قادر حي سميع بصير من طريق التّسمية، من غير أن تثبت له علمًا أو قدرة أو سمعًا أو بصرًا.\nوكذلك قال في كتاب \"المقالات\": الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا: إن الله -جل ثناؤه وتقدست أسماؤه-لا صفات له، وإنه لا علم له، ولا قدرة له، ولا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا عزة له، ولا جلال له، ولا عظمة له، ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه.\n\"قال\": وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل، ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قدير، وعبروا عنه بأنَّ قالوا نقول: عين لم يزل، ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات، لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه فنفوا أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر، ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.\n\"قال\": وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي، كان ينتحل قولهم، فزعم أن الباري عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة.\nوهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة الفلاسفة.\nوالدرجة الثَّانية من التجهم: هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، لكن ينفون صفاته، وهم -أيضًا-لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.\nوأمَّا الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من","vol":"1","page":248},{"text":"أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات وأعظم من منازعتهم سائر أهل الإثبات فيما ينفون.\nوأمَّا \"المتأخرون\" فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر النَّاس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. \" (^١)\nوعليه يعلم أن لفظ الجهمية يطلق أحيانًا على وجه أخصّ، وأحيانًا يطلق على وجه أعمّ، فمثلًا ابن كثير يكتب في الرد على الجهمية، وهو لا يعني الفرقة بعينها أتباع الجهم، وإنما يريد كذلك المعتزلة، ويريد كذلك الكلابية، وأحيانًا يريد معهم الأشاعرة، والماتريدية.\nفإذًا مصطلح الجهمية أحيانًا يراد به الغالية منهم وهم أتباع الجهم، وأحيانًا يدخل فيه المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، فالجهم تلميذ للجعد كما تقدم، أخذ عنه المقالة ولما عرف مصير الجهم فرَّ وهرب، والتحق بخرسان عند الحارث بن سريح لأنه كان خارجًا على بني أمية، وجعله الحارث هو الناطق بدعوته الذي كان يأتي لمجالس الناس ومساجدهم ويدعو إلى الخروج.\nواستطاع بذلك أن ينشئ له فرقة، وتمكَّن بذلك أن تكون له مهلة من الوقت استطاع بها أن يكون له أتباع، مع أن هشام بن عبد الملك أصدر أمرًا بقتله، لكن تأخر هذا الأمر إلى قرب نهاية دولة بني أمية، وذلك عام مائة وثمانية وعشرين من الهجرة حتى نُفِّذ هذا الأمر بعد القضاء على فتنة الحارث بن سريح. فانتهى الجهم، وكان آخر أمره القتل، لكن مقالته بعد ذلك استمرت بتلاميذه.\nوالمعتزلة كانوا في ذلك معاصرين للجهم، لكن ما كان المعتزلة كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد يقولون بمقالة نفي الصفات فمقالة نفي الصفات دخلت على\n_________\n(^١) التسعينية ١/ ٢٦٤ - ٢٧٩","vol":"1","page":249},{"text":"المعتزلة بعد ذلك، أما واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، فهؤلاء رؤوس المعتزلة الذين أسَّسوا الاعتزال، فهؤلاء كانوا يعرفون بمقالة القدر، القدرية وكانوا يعرفون كذلك بمسألة مرتكب الكبيرة، وكان لهم أقوال في شأن الصحابة مثل قول واصل بن عطاء: \"لو أن الفريقين علي ومعاوية جاءوا يشهدون عندي على حزمة بقل لرددت شهادة الاثنين\" (^١) فكان ينظر إليهم هذه النظرة، وموقفهم من الصحابة مذكور ومحفوظ.\nفالاعتزال بعد ذلك تطوَّر، فأصبح له عدة مشارب يأخذ منها، فأخذ من القدرية وأخذ من الخوارج، وأخذ من الرافضة، وأخذ من الجهمية، وأصبح يجمع أفكارًا متعددة كما ترى اليوم في بعض الجماعات، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، فتجد في المعتزلة أقوال الخوارج، وتجد فيهم أقوال الروافض، وتجد فيهم أقوال القدرية، وتجد فيهم أقوال الجهمية.\nمع أنه لم يكن أوائل المعتزلة يعرفون هذه المقالة أو يقولون بها، وإنما الأمر دخل بعد ذلك بواسطة تلاميذ هؤلاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية أن أوائل المعتزلة \"أوائل المعتزلة لم يكونوا يقولون بنفي الصفات\".\nفالجهمية هم أول من تبنى هذه المقالة إلى أن تلقَّفها عنهم المعتزلة، فكان هذا الأمر موجودًا حتى بعد مقتل الجهم، فمثلًا بشر بن غياث المريسي الذي يرد عليه الدارمي وغيره، ما كان معتزليًا، وإنما كان جهميًا، لأنه في مسائل الإيمان ليس مع المعتزلة وإنما هو مع المرجئة، فبالتالي الذين كانوا في فتنة القول بخلق القرآن ليس هم المعتزلة وحدهم، وإنما هو جمعٌ من أهل البدع، منهم المعتزلة، ومنهم النجارية، ومنهم الجهمية، ومنهم المرجئة، كل هؤلاء تألُّبوا على أهل السنة، ومنهم حتى الخوارج، لأن الخوارج إلى يومنا هذا يحمِلون شيئًا من هذه الأفكار كالإباضية.\nفالإباضية أفكارهم المذهبية هي نفس وعين أفكار المعتزلة، يتفقون معهم في قضايا نفي الصفات، فاتفقوا في ذلك جميعًا على أهل السنة، فالمسألة ليست مقتصرة على المعتزلة. والشاهد أن الجهمية لهم وجود حتى بعد مقتل الجهم، ولهم كيان، ولم يكن أوائل المعتزلة في ذلك العهد وذلك الحين قد تلقَّفوا أقوال الجهم\n_________\n(^١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٥١).","vol":"1","page":250},{"text":"وإن كان كما هو معروف أن في تاريخ المقالات، أنَّ المقالة قد تتبناها فرقة بعينها، ثم بسبب ذلك تتلاشى الفرقة الأولى التي أحدثتها ثم بعد ذلك تنشأ فرقة أخرى تتبنى تلك المقالة، كما في مقالة القدرية.\nفالقدرية الأوائل لم يكونوا معتزلة، إلى أن جاء المعتزلة وتبنُّوا فكرة القدر وحملوها، بعد ذلك تلاشى ما يسمى بالقدرية، واشتهر بعد ذلك أن القدرية هم المعتزلة، هذا معروف لمن درس في تاريخ المقالات والفرق، ولهذا الجانب أهميته ولابد أن يعتني به لأنه يعطي الصورة العامة لوقائع الأمور، فالانشغال بجزئيات المسائل لا يغني عن أخذ تصوُّر عام عن المسألة وعن نشأتها وعن تاريخها ونشأتها وتطورها، ولماذا جاء الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، كل هذا لابد أن يفهم تاريخياًّ كما يفهم في جانب الاعتقاد، فجانب تاريخ الفرق ونشأت المقالات أمر لا يستهان به؛ لأنه يضع في الذهن التصور العام عن مجمل القضية، وإن كان لا يغني عن معرفة تفاصيل المسائل، فلابد من معرفة تاريخ المعتزلة، وتاريخ الكلابية، وتاريخ الأشاعرة، وتاريخ الماتريدية، فكل هذه المسائل ينبغي أن يتم الوقوف عندها لأنها مهمة، وتعطي تصوُّرًا يعين على فهم سير الأمور كيف سارت، وكيف إلى اليوم لا يزال لذلك الفكر وجود، ولا يزال لتلك المقالات أنصار وأعوان على تغير البعض أو تلاشي البعض من تلك الفرق، وظهور مسميات أخرى.\nوعلى سبيل المثال لابد وأنت تدرس هذا الباب أن تفهم ما علاقة الإباضية بنفي الصفات، فالإباضية اليوم لهم وجود، ويتبنون ويحملون فكر نفي الصفات، فمن أين جاء هذا؟\nوالرافضة، الإمامية أيضًا يتبنون هذا الأمر، ولو اجتمعت بأحد منهم سيعرض عليك نفس شُبَه المعتزلة، فما هي العلاقة الوثيقة التي جعلت الرافضة يتبنون الفكر الاعتزالي، كل هذا لابد أن يفهمه الدارس لهذا الباب حتى يتصور المسألة تصوُّرًا عامًا، فالقاعدة تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره، فالتصوَّر لمجمل المسألة، ومجمل الخلاف فيها، ومجمل سيرها تاريخًا، هذا يعينك على الفصل بين المسائل لأن الكثير عندما تسأله ما قول المعتزلة في المسألة؟\nتجده لا يفرق بين قولهم وقول الأشاعرة، فليس عنده تصوُّر ولا تمييز بين هؤلاء، والبعض أيضًا قد لا يتصور أن لهذا الكلام وجود إلا في المعتزلة الأوائل","vol":"1","page":251},{"text":"وأن الاعتزال قد تلاشى وانتهى، مع أنه لم يتلاشى ولم ينتهي. فهو أمر لابد من فهمه لأنه له علاقة بنشأة المقالات وتاريخ الفرق.\nومن هنا ينبغي أن يتنبَّه أن لهذه اللفظة (الجهمية) معنىً عاماًّ، ومعنىً خاصاَّ. فتارة يراد بالجهمية كل من تلقَّف مقالة التعطيل، فيشمل ذلك أتباع جهم، ويشمل المعتزلة، ويشمل ما يسمُّون بالصفاتية وهم: الكلابية، والأشعرة، والماتريدية، فلفظ الجهمية يشمل هؤلاء؛ لأن خصوم أهل السنة في ذلك الحين ليسوا فقط المعتزلة.\nفمثلًا بشر المريسي لم يكن معتزليًا؛ لأن للمعتزلة شرط في الانتساب إليهم وهو: أن الذي يكون على الاعتزال عليه أن يقول بالأصول الخمسة، وهي:\n١. العدل.\n٢. والتوحيد.\n٣. والمنزلة بين المنزلتين.\n٤. والوعد والوعيد.\n٥. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفالتوحيد عندهم: نفي الصفات.\nوالعدل: هو القول بالقدر.\nوالوعد والوعيد: هو قولهم في مسائل الإيمان.\nوالمنزلة بين المنزلتين: هذه في مسألة مرتكب الكبيرة.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو الأصل الخامس عند هؤلاء.\nفلابد لمن يكون معتزلياًّ أن يكون على هذا.\nفمثلًا بشر المريسي لم يكن يوافق هؤلاء في مسألة الإيمان، لأنه كان على الإرجاء كما هو مذهب الجهم، فلو جئت في مسائل الإيمان تجد أن الناس ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: المرجئة.\nالقسم الثاني: الخوارج، والمعتزلة.\nالقسم الثالث: أهل السنة.\nفالمرجئة: هم من قالوا بمقالة الإرجاء: وهي تأخير العمل عن مسمَّى الإيمان، فالمرجئة ليسوا صنفًا واحدًا، وإنما هم أصناف خمسة وهي: الجهمية، والكرامية،","vol":"1","page":252},{"text":"والأشاعرة، والماتريدية، ومرجئة الفقهاء، فهم خمسة أصناف، ومقالة الإرجاء تشمل كل هؤلاء.\nوكذلك مقالة التجهم تشمل: أتباع الجهم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.\nإذًا كما أن أهل الإرجاء خمسة، فإن أهل التجهم خمسة. فلذلك لفظ الجهمية تارة يراد به معنىً عامًّا يشمل كل من قال بنفي الصفات، فيدخل في ذلك أتباع الجهم، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية، وتارة يراد به الجهمية المحضة.\nفعلى المعنى الأول يقسمونهم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الغالية أتباع الجهم.\nالقسم الثاني: المعتزلة.\nالقسم الثالث: الصفاتية.\nأو يقسمونهم إلى ثلاثة درجات:\nالدرجة الأولى: الغالية ويراد بهم أتباع الجهم؛ لأن هؤلاء يقولون بإنكار جميع الأسماء والصفات، لا يثبتون اسمًا، فالجهم يقول: \"إن الله لا يسمَّى بشيء\" (^١)، وهناك قول آخر يقول فيه: \"إن الله يسمَّى باسمين فقط: الخالق، والقادر\" (^٢)؛ لأنه يزعم أن هذين الاسمين ليس فيهما تشبيه، باعتبار أنه جبري فبالتالي يرى أن القدرة أمر يختص له الخالق، وأن العبد لا قدرة له ولا اختيار، فيقول: لأن الله تعالى يتفرد بالخلق والقدرة، فبالتالي لا تشبيه في هذين الاسمين فلا مانع من ذلك.\nفهو تارة يقول: إن الله لا يسمَّى بشيء، وتارة يجيز اسمين فقط وهما الخالق والقادر، وأما الصفات فإنه ينفيها جميعًا، ينفي جميع الصفات، فلذلك يقال عنهم: الغالية.\nوالدرجة الثانية: وهم المعتزلة وتعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.\n_________\n(^١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٧٨).\n(^٢) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٨٢).","vol":"1","page":253},{"text":"الدرجة الثالثة: هم الصفاتية، وإذا قيل: الصفاتية، فإن هذا المصطلح يعني الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.\nوهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:\nالقسم الأول: الكلابية ومعهم قدماء الأشاعرة، وإثباتهم أكثر من إثبات المتأخرين، فهم يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، صفات الأفعال مثل: النزول، والاستواء، والغضب، والرضا، والضحك، وغير ذلك هذه يحرِّفونها، وأما الصفات الذاتية فإنهم يثبتونها.\nالقسم الثاني: متأخرو الأشاعرة لأن الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: متقدمين، ومتأخرين. فمن طبقة الجويني ومن بعده كالغزالي والرازي، إلى يومنا هذا هؤلاء هم المتأخرون الذين يقولون بإثبات سبع صفات فقط، ونفي ما عدا السبع.\nولذلك لو جمعت بين كتاب للبيهقي وكتاب للجويني أو الغزالي أو الرازي، تجد أن إثبات البيهقي وهو من قدماء الأشاعرة أكثر بكثير مما عند الجويني أو الغزالي أو الرازي لأن المتأخرين كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك نفيهم كان أكثر وأكثر، هؤلاء المتأخرون كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك هم في النفي أكثر. أما المتقدمون من الأشاعرة فكانوا أقرب إلى أهل السنة فلذلك كان إثباتهم أكثر.\nفهذا من حيث إطلاق لفظ الجهمية، فتارة يراد به جميع من قال بنفي الصفات، فلفظ الجهمية كلفظة الإرجاء، يشمل عددًا من الفرق وهي خمسة، كما أن الإرجاء خمسة. فإذا قيل الجهمية على هذا، فإن المقصود به المقالة، وفرقٌ بين المقالة والفرقة، فالمقالة قد يشترك فيها أكثر من طائفة، والفرقة تختص بطائفة معينة لها عدد من الأقوال والمقالات.\nوالجهمية استمرت مقالاتهم حتى القرن الخامس الهجري تقريبًا، كان يذكرون أنه ما يزال منهم في المشرق من يقول بمقالتهم، وكان آخر ما ذكر في ذلك أنها كانت في نهاوند إلى أن تلاشت ودخل أتباعها في الأشعرية، هذا أخر ما ذكر عن تاريخ الجهمية. فهذا يعني أنه كان لهم وجود.\nوأما المعتزلة فأول ما تأسَّست على يد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد وكانت البصرة مركزًا للمعتزلة، وكانت كما يقولون: البصرة عشَّ القدرية، والكوفة عشَّ التشيُّع، فكانت مقالة القدرية أظهر في البصرة.","vol":"1","page":254},{"text":"وواصل بن عطاء له قصة في مسألة مرتكب الكبيرة عندما جاء السائل يسأل الحسن البصري، وكان هو في مجلس الحسن البصري ومن أحد تلاميذه، وجاء السائل يسأل عن هذه المسألة، فسارع واصل بالإجابة وقال: أنه في منزلة بين المنزلتين، فجاء بمسألة مرتكب الكبيرة بقول أحدثه في هذا، إذ لم يكن هناك في ذلك الحين إلا قول الخوارج، وحكمهم على مرتكب الكبيرة، وقول أهل السنة، وقول المرجئة. فجاء واصل بقول يوافق فيه الخوارج من حيث النتيجة؛ لأن الفرق بين مقالة الخوارج ومقالة المعتزلة في هذه المسألة هو أنهم اختلفوا في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا، وإنما في المآل أي في الآخرة هم على قول واحد، إذ أن كلًّا من الخوارج والمعتزلة يقول: إنه خالد مخلد في النار، لكن المعتزلة يجعلونه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، ويقولون في منزلة بين المنزلتين.\nفأظهر واصل بن عطاء هذه المقالة واعتزل مجلس الحسن البصري، ومن هنا من بعد ذلك سمي أتباعه المعتزلة. فنشأ الاعتزال في البصرة، وكانت في ذلك الوقت مرتع للبدع فكان فيها الخوارج والقدرية والمرجئة، وكذلك كان فيها شيء من التشيُّع.\nفمن هنا كان الاعتزال مركبًا من عدة مقالات، فأخذ شيئًا من القدرية، وأخذ شيئًا من الخوارج، وأخذ كذلك شيئًا من الجهمية وإن كان هذا بعد ذلك. فمثلًا تأثرهم بالخوارج لأن واصل بن عطاء كان يقول في مسألة أهل صفين، ومسألة التحكيم كان يقول: إن أحد الطائفتين يعني فاسق لا بعينه، فيفسق ولكن بدون تحديث أو تعيين أي الطائفتين كذلك. وكان يقال عنه: \"لو جاء علي وأصحابه ومعاوية أصحابه يشهدون عندي على حزمة بقل، لرددت شهادة الاثنين\" (^١).\nفبالتالي هذا يظهر مدى العلاقة بين الخوارج وبين المعتزلة فيما بعد، لأنه لا يزال إلى اليوم فكر الاعتزال موجودًا عند بقية الخوارج وهم الإباضية، والإباضية اليوم في مسائل الصفات وفي بعض المسائل على عقيدة الاعتزال، يدعون إليها بنفس الكلام الذي يقوله المعتزلة. وللاعتزال كذلك صلة بالتشيُّع لأن المعتزلة لو درسْت في تاريخهم، يزعمون أن واصل بن عطاء تتلمذ على الحسن والحسين ابني عليٍّ ﵃، فيزعمون ويدَّعون ذلك.\nوبالتالي بعد هذا كان هناك تقارب بين المعتزلة والروافض، ولذلك الروافض اليوم الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية في مسائل الأسماء والصفات يحملون فكر\n_________\n(^١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٥١).","vol":"1","page":255},{"text":"الاعتزال، فلو جئت إلى الزيدية، ولو جئت إلى الروافض تناقشهم في مسائل الصفات تجد أن ما عندهم هو ما عند المعتزلة.\nوكان من أشهر مقالات واصل بن عطاء مسألة المنزلة بين المنزلتين، ومقالة القدرية، وكذلك ميله في مسائل الإيمان إلى قول الخوارج في ذلك لأنهم يقولون: \"إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص\" (^١).\nفالناس في الإيمان ثلاثة: المرجئة، وأهل السنة والجماعة، والخوارج والمعتزلة، لأن هؤلاء يقولون: إن الإيمان لا يتفاضل ولا يتبعَّض، ويقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل لكنه لا يزيد ولا ينقص. فالفرق بينهم وبين أهل السنة الزيادة والنقصان، وأهل السنة يقولون: إنه يتفاضل، ويتبعضُّ، ويزيد، وينقص، أما هؤلاء يقولون: أنه شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله.\nفإذًا هذه بعض أفكار المعتزلة في ذلك الحين:\n- مقالة القدر، فقد تلقَّف المعتزلة مقالة القدرية حتى بعد ذلك أصبح إذا قيل: القدرية، فإن الذي يعنى بذلك هم المعتزلة في ذلك الحين، هذه واحدة، مقالة القدر.\n- المقالة الثانية في مسألة الإيمان، وأنه لا يزيد ولا ينقص.\n- المقالة الثالثة في مسألة مرتكب الكبيرة.\n- والرابعة قولهم في مسألة التحكيم وأهل صفين.\nولم يكن عندهم في ذلك الحين مقالة التجهم، إنما هي دخلت عليهم بعد ذلك، فتلاميذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد هم الذين تلقَّفوا مقالة الجهمية وأضافوها إلى مقالاتهم، وهذا أمر ليس بمستبعد لأن هؤلاء مقولاتهم مركَّبة من عدد من الطوائف، فأخذوا من الخوارج شيئًا، وأخذوا من القدرية شيئًا، وأخذوا من التشيع شيئًا، فلا مانع بعد ذلك أن يأخذوا من التجهم شيئًا.\nوأوائل المعتزلة لم يكونوا على مقالة الجهم، وإنما دخل فيهم التجهم بعد هذا. وكان المعتزلة بعد ذلك هم رؤوس الفتنة في مقالة الصفات، والقول بخلق القرآن فقد تزعموا هذه المسألة في زمن المأمون.\nوالمعتزلة استمرت إلى القرن السادس كفرقة ووجود، لكن بعد ذلك تلاشى وجودها كأفراد، ولكن بقي وجودها كمقالة.\nلكن بعض مقالات المعتزلة احتضنها الأشاعرة، فالأشاعرة تأثروا تأثرًا وليس\n_________\n(^١) انظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، صفحة (٤٣).","vol":"1","page":256},{"text":"احتضانًا، وكذلك الإباضية والخوارج فلو نظرت لمقالاتهم ترى اليوم مقالات المعتزلة.\nوهكذا الرافضة الإمامية، فإنهم كانوا في بداية أمرهم يقولون بقول المشبهة، لكنهم تبنوا بعد ذلك قول المعتزلة في باب الصفات.\nوكذلك فإن مقالة المعتزلة موجودة عند الزيدية، وإن كان الزيدية أقدم تأثرا بالاعتزال من الرافضة الإمامية الاثنا عشرية؛ لأن الرافضة في أوائلهم مشبِّهة، كانوا على التشبيه، ولكن بعد ذلك تأثروا بالمعتزلة.\nفإذًا لم تمت مقالات الاعتزال وإنما هي موجودة إلى يومنا هذا بين الإباضية والزيدية والإمامية الاثنا عشرية ومتأخري الأشاعرة كما سيأتي تفصيله.\nمع أن تأثر متأخري الأشاعرة بالمعتزلة كان كبيرًا وقويًا، فإن بعض أقوال المعتزلة بين الحين والآخر تظهر على أيدي بعض الأشاعرة.\nوكذلك حاول المستشرقون أن يحيوا هذه الأفكار، وذلك بواسطة مدارسهم الموجودة اليوم في الغرب، فهم يتبنون الفكر الاعتزالي ويحيون تراثه، ويسعون في ذلك سعيًا حثيثًا.\nوالمدرسة العقلية والطعن في السنة وغير ذلك من الأمور، كل هذه أصولها عند المعتزلة، ويظهرها بين الحين والآخر أفراد يسعون إلى إظهار هذه المقالات التي هي في حقيقتها مقالات المعتزلة.\nفمثلًا التشكيك في السنة، إنما بهو بعينه هو قول المعتزلة فالذي يظهر على أيدي هؤلاء العقلانيين هو في حقيقته تراث اعتزالي، فالذي يظهر في زمننا هذا ويشكك في أبي هريرة مثلًا ﵁-فإن هذا الكلام بعينه موجود عند المعتزلة يردِّدونه ويطعنون في كبار الصحابة وفي مسائل السنة، فهو ليس بجديد.\nوكذلك تظهر اليوم فرق وأقوال وجماعات تُظهر شيئًا من الاعتزال، فهذا التفكير الذي أصبح له صولة وجولة ويتردد في كثير من شباب المسلمين هو فكر اعتزالي، يظهر في صور جماعات معينة وأسماء جديدة، لكن بعينها هي شُبَهُ المعتزلة نفسها تكررت وأعيدت فأحيت هذه المقالات.\nفهذا يعني أن على الدارس لهذا الباب أن يعرف شيئًا من تاريخ هذه الفرق ويعرف شيئًا من مقالات هذه الفرق؛ لأنه لا يعني انتهاء فرقة بعينها كأشخاص أنه انتهت مقالاتهم، بل تظهر وتتجدد بصور ومسميات جديدة لكن هي بعينها المقالات القديمة التي توجد عند تلك الفرقة أو هذه.","vol":"1","page":257},{"text":"فكما أن المعتزلة احتوت مقالات عدد من الفرق، وكما أن الروافض والزيدية والإباضية احتووا الاعتزال، لكن لا يعني هذا أنه بذهاب هذه الفرق قد تلاشت، بل تتبدل، فكانوا في الماضي قدرية معتزلة، ثم هم اليوم إباضية واثنا عشرية وزيدية، ثم هم في عصرنا الحاضر تجدهم في مسمَّيات جديدة، كمن يسمُّونهم التكفير والهجرة أو جماعة الجهاد، كذلك هي الأفكار التي عند هؤلاء ولكن بمسميات جديدة.\nفهنا ينبغي أن يدرس تاريخ الفرق والمقالات، وأن المقالة لا يعني وجودها، ارتباطها بفئة معينة.\nفبعض طلبة العلم يربط فكرة نفي الصفات بالمعتزلة، فلا يفهم مع ذلك أنه بهذا قد يتخيل ويتوهم أن فكرة نفي الصفات انتهت بانتهاء المعتزلة كوجود وكمدرسة، ولا يعلم أن الأفكار تنتقل ويتغير وتتبدل أصحابها.\nوعلى سبيل المثال الماتريدية اليوم قد تظهر في صور مختلفة، فالماتريدية في القارة الهندية تسلك خطين:\nالخط الأول: خط دعوي.\nيتمثل في جماعة التبليغ، فهي في أصلها ماتريدية صوفية، تتبنى الخط الصوفي الموجود عند الماتريدية.\nوالخط الثاني: خط تعليمي.\nيتمثل في الديوبندية، فمدارس الديوبندية هي مدارس ماتريدية، فالمسميات تتجدد، فيقال عنها المدارس الديوبندية، لكن ينبغي أن تفهم أن الديوبندية هي الماتريدية. وأهل الهند يعرفون هذا\nفمن هنا ينبغي أن تعرف المقالات ما أصولها، ويعرف تاريخ الفرق، وأن يعرف أنه من طبيعة المقالات أنهم قد يتلقفها البعض ثم بعد ذلك يتلقفها آخرون، فلا يعني هذا أنه بانتهاء الأشخاص انتهت المقالة، بل قد يتواصل وجودها ويتجدد، وهذا لا يعني أن انتهاء المقالة ينتهي بانتهاء من قال بها.\nفقد تظهر في مسميات وصور جديدة، ومثلُ هذا يدعونا إلى أن نبحث عن تاريخ هذه المقالة ونبسط الحديث فيها، حتى يتسع أفق طالب العلم ويعرف أنه لا يتحدث عن مقالات قد انتهت وانتهى عهدها، بل هي مقالات موجودة وإن كانت مسميات هؤلاء قد تغيرت.\nفلا يعني تغير مسميات هؤلاء، أن تلك المقالات قد تلاشت وتبددت بل هي اليوم موجودة.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>المسألة السادسة: زمن انتشار المقالة.</span>\n(٤٥) \"ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل: مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض، وبشر الحافي وغيرهم، في هؤلاء كثير في ذمهم وتضليلهم\".\n<hr><s0>\n\nالحديث هنا يبين موقف بني العباس من هذه المسألة، ولذلك هذا يقودنا إلى ما يقول عنه شيخ الإسلام: \"زمن انتشار المقالات\" فبعد أن تكلم المصنف عن مسألة أوَّل من حُفِظ عنه أنه قال بهذه المقالة وهو الجعد، ثم تكلم بعد ذلك عن أن زمن ظهور هذه المقالة كان على يد الجهم، ثم عن زمن اشتهارها، ثم تكلم عن زمن انتشار هذه المقالة بمعنى متى كان لهذه المقالة دولة؟ متى كان ذلك؟\nفهذا ينقلنا إلى الحديث عن خلفاء بني العباس، وقد عرفنا سابقًا موقف بني أمية وذكرنا أن بني أمية كانوا منقسمين، فمنهم من كان محاربًا للبدع كعمر بن عبد العزيز وهشام، ومنهم من كان مع أهل البدع كيزيد بن الوليد، يزيد الثاني ومروان بن محمد، فيزيد كان قدريًا كما يذكر الذهبي والطبري يذكرون هذا عن يزيد أنه كان قدريًا، ومروان بن محمد كان يسمى مروان الجعدي لأنه تربى على يد الجعد وأخذ بمقولته، وهو كان آخر خلفاء بني أمية، وانتهت خلافة بني أمية في ذلك الحين.\nنأتي إلى بني العباس فالذي يلاحظ أن مقتل الجهم في سنة ١٢٨، وانتهاء خلافة بني أمية في عام ١٣٢، بدأ بعد ذلك دور خلفاء بني العباس فإذا كانت مقالة الجهم في ذلك الحين، فبعد هذا كان لهذه الفرق وجود لكن السنة أظهر وأغلب، وأهل البدع مقموعين.\nوهكذا بنو العباس أيضًا لهم مواقف بين مدافع عن السنة ومؤيد لأهل البدع.","vol":"1","page":259},{"text":"ويمكن تقسيم موقف الخلفاء العباسيين إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: زمن السفاح وأبو جعفر المنصور وهارون الرشيد والهادي والمهدي.\nفقد كان زمن السفاح وأبو جعفر المنصور زمن تأسيس فلم يظهر فيه شيء يذكر، وهكذا هارون الرشيد كانت لهم مواقف محمودة في حرب أهل البدع، وهكذا الهادي والمهدي.\nالقسم الثاني: زمن المأمون، والمعتصم، والواثق.\nفالمأمون، والمعتصم، والواثق هؤلاء كانوا مناصرين لأهل البدع، وكان المأمون أول من انتصر لأهل البدع، وجعل السلطة بأيديهم.\nالقسم الثالث: زمن المتوكل.\nإلى أن جاء المتوكل فأعاد الأمور إلى نصابها، ونصر أهل السنة وقمع البدع.\nوالتاريخ يحتاج إلى من يتأمل فيه، حتى يتبين للناس كيف هي مواقف الخلفاء والأمراء من البدع وأهلها، فبنو العباس كان منهم من هو مناصر للسنة، وكان منهم من هو مناصر لأهل البدع والأهواء.\nلكن أول تمكُّن لهؤلاء هو في زمن المأمون، فقد التقى بهم المأمون في المشرق، وهناك أقنعوه بمقالتهم، وكتب من المشرق من طرسوس إلى واليه وعامله في بغداد يأمره فيه أن يمتحن الناس بمسألة القول بخلق القرآن، فامتحنهم في ذلك وكان ما كان من فتنة القول بخلق القرآن، وعُذِّب في ذلك من عُذِّب، وأوذي من أوذي، وصبر من صبر في ذلك، وهي مسألة القول بخلق القرآن. واستمرت هذه المعاضدة بعد المأمون، إلى عصر المعتصم، والواثق إلى أن جاء المتوكل فوقف في وجه هؤلاء، وأعاد الحق إلى أهل السنة، وأعاد دولة السنة.\nفكان قاضي القضاة في عهد المأمون، وفي عهد المعتصم والواثق أحمد بن أبي دؤاد، هذا كان كما يسمَّى اليوم منصب وزير العدل، أي قاضي القضاة، وبالتالي كان له منصب عال عند بني العباس، وعند المأمون، وعند الواثق، وعند المعتصم، عند هؤلاء الثلاثة، إلى أن جاء المتوكل فأبعده عن هذا المنصب وأعاد الحق إلى أهل السنة، وبعد ذلك ظهر قول أهل السنة ولكن بعد امتحان عصيب في هذه المسألة.\nوانفسح المجال لأهل السنة أن يرفعوا صوتهم عاليًا بمعتقدهم، وتثبيت أركانه، وتشييد بنيانه، ومواجهة أهل البدع وأقوالهم بالنقض والرد، وكشف عوارهم، وبيان","vol":"1","page":260},{"text":"زيفهم، فألفوا المصنفات الكثيرة الحاوية للسنن والآثار، ونشطوا في ذلك نشاطا ملحوظا في تدوين السنة النبوية بجميع فروعها، ولا سيما في باب العقيدة، ومن أشهر آثارهم في هذه المرحلة وما بعدها:\n- السنة لمحمد بن عمر الواقدي [ت ٢٠٧ هـ].\n- السنة لابن أبي شيبة [ت ٢٣٥ هـ].\n- السنة للإمام أحمد بن حنبل [ت ٢٤١ هـ].\n- كتاب «خلق أفعال العباد» للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ.\n- كتاب «الرد على الجهمية» له أيضا.\n- السنة للمزني [ت ٢٦٤ هـ].\n- كتاب السنة، لأبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم)، ت ٢٧٣ هـ.\n- كتاب «السنة، لأبي علي حنبل بن إسحاق بن حنبل ابن هلال، ت ٢٧٣ هـ.\n- كتاب «السنة»، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني\"). ت ٢٧٥ هـ.\n- كتاب «الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة» لعبد الله ابن مسلم بن قتيبة، ت ٢٧٦ هـ.\n- «كتاب السنة» لأبي بكر أحمد بن عمرو بن النبيل الشيباني البصري، ت ٢٨٧ هـ.\n- كتاب «الرد على الجهمية»، لعثمان بن سعيد الدارمي)، ت ٢٨٠ هـ.\n- كتاب «الرد على بشر المريسي» له أيضا.\n- كتاب «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد)، ت ٢٩٠ هـ.\n- كتاب «السنة لأبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي. ت ٢٩٢ هـ.\n- كتاب «السنة، لمحمد بن نصر المروزي)، ت ٢٩٤ هـ.\n- السنة للحكم بن معبد الخزاعي [ت ٢٩٥ هـ].\n- كتاب «التوحيد، لأبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي)، ت ٣٠١ هـ.\n- كتاب «السنة، لأحمد بن محمد بن هارون الخلال (٣)، ت ٣١١ هـ.\n- كتاب «التوحيد، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة)، ت ٣١١ هـ.\n- السنة لابن خزيمة [ت ٣١١ هـ]. وهو غير كتاب التوحيد له أيضًا.\n- كتاب «الرد على الجهمية» لعبد الرحمن بن أبي حاتم، ت ٣٢٧ هـ.","vol":"1","page":261},{"text":"- شرح السنة للبربهاري [ت ٣٢٩ هـ].\n- كتاب «السنة»، لأبي أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال، ت ٣٤٩.\n- كتاب «السنة» لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، ت ٣٦٠ هـ.\n- كتاب «السنة» لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حبان، ت ٣٦٩ هـ.\n- كتاب «الإبانة» لعبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، ت ٣٨٧ هـ.\n- كتاب «التوحيد»، لمحمد بن إسحاق بن منده، ت ٣٩٥ هـ.\n- كتاب «شرح السنة» لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، ت ٣٩٩ هـ.\n- كتاب «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، لأبي القاسم هبة الله ابن الحسن اللالكائي، ت ٤١٨ هـ.\n- كتاب «الأصول» لأبي عمرو أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي الأندلسي، ت ٤٢٩ هـ.\n- كتاب «السنة» لأبي ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي، ت ٤٣٤ هـ.\nفقول المصنف: \"وَلَمَّا كَانَ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ: انْتَشَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهَا مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّة\" أي في عهد المأمون وذكر أن سبب انتشارها بسبب بشر بن غياث المريسي، فهذا زمن انتشار المقالة بحيث أصبح لهذه المقالة وبيدِّ دعاتها السلطة والقوة التي من خلالها امتحنوا الناس في هذه المسائل، وسعوا إلى نشرها وبثِّها بين الناس في ذلك الحين.\nوبشر المريسي يعدُّ من منظري هذه المقالة؛ لأن أكثر التأويلات الموجودة عند المعتزلة، وعند الأشاعرة إلى يومنا هذه كما يقول العلماء هي تأويلات بشر، يشهد لذلك لو قرأت ردَّ الإمام الدارمي على بشر المريسي، تجد أن تأويلات بشر هي بعينها الموجودة بين يدي الأشاعرة والمعتزلة.\nفبشر بن غياث وطبقته كأحمد بن دؤاد وغيرهم هؤلاء هم الذين كانوا قد مكَّنوا لهذه المقالة ونشروها، لكن إلى ذلك الحين لم يكن بعد وجود للأشاعرة والماتريدية، لأن أبي الحسن الأشعري ولد سنة ٢٦٠، وتوفي ٣٢٤، ووفاة الإمام","vol":"1","page":262},{"text":"أحمد كانت ٢٤١، فلم يكن بعد قد ولد أبو الحسن الأشعري. فالذي كان في الميدان والساحة في ذلك الحين كما ذكرنا الخوارج ولهم ضلع في هذه المسألة، وكذلك الجهمية والمعتزلة، هم خصوم أهل السنة في ذلك الحين.\nهذا يقودنا إلى الكلابية، والكلابية أسبق من الأشاعرة والماتريدية، فأبو عبد الله محمد بن سعيد القطان، المشهور والمعروف \"بابن كلاب\" هذا هو مؤسس الكلابية، ففي البصرة كان الصراع في هذه المسائل بين طائفتين: المعتزلة، وأهل السنة وأهل الحديث كما كانوا يعرفون في ذلك الحين. فالصراع قائم بين هؤلاء وهؤلاء، فظهر ابن كلاب في خضم هذا الصراع وخطَّ خطًّا ثالثًا في المسألة، ذلك أنه أوَّل من قال بالكلام النفسي، ففي صفة الكلام المعتزلة يقولون: إن الله لا يتكلم، ينفون صفة الكلام، ويقولون: إن كلام الله مخلوق، وأهل السنة يثبتون صفة الكلام ويقولون: إن الله ﷾ يتكلم بحرف وصوت مسموع.\nفجاء ابن كلاب ووضع قولًا ثالثًا، وكان ابن كلاب في ذلك الحين أقرب إلى أهل السنة لأنه يثبت لله كلامًا وإن كان يثبته على شكل غير صحيح. فلذلك كان يقال عنه: إنه من نظار أهل السنة، فكان أقرب إلى أهل السنة منه إلى المعتزلة، وإن كان قوله يخالف قول أهل السنة وبهذا ظهرت مقالة ابن كلاب في البصرة، ولبيان علاقة الكلابية بالأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري ولد في البصرة، وتربى في بيت اعتزالي، ولذلك الحديث عن الكلابية لابد أن يصحبه حديث عن الأشعرية لأن هناك علاقة بين الأشعرية والكلابية، بل إن قول الكلابية هو بعينه قول الأشاعرة في مسألة الصفات بما فيها صفة الكلام، ونقصد بذلك الأشاعرة القدماء.\nفأبو الحسن الأشعري، علي بن إسماعيل الأشعري ولد في البصرة، وبعد وفاة أبيه تزوجت أمه بأبي علي الجبائي وهو من كبار المعتزلة في ذلك الوقت، وولادته كانت في عام ٢٦٠ من الهجرة، فنشأ وتربي في بيت معتزلي، استمر هذا إلى ٣٠٠ من الهجرة، لأنه من ٢٦٠ إلى ٣٠٠ هذه أربعين سنة وهو في بيت الاعتزال، نشأ وتربي في بيت شيخ المعتزلة أبو علي الجبائي.\nإلى أن بلغ سن الأربعين، وكان من الذكاء بمكان بحيث إنه كان يشاغب شيخه ويعترض عليه في مسائل كثيرة في قضايا الاعتقاد. إلى أن خرج من الاعتزال، وكانت الساحة إذ ذاك: إما معتزلة، أو كلابية، أو أهل السنة وأهل الحديث، فالنزاع فيها بين هذه الأصناف الثلاثة.","vol":"1","page":263},{"text":"وكانت الكلابية تناظر هؤلاء بطريقة كلامية، فأبو الحسن الأشعري لما زهد بالاعتزال وخرج منه، وجد أمامه مقالة الكلابية، باعتبار أنها كانت تقف في وجه المعتزلة، فهي مسلطة في المقام الأول في معاندة ومعارضة المعتزلة.\nفأبو الحسن الأشعري تأثر بالكلابية، وأخذ بأقوالهم وهذا ظاهرٌ في كتبه التي ألَّفها عندما كان في هذا الطور ككتابه اللمع، فهذا الكتاب يشابه كثيرًا أقوال ابن كلاب ولا يختلف عنها إلا في مسائل محدودة.\nولو قرأت في كتابه مقالات الإسلاميين تجد أن أبا الحسن الأشعري من أمهر من كتب في الاعتزال، وفي مقالات المعتزلة، ومن أمهر من كتب في مقالات الكلابية لأنه مر بثلاثة أطوار:\nالطور الأول: إلى سن الأربعين وهو يتغذى الاعتزال.\nالطور الثاني: بعد الأربعين دخل في الكلابية.\nالطور الثالث: وبعد ذلك كان بينه وبين أبي زكريا الساجي من علماء الحديث لقاء، وعرَّفه فيه بمعتقد أهل الحديث وأهل السنة، ونصحه بأن يترك البصرة وينتقل إلى بغداد باعتبار أن بغداد مركز لأهل الحديث، فقوة أهل الحديث كانت في بغداد أظهر، وكيف لا وهناك تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من علماء الحديث.\nفنصحه أن ينتقل من البصرة إلى بغداد، وعندما ذهب إلى بغداد والتقى بعلماء الحديث، بعد ذلك خرج من الكلابية إلى أهل السنة، وألَّف في ذلك [الإبانة]، وألَّف في ذلك [رسائل إلى أهل الثغر]، وألَّف في ذلك مقالات الإسلاميين، هذه أشهر كتبه في المرحلة الثالثة فهو مر بثلاثة أطوار: معتزلي، ثم كلابي، ثم أهل السنة والجماعة.\nفإذًا من هذا يتبين أن الكلابية هي أصل الأشعرية؛ لأن من نشأ على الأشعرية القديمة إنما هو في الحقيقة أخذ بكلام الكلابية.\nفتلاميذ أبي الحسن الأشعري في الطور الثاني أخذوا هذه المقالات التي تنسب إلى الكلابية وتبنوها، ولذلك لم يعد بعد ذلك وجود للكلابية، إذ أن وجودهم قد احتواه الأشاعرة، فاحتووا الكلابية، فأصبح بعد ذلك هذه المقالات تعرف باسم الأشاعرة.\nوأما الماتريدية، فأبو المنصور الماتريدي أسبق من أبي الحسن الأشعري، كان متقدمًا على أبي الحسن الأشعري.","vol":"1","page":264},{"text":"ووفاته كذلك متأخرة على أبي الحسن الأشعري، وكان عمره أكبر من عمر أبي الحسن الأشعري لأن أبا الحسن الأشعري عمره أربعٌ وستون، أربعون قبل الثلاثمائة، وأربع وعشرون بعد الثلاثمائة، فهذا هو عمر أبي الحسن الأشعري. وكان الماتريدي معاصرًا له وإن كان أسبق منه ولادة، وامتد عمره بعد وفاة الأشعري، وتوفي من بعده لكن أبو منصور الماتريدي نشأ في المشرق بين الأحناف، وبالتالي تأثر بمقالات الكلابية، وتأثر بمقالات الجهمية، وكان على هذا لقاء بين الأشعرية والماتريدية، ولكن هذا اللقاء كان أقرب صورة له هي صورة الكلابية.\nفكان الكلابية إذ ذاك هم أصل الأشعرية، وأصل الماتريدية وهذا يفسر لك مدى التقارب بين الأشاعرة والماتريدية، حتى إن الفُروق التي يعدونها بينهم هي فُروق قليلة، أحيانًا يحصرونها في ثلاثة عشر فرقًا، يقولون: سبعة منها لفظية، وست منها جوهرية.\nفشيوخ وقدماء الأشاعرة والماتريدية هم الكلابية، فقد كان تأثر الفريقين بالكلابية واضحًا وهذا يفسر ما بين الأشاعرة والماتريدية من تقارب، إلا أن الأشاعرة تأثرهم بالمعتزلة بعد ذلك أقوى، والماتريدية تأثروا بالكلابية، وتأثروا بالجهمية، والمعتزلة في ذلك الحين.\nفكان بينهما نوع قرب، لكن التقارب بعد ذلك أصبح أقرب، نظرًا لقرب الأشاعرة إلى المعتزلة، فمن الجويني، والغزالي، والرازي كان هناك تقارب بين الأشعرية والمعتزلة. ولذلك يقول العلماء: إن أوائل الأشاعرة كانوا أقرب إلى أهل السنة، وأما أواخر الأشاعرة فإنهم أقرب إلى المعتزلة. فهذا يعطيك فكرة تاريخية عن نشأة الأشعرية، والمعتزلة استمرت إلى القرن السادس كفرقة ووجود، لكن بعد ذلك تلاشى وجودها كأفراد، ولكن بقي وجودها كمقالة. لكن مقالة المعتزلة احتضنها الأشاعرة، طبعًا الأشاعرة تأثروا تأثرًا وليس احتضانًا.\nوقد كان آخر أمر أبي الحسن الأشعري، رجوعه إلى أهل السنة، ولكنه كما يقال رجوع جملة، أي أنه لم يعرف أو لم يتوصل إلى معرفة أقوال أهل السنة على وجه التفصيل، ولذلك مثلًا في كتابه الإبانة أو مقالات الإسلاميين يخطئ في بعض المسائل في نسبتها إلى أهل الحديث أي إلى أهل السنة، فهذا يدل على أنه رجع رجوع جملة، وليس عنده معرفة بالتفصيل من أقوال أهل السنة لتأخر رجوعه إلى عقيدة أهل السنة، فأربعون سنة وهو في الاعتزال، ثم شطر كبير مما تبقَّى من عمره وهو على عقيدة ابن كلاب إلى أن نصحه أبو زكريا الساجي، وأبو زكريا الساجي توفي عام ثلاثمائة وسبعة أي بعد أن رجع أبو الحسن الأشعري وخرج عن الاعتزال بسبع سنين.","vol":"1","page":265},{"text":"وألف في آخر عمره كتاب الإبانة، وفي جملته أي كتاب الإبانة ما عدا مسائل محدودة قوله فيها قول أهل السنة، كإثبات العلو والاستواء، فقد أثبت في هذا الكتاب علو الله-﷾-على خلقه واستوائه على عرشه.\nفهذا ما كان من أبي الحسن الأشعري، ولكن كما ذكرنا رجوعه رجوع جملة، وليس فهمًا عميقًا لمنهج السلف لتأخر معرفته لمنهج السلف، ولذلك تلاميذه وكتبه التي انتشرت عندما كان على عقيدة ابن كلاب فهي التي بقيت بعد ذلك واشتهرت، وأخذها من بعده تلاميذه، وانتشرت الأشعرية في الشافعية والمالكية خاصة ولم تنتشر في الأحناف؛ لأن الماتريدية هي التي انتشرت في الأحناف، وبما أن أبو منصور الماتريدي كان معاصرًا لأبي الحسن الأشعري، لأن وفاة أبي منصور الماتريدي حدِّدت بعام ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين، وإن كان وجود الماتريدية في ذلك الوقت كان فيما وراء النهر، وهذا يبين ويوضح كيف أنه إلى زماننا هذا ما تزال عقائد الماتريدية منتشرة في الأحناف؛ لأن انتشار الحنفية كما هو معلوم يغلب على كثير من بلاد المشرق وبخاصة القارة الهندية وما يعرف بأفغانستان والجمهوريات المستقلة من الاتحاد السوفيتي السابق وتركيا والمسلمون الموجودون في جنوب أوربا، كل هؤلاء من الأحناف على عقائد الماتريدية.\nفالماتريدية كان وجودها الأصلي بين الأحناف، ولذلك يقولون إنه لم يكن على الأشعرية من الأحناف إلا أبو جعفر السمناني، وكان يقال عنه مؤمن آل فرعون، لأنه كان الوحيد من الأحناف على عقائد الأشعرية.\nأما انتشار الأشعرية فبدأ من القرن الرابع، أما كونهم لهم شوكة وصولة وجولة، فهذا بدأ من عهد السلاجقة، أي في القرن الخامس وتحديدًا في عام أربعمائة وخمسين للهجرة، ففي زمن نظام الملك الذي كان وزيرًا في دولة السلاجقة، وكان نظام الملك على الأشعرية وأسَّس ما يسمَّى بالمدارس النظامية، فهي منسوبة إليه.\nوكان أول نفوذ للأشعرية في السلطة بدأ من وقته، فانتشرت المدارس النظامية في ذلك الحين في عهد السلاجقة، وجاء حكم السلاجقة بعد البويهيين، وبني بويه كانوا رافضة، إلى أن جاء السلاجقة وأزاحوا البويهيين نظرًا لأن البويهيين في آخر وقتهم خلعوا الخليفة العباسي في ذلك الوقت وبايعوا بالخلافة للعبيديين الفاطميين ولكن بعد ذلك تمكن السلاجقة من الاستيلاء على بغداد وأسَّسوا نظامهم الخاص بهم مع بقاء الخلافة في بني العباس، ومن ذلك الوقت بدأ للأشاعرة وجود تدعمهم سلطة","vol":"1","page":266},{"text":"وعلى إثرها أسست تلك المدارس وهي المدارس النظامية، وكانت هي البداية لانتشار الاعتقاد الأشعري.\nوأما في بلاد الشام فإن انتشار الأشعرية كان على يد صلاح الدين، فصلاح الدين الأيوبي (^١) وقبله محمود زنكي؛ ألزموا المدارس في الشام وفي مصر بتدريس العقيدة الأشعرية، ومن ذلك الحين كان لها وجود في بلاد الشام وفي بلاد مصر.\nوأما في بلاد المغرب فكان على يد ابن تومرت الذي أخذ بأقوال الأشاعرة وأسَّس على إثر ذلك دولة الموحدين في بلاد المغرب وجعل المعتقد الأشعري هو الذي يدرَّس في ذلك الزمن وفي ذلك المكان.\nفمن هنا انتشر المعتقد الأشعري على هذا الأساس، ويزامنه في الوقت ذاته معتقد الماتريدية، وكما قلنا الماتريدية مستقلون في رأيهم وفكرهم وإن كان هناك تشابه كبير جدًا بين الأشاعرة والماتريدية ولكن نفوذهم وانتشارهم كان في الأحناف.\nوكما هو معلوم أن بغداد وبلاد الشام ومصر هي أهم مناطق في العالم الإسلامي في ذلك الحين، لأن فيها مراكز النفوذ والحكم من جهة، وفيها كذلك مدارس العلم ومعاهد العلم من جهة، وهذا أوجب انتشار الأشعرية منذ ذلك الحين.\nوالأشعرية كانوا في الأساس منقسمون إلى أشاعرة بغداد وأشاعرة خراسان، وأما أشاعرة خراسان فكانوا أكثر إنكارًا للصفات من أشاعرة بغداد، ويمثل ذلك ابن فورك، ومن يقرأ لابن فورك يجد أن عنده ما ليس موجودًا حتى عند الأشعري ولا حتى عند الباقلاني مثلًا.\nوالجدير ذكره هنا أن الباقلاني هو أول من نشر هذه العقيدة في المالكية، وبعد ذلك جاء الجويني ومن بعده الغزالي ثم الرازي، وهؤلاء كانوا أكثر إنكارًا وتحريفًا\n_________\n(^١) صلاح الدين الأيوبي، وكان صلاح الدين الأيوبي أشعريًا، فقد حفظ في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري أحد أعلام الأشعرية وصار يحفظها صغار أولاده، ولذلك نشأ هو وأولاده على المعتقد الأشعري، فحمل صلاح الدين الكافة على عقيدة أبي الحسن الأشعري، وتمادى الحال على ذلك في جميع أيام ملوك بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك.\nوقد كان لذلك دوره الكبير في نشر الأشعرية في سائر أنحاء العالم الإسلامي، فمصر التي كانت مقر الدولة الأيوبية كانت هي حاضرة العلم في تلك العصور وقد كان للأزهر دور كبير في نشر العقيدة الأشعرية التي ادخلها صلاح الدين في مصر بعد أن قضى على الدولة العبيدية الإسماعلية، ومنذ زمن صلاح الدين والأزهر يقرر عقيدة الأشاعرة إلى يومنا هذا.","vol":"1","page":267},{"text":"للصفات من السابقين، فمنذ الجويني كثر الإنكار في الصفات عن معتقد السابقين، فلو عقدت مقارنةً بين أوائل الأشاعرة وبين متأخريهم لوجدت مثلًا أن الأوائل إنما كان خللهم في صفات الأفعال الاختيارية، أما الصفات الذاتية والصفات الخبرية فقد كانوا يثبتونها، فلو قرأت لمتقدمي الأشاعرة في الصفات الخبرية مثلًا إثبات صفة الوجه واليدين والأصابع وغير ذلك؛ فتجد أنه كان البيهقي وأبو الحسن الأشعري والمتقدمون من الأشاعرة يثبتون هذه الصفات، يثبتون الوجه ويثبتون اليدين ويثبتون الأصابع، يثبتون الصفات الخبرية، وكذلك يثبتون الصفات الذاتية، وإنما كان الخلل عندهم بالتحديد في صفات الأفعال الاختيارية كالغضب والرضا والسخط وغير ذلك، هذه التي كانوا أحيانًا يقع تحريفهم فيها على نوعين: إما أن يجعلوها مثل الصفات الذاتية أي أنها صفات قائمة أزلًا، أو أنهم يخلطون بين الفعل فيها والمفعول، وبالتالي يجعلونها هي المفعولات.\nفمثلًا في الاستواء أو النزول يثبتون الاستواء ولكن يقولون: إن الاستواء هو فعل فعله الله في العرش (^١) وبالتالي الاستواء صفة للعرش وليس صفةً لله تعالى أو أن النزول صفة للسماء وليس صفةً لله تعالى، من هذا القبيل.\nولكن إذا جئت إلى الأشاعرة المتأخرين لا تجد عندهم من الإثبات إلا سبع صفات فقط، والبقية كلها تأوَّل وتحرف، فهم مثلًا ينفون صفة الوجه وينفون صفة اليدين وينفون سائر الصفات ما عدا السبع التي هي معلومة، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وإن كان في الكلام كلام، لأنهم لا يثبتون الكلام كما يثبته أهل السنة والجماعة.\nفشاهدنا أن الأشاعرة كلما امتد بهم الزمان كلما ازدادوا قربًا للاعتزال، فالجويني تأثر كثيرًا بكتب المعتزلة، وهكذا الشأن مع الغزالي إلى أن وصل الأمر إلى الرازي، والرازي هو منظر الأشعرية المتأخرة، ومن جاء بعده إنما هو عيال عليه، وقد مال بها كثيرًا إلى الفلسفة والاعتزال.\nوأما حقيقة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة والفوارق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الأشاعرة.\nفأول هذه الفوارق وأعظمها وأكبرها هو الخلاف في مصدر التلقي في مسائل الاعتقاد، ومن أين نأخذ هذه المسائل؟ هل نأخذها من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة أم من العقل؟ فمنهج أهل السنة والجماعة يقوم على أساس أن كل مسائل الاعتقاد تؤخذ بحمد الله من الكتاب والسنة ففيهما الغنية والكفاية، وذلك وفق فهم\n_________\n(^١) انظر كتاب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الخامس برقم (٤٣٧).","vol":"1","page":268},{"text":"سلف الأمة ففي ذلك توضيح وبيان لما يجب اعتقاده في جميع مسائل الاعتقاد سواء كانت في أصولها أو في فروعها حتى الدقيقة منها.\nفهذا مجمل اعتقاد أهل السنة؛ لأن قواعد المنهج السلفي تقوم على أساسٍ، أنه لا بد من الاعتماد على كلام الله ﷿-وكلام رسوله ﷺ-ولا بد من التقيد في فهم ذلك بالمأثور عن سلف هذه الأمة.\nوأما الأشاعرة فيقسمون أبواب الاعتقاد إلى ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: باب الإلهيات، المقصود به باب التوحيد.\nالباب الثاني: باب النبوات، المقصود به إثبات نبوة بالنبي ﷺ.\nالباب الثالث: باب السمعيات، يقصدون بها مسائل البعث والنشور، والشفاعة والصراط والميزان ودخول الجنة ودخول النار، كل هذه تسمى سمعيات، أي أنها تؤخذ من طريق الكتاب والسنة. فهذا تبوبيهم لمسائل الاعتقاد، يقوم على هذه الأبواب الثلاثة.\nوهم في الباب الأول وفي الباب الثاني لا يعتمدون على السمع أي على الكتاب والسنة، وأما في الباب الثالث فنعم، ففي باب السمعيات الذي أسموه سمعيات يعتمدون فيه على الكتاب والسنة، فهم في مسائل اليوم الآخر والبعث والنشور وما يتعلق بها في هذه المسائل يأخذون بالكتاب والسنة، ولذلك الخلاف معهم ليس بالكبير؛ لأن المصدر واحد، فهم يثبتون هذه المسائل من خلال النصوص وأهل السنة يثبتونها من خلال النصوص وإن كان هناك خلاف يبقى الخلاف في مسائل معينة لكن في الجملة يعتمدون الكتاب والسنة.\nلكن في باب الإلهيات وباب النبوات لا تجد عندهم قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ.\nوالسبب في ذلك أن المنهج الأشعري منهج كلامي فلسفي يعود إلى أصل الفلسفة، وهي اعتماد العقل وجعله أصلًا في الأمر.\nفكما ذكر سابقًا أن المنهج الفلسفي يقوم على أمرين:\nالأمر الأول: أن المصدر في العلم والأساس في العلم، هو الإنسان أي عقل الإنسان.","vol":"1","page":269},{"text":"والأمر الثاني: أن المعلومات أو العلوم تنحصر في المحسوسات المشاهدة، أو كما يسمونها اليوم العلوم التطبيقية.\nفبناءً على هذا المبدأ فإنهم يقدمون العقل على النقل ويطعنون في النقل، وانظر إلى مواقف هؤلاء تجدها في كتبهم منصوص عليها كما سبق بيانه.\nوعلى هذا فإن الفرق بين أهل السنة وبين هؤلاء جوهري، فهؤلاء يقررون مسائل ويعرضون مسائل على منهج فلسفي منطقي عقلي ركَّبوه وصنعوه من عند أنفسهم، وبالتالي ما جوَّزته عقولهم قبلوه وما لم تجوِّزه عقولهم ردوه.\nفهذه قضية خطيرة ومن أخطر القضايا في هذا الباب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فكيف يمكن أن نردَّ هذا النزاع الذي يحصل بين أهل السنة وبين الأشاعرة في مسائل التوحيد وفي مسائل النبوات؟، كيف يمكن أن نرد هذا النزاع إلى الكتاب والسنة والقوم لا يعتمدون الكتاب والسنة وإنما يشككون فيهما؟\nوهذا التشكيك جاء من طريقين:\nأولًا: إما من طريق الطعن في حجية النصوص.\nثانيًا: الطعن في دلالة النصوص.\nفما استطاعوا أن يشكِّكوا في ثبوته شكَّكوا فيه، فقسموا النصوص إلى قسمين: متواترٍ وآحادٍ، وقالوا: إن أخبار الآحاد لا يحتجُّ بها في باب العقائد، بمعنى أنه ولو جاء في البخاري ومسلم حديث في هذا الباب في باب التوحيد يتعلق بمسألة من مسائل الاعتقاد فإنه مردود، وليت الردُّ كان على ميزان أهل الحديث واصطلاح أهل الحديث، فلا شك أن الحديث إذا كان إسناده غير صحيح فإنه لا تقوم به حجة، ولكن اعلم أن قول هؤلاء إن أخبار الآحاد لا يحتج بها في باب العقائد، ليس على ميزان الصحة والضعف ولكن هذا ردٌّ بإطلاق، رد بماذا؟ بإطلاق، واقرأ هذا في كلام هؤلاء.\nوقد نص عليه الغزالي مثلًا في المستصفى، فقال: \"وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة\" (^١). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، هذا كلام المصطفى ﷺ-كيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا\n_________\n(^١) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).","vol":"1","page":270},{"text":"أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها.\nولذلك يقول بعض علماء السلف: لا بد من تمييز هذه المسألة، من هم أهل السنة. هذه مسألة لا بد على الإنسان أن يطرحها على المخالف فيحدِّد أولًا من هم أهل السنة؟ فأنت إذا جئت إلى أشعري وأخذت تتكلم معه في مثل هذه المسائل تجد أنه يحمر ويصفر؛ لأنك تخرجه من أهل السنة، وهذا كلام القوم شاهد عليهم، أنهم لا يعتبرون النصوص أصلًا في هذه المسائل، ويقرِّرون ويقعدون أن شبههم العقلية هي الأصل والأساس وأن السمع معروض عليها؛ وأن ما كان من أخبار الآحاد أي ما كان ثابتًا عن النبي ﷺ-ولم يصل إلى حد التواتر فإنه محكوم عليه عندهم بعدم الصحة، وبالتالي يردُّونه، وهذا ردٌّ لأكثر من تسعين بالمائة من النصوص.\nفمن الذي يعظم كلام النبي ﷺ-ويردُّ أكثر من تسعين بالمائة ويطعن في الباقي؟ ويقول إذا كانت أخبار آحاد فهي غير صحيحة، وإذا كان متواترًا فإن هذا ظني وليس قطعيًّا، ويجب؟ لماذا؟ لأنه خالف عقولهم.\nثم انظر كيف يصف أحاديث النبي ﷺ-في الصفات فيقول: \"وظواهر أحاديث التشبيه (^١). \"يصفها بهذا الوصف وهي من كلام النبي ﷺ أيكون النبي ﷺ مشبِّهًا؟ حاشا وكلا.\nولا يقول قائل: هذا فقط قول الغزالي، فهذا عضد الدين الإيجي، في كتابه المواقف وكتب القوم كثيرة، إذا نظرت للإيجي في كتابه انظر هذه المسألة التي ذكرها ويقول فيها؟ \"المقصد الثامن: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ \" والمقصود بالدلائل النقلية أي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-سؤال يطرحه: هل تفيد اليقين؟ يقول: \"قيل: لا؛ لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة\" أي لتوقف النقل على العلم بالوضع، أي بوضع اللغة ومراد من؟ مراد المتكلِّم، والأول، أي الوضع، \"والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف وأصولها، \" أي أصول هذه العلوم، أي نقل اللغة والنحو والصرف تثبت برواية الآحاد \"وفروعها بالأقيسة وكلاهما ضنيان، والثاني\"، أي الإرادة، \"مراد المتكلِّم يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير؛ الكل، \" أي كل هذه السبعة، \"لجوازه لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن\" أي بعد العلم بالوضع والإرادة وكون\n_________\n(^١) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).","vol":"1","page":271},{"text":"هذين الأمرين ظنيين، \"ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدِّم على الدليل النقلي قطعًا\"، ما الرأي في هذا الكلام؟ إذ لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعًا، فعلى هذا الزعم فالمسألة ليس فيها نقاش عندهم.\n\"إذ لا يمكن العمل بهما\"، هذه الفرضية التي يفرضونها وذكرناها، إذ لا يمكن العمل بهما، كيف يعمل بعقلي ونقلي وهما متعارضان؟، \"ولا بنقيضهما، وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع، \" وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل وقد بينَّا كيف أنهم جعلوا العقل أصلًا في ثبوت وجود الله ثم في ثبوت النبوة ثم في إثبات ما جاء به النبي، فما جاء به النبي فرع عن الأصل الذي هو العقل.\nقال: \"وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال للفرع. \" يعني إذا أبطلنا الأصل فإن بطلان الأصل يلزم منه إبطال الفرع، \"وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا. \" إلى أن قال هنا -يعني في نهاية هذا الكلام: \"نعم في إفادته اليقين في العقليات نظر؛ لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي. \" إلى آخر كلامه في هذه المسألة.\nفهذه قواعد القوم التي يؤصلونها في كتبهم، ولذلك لو تصفَّحت أي كتاب أشعري في هذين البابين في الإلهيات والنبوات لن تجد قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ\nوهذا نموذج من كتبهم التي تحتوي على كلام فلسفي منطقي يؤصِّلون عليه قواعدهم في باب الأسماء والصفات، ثم على أساس ذلك يقولون في صفات الله تعالى ما يشتهون وما يريدون ويردُّون كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ-وهذه المسائل عامة الناس لا يعرفونها وبحمد الله في نفوس عامة الناس من تقديسٍ واحترامٍ للكتاب والسنة ما يعلمه كلُّ واحد منَّا، لكن مثل هذه الأمور يخفونها عن عوامِّهم.\nوهذا كلام الغزالي يبين لك أن هذه العقيدة تخفى عن العوامِّ وتعطى لمن لخواصِّهم، يقول: الدعوة الثامنة. هذا كلام الغزالي في الاقتصاد، \"الدعوة الثامنة: ندعي أن الله تعالى منزَّه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش؛ فإن كل متمكن على جسم (^١) ومستقر عليه مقدر لا محالة، فإنه إما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.\nفإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.\nوقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.\nوالنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.\nفإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.\nفمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.\nوذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.\nوإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.\nإذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.\nولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.\nلكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.","vol":"1","page":272},{"text":"أو مساويًا له، وكل ذلك لا يخلو عن التقدير وأنه لو جاز أنه يماسه جسم من هذه الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات فيصير محاطًا به، والخصم لا يعتقد ذلك بحال وهو ولازم على مذهبه بالضرورة وعلى الجملة لا يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض. \"\nطبعًا هذه كلها شُبَه عقلية يوردونها على نفي خبرٍ الله تعالى أخبر به، إذ قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أخبر-﷿-بهذا، فيأتون بهذه الأمور وسنأتي إلى كلام شيخ الإسلام ويعرض فيها بعض هذه الشبه التي يقولونها.\n\"وعلى الجملة أعني لا يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض، وقد بان أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض فلا يحتاج إلى إقران هذه الدعوة بإقامة البرهان، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وما معنى قوله ﵇: يَنْزِلُ اللهُ ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا (^١). قلنا الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل، ولكن نذكر منهجًا في هذين الظاهرين يرشد إلى ما عداه. يضع قاعدةً ومنهجًا يعني ما يأتي بعده يسير على هذا المنهج وعلى هذه القاعدة \"وهو أنا نقول: الناس في هذا فريقان: عوام وعلماء، والذين نراه اللائق بعوام الخلق ألا يخاض بهم في هذه التأويلات. \" ألا يخاض بهم في هذه التأويلات، \"بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه ويدل على الحدوث ونحقق عندهم أنه موجود ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. \"\n\"فإذا سألوا. \" أي سأل العوام؛ \"عن معاني هذه الآيات زجروا عنها وقيل: ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل علم رجال، ويجاب ما أجاب به مالك بن أنس ﵁ وبعض السلف حيث سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب. هذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات. \" ويبررون لهذا بأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات، \"ولا إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم توسيعات العرض والاستعراض. \" يعني لا تتسع للمنطق والفلسفة وهل يعقل مثل هذا التعليل لهذا الأمر.\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).","vol":"1","page":274},{"text":"فهل النبي-ﷺ-قسم أصحابه إلى قسمين، فقال: تعال يا فلان وفلان، أنتم علماء أعطيكم هذا العلم، وأنت يا فلان وفلان أعرضوا عن هذه النصوص لأنكم لا تفهمونها لكونكم عوام سأعطيكم علمًا آخر؟ فهذا تعليلهم؛ \"لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات، \" أي لا تتسع للمنطق والفلسفة.\n\"وأما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمهم، ولست أقول أن ذلك فرض عين، إذ لم يريد به تكليف وللتكليف التنزيه عن كل ما تشبه بغيره. \" إلى آخر كلامه، فإذًا قسم الناس إلى عوام وعلماء، وعلل بأن العوام لا يخاض فيهم في هذه المسائل لأن عقولهم لا تتسع لقبول المعقولات.\nفعلى هذا الزعم جعل الشريعة فيها خطاب للعوام وفيها خطاب للعلماء، وكأن هذه العقيدة الموجودة في القرآن والسنة هذه عقيدة العوام، وأما الأشعرية ومنهج الأشاعرة فهذا عقيدة العلماء، فالذي يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقول النبي ﷺ \"يَنْزِلُ اللهُ ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا \" (^١) إنما هما خطاب للعوام، وذلك يعني أن من كان على الكتاب والسنة هم ما زالوا في عاميتهم وعقولهم لا تتسع لقبول المعقولات أي المنطق والفلسفة.\nهذا ميزانهم، ولذلك لاحظ أنت اليوم على مدارس الأشاعرة كيف أنها تهمل مصطلح الحديث، فإهمالهم لعلم مصطلح الحديث وتركيزهم على علم المنطق هذا دليل على أنه لو نشؤا فيه الناشئة على هذا الميزان الذي هو عند أهل الحديث لانعكس الأمر وانقلب عليهم، ولذلك علم مصطلح الحديث يعدُّ شوكةً في حلوقهم، فلو وجد هذا العلم وانتشر لكان هذا فيه أكبر رد عليهم.\nولذلك ابن حجر يعارضهم في هذه المسألة، ويردُّ عليهم في هذه المسألة، وهي حجية خبر، خبر الواحد أو أخبار الآحاد وهل يحتج بها أو لا يحتج بها، واقرأ في هذا، مقدمة ابن حجر في فتح الباري تجد أنه يصارع الأشاعرة في هذه المسألة ويرد عليهم ويرد على المعتزلة.\nفالخلاف في مصدر التلقي واضح، لذلك هذا الخلاف على أساسه تجد أنه ينعكس في مسائل الاعتقاد، فخذ مسألة التوحيد، وقارن بين مفهوم التوحيد الذي يقرره أهل السنة والتوحيد والذي يقرره الأشاعرة.\nفالتوحيد الذي يقرره أهل السنة يقوم على معرفة أسماء الله وصفاته، الإقرار\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":275},{"text":"بربوبيته وإفراده بالعبادة، فلا بد من هذه الأمور مجتمعة، فلا يتم توحيد العبد حتى يكون مؤمنًا بأسماء الله تعالى وصفاته، مؤمنًا بربوبيته ومفردًا له بالعبادة والألوهية.\nأما التوحيد الذي عند الأشاعرة فهو فقط منحصر في مسألة واحدة وهي قضية الربوبية، طبعًا ويعرفون التوحيد بقولهم: إن الله واحد في ذاته لا شريك له، وواحد في أفعاله لا ند له، وواحد في صفاته لا نظير له فقولهم: واحد في ذاته؛ فهذا إذا نظرت فيه وتأملت فيه تجد فيه إنكار لأن يكون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فهم يحشون هذا الجانب بمسائل إنكار الجهة وإنكار الحيز وإنكار المكان إلى غير ذلك من النفي الذي لو جئت تتأمل فيه تجد أنهم لا يثبتون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فإذا كان قائلهم يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباينًا له ولا محايدًا له (^١). إذًا هذا وصف المعدوم، فهذا قولهم \"واحد في ذاته\".\nوأما قولهم \"واحد في أفعاله\" فهذا الذي يسلم لهم من التوحيد، وهذا القدر الموجود عندهم وهو الإقرار بربوبيته.\nوأما واحد في صفاته فهو عند المتأخرين سبع صفات وإن أوصلوها إلى عشرين صفة وهو عدد زائف لا يخلص منه إلا هذه السبع التي ذكروها وإن كان في إثبات صفة الكلام مخالفة للحق.\nأما توحيد الألوهية فلا ذكر له، ولذلك انظر إلى أي مجتمع أشعري أو ماتريدي تجد أن الشرك قد تفشى فيه.\nإذًا أي توحيد هذا الذي يقرر ويعلم، الذي في الوقت ذاته وفي الوقت نفسه تجد معالم الشرك موجودة ومنتشرة، ولا تجد من يردع ذلك حتى بين علمائهم، ليس الأمر مقتصرًا على جهالهم، لو كان الأمر مقتصرًا على جهالهم لقلنا هذا لجهلهم، ولكن حتى علماؤهم يَدْعون إلى هذا الشرك ولا يرون فيه مخالفةً أو مناقضةً للتوحيد.\nفإذًا فرقٌ بين توحيد أهل السنة وتوحيد الأشاعرة؛ فإن توحيد أهل السنة يعني إفراد الله بأسمائه وصفاته كلها وإفراد الله بربوبيته وإفراد الله بعبادته، وهذا هو التوحيد عند أهل السنة، ولا يتم توحيد العبد حتى يوحد الله في هذه الأمور المجتمعة، ولذلك تجد أن أهل السنة أبعد الناس عن الشرك ومظاهره حتى عند عوامِّهم، تجد أن العامِّي يعرف أن فعل هذه الأمور يؤدي إلى الشرك ولذلك تختفي معالم الشرك متى ما وجد اعتقاد أهل السنة.\n_________\n(^١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الخامس صفحة (١٢٨).","vol":"1","page":276},{"text":"أيضًا من بين مخالفاتهم في التوحيد أنهم يقولون: إن أول واجب على المكلف النظر، والنظر عندهم يسبقه شك، فيقولون: يجب على المكلف أن يجرِّد ذهنه من أي اعتقاد سابق، ثم بعد ذلك يبدأ وينظر في الأدلة حتى يكون عنده إيمان من غير تقليد، ولذلك عندهم مسألة: هل إيمان المقلِّد يصح؟ فالبعض منهم يقول: لا يصح، والبعض منهم يقول: يصح ولكنه يكون عاصيًا بترك هذا الاستدلال.\nوهي مسألة من أساسها فاسدة؛ لأنه ما من أحد يفعل مثل هذا فيكون عندما بلغ سن البلوغ والتكليف جرَّد ذهنه من كل اعتقاد وبدأ ينظر في وجود الله تعالى وفي الإيمان وفي التوحيد.\nفهذه مسألةٌ، كثيرٌ من الأشاعرة يبدأ بها، فانظر مثلًا كتاب الإرشاد للجويني، أول مسألة في كتاب الإرشاد للجويني، مسألة باب أحكام النظر، فيقول: اعلم أن أول واجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ النظر أو القصد إلى النظر. (^١) أوجب شيئًا ما أوجبه الله تعالى؛ ولم يوجبه رسوله ﷺ.\nولذلك من المضحك أنهم يفرِّعون على هذه المسألة مسائل في الفقه؛ ويقولون: لو أن شخصًا تزوج بجارية قبل البلوغ، فما حكم العقد بعد البلوغ؟ فالبعض يفتي بوجوب تجديد العقد بعد البلوغ؛ لأن الإيمان السابق لا يعتد به وإنما الإيمان يبدأ بعد البلوغ.\nومسائل الصفات وهي محل مثل هذه الفتوى، نتحدث عنها -إن شاء الله-عندما ندخل في هذه المسائل في مسائل الصفات.\nقال ابن تيمية: \"ومن سلك الطرق الشرعية النبوية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه الذي كان عليه قبل البلوغ ثم يحدث نظرا يعلم به وجود الصانع، ولم يحتج إلى أن يبقى شاكّا مرتابا في كل شيء وإنما كان مثل هذا يعرض للجهم بن صفوان وأمثاله فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يوما لا يصلي حتى يثبت أن له ربّا يعبده، فهذه الحالة كثيرا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام الذين ذمهم السلف والأئمة، \" (^٢)\nأما توحيد الألوهية فلا ذكر له؛ لأن المعتقد الأشعري معتقد يقوم على مسائل النظر دون مسائل العمل، ولذلك ما من أشعري إلا وهو بحاجة إلى الصوفية، فترى قائلهم يقول: أنا أشعري العقيدة نقشبندي الطريقة أو رفاعي الطريقة أو تيجاني\n_________\n(^١) انظر كتاب الإرشاد صفحة (٢٥).\n(^٢) شرح العقيدة الأصفهانية ١/ ١٨٢","vol":"1","page":277},{"text":"الطريقة أو غير ذلك، والسبب في ذلك لأن مسائل هؤلاء هي مسائل نظرية علمية وليست مسائل عملية تطبيقية، وبالتالي لن تجد عندهم مسائل العمل، وأقرب شيء في هذا التوحيد، يحصرون التوحيد في معرفة الله دون عبادة الله، حتى في الإيمان بالنبي ﷺ وهذا باب النبوات، تجد أنهم عندما يعرفون الإيمان بالنبي ﷺ يحصرون هذا الإيمان في تصديقه ويهملون اتباع النبي ﷺ، ولذلك ما من مجتمع أشعري إلا وتتفشَّى فيه البدع، فلا ترى إيمانًا بالنبي ﷺ لا يقام فيه للسنة لواء، ولا يدعى فيه إلى السنة ولا تحارب فيه البدعة؟ وأي سنة أو ليست سنة النبي ﷺ؟ أو ليست البدعة هي ما أحدث في دين النبي ﷺ؟\nفما من مجتمع أشعري أو ماتريدي إلا وتجد فيه البدعة متفشيةً والسنة تحارب، فهم لاعتقادهم هذا الذي يقوم على جوانب التصديق أهملوا جانب الاتباع.\nفهذا الخلل موجود في أصلي الدين أي في التوحيد والاتباع، فلا إله إلا الله، يفسِّرونها لا خالق ولا رازق، فيفسِّرون الإله بالقادر على الاختراع، فيفهمون الناس ويعلمون صبيانهم أن التوحيد فقط الإقرار بوجوده، وأنت تأمَّل ما يقرَّره هؤلاء في مدارسهم، لا تجد ذكرًا لتوحيد الألوهية، وعندما يقررون محمدًا رسول الله يقررونها في نطاق معين وهو التصديق، دون الاتباع، وهذا قصور نتج عنه تفشِّي البدع، ولذلك لما يقوم أهل السنة بالدعوة إلى توحيد الألوهية والدعوة إلى السنة والاتباع؛ تجد هؤلاء يحاربون ويقاومون ذلك، وأكثر ذلك ناتج عن جهلهم؛ لأنهم ما علموا ولا عرفوا قيمة توحيد الألوهية، ولا علموا ولا عرفوا قيمة اتباع النبي ﷺ فترى الواحد منهم لا يفرق بين السنة والبدعة، ولا يفرق بين التوحيد والشرك، فهو إن كان يقوم ويصلي ويركع ويسجد لله تعالى ولكن لا مانع عنده أن يدعو غير الله تعالى، أو حتى أن يطوف بغير بيت الله تعالى، أو حتى أن يسجد ويركع لغير الله تعالى، فهذا واقع فعلي يشهد بأن هؤلاء عندهم خلل كبير في جانب التوحيد وجانب النبوة؛ لأنهم حصروا ذلك في قضايا نظرية تصديقية؛ لأن الأساس في المنهج الفلسفي أنه يعتمد هذه الأمور على أساس نظري دون أساس تطبيقي، فمن هنا حدث الخلل.\nإذًا نبذٌ للكتاب والسنة في هذه المسائل شيء خطير لا يقبل به أي إنسان عرف الحق ودان لله بالحق.\nوفي تلك المجتمعات خلل في التوحيد وخلل في الاتباع، نتج عنه ما نتج من","vol":"1","page":278},{"text":"مجتمع جاهل بالتوحيد جاهل بالسنة، حتى إن السنة لو فعلت لحوربت، فأميتت السنة وأحييت البدعة، وهذا هو الواقع، فإذا جئت تدعوهم إلى هذه الأمور حاربوك، وكما قيل: من جهل شيئًا عاداه.\nفلا تتخيل أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة خلاف طفيف أو سطحي أو بسيط بل خلاف في العمق والأصل.\nتعال إلى مسألة الإيمان، فما الإيمان عند الأشاعرة وما الإيمان عند أهل السنة؟ فالإيمان عند أهل السنة اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، وأما عند الأشاعرة فإن الإيمان هو التصديق، وهذه عودة للقضية الفلسفية، فهذا الإرجاء ناتج عن هذا الفكر.\nوالمرجئة هم الجهمية والأشاعرة والماتريدية والكرامية والكلابية، وكذلك يعدون مرجئة الفقهاء، فتجد أن الفرق التي ذكرنا وهي الخمس كلها تميل إلى الناحية الفلسفية، فهذا الفكر الفلسفي يحصر هذه القضايا في إطار محدود ضيق وهو الإطار النظري، وبالتالي عندما يعلم ويعرف أبناء هذه الأمة أن الإيمان هو التصديق ينشأ عن هذا إيمان قاصر ناقص في النفوس، فلذلك تلاحظ أن التطبيق ضعيف؛ وانظر هذا في واقع تلك المجتمعات، فإما أن يأخذ التطبيق من منهج صوفي مليء بالبدع والخرافات، أو ينشأ على أنه فقط عَرَف الله وصدَّق برسول الله ﷺ فهذا هو المطلوب على حد زعمه.\nفتجد الواحد إذا أراد التديُّن وأراد العمل والتطبيق يلجأ إلى الصوفية، فلا يجد في الأشعرية ما يحفزه إلى العمل والتطبيق؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإنما إذا أراد التديُّن فإن في مخيلته أن التديُّن والعمل لا يأتي إلا من طريق الصوفية، فيقع في أحضان البدعة والخرافة أو يبقى تحت هذا الفكر وتحت سيطرته فيرى أن هذه المسائل والقضايا هي تصديقية وليست قضايا عملية، وهذا واقع أو ليس واقع؟ وبالتالي من يشكو ويندب حال تلك المجتمعات المسلمة وأنها مجتمعات لا تمتثل الإسلام امتثالًا صحيحًا، فلا تقيم شعائر الله ﷾\nمن أكثر العوامل التي أدت إلى ذلك هو تطبيق هذه المناهج، فترى الواحد منهم لا يعرف من العمل إلا ما يعرفه من خلال التصوُّف المنحرف الذي يجعله نابذًا للدنيا منسلخًا منها معتكفًا في زاويته أو في خلوته، ويعيش ويتكفف الناس ويسألهم رزقه وقوته في ذلك اليوم.","vol":"1","page":279},{"text":"فهذا هو الواقع الذي آل إليه المجتمع الإسلامي، وكل هذا تحت سيطرة فكر الإرجاء، فهل هناك التزام في أشخاصهم وفي ذواتهم؟ هل هناك التزام في أسرهم؟ هل هناك التزام في مجتمعاتهم؟ كل هذا ضعيف إلا ما قد يأتيهم عن طريق التصوف، أما كمنهج أشعري فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فبالتالي بناءً على هذا الفكر الإرجائي، وأن الإيمان ينحصر في المعرفة والتصديق، فإنه بذلك يكفيهم في التوحيد أن يعرفوا الله تعالى ويكفيهم في الإيمان بالنبي ﷺ-أن يصدقوا بنبوته.\nلكن في التطبيق لا يوجد ذكر لهذا في كتبهم، واقرأ في ذلك ما يدرَّس حتى في المختصرات التي تدرَّس في مدارسهم، وبالتالي كيف تطلب من ناشئ ينشأ على هذا الفكر؛ كيف تطلب منه التوحيد على الوجه الصحيح؟ وكيف تطلب منه تطبيق السنة على الوجه الصحيح؟ وكيف يحيا على حبها وعلى التمسك بها؟ وكيف يحرص على تعلمها؟\nولذلك تجد أن كتب السنة مثلًا لا تدرس إلا للبركة، وكثير من هذه المدارس نعم قد تضع في ضمن مقرراتها صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلى غير ذلك، ولكن إنما هذه فقط للاطلاع والقراءة، ويبقى المنطق والفلسفة هي الأصل والمعتمد في الاعتقاد، إلا ما استثني من ذلك في قضايا البعث والنشور، وكذلك ما يتعلق بمسائل الفروض، بمسائل العبادات ومسائل العمل، مسائل العبادات والمعاملات؛ فإن هذه يأخذونها من الكتاب والسنة.\nلكن مسائل الاعتقاد هي الأصل والأساس الذي على أساسه يستقيم العمل ويستقيم الفكر ويستقيم السلوك وتستقيم الأحوال كلها، وإن فسد الاعتقاد فإن هذا الفساد يظهر أثره سلبًا على أحوال الناس وعلى أفعالهم وعلى سلوكياتهم، وما ذكرناه وأشرنا إليه من ظهور الشرك وظهور البدع، وكذلك تفشي الإرجاء في كثير من الناس إنما سببه مثل هذه الأفكار.\nفتأتي للواحد منهم فتقول له وتخوِّفه وتذكِّره بالجنة والنار، وتقول له: يا فلان، صلِّ الصلاة، فيقول لك: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، أنتم أناس متشدِّدون؛ لأنه نشأ على هذا الفكر وعلى هذا الفهم حتى وصل التساهل إلى حدِّ الصلاة، التي هي عمود هذا الدين؛ والتي من تركها فقد كفر.\nوتجد من مثقفيهم ومفكريهم أنه يتحدث عن الإسلام ويتحمس للإسلام ودعوة الإسلام، ولكنه في حاله وفي أسرته تجد أنه على عكس وعلى خلاف ما يقول، ولو","vol":"1","page":280},{"text":"نظرت إلى مظهره وإلى شكله لوجدت أن فعله يناقض قوله، وأن الإسلام في وادٍ وهو في وادٍ، فكيف مثل هذا يكون أهلًا لأن يدعو وأن يتحدث عن هذه المسائل، فهذا في ناحية الإرجاء.\nولو جئت إلى القدر فالأشاعرة جبرية؛ لأنهم يقولون بالكسب، وكسب الأشعري هذا من محالات العقول، يقولون: \"محالات العقول ثلاثة: كسب الأشعري، وطفرة النظام، وأحوال بني هاشم\"، فمن ضمن محالات العقول كسب الأشعري الذي هو في حقيقته القول بأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، ولا شك أن هذا يؤثر في عقائد الأمة عندما تنشأ الأمة على مثل هذا.\nفحقيقة قول الأشاعرة في مسائل القدر هو بعينه قول الجهمية في مسألة القدر، وهو أن العبد مجبور، ويمثلون لهذا فيقولون: كشخص راكب في سفينة لا يدري إلى أين تذهب به، فمثل هذا إذا نُشئ الإنسان عليه فكيف سيكون حاله مع العمل ومع العبادة ومع الترغيب والترهيب؟\nفهذه من المسائل التي هي من مسائل الخلاف في الاعتقاد بين أهل السنة وبين الأشاعرة، والمسائل في هذا كثيرة، كثيرة مدونة في كتب الاعتقاد.\nفحقيقة الاختلاف بين أهل السنة والأشاعرة أن الخلاف كبير في مسائل الاعتقاد وبالأخص في المسائل الكبار، وبالأخص مع متأخري الأشاعرة؛ لأنهم أكثر قربًا إلى المعتزلة، فكثير من أفكار المعتزلة موجودة عند هؤلاء بل إنهم لو عقدت مقارنةً بين الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لوجدت أن الأشاعرة أقرب إلى الجهمية في كثير من المسائل.\nلو جئت في الإيمان، فالمعتزلي يقول: الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الجهمي مثل الأشعري، والأشعري مثل الجهمي، فالجهمي يقول: إيمان المعرفة، والأشعري يقول إيمان التصديق، وهو في حقيقته قول الجهمية.\nلو جئت في القدر لوجدت أن المعتزلة قدرية والجهمية جبرية، والأشاعرة كذلك جبرية، فكثير من المسائل هؤلاء الأشاعرة أقرب إلى الجهمية.\nوهناك مسائل مثل مسألة الرؤية، فالأشاعرة يثبتون رؤية الله ﷾-يوم القيامة ولكن يقولون: لا في جهة ولا في مكان، يرى لا في جهة.\nفي مسألة كلام الله ﷿-فهم يقولون بالكلام النفسي، فيثبتون الكلام لكنهم لا يثبتون الحرف والصوت، ويثبتون أصل الكلام لكنهم يقولون إنه كلام نفسي،","vol":"1","page":281},{"text":"ويقولون مع ذلك هذا القرآن إما حكاية أو عبارة عن كلام الله ﷾، فيقولون: إما أن جبريل ﵇ حكى كلام الله ﷿ أو أن جبريل ﵇ عبر عن هذا الكلام، وهذا من بعض معتقدات القوم.\nفبالتالي نعلم أنه لا يمكن أن يكون هناك التقاء في مثل هذه المسائل ما دام أن الأصل فيها مختلف، فلا بد من تصحيح ولا بد من تقويم لهذا الحال الذي عليه كثير من مجتمعات المسلمين؛ إذ تفشَّى فيها إما منهج الأشاعرة وإما منهج الماتريدية.\nوهذا يكون على أيدي مَنْ عرف الحق وانتصر للحق، فالمسألة ليست تعصُّبًا إلى طائفة بعينها أو تعصُّبًا إلى أشخاص بأعيانهم، المسألة إما أن تكون مع القرآن والسنة ومع الحق، وإما أن تكون محاربًا ومعاديًا للكتاب والسنة.\nفخصمك كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ إن أنت قلت بخلافه وليس خصمك أحمد بن حنبل ولا ابن تيمية ولا ابن القيم ولا محمد بن عبد الوهاب، لا إنما خصمك هو الله ﷿، إنما خصمك كتاب الله ﷾ وسنة نبيه ﷺ فإما أن تحييها وإما أن تميتها، إما أن تدعو إلى الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة رضوان الله عليهم وتأخذ بهذا المنهج تأصيلًا وعلمًا وتعلمًا وتعليمًا ودعوةً وإما أن تترك هذا المنهج، فالمسألة ليست عملية تلفيق أو عملية توسُّط كما يزعم البعض؛ فيقول مثلًا: إن الأشاعرة توسَّطوا بين المعتزلة وأهل الحديث، فاختاروا منهجًا وسطًا، فأخذوا بالعقل في شيء وأخذوا بالنص في شيء، سبحان الله، فكيف تكون مسائل الدين منقسمة إلى ما يؤخذ من النص وما يترك للعقل، هل هذا يقبل؟ هل هذه القسمة تقبل في دين الله تعالى؟\nولذلك يقال لهذا الأشعري: لماذا تأخذ بصحيح البخاري ومسلم في مسائل العبادات والمعاملات ومسائل البعث والنشور والشفاعة والحوض والميزان والصراط وغير ذلك، وتترك هذا في أصلي الدين لا إله إلا الله محمد رسول الله، كيف يقبل مثل هذا؟\nفهذه نبذة عن حقيقة الخلاف الدائر بين الأشاعرة وبين أهل السنة، فهل يقول قائل بعد ذلك بأن هذا الخلاف سطحي أو أنه خلاف بسيط؟ والحقيقة أنه خلاف في الجذور والأصول، فإما أن نغرس في النفوس التمسك بالكتاب والسنة، وأن تنهل من مناهل الكتاب والسنة وتعرف كلام الله تعالى وكلامه رسوله ﷺ-وتتمسك بفهم","vol":"1","page":282},{"text":"السلف الصالح رضوان الله عليهم، أو نضرب بهذا كله عرض الحائط ونأتي بمنطق وفلسفة مركَّبتين من عند هؤلاء ونبدأ نقرِّرهما ونعلِّمها.\nفالمسألة مسألة مشارب، ومسألة تلقِّي، ومناهج في الأصل، فلا تخلو اليوم مدارس الناس ومنهاجهم كما ذكرت سالفًا من أحد ثلاثة مناهج، إما منهج يعتمد الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، أو منهج يعتمد الفلسفة وعلم الكلام، أو منهج يعتمد الباطنية إما في شكلها الرافضي أو في شكلها الصوفي، المدارس لا تخرج عن هذا.\nفأي إنسان لا شك أنه يأتي فارغًا ويأتي ليتعلم وليملأ قلبه وعقله بعلوم، ولكن ما كل العلوم علوم، ولا كلها يوصل إلى الحق وإلى الهدى وإلى الصراط المستقيم، فأنت عندما تأتي لتتعلم، ولو كنت عالما لما جئت ولا ما حضرت، فتدرس هذه العلوم على هذا المنهج وعلى هذا الأساس، ولكن إن ذهبت إلى أماكن أخرى فإما أن تجد منهجًا فلسفيًّا؛ فأول ما تُعلَّم وتلقَّن مبادئ المنطق والفلسفة، أو تربَّى تربيةً صوفية تقوم على تقديس الأشخاص والأعيان، فأخرَجوا الناس من عبودية الأوثان إلى عبودية الإنسان وسخَّروه، سخَّروا أولئك المريدين لأهدافهم وأغراضهم، وغرسوا في نفوسهم تقديس أناس بأعيانهم وبأشخاصهم حتى شرعوا في دين الله تعالى ما لم يأذن به الله ﷿\nفينبغي على الإنسان أن يتصور حجم الخلاف، فكما قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فأنت تسمع بأهل السنة وتسمع بالأشاعرة وتسمع بالمتصوفة، فلا بد أن تعرف أن الخلاف عميق وكبير بين هذه المناهج الثلاث، وأن الحقَّ أحقُّ أن يتبَّع، وصدق الله ﷿ إذ قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]\nفهذا شيء من حقيقة الخلاف الذي يدور في هذه المسائل وفي غيرها، وستجد هذا -إن شاء الله-تطبيقًا عندما نأتي للحديث عن مسائل الصفات، وكيف أن هؤلاء أخرجوها عن الكتاب والسنة وقالوا فيها بقول لا أصل له في الكتاب أو السنة، وقرَّروا فيها أمورًا لا أساس لها من الدين كما هو معلوم.\nفينبغي أن يعرف عظم الخلاف القائم بين أهل السنة والأشاعرة، وأن هذا الخلاف في الصلب والصميم، فإما أن ينتصر الإنسان لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-ويعتمدهما أصلًا في دينه، ويرى فيهما أنهما هما الدين الذي يجب أن","vol":"1","page":283},{"text":"يدين لله ﷿-به وإما أن يتخذ منهج هؤلاء منهجًا يرتضيه لنفسه ولدينه وللناس أجمعين.\nوللأسف إذا قيل للأشاعرة أو قيل للماتريدية هذا الكلام، فإن البعض يغضب لإخراجهم عن عقيدة أهل السنة والجماعة، ويراهم أنهم من أهل السنة والجماعة، ونحن إذا تكلمنا في هذا نقصد المنهج، أما أعيان هؤلاء فهذه مسألة أخرى، بحسب ما يعتقد الإنسان في هذا الأمر.\nأما من حيث المنهج، فإن المنهج الأشعري منهج لا يمتُّ إلى السنة بصلة في هذه الأبواب، بل هو يهدم السنة ويقف منها موقف العداء من هذه النصوص ويقدِّس تلك المعقولات التي جاءت به عقول هؤلاء التي هي رد لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ\nويكفي أنهم بأنفسهم يعترفون بذلك ويقولون: طريقة السلف وطريقة الخلف، فيعترفون أن ما عندهم من بضاعة ليست هي البضاعة التي جاء بها سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم، ويكفي أنهم يصفون هذه العقيدة لهذه الأمة بأنها عقيدة عوام، فمن أراد عقيدة الأشاعرة يجدها في كتبهم، التي تتصفح فيها عشرات الصفحات فيها فلا تجد فيها قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ-وتقرر فيها مسائل وأمور ليست من أمور الدين بل هي على ضدِّ ما جاء به الدين.\nوعلى الإنسان أن يعرِّف طلبة العلم بحقيقة هذا المنهج، وبخطورة هذا المنهج وبضرره على منهج الكتاب والسنة، فإذا كان في الإنسان حبٌّ لله ﷿-وحبٌّ لرسوله ﷺ-فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]\nفإذا كان في القلب حبٌّ حقيقي لله ﷿-فإن حبَّ الله تعالى برهانه ودليله: هو اتباع النبي ﷺ-والسير على هذا المنهج علمًا وعملًا ودعوةً.","vol":"1","page":284},{"text":"(٤٦) \"وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي التي ذكرها في كتابه\"\n<hr><s0>\n\nهذا تمهيد لما سيقوله المصنف؛ أن هؤلاء ذمهم هؤلاء الأئمة، ذمُّوا بشْرًا وذمُّوا من كان في طبقته، فقد كان خصم الشافعي في ذلك الوقت حفص الفرد، وكان يسمى حفص القرد.\nوكان خصم أبي يوسف صاحب أبي حنيفة هو بشر المريسي، حتى أنه أحضره واستتاب وقال: ائتوني بشاهدين لكي أحكم بقتله (^١).\nفشيخ الإسلام يريد أن يؤكد أن هذه التأويلات الموجودة اليوم عند الأشاعرة والماتريدية هي نفسها تأويلات بشر المريسي الذي قد قال فيه الأئمة ما قالوه.\nفإذًا، كل من أخذ بتأويلات بشر فحكمه حكم بشر، وانظر هذا في ردِّ الدارمي على بشر المريسي، وهو كتاب مطبوع، فالدارمي ردَّ على بشر المريسي وذكر تأويلات بشر المريسي وتحريفاته، وهذه التحريفات هي بعينها الموجودة اليوم في كتب القوم.\nفينبغي على الإنسان أن ينظر في هذه الكتب، فإن كنت شافعيًّا! فلماذا لا تقرأ أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، واللالكائي شافعي حتى لا يقول إنسان: هذه عقيدة الحنابلة، فهو ينقل نقولًا كثيرةً عن الشافعية وغيرهم في حكم هؤلاء، وفي حكم تأويلاتهم.\n_________\n(^١) انظر كتاب الفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية صفحة (٣٤٣).","vol":"1","page":285},{"text":"لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا هؤلاء الأشاعرة يأخذون أقوال الشافعي في الفروع ويقبلونه ويرتضون كلامه، ولا يرتضونه في الاعتقاد وفي مسائل أصول الدين، وهذا من العجيب؛ كيف يتعاملون معه في مسائل ويتركونه في مسائل؟! وهم لا يستطيعون أن يأتوا بحرف واحد عن الشافعي-﵀-يؤيد هذه التحريفات، وتدل على أنه قال بمثل تأويلاتهم وتحريفاتهم، بل إن الشافعي وقف خصمًا لهؤلاء كما وقف لحفص الفرد في هذه التأويلات، وكان يسميه حفص القرد.\nفهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، أي الموجودة عند الأشاعرة والماتريدية، مثل أكثر التأويلات التي ذكرها ابن فورك، وابن فورك له كتاب تأويل مشكل الحديث وهو كتاب مطبوع، فانظر إلى تأويلاته تجدها بضاعة بشر المريسي ومن سلك سبيلهم من الجهمية.\nفقبل أن تُعرف الأشعرية، وقبل أن تُعرف الكلابية، كانت هذه التأويلات موجودة وهؤلاء أخذوها وتلقَّفوها منهم، حتى إن المتأخرين من الأشاعرة أيضًا وصلوا إلى درجة في النفي للصفات قاربوا فيها المعتزلة؛ لأن كلًّا من إمام الحرمين الجويني والغزالي والرازي تأثروا كثيرًا بالمعتزلة، بل ولم يكتفوا بذلك حتى تأثروا بالفلاسفة.\nفهذا ابن العربي يقول عن شيخه أبي حامد الغزالي، يقول عنه: \"أمرضه الشفا\" (^١). والشفا لابن سينا، الشفا ليس شفا القاضي عياض.\nويقول: \"شيخي أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة فما استطاع أن يخرج منهم\" (^٢)، فتأثر بكلام هؤلاء أو بضاعة هؤلاء.\nفهذه التأويلات مذكورة في كتاب مشكل الحديث لابن فورك، ومذكورة كذلك في تأسيس التقديس الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتاب نقض تأسيس الجهمية، رد ابن تيمية ﵀-على الرازي في كتابه تأسيس التقديس، رد عليه بكتاب نقض تأسيس الجهمية، وذكر فيه كلام الرازي ورد عليه، وهو كتاب يقع في مجلدين.\nوقول المصنف: \"ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء\". فبعد أن ذكر مثالًا للأشاعرة وهو ابن فورك وهو من المتقدمين، والرازي وهو من متأخري الأشاعرة، فقال المصنف: \"مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» \"\n_________\n(^١) انظر كتاب الرد على المنطقيين صفحة (٥١٠).\n(^٢) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الأول صفحة (٥).","vol":"1","page":286},{"text":"فبين تأثر الأشاعرة بالمعتزلة، فقال: \"ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري\" وهؤلاء جميعهم معتزلة.\nثم بعد ذلك ذكر تأثر بعض المتأخرين من الحنابلة بالأشاعرة المتأخرين فذكر تأثر ابن عقيل، وهو من الحنابلة الذين تأثروا بالأشاعرة في هذه المسائل، فهناك من الحنابلة من تأثر بالأشعرية الموجودة في بغداد فقال المصنف: \"وأبي الوفاء بن عقيل، \" ومن ثم أشار إلى الغزالي، والغزالي من الأشاعرة فقال المصنف: \"وأبي حامد الغزالي وغيرهم\"","vol":"1","page":287},{"text":"(٤٧) \"وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء. فإنما بيَّنت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي\"\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا ولهم كلام حسن في أشياء. \"\nيعني يوافقونهم في أشياء، ويخالفونهم في أشياء، لأن الجهمية ينفون جميع الصفات، ومن الأشاعرة المتقدِّمين من ينفي بعض الصفات ويثبت البعض الآخر، والمتقدِّمون من الأشاعرة أفضل من المتأخرين من الأشاعرة؛ لأن المتقدمين من الأشاعرة كان تأويلهم وتحريفهم في صفات الأفعال الاختيارية؛ لأن الصفات عندهم على ثلاثة أقسام: صفات ذاتية، وصفات خبرية، وصفات فعلية.\nالصفات الذاتية: مثل العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، والصفات الخبرية: كان المتقدِّمون من الأشاعرة يثبتونها كالوجه واليدين والعين وغير ذلك، فانظر إلى كتب الأشاعرة من المتقدمين تجدهم يثبتون هذا، يثبتون هذا ولكن كان تأويلهم في الصفات الفعلية.\nوتأويل المتقدمين الذين يؤوِّلون الصفات الفعلية تأويلهم فيها على قسمين\nالقسم الأول: إما أن يرجعوها إلى صفات ذاتية ويعتبرونها صفات ذاتية.\nوالقسم الثاني: أو يجعلونها صفات للمفعولات وليس لله ﷾-مثل الاستواء يقولون: الاستواء صفة للعرش وليس صفة الله تعالى (^١).\nلذلك لا تجد هناك تأويلات جلية، فتأويلهم خفي بهذه الطريقة، فقد تقرأ للقدماء فتقول يثبت الاستواء؛ لكن يثبته صفةً للعرش وليس صفةً لله اعتبارًا على قاعدته، وهي نفي صفات الأفعال الاختيارية.\n_________\n(^١) انظر كتاب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الخامس برقم (٤٣٧).","vol":"1","page":288},{"text":"أما المتأخِّرون من الأشاعرة، فهم ينفون سائر الصفات ويؤوِّلونها ما عدا السبع التي ذكروها، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، هذه السبع فقط. فإذًا قد يكون لهم كلام حسن في أشياء ولكنهم يوافقون هؤلاء في أشياء.\nقال المصنف: \"فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي\". أي ما يوجد عندهم هو نفسه وبعينه أي ليس نوع وإنما عين التأويلات التي ذكرها بشر ذكرها هؤلاء، إذًا لهم سلف، وسلفهم الجهمية.\nفالقول بتأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء إنما هو قول الجهمية، وبالتالي بحمد الله لما كان هناك من الأئمة الأربعة من ردَّ على هؤلاء وأبطل دعوى الجهمية، فبالتالي فإن الكلام الذي ورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم في ذم الجهمية يشمل الأشاعرة والماتريدية؛ لأنهم جاءوا بنفس الكلام الذي جاء به الجهمية.\nوأنت اعقد هذه المقارنة كما وجَّهك ابن تيمية رحمه الله تعالى، تعال إلى كتب ابن فورك وإلى كتب الرازي وإلى كتب الغزالي وخذها، ثم استخلص منها التأويلات التي جاءوا بها، ثم تعال إلى ردِّ الدارمي على بشر، وانظر إلى تأويلات بشر واعقد مقارنةً، هل هي عينها أو ليست عينها؟ حتى يتضح لك صحة الكلام، فإن كانت عينها فما قاله الإمام مالك وما قاله الإمام الشافعي وما قاله الإمام أحمد وما قاله أبو يوسف في حق أصحاب تلك التأويلات يشمل الأشاعرة والماتريدية، فهذا الذي يريد أن يرشدك إليه المصنف هنا.","vol":"1","page":289},{"text":"(٤٨) \"ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتابًا سماه: «رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد» حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. \"\n<hr><s0>\n\nيقصد المصنف رحمه الله تعالى كتاب الرد على بشر المريسي وهو كتاب مطبوع وموجود إلى يومنا هذا، وقد رد فيه عثمان بن سعيد الدارمي على تأويلات بشر المريسي، وقد أجاد فيه وأفاد كما سيذكر المصنف.\nوقول المصنف: \"حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته\" أي أن كتاب الدارمي حفظ لنا تأويلات المريسي بحكم معاصرته له، وهذا يعطى الكتاب أهمية بكونه حفظ نسبة هذه التأويلات بأعيانها لقائلها الذي هو بشر المريسي، كما بين المصنف أن المريسي كان أقعد وأعرف وأعلم بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين؛ لأن هؤلاء أبعد عن السنة، فهم هجروا السنة وتركوها، وبالتالي هم من أجهل الناس بالسنة في هذه المسائل.\nقال المصنف: \"ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. \"","vol":"1","page":290},{"text":"(٤٩) \"ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى-قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوالفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور والعاقل يسير وينظر \".\n<hr><s0>\n\nأجمع أئمة الهدى على ذم المريسية وأكثرهم كفَّروهم وضللوهم، وكلامهم ثابت ومنقول عنهم.\nوقد يقول قائل مثلًا: إذا كان الأئمة يكفرونهم، فإن الإمام أحمد ﵀ كان يدعو للمأمون والمأمون معتزلي، فالأمر متناقض، فكيف يكفرونهم والإمام أحمد يدعو للمأمون؟\nفالجواب هنا: أنه ينبغي أن يفهم هذا القائل الفرق بين مسألة الأعيان ومسألة المسائل، فهناك تفريق بين المسألتين، أما بأعيانهم، فهذه مسألة للسلف فيها ضوابط، وهي أربعة ضوابط في مسألة التكفير؛\nأولًا: أن يكون عاقلًا بالغًا.\nثانيًا: أن يكون مختارًا غير مكره.\nثالثًا: أن تقوم عليه الحجة التي يكفر بخلافها.\nرابعًا: ألا يكون متأوِّلًا تأوُّلًا يعذر فيه صاحبه.\nإذًا عند السلف أربعة شروط وأربعة موانع للتكفير، هذه مسألة واسعة.\nفالشرط الأول يقول: أن يكون عاقلًا بالغًا، بمعنى إذا كان غير بالغ وغير عاقل فإن هذا مانع من تكفيره.\nوالشرط الثاني: أن يكون مختارًا؛ فإن الإكراه مانعٌ من التكفير.\nوالشرط الثالث: أن تقوم عليه الحجة التي يكفر بخلافها، فلا بد من قيام الحجة على هذا الشخص، فبالتالي إذا لم تقم الحجة فإنه لا يحكم عليه.\nوالشرط الرابع: ألا يكون متأوِّلًا تأوُّلًا يُعذر فيه صاحبه، فإذا كان متأولًا تأولًا يعذر فيه صاحبه فلا يحكم بكفره.","vol":"1","page":291},{"text":"وما يتعلق بالشرط الثالث فإن المسألة واسعة؛ لأنها تعود إلى اختلاف الأشخاص واختلاف الأزمان واختلاف الأماكن، فهناك مكان السنة فيه ظاهرة والبدعة غير ظاهرة، فبالتالي هذا زمان أو هذا مكان تظهر فيه السنة والحجة تكون قائمة، بخلاف مكان السنة فيه مجهولة والبدعة هي الظاهرة، فالأمر يختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، ومن شخص إلى شخص بحسب تفاوت الناس.\nوهكذا الشرط الرابع أي ما يتعلق بالمسائل؛ فالمسائل تختلف بحسب ظهور وقيام الحجة، فهناك ما هو معلومٌ من الدين بالضرورة، وهناك مسائل توجد فيها شُبَه للقوم.\nفإذًا ما يتعلق بهذه المسألة إنما هو فيما يتعلق بالمسائل، أما فيما يتعلق بالأعيان فإن لهذا ضوابط وقواعد عند أهل السنة، وهذه مسألة عظيمة، في مسألة التكفير، ومسألة التكفير للأسف الشديد خاض فيها كثير من طلبة العلم وخاض فيها كثير من الناس وضلُّوا فيها.\nوهي مسألة لا بد لطالب العلم أن يفهمها من طريقين؛ مسألة التكفير المطلق، ومسألة التكفير المعين، أي حكم المسائل والأقوال والأفعال، فلا بد أن يفرِّق الإنسان بين ما هو كُفرٌ وما ليس بكُفرٍ، ويعرف أقسام الكفر، ويعرف أقسام الشرك، ويعرف أقسام النفاق، ويعرف الردة ويعرف أنواعها، إلى غير ذلك.\nفلا بد أن يعرف الإنسان ما هو الكُفر؛ لأن هذا أمر يتعلق بالشرع، فلا كافر إلا من كفَّره الله تعالى ورسوله ﷺ، فلا بد من معرفة المسائل.\nثم كذلك لا بد من معرفة مسائل تكفير المعين، فلا بد لطالب العلم إذا أراد أن يفهم هذه المسألة أن يدرسها من الجانبين؛ حتى لا يزيغ أو يضلَّ فيها.\nونحن نرى ونسمع من الناس من يكفِّر لأدنى شيء، حتى وصل بهم الحال إلى تكفير بعضهم بعضًا، كما وقع في بعض هذه الجماعات التي تدَّعي العلم وتنتسب إلى الدعوة، فالحال خطير وقد يقع بينهم بسبب مسائل التكفير إباحة سفك الدماء وسلب الأموال وقتل الأنفس تحت هذه الدعوى التي هم لا يعرفون منها شيئًا، فضلًا عن أن يكونوا يحكمون ويتحاكمون فيها.\nفإذًا المقصود بكلام العلماء هنا ما يتعلق بالتكفير المطلق، فكفَّروهم أو ضلَّلوهم، وهذا لا يعني تكفير الأعيان ما لم ينص العلماء على شخص بعينه أنه","vol":"1","page":292},{"text":"كافر، وقد نصُّوا على بعضهم، كما نصُّوا على بشر المريسي، وكما نصُّوا على الجهم بن صفوان، ولكن لا يعني هذا أنه يكفَّر كل واحد منهم.\nقول المصنف: \"وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله\" أوضح المصنف أن ما قال به الفرق المتأخرة من المعطلة الجهمية هو امتداد لمذهب المريسي، كما سبق توضيحه من خلال بيان العلاقة بين طوائف الجهمية الخمسة أي الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، فإذا علم هذا، تبين الهدى لمن يريد الله ﷿-هدايته.\nوقول المصنف: \"والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور والعاقل يسير وينظر \".\nوقد سبق الإشارة بأن الفتوى لا تستوعب جميع جوانب الموضوع، وأن من العلماء من أفرد لهذه المسألة كتبًا ككتاب (العلو) وكتاب (العرش) للذهبي واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، فعلى العاقل أن يتتبع وينظر ويبحث في هذه المسائل ولا يكن إمعةً إن أحسن الناس أحسن، وإن أساء الناس أساء، فليس لأن هذا منهج درسْتَه أو تربَّيْت عليه أو نشأت عليه تتعصب له أو تدافع عنه، فالحق أحقُّ أن يتَّبع.\nوغدًا حساب وعقاب، فمن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من عمل به إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومعنى من سنَّ سنةً حسنةً، أي من أحيا سنةً من سنن الإسلام، فإذا أَحْيَيْتَ سنة المصطفى ﷺ-ودعوت لها فلك الأجر، ولكن من سنَّ سنة سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.\nفأنت تريد أن تُحسِن فإذا بك تسيء وإذا بك تضل عن سبيل الله ﷿-بسبب هذه الأمور التي خالفت شرع الله ﷿","vol":"1","page":293},{"text":"(٥٠) \"وَكَلَامُ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَذْكُرَ هَهُنَا إلَّا قَلِيلًا مِنْهُ؛ مِثْلَ:\n• كِتَابِ السُّنَنِ للالكائي.\n• وَالْإِبَانَةِ لِابْنِ بَطَّةَ.\n• وَالسُّنَّةِ لِأَبِي ذَرٍّ الهروي.\n• وَالْأُصُولِ لِأَبِي عَمْرٍو الطلمنكي.\n• وَكَلَامِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ.\n• وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ للبيهقي.\n• وَقَبْلَ ذَلِكَ السُنَّة للطبراني.\n• وَلِأَبِي الشَّيْخِ الأصبهاني.\n• وَلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ منده.\n• وَلِأَبِي أَحْمَد الْعَسَّالِ الأصبهانيين.\n• وَقَبْلَ ذَلِكَ السُنَّة لِلْخَلَّالِ.\n• وَالتَّوْحِيدِ لِابْنِ خُزَيْمَة.\n• وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.\n• وَالرَّدُّ عَلَى الجّهْميَّة لِجَمَاعَةِ: مِثْلَ الْبُخَارِيِّ، وَشَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجعفي.\n• وَقَبْلَ ذَلِكَ السُنَّة لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد.\n• وَالسُّنَّةُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَثْرَمِ.\n• وَالسُّنَّةُ لِحَنْبَلِ.\n• وللمروزي.\n• وَلِأَبِي دَاوُد السجستاني.\n• وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ.\n• وَالسُّنَّةُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":294},{"text":"• وَكِتَابُ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لِلْبُخَارِيِّ.\n• وَكِتَابُ الرَّدِّ عَلَى الجّهْميَّة لِعُثْمَانِ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَغَيْرِهِمْ.\n• وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيِّ صَاحِبِ الْحَيْدَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الجّهْميَّة.\n• وَكَلَامُ نُعَيْمٍ بْنِ حَمَّادٍ الخزاعي.\n• وَكَلَامُ غَيْرِهِمْ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ. وَقَبْلُ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. وَعِنْدَنَا مِنْ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِذِكْرِهِ. \"\n<hr><s0>\n\nإذًا بما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من هذه الكتب دليل على أن هذه هي عقيدة السلف، وبحمد الله أكثر هذه الكتب اليوم موجودة ومطبوعة، وقام من قام على إخراجها وطبعها وتحقيقها عدد من طلبة العلم، فهي حجة على كل إنسان.\nفلا يقول إنسان: هذه عقيدة ابن تيمية أو عقيدة الوهَّابية، كما يزعم بعض المخالفين لعقيدة أهل السنة، والذين من عادتهم السب والشتم، فهذه العقيدة بحمد الله محفوظة، وهذه كتب الأوائل ممن كانوا في القرن الثالث والقرن الرابع والقرن الخامس، قبل ابن تيمية.\nفهل ابن تيمية ﵀ جاء بشيءٍ من عنده؟ فأقرب الكتب إليك كما ذكر كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السُنَّة للالكائي، وهو شافعي، انظر في هذا الكتاب واقرأ فيه، فقد ذكر جملة كبيرة من كلام السلف الصالح بما يؤكد أن هذه العقيدة هي عقيدة أهل السُنَّة والجماعة وليست أمرًا مستحدثًا.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية كان جهده وطريقته هي: أنه يؤصل هذه المسائل ويرجعها إلى الحق والصواب الذي كان عليه السلف، فهذا هو جهده ﵀، ولذلك بارك الله ﷿ في كتبه فانتشرت، بالرغم أن الأشاعرة كانوا يتتبعونها ويحاربونها ويسعون إلى إحراقها، حتى كان بعض أهل السُنَّة يخفي هذه الكتب من خلال بعض الكتب.","vol":"1","page":295},{"text":"فكثير من كتب شيخ الإسلام وجدت في ضمن الكواكب الدراري، فأخفاها مصنف الكواكب الدراري خوفًا من إحراق الأشاعرة والصوفية لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية.\nفإذًا ما جاء به شيخ الإسلام يرشد إلى أن هذا الأمر محفوظ بحمد الله، وللأسف فإن البعض من طلبة العلم إذا جئت تنصحه بمثل هذا الكتب يبخل على نفسه في شراءها، ويبدأ يشترى الكتيبات الصغيرة، ويقبل عليها، وما علم هذا الطالب أنه غدًا إن شاء الله سيكون في مصاف العلماء، وقد يعود إلى المكان الذي هو فيه ويكون أعلم من في هذا المكان، فما ينبغي له أن يكون نصف طالب عالم.\nولذلك فإن الناس كانت تقول: \"ما أفسد الدنيا والدين إلا أربعة: نصف متكلم، نصف فقيه، نصف لغوي، نصف طبيب \"\nفينصح دائمًا أن تقتني طالب العلم مثل هذه الكتب، فهي الأصول، وهي المعتمد في هذا الباب، فينبغي على الإنسان أن يقتنيها في مكتبته وأن يقرأها ويكثر من قراءتها ويجعلها هي في المقام الأول في أول ما يقتني من كتب الاعتقاد.\nوهكذا كتاب الإبانة لابن بطة مطبوع، وكلام ابن عبد البر تجده في (التمهيد) و(الاستيعاب) و(الاستذكار)، كل هذه كتب دوَّن فيها ابن عبد البر عقيدة أهل السنة، وفي التمهيد كلام كثير فيه خاصٌّ بشرح حديث النزول، فاقرأ كلام ابن عبد البر عند شرح حديث النزول، تجد أنه دَوَّن كثيرًا من عقيدة أهل السُنَّة في هذه المسائل.\nوكذلك كتاب الأسماء والصفات للبيهقي موجود، وكذلك ابن مندة له كتاب التوحيد وله كتاب الإيمان، وكذلك السُنَّة للخلال مطبوعة، وكذلك التوحيد لابن خزيمة مطبوع، وكذلك الرد على الجّهْميَّة مطبوع.\nكلُّها أو جلُّ هذه الكتب بحمد الله موجودة ومطبوعة، فينبغي على طالب العلم أن يحرص على اقتنائها؛ لكي من جهة نفسه هنا يطْمئِن إلى أن هذه عقيدة أهل السُنَّة والجماعة، ويتأكد ويتثبَّت، وكي يحفظ مثل هذه الأقوال ويعرف أنها عقيدة أهل السنة، وإن كان طرأ على هذا قرون، أنها قد أبعدت الناس عن السُنَّة وعن اتباع السنة، لكن هذا لا يعني أن هذا لم يكن عقيدة السلف، ودور شيخ الإسلام ابن تيمية إنما هو إحياؤها، فما جاء بشيءٍ من عنده، إنما أحيا هذه العقيدة وبصَّر الناس بها، وأرجع الناس إليها ودلَّهم عليها كما دلَّك الآن على هذه الأسماء، فهذا هو دوره \"إحياؤها\".","vol":"1","page":296},{"text":"ولكي يبصِّر الناس بأن هذا الشيء الذي أحدثه هؤلاء هو البدعة، ولكن للأسف أصبحت السُنَّة بدعة والبدعة سُنَّة في وقت انتشرت فيه الجّهْميَّة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وإلى يومنا هذا لايزال الصراع بين السُنَّة وبين هؤلاء المبتدعة قائم وعلى أشده، ولذلك طالب العلم قد يكون في حيرة من هذا.\nفنقول له: لا تحتار، المقارنة بسيطة، فالقوم يزعمون أن هذه عقيدة مستحدثة وأن هذه عقيدة جديدة، وأنها جاءت من عند هذا الرجل ابن تيمية، فنقول له: بحمد الله هذه الكتب مطبوعة ومخدومة وموجودة، اعقد مقارنة بين ما يقوله هؤلاء ويقوله هؤلاء، تجد أن الحق في صف شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه مسألة كما يقول: العاقل يسير فينظر، يعني أن على العاقل الذي يريد الحق أن يبحث فينظر ويعقد المقارنة بين ما جاء به ابن تيمية وبين ما يقوله هؤلاء، فسيجد أن عقيدة هؤلاء إنما أصلها عقيدة الجّهْميَّة وقول الجّهْميَّة، وأن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ليس إلا تجديدًا لما قاله السلف الصالح رضوان الله عليهم.\nوالأشاعرة بأنفسهم يقولون:\n«وكل خيرٍ في اتباع من سلف … وكل شرٍ في ابتداع من خلف» (^١)\nهذه يقولها صاحب الجوهرة، فإن كانوا يقولون هذا ولا يطبقونه، فاعلم أن الخير في اتباع السلف، وأن الشر في ابتداع هؤلاء الخلف.\n_________\n(^١) انظر كتاب جوهرة التوحيد رقم البيت (١٣٧).","vol":"1","page":297},{"text":"(٥١) \"وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْنُّفَاةِ لَهُمْ شُبُهَاتٌ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا فِي الْفَتْوَى فَمَنْ نَظَرَ فِيهَا وَأَرَادَ إبَانَةَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الشُّبَهِ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ. \"\n<hr><s0>\n\nوهناك دلائل سمعية وعقلية في هذه المسائل كثيرة، المصنف لم يبسطها هنا، ولها مضامين لا تتسع لها هذه الفتوى لكن تم بسطها وشرحها في كتاب أخرى منها كتاب درء تعارض العقل والنقل، ومثل كتاب نقض تأسيس الجّهْميَّة، وبعض الكتب الأخرى التي حواها مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية حيث تعرَّض لهذه المسائل ببسط أكبر من هذا، ولكن هنا أراد التنبيه على مجمل القضايا، وقال إن هؤلاء لهم شُبه يذكرونها، وطبعًا هذه الشُبه لها أجوبة، فبحمد الله أئمة السلف تعرَّضوا لهذه الشُبه وردُّوا عليها وفنَّدوها وبيَّنوها.\nفمنهج السلف في التأليف على قسمين:\nالقسم الأول: منهج العرض.\nوالقسم الثاني: منهج الردِّ.\nفهناك كتب تسلك منهج عرض المسائل، عرض تقرير للحق فيها دون التعرض لأقوال المخالفين والرد عليهم.\nوهناك كتب تسلك منهج الرد، وذلك بأن يأتي بشُبه المخالف وتنقدها وترد عليها، كما رد الدارمي وكما رد الإمام أحمد، وغيرهم كثير، كما رد الإمام البخاري، ردوا على الجّهْميَّة وبينوا فساد شبههم، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكر من شُبه فإنه يسير وينظر.","vol":"1","page":298},{"text":"(٥٢) \"فَإِذَا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ -مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّأْوِيلِ-مَأْخُوذًا عَنْ تَلَامِذَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ وَالْيَهُودِ فَكَيْفَ تَطِيبُ نَفْسُ مُؤْمِنٍ -بَلْ نَفْسُ عَاقِلٍ-أَنْ يَأْخُذَ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أَوْ الضَّالِّينَ وَيَدَعَ سَبِيلَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؟ \"\n<hr><s0>\n\nخلاصة ما يريد أن يقرِّره شيخ الإسلام في هذه المقدمة، أن أصل مقالة القوم هي مقالة المشركين والصابئة واليهود، وهي هي نفس مقالة الجّهْميَّة التي تصدَّى لها السلف، فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين؟ كيف تطيب نفسك بعدها؟ وكيف يقبل العاقل أن يسير على نهج هؤلاء ويترك نهج الأنبياء والمرسلين ونهج الصالحين من أئمة السلف.\nفمثل هذا أراد المصنف أن يبيِّنَهُ قبل الخوض في هذه المسألة؛ أي في مسألة الصفات، والعاقل الذي يتجرَّد عن الهوى ومراده أن يكون محقِّقًا لأمر الله ﷿ ولشرع الله تعالى ومصدِّقًا لما أخبر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ويريد الاتباع، فإن عليه أن يعرف أين الحق في هذا الباب ويعرف كيف يسلك في هذا الباب؛ لأن الاختلاف حاصل وقائم، وعلى الإنسان أن يميز بين الحق والباطل.\nوأقول هنا: هذا الأمر يدركه من كان أقل الناس علمًا، صنف يقول: «الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة»، وصنف يقول - كما ترى وكما سمعت - يقول بالمعقولات، فبعد هذا في أي الصفين ومع أي الفريقين تكون؟\nوالله تعالى سيسألنا عن هذا الأمر، وقد استحفظنا هذا الدين، فطلبة العلم هم ورثة الأنبياء، وهذا الدين كما كان أمانة بأيدي الرسل والأنبياء، وكما كان أمانة بأيدي سلف الأمة رضوان الله عليهم، فهو الآن بين أيدينا، فإما أن ندعو للحق ونكون من أنصاره ومن أتباعه، وإما أن ندعو إلى الباطل ونكون من حزب هذا الباطل.\nوالله ﷿ وليُّ كل إنسان بما يعلم وبما يعمل، وسيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.","vol":"1","page":299},{"text":"فَصْلٌ:\n(٥٣) \"ثُمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵁ لَا يُوصَفُ اللَّهُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. \"\n<hr><s0>\n\nشرع المصنف رحمه الله تعالى في بيان معتقد أهل السُنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وبيان بطلان عقائد المعَطِّلَة والمشبِّهة، فقال هنا: «ثُمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ»، فعقيدة أهل السُنَّة والجماعة تقوم على أساس أن الأصل في هذا الباب هو الكتاب والسنة، فما سمَّى الله ﷿ به نفسه في كتابه أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، فإن هذا أمرٌ يجب إثباته؛ لأن الوحي دائرٌ بين أمرين: إما الإخبار وإما الأوامر.\nوالإخبار يُقابَل بالتصديق، والأوامر تقابَل بالانقياد، فالشريعة والوحي بين الخبر والأمر، فالله ﷾ أخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بشيءٍ من أسماءه وصفاته ﷿، فإذًا كل ما ورد في كلام الله ﷿ أو كلام رسوله ﷺ من أسماء الله وصفاته فإن هذا حقٌ يجب إثباته لله على الحقيقة.\nفالأساس الأول من الأسس الثلاثة التي قام عليها معتقد السلف في باب الأسماء والصفات وهو: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتا ونفيا.\nوهذا الأساس لابد فيه من مراعاة إن طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.","vol":"1","page":300},{"text":"فالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره) (^١)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٥)، فالله ﷿، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن.\nولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٦)، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.\nكما يجب الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام.\nفالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.\nوهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.\nوهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع،\n_________\n(^١) معارج القبول ١/ ٣٣٠ - ٣٣١\n(^٢) الآية ١٤٠ من سورة البقرة\n(^٣) الآية ١٢٢ من سورة النساء\n(^٤) الآية ١٤ من سورة فاطر\n(^٥) الآية ٥٩ من سورة الفرقان\n(^٦) الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم","vol":"1","page":301},{"text":"فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل.\nكما يجب رفض التحريف والتعطيل لنصوص الأسماء والصفات.\nفالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهتم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^١).\nفنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.\nفمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^٢).\nوبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.\nفالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.\nولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.\nلشيخ الإسلام ابن تيمية كلامٌ نافعٌ في أحوال المخالفين لما عليه السلف في باب الصفات يقول فيه:\n(فإن قيل: قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠١\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ١١٣ - ١١٤ بتصرف","vol":"1","page":302},{"text":"بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول؛ ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك.\nقيل: هؤلاء أنواع:\n(النوع الأول): نوع: ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة من الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلِّدون فيها، وقد اعتقد أقوال السلف أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقًا لهم، وإما أن يُعرِضوا عنه مفوضين لمعناه.\nوهذه حال مثل أبي حاتم البستي، وأبي سعد السمان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي، وأمثالهم.\n(النوع الثاني) والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة من هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.\nوهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي وأمثالهم، ومن هذا النوع: بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.\n(النوع الثالث) ونوع ثالث: سمعوا الأحاديث والآثار وعظَّموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.\nوهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.\nولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.\nوتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.\nوتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.","vol":"1","page":303},{"text":"وهؤلاء قد يُدخِلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.\n(النوع الرابع): ومن الناس: من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة؛ كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبًا مركبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.\nوهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأمثالهما.\nولهذا تجد أفضل هؤلاء - كالأشعري -؛ يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازمًا، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها عالم بتفصيلها.\nوهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقولهم، وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة.\nوإلا فمن كان عالمًا بالآثار وما جاء عن الرسول وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء:\nإما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث.\nأو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم؛ كمالك وعبد العزيز الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن","vol":"1","page":304},{"text":"مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن سلام ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري والدارميين: أبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأبي داود السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني، ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل؛ فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك من غير خلاف بينهم في ذلك) (^١).\nمسألة: يجب أن يُعْلَم أن توحيد الأسماء والصفات يشتمل على ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: باب الأسماء\nالباب الثاني: باب الصفات\nالباب الثالث: باب الإخبار\nفنحن إذا وقفنا وقفةَ تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية:\nأولًا: أن الله أطلق على نفسه أسماء ك (السَّميع) و(البصير)، وأوصافًا ك (السمع) و(البصر)، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها؛\n• فقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١].\n• وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران ١٥].\nفاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أن مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أي صورة ورد.\nثانيًا: وأطلق على نفسه أفعالًا ك (الصُّنع) و(الصِّبغة) و(الفعل) ونحوها.\n• قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ [النمل ٨٨].\n• وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة ١٣٨]\n• وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧].\nلكنه لم يَتَسَمَّ ولم يصف نفسه بها ولكن أخبر بها عن نفسه، ممَّا يدل على أنَّها تخالف الأوَّل في الحكم فوجب الوقوف فيها على ما ورد.\n_________\n(^١) درء التعارض ٧/ ٣٢.","vol":"1","page":305},{"text":"ثالثًا: ووصف نفسه بأفعال في سياق المدح ك (يريد) و(يشاء)\n• فقال جلَّ شأنه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥].\n• وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٩].\nإلا أنه لم يشتق له منها أسماء فدل على أن هذا النوع مخالف للقسمين الأولين، فوجب رده إلى الكتاب والسنة وذلك بالوقوف حيث أوقفنا الله ورسوله ﷺ\nرابعًا: ووصف نفسه بأفعال أخرى على سبيل المقابلة بالعقاب والجزاء.\n• فقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ [النساء ١٤٢].\n• وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه﴾ [الأنفال ٣٠].\nولم يشتق منها أسماء له تعالى فدل ذلك على أن مثل هذه الأفعال لها حكمٌ خاصٌ فوجب الوقوف على ما ورد.\nفهذه الحقائق السابقة قررت عند العلماء النتائج التالية:\n١. أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي (باب الأسماء) و(باب الصفات) و(باب الإخبار)\n٢. أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح اسمًا صحَّ صفة وصحَّ خبرًا وليس العكس.\n٣. باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صحَّ صفة فليس شرطًا أن يصحَّ اسمًا، فقد يصحُّ وقد لا يصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته.\n٤. أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، فالله يُخْبَرُ عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه) و(المعلوم)، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.\nفباب الأسماء والصفات توقيفيان، فالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.\nفما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته.\nوما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.\nوأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات إطلاقًا (^١)\n_________\n(^١) رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"1","page":306},{"text":"قال الإمام أحمد ﵀: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ\" (^١)\nأما باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان:\nالقول الأول: أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص ك (الشيء) و(الصنع) ونحوها.\nوأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (^٢).\nالقول الثاني: إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، ك (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسنًا، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (^٣) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده (^٤).\nمسألة: الألفاظ المجملة وحكم دخولها في باب الصفات وموقف أهل السنة من استعمالها.\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).\n(^٢) انظر رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٣) بدائع الفوائد (١/ ١٦١)، مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢ - ١٤٣)\n(^٤) رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"1","page":307},{"text":"يمكن تقسيم الألفاظ المجملة-أي التي لم يرد استعمالها في النصوص-على النحو التالي:\nأولًا: ألفاظ ورد استعمالها ابتداءً في بعض كلام السلف.\nومن أمثلة ذلك لفظ (الذات) و(بائن)\nوهذه الألفاظ تحمل معاني صحيحة دلت عليها النصوص\nوهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها.\nوهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب.\nوالصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع.\nكقول أهل السنة: \"إن الله استوى على العرش بذاته\" فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له.\nوكقولهم: \"إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم\" فلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل\nويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل\" (^٢)\nفيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:\nالقسم الأول: الألفاظ المأثورة وهي التي وردت بها النصوص.\nالقسم الثاني: الألفاظ المعروفة وهي التي بُيِّنَت معانيها.\nالقسم الثالث: الألفاظ المبتدعة التي تدل على معنى باطل.\nالقسم الرابع: الألفاظ المبتدعة التي تحتمل الحق والباطل.\nفلفظ (الذات) و(بائن) هي من القسم الثاني.\nوهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات، ولذلك لما اعترض الخطابي على استعمالها بقوله: \"وزعم بعضهم أنه جائز أن يقال له تعالى حد لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي فيقال\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":308},{"text":"له: إنما أُحْوِجْنَا إلى أن نقول يد لا كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز رَدُّها. فأين ذكر الحد في الكتاب والسنة حتى نقول حد لا كالحدود، كما نقول يد لا كالأيدي؟! \" (^١)\nفرد شيخ الإسلام ابن تيمية على قول الخطابي من وجوه منها: \"أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم. وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل؛ فإن هذا الكلام لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات-كما وصف باليد والعلم-صفة معينة يقال لها الحد، وإنما الحد ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره\" (^٢)\nفأهل السنة لم يثبتوا بهذه الألفاظ صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينوا بها ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته من خلقه وثبوت حقيقته\" (^٣)\nثانيًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف تارة لإثباتها وتارة لنفيها.\nومن أمثلة ذلك: لفظ (الحد) ولفظ (المماسة)، فإطلاق السلف لها ليس من باب الصفات وإنما هو من باب الإخبار، ولهم في حال الإثبات والنفي توجيه ليس هذا محل بسطه.\nثالثًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.\nومن أمثلة ذلك: لفظة (الجهة).\nرابعًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف.\nومن أمثلة ذلك: لفظ (الجسم) و(الحيز) و(واجب الوجود) و(الجوهر) و(العرض).\nوأما النوعان الثالث والرابع فالجواب عن ذلك أن نقول الأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان:\nالنوع الأول: نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع.\nفهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذمًا استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته، وإن نفى شيئا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢).\n(^٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(^٣) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٥).","vol":"1","page":309},{"text":"وهذا:\n• كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤].\n• وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِن﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٣]، ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته.\n• وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].\n• وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام ١٠٣].\n• وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٣]،\nوأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ، فهذا كله حق.\nالنوع الثاني: الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع.\nفتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و(الحيز) و(الجهة) و(الجوهر) و(العرض) (^١).\nفإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلمًا، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلمًا فوق العرش وأمثال ذلك (^٢)\nالموقف من هذا النوع: \"إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:\n١. أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت.\n٢. وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا. ولكن\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤١ - ٢٤١)\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":310},{"text":"يلاحظ أن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع، وأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها\" (^١)\nولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ.\n١. فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها.\nأمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.\nوهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.\nوهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة\nوبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم، فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: \"تجيء البقرة وآل عمران\"، وأمثال ذلك من الأحاديث.\nأجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم ولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا.\nفأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":311},{"text":"في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله، وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.\nفهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا.\n٢. وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.\nمثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.\nفهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:\n١ - بألفاظهم\n٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وحينئذ يقال لهم الكلام إما:\nأ-أن يكون في الألفاظ.\nب-وإما أن يكون في المعاني.\nج-وإما أن يكون فيهما.\nفإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك.\nفهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا.\nوإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب.","vol":"1","page":312},{"text":"٣. وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.\nفإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.\nوقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.\nوليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.\nوأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.\nفإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).","vol":"1","page":313},{"text":"(٥٤) «وَمَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ».\n<hr><s0>\n\nيشير هنا المصنف رحمه الله تعالى إلى وسطية أهل السُنَّة والجماعة، ووسطية السلف بين فريقين ضَلَّا في هذا الباب، وهما المعَطِّلَة من جهة بطوائفهم من أهل الفلاسفة وأهل الكلام كالجّهْميَّة والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، والممثِّلة والمشبِّهة من جهة كالكرامية والهشامية وغيرهم.\nتوحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:\nا-التعطيل.\n٢ - التشبيه والتمثيل.\nفمن نفى صفات الرب ﷿ وعطلها، فقد كذب تعطيله توحيده.\nومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده (^١).\nمعنى قوله: \"من غير تحريف ولا تعطيل\":\nهذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة أهل التعطيل، وهذه العبارة يمكن توضيحها من خلال النقاط الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-35>أ-معنى التحريف وبيان أنواعه:</span>\nا-معنى التحريف:\nالتحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة.\nفهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه إذا أملته وغيرته.\nوالتحريف شرعًا: الميل بالنصوص عما هي عليه، إما بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.\n_________\n(^١) اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٣٦","vol":"1","page":314},{"text":"أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره (^١).\nوالتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.\n٢ - أنواع التحريف:\nالتحريف نوعان:\nالنوع الأول: تحريف اللفظ:\nوتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:\nا-الزيادة في اللفظ.\n٢ - النقصان في اللفظ.\n٣ - تغيير حركة إعرابية.\n٤ - تغيير حركة غير إعرابية.\nومن أمثلة تحريف اللفظ:\nالمثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢) من الرفع إلى النصب، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (^٣) فبهت المحرف.\nمثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٤) وقصد بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (^٥).\nالنوع الثاني: تحريف المعنى:\nوتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (^٦). أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.\nوهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا وتوسعوا وسموه\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥\n(^٢) الآية ١٦٤ من سورة النساء\n(^٣) الآية ١٤٣ من سورة الأعراف\n(^٤) الآية ٥ من سورة طه\n(^٥) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٨\n(^٦) الصواعق المنزلة ١/ ٢٠١","vol":"1","page":315},{"text":"تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة (^١).\nومن أمثلة تحريف المعنى:\nكقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢).\nوفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ (^٣) النعمة والقدرة.\nوفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (^٤) وجاء أمر ربك.\nوقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه، ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.\nوقد درج على آثارهم الرافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (^٥).\nوأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.\nوأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.\nفأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.\nفأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (^٦).\nوأما كون أصحاب تحريف المعنى شرا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رواجا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق ٢/ ١٤٧\n(^٢) الآية ٥ من سورة طه\n(^٣) الآية ٦٤ من سورة المائدة\n(^٤) الآية ٢٢ من سورة الفجر\n(^٥) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥ - ٢١٦\n(^٦) مختصر الصواعق ٢/ ١٤٧، ١٤٨","vol":"1","page":316},{"text":"فإذًا «من غير تحريفٍ»، أي من غير تغيير في ألفاظ النصوص أو معانيها، فيبقى اللفظ على صورته ويبقى على معناه الذي جاءت به لغة العرب، لا نغيِّر ولا نبدِّل.\nوقول المصنف: «ولا تعطيل».\nمعنى التعطيل:\nالتعطيل لغة: مأخوذ من \"العطل\": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (^١) أي أهملها أهلها وتركوا وردها (^٢).\nوالتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة.\nالقسم الثاني: تعطيل عبادته ﷿، أي ما يجب له ﷿ على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله ﷿.\nالقسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (^٣).\nوهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا.\nفالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.\nأو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (^٤).\nوقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى \"المعطلة\".\nوينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما:\nالقسم الأول: الفلاسفة.\nوهم صنفان:\nالصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة.\nالصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:\nأ-رافضية. ب-صوفية.\n_________\n(^١) الآية ٤٥ من سورة الحج\n(^٢) شرح الواسطية ص ٢٠\n(^٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص ١٥٣\n(^٤) شرح الواسطية ص ٢٠","vol":"1","page":317},{"text":"والقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.\nوهم خمسة أصناف:\nا-الجهمية.\n٢ - المعتزلة.\n٣ - الكلابية.\n٤ - الأشاعرة.\n٥ - الماتريدية.\nوالتعطيل - كما ذكرنا - أعمُّ من التحريف، فمثلًا يأتي صاحب الفلسفة فيقول: هذه النصوص مجرد وهم وخيال ولا حقيقة لها، فيعطلها دون الحاجة إلى تحريفها، وبهذا يكون قد عَطَّل دون أن يحرِّف، أو مثلًا كما يفعلون في التفويض؛ لأن التفويض كذلك صورة من صور التعطيل؛ لأنه في الحقيقة إنكار للصفة دون تحديد لمعنى آخر لهذه الصفة.\nفيأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول: الله أعلم بمراده، ولذلك يقول قائلهم:\nوكل لفظ أوهم التشبيها … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْه ورم تنزيها\nفهم في النتيجة سواء، إن أوَّلت وإن فوَّضت، فالنتيجة واحدة وهي ماذا؟ تنزيه الله جل وعلا عن أن يوصف بهذه الصفات.\nفعلى هذا يكون التعطيل أعمُّ من التحريف، والتحريف إنما هو صورة من صور التعطيل، لأن مسالك التعطيل كما سيأتي تنقسم إلى مسلكين:\nالمسلك الأول: مسلك التبديل.\nالمسلك الثاني: مسلك التجهيل.\nومسلك التبديل:\nينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: مسلك التخييل.\nالقسم الثاني: مسلك التحريف والتأويل.\nومسلك التجهيل كذلك ينقسم إلى قسمين وكل هذا إن شاء الله سيأتي في حينه، لكن أن يفهم هنا أن التعطيل أَعَمُّ من التحريف، فكل محرِّفٍ معطِّل، ولكن ليس كل معطلٍ محرف.","vol":"1","page":318},{"text":"فمثلًا قد تقرأ لأحد من الأشاعرة أنه يأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول الله أعلم بمراده، فهنا لا يظن أنه نجا من التعطيل، إنما هو توقف بمسألة التحريف التي هي مسألة التأويل عنده، فهو إن كان قد ترك مسلك التحريف لكنه لجأ إلى مسلك التعطيل الذي نسميه التجهيل، وهذه المسالك ستأتي في حينها.\nفإذًا «من غير تحريف ولا تعطيل»، أي من غير أن نبدل أو نغير في ألفاظ النصوص أو في معانيها، ومن غير أن ننكر شيئًا من أسماء الله وصفاته.\nفهذا ردٌ على المعَطِّلَة، لأن المعَطِّلَة منهم من حرَّف، وكلهم متفقون في النتيجة وهي التعطيل، أي إنكار تلك الصفات أو بعضها.\nفقوله هنا: «مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ» هذا ردٌ على المعَطِّلَة، والتعطيل أعمُّ من التحريف، فكل محرِّف معطل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المعطِّل محرِّفًا.\nوهؤلاء المعَطِّلَة وضعوا هنا اصطلاحات أرادوا بها أن يمرِّروا هذا الباطل على النصوص، وهو ما يسمَّى «بالمجاز والتأويل»، فأحدثوا اصطلاحًا هو «التأويل»، وأحدثوا اصطلاحًا هو «المجاز» وفي هذين الأمرين أرادوا أن يلبِّسوا على الناس في هذه النصوص بغية تحريفها وتبديلها من حيث معانيها.\nوأما قول المصنف: «ومن غير تكييف ولا تمثيل».\nهذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.\n\"فالتكييف\" هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل (^١).\nمثال ذلك: قول الهشامية عن الله: \"طوله كعرضه \" (^٢).\nأو قولهم: \" طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه\".\nوعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.\nفالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.\nوأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.\nولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.\nفكل تمثيل تكييف، لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.\n_________\n(^١) القواعد المثلى ص ٢٧\n(^٢) مقالات الإسلاميين ص ٣١","vol":"1","page":319},{"text":"وليس كل تكييف تمثيلًا، لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.\nومعنى قول أهل السنة: \"من غير تكييف\" أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: \"من غير تكييف\" أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^١).\nفمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.\nوقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.\n\"ولا تمثيل\":\nالمثيل لغة: هو الند والنظير.\nوالتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق، أنها مثل صفات المخلوقين.\nوهو قول الممثل: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nوالتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^٢).\nفالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.\nوالمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.\nولكن التعبير هنا بنفي \"التمثيل\" أولى لموافقة لفظ القرآن.\nفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ (^٤).\nوقد وقع في التمثيل والتكييف \"المشبهة\" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.\nالتمثيل نزعة يهودية الأصل، \"فإن اليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه\" (^٥)\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية ص ٢١\n(^٢) القواعد المثلى ص ٢٧\n(^٣) الآية ١١ من سورة الشورى\n(^٤) الآية ٧٤ من سورة النحل\n(^٥) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥٥.","vol":"1","page":320},{"text":"فقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\n، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ردًا على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].\nوأول ظهوره في هذه الأمة على يد الرافضة الغلاة. قال البغدادي ﵀: \"وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"أول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (^٢) \" (^٣).\nولعل سبب ظهور مقالة التمثيل راجع إلى أمرين:\nالأمر الأول: مضاهاة أهل الكتاب -وخاصة اليهود-في مقالاتهم؛ حيث إن الإسرائيليات طافحة بتمثيل البارئ سبحانه بالمخلوقين، كما أن اليهود والنصارى ضاهوا الرومان والإغريق والهنود وغيرهم في عقائدهم. قال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة: ٣٠.\nفاليهود وقعوا في تمثيل الخالق بالمخلوق، والنصارى وقعوا في تمثيل المخلوق بالخالق. وكذلك جرى في هذه الأمة -كما سيأتي عند ذكر فرق الممثلة - قال ﷺ: «لتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب تبعتموهم، قلنا: با رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» (^٤).\nالأمر الثاني: مقابلة التعطيل بضده، فقد ظهر مذهب التعطيل فقوبل بالتمثيل، وإلى هذا المعني بشير الذهبي ﵀-بقوله: (وظهر بخراسان: الجهم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرب ﷿ وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق ٣٢٥.\n(^٢) هشام بن الحكم الكوفي الرافضي، المشبه المعثر، وله نظر وجدل وتواليف كثيرة قال في مختلف الحديث: كان من الغلاة ويقول بالجبر الشديد، وذكر عنه ابن حزم أنه يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، ويزعم أن علم الله محدث. مات بعد نكبة البرامكة بمديدة مستترًا وقيل عاش إلى خلافة المأمون. لسان الميزان ٦/ ١٩٤\n(^٣) الفتاوي ٣/ ١٨٦.\n(^٤) رواه البخاري: كتاب الاعتصام ٨/ ١٥١، ورواه مسلم، كتاب العلم ٦.","vol":"1","page":321},{"text":"سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم) (^١).\nقال ابن رجب الحنبلي\": وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. \" (^٢)\nإلى أن قال ﵀: \"وينقسم هؤلاء إلى قسمين:\nأحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة: وقولهم لو كان له كلام يسمع لكان جسما ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.\nوالثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.\nوقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^٣). \"\nقال ابن رجب الحنبلي: \"الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا. \" (^٤)\n_________\n(^١) تذكرة الحفاظ ١٥٩، ١٦٠.\n(^٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢\n(^٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣\n(^٤) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤","vol":"1","page":322},{"text":"مقصود المخالفين بمعنى التشبيه:\nالتشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (^١).\nومقصود المتكلمين بنفي التشبيه:\nأن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^٢).\nوأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.\nفإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.\nوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^٣).\nأقسام التمثيل:\nقال ابن القيم: \"حقيقة الشرك هو:\n١ التشبه بالخالق.\n٢ التشبيه للمخلوق به.\nهذا هو التشبيه في الحقيقة\" (^٤).\nوإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٧٦).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).\n(^٣) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.\n(^٤) الجواب الكافي (١٥٩).","vol":"1","page":323},{"text":"أولًا: التمثيل في جانب الربوبية\nوينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:\n١ شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.\n٢ شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.\nولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره-شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.\nفمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (^١).\nالقسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:\n١ من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (^٢).\nففي الصحيح عنه ﵁ قال: \"يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته\".\nثانيًا: التمثيل في جانب الألوهية.\nوينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:\nالسجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.\nفمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:\n١ غاية الحب\n٢ مع غاية الذل\nهذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.\n_________\n(^١) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٦١).","vol":"1","page":324},{"text":"فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.\nفإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.\nومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.\nومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.\nومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (^١).\nالقسم الثاني: التشبه به، ومثاله:\nمن دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً (^٢)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.\nأقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:\nينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:\nالقسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.\nوهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله\" (^٣).\nومن هذا القسم كذلك السبيئة (^٤) من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له. فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.\nفقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم\n_________\n(^١) انظر الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٦١).\n(^٣) منهاج السنة (٥/ ١٦٩).\n(^٤) السبيئة: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام، وكاد للمسلمين كيدًا عظيمًا، وهو الذي قال لعلي: أنت الله. انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":325},{"text":"يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:\nلما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا\" (^١)\nالقسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق\nوهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فاليهود تصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب\" (^٢).\nوإنّه رمد وعادته الملائكة وإنّه بكى على طوفان نوح ﵇ (^٣).\nويدخل في هذا القسم المشبهة الذين جعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين كقولهم له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري.\nفرق المشبهة ومقالاتهم:\nوأما قدماؤهم فهم:\n١ البيانية: من غالية الشيعة وهم أتباع بيان بن سمعان التيمي الذي كان يقول: إن الله على صورة الإنسان وإنه يهلك كله إلا وجهه، وادعى بيان أنه يدعو الزُهَرَة فتجيبه، وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، فقتله خالد ابن عبد الله القسري (^٤).\n٢ المغيرية: وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، ويزعمون أنه كان يقول إنه نبي وإنه اسم الله الأكبر وإن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج، وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل، وله جوف وقلب تنبع منه الحكمة، وإن حروف (أبي جاد) على عدد أعضائه، قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها، وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرًا عظيما، يعرِّض لهم بالعورة وبأنه قد رآه، لعنه الله وأخزاه (^٥).\n_________\n(^١) منهاج السنة (١/ ٣٠٧).\n(^٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٨).\n(^٣) منهاج السنة (٢/ ٦٢٧).\n(^٤) مقالات الإسلاميين (ص ٥)، منهاج السنة (٢/ ٥٠٢).\n(^٥) مقالات الإسلاميين (ص ٧)، منهاج السنة (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤).","vol":"1","page":326},{"text":"٣ الهشامية: ويسمون بالهشامية نسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي، وأحيانًا تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي، وكلاهما من الإمامية المشبهة، والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم (^١).\n٤ الجواربية: أتباع داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية (^٢).\nوقال: \"أعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك\" (^٣). تعالى الله عما يقوله علوًا كبيرًا.\nوقال الأشعري في المقالات: \"وقال داود الجواربي: إن الله جسم، وأن له جُثةٌ وأنه على صورة الإنسان له لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره\" (^٤).\nوحكي عن داود الجواربي أنه كان يقول: إنه أجوف من فِيهِ إلى صدره، مُصْمَتٌ ما سوى ذلك (^٥).\nقال أبو الحسن الأشعري في كتاب \"مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين\": \"اختلف الروافض وأصحاب الإمامة في التجسيم وهم ست فرق:\nفالفرقة الأولى: (الهشامية)، أصحاب هشام بن الحكم الرافضي.\nيزعمون أن معبودهم جسم، وله نهاية وحَدٌّ، طويل، عريض، عميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يُوفي بعضه على بعض، وزعموا أنه نور ساطع، له قدر من الأقدار، في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم، ورائحة، ومجسَّة، لونه هو طعمه، وطعمه هو رائحته\" وذكر كلامًا طويلًا.\nوذكر عن هشام أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل، زعم مرة أنه كالبلورة، وزعم مرة أنه كالسبيكة، وزعم مرة أنه غير صورة، وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال: هو جسم لا كالأجسام.\n_________\n(^١) شرح الأصفهانية (ص ٦٥).\n(^٢) الفرق بين الفرق (ص ٢٢٨)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٨٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٥).\n(^٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٥).\n(^٤) المقالات (١/ ٢٠٩).\n(^٥) منهاج السنة (٢/ ٦١٨).","vol":"1","page":327},{"text":"الفرقة الثانية: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام، وإنما يذهبون في قولهم: إنه جسم، إلى أنه موجود، ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف.\nالفرقة الثالثة: من الرافضة، يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان، ويمنعون أن يكون جسمًا.\nالفرقة الرابعة: من الرافضة (الهشامية) أصحاب هشام بن سالم الجواليقي، يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا. ويقولون: هو نور ساطع يتلألأ بياضًا، وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، له يد، ورجل، وأنف، وأذن، وعين، وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عنده.\nوحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وَفْرَة (^١) سوداء وأن ذلك نور أسود.\nالفرقة الخامسة: يزعمون أن لرب العالمين ضياءً خالصًا، ونورًا بحتًا، وهو كالمصباح الذي من حيث جئته يلقاك بأمر واحد، وليس بذي صورة ولا أعضاء، ولا اختلاف في الأجزاء. وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان.\nالفرقة السادسة: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس. وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من متأخريهم، فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه.\nقال شيخ الإسلام: \"وأما متأخريهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وكتب الشيعة مملوءة بالاعتماد في ذلك -يعنى مسائل الصفات والقدر-على طرق المعتزلة وهذا كان في أواخر المائة الثالثة، وكثر في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي والطوسي.\n_________\n(^١) الوفرة، الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال على الأذنين، أو ما جاوز شحمة الأذن. القاموس المحيط.\n(^٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤).","vol":"1","page":328},{"text":"وأما قدماء الشيعة فالغالب عليهم ضد هذا القول، كما هو قول الهشامية وأمثالهما.\nفالرافضة الإمامية وكذلك الزيدية على عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات إلى يومنا هذا.\nغلاة المتصوفة\nمن نُسب إلى التشبيه:\n\n<span data-type='title' id=toc-37>الكرامية:</span>\nالفرق بين التشبيه والتجسيم:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.\nفإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.\nوقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.\nوالنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.\nفإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.\nفمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.\nوذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.\nوإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن","vol":"1","page":329},{"text":"خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.\nإذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.\nولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.\nلكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.\nالتعريف بالكرامية:\nالكرامية (^١) هم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني المتوفى سنة (٢٥٥ هـ).\n_________\n(^١) يبلغ عدد طوائف الكرامية اثنتا عشرة فرقة وأصولها ستة هي:\n١ - العابدية، ٢ - النونية، ٣ - الزرينية، ٤ - الإسحاقية، ٥ - الواحدية، ٦ - الهيصمية.\n\"وهم في باب الإيمان مرجئة يقولون: إن الإيمان هو القول فقط فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وبعض الناس يحكي عنهم أنه من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان وإنه من أهل النار\". انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦).\nوانظر الكلام عن الكرامية في الفصل لابن حزم (٤/ ٤٥، ٢٠٤ - ٢٠٥)، لسان الميزان (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٣٠ - ١٣٧)، والملل والنحل (١/ ١٨٠ - ١٩٣).","vol":"1","page":330},{"text":"وهم في باب الصفات يثبتونها ولكنهم خالفوا أهل السنة في مسألتين:\nالمسألة الأولى: أنهم يبالغون في الإثبات ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم)، و(المماسة).\nومن بدع الكرامية أنهم يقولون في المعبود إنه جسم لا كالأجسام (^١).\nومن بدعهم قولهم: إن الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا (^٢).\nويقولون: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنًا ثم تحرك لما خلق العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلوا من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، ومالا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nوأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنًا. والسكون عندهم أمر عدمي، وهو عدم الحركة عمَّا من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة. وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليًا من الحوادث حتى قامت به، بخلاف الأجسام المركَّبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق (^٣).\nويقولون: إن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك (^٤).\nويقول ابن كرام: إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا (^٥).\nويقول كذلك: له حد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش ولا نهاية له (^٦).\nوقد غالى أتباع ابن كرام في شأن الكيفية فزعم بعضهم أنه تعالى على بعض أجزاء العرش (^٧).\nوادعى بعضهم أن العرش امتلأ به بحيث لا يزيد على عرشه من جهة المماسة،\n_________\n(^١) لسان الميزان (٥/ ٣٥٤).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٦).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٢٧).\n(^٤) المصدر السابق (٥/ ٢٤٦).\n(^٥) الفرق بين الفرق (ص ١٩٨)، والملل والنحل (١/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٦) التبصير في الدين (ص ١١٢).\n(^٧) الملل والنحل (١/ ١٠٩).","vol":"1","page":331},{"text":"ولا يفضل منه شيء على العرش (^١).\nالمسألة الثانية: إن الكرامية يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن، أنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.\nفعندهم أن الله يتكلم بأصوات تتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأن الله في الأزل لم يكن متكلمًا إلا بمعنى القدرة على الكلام، وأنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك (^٢).\nومعلوم أن عقيدة السلف تقوم على إثبات جميع الصفات الذاتية منها والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة (^٣).\nمقاتل بن سليمان: (^٤)\nنُسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبهة وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: \"أتانا من المشرق رأيان خبيثان؛ جهم معطل، ومقاتل مشبه\" (^٥).\nوقال ابن حبان: \"كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث\" (^٦).\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق (ص ١٩٩)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٧٣، ١١٢)، والملل والنحل (١/ ١٠٩).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، ودرء تعارض العقل والنقل (٢/ ٧٦).\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩، ٥٢٠ - ٥٢٥).\n(^٤) هو أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء، البلخي، الخراساني، المروزي، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها. ذكره الذهبي في آخر ترجمة ابن حيان (تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٤) وقال: (فأما مقاتل بن سليمان المفسر فكان في هذا الوقت، وهو متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم بحرًا في التفسير). وقد توفي بالبصرة سنة (١٥٠ هـ). وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٩٦ - ١٩٧)، تاريخ بغداد (١٣/ ١٦٠ - ١٦٩)، وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١ - ٣٤٣).\n(^٥) لسان الميزان (١٠/ ٢٨١).\n(^٦) ميزان الاعتدال (٤/ ١٧٥).","vol":"1","page":332},{"text":"وقال أبو الحسن الأشعري في \"المقالات\": \"وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم وإنه جثة على صورة الانسان لحمٌ ودمٌ وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله، والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره واطلاعه، كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا، مثل مسألة الخنزير البري ونحوها، وما يبعد أن يكون النقل عن مقاتل من هذا الباب\" (^٢).\nوجاء في \"وفيات الأعيان\" في ترجمة مقاتل بن سليمان: \"حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة، على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام\" (^٣).\nويلاحظ من هذا السياق لفرق المشبهة الملاحظات الآتية:\nا-أن التشبيه نشأ في أحضان الرافضة وترعرع فيها.\n٢ - تفاوت هذه الفرق على النحو التالي:\n(١) الغلاة: وهم الذين مثلوا ذات الخالق بذات مخلوق معين، أو زعموا أن الله حاك فيه -سبحانه-وهؤلاء خارجون عن الملة إجماعًا، وغالبا ما يجمعون إلى هذا الكفر كفرًا آخر من الزندقة الباطنية كالفرق العشر الأولى.\n(ب) المكيفة: وهم الذين يكيفون صورة معبودهم بأوصاف وكيفيات معهودة في الذهن والخارج لكن غير مقيدة بمماثل معين، كالهشاميين.\n(ج) ممثلة الأفعال: الذين يمثلون الخالق بالمخلوق، والمخلوق بالخالق في الأفعال كالمعتزلة.\n_________\n(^١) المقالات (ص ٢٠٩).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٦١٨ - ٦٢٠).\n(^٣) وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١).","vol":"1","page":333},{"text":"٣ - براءة أهل السنة من تهمة التمثيل التي حاول بعض نفاة الصفات من المتكلمين نبزهم بها. فليس في هذه الفرق المذمومة طائفة من أهل السنة، إلا أن المتكلمين بناء على أصولهم الفاسدة عدوا إثبات الصفات الخبرية تمثيلًا، فوصموا المثبتين لها بوصمة التمثيل، كما صنع الشهرستاني (^١) في مبحث «المشبهة، حيث أدخل في مقالات المشبهة ما هو من صريح مذهب السلف (^٢) \" (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قال الأشعري: وفي الأمة قوم ينتحلون النسك، يزعمون أنه جائز على الله تعالى الحلول في الأجسام، وإذا رأوا شيئًا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعل، ربما، هو.\nومنهم من يقول: إنه يرى الله في الدنيا على قدر الأعمال، فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن.\nومنهم من يجوِّز على الله تعالى المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، ومنهم من يزعم أن الله تعالى ذو أعضاء وجوارح وأبعاض: لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح.\nوكان من الصوفية رجل يُعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه، ويغتم ويحزن إذا عَصَوْهُ.\nوفي النسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم -من الزنا وغيره-مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يروا الله، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين.\nومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين.\nوقلت: هذه المقالات التي حكاها الأشعري -وذكروا أعظم منها-موجودة في\n_________\n(^١) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح، الشهرستاني، كان إمامة في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، ولد سنة ٤٧٩ هـ في شهر ستان، وله من المؤلفات: «الملل والنحل»، و«نهاية الإقدام في علم الكلام، والإرشاد إلى عقائد العبادة وغيرها، وتوفي في بلده سنة ٥٤٨ هـ. الأعلام ٦/ ٢١٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٢، مفتاح السعادة ١/ ٢٦٤، آداب اللغة ٣/ ٩٩، لسان الميزان ٥/ ٢٦٣، طبقات السبكي ٤/ ٧٨.\n(^٢) انظر: الملل والنحل ١/ ١٠٥، وما بعدها.\n(^٣) المصدر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص ٧٩ - ٨٢.","vol":"1","page":334},{"text":"الناس قبل هذا الزمان. وفي هذا الزمان منهم من يقول بحلوله في الصور الجميلة، ويقول إنه بمشاهدة الأمرد يشاهد معبوده أو صفات معبوده أو مظاهر جماله، ومن هؤلاء من يسجد للأمرد. ثم من هؤلاء من يقول بالحلول والاتحاد العام، لكنه يتعبد بمظاهر الجمال، لما في ذلك من اللذة له، فيتخذ إلهه هواه، وهذا موجود في كثير من المنتسبين إلى الفقر والتصوف. ومنهم من يقول إنه يرى الله مطلقًا ولا يعيِّن الصورة الجميلة، بل يقولون إنهم يرونه في صور مختلفة. ومنهم من يقول: إن المواضع المخضرَّة خطا عليها، وإنما اخضرت من وطئه عليها، وفي ذلك حكايات متعددة يطول وصفها.\nوأما القول بالإباحة وحل المحرمات -أو بعضها-للكاملين في العلم والعبادة فهذا أكثر من الأول، فإن هذا قول أئمة الباطنية القرامطة الإسماعيلية وغير الإسماعيلية وكثير من الفلاسفة، ولهذا يُضرب بهم المثل فيقال: فلان يستحل دمي كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع، وقول كثير ممن ينتسب إلى التصوف والكلام، وكذلك من يفضل نفسه أو متبوعه على الأنبياء، موجود كثير في الباطنية والفلاسفة وغلاة المتصوفة وغيرهم، وبسط الكلام على هذا له موضع آخر.\nففي الجملة هذه مقالات منكرة باتفاق علماء السنة والجماعة، وهي -وأشنع منها-موجودة في الشيعة.\nوكثير من النسَّاك يظنون أنهم يرون الله في الدنيا بأعينهم، وسبب ذلك أنه يحصل لأحدهم في قلبه بسبب ذكر الله تعالى وعبادته من الأنوار ما يغيب به عن حسه الظاهر، حتى يظن أن ذلك شيء يراه بعينه الظاهرة، وإنما هو موجود في قلبه.\nومن هؤلاء من تخاطبه تلك الصورة التي يراها خطاب الربوبية ويخاطبها أيضًا بذلك، ويظن أن ذلك كله موجود في الخارج عنه، وإنما هو موجود في نفسه، كما يحصل للنائم إذا رأى ربه في صورة بحسب حاله. فهذه الأمور تقع كثيرًا في زماننا وقبله، ويقع الغلط منهم حيث يظنون أن ذلك موجود في الخارج.\nوكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورًا أو عرشًا أو نورًا على العرش، ويقول: أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد. ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون المخاطب له جنياًّ، كما قد وقع لغير واحد.\nلكن بسط الكلام على ما يُرى ويُسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه","vol":"1","page":335},{"text":"من باطله ليس هذا موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع.\nوكثير من الجهَّال أهل الحال وغيرهم يقولون: إنهم يرون الله عيانًا في الدنيا، وأنه يخطو خطوات\" (^١).\nفأدخلوا في ذلك من الأمور ما نفاه الله ورسوله، حتى قالوا: إنه يُرى في الدنيا بالأبصار، ويصافح، ويعانق، وينزل إلى الأرض، وينزل عشية عرفة راكبًا على جمل أورق يعانق المشاة ويصافح الركبان. وقال بعضهم: إنه يندم ويبكي ويحزن، وعن بعضهم أنه لحم ودم، ونحو ذلك من المقالات التي تتضمن وصف الخالق ﷻ بخصائص المخلوقين.\nوالله سبحانه منزه عن أن يوصف بشيء من الصفات المختصة بالمخلوقين، وكل ما اختص بالمخلوق فهو صفة نقص، والله تعالى منزَّه عن كل نقص ومستحق لغاية الكمال، وليس له مثل في شيء من صفات الكمال، فهو منزه عن النقص مطلقًا، ومنزه في الكمال أن يكون له مثل، كما قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، فبين أنه أحدٌ صمدٌ، واسمه الأحد يتضمن نفي المثل، واسمه الصمد يتضمن جميع صفات الكمال، كما قد بيَّنا ذلك في الكتاب المصنَّف في تفسير قل هو الله أحد\" (^٢).\nبقي هنا مسألة وهي: هل التمثيل والتشبيه بمعنى واحد؟\nفي أصل اللغة هما بمعنيين؛ لأن المماثلة مساواة الشيء بغيره من كل الوجوه، فتقول: هذا مِثْلُ هذا بمعنى أنه تمامًا بتمام، هذا هو التمثيل، فمساواة الشيء بغيره من كل الوجوه، فهذا يسمى التمثيل.\nأما مساواة الشيء بغيره في بعض الوجوه فهذا هو التشبيه، هذا في أصل الاستعمال أن التمثيل: هو مساواة الشيء بغيره من كل وجه، والتشبيه: مساواة الشيء بغيره في بعض الوجوه.\nولكن هنا في استعمال العلماء يقصدون بهما أمرًا واحدًا؛ لأنه لا نجد أن هناك من يقول: إن لله ﷾ مماثلًا له من كل وجه، ومثلَا الذي قال: «له يدٌ كيدي، ووجهٌ كوجهي، أو سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري» (^٣) فهذا يكون قد ساوى مثلًا في الجسم\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٥).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٠).\n(^٣) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٧).","vol":"1","page":336},{"text":"أو في الصورة، ولكن لم يساوِ في العلم أو في القدرة، فلم يقل: له علمٌ كعلمي أو قدرةٌ كقدرتي.\nفلذلك السلف غالبًا ما يطلقون لفظ «المشبِّهة»؛ قال: المشبِّهة أكثر من إطلاقهم للفظ الممثلة، وإن كان الأولى في هذه المسألة هو استعمال لفظ القرآن وهو: «التمثيل»، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nفإذًا المقصود بذلك الرد على المشبِّهة من الكرامية والهشامية الذين يعتقدون أن هذه الصفات مماثلة لصفات المخلوقين وبالتالي خاضوا في شأن الكيفية فقالوا: «له يدٌ كيدي وسمعٌ كسمعي» (^١).\nفهذا معنى قول المصنف: «مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ»، أراد بذلك الفصل بين عقيدة أهل السنة، وعقيدة المعَطِّلَة من جهة، وعقيدة المشبِّهة من جهة، ومعنى هذا أن أهل السُنَّة يثبتون النصوص على حقيقتها وعلى الوجه الذي يليق بالله ﷾، فلا يحرِّفون ولا يعطِّلون ولا يمثِّلون ولا يكيِّفون.\nومقولة الإمام مالك، أصبحت قاعدة مسلمة عند أهل السُنَّة حيث قال: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة» (^٢)، فلا يخوض السلف في الكيفيات.\nومعنى: «نفي المماثلة بين صفات الخالق والمخلوق عند أهل السنة» معناه أن لله سبحانه في تلك الصفات خصائص لا يماثله فيها أحدٌ من خلقه ﷾:\n_________\n(^١) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٧).\n(^٢) انظر كتاب الملل والنحل الجزء الأول صفحة (٩٣).","vol":"1","page":337},{"text":"(٥٥) \"وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيٌّ؛ بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ. \"\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: «وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ لُغْزٌ وَلَا أَحَاجِيٌّ»، «الأحجية» يعني ميلك بالشيء عن وجهه من الإحجاء والإلغاز، فالنصوص واضحة وليس فيها لبس، وليس فيها إشكال من جهة نفسها، وإنما الإشكال قد يقع من جهة الناس لا من جهة النصوص.\nفهي نصوص واضحة في إثبات هذه الصفات، سواء كانت ذات أو صفات فعل، يجب أن تُثبت لله ﷾ على الوجه اللائق به.\nوقوله: «بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ»، فالله تعالى أنزل هذا القرآن بلغة العرب، ومن يعرف لغة العرب لاشك أنه يميِّز بين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وبين قوله: «يَنْزِلُ اللَّهُ ﷿، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^١)، يميز بين هذا وبين هذا، وبين قوله تعالى يعني: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ويميز كذلك بين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤].\nفهذه النصوص نزلت بلغة العرب، فدعوى هؤلاء - دعوى التعطيل - وهو أن هذه الألفاظ لا نعقل ولا نعرف معانيها، هذه دعوى باطلة، بل ألفاظ هذه النصوص مفهومة المعنى، وأعتقد أي عاقل لا يقبل هذه الدعوى لو تأمَّل فيها.\nعندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، هل وأنت تعرف\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).","vol":"1","page":338},{"text":"لغة العرب لا تعرف معنى «الاستواء» ولا تعرف معنى «العرش»؟ هل يُعقل هذا؟ فلا شك أن القارئ يعرف ألفاظ هذه النصوص ويعرف معانيها.\nوشتان بينك وبين شخصٍ لا يعرف لغة العرب، فقد يقرأ اللفظ دون فهم لمعناه، وأما إذا كنت من العرب أو ممن درس لغة العرب، فلا شك أنك تفهم هذه المعاني.\nفالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.\nوهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.\nوهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولستبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.\nومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١).\nومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.\nولابد أن نركز على مسألة دعوى الجهل بمعاني النصوص؛ لأن التفويض نوعان: تفويض المعنى وتفويض الكيف.\n_________\n(^١) الآية ١٧٦ من سورة البقرة","vol":"1","page":339},{"text":"أما تفويض المعنى فقد قال به المعَطِّلَة ونسبوه إلى السلف وقالوا: «إن السلف مفوضة» بمعنى أنهم لم يبحثوا ولم يتحدثوا عن معاني النصوص، وهذا زعمٌ باطل، وردُّ هذا الزعم بمجرد أن تقرأ كلام السلف في كتب التفسير أو في كتب الحديث أو في كتب الاعتقاد، تقرأ للسلف أن مثلًا مجاهد يقول: «ثم استوى على العرش، قال: استوى بمعنى علا وارتفع» (^١)، ولا يعقل - حتى أقل الناس معرفة بلغة العرب - لا يعقل أنه لا يفهم معنى هذا الكلام ولا يفرق بين قوله يعني ﷺ: «يَنْزِلُ اللَّهُ ﷿، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، هذا له معنى وهذا له معنى، وهذا الزعم، يعني بطلانه من أوضح ما يكون.\nوكما قال الشاعر:\nوليس يطيب في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل\nفالأمر واضح، فلا يمكن لنفسك أن تقبل هذا الأمر وتقول: لا أفهم هذا الكلام، بل أنت تفهم هذا الكلام، وتفهم معنى الاستواء، وتفهم معنى العرش، وإن كنت تجهل كيفية الاستواء أو كيفية العرش.\nوهذا يبين مقصود المصنف بقوله: «بَلْ مَعْنَاهُ يُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ يُعْرَفُ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ بِكَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَقُولُ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَأَفْصَحَ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِرْشَادِ. \"»، يعني بذلك النبي ﷺ.\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ التَّوْحِيدِ، باب وكان عرشه على الماء هود وهو رب العرش العظيم التوبة، الجزء التاسع صفحة (١٢٤).\n(^٢) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (١٩).","vol":"1","page":340},{"text":"(٥٦) \"وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ\".\n<hr><s0>\n\n«وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، دخل المصنف إلى نقطةٍ أخرى من أسس أهل السُنَّة وهي: أن أهل السُنَّة مع إثبات تلك الصفات يعتقدون اعتقادًا جازمًا أن الله تعالى لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله.\nوهذا الأساس الثاني من الأسس الثلاثة التي قام عليها معتقد السلف في باب الأسماء والصفات وهو: تنزيه الله جل وعلا أن يماثل شيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين.\nتوضيحه يكون وفق ما يلي:\nأولًا: الأدلة الشرعية الواردة في تنزيه، الله عن مشابهة المخلوقين:\nا-قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (^٢).\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (^٣).\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (^٤).\n٥ - وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٥).\n٦ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٦).\n٧ - وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٧).\nوجه دلالة الآيات:\nا-قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله (^٨).\n_________\n(^١) الآية ١١ من سورة الشورى\n(^٢) الآية ٧٤ من سورة النحل\n(^٣) لآية ٦٠ من سورة النحل\n(^٤) الآية ٢٧ من سورة الروم\n(^٥) الآية ٦٥ من سورة مريم\n(^٦) الآية ١ من سورة الإخلاص\n(^٧) الآية ٤ من سورة الإخلاص\n(^٨) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٨","vol":"1","page":341},{"text":"والآية في تفسيرها وجهان:\nالأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل \"المثل \"في الكلام توكيدًا للكلام.\nوالثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون \"الكاف\" هي المدخلة في الكلام توكيدًا (^١) وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر (^٢).\nوقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (^٣).\n٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾:\nقال ابن جرير الطبري في تفسيرها: \"فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه\" (^٤).\nوقال ابن كثير: \"أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا\" (^٥).\n٣ - وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^٦).\n٥ - وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا (^٧).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٥/ ١٢ - ١٣\n(^٢) شرح الطحاوية ص ١٤٦\n(^٣) شرح الطحاوية ص ٩٩\n(^٤) تفسير الطبري ١٤/ ١٤٨\n(^٥) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٨\n(^٦) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤\n(^٧) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦","vol":"1","page":342},{"text":"وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (^١).\n٦ - وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير.\n٧ - وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص (^٢).\nثانيًا: دلالة العقل على بطلان شبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين:\nا-القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات (^٣).\nفقد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر من صفات المخلوقين المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكهما في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينهما وبين الخالق أجلى وأقوى (^٤).\nوبهذا نعلم أن الله لا مثل له، ولا تضرب له الأمثال، التي فيها مماثلة لخلقه، بل له المثل الأعلى.\n٢ - أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا (^٥).\n٣ - (إذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق، مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم) (^٦).\n(فإن الله ﷾ أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا وفاكهةً وحريرًا وذهبًا وفضةً وحورًا وقصورًا.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣١\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٩\n(^٣) لرسالة التدمرية ص ٤٣\n(^٤) القواعد المثلى ص ٢٦\n(^٥) القواعد المثلى ص ٢٦\n(^٦) الرسالة التدمرية ص ٥٠","vol":"1","page":343},{"text":"وقد قال ابن عباس ﵄: \"ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء\".\nفإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح (^١).\nثالثًا: فصل ما بين معتقد أهل السنة في هذا الأساس ومعتقد أهل التعطيل وأهل التمثيل:\nقال شارح الطحاوية: \" اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nولكن لفظ \"التشبيه\" قد صار في كلام الناس لفظًا مجملًا يراد به:\nا-المعنى الصحيح: من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة المشبهة.\nفمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.\n٢ - المعنى المردود: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات ولازم هذا القول إنه لا يقال له: حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^٢).\nوأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.\nوهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها معينا مختصا به.\nفإذا سُمي بها العبد كان مسماها مختصًّا به.\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٤٧\n(^٢) شرح الطحاوية ص ٩٩ بتصرف.","vol":"1","page":344},{"text":"فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟\nوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا.\nوأن المعطلة أخذوا نفى المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا.\nوأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>ومن أقوال العلماء في تقرير هذا الأساس:</span>\nقال أبو عبد الله بن أبي زَمِنين (^٢) ﵀: «فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ﷺ ليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتَحُدُّه كيف هو كينونته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به» (^٣).\nوقال الإمام ابن عبد البر ﵀: «الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة (^٤) وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» (^٥).\n_________\n(^١) شرح الطحاوية ص ١٠٤ بتصرف.\n(^٢) محمد بن عبد الله بن أبي زَمِنِين المُرِّي، أبو عبد الله الأَبْيَري القرطبي، الإمام القدوة الزاهد، صاحب التصانيف، ومنها: مختصر المدونة، وأصول السنة على طريقة السلف، توفي سنة ٣٩٩ هـ.\nانظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٤/ ٦٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٨).\n(^٣) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (ص ٧٤).\n(^٤) أي: مسألة الصفات.\n(^٥) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٨).","vol":"1","page":345},{"text":"(٥٧) \"فَكَمَا نَتَيَقَّنُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً وَلَهُ أَفْعَالٌ حَقِيقَةً، فَكَذَلِكَ لَهُ صِفَاتٌ حَقِيقَةً. وَهُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ \"\n<hr><s0>\n\nمن جملة القواعد التي قررها علماء أهل السنة والجماعة وأشهرها قاعدة: \"القول في الصفات كالقول في الذات\"، وهذه القاعدة هي أحد أدلة علماء أهل السنة في تقرير ثبوت الصفات والرد على من أنكرها، وهي قاعدة قد اتفق عليها أهل السنة والجماعة قاطبةً، ولأهميتها جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية الأصلَ الثاني من الأصلين اللذين بنى عليهما كتابه التدمرية حيث يقول فيه: \"وهذا يتبين بالأصل الثاني - وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات\" (^١).\nقد دل على هذه القاعدة الكتابُ العزيز، كما أجمع عليها علماء الأمة، وفيما يلي بيان ذلك:\nأولًا: الدليل من الكتاب العزيز:\n١ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nوجه الدلالة:\n(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^٢).\n_________\n(^١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).\n(^٢) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤.","vol":"1","page":346},{"text":"٢ قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. يقول ابن قتيبة: \"أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا\" (^١). ويقول الزجاج: \"هذه الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال: المعنى مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا\" (^٢).\nوجه الدلالة:\nفي الآية الكريمة نفي صريح للمماثلة والمشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته، فهو تعالى لا يماثله ولا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته.\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه\" (^٣).\nوفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإذا كان له [تعالى] ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات\" (^٤).\nثانيًا: الإجماع:\nيقول ابن أبي يعلى: وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية (^٥).\nوفيما يلي ذكر جملة من أقوال العلماء في تقرير هذه القاعدة؛ لبيان شهرتها عندهم.\n١ - قول الإمام أبي الحسن عبد العزيز الكناني المكي (ت ٢٤٠ هـ):\nقال الإمام عبد العزيز الكناني في كتابه (الحيدة): \"فقلت له [أي: لبشر\n_________\n(^١) غريب القرآن لابن قتيبة (ص: ٣٩١).\n(^٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٩٥).\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي (ص: ٧٥٤).\n(^٤) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).\n(^٥) ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":347},{"text":"المريسي]: قال الله ﷿. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أفتقول: إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت؟! فصاح المأمون بأعلى صوته-وكان جهير الصوت-معاذَ الله، معاذَ الله، معاذَ الله، فقلت: إذًا-ورفعت صوتي-معاذَ الله معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه ليست بداخلة في الأنفاس الميتة، وكلامه خارج عن الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه خارجة عن الأنفس الميتة\" (^١).\n٢ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ):\nقال الإمام أحمد: \"إنما التشبيه أن يقول: يد كيد أو وجه كوجه. فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار\" (^٢).\n٣ - قول الإمام أبي سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):\nقال الخطابي في رسالته المشهورة (الغنية عن الكلام وأهله) (^٣): \"والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. \". هذا كله كلام الخطابي (^٤).\n٤ - قول الإمام أبي نصر السِّجزي (ت ٤٤٤ هـ):\nقال أبو نصر السِّجزي: \"واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه [يعني القرآن الكريم] غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة. والصحيح الأوّل؛ لأن من قال: إنه مخلوق؛ صار منكرًا لصفة من صفات ذات الله ﷿، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في\n_________\n(^١) الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن (ص: ٥٣ - ٥٤).\n(^٢) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (١/ ٢٣٠).\n(^٣) انظر: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام (١/ ١٣٧ - ١٤٧).\n(^٤) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣/ ١٦٧، ٥/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٥) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١٥٣).","vol":"1","page":348},{"text":"الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات\" (^١).\n٥ - قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني (ت ٤٤٩ هـ):\nقال الشيخ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتابه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث): \"فلما صحَّ خبر النزول عن الرسول ﷺ أقرَّ به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا\" (^٢).\n٦ - قول أبي يعلى الحنبلي (ت ٤٥٧ هـ):\nقال ابن أبي يعلى في كتابه (طبقات الحنابلة): \"اعتقد الوالد السعيد [يعني: أبا يعلى محمد بن الحسين] ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد لها، حقيقة في علمه، لم يُطْلع الباري سبحانه على كنْه معرفتها أحدًا من إنس ولا جان، واعتقدوا: أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات ويحتذي حذوه ومثاله، وكما جاء\" (^٣).\n٧ - قول الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):\nأسند الحافظ الذهبي (^٤) عن الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي قوله: \"أما الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها.\nوالأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢٨١).\n(^٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٤٨).\n(^٣) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢٠٨).\n(^٤) في كتابه العرش (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨)، كما أوردها الحافظ الذهبي في كتبه: العلو للعلي الغفار (ص: ٢٥٣)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وتاريخ الإسلام (١٠/ ١٧٥)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٢ - ١١٤٣).\n(^٥) ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جوابه عن سؤال أهل دمشق في الصفات، وقد طبعت هذه الرسالة في مكتبة العلم بجدة سنة ١٤١٣ هـ، كما وضعت في ذيل كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي (ص ٦٤ - ٦٥ ط. دار الريان).","vol":"1","page":349},{"text":"٨ - قول الإمام محيي السنة البغوي (ت ٥١٦ هـ):\nقال الإمام أبو محمد البغوي الشافعي في كتابه (شرح السنة) -بعد ذكره جملةً من صفات الله تعالى-: \"فهذه ونظائرها صفات لله ﷿، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذواتِ الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنة، تلقّوها جميعًا بالإيمان والقَبول، وتجنّبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلمَ فيها إلى الله ﷿\" (^١).\n٩ - قول ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ):\nقال ابن أبي يعلى في (طبقات الحنابلة): \"ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه: إجماع الطوائف من بين موافق للسنة ومخالف أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم ولا جوهر ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك عن هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف في الشاهد في أخبار الصفات\" (^٢).\n١٠ - قول الإمام قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ):\nقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني الملقب بقِوام السنة في كتابه (الحجة في بيان المحجة): \"الكلام في صفات الله ﷿ ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فمذهب السلف-رحمة الله عليهم أجمعين-إثباتُها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وذهب قوم من المثبتين إلى البحث عن التكييف.\nوالطريقة المحمودة هي الطريقة المتوسطة بين الأمرين؛ وهذا لأن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات، وإنما أثبتناها؛ لأن التوقيف ورد بها، وعلى هذا مضى السلف.\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(^٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":350},{"text":"قال مكحول والزهري: \"أمرّوا هذه الأحاديث كما جاءت\"، فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علمًا بحقيقته؟ قيل: إن إيماننا صحيحٌ بحق من كلَّفَناه، وعلمُنا محيطٌ بالأمر الذي ألزمَناه، وإن لم نعرف ما تحتها حقيقة كيفيته، وقد أمرَنا بأن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالجنة ونعيمها، وبالنار وعذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علمًا بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفناه الإيمان بها جملة\" (^١).\n١١ - قول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ):\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقةً لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقةً لا تماثل سائر الصفات\" (^٢).\n١٢ - قول الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ):\nقال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء): \"ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، من غير تأويل ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تكييف؛ فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة. وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقةً، لا مِثلَ لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها\" (^٣).\n١٣ - قول الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ):\nقال الإمام ابن القيم في (الصواعق المرسلة): \"فكان الباب عندهم [يعني: عند السلف] بابًا واحدًا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فأنِسوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفرَ منه الجاحدون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقَّوه بالقَبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار؛ لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته\" (^٤).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في بيان كثرة من نقل عنه تقرير هذه القاعدة\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨ - ١٩٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٢).\n(^٤) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":351},{"text":"ونصرها-: \"وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوًا منه من العلماء من لا يحصى عددهم: مثل أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب (منازل السائرين) و(ذم الكلام)، وهو أشهر من أن يوصف، وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب، وغيرهم\" (^١). (^٢)\nوقد أفادت القاعدة جملة من الفوائد منها (^٣):\nأولًا: أنه إذا كانت ذات لله تعالى ثابتة حقيقة، من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين، فكذلك يقال في صفاته تعالى: إنها ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين.\nثانيًا: وبها يرد على من شبه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين: فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟\nومن المعلوم أن صفات كلِّ موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب سبحانه-الذي ليس كمثله شيء-إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضل في عقله ودينه (^٤).\nثالثًا: كما أفادت القاعدة أيضًا: أن إثبات الذات لله سبحانه إذا كان إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد، فكذلك إثبات صفات الباري سبحانه إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد (^٥).\nقال بعض المحققين: صفات الرب تعالى معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فالمؤمن مبصر بها من وجه، أعمى من وجه، مبصر من حيث الإثباتُ والوجود، أعمى من حيث التكييفُ والتحديد (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٩).\n(^٢) لمزيد من الاطلاع على أقوال العلماء انظر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.\n(^٣) المصدر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.\n(^٤) الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٣).\n(^٥) ينظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص: ٣٨).\n(^٦) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":352},{"text":"رابعًا: وبها يرد على الجهمية النافين للصفات: فإذا قال الجهمي: كيف استوى على العرش؟ وكيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك.\nيقال له-جوابًا عن شبهته-: كيف هو في نفسه؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.\nفإذا قال لك الجهمي: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري غير معلوم للبشر.\nفيقال له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، ولم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له (^١).\nخامسًا: وبها يرد على من توهم المماثلة بين صفات الله تعالى وصفات خلقه: فمن توهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فإنه يقع في محاذير:\n١ منها: أنه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.\n٢ ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.\n٣ ومنها: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثلَّه بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٤).\n(^٢) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":353},{"text":"(٥٨) \"وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ فَوْقَهُ\"\n<hr><s0>\n\nقول أهل السنة في الصفات مبنيٌّ على أصلين:\nأحدهما: أنَّ الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^١).\nوقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان:\nأحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.\nوالثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (^٢).\nومن النصوص التي توضح ذلك ما يلي:\nأ-قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ ففي مقام النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي مقام الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nب-قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾؛ وفي مقام النفي: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾.\nج-قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿اللَّهُ﴾، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي مقام النفي: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾.\n_________\n(^١) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣).\n(^٢) «الصفدية» (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":354},{"text":"وأما من السنة، ففي مقام الإثبات قوله ﷺ: «يَنزل ربُّنا ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا» (^٣).\nوقوله ﷺ: «لما قضى الله ﷿ الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي غلبت غضبي» (^٤).\nوفي مقام النفي قوله ﷺ: «ارْبَعُوا على أنفسكم (^٥)؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا» (^٦)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله تعالى ليس بأعور» (^٧)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (^٨).\nوإثباتُ الصفة أو نفيُها مردُّه إلى وُرود ذلك نصًّا في القرآن أو السُّنَّة الصحيحة، إذ الصفاتُ توقيفية كالأسماء، ولذلك يقول السفاريني: «لا خلاف بين العقلاء أن الله-﷾-متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، لكنهم مع اتفاقهم على ذلك اختلفوا في الكمال والنقص؛ فتراهم يُثبت أحدهم لله ما يظنُّه كمالًا، وينفي الآخرُ عينَ ما أثبته هذا لظنِّه نقصًا، وسبب ذلك: أنهم سَلَّطوا الأفكار على ما لا سبيل إليه من طريق الفكر، فإن الله-تعالى-خلق العقول، وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًّا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدها ووفَّت النظر حقه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها ووراء حدها الذي حدَّه الله لها، رَكِبَت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء، فلم يَثبت لها قدم، ولم ترتكن على أمر تطمئن إليه، فإن معرفة الله التي وراء طورها مما لا تستقل العقول بإدراكها من طريق الفكر وترتيب المقدمات، وإنما تدرك ذلك بنور النبوة وولاية المتابعة؛ فهو اختصاص إلهي يختص به الأنبياء وأهل وراثتهم مع حسن المتابعة، وتصفية القلب من وضر البدع والفكر من نزغات الفلسفة، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^٩).\n_________\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٥) أي: ارفقوا بأنفسكم.\n(^٦) أخرجه البخاري (٢٩٩٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(^٧) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٠٥٧) ومسلم (٢٩٣١) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٨) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(^٩) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني، مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م.","vol":"1","page":355},{"text":"قال ابن القيم ﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت مُنقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاظ لا تَدخل في أسمائه، ولهذا غلط مَنْ سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلقَ على نفسه مِنْ ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (^١).\nومِن هنا يتبين لك خطأ مَنْ أطلق عليه اسم الصانع والفاعل والمربي ونحوها؛ لأن اللفظ الذي أطلقه-سبحانه-على نفسه، وأخبر به عنها أتم من هذا، وأكمل وأجل شأنًا، فإنه يُوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها؛ فيوصف من الإرادة بأكملها، وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته … فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات، والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يُطلقه على نفسه، ما لم يكن مطابقًا لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولا سيما إذا كان مجملًا أو منقسمًا أو مما يمدح به غيره، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدًا …، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.\n\nومِن هنا يُعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه مِنْ كل فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا، وأدخله في أسمائه الحسنى؛ فاشتق منها: اسم الماكر، والمخادع، والفاتن، والمضل؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (^٢).\nوقال الشيخ حافظ حكمي: «اعلم أنَّه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله ﷿ على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سِيقت فيه مدحٌ وكمالٌ، لكن لا يجوز أن يُشتق له تعالى منها أسماء، ولا تُطلق عليه في غير ما سِيقت فيه من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُطلق على الله تعالى: مخادع، ماكر، ناسٍ، مُستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يُقال: الله يَستهزئ ويُخادع ويَمكر ويَنسى على سبيل الإطلاق؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا) (^٣).\n_________\n(^١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).\n(^٢) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٧٢، ٥٧٣).\n(^٣) «معارج القبول» (١/ ٧٦).","vol":"1","page":356},{"text":"ومن الأدلة استدل بها أهل السنة على إثبات الكمال لصفات الله.\nأولًا: دليل السمع:\nجاء في القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، و(الأعلى): صيغة أفعل التَّفضيل، أي: أعلى من غيره (^١).\nومعناها كما قال القرطبي: «أي: الوصف الأعلى» (^٢)، وقال ابن كثير: «أي: الكمال المطلق من كل وجه» (^٣)، وقال ابن سعدي: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه» (^٤).\nلذا قال الإمام ابن القيم: «المَثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العِلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها …» (^٥).\nفالله تعالى وصف نفسه بأنَّ له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل-كان له المثل الأعلى، وكان أحق به مَنْ كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مِثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه؛ فتأمله فإنَّه في غاية الظهور والقوة» (^٦).\nثانيًا: الدليل العقلي على أن كل صفات الله تعالى صفات كمال:\nقال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا قال قائل: ما هو دليلكم على ان الله متصف بصفة الكمال؟\nقلنا: كل موجود حقيقة لابد له من صفة، فإمَّا أن تكون صفة كمال، وإما أن\n_________\n(^١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).\n(^٢) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).\n(^٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٣).\n(^٤) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).\n(^٥) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.\n(^٦) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٢)، و«شرح الطحاوية» (ص ١٤٤).","vol":"1","page":357},{"text":"تكون صفة نقص، أما صفات النقص فهي مستحيلة في حقِّ الله ﷿، وأما صفات الكمال، فهي واجبة لله، فوجب أن يكون الله موصوفًا بصفات الكمال؛ لأنه منزه عن صفات النقص.\nفإن قيل: هذا الحصر غير صواب؛ لأن الموجود قد يكون موصوفًا بصفات الكمال أو صفات النقص أو بصفةٍ لا نقص فيها ولا كمال.\nقلنا: هذا القسم الأخير غير صحيح؛ لأنَّ الصفة التي لا كمال فيها ولا نقص هي في الحقيقة نقص؛ لأنها لغو وعبث، فالكمال: أن يكون الإنسان متصفًا بالصفات النافعة المفيدة، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فهو داخل في صفات النقص؛ ولهذا قال النبي ﷺ حاثًّا على تكميل الإيمان: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^١)» (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: «الصفات ثلاثة أنواع:\nصفات كمال.\nوصفات نقص.\nوصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا.\nوإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله» (^٣).\nوالدليل الثاني من العقل أن نقول: نحن نشاهد في المخلوق صفات كمال، والذي أعطاه هذا الكمال هو الله تعالى؛ فمُعطي الكمال أَوْلَى بالكمال، ومِن كماله: أنه أعطى الكمال، فهذا-أيضًا-دليل عقلي على ثبوت صفات الكمال لله ﷿؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلان ألوهية الأصنام؛ لأنها ناقصة، فقال ﷾: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٢، ١٠٣).\n(^٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٧)، مكتبة نزار مصطفى الباز -مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.","vol":"1","page":358},{"text":"يخلقون من أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١، ٢٠]، وقال إبراهيم يحاجُّ أباه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، وقال محاجًّا لقومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.\nفتبين أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات وإلَّا لم يصح أن يكون ربًّا» (^١).\nثالثًا: دليل الفطرة\nالفطرة السليمة أو النفوس المجبولة على الفطرة السليمة تحبُّ الله وتعظمه؛ لكماله، إذ إن المجهول لا يُحب ولا يُعظم، ومَن عُلم نَقصه لا يُحَب ولا يُعَظَّم؛ فالفطرة (التي هي: محبة الله وتعظيمه) مبنية على أصل، وهو: علم الإنسان فطريًّا بكمال صفات مَنْ يعبده ﷾ (^٢).\nقال ابن القيم: «فله مِنْ كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله مِنْ صفة الإدراكات: العليم الخبير، دون العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر …» (^٣).\n_________\n(^١) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٣، ١٠٤).\n(^٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٤).\n(^٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":359},{"text":"(٥٩) \"وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ، وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. \"\n<hr><s0>\n\nسبق وأن بين المصنف في النص السابق أن الله ﷿ يمتنع عليه النقص والحدوث حيث قال: \"وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً\" وناقشنا فيما سبق ما يتعلق بالنقص والكمال وبيان أن الله موصوف بكل كمال ومنزه عن كل نقص.\nوبين المصنف هنا امتناع الحدوث على الله واستدل لذلك بأربعة أمور:\nالأمر الأول: قوله: \"وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ. \"\nالأمر الثاني: قوله: \"وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ \"\nالأمر الثالث: قوله: \"وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ\".\nالأمر الرابع: قوله: \"وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. \".\nفالله سبحانه يمتنع عليه الحدوث بدليل امتناع العدم عليه كما قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد الآية ٣.\nوهذه الأسماء فسرها النبي ﷺ تفسيرًا كاملًا واضحًا فقال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (^١).\nقال ابن جرير: هو (الأول) قبل كل شيء بغير حد، و(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجودًا سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جل ثناؤه (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: ٨٨] (^٢).\nوقال الخطابي: (الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه. ثم ذكر الحديث (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧١٣).\n(^٢) تفسير الطبري: ٢٧/ ١٢٤.\n(^٣) شأن الدعاء ص ٨٧.","vol":"1","page":360},{"text":"وقال الحليمي: (الأول): الذي لا قبل له، والآخر هو الذي لا بعد له، (وهذا لأن) (قبل وبعد) نهايتان، فقبل نهاية الموجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من قبل انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للموجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر (^١).\nوقال البيهقي: (الأول) هو الذي لا ابتداء لوجوده (^٢)\nوقال الخطابي: (الآخر): هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر ما له، كما ليس معنى الأول ما له الابتداء، فهو الأول والآخر وليس لكونه أول ولا آخر (^٣).\nقال البيهقي: (الآخر) هو الذي لا انتهاء لوجوده (^٤).\nوقال السعدي: \"فالأول: يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى.\nوالآخر: يدل على أنه هو الغاية. \" (^٥)\nفالحدوث الذي أشار إليه المصنف هنا هو الحدوث الذي يسبقه العدم، حيث قال: \"وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ. \" والحدوث المقصود هنا هو: حدوث الذات والصفات التي لم يزل متصفًا بها أزلًا وأبدًا؛ لأن الحدوث قسمان:\nالقسم الأول: حدوث الموصوف.\nوحدوث الموصوف محال؛ لأن الله ﷾ الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء جل وعلا.\nالقسم الثاني: حدوث الصفة.\nفيجب الاعتقاد بأن الله متصف بتلك الصفات أزلًا باعتبار أصلها، ولكن من الصفات ما يحدث بعد أن لم يكن كما في الصفات الفعلية.\nفالصفات الثُّبوتية تنقسم من جهة تعلُّقِها بالله إلى قسمين (^٦):\nالقسم الأول: الصفات الذَّاتية.\nالقسم الثاني: الصِّفات الفعلية.\n_________\n(^١) المنهاج ١: ١٨٨.\n(^٢) الاعتقاد ص ٦٣.\n(^٣) شأن الدعاء ص ٨٨.\n(^٤) الاعتقاد ص ٦٣.\n(^٥) الحق الواضح المبين ص ٢٧.\n(^٦) انظر: «الكواشف الجلية» (ص ٤٢٩).","vol":"1","page":361},{"text":"وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (^١).\nقوله: \"وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ \" معناه أن من لوازم حدوث الموصوف أن يكون مسبوقًا بعدم أو ملحوقًا بعدم.\nوقوله: \"وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ\".\nفالله هو الخالق وكل ما سواه مخلوق قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الزمر ٦٢\nقوله: \"وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. \" وبالتالي فإن الله ﷿ منزه عن الحدوث.\nومسألة حلول الحوادث بذات الله من المسائل التي أثارها أهل الكلام وإليك خلاصة عنها.\nأ-معنى كلمة (حلول): الحلول هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز (^٢).\nب-معنى كلمة (الحوادث): الحوادث جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثًا زمانيًا.\nوقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثًا ذاتيًا.\nوالحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير.\nوالحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا (^٣).\nج-معنى (حلول الحوادث بالله تعالى) أي قيامها بالله، ووجودها فيه تعالى.\nد-مقصود أهل التعطيل من هذا الإطلاق: مقصودهم نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية.\nهـ-حجتهم في ذلك: أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.\nوإذا قامت به أصبح هو حادثًا بعد أن لم يكن، كما يعني ذلك أن تكون المخلوقات حالة فيه، وهذا ممتنع، فهذه هي حجتهم.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية» (١٢٧).\n(^٢) التعريفات للجرجاني ص ٩٧\n(^٣) التعريفات للجرجاني ص ٨٥٨٦","vol":"1","page":362},{"text":"و-جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذا الإطلاق لم يرد في كتاب ولا سنة، لا نفيا ولا إثباتًا، كما أنه ليس معروفًا عند سلف الأمة.\nأما المعنى فيستفصل عنه؛ فإن أريد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يحل بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل فهذا النفي صحيح؛ فالله ﷿ ليس محلًا لمخلوقاته، وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.\nوإن أريد بالحوادث: أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.\nبل يقال له: إن تلك الصفات ثابتة، وإن مثبتها -في الحقيقة-مثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ (^١).\nتتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:\n١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).\n٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.\n٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.\n٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. (^٢)\n_________\n(^١) رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد ص ٢٣٥\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.","vol":"1","page":363},{"text":"(٦٠) \"وَمَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ فَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ اللَّهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ كَمَا لَا يُمَثِّلُونَ ذَاتَه بِذَاتِ خَلْقِهِ وَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ. فَيُعَطِّلُوا أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَيُحَرِّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُلْحِدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. \"\n<hr><s0>\n\nقال الإمام السفاريني (^١) ﵀، في بيانه لمعتقد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات:\nمن غير تعطيل ولا تشبيه (^٢) … فأثبتوا النصوص بالتنزيه\nوقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي (^٣) ﵀-في منظومته سلم الوصول:\nمع اعتقادنا لما له اقتضت … نُمِرُّها صريحة كما أتت\nوغير تكييف ولا تمثيل … من غير تحريف ولا تعطيل\nطوبى لمن بهديهم قد اهتدى (^٤) … بل قولنا قول أئمة الهدى\nهذه هي عقيدة سلف الأمة وأئمتها، عقيدة أهل السنة والجماعة التي أجمعوا عليها، يثبتون لله ﷿ الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه.\n_________\n(^١) أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، أحد علماء الحديث والأصول والأدب، ولد في نابلس من قرى لبنان وتوفي بها سنة ١١٨٨ هـ، له تصانيف عدة منها: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، ولوامع الأنوار.\nانظر ترجمته في: الأعلام (٦/ ١٤).\n(^٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٩٣).\n(^٣) حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، ولد بجيزان وتوفي بمكة سنة ١٣٧٧ هـ، تولى عدة مناصب تعليمية في عهد الملك سعود، وله عدة مؤلفات من أشهرها: أعلام السنة المنشورة، ومعارج القبول.\nانظر ترجمته في: الأعلام (٢/ ١٥٩)، ومقدمة كتابه معارج القبول بقلم ابنه أحمد (١/ ١١ - ٢٦).\n(^٤) معارج القبول (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":364},{"text":"وقد سبق ذكر معاني التعطيل في اللغة، وفي الاصطلاح الشرعي، وذكرت هناك أن التعطِّيل في جانب الأسماء والصِّفات: هو نفي أسماء الله أو صفاته أو بعضها، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (^١).\nوهذا المعنى هو الذي تبرأ منه السلف، وميزوا عقيدتهم عن عقيدة المعطلة كما سيأتي شيء من أقوالهم في ذلك، بإذن الله تعالى.\nأما التشبيه (^٢) الذي يراد نفيه في هذا الباب، فهو: اعتقاد ثبوت شيء من خصائص المخلوق لله ﷿ في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله، أو إثبات شيء مما يختص به الخالق ﷿ في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو حقوقه للمخلوق مما يجعل فيه حظًا من الألوهية (^٣).\nوالمراد بالتشبيه في الصفات: الغلو في إثباتها إلى حدّ اعتقاد مساواتها لصفات المخلوقين، وقد يعبّر عنه بالتمثيل (^٤).\nفالله جلَّ وعلا ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأنه ﷾ القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥)، فمن هذا الأصل القرآني العظيم، يقوم معتقد السلف الصالح ﵏ في إثبات الصفات لله ﷿؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ردٌّ على أهل التمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ردٌّ على أهل التعطيل (^٦)، والله ﷿ قد جمع في هذا الأصل القرآني العظيم بين الإثبات والتنزيه.\nولهذا فإن السلف-رحمهم الله تعالى-أثبتوا لله الصفات، مع تنزيهه ﷾ عن مشابهة المخلوقات في شيء مما يثبت له.\nوهم يعتقدون أن الواجب في نصوص الأسماء والصفات الواردة في القرآن\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لمحمد خليل هراس ص (٢١)، الكواشف الجلية عن معاني الواسطية\nص (٨٧)، مقالة التعطِّيل ص (١٨، ٢٢).\n(^٢) التشبيه في اللغة: مصدر شبَّه يُشبِّه تشبيهًا، وهو التمثيل، انظر: المعجم الوسيط (١/ ٤٧١).\nوالتشبيه في الاصطلاح: الدلالة على مشاركة أمر لآخر في المعنى، انظر التعريفات ص (٦٦).\n(^٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٢٧)، التدمرية (ص ٣٩ - ٤٠)، إغاثة اللهفان (٢/ ٣٢٢)، فتح رب البرية بتلخيص الحموية (ص ٢٠).\n(^٤) انظر: التشبيه والتمثيل في الصفات (ص ٢٣).\n(^٥) الآية [١١] من سورة الشورى.\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٦، ٥/ ١٩٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١١١)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٩٠).","vol":"1","page":365},{"text":"والسنة هو إجراؤها على ظاهرها، وأن لا يُتَعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطِّلة.\nولا يُعتقد أن صفات الله ﷿ تشبه شيئًا من صفات المخلوقين، كما فعل المشبهة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nفتبين من هذا أن التنزيه في الصفات الثبوتية، لا يكون بنفيها وتعطيل الخالق عنها، وأن السلف الصالح رضوان الله عليهم، لم يمنعهم تنزيه الله ﷿ عن إثبات الصفات له.\nكما لا يفهم منه تعطيل المعنى، وأن مذهب السلف هو الإيمان بالألفاظ فقط دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم: \"مذهب التفويض\"، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت» وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.\nوهم أيضًا لما أثبتوا هذه الصفات لم يعتقدوا أنها تماثل أو حتى تقارب صفات المخلوقين، لعلمهم بعظم الفرق بين الخالق والمخلوق.\nومن أعظم الافتراءات التي أشاعها المعطلة النفاة لأسماء الله وصفاته، وصفهم أهل السنة والجماعة-كذبًا وزورًا-بأنهم مشبِّهة مجسِّمة، وما ذلك إلا لتمسكهم بما جاءهم عن الله ﷿ في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\nوهي فرية قديمة تلقفها المعطلة النفاة خلفًا عن سلفٍ، يدل على ذلك تقدم كلام السلف في دحض هذه الشبهة ودفع هذه الفرية، من ذلك قول الإمام ابن خزيمة-﵀: «فاسمعوا يا ذوي الحجا ما نقول في هذا الباب، ونذكر بهت الجهمية، وزورهم وكذبهم، على علماء أهل الآثار، ورميهم خيار الخلق-بعد الأنبياء-بما الله قد نزههم عنه، وبرأهم منه، بتزور الجهمية على علمائنا أنهم مشبِّهة» (^١).\nوسبب هذه الفرية على أهل السنة ما قاله شيخ الإسلام: «فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفاة الصفات، يجعلون كل من أثبتها مجسِّمًا مشبِّهًا» (^٢).\nوقد تواترت النصوص من القرآن والسنة والآثار عن السلف الصالح في إثبات\n_________\n(^١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١١٤)، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ١٧٩، ٥٣٣)، المختار\nفي أصول السنة (ص ٨٢).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ١٠٥).","vol":"1","page":366},{"text":"الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، فأصل النصوص التي وردت في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).\nقال الإمام مالك-﵀-حينما سأله رجل عن قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢)، كيف استوى؟ قال: «الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًا\"، فأمر به فأخرج» (^٣).\nوقال وكيع بن الجراح-﵀: «نسلِّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا، ولا لِمَ كذا» (^٤).\nوقال حنبل بن إسحاق (^٥): «قلت لأبي عبد الله (يعني الإمام أحمد): يُكَلِّم الله عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلق إلا الله؟! يكلِّمه الله ﷿ ويسأله، الله ﷿ متكلِّم لم يزل بما شاء، ويحكم، وليس لله عدل ولا مثل ﵎، كيف شاء وأنَّى شاء» (^٦).\nوقال أبو عبد الله بن أبي زَمِنين (^٧) ﵀: «فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ﷺ ليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتَحُدُّه كيف هو كينونته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به» (^٨).\n_________\n(^١) الآية [١١] من سورة الشورى.\n(^٢) الآية [٥] من سورة طه.\n(^٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٦٦)، وغيره كثير، انظر تخريجه بالتفصيل في كتاب العرش للذهبي (٢/ ١٨١ - ١٨٤) رقم (١٥٥ - ١٥٧).\n(^٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٦٧) رقم (٤٩٥)، والدارقطني في الصفات (ص ٤١) رقم\n(٦٢).\n(^٥) حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي الشيباني، الحافظ المحدث، ابن أخ الإمام أحمد، وتلميذه، له من التصانيف: كتاب القتن، والمحنة، ومسائل الإمام أحمد، توفي بواسط سنة ٢٧٣ هـ.\nانظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١).\n(^٦) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢) رقم (٧٣٨).\n(^٧) محمد بن عبد الله بن أبي زَمِنِين المُرِّي، أبو عبد الله الأَبْيَري القرطبي، الإمام القدوة الزاهد، صاحب التصانيف، ومنها: مختصر المدونة، وأصول السنة على طريقة السلف، توفي سنة ٣٩٩ هـ.\nانظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٤/ ٦٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٨).\n(^٨) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (ص ٧٤).","vol":"1","page":367},{"text":"وقال الإمام ابن عبد البر-﵀: «الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة (^١) وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» (^٢).\nإلى غير ذلك من الآثار الواردة عن السلف في ذم التشبيه وأهله، كلها تدل على سلامة مذهب السلف مما نسب إليهم من التشبيه والتمثيل، وأن مذهبهم إثبات الصفات من غير تمثيل ولا تكييف، وتنزيه الله ﷿ من غير تعطيل ولا تحريف.\nويقال أيضًا في الرد على الطائفتين: من خلال أثر الإمام نعيم بن حمَّاد الخزاعي-﵀-الذي قال: «من شَبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه» (^٣)، أي ليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه مما يحوجنا إلى تعطيل صفاته، كما تتوهم ذلك المعطلة، فإنهم لم يفهموا من هذه الصفات إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، وتعطيل الله ﷿ عن صفاته اللائقة به من صفات الكمال (^٤).\nوهم في ذلك يستدلون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على نفي الصفات، ويعمون عن تمام الآية في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥).\nوليس في إثباتهم للصفات دليل للمشبهة، الذين قالوا: أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فمحال أن يخاطبنا بما لا نعقله ثم يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٦)، ونحن لا نعقل ولا نفهم إلا ما كان مشاهدًا، فإذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد، فأخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا له يد كأيدينا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (^٧).\nلأن التباين الذي يقرُّ به كل مثبتة الذات، بين ذات الله ﷿ وذوات المخلوقين يوجب اضطرارًا التباين بين صفات الخالق والمخلوق (^٨)، ثم إن إثبات المماثلة بين الخالق والمخلوق يستلزم نقص الخالق سبحانه، والله منزه عن كل نقص (^٩).\n_________\n(^١) أي: مسألة الصفات.\n(^٢) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٨).\n(^٣) أخرجه عنه الذهبي بإسناده في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦١٠).\n(^٤) انظر: التدمرية ص (٧٩ - ٨٠).\n(^٥) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٢١).\n(^٦) الآية [٧٣] من سورة البقرة.\n(^٧) انظر: مختصر الصواعق (١/ ٨٣)، تقريب التدمرية (ص ٢٢).\n(^٨) تقريب التدمرية (ص ٢٣ - ٢٤).\n(^٩) المصدر نفسه (ص ٢٣).","vol":"1","page":368},{"text":"فمع إثبات حقائق الصفات، فإن أهل السُنَّة يعتقدون في نفس الأمر أن لله تعالى خصائص في تلك الصفات، فمثلًا إذا قلنا: حياة الله تعالى؛ فإن حياةَ اللهِ تعالى لها خصائص يختصُّ الله ﷾ بها دون سائر المخلوقات، فمن خصائص حياة الله ﷾ أن حياته الحياة الكاملة الدائمة التي لم تُسبَق بالعدم ولا يلحقها الزوال ولا يعتريها النقص بأي وجه من الوجوه، وهذا المقصود بنفي المماثلة.\nفإذًا هذه الصفات تثبت لله تعالى على الحقيقة مع اعتقاد أن الله ﷾ منزَّه في ذلك عن مماثلة الخلق، فالله ﷾ يعلم الحقيقة، ولكنه ﷾ في علمه لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، وكذلك يتكلم حقيقة، وكذلك ﷾ لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، مع الأمر الثالث وهو عدم الخوض في الكيفية، كيف يتكلَّم؟ وكيف استوى؟ وكيف ينزل؟ هذا أمرٌ لا نخوض فيه؛ لأننا لم نطلع عليه ولا سبيل لنا إليه.\nقول حافظ المغرب ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة\" (^١).\nفأهل السُنَّة يثبتون تلك الصفات على الحقيقة، وهذا ردٌ لمسألة «المجاز» ودعوى أن هذه الصفات في حق الله مجاز؛ بمعنى أنها ليس لها حقيقة في ذات الله تعالى، فمثلًا إذا جئت إلى الجّهْميَّة والمعتزلة فلو قالوا في كلام الله تعالى، فهم يقولون: «نعم نثبت صفة الكلام لكن على أساس أن الكلام شيءٌ مخلوق خلقه الله تعالى كما خلق السماوات والأرض» وبالتالي يقولون: «إن إطلاق هذا الوصف في حق الله مجاز ليس على حقيقته»، فينكرون وصف الله ﷾ بصفة الكلام، ويقولون إن الكلام خلقٌ خلقه الله ﷾ كما خلق السماوات وكما خلق الأرض، بائن عن ذاته، هذا قول المعتزلة، فلذلك يقولون: «القرآن مخلوق» (^٢) على هذا الأساس.\n_________\n(^١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٥).\n(^٢) انظر كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية الجزء السادس صفحة (٨٧).","vol":"1","page":369},{"text":"وهكذا يتعامل الأشاعرة بنفس المنطلق مع الصفات التي ينكرونها، فينكرون اتصاف الله ﷿ على الحقيقة.\nوأما علماء السلف فيقولون إن الله يتكلم حقيقة، واستوى حقيقة، ويعلم حقيقة، ويرحم حقيقة، فيثبتون حقائق تلك الصفات، وأن الله ﷾ كما أن له ذاتًا حقيقة فإن له صفات حقيقة وأفعالًا حقيقة، فإذا أثبتنا ذاتًا لله ﷾، فإن هذه الذات متصفة بصفات حقيقة كما أن الذات حقيقة والأفعال حقيقة.","vol":"1","page":370},{"text":"(٦١) \"وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فَرِيقَيْ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ: فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ. أَمَّا الْمُعَطِّلُونَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصَفَاتِهِ إلَّا مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْمَخْلُوقِ ثُمَّ شَرَعُوا فِي نَفْيِ تِلْكَ الْمَفْهُومَاتِ؛ فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ مَثَّلُوا أَوَّلًا وَعَطَّلُوا آخِرًا وَهَذَا تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ مِنْهُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِالْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَاءِ خَلْقِهِ وَصِفَاتِهِمْ وَتَعْطِيلٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِاَللَّهِ ﷾. فَإِنَّهُ إذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَوْ كَانَ اللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَلَزِمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ الْعَرْشِ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ مُسَاوِيًا وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ: فَإِنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ إلَّا مَا يَثْبُتُ لِأَيِّ جِسْمٍ كَانَ عَلَى أَيِّ جِسْمٍ كَانَ وَهَذَا اللَّازِمُ تَابِعٌ لِهَذَا الْمَفْهُومِ. إمَّا اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَخْتَصُّ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَجِبُ نَفْيُهَا كَمَا يَلْزَمُ مِنْ سَائِرِ الْأَجْسَامِ وَصَارَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِ الْممَثَلِ: إذَا كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا. وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ؛ إذْ لَا يَعْقِلُ مَوْجُودٌ إلَّا هَذَانِ. وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ فَهُوَ مُمَاثِلٌ لِاسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى السَّرِيرِ أَوْ الْفَلَكِ؛ إذْ لَا يُعْلَمُ الِاسْتِوَاءُ إلَّا هَكَذَا فَإِنَّ كِلَيْهِمَا مَثَّلَ وَكِلَيْهِمَا عَطَّلَ حَقِيقَةَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَامْتَازَ الْأَوَّلُ بِتَعْطِيلِ كُلِّ اسْمٍ لِلِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَامْتَازَ الثَّانِي بِإِثْبَاتِ اسْتِوَاءٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ. \"\n<hr><s0>\n\nكل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>الأمر الأول: بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:</span>\nأما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.\nفهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.","vol":"1","page":371},{"text":"وتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.\nوبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.\nوامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.\nمثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nنصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^١).\nفإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.\nوكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.\nفأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:\nالأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.\nالثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.\nالرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>الأمر الثاني: بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل </span>(^٣):\nأما تعطيل الممثل فمن وجوه ثلاثة:\nأحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.\nالثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب\n_________\n(^١) الآية ٥ من سورة طه\n(^٢) الرسالة التدمرية ٧٩ - ٨٠\n(^٣) انظر: الفتوى الحموية ص ٦٢ - ٦٣ ط: دار فجر للتراث","vol":"1","page":372},{"text":"الكامل بالمخلوق الناقص.\nالثالث: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٢).\nأما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.\n_________\n(^١) الآية ١١ من سورة الشورى\n(^٢) الآية ٤ من سورة الإخلاص","vol":"1","page":373},{"text":"(٦٢) \"وَالْقَوْلُ الْفَاصِلُ: هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ؛ مِنْ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَيَخْتَصُّ بِهِ فَكَمَا أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ خَصَائِصُ الْأَعْرَاضِ الَّتِي لِعِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ وَقُدْرَتِهِمْ فَكَذَلِكَ هُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَا يَثْبُتُ لِفَوْقِيَّتِهِ خَصَائِصُ فَوْقِيَّةِ الْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَلَوَازِمهَا. \"\n<hr><s0>\n\n(فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.\nفقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.\nبل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.\nولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.\nولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.\nبل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.\nوله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.\nوكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.\nولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك","vol":"1","page":374},{"text":"من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا) (^١).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧.","vol":"1","page":375},{"text":"(٦٣) \"وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ النَّقْلِ الصَّحِيحِ مَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ الطَّرِيقِ السَّلَفِيَّةِ أَصْلًا؛ لَكِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ لَا يَتَّسِعُ لِلْجَوَابِ عَنْ الشُّبُهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْحَقِّ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شُبْهَةٌ وَأَحَبَّ حَلَّهَا فَذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ.\n<hr><s0>\n\nيجب تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع. فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام أن العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.\nفالعقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف في ذلك على النص، لأن العقل يقصر عن إدراك حقيقة المغيبات حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يحيط علمًا بحقيقة روحه التي بين جنبيه لما أخفى الله أمرها عنه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^١)، فإذا كان الإنسان يجهل أمر روحه فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يصلح وما لا يصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفية ذاته؟!.\n(ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الذين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك، والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنَّا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه، ومشيئته، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) الآية ٨٥ من سورة الإسراء\n(^٢) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n(^٣) الحجة في بيان المحجة ١/ ٣٢١ بتصرف","vol":"1","page":376},{"text":"(واعلم أن فصل ما بيننا وبين المعطلة هو \"مسألة العقل\"، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول.\nوأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء) (^١).\nوبهذا امتاز أهل السُنَّة عن المعَطِّلَة؛ لأن الأصل عند المُعَطِّلَة في هذا الباب هو العقل، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم ردُّوه وسعوا في نفيه وفي تأويله وتحريفه.\nفهذا شأن أهل السُنَّة وهذا شأن المعَطِّلَة، وهذا هو الفيصل بين عقيدة أهل السُنَّة وبين عقيدة المعَطِّلَة؛ أن أصل أهل السُنَّة هو كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ، وما ورد إثباته يُثبَت وما ورد نفيه يُنفَى عن الله ﷿، لا نتجاوز الكتاب والسنة، كما قال الإمام الأحمد رحمه الله تعالى: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، لا يُتجاوز القرآن والحديث» (^٢).\nفالتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكتهم توسطوا في شأن \"العقل\" بين طائفتين ضلتا في هذا الباب، هما:\nأهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.\nفهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قيل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رُدَّ وطُرِحَ، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.\nوأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.\n_________\n(^١) المصدر السابق ١/ ٣٢٠\n(^٢) انظر كتاب الفتوى الحموية الكبرى صفحة (٢٦٥).","vol":"1","page":377},{"text":"ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها.\nوكلا الطرفين مذموم.\nوأما أهل السنة: فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاًّ بذلك.\nفالعقل غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين.\nفإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.\nوإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها.\nوإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.\nفالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه (^١).\nفائدة: \"مسكن العقل\":\nسُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية: أين مسكن العقل في الإنسان؟\nفأجاب بقوله: \"العقل قائمٌ بنفس الإنسان التي تعقل، وأمَّا البدن فهو متعلق بقلبه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (^٢).\nوقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم؟\nقال: \"بلسانٍ سؤولٍ وقلبٍ عقولٍ\"، لكن لفظ القلب قد يُرَادُ به:\nا-المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" متفق عليه (^٣).\n٢ - وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ بتصرف\n(^٢) الآية ٤٦ من سورة الحج\n(^٣) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ١٢٦ ح ٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/ ٥٠ - ٥١","vol":"1","page":378},{"text":"وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ).\nوالتحقيق \"أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:\nمبدأ الفكر والنظر في الدماغ.\nومبدأ الإرادة في القلب.\nوالعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.\nوكلا القولين له وجه صحيح\" (^١).\n_________\n(^١) رسائل في العقل والروح ٢/ ٤٨ - ٤٩ (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)","vol":"1","page":379},{"text":"(٦٤) \"ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية، يزعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك، فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد، والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل، ومن زعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل.\n\n(٦٥) ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء أن ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدّعي الآخر أن العقل أحاله.\n\n(٦٦) فيا ليت شعري بأي عقل يُوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: \"أوَكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ \"\" (^١).\n<hr><s0>\n\nتدرج المصنف ﵀ في دفع دعوى الخصم في تقديم العقل على النقل وبين أن هذه الدعوى مردودة:\nفمن الردود عليهم أن أصحاب هذا القول مختلفون فيما بينهم في القدر الذي يثبت وينفى مما وردت به صوص الكتاب والسنة، فإذا كان الأشعري والماتريدي يثبتون رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فإن المعتزلي والجهمي ينكرون ذلك وحجتهم هي أن العقول لا تجيز ذلك.\nوإذا كان الأشعري والماتريدي يقرون بصفة العلم والقدرة والكلام بحجة أن العقول تثبت ذلك، فإن المعتزلة والجهمية على خلاف ذلك ينكرون هذه الصفات ويؤولونها بحجة أن العقل لا يجيزها.\n_________\n(^١) انظر حليلة الأولياء لأبي نعيم الجزء السادس، صفحة (٣٢٤).","vol":"1","page":380},{"text":"وإذا كان الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة يثبتون حشر الأجساد، والأكل والشرب الحقيقي في الجنة، فإن الفلاسفة ينكرونها بحجة أن العقل لا يجيزها يؤولون النصوص التي وردت بذلك.\nوإذا كانت جميع طوائف أهل الكلام تنكر علو الله واستوائه على العرش بزعم أن العقول تحيل ذلك وأنهم مضطرون إلى تأويلها، بالرغم من ورود النصوص بإثبات هذه الصفات.\nوقول المصنف: \"ومن زعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل\".\nيؤمن أهل السنة بعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه وهم بائنون منه.\nوقد وافقهم على قولهم في إثبات العلو عامة الصفاتية، كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه، وأبي العباس القلانسي (^١)، وأبي الحسن الأشعري والمتقدمين من أصحابه.\nوهو قول الكرامية ومتقدمي الشيعة الإمامية (^٢).\nوقد استدل أهل السنة والجماعة على إثبات صفة العلو بالقرآن، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.\nودعوى هؤلاء المعطلة بأن العقل يحيل إثبات العلو هي دعوى مردودة فقد استدل علماء أهل السنة على إثبات صفة العلو بأدلة عقلية كثيرة وسأورد ههنا ثلاثة منها:\nالدليل الأول: قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟\nفسيقول: نعم.\nفقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه؟ أم خارجًا عن نفسه؟\n_________\n(^١) قال عنه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٢٩٨): «أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من معاصري أبي الحسن الأشعري ﵀ لا من تلاميذه، كما قال الأهوازي، وهو من جلة العلماء الكبار الأثبات، واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات، (أي موافق لاعتقاد الأشعري).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧)، ونقض تأسيس الجهمية (١/ ١٢٧، ٢/ ١٤).","vol":"1","page":381},{"text":"فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال:\nواحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه.\nوإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.\nوإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع\" (^١)\nالدليل الثاني: قول ابن القيم: \"إن كل من أقر بوجود رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم.\nفمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا؟\nفإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربًا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية، فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة؟\nفإن قيل إنها غير معينة كانت خيالًا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب.\nوإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المتعينين للآخر، فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.\nفإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.\nقيل: هذا -والله أعلم-حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرًا عدميًا محضًا ونفيًا صرفًا وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض.\nوأيضًا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها\n_________\n(^١) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":382},{"text":"للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره\" (^١).\nالدليل الثالث: أنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز، وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له، وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.\nوالمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، ولا محاذيًا له ولا سافلًا عنه.\nولما كان العلو صفة كمال، وكان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، ولا يكون قط غير عالٍ عليه (^٢).\nوبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه وكذلك مدى مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول وصحيح المنقول.\nفالسؤال الذي يفرض نفسه إذا كان العقل هو الحكم على هذه الأمور نفيًا وإثباتًا فعقل من نتبع وكل واحد من هؤلاء فيما ينفيه يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل على حد قوله، فالحجة واحدة والمزاعم مختلفة.\nوالجواب كما قال المصنف: \"ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء أن ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدّعي الآخر أن العقل أحاله\".\nفكيف يطلب هؤلاء تحكيم عقولهم في نصوص الكتاب والسنة، ثم استشهد المصنف هنا بمقولة الإمام مالك رحمه الله تعالى فقال: \"فيا ليت شعري بأي عقل يُوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: \"أوَكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟ \" (^٣).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦).\n(^٣) انظر حليلة الأولياء لأبي نعيم الجزء السادس، صفحة (٣٢٤).","vol":"1","page":383},{"text":"(٦٧) \"وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه:\nأحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك.\nوالثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.\nوالثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما علم أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات.\nالرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله، وإنما عقله مجملًا إلى غير ذلك من الوجوه، على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه\".\n<hr><s0>\n\nأورد المصنف أربعة ردود في هذا النص وهي:\nأولًا: \"بيان أن العقل لا يحيل ذلك\".\nفالنصوص الشرعية فيما أخبرت به من أمور الغيب وغيرها العقل لا يحيلها، وإن كان قد لا يدركها، فمما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالا وتفصيلا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة وصدق الرسول ﷺ، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.\nوأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقا وتعضيدا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع","vol":"1","page":384},{"text":"تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.\nثانيًا: \"أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل\".\nمن قول أهل السنة الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل الفاسد، يقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم على حد تعريفهم: ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، (فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين) (^١).\nفالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهامًا له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهامًا له بالغبن والتدليس وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين ﷺ.\nومراد المتكلم يعلم:\nأ - إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة.\nب - أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه.\nت - أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده.\nوعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم-تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلًا إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل (^٢).\nإذ لم يعرف القول بالتفويض بهذا المعنى في القرون الثلاثة الأولى، بل ظهر في القرن الرابع، كما قال ابن تيمية وقال: وأول من قال به أبو منصور الماتريدي -المتوفي ٣٣٣ هـ- وأبو الحسن الأشعري -المتوفي ٣٢٤ في محاولة للتوسط بين منهج السلف في إثبات النصوص وبين المنهج العقلي المستمد من الفلسفة\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ى ١٧٥).\n(^٢) التأويل: هو نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج على دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. «لسان العرب» لابن منظور (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":385},{"text":"اليونانية … وإنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. انتهى بتصرف.\nولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:\nأحدهما: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.\nالثاني: أن يبين وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.\nالثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه.\nقال ابن الوزير ﵀: \"من النقص في الدين رد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل\" (^١).\nالرابع: أن يبين سلامة الدليل الصارف عن المعارض، إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلابد من الترجيح (^٢).\nومما يدل على إعمال الظواهر أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن - والعياذ بالله - معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه ﷺ في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم …» (^٣).\nودلالته ﷺ للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فهموها على وجهها الذي يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان\n_________\n(^١) «إيثار الحق» لابن الوزير (ص ١٢٩).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢)، و«الصواعق المرسلة» لابن قيم الجوزية (١/ ٢٨٨ - ٢٩٠)، و«بدائع الفوائد» لابن قيم الجوزية (٤/ ١٠٠٩).\n(^٣) رواه مسلم (١٨٤٤). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.","vol":"1","page":386},{"text":"باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر ﵁: (يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم) (^١).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"لم يكن في الصحابة من تأول شيئا من نصوصه - أي نصوص الوحي - على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت\" (^٢).\nوفي إنكار التأويل الكلامي ومناهج الفلاسفة ومن تأثر بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: \"وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل - ولو كان مستكرهًا - ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف\" (^٣).\nويقول ابن تيمية ﵀ مبينًا خطورة التأويل: \"فأصل خراب الدين والدنيا، إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط؛ بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد\" (^٤).\nيقولُ شيخُ الإسلامِ: \"فعُمدَةُ مَنْ يُخالِفُ الكتاب والسنَّة هو الاحتجاجُ بقياسٍ فاسد، أو نقلٍ كاذب، أو خطابٍ شيطاني، وأشنعُ مِنْ هؤلاء مَنْ يؤصِّلُ بعقلِهِ الفاسدِ أو ذوقِه الشيطاني أصولًا يتَّخذَها دينًا وشرعًا يعارِضُ بها نصوص الكتاب والسنَّة، فإنْ وافَقَتْ النصوصُ ما أصَّلَهُ هو بعقله أو ذوقه احتجَّ بها اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفت ما أصَّلَهُ كانت له معها إحدى ثلاث طرق:\n_________\n(^١) انظر «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١١) و«الموافقات» للشاطبي (٢/ ٨٨).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٥٢).\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٢٦٧).\n(^٤) «أعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":387},{"text":"الأولى: ردُّ النصوص وتكذيبها إن كانت أحاديث، وبخاصةٍ أحاديث الآحاد.\nالثانية: صرفُها عن ظواهرها التي وُضعت لها.\nالثالثة: إبقاؤها على ظواهرها مع اعتقاد نفي مقتضى الظاهر، ويسمِّى ذلك تفويضًا \" (^١).\nففي لزوم الإيمان بالنصوص على ظاهرها ودفع التأويل المتعسف بغير دليل موافقة لنصوص الكتاب والسنة لفظا ومعنى، مع بعد عن التكلف في الدين، والقول على الله بغير علم، والافتراء على رسوله الأمين، فضلًا عن ما في ذلك من مصلحة سد باب الخروج على العقيدة ببدعة محدثة، وسد باب الخروج على الشريعة، والاجتراء على الحرمات، والتهاون بالطاعات والوقوع في المنكرات، بصرف ألفاظ الوعد والوعيد عن حقيقتها وظاهرها، ودعوى أن كل ذلك غير مراد.\n\"وهذه القاعدة تفيد بطلان مذهب المفوضة في الصفات، الذين يفوضون معاني النصوص إلى الله، مدعين أن هذا هو مذهب السلف، وقد علم براءة مذهب السلف من هذا المذهب بتواتر الأخبار عنهم بإثبات معاني هذه النصوص على الإجمال والتفصيل، وإنما فوضوا العلم بكيفيتها لا العلم بمعانيها\" (^٢).\nوسيأتي مزيد تفصيل لمسألة التأويل فيما سيأتي من كلام المصنف.\nثالثًا: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما علم أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن رسول الله ﷺ بيَّن جميع الدين أصولَه وفروعَه، باطنه وظاهرَه، عِلمَهُ وعملَهُ، فإنَّ هذا الأصل هو أصلُ أصولِ العلمِ والإيمان\" (^٣)\nبل كان قول أهل العلم: من الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.\nومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله ومراد نبيه ﷺ، والأخذ بظواهر النصوص، وتفسيرها مما يظهر منها: قول ابن مسعود ﵁: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل\n_________\n(^١) (الفتاوى (ص ٦٤ وص ١٤٢).\n(^٢) «القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ٣٥).\n(^٣) الفتاوى: ١٩/ ١٥٥.","vol":"1","page":388},{"text":"لركبت إليه (^١).\nوقال مسروق ﵀: كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحثنا فيها ويفسرها عامة النهار. (^٢)\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (^٣).\nوقال مجاهد ﵀: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها (^٤).\nفلم يتوقف الصحابة عن تفسير النصوص والأخذ بظواهرها؛ ويستثنى من ذلك النصوص الخاصة بصفات الله تعالى، فقد أخذوا بظواهرها فأثبتوها دون تفسير أو تكييف لمعناها.\nقال ابن تيمية ﵀: \"إن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها، ولا يفهمها رسول الله ﷺ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه\" (^٥).\nقال الذهبي: قال سفيان (^٦) وغيره: قراءتها - أي آيات الصفات - تفسيرها، يعني\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠٠٢)، ومسلم (٢٤٦٣). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(^٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٦٠).\n(^٣) رواه أبو خيثمة في «العلم» (٤٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٣٨٣، وأحمد في «فضائل الصحابة» (ص ٨٤٧) (١٥٥٦)، والطبري في تفسيره (١/ ٦٥). والحاكم (٣/ ٦١٨) كلهم موقوفًا عن ابن مسعود ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ١٣): إسناده صحيح، وقال الألباني في كتاب «العلم» لأبي خيثمة: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الطبراني (١١/ ١٠٨)، والأصبهاني في «حلية الأولياء» (١/ ٣١٦) مرفوعا عن ابن عباس. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤٤٩): رواه الطبراني وفيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٥٤)، والدارمي (١/ ٢٧٣) (١١٢٠)، والطبري في تفسيره (١/ ٦٥)، والطبراني (١١/ ٧٧)، والحاكم (٢/ ٣٠٧).\n(^٥) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٢٨٥).\n(^٦) وهو الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، روى ذلك عنه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣١)، والدارقطني في «الصفات» (ص ٤١، ٤٢) وانظر: «الاعتقاد» للبيهقي (ص ١١٨)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن قيم الجوزية (١/ ١١٤، ١١٥).","vol":"1","page":389},{"text":"أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضايق التأويل والتحريف (^١). (^٢)\nوالواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.\nودليل ذلك: السمع، والعقل.\nأما السمع:\n• فقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].\n• وقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف: ٢].\n• وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الزخرف: ٣].\nوهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.\nوقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان.\n• فقال: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة: ٧٥].\n• وقال تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) الآية [النساء: ٤٦].\nوأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة (^٣).\nواعلم أن من قواعد أهل السنة المقررة أن الأصل أن يحمل النص على ظاهره، وأن الظاهر مراد، وأن الظاهر ما يتبادر إلى الذهن من المعاني، وأنه لا يخرج عن هذا الظاهر إلا بدليل، فإن عدم الدليل كان الحمل على الظاهر هو المتعين، والحمل على خلافه تحريف، فالنصوص الشرعية نصوص هداية ورحمة لا نصوص\n_________\n(^١) «العلو» للذهبي (٥٧٤).\n(^٢) المصدر: علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة لمحمد يسري ص ٣٥٣.\n(^٣) المصدر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين -ص ٤٢.","vol":"1","page":390},{"text":"إضلال، فلو قدر أن المتكلم أراد من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته من غير قرينة ولا دليل ولا بيان لصادم هذا الفعل مقصود الإرشاد والهداية وأن ترك المخاطب والحالة هذه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى … ومن أسباب إخراج النصوص عن ظواهرها عند البعض دعوى معارضتها للمعقول كالشأن في كثير من العقائد الإسلامية، إذ أن من طالع كتب المؤولة وجد عندهم توسعا عجيبا في هذا الباب، وكلما خاضوا بالتأويل في باب جرهم ذلك إلى استسهال التأويل في باب آخر وهكذا حتى آل الأمر بالباطنية مثلا إلى تأويل جملة الشريعة حتى ما يتعلق منها بالأحكام الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل ذلك كله من قبيل الباطن المخالف للظاهر، … والذي يعنينا هنا أن نؤكد على أن هذه النصوص الشرعية يجب حملها على ظواهرها ولا يصح تأويلها لمجرد تنزيلها على واقع حالي أو لتوهم معارضتها للمعقول، وأن تأويلها والحالة هذه مخرج لها عن قصد الشارع وبالتالي فتنزيلها بعد التأويل تنزيل لها على واقع غير مراد ولا مقصود للشارع (^١).\nأمَّا أهلُ البدع والتأويل فردوا النصوص بعقولهم الفاسدة: فقد وصفهُم الإمام أحمد ﵀ بقوله: (مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جُهَّالَ الناسِ بما يُشبِّهُون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلِّين). (^٢)\nونقل الشاطبيُّ آثارًا تؤكدُ أنَّه لا يعارَضُ النقلُ بالعقلِ ثم قال: (فالحاصلُ من مجموع ما تقدَّم أن الصحابة ومَن بعدهم لم يعارِضوا ما جاء في السنن بآرائهم، علموا معناها أو جهلوه) (^٣).\nرابعًا: \"أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله، وإنما عقله مجملًا إلى غير ذلك من الوجوه، على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه. \"\nبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الكلام على مسألة التعارض المتوهم في كتابه\n_________\n(^١) المصدر: منارات وعلامات في تنزيل أحاديث الفتن على الوقائع والحوادث لعبد الله بن صالح العجيري ص ٨\n(^٢) الرد على الجهمية (ص ٥٢).\n(^٣) الاعتصام (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":391},{"text":"(درء تعارض العقل والنقل) ومما قاله في ذلك: \"ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدما على ما جاءت به الرسل وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل وأنهم لا يقولون على الله إلا الحق وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب، ولا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ كما اتفق على ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي فمتي علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزما قاطعا أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي ولا عقلي ولا سمعي وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة وشبه من جنس شبه السفسطائية، وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل فيكون هذا العقل والسمع جميعا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع\" (^١)\n\"فالعقل الصريح عند أهل السنة يوافق النقل الصحيح، وعند الإشكال يقدمون النقل ولا إشكال؛ لأن النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل أن يتقبله، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول، والعقل يصدق النقل في كل ما أخبر به ولا العكس.\nولا يقللون من شأن العقل؛ فهو مناط التكليف عندهم، ولكن يقولون: إن العقل لا يتقدم على الشرع -وإلا لاستغنى الخلق عن الرسل-ولكن يعمل داخل دائرته، ولهذا سموا أهل السنة لاستمساكهم واتباعهم وتسليمهم المطلق لهدي النبي ﷺ. قال الله تعالى): فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)] القصص: ٥٠ (^٢).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١١١\n(^٢) الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري ص ١٥٧.","vol":"1","page":392},{"text":"(٦٨) \"ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأنه بيّن للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوالإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] قالوا:\nوقد بَيَّن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أَمْرِ الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده\".\n<hr><s0>\n\nقرن الله ﷿ بين باب الإيمان بالله وبين باب الإيمان باليوم الآخر في أكثر من آية من كتاب الله ﷿ كما أشار المصنف ومما وردت به نصوص الكتاب والسنة:\n• قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. البقرة: ٦٢.\n• وقال تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. البقرة: ٢٢٨.\n• وقال تعالى: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. البقرة ٢٣٢.\n• وقال تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾. آل عمران: ١١٣ - ١١٤.","vol":"1","page":393},{"text":"• وقال تعالى: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما﴾. النساء: ١٦٢.\nوغير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في الإثبات.\nومن الآيات التي ذكر فيها الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في النفي:\n• قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ البقرة: ٨.\n• وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾. البقرة: ٢٦.\n• وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾. النساء: ١٣٦.\n• وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾. التوبة: ٥.\n• وقوله تعالى: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾. التوبة: ٤٤ - ٤٥ [وفي هاتين الآيتين اجتمع النفي والإثبات في اقتران الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله].\nوأما الأحاديث فهي أيضا كثيرة، ومنها:\no  حديث أبي شريح، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا) (^١).\no  ومنها: حديث أبي هريرة، ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرا) (^٢).\no  ومنها حديث أبي سعيد الخدري، ﵁، قال قال رسول الله ﷺ: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) (^٣).\nومعلوم أن طوائف التعطيل مختلفون في إثبات الإيمان باليوم الآخر فالفلاسفة ينكرون حقيقة الإيمان باليوم الآخر ويتعاملون مع نصوصها كما يتعاملون مع كل أمر غيبي باعتبار أنه عندهم مجرد وهم وخيال لا حقيقة له.\nبينما يقر كل من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والجهمية باليوم الآخر على خلل\n_________\n(^١) البخاري (٢/ ٣٥).\n(^٢) البخاري (٦/ ١٤٥).\n(^٣) مسلم: (١/ ٨٦).","vol":"1","page":394},{"text":"عند الجهمية والمعتزلة في بعض مسائل هذا الباب، وإذا كانت بعض هذه الطوائف كالأشاعرة والماتريدية يقولون بالأخذ بالنصوص الشرعية في هذا الباب ويدرجونها تحت ما يسمونه باب السمعيات، ومقصدهم بالسمعيات أن أصول هذا الباب تؤخذ من نصوص الكتاب والسنة مع تأكيدهم على أن باب الإلهيات (أي الإيمان بالله) وباب النبوات (أي الإيمان بالنبي) لا يستدل لها بالنص وإنما دليلها عندهم هو العقل وحده.\nوعليه يقال لهم إن النصوص جاءت بالأمرين أي أمر الإيمان بالله، وأمر الإيمان باليوم الآخر، فما بالكم تفرقون بينهما وتجعلون باب الإيمان بالله ﷿ مصدره عقولكم فتثبتون وتنفون بناء عليه، وباب الإيمان باليوم الآخر تقبلون فيه بما وردت به النصوص، فمصدر البابين واحد، وكما قال المصنف: \" وقد بَيَّن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أَمْرِ الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده\".\nفكيف يفرق بين البابين ومصدرهما واحد وهو النبي ﷺ، فالنصوص جاءت بهذا وهذا، وكلا مسائل البابين من الأمور الغيبية الغير مشاهدة والتي لا سبيل للعلم بها إلا من طريق الوحي.\nوعليه فإن حق باب الإيمان بالله أن يعامل معاملة الإيمان باليوم الآخر بأن يرجع فيه إلى النصوص، والنصوص الواردة فيه أكثر بكثير من نصوص الإيمان باليوم الآخر.","vol":"1","page":395},{"text":"(٦٩) \"ومعلومٌ للمؤمنين أن رسول الله ﷺ أعلم بذلك من غيره، وأنصح للأمة من غيره، وأفصح من غيره عبارة وبيانًا، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، وقد اجتمع في حقه ﷺ كمال العلم والقدرة والإرادة.\nومعلومٌ أن المتكلم والفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته: كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان.\nوالرسول ﷺ هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في القدرة على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة، والإرادة الجازمة: يجب وجود المراد، فعلم قطعًا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان هو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك هو أكمل العلوم، فكل من ظن أن غير الرسول ﷺ أعلم بهذه منه، أو أكمل بيانًا منه، أو أحرص على هدي الخلق منه، فهو من الملحدين لا من المؤمنين، والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على سبيل الاستقامة\".\n<hr><s0>\n\nأدلة الكتاب والسنة وكلام السلف دالة على أن النبي ﷺ قد أكمل الرسالة وأدى الأمانة وبلغ م أنزل إليه من ربه ومن تلك الأدلة:\n• قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (^١) فالآية تؤكد أن الأمة لم تعد تحتاج إلى نبي يكمل لها دينها أو يتم عليها نعمة ربها، لأن الله ﷾ قد أكمله على يد رسوله ﷺ، ثم رضيه له ربها، لأن الله ﷾ قد أكمله على يد رسوله ﷺ، ثم رضيه له ولأمته دينا يعبدون الله به إلى يوم القيامة (^٢).\n_________\n(^١) الآية (٣) من سورة المائدة.\n(^٢) كتاب عقيدة ختم النبوة (ص ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":396},{"text":"قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: \"هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن … \" (^١).\nفمن تمام نعمة الله ﷾ على هذه الأمة أن أكمل لهم دينهم فلا ينقصه أبدا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدا، واقترن هذا الإكمال برضاه سبحانه بأن يكون هذا الدين الكامل دينا نتعبده به، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾.\nوهذه الآية دليل على كمال الدين وحيا من الله، وتبليغا من رسوله ﷺ، ولقد نزلت هذه الآية الكريمة والنبي ﷺ واقف بعرفات في حجة الوداع، وعاش النبي ﷺ بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة.\nوهي شهادة من الله تعالى لنبيه ﷺ على تبليغه لما أرسله به أتم تبليغ وأكمله وبذلك جعله الله خاتم النبيين، لأن الخلق بعد هذا لن يحتاجوا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ليكمل لهم دينهم، كما أنهم لا يحتاجون إلى دين آخر وذلك لكمال دينهم.\nووجه الدلالة من الآية على ذلك \"أن الله أخبر في هذه الآية بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم من ذلك أنه ﷺ قد بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده\" (^٢).\nوما كان من النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة إلا أن استشهد الناس على ذلك في نفس المناسبة التي نزلت فيها الآية.\n• فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ \".\nقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: \"اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات … \" الحديث (^٣).\nفشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم وكانوا في ذلك الموقف نحوا من أربعين ألفا (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥، ١٥٦) بتصرف.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (٤/ ٤١).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٧٧).","vol":"1","page":397},{"text":"ولقد أمر الله ﵎ رسوله ﷺ في مواطن متعددة من كتابه العزيز بأن يبلغ أمور هذا الدين البلاغ المبين الواضح\n• فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).\n• وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (^٢).\n• وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (^٣).\n• وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ (^٤).\nوهذا الأمر والحث من الله لرسوله ﷺ على البلاغ لشرع الله والدين الذي أوحاه إليه نابع من كون الرسول ﷺ هو الطريق الوحيد الذي يعرف بواسطة ما شرعه من دين يدين العباد له به، فليس ثمت طريق آخر إلى معرفة شرع الله وأوامره ونواهيه إلا طريقه بها فهو المبلغ عن الله تعالى، وهذه هي سنة الله في خلقه حيث جعل طريق معرفته وعبادته عن طريق من أرسله من الرسل \"فلا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، كما أنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث والحلال من الحرام إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير\" (^٥) وبهذا وبغيره نلمس عظم الحاجة إلى تبليغ الرسل.\nومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ أعظم الأنبياء بلاغا فقد كان ﷺ حريصا على هداية أمته،\n• وقد قال تعالى في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦)\nوسيرته ﷺ كلها دليل على مدى حرصه على إبلاغ رسالة ربه والتفاني في إبلاغها دون أن تأخذه في الله لومة لائم. وهو ﷺ أحق الناس بالوصف الوارد في:\n• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (^٧)\n_________\n(^١) الآية (٦٧) من سورة المائدة.\n(^٢) الآية (٨٢) من سورة النحل.\n(^٣) الآية (٥٤) من سورة النور، والآية (١٨) من سورة العنكبوت.\n(^٤) الآية (٤٨) من سورة الشورى.\n(^٥) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٦٩).\n(^٦) الآية (١٢٨) من سورة التوبة.\n(^٧) الآية (٣٩) من سورة الأحزاب.","vol":"1","page":398},{"text":"\"فقد امتدح الله ﵎ في هذه الآية الذين يبلغون رسالته إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد إبلاغ رسالات الله، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب وإلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع\" (^١).\nولقد أيد الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ بكل ما يلزم لتبليغ وحي الله وشرعه، فأعطاه العصمة في التبليغ\n• فقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٢)،\nفهذه الآية دليل واضح على عصمته ﷺ في كل أمر بلغه عن ربه ﵎، كما أنها شهادة وتزكية من الله ﵎ لنبيه ﷺ على سلامة شرعه الذي أوحاه إليه من كل ما ينقص منه.\n• وقال ﷺ: \"إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله\" (^٣)\nوبالإضافة إلى عصمته في أمر التبليغ فقد عصمه الله كذلك من الناس حتى يتم له أمر إبلاغ هذا الدين وإكماله.\n• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ فاقترن تعهد الله بعصمة رسوله من قتل الناس وإيذائهم له مع الأمر للنبي ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وفى هذا الاقتران دليل جلي على أن عصمة الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده على أعدائه قد صاحبت النبي ﷺ حتى تم له إبلاغ هذا الدين ونشره بين الناس.\nومع عصمة الله لنبيه في التبليغ، وعصمته من الناس، فكذلك عصم الله كتابه الذي أنزله إليه ليكون محفوظا من كل تحريف أو تغيير\n• قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٤).\nكما تعهد كذلك بحفظ هذا الدين وإبقاء طائفة في كل زمان من الأزمنة تنصر هذا الدين وتحفظه وتبلغه، كما جاء عن النبي ﷺ،\n• وفي الحديث: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٢) بتصرف.\n(^٢) الآيتان (٣، ٤) من سورة النجم.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا (٧/ ٩٥).\n(^٤) الآية (٩) من سورة الحجر.","vol":"1","page":399},{"text":"خذلهم حتى يأتي أمر الله\" (^١).\nوفي هذه الأمور ضمان لاستمرار هذا الدين وإبلاغه لكل أهل زمان، لأنه شامل لكل الناس في كل وقت إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.\nوقد أخبر ﷺ في مواطن متعددة بأنه قد أبلغ أمور الرسالة وأوضحها لأمته، وهو ﷺ الصادق المصدوق ومن ذلك:\n• قوله ﷺ: \"قد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك\" (^٢)\nوهذا هو الحق فقد بلغ وحي ربه وصدع بأمره، ونهض بأعباء الرسالة كما أراد الله منه، فأدى الأمانة ونصح لأمته وجاهد في الله حق جهاده، وما ترك لأمته من شيء يقربهم إلى الجنة إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا من شيء يبعدهم عن النار إلا وقد حدثهم به وحذرهم منه، وبين لهم كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم فهذه هي مهمته ورسالته ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقد أتم ﵊ ما أوكل إليه على أتم وجه وأكمله فأبان الطريق ودل على صراط الله المستقيم وترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.\nولقد شهد الصحابة رضوان الله عليهم بهذا. فهم الذين كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم، وكانوا ملازمين له في كل أحواله وحركاته فهم أعلم بما كان. وسأورد بعض ما ورد عنهم في هذا الشأن.\no  فقد سئل سلمان الفارسي (^٣) ﵁ فقيل له: \"أقد أعلمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب قوله من: \"لا تزال طائفة من أمتي … \" (٦/ ٥٢، ٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) واللفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧) ح ٤٩، وابن ماجة في السنن، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦) ح ٤٣، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ٢٧٠). \"حديث صحيح\".\n(^٣) سلمان أبو عبد الله الفارسي أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان سمع بالنبي ﷺ قبل مبعثه فتغرب بحثا عنه وتسبب ذلك إلى وقوعه في الرق ومنّ الله عليه بالإسلام. أول مشاهده الخندق، وكان ﵁ خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا، توفي عام ٣٥ هـ. الإصابة (٢/ ٦٠، ٦١) رقم ٣٣٥٧.","vol":"1","page":400},{"text":"فقال: \"أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع (^١) أو بعظم\" (^٢).\no  وعن أبي ذر ﵁ قال: \"لقد تركنا محمدا ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما\" (^٣).\no  وعن عائشة (^٤) ﵂ قالت: \"من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ \" (^٥). وفى رواية \"من حدثك أن النبي ﷺ كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ \" (^٦).\no  وعن عائشة ﵂ قالت: \"لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (^٧) \" (^٨).\nفمن حقه ﷺ على أمته أن يقروا له بفضله وصدقه وأمانته في تبليغ رسالة ربه التي ائتمنه عليها، وكلفه أن يقوم بها فلا يكون إيمان للمرء إذا لم يقر للرسول ﷺ بأنه قد بلغ الرسالة أعظم ما يكون التبليغ، وقام بأدائها أعظم ما يكون القيام واحتمل في سبيلها أشق ما يحتمله البشر، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك في صدقه فهو كافر مارق عن الإسلام مكذب لله ولرسوله.\nوقد تنوع طعن المخالفين لأهل السنة في رد النصوص الواردة في القرآن والسنة، فمن الطعن في نصوص القرآن من حيث دلالتها والقول بأنها ظنية الدلالة، والطعن\n_________\n(^١) الرجيع: القذرة والروث، سمي رجيعا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علقا. النهاية (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة: باب الاستطابة (١/ ١٥٤).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٣).\n(^٤) هي الصديقة أم المؤمنين واسمها عائشة بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد البعثة بأربع سنوات أو خمس وتزوجها النبي ﷺ وهي بنت تسع وكانت ﵂ من أعلم الصحابة وأفقههم، وكانت أحب نساء النبي ﷺ، توفيت عام ٥٨ هـ. الإصابة (٤/ ٣٤٨ - ٣٥٠) رقم ٧٠٤٠.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، انظر فتح الباري (٨/ ٢٧٥) ح ٤٦١٢.\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٠٣) ح ٧٥٣١.\n(^٧) الآية (٣٧) من سورة الأحزاب.\n(^٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣).","vol":"1","page":401},{"text":"في نصوص السنة من حيث كونها أخبار آحاد، وتلون البعض منهم من حيث قبول النصوص في بعض أبواب الدين وعدم قبولها في البعض، مع أن الناقل لها واحد وهو رسول الله ﷺ.\nمن المعلوم النبي ﷺ في هذه المسائل لم يتكلم بخلاف الحق ولم يرد خلاف الحق كما يزعم هؤلاء، فكلهم شكَّكوا في هذه الأمور على ما سيأتي، فإذا كل من ظن أن غير الرسول ﷺ أعلم بهذا منه أو أكمل بيانًا منه، أو أحرص على هدي الخلق منه، فهو من الملحدين لا من المؤمنين، فينبغي التنبه لهذه الحقيقة، والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على الاستقامة.\nلأن هؤلاء شكَّكوا حتى في علم الصحابة، فلم يكتفوا بالتشكيك في النصوص، ولم يكتفوا كذلك بالتشكيك في إبلاغ النبي ﷺ بالحق، بل زعموا أن قول الصحابة في هذا الباب قولٌ مشكوك في علمه، إلى درجة أن زعموا أن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد، ولذلك لم يتفرغوا لمثل هذه المسائل ولبحثها، وهم الذين تفرغوا وتصدروا لبحثها.\nفكل هذا تشكيكٌ في الحق، ومحاولة لهدم الحق فتنبه لذلك، وسيأتيك بعض كلامهم هنا، فجاء إلى هؤلاء وإلى كلامهم في هذه المسائل.","vol":"1","page":402},{"text":"(٧٠) \"وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل\".\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل\".\nقوله: \"وأما المنحرفون\" المقصود بهم المعطلة على اختلاف وتنوع درجات تعطيلهم، وهؤلاء المنحرفون هم في الأساس على قسمين:\nالقسم الأول: الفلاسفة.\nالقسم الثاني: أهل كلام.\nوالمصنف هنا يتكلم عن الفلاسفة.\nوقوله: \"عن طريقهم\" أي عن منهج وطريق السلف.\nقوله: \"فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل\" يتكلم المصنف عن أقسام المعطلة في مسالك تعطيلهم إلى ثلاث طوائف:\n\"أهل التخييل\".\n\"وأهل التأويل\".\n\"وأهل التجهيل\".\nومسالك التعطيل في الأصل تعود إلى مسلكين:\nالمسلك الأول: مسلك التبديل. وينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: مسلك الوهم والتخييل.\nالقسم الثاني: مسلك التحريف والتأويل.\nوالمسلك الثاني: مسلك التجهيل. وينقسم إلى قسمين:\nوهم الذين سيأتي الكلام عنهم عند شرح قول المصنف:\nالقسم الأول: \"فقسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله،","vol":"1","page":403},{"text":"ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم\".\nالقسم الثاني: \"وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات\".","vol":"1","page":404},{"text":"(٧١) \"فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف. فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بَيَّنَ به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق.\nثم هم على قسمين:\nمنهم من يقول: إن الرسول ﷺ لم يعلم الحقائق على ما هي عليه.\nويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة، وباطنية الصوفية.\nومنهم من يقول: بل الرسول عَلِمَها لكن لم يُبيِّنها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فَهْمَ ما يناقضها، لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق.\nويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون، مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوأما الأعمال: فمنهم من يقرها، ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، وهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم.\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: \"فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف\".\nبدأ المصنف بتفصيل القول عن أصحاب مسلك التبديل وبدأ بالصنف الأول منهم","vol":"1","page":405},{"text":"وهم أصحاب الوهم والتخييل، وهؤلاء المقصود بهم أهل الفلسفة\n\"الفلاسفة، اسم جنس لمن يُحِبُ الحكمة ويُؤثِرُها.\nوقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصًا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه.\nوأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المَشَّاؤُون خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها. وهي التي يعرفها، بل لا يعرفُ سواها، المتأخرون من المتكلمين\" (^١).\nأما الفلاسفة فإن إيمانهم بالله ﵎ لا يكاد يتعدى الإيمان بوجوده المطلق، -أي بوجوده في الذهن والخيال دون الحقيقة-، وأما ما عدا ذلك فلا يكادون يتفقون على شيء، فالمباحث العقدية عندهم من أسخف وأفسد ما قالوا به.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة، وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة\" (^٢).\nويتجلى فساد معتقد الفلاسفة في الله أكثر عندما نعرض لك بعض أقوالهم في ذات الله وصفاته.\nفالفلاسفة يطلقون على الله مسمى (واجب الوجود)، وتوحيد واجب الوجود عندهم يكفي مجرد تصوره للعلم الضروري بفساده.\nفالتوحيد عندهم يقتضي تجريده من كل صفات الكمال اللازمة له، فهو ليس له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام، ولا غير ذلك من الصفات، ويقولون بدلًا من ذلك: (إنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعالم ومعلوم وعلم)، وجعلوا كل ذلك أمورًا عدمية.\nودفعهم إلى ذلك زعمهم أن تعدد الصفات موجب للتركيب في حق الله، وفساد هذا القول جلي واضح.\nفالله وصف نفسه بالصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ وثبت ذلك في الكتاب والسنة نقلًا.\nكما أن العقل يشهد بفساد قولهم، فإن تعدد الصفات لم تقل لغة ولا شرع ولا عقل سليم إنه يوجب تركيب الموصوف إلا عند الفلاسفة (^٣).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ٢/ ٢٥٧).\n(^٢) الرد على المنطقيين (ص ١١٤).\n(^٣) انظر الرد على المنطقيين ص ٣١٤.","vol":"1","page":406},{"text":"ومن شنيع كلامهم كذلك زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات، فهو عندهم لا يعرف عين موسى، ولا عيسى، ولا محمدًا عليهم الصلاة والسلام، فضلًا عن الوقائع التي قصها القرآن وغيرها من أمور المخلوقات. وفساد هذا القول واضح جلي في النقل والعقل.\nأما النقل فالله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]. وكذا العقل أيضًا شاهد بفساد هذا المعتقد، فكيف يجهل الله أمورًا سيرها بأمره وأجراها بقدره وأخبر عنها في كتابه (^١).\nومن شنيع قولهم ما قالوه في قدرة الله من أنه فاعل بالطبع لا بالاختيار لأن الفاعل بالطبع يتحد فعله، والفاعل بالاختيار يتنوع فعله، وما دروا أنهم بهذا جعلوا الإنسان الفاعل بالاختيار أكمل من الله الفاعل بالطبع على حد زعمهم. وهذا القول مردود بقول الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَار﴾ [القصص ٦٨]. ومردود بالعقل لأن الله هو أكمل الفاعلين فكيف يُشبَّه فعله بفعل الجماد.\nوالفلاسفة يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نَعْتَ، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئًا.\nولا شك أن الذي كان عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون من هذا، فعباد الأصنام كانوا يثبتون ربًا خالقًا عالمًا قادرًا حيًا، وإن كانوا يشركون معه في العبادة.\nففساد أقوال الفلاسفة في الله لا يضاهيه فساد، وسنعرض لأقوالهم في أسماء الله وصفاته فيما بعد إن شاء الله تعالى.\nفهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله ﷿.\n\"وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم. وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبيُّ بزعمهم في نفسه من أشكال نُورانِية، هي العقول عندهم، وهي مجرَّدات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السموات ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبِّر شيئًا، ولا\n_________\n(^١) انظر الرد على المنطقيين ص ٤٦١.","vol":"1","page":407},{"text":"تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة البتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تُصَفُّ عند ربها، ولا تصلي، ولا لها تصرف في أمر العالم البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة.\nوربما تقرب بعضهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هي القوى الخَيِّرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشريرة الرَّديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل.\nوأما الكتب فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك، فإنه ما قال شيئًا، ولا يقول، ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرب إليهم ممن ينتسب للمسلمين يقول: الكتب المنزلة فَيْضٌ فاضَ من العقل الفَعَّال على النفس المستعدة الفاضلة الزكية، فتصورت تلك المعاني، وتشكلت في نفسه بحيث توهم أصواتًا تخاطبه، وربما قَوِيَ الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه، وربما قوي ذلك حتى يُخَيِّلها لبعض الحاضرين، فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج.\nوأما الرسل والأنبياء فللنبوة عندهم ثلاث خصائص، من استكملها فهو نبيُّ:\nأحدها: قوة الحدس، بحيث يدرك الحد الأوسط بسرعة.\nالثانية: قوة التخيل والتخييل، بحيث يتخيل في نفسه أشكالًا نورانية تخاطبه، ويسمع الخطاب منها، ويخيلها إلى غيره.\nالثالثة: قوة التأثير بالتصرف في هيولي العالم. وهذا يكون عنده بتجرد النفس عن العلائق، واتصالها بالمفارقات، من العقول والنفوس المجردة.\nوهذه الخصائص تحصل بالاكتساب؛ ولهذا طلبَ النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين، وابن هود، وأضرابهم. والنبوة عند هؤلاء صنعةٌ من الصنائع، بل من أشرف الصنائع، كالسياسة، بل هي سياسة العامة، وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول: الفلسفة نبوة الخاصة. والنبوة: فلسفة العامة.\nوأما الإيمان باليوم الآخر فهم لا يقرون بانفطار السموات، وانتثار الكواكب، وقيامة الأبدان، ولا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأوجد هذا العالم بعد عدمه.\nفلا مبدأ عندهم، ولا معاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء، تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله تعالى.","vol":"1","page":408},{"text":"فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير من دين هؤلاء.\nوحَسبُكَ جهلًا بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانًا، وضلالًا وعمى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن بهم، وأنهم أولو العقول\" (^١).\nوالذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:\nالأصل الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.\nالأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.\nفتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور.\nوهم ينقسمون إلى قسمين:\nالقسم الأول: أهل فلسفة محضة كالفارابي والكندي وابن رشد الحفيد (^٢).\nالقسم الثاني: أهل فلسفة باطنية وتنقسم إلى قسمين:\nالأول: فلسفة باطنية إسماعيلية قرمطية كابن سينا وإخوان الصفا (^٣).\nالثاني: فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.\nوقوله: \"فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بَيَّنَ به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق\".\nفالفلاسفة دعواهم العريضة في هذا الباب هي قوله: إن ما ذكره الرسول ﷺ إنما هو من باب الوهم والتخييل، وهم يقولون: ليس هناك أصلًا نبوَّة على الحقيقة، وأن النبوَّة على زعمهم إنما هي أمرٌ مكتسب كأي مهنة من المهن، وأن هذا النبي استطاع\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٢) -منهاج السنة ٢/ ٥٢٣، ٥٢٤.\n(^٣) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":409},{"text":"بقوة ذكائه أن يخيِّل للناس أن هناك رباًّ على الحقيقة، وأن نتجلى على الحقيقة، وأن هناك بعثًا وحشرًا وإلى غير ذلك، وهذا كله عندهم من باب الوهم والخيال.\nتحت هذا الزعم يقولون: إن هذه الأمور لا حقيقة لها، وأن هذا الرجل إنما هو مجرد مصلحٍ زعم بأنه بهذه الطريقة استطاع أن يصلح الناس، وعند بعضهم لا بأس بالإبقاء على ذلك لأن في ذلك مصلحة، فعقول عامة الناس لا تتسع لغير ذلك، وليس بمقدور كل أحدٍ أن يدرس الفلسفة التي هم عليها حتى يعرفوا الأمر على حقيقته.\nوهذا مسلك الفلاسفة، ولذلك هم ينكرون كل غيب، فعندهم أن وجود الله ﷿ لا حقيقة له وإنما هو أمر مقدر في الخيال والذهن لا في الخارج، وأن الملائكة هي قوى الخير في النفس، والشياطين هي قوى الشر في النفس، وأن الجنة هي السعادة النفسية، وأن النار هي الشقاء النفسي، إلى غير ذلك من التأويلات التي قالوها تحت هذا الزعم، فهم ليسوا مع ذلك بحاجة إلى أن يؤوِّلوا على وجه التفصيل.\nفهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ليس لينتفع به خواص الناس وإنما هو فقط خطابٌ للعوام والجمهور من الناس، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق، فإذًا طعنوا في علمه، وطعنوا في بيانه، وطعنوا حتى في قدرته على الحق عند بعضهم.\nوأما قول المصنف: \"ثم هم على قسمين:\nمنهم من يقول: إن الرسول ﷺ لم يعلم الحقائق على ما هي عليه.\nويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة، وباطنية الصوفية.\nومنهم من يقول: بل الرسول عَلِمَها لكن لم يُبيِّنها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فَهْمَ ما يناقضها، لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق.\nويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون، مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر\".\nأما في القدرة على بيان الحق فهم على قسمين:\nالقسم الأول: يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، هذا أيضًا","vol":"1","page":410},{"text":"طعن في العلم وأيضًا في القدرة،، وهذا قول الفارابي أو بشر بن فاتك من الفلاسفة يقولون: إن الفيلسوف الكامل أعلم من الرسول لأن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونه أولياء وهذا عند ابن عربي، أن الوليَّ الكامل أعلى وأولى من الرسول، وعلمهم أعلى من علمه، ويزعمون أن من الفلاسفة من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة الغلاة من الفلاسفة والباطنية، ويقصد بذلك باطنية الشيعة وهم الإسماعيلية وباطنية الصوفية وهم الاتحادية.\nليس هذا القول عند كل الرافضة، ولا عند كل الصوفية، ولكن هذا القول عند الإسماعيلية والاتحادية.\nالقسم الثاني: ومنهم من يقول وهذا ابن سينا يقول: الرسول عَلِمَها ولكنه لم يبيِّنها ويقول: إن الرسول أعلى من الفيلسوف لأن الرسول استطاع أن يخيِّل للناس هذه الأمور واستطاع أن يقنعهم بذلك، فهو أولى من الفيلسوف وأعلى منه.\nوقالوا: الرسول عَلِمَها لكن لم يبيِّنها وإنما تكلَّم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق، فهم يقولون: لا يمكن لهؤلاء أن يفهموا إلا أن يخيِّل لهم الرسول أن هناك رباًّ جالس على العرش، وأن له يدان وأن له كذا وكذا، بهذه الصورة يمكن لعقول هؤلاء أن تقبل هذه الأمور لا بغيرها، هذا قولهم هذا قول ابن سينا وأمثاله كابن رشد الحفيد وغيره.\nفيقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، اعتقاد معادن الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل، وقالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمَّن الكذب لمصلحة العباد، فاتهموا الرسول بالكذب، وهذا قولهم فيما يتعلق في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوقول المصنف: \"وأما الأعمال: فمنهم من يقرها، ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، وهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم\".\nأما إذا جاءوا إلى الأمور العملية فمنهم من يقرِّرها على سبيل أنها رياضات نفسية تستوي كرياضة اليوجا أو غيرها من الرياضات لأنها كلها تصبُّ في بابٍ واحد وهو","vol":"1","page":411},{"text":"تزكية النفس.\nومنهم من يقول: هي فقط للعوام وليست للخواص، ولذلك ترسخ هذا الفكر عند بعض الناس فترى أنه لا يصلي ولا يصوم ويزعم أنه مسلم لأنه يرى هذه النظرة أن الصلاة والزكاة لطائفة دون طائفة أخرى.\nفإذًا في العمليات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، منهم من يقول: تبقى على ما هي عليه لأنها من سبيل الرياضات النفسية، فالنفس تتروَّض بمثل ذلك وتزكو فلا مانع من بقائها على ما هي عليه، ومنهم من يجريها هذا المجرى ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم.\nقال ابن تيمية: \"وكان لهؤلاء الفلاسفة أقوال فاسدة تلقوها من أسلافهم الفلاسفة، ولما رأوا أن ما تواتر عن الرسل يخالفها، سلكوا طريقهم الباطنية فقالوا: إن الرسل لم تبين العلم والحقائق التي يقوم عليها البرهان في الأمور العلمية، ثم منهم من قال: إن الرسل علمت ذلك وما بينته، ومنهم من يقول: إنها لم تعلمه وإنما كانوا بارعين في الحكمة العملية دون الحكمة العلمية، ولكن خاطبوا الجمهور بخطاب تخييلي، خيلت لهم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما ينفعهم اعتقاده في سياستهم، وإن كان ذلك اعتقادًا باطلًا لا يطابق الحقائق.\nوهم يقرون بالعبادات، ولكن يقولون مقصودها إصلاح أخلاق النفس، وقد يقولون إنها تسقط عن الخاصة العارفين بالحقائق فكانت بدعة أولئك المتكلمين مما أعانت إلحاد هؤلاء الملحدين\" (^١)\nفهذا الفريق هذا شأنه مع النصوص، طعن في النصوص وطعن في علم الرسول ﷺ، وطعن في إرادته وطعن في قدرته؛ وهذا قولهم في الجملة.\nأما قولهم في باب أسماء وصفات الله تفصيلًا فغلاة المعطلة يمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:\nالدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة.\nوهي التي عليها الجهمية وطائفة من الفلاسفة (^٢) وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله. (^٣).\nفهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودًا\n_________\n(^١) -منهاج السنة ١/ ٣٢١، ٣٢٢. «بتصرف»\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.\n(^٣) -الصفدية ١/ ٢٩٩، ٣٠٠.","vol":"1","page":412},{"text":"مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (^١) فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات. (^٢)\nالدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة.\nالذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة. (^٣)\nفهؤلاء هم غلاة الغلاة (^٤) لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات. (^٥)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات) (^٦)\nالدرجة الثالثة: المتجاهلة اللا أدرية.\nالذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧، شرح الأصفهانية ص ٥١، ٥٢.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٣/ ٨.\n(^٣) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٣/ ١٠٠.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.\n(^٦) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":413},{"text":"ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه. (^١)\nالدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود.\nالذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:\nألا كل قول في الوجود كلامه … سواء علينا نثره ونظامه\nيعم به أسماع كل مكون … فمنه إليه بدؤه وختامه (^٢)\nفيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أنا ربُّكم الأعلى﴾ (^٣) ﴿وما علمت لكم من إله غيري﴾ (^٤) وبين القول الذي يسمعه موسى ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ (^٥). بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله) (^٦)\nوهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض، والعفيف التلمساني.\nوأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر ويفتقر إليه وفي هذا يقول ابن عربي:\nفيعبدني وأعبده … ويحمدني وأحمده (^٧)\nويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت (^٨) فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم\n_________\n(^١) -الصفدية ١/ ٩٦، ٩٨.\n(^٢) -الفتوحات المكية ٤/ ١٤١ ط: دار صادر، بيروت.\n(^٣) -الآية ٢٤ من سورة النازعات.\n(^٤) -الآية ٢٨ من سورة القصص.\n(^٥) -الآية ١٤ من سورة طه.\n(^٦) -بغية المرتاد ص ٣٤٩.\n(^٧) -فصوص الحكم ١/ ٨٣.\n(^٨) -بغية المرتاد ص ٣٩٧، ٣٩٨.","vol":"1","page":414},{"text":"والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين. (^١)\nوهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.\nويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:\n\"عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى\".\nوهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^٢)\nوفي هذا يقول ابن عربي:\nفإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا … وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا\nوإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا\nفمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا\nفإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا\nفما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (^٣)\n«خلاصة أقوال غلاة المعطلة»\nكلام غلاة المعطلة المتقدم ذكره يدور على أحد أصلين:\n_________\n(^١) -بغية المرتاد ص ٤٠٨.\n(^٢) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.\n(^٣) -بغية المرتاد ص ٥٢٧.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>١ - الأصل الأول:</span>\nالنفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان. وهذا الذي عليه المكذبة النفاة، والمتجاهلة الواقفة، والمتجاهلة اللا أدرية.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>٢ - الأصل الثاني:</span>\nأن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلًا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.\nولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.\nوعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.","vol":"1","page":416},{"text":"(٧٢) \"وأما أهل التأويل: فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك\".\n<hr><s0>\n\nيذكر المصنف هنا القسم الثاني من مسلك التبديل وهو مسلك التأويل والتحريف، وأهل هذا المسلك الذين قصدهم المصنف بقوله: \"وأما أهل التأويل\" هم طوائف أهل الكلام وهم: الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.\nوالفرق بين مسلك أهل الوهم والتخييل ومسلك أهل التأويل والتحريف من وجهين:\nالوجه الأول: فأحد الفروق بين مسلك الفلاسفة ومسلك أهل الكلام:\n• أن الفلاسفة يعمِّمون قولهم في كل غيب، فيتكلمون بهذا الزعم في مسائل الإيمان بالله وفي مسائل الإيمان باليوم الآخر، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الأمور العملية.\n• أما أهل الكلام فيطلقون هذه العبارات في أبواب دون أبواب، فهم دونهم في هذا الأمر، فهم يعمِّمون مثل هذه الأقوال في مسائل الصفات دون مسائل الإيمان باليوم الآخر، مع ما عند الجهمية والمعتزلة من خلل في بعض مسائل المعاد كمسائل عذاب القبر، وكذلك الشفاعة وفناء الجنة والنار وغيرها من المسائل التي تتعلق باليوم الآخر.\nفإطلاقهم بمثل هذه العبارات خاص في باب الصفات ولذلك قال المصنف: \"فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات\" فخص بالذكر باب الصفات دون غيره من الأبواب.","vol":"1","page":417},{"text":"الوجه الثاني: من الفروق بين مسلك الفلاسفة ومسلك أهل الكلام: هو أن الطريقة اختلفت.\n• فالفلاسفة يقولون: إن ما جاء به الرسول وهم وخيال.\n• أما أهل الكلام فيقولون: إن الرسول ﷺ لم يقصد أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين تلك المعاني ولا دل الناس عليها ولكن ترك ذلك امتحانًا لعقولهم.\nوقول المصنف: \"لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك\".\nمراده هل يعقل أن أعظم بابٍ في الدين، يتركه النبي ﷺ من غير بيان وتوضيح؟ وهل يُعقل أن النبي ﷺ يتكلم بخلاف الحق ثم يترك ذلك ولم يبينه امتحانًا لعقول الناس، إذًا ما هي وظيفة الرسل إذا لم يكن مبينًا للناس؟\nفالله تعالى قال في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ويقول النبي ﷺ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ» (^١)، فهل هذا يمكن أن يُقبَل أن نطعن في كمال قدرة النبي ﷺ في بيان الحق، أو نطعن في كمال إرادته؟\nفهؤلاء طعنوا في كمال قدرته، وفي كمال إرادته؛ لأنهم قالوا: إنه قصد بها معني ولكن لم يبين تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم؛ لأن هذا الكلام الذي جاءوا به وتلك التأويلات ما جاء بها النبي ﷺ، ولا دل الأمة عليها، فلابد أن يختلقوا مثل هذا الزعم، وهذا الزعم فيه طعنٌ في الرسول ﷺ، فشتان بين ما قدم له المصنف من بيان كمال علم النبي ﷺ وكمال إرادته وكمال قدرته على الحق وبين هذا التشكيك الذي جاء به هؤلاء وزعموه في شأن الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٤)، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي (٤١٩١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦٧٩٣).","vol":"1","page":418},{"text":"فإذًا هذا هو كلام الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلابية، وإن كان المصنف هنا لم يصرح بأسماء هؤلاء نظرًا للحال الذي كان في ذلك العصر، ولكن اللبيب بالإشارة يفهم.\nيقول: والذين قصدنا الرد عليهم.\nوأصحاب مسلك التأويل هم:\n\n<span data-type='title' id=toc-43>أولًا: الجهمية.</span>\nوقد كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.\nوعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.\nفكلام أول الجهمية وآخرهم يدور على هذين الأصلين:\n١ - إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.\n٢ - وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها.\nوكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما. (^١)\nوهذا حال الجهمية دائمًا يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق، وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئًا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء.) (^٣)\n_________\n(^١) -بغية المرتاد ص ٤١٠، ٤١١.\n(^٢) -نقض تأسيس الجهمية ٢/ ٤٦٧.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩.","vol":"1","page":419},{"text":"ولا ريب أن هؤلاء المعطلة بصنيعهم هذا قد أعرضوا عن أسمائه وصفاته وآياته وصاروا جهالًا به، كافرين به، غافلين عن ذكره، موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته، وهذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه. (^١).\nوأما أهل الكلام فقد شاركوا الفلاسفة في بعض أصولهم، وأخذوا عنهم القواعد المنطقية والمناهج الكلامية، وتأثروا بها إلى درجة كبيرة.\nوسلكوا في تقرير مسائل الاعتقاد المسلك العقلاني على حد زعمهم، وهم وإن كانوا يخالفون الفلاسفة في قولهم إن هذه الحقائق مجرد وهم وخيال، إلا أنهم شاركوهم في تشويه كثير من الحقائق الغيبية، فلا تجد في كتب أهل الكلام على اختلاف طوائفهم تقريرًا لمسائل الاعتقاد كما جاءت بها النصوص الصحيحة، فبدل أن تسمع أو تقرأ \"قال الله\" أو \"قال رسوله ﷺ\" أو \"قال الصحابة\"، فإنك لا تجد في كتبهم إلا \"قال الفضلاء\"، \"قال العقلاء\"، \"قال الحكماء\"، ويعنون بهم فلاسفة اليونان من الوثنيين، فكيف جاز لهم ترك كلام الله وكلام رسوله ﷺ والأخذ بكلام من لا يعرف الله ولا يؤمن برسوله؟!\nوالمطَّلِع على كتب أهل الكلام يدرك عِظَم الضرر الذي جَنَتْهُ على الأمة المسلمة، إذ تسببت تلك الكتب في حجب الناس عن المعرفة الصحيحة لله ورسوله ولدينه، وجُعِلَ بدل ذلك مقالات التعطيل والتجهيل والتخييل.\nوأهل الكلام ليسوا صنفًا واحدًا بل هم عدة أصناف، وهم:\n١ الجهمية، ٢ المعتزلة، ٣ الكلابية، ٤ الأشاعرة، ٥ الماتريدية.\nوهذه الأصناف الخمسة كل له قوله ورأيه بحسب الشبه العقلية التي استند إليها.\nأولًا: الجهمية.\nفأما الجهمية فهم أتباع جهم بن صفوان الذي أخذ عن الجعد ابن درهم مقالة التعطيل عندما التقى به بالكوفة (^٢)، وقد نشر الجهم مقالة التعطيل وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المغالاة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه نظرًا لما كان عليه من سلاطة اللسان وكثرة الجدال والمراء.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٤٨. «بتصرف»\n(^٢) مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠)، والبداية (٩/ ٣٥٠).","vol":"1","page":420},{"text":"من أشهر معتقداتهم:\n١ إنكارهم لجميع الأسماء والصفات كما سيأتي تفصيله.\n٢ أنهم في باب الإيمان مرجئة، يقولون: إن الإيمان يكفي فيه مجرد المعرفة القلبية، وهذا شر أقوال المرجئة.\n٣ أنهم في باب القدر جبرية، ينكرون قدرة العبد واختياره في فعله.\n٤ ينكرون رؤية الخلق لله يوم القيامة.\n٥ يقولون إن القرآن مخلوق.\n٦ يقولون بفناء الجنة والنار.\nإلى غير ذلك من المعتقدات الباطلة التي قال بها الجهمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-44>ثانيًا: المعتزلة.</span>\nوهم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وهم فرق كثيرة يجمعها ما يسمونه بأصولهم الخمسة وهي:\n١ التوحيد، ٢ العدل، ٣ الوعد والوعيد، ٤ المنزلة بين المنزلتين، ٥ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالاعتزال في حقيقته يحمل خليطًا من الآراء الباطلة التي كانت موجودة في ذلك العصر، فقد جمع المعتزلة بين أفكار الجهمية، والقدرية، والخوارج، والرافضة.\nفقد شاركوا الجهمية في بعض أصولهم، فوافقوهم في إنكار الصفات، فزعموا أن ذات الله لا تقوم بها صفة ولا فعل، كما سيأتي تفصيله. وقالوا بإنكار رؤية الله يوم القيامة وقالوا إن القرآن مخلوق إلى غير ذلك.\nكما شاركوا القدرية في إنكارهم لقدرة الله في أفعال العباد، وأخذوا عنهم القول بأن العباد يخلقون أفعالهم.\nكما شاركوا الخوارج في مسألة الإيمان، وقالوا بقولهم إن الإيمان قول، واعتقاد، وعمل، لا يزيد ولا ينقص، وأنه إذا ذهب بعضه زال كلّه.\nوبناءً على ذلك شاركوهم في مسألة مرتكب الكبيرة، فالمعتزلة وإن قالوا بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لكنهم وافقوا الخوارج في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار.\nوأخذوا كذلك عن الخوارج رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.","vol":"1","page":421},{"text":"كما أنهم شاركوا الروافض في الطعن في أصحاب النبي ﷺ، فقد كان من كلام واصل بن عطاء في أهل صفين قوله: \"إن كليهما فاسق لا بعين\" وقوله عن علي ومعاوية ﵄: \"لو أن كليهما جاء عندي يشهد على حزمة بقل ما قبلت شهادتهما\"، وأواخر المعتزلة كانوا أقرب إلى التشيع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقدماء الشيعة كانوا مخالفين للمعتزلة بذلك (يعني مسائل الصفات والقدر)، فأما متأخروهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك، فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، والمعتزلة شيوخ هؤلاء إلى ما يوجد في كلام ابن النعمان المفيد وصاحبيه أبي جعفر الطوسي، والملقب بالمرتضى ونحوهم هو من كلام المعتزلة، وصار حينئذ في المعتزلة من يميل إلى نوع من التشيع إما تسوية علي بالخليفتين، وإما تفضيله عليهما، وإما الطعن في عثمان، وإن كانت المعتزلة لم تختلف في إمامة أبي بكر وعمر.\nوقدماء المعتزلة كعمرو بن عبيد وذويه كانوا منحرفين عن علي حتى كانوا يقولون: لو شهد هو وواحد من مقاتليه شهادة لم نقبلها، لأنه قد فسق أحدهما لا بعينه. فهذا الذي عليه متأخرو الشيعة والمعتزلة خلاف ما عليه أئمة الطائفتين وقدماؤهم\" (^١).\nكما أخذوا عن الشيعة الرافضة أكثر آرائهم الخاصة بالإمامة.\nوعلى هذا فأفكار المعتزلة إنما هي خليط من آراء الفرق المخالفة في عصرهم.\nوأفكار المعتزلة يحملها اليوم كل من: الرافضة الإمامية، والزيدية، والإباضية، وكذلك من يسمون بالعقلانيين.\nفالمعتزلة ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وغيرهم. وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات (^٢) وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق (^٣) فالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.\nالطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٢) -مجموع الفتاوى ١٣/ ١٣١.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥١.","vol":"1","page":422},{"text":"والطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسمًا ونفيها فعلًا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعًا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.\nوالمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته. (^١)\nوهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. (^٢)\nوهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية (^٣) والإباضية. وابن تومرت (^٤)، وابن حزم. (^٥)\nفالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.\nوردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به. (^٦)\n\n<span data-type='title' id=toc-45>النجارية:</span>\nوهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠ هجرية) تقريبًا\nوكان يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه، وأنه لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء. (^٧)\n_________\n(^١) -المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ١٠٠.\n(^٢) -المصدر السابق ص ١٠١.\n(^٣) -لم يكن في قدماء الرافضة من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسيم مشهورًا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله، شرح الأصفهانية ص ٦٨.\n(^٤) -كان أبو عبد الله محمد بن تومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، شرح الأصفهانية ص ٢٣.\n(^٥) -درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩، ٢٥٠.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨، ٣٥٩.\n(^٧) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٤١ - ٣٤٢، وانظر الفرق بين الفرق ص ٢٠٧، والملل والنحل ١/ ٨٩، ٩٠.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>الضرارية:</span>\nوهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠ هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه) (^١)\nفكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية، كما قال البغدادي عنهم: (من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه) (^٢)\nوكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن. (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-47>ثالثًا: متكلمة الصفاتية (الكلابية -الأشاعرة -الماتريدية).</span>\n١ أما الكلابية:\nوهم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان (^٤) (ت ٢٤٣ هـ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:\nفأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.\nوالجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.\nفأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.\nوأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله\" (^٥).\nفهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن\n_________\n(^١) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٣٩.\n(^٢) -الفرق بين الفرق ص ٢١٥.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١، ٣٥٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥).\n(^٥) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١).","vol":"1","page":424},{"text":"كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.\nوقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (^١) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (^٢) فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول\". (^٣)\nفابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية. (^٤)\nوقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي\" (^٥)\nفابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى السلف من الأشعري (^٦).\nولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.\nفابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (^٧).\nولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٦).\n(^٥) منهاج السنة (٢/ ٣٢٧).\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).\n(^٧) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٣).","vol":"1","page":425},{"text":"أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته.\nويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^١).\nوقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول\" (^٢).\nفالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ).\nقولهم في الصفات.\nالكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي (^٣) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٥١).\n(^٢) الاستقامة (١/ ١٠٥).\n(^٣) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب -ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.","vol":"1","page":426},{"text":"ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^١)\nوهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.\nوهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^٢)\nوأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٣) لا فعل ولا غير فعل. (^٤)\nوالفرق بينهم وبين المعتزلة:\nأن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.\nولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: \"لا تقوم به الأعراض\" وقالوا: \"تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا\".\nووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^٥)\nففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة بالمشيئة. (^٦) (^٧)\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.\n(^٧) -تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:\n١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).\n٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.\n٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.\n٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.","vol":"1","page":427},{"text":"فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^١)، ويقولون: \"لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. (^٢)\nولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف\nكقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (^٣) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (^٤) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.\nوالقسم الثاني: إضافة المخلوق.\nكقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (^٥) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (^٦) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.\nوالقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل.\nكقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٨) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (^٩)\nفهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:\n١ - إما قديمًا قائمًا به.\n٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.\n_________\n(^١) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.\n(^٣) -الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.\n(^٤) -الآية ٥٨ من سورة الذاريات.\n(^٥) -الآية ١٣ من سورة الشمس.\n(^٦) -الآية ٢٦ من سورة الحج.\n(^٧) -الآية ١٦٤ من سورة النساء.\n(^٨) -الآية ١ من سورة المائدة.\n(^٩) -الآية ٩٠ من سورة البقرة.","vol":"1","page":428},{"text":"ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^١) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:\n(١) -إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي (^٢) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٣)\n(٢) -وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^٤)\nفهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: \"إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٥)\n(٣) -أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٦)\nمثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٧)\nوكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^٨)\nونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.\nويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.\nوأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٧) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.\n(^٨) -مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.","vol":"1","page":429},{"text":"فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.\nوأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٢)\nوفي أول القرن الرابع الهجري نشأت بقية فرق أهل الكلام وهم الأشاعرة المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤ هـ) والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣ هـ) وهي الفرق القائمة حتى زماننا هذا.\n٢ الأشعرية:\nيعتبر أبو الحسن الأشعري امتدادًا للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠ هـ -٣٢٤ هـ) كان معتزليًا إلى سن الأربعين، حيث عاش في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها مدة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة، فقد وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته، فنفى كما نفت المعتزلة أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته. كما نفى أيضًا الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها.\nوقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر ويلقى الدروس في الرد على المعتزلة سالكًا هذه الطريقة.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.","vol":"1","page":430},{"text":"ثم التقى بزكريا بن يحي الساجي فأخذ عنه ما أخذ من أصول أهل السنة والحديث (^١)، وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها (^٢) ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى وذلك بآخر أمره.\nولكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام، والصفات الخبرية وغير ذلك (^٣).\nوقال عنه السجزي: \"رجع في الفروع وثبت في الأصول\" (^٤) أي أصول المعتزلة التي بنوا عليها نفي الصفات، مثل دليل الأعراض وغيره (^٥).\nوقال ابن تيمية: \"أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا\" (^٦).\nوقال أيضًا: \"والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك\" (^٧).\nوقد مرت الأشعرية بأطوار ومراحل كان أولها زيادة المادة الكلامية، ثم الجنوح الكبير للمادة الاعتزالية، ثم خلط هذه العقيدة بالمادة الفلسفية.\nفالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه (^٨).\nفقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٩٠٧).\n(^٢) العلو (ص ١٥٠)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٩٠٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٤).\n(^٤) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦٨).\n(^٥) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٣٦٧).\n(^٦) الاستقامة (١/ ٢١٢).\n(^٧) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).\n(^٨) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).","vol":"1","page":431},{"text":"عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء (^١).\nلكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.\nونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.\nوأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة (^٢).\nوهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.\nقولهم في الصفات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:\nفالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.\nفإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.\nوابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.\nوأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (^٣).\nفما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧، ١٤٨).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(^٣) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).","vol":"1","page":432},{"text":"وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^١) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٢) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٣).\nثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.\nوأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^٤) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.\nفالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في \"الإرشاد\" و\"الشامل\" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه \"الشفا\"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.\nوأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^٥).\nوالأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.\n(^٢) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.\n(^٣) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).\n(^٤) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.\n(^٥) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.","vol":"1","page":433},{"text":"القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى أهل السنة والحديث (^١).\nوهناك عدة عوامل أدت إلى انتشار الأشعرية واشتهارها لعل من أبرزها ما يلي:\nأولًا: نشأةُ المذهب في \"بغداد\" التي كانت حاضرة الخلافة العباسية ومحط أنظار طلاب العلم الذين كانوا يفدون إليها من شتى الأقطار، فهذا العامل أدى بدوره إلى تبني البعض للمذهب الأشعري والسعي لنشره في الأقطار الأخرى (^٢) بسبب تواجد كثير من أعيان المذهب الأشعري في بغداد في ذلك الحين.\nثانيًا: التقارب الذي كان موجودًا بين الأشعرية والحنبلية وما نفقت الأشعرية وراجت إلا بتوالفها مع الحنبلية. ولولا ذلك لكان مصيرها مصير المعتزلة الذين كان للحنابلة دور كبير في مقاومتهم والرد عليهم. وقد كان بين الأشعرية والحنبلية شيء من التوالف والمسالمة وكانوا قديما متقاربين.\nفإن أبا الحسن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث، وإمامهم عنده أحمد بن حنبل، وكان عداده في متكلمي أهل الحديث.\nوالأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلي فرع عليهم.\nوإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيري (^٣) وكان تلميذًا لابن فورك الذي كان من أشعرية خراسان الذين انحرفوا إلى التعطيل، فلما صنف القاضي أبو يعلى الحنبلي كتابه «إبطال التأويلات» رد فيه على ابن فورك شيخ القشيري وكان الخليفة وغيره مائلين إليه. فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة (^٤).\nقال ابن تيمية: \" فَالْأَشْعَرِيَّةُ \" وَافَقَ بَعْضُهُمْ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَجُمْهُورُهُمْ وَافَقَهُمْ فِي الصِّفَاتِ الحديثية؛ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ:\no  فَالْأَشْعَرِيُّ والْبَاقِلَانِي وَقُدَمَاؤُهُمْ يُثْبِتُونَهَا.\no  وَبَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِبَعْضِهَا؛\nوَفِيهِمْ تَجَهُّمٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥).\n(^٢) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٤٩٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢ - ٥٤).","vol":"1","page":434},{"text":"• فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ شَرِبَ كَلَامَ الجبائي شَيْخِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنِسْبَتُهُ فِي الْكَلَامِ إلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ؛\n• وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي \" الْإِبَانَةِ \".\n• وَبَعْدَ ابْنِ الْبَاقِلَانِي ابْنُ فورك فَإِنَّهُ أَثْبَتَ بَعْضَ مَا فِي الْقُرْآنِ.\n• وَ\" أَمَّا الجُوَيْنِي \" وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَتَهُ: فَمَالُوا إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْمَعَالِي كَانَ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ أَبِي هَاشِمٍ قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ فَأَثَّرَ فِيهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ.\n• والقشيري تِلْمِيذُ ابْنِ فورك؛ فَلِهَذَا تغلظ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ حِينَئِذٍ وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ تَنَافُرٌ بَعْدَ أَنْ كَانُوا متوالفين أَوْ مُتَسَالِمِينَ.\nوَ\" أَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ:\n• فَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ قَوِيٌّ فِي الْإِثْبَاتِ جَادٌّ فِيهِ يَنْزِعُ لِمَسَائِلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛\n• وَسَلَكَ طَرِيقَهُ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى؛ لَكِنَّهُ أَلْيَنُ مِنْهُ وَأَبْعَدُ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الْإِثْبَاتِ.\n• وَأَمَّا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فَطَرِيقَتُهُ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ الْمَحْضَةِ كَأَبِي بَكْرٍ الآجري فِي \" الشَّرِيعَةِ \" واللالكائي فِي السُّنَنِ وَالْخَلَّالُ مِثْلُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَإِلَى طَرِيقَتِهِ يَمِيلُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمُتَأَخِّرُو الْمُحَدِّثِينَ.\n• [وَ\" أَمَّا التَّمِيمِيُّونَ \" كَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي الْفَضْلِ وَابْنِ رِزْقِ اللَّهِ] (*) فَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ غَيْرِهِمْ وَأَلْيَنُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَتْبَعُهُمْ الصُّوفِيَّةُ وَيَمِيلُ إلَيْهِمْ فُضَلَاءُ الْأَشْعَرِيَّةِ: كالْبَاقِلَانِي وَالْبَيْهَقِي؛ فَإِنَّ عَقِيدَةَ أَحْمَد الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو الْفَضْلِ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا البيهقي مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ مَاشُونَ عَلَى السُّنَّةِ.\n• وَأَمَّا ابْنُ عَقِيلٍ فَإِذَا انْحَرَفَ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ قَوِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْأَشْعَرِيُّ أَحْسَنَ قَوْلًا مِنْهُ وَأَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ. فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ مَا كَانَ يَنْتَسِبُ إلَّا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِمَامُهُمْ عَنْهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ لَمْ يَجْعَلْهُ مُبَايِنًا لَهُمْ؛ وَكَانُوا قَدِيمًا مُتَقَارِبِينَ إلَّا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا قَدْ يُنْكِرُونَهُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ؛ مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِ مَقَالَتِهِ لَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ بَلْ هُوَ مُقَصِّرٌ عَنْهَا تَقْصِيرًا مَعْرُوفًا.","vol":"1","page":435},{"text":"وَ\" الْأَشْعَرِيَّةُ \" فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ السُّنَّةِ فَرْعٌ عَلَى الْحَنْبَلِيَّةِ كَمَا أَنَّ مُتَكَلِّمَةَ الْحَنْبَلِيَّةِ -فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ-فَرْعٌ عَلَيْهِمْ؛\nوَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ فِتْنَةِ القشيري. وَلَا رَيْبَ أَنَّ \" الْأَشْعَرِيَّةَ \" الخراسانيين كَانُوا قَدْ انْحَرَفُوا إلَى التَّعْطِيلِ.\nوَكَثِيرٌ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ زَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ. وَصَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كِتَابَهُ فِي \" إبْطَالِ التَّأْوِيلِ \" رَدَّ فِيهِ عَلَى ابْنِ فورك شَيْخِ القشيري وَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ مَائِلِينَ إلَيْهِ؛ فَلَمَّا صَارَ للقشيرية دَوْلَةٌ بِسَبَبِ السَّلَاجِقَةِ جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ وَأَكْثَرُ الْحَقِّ فِيهَا كَانَ مَعَ الفرائية مَعَ نَوْعٍ مِنْ الْبَاطِلِ وَكَانَ مَعَ القشيرية فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْحَقِّ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ الْبَاطِلِ.\nفَابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ بِسَبَبِ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ التَّبَّانِ المعتزليين؛ وَلِهَذَا لَهُ فِي كِتَابِهِ \" إثْبَاتِ التَّنْزِيهِ \" وَفِي غَيْرِهِ كَلَامٌ يُضَاهِي كَلَامَ المريسي وَنَحْوِهِ لَكِنْ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَامٌ كَثِيرٌ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فِي كِتَابِ \" الْإِرْشَادِ \" مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ فِي الْإِثْبَاتِ لَكِنْ مَعَ هَذَا فَمَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ قُدَمَاءِ الْأَشْعَرِيَّةِ والْكُلَّابِيَة فِي أَنَّهُ يُقِرُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ وَيَتَأَوَّلُ غَيْرَهُ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ الْحَنْبَلِيَّةِ أَنَا أُثْبِتُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ تَعْطِيلِ ابْنِ عَقِيلٍ وَتَشْبِيهِ ابْنِ حَامِدٍ.\n• وَالْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ كَبِيرَةٌ بِسَبَبِ كَلَامِ ابْنِ سِينَا فِي \" الشفا \" وَغَيْرِهِ؛ \" وَرَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا \" وَكَلَامِ أَبِي حَيَّانَ التَّوْحِيدِيِّ. وَأَمَّا الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ فِي كَلَامِهِ فَقَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ كَمَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْفَلْسَفِيَّةَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ قَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ وَكَلَامُهُ فِي \" الْإِحْيَاءِ \" غَالِبُهُ جَيِّدٌ لَكِنَّ فِيهِ مَوَادَّ فَاسِدَةً: مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ وَمَادَّةٌ كَلَامِيَّةٌ وَمَادَّةٌ مِنْ تُرَّهَاتِ الصُّوفِيَّةِ؛ وَمَادَّةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَقِيلٍ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ جِهَةِ تَنَاقُضِ الْمَقَالَاتِ فِي الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكْفُرُ فِي أَحَدِ الصِّفَاتِ بِالْمَقَالَةِ الَّتِي يَنْصُرُهَا فِي الْمُصَنَّفِ الْآخَرِ؛ وَإِذَا صَنَّفَ عَلَى طَرِيقَةِ طَائِفَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهَا.\n• وَأَمَّا ابْنُ الْخَطِيبِ فَكَثِيرُ الِاضْطِرَابِ جِدًّا لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَحْثٌ وَجَدَلٌ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَطْلُبُ وَلَمْ يَهْتَدِ إلَى مَطْلُوبِهِ؛ بِخِلَافِ أَبِي حَامِدٍ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَقِرُّ. (^١) \"\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٦/ ٥١ - ٥٦.","vol":"1","page":436},{"text":"ثالثًا: انتساب بعض الأمراء والوزراء للمذهب الأشعري وتبنيهم له ومن أبرزهم:\nأ الوزير نظام الملك الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة فتولى الوزارة لألب أرسلان وملكشاه مدة ثلاثين سنة وذلك من سنة (٤٥٥ هـ إلى ٤٨٥ هـ).\nوفي عهده أنشئت المدارس النظامية نسبة إليه وذلك في عدة مدن منها البصرة، وأصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وبغداد.\nوكان نظام الملك معظمًا للصوفية والأشعرية، إذ كان هؤلاء الذين يلقون الدروس في هذه المدارس، فكان لذلك دوره الكبير في نشر أصول العقيدة الأشعرية (^١).\nب- المهدي بن تومرت (٥٢٤ هـ) صاحب دولة الموحدين واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة، ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ونشر دعوته بين أناس من البربر وغيرهم من الجهال الذي لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم بعض شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعًا من المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين، وادعى أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ. وعظم اعتقاد أتباعه فيه، واستحلوا بسبب ما علمهم من المعتقد الأشعري والفلسفي دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا على معتقد أهل السنة واتهموهم زورًا وبهتانًا أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة (^٢).\nفكان ابن تومرت هو السبب في إدخال العقيدة الأشعرية في بلاد المغرب التي كانت قبل ذلك سنية سلفية فحسبنا الله ونعم الوكيل.\nج-صلاح الدين الأيوبي، وكان صلاح الدين الأيوبي أشعريًا، فقد حفظ في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري أحد أعلام الأشعرية وصار يحفظها صغار أولاده، ولذلك نشأ هو وأولاده على المعتقد الأشعري، فحمل صلاح الدين الكافة على عقيدة أبي الحسن الأشعري، وتمادى الحال على ذلك في جميع أيام ملوك بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك (^٣).\n_________\n(^١) انظر موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٥٠٠).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٥).\n(^٣) الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٨).","vol":"1","page":437},{"text":"وقد كان لذلك دوره الكبير في نشر الأشعرية في سائر أنحاء العالم الإسلامي، فمصر التي كانت مقر الدولة الأيوبية كانت هي حاضرة العلم في تلك العصور وقد كان للأزهر دور كبير في نشر العقيدة الأشعرية التي ادخلها صلاح الدين في مصر بعد أن قضى على الدولة العبيدية الإسماعلية، ومنذ زمن صلاح الدين والأزهر يقرر عقيدة الأشاعرة إلى يومنا هذا.\nوالأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكثير من مسائل الاعتقاد.\nومنها على سبيل المثال:\n١ أن مصدر التلقي عندهم في قضايا الإلهيات (أي التوحيد) والنبوات هو العقل وحده، فهم يقسمون أبواب العقيدة إلى ثلاثة أبواب: إلهيات، نبوات، سمعيات، ويقصدون بالسمعيات ما يتعلق بمسائل اليوم الآخر من البعث والحشر والجنة والنار وغير ذلك.\nوسموها سمعيات لأن مصدرها عندهم النصوص الشرعية وأما ما عداها أي الإلهيات والنبوات فمصدرهم فيها العقل.\n٢ زعمهم أن الإيمان هو مجرد التصديق، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان.\n٣ بناءً على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا توحيد الألوهية من تقسيمهم للتوحيد، فالتوحيد عندهم هو أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا نظير له. وهذا التعريف خلا من الإشارة إلى توحيد الألوهية، فلذلك فإن أي مجتمع أشعري تجد فيه توحيد الإلهية مختلًا، وسوق الشرك والبدعة رائجة لأن الناس لم يعلّموا أن الله واحد في عبادته لا شريك له.\n٤ وبناءً كذلك على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا الاتباع من تعريفهم للإيمان بالنبي ﷺ فحصروا الإيمان بالنبي في الأمور التصديقية فقط، ومن أجل ذلك انتشرت البدع في المجتمعات الأشعرية.\n٥ خالفوا أهل السنة في أسماء الله وصفاته وهذا سيأتي بيانه.\n٦ خالفوا أهل السنة في باب القدر، فقولهم موافق لقول الجبرية.\n٧ خالفوا أهل السنة في مسألة رؤية الله من جهة كونهم يقولون يرى لا في مكان.\n٨ خالفوا أهل السنة في مسألة الكلام، فهم لا يثبتون صفة الكلام على حقيقتها بل يقولون بالكلام النفسي. إلى غير ذلك من أنواع المخالفات.","vol":"1","page":438},{"text":"٣ الماتريدية:\nتعد الماتريدية شقيقة الأشعرية، وذلك لما بينهما من الائتلاف والاتفاق حتى لكأنهما فرقة واحدة، ويصعب التفريق بينهما. ولذلك يصرح كل من الأشاعرة والماتريدية بأن كلًا من أبى الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي هما إماما أهل السنة على حد تعبيرهم (^١).\nولعل هذا التوافق مع كونه يرجع إلى سبب رئيسي وهو توافق أفكار الفرقتين وقلة المسائل الخلافية بينهما وخاصة مع الأشعرية المتأخرة، إلا أن هناك أسباب مهمة يرجع إليها ويجب اعتبارها وأخذها في الحسبان ولعل أهمها التزامن في نشأة الفرقتين مع كون كل فرقة استقلت بأماكن نفوذ لم تنازعها فيها الفرقة الأخرى. فالماتريدية انتشرت بين الأحناف الذين كانوا متواجدين في شرق العالم الإسلامي وشماله فقل أن تجد حنفيًا على عقيدة الأشاعرة إلا ما ذكر من أن أبا جعفر السمناني -وهو حنفي-كان أشعريًا.\nبينما نجد الأشعرية قد انتشرت بين الشافعية والمالكية وهم اليوم يتواجدون في وسط وغرب وجنوب وجنوب شرق العالم الإسلامي، فجل الشافعية والمالكية على الأشعرية. ولست أعني بذلك عوامهم وإنما الطبقة المثقفة منهم.\nوالماتريدية تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣ هـ) (^٢) كان معدودًا في فقهاء الحنفية، وكان صاحب جدل وكلام ولم يكن له دراية بالسنن والآثار (^٣)، وقد نهج منهجًا كلاميًا في تقرير العقيدة يشابه إلى حد كبير منهج متأخري الأشاعرة، وعداده في أهل الكلام من الصفاتية من أمثال ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما. وقد تابع الماتريدي ابن كلاب في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها (^٤).\nومن المعلوم أن الأحناف وأهل المشرق عمومًا كانوا من أسبق الناس تأثرًا بعلم الكلام، فقد كانت بداية الجهم من تلك الجهات، وفي هذا يقول الإمام أحمد في معرض كلامه عن الجهم: \"وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب\n_________\n(^١) مفتاح السعادة (٢/ ١٥١، ١٥٢) تأليف: طاش كبرى زاده\n(^٢) انظر ترجمته في كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات (١/ ٢٠٩) للدكتور شمس الدين الأفغاني.\n(^٣) العقيدة السلفية في كلام رب البرية (ص ٢٧٩) تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٣)، كتاب الإيمان (ص ٤١٤)، منهاج السنة (٢/ ٣٦٢).","vol":"1","page":439},{"text":"عمرو بن عبيد بالبصرة. \" (^١).\nفبشر بن غياث المريسي (٢٢٨ هـ) والقاضي أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠ هـ) وغيرهما كانوا من الأحناف، فلا غرابة أن يكون الماتريدي الحنفي من أولئك الذين ناصروا علم الكلام وسعوا في تأسيسه وتقعيده، إلى أن أصبح علمًا من أعلامه وصاحب إحدى مدارس الكلام التي صارت فيما بعد تعرف باسمه.\nفالماتريدي لا يبعد كثيرًا عن أبي الحسن الأشعري (في طوره الثاني) فهو خصم لَدُود للمعتزلة، إلا أنه كان متأثرًا بالمنهج الكلامي على طريقة ابن كلاب من الاعتماد على المناهج الكلامية في تقرير المسائل الاعتقادية شأنه في ذلك شأن أبي الحسن الأشعري، فكلاهما يعتبر امتدادًا لمدرسة ابن كلاب التي عرفت كمدرسة ثالثة بعد أن كان الخلاف دائرًا بين أهل السنة والجماعة من جهة، والجهمية والمعتزلة من جهة أخرى، فجاء ابن كلاب وأحدث منهجًا ثالثًا حاول فيه التلفيق بين النصوص الشرعية والمناهج الكلامية كما سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن الكلابية.\nفالمذهب الكلابي كان له وجوده في العراق والري وخراسان وكان له انتشار في بلاد ما وراء النهر التي كانت تغص بمختلف الطوائف والفرق (^٢).\nولم تتعرض الماتريدية للتطور الذي حصل على العقيدة الأشعرية والذي سبق بيانه في الحديث عن الأشعرية فالماتريدية بقيت على ما كانت عليه.\n_________\n(^١) الرد على الجهمية (ص ١٠٣ - ١٠٥).\n(^٢) انظر أحسن التقاسيم للمقدسي (ص ٣٢٣).","vol":"1","page":440},{"text":"(٧٣) \"والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا، بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه.\n\n(٧٤) وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد.\nويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب.\n\n(٧٥) فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به.\n\n(٧٦) وأيضًا: فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهل الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟، ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النفاةُ لأهل الإثبات، مثل: لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].\nوقولهم: استراح لما خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].\n\n(٧٧) والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان\".\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":441},{"text":"يقول المصنف: \"والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء\" يقصد المتكلمة ولم يقصد المؤلف بتأليف هذه الفتوى الرد على الفلاسفة، فالفلاسفة لهم ردٌ آخر، فهو أراد أن يرد على أهل الكلام.\nوقوله: \"إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا\" أي أن قول الفلاسفة وكلامهم واضح البطلان، ونفور الناس عنه مشهور.\nوقوله: \"بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة\" أي بخلاف أهل الكلام فإنهم تظاهروا بنصر السنة، بل وتظاهروا أنهم ضد الفلاسفة ولهم ردود وكتبٌ في ذلك.\nوقال المصنف: \"وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه. \" فأعظم القضايا التي فيها النزاع مع الفلاسفة هي مسألة المعاد، وحشر الناس، وتكلم هؤلاء فيها كثيرًا وردوا على الفلاسفة، والفلاسفة ردوا عليهم في مسألة الصفات، فيقول: أولئك الفلاسفة في رد نصوص الميعاد بنظير ما ادعاه أهل الكلام في نصوص الصفات أي إذا كنتم لا تقبلون الاستدلال بالنصوص في باب الصفات فمن باب أولى ألا يقبل الاستدلال بالنصوص في باب المعاد، فلم يكن عند أهل الكلام من جواب إلا أن قالوا: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فاحتجوا بالنصوص في إثبات المعاد.\nوقول المصنف: \"وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد\".\nفبالتالي أهل السنة يحتجون على أهل الكلام بجنس دليلهم، فيقولون: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد إلى آخر الكلام الذي قاله المصنف في هذه المسألة، كل هذا في تقرير أن الأصل في المسألتين واحد، وكلا المسألتين من الأمور المعلومة بالاضطرار من دين الرسول ﷺ.\nفإن كنتم أجزتم التأويل في الصفات فينبغي كذلك أن تجيزوا التأويل في المعاد،","vol":"1","page":442},{"text":"فتشاركون الفلاسفة أو يكون الأمر أنكم تقرُّون صفات ما تقرون به في الميعاد فتكونون في أهل السنة، وأنتم لا الإسلام نصرتم، لا كنتم مع أهل السنة الذين نصروا الإسلام، ولا الفلاسفة كسرتم؛ لأنكم وافقتموهم في شيء وخالفتموهم في شيء، ووافقتم أهل السنة في شيء وخالفتموهم في شيء.\nفلا كسرتم الفلاسفة ولا نصرتم الإسلام بهذا، بل قولكم أصبح حجة للفلاسفة عليكم، فمثل هذا ينبغي أن يواجه به كل متكلم من الأشاعرة وغيرهم، فقل له: لماذا أنت في نصوص الميعاد تقبل هذه النصوص على ظاهرها، ولا تقبل ذلك في نصوص الصفات، فلماذا فرَّقت بين الأمرين، ولماذا أنت عندما يأتي النقاش مع الفيلسوف تحتج بمثل هذا في نصوص الميعاد وتترك ذلك في نصوص الصفات؟\nوقوله: \"وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد.\nويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب\".\nأراد المصنف هنا أن يقرِّر أن الأمر واحد، بل إن نصوص الصفات أكثر وأعظم من نصوص المعاد، وهؤلاء، يعني مشركو العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد وقد أنكروه على الرسول، (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) يس ٧٨، ولكن ما أنكروا الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحدٌ من العرب شيئًا من الصفات.\nوقوله: \"فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به\".\nأي فعُلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم وقوعًا عند المنكرين من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟\nيعني كيف يقبل هذا في المعاد ولا يقبل في الصفات؟، فإذًا أنتم فرَّقتم بين النصوص، فقبلتم ذلك في المعاد ولم تقبلوه في الصفات، مع أن نصوص الصفات أوضح، وأكثر في النص،\nوقوله: \"وأيضًا: فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهل الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم","vol":"1","page":443},{"text":"أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟، ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النفاةُ لأهل الإثبات\"\nأي قد عُلم أنه ﷺ ذم أهل الكتاب على ما بدَّلوه وحرَّفوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات فلو كان هذا مما حُرِّف وبُدِّل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يعني يضحك ويتعجب منهم تصديقًا له.\nألم يأتي ذلك اليهودي إلى النبي ﷺ وقال: يا محمد إن الله يُمسك السموات على أصبع، والجبال على أصبع والشجر على أصبع والخلائق على أصبع،، حتى بدت نواجذه.\nفكان ﷺ لم يعبهم قط على ما ذكروه في هذا، كما يعيب هؤلاء على أهل الإثبات، فعندما تُذكر هذه النصوص يقولون: مشبِّهة مجسِّمة حشوية، هكذا ينبزون أهل السنة بألفاظ التجسيم والتشبيه.\nفالعيب وقع على اليهود لما وصفوا الله بالنقص، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، لو كان في إثبات اليدين أو في إثبات الوجه أو في إثبات الأصابع نقص لنفاه الله ﷾، فهل يُعقل أنه يَذُمُّ الواصفين له بالنقص، ثم في نفس الوقت يصف نفسه بالنقص؟، ألا يكون هذا تناقضًا؟، فكيف يظنُّ من يصف نفسه بوصف ثم يمدح نفسه بأمرٍ هو في حقه نقص كما زعم هؤلاء.\nففي أول الآية، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، أليس هذا ذم لهم؟ ثم قال بعدها ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فكيف يذم الواصفين له بالنقص ثم يصف نفسه بالنقص لو كان في إثبات اليدين نقص، هل يُعقل هذا؟ فهذا لا يمكن أن يقبله عاقل.\nوقوله: \"والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان\".\nأي أن التوراة مملوءة بذكر الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، مع أن التوراة ليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا أجاز أن تتأوَّل الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى.\nوالثاني: مما يُعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل، فالأوَّل أولى بالبطلان،","vol":"1","page":444},{"text":"إما أن يجمعوا بين المسألتين، أو يعني يكونون على الباطل، فلماذا يقبلون التأويل في الصفات ويتركون التأويل في نصوص المعاد؟، فهذا من الأمور التي يُحتج بها على هؤلاء.","vol":"1","page":445},{"text":"(٧٨) \"وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل: فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف. يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني [تلك] الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك.\nوكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول تكلم بهذا ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه.\nوهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنه وقف كثير من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وهو وقف صحيح [لكن] لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعمله، وظنوا أن التأويل [المذكور] في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك.\n<hr><s0>\n\nمن الافتراءات التي أُلصقت بمذهب السلف أهل السنة والجماعة، أنهم يؤمنون بألفاظٍ مجرَّدة دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم مذهب التفويض، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت»، وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.\nوهذا الزعم فيه تجهيل للسلف، واتهام لهم بعدم العلم، وحقيقة الأمر أن السلف كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا للنصوص الشرعية، وبخاصة ما يتعلق منها بمعرفة الله ﷿، يؤمنون بألفاظها، ويعرفون معانيها، لكن لم يكونوا يتكلفون ما لم يحيطوا به علمًا ولا فهما، ولا يخوضون في كيفية ذات الله ﷿ وصفاته.\nفالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.\nوهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.","vol":"1","page":446},{"text":"فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.\nومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١).\nومن له اطِّلاع على أقوال السلف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث، يدرك أن السلف تكلموا في معاني نصوص الصفات، وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال أكبر شاهدٍ على فهم السلف لتلك النصوص وإدراك معانيها (^٢).\nودعوى تفويض معاني النصوص دعوى مرفوضة وهي دليل على جهل المخالفين بأقوال السلف في هذا الباب.\nوقد حاول أولئك تمرير هذا الباطل تحت عدد من المسميات، فقد أثاروا هذه المسألة تحت قضية المحكم والمتشابه، وتحت دعوى التأويل، وتحت دعوى المجاز، وتحت دعوى التفويض، وغيرها من المسائل.\nأشار المصنف هنا بشيء من الإجمال إلى أصحاب هذا القول، وبين في أخر الفتوى الحموية تفاصيل بعض قولهم فقال: \"وأما القسمان الواقفان:\n- فقسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\n- وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات\".\n_________\n(^١) الآية ١٧٦ من سورة البقرة\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ٧/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"1","page":447},{"text":"الواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:\n- قسم يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين، يجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.\n- وقسم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.\nويذكر شيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: \"هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعا بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد إنما هي نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى.\nوهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها.\nالأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا\nالملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.\nالثانية تقول: بل تحري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.\nوهم أيضا طائفتان؛ من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص\nالأولى تقول: إن الرسول ﷺ كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم.\nوالثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة.\nوعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل","vol":"1","page":448},{"text":"الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) (^١).\nويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل ما لا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) (^٢)\nوهذه الشبه سيرد عليها المصنف في النصوص الآتية وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: بيان أن النصوص معلومة المعنى، وذلك من خلال بيان معاني لفظ (التأويل) والمقصود منه.\nوالوجه الثاني: النقول الواردة عن سلف الأمة في بيان معاني نصوص الصفات وتفسيرهم لها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.\n(^٢) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٢٠٤.","vol":"1","page":449},{"text":"(٧٩) \"فإن التأويل يراد به ثلاث معان:\nفالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك.\nفلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلًا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلًا مخالف لمدلولها لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه المتأولون.\nثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد. مع قولهم: إن لها تأويلًا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم.\nوالمعنى الثاني: [أن] التأويل هو تفسير الكلام، سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق، وابن قتيبة وغيرهم.\nوكلا القولين حق باعتبار، كما قد بسطناه في مواضع أُخَر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق.\nوالمعنى الثالث: أن التأويل: هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك، هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":450},{"text":"وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.\nفتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف كمالك وغيره: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول» فالاستواء معلوم يعلم معناه وتفسيره ويترجم بلغة أخرى، وأما كيفية ذلك الاستواء، فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.\nوقد رُوي عن ابن عباس ﵁ ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: «تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ﷿ من ادعى علمه فهو كاذب.\nوهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال النبي ﷺ: «يقول الله: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْن رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْب بَشَر».\nوكذلك عِلْم الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يُقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا».\nوقال مجاهد: «عرضتُ المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية أسأله عنها».\nوقال الشعبي: «ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها».\nوقال مسروق: «ما قال أصحابُ محمد ﷺ عن شيء إلا وعِلْمُه في القرآن، ولكن عِلْمُنا قَصُرَ عنه».\nوهذا بابٌ واسعٌ قد بُسط في موضعه.\"\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"1","page":451},{"text":"بين المصنف أن التأويل يراد به ثلاثة معانٍ:\nالأول: تفسير اللفظ وبيان معناه، وهذا اصطلاح السلف، وجمهور المفسرين، وهو موافق لقول من قال بالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (^١).\nالثاني: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهي وقوع المخبر به في وقته الخاص إذا كان الكلام خبرًا، أو امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلبًا، وهذا اصطلاح آخر قال به السلف الصالح.\nالثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، وهذا اصطلاح كثير من المتأخرين (^٢).\nولفظ التأويل في القرآن يراد به:\nأولًا: ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر.\nثانيًا: ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقًا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره.\nوأما القسم الثالث الذي يراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح لدليل يقترن بذلك.\nفتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الأول أو الثاني.\nولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران: ٧، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه \"الآيات\n_________\n(^١) الآية [٧] من سورة آل عمران.\n(^٢) انظر: في هذه التعريفات: الفتوى الحموية ص (٧٠ - ٧١)، التدمرية ص (٩٠ - ٩٦)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٨ - ٢٩٤).\nوللتوسع انظر: جناية التأويل الفاسد ص (٨ - ٣٠)، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ص (٤٨١ - ٥٠١).","vol":"1","page":452},{"text":"والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمدًا ﷺ ولا غيره من الأنبياء، ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمدًا ﷺ كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه: ٥ قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر: ١٠ وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة: ٦٤ وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول: \"ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا\" ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.\nقال ابن القيم: «والمقصود أن التَّأْوِيل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتَّحْرِيف.\nفتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التَّحْرِيف هو الباطل.\nفتأويل التَّحْرِيف مِنْ جنس الإلحاد؛ فإنه هو الميلُ بالنصوصِ عن ما هي عليه، إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها، وكذلك الإلحاد في أسماء الله يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارةً يكون بإنكار المسمَّى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها.\nفالتَّأْوِيل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سماه أصحابه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.\nفمِن تأويل التَّحْرِيف والإلحادِ تأويلُ الجهمية قولَه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: جَرَحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا.\nومن تحريف اللفظ إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: (وكلَّم اللهَ) أي: موسى كلم اللهَ، ولم يكلمه اللهُ، وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم.\nولما حرَّفها بعضُ الجهمية هذا التَّحْرِيف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنعُ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فَبُهِتَ المحرِّف.\nومن هذا أنَّ بعض الفرعونيَّة سأل بعضَ أئمة العربية هل يمكن أن يُقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ وقصد الفرعونيُّ بهذا التَّحْرِيف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق، لا للخالق.\nولو تَيَسَّر لهذا الفرعوني هذا التَّحْرِيف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الصفات» (^١).\n_________\n(^١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥ - ٢١٨).","vol":"1","page":453},{"text":"(٨٠) \"والمقصود هنا التنبيه على أُصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أُنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بيانًا للناس.\n\n(٨١) ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأمته في باب معرفة الله ﷿ لا علومًا عقلية ولا سمعية، وهم قد شاركوا في هذا الملاحدة من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوه إلى الرسول ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة\".\n<hr><s0>\n\nفبعد أن بين المصنف-رحمه الله تعالى-أقسام أهل التعطيل وبين مسالكهم في تعطيلهم نبَّه هنا إلى أمرٍ هام، وهو: أن تلك المقالات الفاسدة أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان، الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وكذلك في تلك المقالات هدمٌ لأصلي الدين، وهدمٌ للأمور التي يُستمد منها هذا الدين.\nولذلك رحم الله السجزي في رسالته إلى أهل زبيد، لما أرسل إليه بعض أهل السنة من أهل زبيد يسألونه في مسألة الحرف والصوت، فذكر في هذه الرسالة في رسالته إلى أهل زبيد الرد على من أنكر الحرف والصوت، أرسل إليهم وبين لهم قواعد بها يعرف الإنسان من على السنة ومن ليس على السنة.\nفقال-﵀-في أول ما قال:\n\"ولا خلاف بين المسلمين في أن كتاب الله لا يجوز رده بالعقل. بل العقل دل على وجوب قبوله والائتمام به، وكذلك قول الرسول ﷺ إذا ثبت عنه لا يجوز رده، وأن الواجب رد كل ما خالفهما أو أحدهما.\nواتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى: \" ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾","vol":"1","page":454},{"text":"فلمّا علمنا بوجود العقل قبل الإِرسال، وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا أن الحجّة هي ما ورد به السمع لا غير.\nوقد اتفقنا أيضًا على أن رجلًا لو قال: العقل ليس بحجّة في نفسه وإنما يعرف به الحجّة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجّة علينا بنفسه، كان كافرًا مباح الدم.\nفتحققنا أن الحجّة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير.\nووجدنا أيضًا القائلين بالعقل المجرّد وأنه أوّل الحجج مختلفين فيه، كلّ واحد يزعم أنّ الحقّ معه وأنّ مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه،\nونجدهم أيضًا يقولون اليوم قولًا يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجّة في نفسه.\nووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه.\nوقد وجب علينا الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجّة فيه لا في مجرّد العقل.\nوإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله وبيّن أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل لأنّ العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك؛ وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى. (^١) \"\nوقال ﵀: \"اعلموا رحمكم الله أنّ السنة في لسان العرب هي: الطريقة فقولنا: سنّة رسول الله ﷺ يعني: طريقته، وما دعا إلى التمسك به ولا خلاف بين العقلاء في \"أن سنّة الرسول ﵇ لا تعلم بالعقل وإنما تعلم بالنقل.\nفأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول ﷺ أو عن أصحابه ﵃ فيمالم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ لأنهم ﵃ أئمة، وقد أمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى إقامة برهان. والأخذ بالسنّة واعتقادها مما لا مرية في وجوبه.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾، وقال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت: ص: ١٣٤ - ١٣٩.","vol":"1","page":455},{"text":"\" عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة \" وقال عبد الله بن عمر ﵄: \"من خالف السنّة كفر\" (^١)\n\"وإذا كان الأمر كذلك فكلّ مدع ١ للسنّة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك عُلِم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ وأنه لا يستحق أن يصغا ٢ إليه أو (يناظر) ٣ في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم ٤ لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي/ وقال الجبائي ٥ فأقل ما يلزم المرء في بابهم أن يعرض ما قالوه على ما جاء عن النبي ﷺ، فإن وجده موافقًا له\"\n\"ومستخرجًا منه قبله، وإن وجده مخالفًا له رمى به ١.\nولا خلاف أيضًا في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ، لا يسمى محدثًا بل يسمى سنّيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولا وزعم أنه مقتضى عقله، وأنّ الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علمًا وعقله موجب للعلم، يستحقّ أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أوّل وهله ويعلم أن أهل السنّة نحن دونهم وأنّ المبتدعة خصومنا دوننا. وبالله التوفيق\" (^٢)\nوهكذا بدأ السجزي في رسالته إلى أهل زبيد يؤصِّل أصولًا لكي يقف بها طالب العلم على حقيقة أقوال المخالفين وحقيقة بُعدِها عن الكتاب والسنة.\nوهكذا ينبغي لطالب العلم أن ينظر في هذا الكتاب، لأنه عقد فيه فصولًا تستطيع بها أن تميز بين أهل السنة وبين غيرهم، وتستطيع كذلك أن تجابه بها أي معترض، وأي مبتدع، ثم إن المبتدع غالبًا يحاول أن يُلقي ظلالًا من الشك، أو يُلقي بعض الشُبه لكي تصدَّ طالب العلم المبتدئ عن الحق.\n_________\n(^١) \"ذكره الهيثمي عن مورق قال: \"سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنّة كفر، وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح \" أ. هـ. مجمع الزوائد ٢/ ١٥٤ - ١٥٥، ولم أجده في المطبوع من المعجم. \"\n(^٢) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت: ص ١٤٢ - ١٤٧.","vol":"1","page":456},{"text":"فيقول السجزي: إن أهل البدع يشوِّشون على المبتدئين وعلى عامة الناس، لكن من طبق هذه القواعد يستطيع بذلك أن يميز بين الحق والباطل، لذلك ينبغي علينا أن نحرص على مثل هذا الكتاب وعلى قراءته، لأنه يعرض لنا نموذجًا من الخلاف الحاصل بين أهل السنة وبين المبتدعة.\nفالمصنف كما بين وقال: هؤلاء دائمًا يشككون في النصوص ولا يستندون إليها ويطعنون فيها، وبالتالي إذا حيل بينك وبين الأصل واستطاع هؤلاء أن يصدوك عن الحق تصبح بعد ذلك عرضة لأهل الباطل ولشبههم وأقوالهم.","vol":"1","page":457},{"text":"(٨٢) فقال هنا: \"والمقصود هنا التنبيه على أُصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أُنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بيانًا للناس\".\n<hr><s0>\n\nفهذا هو شأنهم مع الأصل ومع النصوص، يحاولون التشكيك في دلالتها والتشكيك في ثبوتها، وحتى التشكيك في قائلها الذي هو النبي ﷺ.\nثم هؤلاء يُنكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم في باب معرفة الله ﷿ لا علومًا عقلية ولا سمعية لأنهم يقولون: إن هؤلاء مفوضة كانوا يقرؤون هذه النصوص ولا يدرون ما هي معانيها.\nفهكذا يستمر هجومهم على الحق وعلى القائلين به، وهؤلاء جعلوا النبي ﷺ وجعلوا سلف الأمة أُناسًا يقرؤون القرآن ولا يفقهون معناه، وأنهم هم الذين استطاعوا أن يفقهوا تلك المعاني وأن يعرفوها، فهؤلاء كما يقول المصنف شاركوا الملاحدة من وجوهٍ متعددة، فإذا كان الملاحدة يقولون: هذه خيالات فأيضًا هؤلاء شاركوهم في بعض الأحيان في ذلك، فيقولون: إنما قال النبي ﷺ هذه الأمور من باب أن يخاطب هؤلاء بما يعقلون.\nفيقولون: إن النبي ﷺ خاطبهم بذكر الاستواء وذكر اليد، وذكر الرضا وذكر الغضب وغير ذلك لأن هؤلاء لا يؤمنون إلا بهذا الأسلوب، فهذا وجه مشاركة بين الأشاعرة أهل الكلام وبين الملاحدة من الفلاسفة، ولاشك أنهم مخطئون فيما نسبوه إلى النبي ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة.","vol":"1","page":458},{"text":"(٨٣) \"ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم\".\n<hr><s0>\n\nفبعد أن أصل المصنف لمنهج السلف وبين حال المنحرفين عن هذا المنهج، انتقل إلى ذكر ألفاظ السلف، والمقولات عن السلف؛ لأنه للأسف مرَّت فترة من الزمن عمت فيها الأشعرية والماتريدية وانتشرت بسبب تمكين بعض السلاطين لها كما أسلفنا، وبالتالي نتج عن ذلك البعُدٌ عن كتب السلف، وعن تركٍ للمعتقد الصحيح.\nوحتى لا يقول القائل هذا الكلام من أفكار ابن تيمية ومن آرائه الخاصة، هذا الكلام ما كان عليه السلف الصالح، فالمصنف هنا يريد أن يوصل القارئ بكلام السلف ليعرف حقيقة أقوال السلف، ويزيل عنها التشويه الذي أراد هؤلاء أن يلحقوه بمذهب السلف وبمعتقدهم؛ لأن هؤلاء نشروا أن معتقد السلف هو التفويض وأنهم كانوا يقرؤون النصوص ولا يفقهون معانيها.\nفبدأ المصنف هنا وسيستمر ذلك في جُلِّ الكتاب على هذا المنوال، في سائر الكتاب إلا في صفحات قليلة في آخره سيستمر على هذه النقول، وهذا فيه ردٌ على من يقول من المبتدعة اليوم هذه أفكار ابن تيمية وأراء ابن تيمية، وابن تيمية بذلك شذَّ وخرج عما عليه أهل السنة والجماعة، وأنت ترى أن مِنْ منهج شيخ الإسلام ابن تيمية وهذه طريقته في سائر كتبه، إذا أراد أن يقرر الحق في مسألة من المسائل يرجع بك إلى أصولها فتنبه لهذا.\nعندما تقرأ في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عليك أن تعلم أن من طريقته في كل مسألة وقع فيها اختلاف، اعتماده الخطوات الآتية:\nأولًا: يؤصل للمسألة بحيث يبين أصول أهل السنة فيها والتي تتمثل بالرجوع إلى الكتاب السنة وفق فهم السلف الصالح.\nثانيًا: يبين معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مستدلًا لذلك بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، فهذا هو معتقد أهل السنة: كتابٌ وسنة وفق فهم سلف الأمة،","vol":"1","page":459},{"text":"ثالثًا: يبين أقوال المخالفين يتعرض للشُبهة التي يحاول هؤلاء أن يلحقوها بالحق، ثم بعد ذلك من منهجه أنه يردُّ على الأُسُسَ التي اعتمدها أولئك في باطلهم.\nفهذه طريقته وهذا منهجه في سائر المسائل التي يتكلم عنها، فهو من جهة يعيد الأمر إلى أصله وأساسه ويحيي ما اندثر من علم السلف، وهذه قضية ميزت كلام وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فامتاز بذلك أنه في سائر كتبه إذا ناقش مسألة من المسائل فإنه يعيدك إلى أصولها حتى تفهم أن هذا هو قول الله فيها، وهذا هو قول رسوله ﷺ، وهذا قول السلف الصالح.\nفهنا يقول: \"ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم\". فهذا إحياءٌ لمذهب السلف.","vol":"1","page":460},{"text":"(٨٤) \"روى أبو بكر البيهقي في \"الأسماء والصفات\" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: \"كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته\" (^١).\n\n(٨٥) فقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش، وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك.\n\n(٨٦) وروى أبو بكر الخلال في \"كتاب السنة\" عن الأوزاعي قال: \"سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت\".\n<hr><s0>\n\nنقل المصنف عن البيهقي الذي نقل عن الأوزاعي، والأوزاعي هو الأوزاعي الذي له وزنه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، فانظر إلى هذا النص: \"كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته\".\nفهو هنا فسَّر الاستواء وأثبت الفوقية، لأن استوى بمعنى علا وارتفع، فالله ﷾ عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، فهذا هو منهج السلف الصالح، كنا والتابعون متوافرون نقول: أن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. فهل يقال بعد ذلك هذا تفويض للاستواء وللعلو كما يزعم المعطلة.\nفهذا نقلٌ من النقول عن أحد أئمة السلف وهو الأوزاعي، الذي يقول عنه المصنف: \"أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل\n_________\n(^١) انظر كتاب الأسماء والصفات صفحة (٣٠٤).","vol":"1","page":461},{"text":"الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق\"، فهذا يعني شهرة هذا القول الذي نقله الأوزاعي في الإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، والإيمان بالصفات التي جاءت بها النصوص.\nفقوله هنا: \"ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته\" فيه رد على المعطلة، فمثلًا الأشاعرة يقولون لا نؤمن إلا بالصفات العقلية، لأن الصفات السبع الذي يجمع بينها عندهم كونها صفات دل عليها العقل، أما ما لا يدل عليه العقل فهذا لا يثبتونه (^١).\nوقال المصنف: \"وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك\"، فالجهم ظهر في أواخر عصر التابعين، والأوزاعي في عصر تابعي التابعين، فذكر هذا ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا.\nفهذا نقلٌ من النقول فيه:\n• إثبات للاستواء بل تفسيرٌ له.\n• الإيمان بجميع ما جاءت به السنة من الصفات.\n• أن السنة هي مصدرٌ من المصادر التي يُعتمد عليها في هذا الباب.\nفهذه بعض الفوائد في هذا النقل.\nوذكر نقلًا آخر عن الأوزاعي كذلك فقال: \"وروى أبو بكر الخلال في \"كتاب السنة\" عن الأوزاعي قال: \"سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت\" (^٢). يحاول بعض المعطلة أن يأخذ أمثال هذه النصوص ويقولون: انظر هذا\n_________\n(^١) يُثبت الأشاعرة لله ﷿ سبع صفات فقط، وينفون الباقي، وهي: (الحياة والسمع والعلم والكلام والإرادة والبصر والقدرة)، على خلافٍ مع أهل السُّنَّةِ في كيفية الإثبات؛ فهم يُثبتون إثباتًا ذاتيًّا لا فعليًّا؛ فيقولون: كلام الله نفسيٌّ في ذاته بلا لفظ، وهذا الذي في المصاحف فهو مَخلوق يُعَبِّر عن كلام الله. وقد جُمعت هذه الصفات السَّبع في قول ناظمهم:\nحيٌ عليمٌ قديرٌ والكلام له … إرادة وكذاك السمع والبصر\nانظر: «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى»، لابن عثيمين (ص ٨٢).\n(^٢) روى الخلال في «السنة» (١/ ٢٥٩) عن الوليد بن مسلم قال: سألت سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث! فقالوا: نُمِرُّها كما جاءت». هذا في أحاديث الصِّفات، وهو مذهب السلف: إثبات حقيقتها ونفي علم الكيفية»، ورواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٧٧) عن الوليد بن مسلم أيضًا، قال: «سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التَّشبيه! فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفية».","vol":"1","page":462},{"text":"نقلٌ عن السلف يقولون: أمروها كما جاءت، أي على حد تفسيرهم لهذا أنهم يقولون: اقرؤوها بدون فهم وبدون معنى.\nولكن بلا شك أن هذا ليس مقصود السلف، وهذا الغمز منهم وحمل هذا القول على هذا الزعم، هو زعمٌ باطلٌ فالتفويض نوعان:\nالنوع الأول: تفويض في المعنى.\nالنوع الثاني: تفويض في الكيفية.\nفتفويض المعنى هذا ليس من منهج ومعتقد السلف الصالح، بدليل: أن السلف فسروا نصوص الصفات، وهذه كتب التفسير وكتب الحديث، تشهد أنهم يفسرون معاني النصوص، فقد سبق أن ذكرنا لكم عن مجاهد كما ذكر البخاري في صحيحه أنه لما جاء إلى معنى الاستواء قال: استوى: علا وارتفع (^١)، ومجرد إلقاء نظرة على كتب التفسير للمأثور وكتب الحديث وكتب العقائد التي نقلت من المأثور، تجد أن السلف لم يريدوا تفويض المعنى ولم يذهبوا إليه.\nوإنما قالوا: مثل هذه العبارات ردًا على المعطلة الذين حرَّفوا وأوَّلوا، فلما حرَّف أولئك وأوَّلوا قال السلف: \"أمروها كما جاءت\" (^٢) أي لا تأوِّلوها، أي لا تحرِّفوها عن معانيها، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فلو كان السلف مفوِّضة لمَّا ثبت عنهم تفسير هذه الصِّفات وإثبات معانيها.\nوارجع لصحيح البخاري، أو ارجع إلى تفسير الطبري، أو ارجع إلى الكتب التي حوت أصول أهل السنة، تجد أنهم لم يريدوا هذا، فهذا الأوزاعي بنفسه كما نقل المصنف عن البيهقي يقول: نؤمن بأن الله فوق عرشه، فهل هذا يكون مفوضًا؟\n_________\n(^١) انظر: «صحيح البخاري» (٩/ ١٢٤)، في ترجمة باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]، ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩])، من كتاب (التوحيد).\n(^٢) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٣).","vol":"1","page":463},{"text":"(٨٧) \"ورُوي أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: \"سألتُ مالكَ بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمِرَّها كما جاءت بلا كيف\" (^١).\n\n(٨٨) فقولهم ﵃: \"أمِرُّوها كما جاءت\" ردٌّ على المعطلة، وقولهم: \"بلا كيف\" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما.\n\n(٨٩) روى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرِّف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: \"سَنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاَّه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا\" (^٢).\n\n(٩٠) وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: \"سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق\" (^٣).\n\n(٩١) وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو بكر البيهقي، عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  انظر كتاب السنة لأبي بكر الخلال صفحة (٢٥٩).\n(^٢) انظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد صفحة (٣٥٧).\n(^٣) انظر: كتاب الفتوى الحموية الكبرى الجزء الأول صفحة (٣٠٦).","vol":"1","page":464},{"text":"كيف استوى؟، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَاء ثم قال: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج\" (^١).\nفقول ربيعة ومالك: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\" موافقٌ لقول الباقين: \"أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف\"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة.\nولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\"، ولما قالوا: \"أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف\" (^٢)، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.\n\n(٩٢) وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.\n\n(٩٣) وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ﷾ ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.\n\n(٩٤) وأيضًا: فقولهم: أمِرُّوها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يُوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغوٌ من القول\".\n<hr><s0>\n\nجاءت عبارة \"بلا كيف\" في آثارٍ كثيرةٍ عن السلف الصالح عند حديثهم عن نصوص الصفات، كما أورد المصنف هنا، ومعنى قولهم: \"بلا كيف\"، أي: بلا\n_________\n(^١) انظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي الجزء الثاني صفحة (٣٠٥).\n(^٢) تقدم الإشارة إليه.","vol":"1","page":465},{"text":"كيف يعقله البشر، لا أن المراد نفي الكيفية مطلقًا، فإن كلَّ شيء لابد وأن يكون على كيفية معيَّنة، ومرادهم هو نفي العلم بهذه الكيفية، فلا يعلم كيف الله ﷿ ولا كيف صفاته إلا هو، وهذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا سبيل للوصول إليه (^١).\nوعدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات، ومعرفة معانيها\nفمن المقرر في منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات، أن عدم العلم بالكيفية والذي سبق تأكيده من خلال النقاط السابقة، لا يقدح أبدًا في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها، فإن الكيفية وراء ذلك، فإثبات السلف للصفات إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، يؤمنون بتلك الصفات، ويفهمون معانيها ويفسرونها ويعتقدون ما دلت عليه من الأحكام ويعملون بمقتضياتها من الآثار (^٢).\nفكثيرٌ من الأمور التي أخبر الله ﷿ بها، لا تُعلم كيفيَّتها ولا كنهها، ولم يمنع ذلك من الإيمان والتصديق الجازم بها.\nفمنها ما أخبر الله ﷿ به من حقائق الإيمان باليوم الآخر، فإنا نؤمن بها وإن لم نعلم حقيقتها وكيفيتها، ومن ذلك الروح التي بين جنبي الإنسان، كل واحدٍ منا يشعر بها ويوقن بوجودها لكن لا يدرك كنهها وحقيقتها، ومع ذلك لم يمنعه عدم علمه بكيفيتها من الإيمان بوجودها.\nفكان الإيمان بالصفات مع الابتعاد عن طلب كيفيتها من منهج الراسخين في العلم المتبعين لهدي الكتاب والسنة، والذين يقولون وفق هذا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^٣)، أما طلب علم الكيفية، فيترتب على ذلك: إما تعطيل للصفات، أو تمثيلها بالمخلوقات، وهذا هو سبيل أهل الأهواء والبدع، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٤).\nكما هو شأن أهل السنة والجماعة دائمًا فإنهم ينطلقون في جميع ما يستنبطونه من قواعد وأسس لمنهجهم في توحيد الأسماء والصفات، وفي سائر الأبواب، من\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٥)، مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦)، شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٢)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٩).\n(^٢) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٨٠)، مدارج السالكين\n(٣/ ٣٧٦)، الصواعق المرسلة (١/ ٢١٠).\n(^٣) الآية [٧] من سورة آل عمرن.\n(^٤) الآية [٧] من سورة آل عمرن.\nانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص (١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":466},{"text":"نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهذه القاعدة شأن مثيلاتها مما سبق ذكره أيضًا، مستند أهل السنة والجماعة فيها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مستنيرين بفهم السلف الصالح، وأقوالهم الموافقة لمضمون هذه القاعدة، فمما استدل به أهل السنة والجماعة في تقرير هذه القاعدة ما يلي:\n• قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (^١).\n• وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^٢).\nفمدلول هاتين الآيتين واحد، تفيدان أن البشر لا يطلعون على شيء من علم ذات الله ﷿ وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه (^٣)، والله ﷿ لم يطلعنا على كيفية ذاته ولا صفاته، فدخل علم كيفية ذات الله ﷿ وصفاته، في الأمور التي لا يحيط البشر بها علمًا، وشاء الله ﷿ في نفس الوقت أن يحيطنا علمًا بمعاني ما اتصف به ﷾، فتُثْبَت له على الوجه اللائق به ﵎.\nقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (^٤) ﵀: «… لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا نَصَّ الله عليه في سورة طه حيث قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، فقوله: \"يحيطون به\" فعل مضارع، والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي، ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، كما قال ابن مالك (^٥) في الخلاصة (^٦):\nالمصدرُ اسمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ منْ … مَدْلُولَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ\nوقد حرر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعيِّة، أنه يَنْحَلُّ عن مصدرٍ وزمنٍ ونسبةٍ، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، ف \"يحيطون\" تكمن في مفهومها الإحاطة،\n_________\n(^١) الآية [٢٥٥] من سورة البقرة.\n(^٢) الآية [١١٠] من سورة طه.\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٩٢).\n(^٤) محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، العلامة المحقق، وحيد عصره، برع في فنون كثيرة، وصنف التصانيف البديعة، منها: أضواء البيان في التفسير، وآداب البحث والمناظرة، والمذكرة في أصول الفقه، وغيرها كثير. توفي بمكة سنة ١٣٩٣ هـ.\nانظر ترجمته في: مشاهير علماء نجد ص (٥١٧ - ٥٢٠، ٥٤٠ - ٥٤٣)، الأعلام (٦/ ٤٥).\n(^٥) محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجَيَّاني، أبو عبد الله الأندلسي الدمشقي، أحد أئمة علوم العربية، له مؤلفات عدة منها: الخلاصة، المشهور بألفية ابن مالك وعليها شروح لا تعد، توفي سنة ٦٧٢ هـ.\nانظر ترجمته في: فوات الوفيات (٢/ ٢٢٧)، نفح الطيب (١/ ٤٣٤).\n(^٦) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٦٩).","vol":"1","page":467},{"text":"فيتسلَّط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنكرة المبنيَّة على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين» (^١).\nوفي الحديث: «تَفَكَرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلَا تَفَكَرُوا فِي اللهِ» (^٢).\nقال شيخ الإسلام-﵀، بعد أن أورد هذا الأثر: «… لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة، والمقاييس، وذلك يكون في الأمور المتشابهة، وهي المخلوقات.\nوأما الخالق-ﷻ ﷾-فليس له شبيه ولا نظير، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد. وبالذكر، وبما أخبر به عن نفسه، يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير؛ أعني من العلم به نفسه؛ فإنه الذي لا تفكير فيه.\nفأما العلم بمعاني ما أخبر به ونحو ذلك، فيدخل فيها التفكير والتقدير، كما جاء به الكتاب والسنة» (^٣).\nفبيَّن-﵀، أن الله ﷿ والمراد ذاته وصفاته-لا يدخل تحت مجال التفكير الإنساني، والعقل البشري القاصر؛ لأن مبنى التفكير على قياس الغائب على الشاهد، وإيجاد العلاقة بين النظير ونظيره، والله ﷿ ليس له ندٌّ ولا مثيلٌ ولا مسامٍ ولا نظيرٌ حتى يقاس عليه، أو توجد بينه وبينه علاقة، تؤدي إلى إدراك كنهه وحقيقته.\nوفي حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄: «أَنَّ النَّبِي ﷺ نَهَى عَنِ الأُغْلُوطَاتِ» (^٤).\nقال عيسى بن يونس (^٥) ﵀، وهو أحد رواة الحديث: «والأغلوطات ما لا\n_________\n(^١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص (٢٤).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٤٤)، كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا برقم (٣٦٥٦).\nوالإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٣٥)، وقال محقق المسند حمزة أحمد الزين: \"إسناده حسن\"، (١٧/ ٧٨) برقم (٢٣٥٧٧ - ٢٣٥٧٨) ط/ دار الحديث؛ وضعف إسناده الألباني كما في تخريج أحاديث مشكاة المصابيح (١/ ٨١).\n(^٥) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، أبو عمرو السبيعي، الكوفي الإمام القدوة، الحافظ الحجة، أخو الحافظ إسرائيل بن يونس، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة ١٨٧ هـ.\nانظر ترجمته في: السير (٨/ ٤٨٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٧١).","vol":"1","page":468},{"text":"يحتاج إليه من كيف وكيف» (^١).\nوقال الخطابي-﵀-في معالم السنن: «وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسائل، ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به» (^٢).\nولا شك أن معرفة حقيقة كنه الله ﷿، وكيفية ذاته وصفاته، مما لا يحتاج إليه أحد، ولا يتوقف الإيمان به ﷾ على معرفة كيفية ذاته وصفاته، فالبحث في ذلك من التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه، فوجب التوقف عما لا علم للإنسان به، ولا يمكنه أن يحيط به بحال من الأحوال.\nوقول المصنف: \"فقول ربيعة ومالك: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\" موافقٌ لقول الباقين: \"أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف\"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة\".\nفقد علَّق الإمام الذهبي-﵀، على قول الإمام مالك بقوله: «وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمِّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله لا مثل له لا في صفاته، ولا في استوائه ولا في نزوله ﷾) (^٣).\nوقد بيَّن الإمام ابن عبد البر-﵀ (ت ٤٦٣ هـ) أن أهل السنة والجماعة لا يخوضون في شأن الكيفية بل: «يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانًا وقد جلَّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون؛ فلا يصفه ذووا العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^٤).\nوقال الإمام البغوي-﵀ (ت ٥١٠ هـ): «إن الامتناع عن الخوض\nفي صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وأن المهتدي من سلك في نصوص الصفات طريق التسليم، وأن الخائض فيها زائغ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عما\n_________\n(^١) أورده ابن بطة في الإبانة (١/ ٤٠١).\n(^٢) معالم السنن (٥/ ٢٥٠).\n(^٣) العلو (٢/ ٩٥٤).\n(^٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).","vol":"1","page":469},{"text":"يقول الظالمون علوًا كبيرًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^١).\nوقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ (ت ٧٢٨ هـ) أن طلب معرفة كيفية صفات الله ﷿ بدعة، وأن معرفة كيفية الصفات غير حاصل للعباد؛ لأن العلم بكيفية الصفات فرع العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تُعلم كيفيته، امتنع أن تُعلم كيفية صفاته (^٢).\nوأكدَّ على اتفاق أهل السنة والجماعة على نفي معرفة حقيقة الله وكيفية صفاته، وقالوا: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته (^٣).\nومما ذكره الإمام ابن القيم-﵀ (ت ٧٥١ هـ) في تقرير هذه القاعدة قوله: «إن العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: \"بلا كيف\"، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا لا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فَعَجْزُنَا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم» (^٤).\nفعُلم مما تقدم من آثار عن سلف الأمة وأئمتها، أن أهل السنة والجماعة متفقون على النهي عن طلب كيفية صفات الله ﷿، وأن ذلك من الطرق المفضية إلى التشبيه والتمثيل، مجانبين في ذلك لطريق المعطِّلة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه أولًا، ثم فروا منه إلى التعطيل، ومجانبين أيضًا طريق المشبِّهة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه والتمثيل المذموم، فأثبت أهل السنة والجماعة الصفات، ونزهوه ﷾ عن مشابهة المخلوقات.\nوإلى جانب ما استدلَّ به أهل السنة والجماعة من أدلة نقلية وآثارٍ واردة عن أئمة\n_________\n(^١) شرح السنة (١٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٢) انظر: التدمرية ص (١٥)، نقض المنطق، ضمن مجموع الفتاوى (٤/ ٦ - ٧)، مجموع الفتاوى\n(٦/ ٣٩٩).\n(^٣) انظر: درء التعارض (١٠/ ٢٧٧)، التدمرية ص (١٦ - ١٨)، الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز، ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦٤، ١٩٧ - ١٩٩).\n(^٤) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).","vol":"1","page":470},{"text":"السلف في أن نفي العلم بالكيفية لا يتعارض مع الإيمان بأصل الصفة، فقد استدلوا أيضًا بأدلة عقلية تدل على هذه القاعدة المهمة.\nمن ذلك أن يقال: إن كيفية الشيء لا تدرك إلا بأحد طرق ثلاث:\nإما بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه.\nونحن لم نشاهد الله ﷿، فإن ذلك من الأمور المستحيلة في هذه الدنيا، والله ﷿ ليس له نظير حتى يقاس عليه، فتعرف كيفية صفاته، ولم يأتنا الخبر الصادق من الله ﷿ أو من رسوله ﷺ، عن كيفية صفاته تعالى، والذي جاءنا هو الإخبار عن اتصاف الله ﷿ بهذه الصفات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فوجب الإيمان بها والوقوف حيث وقف الله ﷿ ورسوله، وعدم الخوض في شأن الكيفية (^١).\nكما استدلوا أيضًا في هذه المسألة بقياس الأولى، فإن الإنسان يؤمن بحقائق كثيرة، ولا يعلم كنهها وكيفيتها، وعدم علمه بكيفية هذه الأشياء التي يؤمن بها لم يقدح في إيمانه بها، لعجزه وضعفه عن إدراك أشياء كثيرة تحيط به في هذا العالم من حوله، بل مثال ذلك أقرب الأشياء إليه وهي روحه التي بين جنبيه، يؤمن الإنسان ويجزم بوجودها، وإن لم يعرف حقيقتها وكنهها، فالله ﷿ أولى أن يُؤمن العبد بصفاته الثابتة له، وإن لم يعلم كيفيتها، وعدم علمه بكيفيته ليس مسوغًا أبدًا، لجحدها وإنكارها، أو تعطيلها عن معانيها التي تدل عليها (^٢).\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٨ - ١٠٢).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٢٩٣)، مدارج السالكين (١/ ٤٦١، ٣/ ٣٧٦)، اجتماع الجيوش الإسلامية ص (١٦٢).","vol":"1","page":471},{"text":"(٩٥) وروى [الأثرم في السنة] وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، [وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم] بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب وقد سئل فيما جحدت به الجهمية:\n«أما بعد: فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية ومن خالفها في صفة الرب [العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكَلَّت الألسن عن] تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره ردت عظمته العقول فلم تجد مساغًا فرجعت خاسئة وهي حسيرة، وإنما أُمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال «كيف»؟ لمن لم يكن ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يَزَلْ، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد ومن لم يمت، ولا يبلى، وكيف [يكون] لصفة شيء منه حد أو منتهى؟ يعرفه عارف أو يحد قدره واصف على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء، أبين منه. الدليل على عجز العقول في تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرًا يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل (^١) بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادات، وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nاعرف رحمك الله غناك عن تَكلُّف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟\nفأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: ٧١] فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن [قال]: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا (^٢)\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  أي: اشتد واستغلق عليك فهمه.\n(^٢) كما تقول الجهمية: إنه يلزم من إثبات الصفات لله: أن يكون جسمًا أو عَرَضًا؛ فيكون محدثًا. كما سيذكر المصنف عنهم هذا بعد قليل.","vol":"1","page":472},{"text":"فعمي عن البَيِّن بالخفي، وجحد ما سَمَّى الربُّ من نفسه بصمتِ الرَّبِّ (^١) عَمَّا لم يُسَمِّ منها، فلم يَزل يُملي له الشيطان حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة، فجَحَد- واللهِ- أفضل كرامة الله التي أَكرم بها أولياءه يوم القيامة من النَّظَر إلى وجهه (^٢)، ونضرته إيَّاهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وقد قضى أنَّهم لا يَموتون؛ فهم بالنَّظر إليه يَنظرون.\nإلى أن قال: وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا.\nوقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا؟\nفقال رسول الله ﷺ: «هل تُضَارُّون في رؤيةِ الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فهل تُضَارُّون (^٣) في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم كذلك» (^٤).\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  إطلاق «الصمت» على الله من باب الإخبار، وهو باب واسع، وقد ورد وصف الله بالسكوت كما في حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وفيه: قوله ﷺ: «وسَكَتَ عن أشياء من غير نسيانٍ فَلا تبحثوا عنه»، رواه الدارقطني في «سننه» (٥/ ٣٢٥) برقم (٤٣٩٦)، وحسنه الألباني في تحقيق كتاب «الإيمان» لابن تيمية (ص ٤٤).\n(^٢) وهو أعظم نعيم أهل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالله-﵎-وَعَد المحسنين من عباده على إحسانهم: الحُسنى، وهي أن يجزيهم على طاعتهم إيَّاه الجنة، وأن يُبَيِّض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى: الزيادة عليها. ومن الزيادة على إدخالهم الجنة: أن يُكرمهم بالنَّظر إليه. انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٧١).\nوروى مسلم في «صحيحه» (١٨١) عن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجَنَّةَ، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أَزيدُكم؟ فيقولون: أَلَم تُبَيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة، وتُنجنا من النار؟ قال: فيَكشف الحجاب؛ فما أُعطوا شيئًا أَحَبَّ إليهم مِنْ النَّظَرِ إلى ربِّهم ﷿».\n(^٣) «تُضَارون» بتشديد الراء من الضَّرَر، وبتخفيفها من الضَّيْر، أي: تكون رؤيته تعالى رؤية جَلِيَّة بَيِّنَة لا تَقبل مِراء ولا مِرية؛ فيُخالف فيها بعضُكم بعضًا ويُكَذِّبه، كما لا يشك في رؤية الشمس والقمر ولا يُنازع فيهما. انظر: «شرح الطيبي على مشكاة المصابيح» (١١/ ٣٥٠٨).\n(^٤) رواه البخاري (٦٥٧٣) ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":473},{"text":"وقال رسول الله ﷺ: «لا تَمتلئ النارُ حَتَّى يَضع الجَبَّارُ فيها قَدَمه، فتقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض» (^١).\nوقال لثابت بن قيس ﵁: «لقد ضَحِك اللهُ مِمَّا فعلت بضيفك البارحة» (^٢).\nوقال فيما بلغنا: «إن الله ليضحك من أَزلِكم وقنوطكم (^٣) وسرعة إجابتكم»، فقال له رجل من العرب: إنَّ رَبَّنا ليضحك؟ قال: «نعم». قال: لا نَعْدِمَ مِنْ ربٍّ يَضحك خيرًا» (^٤). في أشباهٍ لهذا مِمَّا لم نُحْصِه.\nوقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].\nفوالله ما دلَّهُم على عِظَم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صِغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في رُوعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه، ولم نتكلف منه صِفة ما سواه-لا هذا ولا هذا-لا نَجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يَصِف.\nاعلم-رحمك الله-أنَّ العِصمة في الدِّين أن تنتهي في الدِّين حيث انْتُهي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك؛ فإنَّ مِنْ قِوام الدِّين معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بُسطت عليه المعرفةُ وسَكنت إليه الأفئدةُ وذُكِر أصلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوارث علمَه الأُمَّةُ؛ فلا تَخافنَّ في ذكره وصفته مِنْ رَبِّك ما وصفه من نفسه عيبًا، ولا تكلفنَّ لما وصف لك من ذلك قدرًا.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٣٧٩٨) ومسلم (٢٠٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما: أن المقول له ليس ثابت بن قيس ﵁، وإنما هو أبو طلحة ﵁. وقد بَيَّنَ الإمامُ ابنُ حجر «فتح الباري» (٧/ ١١٩، ١٢٠) أن هذا وهم وقع في بعض الروايات، والصحيح أن المقول له: هو أبو طلحة ﵁، كما نصَّت على ذلك روايةُ مسلم.\n(^٣) الأزل: الشدة والضيق. والقنوط: اليأس. كأنَّه أراد من شدة ضيقكم ويأسِكم. انظر «النهاية» لابن الأثير (١/ ٩٨).\n(^٤) رواه ابن ماجه (١٨١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٤٤) برقم (٥٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٠٧، ٢٠٨) من حديث أبي رزين ﵁، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣١)، ثم صححه في «الصحيحة» (٢٨١٠).","vol":"1","page":474},{"text":"وما أنكرته نفسك، ولم تَجد ذكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نبِيِّك-مِنْ ذِكر ربك-فلا تتكلفن علمه بعقلك، ولا تَصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الربُّ عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِم تَكَلُّف ما وصف الواصفون مما لم يَصف منها (^١).\nفقد-والله-عَزَّ المسلمون (^٢) الذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مَرِض من ذِكر هذا وتَسميته قلبُ مسلم، ولا تَكَلَّف صفة قدرة ولا تسمية غيره من الربِّ مؤمنٌ.\nوما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه.\nوالرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا؛ لأنَّ الحقَّ تركُ ما ترك وتسميةُ ما سمَّى، ومَن يَتَّبِعْ ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وَهَبَ اللهُ لنا ولكم حُكْمًا، وألحَقَنا بالصالحين». اه (^٣).\nوهذا كله كلام ابن المَاجَشون الإمام فَتَدَبَّرْه! وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقة لغيره من الأئمة؟ وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: أنه يلزم أن يكون جسمًا أو عَرَضًا فيكون».\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  وهذا معنى قول الإمام أحمد المتقدم: «لا يُوصف اللهُ إلا بما وَصف به نفسَه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ؛ لا يُتجاوز القرآن والحديث».\n(^٢) أي: قَلُّوا حَتَّى كادوا لا يُوجدون. انظر: «لسان العرب» (٥/ ٣٧٦).\n(^٣) رواه ابنُ بَطَّة في «الإبانة الكبرى» (٧/ ٦٣)، باب (باب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصار رءوسهم؛ فيُكلمهم ويكلمونه لا حائلَ بينه وبينهم ولا ترجمان).\nورواه الذهبي في «العلو» (ص ١٤١، ١٤٢)، ثم قال: «كان عبد العزيز مِنْ بُحُور العلم بالحجاز نُودي مرَّة بالمدينة بأمر المنصور: لا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا مالكٌ وعبدُ العزيز بن الماجشون. توفِّي ابن الماجشون سنة أربع وستين ومائة، وكان ابنه عبد الملك مِنْ كبار تلامذة مالك».","vol":"1","page":475},{"text":"يستفاد من قول الإمام عبد العزيز بن الماجشون السابق الأمور الآتية:\nأولًا: الإثبات، وذلك من قوله: «فما وصف اللهُ مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه»، أي: أثبتنا ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nثانيًا: عدم الزيادة، وذلك من قوله: «ولم نَتَكَلَّف منه صفة ما سواه؛ لا هذا ولا هذا»، أي: لا نزيد على ما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه وعلى لسان رسولِه ﷺ.\nثالثًا: التوقف فيما لم يَرِد إثباته أو نفيه؛ وذلك من قوله: «ولا نَتَكَلَّفُ معرفةَ ما لم يَصِف»، أي: لا نخوضُ في معرفة ما لم يَرِد به نصٌّ، ولا نتكلف معرفةَ ذلك».\nرابعًا: عدم النقص، وذلك من قوله: «لا نَجحد ما وصف»، أي: لا نُنقص مما أَثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nونستفيد قاعدة جليلة جدًّا من قوله ﵀: «اعلم-رحمك الله-أنَّ العصمة في الدِّين أن تَنتهي في الدِّين حيث انْتُهِي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك». فهذه قاعدة عظيمة النفع لو التزمها العبد لَسَلِم ونجا، أي: قِف عند ما أخبرك الله من الغَيب، ولا تتجاوز ذلك الحدَّ.\nوبَيَّن العلة من ذلك فقال: «فإنَّ مِنْ قِوَام الدِّين: معرفةَ المعروف وإنكارَ المنكر»: أي: من إقامة الدين: معرفة المعروف وإنكار المنكر، «فما بُسِطت عليه المعرفةُ، وسَكنت إليه الأفئدةُ، وذُكر أَصْلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوَارَثَ عِلْمُه الأمة، فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربك ما وصفه من نفسه عيبًا»، أي: اصدع به، وقل كما صحَّ: «يضحك رَبُّنا»، و«يَغضب ربُّنا»، و«يرضى ربنا»! فلماذا تَجبن في هذه المواقف؟ مع أنَّ عندك من كلام الله تعالى وما صحَّ من كلامِ رسوله ﷺ ما يُؤَيِّد ذلك؛ فقد جاءت هذه الصفاتُ صريحةً فيهما؟!\nوقوله: «فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربِّك ما وصفه من نفسه عيبًا»، يعني: لا تَخف أن يُعاب عليك بما تذكره من صفات الله الصحيحة الثابتة؛ فيُقال عنك: مُشَبِّه، أو مجسِّم، أو حشوي، أو وهَّابي، أو غير ذلك من الألقاب التي يُطلقونها على مَنْ يثبت صفات الله من غير تكييف.\nفلا تَخْشَ-أيها المُسلم على منهج أهل السُّنَّة والجماعة-على نفسِك مِنْ ذِكْرِ أمرٍ أخبر الله به؟","vol":"1","page":476},{"text":"إن كنتَ مصدقًا بثبوته؛ فَلِمَ تَخافُ مِنْ الألقاب التي يُطلقها هؤلاء وأنت معك على ذلك أدلة من كلام الله تعالى ومن كلام رسوله ﷺ؟!\nفلا بُدَّ من إقامة المعروف ولا بُدَّ من إنكار المنكر!\nكيف تَصمت، وكيف لا تصدع بالحق وأنت ترى فِرقة تعطِّل صفات الله وتَجحدها؟\nكيف لا تُنكر منكرَ تَعطيل صفات الله؟!\nثم قال ابن الماجشون ناصحًا من سأله: «ولا تتكلفنَّ لما وُصف لك من ذلك قدرًا»، يعني: لا تَخُض في الكيفية كما وَقَع المُشَبِّه فيها.\n«وما أنكَرَتْه نفسُك ولم تجد ذِكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نَبِيِّك مِنْ ذِكر صفة ربِّك؛ فلا تَتكلفَنَّ علمَه بعقلك»؛ لأنَّ هذا الباب ليس فيه رأي وليس فيه اجتهاد، بل فيه نصٌّ فقط، فإن جاء النصُّ أخذتَ بِهِ، وإلَّا فاسكت ولا تَخض فيما لا عِلْمَ لك بك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيرها: «نهى الله تعالى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال؛ كما قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]، وفي الحديث: «إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث» (^١)» (^٢).\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ مَسائل الدِّقِّ (^٣) في الأصول لا يَكاد يتفق عليها طائفة؛ إذ لو كان كذلك لَمَا تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد يُنكر الشيء في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص. وأصل هذا ما قد ذكرتُه في غير هذا الموضع: أن المسائل الخبرية قد يكون بمنزلة المسائل العملية؛ وإن سُمِّيَت تلك (مسائل أصول) وهذه (مسائل فروع)، فإن هذه تسمية مُحْدَثَة قَسَّمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب؛ لا سِيَّما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة.\nوأمَّا جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أنَّ الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كلِّ مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحقُّ أنَّ الجليل من كل واحد من الصنفين (مسائل أصول) والدقيق؛ (مسائل فروع).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٠٦٦) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٧٥)، بتصرف يسير.\n(^٣) أي: المسائل الدقيقة.","vol":"1","page":477},{"text":"فالعلمُ بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة؛ كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا مَنْ جَحَد تلك الأحكام العملية المُجمع عليها كفر، كما أنَّ مَنْ جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل؛ وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبَعْث بعد الموت والإيمان بالقَدَر؛ خيره وشره.\nوأما الأعمال الواجبة: فلا بد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مُفَصَّلَة؛ ولهذا تُقر الأمة مَنْ يفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء؛ وإن كان قد يُنكر على مَنْ يتكلم في تفصيل الجمل القولية؛ للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة» (^١).\nفهذه نصيحة غالية من الإمام ابن الماجشون للسائل: وهي أن ما جاء به النصُّ فآمن به وسَلِّم له، وما لم يَرِد فيه نصٌّ فأمسك عنه ولا تَخُض فيه، ولا تَصِفه بلسانك؛ ولا تتجاوزْ الحَدَّ الذي حُدُّ لك، لأنَّ عندنا هنا في هذا الباب ثلاثةَ أُمُورٍ:\n- أمورٌ أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ؛ فنُثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبتها له رسولُه ﷺ.\n- أمورٌ نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ؛ فنَنفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ.\n- وأمورٌ لم يَرِد فيها عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ نفيٌ ولا إثبات؛ فنتوقف فيها ونسكت عنها، ولا نخوض فيها.\nلأن «تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها»، يعني: يستوي هذا وذاك، فهذا محظور وهذا محظور؛ فتعطيل الصفات الثابتة محظور، وكذلك التقول على الله بغير علمٍ محظور؛ لذلك قال: «فكما أَعْظَمْتَ ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِمْ تَكَلُّفَ ما وصف الواصفون مما لم يَصِف منها!».\nأي: إذا كنت تستعظم ما فعله المُعَطِّلة مِنْ جحد الصفات، فكذلك استعظم التَّقَوُّلَ على الله بغير علم؛ لإن هذا من طرق إغواء الشيطان للخلق؛ فقد قال الله عنه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٦، ٥٧).","vol":"1","page":478},{"text":"فإذًا من القول على الله-﷿-بغير علم: أن تَصِفَه بما لم يَصف به نفسه.\nوهل هناك أَسْلَمُ من هذا المنهج في التعامل مع صفات الله ﷻ؟!\nمنهجٌ يقف مع النصِّ ولا يتجاوزه، فكلُّ ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ يُثبته، وكل ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ يَنفيه، وما لم يأت فيه نصٌّ بإثبات أو نفي-يَتوقف فيه، ويَنهى عن الخوض فيه إثباتًا أو نفيًّا.\nثم انتقل الإمام ابن المَاجِشُون إلى الرد على مَنْ جحد رؤية الله تعالى في الآخرة، وبَيَّن أنَّ الشيطان لم يَزل يُملي له حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة … إلى أن قال: «وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا».\nولذلك نقول للذين يتبجحون ويزعمون أنهم يَرون الله ﷾ في الدنيا-: أين أنتم من هذا الحديث الذي هو في «صحيح مسلم»، وفيه يقول النبيُّ ﷺ لأصحابه وهم خير هذه الأمة وأفضلها وأشرفها-: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (^١).\nفباب رؤية الله-﷾-لا سبيل إليه في هذه الحياة الدنيا، ولم يتحقق حتى لكليم الله ﷿ موسى ﵇؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nوهذا من عقيدة أهل السنة؛ ولذا ينبغي أن نذكِّرهم بمثل هذه الأحاديث، وعلينا أن نُعَلِّمَ عوامَّ الناس أمثالَ هذه الأحاديث حتى لا تَروج أكاذيب الصوفية ودعاواهم عليهم.\nفهم يزعمون أنهم يرون الله ﷾، وأن الحجاب يُكشف لهم، وهذا زعم باطل، قالوه لكي يروِّجوا أقاويلهم على العوام.\nولذلك يزعم هؤلاء: أن أهل السنة يأخذون علمهم بواسطة، وأما هم-أي: المتصوفة-فيأخذون علمهم عن الله بدون واسطة!\nفإنهم لم يَبْقَ أمامهم بعد ذلك إلا أن يَدَّعوا النبوة، ولولا الخوف من أن تَطير رءوسهم لفعلوها، ولتبجحوا بذلك.\nفينبغي الحذر من ذلك، ويجب تذكير عامة الناس بهذه الأحاديث التي تَرُدُّ على هذه الدعاوى.\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كتاب الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).","vol":"1","page":479},{"text":"وهذه قضية خطيرة ينبغي للإنسان أن يتنبه لها؛ لأن الصوفية إنما تُروج أفكارها من طريق واحد إذا أُغلق سُدَّ عليهم الباب، وهو تقديس الأشخاص، فيجعلون لأنفسهم هالة ومهابة بدعاوى يزعمونها حتى يَعظم في نفوس الناس قَدْرُهم، فإذا عَظَّمُوهم وقَدَّسوهم عند ذلك يَقبلون منهم ما يقولون.\nفإذا قُطِع هذا الطريق على الصوفي، وعرف الناسُ قَدْرَه، استطاعوا أن يتبينوا حقيقة باطله.\nوكذلك المعطِّلة وأهل الفلسفة إنما تَروج أفكارهم بسبب غرسهم فكرة تقديس العقل وتقديمه.\nفعلى طالب العلم أن يهدم صنم تقديس الأشخاص عند الصوفية، حتى تزول هذه المنزلة لهم، وبعدها سيُمَيِّز الناس أقوالهم ويتبيونها ولن يقبلوها مُسَلَّمَةً.\nوهؤلاء الصوفية قد استعبدوا الناس، وسلبوا أموالهم وعقولهم، ومن قبل ذلك سلبوا دينهم، ومَن يَعِش قريبًا منهم-أو يقرأ عنهم-يرى مثل هذه الأوضاع، ويُوقن بخطرهم، ويتبين له ما هم عليه من دَجَل وباطل، ونشر للشرك والخرافة والبدعة، وتبديل لدين الله ﷿ وإحداث فيه؛ فنسأل الله ﷿ أن يُقَيِّض من طلبة العلم مَنْ يَكسر شوكة هؤلاء، وكذلك يُزيل ما عندهم من باطل قد رَوَّجوه على ضعفاء البَصيرة والعِلم.\nثم نعى ابن الماجشون ﵀ حال الأمة في زمانه فقال: «فقد-والله-عَزَّ المسلمون» يعني: قَلَّ الَّذين هم على المُعتقد الصحيح؛ «الَّذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعْرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر؛ يَسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بَلغهم مثله عن نَبِيِّه».\nوإذا كان يقول هذا عن زمانه؛ فماذا نقول عن زماننا؛ فإلى الله المشتكى!\nثم قال: «فما مَرِضَ مِنْ ذكر هذا وتَسميته قلبُ مُسلم، ولا تَكَلَّفَ صِفة قدره ولا تَسمية غيره من الربِّ مُؤمنٌ، وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه». فلا شَكَّ أن قلب المؤمن الحيِّ المُستسلم لله ﷿؛ لا يَستشكل ما أثبته الله لنفسه ولا ما أثبته له رسوله ﷺ، ولا يَستريب فيه، ولا يستثقل وصف الله به، بخلاف هؤلاء الذين مَرضت قلوبهم من ذلك؛ فحملهم على تعطيل صفات الله ﷿.\nوكذلك لا يتكلف المؤمن أن يصف الله ﷿ بصفة لم يَصف بها- ﷾ نفسَه، ولم يصفه بها رسولُه ﷺ.","vol":"1","page":480},{"text":"وقوله: «وما ذُكر عن رسول الله ﷺ أنَّه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سَمَّى وما وصف الربُّ تعالى من نفسه»، أي: ما جاء في السُنَّةِ الصَّحيحةِ مِثْلُ ما جاء في القرآن؛ لا نُفَرِّق بين القرآن والسنة في الإيمان والاستدلال؛ فالقرآن وحيٌ مَتْلُوٌّ، والسُّنَّة وحيٌ غيرُ مَتْلُوٍّ، ونحن متعبدون بالقرآن والسُّنَّة، مُؤمنون بهما ومصدقون بما جاء فيهما؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nفهذه نصوصٌ واضحة لو أنَّ الإنسان نظر لها نظرة سليمة لاهتدى إلى الاعتقاد الصحيح بيقين وطمأنينة، ولكن كما قال الشاعر:\nوكمْ من عَائِبٍ قوْلًا صَحيحًا … وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقيمِ\nفالسبب في هذا: الأفهام السقيمة؛ لأن النصوص واضحة وثابتة.\nفالخلل هنا إمَّا أن يكون في النصوص، وإمَّا أن يكون في عقول هؤلاء!\nوحاشا أن يكون في النصوص خللٌ؛ إذ النصوص ثابتة؛ ففي القرآن-مثلًا-أخبر الله عن استوائه على عرشه، وفي السُّنَّة مثلًا: أخبر النبي ﷺ عن نزول الله تعالى إلى السماء الدُّنيا في الثلث الأخير من الليل كلَّ ليلة (^١). وهكذا في سائر صفاته-جل وعلا-نجدها نصوصًا ثابتة صريحة صحيحة في الكتاب والسُنَّة، وقد امتلأت بها كتب الاعتقاد.\nلكن الخلل في أفهامٍ تنظر إلى هذه النصوص بنظرةٍ غير صحيحة وغير سليمة؛ إذ يَرُومون-تنزيه الله-بزعمهم-عن مُشابهة خلقه؛ فيقعون في تعطيلها.\nثم قال ابن الماجشون ﵀: «والرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا».\nفأهل السُّنَّة والجماعة أصحاب المنهج الصحيح: يُثبتون ما أثبته الله لنفسه ولا يَجحدونه، وكذلك ما أَثبتوه لا يَخوضون في كيفيَّتِه؛ «لأنَّ الحقَّ تَرْكُ ما تَرَكَ، وتَسمية ما سَمَّى».\nفإذًا نسألُ اللهَ بما سأل به الإمام ابن الماجشون أن يَهب لنا-﷾-حُكْمًا، وأن يُلحقنا بالصَّالحين.\nفهذا كلام أحد أئمة أهل السُّنَّة مِنْ قبل ابنِ تيمية بِقُرُونٍ، حتى لا يَقول قائل: هذا\n_________\n(^١) كما في الحديث الذي رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يَنزل ربُّنا-﵎-كُلَّ ليلة إلى السَّماء الدنيا حين يَبقى ثُلُث الليل الآخر يقول: مَنْ يَدعوني فأستجيبَ له؟ مَنْ يَسألني فأُعطيَه؟ مَنْ يَستغفرني فأغفرَ له؟».","vol":"1","page":481},{"text":"قولُ ابن تيمية! وهذه عقيدة ابن تيمية! أو هذه عقيدة الوَهَّابية! أو غير ذلك من الألفاظ والألقاب التي يُطلقها هؤلاء زُورًا وبهتانًا.\nثم قال المصنفُ ﵀: «هذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فَتَدَبَّرْه، وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقةً لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزمهم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: إنَّه يَلزم أن يكون جِسْمًا أو عَرَضًا فيكون مُحْدَثًا».\nفهذا إمامٌ من أئمة السلف الصالح؛ انظر كيف يتكلم في هذه المسائل، هل عطَّل منها شيئًا؟! هل دعا إلى التَّعطيل؟! هل دعا إلى التَّشبيه؟! أو دعى إلى تفويض المعنى؟!\nأَلَم يَدْعُ إلى إثبات ما أثبته الله-﷿-لنفسه، وما أثبته له رسولُه ﷺ، وفي الوقت نفسه نهى عن الزيادة على ذلك وعن النقصان عنه، وعن التكَلُّف بإحداث صفةٍ لم تَرِد في الكتاب ولا في السُّنَّة الصحيحة. فهذه وصيته\nفالجهمية، فإذا قلنا: إن لله-﷾-صفات. قالوا: يَلزم من ذلك أن يكون جسمًا، أو أن يكون عَرَضًا، ويلزم منه أن يكون ذا أجزاء، ويلزم منه أن يكون مُرَكَّبًا!\nوهذه لوازم المخلوق فيُقولون: إننا لو أثبتنا هذه الصفات للخالق، فيكون مشابهًا للمخلوق، وبالتالي عَطَّلُوها.\nوهي شُبهة ميِّتة وضعيفة لا تَروج-والله-إلا على إنسانٍ جاهل ما عنده أثارة من علم ولا له أدنى بَصيرة.\nفإن لله تعالى فيما وُصِف ما يَخُصُّه، وللمخلوق فيما يَتَّصف به ما يخصُّه، فلا تُعْطَى خصائص الخالق للمخلوق، ولا تُعطى خصائص المخلوق للخالق ﷾؛ فكما نقول: لله حياةٌ تخصُّه وعلمٌ يخصُّه، فلنقل: له استواءٌ يخصُّه ونزولٌ يخصُّه.\nفنؤمن بما أخبر الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، فهل هناك أوضح وأَسْلَم مِنْ هذا المنهج؟!\nوهذا الذي يتفق مع النصوص؛ فلا تُنْكَر، ولا تُعَطَّل، ولا يُزاد فيها ولا يُنقص منها. وتلك عقيدة السلف الواضحة الجَلِيَّة؛ نسأل اللهَ أن يَختم لنا بها، وأَلَّا يَتوفانا إلَّا عليها.","vol":"1","page":482},{"text":"(٩٦) \"وفي كتاب [الفقه الأكبر] المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرنَّ أحدًا بذنب، ولا تنف أحدًا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ-ولا توالي أحدًا دون أحد، وأنت تردَّ أمر عثمانٍ وعليٍّ إلى الله ﷿\".\n<hr><s0>\n\nقال الإمامُ أبو حنيفة-﵀-في كتاب «الفقه الأكبر»: «ولا تُكَفِّرَنَّ أحدًا بذنبٍ»، والمقصود هنا: تكفير مُرتكب الكبيرة، وكما هو معلوم؛ فإن الخوارج قالوا: إنَّ مرتكب الكبيرة يُعَدُّ خارجًا من الإيمان؛ فكفروا مرتكب الكبيرة. وهكذا فعلتِ المعتزلةُ؛ على اختلافٍ بينهم في حكم مُرتكب الكبيرة في الدنيا؛ فإن المعتزلة قالوا: إنَّه في منزلة بين منزلتين، واتفقوا مع الخوارج في الحُكم عليه في الآخرة بأنه مُخَلَّدٌ في النار.\nومسألة التَّكفير مسألةٌ عظيمة وخطيرة، وقد حصل فيها زَلَلٌ في القديم وفي الحديث، ونحن في هذا العصر نلمس شيئًا من هذا الزَّلل بسبب أنَّ كثيرًا من الناس لا يَفهم هذه المسألة على ما هي عليه، وعلى الوجه الحقِّ الذي هي فيه.\nولذلك، فإنَّ بعضَ طلبة العلم المُبتدئين-للأسف الشديد-لا يَفهمون هذه المسألة فهمًا صحيحًا، ولا يَرجعون فيها إلى مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ولذلك لا بد أن نتوقف وقفة عند هذه المسألة؛ (مسألة التكفير)، أو ما يُسَمَّى: (الكفر المُطلق والكفر المُعَيَّن).\nولا بد أن يَعلم طالبُ العِلم أن عند أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الباب أمرين:\n- الأمر الأول: أن يعلم ما هي المسائل التي تُوجب الكفر؟ وما هو الكفر؟ وهذا ما يُسمى ب (الكفر المُطْلَق)، أي: متى يكون حكم القول أو الفعل أو الاعتقاد كفر، وهذا أمرٌ مهم.","vol":"1","page":483},{"text":"- الأمر الثاني: متى يكون القائل أو الفاعل أو المعتقد لهذا الأمر كافرًا؟ وهذا ما يُسمى بمسألة: (تكفير المُعَيَّن).\nفلا بُدَّ لطالب العلم أن يفهم هذين الأمرين: ما هو الكفر؟ ومتى يكون الإنسان كافرًا؟\nفالإيمان ضده الكفر، والإيمان-كما هو معلوم-شُعَبٌ، وشعب الإيمان نُسَمِّيها: الطاعات، فالإيمان أصلٌ وله شُعَبٌ؛ فأصل الإيمان في القلب، والقلب عليه واجبان؛ هما:\nواجب العلم والمعرفة، وهذا الذي يُسَمِّيه أهل السُّنَّة: التصديق.\nوواجب الانقياد والطاعة، وهذا الذي يُسَمُّونه: العمل؛ لذلك يُعَبِّرون عن الإيمان؛ بقولهم: الإيمان قول وعمل؛ فالمقصود بذلك: قول القلب: الذي هو التصديق، الذي هو العِلم والمعرفة. وعمل القلب: الذي هو الانقياد والطاعة.\nوالإنسان لا يَصير مؤمنًا إلا بهذين الأمرين:\nالأمر الأول: أن يكون على علمٍ ومعرفة.\nالأمر الثاني: وعلى انقيادٍ وطاعة؛\nفلو اختل التصديق لا يبقى الإيمان، وكذا الأمر إذا اختل الانقياد؛ لأنَّ التصديق وحده لا يَكفي؛ فإبليس-عليه لعنة الله-كان يَعلم مَنْ يخاطب؟ وعلى من اعترضَ؟ ويهود المدينة كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ وقد قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠]، لكن لم ينفعهم هذا العِلم ولم تنفعهم تلك المعرفة، كما لم ينفع إبليس علمه بمن يخاطب وعلى مَنْ اعترض، وكذلك فرعون وقومه لم ينفعهم علمُهم بأن الآيات التي جاءتهم هي حقٌّ من عند الله؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣، ١٤]؛ لأن هؤلاء جميعًا لم يضيفوا إلى العلم الإذعان والانقياد والقبول لما علموا صدقه.\nوقد سُئل سفيان بن عيينة ﵀ عن الإرجاء؛ فقال: «يقولون: الإيمان قول. ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لِمَنْ شهد أن لا إله إلا الله مُصِرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وسَمُّوا تركَ الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المَحارم، وليس بسواءٍ؛ لأن ركوبَ المحارم من غير استحلال مَعصية، وترك الفرائض متعمدًا","vol":"1","page":484},{"text":"من غير جهل ولا عُذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود؛ أمَّا آدم فنهاه الله ﷿ عن أكلِ الشَّجرة وحَرَّمها عليه؛ فأكل منها متعمدًا؛ ليكون مَلَكًا أو يكون من الخالدين؛ فسُمِّي عاصيًا مِنْ غير كفر، وأمَّا إبليسُ- لعنه الله- فإنَّه فُرض عليه سجدةٌ واحدةٌ؛ فجَحَدها مُتعمدًا فَسُمِّي كافرًا. وأمَّا علماء اليهود فَعَرَفوا نعتَ النبي ﷺ، وأنه نبيٌّ رسولٌ، كما يعرفون أبناءهم، وأَقَرُّوا به باللسان ولم يَتَّبعوا شريعة؛ فَسَمَّاهم الله ﷿ كُفَّارًا؛ فركوب المحارم مِثلُ ذَنْب آدم ﵇ وغيرِه من الأنبياء، وأمَّا تركُ الفرائض جُحودًا فهو كفرٌ؛ مِثل كفر إبليس لعنه الله، وتَركهم على معرفة من غير جُحود فهو كفر؛ مِثل كفر علماء اليهود، والله أعلم» (^١).\nوقال الأوزاعي ﵀: «لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يَستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية مُوافقة للسنة. وكان مَنْ مضى مِنْ سلفنا لا يُفَرِّقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنَّما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمَن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومَن قال بلسانه ولم يَعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله؛ لم يُقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين» (^٢).\nونقله عنه المصنفُ في «مجموع الفتاوى»، وعَلَّق عليه بقوله: «وهذا معروفٌ عن غير واحد من السَّلَف والخلف: أنَّهم يجعلون العمل مصدقًا للقول» (^٣).\nفإذًا القلب عليه واجبان:\nالواجب الأول: واجب التصديق، أو ما نُسَمِّيه: واجب العلم والمعرفة،\nالواجب الثاني: واجب الانقياد والطاعة، فإذا اختلَّ أحد الأمرين زال الإيمان؛ فهذا أصل الإيمان.\nوأمَّا أصل الكفر فهو التكذيب والجحود؛ لأن التكذيب يقابل التصديق، والجحود يقابل الانقياد.\n_________\n(^١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٤٧)، وأورده ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ٢٥)، وفي «جامع العلوم والحكم» (ص ٤٤).\n(^٢) رواه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (٢/ ٨٠٧).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٩٦).","vol":"1","page":485},{"text":"فلا يصير العبد مؤمنًا إلا بإيمان وانقياد؛ لذلك من عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: أن الإيمان قولٌ وعمل، فإذا زال أحدُ الأمرين زال الإيمان، والإيمان كما-تقَدَّم-شُعَبٌ، وهذه الشعب نُسَمِّيها: طاعات.\nومِن شعب الإيمان ما لو زَالَ زَالَ الإيمانُ، ومِن شُعب الإيمان ما لو زال لم يَزل الإيمان، وشُعَب الإيمان متفاوتة في الرُّتبة؛ فهناك الأفضل وهناك الأدنى؛ كما قال النبيُّ ﷺ: «الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ-أَوْ بِضْعٌ وسِتُّون-شُعبة؛ فأفضلُها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمانِ» (^١)، فلو زالت لا إله إلا الله فلا يبقى إيمان، لكن لو زالت إماطة الأذى عن الطريق لم يَزل الإيمان.\nولذلك في المقابل: الكُفْرُ-أيضًا-شُعُبٌ؛ ونسميها: معاصي؛ فالكفر معصية، والشرك معصية، والنفاق معصية، كما أنَّ الصلاة إيمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله ﷺ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (^٢).\nفمعنى الإيمان هنا في الآية والحديث: الصلاة، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: أي: صلاتكم؛ لأنها نزلت بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؛ عندما سأل الصحابةُ عن شأنِ صلاتهم السابقة إلى بيتِ المقدس، وكذلك معنى الحديث: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»، أي: الوضوء نصف الصلاة.\nفتُسمى شُعَب الإيمان-التي هي الطاعات-إيمانًا، كما تسمى شُعَب الكفر-التي هي المعاصي-كفرًا؛ لذلك جاء في هذه الأحاديث: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٣)، «اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهم كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» (^٤)، «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»،\n_________\n(^١) رواه مسلم في كِتَاب (الإِيمَانِ)، بَاب (شُعَبِ الإِيمَانِ)، برقم (٣٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه مسلم في كِتَابِ (الطَّهَارَةِ)، بَاب (فَضْلِ الْوُضُوءِ)، برقم (٢٢٣)، من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.\n(^٣) رواه البخاري في كِتَاب (الإِيمَانِ)، بَاب (خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ)، برقم (٤٨)، ومسلم في كتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٦٤)، والترمذي (١٩٨٣)، وابن ماجه (٦٩)، والنسائي (٤١٠٨)، والإمام أحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٣٦٤٧).\n(^٤) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، برقم (٦٧)، والترمذي (١٠٠١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١٠٤٣٤).","vol":"1","page":486},{"text":"«مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (^١)، وهكذا.\nفإذًا شُعَبُ الكفر نُسَمِّيها معاصي، ولذلك مِنْ شعب الكفر ما لو وُجد زال الإيمان، ومِن شعب الكفر ما لو وُجد لم يَزل الإيمان، وعلى هذا يُفهم أنَّ الكفر كفران: كفرٌ يُخرج من المِلَّة، وكفرٌ لا يُخرج من الملة، فإذا كان تلك المعصية تُوجب الخلل في التصديق أو في الانقياد، فعند ذلك تُسَمَّى كفرًا أكبر.\nلذلك مِنْ أصح ما يكون في تعريف الكفر، أن نقول: هو الجحود، فإمَّا جحود الوحدانية، أو جحود النبوة، أو جحود الشريعة، فإذا اختلَّ هذان الأصلان، أي: أصل التصديق وأصل الانقياد، فهذا الذي يُسَمَّى الكفر، لكن إذا لم يختل هذان الأصلان فعند ذلك لا يَقع الكفر المخرج من الملة.\nلذلك نقول في تعريف الكفر الأصغر: هو كل معصيةٍ أَطلق عليها الشارعُ اسمَ الكفر، مع بقاء اسم الإيمان على صاحبها؛ كقتال المسلم الذي جاء في حديث النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٢).\nفالقتل-وقد أُطلق عليه اسم الكفر-لا يُوجب الخروج عن الإيمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذًا لم تَزل أخوةُ الإيمان باقيةً لهم.\nفعند أهل السنة-كما قلنا-: شُعَبُ الإيمان تتفاوت، ولذلك فإن الوقوع في بعض المعاصي واختلال بعض الطاعات قد لا يُوجب الخروج من الإيمان.\nولِكَيْ تَفْقَهَ مسألة الكفر جيدًا عليك أن تتصور مواقف الفِرَق المختلفة من الإيمان:\nفالخوراج والمعتزلة يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، ولكن يرون أن الإيمان شيءٌ واحد؛ إذا زال بعضه زال كله.\nوفي المقابل المرجئة يقولون: الإيمان هو المعرفة، وما دام العلم موجودًا فإن ذلك لا يُوجب زوال الكفر ولو وقع الإنسان فيما يخالف ذلك من العمل، وهو قول الجهمية وقول الأشاعرة.\n_________\n(^١) انظر سنن أبي داود برقم (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١٠١٦٧)، والدارمي (١١٧٦)، قال الشيخ الالباني في المشكاة الجزء الأول صفحة (١٧٣): صحيح.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":487},{"text":"ولذلك عرَّفَ الأشاعرة الكفر فقالوا: «الكفر هو التكذيب»؛ فحصروا الكفر في التكذيب، كما حصروا الإيمان في التصديق؛ فمقابل التصديق: التكذيب. وهذا هو قول الأشاعرة.\nولذلك الناس مختلفون في مسألة الكفر؛ فهناك مَنْ يقول: لا نُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة. وهناك مَنْ يكفِّر بأدنى بدعة. وأمَّا أهل السُّنَّة فيقولون: إن الأمر يختلف باختلاف البدع؛ فمن البدع ما هي مُضَلِّلة، ومنها ما هي مُكَفِّرة.\nفمثلًا لو أنَّ إنسانًا أقامَ مَوْلِدًا؛ فلا نقول: إنه يكفر بهذا. ولكن لو أن إنسانًا فعل أمرًا يناقض أصل الإيمان؛ فإننا نقول: إن هذا القول-أو هذا الفعل-كُفْرٌ، كما نقول مثلًا: إن نفي الصفات وتعطيلها كفرٌ.\nفينبغي لطالب العلم أن يتصور ما الإيمان؟ وما الكفر؟ ثم بعد ذلك يَعرف لماذا ينقسم الكفر إلى قسمين: كفر أكبر مخرج من الملة. وكفر أصغر لا يُخرج من الملة، وهو الذي نُسَمِّيه كفرًا دون كفر، أو كفرًا لا يُخرج من الملة.\nفهذه مسألة واسعة، وينبغي على طالب العلم أن يعرف ما الكفر؟ وما أقسامه؟ وما الشرك؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما النفاق؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما الردة؟ وما أقسامها؟\nفهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يتصورها تصورًا واضحًا، حتى يعرف ما هو الإيمان؟\nلأن الناس لما اختلفوا في مسألة الإيمان تَفَرَّع عن هذا الاختلاف اختلافٌ في مسألة الكفر.\nفذلك الذي قال بِكُفْر مُرتكب الكبيرة، إنما وقع في هذا الزَّلل؛ لكونه يرى أن الإيمان شيءٌ واحدٌ إذا ذهب بعضُه ذهب كله.\nوكثير من الناس لا يستطيع أن يتصور ما النفاق؟ وأنه نوعان.\nفأصل النفاق: اختلاف الظاهر عن الباطن، ولذلك تارةً يكون أكبر، وتارةً يكون أصغر.\nفيكون أصغر إذا اختلف السر والعلانية في الواجبات، ولذلك جاء في الحديث: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»، وفي رواية: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (^١).\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ، برقم (٣٣)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ (٥٩)، والترمذي (٢٦٣١)، والنسائي (٥٠٢١)، والإمام أحمد في المسند، مُسْنَد المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٨٦٨٥).","vol":"1","page":488},{"text":"فمثلًا: لو أن إنسانًا أعطى موعدًا لآخر وهو ينوي في قرارة نفسه أنه لن يحضر في ذلك الموعد. فهذا نسميه نفاقًا أصغر؛ لأن السرَّ خالف العلانية في الواجبات، وليس في أصل الاعتقاد.\nأما إذا اختلف السرُّ والعلانية في أصل الاعتقاد فهذا نسميه: كفرًا أكبر، ومعناه: أن الإنسان يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر.\nوهكذا؛ فالشرك شركان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر.\nوالشرك الأصغر لا يكون إلا في نوعٍ واحد من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة فقط هو الذي فيه أكبر وأصغر.\nأمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات. هذان ما فيهما أكبر وأصغر، فينبغي كذلك أن يتصور ما هو الشرك الأكبر؟ وما هو الشرك الأصغر؟\nفعلى طالب العلم أن يعلم أن كلام أهل العلم في الشرك الأصغر إنما يقصدون به: الشرك في العبادات وتوحيد الألوهية، ويقولون في تعريفه: كل وسيلةٍ تؤدي إلى الشرك الأكبر ولم تبلغ رُتبة العبادة؛ لأنها متى ما بلغت رتبة العبادة فإن ذلك يَنقلها إلى الشرك الأكبر في توحيد العبادة.\nأمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات، فليس فيهما أكبر وأصغر، إذ كله أكبر.\nلذلك يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «الشِّرك شِركان: شرك يتعلق بذات المَعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.\nوشِرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه-سبحانه-لا شريكَ له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nوالشِّرك الأول نوعان:\nأحدهما: شرك التَّعطيل: وهو أقبحُ أنواع الشرك؛ كشرك فرعون إذ قال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣].\nوقال-تعالى-مُخبرًا عنه أنه قال لهامان: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]،","vol":"1","page":489},{"text":"فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مُشرك مُعَطِّل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل يكون المشركُ مقرًّا بالخالق-سبحانه-وصفاته، ولكنه مُعطل حق التوحيد.\nوأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.\nالقسم الثاني: تعطيل الصانع-سبحانه-عن كماله المقدس؛ بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.\nالقسم الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.\nومِن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثَمَّ خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المُنَزَّه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقِدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يَزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مُستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك مَنْ عَطَّل أسماء الرب-تعالى-وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.\nالنوع الثاني: شِرك مَنْ جعل معه إلهًا آخر، ولم يُعَطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته؛ كشرك النَّصارى الذين جعلوه ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.\nومِن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشَّرِّ إلى الظلمة.\nومِن هذا شرك القدرية القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يَخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس.\nومِن هذا شرك الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨].\nفهذا جعل نفسه ندًّا لله؛ يُحيي ويميت بزعمه، كما يُحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طَرْدَ قولِك: أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا، كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا.\nومِن هذا شرك كثير ممن يُشرك بالكواكب العُلويات، ويجعلها أربابًا مُدبرة لأمر","vol":"1","page":490},{"text":"هذا العالم، كما هو مذهب مُشركي الصابئة وغيرهم.\nومِن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم.\nومِن هؤلاء مَنْ يزعم أنَّ معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم مَنْ يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خَصَّه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يُقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى مَنْ هو فوقه، حتى تُقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾، فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل.\nوأمَّا الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا، فإنه يُصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظِّ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله مِنْ عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحَظِّه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان في «صحيحه»: «الشِّركُ في هذه الأمة أَخفى مِنْ دَبِيب النمل». قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشركُ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (^١).\nفالرياء كله شرك؛ قال تعالى: ﴿قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\nأي: كما أنَّه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفَرَّد بالإلهية يجب أن يُفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرِّياء المقيد بالسُّنَّة.\nوكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا».\nوهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه يُنَزِّله منزلة مَنْ لم يعمله، فيُعاقب على ترك الأمر، فإن الله-سبحانه-إنما أمر بعبادته عبادة خالصة؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين\n_________\n(^١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٦٠)، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٢٦٦).","vol":"1","page":491},{"text":"حنفاء﴾ [البينة: ٥].\nفمن لم يُخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل منه، ويقول الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريءٌ» (^١).\nوهذا الشركُ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور؛ فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يَغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].\nومعلوم أنهم ما سَوُّوهم به-سبحانه-في الخلق والرِّزق والإماتة والإحياء والمُلك والقدرة، وإنما سوُّوهم به في الحبِّ والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم؛ فكيف يُسَوَّى الترابُ بربِّ الأرباب، وكيف يُسَوَّى العبيد بمالك الرِّقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات، الذي ليس له مِنْ ذاته إلا العدم؛ بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غِناه وقدرته وملكه وجُوده وإحسانه وعِلمه ورحمته وكماله المطلق التام مِنْ لوازم ذاته؟!\nفأيُّ ظلم أقبح مِنْ هذا؟ وأيُّ حكم أشد جَوْرًا منه؟ حيث عَدَل مَنْ لا عِدْلَ له بخلقه، كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور * ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١].\nفعدل المشركُ مَنْ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، بِمَنْ لا يَملك لنفسه ولا لغيره مِثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ فيَا لَكَ مِنْ عَدْل تَضَمَّن أكبرَ الظُّلْم وأقبحَه» (^٢).\nوخلاصة القول: فالشرك في أصل تقسيمه ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، أي: ما يتعلق بأفعاله وأسمائه وصفاته.\n_________\n(^١) رواه بهذا اللفظ ابنُ ماجه (٤٢٠٢) ومسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظ مسلم: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه».\n(^٢) «الجواب الكافي» (ص ١٢٩ - ١٣٣).","vol":"1","page":492},{"text":"القسم الثاني: شرك يتعلق بعبادته ﷾.\nثم الشرك الذي يتعلق بذات الخالق-﷾-نوعان:\nالنوع الأول: شرك تعطيل.\nالنوع الثاني: شرك تمثيل.\nففي توحيد الربوبية شركان، وفي توحيد الأسماء والصفات-كذلك-شركان.\nفلذلك ضدُّ التوحيد: الشرك، والشرك-كما قلنا-: شركٌ في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات وشرك في الألوهية.\nأما الذي في الربوبية وفي الأسماء والصفات، فهو ينقسم إلى قسمين: شرك في التمثيل، وشرك في التعطيل.\nفالربوبية-مثلًا-الشرك فيها شركان:\nالأول: شرك تعطيل:\nوتعريفه هو:\n١ - أن يَجحد الخالق ﷾ وهو أن ينكر جميع أفعال الخالق، وهذا الذي نسمِّيه: الملحد.\n٢ - أو أن يُعَطِّل أفعاله إمَّا تعطيلًا كليًّا، وإمَّا تعطيلًا جزئيًّا، فهناك مَنْ يعطِّل بعض أفعال الخالق؛ كالذي يُنكر قدرة الله تعالى في فِعل العبد، فقدرة الله فِعْلٌ من أفعاله، فإذا أنكره يكون بذلك معطِّلًا لهذا الفعل من أفعاله؛ لذلك فالتعطيل إمَّا أن يكون تعطيلًا كليًّا، وإمَّا أن يكون تعطيلًا جزئيًا.\nالثاني: شرك التمثيل.\nوتعريفه هو:\nأن يَصرف فعلًا من أفعال الله تعالى لغير الله، مع جعل هذا الفعل لله تعالى؛ كالذي يعتقد أن الله يرزق وصاحب القبر يرزق، أو أن لله قدرة وأنَّ للكواكب قدرة؛ فهذا نسميه شِركًا في الربوبية.\nفمثلًا الذين يعتقدون أن للنجوم وللكواكب تأثيرًا في مجريات الأحداث بالكون، فإن هؤلاء أشركوا شركَ تمثيلٍ في الربوبية؛ لأنهم جعلوا مع الله مُماثلًا في هذا الفعل؛ فاعتقدوا أن الله يؤثر في الكون وأن الكواكب تؤثر كذلك.\nوكالذي يقع فيه بعضُ عُبَّادِ القبور الذين يعتقدون أن صاحب القبر يستطيع أن ينفع وأن يَضر بنفسه، وأنه يرزق بنفسه، وأنه يأتي بالولد بنفسه، وهكذا، فهذا نسميه","vol":"1","page":493},{"text":"شركَ التمثيل.\nوالشاهد: أنَّ هذا بابٌ واسعٌ، وهو ما نُسَمِّيه: الكفر المطلق، وعلى طالب العلم أن يتصور المسائل التي تُوجب الكفر؛ لأن التكفير حقٌّ لله ولرسوله ﷺ، فلذلك لا يمكن أن نحكم على المسائل بأنها كفرٌ أكبر أو كفرٌ أصغر، إلا بعد أن نعرف النصوص التي وردت في هذا، ونُفَرِّق بين ما هو أكبر وبين ما هو أصغر، وبين ما ينافي أصل الإيمان وبين ما ينافي كمال الإيمان، حتى لا نَقع في الخَلَل الذي وقع فيه المُرجئة والذي وقع فيه الخوارج والمعتزلة، وتفرع عنه حكمهم على مرتكب الكبيرة.\nوالأصل في هذا كله: أن يَعرف الإنسان ما هو معتقد السلف في الإيمان.\nوأردنا بهذا أن نُلقي بعض الضوء على هذه المسألة التي ينبغي على طالب العلم أن يفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا، حتى يستطيع أن يُفَرِّق بين الحق والباطل في هذا الباب؛ فلا يميل إلى رأي المرجئة ولا يميل إلى رأي الخوارج والمعتزلة، بل يكون وسطًا، كما كان عليه أهل السُّنَّة والجماعة.\nولن يكون كذلك حتى يعلم مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ويعلم ما هو الإيمان؟ وما هو الكفر؟ وما هي أقسامه؟ وما هي شُعَبُه؟\n\n<span data-type='title' id=toc-48>مسألة تكفير المعين:</span>\nوننتقل إلى مسألة مهمة-وهي تكفير المعين-التي أثار سوء الفهم لها كثيرًا من الجدال، بل واستحلال الدماء.\nفنظرًا لاختلاف الناس في مُسمى الإيمان ترتب عليه اختلافهم في مسمَّى الكفر، ونتج عن ذلك-أيضًا-اختلافهم في تكفير المعين.\nفالناس في هذه المسألة ثلاثة أصناف:\n- صنف لا يُكَفِّرون أحدًا من أهل القبلة.\n- وصنف يُكَفِّرون كل مبتدع، بل يكفرون حتى أصحاب الكبائر.\n- وأهل السُّنَّة والجماعة الذين هم وسط بين الصنفين السابقين.\nونحن في زمنٍ قد كثر فيه اللغط والغلط حول هذه المسألة، وعدم فهمها على مذهب السلف، ولذلك نتج عن ذلك خروج جماعات التكفير، ونسمع منهم وممن اغترُّوا بهم الشيء العظيم الذي بسببه كفَّروا الناس وخرجوا عليهم؛ حتى استحلوا دماءهم، وغير ذلك من أمور بسبب الخطأ في فهم هذه المسألة.","vol":"1","page":494},{"text":"ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتصوَّر هذه المسألة، وأن يعرفها ويفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا حتى لا يُخطئ فيها؛ فيقع فيما وقع فيه أولئك من خطأٍ وزَلَل.\nفلا بُدَّ أن نعلم أولًا: أنه لا يلزم من كون الفعل كفرًا أكبر-مثلًا-أن يكون فاعله كافرًا إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع عند أهل السُّنَّة، والشروط أربعة والموانع-كذلك-أربعة.\nفلا بُدَّ للحكم بكفر معين أن نعلم أنه لا بُدَّ من اجتماع هذه الشروط الأربعة، وانتفاء ما يُقابلها، وهي:\nالشرط الأول: العقل.\nالشرط الثاني: البلوغ.\nفلا بُدَّ أن يكون هذا القائل-أو هذا الفاعل، أو هذا المعتقد-عاقلًا بالغًا، بمعنى: أن الإنسان لو كان دون سِنِّ البلوغ أو كان مَجنونًا، فإنه بَذلك يَسقط عنه التكليف، ويكون هذا مانعًا من تكفيره ولو أَتَى بِمُكَفِّر؛ فالشرط: العقل والبلوغ، ويقابله الجنون والصِّغر.\nفعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِع القَلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبي حتَّى يحتلِمَ، وعن المجنونِ حتَّى يَعقِلَ» (^١).\nفمثلًا لو أن صبيًّا دون سِنِّ البلوغ عبث بأوراق المصحف وأهانه، فإنه لا يَكفر بذلك، وكذلك المجنون؛ لأنهما غير مُكَلَّفَيْن.\nالشرط الثالث: العِلم، ومقابله: الجهل؛ ومن الدليل عليه: قصة الرجل الذي أوصى بَنِيه بإحراقه، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «كان رجلٌ يُسرف على نفسه، فلما حَضَرَه الموتُ قال لِبَنيه: إذا أنا مُتُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذَرُّوني في الريح، فوالله لَإِن قَدر عليَّ ربي ليُعَذِّبَنِّي عذابًا ما عَذَّبه أحدًا، فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيكِ منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتُك، فَغَفَرَ له» (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا الرجلُ ظَنَّ أن الله لا يَقدر عليه إذا تفرَّق\n_________\n(^١) رواه الترمذي (١٤٢٣)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣٤٦)، وأحمد (٩٥٦)، وصحح إسناده أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٢/ ١٩٧)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٤٢٣).\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦).","vol":"1","page":495},{"text":"هذا التفرُّق؛ فظَنَّ أنه لا يُعيده إذا صار كذلك، وكل واحد: مِنْ إنكاره لقدرة الله، وإنكاره مَعاد الأبدان وإن تَفَرَّقَتْ؛ كُفْر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًّا في هذا الظَّنِّ مُخطئًا، فَغَفَر اللهُ له ذلك. والحديث صريحٌ في أنَّ الرجل طَمِع أن لا يُعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًّا في المعاد وذلك كفر؛ إذا قامت حُجَّة النبوة على مُنكره حُكم بكفره» (^١).\nالشرط الرابع: قَصْد الفعل أو القول أو الاعتقاد المُكَفِّر؛ فمَن قصد الفعل المكفِّر-وإن لم يَعلم أنه كُفْر-وعلم بأنه منهي عنه، فقد توافر فيه شرط القصد، ثم إذا ظهر أنه جاهل يُعَلَّم، فإن أصرَّ كَفَرَ بهذا.\nوالإكراه منافي للقصد، فإذا أُكره على الكفر؛ فنَطق بالكفر أو فعل مُكَفِّرًا-وكان قلبه مُطمئنًا بالإيمان-لم يُحكم بكفره؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].\nوالقَصْد مقابله: الخطأ؛ فالخطأ مانع من موانع التكفير؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وعند مسلم: «أنَّ الله ﷿ قال: «قَدْ فَعَلْتُ» (^٢)، وقال ﷺ: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيان وما اسْتُكرهوا عليه» (^٣).\nفالواجب الحذر من إطلاق الكفر على إنسان معين أو طائفة معينة حتى يُعلم تحقق شروط التكفير في حقها وانتفاء موانعه.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٩، ٤١٠).\n(^٢) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٣) من حديث أبي ذر الغفاري، ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٧٢١٩)، والدارقطني في «سننه» (٤٣٥١) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في «المشكاة» (٦٢٩٣).","vol":"1","page":496},{"text":"(٩٧) قال «أبو حنيفة»: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير من أن يجمع العلم الكثير. اه.\nقال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه.\nثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام.\nقال: وذكر الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.\nقلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل.\nوفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر» (^١).\nففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كَفَّر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربِّي في السماء أم في الأرض! فكيف يكون الجاحد النَّافي الذي يقول: ليس في السماء أو ليس في الأرض ولا في السماء؟ واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: وعرشه فوق سبع سماوات.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) «الفقه الأكبر»، رواية أبي مطيع البلخي (ص ٤٠، ٤٤، ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":497},{"text":"وبَيَّنَ بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ يُبين أن الله فوق السماوات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دلَّ على أن الله نفسه فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: لأنَّه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين، وأنه يُدعَى من أعلى لا من أسفل، وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء.\nواحتج على ذلك بأن الله تعالى في أعلى عِلِّيين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحُجَّتين فِطرية عقلية؛ فإن القلوب مَفطورة على الإقرار بأنَّ الله في العلو، وعلى أنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.\nوروى هذا اللفظ عنه بالإسناد شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهَرَوي بإسناده في كتاب «الفاروق» (^١).\n<hr><s0>\n\nقال المصنف ﵀: قال أبو حنيفة: «الفقه الأكبر في الدين خيرٌ من الفقه في العلم، ولأن يَفقه الرجل كيف يعبد ربَّه خير من أن يَجمع العلم الكثير».\nلا شَكَّ أن الإنسان إذ تفقه في أصول دينه، وفي معرفة كيفية عبادة ربه ﷿ فإنه سيعبده على يَقين وعلى بصيرة من أمره، وهذا خير من أن يجمع مسائل الفروع ويكون جاهلا بمسائل الأصول.\nقال المصنف ﵀: «قال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه.\nثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله\n_________\n(^١) وذكر-كذلك-ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٣٩)، وابن أبي العز الحنفي في «شرح الطحاوية» (٢/ ٣٨٦): أنَّ هذا الأثر رواه أبو إسماعيل الهروي بسنده في كتاب «الفاروق» عن أبي مطيع البلخي. والكتاب ما زال مفقودًا.","vol":"1","page":498},{"text":"بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام».\nفهنا سأل أبو مُطيع الإمام أبا حنيفة ﵀ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن طائفة من الناس، يُلِمِّح إلى كل من الخوارج والمعتزلة، الذين يَرَوْن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون ضوابط شرعية، مما أدى إلى لازم ذلك من الخروج على جماعة المسلمين بالسيف والقتال.\nولا شَكَّ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الإسلام، وشريعة من شرائعه، لكن لا بد أن تؤدى بالوسائل الشرعية، فيجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهي عن المنكر، لكن لا يخرج على جماعة المسلمين بحجة أنه يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر؛ لأنه إذا خرج عليهم بالسلاح كان إفساده أكثر من إصلاحه؛ ويترتب على خروجه من المنكر أعظم مما هم موجود وقائم.\nوهناك شواهد عبر التاريخ مما صنع الخوارج والمعتزلة الذين خرجوا بالقوة على جماعة المسلمين بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأفسدوا أكثر مما أصلحوا، والقاعدة الأصولية العامة تقول: إن درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح؛ فإذا كان هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيجلب مَفسدة، أو سيترتب عليه مفسدة أعظم من المفسدة القائمة؛ فتركه أَوْلَى، وكذلك لا يُزال المنكر بمُنكر أشد منه؛\nقال الإمامُ ابن القيم ﵀: «فإنكار المنكر أربع درجات:\nالأولى: أن يَزول ويخلفه ضده.\nالثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يَزل بجُملته.\nالثالثة: أن يَخلفه ما هو مثله.\nالرابعة: أن يَخلفه ما هو شَرٌّ منه.\nفالدرجتان الأُولَيَان مَشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.\nفإذا رأيت أهلَ الفجور والفسوق يَلعبون بالشِّطْرَنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله؛ كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك.\nوإذا رأيت الفُسَّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلَّا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تُفَرِّغَهم","vol":"1","page":499},{"text":"لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المُجون ونحوها وخِفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسِّحْر؛ فَدَعْهُ وكتبه الأولى، وهذا بابٌ واسعٌ.\nوسمعت شيخَ الإسلام ابن تيمية-قَدَّس الله روحه ونور ضريحه-يقول: مَررت أنا وبعض أصحابي في زمن التَّتار بقومٍ منهم يشربون الخمر؛ فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنَّما حَرَّم الله الخمر؛ لأنَّها تَصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يَصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال؛ فَدَعْهُم» (^١).\nقال المصنف ﵀: «قال-أي: أبو مطيع-وذكر-أي: أبو حنيفة-الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.\nقلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل. وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر».\nلا زال المؤلف يذكر كلام الإمام أبي حنيفة، كما رواه أبو مطيع البلخي ﵀، ففي هذا الكلام نرى أن الإمام أبا حنيفة كَفَّر مَنْ أنكر صفة العلو لله ﷿، والكلام في هذا صريح لا يحتمل التأويل، بل إنه ﵀ كَفَّر مَنْ تَوَقَّف في هذه المسألة، فقال: لا أدري اللهُ في السماء أم في الأرض!\nلكن ينبغي التنبه هنا إلى أن كلام الأئمة في تكفير مَنْ خالف في بعض هذه المسائل هو من باب التكفير المُطلق، وليس من باب تكفير المُعَيَّن.\nفالتكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، مثل أن يتوعد الله ﷿ بالنار مَنْ يأكلون أموال اليتامى ظلمًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، فلا يجوز أن نحكم على من\n_________\n(^١) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (٣/ ١٢، ١٣).","vol":"1","page":500},{"text":"نعلم أنه أكل أموال اليتامى بأنه في النار، وكذلك توعد الله آكل الربا بالنار، وتوعد القاتل المتعمد بالنار؛ فلا يجوز أن نَحكم على مسلم بعينه بأنه من أهل النار وإن فعل ما توعد الله من فعل هذا الفعل بالنار بإطلاق.\nوكان الأئمة يُكَفِّرون ببعض المقالات، ومع ذلك لا يحكمون بكفر من يقول بها؛ فالإمام أحمد اشتهر عنه أنه قال: «مَنْ قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر»، ومع ذلك كان يصلي خلف مَنْ يقول: القرآن مخلوق. لأنه-كما قلنا-لا بد من الحكم على معين بالكفر مِنْ تحقق شروط وانتفاء موانع.\nفكلام الإمام أبي حنيفة هنا لا يعني أن كل من أنكر صفة العلو نقول له: أنت كافر خارج من الملة. لا، فكلام الأئمة يُؤخذ على عمومه، ولا يحكم به على شخص معين إلا بعد قيام الحجة وانتفاء الموانع وزوال ما عنده من شُبهة.\nوكذلك ينبغي أن نَبُثَّ مثل هذه الآثار عن الإمام أبي حنيفة؛ لأن بعض أتباع مذهبه يتعصبون له، ويُشنعون على المخالفين له، وينكرون صحة نسبة هذه النصوص إليه، وبعضهم يؤولها، مع أنَّها نصوص ثابتة عنه ﵀، وهي صريحة في إثبات صفة العلو والإنكار الشديد على مَنْ أنكرها، فكلامه ﵀ لا يحتمل التأويل؛ لأنه كَفَّر حتى المتوقف الذي يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ فقال: «هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل».\nوقد ذكر هنا ﵀ حُجَّتين فطرية عقلية؛ وهما: أن القلوب مَفطورة على الإقرار بأن الله في العُلو، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وهذا يُقر به كل أحد.\nأما الأقوال في صفة العلو فهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-49>القول الأول: قول أهل السنة والجماعة ومن وافقهم</span>\nيؤمن أهل السنة بعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه وهم بائنون منه.\nوقد وافقهم على قولهم في إثبات العلو عامة الصفاتية، كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه، وأبي العباس القلانسي (^١)، وأبي الحسن الأشعري والمتقدمين من أصحابه.\n_________\n(^١) قال عنه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٢٩٨): «أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي، من معاصري أبي الحسن الأشعري ﵀ لا من تلاميذه، كما قال الأهوازي، وهو من جلة العلماء الكبار الأثبات، واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات، (أي موافق لاعتقاد الأشعري).","vol":"1","page":501},{"text":"وهو قول الكرامية ومتقدمي الشيعة الإمامية (^١).\nوقد استدل أهل السنة والجماعة على إثبات صفة العلو بالقرآن، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.\nوقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتوى الحموية الكثير من الأدلة من القرآن، والسنة، وإجماع سلف الأمة، وأئمتها، فلا حاجة إلى تكرار ذلك. فقد وفى هذا الجانب حقه.\nوسأشير هنا إلى دليل العقل، والفطرة.\nأما الأدلة العقلية فهي كثيرة وسأورد ههنا ثلاثة منها:\nالدليل الأول: قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟\nفسيقول: نعم.\nفقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه؟ أم خارجًا عن نفسه؟\nفإنه يصير إلى ثلاثة أقوال:\nواحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه.\nوإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.\nوإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع\" (^٢)\nالدليل الثاني: قول ابن القيم: \"إن كل من أقر بوجود رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم.\nفمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا؟\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧)، ونقض تأسيس الجهمية (١/ ١٢٧، ٢/ ١٤).\n(^٢) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":502},{"text":"فإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربًا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية، فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة؟\nفإن قيل إنها غير معينة كانت خيالًا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب.\nوإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المتعينين للآخر، فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.\nفإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.\nقيل: هذا-والله أعلم-حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرًا عدميًا محضًا ونفيًا صرفًا وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض.\nوأيضًا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره\" (^١).\nالدليل الثالث: أنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز، وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له، وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.\nوالمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، ولا محاذيًا له ولا سافلا عنه.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).","vol":"1","page":503},{"text":"ولما كان العلو صفة كمال، وكان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، ولا يكون قط غير عالٍ عليه (^١).\nوبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه وكذلك مدى مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول وصحيح المنقول.\nأما دليل الفطرة:\nفمن المعلوم أن الفطرة السليمة قد جبلت على الاعتراف بعلو الله ﷾، ويظهر هذا الأمر عندما يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى أن يقصد جهة العلو ولو بالقلب حين الدعاء، وهذا الأمر لا يستطيع الإنسان دفعه عن نفسه فضلًا عن أن يرد على قائله وينكر هذا الأمر عليه.\nومن أجل ذلك لم يجد الجويني-إمام الحرمين-جوابًا حين سأله الهمداني محتجًا عليه بها، فقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الاستاذ أبا المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: \"كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان\". فقال الشيخ أبو جعفر: \"يا أستاذ دعنا من ذكر العرش -يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع-أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة على قلوبنا؟\nقال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارًا بذلك، وتصديقًا من غير أن يتواطؤوا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.\nوكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٤، ٦١)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٢٥ - ٣٢٦).","vol":"1","page":504},{"text":"قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.\nفهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>القول الثاني: قول المعطلة من الفلاسفة (^٢)، والجهمية (^٣)، والمعتزلة (^٤)، ومتأخري الأشاعرة (^٥)، والقرامطة الباطنية </span>(^٦).\nوهؤلاء جميعًا ينفون علو الله وارتفاعه فوق خلقه، وكل ذلك تحت دعوى التوحيد والتنزيه ونفي التشبيه، فهم يزعمون أن إثبات العلو لله تعالى فيه إثبات للجهة، والمحايثة، والحد، والحركة، والانتقال، وهذه الأمور على زعمهم تستلزم الجسمية، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث فمن أجل ذلك نفوا العلو، وأولوا النصوص الثابتة فيه بأن المراد بها علو القهر والغلبة.\nوقد انقسم الجهمية المعطلة النافون لعلو الله إلى فريقين في هذه المسألة:\nالفريق الأول:\nوهم الذين يقولون إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا هو مباين له ولا محايث له.\nوهذا القول هو ما يذهب إليه النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة (^٧)، وهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما، وذلك خشية منهم أن يشبهوا، فهم قالوا بهذه المقالة هربًا منهم-على حد زعمهم-من إثبات\n_________\n(^١) انظر درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥) بتصرف.\n(^٢) النجاة لابن سينا (ص ٣٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، (٥/ ١٢٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، (٥/ ١٢٢).\n(^٥) تأويل مشكل الحديث لابن فورك (ص ٦٣)، الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (٢٩، ٣٤).\n(^٦) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٧٨)، والقرامطة من الباطنية وهم ينتسبون إلى حمدان بن الأشعث الذي كان يلقب بقرمط لقرمطة في خطه أو خَطْوِه، انظر الفرق بين الفرق (٢٨١، ٢٩٣)، المنتظم لابن الجوزي (٥/ ١١٠، ١١١).\n(^٧) الرسالة الأضحوية (نقلا عن مختصر الصواعق ١/ ٢٣٧)، والاقتصاد في الاعتقاد (ص ٣٤)، تأويل مشكل الحديث (ص ٦٣ - ٦٤)، مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨، ٥/ ١٢٢ - ١٢٤)، نقض التأسيس (١/ ٦ - ٧).","vol":"1","page":505},{"text":"الجهة والمكان والحيز، لأن فيها كما يدعون تجسيمًا وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات فنحن نسد الباب بالكلية.\nوقد استند أصحاب هذا القول في قولهم هذا على حجج زعموا أنها عقلية أسسوها وابتدعوها وجعلوها مقدمة كل نص، وليس لهؤلاء أي دليل من القرآن أو السنة على صحة قولهم هذا. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص، كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرهم إلا الجهمية، فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه في النفي\" (^١).\nوسنأتي بعد ذكر بعض تلك الحجج التي زعمها هؤلاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>القول الثالث:</span>\nوهم الذين يقولون بأن الله بذاته في كل مكان.\nوهذا القول هو ما يذهب إليه النجارية (^٢)، وكثير من الجهمية وبخاصة عبادهم وصوفيتهم وعوامهم وأهل المعرفة والتحقيق منهم (^٣).\nويحتج هؤلاء ببعض الحجج العقلية المزعومة بالإضافة إلى بعض الآيات القرآنية الدالة على المعية والقرب.\nوقد يجمع كثير من هؤلاء المعطلة بين القولين، فهو في حالة نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما، فيقول لا هو داخل العالم ولا خارجه.\nوفي حالة تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان ولا يخلو منه شيء (^٤).\nشبهة المعطلة العقلية:\nإن جل ما اعتمد عليه هؤلاء المعطلة من أدلة على نفي صفة العلو وغيرها من الصفات إنما هو عبارة عن حجج عقلية مزعومة ومبتدعة بناها هؤلاء المعطلة على\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢).\n(^٢) هم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله بن النجار، وقد كان أكثر معتزلة الري ومن حولها على مذهبه، وقد نقل الشهرستاني في الملل والنحل (١/ ١١٣ - ١١٤) عن الكعبي قوله: (إن النجار كان يقول: إن الباري بكل مكان وجودا لا معنى العلم والقدرة).\nوانظر مقالات الإسلاميين (١/ ١٣٥ - ١٣٧، ٢٨٣ - ٢٨٥)، والفرق بين الفرق (١٢٦ - ١٢٧)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٣٣٤)، والتبصير في الدين (١٠١، ١٠٢، ١٠٣).\n(^٣) انظر نقض التأسيس (١/ ٧).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":506},{"text":"أصول فلسفية كانوا قد تأثروا بها، وليس لهؤلاء المعطلة في نفيهم هذا أساس من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ.\nوقد جعل هؤلاء المعطلة لتلك الحجج حكم الأمر المحكم الذي يجب اتباعه واعتقاد موجبه والتسليم به، وقد بلغ من تقديسهم لها أنهم جعلوها مقدمة على الكتاب والسنة فإذا ورد النص من الكتاب أو السنة عرضوه على تلك الأسس العقلية، فإن وافقها احتجوا به اعتضادا لا اعتمادا، وإن خالفها فهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيؤولون نصوص القرآن ويطعنون في نصوص السنة، وكل ذلك تحت دعوى التنزيه والتوحيد ونفي التشبيه.\nوقد أفرط هؤلاء المعطلة في هذا الجانب -أي جانب نفي التشبيه- فجعلوا من قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] جنة يتترسون بها لنفي علو الله سبحانه فوق عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله، وغير ذلك مما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ، حتى إنه قد آل ببعض هؤلاء المعطلة إلى نفي ذاته خشية التشبيه فقالوا: هو وجود محض لا ماهية له، ونفى آخرون وجوده بالكلية خشية التشبيه -على حد زعمهم- حيث قالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات والكلام والعلو فنحن نسد الباب بالكلية (^١).\nوسوف نتعرض لبعض أسس تلك الشبه العقلية المزعومة التي جعلها هؤلاء المعطلة مستندا لهم في نفي صفة العلو وغيرها من الصفات، ونبين ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ مع بيان ما في تلك الأسس من تناقض وبخاصة من الناحية العقلية.\nونظرًا لتعدد مذاهب المعطلة واختلاف بعضها عن بعض في القول والرأي، فسوف نعرض شبهة كل فرقة من الفرق السابقة الذكر على حدة فنبدأ أولًا ب:\n١ شبهة الفلاسفة (^٢):\nالفلاسفة ينفون صفة العلو وباقي صفات الباري ﷿ -كما سبق أن ذكرنا-تحت دعوى التوحيد والتنزيه عن مشابهة المخلوقين، فابن سينا يقول: \"إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، فهو ليس بجسم، ولا صورة جسم، ولا مادة معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا له قسمة في\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٨٥).\n(^٢) أقصد بهم فلاسفة المسلمين كابن سينا والفارابي.","vol":"1","page":507},{"text":"الكلم ولا في المبادئ المقومة له، ولا في قول الشارح ولا غير ذلك مما ينافي وحدة واجب الوجود وبساطته المطلقة\" (^١).\nوالمتأمل لهذه العبارات التي أوردها ابن سينا يعرف أنها إنما هي مجرد اصطلاحات اصطلحها هو وأمثاله من الفلاسفة الذين تأثروا بفلسفة اليونان، فجعلوا من تلك العبارات المبتدعة ما أسموه بالتوحيد، وادعوا أن ما تضمنته هو التنزيه، مع أنها في الحقيقة متضمنة لنفي جميع الصفات بما فيها العلو والاستواء.\nفقوله: (إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه) يعني به أنه ليس لله تعالى صفة ولا قدر، لأن ذلك على رأيه يستلزم التجسيم والتجزئة والتركيب فيلزم نفيه، لأنه يلزم من ذلك الحدوث والافتقار وذلك ينافي واجب الوجود.\nفابن سينا وأمثاله من الفلاسفة يعتمدون في نفي الصفات على حجة التركيب والتي هي: (أنه لو كان له صفة لكان مركبًا، والمركب يفتقر إلى جزئيه، وجزؤه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه) وهم بهذا الكلام تجدهم قد نفوا صفات الباري جميعها.\nولو توقفنا عند العبارة السابقة وهي قوله: (أن واجب الوجود بذاته واحد بسيط …) من أجل بيان ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وحتى مخالفتها للعقل الذي يقدمه هؤلاء على كل شيء. لوجدنا هذه العبارة هي تفسير للواحد بما لا أصل له في الكتاب أو السنة، بل هو تفسير باطل شرعًا وعقلًا ولغة.\nأما في اللغة: فإن أهل اللغة مطبقون على أن هذا القول ليس هو معنى الواحد في اللغة، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا، إذ المخلوقات إما أجسام وإما أعراض عند من يجعلها غيرها أو زائدة عليها.\nوإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، ولا يوجد في اللغة اسم الواحد إلاّ على ذي صفة ومقدار لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، ومعلوم أن النفس الواحدة المراد بها\n_________\n(^١) النجاة لابن سينا (ص ٣٧).","vol":"1","page":508},{"text":"هنا آدم ﵇، وحواء خلقت من ضلع آدم، فمن جسده خلقت لا من روحه حتى لا يقول القائل: الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها، وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام التي سماها الله نفسًا واحدة علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة. وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله تعالى ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر ١١]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد من باب أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام.\nوأما في العقل:\nفإن الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، فليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز من شيء عن شيء بحيث يمكن أن يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمى جسمًا.\nوأما في الشرع:\nفنقول: إن مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم، تعرف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم (الواحد) في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدعها هؤلاء (^١).\nوأما حجة التركيب التي اعتمد عليها هؤلاء الفلاسفة في نفي الصفات وهي قولهم: (إنه لو كان صفة لكان مركبا والمركب يفتقر إلى جزئيه وجزؤه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه) فهي تتكون من ألفاظ مجملة بمعنى أن كل لفظة منها تحتمل عدة معان فلا بد من توضيح المراد من كل لفظ أولًا حتى يتكلم فيه.\nفلفظ (المركب) مثلًا: قد يراد به ما ركبه غيره، أو ما كان مفترقًا فاجتمع، أو ما يقبل التفريق، والله منزه عن هذه المعاني باتفاق.\nوأما الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها فإذا سميتم هذا تركيبًا كان ذلك اصطلاحًا لكم، وليس هو المفهوم من لفظ المركب ولن تستطيعوا أيها الفلاسفة إقامة الدليل على نفيه.\nوأما قولهم: (لكان مركبًا) فإن أرادوا لكان غيره ركبه، أو لكان مجتمعًا بعد\n_________\n(^١) انظر نقض التأسيس (١/ ٤٨٢، ٤٨٤، ٤٨٨).","vol":"1","page":509},{"text":"افتراقه، أو لكان قابلًا للتفريق. فاللازم باطل فإن الكلام إنما هو في الصفات اللازمة للموصوف الذي يمتنع وجوده بدونها.\nوإن أراد بالمركب الموصوف أو ما يشبه ذلك فلِم قالوا أن ذلك يمتنع؟!\nوأما قولهم (والمركب مفتقر إلى غيره) فالجواب عنه: أما المركب بالتفسير الأول فهو مفتقر إلى ما يباينه وهذا ممتنع على الله تعالى.\nوأما الموصوف بصفات الكمال اللازمة لذاته الذي سميتموه أنتم مركبًا فليس في اتصافه هذا ما يوجب كونه مفتقرًا إلى مباين له.\nوإن قالوا: هي غيره وهو لا يوجد إلا بها وهذا افتقار إليها، قيل لهم: إن أرادوا بقولهم هي غيره أنها مباينة له فذلك باطل. وإن أرادوا أنها ليست إياه، قيل لهم: إذا لم تكن الصفة هي الموصوف فأي محذور في هذا.\nوإذا قالوا: هو مفتقر إليها، قيل: أتريدون بالافتقار أنه مفتقر إلى فاعل يفعله أو محل يقبله؟ أم تريدون أنه مستلزم لها فلا يكون موجودًا إلا وهو متصف بها؟\nأما الثاني فأي محذور فيه؟ وأما الأول فباطل إذ الصفة اللازمة للموصوف لا يكون فاعلًا لها (^١).\nأما قولهم: (أنه لو كان صفة لكان مركبًا والمركب مفتقر إلى جزئيه)، فهذا القول لا يتم إلا عند من يثبت الجوهر الفرد، أما نفاته فعندهم أن الجسم في نفسه واحد بسيط ليس مركبًا من الجواهر المنفردة.\nوهذه المسألة خلافية قد توقف فيها أذكى المتأخرين من الأشعرية وإمامهم أبو المعالي الجوني وكذلك أذكى متأخري المعتزلة أبو الحسين البصري (^٢) وكذلك الرازي (^٣)\n_________\n(^١) انظر منهاج السنة (١/ ١٨٨ - ١٩٠) بتصرف.\n(^٢) أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري، من متأخري المعتزلة ومن أئمتهم، توفي سنة (٤٣٦ هـ).\nانظر الملل والنحل (١/ ١٣٠ - ١٣١)، ولسان الميزان (٥/ ٥٩٧).\n(^٣) أبو عبد الله، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري الرازي، ويعرف بابن الخطيب، وبابن خطيب الري، ولد سنة (٥٤٤ هـ) وتوفي سنة (٦٠٦ هـ)، من أئمة الأشاعرة الذين مزجوا المذهب الأشعري بالفلسفة والاعتزال.\nانظر ترجمته في وفيات الأعيان (٣/ ٣٨١ - ٣٨٥)، شذرات الذهب (٥/ ٢١)، طبقات الشافعية (٥/ ٣٣ - ٤٠).","vol":"1","page":510},{"text":"فهي مقدمة ممنوعة لا تصلح دليلا لوجود النزاع فيها حتى بين الفلاسفة أنفسهم (^١).\n٢ شبهة المعتزلة:\nوأما شبهة المعتزلة التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري ﷿ بما فيها صفة العلو فهي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^٢) ولكان جسمًا إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعددًا في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.\nفهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (^٣).\nوالمعتزلة يقولون إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.\n_________\n(^١) نقض التأسيس (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦).\n(^٢) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.\nانظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).\n(^٣) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":511},{"text":"الرد عليهم:\nمما تقدم نعلم أن المعتزلة إنما بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسمًا ولا محيزًا لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nفهم بهذا القول نفوا صفات الباري وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يمكن القول بموجبه.\nوالمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:\nأولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرش والجسم والحيز والمركب وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات الباري ﷿ حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه من ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف ولا جاء به أثر صحيح ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.\nومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (^٢).\n_________\n(^١) انظر شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض التأسيس الجهمية (١/ ٥٠٤، ٥١١)، وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٨ - ٤٣٠).\n(^٢) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من قضية التأويل (٣٨١ - ٣٨٥).","vol":"1","page":512},{"text":"ثانيا: أن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^١).\nكما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٢).\nثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^٣) الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٤)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وما يلزم عليها من لوازم باطلة لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلًا عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له.\nوما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم إنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^٥).\n٣ شبه متأخري الأشاعرة:\nوهم أيضًا ينفون صفة العلو لأنها من الصفات الخبرية (^٦)، ومعلوم أن مذهب متأخري الأشاعرة في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات فقط وهي ما يسمونها بصفات المعاني وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، وهم يثبتون لهذه الصفات أربعة أحكام هي:\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٧٧)، وموقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٢) موقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٣) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٣).\n(^٤) انظر كتاب رسالة إلى أهل الثغر (ص ١٦٤ - ١٧٢) تحقيق عبد الله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.\n(^٥) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٦، ٢٥٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٨ - ٤٠).\n(^٦) الصفات الخبرية وتسمى الصفات السمعية وهي: ما كان الدليل عليها مجرد خبر الرسول دون استناد إلى نظر عقلي كالاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك.","vol":"1","page":513},{"text":"١ أن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها فصانع العالم عندهم عالم بعلم وحي بحياة وقادر وهكذا.\n٢ أن هذه الصفات كلها قائمة بذات الله تعالى ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته لأن الدليل دل على أنه متصف بها ولا معنى لاتصافه بها إلا قيامها بذاته، حتى لو قلنا: إنه عالم كان هو بعينه مفهوم قولنا قام بذاته علم، فلا تكون الصفة لشيء إلا إذا قامت به لا بغيره.\n٣ أن هذه الصفات كلها قديمة لأنها إن كانت حادثة كان القديم محلًا للحوادث وهذا محال، أو متصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة.\n٤ أن الأسماء المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبع صادقة عليه أزلًا وأبدًا فهو في القدم كان حيًا قادرًا عليمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا (^١).\nفهم على قولهم هذا لا يثبتون سوى هذه الصفات السبع فقط لأنها قديمة. أما باقي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية فهم ينفونها جميعها، بدعوى تنزيه ذات الله عن الحوادث.\nومتأخرو الأشاعرة هؤلاء وإن كانوا يخالفون المعتزلة في جعلهم الصفة غير الذات كما في الحكم الأول فيثبتون الصفات القديمة من هذا الباب، إلا أنهم قد وافقوا المعتزلة في دليلهم المسمى بدليل نفي الحوادث فنفوا باقي الصفات الأخرى، ذلك لأن قولهم في الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي أوردناها إنها لو كانت حادثة لكان القديم محلا للحوادث، هو بعينه ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات (^٢).\nويقول متأخرو الأشاعرة في دليلهم العقلي على نفي العلو إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة وإثبات الجهة يقتضي كونه جسمًا، وكونه جسمًا يقتضي كونه مركبًا، والمركب مفتقر إلى جزئيه، والمفتقر إلى جزئيه لا يكون إلا حادثا والله سبحانه منزه عن الحوادث (^٣).\nفعلى قولهم هذا يكونون هم والمعتزلة على دليل واحد، وقد سبق أن ذكرنا الرد على المعتزلة فيكون الرد على هؤلاء من جنس الرد على أولئك، ويضاف إلى ذلك أن القول في الصفات التي نفاها هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيمًا وقولا باطلًا فهذا كذلك.\n_________\n(^١) انظر الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٨٤ - ١٠١)، بتصرف.\n(^٢) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٥).\n(^٣) نقض التأسيس (١/ ٥٠٣).","vol":"1","page":514},{"text":"وإن قالوا: إن إثباتها على الوجه الذي يليق بالرب.\nقيل لهم: وكذلك هذا.\nفإن قالوا: نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم.\nقيل لهم: وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين (^١).\n٤ شبه النفاة السمعية في نفي صفة العلو:\nلقد سبق وأن ذكرنا أن المعطلة قد انقسموا في هذه المسألة إلى فريقين:\nفأما الفريق الأول: وهم القائلون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته وهؤلاء كما سبق أن ذكرنا ليس لهم دليل واحد من الكتاب أو السنة.\nوأما الفريق الثاني: وهم القائلون بأن الله بذاته في كل مكان فقد احتجوا لقولهم هذا بنصوص \"المعية\" و\"القرب\" الواردة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة ٧]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُم﴾ [النساء ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].\nوقد زعم حلولية الجهمية أن المراد بهذه النصوص معية الذات وقرب الذات، فلذلك قالوا: إن الله بذاته في كل مكان.\nالرد عليهم:\nقد أبطل علماء السلف زعم هؤلاء الجهمية واستدلالهم بهذه الآيات ويبينوا أن كل نص يحتجون به هو في الحقيقة حجة عليهم، فنصوص المعية التي استدلوا بها لا تدل بأي حال من الأحوال على ما زعمه هؤلاء، وذلك لأن كلمة (مع) في لغة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٥).","vol":"1","page":515},{"text":"العرب لا تقتضي أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر، وهي إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى.\nولفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع واقتضت في كل موضع أمورًا لم تقتضها في الموضع الآخر، وذلك بحسب اختلاف دلالتها في كل موضع وهي قد وردت في القرآن بمعنيين هما:\nالمعنى الأول: المعية العامة\nوالمراد بها أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nفالله ﷾ قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر (^١)، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).\nوعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية.\nوكذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nفظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله ﵎ واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع تعالى في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض البتة، وهو كقوله ﷺ في حديث الأوعال: \"والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه\".\nالمعنى الثاني: المعية الخاصة\nوهي معية الاطلاع والنصرة والتأييد، وسميت خاصة لأنها تخص أنبياء الله\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٣)، و(٥/ ٥١٩)، و(١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٤).","vol":"1","page":516},{"text":"وأولياءه مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾، وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨].\nفهذه المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.\nولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك (^١).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"إن هذه الآية لا تخلوا من أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك.\nفإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].\nأما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية دل على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ \" (^٢).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض.\nقال ابن عبد البر: \"فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير\" (^٣).\nوقال الآجري: \"وقوله ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠)، و(٥/ ١٠٤).\n(^٢) الفتاوى (٦/ ١٩ - ٢٠).\n(^٣) التمهيد (٧/ ١٣٤).","vol":"1","page":517},{"text":"السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء\" (^١).\nوروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: \"هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض\" (^٢).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿هُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقد فسرها أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض (^٣).\nوقال الآجري: \"وعند أهل العلم من أهل الحق ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون﴾ هو كما قال الحق ﴿يَعْلَمُ سِرّكُمْ﴾ فما جاءت به السنن أن الله ﷿ على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>القول الرابع:</span>\nوهو قول من يقول: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.\nهذا قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني (^٥)، وزهير الأثري (^٦)، وأصحابهما (^٧)، وهو موجود في كلام السالمية (^٨) كأبي طالب المكي (^٩)\n_________\n(^١) الشريعة (٣/ ١١٠٤).\n(^٢) الشريعة (٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥).\n(^٣) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٩٢ - ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).\n(^٤) الشريعة (٣/ ١١٠٤).\n(^٥) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة ورأس فرقة التومنية منها.\nانظر ترجمته ومذهبه في مقالات الأشعري (١/ ٢٠٤، ٣٢٦)، (٢/ ٢٣٢)، والملل والنحل (١/ ١٢٨).\n(^٦) زهير الأثري، لم أقف على ترجمته، وقد تكلم الأشعري عن آرائه بالتفصيل في المقالات (١/ ٣٢٦).\n(^٧) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).\n(^٨) هم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم المتوفى سنة (٢٩٧ هـ) وابنه أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم المتوفى سنة (٣٥٠ هـ)، وقد تتلمذ أحمد بن محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، ويجمع السالمية بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التشبيه ونزعة صوفية اتحادية.\nانظر شذرات الذهب (٣/ ٣٦)، وطبقات الصوفية (ص ٤١٤ - ٤١٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٥٧ - ٢٠٢).\n(^٩) أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، صوفي نشأ واشتهر بمكة، وهو صاحب كتاب \"قوت القلوب\" في التصوف وهو من أكبر رجال السالمية، قال عنه الخطيب البغدادي: (ذكر فيه أشياء مستشنعة في الصفات)، توفي سنة (٣٨٦ هـ).\nانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٨٩)، وميزان الاعتدال (٣/ ٦٥٥)، ولسان الميزان (٥/ ٣٠٠).","vol":"1","page":518},{"text":"وأتباعه كأبي الحكم برجان (^١) وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (^٢) فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٣).\nوالفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.\nويزعم أصحاب هذا القول أنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.\nالرد عليهم:\nإنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.\nأما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.\n_________\n(^١) أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، متصوف، توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمراكش.\nانظر ترجمته في لسان الميزان (٤/ ١٣ - ١٤)، فوات الوفيات (١/ ٥٦٩)، الاعلام (٤/ ١٢٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩).\n(^٣) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).","vol":"1","page":519},{"text":"وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات.\nأما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.\nفإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.\nوإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).\nوقد عرف عن الإمام أبو حنيفة تصديه لمقالات الجهمية ومن ذلك ما رواه البيهقي أنا أبو بكر بن الحارث، أخبرنا ابن حيان، أنا أحمد بن جعفر بن نصر، ثنا يحيى بن يعلى، سمعت نعيم ابن حماد ٤ يقول: سمعت نوح بن أبي مريم يقول: \"كنا عند أبي حنيفة ﵀ أول ما ظهر، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس، تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة، فأتته وقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا أن الله في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ١ قال: هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه\" (^٢)\nقال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الرب من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء (^٣). \"\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨٣). وأورده الذهبي في العلو (ص ١٠١). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣٧ - ١٣٨)، وإسناده ضعيف جدا لأن نوح بن أبي مريم كذاب وضاع.\n(^٣) الأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥٣٩ - ٥٤٠).","vol":"1","page":520},{"text":"(٩٨) وروى هو-أيضًا-وابنُ أبي حاتم: أن هشام بن عُبيد الله الرَّازي (^١) -صاحب محمد بن الحَسَن، قاضي الرَّي-حبس رجلًا في التَّجَهُّم (^٢)؛ فتاب، فجيء به إلى هشام ليُطلقه، فقال: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام، فقال: أتشهد أنَّ الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه! فقال: رُدُّوه إلى الحبس؛ فإنه لم يَتب» (^٣).\n<hr><s0>\n\nفلا بد من إثبات العلو لله تعالى وأنه بائن من خلقه، وقد أتى العلماء بلفظة (بائن)؛ للرد على الجهمية الحلولية الذين زعموا أن الله مختلط وممتزج بالخلق؛ ولهذا لما قال هذا الرجل: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام بن عُبيد الله الرَّازي-فقال له: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أنَّ الله على عرشه، لكن ما أدري (ما بائن من خلقه)! فقال: رُدُّوه إلى السجن؛ فإنه لم يتب.\nفلا بد من اعتقاد أن الله بائن من خلقه؛ بمعنى: منزه-سبحانه-عن أن يختلط بهم.\n_________\n(^١) هشام بن عبد الله الرازي، فقيه حنفي، من أهل الرأي، أخذ عن أبي يوسف ومحمد ابن الحسن صاحبي أبي حنيفة. قال الذهبي: \"كان داعية إلى السنة ومحطًا على الجهمية\"\nقال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٣٠٧ \"هشام بن عبد الله من أئمة الفقه على مذهب أبي حنيفة، أخذ عن محمد بن الحسن وغيره وهو معروف عند الفقهاء، ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء. توفى محمد بن الحسن في منزله. \". انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، ميزان الاعتدال (٣/ ٢٥٤)\n(^٢) أي: بسبب انتحاله لمذهب الجهمية؛ الذي أَسَّسَه الجهم بن صفوان.\n(^٣) وذكر هذا الأثر أيضًا في «درء العقل والنقل» (٦/ ٢٦٥)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٤٠، ١٤١). والذهبي في العلو ص ١٢٣ وفي كتاب العرش ٢/ ٣٠٧.","vol":"1","page":521},{"text":"(٩٩) وروى-أيضًا (^١) -عن يحيى بن معاذ الرَّازي أنه قال: «إنَّ الله على العرش بائنٌ من الخَلق، وقد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، لا يَشك في هذه المقالة إلا جهميٌّ رديء ضِلِّيل وهالك مُرتاب، يمزجُ الله بخلقِه، ويَخلط منه الذَّات بالأقذار والأَنْتَان (^٢)» (^٣).\n<hr><s0>\n\nتعددت الأقوال في صفة الاستواء ويمكن استعراض تلك الأقوال على النحو الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-53>أولًا: مذهب السلف في الاستواء</span>\nوالمقصود بالسلف هم الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم.\nولقد كان قولهم في الاستواء كقولهم في سائر صفات الله فهم وسط بين طائفتين هم المعطلة والمشبهة.\nفهم لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ولا ذاته بذوات خلقه كما يفعل المشبهة.\nوكذلك لا ينفون عن الله ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، فيعطلون أسماءه وصفاته، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسمائه وآياته كما فعل المعطلة.\nبل كان مذهبهم في سائر الصفات-بما في ذلك الاستواء-أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه محمد ﷺ نفيًا وإثباتًا.\n_________\n(^١) أي: الإمام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي.\n(^٢) الأنتان: جمع النَّتَنْ، وهي الأماكن المستقذرة ذوات الروائح الكريهة.\nوالمعنى: أنَّ الجهمي يريد أن يخلط ذات الله بالأماكن المستقبحة المستقذرة. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\n(^٣) ذكر الذهبي في «العلو» (ص ١٣٩، ١٤٠) جزءًا من هذا الأثر من رواية أبي إسماعيل الهروي.","vol":"1","page":522},{"text":"وطريقتهم في الإثبات أنهم يثبتون ما أثبته الله من الصفات من غير تكييف لها، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل.\nوطريقتهم في النفي أنهم ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه مع إثبات كمال ضد ذلك المنفي.\nفطريقة السلف هي إثبات أسماء الله وصفاته مع نفي مماثلة المخلوقين، إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، ففي قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل (^١).\nولقد كانت هذه طريقة السلف في جميع الصفات دون تفريق بين صفة وصفة، وفي ذلك يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة\" (^٢).\nوبناءً على هذه القاعدة كان مذهب السلف في صفة الاستواء أنهم يثبتون استواء الله على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ويناسب كبريائه، وهو بائن من خلقه وخلقه بائنون منه.\nفالاستواء صفة ثابتة في القرآن والسنة وقد أجمع سلف الأمة على إثباتها.\nوذكر صفة الاستواء جاء في سبعة مواضع من القرآن الكريم، كما أن السنة مليئة بالأحاديث الثابتة الصحيحة الدالة على علو الله واستوائه على عرشه.\nوالسلف يقولون إن معنى هذا الاستواء الوارد في الكتاب والسنة معلوم في اللغة العربية، كما قال ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\".\nفقولهم: (الاستواء معلوم): أي أن معنى الاستواء معلوم في اللغة، وهو ههنا بمعنى العلو والارتفاع.\nقال ابن القيم ﵀: \"إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.\nفالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾\n_________\n(^١) انظر الرسالة التدمرية (ص ٤ - ٧)، المطبعة السلفية، الفتوى الحموية الكبرى (١٦ - ١٧)، المطبعة السلفية.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦).","vol":"1","page":523},{"text":"[القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.\nوأما المقيد فثلاثة أضرب:\nأحدها: مقيد \"بإلى\" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله ﷾ المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.\nالثاني: المقيد \"بعلى\" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.\nالثالث: المقرون \"بواو مع\" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم\" (^١).\nومما يؤكد أيضًا أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: \"والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه\".\nقال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨].\nوقال الشاعر:\nفأوردتهم ماء بضبضاء قفرة\nوقد حلق النجم اليماني فاستوى\nوهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.\nوقد ذكر النضر بن شميل-وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة-قال: \"حدثني الخليل-وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":524},{"text":"الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ فصعدنا إليه\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول\" (^٢).\nولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (^٣).\nوقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (^٤).\nوقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (^٥).\nوقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: \"سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع\" (^٦).\nوفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من الأقوال التي نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم.\nومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿ لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: \"ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة\") (^٧).\nوقال ابن القيم: \"إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣١ - ١٣٢).\n(^٢) انظر مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥).\n(^٣) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٧).\n(^٧) تفسير القرطبي.","vol":"1","page":525},{"text":"البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>ثانيًا: أقوال المخالفين</span>\nالفريق الأول: نفاة الاستواء\nسبق أن ذكرنا أن المعطلة من الفلاسفة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجًا مستقلًا في مسألة الصفات يتفقون جميعًا على إنكار الصفات الاختيارية بما فيها صفة الاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة التي يزعمون أن في ذلك تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقين.\nوإن سبب ذلك التأويل الباطل هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى-بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف.\nوبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات وهي في الحقيقة شبهات.\nوبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال منها:\nالقول الأول:\nمن هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء والقهر والغلبة.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).","vol":"1","page":526},{"text":"وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية (^١)، والمعتزلة (^٢)، والحرورية (^٣)، وكثير من متأخري الأشاعرة (^٤)، كسيف الدين الآمدي (^٥)، والغزالي (^٦)، والبغدادي (^٧)، وغيرهم.\nوقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب من ذلك:\nقول الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق\nوقال الآخر:\nهما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور\nوقال الآخر:\nفلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر\nوقد ذكر أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله تعالى-أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: \"استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان\" (^٨).\nومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات وأرفعها وأوسطها فخصص بالذكر تنبيهًا على ما دونه.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٩٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).\n(^٢) متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ٧٣، ٣٥١).\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٦٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).\n(^٤) انظر تحفة المريد على شرح جوهرة التوحيد (ص ٥٤).\n(^٥) انظر غاية المرام (ص ١٤١).\n(^٦) انظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٠٤).\n(^٧) شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦).\n(^٨) التمهيد (٧/ ١٣٢).\nوقد أجاب ابن عبد البر على استدلالهم هذا بقوله: «إن هذا الحديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا» ا. هـ.","vol":"1","page":527},{"text":"ومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى الملك (^١)، ويزعم أن معنى الآية استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول إن الله قد عبر بالعرش كناية على الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك. ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس ﴿ثُم اسْتَوَى عَلَى العَرْش يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، فقالوا: إن قوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ (^٢).\nالرد عليهم:\nلقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون قول السلف.\nولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول:\nأولًا: أنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه استولى-كما يزعم هؤلاء-لكان استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود.\nأما أن يُؤتى إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك (^٣).\nثانيًا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد \"ثم\" التي\n_________\n(^١) انظر شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦)، تفسير الرازي (١٤/ ١٥)، وأصول الدين للبغدادي (ص ١١٢).\n(^٢) تفسير الرازي (١٤/ ١١٥).\n(^٣) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"1","page":528},{"text":"حقها الترتيب والمهلة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء\" (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾.\nوفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: \"كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض\" (^٢).\nفالآيات والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستولٍ على العرش إلى أن خلق السموات والأرض (^٣).\nثالثًا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في المخلوقات كلها لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء وعلى البحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش وليس عاما كعموم الأشياء (^٤).\nرابعًا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه! أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر (٨/ ٥١).\n(^٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق فقرة (١٢٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٥).\n(^٤) المصدر السابق (٥/ ١٤٤).","vol":"1","page":529},{"text":"إليه وأنه أراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه (^١).\nخامسًا: إن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم إن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين.\nفهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: \"هو كما أخبر ﷿\"، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: \"اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادًا فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة:\nإلا لمثلك أو من أنت سابقة … سبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٢)\n\"وقد سئل الخليل بن أحمد: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟\nفقال: (هذا ما لا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها).\nوالخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل\" (^٣).\nوكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى.\nوقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: \"استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، و﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب\" (^٤).\nفبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٤، ١٤٩)\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠).","vol":"1","page":530},{"text":"وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق\nوقول آخر:\nهما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور\nفهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما.\nقال ابن فارس: \"هذان البيتان لا يعرف قائلهما\" (^١).\nفهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة.\nقال أبو عمر بن عبد البر: \"وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد\" (^٢).\nوأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره.\nالقول الثاني:\nأن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء.\n_________\n(^١) زاد المسير لابن الجوزي.\n(^٢) التمهيد (٧/ ١٣١).","vol":"1","page":531},{"text":"وهذا هو قول بعض الجهمية (^١)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (^٢).\nالرد عليهم:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض.\nوكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … \" فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!\nهذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا ولا في نظم ولا في نثر.\nومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضًا ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك\" (^٣).\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم\" (^٤).\nالقول الثالث:\nأن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك (^٥)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦).\n(^٢) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ٨ - ٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n(^٤) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٤٣).\n(^٥) كتاب مشكل الحديث لابن فورك (ص ١٩٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥١٨).","vol":"1","page":532},{"text":"الرد عليهم:\nأن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليًا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (^١).\nالقول الرابع:\nوهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى.\nوأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري.\nوهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (^٢)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضًا قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (^٣).\nوالسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ﷾ ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته -كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية-كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.\nوهم يقولون: \"إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضًا، إذ هي قديمة أزلية\" (^٤).\nوحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: \"إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة\n_________\n(^١) المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي بعلى (ص ٥٤).\n(^٢) هذا القول لأبي الحسن الأشعري قاله عندما كان على قول ابن كلاب من نفي الأفعال الاختيارية عن الله تعالى.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦، ٤٣٧، ٤٦٦)، (١٦/ ٣٩٣).\nالأسماء والصفات (٥١٧).\nاجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤، ٦٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦).","vol":"1","page":533},{"text":"الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.\nوإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز\" (^١).\nالرد عليهم:\nلقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.\nثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذًا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.\nوقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعًا فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا.\nثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائنًا عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.\nوكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقًا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات\n_________\n(^١) انظر كتاب ابن تيمية السلفي (ص ١٣٠).","vol":"1","page":534},{"text":"المباينة له صفات كمال\" (^١).\nوكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: \"إنه لو كان الاستواء عائدًا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى\" (^٢).\nالفريق الثاني: القول بالتفويض\nويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (^٣).\nوقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (^٤) وهو أحد قولي الرازي (^٥).\nوهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه.\nوقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^٦).\nويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: \"كنا والتابعون متوافرون نقول أن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا\".\nوقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب\".\nوالقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].\n_________\n(^١) الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل (٢/ ٧٣ - ١٧٥)، ط: دار الكتب.\n(^٢) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤ - ٦٥).\n(^٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) تلخيص المحصل (ص ١١٤).\n(^٦) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).","vol":"1","page":535},{"text":"الرد عليهم:\nمعلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها\" (^٢).\nويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: \"تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية\" (^٣).\nوأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^٤).\n_________\n(^١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).\n(^٣) مختصر الصواعق (١/ ١٥).\n(^٤) الفتوى الحموية (ص ٢٥).","vol":"1","page":536},{"text":"والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.\nومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.\nالفريق الثالث: قول المشبهة.\nوالمقصود بهم الهشامية (^١) من الروافض، والكرامية (^٢)، وغيرهم.\nوهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.\nفالهشامية مثلًا يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (^٣).\nوأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:\nفمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.\nومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.\nومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها.\n_________\n(^١) هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا، من الإمامية المشبهة.\nانظر المقالات (١/ ٣١ - ٣٤)، الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٢) هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية.\nانظر الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٣) الملل والنحل (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":537},{"text":"ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (^١).\nوقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.\nفالهشامية يقولون: \"إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء\".\nونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكانًا مخصوصًا ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه\" (^٢).\nوأما الكرامية فيقول ابن كرام: \"إن معبوده مستقر على العرش استقرارًا وإنه بجهة فوقَ ذاتًا وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا\".\nولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: \"إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه\".\nوقال بعضهم: \"أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم\".\nوقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.\nوصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش\" (^٣).\nالرد عليهم:\nهذا القول للمشبهة يتضمن حقًا وباطلًا.\nفالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.\nوأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله ﷾\n_________\n(^١) الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).\n(^٣) انظر كتاب التجسيم عند المسلمين (ص ٢٠٥).","vol":"1","page":538},{"text":"لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].\nومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].\nوالسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟\nوالجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.\nومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ﷿، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعًا.","vol":"1","page":539},{"text":"(١٠٠) وروى-أيضًا-عن ابن المديني لما سُئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى؛ فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^١)» (^٢).\n<hr><s0>\n\nوهذا-أيضًا-قول ابن المديني؛ الإمام الحُجَّة، أمير المؤمنين في الحديث؛ أبو الحسن، علي بن عبد الله، شيخ الإمام البخاري الذي قال عنه: «ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند عليِّ بن المديني» (^٣).\nيقول-﵀-لما سُئل: ما قول أهل الجماعة-أي: ما قول أهل السنة والجماعة؟ فقال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، أي: يُثبتون رؤية الله ﷿ وكلامَه، وأن الله فوق السماوات- وهذا هو الشاهد- على العرش.\nفسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾!\nوهذه الآية في سورة المجادلة يحتج بها دائمًا مَنْ ينكرون صفة العلو لله تعالى، ويحتج بها-كذلك-مَنْ يقول بالحلول: أن الله حالٌّ ومُختلط بخلقه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nفأجاب الإمام ابن المديني ﵀ إجابة مفحمة حيث قال للسائل: اقرأ ما قبل هذه، أي: أول الآية؛ فأولها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾». والمراد: أن الله تعالى قد افتتح الآية بالعلم واختتمها كذلك بالعلم، فقال: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾؛ فدلَّ على أن المراد بالمعية هنا ليست مَعية الذات قطعًا، وإنما معية العلم.\nوبنفس هذا الاحتجاج قد احتج الإمام أحمد فقال: «﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ\n_________\n(^١) أي: أن هذه المعية: هي معية العلم والإحاطة والاطلاع.\n(^٢) ذكر هذا الأثر الذهبي في كتابه «العلو» (ص ١٢٩).\n(^٣) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٩/ ١٠٧).","vol":"1","page":540},{"text":"هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني: الله بعلمه ﴿سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني: بعلمه فيهم؛ ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه» (^١).\nوقال الإمام ابن بطة ﵀: «واحتج الجهمي بقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. فقالوا: إنَّ الله معنا وفينا. واحتجوا بقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقد فَسَّر العلماء هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا﴾ إنما عني بذلك: علمه، ألا ترى أنه قال في أول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فرجعت الهاء والواو من هو على علمه لا على ذاته. ثم قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فعاد الوصف على العلم، وبين أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها» (^٢).\nوقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀: أن غير واحد حكى الإجماع على أن المراد بهذه الآية: مَعِيَّة علم الله تعالى (^٣).\n_________\n(^١) «الرد على الجهمية والزنادقة» (ص ١٥٤).\n(^٢) «الإبانة» (٣/ ١٤٤، ١٤٥).\n(^٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٦٧).","vol":"1","page":541},{"text":"(١٠١) وروى-أيضًا-عن أبي عيسى الترمذي، قال: «هو على العرش كما وصف في كتابه، وعِلْمُه وقدرته وسلطانه في كلِّ مكان» (^١).\n<hr><s0>\n\nعلم الله تعالى محيط بجميع خلقه؛ لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ومعيته نوعان: معية عامة لسائر الخلق. ومعية خاصة، وهي مَعية النصر والتأييد لعباده المخلصين؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وكقوله ﷿: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله جل وعلا: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦].\n_________\n(^١) انظر: «سنن الترمذي» (٥/ ٤٠٤)، كتاب (تفسير القرآن)، باب (ومن سورة الحديد)، وذكره ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٤٢، ٢٤٣)، وذكر جزء منه الذهبي في العلو (ص ١٤٦، ١٤٧).\nوعَلَّق المباركفوري في كتابه «تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي» (٤/ ١٩٤) على هذا الأثر، فقال: «وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان-أي: يستوي فيه العلويات والسفليات وما بينها، وهو على العرش كما وصف في كتابه، قال الطيبي: الكاف في (كما) منصوب على المصدر، أي: هو مستو على العرش استواء مثل ما وصف نفسه به في كتابه، وهو مستأثر بعلمه باستوائه عليه».","vol":"1","page":542},{"text":"(١٠٢) وروى عن أبي زُرْعَة الرَّازي أنه سئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: «تفسيره كما تقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، مَنْ قال غير هذا فعليه لعنة الله» (^١).\n<hr><s0>\n\nفالإمام أبو زرعة الرازي ﵀ لما سئل عن تفسير هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. قال: «تفسيره كما تقرأ»، أي: كما يَظهر منها واضحًا؛ فمعنى «استوى» يعرفه العرب بأنه: علا وارتفع، فالله-جل علا-على الخلق بذاته، ولكن علمه شامل لكل المخلوقات وفي كل مكان.\n_________\n(^١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٣٧)، وذكره ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٣٤).","vol":"1","page":543},{"text":"الإيمان بما وصف الله به نفسه في القرآن والأحاديث:\n\n(١٠٣) وروى أبو القاسم اللالكائي-صاحب أبي حامد الإسفرائيني-في «أصول السُّنَّة» بإسناده عن محمد بن الحَسَن-صاحب أبي حنيفة-قال: «اتفق الفقهاءُ كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ﷿؛ من غير تفسير ولا وَصف ولا تشبيه؛ فمن فَسَّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عمَّا كان عليه النبيُّ ﷺ وفَارَقَ الجماعةَ، فإنهم لم يَصِفُوا ولم يُفَسِّروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسُّنَّة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهْمٍ فقد فارق الجماعة؛ فإنه قد وصفه بصفة لا شيء». اه (^١).\n\n(١٠٤) محمد بن الحَسَن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى على هذا الإجماع، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا (^٢).\n\n(١٠٥) وقوله: «مِنْ غير تفسير»؛ أراد به: تفسير الجهمية المُعَطِّلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات».\n<hr><s0>\n\nذكر الذهبي أن إبراهيم الحربي قال: قلت للإمام أحمد: «مِنْ أين لك هذه المسائل الدقاق؟ فقال: «مِنْ كُتُب مُحَمَّد بن الحَسَن» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣، برقم: ٧٤٠). وأورده الحافظ عبد الغني في عقيدته (ص ١٠٩ - ١١٠، برقم: ٢١٧). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١١٧، برقم: ٩٨). وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٤ - ٥)، وحكم بثبوته، و(٥/ ٥٠)، وضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧). وأورده الذهبي في العرش ٢/ ٢٤٩ العلو (ص ١١٣)، وفي الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٨٢ - ٨٣، برقم: ٨٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٢٢). وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٧). والسيوطي في الإتقان (٣/ ١٣).\n(^٢) قال الإمام الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٥٠ \" روى هذا الإجماع عن محمد بن الحسن، أبو القاسم اللالكائي، وأبو محمد بن قدامة في كتابيهما\".\n(^٣) «سير أعلام النبلاء» (٩/ ١٣٦).","vol":"1","page":544},{"text":"فهذا الإمام محمد بن الحَسَن الذي أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء قد حكى الإجماع على أن الفقهاءَ كلَّهم اتفقوا على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ﷿؛ من غير تفسير …»، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا».\nوقوله: «من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه» أي: من غير تفسير الجهمية ومن غير تأويل المعطلة؛ الذين يقولون: ﴿استوى﴾ بمعنى: استولى، و﴿خلقت بيدي﴾، أي: بقدرتي .. ونحو ذلك.\nوقد بَيَّن الإمام محمد بن الحسن هنا: أن السلف قد أثبتوا هذه الصفات من خلال أدلة الكتاب والسنة من غير أن يتعرضوا لها بشيء من تفسيرات الجهمية التي تصف الله تعالى بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا.","vol":"1","page":545},{"text":"(١٠٦) وروى البيهقيُّ وغيرُه بأسانيد صحيحة عن أبي عُبيد؛ القاسم بن سلام (^١) قال: «هذه الأحاديث التي يقول فيها: «ضحك ربُّنا مِنْ قُنُوط عِباده وقُرْب غِيَره (^٢)» (^٣)، «وإنَّ جهنمَ لا تَمتلئ حتى يضع ربُّك قَدَمَه فيها» (^٤)، «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» (^٥)، وهذه الأحاديث في (الرؤية) هي عندنا حقٌّ حَمَلَها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنَّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لا نُفَسِّرُها، وما أدركنا أحدًا يُفَسِّرها». اهـ (^٦).\n«أبو عبيد» أحدُ الأئمة الأربعة الذين هم: الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عُبيد. وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يُوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدًا من العلماء يُفَسِّرها. أي: تفسير الجهمية.\n<hr><s0>\n\nقوله «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا\n_________\n(^١) أبو عبيد القاسم بن سلاّم -بالتشديد-، الإمام المشهور، ثقة، فاضل، مصنف، علامة، مات (٢٢٤). تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٣ - ٤١٦)، تقريب التهذيب (٢٧٨).\n(^٢) أي: وقرب تغيُّر حالهم من الجدب والقحط إلى حدوث الخصب بنزول المطر.\n(^٣) رواه ابن ماجه (١٨١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٤٤) برقم (٥٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٠٧، ٢٠٨) من حديث أبي رزين ﵁، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣١)، ثم صححه في «الصحيحة» (٢٨١٠).\n(^٤) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في «العرش» (ص ٧٩)، والدارمي في «النقض على المريسي» (١/ ٣٩٩، ٤٠٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٩٦)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ٧٦)، وقال: «رواته ثقات»، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص ٤٥): «صحيح موقوف».","vol":"1","page":546},{"text":"فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥].\nوهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: \"ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهًا على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب\" (^١).\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":547},{"text":"(١٠٧) وروى اللالكائي والبيهقي عن عبد الله بن المبارك أن رجلًا (^١) قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أَكره الصفة-عنى صفة الرب-فقال له عبد الله بن المبارك: «أنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثارُ بشيء جَسَرْنا عليه» (^٢)، ونحو هذا.\nأراد ابن المبارك: أنَّا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار.\n<hr><s0>\n\nهذا منهج أهل السنة والجماعة الذي يقوم على الاتباع والاقتداء وينهى عن الابتداع والابتداء كما قال ابن مسعود ﵁: \"إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدئ\" (^٣).\nويشهد لهذا أيضًا ما وذكره ابن كثير عن وهب بن منبه فقال: (وذكر أن الجعد بن درهم كان يتردد إلى وهب بن منبه ٢، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك (^٤) \".\n_________\n(^١) الرجل هو: أفلح بن محمد، كما هو مصرح به عند اللالكائي والبيهقي والذهبي في «العلو».\n(^٢) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٤٣١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٦٣)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٠، ١١١).\n(^٣) انظر: اللالكائي في شرح الاعتقاد ١/ ٦٨.\n(^٤) البداية ٩/ ٣٥٠","vol":"1","page":548},{"text":"(١٠٨) «وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيدَ صِحَاحٍ عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنَّه ههنا في الأرض» (^١)، وهكذا قال الإمام أحمد وغيره» (^٢).\n<hr><s0>\n\nقد ذكر الإمام ابن القيم-﵀-أنَّ هذا الأثر ثابت عن ابن المبارك فقال: «روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصحِّ إسناد إلى عليِّ بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نَعرف رَبَّنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه. ولا نقول كما قالت الجهمية، وفي لفظ آخر قلتُ: كيف نَعرف ربَّنا؟ قال: في السَّماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية» (^٣).\nقوله: «بائن من خلقه» لفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود -هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١١١، ١٧٥، ٣٠٧)، والدارمي في «النقض على المريسي» (ص ٢٣، ٢٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٦٩)، والذهبي في «العلو» (ص ١١٠).\n(^٢) انظر: «الرد على الجهمية» لأحمد بن حنبل (ص ١٣٥)، و«إثبات صفة العلو» لابن قدامة (ص ١٦٧)، و«العلو» للذهبي (ص ١٣٠)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٤).\n(^٣) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٤، ١٣٥).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":549},{"text":"وقال أيضًا: \"فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل.\nويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.\nومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه.\nومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل\" (^١).\nفيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:\nالقسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص.\nالقسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها.\nالقسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل.\nالقسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل.\nفلفظ (بائن) هي من القسم الثاني.\nومثل هذه الألفاظ كما إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات.\nوالمصنف ﵀ يسرد هذه الآثار؛ ليبين أن مذهب متأخري الأشاعرة الذين نفوا صفة العلو هو مذهب متقدمي الجهمية الذي أنكره علماء السلف، وأن ما ذكره الأئمة المتقدمون منهم من اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب الجهمية هي نفسها التي تلزم على مذهب متأخري الأشاعرة في نفي صفات الله تعالى؛ علمًا بأن الأشاعرة يَزعمون أنهم ضد الجهمية والمعتزلة، وينكرون عليهم أشد النكير، وقد وقعوا في شيء مما وقعوا فيه.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":550},{"text":"(١٠٩) وروى بإسناد صحيحٍ عن سليمان بن حرب-الإمام-: سمعت حَمَّاد بن زيد-وذكر هؤلاء الجهمية-فقال: «إنَّما يُحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (^١).\n<hr><s0>\n\nحماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، ثقة ثبت فقيه، مات سنة (١٧٩ هـ). (^٢)\nقال الذهبي بعد ما ذكر قول حماد: \"هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم\" (^٣)\nوهنا بين يبين حماد بن زيد ﵀ أن لازم مذهب الجهمية ومنتهى قولهم: أنه ليس في السماء شيء، أي: ليس ثَّم إله.\nيقول ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: وهذا الذي كانت الجهمية يُحاولونه قد صَرَّح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السُّنَّة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يَحول بينهم وبين التصريح به، فلما بَعُد العهدُ وخَفيت السُّنَّةُ وانْقَرَضت الأئمة صَرَّحت الجهمية النُّفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره» (^٤).\n_________\n(^١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١١٧، ١١٨)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣١). وأخرجه الذهبي في العلو (ص ٩٨) وقال: \"هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم\". وكذلك أخرجه في كتاب العرش ٢/ ٢١٨ وفي السير (٦/ ٢٤).\n(^٢) التقريب (ص ٢٦٨ (.\n(^٣) العلو (ص ٩٨).\n(^٤) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":551},{"text":"(١١٠) وروى ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية»، عن سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ أحمد-أنَّه ذكر عنده الجهمية، فقال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش. وقالوا هم: ليس عليه شيء» (^١).\n<hr><s0>\n\nلما ذُكِر عند سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، ومن شيوخ أحمد-قولُ الجهمية في نفي العلو عن الله ونفي الصفات عن الله-قال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى»؛ أي: قد اجتمع اليهود والنصارى مع المسلمين على أنَّ الله على العرش، وقالت الجهمية: ليس عليه شيء. لذلك كان قولهم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى.\n_________\n(^١) ذكر هذا الأثر الذهبي في «العلو» (ص ١١٧) من رواية ابن أبي حاتم، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص ٨٢)، وذكره البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣١). وأورده ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٥٢).\nودرء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦١). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١٥)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأورده أيضًا في الصواعق كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).","vol":"1","page":552},{"text":"(١١١) وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة-إمام الأئمة-: «مَنْ لم يقر: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه-وَجَبَ أن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة»، ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح (^١).\n<hr><s0>\n\nقال الذهبي \"توفي ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة؛ ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش، أنه قال: \"ما قلدت أحدًا منذ بلغت ست عشرة سنة\". أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: \"هو أعلم بالحديث مني\" (^٢).\nقلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين\" (^٣).\nوالأثر رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» عن ابن خزيمة، وهذا يدل على شناعة هذا القول، فحكم الإمام ابن خزيمة على مَنْ لم يقل: «إنَّ الله فوق سماواته على عرشه بائن مِنْ خلقه» بأن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة؛ لأن أهل الذمة في الأصل لا ينكرون علو الله على عرشه فوق خلقه.\n_________\n(^١) رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ٧٤)، والصابوني في «عقيدة السلف» (ص ٢٠، ٢١)، وابن قدامة في «العلو» (ص ١٨٥)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٥٢)، من رواية الحاكم. وأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٤) وقال: \"وهذا معرف عنه، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور وأبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة\"، وفي نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٥٢٨)، وفي الفتوى الحموية (ص ٣٥) وصححه. وأورده ابن القيم في الصواعق. انظر مختصر الصواعق (٢/ ٢١٢)، وعزاه للحاكم في علوم الحديث والتاريخ. وأورده الذهبي في العلو (ص ١٥٢). وفي كتاب العرش ٢/ ٣٥٥.\n(^٢) انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٠٥ - ١٠٦.\n(^٣) العرش للذهبي ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦.","vol":"1","page":553},{"text":"وهذا الحكم بالردة ليس على التعيين، وكذلك لا يحكم بذلك آحاد الناس على الأشخاص المُعينين، وكذلك إقامة حد الردة-وغيره من الحدود-مما يختص بها ولي أمر المسلمين بعد رفع الأمر للقضاء والاستتابة وغير ذلك من الأمور المرعية؛ فينبغي مراعاة ذلك حتى لا تصير الأمور إلى الفوضى ويَحكم على الناس مَنْ لا علم عنده، ومن غير تحقق من شروط التكفير وانتفاء موانعه.","vol":"1","page":554},{"text":"(١١٢) وقد روى عبد الله بن أحمد، عن عَبَّاد بن العوام الواسطي-إمام أهل واسط، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد-قال: «كَلَّمت بِشْرًا المَرِيسي وأصحاب بِشْرٍ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (^١).\n<hr><s0>\n\nقول عَبَّاد بن العوام الواسطي (١٨٥ هـ) هذا يُبين أن لازم قول هؤلاء المعطلة-ومنهم بشر بن غياث المَرِيسي، وهو من أئمة الجهمية، وممن ينفي الصفات عن الله ﷿ الذي رَدَّ عليه الإمامُ الدَّارمي في كتابه القيم «نقض الإمام أبي سعيد؛ عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله-﷿-من التوحيد».\nيذكر عَبَّاد بن العوام الواسطي: أنه ناظر بِشْرًا المَرِيسي وأصحابَه؛ فرأى آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء.\n_________\n(^١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٢٦، ١٢٧)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٢)، وزاد في آخره: «أرى ألَّا يناكحوا ولا يوارثوا».","vol":"1","page":555},{"text":"(١١٣) وعن عبد الرحمن بن مهدي-الإمام المشهور-أنَّه قال: «ليس في أصحاب الأهواء شرٌّ من أصحاب جَهْمٍ، يَدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى-والله-أن لا يُناكحوا، ولا يُورثوا» (^١).\n<hr><s0>\n\nعبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة (١٩٨ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة (^٢)؛ الذي قال فيه ابن المديني ٢: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني ما رأيت أعلم منه (^٣)\nتقدم الحديث عن الجهمية وأصولهم ومعتقداتهم وأفكارهم بما يغني عن تكرار الكلام في ذلك فليرجع إليه.\n_________\n(^١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٢٠، ١٢١)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٣٢٠)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣٤، ٣٥) بألفاظ أخرى متقاربة.\n(^٢) التقريب (ص ٦٠١)\n(^٣) العرش للذهبي ٢/ ٢٥٣","vol":"1","page":556},{"text":"(١١٤) وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «أصحاب جَهْمٍ يُريدون أن يقولوا: إن الله لم يُكَلِّم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يُستتابوا؛ فإن تابوا وإلا قُتِلوا» (^١).\n<hr><s0>\n\nوهذا-أيضًا-لبيان شناعة قول هؤلاء الجهمية ومَن دار في فلكهم؛ فإن الإمام عبد الرحمن بن مهدي-﵀-كفَّر من قال بهذا؛ فالذي لا تجوز مناكحته ولا توارثه هم الكفار.\nوالسبب في شناعة هدا القول: كون أنَّ الله غيب، بل هو أعظم الغيب ﷾؛ فمقصود الجهمية: إنكار وإبطال حقيقة وجوده، فإذا تحقق لهم هذا لم يَبق لأيٍّ من الغيبيات الأخرى أي حقيقة أو وجود.\nوسبب تسَلُّط الجهمية ومَن وافقهم على هذه الصفة: هو الأصل الفلسفي الذي تقوم عليه الفلسفة: أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد. وبالتالي لا يؤمنون بأي أمر غيبي، ويبقى حديثهم عن وجود الله أنَّه أمر مُتخيل في الذهن لا وجود له في الحقيقة. وخلاصة ما يقوله هؤلاء: إذا ذُكر عُلو الله أن يقولوا: لا داخل العالم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ١٧). وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٢١، برقم ٤٨) بلفظ مقارب. وابن بطة في الإبانة (تتمة الرد على الجهمية) (٢/ ٩٤ - ٩٥، برقم ٣٢٧) بنحوه، وأيضا (برقم ٢٥٥). وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٧ - ٨). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥٤٦، ٦٠٨).\nوأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢) وصحح إسناده، وأورده أيضا في الفتوى الحموية (ص ٨٤). وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٨)، وقال: «نقله غير واحد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي»، وفي كتاب العرش ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، وأورده في الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٤١، برقم ١١). وأورده في سير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٩ - ٢٠٠). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٤ - ٢١٥) \"","vol":"1","page":557},{"text":"ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو يقولوا: إنه في كل مكان؛ وحاصل القولين واحد، وهو إنكار وجوده حقيقة، ومن هذا المنطلق كان قولهم شر الأقوال، كما قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وغيره من أئمة السلف.","vol":"1","page":558},{"text":"(١١٥) وعن الأصمعي قال: «قدمت امرأة جهم فنزلت الدبَّاغين (^١)، فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود! وقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة» (^٢).\n<hr><s0>\n\nمما ذكر في أخبار امرأة جهم ما جاء في بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولدًا نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.\nقال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرًا» (^٣).\nوعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم -وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها-فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (^٤).\nفقول امرأة جهم: محدود على محدود، إنكار منها لاستواء الله على عرشه، وتريد أن تثير شبهة أنه يلزم من إثبات الاستواء أن يكون الله محدودًا على العرش المحدود.\nفقال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة؛ التي لازمها إنكار صفة العلو.\nوقولها: «محدود على محدود»: فالحد من الألفاظ المجملة التي لم تَرد في\n_________\n(^١) نِسبة إلى دباغة الجلود، ولعله مكان عُرف بهم.\n(^٢) أورده ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٥٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٢٥) وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٨)، وفي «الأربعين» (ص ٨١)، وقد أنكر الأصمعي على هذه المرأة بسبب نفيها للاستواء؛ فكأنها تقول: إن من قال: إن الله على العرش فقد وصفه بأنه محدود.\n(^٣) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٠).\n(^٤) الرد على الجهمية لابن بطة (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":559},{"text":"الكتاب ولا في السُّنَّة؛ لا بنفي ولا بإثبات؛ ولهذا رُوي عن بعض الأئمة إثبات ذلك، ورُوي عن بعضهم نفي ذلك؛ فروي عن الإمام أحمد إثبات الحد، وروي عنه نفي الحد، كذلك مِمَّنْ رُوي عنه إثبات الحَدِّ الدَّارميُّ وابنُ المبارك.\nقال الإمام الذهبي (^١) في: «مسألة الحد (^٢):\n«الحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين، الذي يُمَيِّزُ بينهما؛ لئلا يَختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يَتَعَدَّى أحدهما على الآخر، وهو مأخوذ من حَدَّ الشيء عن غيره يَحُدُّهُ حَدًّا؛ إذا مَيَّزه» (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الحدُّ: ما يَتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره» (^٤).\nسبق أن أسلفنا أن إطلاق السلف للحَدِّ ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، ولهم فيه استعمالان:\nالاستعمال الأول: في حال الإثبات.\nومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الخلال بسنده، عن محمد بن إبراهيم القيسي، قال: «قلت لأحمد بن حنبل: يُحكى عن ابن المبارك-وقيل له: كيف نَعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بِحَدٍّ. فقال أحمد: هكذا هو عندنا» (^٥).\n_________\n(^١) كتاب «العرش» (١/ ٢٥١ - ٢٦٠)\n(^٢) الأقوال في هذه المسألة على النحو التالي:\nالقول الأول: قول مَنْ يقول: هو فوق العرش، ولا يُوصف بالتناهي ولا بعدمه؛ إذ لا يقبل واحدًا منهم، فعندهم أن الله فوق العرش، ولا يُوصف بأن له قدرًا. وهذا يقوله بعض أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من الكلابية والكرامية والأشعرية ومَن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم.\nالقول الثاني: قول مَنْ يقول: هو غير مُتناه؛ إمَّا من جانب وإما من جميع الجوانب، وهذا يقوله-أيضًا-طوائف من أهل الكلام والفقهاء وغيرهم، وحكاه الأشعري في «المقالات» عن الطوائف.\nالقول الثالث: قول السلف والأئمة وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف الذين يقولون: له حد لا يَعلمه غيره. انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٣٠٠، ٣٠١).\n(^٣) انظر: «الصحاح» للجوهري (٢/ ٤٦٢)، و«لسان العرب» (٣/ ١٤٠).\n(^٤) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٤٣).\n(^٥) أخرجه القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» (ق ١٥١/ ب)، وفي «الروايتين والوجهين» (ص ٤٩)، وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٦٧)، وأورده ابن تيمية في «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٢٨).","vol":"1","page":560},{"text":"وعن حرب بن إسماعيل قال: «قلت لإسحاق-يعني ابن راهويه-: هو على العرش بِحَدٍّ؟ قال: نعم، بحد». وذكر عن ابن المبارك قال: «هو على عرشه بائن من خلقه بِحَدٍّ» (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنَّ كثيرًا من أئمة السنة والحديث (^٢) أو أكثرهم يقولون: إنَّه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه بحد» (^٣).\nالاستعمال الثاني: في حال النفي.\nقال حنبل: «قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، و﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة» (^٤).\nوفي رسالة الإصطخري قال الإمام أحمد: «والله ﷿ على عرشه ليس له حد، والله أعلم بحده» (^٥).\nتوضيح المسألة:\nأما الاستعمال الأول: فهو استعماله في حال الإثبات.\n_________\n(^١) «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ٣٤).\n(^٢) كعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن المبارك، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، والخلال، وحرب الكرماني، وإسحاق بن راهويه، وابن بطة، وأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، وأبي القاسم ابن منده، وقَوَّام السنة الأصبهاني، وإسماعيل بن الفضل التيمي، والقاضي أبي يعلى، وأبي الحسن بن الزاغوني، والحافظ أبي العلاء الهمداني، وغير هؤلاء.\nانظر: «الرد على بشر المريسي» (ص ٢٣، ٢٤)، و«الرد على الجهمية» للدارمي (ص ٥)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٤٢)، و«إثبات الحد لله تعالى» لمحمود بن أبي القاسم الدشتي (ق ٣ - ٦)، و«درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٢/ ٣٣، ٣٤، ٥٦ - ٦٠)، و«نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٣٩٧، ٤٢٦ - ٤٣٣) و(٢/ ١٦٠ - ١٨٠).\n(^٣) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٣٩٧).\n(^٤) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٤٠٢)، برقم (٦٧٥)، وأورده ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص ١١٦)، برقم (٩٥)، وأورده الذهبي في «العلو» (ص ١٣٠)، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص ٦٥)، برقم (٥٠)، وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٦)، وأورده ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٠٠)، وعزاه للالكائي. وانظر في مسألة الحد: «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ١٦٢).\n(^٥) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٩).","vol":"1","page":561},{"text":"فقد استعمل في مسألة إثبات علو الله على خلقه وتميزه وانفصاله عنهم وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم؛ فلما زعم الجهمية أن الخالق في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم، قال بعض أئمة السلف: إن الله سبحانه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وذكروا الحَدَّ؛ لأن الجهمية زعموا أنه ليس له حد. وما لا حَدَّ له لا يُباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه: إن الخالق لا يتميز عن الخلق؛ فيجحدون صفاته التي تَمَيَّز بها، ويجحدون قَدْرَهُ؛ حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه حي، عالم، قدير: قد عرفنا حقيقته وماهيته، ويقولون: إنه لا يُباين غيره. بل إما أن يصفوه بصفة المعدوم؛ فيقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا. أو يجعلوه حالاًّ في المخلوقات أو وجوده وجود المخلوقات.\nفبين ابن المبارك أن الرب ﷾ على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد» (^١).\nوبناءً على ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أثبت السلف الحد؛ لِما في إثبات هذا اللفظ من ردٍّ على الجهمية فيما زعموا، ولما في معنى (الحد) من إثبات مباينة الله لخلقه، وعلوه عليهم، واستوائه على عرشه.\nوإن كان السلف يقولون: إنه حَدٌّ لا يعلمه إلا الله.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل الآثار الواردة عن السلف في إثبات الحد: «فهذا وأمثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ فبَيَّن أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم يَنفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا عِلْمَ الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف، والأئمة يَنفون علم الخلق بقدره وكيفيته» (^٢).\nالاستعمال الثاني: استعماله في حال النفي.\nوذلك في مسألة نفي الإحاطة بالله علمًا وإدراكًا، فلا منازعة بين أهل السنة بأن الله\n_________\n(^١) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٤٢، ٤٤٣).\n(^٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٥).","vol":"1","page":562},{"text":"تعالى غير مدرك الإحاطة والخلق عاجزون عن الإحاطة به، فهم لا يستطيعون أن يحدوا الخالق جل وعلا، أو يُقَدِّرُوه، أو يبلغوا صفته؛ فمن نفى الحد على هذا المعنى فهو مُصيب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المحفوظ عن السلف والأئمة: إثبات حد لله في نفسه، وقد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يَحُد أحدٌ الله» (^١).\nوقال أيضًا: «وقوله: بلا حد ولا صفة» نَفَى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه؛ ليبين أن عقول الخلق لا تُحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة «الرسالة»: «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يَصفه به خلقه» (^٢).\nولهذا قال أحمد: «لا تُدركه الأبصار بحد ولا غاية»؛ فنفى أن يُدرك له حد أو غاية» (^٣).\nوهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه؛ ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يحد أحد الله، كما ذكره حنبل عنه في كتاب «السنة والمحنة». وقد رواه الخلال في «كتاب السنة»: أخبرني عبد الله بن حنبل، حدثني حنبل بن إسحاق، قال: قال عمي: «نحن نؤمن بالله ﷿ على عرشه كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يَبلغها واصف أو يحده أحد؛ فصفات الله ﷿ منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه، وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علمه وقدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكان الله قبل أن يكون شيء، والله الأول، وهو الآخر، ولا يبلغ أحدٌ حَدَّ صفاته؛ فالتسليم لأمر الله والرضا بقضائه، نسأل الله التوفيق والسداد؛ إنه على كل شيء قدير.\nوذلك أن لفظ (الحد) عند كل من تكلم به يراد به شيئان:\nيُراد به: حقيقة الشيء في نفسه. ويراد به: الوجود العيني، أو الوجود الذهني؛\n_________\n(^١) «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ١٦٢).\n(^٢) «الرسالة» للشافعي (ص ٨).\n(^٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":563},{"text":"فأخبر أبو عبد الله أنه على العرش بلا حد يَحده أحد أو صفة يبلغها واصف، وأتبع ذلك بقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ بحد ولا غاية، وهذا التفسير الصحيح للإدراك: أي: لا تحيط الأبصار بحده ولا غايته؛ ثم قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾؛ وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب؛ ليتبين أنه عالم بنفسه وبكل شيء.\nوقال الخلال: «وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «أن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا»، و«أن الله يضع قدمه»، وما أشبه هذه الأحاديث! فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها ولا كيف، ولا معنى، ولا نَرُدُّ منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صِحاح، ولا نَرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه ولا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء.\nقال: وقال حنبل في موضع آخر قال: ليس كمثله شيء في ذاته، كما وصف به نفسه، فقد أجمل-﵎-بالصفة لنفسه؛ فحد لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء؛ فيعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه؛ قال تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾.\nقال: وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا يتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا يتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخُلُوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد، وهو على العرش بلا حد، كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش﴾ كيف شاء، المشيئة إليه ﷿، والاستطاعة له ﴿لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيء﴾، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه، سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾؛ فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه، لا تعدى القرآن والحديث والخبر، يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن، ولا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد؛ تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة» (^١).\n_________\n(^١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٠ - ٣٢).","vol":"1","page":564},{"text":"قال ابن القيم: «أراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية والتشبيه، وبنفي الحد حدًّا يُدركه العباد ويَحُدُّونه» (^١).\nفتبين مِنْ هذا: أنَّ مَنْ أطلق الحدَّ على الله ﷿ وأراد بالحد: ما يَتميز به الشيء عن غيره. فهذا المعنى صحيح، والعلماء الذين أطلقوا على الله الحد أرادوا الرد على الجهمية الذين قالوا: إنَّ الله مُختلط ممتزج بعباده. فقالوا: لا، الله له حَدٌّ يَتميز به عن خلقه، مُنفصل مباين عن الخلق، غير مُختلط بهم، كما تزعم الجهمية.\nأمَّا من أراد بالحدِّ: أن الله ﷿ يُحيط به شيء من مخلوقاته؛ فلا شك أن نفي الحد بهذا المعنى هو الصَّحيح؛ ولهذا الإمام أحمد نفى الحد بهذا المعنى، وأثبت الحد بالمعنى الآخر، وهو: أن الله متميز عن خلقه، مباين لخلقه، منفصل عن الخلق، عال عليهم ﷾.\nولهذا قال أبو سعيد الدارمي عن بشر المريسي: «وادعى المعارض-أيضًا-أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية. وهذا هو الأصل الذي بَنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها أغلوطاته، وهي كلمة لم يَبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من العالمين.\nفقال له قائل ممن يحاوره: قد علمتُ مرادك بها-أيُّها الأعجمي-وتعني: أن الله لا شيء؛ لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حَدٌّ وغاية وصفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدًا موصوف لا محالة، ولا شيء يُوصف بلا حد ولا غاية. وقولك: لا حد له يعني: أنه لا شيء.\nقال أبو سعيد: والله-تعالى-له حد لا يَعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لِحَدِّه غاية في نفسه، ولكن يُؤمن بالحدِّ ويَكِل عِلم ذلك إلى الله، ولمكانه-أيضًا-حد، وهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حَدَّان اثنان.\nوسئل ابن المبارك: بِمَ نَعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه على العرش، بائن من خلقه. قيل: بِحَدٍّ؟ قال: بِحَدٍّ» (^٢).\nفعلم الإمام الدارمي مراده أي: لمَّا نفى عن الله الحد، أراد أن الله ممتزج بالخلق؛ فأنكر عليه نفي الحد بهذا المعنى.\nفالمعنى الباطل في الحد: هو أن هناك شيئًا من الخلق يُحيط بالله ﷿؛ وعلى هذا المعنى فلا شك أنه ليس لله حد، أي: ليس لله شيء يُحيط به من الخلق.\n_________\n(^١) انظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ٢١٣).\n(^٢) انظر: «الرد على بشر المريسي» (ص ٧٦).","vol":"1","page":565},{"text":"(١١٦) وعن عاصم بن علي بن عاصم-شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما-قال: «ناظرتُ جهميًّا؛ فتبَيَّنَ من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربًّا» (^١).\n<hr><s0>\n\nقال الذهبي: \"عاصم بن علي، إمام، حافظ، ثقة، حدث عن شعبة، وابن أبي ذئب، والليث، ونحوهم، توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.\nوروى الخطيب في ترجمته قال: \"وجه المعتصم من يحزر مجلسه، في رحبة النخل، في جامع الرصافة، وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة، ويجلس الناس في الرحبة وما يليها، فعظم الجمع مرة جدًا، حتى قال أربع عشرة مرة حدثنا الليث بن سعد، والناس لا يسمعون لكثرتهم، وكان هارون المستملي يركب نخلة يستملي عليها فحزروا المجلس، فكان عشرين ومائة ألف\" (^٢).\nوقال يحيى بن معين فيه: عاصم بن علي، سيد المسلمين\" (^٣).\n_________\n(^١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٢٣)، وكتاب العرش ٢/، ٢٩٣، وأورده ابن تيمية في مجموع الرسائل الكبرى (١/ ٤٤٩) وانظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٢٦١)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢١٨).\n(^٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٤٨\n(^٣) كتاب العرش ٢/، ٢٩٣","vol":"1","page":566},{"text":"(١١٧) وروى الإمام أحمد: ثنا سُرَيْج بن النعمان، قال: سمعتُ عبدَ الله بن نافع الصائغ، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «اللهُ في السِّماء، وعلمه في كلِّ مَكان، لا يَخلو من علمه مكان (^١)» (^٢).\n\n(١١٨) وقال الشافعي: «خلافة أبي بكر ﵁ حقٌّ قَضاها الله في سمائه، وجمع عليه قلوب عباده» (^٣).\n<hr><s0>\n\nهذه الآثار صحيحة عن الإمام مالك وعن الإمام الشافعي رحمهما الله، فلماذا لا يتبعها بعض مَنْ يأخذون بمذهبهم؛ ممن ينفون صفة العلو، ونقول لهم: هذا إمامكم وإمامنا الإمام مالك يصرح بكلام لا يَقبل التأويل أن الله في السماء، وعلمه في كل\n_________\n(^١) في «السنة» لعبد الله بن أحمد: «لا يخلو منه شيء». أورده الذهبي في العلو (ص ١٢٢). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١٧ - ٢١٨). \"\n(^٢) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٠٦، ١٠٧)، ورواه أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» (ص ٦٣)، وابن منده في كتاب «التوحيد» (٣/ ٣٠٧)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٧٦ - ١٠٧٧، برقم ٦٥٢ - ٦٥٣). وابن بطة في الإبانة (-تتمة الرد على الجهمية-)، (٣/ ١٥٣، ح ١١٠). وابن مندة في التوحيد (٣/ ٣٠٧، برقم ٨٩٣). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٠١). وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٨). والقاضي عياض في ترتيب المدارك (٢/ ٤٣). وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٣)، وفي درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٢)، وقال: \"كل هذه الأسانيد صحيحة\". وأورده الذهبي في العلو (ص ١٠٣)، وفي كتاب العرش ٢/ ٢٢٨ وقال: \"هذا حديث ثابت عن مالك ﵀، أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب \"الرد على الجهمية\" عن أبيه، عن سريج بن النعمان، عن عبد الله بن نافع تلميذ مالك وخصيصه. \"، وفي سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠١)، وأورده في الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٥٩، برقم ٣٩) و(ص ٦٣، برقم ٤٥). وأورده ابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢١٣) وقال: \"ذكره الطلمنكي وابن عبد البر وعبد الله بن أحمد وغيرهم\". وصححه الألباني في مختصر العلو (ص ١٤٠). \"\n(^٣) ذكره ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص ١٨١)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٦٥)، وحكم على هذا الأثر بالصحة.","vol":"1","page":567},{"text":"مكان، لا يخلو من علمه مكان، وكذلك الإمام الشافعي وغيره من الأئمة.\nوأبو بكر الصديق ﵁ هو القائل لما مات النبي ﷺ: \"من كان يعبد محمدًا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الذي في السماء فإنه حي لا يموت\".\nأخرجه هكذا الدارمي (^١) بإسناد صحيح (^٢)، والبخاري في تاريخه من حديث نافع (^٣)، عن ابن عمر.\n_________\n(^١) عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد، التميمي السجستاني، الدارمي نسبة إلى بني دارم، إمام علامة حافظ، مات سنة (٢٨٠ هـ) وقد جاوز الثمانين. طبقات الحنابلة (١/ ٢٢١)، السير (١٣/ ٣١٩).\n(^٢) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص: ٤٦٣ - ضمن عقائد السلف). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠١ - ١٠٢، برقم: ٧٠). وأورده الذهبي في العلو (ص: ٦٢) وعزاه لابن قدامة في العلو، وأورده أيضًا في الأربعين (ص ٥٦ - ٥٧، برقم: ٣٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١١٩) وعزاه للبخاري في تاريخه. وأصله في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت (ح ١٢٤٢، ص ٢٤٤)، ط: دار السلام، وفيه \"ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت\".\n(^٣) نافع، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة (١١٧ هـ) أو بعد ذلك، من رجال الجماعة. التقريب (ص ٩٩٦).","vol":"1","page":568},{"text":"(١١٩) وفي الصَّحيح عن أنس بن مالك، قال: «كانت زينبُ تَفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُن وزَوَّجَني الله مِنْ فوق سبع سماوات» (^١)، وهذا مثل قول الشافعي.\n<hr><s0>\n\nولهذا شاهد من قول عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف يحدثها فقال له رجل: \"يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز\" فقال: \"ويلك أتدري ما هي؟، هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة (^٢) التي أنزل الله فيها ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ اَلتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (^٣) \".\nأخرجه عثمان الدارمي في \"الرد على المريسي\" (^٤).\nوعن عبد الله بن مسعود أنه قال: \"إن العبد ليهمُّ بالأمر من التجارة والإمارة،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٢٠) من حديث أنس ﵁. ومعنى الحديث: أن الله هو الذي زَوَّجها رسول الله ﷺ؛ حيث قال: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧].\n(^٢) خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أسرم الأنصارية الخزرجية، صحابية مشهورة، هي التي ظاهر منها زوجها فنزلت فيها سورة ﴿قَدْ سَمِعَ﴾، ويقال لها خويلة، وزوجها هو أوس بن الصامت. الإصابة (٤/ ٢٨٢).\n(^٣) الآية ١ من سورة المجادلة.\n(^٤) أخرجه البخاري في التاريخ (٧/ ٢٤٥).\nوأخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥، ٧٧٣ - ٧٧٤).\nوأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٧٤ - ضمن عقائد السلف).\nوأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٢٢، رقم ٨٨٦).\nوأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٢٩١ بهامش الإصابة).\nوأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠٢ - ١٠٣، برقم ٧٢).\nوأورده الذهبي في العلو (ص ٦٣) وقال: \"هذا إسناد صالح فيه انقطاع، أبو زيد لم يلق عمر\".\nوأورده ابن كثير في التفسير (٨/ ٦٠ - ٦١) وعزاه لابن أبي حاتم وقال: \"هذا منقطع بين أبي زيد وعمر، وقد روي من غير هذا الوجه\".\nوأوردهما ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٢٠ - ١٢١). وله طريق آخر عن قتادة.","vol":"1","page":569},{"text":"حتى إذا تيسر له، نظر الله إليه من فوق سبع سموات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخله النار\".\nرواه أبو القاسم اللالكائي الشافعي، وغيره بإسناد صحيح عن خيثمة (^١) عنه (^٢).\nوعن أنس بن مالك قال: \"قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول الله ﷺ انطلق بنا إلى أم أيمن (^٣) نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقلنا ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، فقالت: صدقتما ولكن أبكي أن الوحي انقطع عنا من السماء، فهيجتهما على البكاء\".\nرواه مسلم (^٤).\n_________\n(^١) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي الكوفي، ثقة، وكان يرسل، من الثالثة، مات دون المائة بعد سنة ثمانين، من رجال الجماعة. التقريب (ص ٣٠٤).\n(^٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (-ضمن عقائد السلف-ص ٢٧٤ - ٢٧٥).\nوأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٦٦٨، ح ١٢١٩).\nوأورده الذهبي في العلو (ص ٦٤) وعزاه للالكائي وقال: \"أخرجه اللالكائي بإسناد قوي، رواه الثوري عن الأعمش عن خيثمة\".\nوأورده ابن القيم كما في مختصر الصواعق وقال: (إسناده صحيح)، (٢/ ٢١٠)، وأورده أيضا في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٢٢ - و٢٥٤).\n(^٣) أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته واسمها بركة بنت ثعلبة وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة. الإصابة (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أم أيمن ﵂ (٧/ ١٤٤، ١٤٥). وأخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب ما جاء في الجنائز (٦٥)، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٣٠٠، ح ١٦٣٦).","vol":"1","page":570},{"text":"(١٢٠) وقصة أبي يوسف-صاحب أبي حنيفة-مشهورة في استتابة بشر المَرِيسي حتى هرب منه؛ لما أنكر الصفات وأظهر قولَ جَهْمٍ. قد ذكرها ابنُ أبي حاتم وغيرُه (^١).\n<hr><s0>\n\nفأبو يوسف استتاب بشرًا المَرِيسي؛ لمَّا تبين له أنه ينفي عن الله ﷿ صفة العلو؛ قال الإمام الذهبي عن بشر المريسي: «قد أُخذ المريسي في دولة الرشيد وأُهين من أجل مقالته. روى أبو داود عن أحمد بن حنبل أنه سمع ابن مهدي أيام صُنِع بِبِشْر ما صُنِع؛ يقول: مَنْ زعم أنَّ الله لم يكلم موسى يُستتاب فإن تاب، وإلا ضُربت عنقه.\nوقال المروذي: سمعت أبا عبد الله-وذكر المريسي-فقال: كان أبوه يهوديًّا؛ أي شيء تراه يكون؟!\nوقال أبو عبد الله: كان بِشر يحضر مجلس أبي يوسف فيَصيح ويَستغيث؛ فقال له أبو يوسف مَرَّة: لا تَنتهي أو تُفسد خشبة (^٢).\nثم قال أبو عبد الله: ما كان صاحب حُجج، بل صاحب خُطَب.\nوقال أبو بكر الأثرم: سُئل أحمد عن الصلاة خلف بِشر المَرِيسي؛ فقال: لا تُصَلِّ خلفَه.\nوقال قتيبة: بِشر المريسي كافر.\nوقلت-أي: الذهبي-: وقع كلامُه إلى عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ؛ فصنف مجلدًا في الردِّ عليه.\nومات: في آخر سنة ثماني عشرة، ومائتين وقد قارب الثمانين؛ فهو بِشْر الشَّرِّ،\n_________\n(^١) والقصة ذكرها الذهبي في «العلو» (ص ١١٢)، من رواية ابن أبي حاتم، وانظر: «مختصر العلو» (ص ١٥٤، ١٥٥).\n(^٢) ذكره الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ٣٢٣)، وزاد: «يَعني: وتُصلب». ووقع في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٧/ ٦٣): «حتى تصعد خشبة».","vol":"1","page":571},{"text":"وبِشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السُّنَّة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة.\nومن كفر ببدعة-وإن جَلَّت-ليس هو مثل الكافر الأصلي ولا اليهودي والمجوسي؛ أبى الله أن يَجعل مَنْ آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وصام وصَلَّى وحَجَّ وزكى وإن ارتكب العظائم وضَلَّ وابتدع، كمن عاند الرسول وعبدَ الوثن ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نَبرأ إلى الله من البدع، وأهلها» (^١).\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٣٣٦، ٣٣٧).","vol":"1","page":572},{"text":"(١٢١) وقال أبو عبد الله؛ محمد بن عبد الله بن أبي زَمَنِين-الإمام المشهور من أئمة المالكية-في كتابه الذي صَنَّفه في «أصول السُّنَّة»، قال فيه: «باب: الإيمان بالعرش».\n<hr><s0>\n\nثبوت العرش أمر يقر به أهل السنة حيث وردت بثبوته الأدلة الصحيحة ومن الأدلة على إثبات العرش من الكتاب والسنة.\nالأدلة القرآنية على إثبات العرش\nلقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن الكريم في واحد وعشرين موضعًا:\n١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤]\n٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة ١٢٩].\n٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس ٣].\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود ٧].\n٥ - وقال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد ٢].\n٦ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٤٢].\n٧ - وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥].\n٨ - وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ [الأنبياء ٢٢].","vol":"1","page":573},{"text":"٩ - وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦].\n١٠ - وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون ١١٦].\n١١ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٩].\n١٢ - وقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]\n١٣ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة ٤].\n١٤ - وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥].\n١٥ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر ٧].\n١٦ - وقال تعالى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر ١٦].\n١٧ - وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف ٨٢].\n١٨ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤].\n١٩ - وقال تعالى ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٧].\n٢٠ - وقال تعالى ﴿ذو قُوةٍ عِنْدَ ذِي العرشِ مَكِين﴾ [التكوير ٢٠].\n٢١ - وقال تعالى ﴿ذُو العرشِ المجِيد﴾ [البروج ١٥].\nومن الأدلة من السنة على إثبات العرش\n١ - فقد جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس، جاء يهودي فقال:","vol":"1","page":574},{"text":"يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، فقال: أضربته؟ فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد ﷺ، فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: \"لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان صعق أم حوسب بصعقته الأولى\" (^١).\nوالشاهد لنا من هذا الحديث قوله: \"فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش\"، حيث إن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، وهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك أو الفلك التاسع.\n٢ - وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء\" (^٢).\nوفي الحديث دلالة واضحة على أن العرش كان مخلوقًا على الماء قبل خلق السموات.\n٣ - وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عن الكرب: \"لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم\" (^٣).\n٤ - وعن ابن عباس عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: \"ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ \"، قالت: نعم، قال النبي ﷺ: \"لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٧٠ مع الفتح) كتاب الخصومات باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. ومسلم في صحيحه (٤/ ١٠١ - ١٠٢) كتاب الفضائل.\n(^٢) أخرجه مسلم في القدر (٨/ ٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، واللفظ له. فتح الباري (١٣/ ٤٠٥). مسلم في الذكر والدعاء (٨/ ٨٥).\n(^٤) أخرجه مسلم في الذكر (٨/ ٨٣) واللفظ له. وأخرجه أبو داود في تخريج أبواب الوتر، باب التسبيح بالحصى (٢/ ١٧١). وأخرجه الترمذي في الدعوات، وقال: (حديث حسن صحيح). (٥/ ٥٥٦).","vol":"1","page":575},{"text":"قال ابن تيمية: \"فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان\" (^١).\n٥ - وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: \"أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام\" (^٢).\n٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة\" (^٣).\n٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله\" (^٤).\n٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: \"أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئتي فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ \" (^٥).\n٩ - وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي\" (^٦).\n١٠ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله\" (^٧).\n_________\n(^١) الرسالة العرشية (ص ٨).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٠٤).\n(^٤) أخرجه مسلم في البر والصلة (٨/ ٧).\n(^٥) أخرجه البخاري في المغازي، باب صفة الشمس والقمر. فتح الباري (٦/ ٢٩٧).\n(^٦) أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. فتح الباري (٦/ ٢٨٧). وأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/ ٩٥).\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٣٧). وابن حبان (٢٥١٠). والحاكم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠). وابن المبارك في الزهد (ص ٧١٥) من طريقين صحيحين عنه.","vol":"1","page":576},{"text":"قال: «ومن قول أهل السنة: إن الله ﷿ خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٤]؛ فسبحان من بَعُدَ وقَرُبَ بعلمه، فَسَمِعَ النَّجوى.\n<hr><s0>\n\nأشار هنا إلى خلق العرش وذكر بعض صفات العرش وخصائصه\nفأما خلق العرش وهيئته فإن أول صفة تذكر لعرش البارئ ﷾ كونه مخلوقًا من مخلوقات الله تعالى، ذلك لأن كل ما على الوجود هو مخلوق خلقه الله تعالى وأوجده، قال الله تعالى ﴿ذَلكُمُ الله رَبُّكم لا إِلهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيء﴾ [الأنعام ١٠٢]، فكل شيء في هذا الكون مخلوق والعرش من ضمن هذا الكون فهو مخلوق أيضًا.\nوسلف الأمة وأئمتها يقولون: إن القرآن والسنة قد دلا على أن العرش مخلوق من مخلوقات الله تعالى خلقه وأوجده، قال تعالى ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة ١٢٩]، فالعرش موصوف بأنه مربوب وكل مربوب مخلوق، فالعرش مخلوق من مخلوقات الله.\nوقد دلت الآيات والأحاديث على أن خلق العرش متقدم على خلق السموات والأرض، قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود ٧]، فالآية تدل على أن العرش كان موجودًا على الماء قبل خلق السموات والأرض ويؤيد تفسير الآية بهذا المعنى حديث عمران بن حصين ﵁ الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ اَلّذِي يَبْدَأُ اَلخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. انظر: فتح الباري (٦/ ٢٨٦، رقم ٣١٩٠).","vol":"1","page":577},{"text":"وأما مسألة خلق العرش فقد جاء ذكرها في حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: \"كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء\" (^١).\nهذه الأدلة التي استدل بها السلف على إثبات خلق العرش، فيها أبلغ الرد على من زعم من الفلاسفة أن العرش هو الخالق الصانع، أو أنه لم يزل مع الله تعالى.\nولقد خالف السلف في قولهم هذا بعض أهل الكلام الذين زعموا أن السموات والأرض كانتا مخلوقتين قبل العرش، وهم بزعمهم هذا الذي لا دليل لهم عليه إنما يحاولون به إخراج الاستواء عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، ليكون معنى الاستواء في الآية على زعمهم بمعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه، ذلك لأنهم لو سلموا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض لقيل لهم إنكم تزعمون أن (استوى) بمعنى استولى، فلماذا تأخر الاستيلاء إلى ما بعد خلق السموات مع أنه كان موجودًا قبل ذلك، فهم فرارًا من هذا الأمر ادعوا أن العرش مخلوق بعد السموات والأرض.\nوقد رد ابن القيم ﵀ على زعمهم هذا بقوله: \"إن هذا لم يقله أحد من أهل العلم أصلًا، وهو مناقض لما دل عليه القرآن والسنة وإجماع المسلمين أظهر مناقضة، فإنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وعرشه حينئذ على الماء، وهذه واو الحال، أي خلقها في هذه الحال، فدل على سبق العرش والماء للسموات والأراضين وفي الصحيح عنه ﷺ: \"قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء\" (^٢)، (^٣).\nوكذلك فيما ذكرناه من أدلة على سبق خلق العرش للسموات والأرض فيه رد على زعم هؤلاء ومدى مخالفة قولهم للكتاب والسنة.\nوبعد أن علمنا أسبقية خلق العرش على خلق السموات والأرض وإجماع سلف الأمة على ذلك، نود أن نتطرق في هذا البحث أيضًا إلى ترتيب خلق العرش مع غيره من المخلوقات من حيث الأولوية في الخلق.\nوقد اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:\nالقول الأول:\nإن القلم أول المخلوقات، وأنه أسبق في الخلق من العرش، وهذا\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في التحقيق برقم (١٥).\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٢٦١.\n(^٣) مختصر الصواعق (٢/ ١٣١).","vol":"1","page":578},{"text":"القول هو اختيار ابن جرير الطبري (^١) وابن الجوزي (^٢) وهو ما يفهم في الظاهر من قول من صنف في الأوائل كابن أبي عروبة الحراني، وأبو القاسم الطبراني (^٣).\nوالدليل على هذا القول حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب ماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة … \" الحديث (^٤).\nقال ابن جرير عند تخريج هذا القول: \"وقول رسول الله ﷺ الذي رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب لأنه كان أعلم قائل في ذلك قولًا بحقيقته وصحته من غير استثناء منه شيئًا من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم، بل عم بقوله ﷺ: \"إن أول شيء خلقه الله القلم\"، كل شيء وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماء ولا شيئًا غير ذلك\" (^٥).\nالقول الثاني:\nإن الماء أول المخلوقات، وإنه مخلوق قبل العرش.\nوهذا القول ذكره ابن جرير ونقله عنه ابن كثير (^٦)، وذكره أيضًا ابن حجر (^٧)، واستدل له بما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا \"إن الماء خلق قبل العرش\".\nوقال ابن حجر: \"وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة \"أن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء\" \".\nالقول الثالث:\nأن أول شيء خلقه الله ﷿ من خلقه النور والظلمة.\nوهذا القول ذكره ابن جرير وعزاه إلى ابن إسحاق (^٨).\nالقول الرابع:\nأن العرش هو أول المخلوقات.\nوهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٩)، وابن القيم (^١٠)، وابن كثير (^١١)،\n_________\n(^١) تاريخ الطبري (١/ ٣٦).\n(^٢) البداية والنهاية (١/ ٨).\n(^٣) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد.\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣١٧). وأبو داود في سننه (٥/ ٧٦، رقم ٤٧٠٠). الترمذي في سننه (٥/ ٤٢٤، رقم ٣٣١٩).\n(^٥) تاريخ الطبري (١/ ٣٥، ٣٦).\n(^٦) البداية والنهاية (١/ ٩).\n(^٧) فتح الباري (٦/ ٢٨٩).\n(^٨) تاريخ الطبري (١/ ٣٣).\n(^٩) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٣).\n(^١٠) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٥٣ - ٢٥٤). وانظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٢٣).\n(^١١) البداية والنهاية (١/ ٩).","vol":"1","page":579},{"text":"وشارح العقيدة الطحاوية (^١)، ونسبه ابن كثير وابن حجر-نقلًا عن أبي العلاء الهمداني-إلى الجمهور، ومال إليه ابن حجر أيضًا (^٢).\nواستدلوا على قولهم هذا بما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا قال: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء\" (^٣).\nففي هذا الحديث تصريح بأن التقدير وقع بعد خلق العرش وحديث عبادة صريح بأن التقدير وقع عند أول خلق القلم، فدل ذلك على أن العرش سابق على القلم.\nومما يؤيد هذا القول أيضًا حديث عمران بن حصين: \"كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض\" (^٤).\nفالحديث يدل على أن العرش كان موجودًا قبل كتابة المقادير.\nوهذا هو الراجح من الأقوال.\nوأما القول الثاني (أن الماء أول المخلوقات) واستدلال ابن حجر بحديث أبي رزين (أن الماء خلق قبل العرش) فغير صحيح، لأنه لم يرد في حديث أبي رزين هذا اللفظ، وإنما ورد فيه (ثم خلق عرشه على الماء) وليس في هذا ما يدل على أولية الماء.\nوأما ما رواه السدي فهو أيضًا لا يصلح للاحتجاج لكونه أثرًا ولم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك\nوأما القول الثالث: وهو قول ابن إسحاق فهو أيضًا غير صحيح، ولعله أخذه من الإسرائيليات كما أخذ غيره من الأمور، وقد قال ابن جرير في هذا القول: \"وأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قوله الذي قاله في ذلك إلى أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرك علمها إلا بخبر من الله ﷿ أو من خبر رسول الله ﷺ\" (^٥).\nأما القول الأول فقد أجاب الجمهور على استدلالهم بحديث عبادة ابن الصامت بقولهم لا يخلو قوله \"أول ما خلق الله القلم … الخ\" من أن يكون جملة أو جملتين، فإن كان جملة-وهو الصحيح-كان معناه أنه عند أول خلقه قال له\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٩٥).\n(^٢) فتح الباري (٦/ ٢٨٩).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تاريخ الطبري (١/ ٣٣).","vol":"1","page":580},{"text":"(اكتب) كما في اللفظ، (أول ما خلق الله القلم قال له اكتب) بنصب (أول) و(القلم) فعلى هذا تكون الأولية راجعة إلى الكتابة لا إلى الخلق.\nوإن كانت جملتين وهو مروي برفع (أول) و(القلم) فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق بهذا الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم (^١).\nأما هيئة العرش: فقد دلت الأحاديث على أنه مقبب الشكل وأنه على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيهما كهيئة القبة وهذا ما يدل عليه حديث الأعرابي الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: \"إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا\" وأشار بأصابعه مثل القبة.\nويؤيد وصف هيئة العرش بهذه الصفة ما جاء في الحديث الآخر \"إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن\". فالحديث يبين أن الفردوس أوسط الجنة وأعلاها كما جاء في الحديث الآخر: \"مائة درجة وما بين كل درجة ودرجة كما بين السموات والأرض\".\nفكون العرش سقفًا للفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها يدل على أنه مقبب لأن هذه الصفة لا تكون إلا في المستدير.\nوالعرش له قوائم كما جاء في الحديث الصحيح \"لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش\" الحديث.\nوفي إثبات كون العرش مقببًا وأن له قوائم تحمله، رد على من زعم من الفلاسفة أن العرش فلك من الأفلاك أو أنه الفلك التاسع، وقد تقدم الرد على زعم هؤلاء.\nوكذلك فيه رد على من زعم أن العرش بمعنى الملك لأنه لا يعقل أن يكون ماسكًا بقائمة من قوائم الملك.\nوقد ذكر ابن كثير والذهبي أن العرش من ياقوتة حمراء (^٢) وقد استدلوا لهذا القول بما رواه إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعدًا الطائي يقول: \"العرش ياقوتة حمراء\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٩٥ - ٢٩٦).\nاجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٥٣ - ٢٥٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٤). العلو للذهبي (ص ٥٧)\n(^٣) أخرجه: ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ص ٤١٣ - ٤١٤، ح ٤٧).","vol":"1","page":581},{"text":"وأما مكان العرش\nفإن الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎ لتدل دلالة واضحة على أن لعرش الرحمن مكانًا قبل وجود السموات والأرض وبعد خلقهما، فأما مكانه قبل خلق السموات والأرض فالآيات والأحاديث تبين لنا أن مكانه على الماء، فالله سبحانه يقول في كتابه الكريم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾. [هود: ٧]\nقال الطبري في تفسير هذه الآية: \"وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ يقول وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ قبل أن يخلق شيئًا\" (^١).\nوأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة منها حديث عمران بن حصين الذي جاء فيه: \"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض\".\nوكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء\".\nوكذلك حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: \"كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء\".\nفكل من الآية والأحاديث تدل دلالة قاطعة على أن مكان العرش منذ خلقه على الماء، وليس مراد بالماء هنا ماء البحر لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا ماء آخر تحت العرش على ما شاء الله تعالى (^٢).\nوقد سئل حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: \"كان على متن الريح\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٤).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٤١١).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤٩). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٥). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٨). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤١). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٧، رقم ٨٠٢).\nكلهم بإسنادهم عن سفيان عن الأعمش بنحوه.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.\nوإسناده جيد موقوف.","vol":"1","page":582},{"text":"وعن سليمان التيمي أنه قال: \"ولو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله: وذلك لقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥] \" (^١).\nهذا مكان العرش قبل خلق هذا الكون الذي هو عبارة عن السموات والأرض، أما مكانه بعد خلق السموات والأرض فالحديث عنه من جانبين:\nالجانب الأول: مكانه بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات.\nوالجانب الثاني: مكانه بالنسبة إلى السموات والأرض بعد خلقهما.\nأما مكان العرش بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات فهو أقربها إليه سبحانه، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر أنه مستو على عرشه في أكثر في موضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ففي إثبات الاستواء على العرش دليل على قربه إليه لأنه سبحانه مستو على أعلى مخلوقاته وأقربها إليه، وهذه ميزة امتاز بها العرش على ما سواه.\nومما يؤيد كون العرش أقرب المخلوقات إلى الله ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال\" (^٢).\nفالحديث يدل على أن حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله دليل على أن العرش أقرب منهم إليه سبحانه لأنهم إنما يحملونه.\nأما مكان العرش بالنسبة للسموات والأرض بعد خلقهما، وهل مازال على الماء؟\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد (١٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، (١٤/ ٢٢٥). والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة سبأ، (٥/ ٣٦٢ رقم ٢٣٢٤). والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٨). والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٧٨). وابن منده في التوحيد (ق ١٦/ ب). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥١٢ - ٥١٣، رقم ٤٣٦). والطحاوي في المشكل (٣/ ١١٣). وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٣).\nكلهم بإسنادهم عن الزهري عن علي بن الحسين به، وبألفاظ متقاربة.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).","vol":"1","page":583},{"text":"فالجواب ما يلي: إن العرش ما يزال على الماء المذكور في الآية والأحاديث بدليل ما جاء في أحاديث الأوعال، لقوله ﷺ: \"ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش\".\nفالحديث يُشير كما أسلفنا إلى وجود ذلك الماء الذي تحت العرش، وإلى أنه ما زال موجودًا إلى ما بعد خلق السموات والأرض.\nأما مكان العرش بالنسبة إلى السموات والأرض فهو أعلى منها وفوقها، وهو كالقبة عليها كما جاء في الحديث: \"إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا\" وأشار بأصابعه مثل القبة.\nوكذلك ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب الذي يسمى بحديث الأوعال، فكلا الحديثين يدلان على أن العرش فوق السموات والأرض وأعلى منهما وهو كالسقف عليهما، بل هو سقف للجنة كما في حديث: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن\" (^١).\nفمكان العرش فوق السموات والأرض وفوق الجنة وهو أعلى المخلوقات وأرفعها، وجميع المخلوقات دونه في العلو والارتفاع. والله أعلم.\nوأما خصائص العرش فقد خص الخالق ﷾ عرشه الكريم بخصائص عديدة ميزته على كثير من المخلوقات الأخرى، وذلك لما للعرش من المكانة الرفيعة عند البارئ ﷿، وقد ذكر عرش الرحمن في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم، ومجيء ذكر العرش بهذا العدد يدل على ما له من مكانة ومنزلة عالية عند الخالق ﷾.\nفالله ﷾ قد مدح نفسه في أكثر من موضع من كتابه الكريم بأنه صاحب العرش العظيم والكريم والمجيد، قال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقال تعالى ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾.\nفالله سبحانه يصف لنا في هذه الآيات وغيرها العرش بأنه عظيم، وكريم،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":584},{"text":"ومجيد، فهو عظيم لكونه أكبر المخلوقات وأعظمها وأعلاها، وذلك لما خص الله به هذا العرش من الاستواء عليه، ومجيد وكريم لما له من منزلة تميز بها عما سواه من المخلوقات، فهو إنما اتصف بهذه الصفات لجلالته وعظيم قدره. كما أن في قوله تعالى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ إخبار منه تعالى عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع خلقه، ومما يدل أيضًا على عظمة هذا العرش اقترانه باسم (الرحمن) كثيرًا في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.\nففي هذا الاقتران بين اسم الرحمن والعرش حكمة وهي إخباره ﷿ بأنه قد استوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، ذلك لأن العرش محيط بالمخلوقات وقد وسعها، والرحمة بالخلق واسعة لهم (^١)، كما قال تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦].\nوسنذكر في هذا المبحث بعض الخصائص التي اختص بها العرش وكرم بها، والتي جعلته يوصف بهذا الوصف في القرآن الكريم ويجعل له تلك المنزلة الرفيعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>أولًا: الاستواء عليه:</span>\nيعتبر استواء الله ﷾ على العرش أعظم الخصائص التي اختص بها العرش، بل إن ما سواها من الخصائص الأخرى التي تميز بها العرش إنما جعلت له لأجل استواء الله ﷿ عليه، وذلك أن الله تعالى لما اختصه بهذا الأمر جعل له من الخصائص والصفات كارتفاعه وعظم خلقه وكبره وثقل وزنه؛ لكي يتناسب مع ما ميز وشرف به من الاستواء عليه.\nومسألة الاستواء على العرش ثابتة في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، ومجيء ذكر الاستواء في القرآن بهذا العدد إنما هو ليؤكد عظم هذا الأمر وأهميته، وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار التي تثبت الاستواء وتؤكده.\nوإن مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الله عليهم أجمعين أنهم يقولون: إن الله استوى على عرشه بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٣ - ٣٤)","vol":"1","page":585},{"text":"وعظمته، واستواؤه حقيقة لا مجاز كما يزعم الجهمية وأتباعهم الذين ينكرون العرش وأن يكون الله فوقه، وأما كيفية ذلك الاستواء فهي مجهولة لدينا والسؤال عن كيفية ذلك الاستواء بدعة، لأن الله سبحانه لم يطلعنا على كيفية ذاته فكيف يكون لنا أن نعرف كيفية استوائه، وهو ﷾ يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>ثانيًا: العرش أعلى المخلوقات أرفعها وسقفها.</span>\nإن مما اختص به الخالق ﷾ العرش مع استوائه عليه كونه أعلى المخلوقات وأرفعها وأقربها إلى الله تعالى، فقد ثبت أن العرش أعلى من السموات والأرض والجنة وأنه كالسقف عليها، والأدلة على هذا الأمر كثيرة وقد سبق أن أوردنا جزءًا منها خلال حديثنا عن مكان العرش.\nوالقول بأن العرش أعلى المخلوقات هو قول السلف الذي قالوا به وذهبوا إليه:\nقال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه \" أصول السنة \": \"ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء\" (^١).\nوكون العرش أعلى المخلوقات يدل على أنه أقرب إلى الله تعالى وهذه ميزة أخرى تضاف إلى الخصائص التي انفرد بها العرش، ويدل على هذا الأمر ما جاء في حديث الأوعال: \"ثم فوق ظهورهم العرش بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء والله تعالى فوق ذلك\" (^٢).\nوكذلك ما جاء عن ابن مسعود: \"بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>ثالثًا: العرش أكبر المخلوقات وأعظمها وأثقلها.</span>\nإن عرش الرحمن ﵎ يعتبر أكبر مخلوقات الله وأوسعها وأعظمها على\n_________\n(^١) أصول السنة (ص ٨٨).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٦، ٢٧).\nواللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٦).\nوأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٠٠) وقال: «رواه سنيد بن داود بإسناد صحيح».","vol":"1","page":586},{"text":"الإطلاق، فقد خص الله ﷿ العرش بهذه الميزة العظيمة وشرفه بها مع غيرها من الميزات لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم ألا وهو استواء البارئ ﷿ عليه.\nوعظم العرش وسعة خلقه قد دل عليهما القرآن والسنة، فالله ﷾ يقول في محكم التنزيل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فالله سبحانه وصف العرش في هذه الآية وغيرها بكونه عظيمًا في خلقه وسعته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: \"أي هو مالك كل شيء وخالقه لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى\" (^١).\nومما يشهد لعظم العرش وسعة خلقه الأحاديث والآثار التي تتحدث عن كبر حجمه وسعته، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: \"إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا\" وأشار بأصابعه مثل القبة، فالنبي ﷺ يشبه العرش أنه كالقبة على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيهما وكالسقف عليهما.\nوفي هذا بيان واضح على عظم العرش وكبر مساحته.\nوفي حديث أخر يبين لنا مدى عظم العرش وكبر مساحته، فليس العرش أكبر من السموات والأرض فقط، بل هو من الكبر وسعة الحجم بحيث لا تعدل السموات والأرض على سعة حجمهما بجانبه شيئًا يذكر، فعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذر ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة\".\nوفي رواية \"ما السموات السبع والأراضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة\".\nفالحديث كما أسلفنا دليل واضح على سعة العرش وعظم خلقه، وأما مقدار ذلك الحجم وتلك السعة فلا يعلمها إلا الله تعالى.\nقال عبد الله بن عباس ﵄: \"الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٠٤).\n(^٢) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٧١، ٧٣، ٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧٠، ١٤٢). وابن جرير في التفسير (٣/ ١٠). والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٩، برقم ١٢٤٠٤). والدارقطني في الصفات (ص ٣٠). والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٣). والخطيب البغدادي في تاريخه (٩/ ٢٥١ - ٢٥٢) من أوجه. والهروي في الأربعين (ص ١٢٥).\nكلهم من طريق سفيان الثوري عن عمار الذهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا.\nقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وذكر هـ الذهبي في العلو (ص ٦١) وقال: (رواته ثقات). وقال الألباني: (هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وتابعه يوسف بن أبي إسحاق عن عمار الذهني) انظر مختصر العلو (ص ١٠٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٣): (رجاله رجال الصحيح).","vol":"1","page":587},{"text":"والعرش يمتاز مع كبر حجمه وسعته، بكونه أثقل المخلوقات وزنته أثقل الأوزان، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لجويرية: \"لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته\".\nقال ابن تيمية: \"فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>رابعًا: العرش ليس داخلا فيما يقبض ويطوى.</span>\nلقد خص الله ﷾ العرش بخصائص منها ما انفرد بها العرش عن غيره من المخلوقات، ومنها ما اشترك بها العرش مع بعض المخلوقات الأخرى، ولقد سبق الحديث عن بعض الخصائص التي انفرد بها العرش، وأود هاهنا أن أبين بعض ما اشترك به العرش مع غيره من المخلوقات من الخصائص.\nفقد سبق أن علمنا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض فهو بهذا ليس داخلا فيما خلق في الأيام الستة، ومعلوم أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه محمد ﷺ أنه يقبض يوم القيامة السموات والأرض ويطويها ويبدلها، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم ٤٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار ١].\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقبض الله الأرض\n_________\n(^١) الرسالة العرشية (ص ٨).","vol":"1","page":588},{"text":"يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض\" (^١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يطوي الله السموات والأرض ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون\" (^٢).\nفالآيات والأحاديث السابقة تدل على أن السموات والأرض وما فيهما تقبض وتطوى وتبدل.\nوقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى كالجنة والنار والعرش (^٣).\nفعلى هذا يكون العرش ليس داخلا فيما يقبض ويطوى ويبدل، والأدلة على بقاء العرش كثيرة في الكتاب والسنة، فالله ﷾ يقول مخبرا عن بقاء عرشه يوم القيامة: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٤ - ١٧].\nوكذلك ما جاء في سورة الزمر من إخباره تعالى بقبضه للأرض وطيه للسموات بيمينه وذكر نفخ الصور وصعق من في السموات والأرض إلا ما شاء الله، ثم ذكر النفخة الثانية التي يقومون بها، وأن الأرض تشرق بنور ربها وأن الكتاب يوضع، ويجاء بالنبيين والشهداء، وأنه توفى كل نفس ما عملت، وذكر سوق الكفار إلى النار، وسوق المؤمنين إلى الجنة إلى أن قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٤ - ٧٥].\nفالآيات فيها إخبار عن الموقف يوم القيامة وفيها شاهد على أن العرش باق حتى بعد انتهاء الحساب.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما العرش فلم يكن داخلا فيما خلقه في الأيام الستة ولا يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على\nما دل عليه القرآن من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، انظر فتح الباري (١٣/ ٣٦٧).\nومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، (٨/ ١٢٦).\n(^٢) صحيح مسلم كتاب صفة القيامة (٨/ ١٢٦).\n(^٣) الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).","vol":"1","page":589},{"text":"بقاء العرش، فقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن سقفها عرش الرحمن قال ﷺ: \"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن\" \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-59>حملة العرش</span>\nإن كون عرش الرحمن له حملة يحملونه هو أمر ثابت في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر حملة العرش في موضعين من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.\nفالآيتان تدلان على أن لعرش الله حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، قال شيخ الإسلام: \"إن قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية، فإن الملك هو مجموع الخلق فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه يحملون عرشه، وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية\" (^٢).\nوأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار الدالة على أن لعرش الرحمن حملة من الملائكة يحملونه، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام\" (^٣).\n_________\n(^١) نقض التأسيس (١/ ١٥٥).\n(^٢) نقض التأسيس (١/ ٥٧٥).\n(^٣) خرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠٧). وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية (٥/ ٩٣، برقم ٤٧٢٣). وأخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٩). وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة الحاقة (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥، برقم ٣٣٢٠). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٨). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٣). وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ح ١٤٤). والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٨٩ - ١٠٩٠، ح ٦٦٥). وابن منده في التوحيد (١/ ١١٧). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٠). والذهبي في العلو (ص ٤٩). ومدار الحديث من جميع طرقه على \"عبد الله بن عميرة\" وعبد الله فيه جهالة، ولذلك قال الألباني في تخريج السنة (١/ ٢٥٤): \"إسناده ضعيف، وعبد الله بن عميرة، قال الذهبي: فيه جهالة، وقال البخاري: لا نعلم له سماعًا من الأحنف بن قيس\". انتهى كلامه. ولكن الجوزقاني صرح في الأباطيل (١/ ٧٩) بصحة الحديث. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣/ ١٩٢) حيث قال: \"إن هذا الحديث قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي ﷺ، والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف، ولم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته\". انتهى كلامه. وكذلك مال تلميذه ابن القيم إلى تصحيحه. انظر تهذيب السنن (٧/ ٩٢ - ٩٣). \"","vol":"1","page":590},{"text":"وكذلك ما جاء في حديث الأوعال: \"ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهم العرش\".\nوالقول بأن حملة العرش هم من الملائكة هو قول السلف الذين يثبتون العرش على أنه جسم عظيم خلقه الله فوق العالم وأن الله استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وهذا ما جاء به القرآن والسنة وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم.\nوأما الذين أنكروا استواء الله على عرشه وقالوا: إن استوى بمعنى استولى، وأن المراد بالعرش الملك، فإنهم أنكروا أيضا كون حملة العرش هم من الملائكة، فقالوا: إن قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، ﴿وَيَحْمِلُ﴾ بالجذب، ﴿عَرْشَ رَبِّك﴾ ملك ربك للأرض والسموات، ﴿فَوْقَهُم﴾ أي فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم القيامة، ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ أي السموات السبع والأرض (^١)، وقيل المراد بالثمانية: السموات والكرسي (^٢).\nفقد أولوا هذه الآية كما أولوا آيات الاستواء والآيات التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎.\nأما الصنف الآخر الذين زعموا أن العرش المذكور في الآيات المراد به الفلك التاسع، وهم الفلاسفة، فهم يقولون: إن المراد بالحملة الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، الثمانية أفلاك التي تحت الفلك المحيط أو ما يسمونه الفلك التاسع (^٣).\nوقد تقدم الرد على كلا الفريقين أثناء الكلام على الأقوال في العرش.\n_________\n(^١) تفسير القاسمي (١٦/ ٥٩١٥).\n(^٢) الفصل (٢/ ١٢٦).\n(^٣) تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات (رسالة في النبوات) (٨٧).","vol":"1","page":591},{"text":"فمما تقدم تقرر أن لعرش الله حملة من الملائكة يحملونه بقدرة الله، وقد أخبرنا الله تعالى أنهم يوم القيامة ثمانية، ولكن اختلف في هؤلاء الثمانية هل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف أم صفوف وهل هم اليوم ثمانية أم أقل على عدة أقوال:\nالقول الأول:\nإن المراد بالثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: \"ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله\" (^١).\nوهو أيضًا مروي عن سعيد بن جبير (^٢)، والشعبي وعكرمة\nوالضحاك وابن جرير (^٣).\nالقول الثاني:\nإن المراد بالثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، وهذا القول مروي عن ابن عباس (^٤)، وقال به مقاتل (^٥)، والكلبي (^٦).\nالقول الثالث:\nإن حملة العرش هم اليوم ويوم القيامة ثمانية من الملائكة.\nويستدل لهذا القول بحديث العباس بن عبد المطلب الذي جاء فيه: \"ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش\".\nالحديث يدل على أن حملة العرش هم اليوم ثمانية.\nوروي عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٥٨). وأورده الذهبي في العلو (ص ٨٨).\nوأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤١٤). جميعهم من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس بمثله. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٦١)، وفي الحبائك (ص ٥٠)، عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس من طرق بمثله.\n(^٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (ص ١٦٦) بسنده من طريق عبد الأعلى بن حماد عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله.\nوأورده الذهبي في العلو (ص ٨٨) عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله.\nوأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢١٤) من طريق ابن أبي حاتم بسنده عن جرير عن أشعث عن جعفر بن سعيد بن جبير بمثله مقطوعًا، وإسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات سوى جعفر بن أبي المغيرة فإنه صدوق يهم.\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٤١٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح ٢٧).\n(^٥) زاد المسير (٨/ ٣٥١).\n(^٦) فتح القدير (٥/ ٢٨٢).","vol":"1","page":592},{"text":"ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: \"ثمانية أملاك في صورة أوعال بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين أو خمس وستين سنة\" (^١).\nوكذلك ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: \"حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينه مسيرة مائة عام\" (^٢).\nوعن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: \"ثمانية من الملائكة\" (^٣).\nوعن شهر بن حوشب قال: \"حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٩)، ولفظه (ثمانية أملاك في صورة الأوعال) اه. وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص ١٠٩). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧٨) وقال: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.\nجميعهم من طريق شريك بن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس موقوفًا.\nوأورده السيوطي في الحبائك (ص ٤٦) من طريق عبد بن حميد وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن مردويه، والحاكم وصححه، وإسناده ضعيف لجهالة عبد الله بن عميرة.\n(^٢) ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم (٤/ ٤١٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح ٣١).\nوأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٦١) من طريق عبد بن حميد عن الربيع بن أنس مثله. إسناده منقطع وفيه ضعف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح ٢٤). وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (ق ٢٨٤/ ب). والطبري في تفسيره (١٩/ ٧).\nكلاهما من طريق جعفر بن سليمان عن هارون بن رباب عن شهر بن حوشب من قوله.\nوعند عبد الرزاق زيادة في آخره (كلهم ينظرون إلى أعمال بني قدرتك) بدل قوله (كانوا يرون أنهم يرون ذنوب بني آدم).\nأما في تفسير ابن جرير فوقف على قوله (على عفوك بعد قدرتك) وقد روى الحديث من وجه آخر عن هارون بن رباب.\nوأخرجه أبو الشيخ في العظمة (ق ٨٥/ ب) بسنده عن رواد بن الجراح عن الأوزاعي عن هارون بن رباب نحوه.\nوالبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١/ ٩١/ ب، نسخة الشيخ حماد الأنصاري) بسنده عن العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رباب بنحوه.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٤٦)، والحبائك (ص ٤٧)، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان.\nوجاء عندهم جميعًا زيادة (يتجاوبون بصوت حزين رخيم).\nوروي أيضًا من وجه آخر عن حسان بن عطية.\nأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٧٤) عن أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الله، ثنا عباس بن الوليد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية بنحوه.\nوأورده الذهبي في العلو (ص ٥٨) قال: الوليد بن مزيد العذري، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، ثم ذكر نحوه، وقال: (إسناده قوي).","vol":"1","page":593},{"text":"القول الرابع:\nإن حملة العرش اليوم أربعة من الملائكة ويوم القيامة ثمانية.\nوهذا القول رجحه ابن كثير (^١)، وابن الجوزي (^٢) وقال هو قول الجمهور (^٣).\nويستدل لهذا القول بعدة أدلة منها ما رواه الطبري بسنده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: \"يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية\" (^٤).\nوروى الطبري أيضًا بسنده عن ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول لله ﷺ قال: \"هم اليوم أربعة\" يعني حملة العرش \"وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية\" (^٥).\nواستدلوا أيضًا بما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره فقال:\nرجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد\nفقال النبي ﷺ: \"صدق\" (^٦).\nواستدلوا أيضًا بما جاء في حديث الصور المشهور فقد جاء فيه: \"ويحمل عرش\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٧١).\n(^٢) زاد المسير (٧/ ٢٠٨).\n(^٣) زاد المسير (٨/ ٣٥٠).\n(^٤) رواه الطبري من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ وهو خبر مقطوع (٢٩/ ٥٩)، وإسناده ضعيف.\n(^٥) انظر تفسير الطبري (٢٩/ ٥٩).\n(^٦) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢٥٦). والدارمي في سننه كتاب الاستئذان (٢/ ٢٩٦).\nوالبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧، رقم ٧٧١).\nوأورده ابن كثير في النهاية (١/ ١٢)، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ورجاله ثقات وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة).","vol":"1","page":594},{"text":"ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم\" (^١).\nولعل هذا القول هو الأقرب إلى الصواب، ولكن ليس هناك نص صريح عن النبي ﷺ في المسألة. والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٣٠).\nوأورده ابن كثير في النهاية (١/ ١٧٢ - ١٧٦)، وعزاه للحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، وقال: (رواه جماعة من الأئمة في كتبهم كابن جرير في تفسيره، والطبراني في المطولات وغيرها، والحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور، والحافظ أبي موسى المديني في المطولات أيضًا من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف).","vol":"1","page":595},{"text":"وذكر حديث أبي رَزِين العقيلي؛ قلت: يا رسول الله، أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: «في عَمَاء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء» (^١).\nقال محمدٌ (^٢): العَماء: السحاب الكثيف المُطبق؛ فيما ذكره الخليل»، وذكر آثارًا أُخَر،\n<hr><s0>\n\nاختلف في لفظة \"عما\" من حيث الشكل ومن حيث المعنى المراد بها.\nالقول الأول: فالأصمعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، والأزهري وغيرهم يرون أن لفظة \"عما\" هي من حيث الشكل بالمد، وليست بالقصر، وأن معناها المراد في الحديث السحاب الأبيض، لأنه هذا هو معنى الكلمة في كلام العرب المنقول عنهم. ومما يشهد لذلك قول الحارث بن حلزة اليشكري:\nوكأن المنون تردى بنا … أعصم ينجاب عنه العما\nومعنى البيت: أن الشاعر يقول هو في ارتفاعه، قد بلغ السحاب ينشق عنه،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة هود (٥/ ٢٨٨، رقم ٣١٠٩). والإمام أحمد في مسنده (٤/ ١١ - ١٢). وابن أبي شيبة في العرش (ح ٧). وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٤). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧١). وابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٤) وفي تاريخه (١/ ١٩). والحكيم الترمذي في الرد على المعطلة (ق ١٠٦/ أ). وأبو الشيخ في كتاب العظمة (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤، ح ٨٣) ابن بطة في الإبانة (تتمة الرد على الجهمية، ٣/ ١٦٨، ح ١٢٥). وابن أبي زمنين في أصول السنة (ص ٨٩، ح ٣١). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦، ح ٨٠١ و٢/ ٣٠٣، ح ٨٦٤). قال الترمذي: حديث حسن. وقال الذهبي في العلو (ص ١٩) إسناده حسن. وقال في كتاب العرش ٢/ ٢٧ \"وهذا حديث حسن رواه الترمذي وغيره. \"\nوقال الألباني «تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم» (١/ ٢٧٢): \"في تصحيحه نظر، فإن مداره على وكيع بن عدس ويقال حدس، وهو مجهول، لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء، ولا وثقه غير ابن حبان\".\n(^٢) هو ابن أبي زَمَنِين.","vol":"1","page":596},{"text":"ويقول نحن في عزنا مثل الأعصم، فالمنون إذا أرادتنا فكأنما تريد أعصم (أي الجبل الشاهق).\nقال أبو عبيد: «قوله: «في عماء» في كلام العرب: السحاب الأبيض … وإنَّما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذلك العماء وما مبلغه، والله أعلم» (^١).\nوقال الأزهري بعد أن رَجَّح قول أبي عبيد: «والقول عندي ما قاله أبو عبيد: أنَّه العماء-ممدود-وهو السحاب. ولا يُدرى كيف ذلك العماء بصفة تَحصره ولا نعت يَحُدُّه. ويُقَوِّي هذا القول قول الله جل وعز: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠]، فالغمام معروف في كلام العرب، إلا أنَّا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله جل وعز يوم القيامة في ظُلل منه! فنحن نُؤمن به، ولا نُكَيِّف صفته. وكذلك سائر صفات الله جل وعزَّ» (^٢).\nوقد نقل ابن عبد البر عن بعض أن الهاء في قوله: «فوقه» و«تحته» راجعة إلى العماء (^٣).\nوهذا القول ليس فيه دليل، على قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، وأن مادة السموات والأرض ليست على قول الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، وأن مادة السموات والأرض ليست مبتدعة، وذلك أن الله سبحانه أخبرنا في كتابه بابتداء الخلق الذي يعيده، وأخبر بخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في غير موضع، وجاءت بذلك الأحاديث الكثيرة، وأخبر أيضًا أنه يغير هذه المخلوقات.\nالقول الثاني: ويرى يزيد بن هارون، وأقره على ذلك الترمذي أن لفظة \"عما\" هي من حيث الشكل بالمد، ولكن معناها في هذه الحديث هو: \"أي ليس مع الله شيء\" وعلى هذا يكون معنى الحديث أن الله كان ولم يكن شيء معه، ويشهد لهذا المعنى ما جاء في حديث عمران بن حصين من قوله ﷺ: \"كان الله ولم يكن شيء معه\".\nالقول الثالث: وهناك رأي ثالث في المسألة، يخالف القولين الأولين من حيث الشكل والمعنى: فمن حيث اللفظ يرى أنه بالقصر، وليس بالمد.\nوعلى هذا يكون المعنى: أنه كان حيث لا تدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كنهه وصف، وذلك لأن كل أمر لا يدركه القلوب بالعقول فهو عمى (^٤).\n_________\n(^١) «غريب الحديث» (٢/ ٨، ٩).\n(^٢) «تهذيب اللغة» (٣/ ١٥٦، ١٥٧)\n(^٣) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٣٨).\n(^٤) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٨ - ٩)، تهذيب اللغة (٣/ ٢٤٦)، نقص تأسيس الجهمية (١/ ٥٩١).","vol":"1","page":597},{"text":"ثم قال: «باب الإيمان بالكرسي.\nقال محمد بن عبد الله (^١): ومِن قول أهل السُّنَّة: أنَّ الكرسي بين يدي العرش، وأنه مَوضع القدمين.\nثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة، وفيه «فإذا كان يوم الجمعة هبط من عِلِّيين على كرسيه، ثم يَحف بالكرسي منابر من ذهب مُكَلَّلة بالجواهر (^٢)، ثم يَجيء النبيون فيجلسون عليها» (^٣).\nوذكر ما ذكره يحيى بن سلام صاحب التفسير المَشهور (^٤): حدثني المعلى بن هلال، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: «إنَّ الكرسي الذي وَسِع السماوات والأرض لموضع القدمين، ولا يَعلم قَدْرَ العرش إلا الَّذي خَلَقَه» (^٥).\nوذكر حديث أسد بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن عاصم (^٦)، عن زِرٍّ (^٧)،\n<hr><s0>\n\n_________\n(^١)  هو ابن أبي زَمَنِين.\n(^٢) محاطة ومحفوفة بها.\n(^٣) رواه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص ٩٦)، والشافعي في «الأم» (١/ ١٨٥)، وفي «مسنده» (ص ٧٠، ٧١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ١٥٠، ١٥١)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب «العرش» (ص ٩٥)، وقد ذكر ابن تيمية روايات هذا الحديث وبعض طرقه، ثم قال: «فإذا كان الحديث قد روي من تلك الطريق-أي: من رواية ابن بطة، وهي من ضمن الطرق التي ذكرها-الجيدة، اندفع الحمل عليه». انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤١١ - ٤١٦)، وقد صححه ابن القيم في «حادي الأرواح» (ص ٣١٣)، وقال: «هذا حديثٌ كبير عظيم الشأن؛ رواه أئمة السُّنَّة وتلقوه بالقبول، وجَمَّل به الشافعيُّ مسندَه».\n(^٤) كتاب «تفسير يحيى بن سلام»، لم يطبع حتى الآن. وقد اختصره ابن أبي زمنين، باسم «مختصر تفسير يحيى بن سلام».\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في «العرش» (ص ٧٩)، والدارمي في «النقض على المريسي» (١/ ٣٩٩، ٤٠٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٩٦)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ٧٦)، وقال: «رواته ثقات»، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص ٤٥): «صحيح موقوف».\n(^٦) هو عاصم ابن بهدلة بن أبي النجود، أبو بكر الأسدي، مولاهم الكوفي، من القُرَّاء السبعة. توفي سنة سبع وعشرين ومائة. انظر: «وفيات الأعيان» (٣/ ٩)، و«معرفة القراء الكبار» (١/ ٨٨).\n(^٧) هو زر بن حبيش بن حباشة بن أوس، الكوفي، أبو مريم الأسدي، أدرك أيام الجاهلية، وحدث عن جمع من كبار الصحابة. كان من القراء، وقرأ على ابن مسعود وعلي ﵄. توفي سنة إحدى وثمانين، وقد تجاوز عمره المائة. انظر: «الطبقات الكبرى» (٦/ ١٠٤)، و«حلية الأولياء» (٤/ ١٨١)، و«سير أعلام النبلاء» (٤/ ١٦٦).","vol":"1","page":598},{"text":"عن ابن مسعود ﵁ قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (^١).\n<hr><s0>\n\nتعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. والأقوال في الكرسي هي:\nالقول الأول: أن المراد بالكرسي: العلم.\nوهذا القول هو قول الجهمية (^٢)، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فرارًا منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه.\nوقد استدلوا بما روي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، قال: \"كرسيه علمه\" (^٣).\nوهذا القول قد رجحه الطبري بقوله: \"وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن،\n_________\n(^١) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٢٤٣)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٤٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٤٥)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٢٢٨)، وذكره الهيثمي في «المجمع» (١/ ٨٦)، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح».\n(^٢) انظر التنبيه والرد (ص ١٠٤)، والكشاف (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٦٠)، والرد على بشر المريسي (ص ٧١)، وتفسير روح المعاني (٣/ ١٠).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٩). وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (٢/ ١٦٧). وابن منده في الرد على الجهمية (ص ٤٥).\nوأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٠٩)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وجميعهم من طريق مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وهو حديث غير صحيح.\nوقال الدارمي: (هو من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا قد خالفه الرواة المتقنون).\nوقال ابن منده: (لم يتابع عليه جعفر وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير).","vol":"1","page":599},{"text":"فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ابن جبير عنه أنه قال: هو علمه\" (^١).\nالقول الثاني: أن المراد بالكرسي هو العرش نفسه.\nوهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: \"الكرسي هو العرش\"، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول (^٢)، واعتمد في ذلك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: أدع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: \"إن كرسيه وسع السموات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال بأصابعه فجمعها: وإن له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣/ ١١).\n(^٢) في كلام ابن جرير في هذه المسألة تناقض، فقد ذكر أولًا أن هذا القول هو أولى بتأويل الآية، ثم نقض كلامه فقال: (أما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه)، وقد تكلم محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري على هذا التناقض وبين عدم أرجحية كلا القولين. انظر تفسير الطبري (٥/ ٤٠١) طبعة دار المعارف المصرية.\n(^٣) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص ٧٤)، مرسلا. وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥١ - ٢٥٢، برقم ٥٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٠١، ح ٥٨٥) موقوفا من قول عمر. وابن جرير في تفسيره (٣/ ١١) من طريق عبد الله بن أبي الزناد، قال: ثنا يحي بن أبي بكير، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة الهمداني، عن عمر. وقد أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٤، ٢٤٥ برقم ١٥٠) وقال: \"وقد روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة أظنه عن عمر \"-وذكره. وقال: حدثنا، يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال حدثنا يحي بن أبي بكير، قال: ثنا إسرائيل، قال أبو بكر: ما أدري، الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحي بن أبي بكير، أم من إسرائيل. قد رواه وكيع بن الجراح مرسلًا ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات\" اه. والبزار في مسنده (١/ ٤٥٧، برقم ٣٢٥). وأخرجه الدارقطني في الصفات (ص ٤٨) موقوفا. وابن بطة في الإبانة (كتاب الرد على الجهمية) (٣/ ١٧٨ - ١٨٠). والخطيب في تاريخه (٨/ ٥٢) مرسلا. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٥) وقال بعد سياقه للحديث: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وإسناده مضطرب جدًا، وعبد الله بن خليفة ليس من الصحابة، فتارة يرويه ابن خليفة عن عمر، عن رسول الله ﷺ، وتارة يقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن خليفة\" اه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٤) وقال: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\". وأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٣١٠) وعزاه للبزار في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيرهما، والطبراني، وابن أبي عاصم في كتاب السنة لهما، والحافظ الضياء في كتاب المختارة. وقال ابن كثير: \"من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها\" اه.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر عن النبي ﷺ، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في \"مختاره\". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي، وابن الجوزي، وغيرهم. لكن أكثر أهل السنة قبلوه. وفيه قال \"إن عرشه\" أو \"كرسيه\" \"وسع السموات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع\" أو \"فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع\" \"وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه\". ولفظ (الأطيط) قد جاء في حديث جبير بن مطعم. الذي رواه أبو داود في السنن. وابن عساكر عمل فيه جزءًا، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق. والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد، وأبي داود، وغيرهما، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى. ولفظ \"الأطيط\" قد جاء في غيره. وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا، وذكر أنه حدث به وكيع. لكن كثيرًا ممن رواه رووه بقوله: \"إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع\"، فجعل العرش يفضل منه أربعة أصابع. واعتقد القاضي، وابن الزاغوني، ونحوهما، صحة هذا اللفظ، فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء. وذكر عن ابن العايذ أنه قال: \"هو موضع جلوس محمد ﷺ\". والحديث قد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره، ولفظه \"وإنه ليجلس عليه، فما يفضل منه قدر أربع أصابع\" بالنفي. فلو لم يكن في الحديث إلا اختلاف الروايتين -هذه تنفي ما أثبتت هذه-. ولا يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله ﷺ أراد الإثبات، وأنه يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوي عليها الرب. وهذا معنى غريب ليس له قط شاهد في شيء من الروايات. بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب وأكبر. وهذا باطل، مخالف للكتاب والسنة، وللعقل. ويقتضي أيضًا أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه. فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب. وهذا معنى فاسد، مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل. فإن طريقة القرآن في ذلك أن يبين عظمة الرب، فإنه أعظم من كل ما يعلم عظمته. فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها. كما في الحديث الآخر الذي في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما (حديث الأطيط) لما قال الأعرابي: \"إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله تعالى، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: \"ويحك! أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك. إن عرشه على سمواته هكذا\" -وقال بيده مثل القبة- \"وإنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه\". فبين عظمة العرش، وأنه فوق السموات مثل القبة. ثم بين تصاغره لعظمة الله، وأنه يأط به أطيط الرحل الجديد براكبه، فهذا فيه تعظيم العرش، وفيه أن الرب أعظم من ذلك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: \"أتعجبون من غيرة سعد! لأنا أغير منه، والله أغير مني\". وقال: \"لا أحد أغير من الله. من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن\". ومثل هذا كثير. وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستوٍ عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع. وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان، كما يقدر في الميزان قدره فيقال: (ما في السماء قدر كف سحابًا). فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع، وأصغر ما عندهم الكف. فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به، فقالوا: (ما في السماء قدر كف سحابًا)، كما يقولون في النفي العام ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَةٍ﴾ و﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾، ونحو ذلك. فبين الرسول ﷺ أنه لا يفضل من العرش شيء ولا هذا القدر اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به وهو أربعة أصابع. وهذا معنى صحيح موافق للغة العرب، وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة، موافق لطريقة بيان الرسول ﷺ، له شواهد. فهو الذي يجزم بأنه في الحديث. ومن قال: (ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع) فما فهموا هذا المعنى، فظنوا أنه استثنى، فاستثنوا، فغلطوا. وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام. وإلا فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية، وتلك الأصابع أصابع من الناس، والمفهوم من هذا أصابع الإنسان. فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه؟ والعرش صغير في عظمة الله تعالى. وقد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم في قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لمعناه شواهد تدل على هذا فينبغي أن نعتبر الحديث، فنطابق بين الكتاب والسنة. فهذا هذا والله أعلم. قال حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾، قال: \"لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا\". وهذا له شواهد، مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، قال ابن عباس: \"ما السموات السبع والأراضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم\". ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا، فإن له حملة وله حول. قال تعالى ﴿اَلذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ \". اه. مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٩). وانظر المسألة كذلك في منهاج السنة (٢/ ٦٢٨ - ٦٣١). \"","vol":"1","page":600},{"text":"القول الثالث: أن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض (^١).\nويقول هؤلاء: إن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيًا، أي اجعل له ما يعمده ويمسكه (^٢).\nالقول الرابع: أن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت (^٣).\nوقد قال بهذا القول بعض المتكلمين في علم الهيئة من الفلاسفة المنسوبين للمسلمين كابن سينا وغيره وهؤلاء هم الذين قالوا إن العرش هو الفلك التاسع.\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦)، تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣)، أقاويل الثقات في تأويل آيات الأسماء والصفات (ص ١١٦)، لسان العرب (٦/ ١٩٤).\n(^٢) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٣/ ١٨)\n(^٣) كتاب الكليات (٤/ ١٢٢)، البداية والنهاية (١/ ١٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":602},{"text":"القول الخامس: إن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ ﷿ (^١).\nوهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن والسنة والإجماع ولغة العرب التي نزل القرآن بها.\nفالأحاديث والآثار الثابتة على هذا وبينته بيانًا واضحًا لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار:\nحديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه، فقلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أفضل؟ قال: \"آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة\" (^٢).\nوقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ١٠٩) بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث: \"وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه قائم بنفسه وليس شيئًا معنويًا وفيه رد على من تأوله بمعنى الملك وسعة السلطان\".\nوأيضًا ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، قال: \"الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد\" (^٣).\nوهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين منهم ابن مسعود (^٤)، وأبو موسى الأشعري (^٥)،\n_________\n(^١) الفتاوى (٥/ ٥٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٣٠٩)، أقاويل الثقات (١١٦)، الأسماء والصفات (٥١٠)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٣).\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٢٤٦.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريج الأثر الوارد عنه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (٦٠). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧٠، ١٤٣) عن أبيه. وابن جرير في تفسيره (٣/ ٩) عن علي بن مسلم الطوسي. وابن منده في الرد على الجهمية (ص ٤٦) عن علي بن مسلم. والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٠٩ - ٥١٠) عن هارون بن عبد الله.\nكلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وأورده الذهبي في العلو (ص ٨٤).\nوقال الألباني في مختصر العلو (ص ١٢٣ - ١٢٤): (رجاله كلهم ثقات معروفون).","vol":"1","page":603},{"text":"ومجاهد (^١)، وغيرهم.\nولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف\" (^٢).\nوقال شارح العقيدة الطحاوية: \"وإنما هو-الكرسي-كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه\" (^٣).\nوقال محمد بن عبد الله بن زمنين: \"ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين\" (^٤).\nوقال القرطبي: \"والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه\" (^٥).\nكما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: \"والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض\" (^٦).\nوقال ثعلب: \"الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك\" (^٧).\nومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.\nوأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: \"الكرسي موضع القدمين .... \"، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (٤٥). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص ٧١). والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥١١).\nوأورده الذهبي في العلو (ص ٩٤).\nوأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤١١) وقال: (أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره بسند صحيح عنه.\n(^٢) الفتاوى (٦/ ٥٨٤).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣١٣).\n(^٤) أصول السنة (ص ٩٦).\n(^٥) تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٦).\n(^٦) تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣).\n(^٧) تهذيب اللغة (١٠/ ٥٣).","vol":"1","page":604},{"text":"وأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جوبيرًا وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: \"ضعيف جدًا\".\nوقال ابن كثير: \"رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره\" (^١).\nوقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: \"هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه\" (^٢).\nومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم.\nأما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضًا تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.\nوأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١/ ١٣).\n(^٢) الأسماء والصفات: ص ٤٩٣.","vol":"1","page":605},{"text":"ثم قال: «باب الإيمان بالحجب:\nقال: ومن قول أهل السُّنَّة: أن الله بائنٌ من خلقه، يَحتجب عنهم بالحُجب، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا؛ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وذكر آثارًا في الحُجُب».\n<hr><s0>\n\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة: أنَّ الله مُحتجب عن خلقه بالحُجُب، لا يَستطيع أن يَراه أحد في الدنيا؛ لأن الأبصار والأجسام خُلِقت في الدنيا للفناء، فلو كشف الله هذه الحُجُب حال وجود الناس في الدنيا لأَحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ولاندكَّت كما اندك جبل موسي؛ والله أعلم بكيفية هذه الحجب ومقدارها، لكن يوم القيامة تُرَكَّب الأبصار للبقاء وتُعطى قوة لم تكن لها حال خلقها في الدنيا؛ لذا تحتمل النظر إلى جَبَّار السموات والأرض.\nوقد جاءت الأدلة بإثبات الحجب؛ ومن ذلك قوله ﷾: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشوري: ٥١].\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «قام فينا رسولُ الله بخمس كلماتٍ فقال: «إنَّ الله ﷿ لا يَنام ولا يَنبغي له أن ينام؛ يَخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبلَ عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل. حجابه النور، وفي رواية: النار، لو كَشَفه لأحرقت سُبُحات وجهه (^١) ما انتهى إليه بصرُه من خلقه» (^٢).\nوالنصوص والآثار في ذلك كثيرة، وقد عقد الأئمة في هذا الموضوع أبوابًا وأوردوا فيه النصوص والآثار الدالة على ذلك؛ قال الإمام الدارمي في كتابه «الرد على الجهمية» (ص ٧١ - ٧٣): «باب الاحتجاب»، وساق بعض النصوص والآثار في ذلك، ثم قال: «مَنْ يَقدر قَدْرَ هذه الحجب التي احتجب الجَبَّار بها؟ ومَن يعلم كيف هي غير الذي أحاط بكل شيء علمًا، ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن: ٢٨]؟ ففي\n_________\n(^١) سبحات وجهه: نوره وجلاله. انظر: «شرح النووي على مسلم» (١/ ٣١٩).\n(^٢) رواه مسلم (١٧٩).","vol":"1","page":606},{"text":"هذا-أيضًا-دليل أنَّه بائن من خلقه، مُحتجب عنهم، لا يَستطيع جبريلُ مع قُربه إليه الدُّنُوَّ من تلك الحُجُب، وليس كما يقول هؤلاء الزائغة: إنَّه معهم في كل مكان، ولو كان كذلك ما كان للحُجُب هناك معنى؛ لأن الذي هو في كل مكان لا يَحتجب بشيء من شيء، فكيف يَحتجب مَنْ هو خارج الحجاب كما هو مِنْ ورائه؟ فليس لقول الله ﷿: ﴿مِنْ وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] عند القوم مِصداقٌ!».","vol":"1","page":607},{"text":"«ثم قال في باب (الإيمان بالنزول):\nقال: ومِن قول أهل السُّنَّة: أن الله ينزل إلى السَّماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره. إلى أن قال: وأخبرنا وهب، عن ابن وضاح، عن زهير بن عَبَّاد، قال: «مَنْ أدركتُ من المشايخ-مالك، وسفيان الثوري، وفُضيل بن عِياض، وعيسى، وابن المبارك، ووكيع-: كانوا يقولون: النزول حقٌّ».\nقال ابن وضَّاح: سألت يوسف بن عدي عن النُّزول، قال: «نَعم. أُومن به، ولا أَحُدُّ فيه حدًّا». وسألت عنه ابنَ مَعين، فقال: «نعم، أُقِرُّ به ولا أَحُدُّ فيه حدًّا».\n<hr><s0>\n\nمسألة النزول من المسائل التي خالفَ فيها المعطِّلةُ أهلَ السُّنَّة، ولا شك أن الذي يُنكر عُلُوَّه- ﷾-سيُنكر نزولَه، فلذلك في صفة نزول الله تعالى، قال بعضهم: «المراد: نزول رحمته، أو قُدرته، أو مَلَك من ملائكته»، وأخذوا يُؤَوِّلون النزول، مع أن أحاديث النزول- بحمد الله- ثابتة، بل متواترة عن قُرابة سبعة وعشرين صحابيًّا من أصحاب النبي ﷺ؛ قال الإمام اللالكائي: «سِياق ما رُوي عن النبي ﷺ في نُزول الرب ﵎؛ رواه عن النبي ﷺ عِشرون نفسًا»، ثم ساق روايات الصحابة بأسانيدها في أحاديث النزول (^١).\nوقال الحافظ ابن عبد البَرِّ عن حديث النُّزول: «يَنْزِلُ رَبُّنا كلَّ ليلة …»: «وهو حديث منقول من طرق مُتواترة ووجوه كثيرة من أخبار العدول عن النبي ﷺ» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ﵀ في (تفسير سورة الإخلاص): «فالربُّ-سبحانه-إذا وصفه رسولُه بأنه يَنْزِل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنَّه يَدنو عَشية عرفة إلى الحُجَّاج، وأنه كلَّم موسى بالوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (٣/ ٤٨١).\n(^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» لابن عبد البر (٧/ ١٢٨).","vol":"1","page":608},{"text":"استوى إلى السماء وهي دخانٌ، فقال لها وللأرض: ﴿ائتيا طَوْعًا أو كَرْهًا﴾؛ لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نُزول هذه الأعيان المشهودة، حتى يُقال: ذلك يَستلزم تفريغ مكان وشَغل آخر» (^١).\nفأحاديث النزول مُتواترة، ومنها الحديث المَشهور: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ» (^٢)، ومع ذلك يغالط البعض؛ فينكرون نزول الله ﷾!\nوقول السلف هنا: «من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا»، معناه: أننا لا نعلم كيفية ذات الله حتى نعلم كيفية نزوله؛ فلذلك فسؤال السائل: كيف ينزل؟ هو مثل سؤاله: كيف استوى؟ سواء بسواء؛ فلا يُسأل عن كيفية نزوله كما لا يسأل عن كيفية استوائه؛ لأنه لا يَعلم كيفية استواء الله على عرشه، ولا كيفية نزوله إلى السماء الدنيا إلا هو ﷾.\nلذلك قال أئمة السلف هذه العبارة: «من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا»، أي: لا يستطيعون وصف كيفية هذا النزول؛ فالله ﷾ قد أخبرنا عن طريق رسوله ﷺ: أنَّه يَنزل، فما علينا إلا أن نُؤمن بذلك، ولا سبيل لنا بعد ذلك إلى معرفة كيفية نزوله ﷾.\nوهؤلاء المُؤَوِّلُون يُحدثون شُبهًا في ذلك؛ مثل قولهم: ثُلُث الليل يختلف في مكان عن آخر، فكل بلد لها ثُلُث ليل، فكيف يَنزل ربُّنا؟!\nوالجواب: أن النبي ﷺ قد أخبر عن الله ﷾ فقال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﷿ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ …»، فلا سبيل لنا إلى معرفة كيفية هذا النزول، والله ﷾ يسمع كل شيء، ويبصر كل شيء، ولا يعزب عن علمه شيء، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا نعلم كيفية ذلك، لذا لا نستطيع أن نحدد كيفية نزوله إلا بعد معرفة كيفية ذاته، ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إلا عن طريق الخبر عن النبي ﷺ، وقد جاء الخبر بنزوله ﷾؛ فيجب أن نؤمن به، ونعتقد صِدْقَه، وأما السؤال عن الكيف، فلا شكَّ أنَّ الكيف مجهول، وأنَّ السؤال عنه بدعة، كما هو حال السؤال عن الاستواء.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٧/ ٣٥٠).\n(^٢) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكر ابنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).","vol":"1","page":609},{"text":"فقول أهل السنة: «نؤمن بنزول الله إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، من غير أن نحد فيه حدًّا»، معناه: أن النزول حق، ولكن لا نَصف كيفية نزوله سبحانه.\nوقال ابن معين عن نزول الله تعالى: «نعم؛ أُقر به، ولا أَحُدُّ فيه حدًّا» (^١).\nوقال صاحب «أصول السنة» ابن زمنين عن حديث النزول: «وهذا الحديث يُبين أن الله ﷿ على العرش في السماء دون الأرض، وهو-أيضًا-بَيِّنٌ في كتاب الله تعالى، وفي غير ما حديث عن رسول الله ﷺ».\nومن المسائل المتعلقة بصفة النزول هل يخلو العرش منه حال نزوله\nولأهل السنة في المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ينزل ويخلو منه العرش (^٢).\nوهو قول طائفة من أهل الحديث (^٣).\nالقول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش (^٤).\nوهو قول جمهور أهل الحديث (^٥).\nومنهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان ابن سعيد الدارمي وغيرهم (^٦).\nالقول الثالث: نثبت نزولًا، ولا نعقل معناه هل هو بزوال أو بغير زوال.\nوهذا قول ابن بطة والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهما (^٧).\nأما القول الأول: وهو أنه ينزل ويخلو منه العرش، فمن قال به: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن منده (^٨)، (^٩).\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٦).\n(^٢) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).\n(^٣) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).\n(^٤) شرح حديث النزول (ص ١٦١، ٢٠١).\nمختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).\n(^٥) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٥).\n(^٧) شرح حديث النزول (ص ١٦١). مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤).\n(^٨) عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني، قال عنه الذهبي: (الحافظ العالم المحدث)، وقال عنه إسماعيل التيمي كما في طبقات الحنابلة: (خالف أباه في مسائل وأعرض عنه مشايخ الوقت)، وقال شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري: (كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته)، وقال ابن رجب: (وهذا ليس بقادح -إن صح- فإن الأنصاري والتيمي وأمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمي عبد الجليل الحافظ على قوله: (ينزل بالذات)، وهو في الحقيقة يوافقه في اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم ورود الأثر به) ا. هـ. توفي سنة (٤٧٠ هـ).\nانظر تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٥٦)، وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).\n(^٩) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).","vol":"1","page":610},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي عبد الله بن محمد بن منده، مصنفًا في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش وسماه \" الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول\" (^١).\nوقد لخص شيخ الإسلام جملة ما احتج به أبو القاسم ابن منده وبين أنه احتج بأحاديث النزول، وببعض أقوال السلف العامة كقولهم: (يفعل ما يشاء) وذكر بعض اعتراضاته على بعض النقول الواردة عن الأئمة (^٢).\nوأوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (^٣).\nوذكر أن كلام أبو القاسم بن منده من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين:\n١ قول من يقول: إنه ينزل نزولًا يخلو منه العرش.\n٢ وقول من يقول: ما ثم نزول أصلًا، كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته واختياره.\nوهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر.\nثم منهم من ينفي النزول عنه، وينزهه عن مثل ذلك.\nومنهم من أثبت له نزولًا من هذا الجنس، يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر (^٤).\nوالقول بخلو العرش حال نزوله مرتبط (^٥) بمسألة: هل يقال في النزول والإتيان والمجيء إنه بحركة وانتقال؟\n_________\n(^١) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) شرح حديث النزول (ص ١٦١ - ٢٠١).\n(^٣) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).\n(^٤) شرح حديث النزول (ص ٢٠١).\n(^٥) ربط شيخ الإسلام بين المسألتين في شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١)، وكذا ابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣).","vol":"1","page":611},{"text":"وقد اختلف أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في المسألة على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب \"اختلاف الروايتين والوجهين\" (^١)، وهذه الأقوال هي:\n١ أنه نزول انتقال وهو قول أبي عبد الله بن حامد.\n٢ أنه نزول بغير انتقال وهو قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته، وأن معناه: قدرته (^٢).\n٣ الإمساك عن القول في المسألة، وهو قول أبي عبد الله بن بطة (^٣) وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم، ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى وعن اللفظ (^٤).\nوالذي يخصنا من الأقوال الثلاثة قول ابن حامد الذي ذهب إلى أنه نزول انتقال وقال لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد.\nقال القاضي أبو يعلى: \"فذهب شيخنا أبو عبد الله-يعني ابن حامد-أنه نزول انتقال، وقال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت (^٥)، ولأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثًا، كما الاستواء على العرش، هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفًا به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت، وإن كان هذا يوجب الحدث في صفاتنا، ولا يوجبه في حقه، كذلك النزول\" (^٦).\n_________\n(^١) قام الدكتور سعود بن عبد العزيز الخلف بتحقيق الجزء المتعلق بمسائل أصول الديانات من كتاب \"الروايتين والوجهين\"، وطبعته مكتبة أضواء السلف.\nوانظر المسألة (ص ٥٢ - ٥٧) من الكتاب المذكور.\n(^٢) انظر الرد على هذا القول في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٢).\n(^٣) قال ابن بطة: (فنقول كما قال: (ينزل ربنا ﷿ ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، ولا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول إن نزوله زواله).\nانظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠).\n(^٤) شرح حديث النزول (ص ٢١٠ - ٢١١).\nمختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤).\n(^٥) يعني بحديث عبادة بن الصامت الذي فيه \"ثم يعلو ﵎ على كرسيه\".\n(^٦) كتاب اختلاف الروايتين والوجهين -مسائل من أصول الديانات- (ص ٥٥).","vol":"1","page":612},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: \"أما قول ابن حامد أنه نزول انتقال فهو موافق لقول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات النزول حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال، ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط، وهذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤].\nوالانتقال جنس لأنواع المجيء، والإتيان، والنزول، والهبوط، والصعود، والدنو، والتدلي ونحوها؛ وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين.\nقالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور البتة ولا يستلزم ذلك نقصًا، ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل ولازم الحق حق\" (^١).\nالقول الثاني: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش.\nوهذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول جمهور أهل الحديث (^٢).\nوقال: \"ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم\" (^٣).\nقال القاضي أبو يعلى: \"وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه\" (^٤).\nوسأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: \"يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء \"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا\" يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء\" (^٥).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٢) شرح حديث النزول (ص ٢٠١)، ومنهاج السنة (٢/ ٦٣٨).\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٤٩).\n(^٤) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).\n(^٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٣).\nوأخرجه ابن بطة في الإبانة، كما في المختار من الإبانة (ص ٢٠٣ - ٢٠٤، برقم ١٥).\nوأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٠ - ١٥١)، وفي درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٤)، وفي الأصفهانية (ص ٢٥)، وعزاه للخلال في السنة وابن بطة في الإبانة.","vol":"1","page":613},{"text":"وقال إسحاق بن راهويه: \"دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟\nقلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟\nقال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا.\nقلت: نعم، رواه الثقات الذين يروون الأحكام.\nقال: أينزل ويدع عرشه؟\nقال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟\nقال: نعم.\nقلت: ولم تتكلم في هذا؟ \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول إسحاق وقول حماد بن زيد: \"وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما ثقات، فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء، فأثبت قربه مع كونه فوق عرشه.\nوعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم. فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟\nيقول: فإذا كان قادرًا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا\" (^٢).\nالقول الثالث: من يقول نثبت نزولًا ولا نعقل معناه، هل هو بزوال أو بغير زوال.\nوهذا القول قال به ابن بطة (^٣)، وعبد الغني المقدسي (^٤)، وغيرهما.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٨٦) مختصرًا.\nوأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٥٢).\nوأورده ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ١٥٢) وصحح إسناده.\n(^٢) شرح حديث النزول (ص ١٥٣).\n(^٣) انظر المختار من الإبانة (ص ٢٤٠). ومجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢).\n(^٤) شرح حديث النزول (ص ١٦١).","vol":"1","page":614},{"text":"قال ابن بطة: \"فنقول كما قال: \"ينزل ربنا ﷿\" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، لا نصف نزوله ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله\".\nوروى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: \"قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا؟\nقال: نعم.\nقلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟\nقال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضبًا شديدًا، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف\" (^١).\nوقال القاضي أبو يعلى: \"وحكى شيخنا-يعني ابن حامد-عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا: نثبت نزولًا لا يعقل معناه هل هو زوال أو بغير زوال، كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس يمتنع في صفاته، كما يثبت له ذاتًا ينفي عنها ماهيتها، وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص أحمد عليها في مواضع\" (^٢). وذكر الأثر الذي ذكره ابن بطة عن حنبل.\nقال ابن القيم ﵀: \"وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورًا تامًا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها النص مجملة، محتملة المعنيين صحيح وفاسد، كلفظ (الحركة)، و(الانتقال)، و(الحوادث)، و(العلة)، و(التغير)، و(التركيب)، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل.\nفهذه لا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات، ولم ينفيها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.\nفإن الانتقال يراد به:\n١ انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه. وهو يمتنع إثباته للرب ﵎، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.\n_________\n(^١) المختار من الإبانة (ص ٢٤٠ - ٢٤٢).\n(^٢) كتاب الروايتين والوجهين (ص ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":615},{"text":"٢ ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا. فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلًا إلا به فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له.\n٣ وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه.\nوقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.\nوحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة\" (^١)\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"1","page":616},{"text":"قال محمد (^١): وهذا الحديث يبين أن الله ﷿ على عرشه في السماء دون الأرض، وهو- أيضًا- بَيِّنٌ في كتاب الله، وفي ما غير حديث عن رسول الله ﷺ؛ قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]» (^٢).\nوذكر من طريق مالكٍ قولَ النبي ﷺ للجارية: «أين اللهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أنا؟». قالت: أنت رسولُ الله. قال: «فأعتقها؛ فإنَّها مؤمنةٌ» (^٣).\nقال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدًّا، فسبحان مَنْ علمُه بما في السَّماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العليُّ العظيم» (^٤).\n<hr><s0>\n\nقول المصنف: «وهذا الحديث يبين أن الله ﷿ على عرشه في السماء دون الأرض».\nوهذا النص يتناول مكان العرش وقد دلت الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎ دلالة واضحة على أن لعرش الرحمن مكانًا قبل وجود\n_________\n(^١) هو الإمام محمد بن عبد الله؛ المعروف بابن أبي زمنين.\n(^٢) رواه ابن أبي زمنين في «أصول السنَّة» (ص ١١٣، ١١٤).\n(^٣) انظر: «صحيح مسلم»، كِتَاب (المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاة)، بَاب (تَحْرِيمِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ)، برقم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (١٢١٨)، ومالك (٨)، وأحمد في المسند؛ أحاديث رجال من أصحاب النبي ﷺ (٢٣٧٦٢)، والدارمي (١٥٤٣).\n(^٤) «أصول السنَّة» لابن أبي زمنين (ص ١١٤).","vol":"2","page":5},{"text":"السموات والأرض وبعد خلقهما، فأما مكانه قبل خلق السموات والأرض فالآيات والأحاديث تبين لنا أن مكانه على الماء، فالله سبحانه يقول في كتابه الكريم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾. [هود: ٧]\nقال الطبري في تفسير هذه الآية: \"وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ يقول وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ قبل أن يخلق شيئًا\" (^١).\nوأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة منها حديث عمران بن حصين الذي جاء فيه: \"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض\".\nوكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء\".\nوكذلك حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: \"كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء\".\nفكل من الآية والأحاديث تدل دلالة قاطعة على أن مكان العرش منذ خلقه على الماء، وليس مراد بالماء هنا ماء البحر لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا ماء آخر تحت العرش على ما شاء الله تعالى (^٢).\nوقد سئل حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: \"كان على متن الريح\" (^٣).\nوعن سليمان التيمي أنه قال: \"ولو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله: وذلك لقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ٤).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٤١١).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤٩). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٥). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٨). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤١). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٧، رقم ٨٠٢).\nكلهم بإسنادهم عن سفيان عن الأعمش بنحوه.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.\nوإسناده جيد موقوف.","vol":"2","page":6},{"text":"عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥] \" (^١).\nهذا مكان العرش قبل خلق هذا الكون الذي هو عبارة عن السموات والأرض، أما مكانه بعد خلق السموات والأرض فالحديث عنه من جانبين:\nالجانب الأول: مكانه بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات.\nوالجانب الثاني: مكانه بالنسبة إلى السموات والأرض بعد خلقهما.\nأما مكان العرش بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات فهو أقربها إليه سبحانه، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر أنه مستو على عرشه في أكثر في موضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ففي إثبات الاستواء على العرش دليل على قربه إليه لأنه سبحانه مستو على أعلى مخلوقاته وأقربها إليه، وهذه ميزة امتاز بها العرش على ما سواه.\nومما يؤيد كون العرش أقرب المخلوقات إلى الله ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال\" (^٢).\nفالحديث يدل على أن حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله دليل على أن العرش أقرب منهم إليه سبحانه لأنهم إنما يحملونه.\nأما مكان العرش بالنسبة للسموات والأرض بعد خلقهما، وهل مازال على الماء؟\nفالجواب ما يلي: إن العرش ما يزال على الماء المذكور في الآية والأحاديث بدليل ما جاء في أحاديث الأوعال، لقوله ﷺ: \"ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد (١٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، (١٤/ ٢٢٥). والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة سبأ، (٥/ ٣٦٢ رقم ٢٣٢٤). والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٨). والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٧٨). وابن منده في التوحيد (ق ١٦/ ب). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥١٢ - ٥١٣، رقم ٤٣٦). والطحاوي في المشكل (٣/ ١١٣). وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٣).\nكلهم بإسنادهم عن الزهري عن علي بن الحسين به، وبألفاظ متقاربة.\nوقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).","vol":"2","page":7},{"text":"ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش\".\nفالحديث يُشير كما أسلفنا إلى وجود ذلك الماء الذي تحت العرش، وإلى أنه ما زال موجودًا إلى ما بعد خلق السموات والأرض.\nأما مكان العرش بالنسبة إلى السموات والأرض فهو أعلى منها وفوقها، وهو كالقبة عليها كما جاء في الحديث: \"إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا\" وأشار بأصابعه مثل القبة.\nوكذلك ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب الذي يسمى بحديث الأوعال، فكلا الحديثين يدلان على أن العرش فوق السموات والأرض وأعلى منهما وهو كالسقف عليهما، بل هو سقف للجنة كما في حديث: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن\" (^١).\nفمكان العرش فوق السموات والأرض وفوق الجنة وهو أعلى المخلوقات وأرفعها، وجميع المخلوقات دونه في العلو والارتفاع. والله أعلم.\nوقول المصنف: «وذكر من طريق مالكٍ قولَ النبي ﷺ للجارية: «أين اللهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أنا؟». قالت: أنت رسولُ الله. قال: «فأعتقها؛ فإنَّها مؤمنةٌ» (^٢).\nقال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدًّا، فسبحان مَنْ علمُه بما في السَّماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العليُّ العظيم»\nفقد سبق بيان أن الآيات في مسألة علو الله تعالى كثيرة ومتنوعة في الدلالة على صفة العلو ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، والعروج لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى؛ فلو كان الله في كل مكان- كما يقول الأشاعرة وغيرهم- فما الحاجة إلى العروج؟!\nفبماذا يُجيب الأشاعرة وغيرهم عن مثل هذه الآيات؟!\nولماذا يغمضون أعينهم ويصمون أسماعهم عن مثل هذه الأدلة الصريحة؛ كقوله ﷾: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وكقوله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) انظر: «صحيح مسلم»، كِتَاب (المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاة)، بَاب (تَحْرِيمِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ)، برقم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (١٢١٨)، ومالك (٨)، وأحمد في المسند؛ أحاديث رجال من أصحاب النبي ﷺ (٢٣٧٦٢)، والدارمي (١٥٤٣).","vol":"2","page":8},{"text":"١٦]، وكقوله ﷾: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، والصعود والرفع كيف يكونان؟\nبالطبع يكونان من أسفل إلى أعلى.\nوماذا يقولون في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله ﷿: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله جل وعلا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]؟!\nولا شَكَّ أنَّ نصوص العلو-كما قال السلف-: تبلغ قرابة الألف؛ أي: يُوجد ألفُ دليلٍ على إثبات علو الله ﷾.\nومن ذلك ما جاء في حديث الجارية التي سألها النبيُّ ﷺ: «أينَ اللهُ؟». فقالت: في السماء.\nوهذا حديث صحيح؛ رواه مسلم (^١)، (^٢) وأبو داود (^٣)، (^٤) والنسائي (^٥)، (^٦) ومالك (^٧) في الموطأ (^٨).\nهذا مع أن الأشاعرة يقولون: لا يجوز السؤال عن الله ب «أين»!\nوهذا اعتراض على الرسول ﷺ الذي سَأَلَ بهذا السؤال.\nالأحاديث كذلك في إثبات علو الله تعالى كثيرة جدًّا، ولكن مصيبة هؤلاء أنهم مُعرضون عن النصوص أصلًا؛ لأن أصولهم لا تَعتمد على قال الله وقال الرسول ﷺ!\nولذلك عندما احدثوا ما أحدثوا من البدع والأقوال الباطلة في هذه المسألة، نجد أن النصوص تَرُدُّ هذا الباطل وتُبَيِّنُ فساده؛ وخلاصة الأمر: أن على العبد أن يرجع إلى كلام الله تعالى وإلى كلام رسوله ﷺ، وأن يُحقق قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ يكون بالرجوع إليه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته.\n_________\n(^١) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، أبو الحسين النيسابوري، حافظ، من أئمة المحدثين، صاحب الصحيح المشهور، توفي بنيسابور سنة (٢٦١ هـ).\nتذكرة الحفاظ (٢/ ١٥٠)، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٢٦).\n(^٢) أخرجه في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٨٢).\n(^٣) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي السجستاني، ثقة حافظ، مصنف السنن وغيرها، من كبار العلماء، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٧٥ هـ). تذكرة الحفاظ (٢/ ١٥٢)، تاريخ بغداد (٩/ ٥٥).\n(^٤) سنن أبي داود (١/ ٥٧٢) كتاب الصلاة، \"باب ١٧١ تشميت العاطس في الصلاة\" رقم (٩٣٠).\n(^٥) أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن، النسائي، الحافظ، صاحب السنن وغيرها، مات سنة (٣٠٣ هـ) وله ثمان وثمانون سنة. تذكرة الحفاظ (٢/ ٢٤١)، وفيات الأعيان (١/ ٢١).\n(^٦) سنن النسائي (٣/ ١٤ - ١٨).\n(^٧) مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وأحد أئمة السنة المشهورين، وإليه تنسب المالكية، له مؤلفات عدة، على رأسها \"الموطأ\" الكتاب المشهور، ولد بالمدينة وتوفي بها عام (١٧٩ هـ). الديباج المذهب (١/ ٨٢ - ١٣٥)، البداية (١٠/ ١٧٤).\n(^٨) كتاب العتق، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة (ص ٥٥٢ - ٥٥٣، ح ١٤٦٤). وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٤٧). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١٥). وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٧٨ - ٢٨٠، ح ١٧٨). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٢). والذهبي في العلو (ص ١٦)، وانظر مختصر العلو للذهبي (ص ٨١).","vol":"2","page":9},{"text":"فعلى العاقل أن يَعرض على ميزان الشرع قول مَنْ يقول: إن الله ﷾ عالٍ على خلقه، مُستو على عرشه، وقول مَنْ يقول: إنَّه في كل مكان، أو من يقول: لا داخل العالم ولا خارجه!\nليعلم أن الكفة الراجحة في صف مَنْ أثبت علوَّ الله ﷾ واستواءَه على عرشه ﷾، من غير إثبات الكيف؛ فقد أعمل النصوص الصريحة الثابتة ولم يُهملها، ووَكَلَ تفسيرَ كيفيتها إلى الله، ولم يَفتأت عليها بتعطيل، أو تشبيه، أو تحريف أو تأويل.\nقال الإمامُ ابنُ عبد البرِّ ﵀: «أهل السنَّة مُجْمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلِّها في القرآن والسنَّة والإيمان بها وحملِها على الحقيقة لا على المجاز إلاَّ أنهم لا يُكيِّفون شيئًا مِنْ ذلك ولا يحدُّون فيه صفةً محصورةً، وأمَّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلُّها والخوارج فكلُّهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أنَّ مَنْ أقرَّ بها مشبِّهٌ، وهم عند مَنْ أثبتها نافون للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنَّةُ رسوله وهم أئمَّة الجماعة، والحمد لله» (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-عن مذهب السلف في الصفات «فطريقتهم تتضمَّن إثباتَ الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيهٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل» (^٢).\n_________\n(^١) «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» لابن عبد البر (٧/ ١٤٥).\n(^٢) «التدمرية» لابن تيمية (ص ٨).","vol":"2","page":10},{"text":"«وقال (^١) قبل ذلك «باب (في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه)»:\nقال: «واعلم بأنَّ أهلَ العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورُسله يَرون الجهل بما لم يُخبر به عن نفسه علمًا، والعجز عمَّا لم يَدْع إليه إيمانًا، وأنهم إنما يَنتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه» (^٢).\n<hr><s0>\n\nهذه قاعدة عظيمة في هذه المسألة، وهي: أننا يجب علينا ألا نخوض فيما لا عِلم لنا به؛ وعلينا أن نقف على ما جاء به الخبرُ؛ فلا نَزيد عليه ولا نَنقص منه، ثم لا سبيل لنا إلى معرفة كيفية اتصاف الله بهذه الصفات، ولا يجوز لنا البحث في ذلك؛ لا في كيفية علوه تعالى، ولا في كيفية استوائه، ولا في كيفية نزوله!\nفتأمل عبارة: «واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاء به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يُخبر به عن نفسه علمًا»؛ أي أن أهلُ العلم يرون عدمَ الخوض فيما لم يَرِد به الخبرُ.\nفما لم يَرد به الخبر بالنفي أو الإثبات لا نتكلم فيه؛ فإن هذا من العلم، فمن العلم: أن تقول: لا أدري. وأن تقف في هذا على الحدِّ الذي ورد فيه الخبرُ؛ لا تَزيد ولا تَنقص.\nثم قال ﵀: «والعجز عما لم يَدْعُ إليه إيمانًا»، وهو أمر الكيفية، «وأنهم إنما ينتهون مِنْ وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه»، يعني: نثبت لله سبحانه ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه؛ لا نزيد ولا ننقص، ولا نخوض في الكيف.\nفهذه قاعدة عظيمة من تَمَسَّك بها مع الإيمان بما وَرَدَ سَلِمَ ونَجَا مِنْ داء التعطيل وداءِ التَّشبيه.\nقال العَلَّامة الشنقيطي ﵀: «والجاهلُ المُفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات\n_________\n(^١) أي: ابن أبي زمنين.\n(^٢) «أصول السنة» (ص ٦٠).","vol":"2","page":11},{"text":"الصفات لا يَليق بالله؛ لأنَّه كفر وتَشبيه- إنَّما جَرَّ إليه ذلك تنجيسُ قلبه، بقدر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأَدَّاه شؤمُ التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه- جل وعلا- هو الذي وصف بها نفسَه؛ فكان هذا الجاهل مُشَبِّهًا أَوَّلًا، ومُعَطِّلًا ثانيًا، فارتكب ما لا يَليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفًا بالله كما ينبغي، معظِّمًا لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه- لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله- جل وعلا- بالغ من الكمال والجلال ما يَقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فيكون قلبه مستعدًّا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فلو قال مُتنطع: بَيِّنُوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليَدِ ونحو ذلك؛ لِنَعْقِلَها! قلنا: أَعَرَفْتَ كيفيةَ الذَّات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟\nفلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات مُتوقفة على معرفة كيفية الذات؛ فسبحان مَنْ لا يستطيع غيرُه أن يُحصي الثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه؛ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾، ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾.\nفتَحَصَّل مِنْ جميع هذا البحث: أن الصفاتِ من باب واحد، وأنَّ الحقَّ فيها مُتَرَكِّب من أمرين:\nالأول: تَنزيه الله-جل وعلا-عن مُشابهة الخلق.\nوالثاني: الإيمان بكلِّ ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا أو نفيًا، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يَشُكُّون في شيء من ذلك، ولا كان يُشْكِلُ عليهم» (^١).\n_________\n(^١) «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» لمحمد الأمين الشنقيطي (٢/ ٣١).","vol":"2","page":12},{"text":"«وقد قال الله تعالى- وهو أصدق القائلين-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وَقَالَ: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، ومثل هذا في القرآن كثير.\nفهو-﵎-نُورُ السموات والأرض، كما أخبر عن نفسه، وله وَجْهٌ وَنَفْسٌ وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويَسمع، ويرى، ويتكلم، الأول ولا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن؛ بَطُنَ علمُه بخلقه، فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]؛ حَيٌّ قَيُّومٌ لا تَأخذه سِنَةٌ ولا نَوْمٌ.\nوذكر أحاديثَ الصفات، ثم قال: «فهذه صفاتُ رَبِّنا التي وصف بها نفسَه في كتابه ووصفه بها نبيه، وليس في شيء منها تَحديد ولا تشبيه ولا تَقدير؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، لم تَرَهُ العيون فتَحُدَّه كيف هو؟ ولكن رأته القلوبُ في حقائق الإيمان». اه (^١)».\n<hr><s0>\n\nمِثْلُ هذا يُؤكد أن المصدر والأصل في هذا الباب هو: قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) «أصول السنة» (ص ٦٠ - ٧٤). وإلى هنا انتهى النقل عن ابن أبي زمنين ﵀.","vol":"2","page":13},{"text":"وقد عرض لك هنا بعضَ آيات القرآن في هذه المسألة.\nومسألة الأسماء والصفات حقيقة هي الباب الذي تَعَرَّفَ الله ﷾ به إلى الخلق، والمعطلة إنما يُريدون أن يُوصدوا هذا الباب!\nفالله تعرف إلينا بأسمائه وصفاته، فإذا جهلناها-أو جَهَّلْنا الناس بها-أو حَرَّفناها، انطمس بابُ معرفة الله ﷾، ولذلك يقول ابن القيم في فصل مشهد الأسماء والصفات: «وهو مِنْ أَجَلِّ المشاهد، والمطلع على هذا المشهد: مَعرفة تعلق الوجود خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصفات العُلى، وارتباطه بها، وإن كان العالمُ بِما فيه مِنْ بعض آثارها ومقتضياتها.\nوهذا مِنْ أَجَلِّ المعارف وأشرفها، وكلُّ اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإنَّ أسماءه أوصافُ مَدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل؛ إمَّا لازم وإما متعد، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو مِنْ لوازمه، وهذا في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها.\nومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته.\nوإذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حِكَمًا ومصالح، وأسماؤه حُسنى؛ ففرض تعطيلها عن موجباتها مُستحيل في حقه، ولهذا يُنكر- سبحانه- على مَنْ عَطَّله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نَسَبَه إلى ما لا يليق به وإلى ما يَتنزه عنه، وأن ذلك حُكْمٌ سَيِّئ ممن حَكَم به عليه، وأنَّ مَنْ نسبه إلى ذلك فما قَدَره حقَّ قَدْرِه، ولا عَظَّمه حقَّ تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١]، وقال تعالى في حقِّ منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال في حق من جَوَّزَ عليه التسويةَ بين المختلفين؛ كالأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١]؛ فأخبر أن هذا حكم سَيِّئ لا يليق به؛ تَأباه أسماؤه وصفاته، وقال سبحانه: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٥] عن هذا الظن والحُسبان؛ الذي تأباه أسماؤه وصفاته.","vol":"2","page":14},{"text":"ونظائر هذا في القرآن كثيرة، يَنفي فيها عن نفسه خلافَ مُوجب أسمائه وصفاته؛ إذ ذلك مُستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها.\nفاسمه الحَميد المجيد يَمنع ترك الإنسان سُدى مهملًا مُعَطَّلًا، لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُثاب ولا يُعاقب، وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك، وكذلك اسمه الملك، واسمه الحي يمنع أن يكون معطلًا من الفعل، بل حقيقة الحياة الفعل، فكلُّ حَيٍّ فَعَّالٌ، وكونه سبحانه خالقًا قَيُّومًا من موجبات حياته ومقتضياتها، واسمه السميع البصير يوجب مسموعًا ومرئيًّا، واسمه الخالق يقتضي مخلوقًا، وكذلك الرازق، واسمه المَلِك يقتضي مملكة وتصرُّفًا وتدبيرًا، وإعطاء ومنعًا، وإحسانًا وعدلًا، وثوابًا وعقابًا، واسم البَرِّ والمُحسن المعطي المَنَّان ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها …\nوالرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه …\nوهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما. ومن آثارهما: مغفرة الزلات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحق. والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال المسيح ﷺ: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨]، أي: فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، لستَ كمن يغفر عجزًا، ويُسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقك، قادر على استيفائه، حكيم في الأخذ به.\nفمَن تَأَمَّل سَرَيان آثار الأسماء والصفات في العالَم وفي الأمر تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد، وتقديرها: هو مِنْ كمال الأسماء والصفات والأفعال. وغاياتها أيضًا: مُقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته.\nفله في كلِّ ما قضاه وقَدَّره الحكمة البالغة والآيات الباهرة، والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته، واستدعاء محبتهم له، وذكرهم له، وشكرهم له، وتعبدهم له بأسمائه الحسنى؛ إذ كلُّ اسم فله تعبد مختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يَطَّلع عليها البشر؛ فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يَحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، أو يَحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه المانع، أو عبودية","vol":"2","page":15},{"text":"اسمه الرحيم والعفو والغفور عن اسمه المنتقم، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء ونحو ذلك.\nوهذه طريقة الكُمَّل من السائرين إلى الله، وهي طريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها.\nوهو سبحانه يُحب موجبَ أسمائه وصفاته …\nإلى أن قال ﵀: «وهذا المشهد أَجَلُّ مِنْ أن يحيط به كتابٌ، أو يَستوعبه خطابٌ، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة تُطلع على ما وراءها، والله الموفق المُعِين» (^١).\nفأراد المعطلة والمؤولة أن يغلقوا هذا الباب؛ لأنه إذا أُغلق لم يَعرفوا الله سبحانه حق المعرفة ولم يقوموا بحقه كما يَنبغي، ولذلك نرى في المجتمعات-التي لا تَعرف أسماء الله وصفاته معرفة صحيحة-أنه ينشأ فيها الجهل بالله ﷾!\nفتراهم يطوفون بالقبور ويدعونها ويتمسحون بها وينذرون لها، وترى الخرافات منتشرة؛ من عبادة الكواكب والشجر والحجر، والاستعانة بالجن، وادعاء علم الغيب … إلى غير ذلك، ومع أن أسماءهم أسماء مُسلمين، لكن كأنهم ليس من المسلمين.\nكل هذا نشأ بسبب الجهل بالله ﷾ وأسمائه وصفاته، وإلَّا فنصوص الصفات يُقدِّرها العلماء بثُلُثِ القرآن؛ أخذًا من قول النبي ﷺ: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (^٢)؛ ولأنَّها صفة الرحمن ﷾، فعن عائشة ﵂ قالت: «إنَّ النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب ﴿قل هو الله أحد﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سَلُوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: «لأنَّها صفة الرحمن، وأنا أُحِبُّ أن أقرأ بها، فقال\n_________\n(^١) «مدارج السالكين» لابن القيم (١/ ٤١٨ - ٤٢٢) بتصرف واختصار.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري، كِتَاب (فَضَائِلِ القُرْآنِ)، بَابُ (فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) برقم (٥٠١٥)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، ومسلم كِتَاب (صَلَاة المُسَافِرِينَ وَقَصْرهَا)، بَاب (فَضْلِ قِرَاءَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾) برقم (٨١١)، عن أبي الدرداء ﵁، ورواه أحمد في المسند، المُلْحَق: المُسْتَدْرَك من مُسْنَدِ الأَنْصَارِ، بَقِيَّة خَامِس عَشَر الأنصَار (٢٧٤٩٥)، والدارمي (٣٤٧٤).","vol":"2","page":16},{"text":"النبي ﷺ: «أَخبروه أنَّ الله يُحِبُّه» (^١).\nفثلث النصوص جاءت في الأسماء والصفات، فمثلًا قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] فخبر، وحقه التصديق، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله ﷿: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوهكذا جميع ما أخبر الله ﷾ من أسمائه وصفاته يجب أن نُصَدِّق بها، ولذلك قال هنا: «فهذه صفاتُ ربِّنا ﷿ التي وصف بها نفسَه في كتابه، ووصفه بها نبيه ﷺ»، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه، وإن الذي أخبر بها هو الله ﷿ ونبيُّه ﷺ، ولم يخبر بها زيد أو عمرو.\nفقد جاءت في كلام الله تعالى وفي كلام رسوله ﷺ، والله ﷿ أولى وأحقُّ مِنْ ينزِّه نفسه عن التشبيه، وأعرفُ الخلق به هو رسوله ﷺ.\nفلذلك لو كان في هذا دعوى تشبيه لَمَا وصف الله ﷾ بها نفسَه، ولَمَا وصفه بها رسولُه ﷺ، ولَمَا قال الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠، ١٨١]؛ لأن المرسلين قد وصفوه بالكمال، أمَّا غيرهم فإنهم وصفوه بالنقص، فالله ﷾ نزَّه نفسه عن النقص فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، سلام عليهم؛ لأنَّ كلامهم سالم من وصف الله بالنقص.\nفيجب على كل مخالف لمنهج السلف: أن يرجع إليه، وأن يتمسك به، فمنهج السلف هو: قال الله تعالى، وقال رسوله ﷺ، وقال سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.\nويجب على كل مسلم ألَّا يَحِيد عن منهج السلف إلى مناهج عقلية فلسفية؛ لأنها قد هدمت دين الله ﷾، وألغت كلامه جل وعلا وكلام رسوله ﷺ، ويجب-أيضًا-على كل مسلم أن يبتعد عن مناهج الصوفية أو الرافضة الذين قدَّسوا أشخاصًا ورفعوهم لدرجة العصمة، بل وجعلوا لهم حقَّ التشريع.\nولنعلم أن من معتقد أهل السنة: أنه لا يجوز الانتصار لشخص بعينه إلا لشخصٍ واحد، وهو النبي ﷺ؛ إذ لا معصوم إلا محمدٌ ﷺ، ولا يجوز الانتصار لطائفة إلا لأصحاب النبي ﷺ؛ لأن الحقَّ لا يخرج عنهم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٧٥) ومسلم (٨١٣).","vol":"2","page":17},{"text":"فهذه عقيدة أهل السنة التي يجب على الجميع التمسك بها، والعض عليها بالنواجذ؛ تنفيذًا لوصية النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (^١).\n_________\n(^١) انظر: «سنن أبي داود» برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الشَّامِيِّين) (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، وقال الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» (٢/ ٨٠٥): «صحيح».","vol":"2","page":18},{"text":"(١٢٢) «وكلامُ الأئمة في هذا الباب أطولُ وأكثرُ مِنْ أن تَسَع هذه الفُتْيا عُشْرَه، وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم.\nمثل ما ذكره أبو سليمان الخَطَّابي في رسالته المشهورة في «الغُنية عن الكلام وأهله»، قال: «فأمَّا ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسُّنَّة، فإنَّ مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحَقَّقها قومٌ مِنْ المُثبتين؛ فخرجوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من التشبيه والتكييف، وإنَّما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمُقَصِّر عنه.\nوالأصل في هذا: أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذَّات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف.\nفإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه؛ ولسنا نقول: إن معنى اليد: القوة أو النِّعمة، ولا معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنَّ القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف وَرَدَ بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات». هذا كله كلام الخَطَّابي (^١).\nوهكذا قال أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له؛ أَخبر فيها: أن مذهب السلف على ذلك».\n<hr><s0>\n\nهذا نقل آخر عن إمام من الأئمة، وهو الإمام الخطابي صاحب كتاب «معالم\n_________\n(^١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٧٢، ١٧٣) إلى قوله: «ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، وانظر: «مختصر العلو» (ص ٢٥٧)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ١٩٦).","vol":"2","page":19},{"text":"السنن»، وهو شرح لسنن أبي داود، وصاحب كتاب «شأن الدعاء»، وله كذلك كتاب «الغُنية عن الكلام وأهله».\nوشيخ الإسلام ابن تيمية أراد أن يُؤكد بإيراده لهذه النقول: أن هذه العقيدة هي عقيدة السلف الصالح، وأن ما يقول به شيخ الإسلام ليس من نتاج أفكاره، وليس أمرًا ابتدعه وأحدثه، وإن كان قد طرأت فترة من الزمن ابتعد الناس فيها عن منهج أهل السنة والجماعة؛ فأراد هذا الإمام أن يُجَدِّد عقيدة أهل السنة والجماعة مرة أخرى، وأن يؤكد عليها من خلال هذه النقول.\nفهذا الإمام الخطابي عندما سئل عن الصفات، أجاب بهذا الجواب الذي هو جواب أهل السنة كافَّة، فقال: «فإنَّ مذهب السلف: إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، وهذا الجواب يَحمل الثوابت في معتقد أهل السُّنَّة في هذا الباب، وهي ثلاثة:\nأولًا: الوقوف في هذا الباب على ما ورد به الكتاب والسنة، فلا نسمِّي الله ﷾ ولا نَصِفه إلا بما سمَّى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، وهذا ما أكده عليه الإمام الخطابي بقوله: «فأمَّا ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها».\nفهذا الباب توقيفي، أي: يجب الوقوف فيه على ما ورد في الكتاب والسنة، فما ورد إثباته يُثبَت، وما ورد نفيه يُنفَي، لا يزاد على ذلك لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنَّ مَنْ المخالفين مَنْ بالغ في النفي، ومنهم مَنْ بالغ في الإثبات.\nفالمشبِّهة بالغوا في الإثبات؛ فأثبتوا لله تعالى أمورًا لم يُثبتها لنفسه، وخاضوا في شأن الكيفيات؛ فزلُّوا في هذا الباب. وكذلك المعطِّلة بالغوا في النفي؛ حتى نفوا ما أثبته الله لنفسه.\nوأمَّا منهج أهل السنة فهو وسط بين الإثبات والنفي، بمعنى: أنهم أثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه فلم يزيدوا على ذلك، ويتقيدون بما ورد من ألفاظ في القرآن والسنة، ويتحرَّزون عن إطلاق ما أطلقه بعض المخالفين من ألفاظ؛ مثل: الجوارح، أو الأبعاض، أو الجسم، أو غير ذلك.\nفأهل السنة لا يتكلمون بهذه الألفاظ؛ لأنها لم تَرِد في النص لا إثباتًا ولا نفيًا، فتقيدوا بما ورد.\nفينبغي على طالب العلم المتبع لمنهج أهل السنة والجماعة ألَّا يخفى عليه هذا الأصل.","vol":"2","page":20},{"text":"ثانيًا: عدم الخوض في الكيفية، فدائمًا أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله تعالى يقولون: نؤمن بأن لله يدًا، ونؤمن بأن له سمعًا، وأن لله بصرًا، ولكن لا نعلم كيفية ذلك، فهذه عقيدة أهل السنة في جوهرها وُلُبِّها.\nثالثًا: أن ما أثبته الله ﷾ لنفسه لا يُشبه فيه أحدًا من خلقه، وذلك أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلله ﷾ سمع يليق بجلاله، واستواء يليق بجلاله، ويد تليق بجلاله، فإنه ﷾ ليس كمثله شيء، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وكما قال جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فينبغي التقيد بما ورد من غير تشبيه.\nولذلك قال الخطابي هنا: «ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، أي: لا نَعلم كيفية اتصاف الله بهذه الصفات، ولا نُشبهه بأحد من خلقه.\nفهذه الثوابت أقرها العلماء؛ لذا يجب أن تكون منطلقًا للاعتقاد في الأسماء والصفات.\nففي الإثبات والنفي يجب أن نقف على ما جاء به النص؛ لأن مسائل الصفات بين الإثبات والنفي، فما أثبته الله لنفسه يُثبَت، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وما نفاه عن نفسه سبحانه يُنفى، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله ﷿: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله ﷻ: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا.\nوينبغي أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله لا يُماثله في ذلك أحدٌ من خلقه أخذًا بما دلت عليه النصوص من عدم المماثلة، وقلنا: إن المقصود بعدم المماثلة: أن لله ﷿ في تلك الصفات خصائص انفرد بها؛ فلحياة الله خصائص، ولعلم الله خصائص، ولقدرة الله خصائص، ولقوة الله خصائص، وهذه الخصائص لا يماثله فيها أحد من الخلق، ونحن لا نعلم كيفية ذاته فبالتالي مِنْ باب أولى أننا لا نعلم كيفية اتصافه ﷾ بتلك الصفات.\nوبعد أن قَرَّر الإمامُ الخطابيُّ هذا المعتقد تعرَّض لنقض كلام المخالف، فقال: «وقد نفاها قومٌ فأبطلوا ما أثبته الله»، ويعني بذلك: المعطِّلة، الذين منهم من نفى جميع الأسماء والصفات. ومنهم من كان دون ذلك؛ فنفى الصفات وأثبت الأسماء، وهؤلاء المعتزلة. ومنهم مَنْ أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر، وهؤلاء هم الكلابية والأشاعرة والماتريدية فهم في تعطيلهم درجات؛ لكنهم اشتركوا جميعًا في أمر واحد، وهو التعطيل.","vol":"2","page":21},{"text":"ثم قال: «وحَقَّقها قومٌ مِنْ المُثبتين؛ فخرجوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من التشبيه والتكييف»، يقصد بهم: المشبهة (الممثلة).\nثم قال: «والقصد: إنما هو سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين»؛ أي: إن معتقد أهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الطائفتين؛ (المعطلة والمشبهة).\nفلم ينفوا أمرًا أثبته الله لنفسه، وما بالغوا في الإثبات حتى وصلوا به إلى التشبيه والتكييف؛ فنجوا من آفة التعطيل ومن آفة التشبيه، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.\nفالتعطيل والتشبيه ضدان؛ فمن نجا منهما سَلِم له توحيد الأسماء والصفات نقيًّا صافيًا.\nفمعرفة الله بأسمائه وصفاته لا ينبغي أن يخالطها داء التعطيل أو داء التشبيه؛ لأن كلًّا منهما مفسد لها.\nفمن رام أن يبقى له باب معرفة الله ﷿ مفتوحًا سليمًا صحيحًا، فإنه لا بد له من الاستقامة على منهج أهل السنة والجماعة، وذلك بالتقيد بهذه الثوابت، وعدم الميل إلى أحد هذين الداءين.\nثم قال الإمام الخطابي ﵀ كلمة رائعة بديعة، وهي: «دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمُقصر عنه»، وهذه وسطية أهل السنة والجماعة: وسط في باب الإيمان، وسط في باب القَدَر، وسط في باب الصفات، وسط في باب الصحابة، وسط في باب الإمامة، وسط في كلِّ أبواب العقيدة، فلم يصلوا إلى درجة الغالين ولم يصلوا إلى درجة الجافين.\nثم قال الإمام الخطابي: «والأصل في هذا: أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذَّات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف».\nفبعد التقعيد العام أكد الخطابي على قاعدة: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.\nوهذه حجة على أهل التعطيل النُّفاة.\nلأن شُبهة النفاة: هي اعتقادهم أن إثبات الصفات يستلزم منه التشبيه.\nفيُقال لهم: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ويُحتذى في ذلك حذوه ومثاله، أي: كما يقال في الذات يقال في الصفات.","vol":"2","page":22},{"text":"فمعلومٌ أن إثبات ذات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية.\nونقول لهؤلاء: هل الله موجود أو معدوم؟\nفقطعًا، الله ﷾ موجودٌ.\nفهل معنى إثباتنا لوجود الله تعالى أننا كيَّفنا؟!\nبالطبع لا، فكذلك إثباتنا لصفاته إنما هو إثبات وجود، فأن تُثبت لله سمعًا مثل أن تثبت لله وجودًا، وأن تثبت لله استواءً مثل أن تثبت لله وجودًا، وأن تثبت لله يدًا مثل أن تثبت لله وجودًا، وهكذا، ولا دخل للتكييف أو التشبيه في ذلك، وإنما التكييف أو التشبيه عندما تقول: استوى استواء كاستوائي، أو له يد كيدي.\nفهذا أحد الأدلة العقلية في هذا الباب؛ لأنَّ كثيرًا من هؤلاء المخالفين لمنهج السلف إذا أوردت له الأدلة من الكتاب والسنة طلب دليلًا عقليًّا؛ لأن طريق الأشاعرة-مثلًا-في إثبات ما أثبتوه من صفات: إنما هو العقل؛ فيحتجُّون بأن هذه الصفات أثبتها العقل، ونحن كذلك يمكن أن نحتجَّ عليهم بالأدلة العقلية؛ فنقول: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيف.\nثم فصل الخطابي معتقد أهل السنة في الصفات؛ فقال: «فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه»؛ أي: أثبت وجودها. ثم نفى وقوع التحريف فيها؛ فقال: «ولسنا نقول: إن معنى اليد: القوة أو النِّعمة، ولا معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح»؛ لأن هؤلاء المعطلة أتوا بألفاظ-في مسألة إثبات الصفات-لم تَرِد بها النصوص، وأرادوا أن يلصقوها بها؛ فقالوا: إنه يلزم من إثبات اليد لله سبحانه إثبات الجارحة له، أو إثبات الأجزاء، أو الأبعاض، أو الجسمية، وهكذا قالوا في الاستواء: يلزم منه إثبات الحيز، وإثبات المكان.\nوأهل السنة قاطبة في هذا الباب متقيِّدون بالنص؛ فلا هم الذين يحرفون ويقولون: اليد بمعنى النعمة أو القوة أو القدرة، ولا يقولون: إنَّ استوى بمعنى استولى، ولا غير ذلك من التحريفات أو التأويلات، ولا هم الذين يبالغون فيقولون: إنها جوارح، أو إنها أبعاض.\nفمثل هذه الألفاظ يُمنع استعمالها عند السلف؛ لأن النص لم يَرد بإثباتها،","vol":"2","page":23},{"text":"فالله ﷾ ما أثبت لنفسه لفظ الجوارح، ولا لفظ الأبعاض، ولا لفظ الأجزاء، ولا لفظ الجسمية.\nوأهل السنة يقفون على ما ورد؛ لأن الإثبات يحتاج إلى دليل، والنفي كذلك يحتاج إلى دليل، وهذا أمر يتعارض مع القاعدة الأولى التي ذكرناها، من أن أهل السنة يَقفون على ما ورد في الكتاب والسنة؛ ولا يزيدون عليه ولا ينقصون منه.\nفهذه عقيدة أهل السنة الثابتة التي لا تتزحزح ولا تتغير، ولو نظرتَ إلى الأشاعرة لوجدت أن لمتقدميهم معتقدًا، ولمتأخريهم معتقدًا، فلو نظرت في كتاب «الإرشاد» للجويني ستجد أنه يرد على المتقدمين؛ فالمتقدِّمون من الأشاعرة كانوا يُثبتون اليدين، ويثبتون الصفات الذاتية ولا يُؤوِّلونها، ويقرُّ بذلك الجويني، ولكن مع ذلك جاء فنفى تلك الصفات.\nفترى أن متأخِّريهم يناقضون متقدِّميهم في هذا، ولكن لا ترى في منهج السلف هذا الاضطراب وهذه الحيرة؛ لأن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].","vol":"2","page":24},{"text":"(١٢٣) «وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي، قد نقل نحوًا منه من العلماء مَنْ لا يُحصى عددهم، مثل: أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهَرَوي صاحب «منازل السائرين» و«ذم الكلام»، وهو أشهر من أن يُوصف، ومثل أبي عثمان الصابوني شيخ الإسلام، وأبي عمر بن عبد البَر النَّمَري إمام المغرب، وغيرهم».\n<hr><s0>\n\nسيأتي ذكر أقوال هؤلاء الأئمة على وجه التفصيل فيما سيذكره المصنف من نقول للاستدلال على اجتماع قول هؤلاء على ما عرف من عقيدة السلف في بعض مسائل الاعتقاد.","vol":"2","page":25},{"text":"(١٢٤) وقال أبو نُعيم الأصبهاني صاحب «الحِلية» (^١) في عقيدة له قال في أوَّلها: «طريقتُنا طريقة المتبعين للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة»، قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه، يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائنٌ من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يَحِلُّ فيهم، ولا يَمتزج بهم، وهو مُستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه».\n<hr><s0>\n\nيريد المصنف أن يؤكد ما ذكره سابقًا من أن هؤلاء العلماء قد توافرت النصوص عنهم بمثل هذا المعتقد؛ معتقد أهل السنة والجماعة في سائر أبواب الاعتقاد.\nفعقيدة أهل السنة والجماعة تتميز بأمرين:\n- الأول: التوحيد.\n- الثاني: الاتباع.\nوهذا معنى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)؛ فمن تمسك بهذين الأمرين، فقد سار على نهج أهل السنة والجماعة، وهذا هو الميزان الذي يَعرف الإنسان به نفسه؛ هل هو على المنهج الحق أو على غير ذلك؟\nوهو الميزان الذي ينبغي أن نَزِنَ به الآخرين؛ فننظر في موقفهم من هذين الأصلين: من توحيد الله تعالى، واتباع رسوله ﷺ؟\nلأن (لا إله إلا الله) تعني التوحيد. (محمد رسول الله) تعني الاتباع.\nولذلك نسمع بين الفَيْنَةِ والفَيْنَةِ مَنْ يدعو إلى المُوازنة بين ذِكر الحسنات وذكر السيئات؛ فيقول: اذكروا لهؤلاء حسناتهم كما تَعُدُّون عليهم سيئاتهم، واذكروا للجماعة الفلانية، أو للشخص الفلاني، أو للعالم الفلاني الحسنات والسيئات!\nفيقال لهؤلاء: إنَّ أيَّ إنسان-أو أي جماعة-أو أيَّ فئة ينبغي إذا قُيِّمت، أن\n_________\n(^١) أي: كتاب «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء».","vol":"2","page":26},{"text":"تقيَّم أولًا على هذين الأصلين: هل هي آخذة بتوحيد الله تعالى مُحققة له؟ وهل هي مُتَّبعة لسنة رسوله ﷺ متقيدة به؟\nعند ذلك يتميز، فعلى سبيل المثال مَنْ يقول مثلًا: لماذا تتكلمون في الأشاعرة؟ أو يقول مثلًا: لماذا تحذرون من جماعة التبليغ، أو من غيرها من الجماعات؟\nفنقول: تعال إلى الأشعرية واعرضها على هذين الأصلين؛ هل توحيدها هو التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ؟ وهل حققت التوحيد علمًا وعملًا ودعوةً أم لا؟\nفترى أنها بعيدة عن ذلك التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ؛ علمًا وعملًا ودعوة.\nوهكذا جماعة التبليغ، هناك من يقول: إنَّ لها نشاطًا ملحوظًا، فكم مِنْ العصاة اهتدوا على أيدي أتباعها؟\nفنقول: قبل أن تتعجل في ذِكر هذه المحاسن عليك أولًا أن تَعرض منهج هؤلاء على هذين الأصلين، هل حققوا التوحيد لله؟ هل حققوا الاتباع لرسول الله ﷺ؟\nفإذا فعلت ذلك سرعان ما تنكشف لك الحقائق وتتجلى لك الأمور.\nفلا ينبغي على الإنسان أن يغفل عن هذا الميزان الصحيح، ودليل ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فَنَعَم؛ التنازع حاصل، وكلٌّ يدعي أنه على الحق، ولكن متى ما عرفت ما عند كل قوم، ووزنته بهذا الميزان انجلت لك الأمور، وظهرت لك الحقائق، فلا تغفلن عن هذا الميزان.\nفبالتالي الطريقة الصحيحة ليست طريقة فلان أو فلان من الناس، إنما هي طريقة واحدة هي طريقة المتبِّعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nفبهذه الثلاثة (كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، بفهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم) تكون الطريقة صحيحة، أمَّا ما عداها فهي طرق باطلة.\nوقد يقول قائل: إن عند بعض الناس-وعند بعض الطرق-شيئًا من الحق؛ فيكون لهم من الفضل مثله.\nفنقول: إن ما عندهم من الحق موجود عند أهل السنة وزيادة، فلا فضل لهؤلاء.\nوهذه المناهج القديمة والحديثة-كما ذكرنا-لا تخرج عن ثلاثة: إما منهج عقلاني يقوم على تقديس العقل وتقديمه، وبالتالي إقصاء الكتاب والسنة، وعلى هذا جرى مَنْ جرى قديمًا وحديثًا من الفلاسفة وأهل الكلام، وكذلك الأفكار والجماعات التي تخرج اليوم تعود إلى هذه الأصول والجذور التي خرجت منها الفلاسفة وأهل الكلام؛ فجماعة تنشأ في بيئة أشعرية أو في بيئة صوفية، لا يمكن أن","vol":"2","page":27},{"text":"تَخرج عن تلك الثوابت التي عند هؤلاء، فبالتالي تلازمهم هذه الثوابت.\nويقابلها فئة أخرى قدَّست الأشخاص وقدَّمتهم.\nوبالتالي فإن كل فساد قديم وحديث لا يَخرج عن:\n- أناس قدموا آراءهم وأهواءهم وعقولهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.\n- أناس قدسوا أشخاصًا ورفعوهم فوق قدرهم، وقدموهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.\nومِن منهج أهل السنة: أن الانتصار لشخص بعينه لا يكون إلا لشخص واحد، وهو الرسول ﷺ، ولا يكون إلا لطائفة بعينها، وهم الصحابة رضوان الله عليهم. فبالتالي عندما يقرر أبو نُعيم الأصبهاني هذه الحقيقة؛ فيقول: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة»، يرسم لك بذلك منهجًا تسير عليه إن جعلته نصب عينيك وهدفًا تسعى لتحقيقه، وهو الاتباع وترك الابتداع.\nولذلك لا بد من محاربة داءين:\n- الشرك.\n- والبدعة.\nلأن كلًّا من الشرك والبدعة كانَا نتاجين لانحرافات أهل الباطل؛ لأن الشرك هدم التوحيد، والبدعة هدمت السنة، فَلِكَي يَنتصر الإنسان للكتاب والسنة فعليه اتباع هذا المنهج.\nفقال الأصبهاني: «مما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه»، وهذا يؤكد أن السلف ليسوا مُشَبِّهة، وليسوا مُفَوِّضة؛ لأنه قال هنا: «وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه»، ما قال: نقرؤها ولا نعلم معناها، بل أكد معناها بقوله: «وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه»\nلفظة \"بائن\" وكذلك لفظة \"ذات\" هذه الألفاظ تحمل معان صحيحة دلت عليها النصوص، وهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها، وهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب.\nوالصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع.\nكقول أهل السنة: \"إن الله استوى على العرش بذاته\".","vol":"2","page":28},{"text":"فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له.\nوكقولهم: \"إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم\".\nفلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود-هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل.\nويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.\nومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه.\nومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل\" (^٢).\nفيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:\nالقسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص.\nالقسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها.\nالقسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل.\nالقسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل.\nفلفظ (الذات) و(بائن) هي من القسم الثاني.\nوهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات.\nفهذا النقل يدل على إثبات علوه تعالى وإثبات استوائه، ويؤكد على أن عقيدة أهل السنة ليست تشبيهًا ولا تكييفًا ولا تفويضًا فيقول هنا: «لا يحل فيها، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه»، فهذا الكلام-أيضًا-يصبُّ في\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).","vol":"2","page":29},{"text":"نفس الأمر وهو إثبات العلوِّ وإثبات الاستواء وإثبات سائر الصفات ما دام أن النص جاء بها.\nلذا لا ينبغي أن يكون عند طالب العلم ذرَّةُ شكٍّ أو تردُّدٍ في إثبات صفة جاء بها الحديث الصحيح؛ فإذا صح الحديث فلا تتردَّد أن تثبت ما أثبته الله لنفسه، وأن تعتقد الاعتقاد الجازم أن ما أخبر به الرسول ﷺ حقٌّ كما أن ما أخبر الله به حقٌّ، وإلا يصبح حالنا كحال من وصفه النبي ﷺ بقوله: «يُوشِكُ أنْ يَقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقول: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فمَا وَجَدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ» (^١)، فأولئك القوم الذين يقولون: ما جاء في القرآن نصدِّق به، وما لم يَأت في القرآن لا نُصَدِّق به، وهؤلاء يُسمُّون أنفسهم: القرآنيين، وهم قومٌ قد وصفهم النبي ﷺ وسمَّاهم؛ ونحن نصدِّق بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فينبغي التصديق والتسليم بما جاء به النبي ﷺ.\n_________\n(^١) انظر: «سنن أبي داود» (٤٦٠٥)، والترمذي (٢٦٦٣)، وابن ماجه (١٣)، وأحمد في «المسند» أَحَادِيث رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (٢٣٨٦١)، وضعفه الألباني في «المشكاة» (١/ ٥٨).","vol":"2","page":30},{"text":"(١٢٥) «وقال الحافظ أبو نُعَيْم في كتابه «محجة الواثقين ومَدرجة الوامقين» (^١)، تأليفه: «وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه، مُستو عليه، لا مُسْتَوْل عليه (^٢)، كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان (^٣)، خلافًا لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وَسِعَ السموات والأرض، وهو قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوكرسيه جِسم، والسموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فَلَاة (^٤)، وليس كرسيه علمه، كما قالت الجهمية، بل يُوضع كرسيه يوم\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  ما زال مخطوطًا؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٧١)، والسفاريني في «لوامع الأنوار البهية» (١/ ١٩٦). والوامق: هو المحب. والمدرجة: المذهب والمسلك.\n(^٢) انظر: «شرح الأصول الخمسة» (ص ٢٢٦، ٢٢٧)، و«أصول الدين» للبغدادي (ص ١١٢ - ١١٤)، و«مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٤).\nوقد رَدَّ شيخُ الإسلام على مَنْ فَسَّر الاستواءَ بمعنى الاستيلاء من وجوه عِدَّة. انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٤٩، ٢٢٦)، و«درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٧٨، ٢٧٩). وانظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٣١، ١٣٢)، و«أقاويل الثقات» لمرعي بن يوسف الحنبلي (ص ١٢٣ - ١٢٦).\nوقد أبطل ابن القيم ﵀ قولهم هذا من اثنين وأربعين وجهًا. انظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ١٢٦ - ١٥٢).\n(^٣) ذكر شيخ الإسلام أنَّ نفاة العلو من الجهمية قِسمان:\nقسم يرون أنه في كل مكان، وهذا يَغلب على الصوفية العُبَّاد والعوام.\nوقسم يذهبون إلى النفي المطلق، وينفون عنه الوصفين المتقابلين جميعًا.\nوهذا يغلب على نُظَّارهم والمتكلمين منهم، وأهل البحث والقياس، ومِن هؤلاء الفلاسفة. انظر «الفتاوي» (٥/ ٢٧٢، ٢٧٣).\n(^٤) ورد في الأثر عن ابن عباس ﵁: أنَّ الكرسيَّ مَوضع القدمين. رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٢٤٨) (١٥٤)، وابن أبي شيبة في «العرش» (٦١)، والدارمي في «الرد على المريسي»، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٨٢)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «مختصر العلو» (ص ١٠٢)، وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (٢/ ١٦٣).\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل». رواه عبد الله بن أحمد في «السنة»، وابن أبي شيبة في «العرش» (٦٠)، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٧)، والألباني في «مختصر العلو» (ص ١٢٣، ١٢٤).","vol":"2","page":31},{"text":"القيامة لِفَصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي ﷺ (^١)، وأنَّه- تعالى وتقدس- يَجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، والملائكة صفًّا صفًّا»؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده؛ فيغفر لمن يشاء من مُذنبي الموحدين، ويُعَذِّب مَنْ يشاء، كما قال تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]».\n<hr><s0>\n\nالأمر جارٍ نفس المجرى، وهو إثبات ما جاءت به النصوص، ولكن هنا تعرَّض لقضايا تفصيلية، وهي إثبات العلوِّ، وإثبات الاستواء، وإثبات العرش، وإثبات الكرسيِّ. فهذه النصوص تشهد بعقيدة أهل السنة، وهذا يُفَنِّد زعمَ الأشاعرة والماتريدية الذين أنكروا ذلك، وحقيقة قول الأشاعرة والماتريدية إنما هو قول الجهمية.\nفانظر إلى سلف أهل السنة، وانظر إلى سلف هؤلاء؛ تجد أن سلف أهل السنة هم الصحابة والتابعون هم من ساروا على هذا النهج، وانظر إلى سلف الأشاعرة والماتريدية تجد أن منهجهم هو منهج الجهمية. فهذه التأويلات التي يردِّدها الأشاعرة اليوم إنما هي بعينها تأويلات بشر المريسي، وبشر المريسي كان يقول بقول الجهمية. فأين سلف هؤلاء مِنْ سلف هؤلاء؟!\n_________\n(^١) عن جابر ﵁ قال: «لمَّا رجَعتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ مُهاجرةُ البحرِ قالَ: «ألا تحدِّثوني بأعاجيبِ ما رأيتُمْ بأرضِ الحبشَةِ». قالَ فِتيةٌ منهم: بلَى يا رسولَ اللَّهِ؛ بينا نحنُ جلوسٌ مرَّت بنا عجوزٌ من عجائزِ رَهابينِهِم تحملُ علَى رأسِها قُلَّةً من ماءٍ فمرَّت بفتًى منهم، فجعلَ إحدى يدَيهِ بينَ كتفيها، ثمَّ دفعَها فخرَّت علَى رُكْبتَيها؛ فانكسَرت قُلَّتُها، فلمَّا ارتفَعتِ التفتَتَ إليهِ، فقالَت: سوفَ تعلَمُ يا غُدَرُ إذا وضعَ اللَّهُ الكرسيَّ وجمعَ الأوَّلينَ والآخِرينَ وتَكَلَّمتِ الأيدي والأرجلُ بما كانوا يَكْسِبونَ؛ فسوفَ تعلَمُ كيفَ أمري وأمرُكَ عندَهُ غدًا! قالَ: يقولُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «صدَقَتْ، صدَقَتْ، كيفَ يقدِّسُ اللَّهُ أمَّةً لا يُؤخَذُ لضَعيفِهِم من شديدِهِم». أخرجه ابن ماجه (٤٠١٠) واللفظ له، وأبو يعلى (٢٠٠٣)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (١٨٩٥٤)، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٢٥٥).","vol":"2","page":32},{"text":"فتجد أن منهج أهل السنة منهج إثبات وتصديق وإيمان وتسليم. وأما منهج أولئك فهو منهج رد وطعن؛ إمَّا طعن في الأدلة من حيث ثبوتها، وإما طعن في دلالتها؛ فما استطاعوا أن يطعنوا في ثبوته طعنوا فيه، وما لم يستطيعوا الطعن في ثبوته طعنوا في دلالته. وبالتالي حرَّفوا وبدَّلوا وغيَّروا، وهذا لا يمكن أن يُقبل في أصل الدين الذي هو توحيد الله ﷾ الذي قام على أصلين: (التوحيد والاتباع).\nوكل مَنْ في قلبه غيرة لدينه ولعقيدة أهل السنة والجماعة، فإنه لا يَقبل أن يخدش توحيد الله ﷾ بأي خدش.\nوقد أجمع السلف على أن الله ﷾ فوق سماواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه، لا مُستولٍ عليه كما تقول الجهمية، وكما يقول أذنابهم وأتباعهم من الأشاعرة والماتريدية الذين قالوا: إن الله بكل مكان.\nوكلام هؤلاء دائر بين حالين:\nالحال الأولى: نفي وجوده ﷾؛ فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته. فبهذا لم يثبتوا له وجودًا أصلًا.\nوالحال الثانية: حال مَنْ قالوا: إنه في كل مكان.\nوليس أشر من هذا إلا هذا، فهم بين شَرَّين: إما أن ينفوا وجوده ﷾، وإمَّا أن يزعموا أنه في كل مكان.\nولا ندري ما يَضيرهم لو أثبتوا لله ﷿ عُلُوًّا يَليق بجلاله بدل هذا التخبُّط الذي وَقعوا فيه، ومعهم في ذلك كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، ألم يقل ﷾: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؟ ألم يقل ﷾: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]؟ ألم يقل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]؟ ألم يُعرج بالنبي ﷺ حتى بَلَغ سدرة المنتهى وخاطبه الله ﷿ بالصَّلاة؟ فما موقفهم من هذه النصوص؟\nفوالله ما أبعدهم عن الاعتقاد الصحيح إلا آراؤهم الفاسدة؛ لأنهم في الأساس لم يَجعلوا من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ سبيل هداية وطريق نجاة، فبالتالي زَلُّوا وضلُّوا، والله تعالى تعهَّد بالهداية لمن تمسَّك بالكتاب والسنة؛ قال ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، إذًا ضمن الله تعالى الهداية لمن أخذ بكتابه وأخذ بسنة نبيه ﷺ، ولا شك أنَّ من حاد عن ذلك فهو في ضلال، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾","vol":"2","page":33},{"text":"[الإسراء: ٩]، ويقول جل وعلا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ فينبغي على الإنسان أن يَعلم أن سبيل الهداية إنما هو الأخذ بالكتاب والسنة.\nفلذلك ذكر الحافظ أبو نُعيم-في هذا الأمر-النصوصَ الواردة من إثبات علوه سبحانه، وإثبات استوائه، وإثبات الكرسي، وإثبات مجيئه ﷻ، وهذا ما شهدت به النصوص، وكَذَّب به هؤلاء؛ فكذبوا بعُلُوِّهِ، وكذبوا باستوائه، وكذبوا بوجود عرشه، وكذبوا بوجود كرسيِّه؛ فقالوا: «العرش: المُلْك، والكرسيُّ: العلم»، وكلما جاءهم نص أخذوا في إنكاره أو تأويله، لا لشيء إلا لأن عقولهم وأباطيلهم تقول بضد ذلك.\nفمن هنا كما يقال: العاقل من اتَّعظ بغيره.\nفهذه عظة ودرس لطالب العلم ينبغي أن يستفيد منه أمرًا عظيمًا، وهو: أن البعد عن الكتاب والسنة يؤدي إلى الإنكار والتكذيب، فإذا ابتعد الإنسان عن هذا الأصل (الكتاب والسنة)، وأخذ ينحى تلك المناحي وتلك السبل، فلا شك أنه على باطل، والله ﷾ قد نصحنا ووجَّهنا في ذلك؛ فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nلذا نكرر دائمًا أن على طالب العلم أن يلزم هذا المنهج، وأنه متى ما لزمه أنار الله ﷿ بصيرته، وأعطاه قدرة على التمييز بين ما هو حق وبين ما هو باطل، في هذا الباب وفي غيره من أبواب الدين؛ لأن هذه الأصول تلازم طالب العلم في كل أحواله.\nوقوله: «وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه، مُستو عليه، لا مُسْتَوْل عليه».\nقال ابن القيم ﵀: \"إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.\nفالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.\nوأما المقيد فثلاثة أضرب:\nأحدها: مقيد \"بإلى\" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله ﷾ المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى","vol":"2","page":34},{"text":"السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.\nالثاني: المقيد \"بعلى\" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.\nالثالث: المقرون \"بواو مع\" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم\" (^١).\nومما يؤكد أيضًا أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: \"والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه\".\nقال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨].\nوقال الشاعر:\nفأوردتهم ماء بضبضاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى\nوهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.\nوقد ذكر النضر بن شميل -وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة-قال: \"حدثني الخليل-وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ فصعدنا إليه\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول\" (^٣).\nولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٢) التمهيد (٧/ ١٣١ - ١٣٢).\n(^٣) انظر مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥).","vol":"2","page":35},{"text":"بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (^١).\nوقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (^٢).\nوقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (^٣).\nوقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: \"سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع\" (^٤).\nوفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من الأقوال التي نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم.\nوأما أقوال المخالفين في هذه المسألة فهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-60>الفريق الأول: نفاة الاستواء</span>\nسبق أن ذكرنا أن المعطلة من الفلاسفة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجًا مستقلًا في مسألة الصفات يتفقون جميعًا على إنكار الصفات الاختيارية بما فيها صفة الاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة التي يزعمون أن في ذلك تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقين.\nوإن سبب ذلك التأويل الباطل هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر -وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى-بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف.\n_________\n(^١) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٧).","vol":"2","page":36},{"text":"وبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات وهي في الحقيقة شبهات.\nوبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال منها:\nالقول الأول:\nمن هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء والقهر والغلبة.\nوهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية (^١)، والمعتزلة (^٢)، والحرورية (^٣)، وكثير من متأخري الأشاعرة (^٤)، كسيف الدين الآمدي (^٥)،\nوالغزالي (^٦)، والبغدادي (^٧)، وغيرهم.\nوقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب من ذلك:\nقول الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق\nوقال الآخر:\nهما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور\nوقال الآخر:\nفلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر\nوقد ذكر أبو عمر بن عبد البر-رحمه الله تعالى-أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾،\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٩٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).\n(^٢) متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ٧٣، ٣٥١).\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٦٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).\n(^٤) انظر تحفة المريد على شرح جوهرة التوحيد (ص ٥٤).\n(^٥) انظر غاية المرام (ص ١٤١).\n(^٦) انظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٠٤).\n(^٧) شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦).","vol":"2","page":37},{"text":"قال: \"استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان\" (^١).\nومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات وأرفعها وأوسطها فخصص بالذكر تنبيهًا على ما دونه.\nومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى الملك (^٢)، ويزعم أن معنى الآية استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول إن الله قد عبر بالعرش كناية على الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك. ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس ﴿ثُم اسْتَوَى عَلَى العَرْش يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، فقالوا: إن قوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ (^٣).\nالرد عليهم:\nلقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون قول السلف.\nولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول:\nأولًا: أنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه استولى-كما يزعم هؤلاء-لكان\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣٢).\nوقد أجاب ابن عبد البر على استدلالهم هذا بقوله: «إن هذا الحديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا» ا. هـ.\n(^٢) انظر شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦)، تفسير الرازي (١٤/ ١٥)، وأصول الدين للبغدادي (ص ١١٢).\n(^٣) تفسير الرازي (١٤/ ١١٥).","vol":"2","page":38},{"text":"استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود.\nأما أن يُؤتى إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك (^١).\nثانيًا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد \"ثم\" التي حقها الترتيب والمهلة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء\" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾.\nوفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: \"كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض\" (^٣).\nفالآيات والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستولٍ على العرش إلى أن خلق السموات والأرض (^٤).\nثالثًا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر (٨/ ٥١).\n(^٣) \"أخرجه البخاري في صحيحه، كتب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ (ح ٧٤١٨)، لفظ البخاري \"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٥).","vol":"2","page":39},{"text":"(٨٦)﴾، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في المخلوقات كلها لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء وعلى البحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش وليس عاما كعموم الأشياء (^١).\nرابعًا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه! أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك إليه وأنه أراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه (^٢).\nخامسًا: إن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم: إن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين.\nفهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: \"هو كما أخبر ﷿\"، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: \"اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادًا فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة:\nإلا لمثلك أو من أنت سابقة … سبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٣)\n\"وقد سئل الخليل بن أحمد: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟\nفقال: (هذا ما لا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها).\nوالخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل\" (^٤).\nوكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة قالوا: لا يجوز استوى بمعنى\n_________\n(^١) المصدر السابق (٥/ ١٤٤).\n(^٢) مختصر الصواعق (٢/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٤، ١٤٩)","vol":"2","page":40},{"text":"استولى إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى.\nوقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: \"استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، و﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب\" (^١).\nفبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة.\nوأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق\nوقول آخر:\nهما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور\nفهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما.\nقال ابن فارس: \"هذان البيتان لا يعرف قائلهما\" (^٢).\nفهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة.\nقال أبو عمر بن عبد البر: \"وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠).\n(^٢) زاد المسير لابن الجوزي.","vol":"2","page":41},{"text":"﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد\" (^١).\nوأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره.\nالقول الثاني:\nأن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء.\nوهذا هو قول بعض الجهمية (^٢)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (^٣).\nالرد عليهم:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض.\nوكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … \" فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!\nهذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا ولا في نظم ولا في نثر.\nومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضًا ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك\" (^٤).\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣١).\n(^٢) مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦).\n(^٣) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ٨ - ٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٠ - ٥٢١).","vol":"2","page":42},{"text":"على ما لم يقله مسلم\" (^١).\nالقول الثالث:\nأن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك (^٢)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.\nالرد عليهم:\nأن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليًا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (^٣).\nالقول الرابع:\nوهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى.\nوأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري.\nوهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (^٤)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضًا قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (^٥).\nوالسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ﷾ ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته-كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية -كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٤٣).\n(^٢) كتاب مشكل الحديث لابن فورك (ص ١٩٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥١٨).\n(^٣) المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي بعلى (ص ٥٤).\n(^٤) هذا القول لأبي الحسن الأشعري قاله عندما كان على قول ابن كلاب من نفي الأفعال الاختيارية عن الله تعالى.\n(^٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦، ٤٣٧، ٤٦٦)، (١٦/ ٣٩٣).\nالأسماء والصفات (٥١٧). اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤، ٦٥).","vol":"2","page":43},{"text":"وهم يقولون: \"إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضًا، إذ هي قديمة أزلية\" (^١).\nوحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: \"إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.\nوإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز\" (^٢).\nالرد عليهم:\nلقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.\nثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذًا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.\nوقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعًا فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا.\nثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائنًا عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦).\n(^٢) انظر كتاب ابن تيمية السلفي (ص ١٣٠).","vol":"2","page":44},{"text":"وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقًا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات المباينة له صفات كمال\" (^١).\nوكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: \"إنه لو كان الاستواء عائدًا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>الفريق الثاني: القول بالتفويض</span>\nويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (^٣).\nوقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (^٤) وهو أحد قولي الرازي (^٥).\nوهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه.\nوقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^٦).\nويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: \"كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا\".\nوقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب\".\n_________\n(^١) الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل (٢/ ٧٣ - ١٧٥)، ط: دار الكتب.\n(^٢) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤ - ٦٥).\n(^٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).\n(^٤) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).\n(^٥) تلخيص المحصل (ص ١١٤).\n(^٦) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).","vol":"2","page":45},{"text":"والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].\nالرد عليهم:\nمعلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها\" (^٢).\nويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: \"تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية\" (^٣).\nوأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول\n_________\n(^١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).\n(^٣) مختصر الصواعق (١/ ١٥).","vol":"2","page":46},{"text":"والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^١).\nوالاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.\nومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>الفريق الثالث: قول المشبهة</span>\nوالمقصود بهم الهشامية (^٢) من الروافض، والكرامية (^٣)، وغيرهم.\nوهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.\nفالهشامية مثلًا يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (^٤).\n_________\n(^١) الفتوى الحموية (ص ٢٥).\n(^٢) هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا، من الإمامية المشبهة.\nانظر المقالات (١/ ٣١ - ٣٤)، الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٣) هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية.\nانظر الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٤) الملل والنحل (٢/ ٢٢).","vol":"2","page":47},{"text":"وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:\nفمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.\nومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.\nومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها.\nومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (^١).\nوقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.\nفالهشامية يقولون: \"إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء\".\nونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكانًا مخصوصًا ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه\" (^٢).\nوأما الكرامية فيقول ابن كرام: \"إن معبوده مستقر على العرش استقرارًا وإنه بجهة فوقَ ذاتًا وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا\".\nولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: \"إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه\".\nوقال بعضهم: \"أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم\".\nوقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.\nوصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش\" (^٣).\nالرد عليهم:\nهذا القول للمشبهة يتضمن حقًا وباطلًا.\n_________\n(^١) الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).\n(^٣) انظر كتاب التجسيم عند المسلمين (ص ٢٠٥).","vol":"2","page":48},{"text":"فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.\nوأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله ﷾ لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].\nومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].\nوالسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟\nوالجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.\nومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ﷿، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعًا.\nومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿ لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: \"ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة\") (^١).\nوقال ابن القيم: \"إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا\n_________\n(^١) تفسير القرطبي.","vol":"2","page":49},{"text":"يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم\" (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).","vol":"2","page":50},{"text":"(١٢٦) «وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني-شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده-قال: أحببتُ أن أُوصي أصحابي بوصية من السُّنَّة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين».\n<hr><s0>\n\nمعمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية، والصوفية قد مرت بمراحل؛ فكان أولها زهد وتجرد ولزومٌ لعقيدة أهل السنة؛ ولو قرأت في «الغنية لطالبي طريق الحق ﷿» لعبد القادر الجيلاني، أو في غيرها من كتب الصوفية للمتقدمين، تجد أن كلامهم في الاعتقاد هو نفس كلام السلف من أهل السنة، ولكن بعد ذلك صار فيهم ما صار من الانحراف والبعد عن المنهج الحق؛ بسبب ما دخل عليهم من الجهل.\nوترك العلم الصحيح أدى بهؤلاء وغيرهم إلى الانحراف والشطط الذي عليه البعض الآن؛ لأن الإنسان إنما يهتدي بالعلم وبالنور، الذي جعله الله ﷾ طريقًا للهداية.\nأمَّا إذا ترك الإنسان العلم فهذا أضر ما يكون عليه؛ لأن ترك العلم معناه الجهل، والجهل يُصيب الإنسان في العلم والعمل؛ فأصيب الصوفية بترك العلم، وهذا شيء خطير؛ لأن منهج أهل السنة يقوم على العلم والعمل معًا.\nوأهل السنة في هذا الأمر يقابلهم فئتان: أهل الكلام وأهل التصوف.\nفأهل السنة منهجهم يقوم على العلم والعمل معًا، فالعلم وحده لا يكفي لكي يكون العبد من أهل السنة؛ فلا يعتقدن بعض طلبة العلم أنه بمجرد ما فهم مسائل اعتقاد أهل السنة أن هذا يكفيه ويُغنيه عن العمل! فهو بهذا يكون قد حاد عن منهج أهل السنة، وهذا للأسف أمر يقع فيه بعض طلبة العلم؛ حيث تراه عارفًا بالمسائل ومدركًا لها، ويجيب فيها الجواب الصحيح، لكن تنظر له من ناحية العمل تجد أن عنده تقصيرًا فيه.\nفهذا واقع وملموس، وهذا للأسف انحراف، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن","vol":"2","page":51},{"text":"تيمية: «من دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلًّا، ومَن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلًّا، وأضل منهما مَنْ سلك في العلم طريق أهل البدع؛ فيتبع أمورًا تُخالف الكتاب والسنة يظنها علومًا وهي جهالات. وكذلك مَنْ سلك في العبادة طريق أهل البدع؛ فيعمل أعمالًا تُخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات، وهي ضلالات. فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر. يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة.\nوطريق اللّه لا تتم إلا بعلم وعمل، يكون كلاهما موافقًا الشريعة.\nفالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يَسلك بعلم يُوافق الشريعة، وإلَّا كان ضالًّا عن الطريق، وكان ما يُفسده أكثر مما يصلحه. والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يُتابع الشريعة ويَعمل بعلمه وإلَّا كان فاجرًا ضالًّا عن الطريق. فهذا هو الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم» (^١).\nفمن كان عنده علم بدون عمل ففيه شَبَهٌ بأهل الكلام؛ لأنهم اهتموا بالعلم وامتدحوه وأهملوا العمل، وجاء الصوفية في المقابل؛ فاهتموا بالعمل وامتدحوا وأهملوا العلم.\nفهذه القسمة مهمة لطالب العلم جدًّا؛ لأنها أشبه بجناحي الطائر، فإذا أردت أن تكون سُنِّيًا سلفيًّا فلا غنى لك عن هذين الجناحين: (العلم والعمل).\nولذلك حمل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الحارث المحاسبي؛ حيث وجده مهتمًّا بالكلام في محاسبة النفس وأخذها بالشدة وسلوك طريق التقشف التي لم يَرد بها الشرع مُتَقَلِّلًا من شأن العلم النافع (الكتاب والسنة).\nومنهج أهل السنة يرفض ذلك رفضًا تامًّا، فأهل السنة يقولون: لا بد من العلم والعمل معًا، وينبغي أن يكون كلٌّ من العلم والعمل مبنيًّا على الكتاب والسنة، فينبغي أخذ العلم من الكتاب والسنة، وينبغي كذلك أخذ العمل من الكتاب والسنة.\nفأهل الكلام اهتموا بالعلم فقط، وأهملوا العمل، ولذلك إذا قرأت في كتبهم تجد التركيز على القضايا العلمية (النظرية)، ولا تجد فيها ذكرًا لجانب العمل.\nولذلك تلمس الآن في واقعهم: أنَّ الأشعرية منهم بحاجة ماسة إلى العمل؛\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ١١، ١٢).","vol":"2","page":52},{"text":"فيلجأون إلى الصوفية؛ فيضمون إلى باطلهم باطلًا آخر؛ لأن علمهم لم ينبنِ على الكتاب والسنة.\nوهذا أوقعهم في تخبط شديد، حتى إن الشيطان دخل عليهم من هذا الباب، وخيَّل لهم أنهم يرون الله، وأنه يُكشف لهم الحجاب، وغير ذلك من أباطيلهم وترهاتهم.\nولذلك نحذر طلبة العلم-الذين يحرصون على اتباع منهج السلف-من إهمال جانب العمل، ونعم، نرى في الكثير من طلبة العلم حرصًا على طلب العلم وتحصيله وجمعه، ولكنهم في العمل على حال بعض أهل الكلام، وبالتالي نذكرهم بقول شيخ الإسلام: «إن مَنْ كان فيه ترك للعمل ففيه شبه بأهل الكلام» (^١). وليس هذا من منهج أهل السنة، وإنما منهج أهل السنة هو (العلم والعمل) معًا؛ لأن العلم حجة على صاحبه إذا لم يَعمل به.\nوقد ثبت في الحديث الصَّحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذَبت، ولكنك قاتلت لأن يُقال: هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فَأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تَعَلَّمت العلم وعَلَّمْتُه وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ وَسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فَأُتِي به فعَرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار» (^٢).\nفإذا كان هدفك من تحصيل العلم أن تَجعله مجرد أداة تتحصل بها على متاع الدنيا؛ كمنصب أو منزلة أو مال دون أن تعمل بما علمت، فلا بد أن هناك خللًا في النية وبعدًا عن منهج أهل السنة والجماعة.\nفالصوفية في بدايتها كانت زُهدًا وتجردًا، ولكن بسبب الميل إلى جانب العمل\n_________\n(^١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الثامن صفحة (٧٠).\n(^٢) رواه مسلم (١٩٠٥).","vol":"2","page":53},{"text":"والتقليل من جانب العلم، نتج عن ذلك ظهور فئة منهم عندهم جهل، ثم تبع ذلك انحراف عن معتقد أهل السنة، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، فترى المتصوفة ليسوا من أهل علم، ولا عندهم حرص عليه.\nوتجد أن ما عندهم من أذكار وأوراد يقدمونها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وترى من حرصهم على التربية أنهم يهملون جانب العلم تمامًا، فبالتالي نتج عن ذلك التخبط الذي وقعوا فيه.","vol":"2","page":54},{"text":"«قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تَشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه ﷿ مُستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة؛ لأنه المنفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق». (^١)\n<hr><s0>\n\nفهذا الأصبهاني من شيوخ الصوفية في حدود المائة الرابعة أوصى أصحابه بهذه الوصية، ومن هذه الوصية إثبات عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الاستواء على العرش.\nفهذه أمور واضحة قرر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة العلو والاستواء وقد سبق تقريرها في بداية الشرح.\n_________\n(^١) انظر: «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٤٨).","vol":"2","page":55},{"text":"«وإنَّ الله ﷿ سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا (^١)، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: «فيقول: هل مِنْ داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل مِنْ تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» (^٢).\nونزول الربِّ إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل؛ فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا» (^٣).\n<hr><s0>\n\nثم بعد ذلك ذكر جملة من الصفات منها السمع، والبصر، والعلم، والخبرة، والكلام، والرضى، والسخط، والضحك، والعجب، والتجلي، والنزول، وقرَّر عقيدة أهل السنة في هذه المسائل.\nوالأصبهاني ليس وحده في هذا، حتى عبد القادر الجيلاني في كتابه «الغنية»، يقرر-أيضًا-هذه العقيدة، وسينقل عنه شيخ الإسلام بعد ذلك، وهكذا-أيضًا-وأبو إسماعيل الهروي صاحب «منازل السائرين» يقرِّر هذه العقيدة.\nفقديمًا كانت مسائل الاعتقاد واضحة عند الصوفية المتقدمين، وكانوا على الطريق المستقيم فيها، وإن وجد بعض الخلل في النواحي الأخرى، لكن كانت أمور الاعتقاد العلمية صافيةً إلى أن اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت الآن الصوفية شريكة الأشعرية أو شريكة الماتريدية، وأصبح لا يستغني أحدهما عن الآخر، وقامت مدارس ومعاهد تقرر معتقد الأشعرية؛ وترى أحدهم يقول: أنا أشعري العقيدة نقشبندي الطريقة، أو رفاعي الطريقة، أو أحمدي الطريقة، أو شاذلي الطريقة، إلى غير ذلك من الطرق التي لا حَصر لها ولا عدد.\nوهذا يؤكد البعد عن الكتاب والسنة؛ مصداقًا لقوله ﷾: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\n_________\n(^١) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٤٩).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ١٩١)، و«اجتماع الجيوش» لابن القيم (ص ٢٧٦)، و«العلو» للذهبي (ص ١٧٧).","vol":"2","page":56},{"text":"(١٢٧) «وقال الشيخ الإمام أبو بكر؛ أحمد بن محمد بن هارون الخَلَّال في كتاب «السنة»: حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثنا إبراهيم بن الحارث-يعني العبادي-حدثنا الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر-وهو صاحب الفُضَيْل-قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه.\nوكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة (^١)، وهذا الاطلاع (^٢)، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع؛ فليس لنا أن نتوهَّم كيف وكيف. فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أؤمن بربٍّ يَفعل ما يشاء».\nونقل هذا عن الفضيل جماعة، منهم البخاري في «خلق أفعال العباد» (^٣).\nونقله شيخ الإسلام (^٤) بإسناده في كتابه «الفاروق» فقال: حدثني يحيي بن عمار، ثنا أبي، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا حَرَميّ بن علي البخاري، وهانئ بن النضر، عن الفضيل».\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  كما في حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما مِنْ يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنَّه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة؛ فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟». رواه مسلم (١٣٤٨).\n(^٢) كما في حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وفيه: فقال عمر بن الخطاب ﵁: «دعني يا رسول الله، أضرب عنقه-أي: حاطب-فقال رسول الله ﷺ: «إنَّه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله ﷿ اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». رواه البخاري (٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤).\n(^٣) وقد نقل البخاري الجزء الأخير من ذلك من قوله: «فإذا قال لك الجهمي …»، ورواه عنه معلقًا. انظر: «خلق أفعال العباد» (ص ٣٦).\nورواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٤٥٢)، وأبو إسماعيل الصابوني في «عقيدة السلف» (ص ٥٠).\n(^٤) أي: أبو إسماعيل الهروي.","vol":"2","page":57},{"text":"هذا نقلٌ عن الفضيل بن عياض في مسألة الكيفية، وقد علمنا أن من معتقد أهل السنة والجماعة عدمَ الخوض في الكيفية، وقد قَعَّد الإمام قاعدةً في هذا فقال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه».\nفلا يجوز للإنسان أن يخوض في الكيفية؛ لا بفكره ولا بخواطره ولا بلسانه، ولا حتى بمجرد السؤال عن ذلك؛ باعتبار أن هذا الأمر أمرٌ قد غَيَّبه الله ﷾ عن عباده، وقد قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله ﷿ لم يُطْلِعِ الخلقَ على كيفية ذاته؛ قال ﷻ: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال ﷿: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nفلذلك مِنْ وصية الفضيل بن عياض هنا أن قال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو» (^١)، أي: أنه ليس لواحد منا أن يَخوض في هذه المسألة بفكره أو برأيه، فينبغي على الإنسان أن يُوصد هذا الباب؛ لأن أيَّ كلام فيه يُعَدُّ من التقوُّل على الله ﷿ بغير علم، وقد قال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nفلا يجوز التقوُّل على الله ﷿ بغير علم، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة: أنه ليس لقائل ولا لطالب علم ولا لخائض في هذه المسائل: أن يتحدث عن أمر الكيف، وإذا خطر للإنسان خاطر في ذلك، فعليه أن يَرُدَّ هذا الخاطر إلى النصوص، وأن يقف عند الحد الذي أوقفنا الله ﷿ عنده.\nوالمؤمن يَمتثل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فأمرٌ لا عِلم لك به، لا يجوز لك أن تَدخل فيه بأي حال من الأحوال.\nوعلَّل الفضيل بن عياض ذلك فقال: «لأنَّ الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤: ١]».\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٦٢).","vol":"2","page":58},{"text":"والشاهد من هذه السورة: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، فمعلوم أن الشيء إنما تُعْلَم كيفيته من وجوه:\nالأول: برؤيته ومشاهدته، فالإنسان متى ما شاهد الشيء ورآه استطاع أن يصفه، وهذا كما نعلم جميعًا أنه في حق الله تعالى مُمتنع، وحديث النبي ﷺ واضح في ذلك حيث قال للصحابة رضوان الله عليهم: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ» (^١)، فإذًا فباب رؤية الله تعالى والاطلاع على كيفية ذاته-مَوصود إلى قيام الساعة.\nالثاني: وجود النظير المماثل أو المساوي للشيء؛ فأنت إذا رأيت شخصًا، ثم رأيت من يشبهه قلت: هما في الهيئة والشكل سواء، ولذلك قال الله ﷾: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ومعنى الكفو أو الكفؤ على القراءة الأخرى المتواترة: هو المَثيل والشبيه والنظير. فإذًا ليس هناك مثيلٌ لله حتى نقيس الله ﷾ عليه.\nفإذًا لم يبقَ لنا أيُّ طريق لمعرفة الكيفية، فهذا باب موصود، وبالتالي لا يجوز الخوض فيه بأيِّ حال من الأحوال، وهذه من الأسس الثابتة في منهج أهل السنة والجماعة.\nثم قال بعد ذلك: «وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع»، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، كيف يضحك؟ كيف ينزل؟ كيف استوى؟ كيف يباهي؟ كل هذه أمور غيبية بالنسبة لنا، فينبغي على طالب العلم ألا يتجرَّأ في هذا الباب وألا يخوض فيه ولو بمجرد التعبير.\nفَمِنْ معتقد أهل السنة: أن الإنسان إذا أثبت صفةً من الصفات، فقال مثلًا: ينزل ربنا ﵎ للسماء الدنيا، أن يقول في ذلك: كما يليق بجلاله وكماله، والله أعلم بكيفية نزوله، وهكذا، والله يضحك ﷾ كما يليق بجلاله وكماله ﷾، والله أعلم بكيفية ذلك.\nففي كل هذه الصفات يجب على الإنسان أن يقف فيها على النص، ومعلوم أن العبد إذا تمسك بذلك فقد تميَّز عن طوائف التعطيل وطوائف التشبيه؛ لأن طوائف\n_________\n(^١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).","vol":"2","page":59},{"text":"التعطيل يقولون مثلًا: لا نعقل من الضحك إلا تكشير الأنياب. وهذا سوء تعبير؛ لأن الذي أخبر بالضحك هو النبي ﷺ. وضحك الله هو كما يليق بجلاله وكماله ﷿.\nفبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يخوض في شأن هيئة هذا الضحك، أو كيفيته، وفي الوقت ذاته لا يجوز له أن يُؤَوِّل أو يُحَرِّف هذه النصوص؛ لأنها نصوص واضحة في إثبات تلك الصفات، ولا تقبل تلك التأويلات بأيِّ حال من الأحوال.\nثم يقول الفضيل: «فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء» (^١). فهكذا جواب أهل السنة؛ أنهم يتمسكون بهذه النصوص ويعتصمون بها ويثبتونها لله ﷿؛ لأن الله ﷿ قد أخبر بها، وكذلك رسوله ﷺ قد أخبر بها.\nولذلك لما قال بعض هؤلاء: إذا أثبت جهة العلو يَنبغي أن تثبت جهة السفل؛ لأن مَنْ له فوق له تحت (^٢)!\nوهذه شُبهة من شبهات الجهمية؛ قالوا: إذا أثبت لله ﷿ جهة العلو فيجب أن تثبت له جهة السُّفل، أو تثبت له التحتية كما أثبتَّ له الفوقية والعُلُوَّ.\nفما كان جواب أهل السنة إلا أن قالوا: لو أثبتَ الله لنفسه التحت، لأثبتناه له كذلك، لكننا لم نثبت العلوَّ له من تلقاء أنفسنا، وإنما الله هو الذي أثبته لنفسه ﷿؛ لذلك فنحن نُثبت له ما أثبته لنفسه ابتداء.\nفانظر إلى جواب أهل السنة الذي يلجم كلَّ معارض في هذا، فالله ﷿-هو الذي أثبت لنفسه جهة العلوِّ، وهو الذي أثبت لنفسه الاستواء على العرش، فهذا أمر لم يَصدر من البشر ولم يصدر منا في حقه ﷾!\nفعندما قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكان، كان جواب السنِّي: بل أؤمن برب يفعل ما يشاء.\nفالمؤمن يُسَلِّم بخبر الله ﷿ ويؤمن به ولا يُكذبه، بخلاف أهل التعطيل الذين أنكروا ذلك وحاولوا جاهدين أن يَنفوا تلك الصفات بأنواع وطرق من التأويلات قد ذكرناها سابقًا.\nفمثلًا لو جئت للجهمية أو المعتزلة، وكذا غالب الأشاعرة والماتريدية، لوجدتهم\n_________\n(^١) انظر: «خلق أفعال العباد» للبخاري (ص ٣٣).\n(^٢) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٣١٩).","vol":"2","page":60},{"text":"-مثلًا-ينكرون الاستواء، ويُؤوِّلونه بالاستيلاء، ويؤوِّلون اليد بالنعمة، أو القوة، أو القدرة، وهكذا.\nوقدماء الأشاعرة والكلابية كانوا يُفَوِّضون، وهكذا تبعهم بعض المتأخرين فسكتوا عن هذه الصفات، وقالوا: الله أعلم بمراده منها، وإن كانوا في نفس الأمر لا يُثبتونها، لكنهم لا يحدِّدون معنًى لتلك الصفات.\nوتارةً يقولون: هي صفات ذات لا صفات فعل.\nوبخاصةً في صفات الأفعال ينكرون كونها صفة فِعل، على قول بعضهم: إن الحوادث لا تَحل بذات الله تعالى، فبالتالي لا يُثبتون أيَّ صفة من صفات الأفعال.\nوتارةً يقولون: هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء، فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش (^١)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى.\nفطرقهم في التأويل متعددة، ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يحذر من ذلك كله، وأن يُثبت الصفة كما أثبتها الله ﷿ لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ، ويؤمن بمعناها، ويَكِلُ أمر الكيف إلى الله ﷿، مع اعتقاده في نفس الأمر أن الله تعالى ليس كمثله شيء؛ بمعنى: أن لله ﷿ خصائص في ذلك الأمر لا يعلمها البشر.\n_________\n(^١) انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (ص ٥٨).","vol":"2","page":61},{"text":"(١٢٨) «وقال عمرو بن المكي في كتابه الذي سَمَّاه: «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، قال: «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، وذكر أنه يُوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد».\n<hr><s0>\n\nنقل المصنف كلام الهروي في كتابه «الفاروق»: الذي سَمَّاه «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، وذكر «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، يقصد وسائل الشيطان في هذا الباب، ومعلوم أن الشيطان يسعى لإغواء بني آدم.\nفالشيطان يأتي لبني آدم من بابين هما:\nباب الشهوات.\nوباب الشبهات.\nفإن وجد في العبد ميلًا للشهوات جاءه من باب الشهوات، وإن وجد فيه صلابةً وقوة دين دخل عليه من باب الشُّبهات.\nفعلى الإنسان أن يحذر من ذلك، فلا يظنن أنه بمجرد نجاته من الشهوات المحرمة وبُعْدِهِ عنها أنه قد سلم ونجا! لا، فإن الشيطان سيدخل عليه من الباب الآخر؛ باب الشبهات.\nومن الشبهات التي يلقيها الشيطان على ابن آدم: القنوط، أي: يُيَئِّسُ الإنسان من رحمة الله ﷿، ويجعله يظن أنه هالك، وأنه لا سبيل إلى نجاته لما وقع فيه من مُحرمات؛ فيأتيه الشيطان من هذا الباب.\nأو يأتيه من باب الغرور وطول الأمل، فيجعله يسوِّف الساعة وراء الساعة، واليوم وراء اليوم، والشهر وراء الشهر؛ وتمضي الأيام وهو في غرور وطول أمل.\nفالشيطان يأتي للإنسان من هذا الباب، وله طرق متعددة.\nومما لا شك فيه أن الجهل من أخطر ما يكون على المسلم، لذا فإن الشيطان إذا وجد في الإنسان جهلًا أوقعه في أحد أمرين خطيرين: إمَّا التساهل والانحلال، وإمَّا الغلو والتشدد.","vol":"2","page":62},{"text":"وهذا كثير في الناس اليوم، إمَّا أن تراه متساهلًا غير ملتزم بأمور الدين، فقد يكون مضيعًا لفرائص الإسلام، واقعًا في الشهوات المحرمة، مبتعدًا عن هدي الإسلام في هيئته ولباسه وكلامه وحياته كلها.\nوإما أن تراه غاليًا متشددًا في الدين على جهل.\nفيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، لما يَرى عنده من قلة علمٍ، فيبدأ بعد ذلك يزين له الآراء والأحكام والأقوال المتشددة، حتى يوقعه في غلُوٍّ يُخرجه عن هذا الدين، والنبي ﷺ حَذَّرنا من الغلُوِّ في الدين؛ فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (^١)، وقال هذا عند لقط الحصى من المزدلفة، فنهى عن الغلُوِّ في قدر الحصى، فما بالنا في سائر أمور الدين؟\nوبَيَّن النبي ﷺ حال الخوارج، فقال: «تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ» (^٢).\nإذًا هم أهل دين والتزام، حتى إن أحدهم من كثرة تعبُّده وصلاته وصيامه يفوق الصحابة في ذلك، ويحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، ومع ذلك يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.\nوفي كتاب «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» لابن القيم، بيان لمسالك ودروب الشيطان التي يَسلكها مع بني آدم فيجدر الاطلاع عليه.\nوينبغي على الإنسان أن يحذر هذه الأبواب، وأن يُغلقها جميعًا، ولا يظن أنها باب أو بابان أو ثلاثة، بل هي أبواب كثيرة، والنجاة من ذلك كله أن يعتصم الإنسان بالعلم الصحيح والعمل الصحيح؛ لأن الشهوات تأتي في ناحية الإرادة والعمل؛ والشبهات تأتي في ناحية التفكير والنظر، فإذا سلِم الإنسان في فكره ونظره لا يسلَم حتى يكون على علم، وإذا سلِم في إرادته لا يسلَم حتى يكون على عمل صحيح، فبالتالي يغلق أبواب الشر كلها على الشيطان.\n_________\n(^١) انظر «سنن ابن ماجه» برقم (٣٠٢٩)، والنسائي (٣٠٥٧)، وأحمد في «المسند»، (ومِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ) (١٨٥١)، وقال الألباني في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (٦/ ٧٠): «صحيح».\n(^٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ)، بَاب (قَتْلِ الخَوَارِجِ وَالمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ)، برقم (٦٩٣١)، ومسلم كِتَاب (الزَّكَاةِ)، بَاب (ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ) (١٠٦٤)، وأبو داود (٤٧٦٤)، وابن ماجه (١٦٩)، والنسائي (٢٥٧٨)، ومالك (١٠)، وأحمد في «المسند»، (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١١٢٨٥).","vol":"2","page":63},{"text":"فإذا بنى الإنسان فكره ونظره على علم صحيح، مَيَّز فيه بين ما هو من دين الله تعالى وما ليس من دينه ﷿. وهذا كله إنما يتأتى من العلم المبنيِّ على الكتاب والسنة، ولذلك لا تَستغرب عندما يبوِّب البخاري بابًا بعنوان: «باب العلم قبل القول والعمل»؛ لأن العلم يَحرس الإنسان ويحميه وينجيه بإذن الله-﷿-من المهالك.\nفالإنسان بحاجة إلى ما يُصحِّح به نظره وفكره، حتى تستقيم لديه الموازين؛ فيَعرف ما ينفعه وما يضره، وهذا إنما يتأتى بالعلم؛ لأن هذا العلم مِنْ أول ما يغرس في هذا الإنسان معرفة الله ﷿، ولذلك الجهل إنما يؤدي إلى الجهل بالله ﷿، وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وتأمل قوله تعالى: ﴿فأنساهم أنفسهم﴾؛ بمعنى: أن يصل الإنسان إلى حالٍ لا يَعرف فيه ما يصلحه وينفعه.\nوانظروا إلى أولئك الذين نراهم في هذه الدنيا وقد أصبحوا في عداد البهائم وصاروا لا يعرفون الله ﷿، وترى مِنْ أحوالهم ما الله به عليم، من ضياع لأنفسهم في أمور الآخرة، بل حتى في أمور الدنيا.\nفانظر-مثلًا-إلى الأماكن التي يجتمع فيها هؤلاء؛ فترى الواحد منهم يتعاطى السم الزعاف، ويُهلك صحته التي وهبها الله ﷿ له، وتراه غارقًا في لهوه وتجري به الأيام حتى ينتهي عمره، ثم بعد ذلك يلقى مصيره عند الله ﷿.\nوانظر في المقابل إلى الذين عرفوا الله ﷿، وتعلموا العلم؛ فأصبح هذا العِلم يَقيهم مصارع السوء، وأصبح حصنًا لهم يَرجعون إليه في نظرهم وفكرهم وموازينهم، وفي جميع أمورهم الدينية والدنيوية؛ فأنقذهم الله ﷿ به.\nفالشاهد: أن الشيطان يأتي للإنسان من هذين البابين: (باب الشهوات، وباب الشبهات)، خاصَّةً إذا كان عند الإنسان دين؛ لأن صاحب الشهوة قد صار في حزب الشيطان وسلك طرقه، فيكون الشيطان قد انتهى من شأنه، ولا حاجة للشيطان أن يشغله بشيء آخر، وإنما يسعى الشيطان سعيًا حثيثًا إلى مَنْ هو على طريق الهداية.\nوقد أخذ عدو الله عهدًا على نفسه؛ ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣: ٨٢].\nفمن كان من عباد الله المخلصين نجا من هذا العدوِّ اللعين؛ الذي يتربَّص بالإنسان إلى آخر لحظات حياته.\nهذا وليعلم مع ذلك أن كيد الشيطان؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ","vol":"2","page":64},{"text":"ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، فلا يظنن أحد أنه لا سبيل إلى دفعه أو رده.\nوالنبي ﷺ يقول عن الشيطان: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (^١)؛ فلا يملك إلا الوسوسة؛ بأن يلقي في نفس الإنسان الهمزات السيئة لفعل المعاصي والشبهات.\nوإذا تحصن العبد بالعلم الصحيح وبالعمل الصحيح فهيهات للشيطان أن يجد منفذًا إليه، فينجو بذلك من وساوسه وهمزاته وخطواته.\n_________\n(^١) انظر: «سنن أبي داود»، برقم (٥١١٢)، وأحمد في «المسند»، (ومِن مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ) (٢٠٩٧)، وقال الألباني في «التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان» (٩/ ٣٦): «حسن صحيح».","vol":"2","page":65},{"text":"«فقال: «من أعظم ما يُوسوس في التوحيد بالتشكيك، أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل». فقال بعد ذكر حديث الوسوسة».\n<hr><s0>\n\nالشيطان جاء لكثير من المتصوفة وخيَّل لهم وأوهمهم أنه هو الله، ولذلك نذكر قصة النبي ﷺ مع ابن صَيَّاد، حيث قَالَ له النَّبِيُّ ﷺ: «ماذا ترى؟». قال: أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ» (^١).\nهذا في قصة ابن صياد، وابن صياد كان يُظن أنه هو الدجال، وهو من يهود المدينة؛ فرآه النبي ﷺ واجتمع به، وكان بينه وبين النبي ﷺ حوارًا، فقال له النبيُّ: «إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خِبْئًا فَمَا هُوَ؟». قَالَ: الدُّخُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اخْسَأْ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (^٢)، وكذلك قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ماذا ترى؟ قال: «أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ».\nفبعض المتصوفة إنما انحرفوا وصاروا إلى ما صاروا إليه؛ لما تركوا العِلم؛ فكثر فيهم الجهل، إلى أن أوهمهم الشيطان أنه يكشف لهم الحجاب، وأنهم يرون الله ﷿.\nفهذا هو المقصود بالتشكُّل: أن الشيطان يَتشكل لهؤلاء، ويوهمهم أنهم يرون الله ﷿، وهم في الحقيقة إنَّما يرون شيطانًا.\nومن مداخل الشيطان على هؤلاء: إيهامهم بالتشبيه والتمثيل، والخوض في الكيفية، أو بالجحد لها والتعطيل: «فقال بعد ذِكر حديث الوسوسة»، وحديث الوسوسة معروف، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا للنبي ﷺ: «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. فقال النبي ﷺ: «أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟». قَالُوا:\n_________\n(^١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٢٥)، والترمذي (٢٢٤٧)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١١٩٢٦).\n(^٢) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَن وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْر ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٢٤)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٣٦١٠)","vol":"2","page":66},{"text":"نَعَمْ. قَالَ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (^١).\nفالذي وجدوه هو ضيق الصدر وتعاظم واستكبار هذا الأمر؛ لأنهم قالوا: «إن أحدنا ليجد في نفسه ما لِأَن يَخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به»؛ فقال النبي ﷺ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ».\nفضيق الصدر دليل على قوة الإيمان، ودليل على أن هذا خاطر يَمر من خواطر الشيطان؛ وعلاجه: أن يقطعه، وأن يستعيذ الإنسان من الشيطان الرجيم، والله تعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].\nفالشيطان دائم الوسوسة لابن آدم، فعليه أن يعود إلى حِصن الإيمان، وإلى العقيدة الصحيحة ليستمسك بها ويلجأ إليها؛ فهي النجاة والمخرج من هذه الوساوس.\nوفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» (^٢)، أي: لينتهِ عن التفكير في هذه الخطرات الشيطانية، وليستعذ بالله ﷿ من هذا الخاطر ولا يسترسل في التفكير فيه.\n_________\n(^١) انظر: «صحيح مسلم» كِتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان الْوَسْوَسَةِ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا)، برقم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، وأحمد في «المسند»، (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٩٦٩٤).\n(^٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (بَدْء الخَلْقِ)، بَاب (صِفَة إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ)، برقم (٣٢٧٦)، ومسلم، كِتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان الْوَسْوَسَةِ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا) (١٣٤)، وأبو داود (٤٧٢١)، وأحمد في «المسند»؛ مُسْنَد (الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٨٣٧٦).","vol":"2","page":67},{"text":"«واعلم-رحمك الله-أن كُلَّ ما توهمه قلبك، أو سَنَح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حُسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح (^١) مائل، أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك».\n<hr><s0>\n\nأحيانًا تأتي للإنسان خواطر وسوانح وأفكار وأوهام في ذات الله، والله ﷿ منزَّه عن ذلك.\nقال: «من حُسن، أو بهاء، أو ضياء، أو إشراق، أو جمال، أو شبح مائل أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك». يعني: ثِق ثقةً تامَّةً أن هذا الذي رأيت، أو هذا الذي خَطر في بالك، أو هذا الذي توهمته ليس هو الله ﷿؛ لأن بعض الصوفية إنما زلَّت أقدامهم وضلَّت أفهامهم لدخول هذا الأمر عليهم، فلذلك هم يقولون: حدثني قلبي عن ربي، أو جئت من الحضرة الإلهية، وذهبت إلى الحضرة الإلهية، ويقولون: أنتم تأخذون عن الله بواسطة، ونحن نأخذ بلا واسطة، وغير ذلك من كلامهم الذي استزلَّهم الشيطان به؛ فأخرجهم به إلى البدع والضلالات في دين الله ﷿، وكل ذلك سببه الجهل؛ فلما جهلوا أمر دينهم خَيَّل لهم الشيطان ما خيَّل، وأوقعهم فيما أوقعهم فيه.\n_________\n(^١) الشبح: الممدود؛ كالظل.","vol":"2","page":68},{"text":"«بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، أي: لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مِثل، أَوَلَمْ تعلم أنه تعالى لما تجلَّى للجبل تدكدك لعظم هيبته وشامخ سلطانه (^١)، فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فردَّ بما بَيَّن الله في كتابه من نفيه عن نفسه التشبيه والمِثل والنظير والكفؤ.\nفإن اعتصمت به وامتنعت منه أتاك مِنْ قِبَل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ، فقال لك: «إذا كان موصوفًا بكذا أو وصفته، أوجب له التشبيه فأكذبه».\n<hr><s0>\n\nتذكر قول النبي ﷺ في هذا: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^٢)، إذًا يفنى هذا الوجود كله لو كشف الحجاب، ثم يأتي أحدهم ويزعم أنه رأى الله ﷿. فكل هذا لا يخرج عن كونه أوهام وضلالات.\nثم قال: «فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يَتوهمه إلا هلك؛ فرُدَّ بما بَيَّن الله ﷿ في كتابه من نفسه عن نفسه»، يعني: ادفع التشبيه والتمثيل.\nفينبغي أن تردَّ بالكتاب وبالسنة هذه الأوهام، التي قد تُوقع في التكييف أو التشبيه أو التمثيل، فإن اعتصمت بها وامتنعت منها جاءك الشيطان من باب آخر، وهو باب التعطيل؛ لأن مقصد الشيطان أن يَصرف الإنسان عن الله ﷿؛ لأن العلم بالله ﷿ يتم بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.\n_________\n(^١) قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].\n(^٢) انظر: «صحيح مسلم»، كِتَاب (الْإِيمَان)، بَاب (فِي قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّ اللهُ لَا يَنَامُ»، وَفِي قَوْلِهِ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، برقم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٥)، وأحمد في «المسند»؛ أَوَّل (مُسْنَد الْكُوفِيِّين) (١٩٥٨٧).","vol":"2","page":69},{"text":"والله-﷿-ما تعرف إلينا بذاته، وإنما تعرف إلينا بأسمائه وصفاته وأفعاله، فإذا أتاك الشيطان مِنْ قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدَّس التي في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ؛ فقال لك: إذا كانت له يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه الجارحة؛ لأن الله ﷿ يستحيل أن يخاطبنا إلا بما نعقل (^١).\nوهذا شبهة فاسدة؛ لأنه لا يلزم أن يكون كل ما أخبرنا الله ﷿ معلومًا لنا، فهذه الجنَّة وما فيها مع أنها مخلوقة، لكننا لا نعلم كيفية ما فيها؛ قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وكما قال النبي ﷺ: «فِيهَا مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^٢).\nوكل منا يحمل روحًا في جسده، ومع ذلك لا نعقل كنهها وكيفيتها.\nفليس من شرط الإيمان بالشيء: أن تُعقل كيفيته.\nفهذه شُبَه باطلة كاسدة فاسدة، لا تأتي إلا من جاهل.\n_________\n(^١) انظر: «التسعينية» (٣/ ٧٤٣).\n(^٢) انظر: «صحيح البخاري»، كِتَاب (بَدْءِ الخَلْقِ)، بَابُ (مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الجَنَّةِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ)، برقم (٣٢٤٤)، ومسلم، كتاب (الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا) (٢٨٢٤)، والترمذي (٣١٩٧)، وابن ماجه (٤٣٢٨)، وأحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١٠٥٧٧)، والدارمي (٢٨٧٠).","vol":"2","page":70},{"text":"«لأنه اللعين إنما يريد أن يَستزلك ويُغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.\nواعلم-رحمك الله تعالى-أن الله تعالى واحد لا كالآحاد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد».\n<hr><s0>\n\nالاعتصام بهذه النصوص هو الذي يجعل الإنسان في جُنَّة وفي حصن من التكييف؛ لما يعلم أن الله تعالى لا يُماثله أحد، ولما يعلم أن الله تعالى لم يكن له كفوًا أحد، وأن الله تعالى ليس له مثيل، وليس له سَمِيّ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال ﷿: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، فكل هذه النصوص تؤكد أنه لا سبيل إلى معرفة كيفية ذات الله ﷾.","vol":"2","page":71},{"text":"«إلى أن قال: «خلصت له الأسماء السَّنِيَّة (^١) فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفةً كان منها خليًّا، أو اسمًا كان منه بريًّا ﵎».\n<hr><s0>\n\nأي أن الله ﷿ متصف بهذه الصفات أزلًا؛ فهي صفات ثابتة له ﷾ أزلًا، فبالتالي لا يجوز القول بأنها حوادث أو غير ذلك، ولا يجوز فَصْلُها عن ذات الله ﷿.\nالخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:\n١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).\n٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.\n٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها. ٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح (^٢).\n_________\n(^١) من السناء، وهو الجلال والجمال.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.","vol":"2","page":72},{"text":"«فكان هاديًا سيهدي، وخالقًا سيخلق، ورازقًا سيرزق، وغافرًا سيغفر، وفاعلًا سيفعل».\n<hr><s0>\n\nأي أن الله متصف بهذه الصفات أزلًا، فلا يقول قائل مثلًا: إن الله تعالى لم يكن خالقًا حتى خلق الخلق، أو لم يكن رازقًا حتى رزق العباد، بل هذه صفات الله ﷿ هو متصِّف بها أزلًا.\nفلا يجوز القول بأن هذه الصفات حدثت بعد أن لم تكن موجودةً في ذات الله ﷾، وهذا رد على الذين يقولون: إنَّه يلزم من وصف الله ﷿ بالصفات حلول الحوادث في ذاته ﷾!\nفنقول: إن هذه الصفات ما دامت قائمةً بذات الله ﷾، فإن هذا الأمر يدل على أن الله ﷾ متصِّف بها أزلًا.","vol":"2","page":73},{"text":"«ولم يَحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يُسمى به في جملة فعله».\n<hr><s0>\n\nأي: وإن كان الاستواء صفة فِعل، وإن كان الضحك والنزول صفة فعل، لكن الله ﷿ في الأزل عالم بأن هذا الأمر سيكون منه ﷾، فلذلك هذه الصفات تُثْبَت له جميعًا.\nوفي هذا ردٌّ على الأشاعرة الذين يقولون: إن إثبات الصفات الفعلية يَلزم منه حلول الحوادث في ذات الله ﷾.\nوهذا لازم فاسد؛ لأن هناك فرقًا بين ما يكون للمخلوق وبين ما يكون للخالق ﷾؛ فالله ﷾ متصِّف بهذه الصفات أزلًا، فلا يجوز القول بأنها مَجاز في حقه، أو أنه ﷾ يَلزم من وصفه بتلك الصفات أن تَحل الحوادث بذاته ﷾.","vol":"2","page":73},{"text":"كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يَستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فتحسر العقول وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلًا، ولا مُشبهًا، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وَقِفْ عند خبره لنفسه مسلمًا، مُستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير».\n<hr><s0>\n\nثم ذكر المجيء، وذكر قول الله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تَلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ فالله أعلم بكيفية مجيئه، ف «جاء» بمعنى: أنه سيجيئ، قال الله ﷾: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، فبالتالي نؤمن به ونَكِلُ حقيقة علم ذلك إلى الله ﷿؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فيَستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين؛ لا في جانب التعطيل ولا في جانب التشبيه، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وقِف عند خبره لنفسه مُسَلِّمًا، مستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير.\nيعني: لا تفعل فِعل المعطلة الذين نَفَّروا الناس بألفاظهم التي ألصقوها بهذه الصفات، فقالوا: أجزاء وجوارح وأبعاض وحَيز ومكان، وغير ذلك من العبارات المنفِّرة، ولا كذلك تُنَقِّب وتبحث عن كيف نَزَلَ؟ وكيف استوى؟ وكيف ضحك؟ وكيف؟ وكيف؟ فهذا لا سبيل إليه.","vol":"2","page":74},{"text":"«إلى أن قال: «فهو-﵎-القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾، لا الشجرة (^١)».\n<hr><s0>\n\nهذا رَدٌّ على المعتزلة وعلى الأشاعرة الذين يُنكرون أنَّ الله ﷾ كلَّم موسى حقيقةً.\nومعلوم أن الجهمية والمعتزلة يُنكرون صفة الكلام؛ أما الأشاعرة والماتريدية والكلابية فيقولون: كلام الله: معنى نفسي قائم بالذات (^٢)، فعلى زعمهم يُثبتون أصل الكلام، ولكنهم ينفون أن الله ﷾ تكلم بهذه الكلام حقيقة، ويقولون: إنه معنى نفسي قائم بالذات، والله-﷾-جعل القرآن إمَّا عبارة أو حكاية، فالكلابية يقولون: حكاية. والأشاعرة والماتريدية يقولون: عبارة. بمعنى أن هذه الألفاظ ألفاظ جبريل ﵇ عبَّر بها عن مراد الله، وأن الله تعالى لم يَتكلم بها حقيقة.\nولا شك أن هذا الزعم خلاف ما جاءت به النصوص، ويكفينا في هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فالله ﷾ كَلَّم موسى ﵇، والأحاديث في الكلام كثيرة، والقرآن كلام الله ﷿.\n_________\n(^١) أي: في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٣٠].\nوهذا ردٌّ على الجهمية ومتأخري المعتزلة القائلين: إنَّ ابتداء الكلام كان من الشجرة. وهذا وجه من وجوه فساد شبهتهم؛ حيث إن قولهم هذا يَلزم منه أن الشجرة هي القائلة: يا موسى، إني أنا الله رب\nالعالمين! انظر: «مجموع الفتاوي» (٦/ ١٥٣)، و«شرح الطحاوية» (١/ ١٨٢)، و«النونية لابن القيم مع شرحها لهراس» (١/ ١١٤).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٩٢).","vol":"2","page":75},{"text":"«الجائي قبل أن يكون جائيًا (^١) لا أمره، المتجلي لأوليائه في الميعاد؛ فتبيَضُّ به وجوههم، وتَفْلُج (^٢) به على الجاحدين حُجَّتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذى كَلَّم موسى تكليمًا، وأراه مِنْ آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قَرَّبَه نَجِيًّا، تقدس أن يكون كلامه مخلوقًا أو مُحدثًا أو مَربوبًا، والوارث لخلقه (^٣)، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نِعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه- وهو أمره- تعالى وتقدس أن يَحل بجسم، أو يُمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، الشائي له المشيئة، العالِم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا؛ ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة (^٤)، القريب في قُربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يُشبه بالناس».\nإلى أن قال: «﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، القائل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٧: ١٦]؛ تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء؛ جَلَّ عن ذلك علوًّا كبيرًا» (^٥).\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  أي: يُوصف بالمجيء على الوجه اللائق به، وإن لم يقع منه هذا الفعل، لتحقق وقوعه منه، كما قال تعالي: ﴿وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا﴾، وهذا سيكون يوم القيامة، ونظائر هذا كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١]. وأيضًا فكما أنَّه يُوصف بأنه غفور وإن لم يغفر، ورحيم وإن لم يرحم …، فكذلك يُوصف بالمجيء وإن لم يحصل منه هذا الفعل؛ لقدرته على ذلك كله وتحقق وقوعه.\n(^٢) تَظهر وتَقوم.\n(^٣) قال الله تعالي: ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون﴾ [مريم: ٤٠]، وقال جل وعلا: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا وكنا نحن الوارثين﴾ [القصص: ٥٨]. ومعني كونه ﷻ: وارثًا لخلقه: أنه كتب على الخلق جميعًا الفناء والهلاك، ولا يبقى إلا هو سبحانه، فهو وحده الوارث لجميع الخلق.\n(^٤) أي: بالتقرب إليه؛ قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧].\n(^٥) روى أبو نُعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٩١، ٢٩٢) بعض كلامه هذا، والبغدادي في «تاريخه» (١٢/ ٢٢٣/ ٢٢٤)، والسُّلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٢٠٢).","vol":"2","page":76},{"text":"يعني: كذلك لا ننفي ولا نُؤوِّل المجيء بمجيء الأمر.\nفإذًا كل هذا في إثبات حقائق الصفات، وأنها ثابتة لله حقيقة ردًّا على المعتزلة الذين يقولون: سميع بلا سمع، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، خالق بلا خلق. إلى آخر ما قالوه في نفي الصفات.\nفهنا أثبت عمرو بن عثمان المكي هذه الصفات، وبَيَّن أنها ثابتة لله ﷿ حقيقة، كما يشاء ﷾، وكما أخبر الله ﷾ في كتابه وكما جاء على لسان رسوله ﷺ.\nفينبغي على طالب العلم أن يَعتصم بهذه النصوص، وأن يُؤمن ويصدق بها، وأن يُغلق بابين من الشَّرِّ هما: (باب التعطيل، وباب التشبيه)؛ ليَسْلَم بذلك وينجو، ويبقى له باب معرفة الله تعالى صافيًا سليمًا نقيًّا من هذه الشوائب التي حاول هؤلاء إفساده بها، وذلك بإنكارهم لصفات الله ﷿، أو بتأويلها.\nفحافظ عليها-أيها السني-حتى تحَفظ بابَ العلم بالله ﷿، وبالتالي يَسْلَم لك اعتقادك.\nوقد أشار هنا إلى جملة من الصفات كالمجيء، والتجلي، والاستواء، والكلام، والقرب، ووراثة الخلق، والسمع، والبصر، واليدان، والخلق، والمشيئة، والبسط.\nوأشار إلى أتصاف الله بهذه الصفات هو اتصاف حقيقي كما يليق بجلاله ﷾، وأنه لا تعارض بين نصوص العلو والقرب، وأن علوه سبحانه صفة ذاتية لا تنفك عن الذات.","vol":"2","page":77},{"text":"(١٢٩) «وقال الإمام أبو عبد الله؛ الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى: «فَهْم القرآن».\n<hr><s0>\n\nهذا كلام الإمام المحاسبي ﵀، والمحاسبي وإن كان قد أُخِذَ عليه بعضُ الأمور في جوانب العقيدة؛ لأنه كان موافقًا لابن كلاب في مسألة نفي صفات الأفعال الاختيارية، وكذلك في أمورٍ انتقدها عليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وأَمَرَ بهجره، ولكن المعلوم أنه قد يكون عند الإنسان شيء من الخطأ وشيء من الصواب؛ فيُقبل منه ما كان من الصواب والحق لموافقته للحق، ويُردُّ عليه ما كان من باطل لمخالفته للحق.\nوكما هو معلوم أنَّ الحق لا يقوم بالرجال، بل الرجال يقومون بالحق، فمن كتاب الحارث المحاسبي المسمى «فهم القرآن»؛ تكلم عن مسألة: أن النسخ لا يجوز في باب الأخبار، ومعلوم أن النصوص دائرة بين الأخبار والأوامر، فالنسخ إنما يقع في جانب الأمر ولا يقع في جانب الخبر.","vol":"2","page":78},{"text":"«قال في كلامه على<span data-type='title' id=toc-63> الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز في الأخبار».</span>\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-64>تعريف النَّسخ في اللغة:</span>\nالنَّسخ: مصدر للفعل الثلاثي: نسخ، يقال: نسَخت أنسَخ نسخًا، ويأتي بمعان: الإزالة -والإبطال-والنقل والإثبات، والتحويل والتبديل:\nيقول ابن فارس رحمه الله تعالى: \" (نسخ) النون والسين والخاء: أصل واحد، إلا أنه مختلف في قياسه، قال قوم: قياسه: رفع شيء وإثبات غيره مكانه، وقال آخَرون: قياسه: تحويل شيء إلى شيء، قالوا: النَّسخ: نسخ الكتاب، والنَّسخ: أمر كان يُعمَل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره؛ كالآية ينزل فيها أمر ثم تُنسخ بآية أخرى. وكل شيء خلف شيئًا فقد انتسخه، وانتسخت الشمسُ الظلَّ، والشيب الشباب، وتناسخ الورثة: أن يموت ورثةٌ بعد ورثة وأصل الإرث قائم لم يقسم، ومنه: تناسخ الأزمنة والقرون، قال السجستاني: النَّسخ: أن تحول ما في الخلية من العسل والنحل في أخرى، قال: ومنه نسخ الكتاب\" (^١).\nالنَّسخ في الاصطلاح: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخٍ عنه، أو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه.\nوقد اختلف فيه عند الأصوليين على أقوال: فقيل: \"إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله، مع تراخيه عنه على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، وقيل: هو إزالة الحُكم بعد استقراره، وقيل: هو نقل الحكم إلى خلافه .. وقد أبطل الإمام الآمدي هذه الأقوال بوجوه، وأما التعريفُ الذي ارتضاه كثير من الأصوليين-كالآمدي والقاضي أبي بكر الباقلاني والصيرفي وأبي إسحاق الشيرازي وأبي حامد الغزالي وغيرهم -أن النَّسخ هو: \"الخطاب الدال على ارتفاع الحُكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه\" (^٢).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(^٢) الإحكام للآمدي: ٣/ ١١٥.","vol":"2","page":79},{"text":"وقد رد الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى على هذا التعريف من عدة وجوه، ثم ذكر تعاريف أخرَ، وختم بقوله: \"فالأولى أن يقال: هو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه\" (^١).\nوأما تعريف الناسخ: فالناسخ: اسم فاعل من نسخ ينسخ فهو ناسخ، والناسخ حقيقة هو الله تعالى؛ فهو الذي ينسخ ما شاء بما شاء؛ كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾] البقرة: ١٠٦ [\nوقد يطلق الناسخ على النص الذي رفع به الحُكم السابق، سواء كان آية أو حديثًا قوليًّا أو فعليًّا أو تقريريًّا من النبي ﷺ.\nوأما تعريف المنسوخ: فهو اسم مفعول من الفعل الثلاثي نسخ، نُسخ -بالبناء على المجهول-نسخًا، فهو منسوخ.\nوالمراد: الحُكم الشرعي الذي رُفع بدليل شرعي متراخٍ عنه؛ كمصابرة الواحد للعشرة، فهذا حكم منسوخ بمصابرته لاثنين، كما في سورة الأنفال.\nوأما ما يقع فيه النسخ من الشريعة:\n\"فالشريعة نوعان: خبر وأمر.\nأما النوع الأول: فهو الخبر يدخل فيه الماضي والمستقبل والوعد والوعيد، ويشمل ما أخبر الله تعالى به عن ذاته، وصفاته، وأفعاله، وما أخبر أنه كان، أو سيكون من مفعولاته، وما قص علينا من أخبار الأمم الماضية، وأخبار الرسل ودعواتهم، وما فعل بأعدائهم، وما أعده لأوليائهم، ويدخل فيه - أيضا - ما ذكره الله من أخبار خلق السموات والأرض، وما فيها من الأحياء والأشياء، وما ذكره من أخبار الجنة والنار، والحساب والعقاب، والبعث والحشر والجزاء؛ كل هذا ونظيره يدخل في جملة الأخبار، والتي يجب على المسلم مقابلتها بالتصديق والتسليم، ويعلم أنها كلها حق، مطابقة للأمر في نفسه، لا يجوز أن تختلف أو تتعارض - وإن ظهر شيء من ذلك فإنما هو عارض يعرض على الأذهان يزول عند التحقيق، والنظر الدقيق - ومن ثم فلا يجوز أن يدخل أخبار الله تعالى النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة؛ لأنه تعالى إذا أخبر عن شيء فإنما يخبر بعلمه، وعلمه أزلي لا أول له، وهو مطابق للأمر في نفسه، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فلو أخبر عن شيء أنه كان أو سيكون، ثم أخبر بنقيض ذلك أو برفعه، لكان ذلك خلفا\n_________\n(^١) إرشاد الفحول: ٢/ ٥٢.","vol":"2","page":80},{"text":"وكذبا، مستلزما سبق الجهل، وحدوث العلم وتجدده، وهذا مما يعلم ضرورة أن الله تعالى منزه عنه، بل هو من صفات المخلوقين المربوبين، لا من صفات الخالق سبحانه\" (^١)\nقال أبو جعفر النحاس ﵀ -في معرض الرد على من يجوز النسخ في الأخبار -: (وهذا القول عظيم جدا، يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلا لو قال: قام فلان، ثم قال: لم يقم، ثم قال: نسخته لكان كاذبًا) (^٢)\nأما النوع الثاني: -من نوعي الشريعة -فهو الأمر، والنهي منه؛ لأنه أمر بالترك. ويدخل في ذلك العبادات: أصولها وفروعها، وجميع المعاملات، وكذا فضائل الأخلاق.\nوالأمر وإن كان النسخ يدخله في الجملة، لكن تستثنى منه كليات الشريعة، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، فالشريعة مبنية على حفظ هذه الكليات (^٣)، فأصول العبادات: كالصلاة والصوم، والزكاة، والحج، وما يحفظ الضروريات الخمس، وما يحقق العدل والإحسان، وما يجلب الفضيلة، ويدفع الرذيلة، كل ذلك لا يقع فيه النسخ، وإنما يقع في تفاصيل هذه المسائل، وهو ما يتعلق بالهيئات، والكيفيات، والأمكنة، والأزمنة، والأعداد، وهو جزء يسير إذا ما قورن بكليات الشريعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كتاب الله نوعان: خبر وأمر، أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر، ويبين معناه، وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا (^٤) (. (^٥)\n_________\n(^١) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: ٥٧.\n(^٢) الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس: ص (٣).\n(^٣) الموافقات للشاطبي: ٣/ ١٠٤، ١٠٥، ١١٧.\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ٢٠٨.\n(^٥) المصدر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان على حسن؛ ١/ ٢٦٨.","vol":"2","page":81},{"text":"«قال: لا يَحل لأحد أن يعتقد أنَّ مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء.\nإلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عُليا أن يُخبر بعد ذلك أنها دنية سُفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم، ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك».\n<hr><s0>\n\nفضرب الإمام المحاسبي مَثَلًا لعدم جواز النسخ في باب الأخبار بباب الأسماء والصفات، فهو من باب الأخبار لا من باب الأوامر، فلذلك على هذه القاعدة لا يجوز أن يُنسخ من ذلك شيء.\nفإذًا معلوم أن ما أخبر الله ﷿ به في القرآن في موضع يَستحيل أن يَتناقض مع موضع آخر، وكما نعلم أن الله ﷿ وصف كتابه بأنه محكم؛ فقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ومعنى أحكمت: أُتقنت.\nفمن إتقانها: أنك لا تجد فيها تضادًّا ولا اضطرابًا ولا اختلافًا ولا تناقضًا، فيستحيل أن يخبر الله ﷿ عن أمر في موضع وينقضه ويكذبه في موضع آخر.\nوالله ﷿ كذلك وصف القرآن بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، ومعنى متشابهًا أي: متماثلًا متناسبًا، لا اختلاف فيه ولا تضادَّ.\nوهنا مسألة مهمة في معرفة أحوال الفِرَق:\nوهي أن أهل الباطل وأهل البدع على نوعين:\nالنوع الأول: فِرَق أَهلها لهم مُتَمَسَّك ببعض النصوص.\nالنوع الثاني: فرق ليس لهم مستمسك بالنصوص.\nوأما النوع الأول فهناك فِرَق أَهلها لهم مُتَمَسَّك ببعض النصوص، بمعنى: أن أهل هذه الفِرقة يحتجُّون ببعض الآيات؛ كالجبرية؛ إذ تجدهم في باب القَدَر يحتجون بآيات؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يرد الله أن يهديه شرح صدره للإسلام ومَن يرد أن يضلَّه","vol":"2","page":82},{"text":"يجعل صدره ضيِّقا حرجًا كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥].\nفيأتون لمثل هذه الآيات وأشباهها ويستدلون بها على أن العبد مجبور ولا قدرة له ولا اختيار.\nوكذلك القدرية الذين ينكرون قدرة الله ﷿ في فعل العبد، تراهم يَحتج بنصوص الأوامر، ويقولون: كيف يأمر الله ﷿ بأمر، ويكون مع ذلك هو الذي يَخلق هذا الأمر أو يُقَدِّره على عبده؟! فلا بد أن العبد هو الذي يَخلق فعله.\nوهكذا نجد أن بعضًا من أهل الباطل يأتون إلى النصوص فيَبترونها من سياقها، ويحتجُّون بشيء من الآيات ويتركون البعض الآخر، بينما لو جاء هؤلاء إلى بعض النصوص ونظروا فيها نظرةً شاملةً لوجدوا أنها وازنت بين الأمرين؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩: ٢٨]، فإذًا الله ﷿ لا شك أنه كلَّف العباد وأمرهم، ومعلوم أن هذا الأمر فيه قدرة واختيار للعبد.\nوكذلك هذه القدرة لا تَخرج عن قدرة الله ﷿ وإرادته؛ ويُفهم من هذا أن الإرادة نوعان: إرادة كونية قَدَرِيَّة، وإرادة دينية شرعية؛ فالإرادة الكونية القدرية هي التي ذكرها الله ﷾ في مثل قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وأمثاله، فهذا في الإرادة الكونية القدرية، بمعنى: أنه لا يكون في مُلك الله ﷿ ما لا يَشاء وما لا يريد.\nومن مشيئته ﷾: أن جعل للعبد قدرة واختيارًا.\nفإذًا هناك ما يتعلق بخلق الله ﷿ وقَدَره الكوني، وهناك ما يتعلق بأمر الله-﷿-ومشيئته وإرادته الدينية الشرعية، فالله-﷾-أمر بتلك الأوامر الشرعية، ولذلك يقول الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nفهذه إرادة لكنَّها إرادة شرعية؛ لأن أوامر الشرع مَبنية على التيسير.\nفالشاهد من كلامنا: أن هناك بعضًا من أهل البدع يَتمسكون ببعض النصوص وإن كان يَستدلُّون بها في غير موضعها، ويريدون أن يَضربوا القرآن بعضه ببعض.\nوأما النوع الثاني: فهناك بعض أهل البدع ليس لهم متمسك في النصوص أصلًا؛ كنفاة الصفات على اختلاف أنواعهم؛ فهم لا يعتمدون النص أساسًا وأصلًا، وإنما يعتمدون العقل والرأي الذي أحدثوه وابتدعوه، وبالتالي هم لا يعتقدون ولا يعتمدون على النصوص، وإنما يعتمدون على أُسسهم المنطقية الفلسفية، وهؤلاء يأتون إلى نصوص القرآن ويحاولوا أن يُشككوا فيها.","vol":"2","page":83},{"text":"«فإذا عرفتَ ذلك واستيقنته: علمتَ ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تَحسب أنها ناسخة لبعض أخباره؛ كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس: ٩٠] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١].\nوقال: قد تأول قومٌ أنَّ الله عنى أن يُنجيه ببدنه من النار؛ لأنه آمن عند الغرق، وقال: إنما ذكر الله قوم فرعون يدخلون النار دونه، وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]، ولم يقل: بفرعون.\nوقال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]».\n<hr><s0>\n\nتقدم بيان أن النسخ لا يقع في الأخبار وأما ما أثير من شبهة إيمان فرعون فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: ما تقول السادة العلماء ﵃ في قول فرعون عند الغرق (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) سورة يونس: ٩٠؛ هل فيه دليل على إيمانه وإسلامه، وما يجب على من يقول: إنه مات مؤمنًا، والحالة هذه؟\nالجواب:\nالحمد لله.\nكفر فرعون، وموته كافرًا، وكونه من أهل النار؛ هو مما علم بالاضطرار من دين المسلمين. بل ومن دين اليهود والنصارى؛ فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه من أعظم الخلق كفرًا، ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر قصته في بسطها وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره واجترائه، وكونه أشد الناس عذابا يوم القيامة.\nولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره، وكونه من أهل النار؛ فإنه يجب أن يستتاب؛ فإن تاب، وإلا قتل كافرًا مرتدًا فضلًا عمن يقول: إنه مات","vol":"2","page":84},{"text":"مؤمنًا، والشك في كفره أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه، وأعظم من ذلك في أبي جهل وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث ونحوهم ممن تواتر كفرهم، ولم يذكر باسمه في القرآن، وإنما ذكر ما ذكر من أعمالهم؛ ولهذا لم يظهر عن أحد بالتصريح بأنه مات مؤمنًا إلا عمن فيه من النفاق والزندقة أو التقليد للزنادقة والمنافقين ما هو أعظم من ذلك كالاتحادية الذين يقولون: إن وجود الخالق هو وجود الخلق …\nوالمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب فصوص الحكم وصاحب الفتوحات المكية ونحوهم هم الذين يعظمون فرعون، ويدعون أنه مات مؤمنًا، وأن تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم، ويقولون: ليس في القرآن ما يدل على كفره، ويحتجون على إيمانه بقوله: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) سورة يونس: ٩٠.\nوتمام القصة تبين ضلالهم فإنه قال سبحانه: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) سورة يونس: ٩١، وهذا استفهام إنكار وذم، ولو كان إيمانه صحيحًا مقبولًا لما قيل له ذلك.\nوقد قال موسى ﵇: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) سورة يونس: ٨٨. قال الله تعالى: (قد أجيبت دعوتكما) سورة يونس: ٨٩، فاستجاب الله دعوة موسى وهارون، فإن موسى كان يدعو، وهارون يؤمن: أن فرعون وملأه لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.\nوقد قال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) سورة غافر: ٨٢ - ٨٥، فأخبر ﷾ أن الكفار لم يك ينفعهم إيمانهم حين رأوا البأس، وأخبر أن هذه سنته التي قد خلت في عباده ليبين أن هذه عادته سبحانه في المستقدمين والمستأخرين، كما قال ﷾: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) سورة النساء: ١٨.","vol":"2","page":85},{"text":"ثم إنه ﷾ قال بعد قوله: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) سورة يونس: ٩١ - ٩٢، فجعله الله تعالى عبرة وعلامة لمن يكون بعده من الأمم لينظروا عاقبة من كفر بالله تعالى؛ ولهذا ذكر الله تعالى الاعتبار بقصة فرعون وقومه في غير موضع …\nوقد قال ﷾: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) سورة ق: ١٢ - ١٤، فأخبر سبحانه أن كل واحد من هؤلاء المذكورين فرعون وغيره كذب الرسل كلهم …\nولو كان [مؤمنًا] لم يعاقب على ما تقدم من كفره، ولم يكن عقابه عبرة. بل من آمن غفر الله له ما سلف، ولم يذكره بكفر، ولا بذم أصلًا. بل يمدحه على إيمانه، ويثني عليه، كما أثنى على من آمن بالرسل، وأخبر أنه نجاهم …\nوفرعون هو أكثر الكفار ذكرًا في القرآن، وهو لا يذكره سبحانه إلا بالذم والتقبيح واللعن، ولم يذكره بخير قط، وهؤلاء الملاحدة المنافقون يزعمون أنه مات طاهرًا مطهرًا ليس فيه شيء من الخبث …\nوإخباره ﷾ عن تكذيب فرعون وغير ذلك من أنواع كفره كثير في القرآن، وكذلك إخباره عن عذابه في الآخرة، فإن هؤلاء الملاحدة يزعمون أنه ليس في القرآن آية تدل على عذابه، ويقولون: إنما قال سبحانه: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود) سورة هود: ٩٨، قالوا: فأخبر أنه يوردهم، ولم يذكر أنه دخل معهم.\nقالوا: وقد قال: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) سورة غافر: ٤٦، فإنما يدخل النار آل فرعون لا فرعون.\nوهذا من أعظم جهلهم وضلالهم؛ فإنه حيث ذكر في الكتاب والسنة (آل فلان) كان فلان داخلًا فيهم، كقوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) سورة آل عمران: ٣٣، وقوله: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) سورة القمر: ٣٤، وقوله: (سلام على إل ياسين) سورة الصافات: ١٣٠، وقول النبي ﷺ: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وقوله: (لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود) …\nوقوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) سورة غافر: ٤٦؛ متناول له ولهم باتفاق المسلمين، وبالعلم الضروري من دين المسلمين …","vol":"2","page":86},{"text":"وقد قال: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) سورة القصص: ٣٩ - ٤٢، وهذا تصريح بأنه نبذه وقومه في اليم عقوبة [على الظلم] الذي هو الكفر، وأنه أتبعه وقومه في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين؛ هو وقومه جميعًا، وهذا موافق لقوله: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) سورة هود: ٩٦ - ٩٩، فأخبر سبحانه أنهم اتبعوا أمره، وأنه يقدمهم؛ لأنه إمامهم، فيكون قادمًا لهم، لا سائقًا لهم، وأنه يوردهم النار، فإذا كان التابع قد ورد النار؛ فمعلوم أن القادم الذي يقدمه، وهو متبوعه؛ ورد قبله؛ ولهذا قال بعد ذلك: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) سورة القصص: ٤٢، والتابع والمتبوع كما قال الله تعالى في تلك السورة عن فرعون وقومه: (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) سورة هود: ٩٩.\nوالكلام في هذا مبسوط لم تحتمل هذه الورقة إلا هذا، والله أعلم.\nوقال أيضًا: وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية-الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته-: أن فرعون كان مؤمنًا، وأنه لا يدخل النار، وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على عذابه. بل فيه ما ينفيه، كقوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)؛ قالوا: فإنما أدخل آله دونه.\nوقوله: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار)؛ قالوا: إنما أوردهم، ولم يدخلها.\nقالوا: ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، ووضع جبريل الطين في فمه؛ لا يرد إيمان قلبه.\nوهذا القول كفر معلوم فساده بالاضطرار من دين الإسلام، لم يسبق ابن عربي إليه-فيما أعلم-أحد من أهل القبلة؛ بل ولا من اليهود، ولا من النصارى؛ بل جميع أهل الملل مطبقون على كفر فرعون.\nقوله: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين)؛","vol":"2","page":87},{"text":"فأخبر سبحانه … أنه أتبعهم في الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين؛ فهذا نص في أن فرعون من الفاسقين المكذبين لموسى الظالمين الداعين إلى النار الملعونين في الدنيا بعد غرقهم، المقبوحين في الدار الآخرة، وهذا نص في أن فرعون بعد غرقه ملعون، وهو في الآخرة مقبوح غير منصور، وهذا إخبار عن غاية العذاب، وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن، وهو قوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) وهذا إخبار عن فرعون وقومه؛ أنه حاق بهم سوء العذاب في البرزخ، وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب، وهذه الآية إحدى ما استدل به العلماء على عذاب البرزخ.\nوإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال: لما سمعوا (آل فرعون) فظنوا أن فرعون خارج منهم؛ وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل فرعون داخل في (آل فرعون) بلا نزاع بين أهل العلم بالقرآن واللغة … (^١)\nوقال أيضًا: وقال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارًا في الأرض) إلى قوله: (سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل أنهم آمنوا عند رؤية البأس، وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ، وأن هذه سنة الله الخالية في عباده.\nوهذا مطابق لما ذكره الله في قوله لفرعون: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار؛ أي: الآن تؤمن، وقد عصيت قبل؟! فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعًا أو مقبولًا، فمن قال: إنه نافع مقبول؛ فقد خالف نص القرآن، وخالف سنة الله التي قد خلت في عباده. يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولًا؛ لدفع عنه العذاب، كما دفع عن قوم يونس، فإنهم لما قبل إيمانهم؛ متعوا إلى حين، فإن الإغراق هو عذاب على كفره، فإذا لم يكن كافرًا؛ لم يستحق عذابًا.\nوقوله بعد هذا: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) يوجب أن يعتبر من خلفه، ولو كان إنما مات مؤمنًا؛ لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه وإغراقه.\n_________\n(^١) الفتاوى (٢/ ٢٧٩).","vol":"2","page":88},{"text":"وأيضًا فإن النبي ﷺ لما أخبره ابن مسعود بقتل أبي جهل قال: (هذا فرعون هذه الأمة) فضرب النبي ﷺ المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى.\nفهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر؛ فكيف يكون قد مات مؤمنًا؟ ومعلوم أن من مات مؤمنًا؛ لا يجوز أن يوسم بالكفر، ولا يوصف؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبي حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ في تارك الصلاة: (يأتي مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: (٢/ ٢٨٤)","vol":"2","page":89},{"text":"«وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]، فأقرَّ التلاوة على استئناف العِلم من الله ﷿ عن أن يستأنف علمًا بشيء؛ لأنَّه مَنْ ليس له علم بما يريد أن يَصنعه لم يقدر عليه أن يصنعه نجده ضرورةً.\nقال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، إنما يريد حتى نراه، فيكون معلومًا موجودًا؛ لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدومًا من قبل أن يكون، ويعلمه موجودًا كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معدومًا موجودًا وإن لم يكن، وهذا المحال.\nوذكر كلامًا في هذا في الإرادة.\nإلى أن قال: وكذلك قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، ليس معناه أن يحدث له سمعًا، ولا تكلف لسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قومٌ من أهل السنة أن لله استماعًا حادثًا في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أُذنه من الصوت، وكذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، لا يستحدث بصرًا محدثًا في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكونًا كما لم يزل يعلم قبل كونه».\n<hr><s0>\n\nذكر شيخ الإسلام كلام المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، فقال: \"روي عن ابن عباس: أي لنرى، ورُوي \"لنَمِيز\"، وهكذا قال عامة المفسِّرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان عالِمًا أنه سيكون، ولفظُ بعضهم قال: العلم على منزلتين؛ علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده (^١)، والحكمُ للعِلم به بعد وجوده؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب،\n_________\n(^١) وهذا النقل يوضِّح المسألة بجلاء لا مراء فيه أن علم الله على منزلتَين أو على نوعَين؛ علم أزلي، وعلم مُتجدِّد.","vol":"2","page":90},{"text":"قال: فمعنى قوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾؟ أي: لنعلم العلم الذي يستحقُّ به العاملُ الثوابَ والعقاب، ولا ريب أنه كان عالِمًا-سبحانه-أنه سيكون، ولكن لم يكن المعلومُ قد وُجِد، وهذا كقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس: ١٨) أي بما لم يوجد؛ فإنه لو وجد لعَلِمه، فعِلمُه بأنه موجود ووجودُه متلازمان، يلزمُ من ثبوت أحدهما ثبوتُ الآخر، ومن انتفائه انتفاؤُه (^١) \".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَعِلْمُ اللَّهِ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ يَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرَ الْعِلْمِ بَلْ أَيُّ شَيْءٍ وَقَعَ كَانَ هُوَ الْمَعْلُومُ وَالْعَبْدُ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءِ يُغَيِّرُ الْعِلْمَ؛ بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ مَا لَمْ يَقَعْ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقَعُ لَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ. وَإِذَا قِيلَ: فَمَعَ عَدَمِ وُقُوعِهِ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَلَوْ قَدَرَ الْعَبْدُ عَلَى وُقُوعِهِ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْعِلْمِ. قِيلَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ الْعَبْدُ يَقْدِرُ عَلَى وُقُوعِهِ وَهُوَ لَمْ يُوقِعْهُ وَلَوْ أَوْقَعَهُ لَمْ يَكُنْ الْمَعْلُومُ إلَّا وُقُوعَهُ فَمَقْدُورُ الْعَبْدِ إذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ الْمَعْلُومُ إلَّا وُقُوعَهُ فَإِذَا وَقَعَ كَانَ اللَّهُ عَالِمًا أَنَّهُ سَيَقَعُ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ كَانَ اللَّهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ أَلْبَتَّةَ فَإِذَا فُرِضَ وُقُوعُهُ مَعَ انْتِفَاءٍ لَازِمِ الْوُقُوعِ صَارَ مُحَالًا مِنْ جِهَةِ إثْبَاتِ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ وَكُلُّ الْأَشْيَاءِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هِيَ مُحَالٌ. وَمِمَّا يَلْزَمُ هَؤُلَاءِ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ إلَّا الرَّبُّ؛ فَإِنَّ الْأُمُورَ نَوْعَانِ:\n\"نَوْعٌ \" عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ\nو\" نَوْعٌ \" عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ.\nف \" الْأَوَّلُ \" لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ.\nو\" الثَّانِي \" لَا يَقَعُ أَلْبَتَّةَ.\nفَمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَقَعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقَعُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَشَاؤُهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.\nوَأَمَّا \" الْمُعْتَزِلَةُ \" فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ وَأُولَئِكَ \" الْمُجْبِرَةُ \" فِي جَانِبٍ وَهَؤُلَاءِ فِي جَانِبٍ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ.\nوَمَا يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ بِاخْتِيَارِهِمْ يَعْلَمُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِقُدْرَتِهِمْ وَمَشِيئَتِهِمْ وَمَا لَمْ\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين (ص: ٤٦ - ٤٨ (.","vol":"2","page":91},{"text":"يَفْعَلُوهُ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوهُ لِعَدَمِ إرَادَتِهِمْ لَهُ لَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْخَالِقُ لِلْعِبَادِ وَلِقُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لِلرَّبِّ وَلَيْسَ هَذَا مَقْدُورًا بَيْنَ قَادِرِينَ بَلْ الْقَادِرُ الْمَخْلُوقُ هُوَ وَقُدْرَتُهُ وَمَقْدُورُهُ مَقْدُورٌ لِلْخَالِقِ مَخْلُوقٌ لَهُ. و\" الْمَقْصُودُ هُنَا \" أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ حَقٌّ وَالنَّسْخُ فِيهَا هُوَ رَفْعُ فَهْمِ مَنْ فَهِمَ مِنْ الْآيَةِ مَا لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ فَمَنْ فَهِمَ أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّفُ نَفْسًا مَا لَا تَسَعُهُ فَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ فَهْمَهُ وَظَنَّهُ وَمَنْ فَهِمَ مِنْهَا أَنَّ الْمَغْفِرَةَ وَالْعَذَابَ بِلَا حِكْمَةٍ وَعَدْلٍ فَقَدْ نَسَخَ فَهْمَهُ وَظَنَّهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ رَدٌّ لِلْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ رَدٌّ لِلثَّانِي وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ كَقَوْلِهِ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ عَلَّمَنَا أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنْ تَابَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الْآيَةَ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحَاسِبُ بِمَا فِي النُّفُوسِ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا. و\" الْمُحَاسَبَةُ \" تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يُحْسَبُ وَيُحْصَى. وَأَمَّا \" الْمَغْفِرَةُ وَالْعَذَابُ \" فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ الْكُفْرُ وَبُغْضُ الرَّسُولِ وَبُغْضُ مَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ - وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا الَّذِينَ لَمْ يَرْتَابُوا - عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَا تَتَكَلَّمُ بِهِ أَوْ تَعْمَلُ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ الَّذِي يَهِمُّ بِالْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ وَاَلَّذِي يَهِمُّ بِالسَّيِّئَةِ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا) إذَا كَانَ مُؤْمِنًا مِنْ عَادَتِهِ عَمَلُ الْحَسَنَاتِ وَتَرْكُ السَّيِّئَاتِ فَإِنْ تَرَكَ السَّيِّئَةَ لِلَّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ فَإِذَا أَبْدَى الْعَبْدُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ الشَّرِّ بِقَوْلِ أَوْ فِعْلٍ صَارَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الذَّمَّ وَالْعِقَابَ\" (^١)\nقال ابن حجر: «بدا لله أن يبتليهم» (^٢)؛ أي: سبَق في علم الله، فأراد إظهاره،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٤ - ١٠٧\n(^٢) يشير بذلك للحديث الوارد عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ ثَلَاثَةً في بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، بَدَا لِلَّهِ ﷿ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فأتَى الأبْرَصَ، فَقالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عنْه، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الإبِلُ، أَوْ قالَ: البَقَرُ، هو شَكَّ في ذلكَ: إنَّ الأبْرَصَ، وَالأقْرَعَ، قالَ أَحَدُهُما الإبِلُ، وَقالَ الآخَرُ: البَقَرُ -، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقالَ: يُبَارَكُ لكَ فِيهَا وَأَتَى الأقْرَعَ فَقالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هذا، قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قالَ: فأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: البَقَرُ، قالَ: فأعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقالَ: يُبَارَكُ لكَ فِيهَا، وَأَتَى الأعْمَى فَقالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ به النَّاسَ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قالَ: فأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ الغَنَمُ: فأعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هذانِ وَوَلَّدَ هذا، فَكانَ لِهذا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهذا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهذا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ، ثُمَّ إنَّه أَتَى الأبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ اليومَ إِلَّا باللَّهِ ثُمَّ بكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ، وَالجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عليه في سَفَرِي، فَقالَ له: إنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقالَ له: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فقِيرًا فأعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقالَ: لقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عن كَابِرٍ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إلى ما كُنْتَ، وَأَتَى الأقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ له: مِثْلَ ما قالَ لِهذا، فَرَدَّ عليه مِثْلَ ما رَدَّ عليه هذا، فَقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إلى ما كُنْتَ، وَأَتَى الأعْمَى في صُورَتِهِ، فَقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ اليومَ إِلَّا باللَّهِ ثُمَّ بكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بهَا في سَفَرِي، فَقالَ: قدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفقِيرًا فقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ ما شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لا أَجْهَدُكَ اليومَ بشيءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقالَ أَمْسِكْ مَالَكَ، فإنَّما ابْتُلِيتُمْ، فقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ علَى صَاحِبَيْكَ. صحيح البخاري: ٣٤٦٤","vol":"2","page":92},{"text":"وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خفيًّا؛ لأن ذلك محالٌ في حق الله -تعالى-ولا حاجة لهذه التأويلات؛ فإن معنى «بدا لله»؛ أي: ظهر لله ما كان يعلمه-سبحانه-لا أنه ظهر له بعدما كان خفيًّا، وليس هذا بَداءً يخالف العلمَ القديم، كما قاله بعض غلاة الرافضة، وفي هذا الحديث دلالةٌ على تجدُّد علم الله-سبحانه-بعد حُدوث الحوادث.","vol":"2","page":93},{"text":"«إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، الآية، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].\nوذكر الآلهة أن لو كان آلهة لابْتَغَوا إلى ذي العرش سبيلًا إلى طلبه حيث هو، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، أي طلبه، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].\nقال أبو عبد الله: فلن يُنسخ ذلك أبدًا.\nكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك.\nواعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لاستفالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك، وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا، كما هو على العرش، ولا فرق بين ذلك عندهم، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل مَنْ يُثبت شيئًا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغنِ عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات: أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا ثم نفوا معنى ما أثبتوا، فقالوا: لا كالشيء في الشيء».\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"2","page":94},{"text":"الذين خاضوا في مسألة نصوص العلو والمعية والقرب والجمع بينهما من المخالفين يمكن تقسيمهم إلى طائفتين (^١).\nالطائفة الأولى: النجارية وَكَثِيرٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة.\nقولهم: هم على قسمين:\n١ - عُبَّادُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.\n٢ - أَهْلُ الْوَحْدَة يَقُولُونَ: إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَمَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مُرَكَّبًا مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.\nموقفهم من النصوص: هُمْ يَحْتَجُّونَ بِنُصُوصِ \" الْمَعِيَّةِ وَالْقُرْبِ \"؛ وَيَتَأَوَّلُونَ نُصُوصَ \" الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ فهم تَرَكَوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَوا بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِم مَعَانِيهَا.\nالطائفة الثانية: جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني، وزهير الأثري، وأصحابهما (^٢)، وهو موجود في كلام السالمية كأبي طالب المكي وأتباعه كأبي الحكم برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (^٣)\nقولهم: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.\nفهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٤).\nوالفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٦ - ٢٣١ بتصرف.\n(^٢) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩)\n(^٤) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).","vol":"2","page":95},{"text":"ويزعم أصحاب هذا القول إنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.\nوموقفهم من نصوص الصفات: يَقُولُون: نحن نقِرُّ بِهَذِهِ \"لنُّصُوصِ وَهَذِهِ لَا نصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهِ.\nوَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فهم يَقُولُون: أَنَا اتَّبَعَنا النُّصُوصَ كُلَّهَا لَكِنَّهُم غالطوا أَيْضًا. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ \" الصُّوفِيَّةِ \" حَتَّى صَاحِبُ \" مَنَازِلِ السَّائِرِينَ \" فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. سُئِلَ \" الْجُنَيْد \" عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ \"فَلَا يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَالشِّيعَةِ فِي أَئِمَّتِهَا؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ يُنْكِرُ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيِ الْحُلُولِ وَمَا قَالُوهُ فِي إثْبَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا مَعْرِفَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا كَمَّلَهَا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ.\nالرد عليهم:\nإنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.\nأما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف","vol":"2","page":96},{"text":"للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة \"المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.\nوأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات \"أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.\nفإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.\nوإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>القول الحق في هذه المسألة</span>\nوقد رد سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ على هاتين الطائفتين وأَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُمْ مِنْهُ بَائِنُونَ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ الْعِبَادِ عُمُومًا بِعِلْمِهِ وَمَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مُجِيبٌ.\nموقفهم من نصوص من نصوص صفات العلو والمعية والقرب أنهم يؤمنون بجميع نصوص الصفات ولا يرون أن بينها أي تعارض فأَثْبَتُوا وَآمَنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلْكَلِمِ\nفإجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: \"كنا والتابعون متوافرون\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).","vol":"2","page":97},{"text":"نقول: إن الله-تعالى-ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته\" (^١).\nوقال أبو نصر السجزي: \"فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله-سبحانه-بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش\" (^٢).\nوقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: \"وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه\" (^٣).\nوكلام السلف من الصحابة والتابعين، من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد \"نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك (^٤)، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" وكذلك الذهبي في كتابيه \"العلو\" و\"العرش\".\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٦٥). وأخرجه ابن بطة في الشرح والإبانة (ص ٢٢٩). وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية، انظر مجموع الفتوى (٥/ ٣٩)، وصحح إسناده.\nوقال: \"وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك\". وأخرجه الذهبي في السير (٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٨/ ٤٠٢). وأورده في تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٩ - ١٨٠)، وفي الأربعين (ص ٤٢، برقم ١٣). وفي العلو (ص ١٠٢)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات. وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣١، ١٣٥) وصحح إسناده، وقال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٢٣ ورواته أئمة ثقات. وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٦)\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل\": (٦/ ٢٥٠).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل\": (٦/ ٢٥٠).\n(^٤) انظر: \"مجموع الفتاوى\": (٥/ ٦).","vol":"2","page":98},{"text":"«قال أبو عبد الله: أمَّا قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١]، و﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ [التوبة: ٩٤]، و﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُون﴾ [الشعراء: ١٥]، فإنما معناه: حتى يكون الموجود فيعلمه موجودًا، ويسمعه مسموعًا، ويبصره مبصرًا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾ [الإسراء: ١٦]، إذا جاء وقت كون المراد فيه».\n<hr><s0>\n\nتقدم الحديث عن هذه المسألة قبل قليل ونقل كلام شيخ الإسلام والإمام ابن حجر العسقلاني فيها.","vol":"2","page":99},{"text":"«وأن قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، فهذا وغيره مثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، هذا منقطع يُوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول في خلقه، لا يخفي عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أن ذاته بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، يعني فوق العرش، والعرش فوق السماء؛ لأن مَنْ قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء، وقد قال مثل ذلك في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها. وكذلك قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، يعني على الأرض لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، يعني: فوقها عليها.\nوقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ثم فصل فقال: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾، ولم يصل، فلم يكن لذلك معنى إذ فصل بقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ثم استأنف التخويف بالخسف إلا أنه على عرشه فوق السماء.\nوقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه﴾ [المعارج: ٤]، فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقتَ صعودها بالارتفاع صاعدةً إليه، فقال: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، فقال: صعودها إليه، وفصله من قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، كقول القائل: اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم، وذلك أنه في العلو وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله ﷿، وإن كانوا لم يروه، ولم يُساووه في الارتفاع في علوه، فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، ولم يقل: عنده.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"2","page":100},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٧: ٣٦]، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧]، فيما قال لي: إنَّ إلهه فوق السموات.\nفبَيَّنَ الله ﷾ أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال، وعمد لطلبه حيث قاله من الظن بموسى أنَّه كاذب، ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته، لطلبه في بيته أو في بدنه، أو في وحشه؛ فتعالى الله عن ذلك، ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح».\n<hr><s0>\n\nأشار هنا إلى تنوع سياقات الآيات ودلالتها في إثبات صفة العلو وقد سبق الإشارة إلى ذلك فالقرآن الكريم من أوله إلى آخره مليء بما هو إما نص ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه عال على خلقه ومستو على عرشه، وقد تنوعت تلك الدلالات، فوردت بأصناف من العبارات، فقد أشار العلماء إلى ذلك التنوع في العبارة على إثبات هذه الصفة، ومن ذلك:\n١ - التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].\n٢ - ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].\n٣ - التصريح بالعروج إليه، نحو ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوُحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].\n٤ - التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلكَلِمُ الطّيّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\n٥ - التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنّي مُتَوفَيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\n٦ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو، ذاتًا، وقدرًا، وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.\n٧ - التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢]. وهذا يدل على شيئين:\nالأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره.","vol":"2","page":101},{"text":"الثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.\n٨ - التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقوله ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا.\n٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:\nإما أن تكون «في» بمعنى «على».\nوإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.\n١٠ التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة.\n١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (^١).\nوفي قوله ﷾: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ -بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه.\nوكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه.\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٤ - ٣١٧).","vol":"2","page":102},{"text":"«قال أبو عبد الله: وأما الآية التي يزعمون أنه قد وصلها- ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، فأخبر بالعلم، ثم أخبر أنه مع كل مُنَاجٍ، ثم ختم الآية بالعلم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]؛ فبدأ بالعلم، وختم بالعلم، فبين أنه أراد أنه يَعلمهم حيث كانوا؛ لا يخفون عليه، ولا يَخفى عليه مناجاتهم ولو اجتمع القوم في أسفل وناظر إليهم في العلو، فقال: إني لم أزل أَرَكُم، وأعلم مناجاتكم لكان صادقًا-ولله المثل الأعلى أن يُشبه الخلق-فإن أبَوْا إلا ظاهر التلاوة، وقالوا: هذا منكم دعوى، خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن مَنْ هو مع الاثنين أو أكثر هو معهم لا فيهم، ومَن كان مع الشيء فقد خلا منه جسمه. وهذا خروج من قولهم».\n<hr><s0>\n\nوالمراد بآيات المعية العامة وقد وردت في موضعين من القرآن -كما سيأتي- أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، فهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nفالله ﷾ قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر (^١)، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٣)، و(٥/ ٥١٩)، و(١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٤).","vol":"2","page":103},{"text":"وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية.\nوكذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nفظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله ﵎ واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع تعالى في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض البتة، وهو كقوله ﷺ في حديث الأوعال: \"والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه\".","vol":"2","page":104},{"text":"«وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد».\n<hr><s0>\n\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"إن هذه الآية لا تخلوا من أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك.\nفإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].\nأما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية دل على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ \" (^١).\n_________\n(^١) الفتاوى (٦/ ١٩ - ٢٠).","vol":"2","page":105},{"text":"«وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، لم يقل في السماء ثم قطع، كما قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ثم قطع فقال: ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾؛ إله أهل السماء وإله أهل الأرض، وذلك موجود في اللغة؛ تقول: فلان أمير في خراسان وأمير في بلخ، وأمير في سمرقند، وإنما هو في موضع واحد، ويَخفى عليه ما وراءه، فكيف العالي فوق الأشياء لا يَخفي عليه شيء من الأشياء يُدَبِّره، فهو إله فيهما إذا كان مُدبرًا لهما، وهو على عرشه وفوق كل شيء تعالى عن الأمثال» (^١).\n<hr><s0>\n\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض.\nقال ابن عبد البر: \"فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير\" (^٢).\nوقال الآجري: \"وقوله ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء\" (^٣).\nوروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: \"هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض\" (^٤).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿هُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقد فسرها أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض (^٥).\n_________\n(^١) انظر: كتاب «فهم القرآن» (ص ٢٢٣ - ٣٥٦)، طبع مع كتاب «العقل» كلاهما للحارث المحاسبي.\n(^٢) التمهيد (٧/ ١٣٤).\n(^٣) الشريعة (٣/ ١١٠٤).\n(^٤) الشريعة (٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥).\n(^٥) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٩٢ - ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).","vol":"2","page":106},{"text":"وقال الآجري: \"وعند أهل العلم من أهل الحق ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون﴾ هو كما قال الحق ﴿يَعْلَمُ سِرّكُمْ﴾ فما جاءت به السنن أن الله ﷿ على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون\" (^١).\n_________\n(^١) الشريعة (٣/ ١١٠٤).","vol":"2","page":107},{"text":"«وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاتِه حَسَنة عُليا أن يُخبر بعد ذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم، ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض ولا على العرش جل وعلا عن ذلك».\n<hr><s0>\n\nوصف الله نفسه في عدة آيات من كتابه العزيز بأن له الكمال الأعلى في ذاته وصفاته ومن تلك الآيات:\nا-قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله (^١).\nوالآية: في تفسيرها وجهان:\nالأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل \"المثل \"في الكلام توكيدًا للكلام.\nوالثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون \"الكاف\" هي المدخلة في الكلام توكيدًا (^٢) وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر (^٣).\nوقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (^٤).\n٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾:\nقال ابن جرير الطبري في تفسيرها: \"فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه\" (^٥).\nوقال ابن كثير: \"أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٨\n(^٢) تفسير الطبري ٢٥/ ١٢ - ١٣\n(^٣) شرح الطحاوية ص ١٤٦\n(^٤) شرح الطحاوية ص ٩٩\n(^٥) تفسير الطبري ١٤/ ١٤٨\n(^٦) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٨","vol":"2","page":108},{"text":"٣ - وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^١).\n٥ - وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا (^٢).\nوكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (^٣).\n٦ - وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير.\n٧ - وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص (^٤).\nففي القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، و(الأعلى): صيغة أفعل التَّفضيل، أي: أعلى من غيره (^٥).\nومعناها كما قال القرطبي: «أي: الوصف الأعلى» (^٦)، وقال ابن كثير: «أي: الكمال المطلق من كل وجه» (^٧)، وقال ابن سعدي: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل\n_________\n(^١) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤\n(^٢) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦\n(^٣) تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣١\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٦/ ٩٩\n(^٥) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).\n(^٦) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).\n(^٧) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٣).","vol":"2","page":109},{"text":"صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه» (^١).\nلذا قال الإمام ابن القيم: «المَثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العِلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها …» (^٢).\nفالله تعالى وصف نفسه بأنَّ له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل-كان له المثل الأعلى، وكان أحق به مَنْ كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مِثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه؛ فتأمله فإنَّه في غاية الظهور والقوة» (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الْكَمَالَ ثَابِتٌ لِلَّهِ بَلْ الثَّابِتُ لَهُ هُوَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنْ الأكملية بِحَيْثُ لَا يَكُونُ وُجُودُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ إلَّا وَهُوَ ثَابِتٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى يَسْتَحِقُّهُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَثُبُوتُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ نَفْيَ نَقِيضِهِ؛ فَثُبُوتُ الْحَيَاةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْتِ وَثُبُوتُ الْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْجَهْلِ وَثُبُوتُ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْعَجْزِ وَأَنَّ هَذَا الْكَمَالَ ثَابِتٌ لَهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ مَعَ دَلَالَةِ السَّمْعِ عَلَى ذَلِكَ.\nوَدَلَالَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْأُمُورِ (نَوْعَانِ:\nأَحَدُهُمَا: خَبَرُ اللَّهِ الصَّادِقُ فَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ \"اللَّهُ بِهِ. وَالثَّانِي: دَلَالَةُ الْقُرْآنِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَبَيَانِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ. فَهَذِهِ دَلَالَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَهِيَ \" شَرْعِيَّةٌ \" لِأَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهَا وَأَرْشَدَ إلَيْهَا؛ وَ\" عَقْلِيَّةٌ \" لِأَنَّهَا تُعْلَمُ صِحَّتُهَا بِالْعَقْلِ.\nوَلَا يُقَالُ: إنَّهَا لَمْ تُعْلَمْ إلَّا بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ وَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِالشَّيْءِ وَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ: صَارَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِخَبَرِهِ. وَمَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِهِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ فَيَصِيرُ ثَابِتًا\n_________\n(^١) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).\n(^٢) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.\n(^٣) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٢)، و«شرح الطحاوية» (ص ١٤٤).","vol":"2","page":110},{"text":"بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي تُسَمَّى \" الدَّلَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ \".\nوَثُبُوتُ مَعْنَى الْكَمَالِ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِعِبَارَاتِ مُتَنَوِّعَةٍ دَالَّة عَلَى مَعَانِي مُتَضَمِّنَةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى.\nفَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إثْبَاتِ الْحَمْدِ لَهُ وَتَفْصِيلِ مَحَامِدِهِ وَأَنَّ لَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى وَإِثْبَاتِ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: كُلُّهُ دَالٌّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.\nوَقَدْ ثَبَتَ لَفْظُ \" الْكَامِلِ \" فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أَنَّ \" الصَّمَدَ \" هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْكَمَالِ وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ وَالْحَكَمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حُكْمِهِ وَالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ وَالْجَبَّارُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَبَرُوتِهِ وَالْعَالِمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَهُوَ الشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَهُوَ اللَّهُ ﷾\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي الْكَمَالِ فِي مِثْلِ:\nقَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾؟ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْخَلْقَ صِفَةُ كَمَالٍ وَأَنَّ الَّذِي يَخْلُقُ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي لَا يَخْلُقُ وَأَنَّ مَنْ عَدَلَ هَذَا بِهَذَا فَقَدْ ظَلَمَ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ كَوْنَهُ مَمْلُوكًا عَاجِزًا صِفَةُ نَقْصٍ، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ وَالْمِلْكَ وَالْإِحْسَانَ صِفَةُ كَمَالٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِثْلُ هَذَا وَهَذَا لِلَّهِ وَذَاكَ لِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ. فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ الْفِعْلِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. وَالْآخَرُ الْمُتَكَلِّمُ الْآمِرُ بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَهُوَ عَادِلٌ فِي أَمْرِهِ مُسْتَقِيمٌ فِي فِعْلِهِ. فَبَيَّنَ أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالْكَلَامِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَدْلِ وَالْعَمَلِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا وَقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا. فَالْمَحْمُودُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٦/ ٧٠ - ٧٢.","vol":"2","page":111},{"text":"هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْحَمْدَ فَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَالْعَاجِزُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي \"مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يَقُولُ تَعَالَى: إذَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ بِأَنَّ الْمَمْلُوكَ يُشَارِكُ مَالِكَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّقْصِ وَالظُّلْمِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِي وَأَنَا أَحَقُّ بِالْكَمَالِ وَالْغِنَى مِنْكُمْ؟ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِكُلِّ كَمَالٍ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ بِنْتٌ فَيَعُدُّونَ هَذَا نَقْصًا وَعَيْبًا. وَالرَّبُّ تَعَالَى أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ مِنْكُمْ؛ فَإِنَّ لَهُ \" الْمَثَلَ الْأَعْلَى \" فَكُلُّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ: فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِثُبُوتِهِ مِنْهُ إذَا كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ النَّقْصِ وَكُلُّ مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ الْمَخْلُوقُ مِنْ نَقْصٍ وَعَيْبٍ: فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِتَنْزِيهِهِ عَنْهُ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَالِمَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَصِيرَ أَكْمَلُ وَالنُّورَ أَكْمَلُ وَالظِّلَّ أَكْمَلُ؛ وَحِينَئِذٍ فَالْمُتَّصِفُ بِهِ أَوْلَى. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ فَدَلَّ \"ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ التَّكَلُّمِ وَالْهِدَايَةِ نَقْصٌ وَأَنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَيَهْدِي: أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَهْدِي وَالرَّبُّ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ","vol":"2","page":112},{"text":"بِمَا هُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطْرِ أَنَّ الَّذِي يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِمَّنْ لَا يَهْتَدِي إلَّا أَنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ؛ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْهَادِي بِنَفْسِهِ هُوَ الْكَامِلُ؛ دُونَ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إلَّا بِغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْهَادِي لِغَيْرِ الْمُهْتَدِي بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْأَكْمَلُ.\nوَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ الْقَوْلُ وَيَمْلِكُ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ: أَكْمَلُ مِنْهُ.\nوَقَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّمِيعَ الْبَصِيرَ الْغَنِيَّ أَكْمَلُ وَأَنَّ الْمَعْبُودَ يَجِبُ أَنْ \"يَكُونَ كَذَلِكَ. وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ مِنْ وَصْفِ الْأَصْنَامِ بِسَلْبِ \" صِفَاتِ الْكَمَالِ \" كَعَدَمِ التَّكَلُّمِ وَالْفِعْلِ وَعَدَمِ الْحَيَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ مُنْتَقِصٌ مَعِيبٌ كَسَائِرِ الْجَمَادَاتِ وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تُسْلَبُ إلَّا عَنْ نَاقِصٍ مَعِيبٍ وَأَمَّا \" رَبُّ الْخَلْقِ \" الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ فَهُوَ أَحَقُّ الْمَوْجُودَاتِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي الْمُتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَاَلَّذِي لَا يَتَّصِفُ بِهَا؛ وَهُوَ يَذْكُرُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ فِي الْعَادَةِ لَا تَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.\nفَمَنْ جَعَلَ الْوَاجِبَ الْوُجُودِ لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ: فَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ جِنْسِ الْأَصْنَامِ الْجَامِدَةِ الَّتِي عَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَابَ عَابِدِيهَا.\nوَلِهَذَا كَانَتْ \" الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ \" مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.\nوَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ النُّصُوصَ لِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ بَلْ ذَكَرَهَا لِبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ فَأَفَادَ الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ: وَهُمَا:\n(الأول): إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ رَدًّا عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ.\n(الثاني): وَبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ.\nوَالشِّرْكُ فِي الْعَالَمِ أَكْثَرُ مِنْ التَّعْطِيلِ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ \"إثْبَاتِ \" التَّوْحِيدِ \" الْمُنَافِي لِلْإِشْرَاكِ إبْطَالُ قَوْلِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ الْمُبْطِلِ لِقَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إلَّا بِبَيَانِ آخَرَ.\nوَالْقُرْآنُ يُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ تَارَةً؛ كَالرَّدِّ عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ؛ وَيُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا أَكْثَرُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ. وَمَرَضُ الْإِشْرَاكِ","vol":"2","page":113},{"text":"أَكْثَرُ فِي النَّاسِ مِنْ مَرَضِ التَّعْطِيلِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ الْحَمْدَ وَأَنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَأَنَّ لَهُ الْحَمْدَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحَامِدِ. وَ\" الْحَمْدُ نَوْعَانِ \": حَمْدٌ عَلَى إحْسَانِهِ إلَى عِبَادِهِ. وَهُوَ مِنْ الشُّكْرِ؛ وَحَمْدٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ مِنْ نُعُوتِ كَمَالِهِ وَهَذَا الْحَمْدُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَهِيَ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ فَإِنَّ الْأُمُورَ الْعَدَمِيَّةَ الْمَحْضَةَ لَا حَمْدَ فِيهَا وَلَا خَيْرَ وَلَا كَمَالَ.\nوَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا يُحْمَدُ فَإِنَّمَا يُحْمَدُ عَلَى مَا لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَكُلُّ مَا يُحْمَدُ بِهِ الْخَلْقُ فَهُوَ مِنْ الْخَالِقِ وَاَلَّذِي مِنْهُ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ هُوَ أَحَقُّ بِالْحَمْدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَحَامِدِ الْكَامِلَةِ وَهُوَ أَحَقُّ مَنْ كُلِّ مَحْمُودٍ بِالْحَمْدِ وَالْكَمَالِ مِنْ كُلِّ كَامِلٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. \" (^١)\nوقد دل الدليل العقلي على أن كل صفات الله تعالى صفات كمال:\nقال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا قال قائل: ما هو دليلكم على ان الله متصف بصفة الكمال؟\nقلنا: كل موجود حقيقة لابد له من صفة، فإمَّا أن تكون صفة كمال، وإما أن تكون صفة نقص، أما صفات النقص فهي مستحيلة في حقِّ الله ﷿، وأما صفات الكمال، فهي واجبة لله، فوجب أن يكون الله موصوفًا بصفات الكمال؛ لأنه منزه عن صفات النقص.\nفإن قيل: هذا الحصر غير صواب؛ لأن الموجود قد يكون موصوفًا بصفات الكمال أو صفات النقص أو بصفةٍ لا نقص فيها ولا كمال.\nقلنا: هذا القسم الأخير غير صحيح؛ لأنَّ الصفة التي لا كمال فيها ولا نقص هي في الحقيقة نقص؛ لأنها لغو وعبث، فالكمال: أن يكون الإنسان متصفًا بالصفات النافعة المفيدة، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فهو داخل في صفات النقص؛ ولهذا قال النبي ﷺ حاثًّا على تكميل الإيمان: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^٢)» (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٧٨ - ٨٤\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٢، ١٠٣).","vol":"2","page":114},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: «الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال. وصفات نقص. وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا. وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله» (^١).\nوالدليل الثاني من العقل أن نقول: نحن نشاهد في المخلوق صفات كمال، والذي أعطاه هذا الكمال هو الله تعالى؛ فمُعطي الكمال أَوْلَى بالكمال، ومِن كماله: أنه أعطى الكمال، فهذا-أيضًا-دليل عقلي على ثبوت صفات الكمال لله ﷿؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلان ألوهية الأصنام؛ لأنها ناقصة، فقال ﷾: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون من أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١، ٢٠]، وقال إبراهيم يحاجُّ أباه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، وقال محاجًّا لقومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.\nفتبين أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات وإلَّا لم يصح أن يكون ربًّا» (^٢).\n_________\n(^١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٧)، مكتبة نزار مصطفى الباز -مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n(^٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٣، ١٠٤).","vol":"2","page":115},{"text":"(١٣٠) «وقال الإمام أبو عبد الله؛ محمد بن خفيف في كتابه الذي سَمَّاه «اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات»؛ قال في آخر خُطبته: «فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ﷿، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه قولًا واحدًا وشرعًا ظاهرًا، وهم الذين نَقلوا عن رسول الله ﷺ ذلك حتى قال: «عليكم بِسُنَّتي»، وذكر الحديث (^١)، وحديث: «لَعن الله مَنْ أحدث حَدَثًا، أو آوى مُحدثًا» (^٢)، وقال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف- وهم الذين أُمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف؛ فاستقر صحة ذلك عن خاصَّتهم وعامَّتهم، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين، حتى نقلوا ذلك قرنًا بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة».\n<hr><s0>\n\nينقل هنا شيخ الإسلام ﵀ عن الإمام أبي عبد الله؛ محمد بن خفيف، قوله في كتابه الذي سَمَّاه «اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات»؛ وهو لا يزال مفقودًا.\nفقد قرر فيما أورده أن الصحابة-﵃-لم يَختلفوا في هذه الأبواب؛ باب الأسماء\n_________\n(^١) أخرجه مطولًا أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٤)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٦٠٧)، ولفظه: عن العرباض بن سارية ﵁ قال: «صَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، كأنَّ هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى اللهِ والسَّمعِ والطاعةِ وإن عبدًا حبشيًّا؛ فإنه مَنْ يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديِّين الرَّاشدين؛ تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ».\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠).","vol":"2","page":116},{"text":"والصفات، وباب القضاء والقدر؛ كما اختلفوا في مسائل الأحكام.\nوقد أشار الإمام ابن القيم ﵀ إلى ذلك؛ فقال: «وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل المؤمنين إيمانًا، ولكن- بحمد الله- لم يَتنازعوا في مسألة واحدة في مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نَطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة مِنْ أولهم إلى آخرهم، ولم يسموها تأويلًا، ولم يُحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يُبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تَلَقَّوْها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدا … ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عِضِين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها مِنْ غير فُرقان مُبين، مع أنَّ اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه» (^١).\nفقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام؛ أي: المسائل العملية الفرعية. وهذا معروف، ودواوين السُّنَّة مليئة بذلك.\nوذكر ابن القيم أيضًا أن الصحابة والتابعين اختلفوا في كثير من الأحكام الفقهية العملية، «ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانًا، وأن العناية ببيانها أهم؛ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد؛ فبَيَّنها الله ورسولُه بيانًا شافيًا لا يقع فيه لَبْس ولا إشكال يُوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه، ومَن شرح الله لها صدره ونَوَّر لها قلبه يَعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها، ولهذا فإن آيات الأحكام لا يَكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأمَّا آيات الأسماء والصفات فيَشترك في فهمها الخاص والعام، أعني: فهم أصل المعنى لا فَهم الكُنْه والكيفية» (^٢).\n_________\n(^١) «أعلام الموقعين» (١/ ٨٣، ٨٤).\n(^٢) «الصواعق المرسلة» (٢١١، ٢١٢).","vol":"2","page":117},{"text":"«ثم إني قائل- وبالله أقول-: إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين، فخاض في ذلك مَنْ لم يعرفوا بعلم الآثار ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معولهم على أحكام هواجس النفس المستخرجة من سوء الطوية ما وافق على مخالفة السنة، والتعلق منهم بآيات لم يُسعدهم الكلام فيها؛ فتأولوا على ما وافق هواهم، وصححوا بذلك مذهبهم-احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ومأخذ المؤمنين ومنهاج الأولين؛ خوفًا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حَذَّر رسول الله ﷺ أُمَّته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم.\nثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي ﷺ وهم يتنازعون في القَدَر وغضبه (^١)، وحديث: «لا أُلْفِيَنَّ أحدُكم» (^٢)، وحديث: «سَتفترق أُمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة» (^٣)،\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  أخرج أحمد في «المسند» (٢/ ٣٦٩)، والترمذي في «سننه» (٢١٣٣)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢/ ٢٢٣). «وخرج ﷺ ذات يومٍ على بعض أصحابه وهم يتنازعون في القدر؛ فغضب حتى احمرَّ وجهه، كأنما فُقئ في وجنتيه الرُّمَّان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أُرسلت إليكم؟ إنَّما هلك مَنْ كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «قَامَ فِينَا رَسولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَومَ القِيَامَةِ علَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فأقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قدْ أَبْلَغْتُكَ».\n(^٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «ليأتينَّ على أمَّتي ما أتى على بني إسرائيل حَذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ، حتَّى إن كانَ مِنهم مَنْ أتى أُمَّهُ علانيَةً لَكانَ في أمَّتي من يصنعُ ذلِكَ، وإنَّ بَني إسرائيل تفرَّقت على ثِنتينِ وسبعينَ ملَّةً، وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ ملَّةً، كلُّهم في النَّارِ إلَّا ملَّةً واحِدةً، قالوا: مَنْ هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ما أَنا علَيهِ وأَصحابي». أخرجه الترمذي (٢٦٤١) واللفظ له، والطبراني (١٤/ ٥٣) (١٤٦٤٦)، والحاكم (٤٤٤)، وحسنه الالباني في «صحيح الترمذي»\n(٢٦٤١).","vol":"2","page":118},{"text":"فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه، ثم قال: فَلَزِمَ الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان، المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة؛ فيتصل ذلك قرنًا بعد قرن ممن عُرفوا بالعدالة والأمانة الحافظين على الأمة مَا لَهم وما عليهم من إثبات السُّنَّة».\n<hr><s0>\n\nمجمل ما ورد من خطبة كتاب الإمام أبي عبد الله؛ محمد بن خفيف مشتمل على تأصيل منهج التلقي عند أهل السنة والجماعة، الذي أخذوه من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين في فهم الكتاب والسنة، والتابعون لم يستقلوا ببيان مسائل الاعتقاد؛ بل هم مُقرِّرون لما جاء في النصوص؛ إذ شرط الاعتقاد الصحيح ما كان في الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم. فهذا هو قيد الاعتقاد الصحيح، وهو ما أجمع عليه سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم.\nوالأمور الغيبية لا دخل للعقل فيها؛ لأنه راجع في إدراكه وفي تصوراته إلى قياس الأمور بعضها مع بعض، وهو لا يدرك المعارف بعد قياس ما لم يَره على ما رآه، وقياس ما لم يَسمعه على ما سمعه، وقياس عالم الغيب على عالم الشهادة وإدخال العقل في ذلك هذا من مناهج أهل الضلال.\nوقياس عالم الغيب سواء في أسماء الله جل وعلا وصفاته أو في صفة الجنة والنار، أو في عالم الملائكة، أو في أي أمر غيبي أثبتته النصوص، فإن الخوض فيه بدلالة عقلية بمخالفة ظاهر ما دلت عليه النصوص راجع إلى قياس العقل عالم الغيب على عالم الشهادة.","vol":"2","page":119},{"text":"«إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها: ذِكر أسماء الله ﷿ في كتابه، وما بَيَّن ﷺ من صفاته في سُنَّته، وما وصف به ﷿ مما سنذكر قول القائلين بذلك، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نَرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له».\n<hr><s0>\n\nالأصل في الدين الاتباع والمعقول تَبع؛ فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام: أنَّ العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.\nفالعقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات؛ فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لأن العقل يَقصر عن إدراك حقيقة المغيبات، حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يُحيط علمًا بحقيقة رُوحه التي بين جَنْبَيْه؛ لمَّا أخفى الله أمرها عنه؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فإذا كان الإنسان يجهل أمر رُوحِه، فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يَصلح وما لا يَصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفيَّة ذاته؟!\n(واعلم أن فصل ما بيننا وبين المعطلة هو \"مسألة العقل\"، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول.\nوأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء) (^١).\nفالتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي\n_________\n(^١) المصدر السابق ١/ ٣٢٠","vol":"2","page":120},{"text":"الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكتهم توسطوا في شأن \"العقل\" بين طائفتين ضلتا في هذا الباب، هما:\nأهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.\nفهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قيل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رُدَّ وطُرِحَ، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.\nوأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.\nويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها.\nوكلا الطرفين مذموم.\nوأما أهل السنة: فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاًّ بذلك.\nفالعقل غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين.\nفإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.\nوإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها.\nوإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.\nفالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ بتصرف","vol":"2","page":121},{"text":"«إلى أن قال: «ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية: أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق، بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأَكَّد ﵇ بقوله، فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله: لا إله إلا الله.\nثم قال: فعلى المؤمنين خاصَّتهم وعامتهم قبولُ كل ما ورد عنه ﵇؛ بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به ﷺ، وإن مما قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه ووردت السُّنَّةُ بصحة ذلك».\n<hr><s0>\n\nمن القواعد المقررة عند أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والتي لها تعلق بالنصوص وكيفية ورودها في الكتاب والسنة، أن النصوص تأتي بنفي مجمل للنقائص والعيوب عن الله ﷿، وإثبات مفصّل لصفات كماله ونعوت جلاله ﷾\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتبه وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: عما يصفه الكفار المخالفون للرسل، ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)، فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل، فأتوا بإثبات مفصَّل ونفي مجمل، فمن نفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات كان معطلًا، ومن جعلها مثل صفات المخلوقين كان ممثلًا، والمعطِّل يعبد عدمًا والممثل يعبد صنمًا، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهو ردٌّ على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢)، وهو ردٌّ على المعطِّلة» (^٣).\n_________\n(^١) الآية [١٨٠ - ١٨٢] من سورة الصافات.\n(^٢) الآية [١١] من سورة الشورى.\n(^٣) الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٥).","vol":"2","page":122},{"text":"وقال أيضًا: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني» (^١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي» (^٢).\nوقال الإمام ابن أبي العز الحنفي-﵀: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يُعتصم بها في الإثبات والنفي، فنُثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني» (^٣).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٥٤).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ١٤٧).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (٢٦١).","vol":"2","page":123},{"text":"«إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل؛ فقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].\nولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ﵇؛ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال ﷿: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].\nوأكد ﵇ صحة إثبات ذلك في سُنَّته؛ فقال: «يقول الله ﷿: مَنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي» (^١)، وقال: «كتب كتابًا بيده على نفسه: إنَّ رحمتي غلبت غضبي» (^٢)، وقال: «سبحان الله رضا نفسه» (^٣)، وقال في محاجة آدم لموسى: «أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه» (^٤)؛ فقد صرح بظاهر قوله: أنه أثبت لنفسه نفسًا، وأثبت له الرسول ذلك؛ فعلى مَنْ صَدَّق اللهَ ورسولَه اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنيًّا على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  أخرجه البخاري (٧٥٣٧)، ومسلم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، وتتمته: «وإن ذَكرني في مَلأٍ ذَكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تقرَّبَ مِنِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، وإن تقرَّبَ إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليهِ باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرولةً».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١)، من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: «لَمَّا قَضى اللهُ الخَلْقَ كتَبَ كِتابًا، فهو عِندَه فَوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتي غلَبَتْ غَضَبي».\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٢٦) عن جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ: أنَّ النبيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِندِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهي في مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهي جَالِسَةٌ، فَقالَ: ما زِلْتِ علَى الحَالِ الَّتي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ النبيُّ ﷺ: لقَدْ قُلتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ مُنْذُ اليَومِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».\n(^٤) أخرجه (٤٧٣٦) ومسلم (٢٦٥٢) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «التقَى آدمُ وموسَى ﵉، فقال له موسَى: أنت الَّذي أشقَيْتَ النَّاسَ وأخرجتَهم من الجنَّةِ! قال آدمُ لموسَى ﵉: أنت الَّذي اصطفاك اللهُ برسالاتِه واصطنعك لنفسِه وأنزل عليك التَّوراةَ! قال: نعم. قال: فهل وجدتَه كتبه لي قبل أن يَخلُقَني؟ قال: نعم. قال: فحجَّ آدمُ موسَى ﵉، ثلاثَ مرَّاتٍ».","vol":"2","page":124},{"text":"هذا النقل عن الإمام محمد بن خفيف فيه ذِكر صفة النفس لله جل وعلا، والنفس له سبحانه فُسِّرت بتفسيرين:\nالأول: أن النفس بمعنى الذات.\nالثاني: وتأتي النفس ويراد بها في المخلوق الروح، الروح كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١].\nوفي صفة الله جل وعلا صفة النفس:\nمن أهل السنة من قال: النفس بمعنى الذات.\nومنهم من قال: إن لله جل وعلا نفسًا خاصة؛ فعلينا أن نثبت اللفظ، ونقول: له ﷾ نفس، وله جل وعلا ذات، كما أن له صفات وأفعال والصفات قائمة بالذات.\nوقوله جل وعلا: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ظاهر في إثبات النفس لله جل وعلا، كما قال النبي ﷺ: «سبحان الله رضا نفسه»، وأشباه ذلك.\nفبقاء النص على ظاهره، بدون الدخول في تفسير أحد الاحتمالين أولى.","vol":"2","page":125},{"text":"«ثم قال: فعلى المؤمنين خاصَّتهم وعامتهم قبولُ كل ما ورد عنه ﵇؛ بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به ﷺ، وإن مما قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه ووردت السُّنَّةُ بصحة ذلك أن قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]، وبذلك دعاه ﷺ: «أنت نورُ السموات والأرض» (^١)، ثم ذكر حديث أبي موسى: «حِجابه النور-أو النار-لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^٢)، وقال: سُبُحات وجهه: جلاله ونوره. نقله عن الخليل وأبي عُبيد. وقال: قال عبد الله بن مسعود: نَوَّر السموات نُور وجهه».\n<hr><s0>\n\nذكر صفة النور لله جل وعلا، والنور المضاف إليه جل وعلا نوعان:\nالأول: نور هو صفته سبحانه؛ فهو جل وعلا نور، ومن أسمائه: النور، وهذا النور صفة من صفاته غير مخلوق؛ كما جاء في الحديث: «لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»، والسُّبحات: هي الأنوار، وهذا صفة من صفاته سبحانه.\nوالثاني: نور مخلوق، وهذا النور المخلوق يَبتدئ من الحجاب؛ قال ﷺ: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه»، فالحجاب نوره هذا مخلوق فيه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢٠) عن ابن عباس ﵄، قال: «كانَ النبيُّ ﷺ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قالَ: اللَّهُمَّ لكَ الحَمْدُ أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ لكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ …»، الحديث.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٩) عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «قامَ فِينا رَسولُ اللهِ ﷺ بخَمْسِ كَلِماتٍ، فقالَ: إنَّ اللَّهَ ﷿ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: النَّارُ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».","vol":"2","page":126},{"text":"وتعالى الله جل وعلا وتقدس، وكذلك النور الذي في السموات والأرض نور مخلوق، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، معناها: نوَّر السموات والأرض.\nالمقصود من هذا: أن الله جل وعلا موصوف بصفة النور؛ فنوره سبحانه من صفاته، وله نور مخلوق جل وعلا يُضاف إليه إضافة المخلوقات تشريفًا وتعظيمًا.\nثم ذكر عِدَّة صفات؛ من الصفات الذاتية والصفات الفعلية له جل وعلا.","vol":"2","page":127},{"text":"«ثم قال: وممَّا ورد به النص أنه حيٌّ، وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والحديث: «يا حيُّ يا قيوم، برحمتك أستغيث» (^١)، قال: ومما تَعَرَّف الله إلى عباده أن وصف نفسه أنَّ له وجهًا موصوفًا بالجلال والإكرام؛ فأثبت لنفسه وجهًا، وذكر الآيات (^٢).\nثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم، فقال: في هذا الحديث من أوصاف الله ﷿: (لا يَنام) موافق لظاهر الكتاب: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وأن له وجهًا موصوفًا بالأنوار، وأن له بصرًا، كما علمنا في كتابه: أنه سميع بصير.\n<hr><s0>\n\nومن صفاته الذاتية: أنه ﷾ حيٌّ، والحياة صفة ذاتية لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة، من اسمه (الحي).\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى): اللهُ لا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» آل عمران: ٢ (.\nوقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت) (الفرقان: ٥٨ (.\nالدليل من السنة:\nحديث ابن عباس ﵄: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت … أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون». (^٣)\nقال شيخ الإسلام: (كلامه وحياته من صفات الله كعلمه وقدرته).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) واللفظ له، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٣٧)، عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كرَبه أمرٌ قال: يا حيُّ يا قيومُ، برحمتِك أَستغيثُ».\n(^٢) ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله ﷻ: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، وقوله سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].\n(^٣) رواه مسلم ٢٧١٧","vol":"2","page":128},{"text":"وقال: (لم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلامَ أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب). (^١)\nوقال الشيخ الهرَّاس: (ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية، التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أنَّ قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية؛ فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها). (^٢)\n_________\n(^١) الجواب الصحيح: ٤/ ٥٠\n(^٢) شرح النونية: ٢/ ١٠٣","vol":"2","page":129},{"text":"«وأن له بصرًا، كما علمنا في كتابه: أنه سميع بصير».\n<hr><s0>\n\nالبصر صفةٌ من صفات الله ﷿ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة. و(البصير): اسم من أسمائه تعالى.\n\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].\nوقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n\nالدليل من السنة:\nحديث أبي موسى الأشعري ﵁: «يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بَصيرًا، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\". (^١)\n_________\n(^١) رواه البخاري: ٦٣٨٤","vol":"2","page":130},{"text":"«ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه (^١)، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك».\n<hr><s0>\n\nصفة الوجه صفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّة لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة.\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى): وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ)] البقرة: ٢٧٢. [\nوقوله: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ).] الرعد: ٢٢. [\nالدليل من السنة:\nحديث ابن مسعود ﵁ قال: «قسَّم النبي ﷺ قسمًا، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله» (^٢).\nحديث ابن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حُبِسُوا في الغار، فقال كل واحد منهم: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن فيه» (^٣).\nحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تخلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وَجْه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة» (^٤).\nقال الإمام الشافعي: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأن له وجهًا بقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ، وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام) (^٥).\nوقال الإمام ابن خزيمة بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوَجْه لله تعالى: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر؛\n_________\n(^١) وقد ذكر الإمام ابن خزيمة أكثرها في كتابه «التوحيد» (١/ ٢٧ - ٤٤).\n(^٢) رواه البخاري ٣٤٠٥، ورواه مسلم ٢٤٩٥.\n(^٣) رواه البخاري ٢٢٧٢، ورواه مسلم ٢٧٤٣.\n(^٤) رواه البخاري ٥٧٣٣، ورواه مسلم ١٦٢٨.\n(^٥) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: ١/ ٢٨٢.","vol":"2","page":131},{"text":"مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وَجْه خالقنا بوَجْه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين) (^١).\nوقال الحافظ ابن منده: (ومن صفات الله ﷿ التي وصف بها نفسه قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام، وكان النبي ﷺ يستعيذ بوَجْه الله من النار والفتن كلها، ويسأل به …)، ثم سرد أحاديث بسنده، ثم قال: (بيان آخر يدل على أنَّ العباد ينظرون إلى وَجْه ربهم ﷿ (^٢)، وسرد بسنده ما يدل على ذلك.\nوقال قَوَّام السُّنَّة الأصفهاني: (ذكر إثبات وَجْه الله ﷿ الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله ﷿: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَالِ وَالإِكْرَام (^٣).\n_________\n(^١) كتاب التوحيد ١/ ٢٥.\n(^٢) كتاب التوحيد: ٣/ ٢٦.\n(^٣) الحجة ١/ ١٩٩.","vol":"2","page":132},{"text":"«ثم قال: ثم إن الله تعالى تَعَرَّف إلى عباده المؤمنين؛ أن قال: له يدان قد بَسطهما بالرحمة، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شِعر أُمَيَّة بن أبي الصَّلت (^١)».\n<hr><s0>\n\nمن الصفات الذاتية لله الثابتة تعالى صفة اليدان وقد وردت فيها الكثير من النصوص:\nالأدلة من القرآن:\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا \"خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.\nوَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ \" الْيَدِ \" فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا مِثْلُ:\n_________\n(^١) وهي أبياته التي أنشدت للنبي ﷺ من شعره، ومنها:\nمجِّدوا اللَّهَ فَهوَ للمجدِ أَهلٌ ربُّنا اللَّه في السَّماءِ أمسى كبيرا\nبالبناءِ الأعلى الَّذي سبقَ الخلقَ وسوَّى فوقِ السَّماءِ سريرا\nشَرْجَعًا ما ينالُهُ نظَرُ العين ترى دونَهُ الملائِكةُ صورا\nأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ٧)، وابن عساكر في «تاريخه» (٩/ ٢٧٢) عن ابن عباس ﵄.\nوعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «كاد أميةُ بن أبي الصَّلت أن يُسلم». أخرجه البخاري (٥٧٩٥)، ومسلم (٢٢٥٦).","vol":"2","page":133},{"text":"قَوْلِهِ ﷺ ﴿الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَقَوْلِهِ ﷺ ﴿يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ؛ وَالْبُخَارِيُّ فِيمَا أَظُنُّ.\nوَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يتكفؤها الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ﴾.\nوَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿يَأْخُذُ الرَّبُّ ﷿ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدَيْهِ -وَجَعَلَ يَقْبِضُ يَدَيْهِ وَيَبْسُطُهُمَا -وَيَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ حَتَّى نَظَرْت إلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّك أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟﴾ - ﴿وَفِي رِوَايَةٍ-أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ: يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ أَنَا الْجَبَّارُ﴾ وَذَكَرَهُ.\nوَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟﴾ وَمَا يُوَافِقُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْحَبْرِ.\nوَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت قَالَ: اخْتَرْت يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَة ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ﴾\nوَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي﴾.\nوَفِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّهُ لَمَّا تَحَاجَّ آدَمَ وَمُوسَى قَالَ آدَمَ: يَا مُوسَى اصْطَفَاك اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ؛ وَقَدْ قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمَ الَّذِي خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ.﴾\nوَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﴿قَالَ سُبْحَانَهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي؛ لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت لَهُ: كُنْ فَكَانَ﴾","vol":"2","page":134},{"text":"وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي السُّنَنِ: ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ﴾.\nوَهَذِهِ أَحَادِيثُ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَنَقَلَتْهَا مِنْ بَحْرٍ غَزِيرٍ.\nفَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَه النصوص: أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَمَعْنَى بَسْطِهِمَا بَذْلُ الْجُودِ وَسَعَةُ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِبَسْطِ الْيَدِ وَمَدِّهَا؛ وَتَرْكُهُ يَكُونُ ضَمًّا لِلْيَدِ إلَى الْعُنُقِ صَارَ مِنْ الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ إذَا قِيلَ هُوَ مَبْسُوطُ الْيَدِ فُهِمَ مِنْهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْجُودَ وَالْبُخْلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ جَعْدُ الْبَنَانِ وَسَبْطُ الْبَنَانِ.\nفَالْقَائِلُ؛ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ: وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ جَارِحَةً فَهَذَا حَقٌّ.\nوَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ السَّبْعِ؛ فَهُوَ مُبْطِلٌ.\nفَيَحْتَاجُ إلَى تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْأَرْبَعَةِ. أَمَّا\n\"الْأَوَّلُ\" فَيَقُولُ: إنَّ الْيَدَ تَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ:\nكَمَا يُسَمَّى الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ سَمَاءً وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لِفُلَانِ عِنْدَهُ أَيَادٍ.\nوَقَوْلُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا فَقَدَ النَّبِيَّ ﷺ:\nيَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّدًا … [اردده ربي] وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدًا.\nوَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: لَوْلَا يَدٌ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا لَأَجَبْتُك. \"الثاني\" وَقَدْ تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ تُحَرِّكُ الْيَدَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ لَهُ يَدٌ فِي كَذَا وَكَذَا؛\nوَمِنْهُ قَوْلُ \" زِيَادٍ \" لِمُعَاوِيَةَ: إنِّي قَدْ أَمْسَكْت الْعِرَاقَ بِإِحْدَى يَدَيَّ وَيَدِي الْأُخْرَى فَارِغَةٌ يُرِيدُ نِصْفُ قُدْرَتِي ضَبْطُ أَمْرِ الْعِرَاقِ.\nوَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وَالنِّكَاحُ كَلَامٌ يُقَالُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِ.\n\"الثالث\" وَقَدْ يَجْعَلُونَ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهَا إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِأَنَّ","vol":"2","page":135},{"text":"غَالِبَ الْأَفْعَالِ لَمَّا كَانَتْ بِالْيَدِ جُعِلَ ذِكْرُ الْيَدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ فُعِلَ بِنَفْسِهِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ: بِمَا قَدَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَا قَدَّمُوهُ كَلَامٌ تَكَلَّمُوا بِهِ. وَ\nكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.\nوَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَدَاك أَوْكَتَا. وَفُوك نُفِخَ: تَوْبِيخًا لِكُلِّ مَنْ جَرَّ عَلَى نَفْسِهِ جَرِيرَةً؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ فَعَلَ بِيَدَيْهِ وَفَمِهِ.\nوَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي هَذَا كُلِّهِ.\nوالمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ تَأَوَّلُوا\nقَوْلَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾\nوَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾\nعَلَى هَذَا كُلِّهِ فَقَالُوا: إنَّ الْمُرَادَ نِعْمَتُهُ أَيْ: نِعْمَةُ الدُّنْيَا وَنِعْمَةُ الْآخِرَةِ.\nوَقَالُوا: بِقُدْرَتِهِ.\nوَقَالُوا: اللَّفْظُ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الْجُودِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقَةً؛ بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ صَارَتْ حَقِيقَةً فِي الْعَطَاءِ وَالْجُودِ.\nوَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أَيْ: خَلَقْته أَنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ.\nفَهَذِهِ تَأْوِيلَاتُهُمْ؟\nفَنَنْظُرُ فِيمَا قَدَّمْنَا: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ \" الْيَدَيْنِ \" بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي النِّعْمَةِ وَلَا فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لُغَةِ الْقَوْمِ:\nاسْتِعْمَالَ الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾\nوَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ﴾\nوَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾\nأَمَّا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَاحِدِ فِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فِي الْوَاحِدِ فَلَا أَصْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَدَدٌ وَهِيَ نُصُوصٌ فِي مَعْنَاهَا لَا يُتَجَوَّزُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ وَيَعْنِي رَجُلَيْنِ وَلَا عِنْدِي رَجُلَانِ وَيَعْنِي بِهِ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَاحِدِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ","vol":"2","page":136},{"text":"وَالْجِنْسُ فِيهِ شِيَاعٌ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَمْعِ فِيهِ مَعْنَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِحُصُولِ الْوَاحِدِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَنْ الْوَاحِدِ.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النِّعْمَةُ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ لَا تُحْصَى؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ \" لِمَا خَلَقْت أَنَا \" لِأَنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا ذَلِكَ أَضَافُوا الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ فَتَكُونُ إضَافَتُهُ إلَى الْيَدِ إضَافَةً لَهُ إلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.\nأَمَّا إذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْفَاعِلِ وَعَدَّى الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ بِحَرْفِ الْبَاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ بِيَدَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى: أَنْ يُقَالَ فَعَلْت هَذَا بِيَدَيْك وَيُقَالُ: هَذَا فَعَلَتْهُ يَدَاك لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: فَعَلْت كَافٍ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْفَاعِلِ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْيَدِ حَقِيقَةً كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلَسْت تَجِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا الْعَجَمِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فَصِيحًا يَقُولُ: فَعَلْت هَذَا بِيَدَيَّ أَوْ فُلَانٌ فَعَلَ هَذَا بِيَدَيْهِ إلَّا وَيَكُونُ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ حَقِيقَةً.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا يَدَ لَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَالْفِعْلُ وَقَعَ بِغَيْرِهَا.\nوَبِهَذَا الْفَرْقِ الْمُحَقَّقِ تَتَبَيَّنُ مَوَاضِعُ الْمَجَازِ وَمَوَاضِعُ الْحَقِيقَةِ؛ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ أَلْبَتَّةَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ اللُّغَةِ. قَالَ لِي: فَقَدْ \"أَوْقَعُوا الِاثْنَيْنِ مَوْقِعَ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ.\nقُلْت لَهُ: هَذَا مَمْنُوعٌ؛ بَلْ قَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ قَدْ قِيلَ تَثْنِيَةُ الْفَاعِلِ لِتَثْنِيَةِ الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى أَلْقِ أَلْقِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلسَّائِقِ وَالشَّهِيدِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ قَالَ: إنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مَعَهُ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَيَقُولُ: خَلِيلَيَّ خَلِيلَيَّ ثُمَّ إنَّهُ يُوقِعُ هَذَا الْخِطَابَ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ مَوْجُودَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِاثْنَيْنِ يُقَدَّرُ وُجُودُهُمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ.\nالْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِالْيَدِ حَقِيقَةَ الْيَدِ وَأَنْ يَعْنِيَ بِهَا الْقُدْرَةَ أَوْ النِّعْمَةَ أَوْ يَجْعَلَ ذِكْرَهَا كِنَايَةً عَنْ الْفِعْلِ؛ لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِصَرْفِهَا عَنْ الْحَقِيقَةِ؟","vol":"2","page":137},{"text":"فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.\nقُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ \" يَدٌ \" تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟\nقَالَ: لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَا يُحِيلُ هَذَا؛\nفَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا وَهُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ فَلِمَ يُصْرَفُ عَنْهُ اللَّفْظُ إلَى مَجَازِهِ؟ وَكُلُّ مَا يَذْكُرُهُ الْخَصْمُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وَصْفِهِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ -وَصَحَّتْ الدَّلَالَةُ-سُلِّمَ لَهُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ مُنْتَفٍ عَنْهُ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ \" يَدٌ \" يَسْتَحِقُّهَا الْخَالِقُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ بَلْ كَالذَّاتِ وَالْوُجُودِ.\nالْمَقَامُ الثَّالِثُ: هل بَلَغَك أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْيَدِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ أَوْ الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ أَوْ هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وَصْفِهِ بِالْيَدِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً؛ بَلْ أَوْ دَلَالَةً خَفِيَّةً؟ فَإِنَّ أَقْصَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَكَلِّفُ\nقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾\nوَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾\nوَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾\nوَهَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إنَّمَا يَدْلُلْنَ عَلَى انْتِفَاءِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ. أَمَّا انْتِفَاءُ يَدٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَكَذَلِكَ هَلْ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَا \" يَدَ \" لَهُ أَلْبَتَّةَ؟ لَا \" يَدًا \" تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَلَا \" يَدًا \" تُنَاسِبُ الْمُحْدَثَاتِ وَهَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا؛ وَلَوْ بِوَجْهِ خَفِيٍّ؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَنْفِي حَقِيقَةَ الْيَدِ أَلْبَتَّةَ؛ وَإِنْ فُرِضَ مَا يُنَافِيهَا فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْوُجُوهِ الْخَفِيَّةِ-عِنْدَ مَنْ يَدَّعِيهِ-وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ شُبْهَةٌ فَاسِدَةٌ.\nفَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُمْلَأَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ بِيَدِهِ وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَأَنَّ الْمُلْكَ بِيَدِهِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُحْصَى ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأُولِي الْأَمْرِ: لَا يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَلَا ظَاهِرُهُ حَتَّى يَنْشَأَ \" جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ \" بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ","vol":"2","page":138},{"text":"وَيَتْبَعَهُ عَلَيْهِ \" بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ \" وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَنَا نَبِيُّنَا ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى \" الْخِرَاءَةَ \" وَيَقُولَ: ﴿مَا تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَلَا مِنْ \"شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ﴾ ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ﴾ ثُمَّ يَتْرُكَ الْكِتَاب الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَسُنَّتَهُ الْغَرَّاءَ مَمْلُوءَةً مِمَّا يَزْعُمُ الْخَصْمُ أَنَّ ظَاهِرَهُ تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ وَأَنَّ اعْتِقَادَ ظَاهِرِهِ ضَلَالٌ وَهُوَ لَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَلَا يُوَضِّحُهُ وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلسَّلَفِ أَنْ يَقُولُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيَّ هُوَ الْمُرَادُ وَهُوَ شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبُ حَتَّى يَكُونَ أَبْنَاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ أَعْلَمُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟.\n(الْمَقَامُ الرَّابِعُ): مِنْ الْأَدِلَّةِ الْجَلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ وَالظَّاهِرَةِ مَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ لِلَّهِ \" يَدَيْنِ \" حَقِيقَةً. فَمِنْ ذَلِكَ:\nتَفْضِيلُهُ لِآدَمَ: يَسْتَوْجِبُ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَامْتِنَاعَهُمْ عَنْ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ أَوْ بِنِعْمَتِهِ أَوْ مُجَرَّدِ إضَافَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ لَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ إبْلِيسُ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.\nفإن قيل: فَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وَبَيْتُ اللَّهِ.\nفالجواب: لَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ \"تَشْرِيفًا حَتَّى يَكُونَ فِي الْمُضَافِ مَعْنًى أَفْرَدَهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاقَةِ وَالْبَيْتِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا تَمْتَازُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ النُّوقِ وَالْبُيُوتِ لَمَا اسْتَحَقَّا هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ فَإِضَافَةُ خَلْقِ آدَمَ إلَيْهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: كُنْ فَيَكُونُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: بِيَدِهِ الْمُلْكُ أَوْ عَمِلَتْهُ يَدَاك فَهُمَا شَيْئَانِ:\n(أَحَدُهُمَا) إثْبَاتُ الْيَدِ.\nوَ(الثَّانِي) إضَافَةُ الْمُلْكِ وَالْعَمَلِ إلَيْهَا.\nوَالثَّانِي يَقَعُ فِيهِ التَّجَوُّزُ كَثِيرًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا الْكَلَامَ إلَّا لِجِنْسِ لَهُ \"يَدٌ\" حَقِيقَةً وَلَا يَقُولُونَ: \"يَدُ\" الْهَوَى وَلَا \"يَدُ\" الْمَاءِ فَهَبْ أَنَّ قَوْلَهُ: بِيَدِهِ الْمُلْكُ قَدْ","vol":"2","page":139},{"text":"عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُدْرَتِهِ لَكِنْ لَا يُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ إلَّا لِمَنْ لَهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مِنْ وَجْهَيْنِ:\n(أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ هُنَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وَهُنَاكَ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْأَيْدِي.\n(الثَّانِي): أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَضَعُونَ اسْمَ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ إذَا أُمِنَ اللَّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَيْ: يَدَيْهِمَا وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أَيْ: قَلْبَاكُمَا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ \" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى يتصرف ٦/ ٣٥٤ - ٣٧٣","vol":"2","page":140},{"text":"«ثم ذكر حديث: «يُلقى في النار وتقول: هل مِنْ مزيد؟ حتى يَضع فيها رِجْلَه»، وهي رواية البخاري، وفي رواية أخرى: «يضع عليها قَدَمَه» (^١).\nثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: «أن الكرسي موضع القدمين، وأن العرش لا يَقدر قدره إلا الله» (^٢).\nوذكر قولَ مسلم البطين نفسه (^٣)، وقول السدي، وقول وهب بن منبه، وأبي مالك وبعضهم يقول: «موضع قدميه»، وبعضهم يقول: «واضع رِجليه عليه».».\n<hr><s0>\n\nالرِّجل والقدمان صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بصحيح السنة.\nوالدليل:\nحديث أبي هريرة ﵁ في تحاجج الجنة والنار، وفيه: «فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله (وعند مسلم: قدمه)، فتقول: قط قط …» (^٤).\nأثر ابن عباس ﵄؛ قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره) (^٥).\nأثر أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: «الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل» (^٦).\nقال الإمام الشافعي: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأن له قدمًا بقول النبي ﷺ: (حتى يضع الرب فيها قدمه) يعني جهنم …) (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٤٨)، ومسلم (٢٨٤٨) باختلاف يسير، من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) والأثر كما رواه عنه ابن جرير في «تفسيره» (٣/ ١٠)، قال عن مسلم البطين، أنه قال: «الكرسي موضع القدمين».\n(^٤) رواه البخاري ٤٨٥٠ ومسلم ٢٨٤٦.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) تقدم تخريجه.\n(^٧) طبقات الحنابلة ١/ ٢٨٢.","vol":"2","page":141},{"text":"قال أبو يعلى الفراء: (أعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به قدم هو صفة لله تعالى وكذلك الرجل) (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن البراك: (في هذا الحديث إثبات الرِّجل والقدم له ﷾، وأهل السنة يثبتون لله ما جاء في هذا الحديث على حقيقته، كما يثبتون سائر الصفات، كما يثبتون اليدين والعينين له ﷾، ويقولون: إن له تعالى قدمين، كما جاء في الأثر المشهور عن ابن عباس في تفسير الكرسي: أنه موضع القدمين، أي: قدمي الرب ﷾ (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله الغنيمان بعد ذكر روايات صفة القدم والرجل: (ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأن القدم والرجل -وكلاهما عبارة عن شيء واحد -صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته) (^٣).\n_________\n(^١) إبطال التأويلات ١/ ١٩٥.\n(^٢) توضيح مقاصد العقيدة الطحاوية ١٧٣.\n(^٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٥٦.","vol":"2","page":142},{"text":"«ثم قال: فهذه الروايات قد رُويت عن هؤلاء مِنْ صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي ﷺ متداولة في الأقوال، ومحفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة مُدونة في كتبهم».\n<hr><s0>\n\nذكر المصنف رحمه الله تعالى بعض ما يتميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم من طوائف أهل البدع ويحسن هنا إيراد بعض تلك المزايا التي منها ما أشار له المصنف هنا فأهل السنة لهم سمات ومزايا منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-66>أولًا: اتصال السند.</span>\nيتميز أهل السنة والجماعة باتصال السند، فما كان عليه أصحابُ النبي ﷺ فأهل السنة - بحمد الله تعالى- يقولُون به إلى يومنا هذا ويعتقدونه ويدينُون الله ﷾ به، فسندهم متصل، بخلافِ أهلِ البدعِ والأهواء فنجد أن سندهم منقطع؛ ينقطعُ إلى فلانٍ من الناس ولا يمكنُ بأي حالٍ من الأحوال أن يتصلَ ذلك إلى أصحابِ النبي ﷺ فضلًا عن أن يتصلَ إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ.\nويصف الأصفهاني هذا الأمر فيقول: ومما يدل علي أن أهل الحديث هم أهل الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار - وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأن جاء على قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دين أبين من هذا؟ (^١)\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٢٤).","vol":"2","page":143},{"text":"ثانيًا: يتميزون باعتقادهم بأن هذا الدين- بحمدِ الله تعالى- واضحٌ.\nومن وضوحه أن كلام الله ﷿ معلومُ المعنى، فيحفظُون لهذا الكتاب حرمته لفظًا، ويحفظونُ له حرمته معنى، ويعتقدون أنه ليس في كتابِ الله ﷿ ما لا يُعلَمُ معناه فهو معلوم من جهة المعنى، وإن كان بعضُ حقائقِ تلك الأمور المغيَّبة أو كيفياتُها أمرٌ قد استأثر به الله تعالى في علمِ الغيب عنده، فيوقنُون أن الهدى في كلامِ الله ﷿، وأن النورَ في كلامِ الله ﷿ وسنَّةِ نبيه ﷺ.\nفأهل السنة هم أهل الفهم الرشيد عن الله وعن رسوله، ولذلك تأتي أقوالهم على الاستقامة والسداد.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله بعد كلام عن اختلاف المبتدعة: \"وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور، تبيَّن له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان خارجًا عن موجب العقل والسمع، مخالفًا للفطرة\" (^١)\nقال ابن تيمية: \"فَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ قَطُّ، وَكُلُّ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ خَارِجِيٍّ وَرَافِضِيٍّ وَمُعْتَزِلِيٍّ وَجَهْمِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَإِنَّمَا يُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلْ مَنْ خَالَفَ مَذَاهِبَهُمْ فِي الشَّرَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ يُوَافِقُهُمْ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ الْآخَرَ، فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ; فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ\" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-68>ثالثًا: حفظهم للأصلين رواية ودراية.</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وجماع ذلك بحفظ أصلين:\nأحدهما: تحقيق ما جاء به الرسول، فلا يخلط بما ليس منه من المنقولات الضعيفة، والتفسيرات الباطلة، بل يعطى حقه من معرفة نقله ودلالته.\nوالثاني: أن لا يعارض ذلك بالشبهات لا رأيًا ولا روايةً، قال الله تعالى فيما يأمر به بنى إسرائيل وهو لنا: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢١٢).\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٦٥","vol":"2","page":144},{"text":"بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ (^١) فلا يكتم الحق الذي جاء به الرسول، ولا يلبس بغيره من البطل ولا يعارض بغيره» (^٢).\nفأهل السنة أعلم الناس بأحوال النبي ﷺ وأقواله وأفعاله، لذلك فهم أشد الناس حبًّا للسنة، وأحرصهم على اتباعها، وأكثرهم موالاة لأهلها؛ يقول شيخ الإسلام ﵀: \"فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم بالحقائق، وأقومهم قولًا وحالًا، لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك، وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداءً به أفضل الخلق\" (^٣)\nرابعًا: وسطيتهم بين الطوائف والفرق.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل الأخرى\" (^٤)\nفأهل السنة هم أعرف الناس بالحق، ولذلك فإن كل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين آثار رسول الله ﷺ، لا ينفردون عن طائفة أهل السنة إلا بقول فاسد، ولا ينفردون بقول صحيح، وكل من كان عن السنة أبعد، كان انفراده بالأقوال والأفعال الباطلة أكثر. (^٥)\n\n<span data-type='title' id=toc-70>خامسًا: ويتميزون باعتقادهم أن الصحابةَ -رضوان الله عليهم-لم يكن أحدٌ منهم على بدعةٍ.</span>\nوما عُرفوا بذلك برغمِ ظهورِ بعض الفرقِ في زمانهم كالخوارجِ والقَدَرِيَة والشيعةِ ونحو ذلك، ومع ذلك ما عُرِفَ عن أحدٍ من أصحاب النبي ﷺ أنه قد حادَ عن هذا الطريق.\nونؤمنُ بأن أصحابَ النبي ﷺ كما وصفهم ابن مسعود حينما قال: \" من كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ \" (^٦)، أولئك أصحابُ\n_________\n(^١) البقرة.\n(^٢) مجموع الفتاوى ج ١٥/ ١٥٥ - ١٥٦ وانظر أيضا: مجموع الفتاوى ج ١٩/ ١٩٤، ومنهاج السنة ج ٤/ ٥٤٨، والاستقامة ج ١/ ٣ و٢/ ٣٠٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٠ - ١٤١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣/ ١٤١.\n(^٥) منهاج السنة ٣/ ٦٧\n(^٦) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ٩٤٧ رقم ١٨١٠)، وفي إسناده ضعف، إلا أنه أثر مشهور متداول في مصنفات أهل السنة، ومعناه صحيح مستقر عندهم","vol":"2","page":145},{"text":"محمد أبَّرُّ هذه الأمةِ قلوبًا وأعمُقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبةِ نبيه وإقامةِ دينه فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، وكما أُثِر عنه ﵁ حيث قال: \"إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبعُ ولا نبتدع\".\nفأصحابُ النبي ﷺ خيرُ هذه الأمة، والله تعالى قد زكَّاهم في كتابه وأمرَ بلزومِ سبيلهم حيث قال ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فرضيَ الله عن السابقين من المهاجرين والأنصار رضاءً مطلقا بدونِ قيد، ورضيَ عنهم بعدهم رضاءً مقيَّدًا .. مقيَّدًا بأي أمر؟ باتباعهم بإحسان ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ صدق الله\nونهى الله ﷾ عن الافتراقِ عنهم ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nنهى عن الافتراقِ عن هذا الطريقِ وهذا السبيل، والمعالم بحمد لله تعالى واضحة، مرجعيةٌ استقامَ عليها الأوائل وحفظوها لنا بأسانيدها الصحيحةِ الثابتة ونقلوها لنا، وأصبحت-بحمد الله تعالى-ميراثًا سليمًا من كل بدعةٍ ومن كل شائبة يتوارثه أهل السنَّةِ جيلًا بعدَ جيل، وينقله الخيارُ من هذه الأمة، ينقله ورثةُ الأنبياء لكلِّ جيلٍ من هذه الأجيال.\nفلذلك لا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بثباته وعدمِ اضطرابه، ولا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بلزومِ كلام الله وبلزومِ كلام رسوله ﷺ، ولا عجبَ أن يستمرَ هذا الإسناد محفوظًا جيلًا بعدَ جيل.\nفهذه هي مرجعيةُ أهل السنَّة التي بحمد الله تعالى نُقلِت لنا في كتبِ الاعتقاد، ولزِمَها أهلُ السنَّةِ على مدى هذه الأزمانِ وعلى هذه الأعصار.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخصٍ انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا للصحابة ﵃ أجمعين.\nفإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره","vol":"2","page":146},{"text":"حيث داروا؛ فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ؛ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسَلَّمًا إلى عالِمٍ واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.\nولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تُنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله إن كان حقًّا مأخوذًا عمَّا جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قِيلَ في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل (^١).\nقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (^٢)\nوقال أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك كما كان على ذلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم، فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم، فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا، فكيف بأصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بينه الرسول نظر في أقوال الناس، وما أرادوه بها، فعرضت على الكتاب والسنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>سادسًا: ومن سمات أهل الحق قولهم: أن العقل الصريح دائمًا موافقٌ للرسول ﷺ لا يخالفه قط.</span>\nفإن الميزان مع الكتاب، والله أنزل الكتاب بالحق والميزان؛ لكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا\n_________\n(^١) منهاج السنة ج ٥/ ٢٦١ - ٢٦٣.\n(^٢) التوبة.\n(^٣) الحشر.","vol":"2","page":147},{"text":"فيه، لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه؛ فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر بمحارات العقول لا تخبر بمحالات العقول، فهذا سبيل الهدى والسنة والعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>سابعًا: من سمات أهل السنة حرصهم على الجماعة والألفة ونبذهم للاختلاف والفرقة.</span>\nحرصهم على الجماعة والألفة، ودعوتهم لها وحث الناس عليها، ونبذهم للاختلاف والفرقة بين أهل العقيدة والتوحيد، وتحذير الناس من ذلك، كيف لا ورسول الله ﷺ قد قال: \"إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا\"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥، ١٠٦].\nقال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة.\nفمن منهجهم الحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق، فهم حريصون كل الحرص على وَحدة المسلمين، ولَمِّ شعثهم، وجمع كلمتهم على الحق، وإزالة أسباب النزاع والفرقة بينهم؛ لعلمهم أن الاجتماع رحمة، وأن الفرقة عذاب، ولأن الله ﷿ أمر بالائتلاف، ونهي عن الاختلاف؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٢، ١٠٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-73>ثامنًا: من سمات أهل السنة الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة.</span>\nفمن سماتهم الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة، بخلاف غيرهم ممن يأخذ جانبًا من هدي السلف ويدع الجانب الآخر، فيأخذون بالشدة في جميع أحوالهم أو باللين في جميع أحوالهم.\nأما أهل السنة فيجمعون بين هذا وهذا، وكل في موضعه، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومقتضيات الأحوال.\nوهم حقًا كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية: \"نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس\". (^١)\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ١٥٨","vol":"2","page":148},{"text":"وقال أيضًا: \"وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (^١). \" (^٢)\nقال ابن تيمية: \"ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى-فوق العرش لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، فكان هذا خطابنا، فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله\" (^٣)\nوهذه قصة يذكرها ابن تيمية تدلل على عدل أهل السنة وإنصافهم مع أهل البدع بالرغم من أنهم قد يلقون من المبتدعة ما يلقون من اعتداء وسوء معاملة حين تكون الغلبة لأولئك المبتدعة.\nقال ابن تيمية: \"وَأَهْلُ السُّنَّةِ نَقَاوَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِسَاحِلِ الشَّامِ جَبَلٌ كَبِيرٌ، فِيهِ أُلُوفٌ مِنَ الرَّافِضَةِ يَسْفِكُونَ دِمَاءَ النَّاسِ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلُوا خَلْقًا عَظِيمًا وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلَمَّا انْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ سَنَةَ غَازَانَ، أَخَذُوا الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَسْرَى وَبَاعُوهُمْ لِلْكُفَّارِ النَّصَارَى بِقُبْرُصَ، وَأَخَذُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْجُنْدِ، وَكَانُوا أَضَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ، وَحَمَلَ بَعْضُ أُمَرَائِهِمْ رَايَةَ النَّصَارَى، وَقَالُوا لَهُ: أَيُّمَا خَيْرٌ: الْمُسْلِمُونَ أَوِ النَّصَارَى؟ فَقَالَ: بَلِ النَّصَارَى. فَقَالُوا لَهُ: مَعَ مَنْ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: مَعَ النَّصَارَى. وَسَلَّمُوا إِلَيْهِمْ بَعْضَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا اسْتَشَارَ بَعْضُ وُلَاةِ الْأَمْرِ فِي غَزْوِهِمْ، وَكَتَبْتُ جَوَابًا مَبْسُوطًا فِي غَزْوِهِمْ، وَذَهَبْنَا إِلَى نَاحِيَتِهِمْ وَحَضَرَ عِنْدِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَجَرَتْ\n_________\n(^١) وَرَدَ هَذَا الْأَثَرُ فِي: الْبُخَارِيِّ ٦/ ٣٧ - ٣٨ كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، بَابُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وَنَصُّهُ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَانْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ ٢/ ٧٧ ط. دَارَ الشَّعْبِ\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧\n(^٣) الاستغاثة في الرد على البكري ١/ ٢٥٣","vol":"2","page":149},{"text":"بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مُنَاظَرَاتٌ وَمُفَاوَضَاتٌ يَطُولُ وَصْفُهَا، فَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَلَدَهُمْ، وَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، نَهَيْتُهُمْ عَنْ قَتْلِهِمْ وَعَنْ سَبْيِهِمْ، وَأَنْزَلْنَاهُمْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مُتَفَرِّقِينَ لِئَلَّا يَجْتَمِعُوا. \" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-74>تاسعًا: من سمات أهل السنة أنهم يعطون كل ذي حق حقه وهم أبعد الناس عن التكفير.</span>\nقال ابن تيمية ﵀: \"ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم\". (^٢)\nوقال ابن تيمية: \"وهذه حال أهل العلم والحق والسنّة؛ يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحًا للعباد، وبيانًا للهدى والسداد. ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى، ولم يحكموا عليه بالجهل، بل حكمه إلى الله والرسول؛ فمنهم من يُكفره الرسول، ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان، ومنهم من يعذره ويجعله من أهل الخطأ المغفور. والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد، يجعل له أجرًا على فعل ما أمر به من الاجتهاد، وخطؤه مغفور له؛ كما دلّ الكتاب. \" (^٣)\nوقال ابن تيمية: \"وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: \"كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ\" (^٤). \" (^٥)\nوقال ابن قيم الجوزية ﵀: وهو يتكلم عن أهل السنة: \"فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض والقول به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه ونفي باطل كل طائفة من\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٩ - ١٦٠\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٤٣\n(^٣) النبوات لابن تيمية ١/ ٤٢٢\n(^٤) وَرَدَ هَذَا الْأَثَرُ فِي: الْبُخَارِيِّ ٦/ ٣٧ - ٣٨ كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، بَابُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وَنَصُّهُ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَانْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ ٢/ ٧٧ ط. دَارَ الشَّعْبِ\"\n(^٥) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧","vol":"2","page":150},{"text":"الطوائف وكسره ومعاداة أهله من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا يقابلون بدعة ببدعة ولا يردون باطلا بباطل ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالاتهم بالعدل والله ﷾ أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ \". (^١)\nوقال ابن قيم الجوزية ﵀: \"والله تعالى يحب الانصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الاقوال والمذاهب وقد قال الله تعالى لرسوله وأمرت لأعدل بينكم فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل ينزوله يدين بدين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله\". (^٢)\nوقال ابن تيمية: \"فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُونَهُمْ; فَإِنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بَلْ هُمْ لِلرَّافِضَةِ خَيْرٌ وَأَعْدَلُ مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ. وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُونَ هُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ تُنْصِفُونَنَا مَا لَا يُنْصِفُ بَعْضُنَا بَعْضًا. \" (^٣)\nقال ابن تيمية: \"فإن الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحات، والعفو عنه من الخطأ والنسيان بحيث يستحق الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته، بحيث لا يكون محمودًا ولا مذمومًا على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم، وإنما يخالف في هذا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ونحوهم، الذين يقولون: من استحق المدح لم يستحق الذم، ومن استحق الثواب لم يستحق العقاب، ومن يستحق العقاب لم يستحق الثواب\" (^٤)\n_________\n(^١) شفاء العليل ص ١١٣\n(^٢) إعلام الموقعين ٤/ ١٤٨\n(^٣) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧\n(^٤) التسعينية ٣/ ١٠٣١","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>عاشرًا: من سمات أهل السنة أنهم قليل في زمن الفتن</span>\nقال الفضيل بن عياض: (عليك بطريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين). (^١)\nوقال سفيان بن عيينة: (اسلكوا سبيل الحق ولا تستوحشوا من قلة أهله). (^٢)\nوقال الحسن البصري: «يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس» (^٣)\nوعن عُمارة بن زاذان قال: قال لي أيوب: «يا عُمارة: إذا رأيت صاحب سنة وجماعة فاقبله على ما كان فيه». (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-76>الحادي عشر: ومن سمات أهل السنة أنهم يقولون: إن المسائل التي يقع الخلاف فيها ليست على درجة واحدة.</span>\nقرر أهل العلم أن المسائل التي يقع الخلاف فيها ليست على درجة واحدة.\nالقسم الأول: فثمة مسائل لا يسوغ الخلاف فيها لصراحة أدلتها واتفاق السلف عليها وتسمى المسائل الخلافية، وهذا النوع من المخالفة ينكر فيه القول، ويضلل فيه المخالف، وقد يبدع حسب ضوابط شرعية، وقواعد مرعية.\nوالقسم الآخر: هي المسائل التي يسوغ الخلاف فيها لتعارض أدلتها فيما يظهر للمجتهد أو لوقوع الخلاف فيها بين السلف الصالح وتسمى المسائل الاجتهادية.\nوالأصل في مسائل المعتقد أنها من قبيل المسائل الخلافية بخلاف المسائل الفقهية العملية، فالأصل أنها من المسائل الاجتهادية.\nقال ابن تيمية: (قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل:\nأما الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن\n_________\n(^١) المجموع للنووي (٨/ ٢٠٣)، الأذكار له (ص ١٦٠)، الاعتصام (١/ ١٣٥)، وأخرجه مسندًا بنحوه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٣٣١)، وعزاه النووي في (التبيان ص ١١٥) للحاكم.\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٢٩).\n(^٣) أخرجه اللالكائي (رقم ١٩).\n(^٤) المعجم لابن الأعرابي (٤٣١)","vol":"2","page":152},{"text":"لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء.\n(والثاني): وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيه مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد مالم يكن فيها دليل يوجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها\" (^١)\nوقال ابن قيم الجوزية: \"وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة … -إلى أن قال-: وقولهم: (إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها). ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل،\nأما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا وجب إنكاره اتفاقًا وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء.\nوأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم\". (^٢)\n_________\n(^١) بيان الدليل على بطلان التحليل «ص ٢١٠ - ٢١١»، ونقله ابن مفلح في الآداب الشرعية «١/ ١٩١».\n(^٢) إعلام الموقعين «٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣». وبنحو قولهما قال السمعاني في «قواطع الأدلة ٥/ ٦٢»، والنووي في «شرح مسلم ٢/ ٢٣».","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>الثاني عشر: ومن سمات أهل السنة أنهم يقولون: إن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق.</span>\nقال الشوكاني: \"ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم والمقتدين بهم أن يقول: الحق ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان. بل الواجب عليه-إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز-أن يرد ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن كان دليل الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق. ومن كان دليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر\" فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله، ولكن هذا إنما هو للمجتهد نفسه، إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يعذر كعذره، ولا يؤجر كأجره، بل واجب على من عداه من المكلفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. وإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدا، والذي لم يكن معه دليل الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددا كثيرا، فليس لعالم ولا لمتعلم ولا لمن يفهم-وإن كان مقصرا-أن يقول: إن الحق بيد من يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره. فإن ذلك جهل عظيم، وتعصب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة، لأن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق. وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومن لم يكن معصوما فإنه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى. ولا يتبين صوابه من خطئه إلا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كل من له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومن لم يفهم هذا ويعترف به فليتهم نفسه\" (^١)\n_________\n(^١) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٥","vol":"2","page":154},{"text":"«إلى أن حدث في آخر الأمة مَنْ قَلَّل اللهُ عددَهم ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا أن لا نعود مَرضاهم، ولا نشيع جنائزهم؛ فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دَفعها إلى أحكام المقاييس، وكفر المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين؛ فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل».\n<hr><s0>\n\nأشار رحمه الله تعالى إلى بعض سمات أهل الباطل وقد ذكر جملة منها في هذه الفتوى في مواطن متفرقة، ولعل في ذكرها مجتمعة مزيد فائدة لينتفع بها من أكرمه الله بالسير على منهج السلف الصالح، ولتكون تذكرة لمن حاد عن هذا المنهج لعل الله أن ينير بصيرته ويعود إلى صراط الله المستقيم وهذه السمات لمناهج أهل الباطل جمعتها وفق النقاط الآتية:\nأولًا: أنهم يجعلون أقوالهم هي الأصل ويجعلون ما جاء في الكتاب والسنة تبع لها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك أن يبتدع بدعةً برأي رجالٍ وتأويلاتهم، ثم يجعل ما جاء به الرسول تبعًا لها، ويحرف ألفاظه، ويتأول على وفق ما أصلوه\nوهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا يتلقون الهدى منه، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجةً لا عمدة، وما خالفهم تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني\" (^١)\nوقال أيضًا: \" وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.","vol":"2","page":155},{"text":"يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى \"الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ صنعه؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات ٢؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج؛ وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذبًا وضعيفًا كما يدّعيه الروافض؛ من النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ. \" (^١)\nوقال ابن تيمية: \"وجماع الأمر أن الأدلة نوعان: شرعية، وعقليه.\nفالمدعون لمعرفة الإلهيات بعقولهم، من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات، يقول من يخالف نصوص الأنبياء منهم: إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه، أو يقولون: عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناه، بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم.\nوالمدعون للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون: إن الأنبياء والسلف الذين اتبعوا الأنبياء لم يعرفوا معنى هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن الله، أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس، فهؤلاء الطوائف قد يقولون: نحن عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء على ما يوافق مدلول العقل، وفائدة إنزال هذه المتشابهات المشكلات اجتهاد الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذي لم يبينوا به مرادهم، أو أنا عرفنا الحق بعقولنا، وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها، كما لم يعرفوا وقت الساعة، ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها.\nأو يقولون: بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل، بل نحن منهيون عن معرفة العقليات، وعن فهم السمعيات، وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات، ولا يفهمون السمعيات. \" (^٢)\n_________\n(^١) النبوات لابن تيمية ١/ ٤٢٢\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٨ - ١٩","vol":"2","page":156},{"text":"ثانيًا: من سمات مناهج أهل الباطل أن عامتهم لا يعرفون ما جاء في الكتاب والسنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهؤلاء قد لا يعرفون ما جاء به الرسول: إما عجزًا وإما تفريطًا، فإنه يحتاج إلى مقدمتين:\nأن الرسول قال كذا، وأنه أراد به كذا.\nأما المقدمة الأولى: فعامتهم لا يرتابون في أنه جاء بالقرآن وإن كان من غلاة أهل البدع مَنْ يرتاب في بعضه لكن الأحاديث عامة أهل البدع جهال بها، وهم يظنون أن هذه رواها آحاد يجوزون عليهم الكذب والخطأ، ولا يعرفون من كثرة طرقها وصفات رجالها، والأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم بالحديث؛ فإن هؤلاء يقطعون قطعًا يقينًا بعامة المتون الصحيحة التي في الصحيحين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.\nوأما المقدمة الثانية: فإنهم لا يعرفون معاني القرآن والحديث، ومنهم من يقول: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، وقد بسطنا الكلام على فساد ذلك في غير هذا الموضع. \" (^١)\nوقال ابن تيمية: \"وإذا كانت الطائفة عن الله وعن رسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلّم صحة الحديث. وربما قال لقوله ﵇: كذا .. وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر\" (^٢)\nثالثًا: من سمات مناهج أهل الباطل أنهم يتعاملون مع النصوص بما يوافق أهواءهم\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على المذهب فيتأول تأويلاتهم، فالنصوص التي توافقهم يحتجون بها، والتي تخالفهم يتأولونها، وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر إتباع نص أصلًا، وهذا في البدع الكبار مثل الرافضة والجهمية» (^٣).\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٩٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ج ١٧/ ٣٣٤، ٤٤٤، ٤٤٥ وج ١٨/ ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٦٢، وج ٧/ ١١٨. ومنهاج السنة ج ٢/ ١٠٩ ودرء تعارض العقل والنقل ج ٣/ ٧٦، وكتاب النبوات ص ١٦٤ وبيان تلبيس الجهمية ج ١/ ٢٥٣، ٥٢٣.","vol":"2","page":157},{"text":"رابعًا: من سمات مناهج أهل الباطل:\n١ أنهم يلبسون الحق بالباطل.\n٢ أنهم يقيمون الباطل بدلًا عن الحق.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقوله ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) هما متلازمان فإن من لبّس الحق بالباطل فجعله ملبوسا به خفي من الحق بقدر ما ظهر من الباطل، فصار ملبوسًا ومن كتم الحق احتاج أن يقيم موضعه باطلا فيلبس الحق بالباطل، ولهذا كان كل من كتم من أهل الكتاب ما أنزل الله فلابد أن يظهر باطلا.\nوهكذا أهل البدع لا تجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة، كما جاء في الحديث «ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها» رواه الإمام أحمد (^١) وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (^٢).\nفلما تركوا حظا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره، فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (^٣) (^٤).\nفعلى المسلم أن يحذر من هاتين الصفتين الذميمتين فهي من سمات أهل الكتاب\" (^٥)\nخامسًا: من سمات مناهج أهل الباطل اتباع المتشابهات والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة.\nوقد قال النبي ﷺ في وصف أهل الأهواء والبدع: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه أولئك الذين سماهم الله فاحذروهم» (^٦)\n_________\n(^١) واللفظ عند أحمد: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة» ج ٤/ ١٠٥ ضعفه الألباني بهذا اللفظ في ضعيف الجامع رقم (٤٩٨٣) ورواه وفي المشكاة رقم (٤٨) ١٨٧. الدارمي في سننه ج ١/ ١٥٨ وعند عبد الرزاق في مصنفه: «ما ابتدع قوم بدعة قط إلا استحلوا بها السيف» ج ١٠/ ١٥١. وصحح الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام في المشكاة رقم (٤٩) ١٨٨.\n(^٢) المائدة آية (١٤).\n(^٣) الزخرف.\n(^٤) مجموع الفتاوى ج ٧/ ١٧٢، ١٧٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ج ١٥/ ١٥٥ - ١٥٦ وانظر أيضا: مجموع الفتاوى ج ١٩/ ١٩٤، ومنهاج السنة ج ٤/ ٥٤٨، والاستقامة ج ١/ ٣ و٢/ ٣٠٠\n(^٦) رواه البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٢٦٦٥)","vol":"2","page":158},{"text":"وقد تحدث علماء السلف عن سمات الفرق الهالكة وأسباب تفرقهم وما أحدثوه في الدين تحدثوا من باب النصيحة والتحذير.\nفقد سأل عمرو بن قيس الحكم بن عتبة: «ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال الخصومات» (^١) وقال الفضيل بن عياض: «لا تجادلوا أهل الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله» (^٢) وفي مصنف عبد الرزاق أن رجلًا قال لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم. فقال: كل هوى ضلالة» (^٣).\nوعن أبي قلابة قال: «ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف» (^٤).\nفالله تعالى قد ذم في كتابه من يتتبع المتشابهات ورسوله ﷺ كما عاقب عمر ﵁ صبيغًا.\nوقد صارت هذه العادة سمة وشعارا لأهل البدع والأهواء ومنهجا ينتهجونه في التلبيس، وسلَّما للوصول إلى بغيتهم وطريقًا في تحقيق نواياهم السيئة، ومِعْولًا يهدمون بها أصول الدين، ويعارضون بها الحق بعد ما تبين للناس، ويلبسون به على عقول العوام ويفسدون به دينهم بإلقاء الشبهات تارة وباستخدام الألفاظ المجملة والمعاني مشتبهة تارة أخرى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، مما كتبه في حبسه قال في أوله: \"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلي الهدى ويبصرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضالٍّ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون علي الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم\n_________\n(^١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ٨٢\n(^٢) رواه الدارمي برقم ٤٠٦\n(^٣) المصنف لابن أبي شيبة ١١/ ١٢٦\n(^٤) الشريعة للأجري ١/ ٤٦","vol":"2","page":159},{"text":"فنعوذ بالله من فتن المضلين\" (^١)\nوقال شيخ الإسلام في تعليقه على كلام الإمام أحمد ﵀: \"المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر.\nوالمقصود هنا قوله: \"يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم\" (^٢) وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة، التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانً أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال\"\nسادسًا: من سمات أهل الباطل طعنهم في الصحابة.\nفها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (^٣):\nأما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم. فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق.\nثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (^٤).\nوأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين.\n_________\n(^١) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ص ١/ ٦. ومجموع الفتاوى ج ١/ ٣ وج ٤/ ٢١٧ وج ١١/ ٤٣٥، وج ١٥/ ٢٨٤ وج ١٧/ ٣٠٠ ومنهاج السنة ج ٥/ ٢٧٣.\n(^٢) من كلام الإمام أحمد ﵀.\n(^٣) الفرق بين الفرق للبغدادي ٣١٨ وما بعدها\n(^٤) فضل الإجماع ص ١٤٠","vol":"2","page":160},{"text":"وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.\nأما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا آل البيت - وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية.\nوالإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.\nوالأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: \"ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض\" (^١). (^٢)\nفالخوارج طعنوا في أصحابِ النبي ﷺ، طعنوا ما طعنوا وكفَّروا ما كفَّروا.\nوكذلك جاء من بعدهم المعتزلة حتى يقول العمرو بن عبيد: \"لو جاءَ كلا الفريقين عليّ ومَن معه، ومعاوية ومَن معه، يشهدون عندي على حزمة بَقْل ما قبلت شهادةَ أحدٍ منهم\" فطعنوا بها في هذه المرجعية، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية.\nسابعًا: من سمات أهل الباطل انتقاصهم لعلوم السلف وقولهم: بأن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.\nقال ابن تيمية: \" ولا يجوز أن يكون الخالفون أَعْلَمَ مِنْ السَّالِفِينَ كَمَا قَدْ يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ مِمَّنْ لَمْ يُقَدِّرْ قَدْرَ السَّلَفِ؛ بَلْ وَلَا عَرَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا: مِنْ أَنَّ \"طَرِيقَةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ \"وَطَرِيقَةَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ \" فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ: إنَّمَا أَتَوْا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا: أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ﴾ وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧\n(^٢) المصدر موقع الدرر السنية الموسوعة العقدية","vol":"2","page":161},{"text":"مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ. فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ \" تِلْكَ الْمَقَالَةَ \" الَّتِي مَضْمُونُهَا نَبْذُ الْإِسْلَامِ وَرَاءَ الظَّهْرِ وَقَدْ كَذَبُوا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ. وَبَيْنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ. \" (^١)\nثامنا: من سمات أهل الباطل أنهم جمعوا بين الجهل والظلم\nقال ابن تيمية: \"وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ أَصْلٌ فَاسِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلٍ وَظُلْمٍ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي ظُلْمِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي ظُلْمِ النَّاسِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ أَعْدَلُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَالْخَوَارِجُ تُكَفِّرُ أَهْلَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الرَّافِضَةِ وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ فُسِّقَ. وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَبْتَدِعُونَ رَأْيًا، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ. \" (^٢)\nتاسعًا: ومن سمات مناهج أهل الباطل أن استدلالاتهم لا تخرج أن الأمور الآتية.\nما يحتج به أهل البدع فشبههم لا تخرج عن أحد الأمور التالية:\n١ - إما آيات وأحاديث صحيحة يتأولونها ويتعسفون في تفسيرها حتى توافق ما جاءوا به من الباطل مع أنه ليس فيها دلالة على ما يزعمون ويدعون.\n٢ - وإما أحاديث واهية أو موضوعة لا يحتج بها ولا يعتمد عليها بل هي مخالفة لأهم قواعد هذا الدين المبنية على الآيات والأحاديث الثابتة الصحيحة.\nوهذا الصنف هو أغلب بضاعتهم، بل وأكثر ما يستدلون به عند عرض بدعهم، إما جهلا منهم بحكم هذه الأحاديث، أو لعلمهم بأن هذا النوع من الأدلة هو مما يسهل ترويج باطلهم عند العوام الذين لا يستطيعون أن يميزوا بين الصحيح والضعيف من الأحاديث.\n٣ - وإما بحكايات مكذوبة منسوبة لبعض أئمة هذا الدين الذين لهم في نفوس الناس منزلة ومكانة. وتلك الحكايات مروية بأسانيد مظلمة عن رجال مجهولين وهي مردودة بما اشتهر عن أولئك الأئمة من أقوال ذكرت في كتبهم أو رويت عن طريق تلاميذهم بأسانيد صحيحة تؤكد زيف تلك، الحكايات المنسوبة إليهم وتبرهن على بطلانها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٨ - ٩\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧","vol":"2","page":162},{"text":"٤ - أو بمنامات لا تخلو من أحد أمرين إما كذب صاحبها أو تلبيس الشياطين عليه، ويشهد لهذا ويؤكده مخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله.\nويا سبحان الله كيف يتصور أن يترك ا، وسلم شرع الله من أجل أحلام ومنامات.\n٥ - أو أقوال من تكلم في الدين بلا علم، وليس معه فيما يقول ويدعى دليل شرعي، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.\n٦ - أو بحجج هي من جهة الرأي والذوق هي أوهن من بيوت العنكبوت ولا يخفى ضعفها وفسادها ومخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله إلا على الجهلة وأصحاب الهوى أتباع كل ناعق الذين لم يستضيئوا بنور العلم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون غلطا منه إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى\" (^١)\nوالمقام هنا لا يتسع لعرض تلك الشبه والرد عليها، فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فعليه بمظان ذلك في كتب علماء السلف (^٢)\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول \"الله ﷺ قال: \"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\" (^٣)\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٣٥٢)\n(^٢) انظر:\nأ-قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nب-الرد على الأخنائي لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nج-الرد على البكري لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nد-صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان للشيخ محمد بشير السهسواني.\nهـ-الصواعق المرسلة الشهابية للشبح سليمان بن سحمان.\nوغاية الأماني في الرد على النبهاني للشيخ محمود شكري الألوسي.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١/ ٥٠، ٥١)","vol":"2","page":163},{"text":"عاشرًا: من سمات أهل الباطل زعمهم أن أهل السنة أَهْلُ تَقْلِيدٍ لَيْسُوا أَهْلَ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ.\nقال ابن تيمية: \"وَمِنْ الْعَجَبِ: أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ أَهْلُ تَقْلِيدٍ لَيْسُوا أَهْلَ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حُجَّةَ الْعَقْلِ. وَرُبَّمَا حُكِيَ إنْكَارُ النَّظَرِ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَهَذَا مِمَّا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِمْ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَيْسَ هَذَا بِحَقِّ. فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَا يُنْكِرُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ هَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ. وَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي غَيْرِ آيَةٍ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَعُلَمَائِهَا أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ النَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ وَالتَّدَبُّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَكِنْ وَقَعَ اشْتِرَاكٌ فِي لَفْظِ \" النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ \" وَلَفْظِ \" الْكَلَامِ \" فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا مَا ابْتَدَعَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ بَاطِلِ نَظَرِهِمْ وَكَلَامِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ فَاعْتَقَدُوا أَنَّ إنْكَارَ هَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِإِنْكَارِ جِنْسِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يُسَمِّي مَا وَضَعَهُ \" أُصُولَ الدِّينِ \" وَهَذَا اسْمٌ عَظِيمٌ وَالْمُسَمَّى بِهِ فِيهِ مِنْ فَسَادِ الدِّينِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. فَإِذَا أَنْكَرَ أَهْلُ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ ذَلِكَ قَالَ الْمُبْطِلُ: قَدْ أَنْكَرُوا أُصُولَ الدِّينِ. وَهُمْ لَمْ يُنْكِرُوا مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى أُصُولَ الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا مَا سَمَّاهُ هَذَا أُصُولَ الدِّينِ وَهِيَ أَسْمَاءٌ سَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ بِأَسْمَاءِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَدْ بَيَّنَ أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ قَدْ بَيَّنَ فُرُوعَ الدِّينِ دُونَ أُصُولِهِ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَهَكَذَا لَفْظُ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ \". وَعَامَّةُ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ إنَّمَا تَطَرُّقُ مَنْ لَمْ يَعْتَصِمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا كَانَ\" (^١)\nالحادي عشر: ومن سمات أهل الباطل تكفيرهم لخصومهم\nقال ابن تيمية: \"وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَحَدٌ إلَّا وَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ مَقَالَةٌ يُكَفِّرُ قَائِلُهَا عُمُومَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَصْحَابَهُ وَفِي التَّعْمِيمِ مَا يُغْنِي عَنْ التَّعْيِينِ فَأَيُّ فَرِيقٍ أَحَقُّ بِالْحَشْوِ وَالضَّلَالِ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الرِّدَّةِ فِيهِمْ كَمَا يُوجَدُ النِّفَاقُ فِيهِمْ كَثِيرًا. وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَقَالَاتِ الْخَفِيَّةِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِيهَا مُخْطِئٌ ضَالٌّ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ صَاحِبُهَا؛ لَكِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي طَوَائِفَ مِنْهُمْ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٥ - ٥٦","vol":"2","page":164},{"text":"فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَعْلَمُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ \" (^١)\nالثاني عشر: من سمات أهل الباطل اضطراب أقوالهم وتنقلهم من قول إلى قول.\nقال ابن تيمية ﵀: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل (^٢) \" (^٣)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٣\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٦\n(^٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠","vol":"2","page":165},{"text":"«ثم ذكر: المأثور عن ابن عباس، وجوابه لِنَجدة الحروري». (^١)،\n<hr><s0>\n\nنجدة الحروري: هو نجدة بن عامر الحنفي، الخارجي، الحروري، رأس من رءوس الخوارج، وزعيم فرقة النجدات، انشق عليه أصحابه وقتلوه سنة تسع وستين.\nوالأثر المذكور نصه عن عكرمة أنَّ نجدة قال لابن عباس: «كيف معرفتك بربِّك؛ لأن مَنْ قبلنا اختلفوا علينا؛ فقال: إنَّ مَنْ ينصب دينه للقياس لا يزال الدهر في التباس، مائلًا عن المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، أعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية، أصفه بما وصف به نفسه» (^٢).\n_________\n(^١) نجدة الحروري: هو نجدة بن عامر الحنفي، الخارجي، الحروري، رأس من رءوس الخوارج، وزعيم فرقة النجدات، انشق عليه أصحابه وقتلوه سنة تسع وستين.\n(^٢) الأثر أخرجه الهروي في «ذم الكلام وأهله» (٧٢٣)","vol":"2","page":166},{"text":"«ثم حديث الصورة (^١)، وذكر أنه صنف فيه كتابًا مفردًا، واختلاف الناس في تأويله».\n<hr><s0>\n\nوقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنَّ الله خلق آدم على صورته»، فمعناه: أن الله جل وعلا خلق آدم على صورة الرَّحمن ﷾؛ يعني: على صفاته سبحانه، فخصَّ آدم من بين المخلوقات بأنَّ له من الصفات مِنْ جنس صفات الله جل وعلا؛ فلله ﷾ وجه وجعل لآدم وجهًا، وله سمع وجعل لآدم سمعًا، وله بصر وجعل لآدم بصرًا، إلى آخر ذلك.\nفهذا اشتراك في الصفة، والاشتراك في الصفة لا يعني الاشتراك في الكيفية، وكما جاء في الحديث: «خلق الله آدم على صورته»، ف (على) تقتضي الاشتراك في جنس الصفة وفي أصل معناها، ولا تقتضي المشابهة ولا المماثلة في الكيفية ولا في الصفة.\nوهذا هو التحقيق في معنى الحديث، خلافًا لمن فهموا منه التمثيل أو التشبيه أو الذين ردوه أو الذين جعلوا معنى الصورة: الصورة الخاصة، وليست الصورة العامة التي هي بمعنى الصفات.\nفالله سبحانه له صورة مثل ما جاء في أحاديث كثيرة غير حديث الصورة هذا، كما جاء مثلًا في الحديث: «قالَ أُنَاسٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقالَ: «هلْ تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: «هلْ تُضَارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ليسَ دُونَهُ سَحَابٌ». قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: «فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَومَ القِيَامَةِ كَذلكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فيَقولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، ويَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، ويَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ،\n_________\n(^١) وهو ما أخرجه البخاري ومسلم (٢٦١٢) من حديث أبي هريرة ﵁: «إذا قاتَلَ أحَدُكُمْ أخاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ، فإنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ علَى صُورَتِهِ».","vol":"2","page":167},{"text":"وتَبْقَى هذِه الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في غيرِ الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ، هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ» (^١).\nفجاء في هذا الحديث إثبات الصورة لله جل وعلا؛ فالله ﷾ له صورة تليق بجلاله وعظمته، ولا يجوز أن نجعل هذه الصورة كصورة الإنسان؛ لأن هذا تمثيل والقاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nوقال الشيخ عبد الكريم الخضير في حديث النبي ﷺ: «إذا قاتَلَ أحَدُكُمْ أخاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ، فإنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ علَى صُورَتِهِ»، قال: «ليس معناه أن صورةَ آدمَ مماثلةٌ لصورةِ الرحمنِ ﷾، ولكن معناه: أن لآدمَ صورةً مشتمِلةً على صفاتٍ نظيرَ الصفاتِ التي أُثْبِتَتْ للرَّحمنِ، فآدمُ له وجهٌ يليق به، واللهُ له وجهٌ يليق به، وآدمُ له بصرٌ وسمعٌ ويدٌ ورِجْلٌ على ما يليق به، واللهُ له بصرٌ وسمعٌ ويدٌ ورِجْلٌ على ما يليق به ﷾، فكلٌّ له ما يَخُصُّه وإن اتَّحَدَ الاسمُ. ويشهد لذلك أن في الجنةِ رُمَّانًا وفي الدنيا رمانًا، ولا يلزم من ذلك التماثل؛ إذ ليس في الجنةِ مما في الدنيا إلا الأسماءُ، ومجردُ الاتفاقِ في الاسمِ لا يعني الاتفاقَ في المسمى من كلِّ وجهٍ، وجاءَ في الحديثِ الصحيحِ: «أولُ زُمْرةٍ تدخُلُ الجنةَ على صورةِ القمرِ» (^٢)، وليس معنى هذا أن هؤلاء يدخلون الجنَّةَ بهذا الشكلِ المُدوَّرِ الذي لا يَشتَمِلُ على عينٍ ولا أنفٍ ولا فمٍ ولا غيرها، لكِنْ لهم صورةٌ كما أن للقمرِ صورةً. وكذلك الحال في حديث: «خلق الله آدم على صورته»، فلا يعني أن الصورة مثل الصورة. والله أعلم».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":168},{"text":"«ثم قال: وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ، وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المُثبتة إن شاء الله».\n<hr><s0>\n\nيشير هنا إلى أمرين:\nالأمر الأول: ثبات قول أهل الحق واتفق قولهم.\nولذلك من مزايا أهل الحق الثبات، فقول أصحاب النبي ﷺ هو قولنا في هذا اليوم، لم يختلف ولم يتبدل، ليس لنا مصدر إلا من هذا الطريق.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة، أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة\" (^١)\nولذلك أهلُ السنَّةِ قديمًا وحديثًا، شرقًا وغربًا، وعلى اختلاف أزمانهم وأماكنهم هم على قولٍ واحد في سائرِ أمورِ هذا الدين وبالتحديدِ في أصولِ هذا الدين، لا تجدُ اختلافًا ولا تجدُ اضطرابًا فقولهم في أسماء الله وصفاته واحد، وقولهم في بابِ الإيمان واحد، وقولهم في بابِ القدَرِ واحد. إلى غيرِ ذلك من مسائل الدين.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وربنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وديننا واحد، وأصل الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحلّ الافتراق، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران ١٠٣] \" (^٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرًا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة .. ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٥١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٠٥.","vol":"2","page":169},{"text":"لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.\nوبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة.) (^١)\nولذلك قام علماء الإسلام بحفظ آثارهم وأقوالهم، وحفظوها، ونقلوها بأسانيدها كما نقل كلام الله ﷿، وكلام نبيه ﷺ، فاستقاموا على هذا الأمر. فإذا لو سئل صاحب السنة: ما مصدر التلقي عندكم فالجواب: كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ على وفق فهم السلف الصالح. فإذًا الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر.\nالأمر الثاني: تميز أهل السنة باتصال السند.\nتميَّز قول أهل السنة باتصال السَنَد، فما كان عليه أصحابُ النبي ﷺ فأهل السنة-بحمد الله تعالى-يقولُون به إلى يومنا هذا ويعتقدونه ويدينُون الله ﷿ به، فسندهم متصل، بخلافِ أهلِ البدعِ والأهواء فنجد أن سندهم منقطع؛ ينقطعُ إلى فلانٍ من الناس ولا يمكنُ بأي حالٍ من الأحوال أن يتصلَ ذلك إلى أصحابِ النبي ﷺ فضلًا عن أن يتصلَ إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ.\nويصف الأصفهاني هذا الأمر فيقول: \"ومما يدل علي أن أهل الحديث هم أهل الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار - وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأن جاء على قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دين أبين من هذا؟ \" (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠.\n(^٢) الحجة في بيان المحجة ٢/ ٢٢٤.","vol":"2","page":170},{"text":"«ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها»\n<hr><s0>\n\nمسألة الإمامة الكبرى يذكرها علماء أهل السنة والجماعة في ضمن مسائل الاعتقاد وذلك تحت عنوان الخلافة والإمامة، ومعلوم أن الإمامة على نوعين: صغرى وكبرى، فالصغرى إمامة الصلاة، والعظمى أو الكبرى إمامة المسلمين.\nفدونوا هذه القواعد في هذه المسائل في كتب عقائدهم لكي يعرف الإنسان ماذا يجب عليه تجاه ولي أمره، لما في ذلك من المصالح الكبرى والصغرى المتحققة من جراء ذلك\nوهناك عدد من المسائل تحت هذا الباب:\nالمسألة الأولى: السمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى.\nالمسألة الثانية: من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين.\nالمسألة الثالثة: لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إماما، برا كان أو فاجرا.\nوسيكون الشرح وفق هذا التقسيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>أما المسألة الأولى: السمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى.</span>\nفهذه من الأصول والقواعد المهمة، فالسمع والطاعة للأئمة تكون بالمعروف، وفيما يحب الله ويرضى، ويمكن تناول هذه المسألة من جانبين:\nالجانب الأول: وجوب السمع والطاعة لولي الأمر.\nفمن عقيدة أهل السنة والجماعة السمع والطاعة للأئمة فيما يُحب الله ويرضى، فالسمع والطاعة إنما يكون في المعروف إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.\nفلابد من السمع والطاعة في المنشط وفي المكره وفيما تُحب وفيما لا تُحب بشرط أن يكون ذلك المأمور به ليس فيه معصيةٌ لله ﷿، فلابد من السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين","vol":"2","page":171},{"text":"ومن الأدلة على ذلك:\n• قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].\n• وقال ﵊: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني).\nفمأمورٌ أن تسمع وتطيع حتى وإن كان ذلك الشخص على فجور، وكما قال النبي ﷺ: «أدوا الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم» (^١)، ومعلومٌ أن ولاية أمر المسلمين واستتبابها فيه من المصالح العظمى للدين والدنيا ما يعلمه كل عاقل، فمن أول المصالح استتباب الأمن، واستتباب الأمن معنى ذلك أن الشعائر ستُقام، ومعنى ذلك أن الأعراض والأموال والأنفس ستُحفظ، وإذا ضاع أمن الناس فإن الواحد منهم لن يستطيع حتى أن يقيم صلاة الجماعة، ولن يستطيع أن يأمن على نفسه ولا على ماله، ولا على عرضه.\nفنعمة الأمن من أعظم النعم، ومن أسباب تحقيقها استقرار الحكم لولي الأمر، ونحن نرى بعض البلدان التي انعدم أمنها بسبب عدم استقرار الحكم فيها، أما البلد الذي استقر فيه الحكم لولي الأمر في ذلك البلد الغالب عليه الأمن والاستقرار.\nفكل بلدٍ متى ما كان لها ولي أمر استقر حالها، واستتب أمنها.\nوهذا بخلاف أهل البدع، فإنهم لا يسمعون ولا يطيعون لولاة الأمور، كالخوارج، فهم يرون أن ولي الأمر إذا عصى كفر ووجب قتله وخلعه وإزالته من الإمامة، وكذلك المعتزلة فإنهم يرون أنه إذا عصى ولي الأمر وفعل الكبيرة خرج من الإمامة فلا يطيعونه، بل إن من أصول الدين عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه الخروج على ولاة الأمور إذا جاروا وظلموا، والروافض كذلك يرون أنه ليس هناك طاعة إلا للإمام المعصوم، وأما ولاة الأمور الموجودين في كل وقت فهم كفرة فسقة يجب قتلهم وخلعهم وإزالتهم من الإمامة، ولا طاعة إلا للإمام المعصوم، وهم الأئمة الاثنا عشر الذي نص عليهم بزعمهم.\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كتاب الفتن، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» برقم (٧٠٥٢)، ومسلم كتاب الإمارة، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٣)، والترمذي (٢١٩٠)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (٣٦٤١).","vol":"2","page":172},{"text":"الجانب الثاني: أن السمع والطاعة تكون بالمعروف.\nومن الأدلة على ذلك:\n• عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» (^١).\n• عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» (^٢).\n• وحديث عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، قَالُوا: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» (^٣) ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور للمعاصي بل يجب الصبر وعدم الخروج.\n• وحديث: (لا طاعة لمخلوق في معصية اللهِ ﷿ (^٤).\n• قوله ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (^٥).\nأقوال العلماء (^٦):\nقال أبو الحسنِ الأشعريُّ ﵀ وهو يُعدِّدُ ما أَجْمَعَ عليه السلفُ مِنَ الأصول:\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣/ ١٤٦٩) (١٨٣٩).\n(^٢) رواه مسلم (١/ ٤٤٨) (٦٤٨).\n(^٣) رواه مسلم (٣/ ١٤٨٢) (١٨٥٥).\n(^٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٠٩٥) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ل: «مسند أحمد» (٢/ ٢٤٨)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠ (.\n(^٥) أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ السمعِ والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁.\n(^٦) وللمَزيدِ يمكن مُراجَعةُ المَصادِرِ التالية: «مقالات الإسلاميِّين» (١/ ٣٤٨) و«الإبانة» (٦١) كلاهما للأشعري، «الشريعة» للآجُرِّي (٣٨ - ٤١)، «اعتقاد أئمَّة الحديث» للإسماعيلي (٧٥ - ٧٦)، «الشرح والإبانة» لابن بطَّة (٢٧٦ - ٢٧٨)، «الاعتقاد» للبيهقي (٢٤٢ - ٢٤٦)، «العقيدة الواسطية» مع شرحها للهرَّاس (٢٥٧ - ٢٥٩)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٢/ ٥٤٠ - ٥٤٤).","vol":"2","page":173},{"text":"«وأجمعوا على السَّمْعِ والطَّاعةِ لأئمَّةِ المسلمين، وعلى أنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ شيئًا مِنْ أمورهم عن رِضًى أو غَلَبةٍ وامتدَّتْ طاعتُه مِنْ بَرٍّ وفاجرٍ لا يَلْزَمُ الخروجُ عليهم بالسيف، جارَ أو عَدَلَ» (^١).\nوقال الصابونيُّ ﵀: «ويرى أصحابُ الحديثِ: الجمعةَ والعيدين وغيرَهما مِنَ الصلوات خَلْفَ كُلِّ إمامٍ مسلمٍ بَرًّا كان أو فاجرًا، ويَرَوْنَ جهادَ الكَفَرَةِ معهم وإِنْ كانوا جَوَرَةً فَجَرَةً، ويَرَوْنَ الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبَسْطِ العدل في الرعيَّة، ولا يَرَوْنَ الخروجَ عليهم وإِنْ رَأَوْا منهم العدولَ عن العدل إلى الجَوْرِ والحيف، ويَرَوْنَ قتالَ الفِئَةِ الباغية حتَّى ترجع إلى طاعةِ الإمام العَدْل» (^٢).\nوقال ابنُ تيميَّة ﵀: «فأهلُ السنَّةِ لا يُطيعون وُلَاةَ الأمورِ مطلقًا، إنما يُطيعونهم في ضِمْنِ طاعةِ الرسول ﷺ، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]» (^٣)، وقال ﵀ أيضًا: «ولهذا كان مذهبُ أهلِ الحديث: تَرْكَ الخروجِ بالقتال على الملوك البُغَاة، والصبرَ على ظُلْمِهم إلى أَنْ يَسْتريحَ بَرٌّ أو يُسْتراحَ مِنْ فاجرٍ» (^٤).\nوقال النوويُّ ﵀: «لا تُنازِعوا وُلَاةَ الأمورِ في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلَّا أَنْ تَرَوْا منهم مُنْكَرًا مُحقَّقًا تعلمونه مِنْ قواعدِ الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأَنْكِروه عليهم وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأمَّا الخروجُ عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماعِ المسلمين وإِنْ كانوا فَسَقَةً ظالمين، وقد تَظاهَرَتِ الأحاديثُ بمَعْنَى ما ذَكَرْتُه، وأَجْمَعَ أهلُ السنَّة أنه لا يَنْعَزِلُ السلطانُ بالفسق» (^٥).\nفالسمع والطاعة تكون لولاة الأمور في طاعة الله، أما المعاصي فلا يطاع فيها، فإذا أمر الأمير شخصًا بشرب الخمر فلا يطيعه، أو أمره أن يقتل أحدًا بغير حق لا يطيعه، وإذا أمر الوالد ولده بالمعصية فلا يطيعه، وإذا أمر الزوج زوجته بالمعصية فلا تطيعه، وإذا أمر السيد عبده بالمعصية فلا يطيعه، لكن لا يتمرد عليه، فليس للرعية أن يتمردوا على الأمير أو ولي الأمر، بل لا يطيعونه في المعصية وما عدا ذلك فيطيعونه، في الأمور المباحة ويطيعونه في طاعة الله ورسوله.\n_________\n(^١) «رسالةٌ إلى أهل الثغر» للأشعري (٢٩٦).\n(^٢) عقيدة السلف» للصابوني (٩٢ (.\n(^٣) منهاج السنَّة» لابن تيمية (٢/ ٧٦).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٤٤ (.\n(^٥) «شرح النووي على مسلم» (١٢/ ٢٢٩ (.","vol":"2","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>المسألة الثانية: أن من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين.</span>\nفمن صور الولاية وهي: (ومن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين).\nوصور الخلافة متعددة منها:\nالصورة الأولى: وهى الصورة المثلى لقيام الخلافة أو الولاية، هي أن تكون الخلافة بإجماع الناس، وإجماع الناس يتحقق بصور شتى، فغالبًا ما يكون باتفاق أهل الحل والعقد؛ لأن الناس في شعائر الدين الكبرى مثل الحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي مصالح الدنيا العظمى مثل البيعة والسمع والطاعة وغيرها، لا يتم أمرهم إلا بأهل الحل والعقد منهم، ومن سوى أهل الحل والعقد تبع لأهل الحل والعقد بالضرورة؛ لأن الدهماء والعامة والغوغاء والسواد الأعظم لا يمكن تحقيق رغبتهم جميعًا أو التعرف على آرائهم بطريق سليم، ولا يمكن أيضًا أن يكون عندهم من الفقه والرشد ما يجعلهم يعرفون المصالح العظمى للأمة كما يريد الله ﷿، وكما هو على قواعد الشرع.\nفإذا اجتمع على الخليفة أهل الحل والعقد، وليس المراد بإجماع الناس كل فرد بعينه، بل المراد أهل الحل والعقد ورؤساء القبائل والأعيان والوجهاء فإذا بايعوه تمت البيعة، ولا يشترط أن يبايع كل واحد بعينه،\nفعلى هذا فالإجماع ينعقد في مسألة الولاية والخلافة ببيعة أهل الحل والعقد، وهذه صورة من صور الولاية تتبعها أو تأتي دونها صور أخرى.\nقال الشوكانيُّ ﵀: «طريقُها أَنْ يجتمع جماعةٌ مِنْ أهلِ الحَلِّ والعقد فيعقدون له البَيْعةَ ويقبل ذلك، سواءٌ تَقَدَّمَ منه الطلبُ لذلك أم لا، لكنَّه إذا تَقَدَّمَ منه الطلبُ فقَدْ وَقَعَ النهيُ الثابتُ عنه ﷺ عن طَلَبِ الإمارة (^١)؛ فإذا بُويِعَ بعد هذا الطلبِ انعقدَتْ ولايتُه وإِنْ أَثِمَ بالطلب، هكذا ينبغي أَنْ يُقالَ على مقتضى ما تَدُلُّ عليه السنَّةُ\n_________\n(^١) وذلك في حديثِ عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا …» الحديث [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ مَنْ لم يَسْألِ الإمارةَ أعانَهُ اللهُ عليها (٧١٤٦)، ومسلمٌ في «الأيمان» (١٦٥٢) [.","vol":"2","page":175},{"text":"المطهَّرة، … والحاصلُ: أنَّ المُعْتَبَرَ هو وقوعُ البَيْعةِ له مِنْ أهلِ الحَلِّ والعقد؛ فإنها هي الأمرُ الذي يجب بَعْدَه الطاعةُ ويَثْبُتُ به الولايةُ وتَحْرُمُ معه المُخالَفةُ، وقد قامَتْ على ذلك الأدلَّةُ وثَبَتَتْ به الحجَّةُ …»، ثمَّ قال: «قد أَغْنَى اللهُ عن هذا النهوضِ وتَجَشُّمِ السفر وقَطْعِ المَفاوِزِ ببَيْعةِ مَنْ بايَعَ الإمامَ مِنْ أهل الحَلِّ والعقد؛ فإنها قد ثَبَتَتْ إمامتُه بذلك ووَجَبَتْ على المسلمين طاعتُه، وليس مِنْ شرطِ ثبوتِ الإمامةِ أَنْ يُبايِعَهُ كُلُّ مَنْ يصلح للمُبايَعة، ولا مِنْ شرطِ الطاعةِ على الرجل أَنْ يكون مِنْ جملةِ المُبايِعِين؛ فإنَّ هذا الاشتراطَ في الأمرين مردودٌ بإجماع المسلمين: أوَّلِهم وآخِرِهم، سابِقِهم ولاحِقِهم» (^١).\nالصورة الثانية: ثبوت البيعة بتعيين جماعةٍ تختار وليَّ العهد:\nوذلك بأَنْ يَعْهَدَ ولِيُّ الأمرِ الأوَّلُ إلى جماعةٍ معدودةٍ تَتوفَّرُ فيها شروطُ الإمامةِ العُظْمى؛ لِتقومَ باختيارِ وليِّ العهدِ المُناسِبِ فيما بينهم يَتوالَوْن عليه ويُبايِعونه، كمِثْلِ ما فَعَلَ عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁، حيث عَهِدَ إلى نَفَرٍ مِنْ أهل الشورى لاختيارِ واحدٍ منهم، قال الخطَّابيُّ ﵀: «ثمَّ إنَّ عُمَرَ لم يُهْمِلِ الأمرَ ولم يُبْطِلِ الاستخلاف، ولكِنْ جَعَلَهُ شُورَى في قومٍ معدودين لا يَعْدُوهم؛ فكُلُّ مَنْ أقامَ بها كان رِضًا ولها أهلًا؛ فاختاروا عثمانَ وعَقَدوا له البَيْعةَ» (^٢)، ثمَّ لَمَّا اسْتُشْهِدَ عثمانُ ﵁ بايَعُوا عليًّا ﵁.\nفتصلح الخلافة بالانتخاب والاختيار كما ثبتت الخلافة ل أبي بكر الصديق ﵁ بالاختيار والانتخاب، وكما ثبتت الولاية أيضًا ل عثمان باختيار أهل الحل والعقد وبالإجماع، وكما ثبتت الخلافة ل علي بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد.\nالصورة الثالثة: الخلافة بولاية العهد من الخليفة السابق.\nفتثبت الخلافة بولاية العهد من الخليفة السابق كما ثبتت الخلافة ل عمر ﵁ بولاية العهد من أبي بكر.\nوذلك بأَنْ يَعْهَدَ وليُّ الأمرِ إلى مَنْ يَرَاهُ أَقْدَرَ على مَهَمَّةِ حمايةِ الدِّين وسياسةِ الدنيا فيَخْلُفَه مِنْ بَعْدِه؛ فإنَّ بَيْعَته على الإمامةِ تَلْزَمُ بعهدِ مَنْ قَبْلَه، كمِثْلِ ما وَقَعَ مِنْ عهدِ أبي بكرٍ لعُمَرَ ﵄؛ فإنَّ الصدِّيقَ ﵁ لَمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ عَهِدَ إلى عُمَرَ ﵁ في الإمامة، ولم يُنْكِرْ ذلك الصحابةُ ﵃، وقَدِ اتَّفَقَتِ الأمَّةُ على انعقادِ الإمامة بولايةِ\n_________\n(^١) «السيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٥١١ - ٥١٣).\n(^٢) «مَعالِم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٣/ ٣٥١).","vol":"2","page":176},{"text":"العهد، وقد عَهِدَ مُعاويةُ ﵁ إلى ابنه يَزيدَ كما عَهِدَ غيرُهم، ويدلُّ عليه أنَّ رسول الله ﷺ أعطى الرايةَ يوم مُؤْتَةَ زيد بنَ حارثةَ وقال: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ» (^١)، فاسْتُشْهِدُوا جميعًا، ثمَّ أَخَذَها خالدُ بنُ الوليدِ ولم يكن رسولُ الله ﷺ تَقَدَّمَ إليه في ذلك، والحديثُ دلَّ على وجوبِ نَصْبِ الإمامِ والاستخلافِ، قال الخطَّابيُّ ﵀: «فالاستخلافُ سنَّةٌ اتَّفَقَ عليها المَلَأُ مِنَ الصحابة، وهو اتِّفاقُ الأمَّة، لم يُخالِفْ فيه إلَّا الخوارجُ والمارقةُ الذين شَقُّوا العَصَا وخَلَعُوا رِبْقَةَ الطاعة» (^٢).\nالصورة الرابعة: من صور الخلافة بالقوَّة والغلبة والقهر.\nفهو صورة من صور إقامة الإمامة في الدين، فإمامة الناس في دينهم ودنياهم وهي الإمارة التي لها السمع والطاعة فقد تكون بالغلبة أيضًا، وتثبت الخلافة أيضًا بالقوة والغلبة إذا غلب الناس بسيفه وقهرهم بسيفه واجتمعت عليه الكلمة فتمت له البيعة ولا يجوز الخروج عليه، حتى لو لم يكن الأمر برضا أهل الحل والعقد.\nفإذا غَلَبَ على الناسِ حاكمٌ بالقوَّة والسيف حتَّى أَذْعَنُوا له واستقرَّ له الأمرُ في الحكمِ وتمَّ له التمكينُ؛ صارَ المتغلِّبُ إمامًا للمسلمين وإِنْ لم يَسْتَجْمِعْ شروطَ الإمامة، وأحكامُه نافذةٌ، بل تجب طاعتُه في المعروف وتَحْرُمُ مُنازَعتُه ومعصيتُه والخروجُ عليه قولًا واحدًا عند أهلِ السنَّة؛ ذلك لأنَّ طاعته خيرٌ مِنَ الخروج عليه؛ لِمَا في ذلك مِنْ حَقْنِ الدماءِ وتسكينِ الدَّهْماء، ولِمَا في الخروجِ عليه مِنْ شَقِّ عَصَا المسلمين وإراقةِ دمائهم، وذهابِ أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم، قال الإمامُ أحمد ﵀: «ومَنْ خَرَجَ على إمامٍ مِنْ أئمَّةِ المسلمين وقد كان الناسُ اجتمعوا عليه وأَقَرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرِّضَا أو الغَلَبة؛ فقَدْ شَقَّ هذا الخارجُ عَصَا المسلمين، وخالَفَ الآثارَ عن رسول الله ﷺ، فإِنْ مات الخارجُ ماتَ مِيتةً جاهليَّةً، ولا يَحِلُّ قتالُ السلطانِ ولا الخروجُ عليه لأَحَدٍ مِنَ الناس؛ فمَنْ فَعَلَ ذلك فهو مُبْتَدِعٌ على غيرِ السنَّةِ والطريق» (^٣).\nوقد حَكَى الإجماعَ على وجوبِ طاعةِ الحاكمِ المُتغلِّبِ الحافظُ ابنُ حجرٍ ﵀\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٧٥٠) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ جعفرٍ ﵄. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ل: «مسند أحمد» (٣/ ١٩٢)، والألبانيُّ في «أحكام الجنائز» (٢٠٩).\n(^٢) «مَعالِم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٣/ ٣٥١).\n(^٣) «المسائل والرسائل» للأحمدي (٢/ ٥).","vol":"2","page":177},{"text":"في «الفتح» (^١)، والشيخُ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب ﵀ كما في «الدُّرَر السنيَّة» (^٢).\nفمن ولي الخلافة إما بإجماع المسلمين ورضاهم به، فهو بهذا أميرٌ عليهم أو حتى لو كان عن غلبة بحيث استتب له الأمر في ذلك فإنه عند أهل السنة لابد من السمع والطاعة له، أما إذا كان هناك إمامان وكان أولهما قد بويع وجاء آخر وأراد أن يخرج على هذا الإمام ويدعي الإمامة له فإنه يُقاتل الثاني ويكون الأمر والطاعة للأول منهما.\nلقوله ﷺ: \"ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر\" (^٣).\nوقوله ﷺ: \" إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما \" (^٤).\nقال النوويُّ ﵀: «وأمَّا الطريقُ الثالثُ فهو القهرُ والاستيلاء: فإذا ماتَ الإمامُ فتَصَدَّى للإمامة مَنْ جَمَعَ شرائطَها مِنْ غيرِ استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقَهَرَ الناسَ بشوكته وجنوده؛ انعقدَتْ خلافتُه ليَنْتَظِمَ شَمْلُ المسلمين، فإِنْ لم يكن جامعًا للشرائط بأَنْ كان فاسقًا أو جاهلًا فوجهانِ: أَصَحُّهما: انعقادُها لِمَا ذَكَرْناهُ وإِنْ كان عاصيًا بفِعْلِه» (^٥).\nوبعد بيان طرق الولاية العامة يتبقى هنا ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: انعقادُ الولايةِ أو الإمامةِ العُظْمى بأساليبِ النُّظُمِ المُسْتَوْرَدَةِ\nأمَّا انعقادُ الولايةِ أو الإمامةِ العُظْمى بأساليبِ النُّظُمِ المُسْتَوْرَدَةِ الفاقدةِ للشرعية الدينية فبغضِّ النظر عن فسادِ هذه الأنظمةِ وخَطَرِ العملِ بها على دِينِ المسلم وعقيدتِه فإنَّ مَنْصِبَ الإمامةِ أو الولايةِ يَثْبُتُ بها ويجري مجرى طريقِ الغَلَبةِ والاستيلاءِ والقهر، وتنعقدُ إمامةُ الحاكمِ وإِنْ لم يكن مُسْتَجْمِعًا لشرائطِ الإمامة، ولو تَمَكَّنَ لها دون اختيارٍ أو استخلافٍ ولا بَيْعةٍ.\nالمسألة الثانية:\nإذا تَعَدَّدَ الأئمَّةُ والسلاطينُ فالطاعةُ بالمعروف إنَّما تجب لكُلِّ واحدٍ منهم بعد البَيْعةِ له على أهل القطر الذي تَنْفُذُ فيه أوامِرُه ونواهيه، وضِمْنَ هذا السياقِ يقول\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٧)، وقد حكاهُ عن ابنِ بطَّالٍ ﵀\n(^٢) انظر: «الدُّرَر السنيَّة في الأجوبة النجدية» لعبد الرحمن بنِ محمَّد بنِ قاسم (٧/ ٢٣٩).\n(^٣) رواه مسلم (١٨٤٤).\n(^٤) رواه مسلم (١٨٥٣).\n(^٥) «روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٤٦).","vol":"2","page":178},{"text":"الشوكانيُّ ﵀: «وأمَّا بعد انتشارِ الإسلام واتِّساعِ رقعته وتَباعُدِ أطرافه، فمعلومٌ أنه قد صارَ في كُلِّ قطرٍ أو أقطارٍ الولايةُ إلى إمامٍ أو سلطانٍ، وفي القطر الآخَرِ أو الأقطار كذلك، ولا يَنْفُذُ لبَعْضِهم أمرٌ ولا نهيٌ في قُطْرِ الآخَرِ وأقطاره التي رجعَتْ إلى ولايته؛ فلا بأسَ بتَعَدُّدِ الأئمَّةِ والسلاطين، ويجب الطاعةُ لكُلِّ واحدٍ منهم بعد البَيْعةِ له على أهل القُطْر الذي ينفذ فيه أوامرُه ونواهيه، وكذلك صاحِبُ القطر الآخَر، فإذا قامَ مَنْ يُنازِعُه في القطر الذي قد ثَبَتَتْ فيه ولايتُه وبايَعَهُ أهلُه كان الحكمُ فيه أَنْ يُقْتَلَ إذا لم يَتُبْ، ولا تجب على أهل القطر الآخَرِ طاعتُه ولا الدخولُ تحت ولايته لِتَباعُدِ الأقطار، …\nفاعْرِفْ هذا فإنه المُناسِبُ للقواعد الشرعية، والمُطابِقُ لِمَا تدلُّ عليه الأدلَّةُ، ودَعْ عنك ما يُقالُ في مُخالَفته؛ فإنَّ الفرق بين ما كانَتْ عليه الولايةُ الإسلاميةُ في أوَّلِ الإسلامِ وما هي عليه الآنَ أَوْضَحُ مِنْ شمس النهار، ومَنْ أَنْكَرَ هذا فهو مُباهِتٌ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُخَاطَبَ بالحجَّة لأنه لا يَعْقِلُها» (^١).\nالمسألة الثالثة: تَوَلَّى الكافرُ الحُكْمَ.\nوأمَّا إِنْ تَوَلَّى الكافرُ الحُكْمَ: فإِنْ تَوفَّرَتِ القدرةُ والاستطاعةُ على تنحيته وتبديلِه بمسلمٍ كُفْءٍ للإمامة مع أَمْنِ الوقوعِ في المَفاسِدِ وَجَبَتْ إزالتُه إجماعًا؛\n• لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، والكافرُ لا يُعَدُّ مِنَ المسلمين.\n• وقال الله-﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].\nقال القرطبيُّ: \"نَهى الله المؤمنين بِهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكُفَّار واليهود وأهل الأهواء دُخلاءَ ووُلَجاء يُفاوضونهم في الآراء، ويُسندون إليهم أمورَهم\" (^٢).\n• قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].\nقال القاضي ابن العربيِّ: \"إنَّ الله سبحانه لا يَجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا بالشَّرع، فإن وجد فبِخلاف الشرع\" (^٣).\n_________\n(^١) «السيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٥١٢).\n(^٢) تفسير \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ١٧٩).\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٣١٤ (.","vol":"2","page":179},{"text":"قال القاضي عياض: \"فلو طرأَ عليه كُفرٌ وتغيير للشَّرع، أو بدعةٌ، خرجَ عن حكم الولاية، وسقطَت طاعته، ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخَلْعُه، ونصب إمام عادلٍ إن أمكنَهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاَّ لطائفةٍ وجب عليهم القيامُ بِخَلع الكافر\" (^١).\n• وقولِه ﷺ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» (^٢)، وقولِه ﷺ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» (^٣)، وقولِه ﷺ: «لَا، مَا صَلَّوْا» (^٤)، قال ابنُ حجرٍ ﵀: «ومُلخَّصُه أنَّه يَنْعَزِلُ بالكفر إجماعًا؛ فيجبُ على كُلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك: فمَنْ قَوِيَ على ذلك فله الثَّوابُ، ومَنْ داهَنَ فعليه الإثمُ» (^٥).\nفإِنْ عَجَزُوا عن إزالتِه وإقامةِ البديل، أو لا تنتظمُ أمورُ السِّياسة والحكمِ بإزالتِه في الحالِ خشيةَ الاضطراب والفوضى وسُوءِ المآل؛ فالواجبُ الصَّبرُ عليه وهُمْ معذورون؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا استَطَعتُم﴾ [التغابن: ١٦]، وقولِه ﷺ: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (^٦)، وهذا أحَقُّ موقفًا مِنَ الخروج عليه؛ لأنَّ «دَرْءَ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلقُوا بِأَيدِيكُم إِلَى التَّهلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nقال العلَّامةُ ابنُ بازٍ ﵀: «إذا رأى المسلمون كفرًا بَواحًا عندهم مِنَ اللهِ فيه برهانٌ فلا بَأْسَ أَنْ يخرجوا على هذا السلطانِ لإزالته إذا كان عندهم قدرةٌ، أمَّا إذا لم تكن عندهم قدرةٌ فلا يخرجون، أو كان الخروجُ يُسبِّبُ شرًّا أَكْثَرَ فليس لهم الخروجُ؛ رعايةً للمَصالِحِ العامَّة، والقاعدةِ الشرعية المُجْمَعِ عليها أنه: لا يجوز إزالةُ الشرِّ بما هو أَشَرُّ منه، بل يجب دَرْءُ الشرِّ بما يُزيلُه أو يُخفِّفُه، أمَّا دَرْءُ الشرِّ بشرٍّ أَكْثَرَ فلا يجوز بإجماعِ المسلمين» (^٧).\n_________\n(^١) \"أحكام القرآن\" (١/ ٦٤١)، وانظر: تفسير \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٤٢١ (.\n(^٢) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٥٥) مِنْ حديثِ عوف بنِ مالكٍ ﵁.\n(^٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الفِتَن» بابُ قولِ النبيِّ ﷺ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» (٧٠٥٦)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٧٠٩)، مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصامت ﵁.\n(^٤) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٥٤) مِنْ حديثِ أمِّ سَلَمة ﵂.\n(^٥) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ١٢٣ (.\n(^٦) هو جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (٧٢٨٨)، ومسلمٌ واللفظُ له في «الحجِّ» (١٣٣٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة ﵁.\n(^٧) انظر: «مُراجَعات في فقه الواقع السياسيِّ والفكري» للرفاعي (٢٤). وللشيخ ابنِ عثيمين ﵀ كلامٌ نفيسٌ في «الشرح المُمْتِع على زاد المُسْتَقْنِع» (١١/ ٣٢٣).","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>المسألة الثالثة: أنه لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إماما، برا كان أو فاجرا\".</span>\nتنقسم البيعة إلى قسمين:\nالقسم الأول بيعة الانعقاد وهذه يتولاها أهل الحل والعقد.\nوالقسم الثاني: بيعة العامة أي بيعة سائر المسلمين للخليفة، وهذا ما تم بالنسبة للخلفاء الراشدين جميعا، فأبو بكر الصديق-﵁-بعد أن بايعه أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، دُعِي المسلمون للبيعة العامة في المسجد، فصعد المنبر بعد أن أخبرهم عمر بن الخطاب-﵁-باختيارهم له، ومبايعتهم إياه، وأمرهم بمبايعته فبايعه المسلمون، وما حدث مع أبي بكر الصديق حدث مع كل الخلفاء الراشدين.\nوهذا القسم هو ما أراده المصنف هنا، أمر البيعة هو أن يكون في عنق المسلم بيعة لولي الأمر فهذا أمرٌ بما جاءت به النصوص، كما في الحديث: «وأنه من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (^١)، لقوله ﷺ: \" ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر\" (^٢).\nفلا يحل لأحدٍ أن يبيت ليلة ولا يرى أن عليه إمامًا برًا كان أو فاجرًا ما دام أمر المسلمين قائمًا، سواء كانت الولاية على الشروط الشرعية أو تخلفت فيها الشروط الشرعية، فيجب أن يكون في عنق المسلم بيعة للإمام الواقع أو للإمامة الحاصلة في وقته، سواء كان هذا الإمام متوفرة فيه شروط الإمامة أو لا تتوفر، كما ذكر أهل العلم، بناء على الأحاديث الواردة الثابتة عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كتاب الإمارة، بَابُ الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وتحذير الدعاة إلى الكفر، برقم (١٨٥١)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة برقم (٦٤٢٣).\n(^٢) رواه مسلم (١٨٤٤).","vol":"2","page":181},{"text":"«وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم الصديق ﵁، وأنه أفضل الأمة».\n<hr><s0>\n\nقال ابن تيمية ﵀ في بيان معتقد أهل السنة: «ويقرُّون بما تَوَاتَرَ به النَّقْلُ عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بْنِ أبي طالبٍ ﵁ وغيرِه، مِنْ أَنَّ خَيْرَ هذه الأُمَّةِ بعد نَبِيِّهَا: أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃، كما دلَّت عليه الآثارُ».\nوقد أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، وإن كان بعض السلف قد اختلفوا في التفضيل بين عثمان وعلي-فإنهم لم يختلفوا في الترتيب في البيعة للخلافة، وكل مَنْ خالف الترتيب في الخلافة فإنه من أهل البدع.\nوترتيب أهل السنة: (أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃.\nوإن كان ثَمَّ خلاف في التفضيل بين عثمان وعليٍّ، ولكنه لا يترتب عليه أي أثر في الانتساب لأهل السنة؛ «فقدَّم قومٌ عثمانَ، وسكتوا، وربَّعوا بعليٍّ، وقدَّم قومٌ عليًّا، وقومٌ توقَّفوا، لكن استقرَّ أمرُ أهلُ السُّنَّة على تقديم عُثْمَان ثم عليٍّ.\nوإنْ كانتْ هذه المَسْأَلَةُ (مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وعليٍّ) ليستْ من الأصولِ التي يُضَلَّلُ المخالفُ فيها عند جمهورِ أَهْلِ السُّنَّة، لكن التي يُضَلَّلُ فيها مسألةُ الخلافةِ؛ وذلك لأنهم يؤمنون أنَّ الخليفةَ بَعْدَ رسولِ الله ﷺ أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ، ومَن طَعَنَ في خلافة أحدٍ مِنْ هؤلاء فهو أضلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ».\nفلهم مِنْ الفضل ومِن المكانة ما هو مُجمع عليه بين أهل السُّنَّة.\nقال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (^١)\n_________\n(^١) فتح الباري ٧/ ٣٤.","vol":"2","page":182},{"text":"«ثم قال: وكان الاختلاف في خَلْق الأفعال: هل هي مُقَدَّرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة، وذكر إثبات القَدَر».\n<hr><s0>\n\nما يتعلق بالإيمان بالقدر خيره وشره، وهو أصلٌ مِنْ أُصُول اعتقادِ أهل السُّنَّة والجَمَاعَة، وركنٌ مِنْ أركان الإيمان.\nقال العلَّامة ابنُ القيِّم ﵀: «إنَّ أهمَّ ما يَجب معرفتُه على المُكَلَّف النَّبيل فضلًا عن الفاضل الجليل ما وَرَدَ في القضاء والقَدَر والحِكمة والتَّعليل، فهو مِنْ أَسْنَى المقاصد، والإيمانُ به قُطْب رَحَى التَّوحيد ونِظامه، ومبدأُ الدِّين المُبين وخِتامه، فهو أحدُ أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان التي يَرجع إليها ويَدور في جميع تصاريفه عليها، فالعدلُ قِوَام المُلك، والحِكمة مَظهر الحمد، والتَّوحيد مُتضمن لنهاية الحِكمة وكمال النِّعمة، ولا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ فبالقدرة والحكمة ظَهَر خَلْقُه وشَرعه المُبين؛ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]» (^١).\nوالقَدَر في اللغة: مَصدر قَدَرْتُ الشَّيء إذا أَحَطْتُ بمقداره.\nوهو عند أهل السُّنَّة والجَمَاعَة: قُدرة الله وعِلمه ومَشيئته وخَلقه وكتابته، فلا تتحرك ذَرَّةٌ فما فوقها إلا بمشيئته وعِلمه وقُدرته (^٢).\nومن أدلة القَدَر:\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله ﷿: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢].\nوحديثُ جِبريل لمَّا سأل رسولَ الله ﷺ عن الإيمان، فقال له رسولُ الله ﷺ: «أن\n_________\n(^١) مُقَدِّمة كتابه «شِفاء العَليل» (ص ٣).\n(^٢) انظر: «شفاء العليل» لابن القَيِّم (ص ١١٤).","vol":"2","page":183},{"text":"تُؤمن باللهِ ومَلائكته وكُتُبه ورُسله واليوم الآخر، وتُؤمن بالقَدَر؛ خَيره وشَرِّه» (^١).\nوقوله ﵀: «الإيمانُ بالقَدَر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين» بَيَّن فيه مَراتب القَدَر الأربع التي هي: (العِلم والكتابة والمَشيئة والخَلْق).\nفذكر هنا مراتب القَدَر، وجمع هنا بين مرتبتين؛ مرتبة العلم ومرتبة الكتابة؛ باعتبار أنهما متلازمتان، كما أنَّه بالدرجة الثانية جمع بين الخلق والمشيئة، فالقسمة إما ثنائية وإمَّا رباعية، فإذا قلت: رباعية، فتقول: (العلم، الكتابة، الخلق، المشيئة).\nوإذا قلت ثنائية، فتقول: (العلم، الكتابة)، أي: عَلِم ﷾ ذلك وكَتَبَه، ثم خَلَقَه وشاءه.\nفقال: «الإيمانُ بالقَدَر على دَرجتين؛ كل درجة تتضمن شيئين:\nفالدَّرجة الأولى: الإيمانُ بالعلم والكتابة»؛ فالله-تَعالى علم الأشياء قبل كونها، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما أخبر-مثلًا-عن شأن أهل النار فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]؛ فلو رُدُّوا إلى الدنيا فسيكون منهم عودة إلى ما نَهاهم الله عنه، وهذا لا يكون ولكنه لو كان فسيكون بهذه الحال، فالله ﷾ علم الأشياء قبل كونها، وهو عليم بها أثناء كونها، وعليم بما سيكون، وعليم بما لم يكن لو كان كيف يكون، فسبحان مَنْ وَسِع علمُه كل شيء!\nفهو عليمٌ بما الخلقُ عاملون بعلمِه القديم الذي هو مَوصوفٌ به أزلًا وأبدًا؛ ونحن نؤمن أن الله متصف بجميع الصفات أزلًا وأبدًا.\nوغُلاة القدرية-كما أشار المصنف-يقولون والعياذ بالله-: إن الله لا يعلم أنَّ العبد سيَعمل هذا العمل إلَّا عند وقوعه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوالله ﷾ عالمٌ بكل شيء أزلًا، قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بُني، إنَّك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، سمعتُ رسول الله ﷺ، يقول: «إنَّ أول ما خَلق اللهُ القلم، فقال له: اكتب. قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كلِّ شيء حتى تقوم الساعة»، يا بُني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مات على غير هذا فليس مِنِّي» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة؟، ومسلم (٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٢١٥٥)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٦٤٥).","vol":"2","page":184},{"text":"فمقادير كلِّ شيء حتى قيام السَّاعة قد كُتبت في اللوح المحفوظ.\nوعن ابن عباس؟ما، قال: «كنتُ خلفَ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يَضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللهُ عليك، رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصحف» (^١).\nفما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فهذا سابق في القدر، سابق في علم الله، والنصوص في العلم والكتابة-بحمد الله تعالى-كثيرة وواضحة في الدلالة على هاتين المرتبتين: العلم والكتابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>أنواع التقدير:</span>\nذكر ابنُ القيِّم أقسامَ التَّقدير الخمسة، وأَوْضَحَها بأدلَّتِها، وهي باختصار:\nالتقدير الأول: تقدير المَقادير قبل خَلق السَّماوات والأرض، وهو التقدير العام الشَّامل لكل شيءٍ في اللوح المحفوظ، وقد سبق ذِكر بعض الأدلة عليه.\nالتقدير الثاني: تقدير الرَّبِّ-﵎-شقاوة العِباد وسَعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خَلْقِهم، وهو تقديرٌ ثَان بعد التقدير الأَوَّل، فعن عِمران بن حُصين قال: «قيل: يا رسول الله، عُلِمَ أهلُ الجَنَّة من أهل النَّار؟ فقال: «نَعَمْ». قيل: فَفِيم يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له» (^٢).\nالتقدير الثالث: المُتَعَلِّق بالجنين وهو في بطن أُمِّه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حَدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصَّادقُ المَصدوقُ: «إنَّ أحدَكم ليُجمع خَلْقُه في بَطن أُمِّه أربعين يومًا، ثُمَّ يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثُمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثل ذلك، ثُمَّ يُرسل اللهُ إليه المَلك؛ فيَنفخ فيه الرُّوح، ويُؤمر بأربع كلماتٍ؛ بكتبِ رزقِه وأجلِه وعملِه وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلهَ غيرُه، إنَّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦)، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٣٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥٥١) ومسلم (٢٦٤٩) واللفظ له.","vol":"2","page":185},{"text":"الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذراع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدَكم لَيعمل بعمل أهلِ النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذِرَاع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهلِ الجَنَّة فيَدخلها» (^١).\nالتقدير الرابع: التقدير في ليلة القَدْر؛ قال الله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ١ - ٥].\nقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: «يُقَدِّر أمرَ السَّنَة كلها في ليلة القَدْر»، وهذا هو الصَّحيح: أنَّ القَدْر مَصدر قَدَرَ الشيء يَقْدُرُهُ قَدْرًا، فهي ليلة الحُكم والتقدير.\nالتقدير الخامس: التقدير اليَومي؛ قال تَعَالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\nقال مجاهدٌ والكلبيُّ وعُبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: «مِنْ شأنِه: أن يُحيي ويُميت، ويَرزق ويَمنع، ويَنصر، ويُعزُّ ويُذلُّ، ويَفك عانيًا، ويَشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويُعطي سائلًا، ويَتوب على قومٍ، ويكشف كربًا، ويَغفر ذنبًا، ويضع أقوامًا، ويَرفع آخرين. دخل كلامُ بعضهم في بعض …».\nإلى أن قال ابن القَيِّم ﵀: «فهذا تقديرٌ يوميٌّ، والذي قبله تقديرٌ حَوْلِيٌّ، والذي قبلَه تقديرٌ عُمري عند تَعَلُّق النَّفس به، والذي قبله كذلك عند أَوَّل تخليقه، وكونه مضغة، والذي قبله تقديرٌ سَابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقديرٌ سابقٌ على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك الدليل على عِلم الرَّبِّ وقُدرته وحكمته، وزيادة التعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسِه وأسمائه» (^٢).\nوقولُ شيخِ الإسلامِ ﵀ هنا: «فهذا التقديرُ-أي: تقدير العِلم والكتابة-قد كان يُنكره غُلَاة القدرية قديمًا، ويقولون: إنَّ الأمرَ أُنف؛ أي: أنَّ اللهَ لا يَعلم أفعالَ العباد إلا بعد وجودها.\nقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: «واعلم أنَّ مَذهبَ أهلِ الحَقِّ إثباتُ القَدَر، ومعناه: أنَّ الله-﵎-قَدَّر الأشياء في القِدَم، وعَلِمَ-سبحانه-أنَّها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده ﷿، وعلى صفاتٍ مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قَدَّرها ﷿، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه ﷿ لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمُه ﷿ بها، وأنَّها مُستأنفة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).\n(^٢) «شفاء العليل» (ص ٣١ - ٤٩).","vol":"2","page":186},{"text":"العلم، أي: إنَّما يَعلمها-سبحانه-بعد وقوعِها، وكذبوا على الله ﷾ وجَلَّ عن أقوالهم الباطلة علوًّا كبيرًا.\nوسُمِّيت هذه الفرقةُ قدريَّة؛ لإنكارهم القَدَر؛ قال أصحابُ المَقالات من المُتَكَلِّمين: وقد انقرضت القدريةُ القائلون بهذا القول الشَّنيع الباطل، ولم يَبق أحدٌ من أهل القِبلة عليه، وصارت القدريةُ في الأزمان المتأخرة تَعتقد إثبات القَدَر، لكن يقولون: الخير من الله، والشَّرُّ مِنْ غيره» (^١).\nوأمَّا الدرجة الثانية: فهي مَشيئته النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nهذه الدرجة الثانية وهي كذلك قد تَضَمَّنت مَرتبتين من مراتب القَدَر، وهما: (المشيئة والخَلْق).\nأمَّا المَشيئة، فقد قال ابنُ القيِّم ﵀: «المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر، وهي مرتبة المَشيئة:\nوهذه المرتبةُ قد دلَّ عليها إجماعُ الرُّسل مِنْ أَوَّلهم إلى آخرهم، وجميع الكُتُب المُنزلة من عند اللهِ، والفِطرة التي فَطَرَ اللهُ عليها خلقه، وأدلة العقول والبيان، وليس في الوجود مُوجب ومُقتض إلا مشيئة الله وحده؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عمومُ التوحيد الذي لا يقوم إلا به.\nوالمسلمون مِنْ أَوَّلِهم إلى آخرهم مُجمعون على أنَّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يقع في مُلكه إلا ما يريد حتى وإن كان مخالفًا لأمره الشرعي، فهو ﷾ أراد أن يَمتحن عباده، فجعل لهم إرادة وقدرة؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملًا؛ فمن آمن واستقام فاز، ومن كفر وعاند فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ فتُجزى كل نفس بما عملت، فالعِبَادُ فاعلون حقيقة، واللهُ خالقُ أفعالِهم، وللعباد قُدرة على أعمالِهم، ولهم إرادة، واللهُ خالقُهم وخَالق قُدرتهم وإرادتهم، كما قال تَعَالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩، ٢٨]، وقد يريد العبدُ الشَّرَّ، ولكن الله لا يُمكنه منه؛ فكلُّ شيء داخل تحت إرادته ومَشيئته، ولا يَخرجُ العباد أبدًا في كل أمورهم عن تلك الإرادة والمشيئة؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال\n_________\n(^١) «شرح النووي على مسلم» (١/ ١٥٤).","vol":"2","page":187},{"text":"سبحانه: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]» (^١).\nوجاء في حديث حذيفة بن أسيد في شأن الجَنِين: «فَيَقضي ربُّك ما يشاءُ، ويَكتبُ المَلَكُ» (^٢).\nوعن أبي موسى الأشعري؟، عن النَّبي ﷺ: «اشْفَعُوا تُؤجروا، ويَقضي الله على لسان نَبِيِّه ما يشاء» (^٣).\nأنواع الإرادة:\nلله-جل وعلا-إرادتان: كونية قدرية، ودينية شرعية.\nقال ابنُ القيم ﵀: «وها هنا أمرٌ يَجب التَّنبيه عليه، وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تَعرض لمن لم يُحِط به عِلْمًا، وهو أن الله-سبحانه-له الخلقُ والأمرُ، وأمرُه-سبحانه-نوعان: أمر كَوني قَدَرِي، وأمر دِيني شَرعي.\nفمشيئته-سبحانه-مُتعلقة بخلقه وأمره الكوني، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكره، كله داخل تحت مشيئته، كما خلق إبليس وهو يُبغضه، وخَلَقَ الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يُبغضها، فمشيئته-سبحانه-شاملة لذلك كله.\nوأمَّا محبته ورضاه فمُتعلقة بأمره الدِّيني وشَرعه الذي شَرَعَه على أَلْسِنة رُسلِه، فما وُجد منه تَعَلَّقَت به المحبةُ والمشيئةُ جميعًا فهو محبوبٌ للرَّبِّ، واقعٌ بمشيئته؛ كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وما لم يُوجد منه تَعَلَّقت به محبته وأمرُه الدِّيني، ولم تتعلق به مشيئته، وما وُجد من الكفر والفسوق والمعاصي تَعَلَّقت به مشيئتُه، ولم تتعلق به محَبَّتُه، ولا رِضاه ولا أمره الدِّيني، وما لم يُوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته، فلفظ المشيئة كونيٌّ، ولفظ المَحَبَّة دينيٌّ شرعيٌّ، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية؛ فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية؛ فتكون هي المحبة.\nوإذا عرفت هذا فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لا يناقض نصوص القدر والمَشيئة العامة الدَّالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره؛\n_________\n(^١) انظر: «شفاء العليل» (ص ٩٣) بتصرف واختصار.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٣٢).","vol":"2","page":188},{"text":"فإنَّ المَحَبَّةَ غيرُ المَشيئة، والأمرَ غيرُ الخلقِ، ونظير هذا: الأمر؛ فإنه نوعان: أمر تكوين، وأمر تشريع، والثاني قد يُعصى ويُخالف بخلاف الأول».\nإلى أن قال ﵀: «فسبحانه أن يكون في مَملكته ما لا يشاءُ أو أن يشاء شيئًا فلا يكون، وإن كان فيها ما لا يُحِبُّه ولا يَرضاه، وإن كان يحبُّ الشيءَ فلا يكون لِعَدم مشيئته له، ولو شاءه لَوُجِد» (^١).\nفالعبودية لله نوعان:\nالأَوَّل: عبوديَّة عامَّة، وهي عبودية القهر والملك لجميع الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].\nالثاني: عبودية خاصَّة، وهي عبودية الشرع من الإيمان والطاعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nوتَختلف الإرادتان في مُوجبهما، وفي مُتَعَلقهما:\nففي المُتعلق: الإرادة الكونية تتعلق فيما وَقَعَ سواء أَحَبَّه أم كَرِهَه.\nوالإرادةُ الشرعيَّةُ تتعلق فيما أَحَبَّه سواء وَقَعَ أم لم يقع.\nوفي موجبهما: الإرادة الكونية يتعين فيها وقوع المُراد، والإرادة الشرعية لا يتعين فيها وقوع المراد، وعلى هذا يكون قول المؤلف: «ولا يكون في مُلْكِه ما لا يُريد»: يعني به: الإرادة الكونية.\nثم قال: «وأنه-سبحانه-على كلِّ شيء قدير مِنْ المَوجودات والمعدومات؛ فمَا مِنْ مخلوقٍ في الأرض ولا في السَّماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالقَ غيرُه، ولا رَبَّ سِواه».\nفهنا يردُّ شيخ الإسلام على القدرية القائلين: إنَّ العبدَ مُستقلٌّ بعمله، وأنَّ اللهَ ليس بقادرٍ على فعله.\nأي: أنَّه ما من شيءٍ موجود أو معدوم إلا واللهُ قادرٌ عليه، قال تَعَالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال تَعَالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤].\n_________\n(^١) «شفاء العليل» (ص ١٠٥، ١٠٦).","vol":"2","page":189},{"text":"وكلمة «مخلوق» نكرةٌ في سياق النفي تُفيد العموم؛ فما مِنْ شيء صغر أم كبر إلا والله-سبحانه-وحده المُنفرد بخلقه، قال ﷻ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، ومِن ذلك أنَّه خَلَقَ العِباد وصفاتهم وأعمالهم؛ قال تَعَالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].\nثم قال: «ومع ذلك فقد أَمَرَ العِباد بطاعته وطاعة رسوله، ونَهاهم عن مَعصيته، وهو-سبحانه-يُحِبُّ المُتَّقِين والمُحسنين والمُقسطين».\nفلا تعارضَ بين ما أراده ﷾ كونًا وقدرًا وبين ما أراده دينًا وشرعًا.\nفما أراده ﷾ كونًا وقدرًا قد يحبه ويرضاه وقد لا يحبه ولا يرضاه، وما أراده دينًا وشرعًا فهذا متعلق بمحبته؛ لأنه-سبحانه-أَمَرَ عبادَه بطاعته، ونَهاهم عن معصيته.\nوعليه، فلا تَعارض بين تقديرِه للمعاصي وبُغضِه لها.\nوليس لأحدٍ أن يَحْتَجَّ بالقدر على ارتكاب المنهيات وترك الأوامر.\nقال شيخ الإسلام ﵀: «وليس لأحدٍ أن يَحتج بالقَدَر على الذَّنب باتِّفاق المُسلمين وسائر أهل المِلل وسائر العُقلاء، فإنَّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كلُّ أحدٍ أن يفعل ما يَخطر له مِنْ قَتْل النُّفوس، وأَخْذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويَحتج بالقدر، ونَفْس المُحتج بالقَدَر إذا اعتُدي عليه، واحْتَجَّ بالقدر المُعتدي لم يَقبل منه، بل يَتناقض، وتناقض القول يَدُلُّ على فسادِه، فالاحتجاجُ بالقدر معلومُ الفَساد في بداءة العقول» (^١).\nوقال: «وأما القدر، فإنه لا يَحتج به أحدٌ إلا عند اتِّباع هَوَاه، فإذا فَعَلَ فِعْلًا مُحَرَّمًا بمجرد هواه وذوقه وَوَجْدِه من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القَدَر، كما قال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال تَعَالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩].\nفبين أنَّهم ليس عندهم علمٌ بما كانوا عليه من الدِّين، وإنما يتبعون الظنَّ».\nإلى أن قال: «والعبدُ مَأمور أن يَصبر على المَقدور ويطيع المأمور، وإذا أذنب استغفر، كما قال تَعَالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]،\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٧٩).","vol":"2","page":190},{"text":"وقال تَعَالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].\nقال طائفة من السَّلف: هو الرَّجل تُصِيبُه المُصيبة فيَعلم أنها من الله فَيَرْضَى ويُسَلِّم.\nفَمَنْ احتجَّ بالقَدَر على ترك المأمور وجَزِع مِنْ حُصول ما يكرهه من المَقدور فقد عَكَس الإيمان والدِّينَ، وصار من حِزب المُلحدين المنافقين، وهذا حالُ المُحتجين بالقَدَر» (^١).\nثم قال المصنف: «وهذه الدرجةُ من القَدَر يُكَذِّب بها عامَّةُ القَدرية الَّذين سَمَّاهم النَّبيُّ ﷺ مجوسَ هذه الأُمَّة».\nأي: هذه الدَّرَجَةُ مِنَ القَدَر (درجةُ المَشِيئَةِ والخَلْق) يُكَذِّبُ بها عَامَّةُ القَدَرِيَّة النُّفَاة الذين يقولون: إن العبد يخلق فِعْلَ نَفْسِه بدون مشيئةِ الله وإرادتِه.\nوقد سَمَّاهُم النَّبي ﷺ مَجُوسَ هذه الأُمَّة؛ لمشابهتهم للمجوس الذين يُثْبِتُون خالقَين، هما: النُّور، والظُّلمة، فالنور عندهم خَلَقَ الخَيْرَ، والظلمة خلقتِ الشَّرَّ، فصاروا بذلك ثَنَوِيَّةً، وهؤلاء القدرية جعلوا خالقًا مع الله، فزعموا أن العبادَ يَخْلُقُونَ أَفْعَالهم بدون إرادةِ الله ومشيئته.\nثم قال ﵀: «ويَغْلُو فيها قومٌ مِنْ أهلِ الإِثْبَاتِ، حتى سَلَبُوا العبدَ قُدْرَتَهُ واخْتِيَارَهُ»، والمراد بهم: الجبريَّةُ الذين جاوزوا الحدَّ في الإثباتِ، حتى جعلوا الفاعلَ حَقِيقَةً لفعل العبد خيرِه وشرِّه هو اللهُ، وزعموا أنَّ الفِعْلَ إنما نُسِبَ إلى العبد مَجازًا، وهو في الحقيقة مجبورٌ عليه؛ وليس له اختيار، كالرِّيشة في مهبِّ الرِّيح تحركها كيفما شاءت.\nوهؤلاء هم الجهمية؛ أتباع جَهم بن صفوان، والمصنف لم يُسَمِّ الجهمية وحدهم؛ لأن الأشعرية كذلك معهم؛ لأن قول الأشعرية بالكسب في حقيقة الأمر هو نفس القول بالجَبْر.\nثم قال ﵀: «ويُخْرِجُونَ عن أفعالِ اللهِ وأحكامِه حِكَمَهَا ومَصَالِحَها»؛ فعندما يُسلب العبد من قدرته وإرادته فهذا يعني أنه خُلق بلا حكمة ولا مصلحة، وهو كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهذه ليست حجة؛ لأن الله جل وعلا قد جعل لهم إرادة وقدرة، فلا يجوز الاحتجاج\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٦).","vol":"2","page":191},{"text":"بالقدر على المعاصي والقاعدة عند أهل السنة في ذلك: (الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب)، أي: يُحتجُّ بالقدر على المصائب التي تُصيب الإنسان؛ لأنه مأمور أن يقول عند نزول القضاء: قدر الله وما شاء فعل؛ قال ﷺ: «وإن أصابَك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قَدر الله وما شاء فعلَ؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان» (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ويُذكر أنَّ رجلًا سرق فقال لعمر: سَرقتُ بقضاءِ الله وقَدَرِه! فقال له: وأنا أقطعُ يدَك بقضاء الله وقَدَره» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة؟.\n(^٢) «منهاج السنة النبوية» (٣/ ٢٣٤).","vol":"2","page":192},{"text":"«ثم ذكر الخلاف في أهل الكبائر ومَسألة (الأسماء والأحكام)، وقال: قولنا: فيهم: إنهم مؤمنون على الإطلاق، وأمرهم إلى الله تعالى؛ إن شاء عَذَّبهم، وإن شاء عفا عنهم».\n<hr><s0>\n\nقال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة ﵀: «وهم-أهل السُّنَّة-في باب الأسماء والأحكام والوَعْد والوَعِيد وسَطٌ بين الوَعِيدية الذين يَجعلون أهلَ الكبائر من المسلمين مُخلَّدين في النار، ويُخرجونهم من الإيمان بالكُليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النَّبي ﷺ.\nوبين المُرْجِئة الذين يقولون: إيمان الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصَّالحات ليست من الدِّين والإيمان، ويُكذِّبون بالوعيد والعِقاب بالكُليَّة.\nفيُؤمِن أهل السُّنَّة والجَمَاعَة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعضُ الإيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمان الواجِب الذي يَستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلَّدون في النار؛ بل يَخرج منها من كان في قلبه مِثقالُ حبَّة من إيمان أو مِثْقال خَرْدَلة من إيمان، وأن النَّبي ﷺ ادَّخَر شفاعَتهُ لأهل الكبائِر من أمَّته» (^١).\nفأهلُ السُّنَّة والجماعة لا يُوجِبون العذابَ في حقِّ كلِّ مَنْ أتى كبيرةً، ولا يَشهدون لمُسلم بعَيْنِه بالنار لأَجْلِ كبيرةٍ واحدة عَمِلَها، بل يجوزُ عندهم أن صاحِبَ الكبيرة يُدخِلُه اللهُ الجنةَ بلا عذابٍ؛ إما لحَسناتٍ تَمْحُو كبيرتَه منه أو من غيره، وإما لمَصائِبَ كفَّرَتْها عنه، وإما لدُعاءٍ مُستَجاب منه أو من غيره فيه، وإما لغير ذلك (^٢).\nفهم بذلك قد توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)؛ فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.\n_________\n(^١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(^٢) انظر «مَجموع الفَتاوى» (١٢/ ٤٧٩ - ٤٨٣).","vol":"2","page":193},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (^١)، وأسعدُ النَّاسِ بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nقال الإمام القرطبي ﵀: «قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات: متقون لا كبائر لهم. ومخلطون وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر. والثالث: الكفار.\nفأمَّا المتقون: فإن حسناتهم تُوضع في الكفة النيرة، وصغائرهم-إن كانت لهم الكفة الأخرى-فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تَبرح، وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي.\nوأمَّا المخلطون فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي، هذا إن كانت للكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات؛ فيُحمل عليه مِنْ أوزار مَنْ ظلمه، ثم يُعَذَّب على الجميع. هذا ما تقتضيه الأخبارُ» (^٢).\n_________\n(^١) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل السنة، كما في «منهاج السنة» (٥/ ١٥٨).\n(^٢) «التذكرة» للقرطبي (ص ٣٦٠).","vol":"2","page":194},{"text":"«وقال: أصل الإيمان موهبة يَتولد منها أفعال العباد؛ فيكون أصله التصديق والإقرار والأعمال».\n<hr><s0>\n\nمسألة أصل الإيمان يحسن تناولها من خلال الجوانب الآتية:\nالجانب الأول: الجانب اللغوي.\nأ-المعنى اللغوي لكلمة \"آمن\":\nالإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن\nأ-ويرى جمع من أهل اللغة أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق وقد حكوا الإجماع على ذلك قال الأزهري: \"واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق\" (^١).\nواستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ يوسف الآية (٧) فقالوا معناه ما أنت بمصدق لنا (^٢).\n٢ - أما علماء السلف (^٣) فيقولون إن الإيمان يأتي في اللغة لمعنيين هما:\nأ-بمعنى صدق به وذلك إذا عدي بالباء كما في قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ …﴾ البقرة الآية (٢٨٥): أي صدق الرسول (^٤).\nب-وبمعنى أقر له وذلك إذا عدي باللام كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ يوسف الآية (٧)، وقوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوط﴾ العنكبوت الآية: (٦).\nوقد اعترض السلف على حصر أهل اللغة لمعنى الإيمان بالتصديق فقط وقالوا: \"إن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار (^٥)\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٥/ ٥١٣).\n(^٢) لسان العرب لابن منظور، مادة آمن (١٣/ ٢٣).\n(^٣) شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٣ (.\n(^٤) تفسير القرطبي (٣/ ٤٢٥ (.\n(^٥) الإقرار: متضمن لمعنيين هما: قول القلب الذي هو التصديق. وعمل القلب الذي هو الانقياد. مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨ - ٦٣٩ (.","vol":"2","page":195},{"text":"والطمأنينة أيضا\" (^١) واستدل السلف لقولهم بالأمور التالية:\nأولا: إن الترادف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه، يوضحها الجدول التالي:\n <table dir=rtl> <tr> <th>الإيمان </th> <th>التصديق </th> </tr> <tr> <td>- إن كلمة آمن تتعدى بالباء وباللام وقد تقدم التمثيل لذلك </td> <td>- أما كلمة \"صدق\" فلا تتعدى باللام فلا يقال \"صدق له\" إنما يقال \"صدق به\" فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه </td> </tr> <tr> <td>- إن كلمة آمن تتضمن ثلاثة معان هي: الأمن، والتصديق، والأمانة </td> <td>- أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة. </td> </tr> <tr> <td>- إن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب </td> <td>- أما لفظ التصديق فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت. </td> </tr> <tr> <td>- إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم </td> <td>- أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط. </td> </tr> </table>\nوبهذا يتبين عدم الترادف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط (^٢) كما أن الكفر ليس التكذيب فقط.\nثانيا: من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.\nفالخبر: يستوجب تصديق الخبر.\nوالأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به.\n_________\n(^١) الصارم المسلول لابن تيمية (ص ٥١٩).\n(^٢) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"2","page":196},{"text":"فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو \"الطمأنينة والإقرار\" فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.\nومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ البقرة: ٣٤، فسماه الله كافرا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمر الله له بالسجود لآدم.\nلازم القول بأن الإيمان مجرد التصديق فقط.\nوهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون مما لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون.\nومثل هؤلاء القوم لو أنهم هُدوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب، وعملا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته- وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره- فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين وإن كان مصدقا، لأن الكفر أعم من التكذيب، فالكفر يكون تكذيبا وجهلا، ويكون استكبارا وظلما، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو \"الجهل\" ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق.\nألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبزا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله، فإذا قال:","vol":"2","page":197},{"text":"\"أشهد أن لا إله إلا الله\" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره. \"وأشهد أن محمدا رسول الله\" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.\nفبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار.\nفلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين-وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول-ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول، ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس\" (^١).\nثالثا: ما استدل به أهل اللغة على أن معنى الإيمان في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ هو التصديق غير مسلم.\nإذ يرى علماء السلف أن تفسيرها ب \"أقررت\" أقرب من تفسيرها ب \" صدقت \" وذلك لأن لفظ \"آمن\" متى عُدّي باللام يكون بمعنى \"أقر\" وليس بمعنى \"صدق\"، إذ لا يكون بمعنى صدق إلا إذا عُدّي بالباء أو بنفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-83>الجانب الثاني: المعنى الشرعي للإيمان:</span>\nتنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان:\nأ-فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل.\n٢ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.\n٣ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سنة (^٢).\n٤ - وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول: \"وكل هذا صحيح\" (^٤) وعلل ذلك بقوله (^٥):\n_________\n(^١) الصارم المسلول (ص ٥١٩ - ٥٢٠) بتصرف.\n(^٢) هذه التعريفات الثلاثة أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الإيمان. انظر (ص ١٦٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).\n(^٤) كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٦٢).\n(^٥) كلام شيخ الإسلام نقلته بتصرف من كتابه الإيمان (ص ١٦٢ - ١٦٣ (.","vol":"2","page":198},{"text":"\"فمن قال إن الإيمان قول وعمل فمرداه قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح\".\nوقول اللسان وعمل الجوارح معروفان.\nوأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه.\nوأما عمله: فهو انقياده لما صدق به.\nومن عبر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل وإنما المراد ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال.\nكما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في معرض الرد على المرجئة (^١) الذين جعلوه قولا فقط، فقال بعض السلف ردا عليهم: بل قول وعمل (^٢).\nوأما من عرفه بقوله هو قول وعمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ \"ونية\": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان.\nوأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك (^٣).\nوأما من عرفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة \"واتباع سنة\" لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة (^٤).\n_________\n(^١) المرجئة هم الذين أرجأوا العمل عن مسمى الإيمان وهم خمس طوائف تقدم ذكرهم.\n(^٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الناس لهم في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال:\nا-فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا.\n٢ - وقيل: بل مسماه اللفظ، والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين الى السنة، وهو قول النحاة لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ.\n٣ - وقيل: مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.\n٤ - وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين\" كتاب الإيمان (ص ١٦٢).\n(^٣) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).\n(^٤) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).","vol":"2","page":199},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟، فقال: قول وعمل ونية واتباع سنة.\nلأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر.\nوإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق.\nوإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة (^١).\nوأجمع التعاريف الواردة وأشملها هو: أن الإيمان قول اللسان واعتقاد بالجنان وعمل الجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nوهذا التعريف هو الذي يميز قول السلف في مسمى الإيمان عن قول غيرهم من الفرق (^٢) ولهذا كان هذا التعريف هو أجمع التعاريف الواردة عن السلف وأكثرها دقة في بيان قولهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>الجانب الثالث: دلالة اسم الإيمان:</span>\nتتحدد دلالة اسم \"الإيمان\" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ \"الإيمان\" إما أن يستعمل:\nأ-مطلقا: أي يذكر مطلقا عن لفظ \"العمل\" و\"الإسلام\".\n٢ - أو مقيدا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام.\n_________\n(^١) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).\n(^٢) الذين خالفوا السلف في مسمى الإيمان هم:\nأ-المرجئة بطوائفهم الخمس:\nا-الجهمية: وقالوا الإيمان هو معرفة القلب فقط: أي المعرفة الفطرية التي هي المعرفة بربوبية الله.\n٢ - الأشاعرة: وقالوا الإيمان هو التصديق فقط أي التصديق بما جاء به النبي ﷺ من عند الله.\n٣ - الماتريدية: وقولهم في الإيمان مثل قول الأشاعرة.\n٤ - الكرامية: قالوا الإيمان قول باللسان فقط.\n٥ - مرجئة الأحناف (أو مرجئة الفقهاء) قالوا: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول الكلابية. وكل هذه الطوائف الخمسة أخرجت العمل عن الإيمان.\nب-الخوارج: قالوا الإيمان قول واعتقاد وعمل ولكنهم يكفرون من أخل بشيء من هذه الثلاثة ويقولون بأنه كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد في النار.\nج-المعتزلة: وقالوا بقول الخوارج إلا أنهم يقولون إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر، واتفقوا معهم في باقي الأمور.\nانظر تفاصيل هذه الأقوال: في كتاب الإيمان لابن تيمية، والجزء السابع من مجموع الفتاوى، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣ - ٣٩٢) وكتاب النبوات (ص ١٩٩).","vol":"2","page":200},{"text":"فإذا استعمل مطلقا: \"فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة-من الصحابة والتابعين وتابعيهم-الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات-فرضها ونفلها-في مسماه\" (^١).\nويلاحظ هنا أن لفظ \"الإيمان\" على هذا الاستعمال يكون مرادفا للفظ \"العبادة\" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.\nومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (^٢).\nفالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: \"أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس … \" الحديث (^٣).\nفلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور.\nوأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة الآية (٧٧)، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس الآية (٦٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/ ٢٩). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث\". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.","vol":"2","page":201},{"text":"وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره \" (^١).\nفهنا قد يقال: إنه متناول لذلك وإن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ البقرة الآية (٩٨)، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الأحزاب الآية (٧).\nوقد يقال إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل\" (^٢).\nقلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ البقرة الآية (٧٧)، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس الآية (٦٣).\nوالقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية.\n\"فلفظ الإسلام والإيمان إذا أفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من الناس\" (^٣).\nخلاصة القول:\nإن اسم الإيمان إذا أفرد: تناول جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة كما في حديث الشعب.\nوإذا اقترن اسم الإيمان مع الإسلام دل الإيمان على الأمور الباطنة ودل الإسلام\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/ ٢٩). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث\". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٤٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٧ - ٦٤٨).","vol":"2","page":202},{"text":"على أمور الدين الظاهرة كما في حديث جبريل.\nوإذا اقترن العمل مع الإيمان: فهو من باب عطف الخاص على العام (^١) كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>الجانب الرابع: أقوال الناس في مسمى الإيمان.</span>\nاختلف الناس في مسألة مسمى الإيمان:\nفهناك من قال: \"إن الإيمان قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص\" (^٢).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص\" (^٣).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان هو المعرفة\" (^٤).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان قول اللسان\" (^٥).\nوهناك من قال: \"إن الإيمان هو التصديق\" (^٦).\n_________\n(^١) قال شارح الطحاوية: \"اعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب:\nا-أعلاها: أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزءا منه، ولا بينهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ الآية (١) من سورة الأنعام، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ الآية (٣) من سورة آل عمران، وهذا هو الغالب.\n٢ - ويليه: أن يكون منهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٤٢) من سورة البقرة، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية (٩٢) من سورة المائدة.\n٣ - الثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية (٢٣٨) من سورة البقرة، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ الآية (٢٣٨) من سورة البقرة وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْك﴾ الآية (٧) من سورة الأحزاب، وفى مثل هذا وجهان: أحدهما: أن يكون داخلا في الأول، فيكون مذكورا مرتين. والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل في لفظ \"الفقراء والمساكين\" ونحوهما، تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران.\n٤ - الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ الآية (٣) من سورة غافر. شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٧ - ٣٨٨ (.\n(^٢) انظر كتاب الإيمان للقاسم بن سلام صفحة (١٠) و(٤٤).\n(^٣) انظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع صفحة (٤٣)، وكتاب الملل والنحل، الجزء الأول، صفحة (١٤١).\n(^٤) انظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد الجزء الأول صفحة (٣٠٥).\n(^٥) انظر كتاب الإيمان لابن تيمية صفحة (٣٠٣)، وكتاب الرَّوضُ البَاسمْ في الذِّبِّ عَنْ سُنَّةِ أبي القَاسِم الجزء الأول، صفحة (٢٤٠).\n(^٦) انظر كتاب رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت صفحة (٢٧٣).","vol":"2","page":203},{"text":"وهناك من قال: \"إن الإيمان هو التصديق والقول\" (^١).\nهذه جملة أقوال، والمسألة تحتاج إلى شيءٍ من البيان والتوضيح والبسط.\nونأتي أولًا إلى قول أهل السنة: \"إن الإيمان قولٌ وعملٌ، وعملٌ وقول ونية وإصابة يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه شيء\".\nفإن الناظر إلى هذا الإنسان باعتبار ما يجب عليه تجاه ما أخبر الله به وما أمر الله تعالى به؛ فنصوص الشرع لا تخرج عن أمرين: إما أخبارٌ وإما أوامر، فالأخبار حقها التصديق بأن تُصدق بها، والأوامر حقها أن تعمل بها، كما جاء في الحديث \"إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن نهيٍ فانتهوا\" (^٢).\nفأنت مأمور بأن تتبع، وأن تعمل بهذه الأوامر بحسب ما يأتي من حكمٍ عليها، فهذه الأمور أي الوحي تأتي لهذا الإنسان، وأول ما تأتي إليه في باطنه؛ لأنه لابد وأن يعلم أن الصلاة مثلًا ركنٌ من أركان الإسلام، ثم إذا جئت إلى الصلاة تجد أن منها فرائض ومنها نوافل، ثم أن هذه النوافل منها سنن رواتب ومنها غير ذلك، فهذا أول ما يقابله بالعلم.\nفإذًا هذا الإيمان سيخاطب هذا الباطن في الإنسان، وأول ما يخاطب أن يصدق بما أخبر الله به.\nوالثاني: أن ينقاد لأمر الله، فلابد أن يحصل الانقياد والتسليم لأوامر الله، فليس لك حق الاعتراض أن تقول: لا بدل خمس صلوات نجعلها ثلاثة أو نجعلها ستة، فهي خمس صلوات في اليوم الليلة لابد من أدائها في أوقاتها، فأصبح عليه أن يصدق وعليه أن ينقاد.\nومعلوم أن هنا ثلاثة أحوال:\nالقلب، والقلب يشمل أمرين:\nيشمل جانب العلم، ويشمل جانب الإرادة هذا القلب.\nوالجانب الثاني: جانب اللسان.\nوالجانب الثالث: جانب الجوارح.\nفهناك قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل اللسان، وهناك عمل\n_________\n(^١) انظر كتاب الفقه الأكبر صفحة (٥٥)، وكتاب لوامع الأنوار البهية الجزء الأول، صفحة (٤١٦).\n(^٢) رواه البخاري (٤/ ٤٢٢) ومسلم (٧/ ٩١) وأحمد (٢/ ٢٥٨).","vol":"2","page":204},{"text":"الجوارح فهذه خمسة، فإذا جئت إلى قول القلب فهذا هو العلم الذي هو التصديق فعليه أن يعلم هذه الأشياء ويصدق بها، هذا الواجب الأول على القلب، والقلب هو الباطن، والباطن مجموع الأمرين وهذه هي العقيدة.","vol":"2","page":205},{"text":"«فيكون أصله التصديق والإقرار والأعمال، وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه. وقال: قولنا: إنه يزيد وينقص».\n<hr><s0>\n\nأشار إلى الجانبين:\nالجانب الأول: قوله: «أصله التصديق» فالتصديق واجبٌ على الإنسان لكي يكون مؤمنًا، وهذا وحده لا يكفي فلو قال قائل: أنا أعلم أن الصلوات خمس وهي كذا وكذا وهيئتها كذا لكن لن أصلي، فهو بهذا لا يكون مؤمنًا إذ لابد من الجانب الثاني.\nوالجانب الثاني: قوله: «والإقرار والأعمال» هو انقياد القلب، فهذه الإرادة لابد أن تنقاد لهذه الأخبار وهذه الأوامر، ولذلك يأتي عمل القلب، والقلب أعماله كثيرة، منها مثلًا الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والخشية، والتقوى، ولذلك النبي ﷺ لما ذكر التقوى قال: «التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا وأشار بيده على صدره» (^١)، فهذه أعمال القلوب، وهي التي تنطلق إلى سائر الجوارح.\nوأما قول اللسان وعمل اللسان، فقول اللسان جعله العلماء النطق بالشهادتين لأن هذا هو الفيصل بين الإسلام والكفر، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (^٢)، فأول ما يدخل الإنسان في الإسلام يُطالب بعد تطهره يطالب بالنطق بالشهادتين، فهذا يسميه العلماء: قول اللسان، فجعلوه في النطق بالشهادتين.\n_________\n(^١) انظر صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله برقم (٢٥٦٥)، وأحمد (٧٦٧٠).\n(^٢) انظر صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم برقم (٢٥)، ومسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام واهتمام الإمام بشعائر الإسلام، برقم (٢٥).","vol":"2","page":206},{"text":"وأما عمل اللسان: فمنه قراءة القرآن وتلاوته، وذكر الله ﷿، والتسبيح، والتهليل هذا كله عمل اللسان.\nوأما أعمال الجوارح، فمنها الركوع والسجود والصوم والجهاد وغض البصر وغيرها فهذه أعمال الجوارح، وهذا بكله هو الذي يُسمى إيمانًا عند أهل السنة.\n\nوقوله: «وذكر الخلاف في<span data-type='title' id=toc-86> زيادة الإيمان ونقصانه.</span> وقال: قولنا: إنه يزيد وينقص».\nأهل السنة يؤمنون أن الإيمان يزيد وينقص، ومن الأدلة على ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-87>أولًا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن </span>(^١).\nلقد جاء في كتاب الله ﷿ نصوص كثيرة تدل على زيادة الإيمان ونقصانه وأن أهله متفاضلون فيه بعضهم أكمل إيمانًا من بعض، فمنهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه، منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم، ليسوا في الدين سواء في مرتبة واحدة، بل فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات.\nوقبل الشروع في ذكر هذه الأدلة القرآنية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أودّ التنبيه على نقطة هامة، وهي:\nأن كل دليل دلّ على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصانه، وكذا العكس، فما دل على نقصان الإيمان فهو يدل على زيادته، فالآيات التي أوردها هنا وظاهرها الدلالة على زيادة الإيمان فقط، فهي تدل على نقص الإيمان باللزوم، وذلك لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن ما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص.\nولهذا فإنا نجد أهل العلم كثيرًا ما يستشهدون بأدلة زيادة الإيمان على نقصانه وكذا العكس للأسباب المتقدمة، وتأمل-مثالًا على ذلك-صنيع البخاري في صحيحه فقد أورد بعض الآيات المصرحة بزيادة الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه مستدلًا بها على الزيادة والنقصان معًا.\nقال الإمام أحمد ﵀: \"إن كان قبل زيادته-أي الإيمان-تامًا فكما يزيد كذا ينقص\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للدكتور عبد الرزاق البدر ص ٣٥\n(^٢) رواه الخلال في السنة (٢/ ٦٨٨، ح ١٠٣٠ (.","vol":"2","page":207},{"text":"فمن الأدلة:\n• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\n• وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].\n• وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]\n• وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].\n• وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].\n• وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].\n• وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-88>ثانيًا: الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\n• حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن\" (^١).\n• حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (^٢).\nففي هذا الحديث \"بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق-بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ١١٩، ١٠/ ٣٠، ١٢/ ٥٨، ١٢/ ١٤ فتح)، ومسلم (٢/ ٤١ نووي).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٥١ فتح) ومسلم (٢/ ٦ نووي) وهذا لفظ مسلم.\n(^٣) معالم السنن للخطابي (٧/ ٤٣، ٤٤).","vol":"2","page":208},{"text":"وهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله: \"أعلاها \"وقوله: \"أدناها\"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى\" (^١).\nوقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة: \"وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتًا كثيرًا، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى\" (^٢).\n• حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" (^٣).\nفهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمنًا ناقص الإيمان (^٤).\nيوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير ﵀ أنه قال: \"ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه\" (^٥)، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه.\n• ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: \"ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه\". (^٦)\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص ٣٢٢ (.\n(^٢) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص ١٤ (.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ١١) وفي الإيمان (ص ٥)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٠٨ الإحسان)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٧٥)؛ وقال البغوي: \"هذا حديث حسن وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة.\n(^٤) انظر الفتاوى (١١/ ٦٥٣ (.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٢) وفي الإيمان (ص ٦)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٦٨) والخلال في السنة (ق ١٥٩/ ب) والآجري في الشريعة (ص ١١٨) والبيهقي في الشعب (١/ ١٩٧)، وابن بطة في الإبانة (برقم: ١١٤١ (.\n(^٦) رواه الخلال في السنة (برقم: ٧٨٩)، والآجري في الشريعة (ص ١١٨)، وابن بطة في الإبانة (برقم ١١٤٨).","vol":"2","page":209},{"text":"• حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\" (^١).\nفبين النبي ﷺ في هذا الحديث مراتب إنكار المنكر، وأنه حسب الاستطاعة فإما أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، بمعنى يكرهه بقلبه، وهذه المراتب الثلاث للإنكار يقوم بها المكلف على قدر استطاعته، ولا شك أن المرتبة الأخيرة باستطاعة جميع المكلفين، فمن رأى المنكر ولم يكرهه بقلبه وهو يعلم أنه منكر فإن هذا يكون علامة على ضعف إيمانه.\nوقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه النسائيُ في سننه فبوب له ب \"باب تفاضل أهل الإيمان\" (^٢).\nوابن منده في كتابه الإيمان فقال: \"ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص\" (^٣) ثم ذكر حديث أبي سعيد ﵁.\nوبوب له النووي في شرحه لمسلم ب \"باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص … \" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>ثالثًا: أقوال السلف الصالح في زيادة الإيمان ونقصانه </span>(^٥)\nلقد جاء عن السلف الصالح آثار كثيرة قرروا فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من حجج ودلالات على زيادة الإيمان ونقصانه، فبينوا ﵏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وكثرة العبادة والمداومة عليها، وينقص باللهو والغفلة والمعصية والتقصير في فعل الطاعة، بل لقد حكى إجماعهم واتفاقهم على ذلك غير واحد من أهل العلم.\nقال يحيى بن سعيد القطان: \"ما أدركت أحدًا من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان، ويقولون: الإيمان يزيد وينقص (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢/ ٢٢ نووي).\n(^٢) سنن النسائي (٨/ ١١).\n(^٣) الإيمان لابن منده (٢/ ٣٤١).\n(^٤) شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٢١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (٣/ ٣٤٣).\n(^٥) المصدر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٦) رواه ابن هاني في مسائل الإمام أحمد (٢/ ١٦٢) وذكر نحوه الذهبي في السير (٩/ ١٧٩) في ترجمة يحيى بن سعيد.","vol":"2","page":210},{"text":"وقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني ﵀: \"لقيت اثنين وستين شيخًا، … فذكر عددًا منهم ثم قال: كلهم يقولون: \"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص\" (^١).\nوقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: \"هذه تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، … فسمى أكثر من مائة وثلاثين رجلًا من أهل العلم من الصحابة وغيرهم .. ثم قال: هؤلاء كلهم يقولون الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، والمعمول به عندنا\" (^٢).\nوقال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀: \"أجمع سبعون رجلًا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ .. فذكر أمورًا منها: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية\" (^٣).\nوقال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀: \"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-90>رابعًا: الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\nالقول الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان.\nجاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلًا من كتاب الله.\n_________\n(^١) واه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٨ ح ١٧٣٧ (.\n(^٢) رواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨١٤ برقم: ١١١٧) وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان (ص ٢٩٣ - ٢٩٥).\n(^٣) رواه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص ٢٢٨) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٣٠) بلفظ أجمع تسعون … إلخ.\n(^٤) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) وعزواه للالكائي في السنة، وصححا إسناده، قلت: وهو في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي\"المطبوع\" (٥/ ٨٨٩ رقم: ١٥٩٧) بنحوه، وليس فيه\"ويزيد وينقص، فلعل هذه اللفظة سقطت من المطبوع، أو أن الحافظ والزبيدي اطلعا على نسخة اشتملت على ما حكياه.","vol":"2","page":211},{"text":"أما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القران، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك\" (^٢).\nالقول الثاني: قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص.\nوهذا قول طائفة من الأشاعرة، رواية عن أبي حنيفة، والغسانية، النجارية، الإباضية.\nأما قول الطائفة من الأشاعرة: فقد أشار إليه البغدادي في \"أصول الدين \"فقال: \"وأما من قال: إنه التصديق بالقلب (^٣) فقد منعوا من النقصان فيه، واختلفوا في زيادته فمنهم من منعها ومنهم من أجازها\" (^٤).\nوأما الرواية عن أبي حنيفة: أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد ذكرها غير واحد ممن كتب في المقالات، من طريق غسان وغيره عن أبي حنيفة ﵀.\nقال الأشعري: \"فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه يزيد ولا ينقص\" (^٥).\nوقال الزبيدي: \"وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه يزيد ولا ينقص\" (^٦).\nوأما الغسانية: فقد ذكر البغدادي عن الغسانية، وهم أتباع غسان المرجئ أن من أقوالهم أن الإيمان يزيد ولا ينقص، ثم قال: \"وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة\" (^٧).\nوأما النجارية: فلهم أصول باطلة جانبوا فيها الحق وفارقوه منها: قولهم إن\n_________\n(^١) انظر: كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص-٢٧٧ - ٢٩٠ وقد ناقش هذا القول بالتفصيل.\n(^٢) الفتاوى (٧/ ٥٠٦).\n(^٣) القول بأن الإيمان هو التصديق هو قول الأشاعرة.\n(^٤) أصول الدين (ص ٢٥٢).\n(^٥) مقالات الإسلاميين (ص ١٣٩).\n(^٦) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦).\n(^٧) الفرق بين الفرق (ص ٢٠٣). وانظر: انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ١٣٩)، والتبصير في الدين للإسفراييني (ص ٩٨)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢٠٣).","vol":"2","page":212},{"text":"الإيمان يزيد ولا ينقص، وقد حكى ذلك عنهم غير واحد ممن كتب في مقالات الفرق كالأشعري والإسفرائيني والبغدادي وغيرهم (^١).\nوأما الإباضية: فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي من الإباضية في كتابه مشارق أنوار العقول: \"الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقًا ليس ينقص نظرًا إلى إيمان كل مؤمن، فإنه في ذاته غير متفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره\" (^٢)\nالقول الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\nلقد قال بهذا القول طوائف كثيرة من أهل الكلام والإرجاء، والتجهم، وممن نسب له هذا القول:\nأبو حنيفة وأصحابه:\nلقد اشتهر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وغفر له أنه يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واستفاض هذا عنه، بحيث لا يدع مجالًا للشك أو التردد في نسبته إليه، ويمكن أن أبرز أهم الأسباب المؤكدة لصحة نسبة هذا القول إليه في النقاط التالية:\n١ - إن عامة كتب الفرق والمقالات تنسب هذا القول إليه، كالمقالات لأبي الحسن الأشعري، والفَرْق بين الفِرَق للبغدادي، والمِلَلْ والنِحَلْ للشهرستاني، وغيرها (^٣).\n٢ - إن الكتب المؤلفة في العقيدة والمنسوبة إلى أبي حنيفة ﵀ تذكر هذا القول، كالفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، والوسيطين الصغير والكبير والوصية ورسالته إلى البتي (^٤).\nوهذه الكتب إن لم يصح نسبتها جميعًا إليه، فلا بد أن يصح نسبة بعضها أو واحد منها على أقل تقدير إليه، وعلى كل إن لم يصح لا هذا ولا ذاك فإن هذه الكتب مطبوعة متداولة، وقد احتفى بها الأحناف شرحًا ونشرًا ونقلًا، فهي عند\n_________\n(^١) انظر مقالات الإسلاميين (ص ١٣٦) والتبصير في الدين (ص ١٠١)، والفرق بين الفرق (ص ٢٠٨) والفتاوى لابن تيمية (٧/ ٥٤٦).\n(^٢) مشارق الأنوار (ص ٣٥ - ٣٦).\n(^٣) لمقالات (ص ١٣٩)، الفَرْق بين الفِرَق (ص ٢٠٣)، ونقله عنه الزبيدي في الإتحاف (٢/ ٢٦٥)، الملل والنحل (١/ ١٤١).\n(^٤) انظر فيض الباري للكشميري (١/ ٥٩ (.","vol":"2","page":213},{"text":"عامتهم مسلم بما فيها، وقد شرح بعضها شروح مطولة عديدة، ونقل منها نقولٌ متكاثرة، واعتمد على ما فيها من عقائد (^١).\nوممن قال بهذا القول: الجهمية.\nومن مقولاتهم الفاسدة وآرائهم المنحرفة زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه.\nقال الأشعري: \"وزعمت الجهمية أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه\" (^٢).\nوقال الشهرستاني: \"قال أي الجهم: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل \" (^٣).\nوجهم وأتباعه إنما قالوا بهذا القول لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، فمن صدق بقلبه فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن تكلم بالكفر، وسب الله ورسوله ﷺ وسخر بالدين، وأحل المحرمات، وفعل غير ذلك من الأمور التي هي كفر بواح.\nوالتصديق عندهم يتساوى فيه العباد، ولا يقبل الزيادة والنقصان فهو إما أن يعدم وإما أن يوجد، ولا يقبل التبعض، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ولا يتفاضل الناس فيه، فإيمان الملائكة والأنبياء والصديقين وإيمان فساق الأمة وأهل الخنا والفجور سواء (^٤).\nوممن قال بهذا القول: الخوارج والمعتزلة:\nذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان من حيث أنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض.\nومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجًا من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافرًا، فالخوارج قطعوا بكفره، ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعًا أنه يوم القيامة خالد\n_________\n(^١) انظر كتاب زيادة الإيمان ونقصانه ص ٣١٨. ٣١٩\n(^٢) المقالات (ص ١٣٢).\n(^٣) الملل والنحل (١/ ٨٨).\n(^٤) انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٢ (.","vol":"2","page":214},{"text":"مخلد في نار جهنم (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقينًا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء\" (^٢).\nوأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: \"أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقًا للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: \"الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين\" (^٣).\nفهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة، كما قال شيخ الإسلام: \"وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام: \"وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين (^٥) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها\" (^٦).\nوممن قال بهذا القول: الأشاعرة والماتريدية:\nلقد ذهب جمهور الأشاعرة وجميع الماتريدية إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص،\n_________\n(^١) انظر الفتاوى (٧/ ٢٢٣، ٢٥٧) وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ١٣٧).\n(^٢) الفتاوى (١٣/ ٤٨ (.\n(^٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٣٧، ١٣٨)، وانظر الفتاوى (٧/ ٤٠٤).\n(^٤) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ١٤٣، ١٤٤).\n(^٥) السكنجبين: شراب مركب من حامض وحلو-معرب-فارسيته: سركا انكبين انظر المعجم الوسيط (١/ ٤٤٠).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١١).","vol":"2","page":215},{"text":"لشبه عقلية وأدلة نظرية، وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الإيمان يزيد وينقص (^١).\nقال الزبيدي: \"وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص واختاره أبو منصور الماتريدي ومن الأشاعرة إمام الحرمين وجمع كثير\" (^٢).\nوقال ابن أبي شريف الحنفي: \"وهذا القول-أي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص-اختاره من الأشاعرة أمام الحرمين وجمع كثير، وذهب عامتهم أي أكثر الأشاعرة إلى زيادته ونقصانه\" (^٣).\nوقال الفرهاري: \"مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ والمتكلمين من أهل السنة أنه لا يزيد ولا ينقص\" (^٤).\nفالماتريدية لهم قول واحد في المسألة وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان، وأما الأشاعرة فلهم في المسألة قولان: فجمهورهم على أنه لا يقبل الزيادة والنقصان، وذهب بعضهم إلى أنه يقبلهما، والأشاعرة يعرفون الإيمان بأنه التصديق وحده، فلا يدخل فيه القول والعمل، فبحثهم هنا هو في التصديق هل يقبل الزيادة والنقصان أو لا؟\nفالذين قالوا لا يزيد ولا ينقص فبناء على أن الإيمان هو التصديق اليقيني الغير قابل للتفاوت، فإن نقص فنقصه شك وكفر، ولشبه أخرى.\nومن قال منهم يزيد وينقص فللقطع بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ، واختاره النووي وعزاه التفتازاني في شرح العقائد لبعض المحققين وقال في المواقف إنه الحق (^٥).\n_________\n(^١) انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٨)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦)، وعمدة القاري للعيني (١/ ١٣٦) وتحفة القاري \"للكاندهلوي\" (ص ٤٤) مجموع \"شروح البخاري\" (١/ ١١٢، (النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢)، المسامرة شرح المسايرة (ص ٣٦٧)، أصول الدين للبغدادي (ص ٢٥٢)، وأصول الدين للبزدوي (ص ١٥٣)، والاقتصاد للغزالي (ص ٢٠٨)، والمواقف للإيجي (ص ٣٨٨)، والإنصاف للباقلاني (ص ٨٦)، والإرشاد للجويني (ص ٣٣٥) وغيرها.\n(^٢) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦ (.\n(^٣) المسامرة (ص ٣٦٧ (.\n(^٤) النبراس شرح العقائد (ص ٤٠٢).\n(^٥) انظر شرح مسلم للنووي (١/ ١٤٢) وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١٢٦) والمواقف للأيجي (ص ٣٨٨) وانظر إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ١١٢) ضمن مجموع شروح البخاري.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>خامسًا: ثمرة الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.</span>\nفمسائل الأسماء لها تناول معين لدى الفرق، ومسائل الأحكام لها تناول معين لدى الفرق، وهذه مسائل يطول شرحها لكن لعل ما أشرنا إليه يُبين ما مدى صفاء عقيدة أهل السنة وأن والإيمان عندهم قولٌ واعتقادٌ وعمل يزيد وينقص، زيادته بالطاعات ونقصانه بالمعاصي.\nوزيادة الإيمان ونقصانه أمر يراه الإنسان من نفسه، فقد يكون حاله اليوم من الإيمان أحسن من حاله في الأمس، أو قد يكون حاله في الأمس أحسن من حاله في هذا اليوم، فالإيمان فيه زيادة ونقص، فيزيد إلى ما شاء الله، وينقص أحيانًا حتى يزول هذا الإيمان ولا يبقى منه شيء، ويُصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرا.\nوالقول إن الإيمان يزيد وينقص في اعتقاد أهل السنة والجماعة، يترتب عليه أمور كثيرة في مسائل الأحكام، فهذه المسألة مرتبطة بمسألتين:\nالأولى: حكم مرتكب الكبيرة.\nفالقول بزيادة الإيمان ونقصانه له تعلق بمسألة حكم مرتكب الكبيرة، فأهل السنة لا يرون تكفير مرتكب الكبيرة دون الشرك الأكبر، ويقولون إن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته فلا يسلبون عنه اسم الإيمان بالكلية","vol":"2","page":217},{"text":"«قال: ثم كان الاختلاف في القرآن؛ مخلوقًا أو غير مخلوق. فقولنا وقول أئمتنا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه صفة لله؛ منه بدأ قولًا وإليه يعود حكمًا».\n<hr><s0>\n\nصفة الكلام تأتي-من حيث الأهمية-بعد صفة العُلو لله ﷾؛ لذلك اهتم بها أئمة السلف، وأكدوا على ثُبوتها لله تعالى حقيقة، وأوردوا في ذلك أدلة كثيرة، ودفعوا شبهات المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومَن دَار في فَلَكهم القائلين بأنَّ الله خلق القرآن في غيره، وردوا كذلك على الكلَّابية الذين قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله، وردوا-أيضًا-على الأشاعرة الذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله.\nفالمعطلة أرادوا بقولهم هذا: إسقاط قيمة الوحي؛ ليصبح لدى الناس خلل في اتباع الوحي، فأهل السنة يؤمنون بأن أول مصدر للتشريع هو وحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ، أي: كلامه بحروفه ومعانيه، وأن الله تعالى قاله بحرف وصوت.\nومن أركان الإيمان السِّتة: الإيمانُ بالكُتُبِ التي أنزلها اللهُ، كما دلَّ على ذلك قولُه ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكذلك جاء في حديث جبريل ﵇، وفيه: «الإيمان، قال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (^١).\nومن الإيمانِ بالكتب: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.\nوالقرآنُ في الأصل: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: قراءته، فهو مَصدر على وزن فُعلان-بالضم-كالغُفران والشُّكران (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) انظر: «لسان العرب» (١/ ١٢٩)، و«مناهل العرفان» للزرقاني (١/ ٧).","vol":"2","page":218},{"text":"وفي الاصطلاح هو: «كلام الله المُنَزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، المُعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف، المَنقول إلينا بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة، المُختتم بسورة الناس» (^١).\nوالقرآنُ كلامُ الله، وهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿؛ قال تَعَالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وروي عن جَابِر بن عبد الله ﵄ أنه قَالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفسَهُ فِي المَوْسِمِ؛ فَيَقُولُ: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؛ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (^٢).\nوَالذِي عَلَيهِ إِجماعُ السَّلفِ الصَّالحِ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ وَالتَّابعِينَ لَهم بِإحسَانٍ: أَنَّ القرانَ كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ؛ حُرُوفه وَمَعَانِيه، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ نَزَلَ بِهِ جِبريلُ ﵇ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ.\nوقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: «وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ ﷿» (^٣).\nثم قال: «الآثار مُتواترة عنهم-أي: عن الصحابة والتابعين-بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله، ولمَّا ظهر مَنْ قال: إنه مخلوق، قالوا ردًّا لكلامه: إنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مُفترى، كما ظنه بعض الناس؛ فإن أحدًا من المسلمين لم يَقل: إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يَعلمه كل مسلم، وإنَّما قالوا: إنه مخلوق خلقه الله في غيره، فرَدَّ السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة، وقالوا: «منه بدأ وإليه يعود».\nوأوَّل مَنْ عُرف أنه قال: مخلوق-الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان.\nوأول مَنْ عُرف أنه قال: هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول؛ فمنهم مَنْ قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرَّبِّ، ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يَتعدد ولا يتبعض، والقرآن العربي لم يتكلم الله به، بل هو مخلوق خلقه في غيره.\n_________\n(^١) انظر: «مناهل العرفان» (١/ ١٠ - ١٣)، و«مباحث في علوم القرآن» لمناع القطان (ص ٢٠ - ٢١)، ط ٥، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١)، والحاكم (٢/ ٦٦٩) وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁، وقال في «المجمع» (٦/ ٣٥): «رجاله ثقات».\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٣٣).","vol":"2","page":219},{"text":"وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار؛ فإنَّه مِنْ المعلوم بصريح العقل أن معنى (آية الكرسي) ليس معنى (آية الدَّيْن)، ولا معنى ﴿قل هو الله أحد﴾ معنى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾؛ فكيف بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه؟!\nومنهم مَنْ قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها.\nوكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين، ولم يقل أحدٌ من السلف: إنَّ هذا القرآن عبارة عن كلام الله، ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم: إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلًا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ بل كانوا يقولون بما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله، والناس يَقرءونه بأصواتهم، ويكتبونه بمدادهم، وما بين اللوحين كلام الله، وكلام الله غير مَخلوق» (^١).\nوقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ فِي نونيتِهِ:\nوَكَذِلِكَ القرآنُ عَينُ كَلَامِهِ ال … مَسمُوع مِنهُ حَقِيقَة بِبَيَانِ\nهُوَ قَولُ رَبِّي كُلُّهُ لَا بَعضُهُ … لَفظًا وَمَعنًى مَا هُمَا خَلْقَانِ\nتَنزيلُ ربِّ العَالَمِينَ وَقَولُهُ … الَّلفظُ وَالمَعنَى بِلَا رَوَغَانِ\nوأما المعتزلة والجهمية فقالوا: القرآن كلام الله مخلوق؛ فهم أضافوا الكلام إلى الله من باب إضافة الوصف على حد قولهم: (ناقة الله).\nومن المتفلسفة مَنْ يزعم أن المعاني والحروف تأليفه؛ لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء.\nوقال شيخُ الإسلام: «وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ» لِأَنَّ الجَهْمِيَّة-مِنْ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ-كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلَامَ فِي المَحَلِّ. فَقَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ». أَيْ: هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ؛ فَمِنْهُ بَدَأَ، لَا مِنْ بَعْضِ المَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٠١، ٣٠٢).","vol":"2","page":220},{"text":"الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].\nوَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: «إلَيْهِ يَعُودُ»: أَنَّهُ يُرْفَعُ مِنْ الصُّدُورِ وَالمَصَاحِفِ؛ فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا مِنْهُ حَرْفٌ، كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثارٍ» (^١).\nوأمَّا قوله ﵀: «وَأَنَّ هَذَا القُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لَا كَلَام غَيْرِهِ» فيريدُ به شيخُ الإسلامِ: أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآنِ حقيقةً، وَأَنَّهُ لَيسَ بِكَلَامِ جبريل، وَلَا كلامِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.\nوفي قوله ﵀: «وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ القَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ عِبَارَةٌ» يُشير به إِلَى الكُلَّابيَّة الذينَ قالوا: إِنَّهُ حكايةٌ، وَإِلَى الأشاعرةِ الذينَ قالوا: إِنَّهُ عبارةٌ، فالكُلَّابيَّة والأشاعرةُ متفقونَ عَلَى أنَّ هَذَا القرآنَ الذي بَينَ أيدينَا ليسَ كلامَ اللهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا حِكَاية أَوْ عبارَة؛ فَالأشاعرةُ يقولونَ: إِنَّ اللهَ عَبَّرَ عن كلامِهِ النفسِيِّ بحروفٍ وَأصواتٍ مخلوقةٍ.\nوالكُلَابيَّة يقولونَ: إنَّ القرآنَ معنى قائم بذاتِ اللهِ، وأنَّهُ لا يُسْمَعُ عَلَى الحقيقةِ، والحروفُ والأصواتُ حكايةٌ لَهُ ودالَّةٌ عَلَيهِ، كَمَا يَحْكِي الصَّدَى كلامَ المتكلِّمِ.\nوقوله ﵀: «بَلْ إذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً؛ فَإِنَّ الكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا» - يريدُ به شيخُ الإسلامِ ﵀: أنَّ القرآنَ-وإن حُفِظَ في الصُّدورِ، أو تُلِي بالألسنِ، أو كُتِبَ في المَصاحفِ، أو سُمِعَ بالآذانِ-فإنَّ ذلكَ لا يُخرجُهُ عن كونِهِ كلام اللهِ وإن بلغهُ الرسولُ المَلَكِي جبريلُ للرَّسولِ البشريِّ محمَّدٍ ﷺ، وبلغَهُ نبينا محمَّد ﷺ لأُمَّتِهِ، فإنَّ الكلامَ إنَّما يُضَافُ حقيقةً إلى مَنْ قالَهُ مُبتدئًا، لا إِلَى مَنْ قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.\nقال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: «قوله: «هو كلامُ الله؛ حُرُوفه ومَعانيه» -هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّة والجَمَاعَة. قالوا: إنَّ اللهَ-تَعَالَى-تَكَلَّمَ بالقرآنِ بِحُرُوفِهِ وَمَعانِيهِ.\nوقوله: «ليس كلامُ الله الحُرُوفُ دون المعاني». وهذا مذهبُ المعتزلَةِ وَالجهميَّةِ؛\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٢٨، ٥٢٩).","vol":"2","page":221},{"text":"لِأَنَّهُم يقولونَ: إِنَّ الكلامَ ليسَ معنًى يقومُ بذاتِ اللهِ، بل هُوَ شيءٌ مِنْ مَخلوقَاتِهِ؛ كَالسماءِ والأرضِ والناقةِ والبيتِ، وما أشبهَ ذلكَ؛ فليسَ معنًى قائمًا فِي نفسِهِ، فكلامُ اللهِ حروفٌ خَلَقهَا اللهُ ﷿، وَسَمَّاها كلامًا، كَمَا خَلَقَ الناقةَ، وسمَّاهَا ناقة اللهِ، وَكَمَا خَلَق البيتَ، وَسَمَّاه بَيت اللهِ.\nوَلِهَذَا كانَ الكلامُ عندَ الجهميَّةِ والمعتزِلَةِ هُوَ الحروفُ؛ لِأَنَّ كلامَ اللهِ عندَهُم عبارةٌ عَنْ حروفٍ وأصواتٍ خَلَقَهَا اللهُ ﷿، وَنَسَبَهَا إِلَيهِ تَشريفًا وَتَعظِيمًا.\nقوله: «ولا المَعاني دون الحُرُوف»:\nوَهَذَا مَذهَبُ الكُلَابيَّةِ وَالأشعَرِيَّةِ؛ فَكَلامُ اللهِ عِنْدَهُمْ مَعنًى فِي نَفسِهِ، ثُمَّ خَلَقَ أَصوَاتًا وَحُرُوفًا تَدُلُّ عَلَى هَذَا المَعنَى؛ إِمَّا عِبَارة أَوْ حِكَايَة.\nواعلم أنَّ ابنَ القيِّمِ ﵀ ذَكرَ أَنَّنَا إِذَا أَنكَرنَا أَنَّ اللهَ يتكلَّمُ فَقَد أَبطَلنَا الشَّرعَ والقَدَر.\nأَمَّا الشرعُ؛ فَلِأَنَّ الرِّسالاتِ إِنَّمَا جَاءَت بِالوَحي، وَالوَحي كَلامٌ مُبَلَّغٌ إِلَى المُرْسَلِ إِلَيهِ، فَإِذَا نَفَينَا الكلامَ انتفَى الوحيُ، وإذا انتَفَى الوَحيُ انتَفَى الشرعُ.","vol":"2","page":222},{"text":"«ثم ذكر الخلاف في الرؤية، وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يُرى في القيامة، وذكر الحجة».\n<hr><s0>\n\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بأن أهلَ الإيمان يرون ربهم يومَ القيامة كما وردت الأدلة بذلك\n\n<span data-type='title' id=toc-92>فمن القرآن:</span>\n• قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: ٢٦] فقد فسرت الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، قال القرطبي: (وقد ورد هذا عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في راوية وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية وهو قول جماعة من التابعين وهو الصحيح في الباب. وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟! قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿. وفي رواية ثم تلا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (^١). (^٢)\n• قوله تعالى: ولدينا مزيد (لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: ٣٥] فقد فسر المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى كالآية السابقة، قال ابن كثير: (إن المزيد الذي يتفضل الله به على عباده فوق ما يشاءون هو ظهوره تعالى لهم) (^٣). وبهذا فسر الآية ابن جرير الطبري والقرطبي وغيرهما ودلالتها عن الرؤية كالآية السابقة.\n• قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وجه\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٨١).\n(^٢) تفسير القرطبي ٨/ ٣٣٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٦/ ٤٠٨.","vol":"2","page":223},{"text":"الاستدلال بالآية على الجواز ما نقل إن (نَاظِرَةٌ) أي رائية رؤية بصرية يوم القيامة كما قال أهل السنة والجماعة.\nقال أبو الحسن الأشعري: (قال الله ﷿ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ يعني: مشرقة (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٣] يعنى: رائية، ولا يجوز أن يكون بمعنى نظر التفكر والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار الاعتبار، ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>من السنة:</span>\nأخبرَ بذلك النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلةَ البدر، لا تُضامُّون في رؤيته» (^٢).\nوعن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم عيانا» (^٣).\nقال ابن القيم (وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه موقوف، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف، ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى. فهناك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقها بالقبول والتسليم، وانشراح الصدر لا بالتحريف والتبديل وضيق الطعن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين وكان عنه يوم القيامة من\n_________\n(^١) الإبانة عن أصول الديانة ص ١٢.\n(^٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، برقم (٧٤٣٩)، وابن ماجه (١٧٩)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١١١٢٠).\n(^٣) رواه البخاري ٧٤٣٥","vol":"2","page":224},{"text":"المحجوبين) (^١) ثم ذكر بعد ذلك سياق الأحاديث بكاملها.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>تنبيهات مهمة:</span>\nبعد شرح ما يتعلق بالنص الذي جاء في كلام المصنف يجدر التنبيه على أمور مهمة تتعلق بمسألة الرؤية، فمسألة رؤية الله ﷿ مُتشعبة؛ إذ تشتمل على المسائل الآتية:\n• ما يتعلق برؤيته ﷾ في الدنيا عيانًا.\n• ورؤيته جل وعلا منامًا.\n• ورؤية النبي ﷺ لربِّه ليلة المعراج.\n• ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة.\n• وكذلك رؤية المنافقين والكافرين له ﷻ يوم القيامة.\nومسألة رؤية الله يُلحقها العلماء بباب الصِّفات، مع أن البحث في رؤية العبد لربه وليس العكس، ولكنهم يُلحقونها بباب الصفات ..\nوأعطي نبذة عن هذه المسائل فأقول:\nأولًا: رؤية الله في الدنيا يقظة:\nرؤية الله في الدنيا يقظة غير واقعة شرعًا، وغير مُمكنة، وقد اتفقت الأمةُ على أن الله تعالى لا يراه أحدٌ في الدنيا بعينه، ولم ينازعوا في ذلك إلا ما شَذَّ من بعض غُلاة الصُّوفية؛ فقد زعموا أنه يجوز رؤية الله في الدنيا، وأنه يَزورهم ويَزورونه في الحضرة الإلهية ويَرَوْنه (^٢)، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم؛ إذ كله كذب ودجل.\nومَن ادَّعى رؤية الله في الدنيا بعيني رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، وهو ضالٌّ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-في ردِّه على مَنْ زعم رؤية الله في الدنيا يقظة: «مَنْ قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضالٌّ، مُخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادَّعوا أنهم أفضل مِنْ موسى، فإن هؤلاء يُستتابون، فإن تابوا وإلا قُتلوا» (^٣).\n_________\n(^١) حادي الأرواح ص ٢٣١\n(^٢) «المِلل والنِّحَل» للشَّهرستاني (١/ ١٠٥).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٠٤).","vol":"2","page":225},{"text":"وقد بَيَّن-﵀-علة عدم إمكان رؤية الله في الدنيا بالعين، حيث قال: «وإنَّما لم نَره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرَّائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قُوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خَرَّ موسى صعقًا، قال: سبحانك! تُبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنَّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه، ولهذا كان البشر يَعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلَّا مَنْ أيده الله، كما أيَّد نبينا ﷺ» (^١).\nوالأدلة التي استند عليها أهل السنة في إجماعهم على عدم وقوع رؤية الله في الدنيا يقظة-كثيرة؛ منها:\nقول النبي ﷺ كما في «صحيح مسلم»: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يرى أحدٌ مِنكم ربه-﷿-حتى يَموت» (^٢)، فهو صريح في عدم وقوع الرؤية البصرية لأحد من الناس لله جل وعلا في هذه الدار الدنيا حتى ولو كان نبيًّا؛ لأن الله-جل وعلا-قد مَنع موسى-﵇-مِنْ أن يَرَاه، وهو أحد أُولي العزم من الرسل، فكيف بمن دونه مِنْ سائر المؤمنين؟! فإن الله-جل وعلا-لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فمنعه من أن يراه، وفي قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يَثبت، فكيف يَثبت البشر الضعيف؟!\nثانيًا: رؤية الله-﷿-في المنام:\nذهب جمهور العلماء إلى جواز رؤية الله في المنام، وأنها قد تقع صحيحة، بل ذكر القاضي عياض-﵀-اتفاق العلماء على هذه المسألة؛ فقال: «ولم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله في المنام» (^٣).\nوقال الإمام البَغوي ﵀: «رؤية الله في المنام جائزة؛ قال معاذ عن النبي ﷺ: «إني نَعست فرأيت ربِّي»، وتكون رؤيته-جَلَّت قُدرته- ظهور العدل والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة، أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق، ووعده صدق، وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضًا عنه فهو تحذير من الذنوب؛ لقوله ﷾: ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ\n_________\n(^١) «منهاج السنة النبوية» (٢/ ٣٣٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n(^٣) «إكمال المُعْلِم بفوائد مُسلم» (٧/ ٢٢٠) ط. دار الوفاء.","vol":"2","page":226},{"text":"اللّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وإن أعطاه شيئًا من متاع الدنيا فأخذه، فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه، يَعظم بها أجرُه، لا يَزال يضطرب فيها حتى يُؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة» (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومن رأى الله-﷿-في المنام فإنَّه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرَّائي؛ إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي ﷺ في أحسن صورة …» (^٢).\nوقال في موضع آخر: «وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صورة متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يُشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق …» (^٣).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩]: «فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «… فإذا أنا بربي-﷿-في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب». أعادها ثلاثًا، «فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفتُ …»، فهو حديث المنام المَشهور، ومَن جعله يقظة فقد غَلط، وهو في السُّنن من طرق» (^٤).\nثالثًا: رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج:\nبعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا يقظة فقد اختلفوا في رؤية نبينا ﷺ ربه ليلة المعراج؛ قال الإمام ابن القيم: «حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب (الرؤية) له: إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك، وشيخنا- أي: ابن تيمية- يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه ﷺ رآه ﷿، ولم يقل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد لفظ ابن عباس ﵄، ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر-﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر: «حجابُه النُّورُ» (^٥)، فهذا النور هو\n_________\n(^١) «شرح السنة» (١٢/ ٢٢٧، ٢٢٨).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٥١).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٩٠ (.\n(^٤) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٨١).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى ﵁.","vol":"2","page":227},{"text":"- والله أعلم- النور المذكور في حديث أبي ذر-﵁: «رأيتُ نُورًا» (^١)» (^٢).\nوهو ما رجَّحه- أيضًا- شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، حيث قال ﵀: «ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنَّه لم يَره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دَلَّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إمَّا إطلاق الرؤية، وإمَّا تقييدها بالفؤاد، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: «أتاني البارحةَ رَبِّي في أحسن صورة» (^٣) الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام هكذا جاء مفسرًا» (^٤).\nفحملوا الآثار المُطلقة الواردة في الرؤية؛ كأثر ابن عباس: «رأى محمدٌ ربَّه» على الرؤية القلبية، وحملوا الآثار النافية للرؤية؛ كأثر عائشة ﵂-على الرؤية البصرية؛ لأنه-من خلال التَّتبع-لم يَرِد عن أحد منهم أنه قال: رآه بعينه، وعليه فلا تعارض بين هذه النصوص.\nرابعًا: رؤية الله-﷿-في الآخرة:\nوهذه المسألة تقدم الحديث عنها في بداية شرح كلام المصنف عن رؤية الله، وقد حاول المعتزلة إنكارها ورد النصوص الواردة فيها، وقد أجاب أهل السنة على شبههم وبينوا أن رؤية الله في الآخرة جائزة عقلًا وواقعة شرعًا، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقد استدل به المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا، مع أن المراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال.\nفالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، ف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٨) من حديث أبي ذر ﵁.\n(^٢) «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» (١/ ٣ (.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣١٥٧)، وأحمد (٣٣٠٤) وغيرهما، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٦٩).","vol":"2","page":228},{"text":"كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا.\nوقد ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا».\nوقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له ﷾ مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة (^١).\nوقال ابنُ القيِّم ﵀: «دلَّ الكتابُ والسنَّةُ المُتواتِرَةُ وَإجماعُ الصَّحابةِ وأئمةُ أهلِ الإسلامِ والحديثِ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرى يومَ القيامَةِ بِالأبصارِ عِيَانًا، كَمَا يُرى القَمَرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وَكَمَا تُرى الشَّمسُ في الظَّهيرة، فَإِنْ كَانَ مَا أَخبَرَ به اللهُ وَرَسُوله عنه من ذلك حَقِيقَةً- وإنَّ له والله حقَّ الحقيقة- فَلَا يُمكِنُ أن يَروهُ إِلَّا مِنْ فَوقِهم؛ لاستِحَالَةِ أَنْ يَروهُ أسفل منهم، أو مِنْ خلفهم، أَوْ أمامهم، وَنَحو ذَلِكَ …، فلَا يَجتَمِعُ فِي قَلبِ العبد بعد الاطلاع عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيث وَفَهِمَ مَعنَاهَا إنكارُها والشهادةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَبَدًا» (^٢).\nأ-رؤية المؤمنين لربِّهم جل وعلا:\nبَيَّن المصنفُ ﵀ هنا أنه قَدْ دَخَلَ فِي الإيمانِ باللهِ وَكُتبِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسلِهِ: الإيمانُ بِأَنَّ المُؤمِنِينَ يرونَهُ ﷾ يومَ القيامةِ؛ فَمَنِ لَم يُؤمن بِأَنَّهُ-سبحانه-يُرَى يومَ القيامةِ فَقَد رَدَّ أَدِلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتها، وَلَم يُؤمن بِاللهِ وَمَلائكتِهِ وكتبِهِ وَرسلِهِ.\nفالله ﷾ سيخص المؤمنين بمزيد من الإنعام يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: «هَلْ تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تُضارون في الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم ترونه كذلك …»، الحديث (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩ (.\n(^٢) «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (ص ٣٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٠٨٨) ومسلم ٢٦٧»","vol":"2","page":229},{"text":"وسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].\nوقال تعالى عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الإمامُ الشافعيُّ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎».\nوقال جل شأنه: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥].\nفالمزيد هنا هو: النَّظر إلى وجه الله ﷿، كما فسَّره بذلك علي وأنس بن مالك ﵄.\nوقال سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].\nفالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فَسَّرها بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا اعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿، وهي الزيادة، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾» (^١).\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «وأمَّا السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. آمين (^٢).\nب-رؤية الكفار والمنافقين لربِّهم جل وعلا:\nأَمَّا الكفارُ والمُنَافِقِينَ، فَقَد ذكر شيخُ الإسلام أنَّ الناسَ قد تَنَازَعَوا في ذلك على ثَلَاثَةِ أَقوالٍ؛ فقال: «فَأَمَّا مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الكُفَّارِ فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الكَلَامُ فِيهَا، وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا- فِيمَا بَلَغَنَا- بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ العُلَمَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ؛ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، مَعَ أَنِّي مَا عَلِمْت أَنَّ أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ فِيهَا تَلَاعَنُوا وَلَا تَهَاجَرُوا فِيهَا؛ إذْ فِي الفِرَقِ الثَّلَاثَةِ قَوْمٌ فِيهِمْ فَضْلٌ، وَهُمْ أَصْحَابُ سُنَّةٍ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦) من حديث صُهَيْبٍ ﵁.\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).","vol":"2","page":230},{"text":"ثم قال ﵀: «وَالأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي (رُؤْيَة الكُفَّارِ):\nأَحَدُهَا: أَنَّ الكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَالِ؛ لَا المُظْهِرُ لِلكُفْرِ، وَلَا المُسِرُّ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ المُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.\nالثَّانِي: أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمُنَافِقِيهَا، وَغَبَرَاتٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْ المُنَافِقِينَ، فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ ﷿ لَهُمْ فِي المَوْقِفِ؛ الحَدِيث المَشْهُور.\nالثَّالِثُ: أَنَّ الكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ وَتَعْذِيبٍ؛ كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلطَانَ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ؛ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ، وَيَشْتَدَّ عِقَابُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَوْلِ غَيْرِهِمْ؛ وَهُمْ فِي الأُصُولِ مُنْتَسِبُونَ إلَى الإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِلَى سَهْل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّسْتري» (^١).\nوممَّن رَجَّحَ رؤيَةَ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ للهِ فِي عَرَصاتِ القيامةِ العَلَّامةُ ابنُ القيِّم ﵀ (^٢).\nأما أهل الكفر فكما قالَ الله ﷾ عنهم: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون) [المطفِّفين: ١٥]، فيُحجبون عن رؤية الله ﷿، ولا شك أن أعظم عطاءٍ يُعطاه المؤمن؛ النظرُ إلى وجهه الكريم.\nولذلك أحد الصحابة لما سمعَ ذلك قال: (لن نعدِم من ربٍ يضحكُ خيرا) (^٣) فالله ﷾ سيتجلَّى لعباده المؤمنين وسيرونه، وهذه الرؤية منها ما يكون في عرصاتِ يوم القيامة، ومنها ما يكون بعد دخولهم الجنة.\nفمن عقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعة أن رؤية الله ﷿ ثابتة بنصوصِ القرآن والسنَّة، فنؤمنُ بها ونصدِّقُ بها كما أخبرت بذلك النصوص.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٨٦).\n(^٢) «حادي الأرواح» (ص ٢٦٢).\n(^٣) انظر سنن ابن ماجه برقم (١٨١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمَدَنِيِّينَ (١٦١٨٧)، ذكره الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الجزء السادس، صفحة (٧٣٢)، وضعفه الأرنؤوط كما في المسند.","vol":"2","page":231},{"text":"«ثم قال: واعلم-رحمك الله-أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة، وقد بدأت أن أذكر أحكام الجمل من العقود؛ فنقول: ونعتقد أن الله ﷿ له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سمواته بكمال أسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، و﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، ولا نقول: إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه؛ لأنه عالِم بما يجري على عباده».\n<hr><s0>\n\nمسألة إثبات العرش ومسألة الاستواء ومسألة العلو مسائل تقدم ذكرها والحديث عنها ولا حاجة إلى لإعادة ذكرها.","vol":"2","page":232},{"text":"«إلى أن قال: ونعتقد أن الله خلق الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء، لا للفناء».\n<hr><s0>\n\nالأقوال في المسألة:\n\n<span data-type='title' id=toc-95>القول الأول: قول أهل السنة والجماعة.</span>\nأن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان.\nقال الإمام ابن القيم: \"يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون.\nفيها قال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: \"جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردّون من ذلك شيئا\" .... \"ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان\" قال ابن القيم بعد أن ساق كلام الأشعري \"والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان\" (^١).\nأدلتهم:\nوقد دل على ذلك من القرآن:\n• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: \"ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك\" (^٢).\n• وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"إن\n_________\n(^١) حادي الأرواح: ص ١١ - ١٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.","vol":"2","page":233},{"text":"أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة\" (^١).\n• وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء ابن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث بطوله وفيه \"فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها\" (^٢) وذكر الحديث.\n• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \" إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا\" (^٣).\n• وفي صحيح أبي عوانة الإسفرائيني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح \"ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكن\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٧) وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجه (١٥٤٨) و(١٥٤٩) والحاكم (١/ ٩٣) رقم (١٠٧) وأبو عوانة كما في (إتحاف المهرة) (٢/ ٤٥٩) وابن منده في الإيمان (١٠٦٤) والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٢١) و(٤٣) وغيرهم من طريق زاذان عن البراء بن عازب فذكره، والحديث صححه: أبو عوانة وابن منده والحاكم والبيهقي وابن القيم وغيرهم.\nقال ابن القيم في الروح، ص (٩١): (هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومسألة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٨)، ومسلم برقم (٢٨٧٠) واللفظ لمسلم.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.\n(^٤) أخرجه أبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة لابن حجر (٢/ ٤٥٩)، وأبو داود برقم (٤٧٥٣). ولعل هذا لفظ أبي عوانة في صحيحه، والحديث تقدم الكلام عليه مختصرًا.","vol":"2","page":234},{"text":"• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن\" (^١). وذكر الحديث.\n• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث إلى أن قالت ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: \"أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة\" (^٢).\nوقال رسول الله ﷺ: \"رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها حين رأيتموني تأخرت \" (^٣).\n• وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله فذكر الحديث وفيه قال: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله \". فقالوا يا رسول الله ﷺ: رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال: \"إني رأيت\n_________\n(^١) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره.\nوقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا.\nوقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر).\nوقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه.\nفرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.\n(^٢) رقم (٩٠١)، وهو عند البخاري أيضا رقم (٩٩٧، ١١٥٤).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧).","vol":"2","page":235},{"text":"الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا بم يا رسول قال: \" بكفرهن\" قيل: أيكفرن بالله قال: \"يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط\" (^١).\n• وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف قال: \"قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>القول الثاني: المعتزلة.</span>\nأنكروا خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار.\nشبهتهم: سبب هذا القول إن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم ومن ضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثًا؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهًا لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار.\nويجاب عليهم:\nأولًا: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة.\nثانيًا: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق.\nثالثًا: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور،\n_________\n(^١) رقم (٧١٢).\n(^٢) رقم (٩٠٤) - (٩).","vol":"2","page":236},{"text":"وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.\n• ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.\n• إذًا هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة.","vol":"2","page":237},{"text":"«إلى أن قال: ونعتقد أن النبي ﷺ عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى».\n<hr><s0>\n\nما وقع في الإسراء والمعراج معلومٌ وثبتت به النصوص من إسراء النبي ﷺ إلى بيت المقدس ثم عروجه من بيت المقدس إلى السماء، ثم ﷺ بلغ إلى سدرة المنتهى وقد جاء بذلك النصوص، فالإسراء ورد في القرآن، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، فهذا أمر إسراء؛ والمعراج جاءت به السنة، ومعلوم أن الله ﷾ أكرم النبي ﷺ بهذا وسلاه بهذا ولذلك الناس بعد أن أخبرهم النبي ﷺ بهذا الأمر انقسموا إلى مؤمنٍ ومكذب.\nوممن شهد له بالإيمان بذلك الصديق أبو بكر، ولذلك سمي الصديق؛ لأنه صدق النبي ﷺ فيما قال في ذلك الأمر، فنحن نؤمن بأن النبي ﷺ عُرج به بجسده وروحه ﷺ، وأن هذا العروج حقيقة وليس منامًا، ونؤمن بأنه شاهد هذا كله ﷺ كما جاءت بذلك النصوص.\nقد دل على ذلك من القرآن:\n• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣: ١٥] وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: \"ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.","vol":"2","page":238},{"text":"«إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين؛ فقال: «هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار» (^١).\n<hr><s0>\n\nيذكر غير واحد من العلماء هذه المسألة بعينها في كتب الاعتقاد ومن هؤلاء الإمام الطحاوي حيث يقول: \"وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه\" (^٢).\nقَالَ ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية رحمه الله تعالى:\n\"قال الله تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [الأنفال: ٧٥] «وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» [الأحزاب: ٤٠] فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبدًا، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» [مريم: ٦٤] وعن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قال: ﴿كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثُمَّ قَالَ: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنَّار وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة، قَالَ: فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله أفلا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل؟ فقَالَ: من كَانَ من أهل السعادة فسيصير إِلَى عمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فسيصير\n_________\n(^١) هذا جزء من حديث؛ تمامه: «أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: (أصحاب اليمين)\n(وأصحاب الشمال)؛ فقبض قبضتين، فقال: «هذه في الجنة ولا أُبالي، وهذه في النار ولا أبالي». أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٢٣٩)، وفي رواية أخرى: «إن الله خلق آدم، وأخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي»، وفي رواية أخرى: «إن الله خلق آدم، فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده فاستخرج ذرية، فقال: خَلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٦٨)، وأبو داود (١٦).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧.","vol":"2","page":239},{"text":"إِلَى عمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قَالَ: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى» [الليل: ٥ - ١٠]﴾ خرجاه في الصحيحين\" (^١)\nوقد أنكر الفلاسفة علم الله بالجزئيات قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n\"وَقَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَعْلَمُهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ.\nوَقَوْلُهُمْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَمَفْعُولَاتِهِ حَقٌّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ لَكِنْ قَوْلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَعْيَانَ الْمُعَيَّنَةَ جَهْلٌ وَتَنَاقُضٌ فَإِنَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ مُعَيَّنَةٌ وَالْأَفْلَاكُ مُعَيَّنَةٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٌ.\nفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُعَيَّنَاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ إذْ الْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا الْكُلِّيَّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ.\nتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. \" (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهؤلاء المتفلسفة الدهرية عندهم أن الله لا يفعل شيئا بمشيئته ولا يجيب دعاء الداعي بل ولا يعلم الجزئيات ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي ولا يعرف إبراهيم من موسى من محمد وغيرهم بأعيانهم من رسله بل منهم من ينكر علمه مطلقا كأرسطو وأتباعه ومنهم من يقول إنما يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣١٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٩٥.\n(^٣) الجواب الصحيح ١/ ١١٤.","vol":"2","page":240},{"text":"«ونعتقد أن للرسول ﷺ حوضًا».\n<hr><s0>\n\nأَعطى الله لنبيه محمد ﷺ الحوضُ المورود كما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣].\nقال الإمامُ القرطبيُّ: «والصَّحيح: أنَّ للنبي ﷺ حَوْضَيْن:\nأحدهما: في المَوقف قبل الصِّراط.\nوالثَّاني: في الجَنَّة.\nوكلاهما يُسَمَّى كوثرًا» (^١).\nوقد جاءت أحاديث كثيرة في وصفه؛ منها:\n• عن أبي عُبيدة أنه سأل عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: ١]، فقالت: «نهرٌ أُعطيه نَبِيُّكم ﷺ؛ شاطئاه عليه دُرٌّ مُجَوَّف، آنيته كَعَدد النُّجوم» (^٢).\n• وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما أنا أسيرُ في الجَنَّة إذ أنا بنهرٍ حافتاه قِباب الدُّرِّ المُجَوَّف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك رَبُّك، فإذا طِينُه-أو طِيبُه-مِسك أذفر» (^٣).\nوقال شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى: «خَصَّ الله نَبيَّه ﷺ أنَّه أعطاه الكوثر، وهو من الخير الكثير الذي آتاه اللهُ في الدُّنيا والآخرة؛ فمما أعطاه في الدُّنيا الهُدى والنَّصر والتأييد وقُرَّة العَين والنَّفس وشرح الصدر، ونَعَّم قلبَه بذكرِه وحُبِّه بحيث لا يُشبه نعيمُه نعيمَ الدُّنيا البتة، وأعطاه في الآخِرَة الوسيلةَ والمقامَ المحمودَ، وجعلَه أَوَّلَ مَنْ يُفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه في الآخِرَة لواءَ الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة، إلى غير ذلك» (^٤).\n_________\n(^١) «التذكرة» (ص ٣٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٨١ (.\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨)، بتصرف يسير.","vol":"2","page":241},{"text":"وقد حكم جمعٌ من أهل العلم بتواتر السُّنَّة في ذلك، قال ابن أبي العِزِّ: «الأحاديث الواردة في ذِكر الحوض تَبلغُ حَدَّ التواتر؛ رَوَاها من الصَّحابة بضعٌ وثلاثون صحابياًّ، ولقد استقصى طرقَها شيخُنا عمادُ الدِّين ابنُ كثير-تَغَمَّدَه اللهُ برحمتِه في آخر «تاريخه الكبير» (^١).\n_________\n(^١) «شرح الطحاوية» (ص ٢٢٧).","vol":"2","page":242},{"text":"«ونعتقد أنه أول شافع وأول مُشَفَّع».\n<hr><s0>\n\n\nجاء في إثبات<span data-type='title' id=toc-97> الشفاعة </span>أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ بلغت حد التواتر، وصرحت هذه الأحاديث بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، من أهل التوحيد، مؤمنون موحدون، لكن دخلوا النار بذنوب ومعاص ارتكبوها ولم يتوبوا منها،\n<span data-type='title' id=toc-98>أنواع شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة.</span>\nلقد اختلف أهل العلم في عد شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة (^١)، فبعضهم أوصلها إلى عشر شفاعات وهو الراجح إن شاء الله لما تدل عليه الأحاديث الصحيحة وتقوم عليه الأدلة وهي كما يلي:\nالأولى: الشفاعة العظمى: وهي في فصل الموقف بعد دلالة الرسل عليه واعتذارهم عنها (^٢).\nالثانية: الشفاعة لمن يصبر على لأواء المدينة (^٣).\nالثالثة: الشفاعة لمن يموت بالمدينة (^٤).\n_________\n(^١) غاية البيان شرح زبد ابن رسلان لمحمد الرملي الأنصاري (١٣ (.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣١٦٢) ٣/ ١٢١٥، ورقم (٤٤٣٥) ٤/ ١٧٤٥، ومسلم رقم (١٩٤) ١/ ١٨٤ - ١٨٥ واللفظ له.\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (١٣٧٧) ٢/ ١٠٠٤، ومالك في الموطأ رقم (١٥٦٩) ٢/ ٨٨٥، وأحمد رقم (٦٠٠١) ٢/ ١١٩.\n(^٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٩١٧) ٥/ ٧١٩ وحسنه، وابن ماجه رقم (٣١١٢) ٢/ ١٠٣٩ ولفظه: \" فإني أشهد لمن مات بها\"، وأحمد رقم (٥٨١٨) ٢/ ١٠٤، وابن أبي شيبة رقم (٣٢٤٢١) ٦/ ٤٠٥، وابن حبان رقم (٣٧٤١) ٩/ ٥٧، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٤١٨٥ - ٤١٨٦) ٣/ ٤٩٨، والهيثمي في موارد الظمآن رقم (١٠٣١) ١/ ٢٥٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٦٠١٥)، وفي صحيح الترمذي (٣٩١٧)، وفي صحيح الترغيب رقم (١١٩٣ - ١١٩٧)، وفي السلسلة الصحيحة رقم (٢٩٢٨).","vol":"2","page":243},{"text":"الرابعة: الشفاعة في دخول الجنة بغير حساب ولا عقاب (^١).\nالخامسة: الشفاعة فيمن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه (^٢).\nالسادسة: الشفاعة في أهل الكبائر من الأمة (^٣).\nالسابعة: الشفاعة في رفع الدرجات (^٤).\nالثامنة: الشفاعة في الخروج من النار (^٥).\nالتاسعة: الشفاعة التي يجتمع فيها الله والنبيون والملائكة والمؤمنون (^٦).\nالعاشرة: الشفاعة في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه (^٧).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ﵁ قال: \"فيقول الله ﷿: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين\" (^٨)\nوفي المسند من حديث أبي سعيد مرفوعًا: \"ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصًا، فيخرجونهم منها، قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها\" (^٩)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٦١٠٧) ٥/ ٢٣٧٥، ورقم (٥٣٧٨) ٥/ ٢١٥٧، ورقم (٥٤٢٠) ٥/ ٢١٧٠، ورقم (٦١٧٥) ٥/ ٢٣٩٦، ومسلم رقم (٢٢٠) ١/ ٢٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٩٩) ١/ ٤٩، ورقم (٦٢٠١) ٥/ ٢٤٠٢، وأحمد رقم (٨٨٤٥) ٢/ ٣٧٣.\n(^٣) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٣٩) ٤/ ٢٣٦، والترمذي رقم (٢٤٣٥ - ٢٤٣٦) ٤/ ٦٢٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (٤٧٣٩) ٤/ ٢٣٦، وفي صحيح سنن الترمذي رقم (٢٤٣٥ - ٢٤٣٦) ٤/ ٦٢٥، وفي صحيح الجامع رقم (٣٧١٤)، وفي صحيح الترغيب والترهيب رقم (٣٦٤٩)، وفي ظلال الجنة رقم (٨٣١ (.\n(^٤) أخرجه مسلم رقم (٩٢٠) ٢/ ٦٣٤، وأبو داود رقم (٣١١٨) ٣/ ١٩٠، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٨٢٨٥) ٥/ ٧٧.\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٦١٩٠) ٥/ ٢٣٩٩، ومسلم رقم (١٩١ - ١٩٢) ١/ ١٧٨،\n(^٦) أخرجه البخاري رقم (٧٠٠١) ٦/ ٢٧٠٦، ومسلم رقم (١٨٣) ١/ ١٦٧.\n(^٧) أخرجه البخاري (٣٦٧٠) ٣/ ١٤٠٨، ورقم (٥٨٥٥) ٥/ ٢٢٩٣ ومسلم رقم (٢٠٩) ١/ ١٩٤،\n(^٨) أخرجه مسلم. (١٨٣)\n(^٩) رواه أحمد في مسنده: (١١ - ٩٦) قال الشيخ مقبل: \"الحديث بهذا السند حسن: انظر الشفاعة للوادعي: ١/ ١١٩","vol":"2","page":244},{"text":"«وذكر الصراط».\n<hr><s0>\n\nالصِّراط: جِسر منصوب على مَتن جهنم بين الجَنَّة والنَّار، يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم.\nقال السفاريني ﵀: «والصراط شرعًا: جِسر ممدود على مَتن جهنم يَرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار، وخُلِق مِنْ حين خُلِقت جهنم».\nوفي قوله ﷾: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]، قال الشيخ السعدي: «هذا خطابٌ لسائر الخلائق؛ بَرِّهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم: أنَّه ما منهم مِنْ أحدٍ إلا سيرد النار حكمًا حَتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد مِنْ نفوذه، ولا محيد عن وقوعه» ([٢]).\nفالناس سيردون جهنم؛ لأنَّ الصراط مَنصوب على مَتْنِها.\nوتختلف أحوال الناس في المرور عليه، كما جاء عن ابن مسعود؟: أن النبي ﷺ قال: «يَرِدُ الناس النَّارَ، ثم يَصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البَرق، ثم كالرِّيح، ثم كحُضْر الفرس، ثم كالرَّاكب في رَحْلِه، ثم كَشَدِّ الرَّجل ثم كمَشيه».\nوقد جاء في وصفه أنه: صراطٌ دقيق جدًّا، فعن أبي سعيد الخدري؟ أنه قال: «بَلغني أنَّ الجسر أدق من الشعرة، وأحَدُّ من السيف».\nوالصِّراط مِنْ عرصات وأهوال يوم القيامة، وأول مَنْ يجوز عليه: النبيُّ ﷺ وأمته؛ فعن أبي هريرة ﵁: «… ويُضْرَبُ الصِّراط بين ظَهْري جَهَنَّم فأكونُ أنا وأُمَّتي أَوَّل مَنْ يُجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلَّا الرُّسل، ودَعوى الرُّسل يَومئذ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مِثل شَوْك السَّعدان؛ هل رأيتم السَّعدان؟»، قالوا: نَعم يا رسول الله.","vol":"2","page":245},{"text":"قال: «فإنَّها مِثل شَوك السَّعدان غَير أنَّه لا يَعلم قَدْرَ عِظَمِها إلَّا الله ﷿، تَخطف النَّاسَ بأعمالهم، فمَنهم المُوبق بعملِه، والمُوثق بعمله، ومنهم المُخَرْدَل والمُجَازَى».\nقال الإمامُ القرطبيُّ رحمه الله تعالى: «فَتَفَكَّر الآن فيما يَحِلُّ بك من الفَزع بفؤادك إذا رأيتَ الصِّراط ودِقَّتَه، ثُمَّ وَقَعَ بصرُك على سَوَادِ جَهنم من تحته، ثم قَرَعَ سَمْعَك شَهِيقُ النارِ وتَغَيُّظُها، وقد كُلِّفْت أن تَمشي على الصِّراط مع ضَعف حالك، واضطراب قلبِك، وتَزَلزُلِ قَدَمِك، وثِقَل ظَهْرك بالأوزار المانعة لك مِنْ المَشي على بساط الأرض فضلًا عن حِدَّة الصِّراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رِجليك فَأَحْسَسْتَ بِحِدَّتِه، واضطررت إلى أن تَرفع القَدَم الثاني، والخلائق بين يديك يَزِلُّون ويَعثرون، وتتناولهم زبانيةُ النَّار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فَتَسْفُل إلى جهة النار رُءوسهم، وتَعْلُو أَرْجُلُهم؛ فَيَا له مِنْ مَنظر ما أَفْظَعَه! ومُرْتَقًى ما أَصْعَبَه! ومَجاز ما أَضْيَقَه!».\nومع كل هذا فالمؤمن يمر عليه مرورًا سريعًا جدًّا.\nولذلك لا بد أن يعلم الإنسان أنه إذا أراد اجتياز الصراط إلى الجنة: أنه مطالب بمجاهدة نفسه في هذه الحياة؛ للثبات على منهج الله، وعليه النظر فيما هو مُقدم عليه من هذه الأهوال؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]؛ وإذا كان الإنسان يحتاط جدًّا في سفر الدنيا وخاصة إذا سَمِع أن فيه مشقة، وأنه قد يُصيبه العنت فيه فماذا قَدَّم ليوم القيامة وما فيه من كربات وأهوال؟\nوليحاسب نفسه هنا: لماذا هذه الغشاوة التي على عينيه، ولماذا هذه الغفلة التي في قلبه عن هذا المصير المحتوم؟! ولماذا الركون إلى الدنيا وعدم استثمار الأنفاس فيما ينفع وينجي في هذا اليوم؟!\nفكيف يوقن العبد بهذه الحقائق ومع ذلك يفرط في جنب الله؟!\nولماذا لا يجتهد في تحصيل مرضاة الله؟!\nوليعلم كل امرئ أن نفسه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل، وأن الله قد أعطاك قوة كامنة في نفسه؛ إمَّا أن يُوجهها للخير، وإما أن يوجهها للشر، ولا ينفعه يوم القيامة إلا ما قَدَّمه من أعمال صالحة في هذه الحياة صار قلبه بها سليمًا؛ كما قال الله ﷾ عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].","vol":"2","page":246},{"text":"فعلى حسب حال المؤمن هنا من التنافس في فعل الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله-سيكون حاله في الآخرة على الصراط؛ فمن استقام على صراط الله (منهجه) في الدنيا ثَبَّته الله على الصراط المنصوب على ظهر جهنم؛ فاللهم ثَبِّتنا وسَلِّمنا دنيا وآخرة.","vol":"2","page":247},{"text":"«والميزان».\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-99>المسألة الأولى: معنى الميزان في اللغة </span>(^١):\n• أصل الكلمة:\nأصله من مِوْزان؛ انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وجمعه موازين.\nقال الجوهري رحمه الله تعالى: \" … وأصله مِوْزانٌ، انقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها … ووزنتُ الشيء وزنًا وزِنَة، ويقال: وَزَنْتُ فلانًا ووَزَنْتُ لفلان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]، وهذا يزن درهمًا\" (^٢).\n• وزنها وتصاريفها: الميزان مأخوذ من (وزن)، (يزن)، (وزنًا)، و(زنةً)، وأصله (مِوزَان) انقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها فصار (ميزان)، ويتعدَّى باللام وبدونها.\nقال ابن فارس رحمه الله تعالى: \"الْوَاوُ وَالزَّاءُ وَالنُّونُ: بِنَاءٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلٍ وَاسْتِقَامَةٍ: وَوَزَنْتُ الشَّيْءَ وَزْنًا، وَالزِّنَةُ قَدْرُ وَزْنِ الشَّيْءِ، وَالْأَصْلُ وَزْنَةٌ … وَهَذَا يُوَازِنُ ذَلِكَ، أَيْ: هُوَ مُحَاذِيهِ، وَوَزِينُ الرَّأْيِ: مُعْتَدِلُهُ، وَهُوَ رَاجِحُ الْوَزْنِ: إِذَا نَسَبُوهُ إِلَى رَجَاحَةِ الرَّأْيِ وَشِدَّةِ الْعَقْلِ\" (^٣).\n• معانيها:\nقال الليث: (الوزن ثقل شيء بشيء مثله) (^٤).\nوالميزان: اسم للآلة التي يوزن بها الأشياء، أو هو ما تُقَدَّرُ به الأشياء خفةً وثقلًا.\n_________\n(^١) المصدر: الحياة الآخرة للدكتور غالب العواجي: ٢/ ١٠٨٣\n(^٢) \"الصحاح للجوهري، مادة: (وز ن)، (٦/ ٢٢١٣).\n(^٣) \"معجم مقاييس اللغة\"؛ لأحمد بن فارس مادة: (وز ن)، (٦/ ١٠٧ (.\n(^٤) لسان العرب ١٥/ ٢٠٦.","vol":"2","page":248},{"text":"وقد أطلقت لفظة الوزن والميزان على عدة معان:\nالمعنى الأول: فهو يطلق ويراد به بيان قدر الشيء وقيمته، أو خسة الشيء وسقوطه، كما قال تعالى: فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥].\nقال ابن الأعرابي: العرب تقول: (ما لفلان عندنا وزن أي قدر؛ لخسته، ويقال: وزن الشيء إذا قدره، وزن ثمر النخيل إذا خرصه) (^١).\nالمعنى الثاني: أن الميزان يأتي في باب اللغة مرادًا به الميزان ذي الكفات.\nالمعنى الثالث: ويأتي مرادًا به العدل أيضًا.\nالمعنى الرابع: كما يأتي ويراد به الكتاب الذي فيه أعمال الخلق.\nثم قال: وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ (^٢).\nوقال الراغب: الوزن معرفة قدر الشيء … والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسط والقبان (^٣).\nثم ذكر بعض الآيات التي تدل على أنه يأتي مرادًا به المعادلة في جميع ما يتحراه الإنسان من الأفعال والأقوال، مثل قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. [الشعراء: ١٨٢]، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [الرحمن: ٩].\nوأنه يأتي بمعنى العدل في محاسبة الناس، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].\n• استعمالاتها\nأما الميزان؛ فهو: (الآلة التي يوزن بها الأشياء) ويجمع على: موازين.\n(وجائز أن يقال للميزان الواحد - بأوزانه وجميع آلته - الموازين، قال الله ﷿: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] يريد نضع الميزان ذا القسط. وسيأتي تفصيل هذا.\nوجاء إطلاق الموازين على الأعمال:\nكما قال تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ٨]\n_________\n(^١) \"تهذيب اللغة\"؛ للأزهري، مادة: (وز ن)، (١٣/ ١٧٥).\n(^٢) \"تهذيب اللغة\"؛ للأزهري، مادة: (وز ن)، (١٣/ ١٧٥).\n(^٣) المفردات في غريب القرآن\"؛ للراغب الأصفهاني، (ص ٨٦٨ (.","vol":"2","page":249},{"text":"قال الأزهري: (أراد والله أعلم -: فمن ثقلت أعماله التي هي حسناته).\nوذكر الراغب: (أن مجيء الميزان على صيغة الجمع تارة، ومجيئه تارة أخرى بالإفراد فإنما هو باعتبار المحاسب والمحاسبين، فمجيئه بلفظ الواحد اعتبارًا بالمحاسب، ومجيئه بالجمع اعتبارًا بالمحاسبين).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>المسألة الثانية: الأدلة على ثبوت الميزان.</span>\nأولًا: الأدلة من القرآن:\nومن أدلة الكتاب العزيز:\n• وقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨، ٩].\n• وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n• وقال ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٦ - ٩]، وغير ذلك.\nثانيًا: الأدلة من السنة:\n• عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كَلِمَتان خَفِيفتان على اللِّسان، ثَقِيلتان في المِيزان، حَبِيبتان إلى الرَّحمن: سُبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (^١).\n• وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّه لَيُؤتى بالرَّجل العَظيم السَّمين يوم القيامة لا يَزن عند الله جناح بَعُوضة، وقال: اقْرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]» (^٢).\n• وعن عبد الله بن عُمر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ الله سَيُخَلِّصُ رجلًا من أُمَّتي على رُءوس الخَلائق يوم القيامة، فَيَنْشُر عليه تِسعة وتِسعين سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ البَصر، ثُمَّ يقول له: أَتُنْكِر مِنْ هذا شيئًا؟ أَظَلَمَتك كَتَبَتي الحَافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول: أَلَكَ عُذْرٌ أو حَسَنة؟ فيهيب الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظُلم عليك؛ فَتُخرج له بطاقةٌ فيها أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٠٦) ومسلم (٢٦٩٤ (.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٩) ومسلم (٢٧٨٥ (.","vol":"2","page":250},{"text":"مُحَمَّدًا رسولُ الله. فيقول: أَحْضِروه. فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السِّجلات؟ فيُقال: إنَّك لا تُظلم. قال: فَتُوضع السِّجلات في كِفَّة والبطاقة في كِفَّة، قال: فَطاشت السِّجلات، وثَقُلت البِطاقة، ولا يَثْقُل شيءٌ بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ» (^١).\n• وعن ابن مسعود ﵁: أنَّه كان يَجني سِوَاكًا من الأَرَاك، وكان دقيقَ السَّاقين، فَجَعَلت الرِّيح تَكفؤه، فَضَحِك القومُ مِنه، فقال رسولُ الله ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُون؟». قالوا: يا نَبِيَّ الله مِنْ دِقَّة سَاقيه. فقال: «والَّذي نَفْسِي بيدِه لَهُما أثقلُ في المِيزان مِنْ أُحُدٍ» (^٢).\n• وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» (^٣).\nثالثًا: دليل الإجماع:\nفقد أجمع السلف على ثبوت ذلك.\nقال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلةً ليكونوا على أنفسهم شهداء.\nقال القرطبي: «قد بلغت أحاديثه-أي: الميزان-مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه» (^٤).\n• وقال في موضع آخر: «أَجْمَع أكابرُ مُحَقِّقي هذه الأمة من أهل السُّنَّة بأنَّ الإيمان بثبوت الوزن والميزان حقٌّ واجبٌ وفَرْضٌ لازبٌ لِثُبوته، وعدم استحالة ذلك عقلًا» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والترمذي (٢٦٣٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٥ (.\n(^٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ١١٤) (٩٢٠)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٠٦٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٧٥٠ (.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٣ (.\n(^٤) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٨٤، ١٨٥ (.\n(^٥) «لوائح الأنوار السنية» (٢/ ١٧٩ (.","vol":"2","page":251},{"text":"• قال السفاريني رحمه الله تعالى: \"فَقَدْ دَلَّتِ الْآثَارُ عَلَى أَنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ ذُو كِفَّتَيْنِ وَلِسَانٍ، … وَقَدْ بَلَغَتْ أَحَادِيثُهُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>المسألة الثالثة: معنى الميزان في الشرع.</span>\nالميزان في الشرع: هو ما يضعُه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد.\nوالميزان الذي تُوزن بِهِ الأعمال هو: ميزان حسيٌّ حقيقي، له كفتان، وفي بعض الروايات: \"ولسان\"، والميزان عند أهل السنة ميزانٌ حقيقي توزن به أعمال العباد، وخالف في هذا القول المعتزلة وقلة قليلةٌ من أهل السنة.\nأقوال علماء الأمة:\n• قال السَّفارينيُّ: «قال علماؤنا كغيرهم: نُؤمن بأن الميزان الذي تُوزن به الحسنات والسيئات حقٌّ، قالوا: وله لسان وكفتان تُوزن به صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس ﵄: تُوزن الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة.\n• قال العلامة الشيخ مرعي في «بهجته»: الصحيح: أنَّ المراد بالميزان: الميزان الحقيقي لا مجرد العدل، خلافًا لبعضهم.\n• وقال القرطبي في «تذكرته»: «قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها» (^٢).\nالذين خالفوا قول الجمهور في الميزان:\nقال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان، بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها؛ إذ لا تُقَوَّم بأنفسها. قال: وروى بعض المتكلمين عن ابن عباس: \"أن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها\"، وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وعَزَا الطبري القول بذلك إلى مجاهد، والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الميزان ميزان حقيقي توزنُ بِهِ أعمالُ العباد (^٣).\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٥ (.\n(^٢) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ١٨٤، ١٨٥).\n(^٣) تفسير القرطبي ٧/","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>المسألة الرابعة: صفات الميزان</span>\nالواقع أن العلماء لم يتفقوا على إثبات أوصاف الميزان - وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الجوانب في وجوب الإيمان بالميزان، ومواقف الناس في ذلك - وأما خلافهم في ثبوت صفاته فقد انقسموا إلى فريقين:\n١ - أما الفريق الأول: فهم المثبتون لصفات الميزان الحسية، من أن له كفتين … إلى آخر أوصافه، وهؤلاء وإن أثبتوا هذا لكنهم يرجعون صفة تلك الكفات واللسان إلى علم الله تعالى.\n٢ - أما الفريق الآخر: فهم النافون لتلك الصفات.\nوسنذكر رأي الفريقين فيما يلي: -\n(١) المثبتون لصفات الميزان:\nيثبت هؤلاء - وهم جمهور العلماء - أن الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان، وله لسان كذلك.\nيقررون هذه الحقيقة غير ملتفتين إلى من تشمئز قلوبهم من سماعها، لعدم قبول عقولهم لها، وعدم تفهم ما ورد عن المصطفى ﷺ في ذلك. ذلك أن الحق ضالة المؤمن، وما ورد به الشرع هو الذي ينبغي أن يقدم على هوى النفس وحكم العقل.\nوسنذكر فيما يلي بعض أقوال هؤلاء كأمثلة على ثبوت ما ذكرنا.\nقال القرطبي -ردًّا على من ينكر الميزان، ويؤول الوزن بأنه من ضرب المثل، وأن الوزن يراد به العدل والقضاء- قال: (وهذا مجاز. وليس بشيء، وإن كان شائعًا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي، ووصفه بكفتين ولسان، وأن كل كفة منها طباق السموات والأرض) (^١).\nويعزو القرطبي إلى ابن عباس أنه قال: (توزن الحسنات والسيئات في ميزان له كفتان ولسان) (^٢).\nوأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أنه قال: (الميزان له لسان وكفتان، يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فتثقل على السيئات؛ فتؤخذ فتوضع في الجنة … ويؤتى بالسيئات\n_________\n(^١) التذكرة، ص ٣٧٨.\n(^٢) التذكرة، ص ٣٧٨.","vol":"2","page":253},{"text":"في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف …) (^١).\nويقول ابن قدامة: (والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]) (^٢).\nويقول أبو الحسن الأشعري في معرض بيانه لاختلاف الناس في الميزان ومبينًا رأي أهل السنة: فقال أهل الحق: (له لسان وكفتان، توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات، فمن رجحت حسناته؛ دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته دخل النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته، تفضل الله عليه فأدخله الجنة) (^٣).\nويثبت ابن كثير أن للميزان كفتين حسيتين، ويستدل على هذا من السنة بحديث صاحب البطاقة المشهور وغيره من الأحاديث (^٤).\nوأخرج الطبري عن ابن جريج قال: قال لي عمرو بن دينار: (قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] قال: إنا نرى ميزانًا وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب) (^٥). وهو القول الذي رجحه الطبري أيضًا.\nويقول ابن أبي العز: (والذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان) (^٦).\nوقال أبو إسحاق الزجاج - كما نقل عنه الحافظ ابن حجر: (أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال) (^٧).\nويقول السفاريني: (فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي ذو كفتين ولسان، كما قال ابن عباس، والحسن البصري، وصرح بذلك علماؤنا، والأشعرية وغيرهم، وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه) (^٨).\nويقول البرديسي: (وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي له كفتان ولسان يوضع\n_________\n(^١) الدر المنثور، (٣/ ٧٠).\n(^٢) ابن قدامة في لمعة الاعتقاد، ص ٣٣\n(^٣) المقالات، (٢/ ١٦٤).\n(^٤) النهاية، (٢/ ٢٤ (.\n(^٥) جامع البيان، (٨/ ١٢٣).\n(^٦) الطحاوية، ص ٤٧٢.\n(^٧) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، (١٣/ ٥٣٨).\n(^٨) لوامع الأنوار، (٢/ ١٥٢).","vol":"2","page":254},{"text":"فيه صحف أعمال العباد ليظهر الرابح والخاسر) (^١).\nويروى من طريق عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: (ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان) (^٢).\nوعن سليمان قال: (يوضع الميزان وله كفتان، لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعته) (^٣).\nويقول الهراس: (وهناك تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد، وهي موازين حقيقية كل ميزان منها له لسان وكفتان، ويقلب الله أعمال العباد - وهي أعراض - أجسامًا لها ثقل، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة) (^٤).\nونقتصر في إثبات أن الميزان له لسان وكفتان على ما قدمناه من ذكر أقوال العلماء.\nوبهذا يتبين أن أهل الحق - أهل السنة والجماعة - يثبتون حقيقة الميزان على ضوء ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، لا يتأولون معناه، ولا يردون ما جاء في وصفه، ويقولون: الله وحده هو الذي يعلم قدرهما وكيفيتهما.\nإذ لو لم يكن له لسان وكفتان؛ بل هو بمعنى العدل والقضاء كما ذهب إليه بعض العلماء، لو لم يكن كذلك لما وصف في السنة النبوية بأن له لسانا وكفتين، وأنه يخف ويثقل؛ إذ العدل لا يقال فيه تلك الصفات، فصح أنه ميزان حقيقي يزن الله فيه أعمال العباد، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار، على ما علم من مذهب السلف.\nوإذ كنا نثبت صفات الميزان على ضوء ما جاء به الشرع فإنه لا ينبغي أن نتكلف فنثبت له أوصافًا تحتاج إلى إثبات من الشارع، أو نستند إلى أخبار لم تثبت، فإن الغلو في هذا مذموم.\nوكمثال على هذا: ما يذهب إليه بعض الناس من أن كفتي الميزان من ذهب (^٥).\nأو القول بأن كفة الحسنات من نور، وكفة السيئات من ظلام (^٦).\nأو أن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار (^٧).\n_________\n(^١) تكملة شرح الصدور، ص ١٤.\n(^٢) تفسير المنار، (٨/ ٣٢٢).\n(^٣) فتح الباري، (١٣/ ٥٣٩).\n(^٤) شرح العقيدة الواسطية، (ص ١٢٣).\n(^٥) الفصل لابن حزم، (٤/ ٦٥).\n(^٦) التذكرة: ص ٣١٣.\n(^٧) التذكرة، ص ٣١٤، وعزاه إلى الحكيم الترمذي.","vol":"2","page":255},{"text":"أو ما يقال إن صاحب الميزان يوم القيامة هو جبريل ﵇ (^١).\nفتلك المسائل كلها تحتاج لإثباتها - فضلًا عن اعتقادها - إلى نص صحيح، فإن بعض العلماء يتساهل فيما يقرره من هذه المسائل، مثل ما يرويه السفاريني بصيغة التضعيف - يروى - (أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق قال: إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال: إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة) (^٢).\nأو ما يذكره عن عبد الله بن سلام ﵁ غير معزو إلى أحد - أنه قال: (ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس، يستقبل به العرش، إحدى كفتيه على الجنة، والأخرى على جهنم، لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعمود ينظر إلى لسانه) (^٣).\nوكذا ما يروى عن عمر مرفوعًا: «من كبر تكبيرة في سبيل الله، كانت صخرة في ميزانه أثقل من السموات السبع وما فيهن وما تحتهن، وأعطاه الله بها رضوانه الأكبر، وجمع بينه وبين محمد وإبراهيم والمرسلين في دار الجلال: ينظر إلى الله بكرة وعشيًا» (^٤).\nوفي رواية أخرى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من كبر تكبيرة على ساحل البحر، كان في ميزانه صخرة، قيل: يا رسول الله، وما قدرها؟ قال: تملأ ما بين السموات والأرض» (^٥).\nويقول السفاريني: (ظواهر الآثار وأقوال العلماء: أن كيفية الوزن في الآخرة - خفة وثقلًا - مثل كيفيته في الدنيا، ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين، وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين، وبه صرح جموع، منهم القرطبي).\nوقال بعض المتأخرين بل الصفة مختلفة، وأن عمل المؤمن إذا رجح صعد وسفلت سيئته، والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن الحسنات، ثم تلا قوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في (جامع البيان) (٨/ ١٢٣) عن الحارث، قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا يوسف بن صهيب، عن موسى بن بلال ابن يحيى، عن حذيفة.\n(^٢) ذكره السفاريني في (لوامع الأنوار) (٢/ ١٨٤) وعزاه إلى الرازي والثعلبي\n(^٣) لوامع الأنوار، (٢/ ١٨٤) ولم يعزه إلى أحد.\n(^٤) قال السيوطي في (اللآلئ المصنوعة): (قال ابن حبان لا أصل له، وإسحاق يأتي بالموضوعات عن الثقات، قلت: وكذا قال الدارقطني في (غرائب مالك) إنه موضوع (٢/ ١٣٧).\n(^٥) قال ابن عدي: (هذا ما وضعه النخعي، وزيد ليس بشيء) (اللآلئ المصنوعة) (٢/ ١٣٧ (.","vol":"2","page":256},{"text":"وذكر بعضهم في صفة الوزن: أن تجعل جميع أعمال العباد في الميزان في مرة واحدة، كل الحسنات في كفة النور، وهي يمين العرش جهة الجنة، والسيئات في كفة الظلمة، وهي عن يسار جهة النار، ويخلق الله لكل إنسان علمًا ضروريًا يدرك به خفة أعماله وثقلها.\nوقيل: بل علامة الرجحان عمود نور يقوم في كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات، وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات، لكل أحد (^١).\nوالظاهر أن هذه الكيفيات كلها تحتاج إلى إثبات، فهي مسألة غيبية، والله تعالى له القدرة على ما يشاء.\n٢ - النافون لصفات الميزان:\nوهؤلاء قالوا بعكس ما قاله الفريق الأول، حيث أحجموا عن وصف الميزان بالأوصاف التي تقدمت، واكتفوا بإثبات أن هناك ميزانًا فقط.\n١ - يقول محمد رشيد رضا - في نفي تلك الصفات وفي رده على الزجاج: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة، فإن كثيرًا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيما غير الحفاظ المتقنين، والزجاج ليس منهم، ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإن لم يعرف له أصل من السلف، ولا اتفق عليه الخلف منهم، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت) (^٢).\nوقال أيضًا: (والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه، نؤمن به، ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته، فنؤمن إذا بأن في الأخرة وزنًا للأعمال قطعًا، ونرجع أنه بميزان يليق بذلك العالم، ويوزن به الإيمان، والأخلاق، والأعمال، ولا نبحث عن صورته وكيفيته، ولا عن كفتيه - إن صح الحديث فيهما - كما صوره الشعراني في ميزانه) (^٣).\nوالواقع أن ما قاله محمد رشيد رضا - من إنكار أن يكون هناك أي إشارة إلى أن الميزان له كفتان من السنة - غير مسلم فقد جاء في السنة بعض الأحاديث التي تدل\n_________\n(^١) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٢) تفسير، المنار، (٨/ ٣٢٢).\n(^٣) تفسير المنار، (٨/ ٣٢٣).","vol":"2","page":257},{"text":"على وزن العمل ووزن العامل وكما أخرج البخاري: «يؤتي بالرجل فيوضع في كفة» (^١) وكقوله أيضًا: «فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» (^٢). وغيرها من الأحاديث التي قدمنا ذكرها، وفيها إشارة إلى إثبات أن ميزان الأعمال له كفتان.\nثم إن إثبات أن الميزان له كفتان لم يقل به الزجاج وحده، بل هو ما عليه الأئمة الذين قدمنا ذكر أقوالهم.\n٢ - ما علقه الدكتور طه محمد الزيني على ترجمة ابن كثير في إثبات أن للميزان كفتين حسيتين بقوله: (لا يوجد دليل قاطع في القرآن ولا في الحديث على أن كفتي ميزان الحساب يوم القيامة حسيتان - أي يدركان بإحدى الحواس الخمس، وأقرب الحواس إلى إدراك الكفتين اللمس باليد - بل كل ما في القرآن والحديث يحتمل أن يكون الوزن معنويًا، بل هو الأرجح؛ لأن الأعمال يوم القيامة أكثرها معنوي يقرب إلى الأذهان بتشبيهه بالحسيات) (^٣).\nوهذا القول من الدكتور طه الزيني يعتبر بعيدًا عما قرره العلماء، ومخالفًا لما جاءت به السنة في وزن الأعمال، وليس ما يذكره من أعمال يوم القيامة من الأشياء المتخيلة التي يشبه فيها المعنوي بالحسي. فإن القول بهذا يفتح بابًا خطيرًا من التشكيك في أمور الآخرة، وينبغي على من يقول بهذا أن يعيد النظر فيه. (٢٩)\nالمسألة السادسة: خلاف العلماء في الميزان هل هو واحد أم متعدد:\nوقد اختلف العلماء في وحدة الميزان وتعدُّده على مذهبين:\nالمذهب الأول: القائلون بتعدد الميزان:\nقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: \"بلغني أن لكل أحد يوم القيامة ميزانًا على حدة\" (^٤).\n_________\n(^١) الحديث رواه أحمد (٢٢١/ ٢) (٧٠٦٦) قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ٨٢) رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد وفيه بن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في (مسند أحمد) (١٢/ ٢٤): إسناده صحيح.\n(^٢) الحديث رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٣٤٨٨) وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦) من حديث ابن عمرو ﵄، قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال البغوي في (شرح السنة) (٧/ ٤٩٠) حسن غريب.\n(^٣) النهاية: ٢/ ٩١\n(^٤) أورده ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، (٢/ ٣٧٦)، ونسبه إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":258},{"text":"وقال بعضهم: الأظهر إثبات موازين يوم القيامة لا ميزان واحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨].\nوقالوا: وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان.\nالمذهب الثاني: القائلون بوحدة الميزان:\nفذهب هؤلاء إلى أن لكل فرد ميزانًا خاصًّا به أو لكل عمل ميزان خاص به؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوأجابوا عن جمع كلمة (الموازين) في الآية: إلى أن الميزان واحد، وأن الجمع في الآية إنما هو باعتبار تعدُّد الأعمال أو الأشخاص.\nوقد رجَّح ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى بعد حكايته الخلاف أن الميزان واحد، وقال: \"والذي يترجح أنه ميزان واحد، ولا يشكل بكثرة من يوزن عمله؛ لأن أحوال القيامة لا تكيَّف بأحوال الدنيا\" (^١).\nوحَسَّنَ السفاريني رحمه الله تعالى القول بوحدة الميزان بعد ذكر الإجابة عن جمع كلمة (الموازين) في الآية بقوله: \"وَهُوَ حَسَنٌ\" (^٢).\nومن المعاصرين الذين يرون هذا القول الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في الجواب عن سؤال عن وحدة الميزان وتعدده، فقال-بعد ذكر الخلاف بين أهل العلم-: \"الذي يظهر-والله أعلم-أن الميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون\" (^٣).\nالمسألة السابعة: الأقوال في الموزون:\nاختلف أهل العلم في الموزون في ذلك اليوم على أقوال:\nالقول الأول: أن الذي يوزن في ذلك اليوم الأعمال نفسها، وأنها تجسم فتوضع في الميزان.\nأدلته: ويدل لذلك:\n• حديث أبي هريرة ﵁ في (الصحيح) قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده،\n_________\n(^١) \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\"؛ لابن حجر العسقلاني، (١٣/ ٥٣٨ (.\n(^٢) لوامع الأنوار البهية للسفاريني، (٢/ ١٨٦ (.\n(^٣) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين. (٢/ ٤٤)، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان.","vol":"2","page":259},{"text":"سبحان الله العظيم» (^١).\n• وقد دلت نصوص كثيرة على أن الأعمال تأتي في يوم القيامة في صورةٍ الله أعلم بها، فمن ذلك: مجيء القرآن شافعًا لأصحابه في يوم القيامة، وأن البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف تحاجّان عن أصحابهما. ففي (صحيح مسلم) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما» (^٢). وروى مسلم أيضًا عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو ظلتان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما» (^٣).\nالقائلين به: هذا القول رجَّحه ابن حجر العسقلاني ونصره، فقال: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق» (^٤).\nالقول الثاني: أن الذي يوزن هو العامل نفسه.\nأدلته: فقد دلَّت النصوص على أن العباد يوزنون في يوم القيامة، فيثقلون في الميزان أو يخفون بمقدار إيمانهم، لا بضخامة أجسامهم، وكثرة ما عليهم من لحم ودهن، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]» (^٥). ويؤتى بالرجل النحيف الضعيف دقيق الساقين فإذا به يزن الجبال، روى أحمد في (مسنده)، عن زر بن حبيش عن ابن مسعود، «أنه كان رقيق الساقين، فجعلت الريح تلقيه، فضحك القوم منه، فقال\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤).\n(^٢) رواه مسلم (٨٠٤).\n(^٣) رواه مسلم (٨٠٥).\n(^٤) رواه أبو داود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٣)، وابن حبان (٢/ ٢٣٠) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في (صحيح سنن أبي داود): صحيح.\n(^٥) رواه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).","vol":"2","page":260},{"text":"رسول الله ﷺ: مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من رقة ساقيه. قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» (^١).\nالقول الثالث: أن الذي يوزن إنما هو صحائف الأعمال.\nأدلته: فقد روى الترمذي في (سننه) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاَ؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء» (^٢).\nالقائلين به: وقد مال القرطبي إلى هذا القول، فقال: والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف. قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى: رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلًا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وقال السفاريني: والحق أن الموزون صحائف الأعمال، وصححه ابن عبد البر والقرطبي وغيرهما، وصوبه الشيخ مرعي في (بهجته)، وذهب إليه جمهور من المفسرين، وحكاه ابن عطية عن أبي المعالي.\nالقول الرابع: أن الذي يوزن هو العامل وعمله وصحف أعماله.\nأدلته: فقد دلت النصوص التي سقناها على أن كل واحد من هذه الثلاثة يوزن، ولم تنف النصوص المثبتة لوزن الواحد منها أن غيره لا يوزن، فيكون مقتضى الجمع بين النصوص إثبات الوزن للثلاثة المذكورة جميعها. وهذا ما رجحه الشيخ حافظ الحكمي فقال: والذي استظهر من النصوص - والله أعلم - أن العامل وعمله وصحيفة عمله - كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن، قد وردت بكل\n_________\n(^١) رواه أحمد (١/ ٤٢٠) (٣٩٩١)، وقال أحمد شاكر في مسند أحمد (٦/ ٣٩): إسناده صحيح، وقال الألباني في (السلسلة الصحيحة) (٢٧٥٠): إسناده حسن وهو صحيح بطرقه الكثيرة.\n(^٢) رواه الترمذي (٢٦٣٩)، والحديث رواه ابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) والحاكم (١/ ٤٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في (الصحيحين) وهو صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٥): وهو كما قالا.","vol":"2","page":261},{"text":"ذلك، ولا منافاة بينها، ويدل كذلك ما رواه أحمد - رحمه الله تعالى: - عن عبد الله بن عمرو في قصة صاحب البطاقة بلفظ: قال: قال رسول الله: «توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه، فيمايل به الميزان. قال: فيبعث به إلى النار. قال: فإذا أدبر، إذ صائح من عند الرحمن ﷿ يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة، حتى يميل به الميزان» (^١) فهذا الحديث يدل على أن العبد يوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى، وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة.\nالمسألة السادسة: كيفية وزن الأعمال\nقال الإمام القرطبي ﵀: «قال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات:\n• متقون لا كبائر لهم.\n• ومخلطون وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر.\n• والثالث: الكفار.\nفأمَّا المتقون: فإن حسناتهم تُوضع في الكفة النيرة، وصغائرهم-إن كانت لهم الكفة الأخرى-فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تَبرح، وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي.\nوأمَّا المخلطون: فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي، هذا إن كانت للكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات وكانت له حسنات كثيرة فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات؛ فيُحمل عليه مِنْ أوزار مَنْ ظلمه، ثم يُعَذَّب على الجميع. هذا ما تقتضيه الأخبارُ».\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢/ ٢٢١) (٧٠٦٦)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ٨٢): رواه الترمذي باختصار، رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال أحمد شاكر في (مسند أحمد) (١٢/ ٢٤): إسناده صحيح.","vol":"2","page":262},{"text":"وأمَّا الكفار: فلا تُوزن أعمالهم؛ إذ لا حسنات لهم، وما قَدَّموه مِنْ عمل نافع في الدنيا فإنَّهم يجازون به في الدنيا كذلك؛ قال الله ﷾: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، فيُوفون جزاء أعمالهم النافعة في الدنيا، وأما في الآخرة فليس لهم فيها نصيب من الحسنات والأجر، وإنما يجازون بكفرهم.","vol":"2","page":263},{"text":"«والموت، وأن المقتول قُتِل بأجله واستوفى رزقه»\n<hr><s0>\n\nالإنسان إذا احتضره الموت، انقطع رزقه، فقد صح عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ رَوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِيَ أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» (^١).\nفالإنسان حين الموت، يتوقف عن التنفس فيقوم ملك الموت بنزع الروح، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].\nفأما إن كان الميت مؤمنًا فالملائكة ينادون الذين سبقتْ لهم الحسنى من الله مبشرين برضوان الله ومذكِّرين بحسن الثواب ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].\nوأما إن كان الميت كافرًا فكما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]. وعندما تأتيه المنيَّةُ يقول: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠، ١١].\nومن مات من الكفار لعنتهم الملائكة لكفرهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١٠/ ٢٦) وصححه الشيخ الألباني انظر صحيح الجامع الصغير وزياداته (١/ ٤١٩).","vol":"2","page":264},{"text":"«إلى أن قال: ومما نعتقد أن الله ينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا في ثُلث الليل الآخر؛ فيَبسط يده فيقول: «أَلَا هل مِن سائل»، الحديث (^١)، وليلة النصف من شعبان (^٢)، وعشية عرفة (^٣)، وذكر الحديث في ذلك».\n<hr><s0>\n\nجاءت النصوص بجملة من الصفات التي إما أن تكون وردت في القرآن أو تكون قد وردت في السنة، ويجب أن نتعامل مع ما ورد من الصفات في نصوص السنة الصحيحة، كما تعاملنا مع ما ورد منها في نصوص القرآن.\nكقَوْلِهِ ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ …» الحديث، متفق عليه (^٤)، وغير هذا الحديث من أحاديث النزول الثابتة الصحيحة، التي قال عنها العلماء: «إنها قد بلغت حدًّا في التواتر، فقد رواه أكثر من عشرين من الصحابة.\nوقال مالك عن حديث النزول: «ولهذا أمضِ الحديث كما ورد بلا كيف ولا تحديد إلا بما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]: ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته، أحاط بكل شيء.\nوقال بشر بن السري لحماد بن زيد: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؛ يتحول من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ينزلُ ربُّنا إلى سماءِ الدُّنيا ليلةَ النِّصفِ مِنْ شعبانَ؛ فيغفرُ لأهلِ الأرضِ إلَّا مُشرِكٍ أو مُشاحنٍ». أخرجه ابن ماجه (١٣٩٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥١٠) واللفظ له، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٧٦٣).\n(^٣) عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: «ما مِنْ أيامٍ أعظمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ عشيةِ ذي الحجةِ إذا كانتْ عشيةُ عرفةَ نزلَ ﷿ إلى سماءِ الدُّنيا وحَفَّتْ بهِ الملائكةُ؛ فيُباهي بهِ ملائكتَهُ ويقولُ: انظروا إلى عبادي أَتَوني شُعثًا غُبرًا ضاجينَ جاءوا مِنْ كُلِّ فجٍّ عميقٍ/ ولمْ يَروا رحمَتي ولا عذابي». أخرجه أبو يعلى (٢٠٩٠)، وابن حبان (٣٨٥٣)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٢٥٣) واللفظ له.\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":265},{"text":"مكان إلى مكان؟ فسكت حمَّادٌ، ثم قال: هو مكانه يَقرب من خلقه كيف شاء (^١).\nفقد قال شيخُ الإسلام: «إن حديث النُّزول مُتواتِر» (^٢).\nوقال العلَّامة ابن القيِّم: «وتَواترتِ الرِّواية عن رسول الله ﷺ بنُزول الربِّ-﵎-كلَّ ليلة إلى سماءِ الدنيا» (^٣).\nوقال أيضًا: «إن نُزول الربِّ ﵎ إلى سماءِ الدُّنيا قد تَواترتِ الأخبارُ به عن رسول الله ﷺ؛ رواهُ عنه نحوُ ثمانيةٌ وعشرون نَفْسًا من الصَّحابة» (^٤).\nوقال اللَّالكائيُّ: «سِياق ما رُوِيَ عن النَّبي ﷺ في نُزول الربِّ-﵎-رَواه عن النَّبي ﷺ عشرون نَفْسًا» (^٥).\nوقد أجمع سلَفُ الأمَّة على إثبات صِفة النُّزول؛ فقد سُئل شيخ الإسلامِ ﵀ عن رَجُلين أحدهما مُثبِت للنُّزول ومُستدِل بالحديث الوارد في ذلك، والآخر نافٍ للنُّزول، فقال: «الحمدُ لله ربِّ العالَمين، أما القائِلُ الأول الذي ذكَر نصَّ النَّبي ﷺ، فقد أصابَ فيما قال؛ فإن هذا القول الذي قاله قدِ استَفاضتْ به السُّنَّة عن النَّبي ﷺ، واتَّفقَ سلَفُ الأمة وأئمتُها وأهل العلم بالسُّنة والحديث على تَصْديق ذلك وتَلقِّيه بالقَبول» (^٦).\nونقَل ﵀ عن أبي عمرٍو الطَّلَمَنْكيِّ قولَه: «وأجمَعوا على أن الله يَنزِل كلَّ ليلة إلى سماءِ الدُّنيا على ما أتتْ به الآثارُ كيف شاء» (^٧).\nوقد قال الشيخ ابن عثيمين عن حديث النزول: «هذا الحديث حديث عظيم ذكر بعض أهل العلم أنه بلغ حَدَّ التواتر عن النبي ﷺ، ولا شكَّ أنه حديث مُستفيض مشهور، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بكتاب مُستقل (^٨)؛ لما فيه من الفوائد العظيمة» (^٩).\n_________\n(^١) انظر «مختصر الصواعق» لابن القيِّم (ص ٤٦٨).\n(^٢) «شرح حديثِ النُّزول» (ص ١٠٢، ١٠٣).\n(^٣) «مُختصَر الصَّواعق المرسلة» (ص ٤٣٠).\n(^٤) «مُختصَر الصَّواعق المرسلة» (ص ٤٢٣).\n(^٥) «أصول اعتِقاد أهل السُّنَّة والجَمَاعَة» (٣/ ٤٣٤).\n(^٦) «مَجموع الفَتاوى» (٥/ ٣٢٢).\n(^٧) انظر: «مَجموع الفتاوى» (٥/ ٣٢٢) (٥/ ٥٧٨).\n(^٨) يقصد كتابه: «شرح حديثِ النُّزول».\n(^٩) «مجموع رسائل وفتاوى العثيمين» (١/ ٢٠٣).","vol":"2","page":266},{"text":"«قال: ونعتقد أن الله كَلَّم موسى تكليمًا»\n<hr><s0>\n\nصفة الكلام تأتي بدرجة من الأهمية هي وصفة العُلو لله ﷾؛ لذلك اهتم بها أئمة السلف، وأكدوا على ثُبوتها لله تعالى حقيقة، وأوردوا في ذلك أدلة كثيرة، ودفعوا شبهات المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومَن دَار في فَلَكهم القائلين بأنَّ الله خلق القرآن في غيره، وردوا كذلك على الكلَّابية الذين قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله، وردوا-أيضًا-على الأشاعرة الذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله.\nفالمعطلة أرادوا بقولهم هذا: إسقاط قيمة الوحي؛ ليصبح لدى الناس خلل في اتباع الوحي، ونحن نؤمن أن أول مصدر للتشريع هو وحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ، أي: كلامه بحروفه ومعانيه، وأن الله تعالى قاله بحرف وصوت.\nومن أركان الإيمان السِّتة: الإيمانُ بالكُتُبِ التي أنزلها اللهُ، كما دلَّ على ذلك قولُه ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكذلك جاء في حديث جبريل ﵇، وفيه: «الإيمان، قال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (^١).\nومن الإيمانِ بالكتب: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.\nوالقرآنُ في الأصل: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: قراءته، فهو مَصدر على وزن فُعلان-بالضم-كالغُفران والشُّكران (^٢).\nوفي الاصطلاح هو: «كلام الله المُنَزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁ ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) انظر: «لسان العرب» (١/ ١٢٩)، و«مناهل العرفان» للزرقاني (١/ ٧).","vol":"2","page":267},{"text":"المُعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف، المَنقول إلينا بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة، المُختتم بسورة الناس» (^١).\nوالقرآنُ كلامُ الله، وهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿؛ قال تَعَالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وروي عن جَابِر بن عبد الله ﵄ أنه قَالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفسَهُ فِي المَوْسِمِ؛ فَيَقُولُ: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؛ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (^٢).\nوَالذِي عَلَيهِ إِجماعُ السَّلفِ الصَّالحِ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ وَالتَّابعِينَ لَهم بِإحسَانٍ: أَنَّ القرانَ كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ؛ حُرُوفه وَمَعَانِيه، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ نَزَلَ بِهِ جِبريلُ ﵇ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ.\nوقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: «وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ ﷿» (^٣).\nثم قال: «الآثار مُتواترة عنهم-أي: عن الصحابة والتابعين-بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله، ولمَّا ظهر مَنْ قال: إنه مخلوق، قالوا ردًّا لكلامه: إنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مُفترى، كما ظنه بعض الناس؛ فإن أحدًا من المسلمين لم يَقل: إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يَعلمه كل مسلم، وإنَّما قالوا: إنه مخلوق خلقه الله في غيره، فرَدَّ السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة، وقالوا: «منه بدأ وإليه يعود».\nوأوَّل مَنْ عُرف أنه قال: مخلوق الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان.\nوأول مَنْ عُرف أنه قال: هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول؛ فمنهم مَنْ قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرَّبِّ، ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يَتعدد ولا يتبعض، والقرآن العربي لم يتكلم الله به، بل هو مخلوق خلقه في غيره.\nوقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار؛ فإنَّه مِنْ المعلوم\n_________\n(^١) انظر: «مناهل العرفان» (١/ ١٠ - ١٣)، و«مباحث في علوم القرآن» لمناع القطان (ص ٢٠ - ٢١)، ط ٥، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١)، والحاكم (٢/ ٦٦٩) وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁ وقال في «المجمع» (٦/ ٣٥): «رجاله ثقات».\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٣٣).","vol":"2","page":268},{"text":"بصريح العقل أن معنى (آية الكرسي) ليس معنى (آية الدَّيْن)، ولا معنى ﴿قل هو الله أحد﴾ معنى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾؛ فكيف بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه؟!\nومنهم مَنْ قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها.\nوكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين، ولم يقل أحدٌ من السلف: إنَّ هذا القرآن عبارة عن كلام الله، ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم: إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلًا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ بل كانوا يقولون بما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله، والناس يَقرءونه بأصواتهم، ويكتبونه بمدادهم، وما بين اللوحين كلام الله، وكلام الله غير مَخلوق» (^١).\nوقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ فِي نونيتِهِ:\nوَكَذِلِكَ القرآنُ عَينُ كَلَامِهِ ال … مَسمُوع مِنهُ حَقِيقَة بِبَيَانِ\nهُوَ قَولُ رَبِّي كُلُّهُ لَا بَعضُهُ … لَفظًا وَمَعنًى مَا هُمَا خَلْقَانِ\nتَنزيلُ ربِّ العَالَمِينَ وَقَولُهُ … الَّلفظُ وَالمَعنَى بِلَا رَوَغَانِ\nوأما المعتزلة والجهمية فقالوا: القرآن كلام الله مخلوق؛ فهم أضافوا الكلام إلى الله من باب إضافة الوصف على حد قولهم: (ناقة الله).\nومن المتفلسفة مَنْ يزعم أن المعاني والحروف تأليفه؛ لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء.\nوقال شيخُ الإسلام: «وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ» لِأَنَّ الجَهْمِيَّة-مِنْ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ-كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلَامَ فِي المَحَلِّ. فَقَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ». أَيْ: هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ؛ فَمِنْهُ بَدَأَ، لَا مِنْ بَعْضِ المَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٠١، ٣٠٢).","vol":"2","page":269},{"text":"رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].\nوَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: «إلَيْهِ يَعُودُ»: أَنَّهُ يُرْفَعُ مِنْ الصُّدُورِ وَالمَصَاحِفِ؛ فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا مِنْهُ حَرْفٌ، كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثارٍ» (^١).\nوأمَّا قوله ﵀: «وَأَنَّ هَذَا القُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لَا كَلَام غَيْرِهِ» -فيريدُ به شيخُ الإسلامِ: أنَّ اللهَ تكلَّمَ بالقرآنِ حقيقةً، وَأَنَّهُ لَيسَ بِكَلَامِ جبريل، وَلَا كلامِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.\nوفي قوله ﵀: «وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ القَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ عِبَارَةٌ» - يُشير به إِلَى الكُلَّابيَّة الذينَ قالوا: إِنَّهُ حكايةٌ، وَإِلَى الأشاعرةِ الذينَ قالوا: إِنَّهُ عبارةٌ، فالكُلَّابيَّة والأشاعرةُ متفقونَ عَلَى أنَّ هَذَا القرآنَ الذي بَينَ أيدينَا ليسَ كلامَ اللهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا حِكَاية أَوْ عبارَة؛ فَالأشاعرةُ يقولونَ: إِنَّ اللهَ عَبَّرَ عن كلامِهِ النفسِيِّ بحروفٍ وَأصواتٍ مخلوقةٍ.\nوالكُلَابيَّة يقولونَ: إنَّ القرآنَ معنى قائم بذاتِ اللهِ، وأنَّهُ لا يُسْمَعُ عَلَى الحقيقةِ، والحروفُ والأصواتُ حكايةٌ لَهُ ودالَّةٌ عَلَيهِ، كَمَا يَحْكِي الصَّدَى كلامَ المتكلِّمِ.\nوقال ابن تيمية ﵀: «بَلْ إذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ حَقِيقَةً؛ فَإِنَّ الكَلَامَ إنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا» - يريدُ به شيخُ الإسلامِ ﵀: أنَّ القرآنَ- وإن حُفِظَ في الصُّدورِ، أو تُلِي بالألسنِ، أو كُتِبَ في المَصاحفِ، أو سُمِعَ بالآذانِ- فإنَّ ذلكَ لا يُخرجُهُ عن كونِهِ كلام اللهِ وإن بلغهُ الرسولُ المَلَكِي جبريلُ للرَّسولِ البشريِّ محمَّدٍ ﷺ، وبلغَهُ نبينا محمَّد ﷺ لأُمَّتِهِ، فإنَّ الكلامَ إنَّما يُضَافُ حقيقةً إلى مَنْ قالَهُ مُبتدئًا، لا إِلَى مَنْ قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.\nقال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين ﵀: «قوله: «هو كلامُ الله؛ حُرُوفه ومَعانيه» هذا مذهبُ أهلِ السُّنَّة والجَمَاعَة. قالوا: إنَّ اللهَ-تَعَالَى-تَكَلَّمَ بالقرآنِ بِحُرُوفِهِ وَمَعانِيهِ.\nوقوله: «ليس كلامُ الله الحُرُوفُ دون المعاني». وهذا مذهبُ المعتزلَةِ وَالجهميَّةِ؛ لِأَنَّهُم يقولونَ: إِنَّ الكلامَ ليسَ معنًى يقومُ بذاتِ اللهِ، بل هُوَ شيءٌ مِنْ مَخلوقَاتِهِ؛\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٢٨، ٥٢٩).","vol":"2","page":270},{"text":"كَالسماءِ والأرضِ والناقةِ والبيتِ، وما أشبهَ ذلكَ؛ فليسَ معنًى قائمًا فِي نفسِهِ، فكلامُ اللهِ حروفٌ خَلَقهَا اللهُ تعالى، وَسَمَّاها كلامًا، كَمَا خَلَقَ الناقةَ، وسمَّاهَا ناقة اللهِ، وَكَمَا خَلَق البيتَ، وَسَمَّاه بَيت اللهِ.\nوَلِهَذَا كانَ الكلامُ عندَ الجهميَّةِ والمعتزِلَةِ هُوَ الحروفُ؛ لِأَنَّ كلامَ اللهِ عندَهُم عبارةٌ عَنْ حروفٍ وأصواتٍ خَلَقَهَا اللهُ تعالى، وَنَسَبَهَا إِلَيهِ تَشريفًا وَتَعظِيمًا.\nقوله: «ولا المَعاني دون الحُرُوف»:\nوَهَذَا مَذهَبُ الكُلَابيَّةِ وَالأشعَرِيَّةِ؛ فَكَلامُ اللهِ عِنْدَهُمْ مَعنًى فِي نَفسِهِ، ثُمَّ خَلَقَ أَصوَاتًا وَحُرُوفًا تَدُلُّ عَلَى هَذَا المَعنَى؛ إِمَّا عِبَارة أَوْ حِكَايَة.\nواعلم أنَّ ابنَ القيِّمِ ﵀ ذَكرَ أَنَّنَا إِذَا أَنكَرنَا أَنَّ اللهَ يتكلَّمُ فَقَد أَبطَلنَا الشَّرعَ والقَدَر.\nأَمَّا الشرعُ؛ فَلِأَنَّ الرِّسالاتِ إِنَّمَا جَاءَت بِالوَحي، وَالوَحي كَلامٌ مُبَلَّغٌ إِلَى المُرْسَلِ إِلَيهِ، فَإِذَا نَفَينَا الكلامَ انتفَى الوحيُ، وإذا انتَفَى الوَحيُ انتَفَى الشرعُ.\nأَمَّا القَدرُ؛ فَلِأَنَّ الخَلقَ يَقَعُ بِأَمرِهِ بِقَولِهِ: «كن»؛ فيكون، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]» (^١).\n_________\n(^١) «شرح الواسطِيَّة» (ص ٤٦٧ - ٤٦٨).","vol":"2","page":271},{"text":"«واتَّخذ إبراهيم خليلًا، وأنَّ الخُلَّة غير الفقر، لا كما يقوله أهلُ البدع».\n<hr><s0>\n\nالخُلَّة: هِيَ كَمَال المحبَّة المستلزمة من العَبْد كَمَال العُبُودِيَّة لله، ومن الربِّ سُبْحَانَهُ كَمَال الربوبية لِعِبَادِهِ الَّذين يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ.\nولَفظ العُبُودِيَّة يتَضَمَّن كَمَالَ الذُّلِّ وكَمَالَ الحبّ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: قلب مُتَيَّم، إِذا كَانَ متعبدًا للمحبوب. والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهَذَا-على الكَمَال-حصل لإِبْرَاهِيمَ ومُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وسَلَّم.\nولِهَذَا لم يكن لَهُ ﷺ من أهل الأَرْض خَلِيل؛ إِذْ الخُلَّة لَا تحْتَمل الشِّركَة؛ فَإِنَّهُ كَمَا قيل فِي المَعْنى:\nقد تخللت مَسْلَك الرُّوح مني … وبِذَا سُمِّي الخَلِيل خَلِيلًا (^١)\nبِخِلَاف أصل الحبِّ؛ فَإِنَّهُ ﷺ قد قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي الحَسَن وأُسَامَة: «اللَّهُمَّ إني أُحِبُّهما؛ فأَحبَّهما وأحبَّ مَنْ يُحبهما» (^٢)، وسَأَلَهُ عَمْرو بن العَاصِ: أَيُّ النَّاس أحبُّ إِلَيْك؟ قَالَ: «عَائِشَة». قَالَ: فَمِنْ الرِّجَال؟ قَالَ: «أَبوهَا» (^٣). وقَالَ لعَليٍّ؟: «لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدًا رجلًا يُحبُّ اللهَ ورَسُولَه، ويُحِبُّهُ الله ورَسُوله» (^٤). وأمثال ذَلِك كثير.\nوقد أخبر تَعَالَى أَنه ﴿يحبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، و﴿يُحب المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، و﴿يُحب المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢]، و﴿يُحب التوابين ويُحب\n_________\n(^١) البيت لبَشَّار بن بُرد، وهو من البحر التام. انظر: «ديوانه» (ص ٩٧٩).\n(^٢) الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٧٣٥): عن أسامة بن زيد ﵄، حَدَّث عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن، فيقول: «اللهم أحبَّهما؛ فإني أُحبهما». وأما بلفظ المصنف فأخرجه الترمذي (٣٧٦٩) في حق الحسن والحسين، بلفظ: «اللهم إني أُحِبُّهما فأَحِبَّهما وأَحِبَّ مَنْ يُحبهما»، من حديث أسامة بن زيد ﵄، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٩٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) من حديث عمرو بن العاص ﵄.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٢١٠) ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁.","vol":"2","page":272},{"text":"المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و﴿يُحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤]، وقَالَ: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ [المَائِدَة: ٥٤]؛ فقد أخبر بمحبته لِعِبَادِهِ المُؤمنِينَ ومحبة المُؤمنِينَ لَهُ، حَتَّى قَالَ: ﴿والَّذين آمنُوا أَشد حُبًّا لله﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].\nأمَّا الخلَّة فخاصَّة، وقَول بعض النَّاس: إِنْ مُحَمَّدًا حبيب الله، وإِبْرَاهِيم خَلِيل الله، وظنه أَنْ المحبَّة فَوق الخلَّة؛ قَول ضَعِيف؛ فَإِنْ مُحَمَّدًا-أَيْضًا-خَلِيل الله، كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة.\nوكَانَ رَسُول الله ﷺ يحب المُؤمنِينَ الَّذين يُحِبُّهُمْ الله؛ لِأَنَّهُ أكمل النَّاس محبَّة لله، وأحقهم بِأَنْ يحب مَا يُحِبهُ الله، ويبغض مَا يبغضه الله، والخلة لَيْسَ لغير الله فِيهَا نصيب، بل قَالَ: «لَو كنتُ متخذًا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتَّخذت أَبَا بكر خَلِيلًا» (^١) - علم مزِيد مرتبَة الخلَّة على مُطلق المحبَّة.\nوالمَقْصُود: هُو أَنْ الخلَّة والمحبة لله: تَحْقِيق عبوديته، وإِنَّمَا يغلط من يغلط فِي هَذِه من حَيْثُ يتوهمون أَنَّ العُبُودِيَّة مُجَرّد ذلٍّ وخضوع فَقَط، لَا محبَّة مَعَه، وأَن المحبَّة فِيهَا انبساط فِي الأَهْواء أَوْ إدلال لَا تَحتمله الربوبية، ولِهَذَا يُذكر عَنْ ذِي النُّون: أَنهم تكلمُوا عِنْده فِي مَسْأَلَة المحبَّة؛ فَقَالَ: «أَمْسكُوا عَنْ هَذِه المَسْأَلَة لَا تسمعها النُّفُوس فتدَّعيها».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٢) من حديث جندب ﵁ وقد تقدم.","vol":"2","page":273},{"text":"«ونعتقد أن الله تعالى خصَّ محمدًا ﷺ بالرؤية، واتَّخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا».\n<hr><s0>\n\nبعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا يقظة فقد اختلفوا في رؤية نبينا ﷺ ربه ليلة المعراج؛ قال الإمام ابن القيم: «حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب (الرؤية) له: إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك، وشيخنا- أي: ابن تيمية- يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه ﷺ رآه ﷿، ولم يقل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد لفظ ابن عباس ﵄، ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر-﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر: «حجابُه النُّورُ» (^١)، فهذا النور هو- والله أعلم- النور المذكور في حديث أبي ذر؟: «رأيتُ نُورًا» (^٢)» (^٣).\nوهو ما رجَّحه- أيضًا- شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، حيث قال ﵀: «ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنَّه لم يَره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دَلَّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إمَّا إطلاق الرؤية، وإمَّا تقييدها بالفؤاد، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: «أتاني البارحةَ رَبِّي في أحسن صورة» (^٤) الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٨) من حديث أبي ذر موسى ﵁.\n(^٣) «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» (١/ ٣).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣١٥٧)، وأحمد (٣٣٠٤) وغيرهما، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩).","vol":"2","page":274},{"text":"هكذا جاء مفسرًا» (^١).\nفحملوا الآثار المُطلقة الواردة في الرؤية؛ كأثر ابن عباس: «رأى محمدٌ ربَّه» على الرؤية القلبية، وحملوا الآثار النافية للرؤية؛ كأثر عائشة-﵂-على الرؤية البصرية؛ لأنه-من خلال التَّتبع-لم يَرِد عن أحد منهم أنه قال: رآه بعينه، وعليه فلا تعارض بين هذه النصوص.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١/ ١٦٩).","vol":"2","page":275},{"text":"«ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفاتيح خمس من الغيب لا يَعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]».\n<hr><s0>\n\nمفاتيح الغيب مذكورة في قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ([لقمان: ٣٤] وفي البخاري أن النبي ﷺ قال: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله\". (^١)\nويدل الحديث على معنى في غاية الأهمية، وهو انحصار علم الغيب في الله ﷾، حيث لا يعلم بأمور الغيب سواه، وذكر الحديث أنواعًا من الغيوب التي لا يعلمها غير الله، وتم ذكرها لتعلقها بحياة الإنسان، وبمصيره، ورزقه،\n• فذكر اختصاص الله بعلم قيام الساعة، والتي تُمثل بداية حياة الإنسان في الدار الآخرة، وتم البدء بها لأهميتها الكبيرة.\n• وذكر اختصاص الله بعلم نزول المطر، وهو سبب رزق الإنسان وحياته على الأرض.\n• كما ذكر اختصاص الله بعلم ما احتوته أرحام النساء من ذكور، وإناث، ومعرفة أحوالهم سعادة وشقاءً.\n• وذكر اختصاص الله بعلم ما يكتسبه الإنسان من غده.\n• واختصاصه بعلم مكان موته.\nفهذه هي الأمور الخمسة التي يُطلق عليها باسم مفاتيح الغيب فيما يخص حياة الإنسان منذ كان جنينًا إلى أن يتوفاه الله تعالى ويبعثه من جديد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري: ١٠٣٩.","vol":"2","page":276},{"text":"وفي هذا رد على من يزعم أن بعض الخلق يتصفون بصفة من صفات الله ﷿ الذاتية أو الفعلية المختصة به كالخلق أو الرزق أو علم الغيب أو التصرف في الكون، حتى مع إثبات هذه الصفات لله ﷿.\nوهذا الشرك يكثر لدى بعض الفرق المنحرفة:\n• كغلاة الصوفية.\n• والرافضة.\n• والباطنية عمومًا.\nحيث يعتقد الرافضة-مثلًا-في أئمتهم أنهم يعلمون الغيب، وتخضع لهم ذرات الكون ونحو ذلك.\nوكذلك يعتقد الباطنية والصوفية في أوليائهم نحو ذلك.\nفعامة شرك الربوبية عند هؤلاء يقع في العلم والتصرف، أما في الخلق، والرزق فيقر به عامة الصوفية، وكذا المشركون الأوائل يعتقدون بأن الله ﷿ هو الخالق الرازق، لكنهم يدعون ويستغيثون بالأولياء من دون الله لزعمهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، لذلك اقتصر مفهومهم للشرك باعتقاد أن الأولياء يخلقون أو يرزقون من دون الله، أو باعتقاد تصرفهم في الخلق استقلالًا.\nومن خلال نقل بعض أقوال الفرق يتضح انحرافها في هذا الأصل، ومن الأمثلة على ذلك: فالباطنية زعموا أن أئمتهم وأولياءهم يعلمون ما كان وما يكون، ومن النقولات في ذلك ما ذكره صاحب (تأويل الدعائم) من أنه (جاء عن أولياء الله من الأخبار عما كان ويكون من أمر العباد) (^١)\nوجاء في كتاب (المجالس المؤيدية) (أن الأئمة يعلمون من أمر المبدأ والمعاد ما حجبه الله عن كافة العباد) (^٢).\nوروى النعمان القاضي عن المعز لدين الله أنه قال: (… أفمن أودعه الله علم ما يكون يجهل فضله … فكيف بمن علمه الله علم ما يكون مما لم يكن بعد) (^٣).\nوقال المعز: (إن عندنا علم ما يطلب، كقول جده علي: سلوني قبل أن\n_________\n(^١) تأويل الدعائم للقاضي النعمان ١/ ١٤٥\n(^٢) المجالس المؤيدية لهبة الله الشيرازي (٤٤١) نقلا عن «الإسماعيلية)، لإحسان إلهي ظهير ص ٣٧٦\n(^٣) المجالس والمسايرات للقاضي النعمان ص ٤٠٤.","vol":"2","page":277},{"text":"تفقدوني، فوالذي خلق الحبة وبرأ النسمة لا تسألوني عن علم ما كان وما يكون، ومن علم ما لا تعلمون إلا أخبرتكم به) (^١).\nفهذه النصوص-كما نلاحظ-فيها دعوى أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون من أمر العباد وأمر الجن أو المعاد.\nومثل ذلك ما نقل عن الرافضة حيث ينسب الكليني إلى جعفر الصادق قوله: (ورب الكعبة ورب البنية لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله وراثة) (^٢)\nوينسبون إلى الحسن بن علي ﵁ قوله: (إنا نعلم المكنون والمخزون والمكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته) (^٣).\nولا حاجة للإشارة إلى كذبهم على الحسن-﵁-أو جعفر الصادق-﵀-وإنما المقصود أن الرافضة يعتقدون فيهم هذا، ولهذا نقلوا هذه الأقوال عنهم ونسبوها إليهم.\nوهذه الفكرة موجودة لدى المتصوفة فبينهم وبين الرافضة أوجه شبه كثيرة من أهمها تقديس الأئمة والأولياء.\nفهذا عبد الكريم الجيلي صاحب كتاب (الإنسان الكامل) يزعم أنه كشف عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد وأنه رأى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة … إلخ (^٤)\nوهذا الشعراني في كتابه (الطبقات الكبرى) ينقل عن شيخه الخواص أنه كان يعلم ما في اللوح المحفوظ ساعة بساعة، ومما قاله المتصوفة: (… وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة) (^٥).\nويدخل في ذلك الكهانة والعرافة ونحوها، وكذلك إتيان الكهنة والعرافين وتصديقهم بما يقولون.\n_________\n(^١) المجالس والمسايرات للقاضي النعمان ص ٤٠٤.\n(^٢) الكافي للكليني: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١\n(^٣) دلائل الإمامة أبو جعفر الطبري الشيعي ص ٦٧\n(^٤) الإنسان الكامل ٢/ ٩٧.\n(^٥) التيجانية ص ١٨٤","vol":"2","page":278},{"text":"«ونعتقد المسح على الخفين؛ ثلاثا للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم».\n<hr><s0>\n\nذكر المسح على الخفين إشارة إلى الأحكام التي علمت بالقواطع الشرعية أو بالنصوص القطعية ثم أنكرها، من أنكرها فكل حكم من الأحكام الشرعية-وإن لم يدخل في العقيدة- تواترت به النصوص أو أجمع عليه السلف أو كان دليله صحيحًا ولو لم يتواتر فإن جحده يعتبر من مخالفة العقيدة، فلذلك ذكر السلف المسح على الخفين، وقد خالفت فيه الرافضة، كما خالفت في تجويز مسح الرجل بدل الغسل، فردوا السنة وعملوا بعكسها في مقام واحد، وهذا دليل انتكاس عندهم في العقول والأصول، ففي الوقت الذي أنكروا فيه المسح على الخفين أجازوا المسح بدون خفين.\nوهناك طوائف من الخوارج وطوائف من الجهمية وغيرهم أنكروا المسح على الخفين.\nوالأحاديث في ذلك متواترة، فالعلماء يذكرون المسح على الخفين في كتب العقائد للرد على الروافض الذين ينكرون المسح على الخفين، وكذلك غسل الرجلين في الوضوء وهم يقولون: إن الواجب مسح ظهور القدمين، فإذا كانت الرجلان مكشوفتين فيمسحونها بعد تبليل أيديهم بالماء، وإذا كان عليهما الخفان وجب خلع الخفين ومسح ظهور القدمين.\nوالأحاديث في المسح على الخفين بلغت حد التواتر حتى إن الذين نقلوا كيفية الوضوء عن النبي ﷺ قالوا: غسلًا للرجلين المكشوفتين ومسحًا للخفين، وأكثر الذين نقلوا نص الآية وهي قوله ﷿ في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فالآية متواترة؛ لأن القرآن كله متواتر، لكن تواتر كيفية الوضوء غسلًا ومسحًا أقوى من تواتر نص الآية، وذلك أن الصحابة كلهم يتوضؤون، وكلهم شاهدوا غسل الرجلين ومسح الخفين من النبي ﷺ، ومن لم يشاهد النبي ﷺ فقد","vol":"2","page":279},{"text":"نقله عن غيره بخلاف نص الآية، فليس كل أحد يحفظ الآية فالبعض يحفظ الآية والبعض لا يحفظها، أما الوضوء فكلهم يتوضؤون وليس هناك أحد لا يتوضأ، فالآية متواترة ونقل كيفية الوضوء أقوى تواترًا وأكثر عددًا من الذين نقلوا نص الآية.","vol":"2","page":280},{"text":"«ونعتقد الصبر على السُّلطان من قريش، ما كان مِنْ جور أو عدل؛ ما أقام الصلاة من الجُمَع والأعياد، والجهاد معهم ماضٍ إلى يوم القيامة».\n<hr><s0>\n\nفي هذه النص مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-106>المسألة الأولى:</span> «السُّلطان من قريش» وقوله هذا لأجل ما جاء في الأحاديث من أن الأئمة من قريش، فولاية المسلمين العامة والاختيارية ينبغي أن تكون في قريش؛ لأن النبي ﷺ قال: «الأئمة من قريش» (^١) يعني حين الاختيار، أمَّا إذا حصل تَغَلُّب من إمام بالقوة، ودعا الناس إلى بيعته. فهي بيعة غلبة، ليست بيعة اختيار، وللإمام هذا جميع حقوق الأئمة من قريش؛ لما جاء من الأحاديث في ذلك؛ كقوله ﷺ: «وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زُبيبة» (^٢).\nواشتراط القرشية في الخلافة هي مسألة خلافية بين العماء، جمهور السلف يرون أن هذا شرط من شروط الإمامة إذا أمكن التي وردت النصوص عليه صريحة وانعقد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وأطبق عليه جماهير علماء المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا النزر اليسير من أهل البدع كالخوارج وبعض المعتزلة وبعض الأشاعرة.\nفجماهير علماء المسلمين قاطبة ذهبوا إلى اشتراط هذا الشرط وحكي الإجماع عليه من قبل الصحابة والتابعين، وبه قال الأئمة الأربعة (^٣):\n• فقال الإمام أحمد في رواية الإصطخري: «الخلافة في قريش ما بقي من الناس\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣٥٢١)، والحاكم (٦٩٦٢)، وأبو نُعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٢٤٢)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، من حديث العرباض بن سارية ﵁.\n(^٣) المصدر: الإمامة العظمى للدميجي: ص ٢٦٥ - ٢٩٥.","vol":"2","page":281},{"text":"اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة» (^١).\n• «وقد نص الشافعي ﵁ على هذا في بعض كتبه (^٢).\n• وكذلك رواه زرقان عن أبي حنيفة» (^٣).\n• وقال الإمام مالك: ولا يكون -أي الإمام-إلا قرشيًا. وغيره لا حكم له إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي» (^٤).\nولم يخالف في ذلك إلا النزر اليسير من الخوارج وبعض المعتزلة وبعض الأشاعرة\n\n<span data-type='title' id=toc-107>المسألة الثانية:</span> ونعتقد الصبر على السُّلطان ...... ما كان مِنْ جور أو عدل؛ ما أقام الصلاة من الجُمَع والأعياد، والجهاد معهم ماضٍ إلى يوم القيامة».\nوهذه المسألة تتكون من شقين:\nالشق الأول:\n«ما كان مِنْ جور أو عدل؛ ما أقام الصلاة من الجُمَع والأعياد \"\nأولًا: حكم الصلاة خلف الفساق.\nعند أهل السنة أنه يصلى خلف كل بر وفاجر، هذا هو الصواب، فأنت تصلي خلف الأمراء وتجاهد معهم وإن كانوا أهل معاصي، وتصلي خلف أئمة المساجد وإن كان فيهم معصية.\nوفي صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا.\nقال النووي: «وأما صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة في «صحيح البخاري»» (^٥).\nروى البخاري في صحيحه قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة ١/ ٢٦، لابن أبي يعلى.\n(^٢) الأم ١/ ١٤٣.\n(^٣) أصول الدين ص ٢٧٥.\n(^٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٢١.\n(^٥) «المجموع» (٤/ ٢٢٢)، وكذا ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٥٢٠)، والحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٣).","vol":"2","page":282},{"text":"ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ «أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ»، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟»، فَقَالَ: «الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ»، قَالَ: «هَذِهِ السَّاعَةَ؟!»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ»، فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ»، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: «صَدَقَ» (^١).\nقال ابن حجر: «وَفِيهِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ» (^٢).\nوروى ابن أبي شيبة في «المصنف» عن عُمَيْرِ بن هَانِئٍ قال: شَهدت ابن عمر والحجاج مُحَاصِرٌ ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء» (^٣).\nوفي صحيح البخاري أيضًا، أن النبي ﷺ قال: \"يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وأن أخطأوا فلكم وعليهم\" (^٤).\nوقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط (^٥)، وكان قد يشرب الخمر وصلى مرة الصبح أربعًا وجلده عثمان بن عفان على ذلك (^٦)، فمثل هذه الأمور أهل السنة وأصحاب النبي ﷺ لنا فيهم الأسوة والقدوة، فهم أسوتنا وقدوتنا.\nثانيًا: الصلاة خلف المبتدع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» رقم (١٦٦٠).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٥١٢).\n(^٣) «المصنف» (٢/ ١٥٢) قال ابن حجر: «إسناده صحيح». «المطالب العالية» (٣/ ٧٠٢).\n(^٤) صحيح البخاري مع فتح الباري ٢/ ٣٢٩.\n(^٥) الحديث رواه أحمد (١/ ٤٥٠) (٤٢٩٨، والطبراني (٩/ ٢٩٩) (٩٥٢٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣٢٩): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ١٤٦).\n(^٦) رواه أحمد (١/ ١٤٤) (١٢٢٩)، والبيهقي (٨/ ٣١٨) (١٧٩٨٥). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"2","page":283},{"text":"ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد وداعيًا إلى الضلال) (^١).\nوسار التابعون ومن تبعهم بإحسان من أئمة السلف على هذا، فقرروه قولًا وفعلًا، فمن ذلك:\nما جاء عن الأعمش ﵀ أنه قال: (كان كبار أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود-يصلون الجمعة مع المختار ويحتسبون بها) (^٢).\nوقد كان أبو وائل ﵀ يصلي الجمعة مع المختار بن أبي عبيد (^٣).\nوعن الحسن ﵀ أنه سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة، فقال الحسن: (صل خلفه، وعليه بدعته) (^٤).\nوعن الحكم بن عطية ﵀ أنه قال: سألت الحسن وقلت: رجل من الخوارج يؤمنا، أنصلي خلفه؟ قال: (نعم، قد أم الناس من هو شر منه) (^٥).\nوعن ابن وضاح ﵀: قال: سألت الحارث بن مسكين: هل ندع الصلاة خلف أهل البدع؟ فقال: (أما الجمعة خاصة فلا، وأما غيرها من الصلاة فنعم) (^٦).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موضع بسطه.\nولكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة، لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلن فلم تنكر ضرت العامة،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨١\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وابن أبي زمنين في «أصول الستة» ص ٢٨٤ برقم (٢١٠).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وَعَبَد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٣٨٦) برقم (٣٧٩٨).\n(^٤) (صحيح البخاري كتاب الأذان ٥٦) وقال: باب إمامة المفتون والمبتدع. وَعَلَّقَ قَوْل الحسن: (صلِّ وعليه بدْعَتُهُ)\n(^٥) رواه ابن أبي زمنين في «أصول الستة» ص ٢٨٤ برقم (٢١١).\n(^٦) رواه ابن أبي زمنين في «أصول الستة» ص ٢٨٤ برقم (٢١٢).","vol":"2","page":284},{"text":"ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم، وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى بخلاف من أظهر الكفر) (^١)\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ، وَهُوَ الإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لا تُمْكِنُ الصَّلاةُ إلا خَلْفَهُ، كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالإِمَامِ فِي صَلاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.\nوَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا.\nوَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلا إمَامٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فَاسِقًا. هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد.\nوَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ.\nوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلا يُعِيدُهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلا يُعِيدُونَ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ؛ حَتَّى إنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَك مُنْذُ الْيَوْمَ فِي زِيَادَةٍ!! وَلِهَذَا رَفَعُوهُ إلَى عُثْمَان …\nوَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ صَلاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ؛ فَإِذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ، لَكِنْ إنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ، وَمِنْ ذَلِكَ [يعني: ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا لا يُرَتَّبُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٣/. ٣٤٢","vol":"2","page":285},{"text":"خَلْفَ غَيْرِهِ أُثِرَ ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يُعْزَلَ أَوْ يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ مِثْلِ ذَنْبِهِ. فَمِثْلُ هَذَا إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَفُتْ الْمَأْمُومَ جُمُعَةٌ وَلا جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ تَرَكَ الصَّلاةَ يَفُوتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ فَهُنَا لا يَتْرُكُ الصَّلاةَ خَلْفَهُمْ إلا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ ﵃.\nوَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الإِمَامُ قَدْ رَتَّبَهُ وُلاةُ الأُمُورِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّلاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ، فَهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ خَلْفَهُ، بَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَ الإِمَامِ الأَفْضَلِ أَفْضَلُ\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين، ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإذا كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من أظهر البدع والفجور منعه.\nوإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي ﷺ-في الحديث الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم هجره، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا) (^٢).\nوإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي ﷺ-الثلاثة الذين خُلِّفُوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا وُلِّي غيره بغير إذنه، وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلًا وضلالًا، وكان قد رَدَّ بدعة ببدعة) (^٣).\nوخلاصة القول: أن أكثر العلماء يرون جواز الصلاة خلف المبتدع على التفصيل الذي قدمناه، ومنهم من منعها وأبطلها وقال بوجوب إعادتها، وممن رجح صحة الصلاة: الإمام البخاري وابن حجر وابن تيمية. ومن المعاصرين الشيخ ابن باز ﵀ وهو يفصل بين من كانت بدعته شركية كفرية وبين من ليس كذلك فيقول: (تصح الصلاة خلف المبتدع وخلف المسبل إزاره وغيرهما من العصاة في أصح قولي\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٥٢ - ٣٥٤\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١٠٧٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٦).","vol":"2","page":286},{"text":"العلماء، ما لم تكن البدعة مكفرة لصاحبها، فإن كانت مكفرة له كالجهمي ونحوه ممن بدعتهم تخرجهم عن دائرة الإسلام، فلا تصح الصلاة خلفهم، ولكن يجب على المسئولين أن يختاروا للإمامة من هو سليم من البدعة والفسق، مرضي السيرة؛ لأن الإمامة أمانة عظيمة، القائم بها قدوة للمسلمين، فلا يجوز أن يتولاها أهل البدع والفسق مع القدرة على تولية غيرهم).\nوالعلماء ذكروا تفاصيل كثيرة تتعلق بالتفريق بين الصلوات العادية وبين صلاة الجمعة والعيدين ويوم عرفة، والتفريق بين من كان مستور الحال ومن هو مجاهر بفسقه أو بدعته، وبين من بدعته مكفرة وبين من هو دون ذلك، وبين من كان هذا المسجد هو الوحيد في ذلك المكان وبين من بإمكانه أن يصلي في مسجد غيره إلى غير ذلك من التفاصيل التي يصعب إيرادها في مثل هذا.\nالشق الثاني: قوله: «والجهاد معهم ماضٍ إلى يوم القيامة» \" ويريد المصنف هنا أن يميز بين مذهب أهل السنة وبين قول الرافضة الذين عطلوا الجهاد، وعطلوا صلاة الجمعة بدعوى أنها لا تصح إلا بعد خروج المهدي المنتظر على حد زعمهم.\nفشيوخ الشيعة يقولون: \"إن صلاة الجمعة لا تجب عليهم حتى يخرج مهديهم المزعوم من سردابه لكي يصلي بهم\" (^١).\nوشيوخ الشيعة يقولون: \"إن الجهاد قبل خروج المهدي المنتظر حرام كحرمة الميتة والدم ولحم الخنزير\" (^٢).\nقال ابن تيمية ﵀: \"ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات-لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم-فإن كان الإمام مستورًا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صُلّي خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين\".\nقال ابن تيمية: \"وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ\" (^٣)\n_________\n(^١) انظر مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة لمحمد جواد العاملي ج ٢/ ٦٩ كتاب الصلاة.\n(^٢) انظر كتاب فروع الكافي ج ٥/ ٧٨٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٥٤.","vol":"2","page":287},{"text":"«والصلاةُ في الجماعة حيث يُنادى لها واجب؛ إذا لم يكن عُذر مانع»\n<hr><s0>\n\nيذكر علماء السنة هذه المسألة على اعتبار أنها رد على الروافض الذين يدعون الجمعة والجماعة على زعم أنهم ينتظرون خروج الإمام الغائب.\nقال ابن تيمية ﵀: \"ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات -لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم فإن كان الإمام مستورًا لم يظهر منه بدعة ولا فجور صُلّي خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين\".\nقال ابن تيمية: \"وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ\" (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد وداعيًا إلى الضلال) (^٢).\nوسار التابعون ومن تبعهم بإحسان من أئمة السلف على هذا، فقرروه قولًا وفعلًا، فمن ذلك:\nما جاء عن الأعمش ﵀ أنه قال: (كان كبار أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود-يصلون الجمعة مع المختار ويحتسبون بها) (^٣).\nوقد كان أبو وائل ﵀ يصلي الجمعة مع المختار بن أبي عبيد (^٤).\nوعن الحسن ﵀ أنه سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة، فقال الحسن: (صل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٥٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨١\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وابن أبي زمنين في «أصول الستة» ص ٢٨٤ برقم (٢١٠).\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٧٥) برقم (٥٤٩٧)، وَعَبَد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٣٨٦) برقم (٣٧٩٨).","vol":"2","page":288},{"text":"خلفه، وعليه بدعته) (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موضع بسطه.\nولكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة، لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلن فلم تنكر ضرت العامة، ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم، وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى بخلاف من أظهر الكفر) (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ، وَهُوَ الإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لا تُمْكِنُ الصَّلاةُ إلا خَلْفَهُ، كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالإِمَامِ فِي صَلاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.\nوَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا.\nوَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلا إمَامٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فَاسِقًا. هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد.\nوَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ.\n_________\n(^١) صحيح البخاري كتاب الأذان ٥٦) وقال: باب إمامة المفتون والمبتدع. وَعَلَّقَ قَوْل الحسن: (صلِّ وعليه بدْعَتُهُ).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٣٤٢","vol":"2","page":289},{"text":"وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلا يُعِيدُهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلا يُعِيدُونَ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ؛ حَتَّى إنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَال: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَك مُنْذُ الْيَوْمَ فِي زِيَادَةٍ!! وَلِهَذَا رَفَعُوهُ إلَى عُثْمَان …\nوَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ صَلاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ؛ فَإِذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ، لَكِنْ إنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ، وَمِنْ ذَلِكَ [يعني: ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا لا يُرَتَّبُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ أُثِرَ ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يُعْزَلَ أَوْ يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ مِثْلِ ذَنْبِهِ. فَمِثْلُ هَذَا إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَفُتْ الْمَأْمُومَ جُمُعَةٌ وَلا جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ تَرَكَ الصَّلاةَ يَفُوتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ فَهُنَا لا يَتْرُكُ الصَّلاةَ خَلْفَهُمْ إلا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ ﵃.\nوَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الإِمَامُ قَدْ رَتَّبَهُ وُلاةُ الأُمُورِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّلاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ، فَهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ خَلْفَهُ، بَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَ الإِمَامِ الأَفْضَلِ أَفْضَلُ\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٥٢ - ٣٥٤.","vol":"2","page":290},{"text":"«والتراويح سنة»\n<hr><s0>\n\nومعلومٌ أن الابتداعَ في الدين أمرٌ محرَّم، والنبي ﷺ حذرنا وقال: «وإياكم ومحدَثات الأمور فإن كل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة» (^١) فما استثنى النبي ﷺ شيئًا من البدع، ولا حجةَ لقائلٍ في قول عمر ﵁ في شأنِ التراويح: \"نعمتُ البدعةُ هي\" (^٢).\nفالتراويح لم تكن أمرًا على غيرِ مثالٍ سابق فقد صلى النبي ﷺ بأصحابه التراويح ولكن النبي ﷺ رأفةً ورحمةً بأمته لم يستمر بهم خشيةَ أن تُفرَضَ عليهم، فالتراويح لم تكن أمرًا مبتدَعًا من الناحية الشرعية واستعمال عمر لهذه اللفظة إنما هو استعمالٌ من حيث المعنى اللغوي لا أكثر (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مسند الإمام أحمد، مسند الشاميين، حديث العرباض بن سارية ﵁، حديث رقم ١٦٨١٣، وقال الشيخ الألباني حديث صحيح في السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم ٢٧٣٥/ ٥٢٦.\n(^٢) انظر: موطأ مالك، كتاب الصلاة في رمضان، باب: ما جاء في قيام رمضان، حديث رقم ٢٤٩ وأخرجه البخاري بلفظ نعم البدعة هذه، في كتاب التراويح، باب من قام رمضان، برقم ١٨٨٠.\n(^٣) انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٩٢) والشاطبي في الاعتصام (١/ ٢٥٠ (.","vol":"2","page":291},{"text":"«ونشهد أن من ترك الصلاة عمدًا فهو كافر».\n<hr><s0>\n\nويستدل لهذا القول بما ورد في السنة والآثار ومن ذلك قوله ﷺ \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر\" (^١)\nوفي المسند: \" من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة\" (^٢)\nوقوله: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\" (^٣)\nوقال عمر بن الخطاب-﵁ -يقول: \"لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة \" (^٤)\nوقال عبد الله بن شقيق يقول: \"كان أصحاب رسول الله ﷺ-لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة \" (^٥).\nوهذا القول قال به جملة من العلماء من عصر الصحابة إلى يومنا هذا ومن النقول الواردة في ذلك:\nقال أبو محمد بن حزم: \"وقد جاء عن عمر، ومعاذ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة-﵃-أن من ترك صلاة فرض واحدةً متعمدًا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد (^٦) \" (^٧) أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١/ ٢٣١) والترمذي (٧/ ٣٦٨ - تحفة) وابن ماجه (١٠٧٩) عن بريدة ﵁.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٨) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٩)، وأنظر: التلخيص الحبير (٢/ ١٤٨).\n(^٣) رواه مسلم (١/ ٨٨). وقد ذكر شيخ الإسلام-﵀-الفرق بين الكفر المعرف بأل والكفر المنكر في الاقتضاء (ص: ٢٠٧) قلت: الكفر المعرف هو الأكبر، وهو المعهود في ألفاظ الشارع وألسنة الصحابة.\n(^٤) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٩) وعبد الرزاق (٣/ ١٢٥) وغيرهم. وحظ: نكرة في سياق النفي، فلا حظ قليل ولا كثير في الإسلام لمن ترك الصلاة.\n(^٥) رواه الترمذي (٧/ ٣٧٠) وغيره.\n(^٦) جاء التنصيص على التكفير بترك صلاة واحدة عند عبد بن حميد (٣/ ٢٤) برقم (١٠٤١)، ولكن سندها ضعيف من أجل الصنعاني عمر بن زيد.\n(^٧) المحلى (٢/ ٢٤٢).","vol":"2","page":292},{"text":"وقال الحافظ المنذري: \"وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدًا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء-﵃، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله ابن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وغيرهم ﵀\" (^١) أ. هـ.\nقال ابن رجب\": ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة: أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه، ولم يعتبروا أن يستتاب، ولا أن يُدعى إليها وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا، لقوله ﷺ: \"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة (^٢) \".\nواختاره كفره أيضًا: ابن حبيب من المالكية، والعز بن عبد السلام من الشافعية (^٣)، وغيرهم. ولفيف من أئمة الدعوة السلفية المباركة (^٤)، ومن آخرهم العلامة الجليل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (^٥)، والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (٤)، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود (^٦)، وغيرهم كثير (^٧).\n_________\n(^١) الترغيب والترهيب (١/ ٣٩٤).\n(^٢) حاشية العنقري على الروض المربع (١/ ١٢٢) وحاشية ابن قاسم على الروض أيضًا (١/ ٤٢٥).\n(^٣) انظر الدرر السنية: ٤/ ١٠٣.\n(^٤) انظر الدرر السنية: ٨/ ١٨٨.\n(^٥) انظر حاشية على فتح الباري: ٢/ ٢٧٥.\n(^٦) وفتاواهم بمجلة البحوث وغيرها لا تحصر.\n(^٧) المصدر: الإنباه إلى حكم تارك الصلاة عبد الله بن مانع الروقي ص ٤٧ - ٤٩.","vol":"2","page":293},{"text":"«والشهادة والبراءة بدعة»\n<hr><s0>\n\nفيه رَدٌّ على الرافضة الذين يقولون: لا ولاء إلا ببراء، ولا شهادة-يعني لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله-إلا ببراءة.\nويعنون بالولاء: مولاة علي وآله. ويعنون بالبراء: البراءة من جميع الصحابة عدا نفر يسير صاروا مع عليٍّ ﵁، فلا يصح عندهم موالاة لعلي إلا بالتبرؤ من الصحابة الآخرين.\nولا شك أن الشهادة والبراءة بهذا المعنى بدعة؛ بل الولاء والبراء الوارد في نصوص الشرع ليس المقصود منه البراءة من الصحابة؛ بل البراءة من الشرك وأهله.","vol":"2","page":294},{"text":"«والصلاة على مَنْ مات من أهل القبلة سُنَّة»\n<hr><s0>\n\nوقوله: «أهل القبلة» يَشمل الأمة بمجموعها، وإن كان فيها مَنْ هو على فكر مُخالف؛ لذلك لما سئل علي ﵁ عن الخوارج: «أمشركون هم؟ قال: مِنْ الشرك فَرُّوا. فقالوا: أفمنافقون؟ قال: إنَّ المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا-أي: هؤلاء يذكرون الله كثيرًا-قيل: فما هم يا أمير ألمؤمنين؟ قال: إخواننا بَغَوْا علينا؛ فقاتلناهم ببغيهم علينا!» (^١).\nوذكر الحسن أنه قال عنهم: «قوم أصابتهم فتنة؛ فعَموا فيها وصَمُّوا» (^٢).\nولقد وضع أمير المؤمنين عليٌّ ﵁ منهجًا قويمًا في التعامل مع هذه الطائفة، تَمثل هذا المنهج في قوله ﵁ للخوارج: «… إلَّا أنَّ لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نَمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نُقاتلكم حتى تُقاتلوا» (^٣).\nوقد التزم لهم أمير المؤمنين علي ﵁ إلى أن قتلوا عبد الله بن خَبَّاب بن الأَرَت، وبقروا بطن جاريته؛ فطالبهم ﵁ بِقَتَلَته فَأَبَوْا، وقالوا: كلنا قَتَله، وكُلُّنا مُستحل دماكم ودماءهم، فسَلَّ عليهم ﵁ سيفَ الحق حتى أبادهم في وقعة النهروان (^٤).\nومن منهجه ﵁ في التعامل مع الخوارج حال بقائهم في جماعة المسلمين: مُحاورتهم لإزالة الشبهات التي لديهم؛ فقد أرسل إليهم عبد الله بن عباس فحاورهم، وحاورهم هو بنفسه فرجع منهم جَمٌّ غفير.\nوبعد قتال أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ للخوارج-حرص على تحذير الناس من مسلكهم، حتى إنه لما انتهى من النهروان جعل يَمشي بين القتلى ويقول: «بُؤسًا\n_________\n(^١) «البداية والنهاية» (٧/ ٣٠٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٠/ ١٥٠) برقم (١٨٦٥٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧/ ٥٦٢) برقم (٥٦٢).\n(^٤) انظر: «البداية والنهاية» (١٠/ ٥٨٤).","vol":"2","page":295},{"text":"لكم! لقد ضَرَّكم مَنْ غَرَّكم! فقال أصحابه: يا أمير المؤمنين ومَن غَرَّهم؟ قال: الشيطانُ وأنفسٌ بالسُّوء أَمَّارة غَرَّتهم بالأماني، وزَيَّنت لهم المعاصي، ونَبَّأتهم أنهم ظاهرون» (^١).\nوأمر إنزال الأحكام على الأنام مِنْ أخطر ما يكون؛ إذ هما حق لله ولرسوله ﷺ، يقول شيخ الإسلام ﵀: «فإنَّ الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله؛ ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه اللهُ ورسولُه؛ وتحريم ما حَرَّمه الله ورسوله، وتصديق ما أخبر الله به ورسوله» (^٢).\nوفي عصرنا الحاضر غَرَّ هؤلاء-أيضًا-مَنْ غَرَّهم بهذا الفكر المنحرف الفاسد الذي ما قاله أهل السنة، وهم يريدون أن يصوروه للناس على أنه منهج السلف، وأنهم سلفية، وأهل السنة والسلفية من ذلك براء.\nوكتب أهل السنة موجودة بحمد الله، وفيها أنهم لا يُكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما تفعله الخوارج.\nوفاعل الكبيرة وإن وقع فيما يسمى كفرًا إلا أنه كفر دون كفر، وهو كفر عملي أصغر لا يُخرج من الملة.\nفقتال المسلم وإن وصفه النبي ﷺ بالكفر في قوله: «سِباب المُسلم فُسوق، وقِتاله كفرٌ» (^٣)، إلا أن المراد به: الكفر الأ صغر الذي لا يُخرج من الملة؛ لأن الله- ﷿ قد أثبت أُخوَّة الإيمان للمؤمنين حال اقتتالهم ونِزاعهم؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]، وكذلك أثبت أخوة الإيمان لمن قتل أخاه المسلم فقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨].\nقال الطحاوي ﵀: \"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله\" (^٤).\nقال ابن تيمية: \"ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل\n_________\n(^١) انظر: «البداية والنهاية» (٧/ ٢٨٨).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٥٤، ٥٥٥).\n(^٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٨) ومسلم (٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(^٤) شرح الطحاوية ص ٣٦٠.","vol":"2","page":296},{"text":"التي تنازع فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم. والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين. واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم. وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة\" (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨٢.","vol":"2","page":297},{"text":"«ولا نُنزل أحدًا جنة ولا نارًا حتى يكون الله يُنزلهم»\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-108>أولًا: أقسام الشهادة.</span>\nيقسم أهل السنة الشهادة إلى قسمين عامة وخاصة:\nفالعامة: أنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ.\nوالخاصة: هي المعلقة بشخص، مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعيّن إلا ما عيّنه الله أو رسوله.\n• قال شيخ الإسلام ابنن تيمية: \"اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُونَ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِدُخُولِهِ فِي الْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى التَّقْوَى عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا يَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ [صَلَّى للَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] وَلَهُمْ فِيمَنِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ\" (^١).\n• قال الشيخ ابن عثيمين: \"الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل فهي موقوفة على الشرع فمن شهد له الشارع بذلك؛ شهدنا له، ومن لا؛ فلا، لكننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، وتنقسم الشهادة إلى قسمين عامة وخاصة:\nفالعامة: هي المعلقة بالوصف، مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، أو لكل كافر بأنه في النار، أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سببًا لدخول الجنة.\nوالخاصة: هي المعلقة بشخص، مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعيّن إلا ما عيّنه الله أو رسوله. (^٢) \"اه\n\n<span data-type='title' id=toc-109>ثانيًا: مسألة الشهادة لمعين بجنة أو نار.</span>\nفمن معتقد أهل السنة والجماعة أن من كان من أهل القبلة لا يشهد له بالجنة ولا\n_________\n(^١) منهاج السنة ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧\n(^٢) شرح اللمعة (ص ١٤٤).","vol":"2","page":298},{"text":"يشهد له بالنار، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، إلا من شهد له الرسول ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إِنَّمَا قَدْ نَقِفُ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ فَلَا نَشْهَدُ لَهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ بَاطِنِهِ وَمَا مَاتَ عَلَيْهِ لَا نُحِيطُ بِهِ، لَكِنْ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ.\nوأهل السنة لَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْجَنَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:\nالقول الأول: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ.\nوَالقول الثَّانِي: أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ جَاءَ فِيهِ نَصٌّ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. \" (^١).\nوقد استدل لهذا القول:\n- حديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة\"، وهذا في حديث الذي قتل نفسه بعد أن أثنى عليه الناس.\n- الحديث الآخر: \"إن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة\" (^٢). والشاهد من هذه الأحاديث أن خاتمة السوء لا تؤمن فكيف يقطع للرجل بالجنة؟\n- حديث أبي هريرة في الصحيح قال خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلاما يقال له مدعم فوجه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى بينما مدعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ إذا سهم عائر فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله ﷺ كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر المسألة في منهاج السنة: ٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري: (٣٢٠٨)، ومسلم: (٢٦٤٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٢٩).","vol":"2","page":299},{"text":"فهذا مع شهادة الناس له بالجنة بين النبي ﷺ أن حقيقة حاله على خلاف ما شهد له به.\n- حديث أم العلاء في البخاري قالت: \"سكن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فمرضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال لي النبي ﷺ وما يدريك أن الله أكرمه فقلت لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما عثمان فقد جاءه والله اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به قالت فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك قالت فنمت فأريت لعثمان عينا تجري فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال ذاك عمله\" (^١)، والشاهد من الحديث نص وإقرار، أما النص فالقصة وما وجه به النبي ﷺ فيها، وأما الإقرار فلقولها لا أزكي أحدًا بعده.\nوهذا كالصريح في النهي، قال ابن كثير: \"وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃\" (^٢). ومثله قال العيني في العمدة.\nوقد بوب عليه البيهقي: \"باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلاّ لمن شهد له رسول الله ﷺ بها\" (^٣).\nهذا مع أن عثمان بن مظعون (أبو السائب) ﵁ بدري قال الله له اصنع ما شئت فقد غفرت لك، وروي أن رسول الله ﷺ السلف الصالح يوم مات زينب، وقد روي أنه قبله وسالت دموعه، وهو أول من دفن بالبقيع ومع ذلك يقول: \"وما يدريك؟! .. وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به\".\nوممن نقل عنه القول في هذه المسألة من العلماء:\n• ما روي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: (٢٥٤١).\n(^٢) تفسير ابن كثير: (٤/ ١٥٦).\n(^٣) الكبرى ٤/ ٧٦.","vol":"2","page":300},{"text":"وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم (^١).\n• ونقل عن الإمام أحمد فيمن خرج عليه اللصوص والخوارج قال: \"وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث (^٢).\n• وقال الإمام أحمد: \"ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله\". اه\n• وهي عين كلمة علي بن المديني كما وروى عن سفيان الثوري قوله: \"يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله وكلهم من قريش\" (^٣). اه\n• وقال الإمام أبو عمرو الداني: \"ومن قولهم: أن لا ينزل أحد من أهل القبلة جنة ولا نارا إلا من ورد التوقيف بتنزيله، وجاء الخبر من الله ﵎، ورسوله عن عاقبة أمره\" (^٤).\n• وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: \"ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يُختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيّب عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى الإسلام أم على الكفر. (^٥) \"\n• وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: \"لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك .. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك\" (^٦). اه.\nفهذا مذهب جمهور أهل السنة كما ترى.\nوَالقول الثَّالِثُ: يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَنْ شَهِدَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ-ﷺ:\n_________\n(^١) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)\n(^٢) اعتقاد الإمام أحمد ١/ ١٦١\n(^٣) أصول السنة (ص ٥٠ (.\n(^٤) اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٦٢).\n(^٥) الرسالة الوافية (ص ٩٦).\n(^٦) جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (٢٠٦).","vol":"2","page":301},{"text":"\" «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» \". وَقَالَ: \" «يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \" بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئ (^١)» \" فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ. وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: \" أَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَّةِ \" وَيَحْتَجُّ بِهَذَا\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ:\n• إِخْبَارَ الْمَعْصُومِ، فأَهْلَ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ (^٣)، وَيَشْهَدُونَ «أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ: \" اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (^٤)، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ \" «لَا يَدْخُلُ النَّارَ\n_________\n(^١) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-﵁\n• فِي الْبُخَارِيِّ ٣/ ١٦٩ (كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابُ تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ)، ٢/ ٩٧ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ).\n• مُسْلِمٍ ٢/ ٦٥٥ - ٦٥٦ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ فِيمَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتَى).\n• سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٢/ ٢٦١ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّنَاءِ الْحَسَنِ عَلَى الْمَيِّتِ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.\n• سُنَنِ النَّسَائِيِّ ٤/ ٤١، (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ الثَّنَاءِ).\n• سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ١/ ٤٧٨ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ).\nوَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ بِمَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁\n• فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ\n• وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ السَّابِقَيْنِ،\n• وَهُوَ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٣/ ٢٩٦ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ)،\n• الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ١٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨ وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ٢٩٥.\n(^٣) وَرَدَ حَدِيثَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁-يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ: الْأَوَّلُ قَالَ فِي أَوَّلِهِ النَّبِيُّ-ﷺ: اثْبُتْ حِرَاءُ، إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ. الْحَدِيثُ، وَهُوَ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي الْخُلَفَاءِ ٩، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٥/ ٣١٥ - ٣١٦ (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ١/ ٤٨ (الْمُقَدِّمَةُ، فَضَائِلُ الْعَشَرَةِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ)، ج [٥ - ٩] الْأَرْقَامُ ١٦٢٩، ١٦٣٠، ١٦٣٨، ١٦٤٤، ١٦٤٥، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي أَوَّلُهُ: عَشَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ. وَهُوَ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَفِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ج [٠ - ٩] الْأَرْقَامُ ١٦٣١، ١٦٣٧، وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي: صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ٤ - ٣٥.\n(^٤) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي: الْبُخَارِيِّ ٥/ ٧٧ - ٧٨ (كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا)، ٦/ ١٤٩ (كِتَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ)، مُسْلِمٍ ٤/ ١٩٤١ - ١٩٤٢ (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابٌ: مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ بَدْرٍ)؛ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٣/ ٦٤ - ٦٥ (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ فِي حُكْمِ الْجَاسُوسِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا)، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٥/ ٨٢ - ٨٤ (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٢/ ٣٦ - ٣٧. وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا بِمَعْنَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٤/ ٢٩٦ (كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي الْخُلَفَاءِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ١٥/ ٨٣ - ٨٤.","vol":"2","page":302},{"text":"أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» \"، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ (^١). فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ إِمَامٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهِيَ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.\n• وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ تَوَاطُؤَ شَهَادَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ -أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: \"وَجَبَتْ وَجَبَتْ\". وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: \"وَجَبَتْ وَجَبَتْ\". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُكَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: \" هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ. وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتُ: \" وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» (^٢).\nوَفِي الْمُسْنَدِ «عَنِ النَّبِيِّ-ﷺ -أَنَّهُ قَالَ: \" يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ \" قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \" بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» (^٣).\n• وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ تَوَاطُؤُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ النَّبِيَّ-ﷺ-قَالَ: \" «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي\n_________\n(^١) الْحَدِيثُ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ-﵂-فِي مُسْلِمٍ ٤/ ١٩٤٢ (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابٌ: مِنْ فَضَائِلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ)، وَنَصُّهُ فِيهِ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ-ﷺ-يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ-إِنْ شَاءَ اللَّهُ-مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدُ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا \" قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [سُورَةُ مَرْيَمَ: ٧١]، فَقَالَ النَّبِيُّ-ﷺ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [سُورَةُ مَرْيَمَ: ٧٢]، وَالْحَدِيثُ عَنْهَا أَيْضًا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٦/ ٣٦٢، ٤٢٠ وَعَنْ حَفْصَةَ-﵂-فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٤٣١ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ ذِكْرِ الْبَعْثِ).\n(^٢) الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي الْبُخَارِيِّ ٣/ ١٦٩ (كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابُ تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ)، ٢/ ٩٧ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ)، مُسْلِمٍ ٢/ ٦٥٥ - ٦٥٦ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ فِيمَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتَى)، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٢/ ٢٦١ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّنَاءِ الْحَسَنِ عَلَى الْمَيِّتِ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، سُنَنِ النَّسَائِيِّ ٤/ ٤١، (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ الثَّنَاءِ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ١/ ٤٧٨ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ)، وَجَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ بِمَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَهُوَ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٣/ ٢٩٦ (كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ١٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨ وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.\n(^٣) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ-﵁-فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٤١١ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ)، وَقَالَ الْمُعَلِّقُ فِي الزَّوَائِدِ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَيْسَ لِأَبِي زُهَيْرٍ هَذَا عَنِ ابْنِ مَاجَهْ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ فِي بَقِيَّةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٣/ ٤١٦، ٦/ ٤٦٧.","vol":"2","page":303},{"text":"مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (^١).\n«وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٦٤] قَالَ: \" هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (^٢).\nوَقَدْ فَسَّرَهَا أَيْضًا بِثَنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: \" تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (^٣).\nوَالرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ حَقًّا، كَمَا إِذَا تَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُهُمْ أَوْ رَأْيُهُمْ فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الرَّأْيِ، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْبَاطِلَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: \" «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (^٤) \" (^٥)\n_________\n(^١) الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي: الْبُخَارِيِّ ٩/ ٣١ (كِتَابُ التَّعْبِيرِ، بَابُ الْمُبَشِّرَاتِ)، وَجَاءَ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي مُسْلِمٍ ١/ ٣٤٨ (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابٌ فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ١/ ٣٢١ (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابٌ فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، سُنَنِ النَّسَائِيِّ ٨/ ١٤٨ (كِتَابُ التَّطْبِيقِ، بَابُ تَعْظِيمِ الرَّبِّ فِي الرُّكُوعِ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٢٨٣ (كِتَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَابُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٣/ ٢٧٥.\n(^٢) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵄ -فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (كِتَابُ الرُّؤْيَا، بَابُ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَتَكَرَّرَ هَذَا الْحَدِيثُ: ٤/ ٣٥٠ (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، وَمِنْ سُورَةِ يُونُسَ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٢٨٣ (كِتَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَابُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ).\n(^٣) الْحَدِيثُ-مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ-عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ-﵁-فِي مُسْلِمٍ ٤/ ٢٠٣٤ - ٢٠٣٥ (كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ إِذَا أُثْنِيَ عَلَى الصَّالِحِ فَهِيَ بُشْرَى وَلَا تَضُرُّ)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ٢/ ١٤١٢ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٥/ ١٥٦، ١٥٧، ١٦٨.\n(^٤) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ-﵄، فِي الْبُخَارِيِّ ٣/ ٤٦ (كِتَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، بَابُ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ)، مُسْلِمٍ ٢/ ٨٢٢ (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، الْمُوَطَّأِ ١/ ٣٢١ (كِتَابُ الِاعْتِكَافِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٦/ ٢٣١.\n(^٥) منهاج السنة: ٣/ ٤٩٧","vol":"2","page":304},{"text":"كما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي. \" اه والله أعلم.\nوقد أجيب على أدلة هذا القول بأن الحديث الأول يفيد أن شهادة المؤمنون لبعضهم بالخير والصلاح توجب نفعه وصلاحه في الآخرة، ولا يجزم بها على العموم، فإحسان الظن بالمسلمين هو الأصل ولكن هذا لا يبنى عليه يقين بمآله.\nوهنا فائدة مهمة على قوله وجبت وجبت: وهي على الصحيح من التحقيق والجزم، فقيل أنها من خصائصه ﷺ، ولا يجزم بها لغيره لأنها غيب، ولعل نبينا اطلع على ذلك بطريق الوحي .. واختار هذا القول ابن التين.\nويرده قول عمر لها أيضا لجنازة مرت عليه، كما في الصحيح.\nوفي معناها أيضا قال الإمام الطحاوي:\n(وجه ذلك عندنا والله أعلم أن الشهادة بالخير لمن شهد له به ستر من الله ﷿ عليه في الدنيا ومن ستره الله ﷿ في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة) (^١) اه\nومما قيل في معناها أيضا: أن انطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به، وليست جزما على الغيب .. والله أعلم.\nأما الحديث الثاني: فهو أصرح في بيان المقصود لقوله: (يوشك) وقوله: (بالثناء الحسن والثناء السيئ) يعني ما هو إلا ثناء على الظاهر لا يجزم له على الحقيقة بالجنة أو النار، فيخلص من هذا أن الكلمة على الرجاء والتمني وليست على التحقيق والتألي.\nومن الخلاف: هل هذا خاص بزمن الصحابة أم أنه عاما للمؤمنين في كل زمان؟\nالصحيح المختار: أنه عام ولكن في غير زمن الصحابة يحتاج إلى الإجماع ..\n_________\n(^١) بيان مشكل الآثار (٨/ ١٠٨).","vol":"2","page":305},{"text":"وعليه فرأي الجمهور هو الصواب، وهو أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد نص أو إجماع.\nوأعني بالإجماع هنا ما يراد به حكم الجماعة المسلمة في وقت ما على المعين بأنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى حسب الظاهر للمسلمين وقتئذ ولا يقطع به جزما لأنه ضرب من الغيب، لذلك نصوب من يقول: هو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى ..\nوعلى هذا: لا يصح الاستثناء للمعين بالشهادة فنقول هو شهيد إن شاء الله، للنهي الوارد فيما ذكرنا أعلاه، وإنما نقول نرجو له الشهادة أو نقول كما علمنا عمر: من فعل كذا فهو شهيد عن عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ\" (^١).\nوخلاصة القول: هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام، قوله: ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خيرٍ ولا شر، يعني ليس لك أن تشهد لمعين أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنك لا تدري ماذا يُختم له، فقد يُصبح المرء مسلمًا ويُمسي كافرًا يمسي كافرًا ويصبح مؤمنًا، فلا يُدرى ما هي خاتمة كل أحدٍ منا، ولذلك كان من الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.\nفقد ترى الرجل على معصية وعلى شر، وعلى حالٍ لا يرضي الله ﷿ لكن قد يُختم له بخاتمة حسنة، فقد يتوب فيتوب الله عليه، فلذلك لا نشهد لأحدٍ بعينه بجنة أو نار، لكن نرجو للمحسن الخير ونخاف على المسيء، فإنك لا تدري بما يُختم له عند الموت ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، فترجو إذا كان على خير أن يُختم له بخير، وإن كان على شر أن يُختم له إن شاء الله تعالى بتوبة.\n_________\n(^١) انظر فتح الباري لابن حجر (٦/ ٩٠).","vol":"2","page":306},{"text":"«و<span data-type='title' id=toc-110>المِراء والجدال في الدِّين بدعة».</span>\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-111>تعريف الجدل:</span>\nالجدل لغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي: خاصمه، مجادلة وجدالًا. والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدالُ: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته (^١)\nمعنى الجدل اصطلاحًا:\nقال ابن الأثير: (الجَدَل: مُقابَلة الحُجَّة بالحجَّة. والمُجَادَلَة: المُناظَرةُ والمخاصَمة) (^٢).\nقال الراغب: (الجِدَال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة) (^٣).\nوقال الجرجاني: (الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله: بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه) (^٤).\nوقال أيضًا: (الجدال: هو عبارة عن مراء يتعلَّق بإظهار المذاهب وتقريرها) (^٥)\nمعنى المراء لغةً:\nالمراء: الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشكِّ والريبة، ويقال للمناظرة: مماراة، وماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته (^٦).\nمعنى المراء اصطلاحًا:\nالمراء: هو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على\n_________\n(^١) «مجمل اللغة» لابن فارس (١١٧٩)، «لسان العرب» لابن منظور (١١/ ١٠٥)\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٢٤٨.\n(^٣) المفردات في غريب القرآن، ص ١٨٩.\n(^٤) التعريفات، ص ٧٤.\n(^٥) التعريفات، ص ٧٥.\n(^٦) لسان العرب، لابن منظور (٢٧٨/ ١٥)، المصباح المنير، للفيومي (٢/ ٥٦٩).","vol":"2","page":307},{"text":"ذلك الترفع (^١).\nوقال الجرجاني: (المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير) (^٢).\nوقال الهروي عن المراء: هو (أن يستخرج الرجل من مناظره كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها) (^٣).\n\n-<span data-type='title' id=toc-112> الفرق بين الجدال والمراء:</span>\nقيل: هما بمعنى واحد.\nغير أن المراء مذموم، لأنه مخاصمة في الحقِّ بعد ظهوره، وليس كذلك الجدال (^٤).\nولا يكون المراء إلا اعتراضًا، بخلاف الجدال، فإنَّه يكون ابتداء واعتراضًا (^٥).\nينقسم الجدال إلى قسمين:\n١ - الجدال المحمود:\nوهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه ﷺ بهذا الجدال في قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقال جلَّ في علاه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦].\nوقال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (^٦).\nوقد حصل هذا النوع من الجدال بين عبد الله بن عباس ﵄ وبين الخوارج زمن علي بن أبي طالب بأمر علي، فأقام عليهم الحجة وإفحامهم، فرجع عن هذه البدعة\n_________\n(^١) التعريفات الاعتقادية، لسعد آل عبد اللطيف، ص ٢٦٥.\n(^٢) التعريفات، ص ٢٠٩. تهذيب اللغة، (٢٠٤/ ١٥).\n(^٣) تهذيب اللغة، ٢٠٤/ ١٥.\n(^٤) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، ص ١٥٨.\n(^٥) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، ص ١٥٩\n(^٦) رواه أبو داود (٢٥٠٤)، والنسائي (٣٠٩٦)، وأحمد (٣/ ١٢٤) (١٢٢٦٨]. قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم في «أصول الأحكام ١/ ٢٧». وصحح إسناده النووي في رياض الصالحين ص ٤٣٧.","vol":"2","page":308},{"text":"خلق كثير. وكذلك مجادلة أحمد بن حنبل للمعتزلة، ومجادلات ابن تيمية لأهل البدع.\n٢ - الجدال المذموم:\nهو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، وطلب المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص:\nقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣].\nوقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج: ٨].\nوقوله سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر: ٤].\nوقال ﷺ: «المراء في القرآن كفر» (^١).\nوقال ابن عثيمين: (المجادلة والمناظرة نوعان:\nالنوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.\nالنوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها (^٢).\nوقال الكرماني: (الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح) (^٣).\nفهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن\n_________\n(^١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٦٥) (٨٥٧٥)، والطبراني (١٠/ ٢٥٧)  (10598)، والحاكم (2/ 164) واللفظ له، والبيهقي (8/ 179) (17186). وصحح إسناده ابن تيمية في «منهاج السنة» (8/ 530)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 242): رجاله رجال الصحيح، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (711).\n(^2) العلم ص 164.\n(^3) فتح الباري لابن حجر 11/ 314.","vol":"2","page":309},{"text":"بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.","vol":"2","page":310},{"text":"«ونعتقد أنَّ ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ أمرهم إلى الله».\n<hr><s0>\n\nموقفُ أهل السنَّة مما وقع بين أصحابِ النبي ﷺ؛ هو الكَف وعدم الخوض في هذه المسألة.\nونعرفُ أن لهؤلاءِ السبقِ والفضلِ والمكانة والمنزلة ما يكون-بحمد الله تعالى-أضعاف ما قد يقع منهم من خطأ أو زلل، فإذا الله ﷿ منَّ عليك أن لا تكون في تلك الأمور في حينها فكُفَّ عن ذكرِ هذه الأمور بلسانك.\nولهذا نترحم على جميع الصحابة والآل ونترضى عنهم، كما أثنى الله جل وعلا عليهم، ونتولاهم جميعًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل السنة وسط في بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بينَ الرَّافضةِ والخَوَارجِ».\nفالرَّافضة: هم الذين غلوا في عليٍّ ﵁ وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وعائشة وحفصة وطلحة والزبير وفضلاء المهاجرين والأنصار، وكفَّروهم ومَن تولاهم، وكفَّروا مَنْ قاتل عليًّا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن كفروا جُلَّ الصحابة إلا نفر يسير جدًّا.\nوأما الخوارج فقابلوا الرَّوافض؛ فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة بعد التحكيم، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم.\nوالنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي.\nأما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة،","vol":"2","page":311},{"text":"فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (^١).\nومحبتهم لأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ محبةٌ شرعيَّة دونَ إفراطٍ أو تَفْريطٍ؛ فهم يَعْرِفُونَ لهم حَقَّهم، ويَحفظونَ وَصِيَّةَ رسولِ اللهِ فيهم، ولا يُغالونَ في مَحَبَّتِهِم؛ ولا يَرفعونهم فوق منزلتهم البشرية غلوًّا فيهم، وكذلك لا ينتقصونهم قدرهم جفاء لهم.\nوما وقع بين الأصحاب الكرام من خلاف فيجب الإمساك عن الخوض فيه، والتماس العذر لهم؛ يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: «موقف أهل السنة في الخلاف والفتن التي حصلت بين الصحابة ﵃: موقفهم في ذلك: أن ما جرى بينهم فإنه باجتهاد من الطرفين، وليس عن سوء قصد، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وليس ما جرى بينهم صادر عن إرادة علو ولا فساد في الأرض؛ لأنَّ حال الصحابة؟م تأبى ذلك، فإنهم أوفر الناس عقولًا، وأقواهم إيمانًا أشدهم طلبًا للحق، كما قال النبي ﷺ: «خيرُ النَّاس قَرْني» (^٢). وعلى هذا فطريق السلامة: أن نسكت عن الخوض فيما جرى بينهم، ونَرُدَّ أمرهم إلى الله؛ لأن ذلك أسلم من وقوع عداوة أو حقد على أحدهم» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» لعبد العزيز السلمان (٥٠٥ - ٥٠٨)، المملكة العربية السعودية، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة الحادية عشرة، ١٤٠٢ هـ.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٥١) ومسلم (٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(^٣) «مذكرة على العقيدة الواسطية» لابن عثيمين (ص ٨٢)، مدار الوطن للنشر-الرياض، ١٤٢٦ هـ.","vol":"2","page":312},{"text":"«ونَترحم على عائشة ونترضى عنها».\n<hr><s0>\n\nونص على الترحم والترضي على أم المؤمنين؛ عائشة ﵂ بالذات؛ لأن الرافضة يتبرؤون منها، ولأن بعض الجهلة قد ربما تكلم في عائشة؛ لما حصل في وقعة الجمل ودخولها في ذلك.\nوإنما ذهبت أمنا عائشة ﵂ للصلح، ولحقن الدماء؛ فكانت غايتها أعظم غاية؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فكانت ساعية في تقوى الله وإصلاح ذات البين ومنع الاقتتال بين المؤمنين والتوفيق بين علي ﵁ وبين المخالفين؛ لكن حصلت الحرب والقتال لا باختيار أمنا عائشة ﵂؛ وإنما بسعي الخوارج وأهل الفتن.\nوقال ﷺ لعائشة ﵂: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة» (^١).\nفأزواجه ﷺ هن أمهات المؤمنين، فيجب أن يعلم ما لهن من الفضل والمكانة؛ فهناك مكانة لخديجة ﵂، ومكانة لعائشة ﵂، وكذلك باقي زوجاته ﵅ جميعًا.\nفمحبتهن والترضي عنهن هو من محبة النبي ﷺ، وفضائلهن مذكورة مبثوثة في كتب أهل السنة، فقَلَّما نجد كتابًا من كتب أهل الحديث إلا وفيه مِنْ ذِكر فضائلهن؛ فمثلًا كتب السنة ك «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» والكتب الستة وغيرها مليئة ومرصعة ومزينة بتلك المناقب التي تدل على سلامة قلوب أهل السنة تجاه هؤلاء النسوة اللائي اختارهن الله لأن يكن زوجات لنبيه ﷺ.\nولذلك نتبرأ من الروافض الذين أبغضوا وسَبُّوا أصحاب النبي ﷺ، وطعنوا في بعض أزواجه بمطاعن يَستحي الإنسان من التلفظ بها وذِكرها، فضلًا عن أن تكون مُستقرة في قلب أيِّ مُسلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧٠٩٥)، من حديث عائشة ﵂، وصححه الألباني في «التعليقات الحسان» (٧٠٥٣).","vol":"2","page":313},{"text":"فأولئك ما حَفظوا عِرضَ النبي ﷺ في عائشة ﵂، وما حفظوا حقَّ أصحاب النبي ﷺ وما لهم من المنزلة والمكانة، وكما قال الشَّعبي لمالك بن معاوية-عند ذكر الرافضة-: «يا مالك، لو أردتُ أن يُعطوني رقابَهم عبيدًا وأن يملؤوا بيتي ذهبًا على أن أكذب لهم على عليٍّ كذبة واحدة لفعلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدًا. يا مالك، إني درستُ الأهواء كلها، فلم أَرَ قومًا أحمق من الرافضة …».\n«ثم قال: أُحَذِّرُك الأهواء المضلَّة، شرُّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يُبغضون الإسلام كما يُبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم ....».\nإلى أن قال: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم» (^١).\n_________\n(^١) «العقد الفريد» لابن عبد ربه (٢/ ٢٤٩، ٢٥٠)، دار الكتب العلمية-بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ.","vol":"2","page":314},{"text":"«والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة، والقول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة».\n<hr><s0>\n\nثم بين قضية اللفظ والملفوظ؛ يعني مسألة: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أو لا؟ هل يجوز أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق؟\nواللفظ يأتي بمعنى: التلفظ، ويأتي بمعنى الملفوظ؛ هل هو الملفوظ الخارج، أو حركة اللسان التلفظ؟\nفمعلوم أنه إن أريد الأول وهو التلفظ: فالتلفظ من أفعال العبد، وأفعال العباد مخلوقة.\nوإن عُني باللفظ الملفوظ فالملفوظ هو القرآن.\nلهذا صارت الكلمة محتملة، واستعمال المحتملات في العقيدة بدعة؛ فإنه لا يجوز أن تستعمل مثل هذه العبارة التي قد تحتمل شيئًا آخر؛ فيفهم الناس منها فهمًا غير سليم.\nولهذا كان الإمام أحمد يقول: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع أيضًا»؛ لأنها تحتمل هذه وهذه، وقد سكت السلف عن الإطلاق؛ لأنَّ الألفاظ المحتملة فيما يتصل بذات الله جل وعلا أو صفاته أو أفعاله أو أمور العقيدة والغيبيات لا يجوز استعمالها، وينهى عنها.\nولهذا قال ابن القيم ﵀:\nوَعَلَيْكَ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّبْيِينِ فَالْ … إِطْلَاقُ وَالإِجْمَالُ دُونَ بَيَانِ\nقَدْ أَفْسَدَا هَذَا الوُجُودَ وَخَبَّطَا ال … أَذْهَانَ وَالآرَاءَ كُلَّ زَمَانِ (^١)\nأمَّا الاسم والمسمى، فهذا متعلق بشيئين إما بأسماء الله جل وعلا؛ يعني هل الاسم هو عين المسمى؟ أو هو غيره؟ هل اسم الله الديان أو اسم الله الرحيم هل هو عين الله؟ أو هو غير الله؟\n_________\n(^١) انظر: «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» لابن القيم.","vol":"2","page":315},{"text":"إن قلنا: الاسم هو عين المسمى؛ فهذا صحيح باعتبار؛ لأن اسم الله جل وعلا دالٌّ على ذلك؛ فالرحيم هو الله جل وعلا، والقدير هو الله جل وعلا، فالاسم دال على المسمى.\nوإن قلنا هنا: الاسم غير المسمى فأيضًا صحيح؛ لأن الاسم زائد على الذات.\nفالأسماء والصفات زائدة على الذات؛ فالاسم مشتمل على صفة، وصفات الله جل وعلا قائمة بذاته، فهي ليست هي الذات باعتبار، ولا هي غير الذات باعتبار آخر، لهذا صار المقام يحتاج إلى تفصيل.\nفَمِنْ أهل البدع من قال: الاسم هو عين المسمى. ومنهم من قال: الاسم ليس عين المسمى.\nوأهل السنة لا يُطلقون لا هذا ولا هذا؛ لأن هذه من المسائل المحدثة؛ ولأنها محتملة.\nوأما الأقوال الواردة في مسألة الاسم والمسمى فالذي وقفت عليه من الأقوال في هذه المسألة ثمانية أقوال:\nأربعة منها لأهل السنة.\nوأربعة منها لأهل البدعة.\nوهذه الأقوال كما يلي:\nالقول الأول: الإمساك عن القول في المسألة نفيا وإثباتا؛ فأسماء الله لا يُقالُ فيها: هي هو، ولا هي غيره.\nوهذا قول بعض أهل السنة (^١).\nالقول الثاني: الاسم للمسمى.\nوهذا قوله أكثر أهل السنة (^٢).\nالقول الثالث: الاسم من المسمّى.\nوهذا قولٌ منقولٌ عن أبي بكر بن أبي، داود السجستاني (^٣).\nالقول الرابع: الاسم هو المسمى (أي الاسم يُراد به المسمَّى).\nوهذا قول بعض أهل السنة (^٤).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٧).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ١٨٧)، و«شفاء العليل» (ص ٢٧٧).\n(^٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (٢/ ٢١٢).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٧، ١٨٨).","vol":"2","page":316},{"text":"القول الخامس: الاسم عين المسمى (أي القول باتحاد الاسم والمسمى).\nوهذا قول الأشاعرة والماتريدية (^١).\nالقول السادس: الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون الاسم غير المسمى، وتارة لا يكون الاسم هو المسمى ولا غيره.\nوهذا القول المشهور عن أبي الحسن الأشعري (^٢).\nالقول السابع: الاسم غير المسمى.\nوهذا قول الجهمية والمعتزلة والخوارج، وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية (^٣).\nالقول الثامن: أسماء الباري لا هي الباري ولا هي غيره.\nوهذا قول لبعض الكلابية (^٤).\nوأصل هذه المسألة: هو مسألة (صفات الله تعالى)، فقول كل فريق مبنيٌّ على قوله في صفات الله تعالى على وجه العموم، وفي (صفة الكلام) على وجه الخصوص.\nفلمسألة (الاسم والمسمى) ارتباطٌ وثيقٌ بمسألة (صفة الكلام)، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن القول في أسماء الله هو نوع من القول في كلام الله» (^٥).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٨)، و«أصول الدين» للبغدادي (ص ١١٤، ١١٥)، و«تبصرة الأدلة» (ص ١٩٨).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٨)، و«المواقف» للإيجي (ص ١٣٣).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٦)، و«مقالات الإسلاميين» (ص ١٧٢).\n(^٤) «مقالات الإسلاميين» (ص ١٧٢)، و«مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٩).\n(^٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٦).","vol":"2","page":317},{"text":"«واعلم أني ذكرتُ اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجملًا من غير استقصاء؛ إذ قد تقدم القول عن مشايخنا المعروفين من أهل الإمامة والديانة إلا أني أحببت أن أذكر (عقود أصحابنا المتصوفة) فيما أحدثه طائفة انتسبوا إليهم مما قد تخرصوا من القول مما نَزَّه الله المذهب وأهله من ذلك.\nإلى أن قال: وقرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سَمَّاه «التبصير» كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم، وسألوه أن يُصَنِّف لهم ما يعتقده ويذهب إليه؛ فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى؛ فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة.\nونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة، لم يَخص طائفة دون طائفة؛ فتبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المحصلين منهم؛ وكان مَنْ نسب إليه ذلك القول-بعد أن ادعى على الطائفة-ابن أخت عبد الواحد بن زيد؛ والله أعلم بمحله عند المحصلين؛ فكيف بابن أخته؟!\nوليس إذا أحدث الزائغ في نِحلته قولًا نسب إلى الجملة؛ كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولًا في الفقه؛ أو لبَّس فيه حديثًا ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين.\nواعلم أن لفظ الصوفية وعلومهم تختلف؛ فيُطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم؛ فمَن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه رجع عنهم خاسئًا وهو حسير.\nثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد؛ فقال: كثير ما يقولون: رأيت الله. وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدتَه؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تَره الأبصار بتحديد العيان؛ ولكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان. ثم قال: يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه وذكره رسوله ﷺ. فهذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا».\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","vol":"2","page":318},{"text":"في هذا الموطن ذكر الإمام أبي عبد الله بن خفيف ﵀-ما يُنسب إلى بعض المتصوفة من أمورٍ باطلة، ومن هذه الأمور قول بعض المتصوفة: إن الله ﷿ يُرى في هذه الحياة الدنيا؛ حيث يزعمون أنه من خلال اجتهاده في التعبُّد والأذكار على وجهٍ معين سيُكشف له الحجاب بينه وبين الله ﷾.\nومعلومٌ أن معتقد أهل السنة في هذه المسألة: أن الله ﷿ لا يُرى في هذه الحياة الدنيا، كما جاء في «صحيح مسلم» قول النبي ﷺ في قصة الدَّجَّال: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ» (^١)، فلا سبيل إلى رؤية الله ﷾ والاطلاع عليه في هذه الحياة الدنيا، وليس ذلك حتى للنبي ﷺ، وسائر الناس ليس لهم ذلك مِنْ باب أولى.\nفهنا ذكر أن هذا يُنسب للمتصوفة، والأحرى أن يقال: يُنسب لبعضهم وليس لكلهم، وإن كانت وردت بعض العبارات الموهمة لبعضهم فإنها لا تُحمل على الرؤيا العيانية، وإنما تحمل على رؤية قلبية، بمعنى أن الإنسان يكون عنده من الإيمان بالله ﷾ حتى يصل إلى درجة الإحسان، وهي كما عرفها النبي ﷺ بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\nفما يُنسب لبعض المتصوفة لا شك أنه خطأ منهم، ولكن كما هو معلوم أن التصوف المنحرف اليوم يجنح إلى هذه المسائل كثيرًا، فكثيرٌ من المتصوفة يرون أنهم من خلال خلواتهم ومن خلال أذكارهم يمكن لهم أن يروا الله ﷾، ولا شك أن هذا أمرٌ مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة.\nفإذًا لا يُنسب هذا لجميعهم وإنما ينسب لبعضهم، وهذا غالبٌ على كثيرٍ منهم اليوم.\n_________\n(^١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).","vol":"2","page":319},{"text":"«وإن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حَجَّة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة».\n<hr><s0>\n\nوذكر كذلك أمورًا تتعلق بأن بعض المتصوفة يعتقدون أن الإنسان إذا بلغ درجة من العبودية أنه تسقط عنه التكاليف، ولا يُخاطب بالحلال والحرام، ويقولون: إنه إذا وصل إلى مرحلة معينة من الصوفية فإنه لا يمكن أن يُخاطب بالأمور التكليفية من العبادات والمعاملات، وعند ذلك لا يمكن أن يُحل حلالًا أو يحرم حرامًا.\nوقال في إشارة لهذا: «وإن مما نعتقده أنَّ الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حجة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة».\nفبعض المتصوفة-وللأسف الشديد-نراهم يستبيحون الأعراض والأموال، ويتركون الفرائض، وبالتالي لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويَستحلون بعض الأعراض وبعض الأموال، ويستحلون بعض المحرمات بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة من الولاية؛ أباحت لهم مثل هذه الأمور.\nفكما قال المصنف هنا: «فذلك كفرٌ بالله»، فمن اعتقد هذا فقد كفر، وقائلُ ذلك قائلٌ بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة.\nفهذه بعض تصورات بعض الصوفية، ومعروف عنهم أنهم يبيحون لأنفسهم الكثير من المحرمات في أحوالٍ معينة، وكذلك يُسقطون عن أنفسهم الواجبات، بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة لا يُخاطبون فيها بأحكام الشرع.","vol":"2","page":320},{"text":"«وإن مما نعتقده ترك إطلاق العشق على الله، وبين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه، ولعدم ورود الشرع به. وقال: أدنى ما فيه أنه بدعة وضلالة، وفيما نص الله من ذِكر المحبة كفاية».\n<hr><s0>\n\nاختلف الناسُ: هل يُطلق هذا الاسم في حقِّ الله تعالى؟\nفقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه، وذكروا فيه أثرًا لا يَثبت، وفيه: «فإذا فعل ذلك عَشقني وعشقتُه».\nوقال جمهور الناس: لا يُطلق ذلك في حقِّه ﷾؛ فلا يُقال: إنه يَعشق، ولا يقال: عشقه عبدُه.\nثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال:\nأحدها: عدم التوقيف بخلاف المحبة.\nالثاني: أن العشق إفراط المحبة، ولا يمكن ذلك في حقِّ الرب تعالى؛ فإنَّ الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبِّه؛ فضلًا أن يقال: أفرط في حبه.\nالثالث: أنَّه مأخوذ من التغير؛ لأنه قيل: هو مأخوذ من شجرة يقال لها: عاشقة تخضَّر ثم تدق وتصفَّر، ولا يُطلق ذلك على الله ﷾» (^١).\n_________\n(^١) «روضة المحبين» (١/ ٢٧ - ٢٩) باختصار.","vol":"2","page":321},{"text":"«وإن مما نعتقده: أنَّ الله لا يَحل في المرئيات، وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه، مستو على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق؛ حيث ما تُلي وحفظ ودرس».\n<hr><s0>\n\nمعلوم أن بعض المتصوفة يَعتقدون أن الله ﷾ يَحل في أشخاصٍ بأعيانهم، وبالتالي يرون أنهم يَصلون إلى درجة أن ذات الله ﷾ تَحل في أعيان أفرادٍ منهم.\nومن ذلك كما ورد عن الحَلَّاج أنه كان يقول: «ما في الجُبَّة إلا الله» (^١)، وهذا هو القول بالاتحاد، والاتحاد نوعان:\n\n<span data-type='title' id=toc-113>اتحاد عام، واتحاد خاص.</span>\nفالاتحاد العام: هو الاعتقاد بأنَّ الله ﷾ حَلَّ في جميع المخلوقات واتَّحد بها، وهذا قول الاتحادية؛ كابن عربي.\nوالاتحاد الخاص عند الصوفية: إذ يعتقدون أن الله يَحل أو يتَّحد في ذواتٍ بعينها، وهو موجود كذلك عند الروافض الباطنية الذين يقولون: إنَّ الله حَلَّ في شخص عليِّ بن أبي طالب ﵁.\nوكما يقول شيخ الإسلام: «إن القسمة في هذا رباعية؛ فهناك حلولٌ خاص، وهناك حلولٌ عام، وهناك اتحادٌ خاص، وهناك اتحادٌ عام. والفرق بين الحلول والاتحاد عمومًا:\nأن الحلول مثل وضع الماء في الكأس، وأمَّا الاتحاد كاختلاط اللبن مع الماء، فأنت إذا وضعتَ اللبن مع الماء اتَّحدت أجزاء الاثنين؛ بحيث أصبحا شيئًا واحدًا، أمَّا وضع الماء في الكأس فإن هذا يعني أن لكل نوعٍ مكانه الذي لا يختلط فيه مع الشيء الآخر، وهذا الاتحاد الخاص والحلول الخاص أمور موجودة عند النصارى.\n_________\n(^١) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٣٥٧).","vol":"2","page":322},{"text":"فمن النصارى من يقول: إن اللاهوت-أي: الإله-قد اتحد في الناسوت، بمعنى: أنه امتزج به فأصبحا شيئًا واحدًا، ومنهم مَنْ يقول: إنَّ اللاهوت حلَّ في الناسوت، وتدرع به، وهذا يُوجد في بعض مَنْ ينتسب إلى الإسلام.","vol":"2","page":323},{"text":"«و<span data-type='title' id=toc-114>نعتقد: أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ نبينا محمدًا ﷺ خليلًا وحبيبًا،</span> والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة: الفقر والحاجة.\nإلى أن قال: والخُلَّة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه».\n<hr><s0>\n\nثم قال هنا: «والخلَّة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما»، لكن المحبة التي هي ميل النفس إلى المحبوب، هذا يكون في المخلوقين. أما صفات الله ﷾ فإنَّا نُثبتها من غير تكييف، وبما أن الصفة ثابتة بنصِّ الشرع فإنا نثبتها على الوجه اللائق به دون تكييف أو تشبيه.\nوالدليل على إثبات صفة الخلة لله تعالى قوله تعالى: ﴿ومن أحسن دينًا مِمَّنْ أسلمَ وجهه لله وهُو محسن واتَّبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا واتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ [النِّساء: ١٢٥].","vol":"2","page":324},{"text":"«وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف؛ وأما صفات الله تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب وحسم الكيفية عن ذلك ساقط».\n<hr><s0>\n\nنعلم أن إيمان أهل السنة بالصفات إيمان وجود، فإن كانت الخلة أو المحبة أمورًا شعورية وأكثر منها أمورًا حسية، فإن تعريف هذه الصفات هكذا إنما هو بالنسبة لاتصاف المخلوقين بها، ولا يعني أن يكون هذا هو تعريفها في حق الخالق ﷾؛ وإنما يكون إثباتها للخالق إثبات وجود لا إثبات كيف.","vol":"2","page":324},{"text":"«ومما نعتقده:<span data-type='title' id=toc-115> أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم،</span> وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع؛ إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد؛ لا الكسب والتجارة؛ فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة.\n<hr><s0>\n\nوقال: «ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات»، وهذا ردٌّ على زعم بعض المتصوفة بوجوب ترك التجارة والمكاسب والزهد في الدنيا والانقطاع عنها، ومعلوم أن هناك فرقًا بين قول أهل السنة في الزهد وبين قول هؤلاء المتصوفة الذين انحرفوا في هذا الباب؛ إذ زعموا أن الزهد في الدنيا هو الانقطاع عنها، وزعموا كذلك أن الاشتغال بالتكسُّب والتجارة كله حرام، وزعموا أن هذه الأموال أموالٌ محرمة.\n\nقال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) البقرة ٢٧٥.\n\nقال عمرُ بن الخطاب ﵁: \"كسبٌ فيه بعضُ الدنيِّة خيرٌ من الحاجةِ بين الناس\" (^١)\n\nفهنا بَيَّنَ ابنُ خفيف ﵀ معتقد أهل السنة في ذلك، فقال: «ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضالٌ مضلٌّ مبتدع»، وهذا الأمر يوجد في أفهام الصوفية، ويروِّجون له؛ بزعم أن الاشتغال بالتكسب وبالتجارة مما حرمه الله.\n\nفقال هنا: «إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات بشيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارات، فإنها على أصل الكتاب والسنة جائزة إلى يوم القيامة، وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من\n_________\n(^١) انظر كتاب الآداب الشرعية والمنح المرعية الجزء الثالث، صفحة (٢٧٧).","vol":"2","page":325},{"text":"جميع الجهات»، يعني: يجعل الخلقَ ممنوعين من الوصول إلى ذلك.\n\nويقول شارح «العقيدة الطحاوية»: «قد ظَنَّ بعضُ الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مُقَدَّرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد؛ فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مُستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عُرف في موضعه. وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين- يَلبس لَأْمَةَ الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾ [الفرقان: ٧]. ولهذا تجد كثيرًا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يُرزقون على يد مَنْ يُعطيهم؛ إمَّا صدقة، وإمَّا هدية …» (^١).\n\nوقال ابنُ القيم: «وفي الأحاديث الصَّحيحة الأمر بالتَّداوي، وأنَّه لا يُنافي التوكل، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتمُّ حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصَبَها الله مقتضيات لمسبباتها قَدَرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يَقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويُضعفه من حيث يظنُّ مُعطلها أنَّ تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا» (^٢).\n\nوقال ابنُ حَجَر: «المراد بالتوكل: اعتقاد ما دَلَّت عليه هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وليس المراد به: ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجُرُّ إلى ضِد ما يَرَاه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يَأتيني رزقي! فقال: هذا رجل جَهِل العلمَ؛ فقد قال النبي ﷺ: «إنَّ الله جعل رزقي تحت ظلِّ رُمحي» (^٣)، وقال: «لو تَوكلتم على الله حقَّ تَوكله لرزقكم كما يَرزق الطير\n_________\n(^١) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص ٢٧٠)، دار السلام، الطبعة المصرية الأولى، ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م.\n(^٢) «زاد المعاد في هدي خير العباد» (٤/ ١٥)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.\n(^٣) جزء من حديث؛ أورده البخاري تعليقًا في باب (مَا قِيل فِي الرِّمَاحِ) (٤/ ٤٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٩٤٠١)، وأحمد في «المسند» (٥١١٤)، من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢٦٩). ولابن رجب الحنبلي رسالة ماتعة في شرح هذا الحديث، بعنوان: «الحِكَم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ: «بُعِثتُ بالسَّيف بين يدي السَّاعة».","vol":"2","page":326},{"text":"تَغدو خماصًا، وتَروح بِطانًا» (^١)، فذكر أنَّها تَغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يَتَّجِرون ويَعملون في نَخيلهم، والقدوةُ بهم» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٠٥)، والترمذي (٢٣٤٤) من حديث عمر؟، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣١٠).\n(^٢) «فتح الباري» (١١/ ٣٠٥، ٣٠٦)، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ.","vol":"2","page":327},{"text":"«وإن مما نعتقد<span data-type='title' id=toc-116> أن الله لا يأمر بأكل الحلال، ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة.</span> والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام؛ فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع؛ لا أنه مفقود من الأرض».\n<hr><s0>\n\nمسألة الحلال والحرام تتبين بأمور:\nأولها: النصوص، فالحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله، وقد جاءت النصوص في بيان أن الأصل في الأمور الحل، وأن الحرام ما نُص عليه أو دخل في قاعدة من القواعد التي يتبين بها الحرام من خلال النصوص الشرعية أو الإجماع، هذا أمر.\nثانيها: أن هناك درجة أخرى للتمييز بين الحلال والحرام بعد النصوص الشرعية، وهو الفطرة والعقل السليم، فإن الفطرة والعقل السليم رُكّبت على أنها توافق الشرع في الإقرار بما أحله الله ﷿ والنفور مما حرمه الله.\nوهو هنا يشير إلى المعنى الفطري في المسلمين الذين هم على الاستقامة، وهم عامة المسلمين الذين لم تدخلهم الشبهات ولا الشهوات، أما إذا دخلت على الإنسان الشبهات والشهوات فإنه قد يحلف على الحلال بأنه حرام والعكس كذلك، لأنه مسخت فطرته، وفسد عقله، وتبع هواه.\nولا شك أن الوصول إلى الحلال إنما يكون بطريق التجارة، كما قال تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فإذًا لابد من التكسب، ولا بد من التجارة، ومَن قال: وزعم أن الناس جميعًا يتقلبون في الحرام، فهو مبتدعٌ ضالٌّ، ولا شك أن هذا الأمر، أي: الحرام يَقل ويَكثر ويُوجد في بعض البيوع ويوجد في بعض التجارات، لكن لا نزعم أن كل التجارات وكل البيوع هي كسبٌ مُحَرَّم، ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه.\nفلذلك هذا ردٌّ على زعم مَنْ يزعم أنَّ كل إنسان عنده غنى أو في نعمة: أن كسبه","vol":"2","page":328},{"text":"حرام يجب اجتنابه، فالبعض يُفتي أنه إذا دعا هذا الغنيُّ أحدًا من الناس أنه لا تُجاب دعوته، بزعم أن ماله مَشبوه، وأنه على أمرٍ قد حرمه الله ﷾ من كسبه ومن التجارة، فيزعم هؤلاء أنهم لا يُجيبون دعوة الأغنياء من الناس تحت دعوى أن مال هؤلاء مالٌ مشبوه، وهذه دعوى البعض يَعتقدها، وهذا لا يقول به أهل السنة والجماعة.\nفإن الأصل في أموال الناس الحلُّ، إلا إذا تبين لنا أن فيها حرامًا، فإذا تبين لنا فعند ذلك للإنسان أن يجتنب هذا المال؛ لأنه قد يكون مال شبهة، وهكذا الإنسان لو ابتلي بأبٍ أو بأسرة يوجد في أموالها ما هو حرام، فهل على الإنسان أن يجتنب ذلك كله، أو يقوم على أن الأصل هو الحل، وإنما وزر هذا الكسب يكون على مَنْ تسبب فيه .. وهذه أمور مبسوطة في كتب الفقه؛ يذكرها أهل العلم، ويبينون أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه، وأن الإنسان إذا كسب مالًا حرامًا فوزره عليه.\nفمعلومٌ أنه لا يحلُّ مال امرئٍ مسلم إلا بطيبةٍ من نفسه فليس لك الحق في أن تأخذَ من مالِ أخيك حتى وإن كان شيئًا يسيرًا لم تطب به نفسه، لا يجوز لك أن تأخذه في هذا الشيء حتى لو كان المال الذي في يده مال حرام فهو ضامن له إلا إذا كان ولي أمر أو سلطان وأرادَ أن يًخرجَ هذا المال من يدِ هذا الذي اغتصبَ هذا المال فذاك في ولاية السلطان، أما أنت فليس لك حقٌ في أخذه فلعل الله ﷿ أن يتوبَ على هذا الشخص فيُرجِع هذا المال إلى أهله فلا تقول إنه مال حرام وأنا لي حق في أخذه، ليس لك الحق في أخذه مهما كان.\nثم المكاسب-بحمد الله تعالى-مطلقة إلا ما بانَ بيانُ تحريمه في هذا الشيء، ثم إن الأمر بالتكسُّب أمرٌ شرعي، وطلبُ القوت والرزق أمرٌ شرعي، وترك التكسُّب كما يدعو إليه المتصوفة؛ ويدعون إلى أن يعيشَ الناس على التكفف من غيرهم والسؤال من غيرهم والعيش بالأربطة وغير ذلك والتفرغ للعبادة، كل هذا ليس من دين الله ﷿، ونحن نعلم أن أصحابَ النبي ﷺ كان منهم التاجر، وكان منهم الفلاح المزارع، وكان منهم مَنْ يقوم بالاحتطاب؛ إلى غير ذلك فهم كانوا أهل صنعة وأهل حرفة.\nوما كان من أصحاب السخرة فلأنهم من المهاجرين الذين لم يجدوا لهم فرصةً للعمل باعتبارِ أن المكاسب والأعمال في المدينة كانت في ذلك الوقت محدودة، ثم إن أهلِ السخرة بمجردِ أن تغير وجاءت الفتوحات على أهل الإسلام لم يبقوا في المسجد.","vol":"2","page":329},{"text":"فهذا أبو هريرة ممن كان في السخرة أصبحَ يومًا أميرًا للمدينة فلم يكن حالُ أهل السخرة حالُ تعبد، وإنما كان حال اقتصادي دعا إليه الحال الذي كان عليه حالُ الناس في ذلك الوقت من قلةِ المكاسب، ثم لما فتحَ الله ﷿ على النبي ﷺ لم يبقَ أحدٌ في السخرة.","vol":"2","page":330},{"text":"«ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه؛ جائز أن يؤكل طعامه، والمعاملة في تجارته؛ فليس علينا الكشف عما ماله. فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط؛ جاز، إلا من داخل الظلمة.\nومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي؛ كما سأل الصديق غلامه؛ فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا، فلا يطلق عليه اسم الحلال ولا الحرام، إلا أنه مشتبه؛ فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصِّدِّيق (^١). وأجاز ابن مسعود وسلمان وقالا: «كُلْ منه وعليه التبعة» (^٢)، والناس طبقات، والدين: الحنيفية السمحة».\n<hr><s0>\n\nوقال هنا: «ومَن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي»؛ أي: إذا كان المال خليطًا من الحلال والحرام فعلى الإنسان أن يتوقَّى، واستشهد على ذلك بفعل أبي بكر ﵁ مع غلامه في مسألة الكسب الذي أخذه، فلما علم أنه من كهانة أدخل أصبعه في فمه حتى قاءه.\nفالإنسان يستبرأ لدينه، فإذا كان المال خليطًا؛ فبعض أهل العلم يُفتي بالحِل، والبعض يفتي بالحرمة من جهة أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٤٢) عن عائشةَ ﵂ قَالَتْ: «كانَ لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَراجَ، وكانَ أَبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَا أُحْسِن الكَهَانَةَ إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيني، فَأَعْطَاني بِذلكَ هَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَه، فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ».\n(^٢) روى الأثرين عبد الرزاق في «مصنفه» (٨/ ١٥٠)، برقم (١٤٦٧٥)، و(١٤٦٧٧).\nومعنى التبعة: ما فيه إثم يتبع به صاحبه.","vol":"2","page":331},{"text":"وقوله: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء، فكل مَنْ ادعى الأمن فهو جاهل بالله وبما أخبر به عن نفسه: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقد أفردت كشف عوار كل من قال بذلك».\nوقال هنا: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء»،\n<hr><s0>\n\nولا شك أن المؤمن يَعيش بين الخوف والرجاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، فإن الإنسان يعيش بين المقامين إلا في حالة واحدة عند انقطاع العمل والإقبال على الله ﷾؛ فيُغَلِّب في هذا الحال جانب الرجاء على جانب الخوف؛ لأن العمل قد انتهى.\nفلا بد أن تكون العبودية مبنية على الحب والخوف والرجاء، ومتى اختلَّ ركن من هذه الأركان اختلت العبودية، ويبعث على تحقيق العبودية أمران اثنان: مشاهدة منة الله تعالى ونعمه، ومطالعة عيوب النفس والعمل؛ قال ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: العارفُ يَسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة ومطالعة عيب النَّفس والعمل، وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصَّحيح من حديث شَدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه: «سَيِّدُ الاستغفار أن يَقول العبدُ: اللهم أنتَ ربِّي لا إله الا أنت، خَلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك مِنْ شَرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنَّه لا يَغفر الذنوب إلا أنت» (^١)، فجمع في قوله ﷺ: «أَبُوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ وأَبُوء بذنبي» مشاهدةَ المِنَّة ومطالعةَ عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النِّعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل تُوجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس ﵁.","vol":"2","page":332},{"text":"وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض، دخول مَنْ كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربِّه ﷿، وكمال فاقته وفقره إليه، وأنَّ في كل ذَرَّة مِنْ ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه ﵎، وأنه إن تخلى عنه طَرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبر، إلا أن يَعود الله تعالى عليه ويَتداركه برحمته. ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حِجاب أغلظ من الدَّعوى» (^١). ولما كان رسولنا ﷺ أحسن افتقارًا إلى الله كان أتم الخلق عبودية له ﷿.\nوهذا حال الأئمة والصالحين، وقد قال ابن القيم عن افتقار شيخه ابن تيمية لربِّه: «ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية قَدَّس الله روحه من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء».\nومن نَظم شيخ الإسلام ﵀:\nأنا الفقير إلى رب البريات … أنا المُسيكين في مجموع حالاتي\nأنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده ياتي\nلا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضرات\nوليس لي دونه مولى يُدَبِّرني … ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي\nإلا بإذن من الرحمن خالقنا … إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات\nولست أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعض ذرات\nولا ظهير له كي يستعين به … كما يكون لأرباب الولايات\nوالفقر لي وصف ذات لازم أبدًا … كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي\nوهذه الحال حال الخلق أجمعهم … وكلهم عنده عبد له آتي\nفَمَنْ بغى مطلبًا من غير خالقه … فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي\nوالحمد لله ملء الكون أجمعه … ما كان منه وما من بعد قد ياتي» (^٢).\n_________\n(^١) «الوابل الصيب» (ص ٧، ٨).\n(^٢) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٥٢٠، ٥٢١).","vol":"2","page":333},{"text":"«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية بعلائق الآخرية».\n<hr><s0>\n\nفهذه كلها أفكار بعض الصوفية؛ إذ يزعمون أنهم في حالٍ من الترقي والتعبد حتى يصلوا إلى الكشف، وإذا وصلوا إلى مقام الكشف، فعند ذلك يسقطون عن أنفسهم جميع التكاليف.\nفلا يرى الواحد منهم أنه مخاطب بأحكام العبودية، ويرى أنه قد وصل أي: قد انتهى، ورفعت عنه التكاليف. وهذا يفعله بعض المتصوفة اليوم، وهذا معلوم عند من يقرأ كلام المتصوفة، ويعلم أن عندهم في التعبد درجات، حتى يصل الإنسان إلى مثل هذه الدرجة فإذا وصل إليها لا يخاطب بحلالٍ ولا بحرام.\nومن ذلك قول قائلهم:\nيُطالب بالأوراد مَنْ كان غافلًا فكيف بقلبٍ كل أوقاته وِرْدُ\nفإذا سئل أحد هؤلاء: لماذا لا تصلي الجمعة مع الناس؟ ولماذا لا تشهد الجماعة مع الناس؟\nقال: هذه صلاة الغافلين، أما أنا فمع الله دائمًا.\nفيفتَرون على الله ﷾ بمثل هذه المزاعم الكاذبة التي هي في حقيقتها افتراء وكذبٌ على دين الله ﷾، فأنبياء الله تعالى وخاتمهم محمد ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عندها عائشة ﵂: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غَفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟» (^١).\n_________\n(^١) انظر: «صحيح البخاري»، كتاب (التهجد)، بَاب: (قِيَام النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ)، برقم (١١٣٠)، ومسلم كتاب (صِفَة القِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ)، بَاب (إِكْثَارِ الْأَعْمَالِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ) (٢٨١٩)، والترمذي (٤١٢)، وابن ماجه (١٤١٩)، والنسائي (١٦٤٤)، وأحمد في «المسند، (أَوَّل مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ) (١٨١٩٨).","vol":"2","page":334},{"text":"فالنبي ﷺ بلغ ما بلغ من الدرجة والمنزلة عند الله ﷾، ومع ذلك كان أشد الأمة حرصًا على عبادة الله جل وعلا، ولم يزعم هذا الزعم الذي زعمه هؤلاء.\nفالشاهد: أن المتصوفة عندهم كثير من الزَّلَّات والأخطاء التي في حقيقتها انحراف عن منهج النبوة، فهم قومٌ استدرجهم الشيطان وأوقعهم في هذه المزالق.\nالشيطان استدرج بعض المتصوفة شيئًا فشيئًا حتى أوصلهم إلى هذه الحال.\nفهذه المقالات هي مُحادَّة ومُعاداة لله ولرسوله ﷺ، وإذا لم تُعَظَّم- في الأمة- أوامر الله عز جل وأوامر رسوله ﷺ؛ فكيف يُعرف المستقيم من غير المستقيم؟ وكيف يُعرف الصالح من الفاسد؟ وكيف يُعرف الخير من الشر؟\nفوالله إنَّ من أعظم المحادة والمعاداة لله ورسوله ﷺ: أن لا يكون هناك تعظيم لأوامر الله ونواهيه.\nفإذن: هذه الحال التي عليها هؤلاء هي محادَّة ومعاداة لله ورسوله ﷺ، وإن كان بعض مَنْ يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك؛ لأنه ما عَرف من الدِّين إلا هذه المبادئ المتصوفة؛ فتَربى عليها ونشأ عليها، ولم يعرف من الدين إلا هذه الأمور، وهذه الحال التي هو عليه هي حال ضَلال؛ فنسأل الله العافية والسلامة.\nفإذن: بعض هؤلاء قد يعتقد أنَّ الطريق الذي هو عليه هو طريق الرسول ﷺ، وأنَّه طريق أولياء الله ﷿ المحققين؛ وقد يعتقد أن الصلاة وغيرها من التكاليف غير واجبة عليه؛ لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية.\nوهذا الفكر موجود عند هؤلاء المتصوفة، وموجود كذلك عند بعض من تأثر بالفلسفة؛ فيرى أن دين الرسول هو خطاب لعَوَام الناس، ويَدَّعي أولئك المتفلسفة أن ما جاء به الرسول من أوامر ونواه هي تربية فلسفية تخص العوام، أمَّا هم فيقولون: إنهم ليسوا من العوام، وبالتالي قد وصلوا إلى المقصود، ووصلوا إلى ما يريده الرسول من الأوامر والنواهي، ولكن بطريق آخر.\nوهذا الفكر قد فُتِن به-أيضًا-بعض المثقفين ممن تأثروا بالفلسفات اليونانية، أو درسوا في المدارس الغربية، ومع أن بعضهم قد بلغ مراتب عليا في الدراسات (الأكاديمية) والثقافة إلا أنه لا يصلي ولا يصوم، ولا يعظم الأمر والنهي، ويزعم أنه على الإسلام، ومن يخالط هؤلاء يجدهم على هذا الفكر، ويرى أنه مُستغن","vol":"2","page":335},{"text":"ومستكف بالآراء الفلسفية عن التكاليف الشرعية، ويرى أنه ليس مخاطبًا ولا مطالبًا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه صار أعلى من أن يُطالب بأداء الأوامر أو اجتناب النواهي.\nفالشيطان قد استدرج هؤلاء وهؤلاء، وهناك أوجه شبه كبيرة بينهما، ولهم جميعًا مبرراتهم الباطلة، التي يستمدونها من الأحوال القلبية، أو المبادئ الفلسفية، التي يرون أنها تغنيهم عن أن يؤدوا الصلاة مثلًا، وتبيح لهم شرب الخمر؛ إذ يرون أنها حرام على عوام الناس، حِلٌّ لهم؛ لكونهم من الخواص الذين لا يَضرهم شرب الخمر، بل ولا يضرهم فعل الفواحش؛ لأنهم صاروا كالبَحر لا تضرهم الذنوب وإن كثرت، حتى أصبحوا غير مبالين ولا مُعَظِّمين لأوامر الله تعالى ونواهيه.\nفهل بعد هذا التلاعب من الشيطان بهؤلاء من تَلاعب؟!\nأما المسلم فيحمد الله ﷿؛ لأنَّه وَفَّقه لتعظيم الأمر والنهي.","vol":"2","page":336},{"text":"«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية (^١) بعلائق الآخرية، فهو كافر لا محالة؛ إلا من اعتراه علة أو رأفة؛ فصار معتوهًا أو مجنونًا أو مبرسمًا (^٢)، وقد اختلط في عقله أو لحقه غشية ارتفع عنه أحكام العقل، وذهب عنه التمييز والمعرفة؛ فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة».\n<hr><s0>\n\nفالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رُتبة مُعينة تسقط عنه الأوامر والنواهي، وقد يقولون: (مَنْ شهد الإرادة سقط عنه التكليف).\nفإذا وصل إلى مرحلة شهود الله ﷿ وأنه الفاعل لكل شيء على الحقيقة وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة، على حدِّ زعمهم فهذا لا تكليف عليه، وكما سيأتي أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البَحر؛ لا تضره الذنوب، كما أن الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة، وهذا من استدراج الشيطان لهم، والعياذ بالله.\nويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من الأولياء، والأولياء لهم مَرتبة تُسقط عنهم التكاليف.\nفيُفرقون بين العامَّة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية، قال المصنف: «وقد يفرقون بين مَنْ يعلم ذلك علمًا وبين مَنْ\n_________\n(^١) يقصدون بالأحدية: وحدة الوجود. فالأحدية تطلق عند الصوفية على كل موجود من إنسان وغيره.\nوالمبدئية: من المبدأ، والمبدأ عند الصوفي هو الله تعالى. انظر: «معجم المصطلحات الصوفية» (ص ٢٢٤).\n(^٢) البرسام: كلمة معربة، وتعني: علة تُصيب الرأس. انظر: «لسان العرب» (١٢/ ٤٦).","vol":"2","page":337},{"text":"يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة.\nفلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم.\nولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم\nهذا اللوث العقلي يقع من هؤلاء الصوفية بسبب أنهم لا يعملون عقولهم، وإذا أردت أن ترى إسقاط العقل عند هؤلاء فشاهد حضرة من حضرات الصوفية في أذكارهم، تراهم كالبهائم-بل أقل منهم درجة-بحركاتهم وأفعالهم التي ما أنزل الله بما من سلطان.\nولذلك فإن الغرب الكافر يحارب الإسلام بطائفتين:\nيحاربهم بالرافضة؛ لأفعالهم الشنيعة.\nويحاربهم بالمتصوفة؛ لأفعالهم القبيحة.\nوالغرب يأتي إلى هؤلاء وهؤلاء؛ فيصورهم على أحوالهم التي يفعلونها، ثم ينقل إلى أتباعه هذه الصور التي عندما يراها الإنسان فلا يُمكن أن يقبل بدين أتباعه يفعلون هذا؛ لأن أفعالهم كأفعال المجانين.\nفلو أن هؤلاء الذين يصورون؛ صَوَّرُوا المسلمين في صلاتهم لرأوا خشوعًا وإيمانًا وسكينة، وكم من إنسان أسلم بسبب ما رأى من أفعال المسلمين في الصلاة؛ لأن الصلاة غاية في الدقة والإتقان، وعلى هيئة تملأ النفس بالخشوع والرهبة.\nأما أفعال الروافض والمتصوفة فتجلب الجنون، ولكثرة قيامهم وقعودهم يفقد الإنسان منهم عقله حتى يسقط مغشيًّا عليه، يفعلون كل هذا باسم الدين، والدين من ذلك براء، والله المستعان.","vol":"2","page":338},{"text":"«ومن زعم الإشراف على الخلق حتى يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله-بغير الوحي المنزل من قول الرسول ﷺ فهو خارج عن الملة».\n<hr><s0>\n\nمن تقسيمات المتصوفة أنهم يزعمون أن هناك أقطابًا وأوتادًا وأبدالًا وغوثًا، فالغوث عندهم هو رأس الهرم، ويتبعه الأقطاب، ثم يتبعه الأوتاد، ثم يتبعه الأبدال.\nويزعمون أن هذا الغوث هو الذي يُصَرِّف مجريات الكون، ويعلم ما تدور عليه هذه الأكوان، بمساعدة الأقطاب، ثم بعد ذلك الأوتاد، ثم الأبدال، فهذه درجات عند الصوفية. والله المستعان.\nولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب .... وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به، ثم مع هذا يقولون: إنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر، ولا يدرك له حس ولا خبر.\nوهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه، بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحدّ وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان\" (^١)\nقال ابن خلدون في هذا الخصوص، والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع، فيقول: (إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول\n_________\n(^١) انظر «مجموعة الرسائل والمسائل» للإمام ابن تيمية (١/ ٥٧ - ٦٠) ط بيروت ١٩٨٣ م، كذلك «مجموعة فتاوى ابن تيمية» (١١/ ٤٣٣، ٤٣٤، ٤٣٩).","vol":"2","page":339},{"text":"والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب (المقامات) له وغيره، وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبًا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب (الإشارات) في فصول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء (^١)\nهذا وقد أقر بذلك أحمد أمين المصري، فكتب: (إن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالًا وثيقًا، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمته (قطبا)، وكونت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع، والقطب هو الذي (يدبر الأمر في كل عصر، وهو عماد السماء، ولولاه لوقعت على الأرض)، ويلي القطب النجباء\" (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ﵀: «وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة، فهذه الأسماء ليست مدرجة في كتاب الله، ولا هي أيضًا عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا بلفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد (^٣) عن علي بن أبي طالب مرفوعًا إلى\n_________\n(^١) (انظر «مقدمة ابن خلدون» الفصل الحادي عشر في علم التصوف (ص ٤٧٣) ط القاهرة.)\n(^٢) ضحى الإسلام لأحمد أمين (ص ٢٤٥) ط القاهرة ١٩٥٢ م.\n(^٣) تأمل عدالة ابن تيمية في النقد وتحريه أبعد غايات النزاهة، وقد ذكر ابن تيمية قيمة الحديث بقوله: «منقطع الإسناد مرفوع» وحديث هذا شأنه لا يصلح أن يكون حجة أو دليلًا على شيء!! وقد جاء في الوجيز: «حديث الأبدال أورده عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة، والكل لا تخلو عن مجهول وضعيف وواضع»، وفي المقاصد: «حديث الأبدال له طرق عن أنس بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة».","vol":"2","page":340},{"text":"النبي ﷺ، ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا، وإما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ، ثم قال: «وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر ونزول الرحمة بهم إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث، فهو كاذب ضال مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾، وقال: ﴿أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾، فكيف يكن المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب؟ وهو القائل تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾.\nوتتمة لذكر أحوال القطب وعلاماته ومقامته وأعوانه وغير ذلك فإن مما يعتقده الصوفية في تلك المملكة الباطنية وحول تلك الأسطورة من العقائدية الثابتة عند الصوفية كبيرهم وصغيرهم، والتي كانت من النتائج المباشرة لاعتناق فكرة الغنوصية (^١)، أن وجدت خرافة المملكة الباطنية، بجناحيها القطب الغوث والمحكمة الباطنية أو «الديوان» أرضًا خصبة عند أولئك الذين يستهويهم الضلال والإضلال، وعمى البصر والبصيرة.\nويحسن إعطاء نبذة عن فكرة الديوان الصوفي الباطن، وأين مكان اجتماعه؟ ومن له حق الحضور، وفيما يقضي هذا الديوان حسب زعمهم، (^٢) حتى يستبين لك الأثر السيئ الذي تجره تلك المضامين الباطلة، التي لا تستند إلى دليل من كتاب الله ولا\n_________\n(^١): «الغنوص كلمة يونانية في الأصل «المعرفة»، غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحيًا خاصًا هو إدراك الأسرار الإلهية بواسطة الكشف؛ والذي أعطاها هذا المعنى طائفة من المفكرين، عاشوا في القرون الأربعة الأولى من ميلاد المسيح، ومنهم يهود ومسيحيون ووثنيون، وأهم ما يدينون به هو الثنائية بين المادة والذات الإلهية، ومحاولة اجتياز الفاصل بينهما عن طريق سلسلة الوسطاء.\n(^٢) كتاب هذه هي الصوفية (ص ١٥٩ - ١٦٠) ومجلة الهدي النبوي العدد ٥ سنة ١٣٨٦ هـ.","vol":"2","page":341},{"text":"من سنة رسوله ﷺ بل ولا يوجد واقع يؤيدها، وبذلك تكتمل عندك سورة «المملكة الباطنية» وما فيها من أساطير، وأول ما نبدأ به من حديث عن هذه العقائد الباطنية ما يسمى:\n\n<span data-type='title' id=toc-117>الديوان أو المحكمة الباطنية:</span>\nولأقطاب الصوفية محكمة باطنية، أو ديوان يجتمع فيه القطب ورجاله، لتصريف أقدار الوجود، ومكان الديوان غار حراء، ووقته ساعة الاستجابة من ثلث الليل الأخيرة ورئيس الديوان هو القطب الغوث، ومكان جلوسه خارج الغار، وعن يمينه يجلس أربعة أقطاب على مذهب مالك، وعن يساره ثلاثة أقطاب من كل مذهب واحد، أما وكيل القطب، ويسمى قاضي الديوان، فيجلس أمام القطب، ومن يتكلم نائبًا عن جميع أهل الديوان، وهنالك ستة صفوف من وراء الوكيل، ويتكون الصف الأول من سبعة الأقطاب، ويحضر الديوان بعض الكمل من الأموات، وقد رآهم الدباغ واستقبلوه أحسن استقبال في الديوان، وكيف يحضر الموتى إلى هذا الديوان؟ يجيب الدباغ بأنهم يطيرون إليه من البرزخ بطيران الروح حتى إذا شارفوا الديوان هبطوا إلى الأرض، ومشوا على أقدامهم.\nويشهد جلسات الديوان الملائكة والجن؛ ليعينوا أهل الديوان في تصرفاتهم وأحيانًا يحضره النبي ﷺ، فيتخذ مكان الغوث، ويتخذ الغوث مكان الوكيل، ويدخل الملائكة في نور النبي ﷺ فلا يظهر منهم ملك، أما في ليلة القدر، فيشهده جميع الرسل والملائكة والرسول وزوجاته جميعًا، والصغار من الأولياء يحضرونه بذواتهم، أما الولي الكبير فيحضره بذات من ذواته، وتبقى في البلد الذي هو فيه ذاته لا تغيب عن أهل البلد.\nويكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء مرة في العام في موضع يقال له زاوية «أسا» خارج أرض سوس، بينها وبين أرض غرب السودان، فيحضره أولياء السودان، ويجتمعون في غير هذين الموضعين السابقين؛ لأن الأرض لا تطيقهم (^١).\nهذا هو الديوان الصوفي، كما وصفه كاهن صوفي كبير نقلته بلفظه نفسه، بل قل: هذه هي أسطورة الوثنية المخبولة الحمقاء، وكم للصوفية مثلها من أساطير.\nومن هذه الأساطير المخزية ما يدعونه من أن غياب القطب الغوث يسبب اضطرابًا\n_________\n(^١) (ص ٢ - ٩ ج ٢) الإبريز للدباغ.","vol":"2","page":342},{"text":"في الديوان ويحدث بين أهله ما يوجب اختلافهم (^١).\nوسبب غياب القطب يكون لأمرين (^٢):\nأحدهما: سكره وفناؤه في مشاهدة الحق.\nوالآخر: كونه في بداية توليته عقب موت الغوث الذي كان قبله.\nوأما عن عمل أهل الديوان: فيزعمون أنه حين يجتمع الأقطاب يتكلمون في تصريف أقدار الوجود وفيما يحفظ عليه بقاؤه، وفيما يحتاج إليه أهله في اليوم المستقبل والليلة التي تليه، ولهم التصرف في ملكوت السماوات والأرض، وفي عرش الله وفيما فوق العرش، وفي خواطر الناس وهواجسهم.\nوهذه «الأسطورة أتفه من أن يبذل الحق جهدًا، ليقضي عليها ببرهان، غير أن وراءها كتبًا، وكبار شيوخ، والذين عميت بصائرهم، وعقولهم يظنون أنه لا يوجد في الكتب إلا الحق، وأن كبار الشيوخ لا يكذبون، يظنون أن الأمر ما دام في كتاب فهو حق، وما دام يجري على لسان شيخ كبير فهو صدق بيِّن، آمنوا بكتب الناس وبالشيوخ، وكفروا بكتاب الله وبالرسول ﷺ، ومن هذا أُتي المقلدون في دينهم وعقولهم».\nيقول ربنا سبحانه: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون * يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون * ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾، وهؤلاء الشيوخ يحكمون بأن لهم أولياء من دون الله يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض، مما فوق العرش، وأن الأمر كله يعرج إلى القطب الغوث الذي يعلم الغيب والشهادة.\n_________\n(^١) هذه هي الصوفية ص ١٩٣.\n(^٢) مجلة الهدي النبوي عدد ٥ لسنة ١٣٨٦ هـ ص ١٧.","vol":"2","page":343},{"text":"«ومَن ادَّعى أنه يعرف ما قال رسول الله ﷺ فقد باء بغضب من الله، ومن ادَّعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم، وأنهم على ماذا يموتون عليه ويختم لهم-بغير الوحي من قول الله وقول رسوله-فقد باء بغضب من الله».\n<hr><s0>\n\nوعن دعاوى هؤلاء قال ابن عربي في الفتوحات المكية: (وهم اثنا عشر نقيبًا في كل زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد بروج الفلك الاثني عشر، كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات …\nواعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها، ومعرفة مكرها وخداعها، وإبليس مكشوف عندهم، يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه، وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقيّ مثل العلماء بالآثار والقيافة\" (^١)\nوقال الجرجاني في تعريفاته: \"القطب، وهو الغوث: عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان، وهو على قلب إسرائيل ﵇.\nالإمامان: هما شخصان، أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت، والآخر عن يساره، ونظره في الملك، وهو أعلى من صاحبه، وهو الذي يخلف الغوث.\nالأوتاد: عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة.\nالبدلاء: هم سبعة، ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهم على قلب إبراهيم ﵇.\nالنجباء: أربعون، وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فلا يترفون إلا في حق الغير.\n_________\n(^١) ضحى الإسلام لأحمد أمين (ص ٢٤٥) ط القاهرة ١٩٥٢ م.","vol":"2","page":344},{"text":"النقباء: هم الذين استخرجوا خبايا النفوس، وهم ثلاثمائة\" (^١)\nوقال داود بن محمود القيصري: \"ولهم مراتب. الأولى مرتبة القطبية، ولا يكون فيها أبدًا إلا واحد بعد واحد، ويسمى غوثا، لكونه مغيثًا للخلق في أحوالهم.\nثم مرتبة الإمامين، وهما كالوزيرين للسلطان. أحدهما صاحب اليمين، وهو المتصرف بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب، وثانيهما صاحب اليسار، وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة. وعند ارتحال القطب إلى الآخرة، لا يقوم مقامه، منهما وإلا صاحب اليسار، لكونه أكمل في السير من صاحب اليمين: لأنه، بَعْدُ، ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك، وصاحب اليسار نزل إليه، وكملت دائرته في السير والوجود.\nثم مرتبة الأربعة، كالأربعة من الصحابة، ﵃ أجمعين! ثم مرتبة البدلاء السبعة، الحافظين للأقاليم السبعة. وكل منهم قطب للإقليم الخاص به.\nثم مراتب الأولياء العشرة، كالعشرة المبشرة. ثم مراتب الاثني عشر، الحاكمين على البروج الاثني عشر، وما يتعلق بها ويلزمها من حوادث الأكوان. ثم العشرين والأربعين والتسعة والتسعين، مظاهر الأسماء الحسنى، إلى الثلاثمائة والستين.\nوهؤلاء قائمون في العالم على سبيل البدل، في كل زمان، ولا يزيد عددهم ولا ينقص إلى يوم القيامة. وغيرهم من الأولياء يزيدون وينقصون، بحسب ظهور التجلي الإلهي وخفائه.\nوبعدهم: مرتبة الزهاد والعبّاد والعلماء من المؤمنين، الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين.\nوجميع هؤلاء المذكورين، داخلون في حكم القطب.\nوالأفراد الكمّل، الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إلا في الخلافة، هم الخارجون من حكمه. فإنهم يأخذون من الله، سبحانه، ما يأخذون من المعاني والأسرار الإلهية بخلاف الداخلون في حكمه، فإنهم لا يأخذون شيئا إلا منه\" (^٢)\nإلى غير ذلك من الترهات التي جاء بها هؤلاء.\nومما يدِّعيه هؤلاء من أن لهم علم الباطن وهذا حالُ الباطنية، وهذا موجود عند\n_________\n(^١) التعريفات للجرجاني ص ١٥٤.\n(^٢) «شرح مقدمة التائية الكبرى» للقيصري مخطوط (ص ١٠٤) نقلا عن كتاب «ختم الأولياء» للترمذي الحكيم (ص ٤٩٥) ط بيروت.","vol":"2","page":345},{"text":"المتصوفة وغيرهم؛ أنهم يقولون نحن علماء الباطن وأنتم علماء الظاهر، أو نحن علماء الحقيقة وأنتم علماء الشريعة، فهذا كله من الدعاوى الباطلة، وهؤلاءِ أرادوا أن يُفسدوا الدين من جهةِ أن يجعلوا له معانٍ ظاهرة ومعانٍ باطنة، فهذه النصوص واضحةُ المعاني معلومةُ المعاني والله ﷿ خاطبنا بما يظهرُ منها.\nوإن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو تفريقهم بين الحقيقة والشريعة وادعاؤهم بأن الحقيقة غير الشريعة.\nومصطلح الشريعة والحقيقة مصطلح خاص بهم وكل من قرأ في كتب المتصوفة يجد بأن المتصوفة يكررون هذا المصطلح بكثرة وهو في الحقيقة لا يبعد كثيرا عن مصطلح الظاهر والباطن الذي وضعه الباطنية كمصطلح خاص بهم إلا أن الصوفية قد شاركوا الباطنية في مصطلح الظاهر والباطن أيضا، وكلا المصطلحين وضعهما الصوفية والباطنية ليهدموا بهما الشريعة الإسلامية ويقضوا عليها.\nويعني المتصوفة بهذين المصطلحين بأن هناك في الإسلام علمين علم يخص أهل الظاهر وهي الشرعية الإسلامية التي جاء بها الرسول ﷺ بكل ما فيها من عقائد وعبادات وآداب وأخلاق وسلوك وهذا علم يرتفع عنه المتصوفة ويرون الوقوف عند هذا العلم انحطاطا وأن الإنسان الذي تعلم العلم الشرعي \" الكتاب والسنة \" يعتبر في نظر المتصوفة في درجة العوام الذين لا يعتد بفتواهم.\nوالعلم الثاني العلم الذي يطلق عليه المتصوفة علم الحقيقة وهو الذي يعبرون عنه بالعلم اللدني ويعتقد المتصوفة بأن هذا هو العلم النافع وهو الذي من عرفه يستحق أن يسمى عالما في زعمهم.\nوأما الكيفية التي ينال بها هذا العلم اللدني حسب زعم المتصوفة فهي المجاهدة التي إذا استمر عليها الإنسان ينزل عليه علم الحقيقة من الله والذي يقولون عنه أنه سر من أسرار الله لا ينزله إلا على قلوب الخاصة ويعنون بهذا أنفسهم لأنهم يقولون لا ينزل هذا العلم إلا على أولياء الله وقد حصروا الولاية في أنفسهم.\nومن هنا بعد القوم عن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها الرسول ﷺ من عند الله وفيها هدى ونور أصبحوا يبحثون عن الهداية والوصول إلى مرضاة الله عن طريق علمهم المزعوم والذي وصفوه بأنه بعيدا كل البعد عن المعاني التي تدل عليها النصوص القرآنية والحديثية على حسب الأساليب المعروفة في اللغة العربية وكل من اعترض على تفسيرهم الباطل سدوا عليه الباب بأن هذا علم الحقيقة أو علم","vol":"2","page":346},{"text":"الباطن وأن هذا العلم لا يدركه إلا أهل الحقيقة ويعنون أنفسهم ولذا لا ينبغي لأهل الرسوم أن يعترضوا عليهم لأنهم يجهلون هذا العلم ولقد صرح المتصوفة بأن هناك علما يسمى علم الحقيقة يختلف تماما عن علم الشريعة الذي جاء به الرسول ﷺ وإليك النصوص من كتبهم أنفسهم.\nقال المنوفي في كتابه (جمهرة الأولياء): \"إن القوم يرجعون بسند طريقهم إلى الرسول ﷺ من حيث إن جبريل ﵇ نزل بالشريعة أولًا فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوة … من أعمال الشريعة فخص الرسول ﷺ بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض\" ثم قال في نفس الصفحة:\n\"وأول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي وذكر السلسلة الصوفية في تلقي العلوم اللدنية إلى أن وصل إلى الجنيد الذي قال عنه أنه صحب الشافعي في علوم الظاهر ثم صحب وأخذ عن خاله السري السقطي علوم الباطن وعن الجنيد أخذ المحاسبي ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا\" (^١).\nوقد ذكر ابن عجيبة في \" الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية\" شرح الحديث المكذوب على الرسول ﷺ والذي هو: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله» (^٢) ثم ذكر في نفس الكتاب شرح هذا الحديث المكذوب فقال: \"قال بعضهم في شرح هذا الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ومن جهل شيئا عاداه\" (^٣).\nوينبغي أن نتذكر جيدا بأن المتصوفة يقصدون بكلمة العوام علماء الأمة الإسلامية من محدثين ومفسرين وفقهاء.\nفمن النصوص المتقدمة نخرج بالنتائج الآتية:\nأثبتنا بأن المتصوفة يقولون بأن هناك حقيقة تختلف عن الشريعة ومع هذا فإننا\n_________\n(^١) «جمهرة الأولياء» للمنفوي (١/ ١٥٩).\n(^٢) قال ابن تيمية في «درء التعارض» (٥/ ٨٥) ليس له إسناد صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٩) إسناده ضعيف، وقال الألباني في «الضعيفة» (٨٧٠) ضعيف جدا.\n(^٣) «الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية» لابن عجيبة على هامش «إيقاظ الهمم في شرح الحكم» لابن عجيبة على هامش (١/ ٢٩).","vol":"2","page":347},{"text":"نلاحظ أيضا بأن البعض منهم قالوا إنها نزلت على الرسول بعد استكمال الشرعية.\nوالبعض الآخر قال: إنها أسرار الله يبديها الله لأوليائه.\nوكلا القولين تترتب عليهما أمورا خطيرة.\nوادعاء أن لها علم باطن هذا فيه اتهامٌ للنبي ﷺ أنه كتمَ الحق فأظهرَ لنا أمرًا وأخفى عنا غيره، وهذا الذي يزعمه هؤلاء؛ أن الذي أظهره النبي ﷺ هذا هو الظاهر، وأن ما عندهم هو علم الباطن، فكل هذا من الافتراء والكذب ومحاولة تشويه دين الإسلام.\nفالله تعالى أنزلَ كتابًا وأرسلَ رسولًا، وهذه الآيات وهذه النصوص وهذه المعاني واضحة بيِّنة لأنها بلسانٍ عربيٍّ مبين ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] فهو بيِّن واضح ليس للأمرِ ظاهر وباطن كما يزعم هؤلاء الذين أرادوا تحريفَ دينِ الإسلام.\nوفي سبيل ترويج باطلهم أظهروا ما يسمى بالذوق والكشف والوجد\nفجعلت الصوفية «الذوق» هو وسيلة المعرفة، دون الشرع والعقل، فقصرت رحمة الله على فئة قليلة في عباده، وصيَّرت الإنسان كمن يمشي في ضوء الشمس وهو مغمض عينيه، فلا يستفيد من ضوئها، أو كمن يحاول أن يبصر في الظلام فلا يستفيد من عينيه.\nوبذلك اختلفت طرائقهم وأفكارهم، وصارت مصادر المعرفة عند الصوفية مختلفة ومتباينة؛ لأن كل صوفي يتحدث عنها من واقع تجربته الخاصة.\nومن هذا المنطلق كتب الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ في كتابه «هذه هي الصوفية» عن مفهوم الذوق عند الصوفية، يقول: إن الصوفية تعتقد أن الذوق الفردي لا الشرع، ولا العقل هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها لمعرفة الله وصفاته، وما يجب له، فهو - أي الذوق - الذي يقوم حقائق الأشياء ويحكم عليها بالخَيْرِيَّة أو الشَّرِّية، بالحُسُنِ والقُبْحِ، بأنها حق أو باطل، فلا جَرَمَ أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة، ولا عجب أن ترى النِّحلَةَ منها تخضع لصنم يكفر به سواها من النِّحل الصوفية، لا عجب في ذلك كله ما دامت تجعل «الذوق» (^١) الفردي حاكمًا وقيمًا على المسميات وأسمائها (^٢).\n_________\n(^١) يعني الذوق الخاص بكل إنسان ونتيجة لهذا يصبح الدين والأخلاق بلا معيار ولا ميزان.\n(^٢) كتاب «هذه هي الصوفية» تأليف الشيخ عبد الرحمن الوكيل (ص ٣٣).","vol":"2","page":348},{"text":"وعن تعريف كلمة الذوق عند الصوفية، يذكر الشيخ الوكيل ﵀ جانبًا من التعريفات التي قالوها:\n١ - يعرف القيصري الذوق بقوله (^١): «ما يجده العالم على سبيل الوجدان والكشف، لا البرهان والكسب، ولا على طريق الأخذ بالإيمان والتقليد» (^٢).\n٢ - أو هو: «أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث في التجلي البرقي» (^٣).\n٣ - ويقول ابن عربي: «اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة» (^٤) (^٥).\nوفي مجال إبراز مدى اعتقاد الصوفية في أن «الذوق» هو وسيلة المعرفة لديهم يقول الشيخ الوكيل يقول: «كل صوفي يؤمن بأن الذوق وحده وسيلة المعرفة، أما العقل عندهم فهو طاغوت أخرق، وأما الشرع فمادية تنشب مخالبها في الصخر دون أن ترمق السماء بنظرة واحدة، وهو نوع من عبادة التاريخ الميت، ولهذا تتباين عندهم قيم الأشياء تبعًا لتباين الذوق!! (٥).\nوأما الكشف فقد روجت الصوفية لفكرة الكشف، ويتفيهقون بأن مرتبة الكشف وراء طور العقل، وبأن مرتبة الكشف هي نيلُ ما ليس له العقل يَنَال، لا نَيْلُ ما هو ببديهة العقل محال.\nويشرح الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ معنى «الكشف» عند الصوفية قائلًا: يعرف الصوفية الكشف بأنه الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا، والله سبحانه هو القائل: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾.\nوردًا على مقولتهم الباطلة: «وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال». يقول ﵀: من الذي جعل من الشرع قسمًا لا يناله العقل؟ بل الكشف، من قال هذا؟ ومن أين جاءوا بهذا؟ وهل في مقدور كل مسلم الكشف والمعاينة؟ يجيبون هم بأن هذا لخواص الخواص!! وهذا يستلزم أن الخواص والعوام لا يمكن أن يصلوا إلى معرفة\n_________\n(^١) طبقات الصوفية للسلمي ص ١٨١.\n(^٢) «مطلع خصوص الكلم» (ص ١٩٣).\n(^٣) (جامع الأصول للكمشخانلي ص ١٠١\n(^٤) (فصوص الحكم ص ١٠٧).\n(^٥) كتاب هذه هي الصوفية (ص ١٣٧). ويعني بالعين الواحدة: الذات الإلهية!!.","vol":"2","page":349},{"text":"أهم حقائق الشرع، ثم ما هذا الذي لا يظهر إلا بالكشف؟! إن كان هو عين ما في الشريعة فما للكشف فائدة إذًا.\nوإن كان غير ما فيها، قالوا بجواز عبادة الله بغير ما شرعه الله، وتلك هي الطامة الكبرى (^١).\nوكل صوفي يؤمن بالكشف، بل يزعمون أن الكشف أدنى مراتب الولي، والكشف يحصل بأسباب منها كما يروى عن الغزالي:\n١ - التنبيه، وسماع الغناء منبهٌ.\n٢ - ومنها صفاء القلب، والسماع يؤثر في تصفية القلب.\n٣ - ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع.\nإذًا فسماع الغناء أقوى الأسباب عند الغزالي للكشف؛ فأي كشف هذا؟ حسب الغزالي هويًا إلى أعماق الهاوية أن يزعم أن رؤية الله تحصل بسماع الغناء.\nبل يرون مساواة الولي للنبي في انكشاف الحقائق:\nفمن الصوفية من يفضل الولي على النبي؛ إذ يزعمون أن الولي يوحى إليه بلا واسطة، أما النبي فبواسطة، وزعيم هؤلاء ابن عربي، والغزالي يزعم أن الولي تنكشف له الحقائق، كما تنكشف للنبي ﷺ، ولا فرق بين الاثنين إلا في أن النبي كلف بإصلاح الخلق، وبذلك يقول: «إخبار الرسول عن الغيب وأمور في المستقبل، وإذا جاز للنبي جاز لغيره؛ إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق، ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبّيًا بل وليًّا».\nوأما الذوق فإن الصوفية عندما تحدث عن وسيلة المعرفة عند الصوفية يعرفونها بأنها تقوم على الذوق والكشف، دون العقل والشرع، ساق في هذا المجال بعضًا من التعريفات التي اصطلح عليها كبار شيوخ الصوفية، كالقصيري، وابن عربي في تعريف الذوق.\nفالقصيري يعرف الذوق بقوله: «ما يجده العارف على سبيل الوجدان والكشف لا البرهان والكسب، ولا عن طريق الأخذ بالإيمان والتقليد، وهو أول درجات شهود الحق بالحق. في أثناء البوارق المتتالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي».\n_________\n(^١) مصرع التصوف للبقاعي (ص ١٨٨، ١٩٢) - تحقيق عبد الرحمن الوكيل.","vol":"2","page":350},{"text":"كما يذكر عن ابن عربي قوله:\n«اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله، مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة».\nوالمعروف عن التصوف أنه على نوعين:\nالنظري «الإشراقي»: والغاية منه معرفة الله «بالذوق» واكتناه أسرار ربوبيته بالمواجيد.\nالتصوف العملي: وهو قائم على الرياضيات والمجاهدات، أي على الذكر والزهد والعبادة وفي الحقيقة لا يمكن التفرقة بينهما، لأن النظري وليد العملي، لأن النظرية وليدة التطبيق (^١).\nولقد أكثر الصوفية في كلامهم عن الحديث عن المحبة والفناء، وجعلوا الذوق هو طريق المعرفة الحقة، وأن الشريعة للعوام، وأن الحقيقة للخواص، وأن لكل شيء ظاهر وباطن، فمن ثم اتسم فكرهم عن الجانب الإلهي بالغموض والإبهام، وظهرت فيه آثار الغنوصية (^٢) والباطنية، مما دعى بعض الباحثين إلى التساؤل، عما إذا كان هناك علاقة بين غلاة الصوفية والباطنية والإسماعيلية والفلاسفة (^٣).\n_________\n(^١) هذه هي الصوفية (ص ١٦٦).\n(^٢) انظر الغنوصية فصل وسيلة المعرفة عند الصوفية.\n(^٣) يقول الدكتور محمد السيد الجليند في كتاب «من قضايا التصوف» (ص ٨٦): ومن يقرأ تاريخ القرن الثالث والرابع الهجريين وظروف نشأة هذه الفرق لابد أن يدرك الخيوط القوية بين هذه التيارات الجديدة الغريبة على الحياة الإسلامية، ولابد أن يدرك أن هناك خيوطًا مشتركة وعقلًا يفكر وينظم فليس من قبيل المصادفة، أن تجد فكرة الظاهر والباطن قاسمًا مشتركًا بين كل هذه الطوائف وليس من قبيل المصادفة أن تجد خصائص وأوصاف الإمام عند الشيعة هي أوصاف القطب، والولي عند الصوفية، وهذه العلاقة القوية أشار إليها ابن خلدون في المقدمة (ص ٢٢٣)، ويقول الدكتور الجليند أيضًا (ص ٧٩): ومن جهة أخرى لو قارنا بين فكرة الظاهر والباطن عند الباطنية، والحقيقة والشريعة عند الصوفية، سوف نجد صلة قوية بين الفكرتين. [فتحي عثمان].","vol":"2","page":351},{"text":"«ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته-ويشير في ذلك إلى غير الأيد والعصمة والتوفيق والهداية-وأشار إلى صفاته ﷿ القديمة-فهو حلولي قائل باللاهوتية (^١) والالتحام، وذلك كفر لا محالة».\n<hr><s0>\n\nهذا هو الحلول والاتحاد الخاص؛ وهو أن يتحد اللاهوت بالناسوت، فهم يرون أن صفات الخالق تَحل في صفات المخلوق، فعند ذلك يزعمون أن الله حَلَّ في شخصه، وقد صرخ أحدهم في بعض جلساته، وزعم أنه هو الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهل هنالك كفر أعظم من ذلك؟! والله المستعان.\n_________\n(^١) اللاهوتية: نسبة إلى (لاهوت)، وهو عند النصارى: العلم الذي يبحث في وجود الله وذاته وصفاته. انظر: «المعجم الفلسفي» (ص ١٦٠).\nويقصد المؤلف هنا: أن من زعم أن صفات الله قائمة بصفته فهو قائل بمذهب فرقة (النسطورية) من النصارى القائلين: إن اللاهوت حلَّ في الناسوت كحلول الماء في الإناء. ومعنى اللاهوت: أي: الإله، والناسوت: عيسى. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٧١)، و«الملل والنحل» (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠).","vol":"2","page":352},{"text":"«و<span data-type='title' id=toc-118>(الفراسة)</span> حق على أصول ما ذكرناها، وليس ذلك مما سميناه في شيء».\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-119>تعريف الفراسة:</span>\n• قال الراغب الأصفهاني: هي الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله.\n• وقال فخر الدين الرازي: الفراسة هي الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.\nويقسمها ابن القيم (في كتاب مدارج السالكين) (^١) إلى ثلاثة أقسام:\n\n• الفراسة الإيمانية: وهي نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.\nوحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدُ فراسة … وهذا النوع مصاحب للأنبياء والصالحين وأهل العلم والايمان.\n• فراسة الرياضة والجوع: فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، وهي من أبطل الباطل، وللرهبان فيها وقائع معلومة، وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم.\n• الفراسة الخلقية: وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخِلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل وبكبره على كبر العقل، وبسعة الصدر وبعد ما\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٦","vol":"2","page":353},{"text":"بين جانبيه على سعة خلق صاحبه واحتماله وبسطته، وبخمود العين وكلال نظرهما على بلادة صاحبها، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه …\n• وقال ابن القيم \" فراسة المتفرس تتعلق بثلاث \" بعينه وأذنه وقلبه:\n• فعينه: للسيماء والعلامات … أي لملاحظة العلامات الوجهية والجسدية والخلقية والتفرس فيها.\n• وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه ومنطوقه ومفهومه وفحواه وإشارته ولحنه وإيمائه ونحو ذلك.\n• وقلبه: للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه … بمعنى إدراك القول الملفوظ والفعل المفعول، وفهم المقصود من وراءه في النية والقلب. (^١)\nولإتقان الفراسة سببان كما يرى ابن القيم:\n• أحدهما: جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته.\n• والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه … أي ظهور العلامات الوجهية والجسدية والخلقية.\nفإذا اجتمع السببان، لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>الفراسة في الكتاب والسنة:</span>\n• قال تعالى \" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ \" (الحجر: ٧٥) - ذكر عدد من أهل العلم أن هذه الآية عن أهل الفِراسة، وهم المتفرسون الآخذون بالسيما، وهي العلامة (السمات الخلقية).\n• قال تعالى: \" وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ \" (محمد: ٣٠)\n• قال تعالى: \" تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ \" (البقرة: ٢٧٣)\n• قال ﵊ \" إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم (^٢) \" رواه\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٤٥٦\n(^٢) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: ١٠/ ٢٧١ وإسناده حسن.","vol":"2","page":354},{"text":"البزار (^١) والطبراني في الأوسط (^٢)\n• جاء في الأثر عن رسول الله انه قال \" اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله \" رواه الترمذي (^٣).\n_________\n(^١) البحر الزخار المعروف بمسند البزار: ١٣/ ٣٢٦ وقال: لا نعلم رواه عن ثابت، عن أنس إلا أبو بشر.\n(^٢) المعجم الأوسط: ٣/ ٢٠٧ وقال: لم يروه عن ثابت إلا أبو بشر ولا عن أبي بشر إلا أبو عبيدة.\n(^٣) سنن الترمذي: ٣١٢٧","vol":"2","page":355},{"text":"وقوله: «ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة».\n<hr><s0>\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.\nوكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: \"النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح\".\nوقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: \"سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب\"، إلى أن قال: \"والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة\".\nوصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتابًا كبيرًا في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) \" (^١)\nيقول ابن تيمية: (والأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم ولا تفنى، ولكن موتها بمفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان) (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٢١٦ - ٢١٧\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٧٩","vol":"2","page":356},{"text":"«ومن قال: إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى-النسطورية-في المسيح، وذلك كفر بالله العظيم».\n<hr><s0>\n\nمن طوائف النصارى: النسطورية واليعقوبية.\nفالنسطورية: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه، وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة، قال: إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: (الوجود والعلم والحياة)، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.\nوأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يُثبت خواصَّ مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله، قال: هو واحد بالجوهر. أي: ليس هو مركبًا من جنسين، بل هو بسيط وواحد.\nويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي: أصلين مبدأين للعالم، ثم فسَّر العلم بالنطق والكلمة، ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودًا حيًّا ناطقًا، كما تقول الفلاسفة في حدِّ الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان؛ لكونه جوهرًا مركبًا، وهو جوهر بسيط غير مركب.\nوبعضهم يُثبت لله تعالى صفات أُخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما، ولم يجعلوها أقانيم، كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.\nومنهم مَنْ أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حيٌّ ناطق إله، وزعم الباقون أن اسم الإله لا يُطلق على كل واحد من الأقانيم، وزعموا أن الابن لم يزل متولدًا من الأب، وإنما تجسَّد واتحد بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتَّحَدَا.\nوهما جوهران أقنومان طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث إله تام وإنسان","vol":"2","page":357},{"text":"تام، ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحًا واحدًا طبيعة واحدة، وربما بدَّلوا العبارة، فوضع مكان الجوهر الطبيعة ومكان الأقنوم الشخص، وأما قولهم في القتل والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية.\nقالوا: إنَّ القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته؛ لأن الإله لا تحلُّه الآلام.\nومن النسطورية قوم يُقال لهم: المصلين. قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة وترك التغذي باللحم والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفَّى جوهره حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله تعالى جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.\nومن النسطورية مَنْ ينفي التشبيه، ويُثبت القول بالقَدَر خيره وشره من العبد، كما قالت القدرية (^١).\nوأمَّا اليعقوبية فهم أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده، بل هو هو.\nوعنهم أخبرنا القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٣].\nفمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى.\nومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان. أو: ظهر الشيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التنزيل عن جبريل ﵇: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].\nوزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركَّبَا تركيبًا، كما تركبت النفس والبدن، فصارا جوهرًا واحدًا أقنومًا واحدًا، وهو إنسان كله وإله كله.\n_________\n(^١) «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٢٦٨).","vol":"2","page":358},{"text":"فيقال: الإنسان صار إلهًا. ولا ينعكس فلا يقال: الإله صار الإنسان. كالفحمة تطرح في النار، فيقال: صارت الفحمة نارًا. ولا يقال: صارت النار فحمة. وهي في الحقيقة لا نار مطلقة، ولا فحمة مطلقة بل هي جمرة، وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي، ولربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج والادراع، والحلول كحلول صورة الإنسان في المرآة المجلوة (^١).\n_________\n(^١) «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٢٧٠).","vol":"2","page":359},{"text":"«ومن قال: إن شيئًا من صفات الله ﷿ حالٌّ في العبد، أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر؛\n<hr><s0>\n\nدعوى أن الله يحل في بعض الصور ذكرها غير واحد من علماء الفرق ونسبوها إلى غلاة الروافض ونسوق ها هنا تصنيف عبد القاهر البغدادي ﵀-لفرق المشبهة مختصرًا: (المشبهة الذين ضلوا بتشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة:\n• فمنهم «السبئية»: الذين سموا عليا إلها، وشبهوه بذات الله …\n• ومنهم «البيانية»: أتباع بيان بن سمعان (^١) الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفني كله إلا وجهه.\n• ومنهم «المغيرية» أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء.\n• ومنهم «المنصورية»، أتباع أبي منصور العجلي (^٢)، الذي شبه نفسه بربه وزعم أنه صعد إلى السماء …\n• ومنهم «الخطابية»، الذين قالوا بإلهية الأئمة، وبإلهية أبي الخطاب الأسدي (^٣)،\n_________\n(^١) بيان بن سمعان التيمي النهدي اليمني، ظهر بالعراق في أوائل القرن الثاني الهجري، زعم أن جزءًا إلهيًا حل في علي ثم في محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بيان نفسه، فلما ظفر به خالد بن عبد الله القسري قتله. الفرق بين الفرق ٢٣٧، الملل والنحل ١/ ١٥٢، مقالات الإسلاميين ٥.\n(^٢) أبو منصور العجلي، رجل من عبد القيس، عزا نفسه إلى أبي جعفر الباقر أولا، فلما تبرأ منه زعم أنه هو الإمام ودعا الناس إلى نفسه. وزعم أن عليا هو الكسف الساقط، وأنه عرج به إلى السماء، حتى وقف على قصته يوسف بن عمر الثقفي فصلبه. الملل والنحل ١/ ١٧٨، مقالات الإسلاميين ٩، الفرق بين الفرق ٢٤٣.\n(^٣) محمد بن أبي زينب الأسدي، كان يزعم أولا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، ثم ادعى الألوهية لنفسه، وخرج في أيام المنصور فقتله عيسي بن موسي والي الكوفة سنة ١٤٣ هـ. الملل والنحل ١/ ١٧٩، الفرق بين الفرق ٢٤٧، مقالات الإسلاميين ١٠.","vol":"2","page":360},{"text":"ومنهم الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر (^١).\n• ومنهم «الحلولية»، الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأثمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.\n• ومنهم «الحلولية الحلمانية»، المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي (^٢) الذي زعم أن الإله بحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة.\n• ومنهم «المقنعية المبيضة» في دعواهم أن المقنع (^٣) كان إلها، وأنه مصور في كل زمان بصورة مخصوصة.\n• ومنهم «العذافرة»، الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.\nوهذه الأصناف خارجون عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه\" (^٤)\nولم يقتصر الأمر على الروافض وإنما شاركهم في ذلك غلاة المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود كالحلاج وبن عربي وابن سبعين وابن الفارض والعفيف التلمساني.\nفالاتحادية يقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:\n\"عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى\".\n_________\n(^١) عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب. كان فتاكا سيء الحاشية واتهم بالزندقة، طلب الخلافة في أواخر دولة بني أمية سنة ١٢٧ هـ بالكوفة. مات سنة ١٣١ هـ. الأعلام ٤/ ١٣٩، تاريخ ابن خلدون ٣/ ١٢١، لسان الميزان ٣/ ٢٦٣.\n(^٢) أبو حلمان الدمشقي، كان أصله من فارس، ومنشؤه حلب، وأظهر بدعته بدمشق، وكان يقول بحلول الإله في الأشخاص ذوي الصور الحسنة، وكان يقول بالإباحية. الفرق بين الفرق ٢٥٩.\n(^٣) اسمه عطاء ويعرف بالمقنع الخراساني مشعوذ مشهور، ادعى الربوبية من طريق التناسخ، وتبعه قوم وقاتلوا في سبيله وكان مشوه الخلقة فاتخذ وجهًا من ذهب تقنع به، واشتهر أمره سنة ١٦١ هـ فثار الناس عليه فاعتصم بقلعة فاحتسي سما فمات بها سنة ١٦٣ هـ.\nالأعلام ٤/ ٢٣٥، الكامل ٦/ ١٧، وفيات الأعيان ١/ ٣١٩.\n(^٤) الفرق بين الفرق ٢٢٥ - ٢٣٠، مختصرًا. وانظر: مقالات الإسلاميين ١/ ١٠٦، ٢٨١، والملل والنحل ١/ ١٠٣.","vol":"2","page":361},{"text":"وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^١)\nوفي هذا يقول ابن عربي:\nفإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا … وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا\nوإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا\nفمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا\nفإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا\nفما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (^٢)\nلقد كان الحلاج من أعظم المصرحين بوحدة الوجود والفناء في ذات الله حتى أثر عنه ادعاء الربوبية، وضبطوا عليه كلمات قمة في الكفر كقوله «أنا الحق» و«سبحاني ما أعظم شأني» و«ما في الجبة الا الله».\nوقوله:\nمزجت روحك في روحي كما … تمزج الخمرة في الماء الزلال\nفإذا مسك شيء مسني … فإذا أنت أنا في كل حال (^٣)\nوقوله (^٤) الذي استحسنه الدوسري صاحب (الرحمة الهابطة):\nأنا من أهوى ومن أهوى أنا … نحن روحان حللنا بدنا\nفإذا أبصرتني أبصرته … وإذا أبصرته أبصرتنا\n_________\n(^١) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.\n(^٢) -بغية المرتاد ص ٥٢٧.\n(^٣) البداية والنهاية لابن كثير: ١١/ ١٣٤، تاريخ بغداد ٨/ ١١٥.\n(^٤) «أخبار الحاج» (١٦) «الطواسين للحلاج» (١٣٤) «تاريخ  بغداد» (8/ 129). «الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات وتحقيق الرابطة» (ص 112) بهامش المكتوبات.","vol":"2","page":362},{"text":"«أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر».\n<hr><s0>\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات في مسألة التبعيض: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:\n(الصنف الأول): صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.\nالصنف الثاني: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.\nالصنف الثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.","vol":"2","page":363},{"text":"الصنف الرابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (^١).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.","vol":"2","page":364},{"text":"«والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق؛ وأنه كيف ما تُلي وقرئ وحفظ فهو صفة الله ﷿؛ وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه ﷿ بجميع أسمائه وصفاته غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر».\n<hr><s0>\n\nاعتقاد السلف الصالح مِنْ أولهم إلى آخرهم: أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ جل وعلا قوله وإليه يعود ﷾، وهو كلام الله إذا تلي، وهو كلام الله إذا كتب، وهو كلام الله جل وعلا إذا حفظ، ففي أيِّ صفة كان تناوله العبد فهو كلام الله ليس بمخلوق.\nومعلوم أنه ثَمَّ فرق ما بين التلاوة وبين المتلو، وما بين الدراسة والمدروس، وما بين القراءة والمقروء، فكما قال أئمة السلف: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري جل وعلا، فالجهة منفكة لا تلازم بين التلاوة والمتلو؛ لأن التلاوة فِعل العبد والمتلو كلام الله جل وعلا، ولهذا بدَّع السلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن كلمة (لفظي) تحتمل أن يكون المراد التلفظ الذي هو عمل العبد؛ فتكون الكلمة صحيحة، وأما الملفوظ فهو كلام الحق جل وعلا فليس بمخلوق.\nلذا استعمل هذه اللفظة بعض أهل البدع والاعتزال والجهمية ليستروا قولهم بخلق القرآن؛ فاستعملوا قولًا محتملًا حتى لا يقعوا في المساءلة والعقاب.","vol":"2","page":365},{"text":"قوله: «ونعتقد: أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة».\n<hr><s0>\n\nيقصد بالقراءة الملحنة ما تفعله الصوفية، من قراءة القرآن بنوع من الطرب، وليس المقصود بالقراءة التي تقوم على أحكام التجويد، وإنما هي نوع من التطريب، فالمتصوفة بلغوا من الانحراف مبلغًا كبيرًا، بحيث يستمعون إلى من صورته جميلة وصوته جميل، وهيئته كهيئة النساء ويجتمعون عليه؛ ليقرأ لهم شيئًا من القرآن ببعض الألحان، وليس هذا من دين الله في شيء.\nفعندهم قراءة ملحنة وقصائد ملحنة تصحبها المعازف يتمايلون عليها، وقد تكون مشتملة على بعض الشركيات.\nوقد يفعلون هذ الغناء والإنشاد والمعازف في بيتٍ من بيوت الله ﷾، كل هذا تحت اسم الدين.\nوبعض مجالس السماع تقتصر على الرجال والبعض الآخر يختلط فيها النساء مع الرجال.\nويسمون هذا ب \"السماع\" وهو مصطلح استعمله الصوفيون للدلالة على الإنشاد الديني والذي يكون ضمن مجالسهم والذي عادة ما يقترن باستعمال آلات الموسيقى وبالرقص على هيئة معينة.","vol":"2","page":366},{"text":"قوله: «وأن القصائد بدعة. ومجراها على قسمين:\nفالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه، وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعِلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والرباعيات (^١) على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقَّاصين على أحكام الدين فِسق، وعلى أحكام التواجد والنغام (^٢) لَهْوٌ ولعب».\n<hr><s0>\n\nأشار هنا إلى أن القصائد الشعرية تكون على قسمين:\nقسم جائز.\nوقسم ممنوع.\nوقد أشار الله ﷿ إلى ذلك في محكم التنزيل بقوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «٢٢٧) الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٧،\nوقال النبي ﷺ «الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح» (^٣).\nفالشعر يمكن القول بأنه تنطبق عليه الأحكام الخمسة:\n_________\n(^١) الرباعيات: هي منظومات شعرية تتألف من وحدات، كل واحدة منها أربعة أشطر تستقل بقافيتها. «معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب» (ص ١٧٤، ١٧٥).\n(^٢) النغام: من النغمة، وجمعها: أنغام. وهي جرس الكلمة وحسن الصوت والطرب.\n(^٣) هذا الحديث ذكره البخاري في: «الأدب المفرد» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وقد اختلف المحققون في الحكم عليه فقد حسَّنه جماعة منهم: الهيثمي ﵀ في: «المجمع»، وضعفه آخرون كالحافظ ابن حجر ﵀ في: فتح الباري. وله شاهد من حديث السيدة عائشة ﵂ أخرجه البيهقي السنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٢٣٩ وصله جماعة والصحيح إرساله وقال الألباني (في السلسلة الصحيحة: ١/ ٨٠٨): إذا لم يكن له علة غير ابن ثوبان فهو حسن الإسناد لأن ابن ثوبان صدوق يخطئ.","vol":"2","page":367},{"text":"فمنه ما هو مباح: -وهو الأصل في الشعر-كالشعر المشتمل على موضوعات أدبية لا تتضمن شيئًا مما حرم الشرع.\nومنه ما يكون مستحبًا: وهو ما كان من الشعر في وصف الله جل وعلا وصف آلائه، ووصف الصالحين، والتذكير بالدار الآخرة، والجهاد وأشباه ذلك من المعاني الإسلامية والدينية العظيمة، فإن هذا مما أمر به؛ فإن الشعر الذي يحث الناس على مكارم الأخلاق، والفضائل، ويرشدهم لما ينفعهم، يعتبر من الكلام الحسن الذي يثاب عليه قائله، فالنبي ﵊ أنشدت الأشعار بين يديه، وقال ﵊ لحسّان بن ثابت «اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ معكَ» (^١) وهذا أمر ثابت متفق عليه بين أهل العلم.\nومنه ما يكون واجبًا: إذا كان دفاعًا عن الإسلام ومبادئه في مقابل الشعر الذي يحارب القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية، فإذا حورب الإسلام شعرًا وجب التصدي له من جنسه، وهذا ما كان يفعله شعراء الصحابة كحسان بن ثابت وغيره في مقابل شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ وأصحابه ويطعنون في الدين.\nومنه ما هو مكروه: وهو الذي يحصل بالتشاغل به عن غيره أيضا من العلم الواجب أو من العلم المستحب هذا لا ينبغي؛ بل الانشغال بالعلم الواجب والمستحب هذا لا شك أولى بل آثر أن ينشغل عنه بإنشاد الأشعار في المعاني الإسلامية العامة.\nولذلك ورد في السنة ذم لبعض حالات الشعر، والمقصود به الإكثار من ذلك حتى يشغله عن القرآن والسنة والتفقه في الدين.\nعن ابن عمر عن النبي ﷺ \" لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا (^٢) \"\nوقد بوب البخاري بابًا عن كراهة أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله.\nومنه ما هو محرم: كالشعر المشتمل على ما يخل بالعقيدة، أو ينافي الأخلاق الحميدة أو الأدب الرفيع، أو فيه دعوة إلى الباطل والمنكر والفحشاء، أو فيه هتك لأعراض المسلمين أو أذيتهم أو نحو ذلك، فكل هذا قبيح مذموم، ويعظم الجُرم فيه حسب الموضوع المشتمل عليه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري: ٤١٢٣\n(^٢) صحيح البخاري تحقيق طه عبد الرؤوف الدار الذهبية من ص ١٢٦١ إلى ص ١٢٦٣","vol":"2","page":368},{"text":"بل ومنه ما هو كفر وإلحاد كالشعر المشتمل على الدعوة لنبذ الأديان والتحرر من العقيدة والإباحية واستحلال الخمور والزنا وغيرها من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة.\nوقد يكون الشعر من النوع الأول المباح أو المستحب لكن يصاحبه أحوال محرمة مثل الغناء والمعازف والرقص والاختلاط واجتماع المردان ونحو ذلك فحرمته تأتي من هذا الوجه.","vol":"2","page":369},{"text":"«وحرام على كل مَنْ سمع القصائد والرباعيات الملحنة الجاري بين أهل الأطباع على أحكام الذِّكر، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد، ومعرفة أسمائه وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ﷿، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية [الزمر: ١٨]\nوكل مَنْ جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل مَنْ جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف ما وصفت من ذكر الله ونعمائه وما هو موصوف به ﷿ ما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا وصف؛ بل ترك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك: أنها بدعة، والفتنة فيها غير مأمونة».\n<hr><s0>\n\nقال ابن القيم: \"حال كثير من السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه، غير متبعٍ لسبيل الله التي بعث بها رسوله، وهذا هو اتباع الهوى بغير هدًى من الله. \" (^١)\nوقال ابن القيم: \"الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة، فالمقبول ما وافق الأمر وأريد به وجهُ الله، ولا يقبل الله عملًا سواه.\nوالمردود أن لا يكون خالصًا لله ولا موافقًا لأمره، أو ينتفي عنه أحدهما.\nفالمقبول ما وُجِد فيه الأمران، والمردود ما انتفى عنه الأمران أو أحدهما، ولهذا اشتدت وَصاة الشيوخ المستقيمين بهذا الأصل، وأخبروا أن من عدل عنه فهو مطرود وعن طريق قصده مصدود.\nفقال ابن أبي الحواري: من عمل عملًا بلا اتباع سنة فباطل عمله\" (^٢).\nوعن تطور هذه بدعة السماع يحدثنا ابن القيم ﵀ فيقول: \"فإنَّ أصل سماع القصائد كان تلحينًا بإنشاد قصائد مُرقِّقة للقلوب، تتضمن تحريكَ المحبة والشوق والخشية\n_________\n(^١) الكلام على مسألة السماع ص ١٦٠\n(^٢) الكلام على مسألة السماع ص: ١٥٨","vol":"2","page":370},{"text":"والحزن والأسف وغير ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلَّان، ويشترطون أن يكون المجتمعون لهذا السماع من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعر المسموع خاليًا عما تَحظُر الشريعةُ سماعَه وتكرهه، وبعضهم كان يشترط أن يكون القوَّال منهم، وبعضهم يشترط كون الذي أنشأ القصيدة من أهل الطريق، إلى غير ذلك من الشروط والأوضاع التي احترزوا بها من مُفسِدات السماع.\nولكن لما كان الأصل غيرَ مشروعٍ آل الأمرُ إلى ما آل إليه من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، لأنَّه من عند غير الله، فليس عليه حارسٌ وحافظ من الله، بل هو بمدرجة كل سالكٍ في الباطل، وهو مجمَعُ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السَّبُع وما ذُبِح على النُّصُب. ثمّ إنهَّم أضافوا إلى هذا الصوت ما يُنفِّذه ويُوصِله إلى شَغَاف القلب، من الآلات التي أخفُّها التغبير، وهو ضربٌ بقضيب على جلد أو مخدَّةٍ على توقيع خاص، فعظُمَ إنكارُ الأئمة لذلك كالشافعي وأحمد، فقال الشافعي: \"هو من إحداث الزنادقة\"، وقال أحمد: \"بدعة\".\nثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة، فتعدَّوها إلى حركة الدُّفوف، وهي أقبح من حركة التغبير، وفيها ما فيها، وزيادة التشبه بالنساء، فإنَّ الدفّ في الأصل إنما هو للنساء عادة ورخصة، وقد لعن رسول الله-ﷺ-المتشبّهين من الرجال بالنساء (^١).\nثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة حتى تعدَّوها إلى حركات الأوتار والعِيْدان، التي هي في الأصل من إحداث الفلاسفة أعداء الرسل، ثمّ ضمُّوا إلى ذلك حركة الرقص، التي سببها استخفاف الشيطان لأحدهم، وركوبه على كتفه، ودقُّه برجليه في صدره، وكلما دقَّه برجليه ورقَص على صدره رقصَ هو كرقص الشيطان عليه، وقد شاهد ذلك بعض أهل البصائر عيانًا، ثمّ ضمُّوا إلى صوت الغناء صوتَ اليَراع والشبابة وغيرها.\nفاقتضت هذه الهيئة الاجتماعية حركةً باطنة، فإنَّ استماعَ الأصوات المطربة يُثير حركةَ النفس بحسب تلك الأصوات، وللأصوات طبائع متنوعة بتنوع آثارها في النفس، وكذلك للكلام المسموع نظمه ونثره، فيجمعون بين الصوت المناسب والحرف المناسب، فيتولد من بينهما حركاتٌ نفسية تُثِير كامنَها وتُزعِج قاطنَها، وهذا أمر يشترك فيه بنو آدم من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، ويُثير من قلب كل\n_________\n(^١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٨٨٥) عن ابن عباس.","vol":"2","page":371},{"text":"أحدٍ ما فيه. ومعلوم أنَّ النفوس فيها الشهوات كامنة، ولكنها مقهورة مقيَّدةٌ لا بقيود الأوامر، فإذا صادفها السماع أحياها وأطلقها من قيودها، وافْتكَّها من أَسْرها، وأجلب عليها بكل مُعِين ومُمِدّ. وهذا أمر لا ينكره إلا أحد رجلين: إما غليظ كثيف الحجاب، وإما مكابر. فمضرة هذا السماع على النفوس أعظم من مضرَّة حُمَيّا الكُؤوس.\nولما كانت المفسدة فيه ظاهرة معلومة، أخرجه أهلُه في قالَبٍ يُلطِّف ما فيه من المنكر، فجمعوا عليه أخلاطًا من الناس، وقالوا: إنَّ هذا الاجتماع شبكةٌ نصطاد بها النفوسَ إلى التوبة، ونسوقُها بها إلى الله والدار الآخرة. ونعم واللهِ هو شبكة وأيُّ شبكة! يصطاد بها الشيطانُ النفوسَ المُبطِلة إلى ما هو أعظم من المعاصي الظاهرة، ويقودها بها إلى الغيّ والهوى، فلهذا نصَبه (١) هؤلاء الفسَّاق من المخانيث والزُّناة وعُشّاق الصور، فجعلوه شبكة لهم لصيدِ الأَغْيَد والغَيْداء والغَزَالِ والغزالة، ووضعوه على ما يليق بمقاصدهم من الأوضاع، فشرطوا أن يكون المغنِّي أمردَ جميلا، تدعو صورتُه وصوته وشكله ودَلُّه وحركاتُه إلى تعلق القلوب به وعشقه، فإن فاتَ فامرأةٌ كذلك، وإذا جمعَ السماعُ العاشقَ والمعشوقَ، وتقابلَا وتعانَقَا في الرقص:\nفظُنَّ شرًّا ولا تسألْ عن الخبرِ\nوإذا حضر المُردان الحِسان هذا السماعَ فهو عندهم الغاية، ولاسيما إذا ألبسوهم المُصبغاتِ، وزيَّنوهم كما تُزيَّن العرائسُ، وأخلَوا لهم طابق الرقص، ودار حولهم العشّاق والفسَّاق كالهالة حول القمر، وأداروا عليهم من الأعين النِّطاق، فللشيطان لا للهِ كم من زَعْقةٍ وصَرْخةٍ وزَفْرةٍ وأنَّةٍ وحَسْرة ووَجْدٍ وأسفٍ وحزنٍ، وكم من قلوبٍ تُشقَّق قبل الجيوب، وعبراتٍ تُسكَب في غير رضا علام الغيوب، فيا لها حضرةً ما أحبَّها إلى الشيطان! وما أبغضَها إلى الرحمن!\nويتزايد الأمر حتى يُغنُّوا بأشعارٍ طالما عُصِيَ الله بها في الأرض، من أشعار الفسّاق والفجّار، المتضمنة لتهييجِ النفوس على ما يُبغِضه الله ويَمقُت عليه، ومدْح ما حرَّمه ولعنَ فاعله، والابتهاجِ به، والافتخارِ بنيله، والتَبجُّح بالوصول إليه. وربما تعدَّوا ذلك إلى الغناء بالأشعار الكفرية التي تُحادُّ ما أنزل الله، كأشعار أهل الإلحاد من الاتحادية والحلولية، والأشعار المتضمنة لكثير من ألفاظ القرآن\" (^١)\nفهذه القصائد التي أحدثها هؤلاء المتصوفة لا تخلو من الشرك والغلو في\n_________\n(^١) الكلام على مسألة السماع: ص: ٢٠٧ - ٢١١","vol":"2","page":372},{"text":"الصالحين؛ لأن جل قصائدهم تدور حول تقديس أشخاص بأعيانهم، حتى إذا مدحوا النبي ﷺ غلوا في مدحه، فكل الفكر الصوفي يقوم على قاعدة تقديس الأشخاص، فلو كانت حتى مجرد قصائد فإنها لا تخلو من باطل وشطط وشطح.\nقال ابن القيم: \"واعلم أنَّ بدعة السماع تتضمن الغلوَّ في الدين واتباعَ الهوى والعَشْوَ عن ذكر الله، فإنهم حسبوا أنَّ هذه البدعة دين وقُربةٌ تُقرِّبهم إلى الله، وهذا من أقبح الغلو، وهو يوجب الانحراف عن الصراط المستقيم، واتباعُ الهوى يوجب الضلالَ عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].\nوالعَشْو عن ذكر الله يوجب مقارنة الشيطان له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وذكر الله هنا هو كتابه، ومن العشو عنه: التعوُّضُ عنه بسماع الشيطان المحدث.\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].\nفالشريعة التي جعله ربه عليها تتضمن ما أمره به ورضيه له، وكل عمل وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه الشريعة التي جعله عليها فباطل وضلال، وهو من أهواء الذين لا يعلمون، فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينًا، وينهى عما يُبغِضه ويذمّه إلا بهُدًى من الله، وهو شريعته التي جعل عليها رسوله، وأمره والمؤمنين باتباعها. ولهذا كان السلف يسمون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، فيذمُّونهم بذلك ويحذّرون عنهم، ولو ظهر عنهم ما ظهر من العلم والعبادة والزهد والفقر والأحوال والخوارق. (^١) \"\nوقد أشار ابن خفيف هنا إلى أن سماع هذه القصائد لابد أن يصاحبه علم بأحكام التوحيد ومعرفة لأسماء الله وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ﷿، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ حتى يميز به بين ما يجوز وما لا يجوز من تلك الأشعار والقصائد فهناك قصائد تخلو من الغلو المحرم وهناك قصائد مليئة بالغلو وتجاوز حدود ما حرم الله.\n_________\n(^١) الكلام على مسألة السماع: ١٦٢ - ١٦٣","vol":"2","page":373},{"text":"ولكن الإشكال الأكبر هو أن تلك القصائد وإن خلا بعضها من ذلك الغلو في بعض عباراتها لكن ما يصاحبها في واقعنا المعاصر من حركات وإيقاعات ورقصات مع الأحوال التي لا ينكرها أصحاب تلك الطرق والتي تتمثل بمرور الصوفي بأربع مراحل:\nالوجد: والتواجد ظهور ما يجد في باطنه على ظاهره، ومن قوي تمكن-قال أحدهم: إن الوجد مكاشفات، ألا تري أن أحدهم يكون ساكنا فيتحرك، ويظهر منه الزفير والشهيق؟؟ ويكون من هو أقوي منه ساكنا في وجده لا يظهر منه شيء من ذلك.\nوفرق بعضهم بين الجد والتواجد بقولهم: التواجد من الوجد بمنزله التباكي من البكاء.\nالغلبة: وهي حال يمر بها الصوفي إذا زاد عليه الوجد حتى يغلبه، ويعرفونه بقولهم والغلبة حال تبدوا للعبد لا يمكنه معها ملاحظه السبب ولا مراعاة الأدب ويكون مأخوذا عن تمييز، فربما خرج إلى بعض ما ينكر عليه من لم يعرف حاله ويرجع على نفسه صاحبه (أي صاحب الغلبة)، إذا سكنت غلبات ما يجده.\nالسكر: فإذا ازدادت غلبه الوجد على الصوفي وصل إلى حاله السكر، والسكر هو أن يغيب الصوفي عن تمييز الأشياء-\nالشطح: أن يتحدث الصوفي في حال سكره وغلبه الوجد عليه ويعرف الصوفية الشطح بقولهم: هو عبارة مستغربه في وصف وجد فاض بقوته، وهاج بشده غليانه وغلبته. وقالوا: الشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى.","vol":"2","page":374},{"text":"«إلى أن قال: واتخاذ المجالس على الاستماع والغناء والرقص بالربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي (^١) ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قَدم عند المخلصين.\nوبلغني أنه قيل لبِشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئًا يقال له: القصائد. قال: مثل أيش؟ قال: مثل قوله:\nاصبري يا نفس حتى … تسكني دار الجليل\nفقال: حسن. وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد. فقال كذبوا-والله الذي لا إله غيره-لا يسكن بغداد مَنْ يستمع ذلك».\n<hr><s0>\n\nمسألة السماع مما تكلم فيه العلماء من قديم وكان الناس يتعبدون به في أول ما حدث من جهة ما يسمى التغبير كما قال الشافعي في من أحدث التغبير في بغداد، والتغبير سمي تغبيرا لأنهم يأخذون جلودا قديمة يَبِسَتْ عليها تراب والغبار فيبدؤون -يعني لأنهم … متزهدون كما يزعمون- فيضربون عليها بالعصي فتحدث صوتا كصوت الدف، فيترنّمون به مع الأشعار، فسمي الفعل مع الإنشاد تغبيرا؛ لأنه يظهر معه الغبار، وحقيقة التغبير هي إنشاد الأشعار الزهدية مع استخدام الدفوف، هذه حقيقة التغبير، والأشعار الزهدية أحدثها طائفة من المتزهدة لتنشد في مقابلة الغناء المحرم الذي انتشر في عهد الدولة العباسية، انتشر الغناء المحرم يعني في أنواع من الألحان موجودة في كتب ومعروفة وأصوات، فأحدثوا هذا في مقابلة ذاك، وتدرّج الأمر إلى أن صاروا يتقربون إلى الله بسماع الدف نفسه والطبول والمزمار الذي هو القصب يعني لأنه هو القصب؛ قصب السكر يؤخذ ييبّس ويفرّغ وبعد ذلك … ثم يكون منه مزمارا، فأصبحوا يتقربون إلى الله بذلك، ينشدون الأشعار الزهدية، ويترنمون بهذه\n_________\n(^١) أي: الإمام الشافعي؛ محمد بن إدريس الشافعي المُطَّلبي القُرشي.","vol":"2","page":375},{"text":"الأصوات يعني بالقصب وبالمزمار والطبل بأشياء محزنة، ومعلوم أن هذه الآلات قد تُستخدم بألحان يكون معها نشوة، وقد تُستخدم بألحان يكون معها حزن ورِقّة، فلهذا هم استخدموها في جانب الحزن والرقة والبكاء، وأثّرت على النفوس وبكى من بكى من سماعها، وأثّرت في القلوب وفي ترقيقها ظنّوا أن هذا مشروع؛ لأنها أحدثت أمرا مشروعا وهو البكاء والخوف من الله جل وعلا، فظنوا أنّ وسيلته مشروعة فلهذا ألف كثير من أهل العلم في السماع وفي ذمه، وأنه مما أحدث في مؤلفات كثيرة معلومة لدى المطلع، إلى أن آلَ الأمر بعد زمن إلى أنْ يصحب هذا السماع رقص، والرقص ليس على صفة الرقص الذي ترونه الآن من الصوفية، لا. هو أول ما بدء رَقْصُ تمايل من التواجد كما يقولون\nوقال القرطبي: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي-﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم -حرس الله مدته-أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد-ﷺ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه.\nهل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه\nيا شيخ كف عن الذنوب … قبل التفرق والزلل\nواعمل لنفسك صالحا … ما دام ينفعك العمل\nأما الشباب فقد مضى … ومشيب رأسك قد نزل\nوفي مثل هذا ونحوه.\nالجواب: - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل؛ وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم عن الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ص ٣١٨","vol":"2","page":376},{"text":"قوله: «قال أبو عبد الله: ومما نقول-وهو قول أئمتنا-: إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ: «لأن يأخذ أحدكم حبله»، الحديث».\n<hr><s0>\n\nأشار إلى الحديث الوارد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسِي بيدِه لأن يأخذَ أحدُكم حبلَه فيذهبُ إلى الجبلِ فيحتطبُ، ثم يأتِي به فيحملُه على ظهرِه؛ فيبيعُه فيأكلُ، خيرٌ له من أن يسألَ الناسَ، ولأن يأخذَ ترابًا فيجعلَه في فيه خيرٌ له من أن يجعلَ في فِيه ما حرَّم اللهُ عليه» (^١).\nومن المعلوم شرعًا أنه في كلا الأمرين من جلب النفع ودفع الضر-شُرع للإنسان أن لا يسأل إلا الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، ومن المعلوم أن الإنسان في حوائج دنياه وفي حوائج أُخراه يدور بين هذين الأمرين: جلب ما ينفعه، ودفع ما يضرُّه.\nفمثلًا يسأل العبدُ ربَّه ﷿ الغِنى، ويستعيذ به من الفقر، ويسأل الله ﷿ القوة، ويستعيذ به من الضعف، وهكذا في كل أموره.\nولكن الإنسان إذا مسه الضرُّ لجأ إلى الله ﷾، وأمَّا في حال استغنائه ورخائه؛ فإنه قد يَنسى، ولذلك يقول الله ﷾: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦]؛ فترى الإنسان في حال رخائه بعيدًا عن الله ﷾، ولا يلجأ إليه ولا يشكره ﷿ على ما أولاه من نِعَم، مع أن الواجب المتعين على كل أحد أن يلجأ إلى الله ﷾ في جلب المنفعة وفي دفع المضرة.\nولذلك عَلَّمنا النبيُّ ﷺ أن ندعو الله ﷿ في كل شيء، حتى في إصلاح شِسع النَّعل (^٢)؛ فعن أنسٍ؟، قال: قال رسول الله ﷺ: «لِيَسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلها، حتى يَسأل شِسْعَ نَعله إذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٠)، ومسلم (١٠٤٢).\n(^٢) شسع النعل: سَيْر من سُيورها التي تكون على وجهها؛ يَدخل بين الإصبعين.","vol":"2","page":377},{"text":"انقطع» (^١).\nقال ابن بطَّال: «ليستشعر العبدُ الافتقارَ إلى ربِّه في كل أمر وإن دَقَّ، ولا يَستحيى من سؤاله ذلك» (^٢).\nفالعبد في كل أحواله لا بد أن يلجأ إلى الله ﷿، فإذا شُرع له سؤال الله في مثل هذا الأمر اليسير، فعليه أن يلزم دعاءه في جميع أحواله؛ سواء كان دعاء ثناء أو دعاء مَسألة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٨٣)، وحسَّنه الألباني في «المشكاة» (٢٢٥١).\n(^٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (١٠/ ١١٨).","vol":"2","page":378},{"text":"«ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط مرسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس».\n<hr><s0>\n\nكما نعلم أن الصوفية تقوم على ترك التكسب، ويعيشون عالة على الناس وعلى أوقافهم، مع أنه لا يحل للإنسان ذلك إذا صحيحًا سليمًا، ويأكلون من أوقاف أهل الخير التي أوقفوها على المحتاجين والأرامل والأيتام؛ فتجد المتصوفة يستولون على مثل هذه الأوقاف ويستغلونها باسم الدين، والله المستعان.\nوقد غلط بعض المتصوفة وزعم أن طلب الأكل أو الرزق عند الجوع ينافي التوكل، ويحثون الناس على ترك التكسب والأخذ بالأسباب.\nوهذا الزعم ينافي الشرع والعقل؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب؛ دنيوية كانت أو شرعية، وهذا الأخذ لا ينافي التوكل والاستعانة بالله ﷿.\nوالأخذ بالأسباب مِنْ القدر، والله ﷾ هو مسبب الأسباب، وهو الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابًا، فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، ويَفقه هذه الأمور من وضع نصب عينيه توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة؛ منه التوكل، ومنه الإنابة، ومنه الخشية، ومنه الأمر بالمعروف، ومنه النهي عن المنكر، ومنه الجهاد في سبيل الله.\nوكل هذه المعاني والشعائر يجب أن تكون واضحة ظاهرة، وعلينا أن نتمثلها في أنفسنا، وأن نُعَلِّمها لأسرنا ومجتمعاتنا وسائر أُمَّتنا، فلا بد من غرس المعاني الحقة وإبعاد تلك المعاني الفاسدة التي لصقت في أذهان الناس، حتى إنهم أصبحوا لا يعرفون من الدِّين إلا تلك الصورة الباطلة، فأصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والعياذ بالله.","vol":"2","page":379},{"text":"«ومَن جعل السؤال حرفة-وهو صحيح-فهو مذموم في الحقيقة خارج».\n<hr><s0>\n\nوفي النهي عن سؤال الناس أحاديث كثيرة في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد، كقوله ﷺ: «لا تَزال المسألةُ بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم»، وقوله: «مَنْ سأل الناس وله ما يُغنيه جاءت مَسألته يوم القيامة خُدُوشًا-أو خموشًا أو كُدوحًا-في وجهه»، فهل يَرضى الإنسان أن يَلقى الله يوم القيامة على هذا الحال؛ نسأل الله العافية.\nوالمسألة لا تَصلح إلا لثلاث؛ لذي فَقر مُدقع، أو لذي غُرم مفظع، أو لذي دَم مُوجع، كما جاء في الحديث.\nوالفقر المدقع، أصله من الدقعاء، وهو التراب، ومعناه: الفقر الذي يُفضي بصاحبه إلى التراب، بحيث لا يكون عنده ما يتقي به التراب.\nوالغرم المفظع: أي: الشنيع المجاوز المقدار، وأراد به الديون الفادحة التي تهبط صاحبها.\nوالدم المُوجع: هو الذي يُوجع أولياء المقتول من شِدَّة تحمُّلِ الدِّيات (^١).\nولذلك حث النبي ﷺ على العمل، وذمَّ المسألة؛ فقال: «لأن يَأخذ أحدُكم حَبْلَه، فيَذهب فيحتطب خير له من أن يَسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه».\nودعا ﷺ إلى الصبر والاستغناء والاستعفاف عمَّا في أيدي الناس؛ فقال: «مَنْ يَستغنِ يُغنه الله، ومَن يَستعفف يُعِفَّه الله، ومَن يتصبر يُصبره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».\nوأوصى خواصَّ أصحابه ألَّا يَسألوا الناس شيئًا، كما جاء في شأن أبي بكر أنَّه كان يسقط سوط الدابة من يده، فينزل عن دابته، وهذا فيه كلفة ومشقة، ويتناول سوطه؛ لكيلا يطلب من أحد أن يناوله إيَّاه، مع أن هذه الأمور قد تكون من أقل\n_________\n(^١) انظر: «الميسر في شرح مصابيح السنة» للتُّورِبِشْتِي (٢/ ٤٣٧).","vol":"2","page":380},{"text":"أنواع السؤال، ولكنها أمور تَرَبَّى عليها خواصُّ أصحاب النبي ﷺ حتى لا يَسألوا الناس شيئًا أبدًا.\nوقد دَلَّت النصوصُ على الأمر بسؤال الخالق والنهي عن سؤال المخلوق في غير موضع؛ كما في قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٧]، فالرغبة تكون إلى الله ﷾ وحده.","vol":"2","page":381},{"text":"«ونقول: إن المستمع إلى الغناء والملاهي فإن ذلك كما قال ﵇: «الغناء ينبت النفاق في القلب» (^١)، وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة».\n<hr><s0>\n\nلا شك أن الغناء محرم، وللعلامة ابن القيم ﵀ رسالة في السَّماع مهمة، بعنوان: «الكلام على مسألة السماع»، بسط فيها الكلام على مسألة السماع والغناء، وردَّ على جُلِّ الشُّبه التي أُثيرت حولها، وفرق فيها بين السماع القرآني والسماع البِدعي والشيطاني.\nوإنَّ من الأسباب الرئيسة لهجر استماع القرآن الكريم: استماع الغناء واللهو والمزمار، الذي أصبح منتشرًا الآن.\nولقد صَرَّح ابن القيم بأن «مِنْ مكايد عدو الله ومصائده، التي كاد بها مَنْ قَلَّ نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء، والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المُنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحَسَّنه لها مكرًا منه وغرورًا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا. فلو رأيتهم عند ذيَّاك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس فلغير الله، بل للشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. حتى إذا عمل\n_________\n(^١) حديث: «الغناءُ ينبِتُ النِّفاقَ في القلبِ كما ينبِتُ الماءُ البقلُ»، أخرجه أبو داود (٤٩٢٧)، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٣٩)، والبيهقي (٢١٥٣٧)، عن عبد الله بن مسعود ﵁، وإسناده ضعيف. انظر: «خلاصة البدر المنير» لابن الملقن (٢/ ٤٤٠).","vol":"2","page":382},{"text":"السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزًا، وأَزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزًّا، فطورًا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الدمار.\nفيا رحمتا للسقوف والأرض من دكِّ تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطربًا واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور الرحمن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا أثار فيهم وَجْدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندًا حتى تُلِيَ عليه قرآنُ الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فَجَرَت، وعلى أقدامه فرَقَصت، وعلى يديه فصَفَّقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زمراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.\nفيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هَلَّا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأحوال السَّنيات عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللًا؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (^١).\nوأوضح ابن القيم أقسام الناس في سماع القرآن والغناء؛ فقال:\n«والناس في السماع أربعة أقسام:\nأحدها: مَنْ يشتغل بسماع القرآن عن سماع الشيطان.\nالثاني: عكسه (مَنْ يشتغل بسماع الشيطان عن سماع القرآن).\nالثالث: مَنْ له نصيب مِنْ هذا وهذا.\nالرابع: ليس له نصيب لا من هذا ولا من هذا.\n_________\n(^١) «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» لابن القيم الجوزية (١/ ٢٢٩، ٢٣٠).","vol":"2","page":383},{"text":"فالاشتغال بسماع القرآن الرَّحماني حال السابقين الأولين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.\nوالثاني: حال المشركين والمنافقين والفجار والفساق والمبطلين ومَنْ سلك سبيلهم.\nوالثالث: حال مؤمن له مادتان: مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منها.\nوالرابع: حال الفارغ مِنْ ذوق هذا وهذا، فهو في شأن وأولئك في شأن» (^١).\nففرقٌ بين سماع القرآن وسماع الغناء، فسماع القرآن يجعل النفس في استقامة وسلامة، وسماع الغناء يجعل النفس في حال خزيٍ وندامة.\n_________\n(^١) «كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء» لابن القيم (ص ٢٤٦).","vol":"2","page":384},{"text":"قوله: «والذي نختار: قول أئمتنا: ترك المراء في الدين».\n<hr><s0>\n\nمما لا شَكَّ فيه أن المراء مذموم إلا في أحوالٍ تدعو إليه، وهذا كله معروف في أحكام الدين، فيجب على الإنسان أن يترك المراء والجدال في الدين لغير حاجة أو ضرورة، وألا يبحث في المسائل التي لا يحتاج إليها، ولا تعود عليه بالنفع بحال، إلا إذا كان في ذلك رد على زعم باطل؛ فيبين الإنسان وجه الحق، ويدحض هذا الزعم.\nوقد تقدم شرح هذه المسألة وبيان الفرق بين الجدال والمراء والفرق بين المحمود والمذموم منهما.","vol":"2","page":385},{"text":"قوله: «والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق».\n<hr><s0>\n\nهذه المسألة تفرعت عن مسألة خلق القرآن زمن محنة الجهمية والفتنة المشهورة فهي وليدة هذه الفتنة ومنها نشأ النزاع فيها هل الإيمان مخلوق أم لا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل: هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟\n(فالجواب أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، وقد جرت بها أمور يطول وصفها هنا، لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة، صارت طائفة يقولون أن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون فيه نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا، وعارضهم طائفة أخرى فقالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة. فرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وتكلم الناس حينئذ بالإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان مثل (قول لا إله إلا الله)، فصار مقتضى قولهم أن هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي ﷺ:» الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: قول لا إله إلا الله (^١) «أفيكون قول لا إله إلا الله مخلوقا؟. ومراده أن من قال: إن ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة، كان مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله. وأن القرآن المنزل ليس هو كلام الله) (^٢)\nوقال ﵀: (وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد (بالإيمان)؟ أتريد شيئا من صفات الله وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) و(إيمانه)\n_________\n(^١) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥)\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٥٥","vol":"2","page":386},{"text":"الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق. أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل: فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله، فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق أو باطل، فيتبع الحق ويترك الباطل، وكل من خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن الأنبياء ﵈ لا يخالف بعضه بعضا، ولكن كثيرا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦]، ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) (^١)\nقال الإمام أحمد-﵁: من قال: الإيمان مخلوق كفر، ومن قال: غير مخلوق ابتدع. فقيل: بالوقف مطلقا، وقيل: أقواله قديمة وأفعاله مخلوقة. قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وهو أصح، ونقله عن ابن أبي موسى وغيره. ونقل الإمام الحافظ ابن رجب في طبقات الأصحاب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي-قدس الله روحه -ما لفظه قال: روي عن إمامنا أحمد-﵁-أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق فهو كافر، ومن قال: قديم فهو مبتدع. قال الحافظ عبد الغني: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله-﷿-ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون ومن قال بقدم ذلك ابتدع. انتهى بحروفه، والله-تعالى-الموفق) (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٦٤\n(^٢) لوامع الأنوار البهية ١/ ٤٤٦","vol":"2","page":387},{"text":"قوله: «ومن زعم أن الرسول ﷺ واسط يؤدي، وأن المرسل إليهم أفضل فهو كافر بالله، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر». اه.\n<hr><s0>\n\nختم الإمام أبي عبد الله بن خفيف كلامه بهذا الموضوع الذي زلت فيه أقدام بعض المتصوفة من دعوى أن الأولياء أفضل من الأنبياء، ودعواهم أن يتلقون عن الله مباشرة بينما النبي يتلقى بواسطة جبريل، ومن ذلك ما زعمه ابن عربي من أن خاتم الأولياء-يعني نفسه-أفضل من خاتم الأنبياء محمد ﷺ وذلك بناء على تفضيله الولي على النبي كما قال في شعره:\nمقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي\nوالذين جاؤوا بعد ابن عربي من المتصوفة السائرين في هذا الدرب المظلم رددوا هذه العقيدة في كتبهم وزاد كثير من مشايخهم فزعم لنفسه هذه الولاية الكبرى التي يتم بها -في زعمهم-الولاية، وقد تصدى الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي الله عنه لهذه المزاعم في أماكن كثيرة من كتبه ومن ذلك قوله:\n\"وكذا خاتم الأولياء لفظ باطل لا أصل له. وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي. وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء: كابن حموي، وابن عربي، وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها، وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي ﷺ من بعض الوجوه، إلى غير ذلك من الكفر والبهتان، وكل ذلك طمعًا في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء، وقد غلطوا، فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك، وليس كذلك خاتم الأولياء، فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ﵁، ثم عمر ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم علي ﵁، وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وخاتم الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن نقي يكون في الناس، وليس ذلك بخير الأولياء، ولا أفضلهم، بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق ﵁، ثم عمر اللذان ما طلعت","vol":"2","page":388},{"text":"شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما\" (^١)\nوالصواب أن الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، هذه هي دلالة الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح.\nأما الكتاب: فقد قال ﷾ مبينًا مراتب أوليائه: وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا] النساء: ٦٩ [.\nفالله قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي ﷺ في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت الآية (^٢) مبينة أن من أطاع الله ورسوله يكون من نعيمه في الجنة أن يتمكن من مجالسة الأنبياء ورؤيتهم وزيارتهم، فلا يفوته ذلك ولذلك قال سبحانه): وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم). وقال: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) وهذه المعية والرفقة لا تعني تساويهم في الدرجة، بل هم متفاوتون، لكنهم يتزاورون ويتجالسون ويأنسون بقربهم كما كانوا في الدنيا، وهذا بفضل الله لاتباعهم الأنبياء، واقتدائهم بهم.\nفالآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر فهم أفضل أولياء الله وأرفعهم درجة على الإطلاق.\nوذكر سبحانه جملة من الأنبياء في آيات من سورة الأنعام ثم قال في آخرها: وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ] الأنعام: ٨٦. [\nقال ابن سعدي في تفسير الآية: (وكلاًّ من هؤلاء الأنبياء والمرسلين فضلنا على العالمين، لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فهؤلاء من الدرجة العليا (^٣). (وقال ﷾: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).] آل عمران: ٣٣. [\nقال الرازي مبينًا وجه الترابط بين هذه الآية والآيات قبلها: (اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي: ج ١١ ص ٤٤٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٥/ ١٠٤.\n(^٣) تفسير الكريم الرحمن ٢/ ٢٠٠.","vol":"2","page":389},{"text":"مناصبهم). (^١)\nوقال في معرض تفسيره للآية: (بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين. (^٢)\nفالآية في ذكر الأنبياء خاصة وإن قيل في تفسير لفظ (الآل) فيها بأن المقصود به سائر المؤمنين من ذرية إبراهيم، وعمران، أنبياء وغير أنبياء، ويشهد لتخصيصها الأنبياء فقط، وأنهم هم المعنيون بتفضيلهم على العالمين دون غيرهم أمور:\n١ - قوله سبحانه: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى والمراد الاصطفاء بالنبوة كما قاله الحسن وغيره (^٣).\nوكذا قد ورد الاصطفاء مرادًا به الاصطفاء بالنبوة في عدد من آيات الكتاب عند ذكر النبيين، كقوله سبحانه: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ)] الحج: ٧٥. [وقوله في موسى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي)] الأعراف: ١٤٤. [وقوله: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ).\n٢ - أنه قد أطلق ﷾ وصف الاصطفاء وعنى به الرسل خاصة في قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)] النمل: ٥٩. [\nوالرسل هم المصطفون من عباد الله الذين سلم عليهم في العالمين كما بينه سبحانه في كتابه جملة وتفصيلًا كقوله سبحانه: (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)] الصافات: ١٨١. [فقوله: (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) كقوله: (وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) وقال سبحانه: (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)] الصافات: ٧٩. [وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)] الصافات: ١٠٨ - ١٠٩. [وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ)] الصافات: ١١٩ - ١٢٠ [\nفكما أطلق سبحانه الاصطفاء في آية النمل وهو مقيد في الاصطفاء بالنبوة فكذا في آية آل عمران هذه.\n٣ - أن الله قد ذكر في الآية النبيين آدم ونوحًا ثم ذكر آل إبراهيم وآل عمران وفيه إشارة إلى أن المراد بالآل الأنبياء خاصة من ذرية إبراهيم، وذرية عمران، لا عامة المؤمنين.\n٤ - أن الله قد ذكر آل إبراهيم وآل عمران لأن الأنبياء بعد إبراهيم لم يكونوا إلا\n_________\n(^١) تفسير الرازي: ٨/ ١٩.\n(^٢) تفسير الرازي: ٨/ ٢٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ١٥٧","vol":"2","page":390},{"text":"من ذريتهما، فجمع ذكرهم في لفظ الآل، وهو سبحانه قد ذكر آل إبراهيم، وآل عمران فقط، ويكون في المؤمنين من ليس من ذريتهم، مما يشهد بأن الآية خاصة بالنبيين.\n٥ - أن قوله سبحانه: عَلَى الْعَالَمِينَ شاهد على أن المراد بالآية الأنبياء من سائر المؤمنين، ذلك أن اصطفاء المؤمنين وتفضيلهم على الكافرين أمر ظاهر ظهورًا يستغنى به عن الذكر، فكيف بتفضيل النبيين واصطفائهم على الكافرين، والنبيون معنيون في الآية بلا خلاف، فأن يكون المراد اصطفاء النبيين وتفضيلهم على سائر المؤمنين أولى، والله أعلم.\nهذا، وقد قال بعض المفسرين بأن المراد بآل إبراهيم وآل عمران الأنبياء منهم، وقال بعضهم أن المراد بآل إبراهيم إبراهيم نفسه (^١).\nوالحاصل فإن الآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر سواء كانت في الأنبياء خاصة وهو الأظهر، أو كانت فيهم وفي أتباعهم من المؤمنين عامة، فإنه إذا كان المؤمنون أفضل البشر قد اصطفاهم الله على العالمين فالأنبياء هم الأفضل إطلاقًا بطريق الأولى.\nأما السنة: فمن أدلتها على أن الأنبياء أفضل البشر:\nقوله ﷺ لما سئل عن أشد الناس بلاء قال:» الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (^٢) «وهذا صريح في أن الأنبياء أمثل البشر.\nوقال ﷺ في أبي بكر وعمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين (^٣) «وفي هذا الاستثناء الدليل على أن الأنبياء أفضل الأولين والآخرين.\n_________\n(^١) زاد المسير: ١/ ٣٧٤.\n(^٢) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٣٢٦٥)، وأحمد (١/ ١٧٣) (١٤٩٤)، والدارمي (٢/ ٤١٢) (٢٧٨٣)، وابن حبان (٧/ ١٦١) (٢٩٠١)، والحاكم (١/ ١٠٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغري» (٨٣٢) كما أشار إلى ذلك في مقدمته، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٣/ ٩٧)، وقال ابن القيم في «طريق الهجرتين» (٢٢٦): ثابت، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٦٧) كما شار إلى ذلك في مقدمته، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.\n(^٣) رواه الترمذي (٣٦٦٥)، وابن ماجه (٩٥)، وأحمد (١/ ٨٠) (٦٠٢)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.\nوالحديث روي من طرق عن أنس بن مالك، وأبي جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري ﵃.","vol":"2","page":391},{"text":"وروي عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين» (^١).\nواستدل ابن تيمية ﵀ على فضل الأنبياء على سائر الناس بحديث: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر الصديق» (^٢).\nأما الإجماع: فقد قال ابن تيمية ﵀: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء. (^٣)\nوقال: (الأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين وبعدهم الصديقون، والشهداء، والصالحون (^٤).\nوذكر ﵀ أن تفضيل بعض الفرق غير النبي على النبي مخالف لإجماع الأمة (^٥).\nأما النظر الصحيح: فإن العقل يقضي بكون الأنبياء خير الخلق وأفضلهم، لأنهم رسل الله، والواسطة بينه وبين خلقه في تبليغهم شرعه ومراده من عباده، وشرف الرسول من شرف المرسل وشرف الرسالة، وهم المصطفون من عباد الله، اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم ولا يختار سبحانه من الخلق إلا أكرمهم عليه وأفضلهم عنده وأكملهم لديه، قال ابن القيم ﵀: (ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله ﷾ اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلمه تكليمًا، ومنهم من رفعه مكانًا عليًّا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخولًا إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم\n_________\n(^١) رواه البزار كما في «مجمع الزوائد) للهيثمي (١٠/ ١٨). من حديث جابر بن عبد الله ﵁. والحديث صحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغري» (٩٠٥) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وقال الهيثمي: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.\n(^٢) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ١٨٢)، وابن أبي عاصم (٢/ ٥٦) (١٢٣٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٣٢٥)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد» (١/ ٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٢٠٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى: ١١/ ٢٢١.\n(^٤) منهاج السنة: ٢/ ٤١٧.\n(^٥) مجموع الفتاوى: ١١/ ٣٦٤.","vol":"2","page":392},{"text":"عليه، وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأطيع، وبهم حصلت محابه تعالى في الأرض) (^١)\nولم يكتفي غلاة المتصوفة بإسقاط مكانة الأنبياء وتفضيلهم على من سواهم بل تجاوز ذلك إلى إسقاط مكانتهم في تبليغ شرع الله وزعموا أنهم يتلقون عن الله مباشرة دون واسطة\nقال ابن تيمية: \"ثم إن صاحب (الفصوص) يعني ابن عربي وأمثاله بنوا الأمر على أن الولي يأخذ عن الله بلا وساطة والنبي يأخذ بوساطة الملك. ولهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم من هذه الجهة، وهذا باطل وكذب فإن الولي لا يأخذ عن الله إلا بوساطة الرسول وإن كان محدثًا، فقد ألقي إليه بشيء وجب عليه أن يزنه بما جاء الرسول من الكتاب والسنة\" (^٢).\nومن تخبطات وترهات الصوفية وتناقضاتهم أنهم جعلوا من الأنبياء والأولياء واسطة بينهم وبين الله في التعبد، وهذا كلام باطل ترده النصوص، فالنبي ﷺ واسطة في التبليغ، ولكنه ليس واسطة بين العباد في التعبد، فالنبي ﷺ بشرٌ وعبدٌ ورسولٌ، ولا شك أنه ﷺ الواسطة في تبليغ الدين، لكنه ﷺ ليس وسيلة أو واسطة إلى الله ﷾ في قبول الأعمال أو الدعاء أو في قضاء الحوائج أو غير ذلك.\nوأما عند الصوفية فالنبي ﷺ والأولياء وسيلة بين الله تعالى وبين عباده، ولذلك تجد بلدانهم مليئة بالقبور والأضرحة والقباب، وتصرف لهذه الأماكن الكثير من النذور والأموال، وتُذبح عندها الذبائح الكثيرة من هذا الباب؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن هؤلاء الأشخاص وسائط بينهم وبين الله تعالى، وهذه دعوى كفار قريش الذين قالوا عن الأوثان: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله).\nوالله ﷾ ما جعل بينه وبين عباده واسطة في العبادة أبدًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فلم يأمر بأن يُدعى فلانًا أو يُجعل فلانًا واسطة بينه وبين خلقه، إذ دعوة التوحيد تقوم على أنه ليس بين الله وبين خلقه أي واسطة في هذا الشأن أبدًا.\nفحقيقة الخلاف في مسائل توحيد الألوهية بيننا وبين أولئك: أن عقيدة السلف\n_________\n(^١) طريق الهجرتين: ٣٥٠.\n(^٢) حقيقة مذهب الاتحاديين لابن تيمية ص ١١٥ - ١٢٣","vol":"2","page":393},{"text":"تقوم على أنه ليس بين الله تعالى وبين خلقه واسطة في العبادة، فالإنسان يدعو الله ﷿ ولا يدعو سواه، ويَسأل الله ولا يسأل غيره، ويسأله ﷾ بأسمائه وصفاته، ولا يسأله بجاه فلان أو بمكان فلانٍ من الناس.\nأما الصوفية فيتخذون الوسائط في العبادة، حتى دعوهم من دون الله واستغاثوا بهم، ونذروا لهم، وذبحوا لهم، وإذا سألوا الله سألوه بجاههم.","vol":"2","page":394},{"text":"(١٣١) «ومن متأخريهم: الشيخ الإمام أبو محمد؛ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، قال في كتاب «الغنية»: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد.\nإلى أن قال: وهو بجهة العلو، مُستو على العرش، مُحتو على الملك، محيط علمه بالأشياء؛ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان؛ بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].\nوذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: «وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، وذكر كلامًا طويلًا لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا» (^١).\nولو ذكرت ما قال العلماء في هذا لطال الكتاب جدًّا».\n<hr><s0>\n\nقوله هنا: «ومن المتأخرين»، أي: من متأخري المتصوفة، وأشار في هذا إلى عبد القادر الجيلاني، وهو معروفٌ عند أهل التصوف ويُعظمونه، ويعتقدون فيه الولاية، وله كتابٌ اسمه «الغنية لطالبي طريق الحق»، وهو مطبوع، وفيه فصل في الاعتقاد، وقد دَوَّن فيه اعتقاد أهل السنة والجماعة.\nومعلومٌ أن المتصوفة نَسَبوا لعبد القادر الجيلاني أشياءَ كثيرة لا شك أنه منها بَراء؛ فعقيدته هي التي دوَّنها في هذا الكتاب تدل على أنه من معتدلي المتصوفة، وأن ما نُسب إليه من بعض الكرامات أو أمور العجيبة إنما هي من الأمور التي يفتريها هؤلاء على بعض الصالحين.\n_________\n(^١) «الغنية» (ص ١٢١ - ١٢٨). وانظر: «ذيل طبقات الحنابلة» (٣/ ٢٩٦)، و«اجتماع الجيوش» لابن القيم (ص ٢٧٧)، و«العلو» للذهبي (ص ١٩٣).","vol":"2","page":395},{"text":"قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «فأمرُ الشيخ عبد القادر (الجيلاني) وشيخه حمَّاد الدباسي وغيرهما من المشايخ أهل الاستقامة ﵃: بأنه لا يريد السالك مرادًا قط، وأنه لا يريد مع إرادة الله ﷿ سواها، بل يجري فعله فيه، فيكون هو مراد الحق» (^١).\nونقل عنه هنا من كتاب «الغنية» بعض مسائل الاعتقاد، وأشار من ضمنها إلى مسألة إثبات العلو لله تعالى، وأنه ﷾ عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، مُحيط بعلمه، ففي هذا الكلام الذي ذكره إثبات لصفة الاستواء، وإثبات لصفة العلو، وإثبات لصفة المعية.\nوتتمة كلام عبد القادر الجيلاني: «أمَّا معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يُعرف ويُتيقن أنَّ الله واحد أحد فرد صمد، ﴿لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]؛ لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا نِدَّ ولا مُشير» (^٢).\nفهو في هذا الكتاب تكلم عن مسائل الاعتقاد، وأشار من ضمنها إلى مسألة إثبات العلو لله تعالى، وأنه ﷾ عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، مُحيط بعلمه، ففي هذا الكلام الذي ذكره إثبات لصفة الاستواء، وإثبات لصفة العلو، وإثبات لصفة المعية.\nوقال هنا من ضمن ما ذكر: «إنه لا يجوز وصف الله تعالى بأنه في كل مكان»، وهذا مما يزعمه بعض المعطِّلة من قولهم: إن الله في كل مكان. وهو قول بعض الجهمية، ولا شك أنه كلام باطل شرعًا، فالله ﷾ عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه.\nومعلوم أن المعطلة لما عطلوا صفة الاستواء جاءوا بعددٍ من التأويلات، منها: قول مَنْ يقول: استوى معناه: استولى. وقولهم: إن العرش المراد به: المُلك. ومنها قولهم بأن الاستواء صفة للعرش، وليس صفة لله ﷾، وأنواع أخرى من التأويلات كلها تَعود إلى إنكار صفة الاستواء، وإنكار أن الله ﷾ استوى على عرشه حقيقة.\nوقد نقل ابنُ القيم عن عبد القادر الجيلاني أنه حكى الإجماع على فوقية الله وعلوه على خلقه:\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥١٦).\n(^٢) «الغنية» (١/ ١٢١).","vol":"2","page":396},{"text":"هذا وخامس عشرها الإجماع من … رسل الإله الواحد المنان\nفالمرسلون جميعهم مع كتبهم … قد صَرَّحوا بالفَوْق للرَّحمن\nوحكى لنا إجماعَهم شيخُ الوَرَى … والدِّين عبد القادر الجيلاني (^١)\nوكل هذه الأمور تقدم ذِكرها في أول شرحنا للفتوى الحموية.\n_________\n(^١) «متن القصيدة النونية» (ص ٨٤).","vol":"2","page":397},{"text":"(١٣٢) «وقال أبو عمر بن عبد البر: «روينا عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت».\nقال أبو عمر: «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن الصحابة ﵃ فهو عِلم يُدَان به؛ وما حَدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة» (^١).\nوقال في «شرح الموطأ» لمَّا تكلم على حديث النزول قال: «هذا حديث ثابت النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش استوى مِنْ فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو مِنْ حُجَّتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله في كل مكان.\nقال: والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله-وذكر بعض الآيات-إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مُسلم.\nوقال أبو عمر بن عبد البر أيضًا: «أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك مَنْ يحتج بقوله».\nوقال أبو عمر أيضًا: «أهل السنة مُجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز إلا إنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدون فيه صفة محصورة.\nوأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم يُنكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعم أن مَنْ أقر بها مشبه، وهم عند مَنْ أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهم أئمة الجماعة» (^٢).\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٨).\n(^٢) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٢٨ - ١٤٥).","vol":"2","page":398},{"text":"بعد أن انتهى المصنف من النقل عن المتصوفة بدأ في ذكر أقوال طائفة أخرى من العلماء؛ منهم الإمام أبو عمر بن عبد البر، وهو إمام معروف من أئمة المالكية، وله بعض التصنيفات في العلوم المختلفة، وعلى رأسها الفقه والحديث، ومن أشهر كتبه: «التمهيد»، و«الاستذكار»، و«جامع بيان العلم وفضله»، وهنا يقول: «روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمِرُّوها كما جاءت».\nفهؤلاء أعلام التابعين ولهم مكانتهم وفضلهم قالوا: «أمروها كما جاءت»، والمقصود: أن هذه النصوص لا تُؤوَّل، ولما ظهر تأويلات الجهمية تصدَّى السلف لها وأبطلوها، وبينوا أن هذه النصوص إنما هي على ظاهرها وعلى ما كانت عليه حقيقة.\nفقول أئمة السلف: «أمروها كما جاءت»، وجاء عن بعضهم: «أمروها كما جاءت بها»، فيه رد ما يزعمه البعض من أن السلف لم يُبينوا معاني هذه النصوص، وأنهم آمنوا بها دون فهم لمعانيها.\nوليس هناك عاقل يَقبل أن السلف لا يفرقون بين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وبين قوله ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، فأهل السنة يؤمنون أن النزول له معنى، وأن الاستواء له معنى، ويَفهمون من هذه الآية معنى غير الذي يُفهمونه من قول النبي ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^١).\nفالسلف فهموا معاني هذه النصوص وأمرُّوها كما جاءت، وكما سبق وأسلفنا أن إيمانهم بهذه النصوص هو إثبات وجود، لا إثبات كيف.\nفإذًا المقصود هنا: أن تُمَرَّ كما جاءت، أي: على ما دَلَّت عليه في ظاهرها من غير قولٍ بالكيفية.\nوقال أبو عمر: «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن الصحابة ﵃،\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).","vol":"2","page":399},{"text":"فهو عِلْم يُدَان به»؛ بمعنى: أننا نعتمد في هذا الباب على ما جاء عن النبي ﷺ أو ما جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما أُحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم، فهو بدعة وضلالة، ولا شك أن المقصود بهذا: أقوال الجهمية والمعتزلة ومَن جاء بعدهم.\nوقال في «شرح الموطأ» لما تكلم على حديث النزول ذكر كثيرًا من مسائل الاعتقاد المتعلقة بباب الأسماء والصفات، وهو كلام نفيس أُوصي بالرجوع إليه.\nوعمومًا فعلماء المالكية عرف عنهم أنهم كانوا من أكثر الناس تمسكًا بالسنة، ولم يُؤثر عنهم التأثر بالبدع إلا بعد دخول ابن تُومرت الذي قتل ما قتل من علماء المغرب الذين كانوا متمسكين بالسنة، وقتل أتباعه كثيرًا من العلماء المتمسكين بعقيدة أهل السنة والجماعة، وبعد ذلك انتشرت عقائد المعتزلة والجهمية والأشاعرة.\nيقول هنا: لما ذكر حديث النزول، قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ، وفيه دليل على أن الله جل وعلا في السماء على العرش استوى مِنْ فوق سبع سماوات، كما قالت أهل السنة والجماعة، وهو مِنْ حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة.\nفهذا زعم المعتزلة، وهذا الدليل بما يُرَدُّ به عليهم، وذكر بعض الآيات التي جاءت في إثبات العلو، إلى أن قال: «وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مُسلم».\nوهو الاضطرار هو دليل الفطرة، وهو الذي احتج به الهمداني على الجويني؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ أبي جعفر الهمداني مع الجويني (من رءوس الأشاعرة)؛ لما أخذ يقول على المنبر: «كان الله ولا عرش». فقال الهمداني: «يا أستاذ، دَعنا من ذِكر العرش-يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع-أخبرنا عن هذه الضرورة التي نَجدها في قلوبنا؛ فإنَّه ما قال أحد قط-يا الله-إلا وجد من قلبه ضرورة تَطلب العلو؛ لا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فَلَطم الجويني على رأسه، وقال: «حَيَّرني الهمداني، حيرني الهمداني»، ونزل» (^١).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤).","vol":"2","page":400},{"text":"فهذه مسألة فُطر الناس عليها، ولا يمكن دفعها، فقال: هذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى هدايتهم؛ لأنه لم ينكره عليهم أحد.\nولو سألت طفلًا على فطرته، وقلت له: أين الله؟ لأجابك بفطرته النقية: الله فوق كل شيء، كذلك قال: «أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل أنهم قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾: هو على العرش وعلمه في كل مكان، فالعلماء من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فسَّروا المعية فقالوا: إن المقصود بها معية العلم، وقال: هو على عرشه وعلمه في كل مكان. وما خالفهم في ذلك مَنْ يُحتج بقوله».\nفمَن أراد أن يعرف أقوال السلف فليرجع إلى أقوال المفسسرين في تفسير المعية، وقد ذكر السيوطي في «الدر المنثور» ذكر أقوال العلماء عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في تفسير المعية، وهذا أمرٌ واضح، فمن الذي على الحق في تفسير هذه الآية؟ هل هم السلف أم الجهمية.\nوقال أبو عمر أيضًا: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة».\nفإذًا يثبتون الصفات ولا يَدخلون في شأن الكيفية، هذا هو منهج السلف، وهذا الذي يقرِّره الإمام ابن عبد البر، وهو من أعيان القرن الخامس.\nقال ابن عبد البر: «وأمَّا أهل البدع؛ الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم يُنكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعم أن مَنْ أقر بها مشبه».\nأهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلهم والإمامية من الخوارج، كلهم ينكرون الصفات.\nفالجهمية والمعتزلة والإمامية من الرافضة الإمامية الاثنا عشرية، يوافقون المعتزلة في نفي الصفات، وكذلك الزيدية من الشيعة، والإباضية من الخوارج، وكذلك النجارية والكرامية، كل هؤلاء يقولون بنفي هذه الصفات عن الله تعالى، ولا يثبتونها حقيقة؛ لذا قال: «ويزعمون أن من أقرَّ بها فهو مُشَبِّه، وهم عند مَنْ أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهم أئمة الجماعة».","vol":"2","page":401},{"text":"(١٣٣) «وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع توَلِّيه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري وذَبِّه عنهم، قال في كتاب «الأسماء والصفات»: «باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين-لا من حيث الجارحة-لورود خبر الصادق به، قال الله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]».\nوذكر الأحاديث الصِّحاح في هذا الباب، مثل قوله في غير حديث، في حديث الشفاعة: «يا آدم، أنت أبو البشر، خَلقك بيده، ونفخ فيك من روحه» (^١)، ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: «أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك الألواح بيده»، وفي لفظ: «وكتب لك التوراة بيده» (^٢)، ومثل ما في «صحيح مسلم»: «وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده» (^٣)، ومثل قوله ﷺ: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفاها الجَبَّار بيده، كما يتكفى أحدكم خبزته في السفر؛ نزلًا لأهل الجنة» (^٤).\nوذكر أحاديث مثل قوله: «بيدي الأمر» (^٥)، «والخير بيديك» (^٦)، «والذي نفس محمد بيده» (^٧)، و«إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويَبسط يده\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  أخرجه مسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٤٩١) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يَسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار».\n(^٦) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، في دعاء استفتاح النبي ﷺ لصلاة الليل الطويل، وفيه: «لبَّيْك وسعديك والخير كله في يديك».\n(^٧) جاء ذلك في أحاديث كثيرة؛ منها ما أخرجه البخاري (٦٤٤) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب، ثم آمر بالصلاة …»، الحديث.","vol":"2","page":402},{"text":"بالنهار ليتوب مسيء الليل» (^١)، وقوله: «المُقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» (^٢)، وقوله: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجَبَّارون؟ أين المتكبرون؟» (^٣)، وقوله: «يمين الله ملأى لا يَغيضها نفقة سحاء الليل والنهار؛ أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يَغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يخفض ويرفع» (^٤)، وكل هذه الأحاديث في الصحيح.\nوذكر-أيضًا-قوله: «إنَّ الله لمَّا خلق آدم قال له ويداه مَقبوضتان: اختر أيَّهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة» (^٥)، وحديث: «إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيده» (^٦)، إلى أحاديث أُخر ذكرها من هذا النوع.\nثم قال البيهقي: «أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يُفَسِّروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب؛ وكذلك قال في الاستواء على العرش، وسائر الصفات الخبرية؛ مع أنه يَحكي قول بعض المتأخرين».\n<hr><s0>\n\nيُعد البيهقي من متقدمي الأشاعرة، ومتقدمو الأشاعرة كانوا يُثبتون الصفات الذاتية؛ فالأشاعرة على قسمين: المتقدمين، والمتأخرين، فمتقدمو الأشاعرة كانوا يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، وبالتالي هم يُفَرِّقون بين الصفات والأفعال، فعندهم أن الله لا تقوم به أفعال، ولذلك في صفة الكلام يُثبتون الجانب الذاتي منها وينفون الجانب الفعلي منها، ويثبتون الصفات التي جاءت في القرآن أكثر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٢٧)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٤١٩) ومسلم (٢/ ٦٩١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٩١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٦) أخرجه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وضعفه الألباني في «التعليق على كتاب السنة» (١/ ٨٩).","vol":"2","page":403},{"text":"من إثباتهم للصفات التي جاءت في نصوص السنة؛ بزعم أنها أخبار آحاد؛ فهم لا يعتقدون فيها في باب العقائد.\nفتجد البيهقي يثبت الصفات الخبرية التي وردت في القرآن، ويميل إلى هذا كثيرًا، ثم بعد ذلك ما يأتي في السنة وبعض الصفات في القرآن يتوقف في إثباته.\nوفي الجملة: هم يُثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، فإذًا أثبتوا شيئًا من الصفات الذاتية: (اليدين والوجه والقَدَم)، ولو قرأت في كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي، ستجد أنه يقول بإثباتها، مع أنه مِنْ الأشاعرة الذين نصروا منهجهم.\nوممن ورد عنهم القول بإثبات هذه الصفات من قدماء الأشاعرة ما يلي:\nقال القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (ت: ٤٠٣ هـ) - الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقًا، كذا قال الذهبي (^١) - في كتاب \"الذب عن أبي الحسن الأشعري\": \"كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله، إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، كما في الحديث وأنه مستو على عرشه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهًا؟ قيل: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.\nفإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟\nقلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديمًا بذاته أن يكون جوهرًا؛ لأنا وإياكم لم نجد قديمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.\nوكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضًا، واعتلوا بالوجود (^٣).\nوقال أيضًا: فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل معاذ الله، بل هو مستوٍ\n_________\n(^١) في العلو للعلي الغفار (ص: ٢٣٧).\n(^٢) ينظر: العلو للعلي الغفار للذهبي (ص: ٢٣٨).\n(^٣) ينظر: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني (ص: ٢٩٨)، والعلو للذهبي (ص: ٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"2","page":404},{"text":"على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦].\nقال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئة قائله …\nإلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا (^١).\nويقول أبو الفتح الشهرستاني (ت: ٥٤٨ هـ): \"اعلم أن جماعة كثيرة (^٢) من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين، والوجه ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها صفات خبرية\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن؛ وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: العلو للذهبي (ص: ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٢) كذا قال، والصواعق ٥٤ ب: أن هذا محل اتفاق بين السلف، والشهرستاني لم يكن عارفًا بمذهب السلف، كذا قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض النقل والعقل (٢/ ٣٠٧، ٩/ ٦٧).\n(^٣) الملل والنحل (١/ ٩٢).\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.","vol":"2","page":405},{"text":"لَكِنِ المتأخرون من زمن إمام الحرمين الجويني لا يُثبتون إلا سبع صفات: (العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام)، تحت دعوى أن هذه الصفات هي الصفات العقلية، وأما عداها فلم يُثْبِتها العقل؛ فإمَّا أن يتوقفوا فيها، وإما أن ينفوها، وأكثرهم على النفي والتأويل.\nوالبيهقي من الفريق الذي يثبت بعض الصفات، وما كان منها فعلية فهم يثبتونها على الأوجه التي ذكرناها؛ فهنا قال: «وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع تولِّيه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري، وذبِّه عنهم قال في كتاب «الأسماء والصفات»، باب (ما جاء في إثبات اليدين صفتين)، لا من حيث الجارحة؛ لورود خبر الصادق به» (^١)؛ فيثبتون صفة اليدين،\nوقال ابن تيمية موضحًا أن تأويلات المعطلة لا يمكن أن تصمد أمام النصوص الشرعية لأن النصوص من جهة هي في غاية الإحكام والوضوح من جهة نفسها، والخلل إنما يقع من جهة ذلك المعارض الذي ابتعد عن النصوص وسعى لردها بكل وسيلة؛ فقال ﵀: \"وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ وَنَجْعَلُ الْكَلَامَ فِيهَا أُنْمُوذَجًا يُحْتَذَى عَلَيْهِ وَنُعَبِّرُ بِصِفَةِ \" الْيَدِ \" وَقَدْ:\n• قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.\n• وَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا \"خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.\n• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.\n• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.\n• وَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ \" الْيَدِ \" فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ\n_________\n(^١) انظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي الجزء الثاني صفحة (١١٨).","vol":"2","page":406},{"text":"بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَمَعْنَى بَسْطِهِمَا بَذْلُ الْجُودِ وَسَعَةُ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِبَسْطِ الْيَدِ وَمَدِّهَا؛ وَتَرْكُهُ يَكُونُ ضَمًّا لِلْيَدِ إلَى الْعُنُقِ صَارَ مِنْ الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ إذَا قِيلَ هُوَ مَبْسُوطُ الْيَدِ فُهِمَ مِنْهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْجُودَ وَالْبُخْلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ جَعْدُ الْبَنَانِ وَسَبْطُ الْبَنَانِ.\nفَالْقَائِلُ؛ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ: وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ جَارِحَةً فَهَذَا حَقٌّ.\nوَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ السَّبْعِ؛ فَهُوَ مُبْطِلٌ.\nفَيَحْتَاجُ إلَى تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْأَرْبَعَةِ. أَمَّا\n\"الْأَوَّلُ \" فَيَقُولُ: إنَّ الْيَدَ تَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ:\no  كَمَا يُسَمَّى الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ سَمَاءً وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لِفُلَانِ عِنْدَهُ أَيَادٍ.\no  وَقَوْلُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا فَقَدَ النَّبِيَّ ﷺ:\nيَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّدًا … [اردده ربي] وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدًا.\no  وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: لَوْلَا يَدٌ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا لَأَجَبْتُك.\n\"الثاني\" وَقَدْ تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ تُحَرِّكُ الْيَدَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ لَهُ يَدٌ فِي كَذَا وَكَذَا؛\no  وَمِنْهُ قَوْلُ \" زِيَادٍ \" لِمُعَاوِيَةَ: إنِّي قَدْ أَمْسَكْت الْعِرَاقَ بِإِحْدَى يَدَيَّ وَيَدِي الْأُخْرَى فَارِغَةٌ يُرِيدُ نِصْفُ قُدْرَتِي ضَبْطُ أَمْرِ الْعِرَاقِ.\no  وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وَالنِّكَاحُ كَلَامٌ يُقَالُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِ.\n\"الثالث\" وَقَدْ يَجْعَلُونَ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهَا إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِأَنَّ غَالِبَ الْأَفْعَالِ لَمَّا كَانَتْ بِالْيَدِ جُعِلَ ذِكْرُ الْيَدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ فُعِلَ بِنَفْسِهِ.\no  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ: بِمَا قَدَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَا قَدَّمُوهُ كَلَامٌ تَكَلَّمُوا بِهِ.","vol":"2","page":407},{"text":"o  وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ -إلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.\no  وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَدَاك أَوْكَتَا. وَفُوك نُفِخَ: تَوْبِيخًا لِكُلِّ مَنْ جَرَّ عَلَى نَفْسِهِ جَرِيرَةً؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ فَعَلَ بِيَدَيْهِ وَفَمِهِ.\nوَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي هَذَا كُلِّهِ.\nوالمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ تَأَوَّلُوا\n• قَوْلَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾\n• وَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾\nعَلَى هَذَا كُلِّهِ فَقَالُوا:\n١. إنَّ الْمُرَادَ نِعْمَتُهُ أَيْ: نِعْمَةُ الدُّنْيَا وَنِعْمَةُ الْآخِرَةِ.\n٢. وَقَالُوا: بِقُدْرَتِهِ.\n٣. وَقَالُوا: اللَّفْظُ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الْجُودِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقَةً؛ بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ صَارَتْ حَقِيقَةً فِي الْعَطَاءِ وَالْجُودِ.\nوَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أَيْ: خَلَقْته أَنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ.\nقُلْت لَهُ فَهَذِهِ تَأْوِيلَاتُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت لَهُ: فَنَنْظُرُ فِيمَا قَدَّمْنَا: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ \" الْيَدَيْنِ \" بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي النِّعْمَةِ وَلَا فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لُغَةِ الْقَوْمِ:\n• اسْتِعْمَالَ الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾\n• وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ﴾\n• وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾\nأَمَّا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَاحِدِ فِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فِي الْوَاحِدِ فَلَا أَصْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَدَدٌ وَهِيَ نُصُوصٌ فِي مَعْنَاهَا لَا يُتَجَوَّزُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ وَيَعْنِي رَجُلَيْنِ وَلَا عِنْدِي رَجُلَانِ وَيَعْنِي بِهِ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَاحِدِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ فِيهِ شِيَاعٌ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَمْعِ فِيهِ مَعْنَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِحُصُولِ الْوَاحِدِ.","vol":"2","page":408},{"text":"فَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَنْ الْوَاحِدِ.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النِّعْمَةُ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ لَا تُحْصَى؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ \" لِمَا خَلَقْت أَنَا \" لِأَنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا ذَلِكَ أَضَافُوا الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ فَتَكُونُ إضَافَتُهُ إلَى الْيَدِ إضَافَةً لَهُ إلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.\nأَمَّا إذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْفَاعِلِ وَعَدَّى الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ بِحَرْفِ الْبَاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ بِيَدَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى: أَنْ يُقَالَ فَعَلْت هَذَا بِيَدَيْك وَيُقَالُ: هَذَا فَعَلَتْهُ يَدَاك لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: فَعَلْت كَافٍ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْفَاعِلِ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْيَدِ حَقِيقَةً كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلَسْت تَجِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا الْعَجَمِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فَصِيحًا يَقُولُ: فَعَلْت هَذَا بِيَدَيَّ أَوْ فُلَانٌ فَعَلَ هَذَا بِيَدَيْهِ إلَّا وَيَكُونُ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ حَقِيقَةً.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا يَدَ لَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَالْفِعْلُ وَقَعَ بِغَيْرِهَا.\nوَبِهَذَا الْفَرْقِ الْمُحَقَّقِ تَتَبَيَّنُ مَوَاضِعُ الْمَجَازِ وَمَوَاضِعُ الْحَقِيقَةِ؛ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ أَلْبَتَّةَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ اللُّغَةِ. قَالَ لِي: فَقَدْ \"أَوْقَعُوا الِاثْنَيْنِ مَوْقِعَ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ.\nقُلْت لَهُ: هَذَا مَمْنُوعٌ؛ بَلْ قَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ قَدْ قِيلَ تَثْنِيَةُ الْفَاعِلِ لِتَثْنِيَةِ الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى أَلْقِ أَلْقِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلسَّائِقِ وَالشَّهِيدِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ قَالَ: إنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مَعَهُ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَيَقُولُ: خَلِيلَيَّ خَلِيلَيَّ ثُمَّ إنَّهُ يُوقِعُ هَذَا الْخِطَابَ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ مَوْجُودَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِاثْنَيْنِ يُقَدَّرُ وُجُودُهُمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ.\nالْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِالْيَدِ حَقِيقَةَ الْيَدِ وَأَنْ يَعْنِيَ بِهَا الْقُدْرَةَ أَوْ النِّعْمَةَ أَوْ يَجْعَلَ ذِكْرَهَا كِنَايَةً عَنْ الْفِعْلِ؛ لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِصَرْفِهَا عَنْ الْحَقِيقَةِ؟","vol":"2","page":409},{"text":"فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.\nقُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ \" يَدٌ \" تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟\nقَالَ: لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَا يُحِيلُ هَذَا؛\n\"قُلْت \" فَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا وَهُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ فَلِمَ يُصْرَفُ عَنْهُ اللَّفْظُ إلَى مَجَازِهِ؟ وَكُلُّ مَا يَذْكُرُهُ الْخَصْمُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وَصْفِهِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ -وَصَحَّتْ الدَّلَالَةُ-سُلِّمَ لَهُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ مُنْتَفٍ عَنْهُ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ \" يَدٌ \" يَسْتَحِقُّهَا الْخَالِقُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ بَلْ كَالذَّاتِ وَالْوُجُودِ.\nالْمَقَامُ الثَّالِثُ: قُلْت لَهُ: بَلَغَك أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْيَدِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ أَوْ الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ أَوْ هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وَصْفِهِ بِالْيَدِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً؛ بَلْ أَوْ دَلَالَةً خَفِيَّةً؟ فَإِنَّ أَقْصَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَكَلِّفُ\n• قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾\n• وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾\n• وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾\nوَهَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إنَّمَا يَدْلُلْنَ عَلَى انْتِفَاءِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ. أَمَّا انْتِفَاءُ يَدٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَكَذَلِكَ هَلْ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَا \" يَدَ \" لَهُ أَلْبَتَّةَ؟ لَا \" يَدًا \" تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَلَا \" يَدًا \" تُنَاسِبُ الْمُحْدَثَاتِ وَهَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا؛ وَلَوْ بِوَجْهِ خَفِيٍّ؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَنْفِي حَقِيقَةَ الْيَدِ أَلْبَتَّةَ؛ وَإِنْ فُرِضَ مَا يُنَافِيهَا فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْوُجُوهِ الْخَفِيَّةِ-عِنْدَ مَنْ يَدَّعِيهِ-وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ شُبْهَةٌ فَاسِدَةٌ.\nفَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُمْلَأَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ بِيَدِهِ وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وَأَنَّ الْمُلْكَ بِيَدِهِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُحْصَى ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأُولِي الْأَمْرِ: لَا يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَلَا ظَاهِرُهُ حَتَّى يَنْشَأَ","vol":"2","page":410},{"text":"\" جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ \" بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَيَتْبَعَهُ عَلَيْهِ \" بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ \" وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَنَا نَبِيُّنَا ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى \" الْخِرَاءَةَ \" وَيَقُولَ: ﴿مَا تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَلَا مِنْ \"شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ﴾ ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ﴾ ثُمَّ يَتْرُكَ الْكِتَاب الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَسُنَّتَهُ الْغَرَّاءَ مَمْلُوءَةً مِمَّا يَزْعُمُ الْخَصْمُ أَنَّ ظَاهِرَهُ تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ وَأَنَّ اعْتِقَادَ ظَاهِرِهِ ضَلَالٌ وَهُوَ لَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَلَا يُوَضِّحُهُ وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلسَّلَفِ أَنْ يَقُولُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيَّ هُوَ الْمُرَادُ وَهُوَ شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبُ حَتَّى يَكُونَ أَبْنَاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ أَعْلَمُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟\n(الْمَقَامُ الرَّابِعُ): قُلْت لَهُ: أَنَا أَذْكُرُ لَك مِنْ الْأَدِلَّةِ الْجَلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ وَالظَّاهِرَةِ مَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ لِلَّهِ \" يَدَيْنِ \" حَقِيقَةً. فَمِنْ ذَلِكَ:\n• تَفْضِيلُهُ لِآدَمَ: يَسْتَوْجِبُ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَامْتِنَاعَهُمْ عَنْ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ أَوْ بِنِعْمَتِهِ أَوْ مُجَرَّدِ إضَافَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ لَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ إبْلِيسُ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.\nقَالَ لِي: فَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وَبَيْتُ اللَّهِ.\nقُلْت لَهُ: لَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ \"تَشْرِيفًا حَتَّى يَكُونَ فِي الْمُضَافِ مَعْنًى أَفْرَدَهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاقَةِ وَالْبَيْتِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا تَمْتَازُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ النُّوقِ وَالْبُيُوتِ لَمَا اسْتَحَقَّا هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ فَإِضَافَةُ خَلْقِ آدَمَ إلَيْهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: كُنْ فَيَكُونُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ.\n• وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: بِيَدِهِ الْمُلْكُ أَوْ عَمِلَتْهُ يَدَاك فَهُمَا شَيْئَانِ:\n(أَحَدُهُمَا) إثْبَاتُ الْيَدِ.\nوَ(الثَّانِي) إضَافَةُ الْمُلْكِ وَالْعَمَلِ إلَيْهَا.","vol":"2","page":411},{"text":"وَالثَّانِي يَقَعُ فِيهِ التَّجَوُّزُ كَثِيرًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا الْكَلَامَ إلَّا لِجِنْسِ لَهُ \" يَدٌ \" حَقِيقَةً وَلَا يَقُولُونَ: \" يَدُ \" الْهَوَى وَلَا \" يَدُ \" الْمَاءِ فَهَبْ أَنَّ قَوْلَهُ: بِيَدِهِ الْمُلْكُ قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُدْرَتِهِ لَكِنْ لَا يُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ إلَّا لِمَنْ لَهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مِنْ وَجْهَيْنِ:\n(أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ هُنَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وَهُنَاكَ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْأَيْدِي.\n(الثَّانِي): أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَضَعُونَ اسْمَ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ إذَا أُمِنَ اللَّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أَيْ: يَدَيْهِمَا وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أَيْ: قَلْبَاكُمَا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾.\nوَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا مِثْلُ:\n• قَوْلِهِ ﷺ ﴿الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n• وَقَوْلِهِ ﷺ ﴿يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ؛ وَالْبُخَارِيُّ فِيمَا أَظُنُّ.\n• وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يتكفؤها الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ﴾.\n• وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿يَأْخُذُ الرَّبُّ ﷿ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدَيْهِ-وَجَعَلَ يَقْبِضُ يَدَيْهِ وَيَبْسُطُهُمَا -وَيَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ حَتَّى نَظَرْت إلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّك أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟﴾ - ﴿وَفِي رِوَايَةٍ-أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ: يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ أَنَا الْجَبَّارُ﴾ وَذَكَرَهُ.\n• وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ اللَّهُ","vol":"2","page":412},{"text":"الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟﴾ وَمَا يُوَافِقُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْحَبْرِ.\n• وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت قَالَ: اخْتَرْت يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَة ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ﴾\n• وَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي﴾.\n• وَفِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّهُ لَمَّا تَحَاجَّ آدَمَ وَمُوسَى قَالَ آدَمَ: يَا مُوسَى اصْطَفَاك اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ؛ وَقَدْ قَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمَ الَّذِي خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ.﴾\n• وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﴿قَالَ سُبْحَانَهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي؛ لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت لَهُ: كُنْ فَكَانَ﴾\n• وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي السُّنَنِ: ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ﴾.\nفَذَكَرْت لَهُ \" هَذِهِ الْأَحَادِيثَ \" وَغَيْرَهَا؛ ثُمَّ \" قُلْت لَهُ \": هَلْ تَقْبَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تَأْوِيلًا؛ أَمْ هِيَ نُصُوصٌ قَاطِعَةٌ؟ وَهَذِهِ أَحَادِيثُ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَنَقَلَتْهَا مِنْ بَحْرٍ غَزِيرٍ. فَأَظْهَرَ الرَّجُلُ التَّوْبَةَ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ. فَهَذَا الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ -أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك-أَنْ أَكْتُبَهُ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ \" ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ وَ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. (^١) \"\nبينما متأخرو الأشاعرة لم يُثبتوا صفة اليدين؟ فالبيهقي هنا أثبت الصفات الذاتية؛ لأنه على منهج المتقدمين، كما ذكر هنا جملة من النصوص، وبعد هذا ذكر كلام المتقدمين منهم، فقال البيهقي: «أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب، وكذلك قال في الاستواء على العرش، وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين».\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٤ - ٣٧٣","vol":"2","page":413},{"text":"فإن كان يقصد-كما يزعم بعض الأشاعرة-أنهم فوضوا المعنى، فإن السلف لم يفوضوا المعنى، وعلى من يتشكك في هذه القضية أن يرجع إلى النصوص، يرجع إلى المأثور من كلام السلف، فقد فسروا معاني هذه الصفات، والله ﷿ ذكر منها جملة من الصفات؛ فذكر اليد والكف واليمين والأصابع. وهذه كلها تشير إلى أنها صفات حقيقية، ولكن لا يتبع هذا أن نخوض في هيئتها وكيفيتها، إذ لا سبيل لنا إلى ذلك.","vol":"2","page":414},{"text":"(١٣٤) «وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال التأويل»: لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها؛ لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة.\nوذكر بعض كلام الزهري، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، والأسود بن سالم، وإسحاق بن راهوية، وأبي عبيد، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم في هذا الباب. وفي حكاية ألفاظهم طُول.\nإلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أنَّ الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة».\n<hr><s0>\n\nالقاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، القاضي أبو يعلى البغدادي الحنبلي، المعروف ب ابن الفراء. وهو أحد فقهاء الحنابلة في العصر العباسي الثاني. ولد سنة ٣٨٠ هـ وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. والفراء نسبة إلى خياطة الفراء وبيعها. واشتهر بعد ذلك: بالقاضي أبي يعلى وله كتاب «إبطال التأويلات»، وهو مطبوع في جزأين.\nوليس هو أبو يعلى الفراء ﵀، فالموصليّ هو صاحب المسند، وهو من أهل الحديث. واسمه أحمد بن علي بن المثنى بن يحيي التميمي الموصلي، واشتهر بأبي يعلى الموصلي، ولد سنة ٢١٠ هـ. حافظ، من علماء الحديث. ثقة مشهور، توفي سنة ٣٠٧ هـ.\nأمّا صاحب \" إبطال التّأويلات \" فهو أبو يعلى الفرّاء، وهو معدود من متكلّمي أهل الإثبات، فهو بسبب انتمائه إلى مذهب أحمد ﵀ أثبت كثيرا من أسماء الله وصفاته، ولكن بحكم أنّه خاض في علم الكلام واعتمد قواعده خالف بعض قواعد","vol":"2","page":415},{"text":"اعتقاد السّلف ووقع في التّفويض تارة، وفي التّأويل تارة، لذلك نراه يوافق أبا الحسن الأشعريّ في بعض مقالاته.\nومن جهة أخرى نراه أثبت صفاتٍ لم يأت النصّ الصّحيح بها، كإثبات الحدّ لله، والقعود على العرش، وأخذ بلزوم صفة النّزول فأثبت الصّعود، وغير ذلك.\nيقول الشيخ أحمد القاضي في كتابه عن كتاب أبي يعلي هذا:\nوقد أراد أبو يعلى ﵀ إبطال طريقة أهل التأويل، وتقرير مذهب السلف في الإثبات، فوفق في تحقيق الهدف الأول، ووجهت إليه بعض الانتقادات في الثاني. وتنحصر هذه الانتقادات في رواية بعض الأحاديث الواهية واعتمادها في الدلالة على صفات الله، وشيء من التأويل والتفويض\" (^١). اه\nقال ابن تيمية ﵀: \"وقد صنّف القاضي أبو يعلى كتابه في \" إبطال التأويل \" ردّا لكتاب ابن فورك، وهو -وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها- ففيها عدّة أحاديث موضوعة، كحديث \" الرّؤية عيانا ليلة المعراج \"، ونحوه. وفيها أشياء عن بعض السّلف رواها بعض النّاس مرفوعةً كحديث قعود الرّسول ﷺ على العرش، رواه بعض النّاس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلّها موضوعة، وإنّما الثّابت أنّه عن مجاهد وغيره من السّلف … ولهذا وغيرِه تكلّم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ، وشنّع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.\nوما نقله عنه أبو بكر بن العربي في \" العواصم \" كذب عليه عن مجهول، لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه، مع أنّ هؤلاء-وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه-ففي كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيها، وفي كلامه من التّناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعريّ والقاضي أبي بكر الباقلاّني وأبي المعالي وأمثالهم ممّن يوافق النّفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه! يقول الجمهور: إنّه جمع بين النّقيضين … \" (^٢)\nوكان شيخ الإسلام ابن تيمية ينتقد القاضي أبي يعلى في أمور منها قوله بالتفويض فيقول: \" ونوع ثالث: سمعوا الأحاديث والآثار وعظَّموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن\n_________\n(^١) مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص: ٢٠٧\n(^٢) درء تعارض العقل والنّقل (٣/ ١٩).","vol":"2","page":416},{"text":"والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.\nوهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.\nولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.\nوتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.\nوتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله\" (^١).\nوفي زمن القاضي أبي يعلى حصل نزاع مشهور في زمن الدولة السلجوقية بين الأشعرية والحنبلية، وكان ذلك في زمن أيضًا يقارب زمن أبي القاسم القشيري، حيث صَنَّف القشيري رسالة «الشكاية»، فحصل بين الأشاعرة والحنابلة بعضُ الاختلاف الشديد، وكان السلطان إذ ذاك مائلًا إلى الحنابلة في الجملة.\nوهذا الخلاف مشهور عند أهل التاريخ والأخبار، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ طرفًا منه.\nولأبي يعلى كذلك تصنيفٌ فاضل في الإيمان، وهو باسم كتاب «الإيمان»، وهو مطبوع أيضًا (^٢).\n_________\n(^١) درء التعارض ٧/ ٣٢.\n(^٢) انظر: «شرح الحموية» ليوسف الغفيض درس رقم (١٥).","vol":"2","page":417},{"text":"«وذكر بعض كلام الزهري، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، والأسود بن سالم، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم في هذا الباب. وفي حكاية ألفاظهم طُول».\n<hr><s0>\n\nكلام الأئمة الذين ذكرهم وغيرهم يدل على هذا الاعتقاد في الصفات، وتجده مدونًا في مصنفات من اعتنوا بالمأثور وجمع كلام السلف، وأكثره مطبوع وموجود، ولذلك يورد ابن تيمية ﵀ هذه النصوص عنهم؛ ليثبت أن هذا الكلام الذي يدعو بالرجوع إليه ليس أمرًا ابتدعه من تلقاء نفسه.\nفأهل السنة مجمعون على أنهم يدورون مع النصوص فما ورد إثباته يثبت لله على الوجه اللائق به قال وهب بن منبه: \"لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك) (^١)\n_________\n(^١) البداية والنهاية لابن كثير: ٩/ ٣٥٠","vol":"2","page":418},{"text":"«إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أنَّ الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة».\n<hr><s0>\n\nوكلامه هنا من أجمل ما يكون؛ إذ يقول: «فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه» أي لو كانت هذه التأويلات أمرًا مشروعًا لكان أولى بذلك الصحابة ومَن بعدهم من التابعين، ولسبقونا إليها.\nوهنا التحدَّي لهؤلاء المعطلة بأن يأتوا بنصٍّ واحد عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ينص على أنهم لم يحملوا هذه الصفات على ظاهرها، أو تعرضوا لتأويلها؛ فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة.\nلأنَّ الصحابةَ هم أعرف الناس بما يجب على الله، وأدرى بمعاني هذه النصوص، فهم شاهدوا التنزيل، وهم أهل اللغة، وعندهم رسول الله ﷺ يَسألونه عما أشكل عليهم، ولو كان في هذا تشبيه لبينوا ذلك، فالشبهة تختلف عند بعض الناس.\nوقد قال الذهبي ﵀: «وقال القاضي أبو يعلى بعد أن ذكر حديث الجارية: الكلام في هذا الخبر في فصلين؛ أحدهما: جواز السؤال عن الله سبحانه ب (أين هو؟). والثاني: جواز الإخبار عنه بأنه في السماء، وقد أخبرنا تعالى أنه في السماء؛ فقال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ وهو على العرش، وسرد كلاما طويلًا …، وكان آية في معرفة مذهب الإمام أحمد، صَنَّف التصانيف الفائقة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وكان عالي الإسناد؛ سَمِع مِنْ علي بن عمر الحربي وطائفة، وعاش نَيِّفًا وثمانين سنة» (^١).\n_________\n(^١) «العلو للعلي الغفار» باختصار (ص ٢٥٢).","vol":"2","page":419},{"text":"(١٣٥) «وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام، في كتابه الذي صَنَّفه في «اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين»، ذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم».\n<hr><s0>\n\nذكر المصنف-رحمه الله تعالى-هنا كلام أبي الحسن الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين»، ومعلوم أن أبا الحسن الأشعري مَرَّ بثلاثة أطوار:\nالطور الأول: كان على الاعتزال؛ إذ نشأ في بيت أبي علي الجبائي، وكان الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، وقد استمر على هذا الأمر إلى سِنِّ الأربعين، وأبو الحسن ولد عام مائتين وستين للهجرة، وتوفي ثلاثمائة وأربع وعشرين.\nفهو إلى عام الثلاثمائة كان على الاعتزال.\nالطور الثاني: ثم ترك الاعتزال وأخذ بقول الكلابية، واستمر على هذا فترة من الزمن.\nالطور الثالث: إلى أن التقى بأبي زكريا الساجي، وهو شيخ أهل الحديث في البصرة؛ فأخذ عنه قول أهل الحديث، ثم انتقل إلى بغداد واجتمع بِمَنْ فيها من أهل الحديث، وكان هذا آخر أمره؛ أي: رجوعه إلى معتقد أهل السنة.\nولكن كما يقول شيخ الإسلام بن تيمية: «إن رجوعه كان رجوع جملة» (^١)، بمعنى: أنه بقيت هناك بعض المسائل عنده هو فيها على عقيدة الكلابية، ومنها مسألة الكلام، ومنها مسألة الرؤيا، ومنها بعض المسائل في القَدَر، ولا شك أن تلك الحقب الطويلة التي مَرَّ بها كان لها أثرها عليه، ومن المتعذر أن يحيط في فترة قصيرة بمعتقد أهل السنة والجماعة.\nيقول الحافظ الذهبي: \"وكان معتزليًّا ثم تاب، ووافق أصحابَ الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما\n_________\n(^١) انظر: كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الثاني صفحة (١٦).","vol":"2","page":420},{"text":"ذكرناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك.\nفله ثلاثة أحوال: حال كان معتزليًّا، وحال كان سنيًّا في بعض دون البعض، وكان في غالب الأصول سنيًّا، وهو الذي علمناه من حاله، فرحمه الله وغفر له ولسائر المسلمين\" (^١).\nويقول الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ: (\"ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀-ثلاثة أحوال:\nأولها: حال الاعتزال، التي رجع عنها لا محالة.\nوالحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية؛ كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك.\nوالحال الثالثة: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه، جريًا على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا، وشرحه القاضي الباقلاني، ونقلها أبو القاسم ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدمين في أواخر أقوالهم، والله أعلم\" (^٢).\nوتجدر الإشارة إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) قد قام بتقسيم هذه الحال الثالثة إلى مرحلتين؛ فقال: \"وأما الأشعري فهو أقرب إلى أصول أحمد من ابن عقيل، وأتبع لها؛ فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول.\nوكنت أقرر هذا للحنبلية، وأُبيِّن أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره، كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم\" (^٣).\nفقد بين ابن تيمية أن انتقال الشيخ أبي الحسن من طريقة ابن كلاب إلى مذهب السلف في الصفات مر بمرحلتين:\nالأولى: أخذه عن الشيخ زكريا الساجي أصول الحديث.\n_________\n(^١) العرش (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(^٢) طبقات الشافعيين (ص: ٢١٠ (.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٨ (.","vol":"2","page":421},{"text":"الثانية: أخذه عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، كانت هي آخر أمره الذي توفي عليه-﵀\nفهذه حقيقة أبي الحسن الأشعري، بينما يرى البعض أنه مَرَّ بطورين فقط، وهما: الطور الاعتزالي، وهذا الجميع يُقرُّ به، والطور الكلابي، ولا يعترف الأشاعرة برجوعه إلى عقيدة أهل السنة، ولكن هذا يردُّه كتاب «الإبانة»، وكتاب «مقالات الإسلاميين»، وما فيهما من ذكر معتقد أهل السنة والجماعة.\nقال الحافظ أبي القاسم بن عساكر-وهو من أعظم الناس انتصارًا للشيخ أبي الحسن الأشعري-حيث قال بعدما ذكر طرفًا من كلامه في الإبانة: \"وتبينوا فضل أبي الحسن، واعرفوا إنصافه، واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل واعترافه؛ لتعلموا أنهما كانا في الاعتقاد متفقين، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين\" (^١)\n_________\n(^١) تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري (ص: ١٦٣).","vol":"2","page":422},{"text":"«ثم قال مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة:».\n<hr><s0>\n\nوقال هنا: «مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث، وهذا يدل على أنه يميِّز بين أهل السنة وبين غيرهم؛ لأن أبا الحسن في كتاب مقالات الإسلاميين أشار إلى الكلابية، وتكلم عن آرائهم، وأشار إلى المعتزلة وتكلم عن آرائهم، ولا شك أنه خبير بآراء المعتزلة وآراء الكلابية.\nوقوله هنا: «مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة» يشير إلى رجوعه إلى عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث، وتمييزه لهم عن غيرهم من الفِرَقِ.\nفكلامه هنا في «مقالات الإسلاميين» يدل على أنه عرف أصول أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وأقرَّ بذلك؛ إذ سيأتي موطن يشير فيه ابن تيمية-﵀-إلى إقراره بكلام الإمام أحمد بن حنبل ﵀ والاعتراف بإمامته لأهل السنة.","vol":"2","page":423},{"text":"«الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون شيئًا من ذلك، وأن الله واحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله».\n<hr><s0>\n\nأشار هنا إلى جملة اعتقاد أهل السنة والجماعة مما يشير إلى إقراره بعقيدة أهل السنة فعقيدة أهل السنة مبنية على الإيمان بأركان الإيمان الستة التي أورد منها هنا أربعة أركان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله في إشارة لما ورد في قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥ (.\nوأشار كذلك إلى أساس مصادر الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة وهي الإقرار «بما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون شيئًا من ذلك» فالرجوع للكتاب والسنة باعتبارهما مصدر التلقي هو ما يميزهم عن غيرهم من فرق الضلال الذين ردوا نصوص القرآن والسنة تحت ذرائع كثيرة سبق بيانها في هذا الشرح في عدة مواطن.\nثم أشار بعد ذلك إلى جوهر الاعتقاد وأساسه وهو الإقرار بالشهادتين في قوله: «وأن الله واحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله».\nفالإقرار بالشهادتين هما الأصلين العظيمين اللذين عليهما مدار مسائل الاعتقاد التي تقوم على الإخلاص والمتابعة كما جاء في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف: ١١٠ (، فمن سلم له توحيده ومتابعته هدي وكفي ووفق للسداد والرشاد، ومن اختل لديه أحد هذين الأصلين أو كلاهما فهو على خطر عظيم.","vol":"2","page":424},{"text":"«وأن الجنة حق، وأن النار حق».\n<hr><s0>\n\nأي على المسلم الإيمان بالجنة والنار، فهما يدخلان ضمن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أصل من أصول الإيمان، فمن أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث، أي: أن الله يبعث الأجساد ويحاسب الخلائق، والإيمان بالميزان والصراط والجنة والنار، فمن أنكر وجود الجنة أو أنكر النار كفر؛ لأنه مكذب لله.\n• قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ لَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥]﴾ [لقمان: ٨]،\n• وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]، فمن أنكر الجنة أو النار فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.\nقال الإمام ابن القيم: \"يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون.\n• فيها قال أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: \"جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردّون من ذلك شيئا\" .... \"ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان\" قال ابن القيم بعد أن ساق كلام الأشعري \"والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان\" (^١).\nوأما الأقوال في مسألة كون الجنة والنار مخلوقتان فهي:\nالقول الأول: قول أهل السنة والجماعة.\nأن الجنة والنار الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان.\n_________\n(^١) حادي الأرواح: ص ١١ - ١٥","vol":"2","page":425},{"text":"أدلتهم:\nوقد دل على ذلك من القرآن:\n• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ النجم: ١٣ - ١٥ وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: \"ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك\" (^١).\n• وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة\" (^٢).\n• وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء ابن عازب قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فذكر الحديث بطوله وفيه \"فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها \" (^٣) وذكر الحديث.\n• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \" إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٦٤) ومسلم في صحيحه (١٦٣) واللفظ للبخاري.\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٧) وأبو داود (٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجه (١٥٤٨) و(١٥٤٩) والحاكم (١/ ٩٣) رقم (١٠٧) وأبو عوانة كما في (إتحاف المهرة) (٢/ ٤٥٩) وابن منده في الإيمان (١٠٦٤) والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٢١) و(٤٣) وغيرهم. من طريق زاذان عن البراء بن عازب فذكره. والحديث صححه: أبو عوانة وابن منده والحاكم والبيهقي وابن القيم وغيرهم.\nقال ابن القيم في الروح، ص (٩١): (هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومسألة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٨)، ومسلم برقم (٢٨٧٠) واللفظ لمسلم.","vol":"2","page":426},{"text":"فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا\" (^١).\n• وفي صحيح أبي عوانة الإسفرائيني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح \"ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكن\" (^٢).\n• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ: \" أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن \" (^٣). وذكر الحديث.\n• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرت الحديث إلى أن قالت ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: \" أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٩٨) برقم (١٣٧٤)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٠) برقم (٢٨٧٠) واللفظ للبخاري.\n(^٢) أخرجه أبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة لابن حجر (٢/ ٤٥٩)، وأبو داود برقم (٤٧٥٣). ولعل هذا لفظ أبي عوانة في صحيحه، والحديث تقدم الكلام عليه مختصرًا.\n(^٣) أخرجه أحمد النسخ (٣/ ٣ - ٤) والبزار كما في (كشف الأستار) رقم (٨٧٢) وابن أبي عاصم في (السنة) رقم (٨٦٥)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر) رقم (٣١)، من طريق عباد بن راشد البصري عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره.\nوقد تفرد به عباد وهو صدوق له أوهام، عن خاله داود بن أبي هند مرفوعا.\nوقال البزار: (لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وهذا من أغرب ما كان يسأل عنه الحسين وابن معمر).\nوقد خولف عباد، خالفه مسلمة بن علقمة فأوقفه.\nفرواه عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: فذكر نحوا من حديث عباد بن راشد ولم يرفعه.","vol":"2","page":427},{"text":"فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة \" (^١).\nوقال رسول الله ﷺ: \"رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها حين رأيتموني تأخرت \" (^٢).\n• وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله فذكر الحديث وفيه قال: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله \". فقالوا يا رسول الله ﷺ: رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال: \"إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا بم يا رسول قال: \" بكفرهن\" قيل: أيكفرن بالله قال: \" يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط\" (^٣).\n• وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ في صلاة الخسوف قال: \" قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت ما شأن هذه قالوا حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل\" (^٤).\nالقول الثاني: المعتزلة.\nأنكروا خلقهما الآن، فقالوا: الجنة والنار لم تخلقا بعد، ولكن سوف يخلقهما الله تعالى يوم القيامة، أما الآن فلا توجد جنة ولا نار.\nشبهتهم: سبب هذا القول هو أن المعتزلة يعملون عقولهم في مقابلة النصوص، فيعارضون النصوص بعقولهم، وهذا من جهلهم وضلالهم، فهم يقولون: لو قلنا إن الجنة والنار مخلوقتان الآن لصار خلقهما عبثًا؛ لأنهما مخلوقتان وليس فيهما أحد، والعبث محال على الله، فتنزيهًا لله نقول: لا توجد جنة ولا نار الآن؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة حين ينتفع المؤمنون بالجنة ويكون الكفرة في النار.\n_________\n(^١) رقم (٩٠١)، وهو عند البخاري أيضا رقم (٩٩٧، ١١٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧). أخرجه البخاري رقم (٣٥٨)، ومسلم رقم (٩٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري: رقم (٧١٢ (.\n(^٤) أخرجه البخاري: رقم (٩٠٤) - (٩).","vol":"2","page":428},{"text":"ويجاب عليهم:\nأولًا: قولكم هذا من أبطل الباطل؛ لأن الله تعالى أثبتهما، ونحن نصدق الله ونؤمن بالله، فقد أخبر تعالى أنهما موجودتان، قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهي مرصدة معدة مهيأة.\nثانيًا: أن خلق الجنة وخلق النار الآن وإعدادهما أبلغ في الزجر وأبلغ في التشديد، فإذا علم العاصي أن النار معدة الآن صار أبلغ في الزجر، وإذا علم المطيع أن الجنة معدة صار أبلغ في الشوق.\nثالثًا: نقول: من قال إن خلقهما الآن عبث؟ فالجنة فيها الولدان، وفيها الحور، وأرواح المؤمنين تتنعم في الجنة، وأرواح الشهداء تنعم فيها، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وترد أنهارها، وتأكل من ثمارها، حتى يرجعها الله إلى أجسادها)، والمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة على هيئة نسمة طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.\n• ونعلم أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من نعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.\n• إذًا هناك حكمة وفائدة من خلقهما الآن، فهذا من جهل المعتزلة وضلالهم، حيث إنهم عارضوا النصوص بأفهامهم وآرائهم الفاسدة.","vol":"2","page":429},{"text":"«وأن الساعة آتية لا ريب فيها».\n<hr><s0>\n\nالساعة هي يوم القيامة، والقيامةَ قيامتان: قيامةٌ صُغرى، وهي الموتُ. وقيامةٌ كبرى، وهي التي يقومُ فيها النَّاسُ مِنْ قُبُورهم لربِّ العالمين.\nقال القرطبيُّ ﵀: «قال علماؤنا: واعلم أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ مات فقد قامت قيامتُه، ولكنها قيامةٌ صُغرى وكُبرى.\nفالصُّغرى: هي ما يقومُ على كل إنسانٍ في خَاصَّتِه من خروج رُوحه، وفِراق أهله، وانقطاع سَعْيه، وحُصوله على عمله؛ إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فَشَرٌّ.\nوالقيامة الكبرى: هي التي تَعُمُّ النَّاسَ، وتأخذهم أخذةً واحدةً.\nوالدَّليلُ على أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يموتُ فقد قامت قيامتُه: قول النَّبي ﷺ لقومٍ من الأعرابِ وقد سألوه: مَتى القِيامةُ؟ فنظر إلى أحدث إنسانٍ منهم، فقال: «إِنْ يَعِشْ هذا لَم يُدركه الهَرَمُ قَامَت عليكم سَاعَتُكم» (^١)» (^٢).\nثم قال ﵀: «فَتُعادُ الأرواحُ إلى الأجسادِ»، وذلك بعد النفخة الثانية بالصُّور، وهذه الإعادةُ غيرُ الإعادة التي كانت في البرزخ.\nقال ابنُ أبي العِزِّ ﵀: «الإيمانُ بالمَعاد مِمَّا دَلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة والعَقل والفِطرة السَّليمة.\nفأخبرَ اللهُ- سبحانه- في كتابه العزيز، وأَقَامَ الدَّليل عليه، ورَدَّ على مُنكريه في غالب سُور القرآن، وذلك أنَّ الأنبياء- ﵈ كلهم مُتَّفِقون على الإيمانِ بالله، فإنَّ الإقرارَ بالربِّ عامٌّ في بني آدم، وهو فِطري، وكُلُّهم يُقِرُّ بالربِّ إلا مَنْ عانَدَ؛ كفِرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر فإنَّ مُنكريه كثيرون، ومحمَّد ﷺ لَمَّا كان خاتم الأنبياء، وكان قد بُعِثَ هو والسَّاعة كهاتين، وكان هو الحاشر والمُقَفِّي بَيَّن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٥٢) من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) «التذكرة» (ص ١٨٧، ١٨٨).","vol":"2","page":430},{"text":"تفصيل الآخرة بيانًا لا يُوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظَنَّ طائفةٌ مِنْ المُتفلسفة ونحوهم أنَّه لم يُفصح بمعاد الأبدان إلا مُحَمَّد ﷺ، وجَعلوا هذه حُجَّة لهم في أنَّه من باب التخييل والخِطاب الجُمهوري.\nوالقرآنُ بَيَّن مَعاد النَّفس عند الموت، ومَعادَ البدن عند القيامة الكبرى في غير مَوضع، وهؤلاء يُنكرون القيامة الكبرى، ويُنكرون معاد الأبدان، ويقول مَنْ يقول منهم: إنَّه لم يُخبر به إلا محمَّدٌ ﷺ عن طريق التخييل.\nوهذا كذبٌ؛ فإنَّ القِيامة الكبرى هي معروفةٌ عند الأنبياء من آدم إلى نُوح إلى إبراهيم ومُوسى وعِيسى وغيرهم ﵈، وقد أخبر اللهُ بها من حين أهبط آدم؛ فقال تَعَالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤ - ٢٥]، ولمَّا قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].\nوأمَّا نوحٌ ﵇ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧ - ١٨]، وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، إلى آخر القصة وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأمَّا موسى ﵇ فقال الله لَمَّا ناجاه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٥ - ١٦].\nبل مُؤمنُ آلِ فِرعون كان يَعلم المَعاد، وإنَّما آمَنَ بموسى؛ قال تَعَالى: حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣]، إلى قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، إلى قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].\nوقال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nوقد أخبر في قِصَّة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].\nوقد أخبرَ اللهُ أنَّه أرسلَ الرُّسل مُبَشِّرين ومُنذرين في آياتٍ مِنْ القُرآن، وأَخْبَر عن","vol":"2","page":431},{"text":"أهلِ النَّار أنَّهم إذا قال لهم خزنَتُها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\nوهذا اعترافٌ من أصناف الكفار الدَّاخلين جَهَنَّم: أنَّ الرسلَ أَنْذَرَتْهم لِقاء يومهم هذا.\nفجميعُ الرُّسلِ أَنذروا بما أَنْذَر به خَاتَمُهم من عقوبات المُذنبين في الدُّنيا والآخرة، فَعَامَّةُ سُور القرآن التي فيها ذِكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدُّنيا والآخرة، وأَمَرَ نَبِيَّه أن يُقسم به على المعاد فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]، الآيات، وقال تَعَالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال تَعَالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وأخبر عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢]، إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧].\nوقد ذَمَّ اللهُ المُكَذِّبين بالمَعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، إلخ» (^١).\nوقد دلَّ-أيضًا-على قيام السَّاعة وحَشر الناس في اليوم الآخر أدلةٌ مُستفيضة مِنْ السُّنَّة، منها: ما جاء في حديث جبريل ﵇؛ أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه\n_________\n(^١) «شرح الطَّحاوية» (ص ٤٠٤، ٤٠٥).","vol":"2","page":432},{"text":"وشَرِّه» (^١)، وفي رواية: «والبَعْث بعدَ المَوْتِ» (^٢).\nوكذلك ما روي عن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّها النَّاس، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثُمَّ إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكسى يوم القيامة إبراهيمُ» (^٣).\nوقد أجمعَ على ذلك المُسلمون إجماعًا قطعيًّا، بل حتى أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى.\nوكذلك العَقلُ يقضي بأن هناك يوم آخر للجَزَاء والحِساب، وإلا لكان إيجاد الخلائق عَبَثًا، واللهُ مُنَزَّه عن ذلك، وهذا-أيضًا-من تمام إقامة العدل بين الخلق؛ قال ابنُ القيِّم: «ولهذا كان الصَّوَابُ أنَّ المَعاد معلومٌ بالعقل مع الشَّرع، وأنَّ كمالَ الرَّبِّ تَعالى، وكمالَ أسمائه وصفاته تَقتضيه وتُوجبه، وأنَّه مُنَزَّه عَمَّا يقولُه مُنكروه، كما يُنَزَّه كمالُه عن سائر العُيوب والنَّقائص» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁ ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (١/ ٣٨٩) (١٦٨) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ١٧٢) (٣٠٤٤٥)، وصححها الألباني في «التعليقات الحسان» (١٦٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٠) ومسلم (٢٨٦٠).\n(^٤) «الفوائد» (ص ٢٩).","vol":"2","page":433},{"text":"«وأن الله يبعث من في القبور».\n<hr><s0>\n\nأول مراحل الحياة الآخرة حياة البرزخ وعذاب القبر ونعيمه، ثم بعد ذلك يأتي البعث، ويسبق البعث النفخ.\nومن الأدلة على إثبات البعث ما جاء في حديث جبريل ﵇؛ أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (^١)، وفي رواية: «والبَعْث بعدَ المَوْتِ» (^٢).\nوكذلك ما روي عن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّها النَّاس، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى الله حُفَاة عُرَاة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثُمَّ إنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكسى يوم القيامة إبراهيمُ» (^٣).\nويوم البعث يخرج الإنسان من قبره فيجد ملكًا من قِبَل الله يأخذه ويوقفه في المكان الذي يريده الله له، أو يسوقه إلى موقفه المناسب قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١].\nعن ابن عباس ﵄ قوله: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) قال: \"السائق من الملائكة، والشهيد: شاهد عليه من نفسه\" (^٤).\nوروي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٨) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (١/ ٣٨٩) (١٦٨) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ١٧٢) (٣٠٤٤٥)، وصححها الألباني في «التعليقات الحسان» (١٦٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٠) ومسلم (٢٨٦٠).\n(^٤) انظر تفسير الطبري (٢٢/ ٣٤٨).\n(^٥) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦)","vol":"2","page":434},{"text":"«وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأنَّ له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأنَّ له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وأن له وجهًا، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]».\n<hr><s0>\n\nفأشار هنا إلى إقراره بعقيدة أهل السنة في باب الصفات؛ سواء كانت الصفات الثبوتية، أو الصفات المنفية، أو الصفات الذاتية، أو الصفات الفعلية.\nوبدأ بذكر صفة من الصفات الفعلية وهي صفة الاستواء، ثم ذكر جملة من الصفات الذاتية، فأقرَّ بعلوِّ الله تعالى، وأقر بأن له يدين، وأن له عينين، وأن له وجهًا ﷾، فاليدان والوجه والعينين هذه تسمَّى صفات ذاتية،","vol":"2","page":435},{"text":"«وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج».\n<hr><s0>\n\nوقال من جملة ما ذكر: «إن أسماء الله تعالى لا يُقال: إنها غير الله»؛ لأن هذا هو قول المعتزلة والجهمية الذين يقولون: الاسم غير المسمَّى.\nوهذه مسألة سبق أن تكلمنا عنها وبيناها، ولكن نبين هنا مقصود المعتزلة بها.\nفالمعتزلة استغلوا الفرق اللغوي بين الاسم والمسمَّى، فعندنا الاسم والمسمَّى والتسمية، فالاسم هو: اللفظ الدال على المسمَّى، مثل أن تقول: زيد، والمسمَّى هو: الذات المسماة بهذا الاسم، أي: ذات زيد مثلًا، والتسمية فعل المسمَّى.\nفلا شك أنه من حيث الناحية اللغوية: أن الاسم غير المسمَّى، وهذه حقيقة لغوية لم يقصدها المعتزلة هنا، ولكن أرادوا استغلال هذه العبارة، وهي عبارة أن الاسم غير المسمَّى؛ ليُحَمِّلوها معنىً باطلًا، وهي: أن أسماء الله غيره هو، وما كان غيره فهو مخلوق، فلذلك عندما يقولون: الاسم غير المسمَّى، فهم يريدون الفصل بين كلام الله تعالى وبين ذاته.\nلأن أسماء الله من كلامه، وهم يقولون: كلام الله تعالى مخلوق، بمعنى: أنه خلقه كما خلق السموات والأرض، فإذًا على هذا الاعتبار ما دامت أسماء الله تعالى مخلوقة على اعتبار أن كلام الله تعالى مخلوق، فإنه بهذا يكون الاسم غير المسمَّى، فتكون الأسماء مخلوقة، بمعنى: أن الله تعالى لم يسمِّ نفسه حقيقة، فهذا هو قولهم.\nوأهل السنة يردُّون هذا القول كما يردُّون قولَ الأشاعرة والماتريدية بقولهم: إن الاسم عين المسمَّى.\nفقول أهل السنة: أن الاسم للمسمَّى.","vol":"2","page":436},{"text":"«وأقروا أن لله علمًا كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]».\n<hr><s0>\n\nوبعد أن انتهى من ذكر الصفات الفعلية والذاتية شرع في ذكر الصفات المعنوية، وقال هنا: «وأقرُّوا»، يعني: أن لله تعالى عِلمًا، كما قال تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾، وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله تعالى كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة كما قال.\nوالعلم والسمع والبصر والقوة، هذه تسمى صفات معنوية.\nوالفرق بين الصفات الذاتية والمعنوية:\nأن الصفات الذاتية هي التي لا يُمكن تصور الذات مع عدمها.\nوالصفات المعنوية: هي التي يمكن أن تتصور الذات مع عدمها.\nهذا كله من الصفات اللازمة؛ لأنهم يقسمون الصفات إلى قسمين:\nلازمة وعارضة، فاللازمة: هي التي لا تنفك عن الذات، بمعنى: أنها لازمة للذات، لا تقوم الذات إلا بقيامها ووجودها. أما الصفات العارضة: فالمقصود بها الصفات الفعلية، أو الصفات الاختيارية، وهي التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.\nوالصفات اللازمة تنقسم إلى قسمين:\nصفات ذاتية، وصفات معنوية، فعندنا اليد والعلم، كلاهما من الصفات اللازمة، لكن اليد من الصفات الذاتية، والعلم من الصفات المعنوية، فهنا في تعريف الصفات الذاتية يُقال فيها: إنها هي التي لا تتصور الذات مع عدمها.\nبينما الصفات المعنوية هي: التي تتصور الذات مع عدمها، فهنا إذا قلنا: اليد، فلو جئنا في المخلوق من باب تصوُّر المسألة، لو جئنا إلى مخلوق، فهل يمكن أن","vol":"2","page":437},{"text":"نتصور ذات المخلوق بدون وجه؟ هذا تصور وجود، فلا يمكن، ولكن يمكن تصور ذاته بدون علمه؟\nلكن صفة الحياة ذاتية أو معنوية؟\nصفة الحياة تكون معنوية، فلأنك مثلًا في المخلوق يمكن أن تتصور ذات المخلوق بدون حياته، ولذلك لو فارقته الحياة وأصبح في عداد الأموات نُصَلِّي عليه وندفنه، فإذًا يكون له وجود. هذا طبعًا في التصور الذهني، وهذا ليس تصور كيفي في حق الله تعالى، وإنما هو تصور وجود وإثبات وجود.\nفنفصل بين النوعين؛ بين الذاتية والمعنوية بهذا الفصل، فإذًا الوجه صفة ذاتية، واليدين والأصابع والقدم ذاتية، والعلم والحياة والقدرة معنوية.\nوالنوع الثاني: هي الصفات الفعلية، مثل الاستواء والنزول، وكذلك الغضب والإتيان والمجيء، هذه تسمى صفات فعلية، ويسمونها عارضة.\nفهنا ذكر جملة من الصفات الذاتية، ثم أعقبها بالصفات المعنوية،","vol":"2","page":438},{"text":"«وذكر مذهبهم في القَدَر».\n<hr><s0>\n\nالإيمان بالقدر خيره وشره: هو الاعتقاد الجازم بتقدير تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته؛ قال جل وعلا: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، ونؤمن مع ذلك أن الله تعالى جعل للعبد اختيارًا وقدرة بهما يكون الفعل، وإن كان لا يخرج بهما عن مشيئته سبحانه؛ قال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوالاعتقاد أن الله تعالى أرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره ما بطلت حجته جل وعلا على الناس بإرسال رسله.\nقد ضَلَّ في هذا الباب (باب أفعال الله) الجبريةُ والقدريةُ، وما زال إلى يوم الناس هذا مَنْ يَخبط فيه بين قائل بأن العبد مجبر على أفعاله، وبين قائل بأن العبد لا فِعل له ولا اختيار، وإنما هو كالريشة في مَهَبِّ الرِّيح، وأهل السنة والجماعة وسطٌ بين هذا وذاك.\nوقد أوضَح شيخُ الإسلامِ ﵀ هذا في «مَجموع الفَتاوى» فقال: «وهم في باب خَلقِ الله وأمرِه وسطٌ بين المُكذِّبين بقُدرة الله الذين لا يُؤمنون بقُدرتِه الكاملة ومَشِيئته الشاملة وخَلقِه لكل شيء، وبين المُفسدين لدِين الله الذين يَجعلون العبدَ ليس له مَشِيئةٌ ولا قُدرة ولا عمل، فيُعطِّلون الأمر والنهي والثوابَ والعقاب، فيَصِيرون بمَنزِلة المُشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].\nفيُؤمن أهل السُّنَّة بأنَّ الله على كل شيء قدير، فيَقدر أن يهدي العبادَ ويُقلِّب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في مُلكِه ما لا يُريد، ولا يَعجَز عن إنفاذ مُرادِه، وأنه خالِق كلِّ شيء من الأعيان والصِّفات والحَرَكات. ويُؤمنون أن العبدَ له قُدرة ومشيئة وعملٌ، وأنه مُختار ولا يُسمُّونه مَجْبورًا؛ إذ","vol":"2","page":439},{"text":"المَجْبور مَنْ أُكْرِه على خلاف اختِياره، والله ﷿ جعَل العبدَ مُختارًا لِمَا يفعله، فهو مختارٌ مُريد، والله خالِقُه وخالِقُ اختياره، وهذا ليس له نَظِيرٌ؛ فإن الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاتِه ولا في صفاته ولا في أفعاله» (^١).\nقال العلَّامة السِّعْدي ﵀: «وهم وسطٌ في باب أفعال الله بين الجبريَّة والقَدَرية؛ فإن الجبريةَ يَزعمون أن العبد مَجْبُور على أفعاله لا قُدْرة له عليها، وأن أفعاله بمَنزِلة حرَكات الأشجار، وكل هذا غُلوٌّ منهم في إثبات القدَر.\nوالقدريَّةُ قابَلوهم فنَفَوْا مُتعلق قدرة الله بأفعال العباد تنزيهًا لله بزَعْمهم.\nفأفعالُ العباد عندهم لا تَدخُل تحت مشيئة الله وإرادته، وكلٌّ مِنْ هاتين الطائِفتين ردَّتْ طائفةً كبيرة من نصوص الكتاب والسُّنة.\nوهدَى الله أهلَ السُّنَّة والجَمَاعَة للتوسُّط بين الطائفتين المُنحرفتينِ، فآمَنوا بقضاء الله وقدَره وشُمولهما للأعيان والأوصاف والأفعال التي مِنْ جُملتِها أفعالُ المُكلَّفين وغيرهم، وآمَنوا بأنه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن، وآمنوا مع ذلك بأن الله تعالى جعَل للعِباد قُدرة وإرادة تقَعُ بها أقوالُهم وأفعالهم على حسب اختِيارهم وإرادتهم، فآمَنوا بكلِّ نصٍّ فيه تعميمُ قدرة ومشيئة، وبكلِّ نصٍّ فيه إثباتُ أنَّ العباد يعملون ويفعلون كلَّ الأفعال الكبيرة والصغيرة بإرادتهم وقُدْرَتِهم، وعَلِموا أن الأمرينِ لا يَتنافيانِ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>من ثمرات الإيمان بالقدر:</span>\nأولًا: الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب؛ لأن السبب والمسبب كليهما بقضاء الله وقدره.\nثانيًا: راحة النفس وطمأنينة القلب؛ لأنه متى علم أن ذلك بقضاء الله تعالى، وأن المكروه كائن لا محالة ارتاحت النفس واطمأن القلب ورضي بقضاء الرب، فلا أحد أطيب عيشًا، وأروح نفسًا، وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر.\nثالثًا: طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد؛ لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والنجاح؛ فيشكر الله تعالى على ذلك ويدع الإعجاب (^٣).\n_________\n(^١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٣، ٣٧٤).\n(^٢) «التنبيهات اللطيفة» (ص ٦١، ٦٢).\n(^٣) «مجموع رسائل وفتاوى فضيلة الشيخ ابن عثيمين» (٣/ ٢٥٦ - ٢٦٠) بتصرف.","vol":"2","page":440},{"text":"«إلى أن قال: ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في اللفظ والوقف؛ مَنْ قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق».\n<hr><s0>\n\nقال: ويقولون: «إن القرآن كلام الله غير مخلوق»، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، بخلاف قول الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إن القرآن كلام الله تعالى مخلوق.\nوقد تقدم الحديث عن مسألة القول بخلق القرآن وكذلك مسألة اللفظ فليرجع إليها.","vol":"2","page":441},{"text":"«ويقرون أنَّ الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون، قال ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]».\n<hr><s0>\n\nثبت بإجماع السلف والأئمة أن الله تعالى يُرى في الآخرة؛ يَراه أهلُ محبته ورضوانه، وهو خير ما وعد الله به عباده المؤمنين، بل هو كمال النَّعيم في الدار الآخرة، كما قاله ابن القيم ﵀ (^١)، لا يشك في صحة وقوعه إلا أهل البدع والضلالات.\nومن الأدلة على إثبات الرؤية من القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فقد فسرت الزيادة بأنها النظر إلى الله تعالى، كما ذهب إليه علماء السلف (^٢)، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [١٥ - ١٧]، يقول الدارمي: «ففي هذا دليل أنَّ الكفار كلهم مَحجوبون عن النظر إلى الرَّحمن عز وعلا، وأن أهل الجنة غير محجوبين عنه» (^٣)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]؛ فَسَّرها أنسُ بن مالك (بأنَّ الله يتجلى لهم كل جمعة» (^٤).\nومن الأدلة على إثبات الرؤية من السنة: ما جاء عن جرير قال: «كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: «إنَّكم سَترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا» (^٥).\n_________\n(^١) «طريق الهجرتين» (ص ٥٩).\n(^٢) انظر: «الرد على الجهمية» (ص ٤٦)، و(٥٢)، و«السنة» (ص ٤٥).\n(^٣) «الرد على الجهمية» (ص ٤٦).\n(^٤) «الرد على الجهمية» (ص ٤٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٤٣٤).","vol":"2","page":442},{"text":"وكذا ما جاء عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّكم لن تَروا ربَّكم حتى تموتوا» (^١).\nفلا اعتبار لكلام المبطلين في نفي الرؤية مع قول الله ﷿ وقول الرسول الكريم ﷺ وقول علماء السلف؛ يقول الطحاوي: «والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب رَبِّنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ويقول ابنُ أبي العِزِّ معلقًا على هذا الكلام: «المخالف في الرؤية: الجهمية والمعتزلة ومَن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المَنسوبون إلى السُّنَّة والجماعة» (^٢).\nوهنا مسألتان:\nالمسألة الأولى: رؤية أهل الإيمان لله تعالى يوم القيامة بالأبصار، وهذه مسألة متفقٌ عليها عند أهل السنة، فهم يقولون رؤية الله- ﷿ في الآخرة جائزة عقلًا وواقعة شرعًا، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقد استدل به المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا، مع أن المراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال.\nفالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، ف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا.\nوقد ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا».\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٤) (٢٢٨١٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٤١٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٢٨)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٤٥٩).\n(^٢) «شرح الطحاوية» (ص ١٢٩).","vol":"2","page":443},{"text":"وقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له ﷾ مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة (^١).\nوقال ابنُ القيِّم ﵀: «دلَّ الكتابُ والسنَّةُ المُتواتِرَةُ وَإجماعُ الصَّحابةِ وأئمةُ أهلِ الإسلامِ والحديثِ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرى يومَ القيامَةِ بِالأبصارِ عِيَانًا، كَمَا يُرى القَمَرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وَكَمَا تُرى الشَّمسُ في الظَّهيرة، فَإِنْ كَانَ مَا أَخبَرَ به اللهُ وَرَسُوله عنه من ذلك حَقِيقَةً- وإنَّ له والله حقَّ الحقيقة- فَلَا يُمكِنُ أن يَروهُ إِلَّا مِنْ فَوقِهم؛ لاستِحَالَةِ أَنْ يَروهُ أسفل منهم، أو مِنْ خلفهم، أَوْ أمامهم، وَنَحو ذَلِكَ …، فلَا يَجتَمِعُ فِي قَلبِ العبد بعد الاطلاع عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيث وَفَهِمَ مَعنَاهَا إنكارُها والشهادةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَبَدًا» (^٢).\nوالإيمان برؤية المؤمنين لربِّهم جل وعلا دَاخل فِي الإيمانِ باللهِ وَكُتبِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسلِهِ: فمن الإيمان الإيمانُ بِأَنَّ المُؤمِنِينَ يرونَهُ ﷾ يومَ القيامةِ؛ فَمَنِ لَم يُؤمن بِأَنَّهُ-سبحانه-يُرَى يومَ القيامةِ فَقَد رَدَّ أَدِلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتها، وَلَم يُؤمن بِاللهِ وَمَلائكتِهِ وكتبِهِ وَرسلِهِ.\nفالله ﷾ سيخص المؤمنين بمزيد من الإنعام يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: «هَلْ تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تُضارون في الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم ترونه كذلك …»، الحديث (^٣).\nوسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].\nوقال تعالى عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الإمامُ الشافعيُّ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎».\nوقال جل شأنه: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥].\n_________\n(^١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).\n(^٢) «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (ص ٣٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٠٨٨) ومسلم (٢٦٧).","vol":"2","page":444},{"text":"فالمزيد هنا هو: النَّظر إلى وجه الله ﷿، كما فسَّره بذلك علي وأنس بن مالك ﵄.\nوقال سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].\nفالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فَسَّرها بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا اعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿، وهي الزيادة، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾» (^١).\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «وأمَّا السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. آمين (^٢).\nوالمسألة الثانية: رؤية الكفار لله تعالى.\nفذكر هنا قولًا من أقوال أهل السنة: أن الكفار لا يرونه.\nوالقول الثاني: أنهم يرونه رؤية حسرة؛ فيرونه رؤية تعذيب ثم يحتجب عنهم.\nوالقول الثالث: أنه يراه أهل الإيمان وأهل النفاق من هذه الأمة وغبرات من أهل الكتاب، يُحشرون؛ فيرون الله ﷾؛ لأن المنافقين يُحشرون مع أهل الإيمان، ثم بعد ذلك يُحال بينهم وبين اجتياز النار ودخول الجنة، فعند ذلك يُبعدون عن المؤمنين.\nويرى شيخ الإسلام أن مثل هذه المسائل إذا حدث فيها خلاف فلا يكون كبيرًا، وهي مسألة متأخرة لم يتكلم فيها الأوائل من أئمة السلف.\nوقد بسطها شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، وسُئِل عنها فقال: «إن الأئمة من السلف القدامى لم يتكلموا فيها، إنما هي مسألة حدثت متأخرة، والخلاف فيها على الأقوال الثلاثة، وهذا الخلاف ليس كبيرًا، ولا يؤدي إلى تباين عن أهل السنة والجماعة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦) من حديث صُهَيْبٍ؟.\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٨٦ - ٤٨٨).","vol":"2","page":445},{"text":"«وذكر قولهم في الإسلام والإيمان».\n<hr><s0>\n\nمسألة الإيمان والإسلام تقدم الحديث عنها.","vol":"2","page":446},{"text":"«والحوض».\n<hr><s0>\n\nمسألة الحوض تقدم الحديث عنها.","vol":"2","page":446},{"text":"«والشفاعة وأشياء».\n<hr><s0>\n\nمسألة الشفاعة تقدم الحديث عنها.","vol":"2","page":446},{"text":"إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق».\n<hr><s0>\n\nمسألة الإيمان وتعريفه تقدم والقول بأنه يزيد وينقص تقدم الحديث عنها.","vol":"2","page":447},{"text":"«ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار».\n<hr><s0>\n\nمسألة مرتكب الكبيرة وحكمه في الدنيا والأخرة تقدم الحديث عنها.","vol":"2","page":447},{"text":"«والكلام في اللفظ والوقف؛ مَنْ قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق».\n<hr><s0>\n\nرأي الإمام أحمد وبعض الأئمة أنه لا يُقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق؛ لأن الكلام هنا محتمل، فعندما يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق، فهل يقصد به القرآن الذي هو كلام الله تعالى، أو يقصد فعل المخلوق؟\nفإن قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فقد لا يقصد هنا كلام الله تعالى، وإنما يقصد كلامه هو، وهذا خطأ؛ لأن نطق الإنسان مخلوق، فالمسألة تكون محتملة، فمن هذا الباب باب منع الإمام أحمد والأئمة من أهل السنة أن يُقال: لفظي القرآن مخلوق أو غير مخلوق؛ لأن هذا اللفظ محتمل.\nبينما ينص الإمام البخاري وبعض أهل السنة على أن اللفظ بالقرآن الذي هو نطق الإنسان مخلوق، فإذًا فَصَّلوا وبيَّنوا أنه إذا قصد النطق فهذا مخلوق، وإذا قصد الأصل الذي هو كلام الله ﷾ الملفوظ، فهذا غير مخلوق.\nوحدثت في هذه المسألة فتنة للبخاري، أثارها عليه شيخه محمد بن يحيى الذهلي، ودافع عنه ابن القيم في كتابه «الصواعق»، وقال: «إن البخاري في هذه المسألة أقعد وبيَّن ووضَّح وفصَّل في هذه المسألة، وتشنيع الذهلي عليه هذا من باب الغيرة والحسد الذي بين الشيخ وتلميذه؛ لأن البخاريَّ تفوق عليه.\nفالمسألة محل خلاف، مثل مسألة الاسم والمسمَّى؛ لأن المخرج فيهما واحد؛ لأن كِلا المسألتين تعودان إلى صفة الكلام، والكلام: صفة من صفات الله ﷾ غير مخلوق، وبناء على ذلك ترتَّب خلاف في مسألة اللفظ وفي مسألة الاسم والمسمى؛ لأن أسماء الله تعالى من كلامه، والقرآن من كلامه ﷿، فحصل خلاف في هذه المسألة بناءً على ذلك.\nثم ذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء أخرى.","vol":"2","page":448},{"text":"«إلى أن قال: وينكرون الجدل والمِراء في الدين والخصومة فيه، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويُسَلِّمون للروايات الصحيحة، ولما جاءت بها الآثار التي جاءت بها الثقات عدلًا عن عدل، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ؛ لا يقولون: كيف ولا لِمَ؟ لأن ذلك بدعة».\n<hr><s0>\n\nالجدل المبني على المنطق وعلى علم الكلام مرفوض، وإنما علم أهل السنة قائم على المأثور، فلذلك تلاحظ أن أهل السنة يذمُّون الكلام ويذمُّون الجدل والمراء في الدين، ولكن المدارسة والمذاكرة في هذه المسائل المبنية على العلم بالمأثور هذا أمرٌ لا شك أنه مطلوب.\nفإذًا، الذمُّ هنا المقصود به: الذمُّ على الجدل والمنطق وعلى علم الكلام وعلى هذه المعقولات الفاسدة، لكن الروايات الصحيحة والمدارسة في ذلك والتدارس في هذا الجانب ومعرفة هذه الأصول المتعلقة بالعقيدة على أُسس مبنية على الكتاب والسنة، هذا لا شك أنه أمرٌ مرغوب ومطلوب.\nوقد تقدم ذكر هذه المسألة سابقًا.","vol":"2","page":449},{"text":"«إلى أن قال: ويُقرون أن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]».\n<hr><s0>\n\nيُقِرُّ أهلُ السُّنَّة بمجيء الله يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]؛ قال الطبري: «يقول تعالى ذِكره: وإذا جاء ربُّك-يا محمد-وأملاكُه صفوفًا صفًّا بعد صفٍّ»، ثم أورد من الأحاديث والآثار ما يُثبت مجيء الله تعالى (^١).\nوقال ابنُ كثير: «﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ؛ فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك، فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا» (^٢).\nوقال أبو الحسن الأشعري في عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث: «وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا» (^٣).\nوقال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «أمَّا كون إتيانه ومجيئه ونزوله ليس مثل إتيان المخلوق ومجيئه ونزوله، فهذا أمر ضروريٌّ متفق عليه بين علماء السنة ومَن له عقل، فإن الصفات والأفعال تَتبع الذات المتصفة الفاعلة، فإذا كانت ذاته مُباينة لسائر الذوات ليست مثلها لزم ضرورة أن تكون صفاته مباينة لسائر الصفات ليست مثلها، ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفة كل موصوف إلى ذاته. ولا ريب أنه العلي الأعلى العظيم فهو أعلى مِنْ كل شيء وأعظم من كل شيء، فلا يكون نزوله وإتيانه بحيث تكون المخلوقات تحيط به أو تكون أعظم منه وأكبر هذا ممتنع … والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيُثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفى\n_________\n(^١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ٤١٧ - ٤١٩).\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٨/ ٣٩٩).\n(^٣) «مقالات الإسلاميين واختلاف المصليين» (ص ٢١١).","vol":"2","page":450},{"text":"ما نفاه الله ورسوله كما نفاه، وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفى المِثل والسَّمِي والكفؤ والنِّدَّ» (^١).\n«وأن الله يَقرب من خلقه كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]».\nثم تكلم عن صفة القرب؛ فقال: «وأن الله يَقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾».\nوالقرب في اللغة: الدنو، والمعنى: أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه، كما أنه يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، فإنَّ علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته، فلا يكون قط إلا عاليًا ولا يكون فوقه شيء ألبته، كما قال النبي ﷺ أعلم الخلق بربِّه: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (^٢)، وهو سبحانه قريب في علوه، عالٍ في قُربه، كما جاء في الحديث الصَّحيح عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير؛ فقال ﷺ: «أيُّها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم (^٣)؛ فإنَّكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائبًا؛ إنَّ الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته» (^٤)، فأخبر ﷺ أنه أقرب إلى أحدهم مِنْ عُنُق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه، مُطَّلع على خَلقه، يرى أعمالهم ويعلم نِيَّاتهم، وهذا حقٌّ، ولا يناقض أحدهما الآخر، والله لا يعجزه شيء، ولا يستحيل عليه أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف شاء؛ ﷾ وتقدست أسماؤه وعظمت صفاته (^٥).\nفالله سبحانه تعالى يقرب من خلقه كيف شاء ومتى شاء، ولا تنافيَ بين هذا القرب وبين علوه على خلقه واستوائه على عرشه.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٢٢ - ٤٢٤).\n(^٢) رواه مسلم (٥٠١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) أي: ارفقوا بها، ولا تُبالغوا في الجهر.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٢٠٥) ومسلم (٢٧٠٤).\n(^٥) انظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ٢٧١).","vol":"2","page":451},{"text":"«إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق، مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية، وتفقد المآكل والمشارب.\nقال: فهذه جملة ما يأمرون به، ويَستسلمون إليه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو المستعان».\n<hr><s0>\n\nفأشار هنا إلى مجانبة أصحاب البدع، ولا شك أن أهل السنة يُحَذِّرون من أهل البدع ومن شرِّهم، وأن خطرهم شديد؛ لأنهم ينتسبون إلى الإسلام، أعني: أن أهل الكفر عداوتهم ظاهرة، لكن أمثال هؤلاء قد يُلَبِّسون على مَنْ لا علم عنده، وهكذا شأن الشُّبَه؛ لأنه يشتبه فيها الحق بالباطل، فيصبح الإنسان فيها غير مميز بينهما.\n• فكما قال ابن مسعود ﵁: \"إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدي\" (^١).\n• وقال عبد الله بن عمر-﵄: \" كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة \" (^٢).\n• وقال ابن عباس لعباس بن حاضر: «عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع» (^٣).\n• وقال معاذ بن جبل-﵁: \"إياكم وما ابتُدع فإن ما ابتدع ضلال\" (^٤).\n• وقال عبد الله بن مسعود-﵁: \"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعةٍ ضلالة\" (^٥).\n• والعلم كما يقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: \"العلم ما جاء عن أصحاب محمد\" (^٦). فهذه أول أسس التلقي.\n_________\n(^١) انظر: اللالكائي في شرح الاعتقاد ١/ ٦٨.\n(^٢) الإبانة لابن بطة (١ - ٣٣٩ (.\n(^٣) سنن الدارمي (١٤١)، الإبانة لابن بطه (١٦٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود برقم (٤٦١١).\n(^٥) أخرجه الدارمي في سننه (٢١١).\n(^٦) انظر: كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب معرفة أصول العلم وحقيقته حديث رقم (٨٧٦). حديث مقطوع.","vol":"2","page":452},{"text":"• وذلك يعني أن من سن أو عمل بدعة ظن أنها حسنة فيقال له كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: \"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ قد خان الرسالة\" (^١)، فأي إنسان يزعم أنه بهذه البدعة التي جاء بها جعلها بدعة حسنة، فهو يزعم أن النبي ﷺ قد خان الرسالة، لأن الله تعالى قد أخبر بكمال هذا الدين، فلا يمكن أن يكون النبي ﷺ قد كتم هذا الدين أو أخفى هذا الأمر من أمور الدين، لا في صغيرة ولا في كبير.\nفلذلك على الإنسان أن يلزَم السنة وأهلها، حتى يتمكن من معرفة الحق، أما إذا اختلط بأهل البدع فسيقطعون عليه الطريق، وقد يلبِّسون عليه قبل أن يتمكن من معرفة الحق بدليله، أما إذا تمكَّن الإنسان من العلم، فعند ذلك لا يُخشى عليه من مجادلتهم ودعوتهم تفنيد شبههم، لكن مع عدم تمكُّنه فإنه قد تقع في نفسه شُبهَة من قِبَل هؤلاء؛ فتحول بينه وبين معرفة الحق والوصول إليه.\nثم بين أن أهل السنة يتشاغلون بقراءة القرآن وكتابة الآثار؛ فهذا شأنهم وديدنهم الاشتغال بقراءة كتاب الله ﷿ وحفظه وبسنة النبي ﷺ والنظر في مسائل هذا الدين، ومع ذلك لابد من خُلقٍ يتخلَّق به طالب العلم وهو الاستكانة والتواضع وبذل المعروف وترك الأذى وترك الغيمة والنميمة؛ لأن هذا العِلم نور الله ﷿، وهو يحتاج إلى نفسٍ مؤمنة مطمئنة؛ تؤمن بالله ﷿ ربًّا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالإسلام دينًا.\nولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتحلَّى بالخُلُق الفاضل، وأن يكون صاحب طاعة، وأن يبتعد عن المعاصي والذنوب؛ لأن كل تلك الأمور تُعَدُّ عوائق في طلب العلم، فالإنسان إذا تلبَّس بالمعصية أو كان على خُلُقٍ سيِّئ، فإن مثل هذه الأمور تفسد عليه ما اكتسبه من العلم، بل وقد تحرمه من بركة هذا العلم الذي هو العمل به وتطبيقه والدعوة إليه.\nفحريٌّ بطالب العلم أن يتفقَّه لنفسه، وأن يمتثل الخُلُق الحسن والخُلُق الفاضل، وحريٌّ به أن يمتثل بآداب الإسلام، وأن يكون من أشد الناس تمسكًا بالخلق والأدب، وحسن المعاملة.\nثم قال: «فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب».\nوهذا يؤكد أن أبا الحسن الأشعري قد رجع إلى عقيدة أهل السنة، وأنه يقرُّ بها ويدعو إليها، كما بَيَّن في هذه المسائل.\n_________\n(^١) \"الاعتصام\"للشاطبي (١/ ٢٨ (.","vol":"2","page":453},{"text":"«وقال الأشعري أيضًا في «اختلاف أهل القبلة في العرش» (^١):\nقال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم ولا يُشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول؛ بل نقول: استوى بلا كيف».\n<hr><s0>\n\nتقدم الحديث عن مسألة الجسم وعن مسألة الاستواء والعرش.\n_________\n(^١) انظر: كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري صفحة (٢١١).","vol":"2","page":454},{"text":"«وأن له وجهًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له يدين كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأن له عينين، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].\nوأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].\nوأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب وجاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ.\nوقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش، بمعنى: استولى. وذكر مقالات أخرى».\n<hr><s0>\n\nتقدم الحديث عن هذه المسائل جميعها.","vol":"2","page":454},{"text":"وقال-أيضًا-أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سَمَّاه «الإبانة في أصول الديانة»، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صَنَّفه، وعليه يعتمدون في الذَّبِّ عنه عند مَنْ يطعن عليه. فقال: «فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة» (^١).\nفإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة؛ فعَرِّفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تَدِينون؟\nقيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما رُوي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله؛ أحمد بن حنبل-نضَّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته-قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل؛ الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلالة، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكِّين؛ فرحمة الله عليه من إمام مُقَدَّم، وجليل مُعَظَّم، وكبير مُفَهَّم».\n<hr><s0>\n\nيقر كثيرٌ من الأشاعرة أن كتاب «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري، ويستشهدون بما ورد فيه، من الردِّ على مَنْ طعن فيه، والبعض يحاول إنكار أنه له.\nوقد بين أبو الحسن الأشعري في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة إلا في مواطن منها: فمثلًا: عند ذكره لصفة الكلام لم يُحَرِّر المسألة تحريرًا يوافق أهل السنة، لكن من حيث الجملة فقد قرَّر في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة والجماعة.\nوبين المصنف أن هذا الكتاب هو آخر ما صنفه كما يذكر أصحابه ذلك، ثم ذكر أن أبا الحسن الأشعري قال: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله؛ أحمد بن حنبل قائلون».\n_________\n(^١) انظر: كتاب الإبانة عن أصول الديانة صفحة (٢٠).","vol":"2","page":455},{"text":"فأقر هنا بعقيدة أهل السنة والجماعة، وسبق أن قلنا: إن هذا كله-كما يقول ابن تيمية-تقرير مجمل لمعتقد أهل السنة، فالأشعري ﵀ عاد جملة، وكثير من المسائل أقرَّ بقول أهل الحق فيها، ولكن بقيت بعض المسائل التي أخذت عليه.","vol":"2","page":456},{"text":"«وجملة قولنا: أنَّا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نَرد من ذلك شيئًا؛ وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.\nوأنَّ الله مستوٍ على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأن له وجهًا كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].\nوأن مَنْ زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًّا، وذكر نحوًا مما ذكر في الفرق، إلى أن قال:\nونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانًا، وندين بأن الله يُقَلِّب القلوب بين أصبعين من أصابع الله ﷿، وأنه ﷿ يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ».\n<hr><s0>\n\nقد تقدم الحديث عن هذه المسائل جميعها.","vol":"2","page":457},{"text":"«إلى أن قال: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونُسَلِّم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلًا عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ.\nإلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي يُثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب ﷿ يقول: «هل مِنْ سائل؟ هل مِنْ مستغفر؟» (^١)، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل».\n<hr><s0>\n\nأهل السنة يقولون: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، فلابد من هذه الأمور حتى يتضِّح معتقد أهل السنة والجماعة، وتارة يقولون كذلك: قول وعمل، أو نية وعمل، وهذا أن جانب الاعتقاد داخل في جانب القول، وكذلك داخل في جانب العمل، فالإيمان قولٌ وعمل يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nويعني بالتسليم هنا: التسليم بأخبار الآحاد، وأنها مقبولة في باب العقائد، بخلاف ما يزعمه أهل الكلام الذين ردُّوا أخبار الآحاد بعد ثُبوتها، وطعنوا فيها، وقالوا: لا يُحتجُّ بها في باب العقائد.\nفهذه مقولة أهل الكلام بما فيهم الأشاعرة وبما فيهم المعتزلة، وهذا كله خلاف معتقد أهل السنة الذين يقبلون هذه الروايات التي رواها الثقات العدول، وثبتت عن النبي ﷺ.\nوقد سبق الحديث عن هذه المسائل.\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).","vol":"2","page":458},{"text":"«ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا، وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يَأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم،».\n<hr><s0>\n\nهذا أصل من أصول أهل السنة: أن الرجوع يكون إلى الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فيما أجمعوا واتفقوا عليه.\nعرف الإمام الشاطبي ﵀ البدعة بقوله: «البدعة: طريقة في الدِّين مُخترعة، تُضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية» (^١).\nفالبدعة عبارة عن التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن، واتباع الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء؛ وقد جاءت نصوصٌ شرعية كثيرة تذمُّ الابتداع في الدين وتُحذر منه، ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته …»، الحديث، وفيه يقول: «أمَّا بعد، فخير الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (^٢).\nوفي حديث العرباض بن سارية ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «فإنَّه مَنْ يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا؛ فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (^٣)، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (^٤).\nوأخطر البدع ما يتعلق منها بالعقيدة؛ كالتكفير بالكبيرة، أو تعطيل الأسماء والصفات أو تأويلها، وادعاء سقوط التكليف، والحلول والاتحاد، وصرف العبادة للمقبورين، وتقديم العقل على النقل، والقول بعصمة الأئمة، وسب وتكفير الصحابة.\n_________\n(^١) «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٤٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٦٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) واللفظ له، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، وأحمد (١٧١٤٤)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٣٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٧١٨).","vol":"2","page":459},{"text":"«ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].\nوأن الله يَقرب من عباده كيف شاء كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى • فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨٩]».\n<hr><s0>\n\nوقد سبق الكلام على اتصاف الله تعالى بالمجيء والقرب.\nوأمَّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]، فالأرجح: أن هذا في شأن جبريل ﵇ مع النبي ﷺ؛ قال الإمام الطبري: «وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ يقول: فكان جبرائيل من محمد ﷺ على قَدْر قوسين أو أدنى من ذلك، يعني: أو أقرب منه» (^١).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ أي: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين، أي: بقدرهما إذا مُدَّا» (^٢).\n_________\n(^١) «تفسير الطبري» (١٢/ ٥٠٢).\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٧/ ٤٤٦).","vol":"2","page":460},{"text":"«إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مِمَّا لم نذكره بابًا بابًا. ثم تكلم على أن الله يُرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على مَنْ وقف في القرآن، وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورَدَّ عليه.\nثم قال: (باب في ذكر الاستواء على العرش) (^١).\nفقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]؛ كذَّب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات، قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، فكل ما عَلا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ﷿ ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، فلم يُرد أن القمر يملؤهن، وأنه فيهن جميعًا».\n<hr><s0>\n\nوسبق الكلام على صفة استواء الله على العرش، وصفة علوه جل وعلا.\n_________\n(^١) انظر: كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» (ص ١٠٥).","vol":"2","page":461},{"text":"«ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق، واستدل على ذلك، ثم تكلم على مَنْ وقف في القرآن، وقال: لا أقول: إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورَدَّ عليه».\n<hr><s0>\n\nالقرآن كلام الله، ليس ككلام البشر، وقد توعَّد الله من وصَف القرآن بأنه ككلام البشر، توعَّده بالنار فقال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٥، ٢٦]، فإن كان كلام البشر مخلوقًا لهم، فكلام الله ليس مخلوقًا له، إنما هو صفةٌ من صفاته سبحانه.\nوقد تولى كِبْر مسألة القول بخلق القرآن: الجهميةُ والمعتزلة النفاة للصفات.\nوادعاء القول بأن القرآن مخلوق، هو جرم عظيم وذنب كبير، لسببين:\nالأول: أن هذا الادِّعاءَ قولٌ على الله بغير علم، وجعل الله القولَ عليه بغير علم فوق الشرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nفجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك.\nالثاني: أنه كذب على الله؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ فهو متوعَّدٌ بأن يسودَّ وجهُه يوم القيامة، نعوذ بالله.\nومعنى افتراء الجهمية والمعتزلة هذا: أن الله لم يكن قبل ذلك متكلمًا، ثم تكلم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nومذهب أئمَّة الحديث والسنَّة: أن الله تعالى لم يَزل متكلِّمًا، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلَّمُ بصوت يُسمَع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.\nوقد أثبت الله الكلام لنفسه، خلافًا لما يعتقده الضالون، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكذلك أثبته لنفسه في الآخرة بعد دخول أهل الجنة؛ فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «بَيْنا أهلُ الجنة في نعيم إذ","vol":"2","page":462},{"text":"سطَع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الربُّ ﷻ قد أشرَف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة …»؛ الحديثَ (^١).\nوبوَّب البخاري في «صحيحه» على ذلك فقال: «باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة» (^٢)، وقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٩٨) باختلاف يسير، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (٧/ ١٠١) واللفظ له.\n(^٢) «صحيح البخاري» (٩/ ١٥١).","vol":"2","page":463},{"text":"«ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على العرش الذي فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يَرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يُحطونها إذا دعوا إلى الأرض».\n<hr><s0>\n\nمن أدلة الفطرة على علو الله تعالى: رفع الأيدي إلى السماء أثناء الدعاء، وقد جاءت النصوص الشرعية بالأمر بذلك؛ قال أبو الحسن بن مهدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾: «اعلم أن الله تعالى في السماء فوق كل شيء مستو على العرش بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء. وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قاصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه» (^١).\nوقال القاسمي ﵀: «ومن الحجة-أيضًا-في أنه ﷿ على العرش فوق السموات السبع: أنَّ الموحدين أجمعين من العرب والعجم، إذا كَرَبهم أمرٌ، أو نزلت بهم شِدَّة رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء، يَستغيثون الله ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطراري لم يخالفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال ﷺ للأَمَة التي أراد مولاها عتقها؛ إن كانت مؤمنة. فاختبرها رسول الله صلى الله على وآله وسلَّم بأن قال لها: «أينَ اللهُ؟». فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: مَنْ أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها؛ فإنها مُؤمنة» (^٢). فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سِوَاه» (^٣).\nفما يجده الناس بفطَرِهم هو ضرورة التوجه بقلوبهم نحو السماء، ورفع أيديهم تجاهها.\nوقد شاع بين الأشاعرة شبهة ورثوها عن الجهمية: وأصل ذلك: أنهم أرادوا نفي\n_________\n(^١) انظر: «العلو للعلي الغفار» للذهبي (ص ٢٣١ - ٢٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.\n(^٣) تفسير القاسمي محاسن التأويل» (٥/ ٧٩، ٨٠).","vol":"2","page":464},{"text":"علو ذات الله تعالى؛ فزعموا أن المتوجه بالدعاء نحو السماء إنما يفعل ذلك لأنها قبلة للدعاء! وأن توجه المسلمين بقلوبهم نحوها ورفع أيديهم باتجاهها: هو توجه لقبلة الدعاء، كما يتوجهون للكعبة قبلة الصلاة! حتى روى بعض الكذَّابين نُفاة الصفات عن الله تعالى في ذلك حديثًا نَسَبَه للنبي ﷺ، بلفظ: «السماءُ قِبلةُ الدعاء»!\nقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ عنه: «لم أقف له على أصل، إلا ما قاله الحافظ في «نتائج الأفكار» (^١) في (آداب الدعاء): «قلت: أما الاستقبال: فلم أرَ فيه شيئًا صريحًا يختص به، وقد نقل الرُّوياني أنه يقول رافعًا بصره إلى السماء، وقد تقدم ذلك فِي حَدِيثِ عمر، وفي حديث ثوبان: «السماء قبلة الدعاء»، فلعل ذلك مراد مَنْ أطلق.\nكذا قال! وحديث ثَوبان تقدم عنده (^٢)، وليس فيه ما ذكر، ولا رأيتُ ذلك في كتاب من كتب السنَّة التي وقفتُ عليها، بل ظاهر كلام شارح «العقيدة الطحاوية» ابن أبي العز (^٣) وغيره: أن هذا الحديث المزعوم هو من قول بعض المؤولة، أو المعطلة الذين ينكرون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وما فُطر عليه الناس من التوجه بقلوبهم في دعائهم جهة العلو، فقال الشارح: «إن قولكم: إن «السماء قبلة الدعاء»: لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان» (^٤).\nوقد تكررت عبارة: «السَّماء قِبلة الدعاء» في كتب الأشاعرة، وقد أجاب ابن أبي العز الحنفي ﵀ عليها من عدة أوج؛ فقال:\n«أحدها: أن قولكم: إنَّ السماء قِبلة للدعاء لم يَقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يَخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.\nالثاني: أن قِبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يُستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي ﷺ يَستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إنَّ للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما الكعبة والأخرى السماء فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعةَ المسلمين.\n_________\n(^١) يقصد الحافظ ابن حجر ﵀، في كتابه «نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار» (١/ ٢٥٩، ٢٦٠).\n(^٢) نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (١/ ٢٤٥)\n(^٣) «العقيدة الطحاوية» ابن أبي العز (ص ٣٢٧)\n(^٤) «السلسة الضعيفة» (١٣/ ٤٤٣).","vol":"2","page":465},{"text":"الثالث: أن القبلة هي ما يَستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذِّكر والذَّبح، وكما يُوَجَّه المُحتضر والمَدفون، ولذلك سُمِّيت (وجهة)، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يُسَمَّى (قبلة)، لا حقيقة ولا مجازًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يُوَجِّه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يُشرع، والموضع الذي تُرفع اليد إليه لا يُسَمَّى (قِبلة)، لا حقيقة ولا مجازًا، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يَستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك.\nومعلوم أن التوجه بالقلب واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يَقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة، وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفِطَر، والمستقبل للكعبة يَعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الدَّاعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل مِنْ عنده» (^١).\nولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنَّ الذين يرفعون أيديهم وأبصارهم وغير ذلك إلى السماء وقت الدعاء: تقصد قلوبُهم الربَّ الذي هو فوق، وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق: تبعًا لحركة قلوبهم إلى فوق، وهذا أمرٌ يجدونه كلهم في قلوبهم وَجْدًا ضروريًّا، إلا من غُيِّرت فطرتُه باعتقادٍ يَصرفه عن ذلك» (^٢).\n_________\n(^١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٣٢٧، ٣٢٨).\n(^٢) «بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٥١٨).","vol":"2","page":466},{"text":"«ثم قال: فصلٌ: وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية: إن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: أنه استولى ومَلَك وقَهَر، وأن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأنَّ الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء- وهو ﷿ مُستول على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها.\nوإذا كان قادرًا على الأشياء كلها، ولم يَجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يخص العرش دون الأشياء كلها، وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل».\n<hr><s0>\n\nقال الذهبي في «العلو» نقلًا عنه: «قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: «اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مُستو على عرشه، بمعنى: أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى: علوتُه، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى: علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم ﷻ عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥].\nوزعم البلخيُّ أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول","vol":"2","page":467},{"text":"العرب: استوى بشر على العراق، أي: استولى عليها، وقال: إن العرش يكون (الملك)، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسمًا خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، وأمية (^١) يقول:\nمجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا\nقال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء: أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مُستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فسادُ قوله.\nثم يقال له أيضًا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي: استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكنًا، فلما كان الباري ﷿ لا يُوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنًا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.\nثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الأعرابي-وقد مرَّ-ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، بمعنى: على الأرض، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فكذلك: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]. فإن قيل: فما تقولون في قوله: ﴿وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]؟ قيل له: إن بعض القُرَّاء يجعل الوقف في: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، ثم يبتدئ: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ﴾، وكيفما كان فلو أن قائلًا قال: فلان بالشام والعراق مَلِكٌ، لَدَلَّ على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما …» (^٢).\nوقد قال الذهبي عن القاضي أبي بكر الباقلاني: إنه ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقًا، وذكر أنه قال في كتابه «الإبانة»: «فإن قيل: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦].\n_________\n(^١) هو أُمَيَّة بن أبي الصَّلت، وقد روي أن أبياته هذه أُنشدت للنبي ﷺ. وسيأتي الكلام عنها.\n(^٢) أورده الذهبي في «العلو» (ص ٢٣١)، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٣٣٥).","vol":"2","page":468},{"text":"قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئه قائله».\nوقال في كتاب «الذب عن أبي الحسن الأشعري» كذلك: قولنا في جميع المروي عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل على السماء الدنيا، كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه …».\nإلى أن قال: «وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضلَّ.\nقلت - أي: الذهبي معلقًا-: فهذا النَّفَس نَفَس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صُمٌّ بُكْمٌ غتم عَجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل» (^١).\nفالاستواء خُصَّ بالعرش، وأمَّا القهر والمُلك فهذا عام، فلو كان العرض هو المقصود به؛ فما فائدة تخصيص العرش بالذِّكر.\nوتفسير الاستواء بمعنى الاستيلاء لا تَقبله لغة العرب ولا تقبله النصوص كما بَيَّنا.\n_________\n(^١) «العلو للعلي الغفار» (٢٣٨، ٢٣٩).","vol":"2","page":469},{"text":"«ثم قال: (باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين)، وذكر الآيات في ذلك، ورَدَّ على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته؛ مثل قوله: فإن سئلنا: أتقولون: لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله مَسح ظهر آدم بيده، فاستخرج منه ذريته» (^١)، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ: «إن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده» (^٢)، وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيديَّ، ويريد بها النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهومًا من كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني به: النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾: النعمة. وذكر كلامًا طويلًا في تقرير هذا ونحوه».\n<hr><s0>\n\nهذه المسائل تقدم شرحها\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ٦١٦٦ ورجاله ثقات رجال الشيخين، إلا مسلم بن يسار الجهني، لم يسمع من عمر، ولم يوثقه غير المصنف والعجلي.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ برقم (٣٣٤٠)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا (١٩٤)، والترمذي (٢٤٣٤)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٩٦٢٣).","vol":"2","page":470},{"text":"(١٣٦) «وقال القاضي أبو بكر؛ محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم-وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده-».\n<hr><s0>\n\nبعد أن نقل المصنف-رحمه الله تعالى-هنا كلام أبي الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة»، وأعقبه بعد ذلك بكلام الباقلاني، وكلاهما من أئمة الأشاعرة، فأبو الحسن الأشعري هو مَنْ تُنسب إليه فرقة الأشاعرة.\nوالباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) من قدماء الأشاعرة، فما إن جاء أبوبكر الباقلاني، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^١) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٢) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٣).\nوَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي \" الْإِبَانَةِ \". ولما رجع أبو الحسن الأشعري إلى عقيدة السلف وأثبت الصفات كلها من غير تكييف ولا تشبيه، جريًا على منوال السلف، كما هي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا، شرحها القاضي الباقلاني، ونقلها أبو القاسم ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدمين في أواخر أقوالهم، والله أعلم\" (^٤).\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.\n(^٢) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.\n(^٣) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).\n(^٤) طبقات الشافعيين (ص: ٢١٠ (.","vol":"2","page":471},{"text":"وقد عده شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن من يثبت الصفات الخبرية فقال: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن؛ وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^١)\nوالجدير ذكره هنا أن الباقلاني هو أول من نشر هذه العقيدة في المالكية.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.","vol":"2","page":472},{"text":"«قال في كتاب «الإبانة» تصنيفه: فإن قال: فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا».\n<hr><s0>\n\nتقدم الحديث عن هذه الصفات","vol":"2","page":473},{"text":"«فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟».\n<hr><s0>\n\nأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الشبهة فقال: فَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.\nقُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ \" يَدٌ \" تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟ (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٤.","vol":"2","page":473},{"text":"«قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا؛ لأنا لا نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم، إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته عَرَضًا، واعتلوا بالوجود».\n<hr><s0>\n\nفي هذا النص عدة مسائل:\nالمسألة الأولى: الكلام في الجسم والجوهر.\nالكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.\nوالنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.\nفإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.\nفمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.\nوذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.\nوإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر","vol":"2","page":474},{"text":"المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.\nإذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.\nولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.\nلكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.\nويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية في النصين التاليين مواقف الطوائف من استعمال لفظ الجسم إثباتًا ونفيًا، ويذكر كل قول والقائل به، وقد تكلم في النص الأول عن الخلاف في هذه المسألة بين من يقول بالإثبات فقسمهم إلى أربعة أصناف، وفي النص الثاني تحدث عن الخلاف بإضافة المعتزلة الذين يقولون بالنفي في باب الصفات، وبذلك نصبح الأصناف خمسة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:\n(الصنف الأول): صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي","vol":"2","page":475},{"text":"يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.\nالصنف الثاني: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.\nالصنف الثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.\nالصنف الرابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (^١).\nوقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة من المعطلة والمشبهة وقسم المعطلة إلى فريقين:\nالفريق الأول: المعتزلة ومن وافقهم.\nوالفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم\nفقال: \"وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.\nقَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.","vol":"2","page":476},{"text":"أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.\nوَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.\nفَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.\nوَأَمَّا \"السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ\" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ\" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-123>المسألة الثانية: موقف أهل السنة الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع.</span>\nقول أهل السنة في تلك الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع أنه لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و(الحيز) و(الجهة) و(الجوهر) و(العرض) (^٢). فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسمًا متحيزًا، والله ليس\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦.\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤١ - ٢٤١)","vol":"2","page":477},{"text":"بجسم متحيز فلا يكون متكلمًا، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلمًا فوق العرش وأمثال ذلك (^١)\nوالموقف من هذا النوع: \"إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:\n١ - أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت\n٢ - وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا. ولكن يلاحظ أن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع\nوأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها\" (^٢)\nولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ\n١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق\nوهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.\nوهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.\nوبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":478},{"text":"فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: \"تجيء البقرة وآل عمران\"، وأمثال ذلك من الأحاديث.\nأجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم\nولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا.\nفأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله.\nوأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.\nفهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا.\n٢ - وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.\nمثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك.\nأو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.\nفهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:\n١ - بألفاظهم.\n٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم.\nوحينئذ يقال لهم الكلام إما:","vol":"2","page":479},{"text":"أ-أن يكون في الألفاظ.\nب-وإما أن يكون في المعاني.\nج-وإما أن يكون فيهما.\nفإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك.\nفهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا.\nوإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب.\nوأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.\nفإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.\nوقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.\nوليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.\nوأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.","vol":"2","page":480},{"text":"فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>المسألة الثالثة: أن القول في الصفات كالقول في الذات.</span>\nفمن جملة القواعد التي قررها علماء أهل السنة والجماعة وأشهرها قاعدة: \"القول في الصفات كالقول في الذات\"، وهذه القاعدة هي أحد أدلة علماء أهل السنة في تقرير ثبوت الصفات والرد على من أنكرها، وهي قاعدة قد اتفق عليها أهل السنة والجماعة قاطبةً، ولأهميتها جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية الأصلَ الثاني من الأصلين اللذين بنى عليهما كتابه التدمرية حيث يقول فيه: \"وهذا يتبين بالأصل الثاني - وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات\" (^٢).\nفابن تيمية بنى رده على المعطلة على أصلين ومثلين على اعتبار أن التعطيل عند طوائف أهل الكلام ينقسم إلى قسمين هما:\nأولًا: تعطيل جميع صفات الله ﷿ وهو تعطيل الجهمية والمعتزلة؛ وهؤلاء يرد عليهم بأن هذا النوع من التعطيل أصحابه يقرون بوجود الذات فيقال لهم إن القول في الصفات كالقول في الذات، فالأصل في هذا الباب: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.\nفإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله؛ فإذا كان لله ذات حقيقية لا تماثل الذوات بلا خلاف، فكذلك الصفات الثابتة له في الكتاب والسنة، هي صفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فالقول في الذات والصفات من باب واحد يطرد في الجميع (^٣).\nثانيًا: تعطيل بعض الصفات وإثبات بعضها وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم؛ وهذا يرد عليه بقاعدة \"القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر\"، وسيأتي الحديث عن هذا في القاعدة الآتية بإذن الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).\n(^٢) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).\n(^٣) ينظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء (ص: ٩١) نشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية.","vol":"2","page":481},{"text":"ومن أدلة هذه القاعدة:\nقد دل على هذه القاعدة الكتابُ العزيز، كما أجمع عليها علماء الأمة، وفيما يلي بيان ذلك:\nأولًا: الدليل من الكتاب العزيز:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nوجه الدلالة:\n(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^١).\n٢ - قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. يقول ابن قتيبة: \"أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا\" (^٢). ويقول الزجاج: \"هذه الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال: المعنى مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا\" (^٣).\nووجه الدلالة: في الآية: الكريمة نفي صريح للمماثلة والمشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته، فهو تعالى لا يماثله ولا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته.\nقال الإمام أحمد: \"إنما التشبيه أن يقول: يد كيد أو وجه كوجه. فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار\" (^٤).\n_________\n(^١) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤\n(^٢) غريب القرآن لابن قتيبة (ص: ٣٩١).\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٩٥).\n(^٤) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (١/ ٢٣٠).","vol":"2","page":482},{"text":"وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإذا كان له [تعالى] ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات\" (^١).\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه\" (^٢).\nثانيًا: الإجماع:\nيقول ابن أبي يعلى: وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية (^٣).\nوقد ذكر بعض علماء الأشاعرة هذه القاعدةَ في كتبهم، على جهة الإقرار بصحة الاستدلال بها في باب صفات الباري سبحانه، ومن أقوالهم:\nقال الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد): \"ينبغي أن يعتقد أن كلامه سبحانه صفة قديمة ليس كمثلها شيء، كما أن ذاته ذات قديمة ليس كمثلها شيء\" (^٤).\nوقال أبو الحسن الآمدي (ت ٦٣١ هـ) في كتابه (غاية المرام): \"نعم؛ لو قيل: إن كلامه [سبحانه] بحروف وأصوات، لا كحروفنا وأصواتنا، كما أن ذاته وصفاته ليست كذاتنا وصفاتنا، كما قال بعض السلف، فالحق أن ذلك غير مستبعد عقلًا … \" (^٥).\n_________\n(^١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي (ص: ٧٥٤).\n(^٣) ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٨).\n(^٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٧١ - ٧٢).\n(^٥) غاية المرام في علم الكلام (ص: ١١٢).","vol":"2","page":483},{"text":"«قال: فإن قال: تقولون: إنه في كل مكان؟\nقيل له: معاذ الله؛ بل هو مستوٍ على العرش، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].\nقال: ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش، والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصحَّ أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شِمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله (^١)».\n<hr><s0>\n\nسبق الحديث في مواطن متعددة عن مسألة صفة الاستواء وما يتعلق بها بما يغني عن إعادة شرحها.\n_________\n(^١) انظر: كتاب الإبانة الباب السادس صفحة (١٢٠).","vol":"2","page":484},{"text":"«وقال-أيضًا-في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها، وهي (الحياة، والعلم والقدرة، والسمع والبصر، والكلام، والإرادة والبقاء، والوجه، والعينان، واليدان، والغضب، والرضا) وقال في كتاب «التمهيد» كلامًا أكثر من هذا».\n<hr><s0>\n\nكتب المتقدمين من الأشاعرة نصَّت على إثبات هذه الصفات التي تُسمى الصفات الذاتية أو الصفات الخبرية، ويقولون بإثباتها كإثبات صفة العلو وإثبات صفة الوجه، وإثبات صفة اليدين، ونحوها من الصفات اللازمة لله ﷾.\nفهنا لما ذكر كلام الباقلاني أشار إلى صفة الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا، وهذه كلها صفات ذاتية، فهم يتفقون مع أهل السنة على إثباتها، وإن كان بعضهم إنما يُؤوِّل في الصفات الاختيارية أو الصفات الفعلية، فالشاهد هنا أنهم أثبتوا هذه الصفات بينما كثيرٌ من متأخري الأشاعرة لا يُثبتون بعضها كالوجه والعينان واليدان والغضب والرضا.\nوكتاب التمهيد اسمه «تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل»، للباقلاني، وهو من أشهر كتبه.","vol":"2","page":485},{"text":"(١٣٧) «وكلامه كلام غيره من المتكلمين في هذا الباب مثل هذا كثير لمن يَطلبه، وإن كنَّا مُستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام.\nوملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيمانًا بحيث يكون له عقل ودين، حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يُغنيه عن كل شيء؛ ولكن كثير من الناس قد صار منتسبًا إلى بعض طوائف المتكلمين، ومحسنًا للظن بهم دون غيرهم، ومتوهمًا أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يُؤتى بشيء من كلامهم.\nثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى، الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرُجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى، ومَن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق، ففيه شَبَه من اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١].\nفإن اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل الله علينا. قال الله لهم: فلم قتلتم الأنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، يقول سبحانه: لا ما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون. ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال مَنْ لم يتبع الحق، لا من طائفته ولا من غيرهم، مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان».\n<hr><s0>\n\nفذلك يقال لمتأخري الأشاعرة: إنكم فضلًا عن كونكم خالفتم كلام السلف من الصحابة والتابعين ومَن سار على نهجهم، أيضًا فأنتم مخالفون لكلام أئمتكم؛ كأبي الحسن الأشعري، والبيهقي، وأبي الطيب الباقلاني ونحو هؤلاء الذين دَوَّنوا في كتبهم إثبات تلك الصفات.","vol":"2","page":486},{"text":"فهم يثبتون هذه الصفات ويقرِّرونها.\nكما ذكر شيخ الإسلام هنا أنه وإن كان لا حاجة لذكر أقوال هؤلاء؛ لأن الحُجَّة إنما هي في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، ولكن لما كانت نفوس البعض تُعَظِّم طوائف بعينها وأشخاصًا بأعيانهم، فإن في هذا الكلام إفحامًا لهم وإسكاتًا لهم؛ لعلهم يعودون إلى الحق في هذه الأمور، وإن كان بحمد الله في الكتاب والسنة الغُنية والكفاية، ولكن نظرًا لتعظيم هؤلاء في النفوس فإنه لعل ذلك يكون أدعى إلى قبول الحق.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك أن يبتدع بدعةً برأي رجالٍ وتأويلاتهم، ثم يجعل ما جاء به الرسول تبعًا لها، ويحرف ألفاظه، ويتأول على وفق ما أصلوه\nوهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا يتلقون الهدى منه، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجةً لا عمدة، وما خالفهم تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني\" (^١)\nوقال أيضًا: \" وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى \"الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ صنعه؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات ٢؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج؛ وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذبًا وضعيفًا كما يدّعيه الروافض؛ من النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ. \" (^٢)\nوقال الشوكاني: \"ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.\n(^٢) النبوات لابن تيمية ١/ ٤٢٢","vol":"2","page":487},{"text":"والمقتدين بهم أن يقول: الحق ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان. بل الواجب عليه-إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز-أن يرد ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن كان دليل الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق. ومن كان دليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر\" فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله، ولكن هذا إنما هو للمجتهد نفسه، إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يعذر كعذره، ولا يؤجر كأجره، بل واجب على من عداه من المكلفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.\nوإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدا، والذي لم يكن معه دليل الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددا كثيرا، فليس لعالم ولا لمتعلم ولا لمن يفهم-وإن كان مقصرا-أن يقول: إن الحق بيد من يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره. فإن ذلك جهل عظيم، وتعصب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة، لأن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق. وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومن لم يكن معصوما فإنه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى. ولا يتبين صوابه من خطئه إلا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كل من له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومن لم يفهم هذا ويعترف به فليتهم نفسه\" (^١)\n_________\n(^١) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٥","vol":"2","page":488},{"text":"(١٣٨) «وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتاب «الرسالة النظامية»\n<hr><s0>\n\nيعد إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) أول من استخدم الأقيسة المنطقية في تأييد العقيدة الأشعرية، وقد خالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.\nوأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^١) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.\nفالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في \"الإرشاد\" و\"الشامل\" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه \"الشفا\"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.\nوأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^٢).\nوهنا نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي المعالي الجويني، وهو من متأخري الأشاعرة، ما ورد عنه في «الرسالة النظامية» حيث عاد إلى التفويض؛ ف «الرسالة\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.\n(^٢) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.","vol":"2","page":489},{"text":"النظامية» في حقيقتها إنما تدعو إلى القول بالتفويض، ولكن في عمومها يَكفي أنه رجع عن التأويل، وإن كان التفويض ليس من منهج السلف كما زعم، لكن الشاهد من ذلك أنه أبطل التأويل، وفي هذا رجوع إلى نوعٍ من الحق.\nقال ابن تيمية: \"وإذا كانت الطائفة عن الله وعن رسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلّم صحة الحديث. وربما قال لقوله ﵇: كذا، وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر\" (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهؤلاء قد لا يعرفون ما جاء به الرسول: إما عجزًا وإما تفريطًا، فإنه يحتاج إلى مقدمتين:\nأن الرسول قال كذا، وأنه أراد به كذا.\nأما المقدمة الأولى: فعامتهم لا يرتابون في أنه جاء بالقرآن وإن كان من غلاة أهل البدع مَنْ يرتاب في بعضه لكن الأحاديث عامة أهل البدع جهال بها، وهم يظنون أن هذه رواها آحاد يجوزون عليهم الكذب والخطأ، ولا يعرفون من كثرة طرقها وصفات رجالها، والأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم بالحديث؛ فإن هؤلاء يقطعون قطعًا يقينًا بعامة المتون الصحيحة التي في الصحيحين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.\nوأما المقدمة الثانية: فإنهم لا يعرفون معاني القرآن والحديث، ومنهم من يقول: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، وقد بسطنا الكلام على فساد ذلك في غير هذا الموضع. \" (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٩٦.\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.","vol":"2","page":490},{"text":"«اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر؛ فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب، وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب.\nفقال: والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقدًا: اتِّباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حُجَّة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.\nوقد درج صحب رسول الله ﷺ على ترك التعرض لمعانيها، ودَرْك ما فيها وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا: لأوشَكَ أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.\nوإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المُتَّبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الله عن صفات المُحدَثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويَكِلْ معناه إلى الرب؛ فليُجْرِ آية الاستواء والمجيء وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وما صحَّ من أخبار الرسول ﷺ؛ كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا».\n<hr><s0>\n\nزعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^١).\nويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: \"كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا\".\n_________\n(^١) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).","vol":"2","page":491},{"text":"وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب\".\nوالقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].\nالرد عليهم:\nمعلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها\" (^٢).\nويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: \"تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).\n(^٣) مختصر الصواعق (١/ ١٥).","vol":"2","page":492},{"text":"وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^١).\nوالاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزل حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.\nومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر -كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض. \"\n_________\n(^١) الفتوى الحموية (ص ٢٥).","vol":"2","page":493},{"text":"(١٣٩) «قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب: ذِكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل مَنْ ذكرنا شيئًا من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا وغيره؛ ولكن الحق يُقبل مِنْ كل من تكلم به\nوكان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في «سننه»: «اقبلوا الحق مِنْ كل مَنْ جاء به؛ وإن كان كافرًا-أو قال فاجرًا-واحذروا زيغة الحكيم. قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: إن على الحق نورًا» (^١)، أو قال كلامًا هذا معناه».\n<hr><s0>\n\nنَبَّهُ المصنفُ هنا على أنَّه ما نَقَل هذه النُّقُول على أنها موافقة للحق من جميع الوجوه، ولكن قد تجد لبعضهم كلامًا حسنًا في باب الصفات، لكنه مخالف لقول أهل السنة في بعض المسائل الأخرى في باب الأسماء والصفات، أو في باب الإيمان مثلًا أو في باب القَدَر ونحو ذلك من أبواب العقيدة.\nفالمصنف هنا ينقل من كلام هؤلاء ما كان فيه موافقة للحق، ولا يعني ذلك أن كل مَنْ نقل عنه أنه موافق للحق في كل مسائل الاعتقاد.\nفعلى الإنسان أن يَتنبه لهذا، فهذا هو منهج شيخ الإسلام في إيراده لهذه النقول من أنه ينقل من كلام هؤلاء ما يوافق فيه الحق في هذه المسألة، ولا يعني ذلك أنَّ كل مَنْ نَقَل عنه نقلًا أنه موافق للحق في جميع المسائل.\nفينبغي أن ينتبه طالب العلم إلى أن مقصود شيخ الإسلام مِنْ إيراده لكلام الجويني هنا ليس تقرير التفويض، وكما نعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية يردُّ على منهج\n_________\n(^١) انظر: سنن أبي داود برقم (٤٦١١)، والدارمي (٢٠٥)، وقال محقق سنن الدارمي الشيخ حسين سليم أسد: إسناده صحيح، وقال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود عقب (٤٦١١): صحيح الإسناد موقوف.","vol":"2","page":494},{"text":"المفوضة، وبيِّن بطلانه في كثيرٍ من المواضع منها هذا الكتاب، لكن مراده هنا أن هؤلاء قد أقرَّ أكابرهم بأن التأويل منهجٌ فاسد، وهو بعيد عن الحق.\nفمن أَوَّل الاستواء أو مَنْ أَوَّل اليد وغير ذلك من التأويلات، ليس له في ذلك مُسَوِّغ ولا مستند من كلام سلف الأمة، ولا يُعلم عن سلف الأمة أنهم أوَّلوا شيئًا من هذه الصفات، فهذا تأكيدٌ لبطلان هذا المنهج وفساده.\nومعلوم أن رجوع الجويني والشهرستاني والرازي والغزالي وكل هؤلاء تقدم الحديث عن توبتهم، لا يعني بالضرورة أنهم عرفوا منهج السلف على وجه التفصيل، بالدرجة التي كانوا عليها في معرفة أقوال المتكلمين ومناهجهم.\nوبالتالي ليس كلام الجويني بحجة على السلف فلأقوال السلف دواوينها ومصادرها التي تؤخذ منها أقوالهم وتستبين منها مناهجهم.\nومن القواعد التي تقرَّر في منهج أهل السنة والجماعة: أن الحق يُقبل من أيِّ كائن كان، فإن الإنسان إذا جاء بالحق فليس العبرة بأنه جاء من فلان، ولكن العبرة أن هذا هو الحق، وقد يكون الإنسان على عِلم وعلى هدى ولكنه قد يخرج عن الحق.\nفإذًا كما يقول العلماء في ذلك: الحق لا يقوم بالرجال، ولكن الرجال يقومون بالحق، فالحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع، فكون الإنسان جاء بالحق وقال بالحق وحتى لو كان كافرًا أو فاجرًا فيبقى الحقُّ حقًّا، والباطل يبقى باطلًا حتى وإن جاء من عالم.\nفإذًا كما يقول شيخ الإسلام في تقرير هذه القاعدة: أنه لا يُنتصر لشخصٍ بعينه انتصارًا مطلقًا إلا شخص النبي ﷺ؛ لأنه هو المعصوم في التبليغ، فبالتالي يُقبل قوله ويُنتصر له انتصارًا مطلقًا، ولا يُنتصر لطائفة معينة انتصارًا مطلقًا إلا لطائفة واحدة وهم الصحابة؛ لأن الحقَّ لا يخرج عن جملتهم.\nفبالتالي ليس في منهج أهل السنة تقديس الأشخاص أو الأعيان، بل كما يقول الإمام مالك كما جاء عنه: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ عليه إلا صاحب هذا القبر» (^١)، فإذًا تبقى أقوال الرجال قابلة للحق وقابلة للخطأ.\nوقال ابن قيم الجوزية ﵀: \"والله تعالى يحب الانصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الاقوال والمذاهب وقد قال الله\n_________\n(^١) انظر: كتاب الرد على الأخنائي قاضي المالكية صفحة (١٩٧).","vol":"2","page":495},{"text":"تعالى لرسوله وأمرت لأعدل بينكم فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل ينزوله يدين بدين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله\". (^١)\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ٤/ ١٤٨","vol":"2","page":496},{"text":"(١٤٠) «فأما تقرير ذلك بالدليل، وإماطة ما يعرض من الشبه، وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامِةِ، فما تتسع له هذه الفتوى، وقد كتبت شيئًا من ذلك قبل هذا، وخاطبت ببعض ذلك بعض مَنْ يجالسنا، وربما أكتب-إن شاء الله-في ذلك ما يحصل المقصود به».\n<hr><s0>\n\nمقصد المصنف في إيراده لهذه المسائل ليس إيرادًا أو عَرْضًا دقيقًا أو عرضًا مفصَّلًا، فهو لم يَهدف بهذه الفتوى أن يَعرض المسألة عرضًا مُفَصَّلًا في هذا المقام، فهذا مقامه أكبر من مثل هذا، وإنما هنا يَعرض عرضًا إجماليًّا فينبغي أن يُتنبَّه لهذا.","vol":"2","page":497},{"text":"(١٤١) «وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يَحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتِّباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته».\n<hr><s0>\n\nإن من فضل الله ﷿ ونعمته على أهل السنة والجماعة أن وفقهم للعمل بكتابه، والأخذ بسنة رسوله ﷺ، فإن الهدى والنور والحق لا يخرج عن كلام الله ﷿، وكلام رسوله ﷺ، والله ﷿ أخبر في كتابه العزيز أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وأن هذا القرآن هدىً ونور، وأن به يُخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، لقد قال ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وقال ﷿: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقال ممتنًا على نبيه ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nوهذه الآية جمعت بين المصدرين: الكتاب والسنة، وقوله ﷾: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾، هذا في شأن كلام الله ﷿، وقوله ﷾: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هذا في شأن سنة المصطفى ﷺ.\nولاشك أن الله ﷿ من حين إهباط أدم إلى هذه الأرض بين له هذه الحقيقة كما بينها لنا، كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٣٨: ٣٩]، إلى آخر ما جاء في هذه المسألة.\nوقال في موضعٍ آخر: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه ١٢٣: ١٢٦].\nفهذه حقيقة ينبغي على الإنسان أن لا يغفل عنها، فهي أساسٌ أولي في الهداية،","vol":"2","page":498},{"text":"فمن أراد الهداية والنور فإنه لا يمكن أن ينال ذلك إلا من طريقٍ واحد، وهو: إتباع شرع الله ﷿ الذي أنزله على رسوله ﷺ، فلا يمكن للإنسان أن يخرج من ظلمات الكفر والشرك، ومن ظلمات الجهل وغير ذلك من أنواع الظلمات إلى نور الإيمان إلى نور التوحيد إلى نور العلم إلى نور اليقين إلا من هذا الطريق.\nفإن هو اعتمد على هذا الطريق هُدي إلى الحق ونال الحق بإذن الله ﷾، وإن ذهب يبحث عن الحق من غير هذا الطريق فلن يناله أبدًا، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nفينبغي على الإنسان أن يضع هذه الحقيقة نصب عينيه، وأنه متى ما أراد النجاة، ومتى ما أراد النور لنفسه والحق لنفسه، والهداية لنفسه، فإن عليه أن يطلب ذلك من كلام الله ﷿ ومن كلام رسوله ﷺ.","vol":"2","page":499},{"text":"(١٤٢) «ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يُناقض بعضه بعضًا البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه في الظاهر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجهه» (^١)، ونحو ذلك، فإن هذا غلط.\nوذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].\nفأخبر أنه فوق العرش يَعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: «والله فوق العرش، وهو يَعلم ما أنتم عليه» (^٢).\nوذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أُطلقت، فليس في ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين وشمال، فإذا قُيِّدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو النجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمُجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة.\nثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: «إنه معهم بعلمه» (^٣)، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  انظر: صحيح البخاري كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ حَكِّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ، برقم (٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (٥٤٧)، وأبو داود (٤٧٩)، وابن ماجه (٧٦٣)، والنسائي (٧٢٤)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٤٨٤١)، والدارمي (١٤٣٧).\n(^٢) انظر: المعجم الكبير للطبراني برقم (٨٩٨٧)، قال الشيخ الالباني في مختصر العلو للعلي العظيم صفحة (١٠٣): إسناده صحيح.\n(^٣) انظر: كتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل صفحة (١٥٤).","vol":"2","page":500},{"text":"وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] كان هذا-أيضًا-حقًّا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم المعية هنا-مع الاطلاع-والنصر والتأييد.\nوكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] قالوا: هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذا الموطن: النَّصر والتأييد.\nوقد يدخل على صبي مَنْ يخيفه، فيبكي، فيُشرف عليه أبوه من فوق السقف ويقول: لا تخف، أنا معك، أو أنا حاضر ونحو ذلك، يُنبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه، ففَرْقٌ بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فيختلف باختلاف المواضع.\nفلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يَقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها-وإن امتاز كل موضع بخاصية-فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها».\n<hr><s0>\n\nإذًا هنا بعد أن بيَّن أن جماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، ولمن قصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، بيَّن أنه- أيضًا- لا يَظن ظانٌّ أو يعتقد معتقد أن هناك تناقضًا أو تعارضًا في كتاب الله ﷾؛ مثل أن يقول قائل: هناك تعارض بين نصوص العلو والاستواء ونصوص المعية.\nوالجواب على ذلك: أن مَنْ تدبر ورجع إلى كلام سلف الأمة في تفسير آيات المعية، فقد بيَّنوا فيها أنه لا تعارض ولا تناقض البتة بين النصَّين، بل إن الله تعالى جمع بين نصوص الاستواء ونصوص المعية كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، وهذا إثبات لصفة","vol":"2","page":501},{"text":"الاستواء، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].\nوهذا بيان لنصوص المعية.\nفكون الله ﷾ عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، فهذا لا يتناقض مع أنه ﷾ يعلم ما يكون من خلقه، وأنه ﷾ معهم بعلمه ومعيته واطلاعه ﷾، ومعلوم أن المؤولة لو عادوا إلى لغة العرب لزال عنهم الإشكال الذي يتوهمونه.\nفالبعض يعتقد أن المعية هنا هي معية ذاتية، والنص لا يفيد هذا، فكلمة (مع) إذا أطلقت هكذا ولم تقيَّد، فإنها تفيد معنى المصاحبة، ثم هذه المصاحبة يتحدَّد بعد ذلك نوعها بحسب السياق، فقد تكون مصاحبة بالذات، كما تقول: ذهبت مع فلان.\nأما أن تقول مثلًا: أنا معك في هذه المسألة، أو معك في هذه القضية، فهنا مصاحبة لكنها مصاحبة نصرة أو تأييد أو موافقة على هذا الأمر.\nفإذًا ينبغي أن نفهم أن كلمة (مع) في لغة العرب تُفيد مطلق المصاحبة من حيث هي، ثم السياق هو الذي يحدِّد نوع المصاحبة.\nونحن إذا نظرنا إلى كتاب الله ﷾ نجد أن الله ﷾ قد أخبر عن نوعين هنا من المعية والمصاحبة: معية عامة كما في هذه الآية: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، ومعية خاصة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، أو كما في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.\nفلو قلنا إن (مع) تفيد مصاحبة الذات، فكيف نفرِّق بين المعيتين هنا؟\nنقول: أمَّا المعية العامة، فإنها معية العلم والاطلاع، وأما المعية الخاصة، فإنها معية نصرة وتأييد؛ لأن الله خصَّها بأهل الإيمان كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وغير ذلك من النصوص التي جاءت في إثبات المعيَّة الخاصة.\nفقول شيخ الإسلام: «وذلك أن الله معنا حقيقة»، قد يفهم بعض طلبة العلم أنه قصد بهذا معية ذاتية. لا، هي معية حقيقية؛ لأن النص أثبتها، وهي معية العلم، وبالتالي كما جاء في «تفسير الطبري» من قول الضحاك في سورة المجادلة في هذا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا","vol":"2","page":502},{"text":"عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، قال الضحاك عند هذه الآية: «هو فوق العرش وعلمه معهم» (^١).\nوهكذا فسرها الإمام مالك بن أنس كذلك، كما نقل الآجري في «الشريعة»، وغيره عن الإمام مالك أنه قال: «أنه معنا بعلمه» (^٢)، وكذا قال ابن عبد البر، وكذا قال جمعٌ من أهل العلم: «إن المعية هنا معية عِلم»، ولم يُنقل عن واحدٍ من السلف أنه فسر المعية هنا بالمعية الذاتية.\nفهنا أشار إلى أن كلمة (مع) في اللغة أنها إذا أطلقت، يعني بدون قيد، فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، أي: تفيد مطلق المصاحبة، ثم المصاحبة قد تختلف فتقول: هذا المتاع معي، أو سرنا والقمر معنا، ففرق بين هذا وهذا، فلو قلت سرنا والقمر معنا، فالقمر في مكانه، وأنتم في مكانكم، فهو يُصاحبكم لكنها مصاحبة عن بعد.\nوكما لو قلت: هذا المتاع معي، وقد يكون فوق رأسك، فهذه مصاحبة وهذه مصاحبة، لكن السياق هو الذي يحدد نوع المصاحبة في الأمرين، فيجب أن نتنبه لهذا، فوجه الخلل في فهم البعض أنه يريد أن يُلزم هذه الآية معنى معية الذات، وهذا الفهم لا يوجد إلا في ذهنه، فالخلل هنا ما جاء من النص قطعًا، وإنما مِنْ فهمه هو.\nفعلى طالب العلم أن يتنبه لهذا، فالنصوص لا تتعارض ولا تختلف، ومثل هنا مثلًا أن صبيًّا دخل عليه مَنْ يخيفه فبكى؛ فطمأنه أبوه، فقال له من السطح مثلًا: لا تخف أنا معك، فهل يعني هذا أنه معه على الأرض؟ أبدًا لا يُفهم هذا.\n_________\n(^١) «تفسير الطبري» عند تفسيره للآية الكريمة.\n(^٢) «الشريعة» (٣/ ١٠٧٧).","vol":"2","page":503},{"text":"(١٤٣) «ونظيرها من بعض الوجوه الربوبية والعبودية، فإنها وإن اشتركت في أصل الربوبية والتعبيد، فلما قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ • رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإنَّ مَنْ أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره، فقد رَبَّه ورَبَّاه، وربوبيته وتربيته أكمل من غيره.\nوكذلك قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].\nفإن العبد تارة يعنى به المُعَبَّد فيعم الخلق كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وتارة يعنى به العابد فيخص، ثم يختلفون، فمن كان أعبد علمًا وحالًا، كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل، مع أنها حقيقة في جميع المواضع».\n<hr><s0>\n\nاستُعملت كلمة (عبد) في الشرع على عِدَّة أقسام:\nالقسم الأول: عبودية الرِّقِّ، كما جاء في قوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، فالمراد بالعبد هنا: العَبد الرَّقيق المملوك؛ فتُطلق العبودية ويُراد بها عبودية الرِّقِّ.\nالقسم الثاني: العبودية العامَّة؛ حيث تُطلق العبودية ويُراد بها العبودية العامَّة؛ أي: عبودية الربوبية، كما في قوله: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فالعبد هنا: عَبد القَهر والمُلك لله ﷾، وكلُّنا عبيدٌ لله ﷿.\nوعند جمع كلمة (عبد) يَظهر الفرق بين عبودية الربوبية لله ﷿، وكذلك عبودية الرق، فتقول في جمعها: عَبيد، وأمَّا في عبودية الألوهية فتقول: عِباد، ولذلك قال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nالقسم الثالث: العبودية الخاصة، أي: عبودية التَّأَلُّه، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر","vol":"2","page":504},{"text":"عبدنا داود ذا الأيدي﴾ [ص: ١٧]، ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص: ٤١]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]، فهذه العبودية الخاصة.\nالقسم الرابع: عبودية الأشياء؛ كعبد الدنيا وشهواتها، وهو المذكور في قوله ﷺ: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم، والقَطيفة، والخَمِيصة؛ إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعط لم يَرْضَ» (^١)، فهذا فِيمَن استعبدته الدنيا وملذَّاتها فأصبح لها عبدًا.\nلذا يلزم التفريق في استعمالات هذه الكلمة، حتى يتضح المراد بها.\nفالعبودية على نوعين: عبودية عامَّة. وعبودية خاصَّة.\nفالعبودية العامَّة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله؛ بَرِّهم وفاجرهم، مُؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القَهر والمُلك؛ قال تعالى: ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ومَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم.\nوقال تعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧]؛ فسَمَّاهم عِبَادَه مع ضلالهم، ولكنها تسمية مُقَيَّدة بالإشارة، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦]، وقال: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨]؛ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة.\nوأما النوع الثاني: العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، وقد جاءت تسميتهم مُطلقة.\nقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَا أَنتُمْ تَحْزَنُون﴾ [الزخرف: ٦٨]، وقال: ﴿وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الزخرف: ٦٨].\nوأخرج الطبريُّ عن الربيع في قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْركُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] يُقال: إنَّ عدوَّ الله إبليس قال: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٣٥). والقطيفة: كساء أو فراش له أهداب. والخميصة: ثَوب أسود أو أحمر له أعلامٌ.","vol":"2","page":505},{"text":"[ص: ٨٣، ٨٢] فهؤلاء الذين لم يُجعل للشيطان عليهم سبيلٌ، وإنَّما سُلطانه على قومٍ اتَّخذوه وليًّا، وأشركوه في أعمالهم» (^١).\nفعباد الله حقًّا هم الذين قال لإبليس عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِين﴾ [الحجر: ٤٢].\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] أي: الذين قَدَّرْتُ لهم الهدايةَ؛ فلا سبيلَ لك عليهم، ولا وصولَ لك إليهم، ﴿إلَّا مَنْ اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢] استثناء مُنقطع» (^٢).\nوالاستثناء المُنقطع معناه: أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ولا بعضه.\nوالمعنى هنا: أنَّ هؤلاء الغاوين المتبعين لإبليس ليسوا عبادًا لله حقًّا؛ أي: العبودية الخاصة.\nقال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «وإنَّما انقسمت العبوديَّةُ إلى خاصَّة وعامة؛ لأنَّ أصلَ معنى اللفظة [أي: العبودية]: الذُّلُّ والخضوع؛ يُقال: طريق مُعَبَّد إذا كان مُذَلَّلًا بوطء الأقدام، وفلان عَبَّده الحبُّ إذا ذلَّلَه.\nلكِنْ أولياؤه خَضعوا له وذَلُّوا طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأمره ونهيه، وأعداؤه خَضعوا له قهرًا ورغمًا» (^٣).\nووصفُ عبيد ربوبيته بالعبودية لا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:\nفالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأمَّا أهل طاعته وولايته: فهم عبيد إلهيته.\nولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقًا إلا لهؤلاء المُخْلَصِين.\nوأمَّا وصف عبيد ربوبيته بالعبودية؛ فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:\nالأول: إمَّا مُنَكَّرًا؛ كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].\nوالثاني: مُعَرَّفًا بالألف واللام؛ كقوله: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨].\nالثالث: مُقَيَّدًا بالإشارة أو نحوها؛ كقوله: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٧/ ٢٩٥).\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٥٣٥).\n(^٣) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":506},{"text":"الرابع: أن يُذكروا في عموم عباده؛ فيَندرجوا مع أهل طاعته في الذِّكر؛ كقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦].\nالخامس: أن يُذكروا موصوفين بفعلهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].\nوقد يقال: إنَّما سَمَّاهم (عباده) إذا لم يَقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، واتَّبعوا أحسن ما أُنزل إليهم من ربهم؛ فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة (^١).\nومدار النزاع مع المخالف في هذا الباب جاء من عدم فَهمهم للفرق بين العبودية الخاصَّة والعبوديَّة العامَّة؛ فمن اتضح له الفرقُ بين العبودية الخاصة والعبودية العامة، عَرف أين مقام الثناء، وأين مقام الذَّمِّ؟\nفمقام الثناء هو لأهل العبودية الخاصة؛ فلذلك نَعَتَهم اللهُ تعالى بجَمْعهم وأفرادهم؛ لأن مقامَ هذه العبوديةَ أشرفُ المقامات، ومرتبتها أعلى المرتبات؛ فبها تشَرَّفت الملائكة؛ قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقال ﷻ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧].\nوالعبودية هي مقام التشريف لأنبياء الله ورسله، وهم أعلى مُكَلَّفين في مراتب العبودية؛ قال ﷿: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١، ١٧٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥]، ووصف سبحانه أيوبَ الذي ابتلي طويلًا بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، وأثنى على سليمان الذي وهبه الملك العظيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، أمَّا عيسى ﵇ فقد ردَّ سبحانه على مَنْ أَلَّهوه بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩]، ولذلك استشهد هنا شيخ الإسلام بقول النبي ﷺ: «لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَم؛ فَإِنَّمَا أَنا عبدُه، فَقولُوا: عبدُ اللهِ ورَسُولُه» (^٢).\nفهذه العبودية تُطلق في مقام المدح والثناء، إذ هي شرفٌ للعبد؛ لذلك وصف الله ﷿ بها نبيَّه ﷺ في أعلى المقامات: ففي مقام الإسراء قال ﷻ:\n_________\n(^١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"2","page":507},{"text":"﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام الوحي قال سبحانه: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وفي مقام الدعوة قال جل وعلا: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام التحدي قال ﷿: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]، فذكره بوصف العبودية.\nفعلى العبد أن يسعى جاهدًا في تحقيق العبودية؛ فهي شرفُه ودليل إيمانه؛ كما في الحديثِ: «واعلم أنَّ شرفَ المؤمن قيامُه بالليل» (^١).\nوهذا مثل لفظ الربوبية أو لفظ العبودية، يعني مثله سواء بسواء، فلفظ الربوبية قد يكون في موضع يقتضي أمرًا آخر إضافة إلى الأمر الأول، فمثلًا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]، فورد لفظ الرب هنا وأريد به رب العالمين، أي: رب جميع العالمين، وهنا خصَّ موسى وهارون مع أنهم من العالمين.\nفإذًا لفظ الربوبية الذي هو التربية والإنشاء هناك لموسى وهارون مزية ليست في البقية، وهكذا لفظ العبودية؛ لفظ العبودية قد يُطلق ويراد به العبودية العامة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، لكن هناك إضافة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، فالجميع عباد.\nلكن العبودية هنا في قوله: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ -عبودية عامة، وفي قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ -عبودية خاصة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٢٧٨)، والحاكم في «المستدرك» (٧٩٢١) من حديث سهل بن سعد ﵁، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٨٣١).","vol":"2","page":508},{"text":"(١٤٤) «ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس (مشككة)؛ لتشكيك المستمع فيها، هل هي مِنْ قبل الأسماء المتواطئة، أو مِنْ قبل المشتركة في اللفظ فقط، والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة؛ إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعًا مختصًّا من المتواطئة، فلا بأس بتخصيصها بلفظ».\n<hr><s0>\n\nتنقسم الألفاظ من حيث دلالتها على المعنى إلى:\n\n<span data-type='title' id=toc-125>أولًا: الألفاظ المختلفة.</span>\nالألفاظ عند اختلافها في اللفظ فهي على نوعين من حيث دلالتهما على المعاني:\n-الألفاظ المترادفة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معنى يندرج تحت واحد، أي أن الأسماء المترادفة اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها ك:\n• الخمر.\n• والراح.\n• والعقار. (^١)\n-المتباينة أو المتزايلة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معان مختلفة بالحد والحقيقة ك:\nالفرس\nوالذهب\nوالثياب (^٢).\n_________\n(^١) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٨١ ت: سليمان دنيا.\n(^٢) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٨١ ت: سليمان دنيا.","vol":"2","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>ثانيًا: الألفاظ المتفقة في اللفظ والرسم.</span>\nالألفاظ عند اتفاقها في اللفظ والرسم فهي على ثلاثة أنواع من حيث دلالتها على المعاني:\nالنوع الأول: المشترك اللفظي (بكسر الراء):\nوهو اللفظ الواحد المتفق الذي يطلق على أشياء مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساوية.\nك \"العين\" تطلق على:\nآلة البصر.\nوينبوع الماء.\nوقرص الشمس.\nوهذه مختلفة الحدود والحقائق\" (^١).\nوعند ابن تيمية ﵀ فإن الأسماء المشتركة هي الأسماء المتفقة اللفظ التي يكون معناها متباينا وهي مشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ \"سهيل\" المقول على \"الكوكب\" وعلى \"الرجل\" (^٢).\nالنوع الثاني: المتواطئة: وهي الألفاظ الكلية التي يكون حصول معناها وصدقها على أفرادها الخارجية والذهنية على السوية كدلالة اسم الإنسان على أفراده الخارجيين (^٣)، وهذه الأسماء المتواطئة هي جمهور الأسماء الموجودة وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا … كلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة (^٤).\nالنوع الثالث: المشككة: وهي الألفاظ الكلية التي لم يشأ صدقها على أفرادها، بل حصولها في بعضها أولى أو أشد من بعضها الآخر كدلالة اسم النور على نور الشمس ونور السراج فإنه في الشمس أشد منه وأقوى من نور السراج (^٥).\n_________\n(^١) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٥٢، والمعجم الفلسفي لصليبا: ٢/ ٣٧٦.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢٠/ ٢٣٤.\n(^٣) انظر: معيار العلم: ص: ٨١، التعريفات للجرجاني: ص: ٢٥٧، والمعجم الفلسفي: ٢/ ٣٣٤.\n(^٤) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٣/ ١٢٣، ١٢٩، ٢٠/ ٢٤٣.\n(^٥) انظر: التعريفات للجرجاني: ص: ٢٧٦، المعجم الفلسفي: ٢/ ٣٧٨.","vol":"2","page":510},{"text":"وسمي المشكك مشككا لأن الناظر فيه يتردد ويتشكك هل هو من المتباين أو من المتواطئ، فإذا نظر إلى التفاوت ظن أنه من المتباين وإذا نظر إلى الاتفاق في المعنى جعله من المتواطئ، فالإنسان باعتبار أفراد الإنسان يعد متواطئا، والضوء باعتبار التفاضل والتفاوت فيه يعد مشككا \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذ جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين: عاما وخاصا، زال اللبس (^٢).\nفهذا النوع من الألفاظ يسمى الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشكك، وقد ضربنا مثلًا بالنور، فتقول: نور المصباح وضوء الشمس؛ فتسمِّي هذا نورًا وهذا نورًا، فكونه يُطلق على هذا لفظ النور وعلى هذا النور، فهل هما تمامًا سواء بسواء؟ لا؛ فشتَّان بين النورين، فهناك تفاوت مع أن المعنى واحد.\n_________\n(^١) انظر: شرح التدمرية للشيخ البراك: ٣٦٥.\n(^٢) منهاج السنة: ٢/ ٥٨٥.","vol":"2","page":511},{"text":"(١٤٥) «ومن علم أن<span data-type='title' id=toc-127> المعية </span>تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات؛ كإضافة الربوبية مثلًا،».\n<hr><s0>\n\nكلمة (مع) في لغة العرب لا تقتضي أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر، وهي إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى.\nولفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع واقتضت في كل موضع أمورًا لم تقتضها في الموضع الآخر، وذلك بحسب اختلاف دلالتها في كل موضع وهي قد وردت في القرآن بمعنيين هما:\n\n<span data-type='title' id=toc-128>المعنى الأول: المعية العامة</span>\nوالمراد بها أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه شهيد عليهم، ومهيمن وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nفالله ﷾ قد افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر (^١)، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).\nوعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية.\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٣)، و(٥/ ٥١٩)، و(١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٤).","vol":"2","page":512},{"text":"وكذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nفظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله ﵎ واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع تعالى في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض البتة، وهو كقوله ﷺ في حديث الأوعال: \"والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-129>المعنى الثاني: المعية الخاصة:</span>\nوهي معية الاطلاع والنصرة والتأييد، وسميت خاصة لأنها تخص أنبياء الله وأولياءه مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨].\nفهذه المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.\nولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك (^١).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"إن هذه الآية لا تخلوا من أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك.\nفإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله سبحانه قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].\nأما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه سبحانه، فإن ظاهر السياق في الآية دل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠)، و(٥/ ١٠٤).","vol":"2","page":513},{"text":"على أن المراد بقربه هنا قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (^١).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض.\nقال ابن عبد البر: \"فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير\" (^٢).\nوقال الآجري: \"وقوله ﷿ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في السموات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء\" (^٣).\nوروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: \"هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض (^٤).\nوأما استدلالهم بقوله تعالى ﴿هُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ فقد فسرها أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض (^٥).\nوقال الآجري: \"وعند أهل العلم من أهل الحق ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُم وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون﴾ هو كما قال الحق ﴿يَعْلَمُ سِرّكُمْ﴾ فما جاءت به السنن أن الله ﷿ على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون\" (^٦).\n_________\n(^١) الفتاوى (٦/ ١٩ - ٢٠).\n(^٢) التمهيد (٧/ ١٣٤).\n(^٣) الشريعة (٣/ ١١٠٤).\n(^٤) الشريعة (٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥).\n(^٥) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٩٢ - ٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٥٠).\n(^٦) الشريعة (٣/ ١١٠٤).","vol":"2","page":514},{"text":"(١٤٦) «وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش،».\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-130>الاستواء </span>صفة ثابتة في القرآن والسنة وقد أجمع سلف الأمة على إثباتها.\nوذكر صفة الاستواء جاء في سبعة مواضع من القرآن الكريم.\nكما أن السنة مليئة بالأحاديث الثابتة الصحيحة الدالة على علو الله واستوائه على عرشه.\nوالسلف يقولون إن معنى هذا الاستواء الوارد في الكتاب والسنة معلوم في اللغة العربية، كما قال ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\".\nفقولهم: (الاستواء معلوم): أي أن معنى الاستواء معلوم في اللغة، وهو ههنا بمعنى العلو والارتفاع.\nقال ابن القيم ﵀: \"إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.\nفالمطلق: مالم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.\nوأما المقيد فثلاثة أضرب: \"\nأحدها: مقيد \"بإلى\" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله ﷾ المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ \"الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.\nالثاني: المقيد \"بعلى\" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.\nالثالث: المقرون \"بواو مع\" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء","vol":"2","page":515},{"text":"والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم\" (^١).\nومما يؤكد أيضًا أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: \"والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه\".\nقال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨].\nوقال الشاعر:\nفأوردتهم ماء بضبضاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى\nوهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.\nوقد ذكر النضر بن شميل -وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة-قال: \"حدثني الخليل -وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ فصعدنا إليه\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول\" (^٣).\nولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (^٤).\nوقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (^٥).\nوقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (^٦).\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٢) التمهيد (٧/ ١٣١ - ١٣٢).\n(^٣) انظر مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥).\n(^٤) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٣).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).","vol":"2","page":516},{"text":"وقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: \"سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع\" (^١).\nوفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من الأقوال التي نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم.\nومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿ لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: \"ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة) (^٢).\nوقال ابن القيم: \"إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٧).\n(^٢) تفسير القرطبي.\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).","vol":"2","page":517},{"text":"(١٤٧) «وأن الله يوصف ب<span data-type='title' id=toc-131>العلو والفوقية الحقيقية،</span> ولا يوصف بالسُّفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازًا: علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف.\nثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذبٌ-إن نقله عن غيره، وضالٌّ-إن اعتقده في ربه-».\n<hr><s0>\n\nالذين يقولون بأن الله بذاته في كل مكان، هذا القول هو ما يذهب إليه النجارية (^١)، وكثير من الجهمية وبخاصة عبادهم وصوفيتهم وعوامهم وأهل المعرفة والتحقيق منهم (^٢). ويحتج هؤلاء ببعض الحجج العقلية المزعومة بالإضافة إلى بعض الآيات القرآنية الدالة على المعية والقرب.\nوقد يجمع كثير من هؤلاء المعطلة بين القولين، فهو في حالة نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما، فيقول لا هو داخل العالم ولا خارجه، وفي حالة تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان ولا يخلو منه شيء (^٣).\n_________\n(^١) هم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله بن النجار، وقد كان أكثر معتزلة الري ومن حولها على مذهبه، وقد نقل الشهرستاني في الملل والنحل (١/ ١١٣ - ١١٤) عن الكعبي قوله: (إن النجار كان يقول: إن الباري بكل مكان وجودا لا معنى العلم والقدرة).\nوانظر مقالات الإسلاميين (١/ ١٣٥ - ١٣٧، ٢٨٣ - ٢٨٥)، والفرق بين الفرق (١٢٦ - ١٢٧)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٣٣٤)، والتبصير في الدين (١٠١، ١٠٢، ١٠٣).\n(^٢) انظر نقض التأسيس (١/ ٧).\n(^٣) انظر نقض التأسيس (١/ ٧).","vol":"2","page":518},{"text":"(١٤٨) «وما سمعنا أحدًا يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن أحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله تعالى ورسوله: <span data-type='title' id=toc-132>«أنَّ الله في السماء»</span> (^١): أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا».\n<hr><s0>\n\nفهم المراد من نصوص الكتاب والسنة بأن تجري على لغة العرب ووفق لسانها.\nفالألفاظ جارية على لغة العرب-كما يقول الشاطبي ﵀ (^٢) -فحتى نفهم المراد من نصوص الكتاب والسنة فلا بد أن تجري على لغة العرب ووفق لسانها، وليس لأحد أن يسخر اللغة وفق هواه وعلى ما جرى به اعتقاده، فاللغة حاكمة ليس لأحد أن يطوعها لأمر بغير أساليب أهلها (^٣).\nقال الإمام الشافعي ﵀: \" إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها \". ثم ذكر وجوها لاتساع لسانها وضروبه المتنوعة في دلالتها على المعاني\". ثم قال: \" وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به معرفة واضحة عندها ومستنكرا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه\" (^٤).\nوقال بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ: (\"وقد روى عبد الرزاق في \" تفسيره \": حدثنا الثوري عن ابن عباس، \" أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام): قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يعذر أحد بجهالته؛ يقول من الحلال والحرام،\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ، برقم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (١٢١٨)، والإمام أحمد في المسند أَحَادِيثُ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (٢٣٧٦٢).\n(^٢) انظر: الموافقات: ٢/ ١٢٧.\n(^٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٤٩٢.\n(^٤) الرسالة للشافعي: ص ٥١ - ٥٣، ت: أحمد شاكر.","vol":"2","page":519},{"text":"وقسم يعلمه العلماء خاصة، وقسم لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فهو كاذب). وهذا تقسيم صحيح.\nفأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها\" (^١)\nكما أن علينا أن نعرف أن فهم النصوص يعتمد على سياق الكلام.\nوهذه الدلالة هي من الأهمية بمكان، إذ يتضح من خلالها فهم الكلام الوارد وتنزيله على معانيه الصحيحة، قال الإمام الشاطبي ﵀: \" كلام العربي على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة. \" (^٢) ودلالة السياق دلالة معتبرة عند أهل السنة استخدموها في توضيح النصوص على معانيها المناسبة لها.\nويقصد بالسياق هنا هو المعنى الذي جرت فيه الألفاظ محتفة بقرائنها التي تؤكد دلالة هذا المعنى وتستبعد ما سواه، ويسمي بعض الباحثين السياق بأنه: \" الموقف الكلامي بجميع عناصره \" (^٣).\nفالسياق إذن يعرف من خلال الكلام سابقه ولاحقه وما احتف به من قرائن سواء كانت واضحة في النص أم كانت خارجة عنه كأسباب النزول.\nيقول السيوطي ﵀ وهو يذكر مصادر المفسر وأنه يبدأ بالقرآن ثم السنة \" فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله. (^٤)\nفدلالة اللفظ على الصفة في موضع ما لا يعني أنه يدل عليها في كل موضع.\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٣٠٧.\n(^٢) الموافقات: ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(^٣) انظر: علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية: ص ١٧١، د/ فريد عوض حيدر، وانظر: دلالة السياق لردة الله الطلحي: ص ٤٦، وقد لخص الطلحي مفهوم السياق من خلال تراث العرب ويقصد به السياق عند علماء الشرع وعلماء اللغة بأنه يرجع إلى ثلاثة أمور:\n١ - السياق هو الغرض.\n٢ - السياق هو الظروف والمواقف التي ورد فيها النص.\n٣ - السياق هو السياق اللغوي المعروف الآن وهو ما يمثله الكلام في موضع النظر والتحليل.\nانظر: دلالة السياق: ٥٠ - ٥١.\n(^٤) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تعليق: د. مصطفى البغا: ١/ ١١٩٧.","vol":"2","page":520},{"text":"قال القاضي أبو يعلى: (وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا، فقال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم﴾ [المجادلة: ٧]، قال: المراد به علمه؛ لأن الله افتتح الخبر بالعلم، وختمه بالعلم) (^١).\nوقال شيخ الإسلام: \"فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا، وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات. كقوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: ٥٦]. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: \"يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة، ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا.\nوقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك. بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات\" (^٣)\nوقد يطول الكلام عن السياق، والمقصود هنا بيان أن النصوص حتى تفهم فلا بد من اعتبار سياقاتها، ولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: إن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية \" (^٤).\nوعند ذكر بعض النصوص فإنه قد يظهر فيها أنها من نصوص الصفات وقد لا يثبت من خلالها صفة كقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة: ١١٥)،\n_________\n(^١) (إبطال التأويلات (ص: ٤٢٧ - ٤٢٨).\n(^٢) مجموع الفتاوي، ابن تيمية، (٦/ ١٤ - ١٥).\n(^٣) مجموع الفتاوي، ابن تيمية، (٦/ ١٥).\n(^٤) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٦/ ١٢. وانظر: الرسالة المدنية لابن تيمية: ص: ٣١، ت: الوليد الفريان. انظر: الصواعق المرسلة: ٧١٤.","vol":"2","page":521},{"text":"وكقوله: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) (النحل: ٢٦)، فالأولى تعني وجه الله أي قبلته، فأضيفت إلى الله تعالى للتخصيص والتشريف، والثاني المقصود به إتيان أمره المتمثل في عقوبته، وقد يستدل بعض النفاة بمثل آية (فأتى الله بنيانهم) … على نفي صفة الإتيان الله تعالى حقيقة الواردة في قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) جاعلًا من معنى الآية الأولى معنى للآية الثانية من أن الإتيان لله تعالى إنما هو إتيان أمره\" (^١).\nومن خلال دلالة السياق يتبين لنا أثر فهم هذه الدلالة في إثبات صفات الله تعالى وأن لا يجعل ما لا يدل على صفة من النصوص دليلا على نفي الصفة المثبتة من النصوص الأخرى.\nوما سبق هو إشارة للمقصود وتبيان لأهمية هذه الدلالة\" (^٢).\nفإذًا هكذا في ألفاظ المعية، في كل نص قد تقتضي معنى خلاف الآخر، فمع أن الله ﷾ مع خلقه جميعًا بعلمه، فإنه مع أوليائه وعباده الصالحين بنصره وتأييده إضافة إلى علمه، فهذا النوع يسمى التواطؤ المشكك، فالتواطؤ نوعان: كلِّي ومشكك.\nفلاحظ أن اللبس يأتي في أذهان البعض من فهمه الخاطئ، أو يريد أن يحمِّل النصَّ معنى لا يحتمله، ولو عاد إلى لغة العرب وعاد إلى كلام أهل العلم لوجد أن الأمر في غاية الوضوح والجلاء، فلم يتردد واحد من السلف فيقول: لعلها معية ذاتية، ولم يُنقل هذا عنهم، وهذا ابن عبد البر ينقل إجماع السلف أنهم فسَّروا المعيَّة بمعيَّة العلم، وهكذا ابن تيمية وهكذا تلميذه ابن القيم، وهكذا جمعٌ من أهل العلم، بيَّنوا أن المعيَّة هنا ليست معيَّة ذاتية.\nوقد قمت بتأليف رسالة في هذا الموضوع سميتها \"الآثار المروية في صفة المعية\" تتبعت فيها أقوال العلماء في هذه المسألة.\n_________\n(^١) انظر: نقض الدارمي، ومجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢/ ٤٢٩، و٣/ ١٩٣، ومختصر الصواعق لابن الموصلي: ١/ ٢٩.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٦/ ١٥ - ٢٣، لتبيان أمثلة توضح دلالة السياق وأثرها في فهم النص، وانظر كذلك: الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات ابن تيمية للشجيري: ٩١ - ٩٥.","vol":"2","page":522},{"text":"(١٤٩) «وإذا كان الأمر هكذا؛ فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله بل عند المسلمين أن الله في السماء وهو على العرش واحد؛ إذ السماء إنما يُراد به العلو.\nفالمعنى: أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نِسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يُتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] بمعنى (على) ونحو ذلك.\nوهو كلام عربي حقيقة لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة».\n<hr><s0>\n\nالمراد لو أن قائل قال: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، هذا يُفهم منه أن الله داخل السماء وأن السماء مُحيطة به، هل يُقبل هذا؟!\nفيُقال له: هذا فهمك أنت الخاطئ، ولكن الذي يَفهمه العلماء ويفهمه أصحاب المعتقد الصحيح السليم أن قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على السماء.\nفلفظ \"السماء\" له معنيان:\nالأول: العلو.\nوالثاني: الجرم المخلوق المعروف، الذي هو السقف المحفوظ.\nفإذا قال أهل السنة: \"الله في السماء\" فمعنى السماء هنا: العلو.\nومن أراد بلفظ السماء ذلك الجرم المخلوق: فإنه يجعل \"في\" بمعنى \"على\".\nقال الحافظ ابن عبد البر ﵀\": وأما قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ) الملك/ ١٦ فمعناه: مَنْ على السماء يعني: على العرش.\nوقد يكون \"في\" بمعنى \"على\"، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ","vol":"2","page":523},{"text":"أَشْهُرٍ) التوبة: ٢ أي: على الأرض، وكذلك قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) طه/ ٧١\" انتهى (^١).\nوقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: \"معنى كون الله في السماء: معناه على السماء أي فوقها، ف (في) بمعنى \"على\"، كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي: عليها.\nويجوز أن تكون (في) للظرفية، و(السماء) على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: (أنزل من السماء ما).\nولا يصح أن تكون (في) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته\" انتهى. (^٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀\": السلف، والأئمة، وسائر علماء السنَّة إذا قالوا: \" إنه فوق العرش \"، و\" إنه في السماء فوق كل شيء \": لا يقولون إن هناك شيئًا يحويه، أو يحصره، أو يكون محلاًّ له، أو ظرفًا، ووعاءً، ﷾ عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغنٍ عن كل شيءٍ، وكل شيءٍ مفتقرٌ إليه، وهو عالٍ على كل شيءٍ، وهو الحامل للعرش، ولحملة العرش، بقوته، وقدرته، وكل مخلوق مفتقرٌ إليه، وهو غنيٌّ عن العرش، وعن كل مخلوق.\nوما في الكتاب والسنة من قوله: (أأمنتم من في السماء) ونحو ذلك: قد يَفهم منه بعضُهم أن \"السماء\" هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه، فيقولون: قوله (في السماء) بمعنى: \"على السماء\"، كما قال: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي: على جذوع النخل، وكما قال: (فسيروا في الأرض) أي: على الأرض.\nولا حاجة إلى هذا، بل \" السماء \" اسم جنس للعالي، لا يخص شيئًا، فقوله: (في السماء) أي: في العلو دون السفل.\nوهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره، العلي الأعلى، ﷾\" (^٣) انتهى.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٧/ ١٣٠ (.\n(^٢) \"مجموع فتاوى الشيخ العثيمين\" (٤/ ٢٨٣).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (١٦/ ١٠٠، ١٠١).","vol":"2","page":524},{"text":"(١٥٠) «وكذلك<span data-type='title' id=toc-133> قول النبي ﷺ: «إذا قَامَ أَحَدُكُمْ إلى الصَّلاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ،</span> فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ» (^١) الحديث حَقٌّ على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَلُ وَجْه المُصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء ويناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه وكانت-أيضًا-قِبَل وجهه».\n<hr><s0>\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن المعلوم: أنَّ مَنْ توجه إلى القمر وخاطبه- إذا قدر أن يُخاطبه- لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، فهو مُستقبل له بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له وإن كان ذلك ممكنًا، وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته؛ كما يفعل من ليس مقصوده التوجه إلى شخص بخطاب فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره؛ ليسمع هو الخطاب؛ فأمَّا مع زوال المانع فإنما يتوجه إليه؛ فكذلك العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يَستقبل ربَّه وهو فوقه فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله، ويدعوه من العلو لا من السُّفل، كما إذا قدر أنه يخاطب القمر. وقد ثبت في «الصَّحيحين» أنه قال: «لَينتهين أقوامٌ عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا تَرجع إليهم أبصارهم» (^٢).\nواتفق العلماء على أن رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه.\nوروى أحمد عن محمد بن سيرين: أن النبي ﷺ كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾، فكان بصره لا يُجاوز موضع سجوده» (^٣)، فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلًا للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي يؤمر بالخشوع-وهو الذل والسكوت-لا يناسب\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥٠) ومسلم (٤٢٨) واللفظ له، من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(^٣) أخرجه أحمد «العلل ومعرفة الرجال» (٢/ ٣٨١)، وأنكره جدًّا، وقال: «اضرب عليه»، وذكره ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٢٧١)، وبَيَّن أنه: «مرسل ورجاله ثقات».","vol":"2","page":525},{"text":"حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وغض بصره أمامه. وليس نهي المصلي عن رفع بصره في الصلاة ردًّا على (أهل الإثبات) الذين يقولون: إنه على العرش كما يظنه بعضُ جهال الجهمية، فإن الجهمية عندهم لا فرق بين العرش وقعر البحر، فالجميع سواء، ولو كان كذلك لم يَنه عن رفع البصر إلى جهة، ويؤمر بردِّه إلى أخرى؛ لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء» (^١).\nقال ابن القيم ﵀ \" فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَأَيْنَمَا وَلَّى الْمُصَلِّي فَهِيَ قِبْلَةُ اللَّهِ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ وَجْهَ رَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ وَاسِعٌ، وَالْعَبْدُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ بِوَجْهِهِ، كَمَا تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .... فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَجَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ السَّمَاوِيَّةِ: عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالٍ عَلَى خَلْقِهِ فَوْقَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَعَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مُحِيطٌ بِالْعَوَالِمِ كُلِّهَا، فَأَيْنَمَا وَلَّى الْعَبْدُ فَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَقْبِلُهُ، بَلْ هَذَا شَأْنُ مَخْلُوقِهِ الْمُحِيطِ بِمَا دُونَهُ، فَإِنَّ كُلَّ خَطٍّ يَخْرُجُ مِنَ الْمَرْكَزِ إِلَى الْمُحِيطِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وَجْهَ الْمُحِيطِ وَيُوَاجِهُهُ، وَالْمَرْكَزُ يَسْتَقْبِلُ وَجْهَ الْمُحِيطِ، وَإِذَا كَانَ عَالِي الْمَخْلُوقَاتِ الْمُحِيطُ، يَسْتَقْبِلُ سَافِلَهَا الْمُحَاطُ بِهِ بِوَجْهِهِ، مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ وَالْجَوَانبِ؛ فَكَيْفَ بِشَأْنِ مَنْ هُوَ بكل شَيْءٍ مُحِيطٍ، وَهُوَ مُحِيطٌ وَلَا يُحَاطُ بِهِ، كَيْفَ يُمْتَنَعُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَبْدُ وَجْهَهُ تَعَالَى حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ كَانَ؟! \" انتهى (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: «الدليل على أن الله قِبَل وَجْهِ المُصَلِّي: قوله ﷺ: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق قِبَل وجهه، فإنَّ الله قِبَل وجهه».\nوهذه المقابلة ثابتة لله حقيقة على الوجه اللائق به ولا تنافي علوه، والجمع بينهما من وجهين:\n١ - أن الاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق كما لو كانت الشمس عند طلوعها، فإنَّها قِبَل وجه مَنْ استقبل المشرق وهي في السماء، فإذا جاز اجتماعهما في المخلوق فالخالقُ أَوْلى.\n٢ - أنه لو لم يمكن اجتماعهما في حق المخلوق، فلا يلزم أن يمتنع في حقِّ الخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء» (^٣).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٧٦ - ٥٧٨).\n(^٢) \" مختصر الصواعق المرسلة \" (١/ ٤١٧ (.\n(^٣) «فتاوى ابن عثيمين» (٤/ ٢٨٧).","vol":"2","page":526},{"text":"(١٥١) «وقد ضرب النبي ﷺ المَثَل بذلك-ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق-فقال النبي ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًّا به». فقال له أبو رُزين العقيلي: كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ: «سأنبئك مثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليًّا به وهو آية من آيات الله، فالله أكبر» (^١)، أو كما قال النبي ﷺ.\nوقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» (^٢)؛ فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهًا للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه؛ كل يراه فوقه قِبَل وجهه كما يرى الشمس والقمر، ولا منافاة أصلًا.\nومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره بالكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد».\n<hr><s0>\n\nمَنْ زعم أن أحاديث الرؤية من أحاديث التشبيه فقد كذب، فهي أحاديث محفوظة عن النبي ﷺ، والتشبيه الذي فيها: (كما ترون الشمس والقمر) إنما هو تشبيه للرؤية بالرؤية، وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي.\nيعني: إذا كان الإنسان يستطيع أن يرى القمر وحده، ويستطيع أن يراه وهو مع\n_________\n(^١) انظر: سنن أبي داود برقم (٤٧٣١)، وابن ماجه (١٨٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمَدَنِيِّينَ (١٦١٨٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه الجزء الأول صفحة (٢٥٢): حسن.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، برقم (٧٤٣٤)، ومسلم كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا (٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجه (١٧٧)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩١٩٠).","vol":"2","page":527},{"text":"قوم دون أن يزاحمهم، فكذلك المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة دون مزاحمة، وكذلك يرى الإنسان ربه مخليًا به كما أنه يرى القمر مخليًا به.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقال: «إنَّكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر»، فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهًا للمرئي».\nيعني: ليس المراد أن الله تعالى يشابه القمر والشمس، فالله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ولكن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: كما أن الإنسان في الدنيا يرى الشمس والقمر رؤية واضحة، فكذلك سيرى الله يوم القيامة، فهذا هو المراد.\nقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: \"وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه. وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟\nومن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابرا لعقله، أو في عقله شيء؛ وإلا فإذا قال: يُرى، لا أمام الرائي ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا فوقه ولا تحته؛ رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.\nولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات، بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة …\nوما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام، إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه.\nلكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة، أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه، لا يرى، ولا في جهة.\nويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة: أتريد بالجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا؟\nفإن أراد بها أمرا وجوديا، كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود، لا يرى.\nوهذه المقدمة: ممنوعة، ولا دليل على إثباتها؛ بل هي باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يُرى، وليس العالم في عالم آخر.\nوإن أردت بالجهة أمرا عدميا، فالمقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار\" (^١).\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (١/ ٢١٩).","vol":"2","page":528},{"text":"قال ابن القيم ﵀: \" وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية: فمتواترة، رواها عنه أبو بكر الصديق وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجرير بن عبد الله البجلي وصهيب بن سنان الرومي وعبد الله بن مسعود الهذلي وعلي ابن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وعدي بن حاتم الطائي وأنس بن مالك الأنصاري وبريدة بن الحصيب الأسلمي وأبو رزين العقيلي وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو أمامة الباهلي وزيد بن ثابت وعمار بن ياسر وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وعمارة بن رويبة وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه موقوف، وأبي بن كعب وكعب بن عجرة وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف، ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى.\nفهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن، تلقها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، ولا تكذب بها، فمن كذب بها، لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين … \". ثم ساق الأحاديث.\nفمن لم يسلم للسنة، وما جاءت به؛ فما جدوى النقاش معه في مسألة من مسائل الدين؟\nومن لم يبصر إثبات السنة للرؤية، فهو أعمى، لا يجدي معه نقاش ولا استدلال والنصيحة لك: أن لا تنشغل برد الشبهات، بل احرص على طلب العلم وتحصيله والترقي فيه على أيدي العلماء الثقات. (^١) \"\nوينبغي أن يتنبه طالب العلم لمسألة أنه لا بد من فهم كلام السلف عند الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، وأن لا يستقل بفهمه هو، فيفهم من هذه الآية معنًى ومن تلك معنًى، وبعد ذلك يُشكل عليه الأمر أو يقع في اللبس أو تختلط عليه الأمور.\n_________\n(^١) \"حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح\" ص ٢٩٦","vol":"2","page":529},{"text":"(١٥٢) «واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف: إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا لفظ مجمل، فإن قوله: ظاهرها غير مراد، يحتمل أنه أراد بال<span data-type='title' id=toc-134>ظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين</span>؛ مثل أن يُراد بكون الله قِبَل وَجه المصلي: أنه مستقر في الحائط الذي يُصلي إليه، وأن (الله معنا) ظاهره: أنه إلى جانبنا، ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد».\n<hr><s0>\n\nسبق الحديث عن مقالة التفويض في عدة مواطن من هذا الشرح بما يغني عن إعادة شرح هذه المسألة فليرجع إلى تلك المواطن.\nفالمفوضة هم الذين قالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله. فسكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾.\nفهم في هذا يخيرون أنفسهم بين طريقين: إما أن يأوِّل، وإما أن يفوِّض كما يقول ناظمهم في هذا، يقول اللقاني ناظم جوهرة التوحيد، يقول في هذا:\n«وكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوِّض ورُم تنزيها «(^١)\nويقول شارحها البيجوري: «الحاصل أنه إذا ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح، اتفق أهل الحق وغيرهم ما عدا المجسِّمة والمشبهة، على تأويل ذلك لوجوب تنزيهه تعالى عما دلَّ عليه ما ذكر بظاهره» اه.\nفالغاية واحدة وهي على حد زعمهم تنزيه الله ﷿ عن صفة اليد مثلًا، أو تنزيهه عن صفة الاستواء.\nلكن بعد ذلك طريقهم في هذا على أحد أمرين: إما أن يقولوا: استوى بمعنى استولى، أو اليد بمعنى النعمة أو القدرة، أو يسكت عن ذلك فيقول: الله أعلم\n_________\n(^١) جوهرة التوحيد ص ٥٦.","vol":"2","page":530},{"text":"بمراده لكن النتيجة واحدة، وهي إنكار الاستواء، وإنكار صفة اليد.\nوالفرق بين المفوض والمؤول أن المفوِّض يصرف اللفظ عن المعنى الراجح: لكن لا إلى معنى، بينما المؤول يصرف اللفظ عن المعنى الظاهر الراجح إلى معنى مرجوح، فيتفقان في صرف اللفظ عن المعنى المتبادر، ويفترقان في أن أحدهما يعطيه معنى آخر محتملًا، والثاني يمنع عنه المعنى، ولكنهم في النهاية يلتقون عند نتيجة مشتركة، وهي: رفض وصف الله بما وصف به نفسه وتنزيهه عما وصف به نفسه.\nوقد أراد المفوض التخلص من أذى التأويل - بل التحريف - الذي يمرض القلوب فوقع في مرضٍ آخر هو التفويض الذي حقيقته تجاهل معاني أسماء الله وصفاته والادعاء بأن الله أنزلها ولم يرد منا معرفة معناها فجهلها رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان ﷺ يحفظ أسماءً مجردة عن المعاني.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:\nأحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.\nوالثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في \"الرسالة النظامية\" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.\nثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي). (^١)\nوالقائلين بالتفويض هم على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.\nفهؤلاء سكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾، فقالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله.\nالقسم الثاني: يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز\n_________\n(^١) -درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩.","vol":"2","page":531},{"text":"ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\nفيجوز أحد الاعتبارين، وأحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، أن الذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.\nالقسم الثالث: يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.\nوهذا القسم هم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.\nهنا تكلم عن مسألة التفريق، فقد يقول شخص ما: إن الظاهر غير مراد، ويراد بذلك أنه لا يَفهم من الظاهر إلا ما يليق بالمخلوق، كأن يقول: إن ظاهر هذه الآية نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، فلا يفهم أن وجه الله ﷾ كوجه خلقه، ولا يد الخالق كيد المخلوقين ونحو ذلك. فهذا الظاهر غير مراد؛ لأن الآيات تأباه، فإذا كان هذا هو المقصود فهذا صحيح، لكن إذا قال: إن الظاهر غير مراد: أن المعنى غير مراد، وأن هناك معنى لا نَعلمه، فهذا هو الفاسد كما سيأتي.","vol":"2","page":532},{"text":"(١٥٣) «ومن قال: إن مذهب السلف: أن هذا غير مراد، فقد أصاب في المعنى، لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث.\nفإن هذا هو المحال ليس هو الأظهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع. اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس، فيكون القائل لذلك مصيبًا بهذا الاعتبار، معذورًا في هذا الإطلاق.\nفإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا أن يُبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر: أن هذا ليس هو الظاهر، حتى يكون أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظًا ومعنى».\n<hr><s0>\n\nالظهور والبطون والوضوح والخفاء، أمور نسبية، فقد يفهم الإنسان من آية فهمًا صحيحًا، وقد يفهم منها فهمًا سقيمًا، وهذا يكون بسبب فهمه، فهذا أمر يختلف فيه الناس، فلذلك هنا بين أنه إذا كان الفهم فاسدًا فيقال: إن هذا الفهم إذا فهمه البعض فهو فهم فاسد، لا أن يقول: إن ظاهر الآية في هذا هو كذا، وهذا غير صحيح.","vol":"2","page":533},{"text":"(١٥٤) «وإن كان الناقل عن السلف أراد-بقوله: الظاهر غير مراد عندهم-أن المعاني التي ظهرت من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله، أو جائزة عليه جوازًا ذهنيًّا، أو جوازًا خارجيًّا غير مراد، فقد أخطأ فيما نقله عن السلف، أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل-لا نصًّا ولا ظاهرًا-أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر، ولا يد حقيقة.\nوقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض مَنْ يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة-طريقة السلف-بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله ﷾، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها؛ لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون؛ لجواز أن يراد غيره».\n<hr><s0>\n\nوهذا حقيقة قول الأشاعرة، إذ يزعمون أن النصوص على غير ظاهرها، وأن السلف أمسكوا عن تأويلها فقط، وهذا زعم فاسد.\nوالفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل التعطيل من جهة وعقيدة أهل التمثيل من جهة أخرى.\nفأهل السنة يعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه، فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنصِّ كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة-فيجب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصفَ بالغٌ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يَقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يَسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تُشبه\n_________\n(^١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢١، ٢٢).","vol":"2","page":534},{"text":"صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المُصَدِّق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظِّمًا لله جل وعلا غير مُتنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرضُ قلبِه طيبةً طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).\nأمَّا أهل التعطيل: فإنَّهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة.\nفعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.\nفإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^١).\nوأمَّا عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوأمَّا العارفون به، المُصدقون لرسله، المُقرون بكماله فهم يُثبتون لله جميع صفاته، ويَنفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سَيئتين، وهدًى بين ضلالتين.\nوخلاصة القول: أن عقيدة أهل السنة تتميز عن عقيدة المشبهة، بأن أهل السنة يُفَوِّضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إلى الله ﷿، فلا عِلم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كُنه شيء من صفات ربنا تعالى؛ كأن يقال: استوى على هيئة كذا.\n_________\n(^١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ١٩، ٢٠).","vol":"2","page":535},{"text":"وكل مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغُلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووَضَّحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما عَلَّمَهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾؛ فليؤمن العبد بما عَلَّمه الله تعالى وليقف معه، وليُمسك عما جهله، وليكل معناه إلى عالمه» (^١).\nوأمَّا المشبهة فقد تعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتَقَوَّلوا على الله بغير علم، فقالوا: له بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وقَدَمٌ كقدمي، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.\n_________\n(^١) انظر: «معارج القبول» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧).","vol":"2","page":536},{"text":"(١٥٥) «وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا: مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم الذي لم يُحك هنا عُشْره، عَلم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك.\nوالله يعلم أني بعد البحث التام، ومطالعة ما أمكن من كلام السلف، ما رأيت كلام أحد منهم يدل-لا نصًّا ولا ظاهرًا ولا بالقرائن-على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر، بل الذي رأيته أن كثيرًا من كلامهم يدل-إمَّا نصًّا وإما ظاهرًا على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة، بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحدًا منهم نفاها».\n<hr><s0>\n\nيبين شيخ الإسلام ابن تيمية نتيجة ما توصل إليه في بحثه عن أقوال السلف الصالح في باب الصفات ويؤكد أن نتيجة بحثه في هذا الباب لم يجد في أقوال السلف ما ينفي الصفات الخبرية كما هو الحال الذي وصل إليه المتأخرين من الأشاعرة الذين نفوا تلك الصفات وخالفوا بذلك أقوال قدمائهم فضلًا عن مخالفتهم لأقوال علماء السلف من أهل السنة والجماعة الذين عهد عنهم أنهم يتعاملون مع الصفات معاملة واحدة، فكل صفة ورد فيها النص وكانت ثابتة ومنقولة، وكلام السلف ليس في كل صفة بعينها، ولكنهم تكلموا عن بعض الصفات، وتكلموا عن الصفات جملة، وكلامهم لا يُفهم منه أنه فوَّضوا أو أوَّلوا.\nوقوله: «ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة، بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحدًا منهم نفاها».\nكلامه هذا هو من التحري والدقة هنا، حتى لا يقول قائل: أعطونا نصًّا في كل صفة، فنقول: إن هذا لا يمكن، لكنْ هناك عدد من الصفات تكلموا عنها؛ مثل صفة العلو والاستواء، وتكلموا عن الصفات جملة، فمثل هذا الكلام يكون هو المعيار.","vol":"2","page":537},{"text":"وعلى من ينفي الصفات الخبرية أو يقول بتأويلها أن يأتي بأدلته على ذلك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"مَذْهَبُ \" أَهْلِ الْحَدِيثِ \" وَهُمْ السَّلَفُ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ الْخَلَفِ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ وَيُؤْمَنُ بِهَا وَتُصَدَّقُ وَتُصَانُ عَنْ تَأْوِيلٍ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلٍ وَتَكْيِيفٍ يُفْضِي إلَى تَمْثِيلٍ. وَقَدْ أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ حَكَى إجْمَاعَ السَّلَفِ - مِنْهُمْ الخطابي - مَذْهَبَ السَّلَفِ: أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي \" الصِّفَاتِ \" فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي \" الذَّاتِ \" يُحْتَذَى حَذْوُهُ وَيُتَّبَعُ فِيهِ مِثَالُهُ؛ فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ كَيْفِيَّةٍ؛ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ كَيْفِيَّةٍ فَنَقُولُ إنَّ لَهُ يَدًا وَسَمْعًا وَلَا نَقُولُ إنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُدْرَةُ وَمَعْنَى السَّمْعِ الْعِلْمُ.\nوَهَذِهِ الْعِبَارَةُ خَطَأٌ:\nإمَّا لَفْظًا وَمَعْنًى.\nأَوْ لَفْظًا لَا مَعْنًى.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ قَدْ صَارَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ:\nالمعنى الأول: أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْيَدَ جَارِحَةٌ مِثْلُ جَوَارِحِ الْعِبَادِ، وَظَاهِرُ الْغَضَبِ غَلَيَانُ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ، وَظَاهِرُ كَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ.\nفَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَشِبْهَهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَنُعُوتِ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَقَدْ صَدَقَ وَأَحْسَنَ؛ إذْ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ؛ بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ يُكَفِّرُونَ الْمُشَبِّهَةَ وَالْمُجَسِّمَةَ. لَكِنَّ هَذَا الْقَائِلَ أَخْطَأَ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ؛ وَحَيْثُ حُكِيَ عَنْ السَّلَفِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ؛ فَإِنَّ \" ظَاهِرَ الْكَلَامِ \" هُوَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْعَقْلِ السَّلِيمِ مِنْهُ لِمَنْ يَفْهَمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ ظُهُورُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَقَدْ يَكُونُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ؛ وَلَيْسَتْ \" هَذِهِ الْمَعَانِي \" الْمُحْدَثَةَ الْمُسْتَحِيلَةَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى هِيَ السَّابِقَةَ إلَى عَقْلِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ الْيَدُ عِنْدَهُمْ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالذَّاتِ فَكَمَا كَانَ عِلْمُنَا وَقُدْرَتُنَا وَحَيَاتُنَا وَكَلَامُنَا وَنَحْوُهَا مِنْ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا تَدُلُّ عَلَى حُدُوثَنَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ","vol":"2","page":538},{"text":"سُبْحَانَهُ بِمِثْلِهَا؛ فَكَذَلِكَ أَيْدِينَا وَوُجُوهُنَا وَنَحْوُهَا أَجْسَامًا كَذَلِكَ مُحْدَثَةً يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِمِثْلِهَا.\nثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إذَا قُلْنَا إنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا إنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ثُمَّ يُفَسِّرُ بِصِفَاتِنَا.\nفَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ظَاهِرَ الْيَدِ وَالْوَجْهِ غَيْرُ مُرَادٍ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِنَا جِسْمٍ أَوْ عَرَضٍ لِلْجِسْمِ وَمَنْ قَالَ: إنَّ ظَاهَرَ شَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مُرَادٍ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ اسْمٍ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إلَّا وَالظَّاهِرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ فَكَانَ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ قَدْ أُرِيدَ بِهَا مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْفَسَادِ.\nوَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إنَّمَا هِيَ صِفَاتُ اللَّهِ ﷾ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نِسْبَتُهَا إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ كَنِسْبَةِ صِفَاتِ كُلِّ شَيْءٍ إلَى ذَاتِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْمَوْصُوفِ وَلَهَا خَصَائِصُ وَكَذَلِكَ الْوَجْهُ. وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَاجِبَةٌ لِذَاتِهِ وَ\" الْإِلَهُ \" الْمَعْبُودُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَلَيْسَ غَرَضُنَا الْآنَ الْكَلَامَ مَعَ نفاة الصِّفَاتِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مَعَ مَنْ يُثْبِتُ بَعْضَ الصِّفَاتِ. وَكَذَلِكَ \" فِعْلُهُ \" نَعْلَمُ أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ إبْدَاعُ الْكَائِنَاتِ مِنْ الْعَدَمِ وَإِنْ كُنَّا لَا نُكَيِّفُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَلَا يُشْبِهُ أَفْعَالَنَا إذْ نَحْنُ لَا نَفْعَلُ إلَّا لِحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ \"وَاَللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَكَذَلِكَ \"الذَّاتُ\" تُعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُمَاثِلُ الذَّوَاتَ الْمَخْلُوقَةَ وَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ وَلَا يُدْرِكُ لَهَا كَيْفِيَّةً فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَيْهِ.\nفَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَحْكَامَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَآثَارَهَا وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُ فَيُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِ خَالِقِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ لَذَّةً يَنْغَمِرُ فِي جَانِبِهَا جَمِيعُ اللَّذَّاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَخَالِقًا وَمَعْبُودًا وَلَا يَعْلَمُ كُنْهَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ غَايَةُ عِلْمِ الْخَلْقِ هَكَذَا: يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ وَلَا يُحِيطُونَ بِكُنْهِهِ وَعِلْمُهُمْ بِنُفُوسِهِمْ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ. قُلْت لَهُ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ \" الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهَذَا التَّفْسِيرِ؟ فَقَالَ: هَذَا لَا يُمْكِنُ.","vol":"2","page":539},{"text":"فَقُلْت لَهُ: مَنْ قَالَ: إنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَعْنَى أَنَّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ غَيْرُ مُرَادَةٍ قُلْنَا لَهُ: أَصَبْت فِي \" الْمَعْنَى \" لَكِنْ أَخْطَأْت فِي \" اللَّفْظِ \" وَأَوْهَمْت الْبِدْعَةَ وَجَعَلْت للجهمية طَرِيقًا إلَى غَرَضِهِمْ وَكَانَ يُمْكِنُك أَنْ تَقُولَ: تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ كَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُدُوثُهُ أَوْ نَقْصُهُ.\nوَمَنْ قَالَ: \"الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ \" بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي -وَهُوَ مُرَادُ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ-فَقَدْ أَخْطَأَ.\nثُمَّ أَقْرَبُ هَؤُلَاءِ \" الْجَهْمِيَّة \" الْأَشْعَرِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ لَهُ صِفَاتٍ سَبْعًا: الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْكَلَامَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ. وَيَنْفُونَ مَا عَدَاهَا وَفِيهِمْ مَنْ يَضُمُّ إلَى ذَلِكَ \" الْيَدَ \" فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِي نَفْيِ مَا سِوَاهَا وَغُلَاتُهُمْ يَقْطَعُونَ بِنَفْيِ مَا سِوَاهَا.\nوَأَمَّا \" الْمُعْتَزِلَةُ \" فَإِنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ مُطْلَقًا وَيُثْبِتُونَ أَحْكَامَهَا وَهِيَ تَرْجِعُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ إلَى أَنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ؛ وَأَمَّا كَوْنُهُ مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا فَعِنْدَهُمْ أَنَّهَا صِفَاتٌ حَادِثَةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ عَدَمِيَّةٌ. وَهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى \" الصَّابِئِينَ الْفَلَاسِفَةِ \" مِنْ الرُّومِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ حَيْثُ زَعَمُوا: أَنَّ الصِّفَاتِ كُلَّهَا تَرْجِعُ إلَى سَلْبٍ أَوْ إضَافَةٍ؛ أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْ سَلْبٍ وَإِضَافَةٍ؛ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ ضُلَّالٌ مُكَذِّبُونَ لِلرُّسُلِ.\nوَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ مَعْرِفَةَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَبَصَرًا نَافِذًا وَعَرَفَ حَقِيقَةَ مَأْخَذِ هَؤُلَاءِ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّهُمْ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ وَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وَبِالْكِتَابِ وَبِمَا أُرْسِلَ بِهِ رُسُلُهُ؛ وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الْبِدَعَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُفْرِ وَآيِلَةٌ إلَيْهِ. النقطة الثانية: قُلْت لَهُ: إذَا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَةِ أَوْ وَصَفَهُ بِهَا رَسُولُهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ -الَّذِينَ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ-فَصَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَحَقِيقَتِهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْهَا: إلَى بَاطِنٍ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَمَجَازٍ يُنَافِي الْحَقِيقَةَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَكَلَامَ السَّلَفِ جَاءَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِشَيْءِ مِنْهُ خِلَافُ لِسَانِ الْعَرَبِ أَوْ خِلَافُ الْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ مَا يُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ كُلُّ مُبْطِلٍ أَنْ يُفَسِّرَ أَيَّ لَفْظٍ بِأَيِّ مَعْنًى سَنَحَ لَهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِي اللُّغَةِ.","vol":"2","page":540},{"text":"الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ دَلِيلٌ يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَفِي مَعْنًى بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُ الصَّرْفَ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ ثُمَّ إنْ ادَّعَى وُجُوبَ صَرْفِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ عَقْلِيٍّ أَوْ سَمْعِيٍّ يُوجِبُ الصَّرْفَ. وَإِنْ ادَّعَى ظُهُورَ صَرْفِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ مُرَجِّحٍ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ.\nالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْلَمَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ-الصَّارِفُ-عَنْ مُعَارِضٍ؛ وَإِلَّا فَإِذَا قَامَ دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ أَوْ إيمَانِيٌّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُرَادَةٌ امْتَنَعَ تَرْكُهَا ثُمَّ إنْ كَانَ هَذَا الدَّلِيلُ نَصًّا قَاطِعًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى نَقِيضِهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ.\nالرَّابِعُ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامِ وَأَرَادَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَضِدَّ حَقِيقَتِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَتَهُ وَأَنَّهُ أَرَادَ مَجَازَهُ سَوَاءٌ عَيَّنَهُ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لَا سِيَّمَا فِي الْخِطَابِ الْعِلْمِيِّ الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُمْ فِيهِ الِاعْتِقَادُ وَالْعِلْمُ؛ دُونَ عَمَلِ الْجَوَارِحِ؛ فَإِنَّهُ ﷾ جَعَلَ الْقُرْآنَ نُورًا وَهُدًى وَبَيَانًا لِلنَّاسِ وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نَزَّلَ إلَيْهِمْ وَلِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَلِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.\nالنقطة الثالثة: ثُمَّ هَذَا \" الرَّسُولُ \" الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ بُعِثَ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ وَأَبْيَنِ الْأَلْسِنَةِ وَالْعِبَارَاتِ ثُمَّ الْأُمَّةُ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ كَانُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا وَأَنْصَحَهُمْ لِلْأُمَّةِ وَأَبْيَنَهُمْ لِلسُّنَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ هُوَ وَهَؤُلَاءِ بِكَلَامِ يُرِيدُونَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ إلَّا وَقَدْ نُصِبَ دَلِيلًا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا ظَاهِرًا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ أَنَّ الْمُرَادَ أُوتِيَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْتَاهُ مِثْلُهَا وَكَذَلِكَ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْلَمُ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ الْخَالِقَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ.\nأَوْ سَمْعِيًّا ظَاهِرًا مِثْلُ الدَّلَالَاتِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي تَصْرِفُ بَعْضَ الظَّوَاهِرِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحِيلَهُمْ عَلَى دَلِيلٍ خَفِيٍّ لَا يَسْتَنْبِطُهُ إلَّا أَفْرَادُ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ سَمْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى وَأَعَادَهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً؛ وَخَاطَبَ بِهِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ وَفِيهِمْ الذَّكِيُّ وَالْبَلِيدُ وَالْفَقِيهُ وَغَيْرُ الْفَقِيهِ وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَدَبَّرُوا ذَلِكَ الْخِطَابَ وَيَعْقِلُوهُ وَيَتَفَكَّرُوا فِيهِ وَيَعْتَقِدُوا مُوجَبَهُ ثُمَّ أَوْجَبَ أَنْ لَا يَعْتَقِدُوا بِهَذَا الْخِطَابِ شَيْئًا مِنْ ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ دَلِيلًا خَفِيًّا يَسْتَنْبِطُهُ أَفْرَادُ النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ","vol":"2","page":541},{"text":"يُرِدْ ظَاهِرَهُ كَانَ هَذَا تَدْلِيسًا وَتَلْبِيسًا وَكَانَ نَقِيضَ الْبَيَانِ وَضِدَّ الْهُدَى وَهُوَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِيِّ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْهُدَى وَالْبَيَانِ. فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ دَلَالَةُ ذَلِكَ الْخِطَابِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَقْوَى بِدَرَجَاتِ كَثِيرَةٍ مِنْ دَلَالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْخَفِيِّ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ أَمْ كَيْفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْخَفِيُّ شُبْهَةً لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةٌ؟ فَسَلَّمَ لِي ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ.\nالنقطة الرابعة:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تأويلات المعطلة: \"وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علمًا يقينًا أن الأنبياء لم يريدوا بقولهم ما حملوه عليه، وهؤلاء كثيرًا ما يجعلون التأويل من باب دفع المعارض، فيقصدون حمل اللفظ على ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه، لا يقصدون طلب مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده، وعلى الوجه الذي به يعرف مراده، فصاحبه كاذب علي من تأول كلامه، ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ. (^١) \"\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ١١","vol":"2","page":542},{"text":"(١٥٦) «وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، مع إنكارهم على من ينفي الصفات؛ كقول نُعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: «مَنْ شبه الله بخلقه فقد كفر، ومَن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا».\n<hr><s0>\n\nكل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.\nا-بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nأما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.\nفهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.\nوتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.\nوبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.\nوامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.\nمثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nنصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^١).\nفإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.\nوكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.\n_________\n(^١) الآية ٥ من سورة طه","vol":"2","page":543},{"text":"فأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:\nالأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.\nالثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.\nالرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (^١).\n٢ - بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل (^٢):\nأما تعطيل الممثل فمن وجوه ثلاثة:\nأحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.\nالثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل بالمخلوق الناقص.\nالثالث: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٤).\nأما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.\nوالقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية ٧٩ - ٨٠\n(^٢) انظر: الفتوى الحموية ص ٦٢ - ٦٣ ط: دار فجر للتراث\n(^٣) الآية ١١ من سورة الشورى\n(^٤) الآية ٤ من سورة الإخلاص","vol":"2","page":544},{"text":"(فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.\nفقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.\nبل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.\nولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.\nولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.\nبل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.\nوله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.\nوكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.\nولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا) (^١).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧","vol":"2","page":545},{"text":"(١٥٧) وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات، قالوا: هذا جهمي مُعَطِّل، وهذا كثير جدًّا في كلامهم، فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئًا من الصفات: مشبهًا، كذبًا منهم وافتراء، حتى إن منهم مَنْ غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثُمَامة بن أشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة؛ موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ومحمد ﷺ حيث قال: «ينزل ربُّنا» (^١).\nوحتى إن جُلَّ المعتزلة تُدْخِل عامَّة الأئمة، مثل: مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عُبيد وغيرهم، في قِسم المشبهة.\nوقد صنف أبو إسحاق؛ إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه: «تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة»، ذكر فيه كلام السلف وغيرهم من معاني هذه الألقاب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يُلَقِّب أهل السنة بلقب افتراه، يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يُلَقِّبون النبي ﷺ بألقاب افتروها.\nفالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة يسمونهم شكاكًا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونَوَابت وغثاء وغُثْرًا، إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنونًا، وتارة شاعرًا، وتارة كاهنًا، وتارة مفتريًا.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، = والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).","vol":"2","page":546},{"text":"قالوا: وهذا علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة؛ فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه؛ اعتقادًا واقتصادًا وقولًا وعملًا؛ فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة، وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة، فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المَحيا والممات، باطنًا وظاهرًا».\n<hr><s0>\n\nكما كانت قريش تُسمي النبي ﷺ تارةً مجنونًا، وتارة شاعرًا، وتارة كاهنًا، وتارة مُفتريًا. فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامَّة؛ فإنَّ السنة هي ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابه، اعتقادًا واقتصادًا، وقولًا وعملًا.\nفلا بد من نصيب من هذا الميراث، فكما آذوا النبي ﷺ وشتموه وذموه بهذه الألقاب، فلا شك أن مَنْ يرث هذا الميراث الذي هو الحق، لا بد أن يتحمل شيئًا من هذه الشتائم والسباب الذي يقوله هؤلاء، لكن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].\nفأهل البدع يُسمون مَنْ خالفهم بالألقاب الشَّنيعة للتَّنفير، وبهذا يُسمون أهل السنة بالألقاب التي هم بها أليق، فالرافضة يُسمونهم: نواصب؛ لأنهم زعموا أنهم يُبغضون عليًّا، وقد كذبوا، فليسوا يُبغضون عليًّا، بل يُحبونه، ولكن لا يغلون فيه، ولا يُعطونه غير حقِّه، خلاف الرافضة؛ فقد غلوا فيه، وأعطوه غير حقِّه. وهكذا نُفاة الصِّفات يُسمون أهل السنة: حشوية، ومجسمة، ومُشبهة، وهم في الحقيقة الحشوية، وهم المجسمة، وهم المشبهة الذين شبَّهوه بالمعدومات والنَّاقصات والجمادات، قبَّحهم الله. وهكذا نُفاة القدر، وهكذا المرجئة، كل طائفةٍ تُسمي خصمها بالألقاب الشَّنيعة.\nوقال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: «علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة. وعلامة القدرية: أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية» (^١).\n_________\n(^١) نقله عنه الذهبي في «العلو» (ص ١٩٠).","vol":"2","page":547},{"text":"وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتاب: «الغنية» نحو ما ذكر وزاد: «علامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة، وكل ذلك عصبية، وغياض لأهل السنة ولا اسم لهم إلا اسم واحد وهو: (أصحاب الحديث)، ولا يلتصق بهم ما لقيهم به أهل البدع كما لم يلتصق بالنبي تسمية كفار مكة: ساحرًا وشاعرًا ومجنونًا ومفتونًا وكاهنًا، ولم يكن اسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه وسائر خلقه إلا رسولًا نبيًّا بريًّا من العاهات كلها: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (^١).\nوقد عرف أن من سمات أهل الباطل طعنهم في الصحابة الذين هم أئمة السلف، فها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (^٢):\nأما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم. فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق.\nثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (^٣).\nوأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين.\nوأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.\nأما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا آل البيت - وغلاتهم من السبئية\n_________\n(^١) «الغنية» (ص ٧١)، مكة المكرمة، المطبعة الميرية، ١٣١٤ هـ.\n(^٢) الفرق بين الفرق للبغدادي ٣١٨ وما بعدها\n(^٣) فضل الإجماع ص ١٤٠","vol":"2","page":548},{"text":"والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية.\nوالإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.\nوالأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ -بعد أن حكى عنهم هذا الكلام-: \"ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض\" (^١). (^٢)\nفالخوارج طعنوا في أصحابِ النبي، طعنوا ما طعنوا وكفَّروا ما كفَّروا.\nوكذلك جاء من بعدهم المعتزلة حتى يقول العمرو بن عبيد: \"لو جاءَ كلا الفريقين عليّ ومَن معه، ومعاوية ومَن معه، يشهدون عندي على حزمة بَقْل ما قبلت شهادةَ أحدٍ منهم\" فطعنوا بها في هذه المرجعية، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧\n(^٢) المصدر موقع الدرر السنية الموسوعة العقدية","vol":"2","page":549},{"text":"(١٥٨) «أما<span data-type='title' id=toc-136> الذين وافقوا ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، أو الذين وافقوه ظاهرًا وباطنًا بحسب الإمكان».</span>\n<hr><s0>\n\nالناس مُنقسمون في هذا الباب إلى أربعة أقسام:\nأحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة:\n(الإخلاص): إذ إنَّ أعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاءهم لله، ومنعهم لله، وحُبَّهم لله، وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يُريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة، والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا من ذَمِّهم، بل قد عَدُّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ فالعمل لأجل الناس، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاؤهم للضر والنفع منهم- لا يكون مِنْ عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم، وجاهل بربِّه؛ فمَن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومَن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه، ولا يُعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثرَ معاملة الله على معاملتهم.\n(المتابعة): وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يَقبل الله مِنْ عامل سواه، وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة لأجله؛ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يُرد عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورًا، وكل عمل بلا اقتداء؛ فإنَّه لا يزيد عامله من الله إلا بُعدًا، فإنَّ الله تعالى إنما يُعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء.\nالقسم الثاني: مَنْ لَا إِخْلَاصَ لَهُ ولَا مُتَابَعَةَ:\nفَلَيْسَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِشَرْعٍ، ولَيْسَ هُو خَالِصًا لِلمَعْبُودِ؛ كَأَعْمَالِ المُتَزَيِّنِينَ لِلنَّاسِ،","vol":"2","page":550},{"text":"المُرَائِينَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ ورَسُولُهُ؛ فَإِنَّهُمْ يَرْتَكِبُونَ الأمور التي لم يَشرعها الله، ويجمعون معها الرِّيَاءَ والسُّمْعَةَ، فَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ مِنَ الِاتِّبَاعِ والإِخْلَاصِ والعِلمِ.\nالقسم الثالث: مَنْ هُو مُخْلِصٌ فِي أَعْمَالِهِ، لَكِنَّهَا عَلَى غَيْرِ مُتَابَعَةِ الأَمْرِ:\nبعض الناس يَظهر عليه الإخلاص في عمله، لكنه يفعل أمورًا مخالفةً للشرع؛ كمن يَظُنُّ أَنَّ مُواصَلَةَ صَوْمِ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ قُرْبَةٌ، وأَنَّ صِيَامَ يَوْمِ فِطْرِ النَّاسِ قُرْبَةٌ، وأَمْثَالِ ذَلِكَ، وقد جاء الشرعُ بالنَّهي عن مواصلة الصوم؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الوِصَالِ؛ قَالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ. قَالَ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وأُسْقَى» (^١).\nوأمَّا صيام يوم العيد؛ فقد ثبت عن أبي هريرة؟: «أن رسول الله ﷺ نَهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفِطر» (^٢).\nومن هذا الباب ما جاء في حديث أنس؟ قال: «جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوتِ أزواج النَّبي، يَسألون عن عبادة النَّبي، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبي؛ قد غُفر له تقَدَّم مِنْ ذَنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدَّهر ولا أُفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النِّساء فلا أَتزوج أبدًا. فجاء رسولُ الله إليهم؛ فقال: «أنتم الَّذِين قُلتم كذا وكذا؟! أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكِّني أصومُ وأُفطر، وأُصَلِّي وأَرقد، وأتزوج النِّساء؛ فمَن رَغِب عن سُنَّتي فليس مني» (^٣).\nالقسم الرابع: مَنْ أَعْمَالُهُ عَلَى مُتَابَعَةِ الأَمْرِ، لَكِنَّهَا لِغَيْرِ اللَّهِ:\nكَطَاعَةِ المُرَائِينَ، وكَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ رِيَاءً وحَمِيَّةً وشَجَاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقَالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقَالَ؛ فَهَؤُلَاءِ أَعْمَالُهُمْ ظَاهِرُهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، لَكِنَّهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ؛ لأنَّ الله ﷾ قال: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]؛ فَكُلُّ أَحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِعِبَادَةِ اللهِ بِمَا أَمَرَ، والإِخْلَاصِ لَهُ فِي العِبَادَةِ (^٤).\nودليله: حديث أبي هريرة؟ قال: «حَدَّثني رسولُ الله ﷺ أنَّ الله ﵎ إذا كان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٠٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) واللفظ له، ومسلم (١٤٠١).\n(^٤) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٤ - ١٠٦).","vol":"2","page":551},{"text":"يوم القيامة يَنزل إلى العباد؛ ليَقضي بينهم وكل أمة جاثية؛ فأَوَّل مَنْ يَدعو به رجلٌ جَمَعَ القرآنَ، ورجلٌ يُقتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال؛ فيقول الله ﵎ للقارئ: أَلَم أُعَلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فِيما عُلِّمْتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله ﵎ له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان قارئ؛ فقد قيل ذاك! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: أَلَم أُوَسِّع عليك حتى لَم أَدَعَك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِل الرَّحم وأتصدق! فيقول الله له: كَذَبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله: بل إنَّما أردتَ أن يُقال: فلان جَوَاد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قُتِل في سبيل الله؛ فيقال له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتلت! فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان جَرِيء؛ فقد قيل ذاك». ثم ضرب رسول الله ﷺ رُكبتي؛ فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلق الله تُسَعَّر بهم النَّار يوم القيامة» (^١).\nفإذا أراد الإنسان أن يُحَقِّق عبادة الله ﷿، وأن يَصل إلى هذه الغاية: أن يكون مِنْ أهل هذه الطاعة والعبادة ومِن أهل صِراط الله المستقيم، ممن استقام على شرع الله ﷿؛ فعليه أن يحقق هذين الشرطين-: الإخلاص والمتابعة-في كل عمل.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٨٢) والنسائي في «الكبرى» (٢٣٨٢)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧١٣).","vol":"2","page":552},{"text":"(١٥٩) «فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيها نقصًا يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة-وإن اعتقدوا صدقها-كقول الرافضي: مَنْ لم يبغض أبا بكر وعمر، فقد أبغض عليًّا؛ لأنه لا ولاية لعليٍّ إلا بالبراءة منهما، ثم يجعل مَنْ أحب أبا بكر وعمر ناصبيًّا؛ بناء على هذه الملازمة الباطلة، التي اعتقدوها صحيحة، أو عاندوا فيها، وهو الغالب».\n<hr><s0>\n\n\nيبيِّن المصنف<span data-type='title' id=toc-137> أسباب هذه الألقاب التي يطلقونها على أهل السنة</span>؛ فانظر كيف يركِّبون باطلهم بسبب أنهم يعتقدون أن في السنة نقصًا.\nوقد أعطى شيخ الإسلام ثلاثة أمثلة من معتقدات كل من الرافضة والقدرية والجهمية، وكيف أنهم جاؤا بلوازم فاسدة نابعة من معتقداتهم.\nفالرافضة عندهم أن حب أبي بكر عندهم لا يستقيم مع ولاية عليٍّ ﵄، فلابد لكي يوالي أحدهم عليًّا أن يبغض أبا بكر، مع أن السلف لم يبغضوا عليًّا ﵁، ولم يُناصبوه العداء، لكن هذه مقاييسهم الفاسدة.\nفهذه الملازمة الباطلة الفاسدة لا توجد إلا في معتقد الرافضة وأذهانهم، فمحاولة حصر قضية الولاء والبراء بين الصحابة بأحد هذين خيارين إنما هي لازم قولهم في الصحابة، وأما أهل السنة فإنهم يوالون جميع الصحابة ويحبونهم ولا يفرقون بينهم ويعرفون لهم فضلهم، ويؤمنُون بأن أصحابَ النبي ﷺ كما وصفهم ابن مسعود حينما قال: \" من كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ \" (^١)، أولئك أصحابُ محمد أبَّرُّ هذه الأمةِ قلوبًا وأعمُقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبةِ نبيه وإقامةِ دينه فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، وكما أُثِر عنه ﵁ حيث قال: \"إنا نقتدي ولا نبتدئ، ونتبعُ ولا نبتدع\".\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ٩٤٧ رقم ١٨١٠)، وفي إسناده ضعف، إلا أنه أثر مشهور متداول في مصنفات أهل السنة، ومعناه صحيح مستقر عندهم.","vol":"2","page":553},{"text":"فأصحابُ النبي ﷺ خيرُ هذه الأمة، والله تعالى قد زكَّاهم في كتابه وأمرَ بلزومِ سبيلهم حيث قال ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فرضيَ الله عن السابقين من المهاجرين والأنصار رضاءً مطلقا بدونِ قيد، ورضيَ عنهم بعدهم رضاءً مقيَّدًا .. مقيَّدًا بأي أمر؟ باتباعهم بإحسان ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ صدق الله\nونهى الله ﷾ عن الافتراقِ عنهم ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].","vol":"2","page":554},{"text":"(١٦٠) «وكقول القدري:<span data-type='title' id=toc-138> مَنْ اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد، فقد سلب العباد الاختيار والقدرة، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة».</span>\n<hr><s0>\n\nفالقدريَّةُ نَفَوْا مُتعلق قدرة الله بأفعال العباد تنزيهًا لله بزَعْمهم، فأفعالُ العباد عندهم لا تَدخُل تحت مشيئة الله وإرادته.\nولذلك قالوا بهذا اللازم الفاسد الذي لا وجود له في معتقدهم المنحرف عن الحق.\nوقد ضَلَّ في هذا الباب (باب أفعال الله) الجبريةُ والقدريةُ، وما زال إلى يوم الناس هذا مَنْ يَخبط فيه بين قائل بأن العبد مجبر على أفعاله، وبين قائل بأن العبد لا فِعل له ولا اختيار، وإنما هو كالريشة في مَهَبِّ الرِّيح، وأهل السنة والجماعة وسطٌ بين هذا وذاك.\nوقد أوضَح شيخُ الإسلامِ ﵀ هذا في «مَجموع الفَتاوى» قول أهل السنة فقال: «وهم في باب خَلقِ الله وأمرِه وسطٌ بين المُكذِّبين بقُدرة الله الذين لا يُؤمنون بقُدرتِه الكاملة ومَشِيئته الشاملة وخَلقِه لكل شيء، وبين المُفسدين لدِين الله الذين يَجعلون العبدَ ليس له مَشِيئةٌ ولا قُدرة ولا عمل، فيُعطِّلون الأمر والنهي والثوابَ والعقاب، فيَصِيرون بمَنزِلة المُشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].\nفيُؤمن أهل السُّنَّة بأنَّ الله على كل شيء قدير، فيَقدر أن يهدي العبادَ ويُقلِّب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في مُلكِه ما لا يُريد، ولا يَعجَز عن إنفاذ مُرادِه، وأنه خالِق كلِّ شيء من الأعيان والصِّفات والحَرَكات.\nويُؤمنون أن العبدَ له قُدرة ومشيئة وعملٌ، وأنه مُختار ولا يُسمُّونه مَجْبورًا؛ إذ المَجْبور مَنْ أُكْرِه على خلاف اختِياره، والله ﷿ جعَل العبدَ مُختارًا لِمَا يفعله، فهو مختارٌ مُريد، والله خالِقُه وخالِقُ اختياره، وهذا ليس له نَظِيرٌ؛ فإن الله ليس كمثله","vol":"2","page":555},{"text":"شيءٌ، لا في ذاتِه ولا في صفاته ولا في أفعاله» (^١).\nوقال العلَّامة السِّعْدي \"وهدَى الله أهلَ السُّنَّة والجَمَاعَة للتوسُّط بين طائفتين منحرفتينِ هم القدرية والجبرية، فآمَنوا بقضاء الله وقدَره وشُمولهما للأعيان والأوصاف والأفعال التي مِنْ جُملتِها أفعالُ المُكلَّفين وغيرهم، وآمَنوا بأنه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن، وآمنوا مع ذلك بأن الله تعالى جعَل للعِباد قُدرة وإرادة تقَعُ بها أقوالُهم وأفعالهم على حسب اختِيارهم وإرادتهم، فآمَنوا بكلِّ نصٍّ فيه تعميمُ قدرة ومشيئة، وبكلِّ نصٍّ فيه إثباتُ أنَّ العباد يعملون ويفعلون كلَّ الأفعال الكبيرة والصغيرة بإرادتهم وقُدْرَتِهم، وعَلِموا أن الأمرينِ لا يَتنافيانِ\" (^٢).\nوبهذا يتبين أن الملازمة الفاسدة إنما هي في أذهان وعقيدة القدرية إذ لا تنافي بين مشيئة الله ومشيئة العبد في معتقد أهل السنة والجماعة.\n_________\n(^١) «مَجموع الفَتاوى» (٣/ ٣٧٣، ٣٧٤).\n(^٢) «التنبيهات اللطيفة» (ص ٦١، ٦٢).","vol":"2","page":556},{"text":"(١٦١) «وكقول الجهمي:<span data-type='title' id=toc-139> مَنْ قال: إن الله فوق العرش، فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب محدود، وأنه مشابه لخلقه».</span>\n<hr><s0>\n\nيقول المعطل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.\nوكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.\nفأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:\nالأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.\nالثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.\nالرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (^١).\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية ٧٩ - ٨٠","vol":"2","page":557},{"text":"(١٦٢) «وكقول الجهمية المعتزلة: مَنْ قال:<span data-type='title' id=toc-140> إن لله علمًا وقدرة، فقد زعم أنه جسم مركب، وهو مشبه؛ لأن هذه الصفات أعراض،</span> والعَرَض لا يقوم إلا بجوهر مُتحيز، وكل متحيز جسم مركب، أو جوهر فرد، ومن قال ذلك فهو مُشبه؛ لأن الأجسام متماثلة».\n<hr><s0>\n\nالمعتزلة بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلًا للصفات والحركات، فلا يكون جسمًا ولا متحيزًا؛ لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nفهم بهذا القول نفوا صفات البارئ، وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع، وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يكن القول بموجبه.\nوالمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:\nأولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض، والجسم، والحيز، والمركب، وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليه، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة، فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات البارئ ﷿، حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه عن ذلك، وقد بين شيخ\n_________\n(^١) انظر: شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض تأسيس الجهمية ١/ ٥٠٤، ٥١١، وفي مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٨ - ٤٣٠.","vol":"2","page":558},{"text":"الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف، ولا جاء به أثر صحيح، ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال، كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته، المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.\nومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه، وتحيط به، وتحصره، أو هي محمل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء، وعلا كل شيء (^١).\nثانيًا: إن من استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^٢).\nكما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٣).\nثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^٤)، الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام وهذا دليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٥)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من لخطر والتأويل، وما يلزم عليها من لوازم باطلة؛ لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته، ونفي أفعاله، ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب، وبصره، وقدرته، وحياته، وإرادته، وكلامه، فضلًا عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع، وأفعاله، وصفاته، وكلامه، وخلقه للعالم، وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له، بل هو\n_________\n(^١) انظر: كتاب: موقف ابن تيمية من قضية التأويل ص ٣٨١ - ٣٨٥.\n(^٢) مقالات الإسلاميين ٢/ ١٧٧، وموقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.\n(^٣) موقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.\n(^٤) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٣.\n(^٥) انظر كتاب: رسالة أهل الثغر ص ١٦٤ - ١٧٢ تحقيق عبد الله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.","vol":"2","page":559},{"text":"لفظ لا معنى له، وبهذه الطريقة قالت الجهمية بفناء الجنة والنار، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم: إنه ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن، إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^١).\nفكل هذا تجده لوازم في عقولهم، فيفهمون من إثبات السلف للاستواء على العرش: أن العرش يحوي الله ﷾، أو يحيط به جل وعلا.\nوإنما نُفَسِّر الاستواء بمعنى العلو والارتفاع، والكيف لا نَعلمه، وإنما يعلمه الله ﷾.\nفيأتي هؤلاء بلوازم فاسدة ليركبوا عليها هذا الاستنتاج الفاسد.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق ١/ ٢٥٦، ٢٥٧، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٨ - ٤٠.","vol":"2","page":560},{"text":"(١٦٣) <span data-type='title' id=toc-141>«ومن حكى عن الناس المقالات، وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها،</span> فهو وربه، والله من ورائه بالمرصاد، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله».\n<hr><s0>\n\nأي: الله حسبه ومحاسبه، وكفى به رقيبًا وحسيبًا ﷻ، ومقصود المؤلف أن بعض من ألف في مجال كتب الفرق والمقالات وبناء على معتقده المخالف تراه يكيل لأهل السنة الألقاب الشنيعة المنفرة، فتجده قد جمع بين الجهل بمعتقد أهل السنة والظلم لهم، فإن من سمات أهل الباطل أنهم جمعوا بين الجهل والظلم قال ابن تيمية: \"وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ أَصْلٌ فَاسِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلٍ وَظُلْمٍ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي ظُلْمِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي ظُلْمِ النَّاسِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ أَعْدَلُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَالْخَوَارِجُ تُكَفِّرُ أَهْلَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الرَّافِضَةِ وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ فُسِّقَ. وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَبْتَدِعُونَ رَأْيًا، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، \" (^١)\nوقد عرف أن من سمات أهل الباطل تكفيرهم لخصومهم قال ابن تيمية: \"وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَحَدٌ إلَّا وَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ مَقَالَةٌ يُكَفِّرُ قَائِلُهَا عُمُومَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَصْحَابَهُ وَفِي التَّعْمِيمِ مَا يُغْنِي عَنْ التَّعْيِينِ فَأَيُّ فَرِيقٍ أَحَقُّ بِالْحَشْوِ وَالضَّلَالِ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الرِّدَّةِ فِيهِمْ كَمَا يُوجَدُ النِّفَاقُ فِيهِمْ كَثِيرًا. وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَقَالَاتِ الْخَفِيَّةِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِيهَا مُخْطِئٌ ضَالٌّ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ صَاحِبُهَا؛ لَكِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي طَوَائِفَ مِنْهُمْ فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَعْلَمُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ \" (^٢)\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٣","vol":"2","page":561},{"text":"(١٦٤) «وجماع الأمر: أن<span data-type='title' id=toc-142> الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام،</span> كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة:\n- قسمان يقولان: تُجرى على ظواهرها.\n- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.\n- وقسمان يسكتون».\n<hr><s0>\n\nذكر المصنف رحمه الله تعالى هنا: أن الأقسام التي يمكن عدُّها في أقسام الناس في نصوص الصفات ستة أقسام، وهذه الأقسام يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام باعتبار جمع كل قسمين معًا:\n- فقسمان يقولان: تجرى على ظواهرها.\n- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.\n- وقسمان يسكتان.","vol":"2","page":562},{"text":"«أما الأولان فقسمان:\n* أحدهما: مَنْ يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل، أنكره السلف، وإليهم يتوجه الرد بالحق».\n<hr><s0>\n\nفبدأ بالقسم الأول والثاني فقال: أما الأوَّلان فقسمان، أحدهما من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبِّهة وهنا قال: إن المشبهة أجروا هذه النصوص على ظاهرها، ولكنهم جعلوا ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، كقولهم: له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، فهم من جهة أثبتوا الصفة فأثبتوا اليد، وأثبتوا السمع، وأثبتوا البصر، وأثبتوا الاستواء، وأثبتوا سائر الصفات، لكنهم تعمقوا في شأن الكيفية، وجعلوا تلك الصفات من جنس ما للمخلوق.\nوسبق أن ذكرنا شبهة هؤلاء بأنهم يقولون: إن الله تعالى لا يُخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كلمنا عن يدٍ، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه اليد الجارحة، ولذلك نقول: له يد كيدي، ونقول: له سمع كسمعي، وبصر كبصري.\nوقلنا: إن هذه الحجة في غاية الضعف؛ لأنه ليس من شرط الإيمان بالأشياء أن تعقل حقائقها، فهذه الروح بين جنبي الإنسان ولا يمكن له أن ينكر وجودها، ومع ذلك لا يمكن أن يدرك كنهها أو حقيقتها، وكذلك كثير من المغيبات أخبر الله ﷾ عنها، ولكن مع ذلك لا ندرك كيفيتها أو حقيقتها كما في شأن الملائكة، وكما في شأن الجنة والنار، وكما في شأن الكثير من الأمور الغيبية.\nفهذا القسم لا شك أن مذهبهم باطل، كما قال: «ومذهبهم باطل، أنكره السلف»، فالأئمة نصوصهم كثيرة في الإنكار على المشبهة، ولا شك أن الردود عليهم ذكرها جمع من السلف، وهذا القول قال به الهشامية من الروافض، فقدماء الرافضة كانوا على مذهب التمثيل والتشبيه، وكذلك هذا القول موجود عند الكرامية، كما ذكر في كتب «المقالات».","vol":"2","page":563},{"text":"«الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير، والرب والإله، والموجود والذات، ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين، إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به.\nفالعلم والقدرة، والكلام والمشيئة، والرحمة والرضا، والغضب ونحو ذلك، في حق العبد أعراض.\nوالوجه واليد والعين في حقه أجسام.\nفإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأن له علمًا وقدرة وكلامًا ومشيئة وإن لم يكن ذلك عرضًا، يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجسامًا، يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين».\n<hr><s0>\n\nالقسم الثاني: ممن يجريها على ظاهرها، وهم أهل السنة والجماعة، وهو مذهب السلف، فالسلف يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ولكن الظاهر الذي يليق بجلال الله ﷾ وكماله، فيثبتون اليد، ويثبتون السمع، ويثبتون البصر، ويثبتون العلم، ويثبتون الاستواء، ويثبتون النزول، ويثبتون سائر الصفات، ولكن على ما يليق بجلال وكمال الله ﷾، فالله ﷾ هو الذي أخبر بهذه الصفات، ووصف نفسه بها، ووصفه لها رسوله ﷺ، ولكن مع هذا لا نعقل كيفية تلك الصفات، والإيمان بهذه الصفات هو إيمان وجود، وهذه الصفات صفات ثابتة حقيقة لله ﷾، ولا نعلم كيفية اتصاف الله بها.\nفقال هنا: الثاني: أي القسم الثاني: مَنْ يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ﷾ كما يجري ظاهر اسمه العليم، القدير، الرب، الإله، فهذه الأسماء ثابتة بالنصوص، ونجريها على ظاهرها، ونؤمن بما دلَّت عليه من المعاني.","vol":"2","page":564},{"text":"«وهذا هو المذهب الذي حكاه الخَطَّابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يُخالفه، وهو أمر واضح، فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات.\nفمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين.\nقيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟! ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمَن لم يفهم من صفات الرب-الذي ليس كمثله شيء-إلا ما يناسب المخلوق فقد ضلَّ في عقله ودينه.\nوما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ وكيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك؟\nفقل له: كيف هو في نفسه؟\nفإذا قال لك: لا يَعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري غير معلوم للبشر.\nفقل له: فالعلم بكيفية الصفة مُستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تُعلم كيفية صفة لموصوف ولم تعلم كيفيته، وإنما تُعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك».\n<hr><s0>\n\nوهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يُخالفه، أي: أن الله ﷾ موصوف بهذه الصفات على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله ﷾، فكل صفة أثبتها الله ﷿ لنفسه، يجب إثباتها لله ﷾ حقيقة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تحرَّف، أو تغيَّر، أو تُنفى عن الله ﷾، وإنما يجب أن تُثبت لله ﷾ على ما يليق بجلاله.\nفمن جهة هذا جواب لهم: إن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام على وجه التفصيل في «التدمرية»: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهو هنا أشار إلى هذه القاعدة","vol":"2","page":565},{"text":"من خلال ما تقدم، فإذا كانت هناك صفات تُثبت لله ﷾ مثل العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والمخلوق يوصف بمثل هذه الصفات، ومع ذلك قال هؤلاء: إنها تُثبت لله ﷾ حقيقة، فيقال لهم: كذلك الوجه، وكذلك اليدين، وكذلك الاستواء، وكذلك النزول أيضًا من جنس هذه الصفات تثبت لله ﷾ حقيقة على وجه يليق بجلاله وكماله.\nوبعد هذا أعطى دليلًا آخر وهو: أن القول في الصفات كالقول في الذات، وأيضًا هذه القاعدة تجدها مفصلة في «الرسالة التدمرية»، وقال هنا: «فإن الصفات كالذات، كما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ﷾ ثابتة حقيقية من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين. فإذًا كما أن لله ﷾ ذاتًا حقيقة، فإن له صفات حقيقة، وصفاته ﷾ ثابتة من غير أن تكون من جنس ما للمخلوقات.\nبعد هذا أورد كلامًا رد به على المشبِّهة، ثم رد على المعطِّلة، قال: «فمن قال-أي: من المشبهة-: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين»، فهذا كلام المشبهة يقولون: إن الله تعالى لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا قال: «يد»، فأنا لا أعقل إلا هذه الجارحة.\nقيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟! فكما أنك تثبت لله ﷾ ذاتًا، ويرى أن هذه الذات ليست من جنس ذوات المخلوقين، فكذلك عليك أن تثبت لله ﷾ صفاتٍ ليست من جنس صفات المخلوقين.\nومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضلَّ في عقله ودينه.\nثم قال ردًّا على المعطلة: «وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك؟\nفقل له: كيف هو في نفسه؟\nفإذا قال لك: لا يَعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر.\nفقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فالعلم بكيفية صفاته ﷾ يستلزم العلم بكيفية ذاته.\nفإذًا لابد إذا طلب العِلم بكيفية الصفة ككيفية النزول أو الاستواء أن نطالبه بكيفية الذات؛ لأن هذا يستلزم هذا، فإذا عُلم كيف ذاته، نعلم كيف صفاته؟ وإذا جهلنا كيفية ذاته، فإنه من باب أولى أن نجهل كيفية صفاته. فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تُعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفية ذاته؟!","vol":"2","page":566},{"text":"«بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: <span data-type='title' id=toc-143>«ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء»،</span> وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ: «أن في الجنة ما لا عين رأتْ، ولا أُذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر» (^١). فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من مخلوقات الله كذلك فما الظن بالخالق ﷾».\n<hr><s0>\n\nثم ضرب هنا مَثَلَين؛ مثل الجنَّة، ومثل الروح، وهما أيضًا مذكوران في «الرسالة التدمرية»؛ لأن شيخ الإسلام افتتحها بذكر أصلين ومثلين، فالأصل الأول: أن القول في الصفات يعني كالقول في البعض الآخر. والقول في الصفات فرع عن القول في الذات هذين الأصلين. وأما المثلين: فضرب مثلًا في الجنة، وضرب مثلًا في الروح. فهذه الأمثلة جواب للمعطِّلة، وجواب للمشبِّهة، فمن جهة المشبه الذي يقول: إن الله تعالى لا يُخاطبنا إلا بما نعقل. يقال له: إن الله ﷾ أخبر عما في الجنَّة، ومع ذلك نحن لا نعلم مِنْ كيفية ذلك شيئًا، وإنما إيماننا بهذه الأشياء هو إيمان وجود.\nوكذلك الروح بين جنبي الإنسان ومع ذلك الإيمان بها إيمان وجود لا إيمان بمعرفة حقيقتها وكيفيتها. فهنا هذا الجواب يصلح للمشبِّهة، ويصلح كذلك من جهة أخرى للمعطِّلة.\nفالمعطِّل شبهته: أنه ما دام الشيئين قد اشتركا في الاسم؛ فإنهما يشتركان في الحقيقة.\nوهذا لا يلزم، فهنا مثلًا ضرب هذا المَثَل: «هذه المخلوقات في الجنَّة قد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاء» (^٢)، وقد أخبر الله تعالى أنه لا تَعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرَّة أعين، وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مَا لَا\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٥) كتاب الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا، برقم (٢٨٢٥)، والإمام أحمد في المسند تتمة مسند الأَنصار (٢٢٨٢٦).\n(^٢) انظر: صفة الجنة لأبي نعيم برقم (١٢٤)، قال الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الجزء الخامس صفحة (٢١٩): السند صحيح.","vol":"2","page":567},{"text":"عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١). فإذا كان نعيم الجنة وهو خَلْقٌ من خلق الله تعالى كذلك، فما ظنك بالخالق ﷾؟!\nفإذًا هنا خمر، وهناك خمر، فهل يقول أحد: أنا لا أعقل من الخمر إلا ما هو مُسكر؟! فخمر الجنة كما هو معلوم لا يُذهب العقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٤]، ثم قال بعد ذلك: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٣٥]، فإذًا هذه الكأس لا تُذهب عقولهم، وكذلك في الجنة أنهار من لبن، فهل يأتي أحد ويقول: أنا لا أعقل من اللبن إلا ما خرج من ضروع الأنعام؟! فالله ﷾ قادر على أن يخلق هذا اللبن من غير أن يكون من ضروع هذه الأنعام، وقادر ﷾ على أن يحفظ هذه الأنهار من الفساد، مع أنها مشتركة مع التي في الدنيا في الأسماء، لكن في حقيقتها كما قال النبي ﷺ: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^٢).\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٥) كتاب الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا، برقم (٢٨٢٥)، والإمام أحمد في المسند تتمة مسند الأَنصار (٢٢٨٢٦).\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":568},{"text":"«وهذه الروح التي في بني آدم، قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها؛ أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟! مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه، وتعرج إلى السماء، وأنها تُسَلُّ منه وقت النَّزع، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نُغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم، حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن، والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطأوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟\nولا نقول: إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلًا، أو صفة من صفات البدن والحياة، وإنها مختلفة الأجساد ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة كما يقول طوائف من أهل الكلام، بل نتيقن أن الروح عينٌ موجودة غير البدن، وإنها ليست مماثلة له، وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازًا، فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة، فكيف الظن بصفات رب العالمين».\n<hr><s0>\n\nثم ذكر مثالًا في الروح وهو المثل الثاني فقال: وهذه الروح التي في بني آدم، قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، والناس في شأن الروح أقوالهم كأقوالهم في شأن الصفات، فهناك معطِّلة وهناك مشبِّهة، وهناك قول أهل السنة.\nفالفلاسفة ومن على شاكلتهم يقولون في الروح كما يقولون في الصفات، فلا يصفونها إلا بالسلب فيقولون: لا داخل البدن، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباينة، ولا محايدة، ويصفونها بصفات السلبية.\nوأهل الكلام كثير منهم يقولون: إنها جزء من أجزاء البدن كالكبد، والطحال، وكالدم، والبخار الذي في الجسم، فيقولون: إنها جزء من أجزاء هذا البدن، فمن قائل بإنكارها، ومن قائل بأنها جزء من أجزاء البدن.","vol":"2","page":569},{"text":"أما أهل السنة فلا يقولون بهذا ولا يقولون بذاك، كما قال شيخ الإسلام هنا، فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطِّلة والممثِّلة، فالروح عين موجودة غير البدن، وليست مماثلة لها، وهي موصوفة بصفات وردت في النصوص من أنها تصعد، ومن أنها يُعرج بها، ومن أنها تُقبض، ومن أنها تتفرَّق في البدن … إلى أمور أخرى جاءت الآثار بذكرها عن الروح.\nوقد تعددت الأقوال في وجود النفس وتأثيرها وفي هذا يقول ابن قيم الجوزية: \"وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق:\n(القول الأول): ففرقة أنكرت تأثير النفس\nوهم فرقتان:\nفرقة اعترفت بوجود النفوس الناطقة وأنكرت تأثيرها البتة\nوهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات.\nوفرقة أنكرت وجودها بالكلية وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس وصفاته وأعراضه فقط.\nوهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام وهو قول شذوذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة\n(القول الثاني): الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم\n(القول الثالث): الفرقة الثالثة: بالعكس أقرت بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأنكرت وجود الجن والشياطين وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم، وهؤلاء يقولون إنما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة فهي من تأثيرات النفس ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها بغير واسطة شيطان منفصل.\nوابن سينا وأتباعه على هذا القول حتى أنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولي العالم وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل وليسوا من أتباع الرسل جملة\n(القول الرابع): الفرقة الرابعة: وهم أتباع الرسل وأهل الحق أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأثبتوا ما أثبته الله تعالى من صفاتها وشرها","vol":"2","page":570},{"text":"واستعاذوا بالله تعالى منها وعلموا أنه لا يعيذهم منه ولا يجيرهم إلا الله تعالى.\nفهؤلاء أهل الحق ومن عداهم مفرط في الباطل أو معه باطل وحق، والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم\" (^١)\nفهنا قال المصنف في أول المسألة: وهذه الروح التي في بني آدم، قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها؛ فالله ﷾ استأثر بعلمه في الروح؛ فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟!».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ لَهَا كَيْفِيَّةٌ تُعْلَمُ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ مُجْمَلٌ\nإنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يُعْلَمُ مِنْ صِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ.\nوَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا هَلْ لَهَا مِثْلٌ مِنْ جِنْسِ مَا يَشْهَدُهُ مِنْ الْأَجْسَامِ أَوْ هَلْ لَهَا مِنْ جِنْسِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ\nفَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْعَنَاصِرِ: الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالنَّارِ وَالتُّرَابِ.\nوَلَا مِنْ جِنْسِ أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ.\nوَلَا مِنْ جِنْسِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ\nفَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ مَشْهُودٌ وَلَا جِنْسٌ مَعْهُودٌ: وَلِهَذَا يُقَالُ؛ إنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهَا\" (^٢) وقال ابن قيم الجوزية: \"أصُول أهل السّنة الَّتِي تظاهرت عَلَيْهَا أَدِلَّة الْقُرْآن وَالسّنة والْآثَار وَالِاعْتِبَار وَالْعقل وَالْقَوْل أَنَّهَا ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وَتخرج وَتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن وعَلى هَذَا أَكثر من مائَة دَلِيل قد ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا الْكَبِير فِي معرفَة الرّوح وَالنَّفس وَبينا بطلَان مَا خَالف هَذَا القَوْل من وُجُوه كَثِيرَة وَإِنْ من قَالَ غَيره لم يعرف نَفسه.\nوَقد وصفهَا الله ﷾ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج وَالْقَبْض والتوفي وَالرُّجُوع وصعودها إِلَى السَّمَاء وَفتح أَبْوَابهَا لَهَا وغلقها عَنْهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ وَهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة للجسد، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ فَأخْبر\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦\n(^٢) مجموع الفتاوى ٩/ ٢٩٤","vol":"2","page":571},{"text":"أَنه سوى النَّفس كَمَا أخبر أَنه سوى الْبدن فِي قَوْله ﴿الَّذِي خلقك فسواك فعدلك﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ سوى نفس الْإِنْسَان كَمَا سوى بدنه بل سوى بدنه كالقالب لنَفسِهِ فتسوية الْبدن تَابع لتسوية النَّفس وَالْبدن مَوْضُوع لَهَا كالقالب لما هُوَ مَوْضُوع لَهُ.\nوَمن هَا هُنَا يعلم أَنَّهَا تَأْخُذ من بدنهَا صُورَة تتَمَيَّز بهَا عَنْ غَيرهَا فَإِنَّهَا تتأثر وتنتقل عَنْ الْبدن كَمَا يتأثر الْبدن وينتقل عَنْهَا فيكتسب الْبدن الطّيب والخبث من طيب النَّفس وخبثها، وتكتسب النَّفس الطّيب والخبث من طيب الْبدن وخبثه فأشد الْأَشْيَاء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا وتأثرا من أَحدهمَا بِالْآخرِ الرّوح وَالْبدن وَلِهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة «اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَتْ فِي الْجَسَد الطّيب النَّفس واخرجي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَتْ فِي الْجَسَد الْخَبيث» \" (^١) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.\nوكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: \"النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح\".\nوقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: \"سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب\"، إلى أن قال: \"والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة\".\nوصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتابًا كبيرًا في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) \" (^٢)\n_________\n(^١) الروح لابن القيم ١/ ٣٧ - ٣٨\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢١٦ - ٢١٧","vol":"2","page":572},{"text":"قال ابن قيم الجوزية عن الروح بعد أن ذكر الأقوال المختلفة في حقيقتها (^١): \"أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس وَهُوَ جسم نوراني علوي خَفِيف حَيّ متحرك ينفذ فِي جَوْهَر الْأَعْضَاء ويسري فِيهَا سريان المَاء فِي الْورْد وسريان الدّهن فِي الزَّيْتُون وَالنَّار فِي الفحم فَمَا دَامَت هَذِه الْأَعْضَاء صَالِحَة لقبُول الْآثَار الفائضة عَلَيْهَا من هَذَا الْجِسْم اللَّطِيف بَقِي ذَلِك الْجِسْم اللَّطِيف مشابكا لهَذِهِ الْأَعْضَاء وأفادها هَذِه الْآثَار من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَإِذا فَسدتْ هَذِه الْأَعْضَاء بسب اسْتِيلَاء الأخلاط الغليظة عَلَيْهَا وَخرجت عَنْ قبُول تِلْكَ الْآثَار فَارق الرّوح الْبدن وانفصل إِلَى عَالم الْأَرْوَاح.\nوَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة هُوَ الَّذِي لَا يَصح غَيره وكل الْأَقْوَال سواهُ بَاطِلَة وَعَلِيهِ دلّ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعقل والفطرة\" (^٢)\n_________\n(^١) نقل ابن قيم الجوزية الأقوال في حقيقة الروح فقال: \"قَالَ الرَّازِيّ وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَنْ الْإِنْسَان عبارَة عَنْ جسم مَخْصُوص مَوْجُود فِي دَاخل هَذَا الْبدن فالقائلون بِهَذَا القَوْل اخْتلفُوا فِي تعْيين ذَلِك الْجِسْم على وُجُوه\nالأول: أَنه عبارَة عَنْ الأخلاط الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا يتَوَلَّد هَذَا الْبدن\nوَالثَّانِي: أنه الدَّم\nوالثَّالِث: أَنه الرّوح اللَّطِيف الَّذِي يتَوَلَّد فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الْقلب وَينفذ فِي الشريانات إِلَى سَائِر الْأَعْضَاء\nوالرَّابِع: أَنه الرّوح الَّذِي يصعد فِي الْقلب إِلَى الدِّمَاغ ويتكيف بالكيفية الصَّالِحَة لقبُول قُوَّة الْحِفْظ والفكرة وَالذكر\nوَالْخَامِس: أَنه جُزْء لَا يتَجَزَّأ فِي الْقلب\nوَالسَّادِس: أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس\" الروح ١/ ١٧٧\n(^٢) الروح ١/ ١٧٧ - ١٧٨","vol":"2","page":573},{"text":"«وأما<span data-type='title' id=toc-144> القسمان اللذان ينفيان ظاهرها،</span> أعني: الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية؛ بل صفاته إما سلبية وإما إضافية، وإما مركبة منهما».\n<hr><s0>\n\nوأمَّا القسمان اللذان ينفيان ظاهر نصوص الصفات فهؤلاء قسمان:\n- فالقسم الأول مَنْ يقول: إن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إمَّا سلبية وإما إضافية أو مركَّبة منهما، أي: من السلب والإضافة، فهذا صنف وهم الجهمية وغلاة المعطِّلة، غلاة المعطِّلة بما فيهم الجهمية والفلاسفة بسبب أصنافهم، سواء أصحاب الفلسفة البحتة أو الباطنية؛ سواء باطنية الصوفية أو باطنية الرافضة، فهؤلاء لا يَصفون الله ﷿ بصفة ثبوتية، بل غايتهم أنهم إما أن يصفوه بالسلب أو بالإضافة، كما يقولون: الإضافة المقصود بها الأمور النسبية، كقولهم: واجد الوجود، أو العلة الفاعلة، أو نحو هذه من العبارات، فهذه يُطلقونها على الله ﷾ على أنها أمور نسبية إضافية.\nفإما أن يقولوا: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، وهذه السلبيات. وإما أن يقولوا: أنه واجد الوجود، أو العلة الفاعلة، وغير ذلك من العبارات الأخرى، وهذه إنما هي من باب النسب والإضافات، وإذا قلنا: نسب وإضافات أنها يعني باعتبار ما للمخلوق، فيسمونه العلة الفاعلة باعتبار أن هناك خلقًا موجودًا، فبالتالي ما يضاف إلى هذا الخالق الذي أوجد هذا الخلق يقولون عنه: إنه علة فاعلة. فهذا قول.","vol":"2","page":574},{"text":"«أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر، أو يُثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين».\n<hr><s0>\n\nالقسم الثاني: أو يثبتون بعض الصفات، وأراد هنا الصفاتية وهم الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية. وجعلهم عدة أصناف.\nالصنف الأول: «أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر» وهذا قول الأشاعرة المتأخرين والماتريدية؛ لأنه قال: وهي الصفات السبعة، أي: العلم، والكلام، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر ....\nأو الثمانية؛ عند الماتريدية صفة التكوين، وعند بعض الأشاعرة صفة الإدراك، فتصبح ثمانية.\nأو الخمسة عشر، أي: بتكرار السبع الأولى وهي كونه حيًا، عليمًا، قادرًا، سميعًا، بصيرًا، مريدًا، متكلمًا، فيكرر هذه السبعة فيصبح المجموع خمسة عشر.\nالصنف الثاني: «أو يُثبتون الأحوال دون الصفات»، ويريد بهم بعض المعتزلة كأبي هاشم الجبائي.\nوأما مذهب الأشعرية في الأحوال، فجمهورهم على نفيه، وخالف في ذلك الجويني أولًا ثم رجع عن قوله، والقاضي أبو بكر قاله قولا مستمرا، وكذلك من المتأخرين السنوسي، قيل إنه رجع عنه، ولكنه ليس في شيء من كتبه، وإنما يحكى عنه.\nقال ابن تيمية: \" وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَتْبَاعُهُ يُثْبِتُونَ الْأَحْوَالَ وَالصِّفَاتِ\" (^١).\nالصنف الثالث: «ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث»، فمن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٥/ ٣٣٨.","vol":"2","page":575},{"text":"الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات وأعظم من منازعتهم سائر أهل الإثبات فيما ينفون.\nوأمَّا \"المتأخرون\" فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر النَّاس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. \" (^١)\nفهذه مذاهب المتكلمين كما أسلفنا، وبعد هذا قسمهم إلى قسمين في تعاملهم مع ما ينفون من نصوص الصفات.\nوالقول بالتفويض لم يكن معروفًا عند الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، وبخلاف القول بالتأويل فهو السائد بين طوائف المعطلة جميعًا، بل إن تأويلات الأشاعرة بعينها هي تأويلات الجهمية، وهذا سبق بيانه في مواطن أخرى.\nوظهور مقالة التفويض إنما هو مرتبط بالقسم الثالث وهم الصفاتية والمقصود بهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:\nفأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.\nوالجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا\" (^٢).\nأما الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم فالهدين السببين أي:\nعدم قبول النصوص أساسًا في هذا الباب.\nولقولهم بتأويل جميع الصفات دون استثناء.\nفإن التفويض لم يُعرف عن الجهمية والمعتزلة القائلين بأن الصفات يمتنع إثباتها لله تعالى.\n_________\n(^١) التسعينية ١/ ٢٦٤ - ٢٧٩\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).","vol":"2","page":576},{"text":"إلى أن ظهر ما يسمى متكلمة الصفاتية وهم كل من:\nالكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب (ت ٢٤٣ هـ) (^١)، وقول الحارث المحاسبي (^٢) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^٣).\nوهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:\nفأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.\nوالجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.\nفأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.\nوأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله\" (^٤).\nفهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥).\n(^٢) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب-ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبو بكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١).","vol":"2","page":577},{"text":"كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.\nوقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (^١) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (^٢) فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول\". (^٣)\nوهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^٤) وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٥) لا فعل ولا غير فعل. (^٦)\nوالفرق بينهم وبين المعتزلة:\nأن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.\nولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: \"لا تقوم به الأعراض\" وقالوا: \"تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا\".\nووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^٧)\nففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.\n(^٧) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.","vol":"2","page":578},{"text":"بالمشيئة. (^١) (^٢)\nفالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^٣)، ويقولون: \"لو قامت به لكان محلًا للحوادث،\nوالحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. (^٤)\nولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف\nكقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (^٥) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (^٦) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.\nوالقسم الثاني: إضافة المخلوق.\nكقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (^٨) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.\nوالقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل\nكقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (^٩) وقوله تعالى: ﴿إن الله\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.\n(^٢) -تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:\n١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).\n٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.\n٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.\n٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.\n(^٣) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.\n(^٥) -الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.\n(^٦) -الآية ٥٨ من سورة الذاريات.\n(^٧) -الآية ١٣ من سورة الشمس.\n(^٨) -الآية ٢٦ من سورة الحج.\n(^٩) -الآية ١٦٤ من سورة النساء.","vol":"2","page":579},{"text":"يحكم ما يريد﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (^٢)\nفهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:\n١ - إما قديمًا قائمًا به.\n٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.\nويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^٣) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:\nالوجه الأول: إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي (^٤) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٥)\nالوجه الثاني: وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^٦)\nفهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: \"إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٧)\nالوجه الثالث: أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٨)\nمثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٩)\n_________\n(^١) -الآية ١ من سورة المائدة.\n(^٢) -الآية ٩٠ من سورة البقرة.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٧) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.\n(^٨) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٩) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.","vol":"2","page":580},{"text":"وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^١)\nونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.\nويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.\nوأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.\nوأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٣)\nفابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية (^٤).\nوقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي\" (^٥)\nفابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٦).\n(^٥) منهاج السنة (٢/ ٣٢٧).","vol":"2","page":581},{"text":"السلف من الأشعري (^١).\nولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.\nفابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (^٢).\nولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته.\nويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^٣).\nوقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول\" (^٤).\nفالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ).\nويعتبر أبو الحسن الأشعري امتدادًا للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠ هـ -٣٢٤ هـ) كان معتزليًا إلى سن الأربعين، حيث عاش\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٣).\n(^٣) بغية المرتاد (ص ٤٥١).\n(^٤) الاستقامة (١/ ١٠٥).","vol":"2","page":582},{"text":"في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها مدة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة، فقد وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته، فنفى كما نفت المعتزلة أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته. كما نفى أيضًا الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها.\nوقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر ويلقى الدروس في الرد على المعتزلة سالكًا هذه الطريقة.\nوقال ابن تيمية: \"أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك\" (^٢).\nوبعد هذا البيان المفصل عن متكلمة الصفاتية نعود لأصل الموضوع في بيان علاقة القول بالتفويض لمعاني النصوص بهؤلاء، فهذه العلاقة تتضح من خلال تعامل هؤلاء مع نصوص الكتاب والسنة حيث تمثل هذا التعامل في أن نفاة الصفات الاختيارية يتلخص قولهم في النقاط الآتية:\nأولًا: يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.\nثانيًا: ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٢١٢).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).","vol":"2","page":583},{"text":"ثالثًا: أما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.\nوأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٢)\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.","vol":"2","page":584},{"text":"«فهؤلاء قسمان:\n- قسم يتأولونها ويعينون المراد؛ مثل قولهم: استوى بمعنى: استولى، أو بمعنى: علو المكانة والقدر، أو بمعنى: ظهور نوره للعرش، أو بمعنى: انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلفين.\n- وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه».\n<hr><s0>\n\nوبناءً على إنكار هذه الصفة أو إنكار ما جاء في النص الذي جاء بهذه الصفة، لهم مع النص يعني أحد طريقين:\nالطريق الأول: مسلك التأويل، وهو أنهم يعينون المراد من هذا النص، على خلاف ظاهره كما يقولون: استوى استولى، وكما قالوا في اليد بمعنى النعمة والقدرة، أو أن الاستواء فعل يفعله الله في العرش وسائر التأويلات التي قالوها في هذا الباب، وهذا طريق، يسمى مسلك التحريف والتأويل\nوله وضع المتكلمون قوانين في ذلك فيقول الرازي: «إن آيات التشبيه كثيرة لكنها لما كانت معارضة بالدلائل العقلية، لا جرم أوجبنا صرفها عن ظواهرها، وأيضًا فعند حصول التعارض بين ظواهر النقل وقواطع العقل لا يمكن تصديقهما معًا وإلا لزم تصديق النقيضين، ولا ترجيح النقل على القواطع العقلية؛ لأن النقل لا يمكن التصديق به إلا بالدلائل العقلية، فترجيح النقل على العقل يقتضي الطعن في العقل والنقل معًا وإنه محال، فلم يبقَ إلا القسم الرابع وهو القطع بمقتضيات الدلائل العقلية القطعية، وحمل الظواهر النقلية على التأويل، فثبت بهذا أن الدلائل النقلية يتوقف الحكم بمقتضاها على عدم المعارض العقلي» (^١).\nالطريق الثاني: مسلك التفويض.\n_________\n(^١) (المطالب العالية ص ٣٠٩_٣١٠)","vol":"2","page":585},{"text":"فهؤلاء قالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله. فسكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾.\nفهم في هذا يخيرون أنفسهم بين طريقين: إما أن يأوِّل، وإما أن يفوِّض كما يقول ناظمهم في هذا، يقول اللقاني ناظم جوهرة التوحيد، يقول في هذا:\n«وكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوِّض ورُم تنزيها «(^١)\nويقول شارحها البيجوري: «الحاصل أنه إذا ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح، اتفق أهل الحق وغيرهم ما عدا المجسِّمة والمشبهة، على تأويل ذلك لوجوب تنزيهه تعالى عما دلَّ عليه ما ذكر بظاهره» اه.\nفالغاية واحدة وهي على حد زعمهم تنزيه الله ﷿ عن صفة اليد مثلًا، أو تنزيهه عن صفة الاستواء.\nلكن بعد ذلك طريقهم في هذا على أحد أمرين: إما أن يقولوا: استوى بمعنى استولى، أو اليد بمعنى النعمة أو القدرة، أو يسكت عن ذلك فيقول: الله أعلم بمراده لكن النتيجة واحدة، وهي إنكار الاستواء، وإنكار صفة اليد.\nوالفرق بين المفوض والمؤول أن المفوِّض يصرف اللفظ عن المعنى الراجح: لكن لا إلى معنى، بينما المؤول يصرف اللفظ عن المعنى الظاهر الراجح إلى معنى مرجوح، فيتفقان في صرف اللفظ عن المعنى المتبادر، ويفترقان في أن أحدهما يعطيه معنى آخر محتملًا، والثاني يمنع عنه المعنى، ولكنهم في النهاية يلتقون عند نتيجة مشتركة، وهي: رفض وصف الله بما وصف به نفسه وتنزيهه عما وصف به نفسه.\nوقد أراد المفوض التخلص من أذى التأويل - بل التحريف - الذي يمرض القلوب فوقع في مرضٍ آخر هو التفويض الذي حقيقته تجاهل معاني أسماء الله وصفاته والادعاء بأن الله أنزلها ولم يرد منا معرفة معناها فجهلها رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان ﷺ يحفظ أسماءً مجردة عن المعاني.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:\nأحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.\n_________\n(^١) جوهرة التوحيد ص ٥٦.","vol":"2","page":586},{"text":"والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في \"الرسالة النظامية\" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.\nثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي). (^١)\nالقائلين بالتفويض هم على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.\nفهؤلاء سكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾، فقالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله.\nوأما القسمان الأخران فهما ما ذكرهما المصنف بقوله:\n_________\n(^١) -درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩.","vol":"2","page":587},{"text":"«وأما القسمان الواقفان:\n\n- قسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها<span data-type='title' id=toc-145> المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك.</span> وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\n- وقسم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات. فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها».\n<hr><s0>\n\nالواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:\n- قسم يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يَعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين معًا، وهذا في غاية التناقض؛ لأنه جمع بين ضدين.\n- وقسم أصحاب الجهل البسيط الذين يُمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾، فهذه الأقسام الستة لا يخرج الإنسان عن أحدها. فإما أن يكون مشبِّهًا، أو ممن يثبتها على الوجه اللائق بالله ﷾، أو يكون هذا القسم الذي يُؤوِّل، ويحرِّف، أو يفوِّض، أو يقول: إنه يجوز أن تكون على ظاهرها وعلى خلاف ظاهرها، أو يَسكت عن ذلك كله.","vol":"2","page":588},{"text":"(١٦٤) «و<span data-type='title' id=toc-146>الصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها، القطعُ بالطريقة الثابتة، كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله ﷾ </span>فوق عرشه، ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، دلالة لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور»\n<hr><s0>\n\nلا شك أن نصوص الصفات تختلف كثرة وقلة من صفة إلى صفة، فبعض الصفات فيها عشرات النصوص، بل مئات النصوص، وبعض الصفات قد لا يكون ورد فيها إلا نص أو نصَّان، فهناك بعض الصفات الأمر فيها ظاهر جلي، وتجد كذلك من الآثار، ومن كلام السلف، ومن إجماعهم ما يؤكد هذه الصفة، ويؤكد إثباتها. وبعض الصفات قد يكون النصوص الذي وردت فيها نصوص قليلة، فبالتالي هذه تجرى كما تجري تلك الصفات، فتثبت لله ﷾ حقيقة على الوجه اللائق به.\nفمعتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك:\nا-يسمون الله بما سقى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.\n٢ - ويثبتون لله ﷿ ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\n٣ - وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.\nفأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات فيجب بذلك إثباتها.","vol":"2","page":589},{"text":"وأما النفي فهو أن ينفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.\nقال الإمام أحمد ﵀: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وطريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) رد على المعطلة.\nفقولهم في الصفات مبني على أصلين:\nأحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات\" (^٢).\nفالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره) (^٣)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٧)، فالله ﷿، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن.\nولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٨)، ولقد جاءت\n_________\n(^١) الآية ١١ من سورة الشورى\n(^٢) منهاج السنة ٢/ ٥٢٣\n(^٣) معارج القبول ١/ ٣٣٠ - ٣٣١\n(^٤) الآية ١٤٠ من سورة البقرة.\n(^٥) الآية ١٢٢ من سورة النساء.\n(^٦) الآية ١٤ من سورة فاطر\n(^٧) الآية ٥٩ من سورة الفرقان\n(^٨) الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم","vol":"2","page":590},{"text":"رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.","vol":"2","page":591},{"text":"(١٦٥) «وَمَنْ اشتبه عليه ذلك أو غيره، فليدع بما رواه مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قام يُصَلِّي من الليل، قال: اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (^١)، وفي رواية لأبي داود: «أنه كان يُكَبِّر في صلاته، ثم يقول ذلك» (^٢).\n<hr><s0>\n\nوضوح الحق وجلاؤه للإنسان بحسب ما يُؤتى من العلم والمعرفة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم.\nفكلما ازداد الإنسان علمًا ازداد يقينًا بهذه الأمور، واتضحت له اتضاحًا جليًّا، ولكن بحسب قلة علمه قد تشتبه عليه بعض هذه الأمور، فهذا دواء نبويٌّ قد جاء عن النبي ﷺ، وينبغي على طالب العلم أن يحرص عليه، فقد كان النبي يدعو بذلك، فينبغي على طالب العلم أن يحفظ هذا الدعاء، وأن يلجأ لله ﷾ في كل أحواله فيتمثل بهذا الدعاء؛ لأنه لجوء إلى الله ﷾؛ فيقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».\nفينبغي على طالب العلم أن يحفظ هذا الدعاء، وأن يدعو به في جميع أحواله بما في ذلك إذا اشتبه عليه الحق مع الباطل؛ لأنه قد يخفى عليه بعض الشيء، أو يكون علمه في ذلك قاصرًا، فعند ذلك مع وجود الاختلاف والاضطراب في هذا الباب يحسن به أن يلجأ لله ﷾، ويظهر فقره وافتقاره إلى الله ﷾.\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ الدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقِيَامِهِ، برقم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٧)، وابن ماجه (١٣٥٧)، والنسائي (١٦٢٥)، والإمام أحمد في المسند الْمُلْحَقُ الْمُسْتَدْرَكُ مِنْ مُسْنَدِ الْأَنْصَارِ بَقِيَّةُ خَامِسَ عَشَرَ الْأَنْصَارِ (٢٥٢٢٥).\n(^٢) انظر: سنن أبي داود برقم (٧٦٨).","vol":"2","page":592},{"text":"(١٦٦) «ف<span data-type='title' id=toc-148>إذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة </span>والتابعين وأئمة المسلمين-انفتح له طريق الهدى».\n<hr><s0>\n\nلا بد من الافتقار إلى الله ﷾ في المقام الأول، ولا يكفي هذا وحده، بل لابد من أن يسلك سبيل العلم، وهو كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ وكلام السلف من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فمن سلك هذا السبيل يُهدى بإذن الله ﷾، ومَن حاد عنها فعند ذلك يخبط في ظلمات الجهل بحسب ما عليه من الحال.","vol":"2","page":593},{"text":"(١٦٧) «ثم إن كان قد خبر نهايات أقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب».\n<hr><s0>\n\nالإنسان لو وصل النهاية يعلم أين الحق؟ وإن عوفي من البداية فهو على الحق، يعني: أن تبدأ فتكون صاحب كلام، أو صاحب منطق، وتكون وصلت فيه إلى نهايته، فوقتها ستعرف أن هذا سراب وهباء، والأسلم أن يعافى من علم الكلام، ولا يدخل فيه من الأصل فهذا على خير، لكن المشكلة الذي يضيع في منتصف الطريق.","vol":"2","page":593},{"text":"(١٦٨) «و<span data-type='title' id=toc-149>عرف أن غالب ما يزعمونه برهانًا وهو شبهة، ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها،</span> أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصلح إلا جزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة.\nثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم، أوهمت الغِرَّ ما يوهمه السراب للعطشان، ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة، فإن الضِدَّ يُظهِر حُسْنَه الضدُّ، وكل من كان بالباطل أعلم كان للحقِّ أشد تعظيمًا، وبقدره أعرف إذا هدى إليه».\n<hr><s0>\n\nنعم؛ لأنه كما يقول عمر ﵁: «إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام مَنْ لا يعرف الجاهلية»، فالإنسان إذا كان ليست له دراية بالباطل من جهة كونه باطلًا، فقد يَغتر بهذا الباطل، وقد يزيَّن له هذا الباطل بصورة حسنة.\nيقول شيخ الإسلام: وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة، أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة (^١)\nولذلك أهلُ السنَّةِ قديمًا وحديثًا، شرقًا وغربًا، وعلى اختلاف أزمانهم وأماكنهم هم على قولٍ واحد في سائرِ أمورِ هذا الدين وبالتحديدِ في أصولِ هذا الدين، لا تجدُ اختلافًا ولا تجدُ اضطرابًا فقولهم في أسماء الله وصفاته واحد، وقولهم في بابِ الإيمان واحد، وقولهم في بابِ القدَرِ واحد .. إلى غيرِ ذلك من مسائل الدين.\nقال ابن تيمية: \"وربنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وديننا واحد، وأصل الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحلّ الافتراق، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ \" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \" أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٥١)\n(^٢) مجموع الفتاوى ج ٣/ ٢٠٥.","vol":"2","page":594},{"text":"عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة. ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.\nوبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة.) (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠","vol":"2","page":595},{"text":"(١٦٩) «فأما المتوسط من المتكلمين، فيخاف عليهم ما لا يخاف على مَنْ لم يدخل فيه، وعلى مَنْ قد أنهاه نهايته، فإن مَنْ لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية»، فما بقي يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قَبِلَه، وأما المتوسط فمتوهم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليدًا لمعظمة تهويلًا.\nوقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يُفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان».\n<hr><s0>\n\nقسم المصنف الناس مع علم الكلام إلى ثلاثة أصناف:\nالصنف الأول: من وصل إلى نهاية علم الكلام وعرف حاله فهذا سيُوقن أن ما عليه هو الباطل، لأن من أنهاه فقد عرف الغاية.\nوالصنف الثاني: مَنْ لم يدخل في علم الكلام فهذا في عافية وسلامة.\nوالصنف الثالث: من دخل في علم الكلام ولم يصل إلى نهايته؛ فهذا الصنف لا يَعرف أنه على باطل، وليس عنده استعداد أن يتقبل الحق، وبالتالي تقع المصيبة في هذا.\nثم ذكر شيخ الإسلام مقولة «أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يُفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان».\nقال الإمام الشافعي ﵀: «الواجبُ على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا؛ وقد تكلم في العلم مَنْ لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساكُ أولى به، وأقربَ من السلامة له إن شاء الله» (^١).\n_________\n(^١) «الرسالة» للشافعي (ص ٣٤).","vol":"2","page":596},{"text":"وقال ابن حزم ﵀: «لَا آفَةَ على الْعُلُوم وَأَهْلهَا أضرُّ من الدخلاء فِيهَا، وهم من غير أَهلهَا فَإِنَّهُم يَجهلون ويظنون أَنهم يعلمُونَ، ويُفسدون ويُقَدِّرون أَنهم يصلحون» (^١).\nقال الإمام محمد بن سيرين: «إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عَمَّن تأخذون دينكم» (^٢).\nوقال ابن رجب ﵀: «وقد صَحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (^٣)؛ فأمر الله ورسوله بالردِّ على مَنْ خالف أمر الله ورسوله، والرد على من خالف أمر الله ورسوله لا يُتَلَقَّى إلا عَمَّن عَرف ما جاء به الرسولُ وخَبَره خِبرة تامَّة» (^٤).\nفمن تكلم بشيء من الشرع بجهل فهو ممن يفتري على الله الكذب، وممن يقول على ما لا يعلم؛ قال الله تعالى: ﴿فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين﴾؛ فإنه متكبر على الحق والانقياد له؛ ومتبع لهواه، وضال لنفسه مضل لغيره.\nفالمشكلة مع مَنْ لا يَعرفون أنهم على باطل، وليس عندهم استعداد لأن يتقبلوا الحق، وإنما تقع المصيبة بأمثال هؤلاء.\n_________\n(^١) «الاخلاق والسير في مداواة النفوس» لابن حزم (ص ٢٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في مقدمة «صحيحه» (١/ ١٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) «الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ: بُعثتُ بالسيف بين يَدَي الساعة» لابن رجب الحنبلي (٣٨، ٣٩).","vol":"2","page":597},{"text":"(١٧٠) «و<span data-type='title' id=toc-150>مَن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم هم في الغالب في قول مختلف،</span> يؤفك عنه مَنْ أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة، وإنما هي كما قيل فيها:\nحجج تهافت كالزجاج تخالها حقًّا وكل كاسر مكسور».\n<hr><s0>\n\nقال ابن تيمية ﵀: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل (^١) \" (^٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة.) (^٣).\nوقد تقدم الكلام عن اضطراب أهل الكلام الذين سلكوا هذا الباب وأن حالهم دائر بين ثلاثة أحوال:\nالحال الأول: حال التوبة والندم والرجوع إلى مذهب أهل السنة والجماعة.\nوالحال الثاني: حال الشك والارتياب، ومن ذلك ما نقله عن الغزالي، وقد ذكر المصنف نماذج لحال هؤلاء ومن ذلك قوله: \"وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الحونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق)، وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن. أنه قال عند الموت: \"أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٦\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠.","vol":"2","page":598},{"text":"يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي. أموت وما علمت شيئا\" (^١)\nوقال ابن تيمية ﵀: \"حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: أبيت بالليل، وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء\" (^٢)\nوقال آخر: \"بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته\" (^٣)\nقال ابن تيمية: \"ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئًا كثيرًا، وما لم يبلغني من حيرتهم وتشككهم أكثر وأكثر (^٤) \"\nوقال أبو الوفاء بن عقيل ﵀: \"وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد؛ تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين … \" (^٥)\nوالحال الثالث: هو التردد والانتقال من قول إلى قول وهذا الحال هو ما تحدث عنه المصنف حيث وصف حال هؤلاء بقوله: \"إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين.\nوقال هنا: «ومَن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم هم في الغالب في قول مختلف، يؤفك عنه مَنْ أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٢\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٢٦٣\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٦٦\n(^٥) تلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٨٥","vol":"2","page":599},{"text":"(١٧١) «ويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁، حيث قال: «حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنِّعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر»، ويقال: هذا جزاء مَنْ ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام» (^١).\nومن وجه آخر، إذا نظرت إليهم بعين القدر-والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم-رَحِمتهم ورفقت بهم، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة؛ ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ [الأحقاف: ٢٦]».\n<hr><s0>\n\nمن سمات أهل السنة الجمع بين الرحمة واللين والشدة والغلظة، بخلاف غيرهم ممن يأخذ جانبًا من هدي السلف ويدع الجانب الآخر، فيأخذون بالشدة في جميع أحوالهم أو باللين في جميع أحوالهم.\nأما أهل السنة فيجمعون بين هذا وهذا، وكل في موضعه، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومقتضيات الأحوال.\nوهم حقًا كما قال شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية: \"نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس\". (^٢)\nوقال أيضًا: \"وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ\n_________\n(^١) روى هذا الأثر أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١١٦)، والخطيب البغدادي في «شرف أصحاب الحديث» (ص ٧٨).\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ١٥٨.","vol":"2","page":600},{"text":"خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (^١). \" (^٢)\nقال ابن تيمية: \"ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله -تعالى-فوق العرش لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، فكان هذا خطابنا، فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله\" (^٣)\nفسلك ﵀ مع المخالفين طريقين:\n- الطريق الأول وهو: الشدة والغلظة معهم.\n- والطريق الآخر وهو: الرأفة والرحمة به.\nولا تعارض في هذا، فمن جهة أنه باطل فلابد أن يُردع، ولا بد أن يُقاوم، ولا بد أن يُرد على أصحابه، ولابد أن يُؤدبوا، فلا بد من الشدة عليهم.\nومن جهة أخرى هؤلاء حيارى، وابتعدوا عن طريق الحق فيجب على الإنسان من جهة أن يتلطف معهم في إرشادهم إلى الحق، فإذا كان المقام مقام تعليم، ومقام مناظرة، فهنا ينبغي التلطُّف معهم.\nفمقام الرد على البدعة ودفعها لابد من الشدة، والغلظة، والهجر.\nوهذا المنهج حبذا أن يأخذ به طلاب العلم.\nفإن الهجر والغلظة في مواطن محدودة، وليست في كل الأحوال، وكذلك في المقابل اللين والرأفة والرحمة أيضًا في مواطن، وليست في كل الأحوال.\nفبعض طلبة العلم-هداهم الله-بمجرد أن يرى مخالفًا يعبس في وجهه، ويُطبق عليه أحكام أهل البدع، مع أنه لو بين له الحق وأرشده وأخذ بيده، وبين له الدليل والبرهان، أو أحضره إلى مجالس أهل العلم، فلعله بهذا تنجلي له الحقائق، ويتبصر ويذعن للحق.\n_________\n(^١) وَرَدَ هَذَا الْأَثَرُ فِي: الْبُخَارِيِّ ٦/ ٣٧ - ٣٨ كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، بَابُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وَنَصُّهُ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَانْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ ٢/ ٧٧ ط. دَارَ الشَّعْبِ\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧\n(^٣) الاستغاثة في الرد على البكري ١/ ٢٥٣","vol":"2","page":601},{"text":"ولذلك يقول ابن تيمية: «أهل السنة أعرف الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق» (^١).\nفينبغي أن يكون صاحب السنة رحيمًا بأمثال هؤلاء، فلعلَّ هذا الرفق يلين قلب هذا المخالف وتنجلي بصيرته.\nفإذًا الحكمة في الدعوة تتطلب الشدة أحيانًا، وتتطلب اللين أحيانًا.\nوعلى الداعية أن يواجه هذا الأمر بحسب ما يستدعيه الحال، فإذا كان الشخص معرضًا تمامًا عن الحق وفي ذات الوقت مجتهدًا في باطله ويدعو إليه، فمثل هذا لا نلين معه بأي حال، لكن لو أن شخصًا نرى أن هذه الأمور الباطلة قد تمكَّنت في نفسه، ويكتمها في نفسه، ولا يدعو إليها فمثل هذا لا يمكن أن نأخذه بالشدة، بل نأخذه باللين، ونعلم أنه هذا صاحب حيرة، وأن الشيطان قد استحوذ عليه؛ فلابد من الرفق معه حتى يستمع للحق.\nفمن سمات أهل السنة أنهم يعطون كل ذي حق حقه.\nقال ابن تيمية ﵀: \"ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم\". (^٢)\nوقال ابن تيمية: \"وهذه حال أهل العلم والحق والسنّة؛ يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحًا للعباد، وبيانًا للهدى والسداد. ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى، ولم يحكموا عليه بالجهل، بل حكمه إلى الله والرسول؛ فمنهم من يُكفره الرسول، ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان، ومنهم من يعذره ويجعله من أهل الخطأ المغفور. والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد، يجعل له أجرًا على فعل ما أمر به من الاجتهاد، وخطؤه مغفور له؛ كما دلّ الكتاب. \" (^٣)\nوقال ابن تيمية: \"وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية الجزء الخامس صفحة (١٥٨).\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٤٣\n(^٣) النبوات لابن تيمية ١/ ٤٢٢","vol":"2","page":602},{"text":"الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ ١١٠]. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: \"كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ\" (^١). \" (^٢)\nوقال ابن قيم الجوزية ﵀: وهو يتكلم عن أهل السنة: \"فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض والقول به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه ونفي باطل كل طائفة من الطوائف وكسره ومعاداة أهله من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف ولا يقابلون بدعة ببدعة ولا يردون باطلا بباطل ولا يحملهم شنآن قوم يعادونهم ويكفرونهم على أن لا يعدلوا فيهم بل يقولون فيهم الحق ويحكمون في مقالاتهم بالعدل والله ﷾ أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ \". (^٣)\nوقال ابن قيم الجوزية ﵀: \"والله تعالى يحب الانصاف بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل خصوصا من نصب نفسه حكما بين الاقوال والمذاهب وقد قال الله تعالى لرسوله وأمرت لأعدل بينكم فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره وينزل ينزوله يدين بدين العدل والإنصاف ويحكم الحجة وما كان عليه رسول الله\". (^٤)\nوقال ابن تيمية: \"فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُونَهُمْ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بَلْ هُمْ لِلرَّافِضَةِ خَيْرٌ وَأَعْدَلُ مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ. وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُونَ هُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ تُنْصِفُونَنَا مَا لَا يُنْصِفُ بَعْضُنَا بَعْضًا. \" (^٥) قال ابن تيمية: \"فإن الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحات، والعفو عنه من الخطأ والنسيان بحيث يستحق الثواب على حسناته ويستحق العقاب على سيئاته، بحيث لا يكون محمودًا ولا\n_________\n(^١) وَرَدَ هَذَا الْأَثَرُ فِي: الْبُخَارِيِّ ٦/ ٣٧ - ٣٨ كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، بَابُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وَنَصُّهُ فِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَانْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ ٢/ ٧٧ ط. دَارَ الشَّعْبِ\"\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧\n(^٣) شفاء العليل ص ١١٣\n(^٤) إعلام الموقعين ٤/ ١٤٨\n(^٥) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧","vol":"2","page":603},{"text":"مذمومًا على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم، وإنما يخالف في هذا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة ونحوهم، الذين يقولون: من استحق المدح لم يستحق الذم، ومن استحق الثواب لم يستحق العقاب، ومن يستحق العقاب لم يستحق الثواب\" (^١)\n_________\n(^١) التسعينية ٣/ ١٠٣١","vol":"2","page":604},{"text":"(١٧٢) «ومن كان عليمًا بهذه الأمور-تبين له بذلك حِذق السلف وعلمهم وخبرتهم؛ حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يَزدد مِنْ الله إلا بُعْدًا.\nفنسأل الله العظيم أن يَهدينا الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين.»\n<hr><s0>\n\nمسألة الأسماء والصفات من المسائل التي من خلالها يَعرف الإنسان عِظم منهج السلف، وطريق الحق الذي كان عليه سلف هذه الأمة، وهذا المنهج الذي هو بحمد الله باق إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله ﷾.\nوهذه المسألة تضع برهانًا أمام طالب العلم، وتكشف له عن حقيقة المناهج الباطلة التي أوجدها المخالفون الضالون، والتي في حقيقتها إنما هي محاربة لله ﷿، ومحاربة لرسوله ﷺ، وطمس لمعالم منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم.\nفنسأل الله ﷾ أن يَجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله ﷾ أن يعلمنا مِنْ ديننا ما جهلنا، وأن يجعلنا ممن يخافه ﷾ ويخشاه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والله أعلم.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين.","vol":"2","page":605}]}