{"ً":{"ٌ":30031,"ٍ":"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت آل زهوي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["tazkm_01.pdf","tazkm_02.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\nالمؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي (ت ٦٧١ هـ)\nخرج أحاديثه وعلق عليه: الداني بن منير آل زهوي\nالناشر: المكتبة العصرية، بيروت - لبنان\nعام النشر: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":115,"ٕ":23,"ٖ":1770153997,"ٗ":5},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المحقق","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة موجزة للمصنف","level":1,"page":3},{"title":"اسمه ونسبه","level":2,"page":3},{"title":"نشأته","level":2,"page":3},{"title":"أقوال العلماء فيه","level":2,"page":3},{"title":"مصنفاته","level":2,"page":3},{"title":"وفاته","level":2,"page":4},{"title":"مصادر الترجمة","level":2,"page":4},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":5},{"title":"١ - باب النهي عن تمني الموت والدعاء به لضر نزل في المال والجسد","level":1,"page":6},{"title":"فصل","level":2,"page":6},{"title":"فصل","level":2,"page":8},{"title":"٢ - باب جواز تمني الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين","level":1,"page":9},{"title":"فصل","level":2,"page":9},{"title":"٣ - باب ذكر الموت وفضله والاستعداد له","level":1,"page":12},{"title":"فصل","level":2,"page":13},{"title":"فصل","level":2,"page":14},{"title":"فصل","level":2,"page":16},{"title":"٤ - باب ما يذكر الموت والآخرة ويزهد في الدنيا","level":1,"page":17},{"title":"فصل","level":2,"page":17},{"title":"فصل","level":2,"page":18},{"title":"فصل","level":2,"page":20},{"title":"٥ - باب منه وما يقال عند دخول المقابر وجواز البكاء عندها","level":1,"page":23},{"title":"فصل","level":2,"page":23},{"title":"٦ - باب المؤمن يموت بعرق الجبين","level":1,"page":24},{"title":"٧ - باب منه في خروج نفس المؤمن والكافر","level":1,"page":25},{"title":"٨ - باب ما جاء أن للموت سكرات وفي تسليم الأعضاء بعضها على بعض وفيما يصير الإنسان إليه","level":1,"page":26},{"title":"فصل","level":2,"page":28},{"title":"فصل","level":2,"page":30},{"title":"فصل","level":2,"page":31},{"title":"فصل","level":2,"page":32},{"title":"فصل","level":2,"page":34},{"title":"٩ - باب الموت كفارة لكل مسلم","level":1,"page":35},{"title":"فصل","level":2,"page":35},{"title":"١٠ - باب لا يموت أحد إلا وهو يحسن بالله الظن وفي الخوف من الله تعالى","level":1,"page":37},{"title":"فصل","level":2,"page":38},{"title":"١١ - باب تلقين الميت لا إله إلا الله","level":1,"page":40},{"title":"فصل","level":2,"page":40},{"title":"١٢ - باب من حضر الميت فلا يلغو وليتكلم بخير وكيف الدعاء للميت إذا مات، وفي تغميضه","level":1,"page":42},{"title":"فصل","level":2,"page":43},{"title":"١٣ - باب منه، وما يقال عند التغميض","level":1,"page":43},{"title":"١٤ - باب ما جاء أن الشيطان يحضر الميت عند موته وجلساؤه في الدنيا وما يخاف من سوء الخاتمة","level":1,"page":44},{"title":"١٥ - باب ما جاء في سوء الخاتمة وما جاء أن الأعمال بالخواتيم","level":1,"page":47},{"title":"١٦ - باب ما جاء في رسل ملك الموت قبل الوفاة","level":1,"page":51},{"title":"فصل","level":2,"page":54},{"title":"١٧ - باب متى تنقطع معرفة العبد من الناس وفي التوبة وبيانها، وفي التائب من هو؟","level":1,"page":57},{"title":"فصل","level":2,"page":57},{"title":"١٨ - باب لا تخرج روح عبد مؤمن أو كافر حتى يبشر وأنه يصعد بها","level":1,"page":63},{"title":"فصل","level":2,"page":65},{"title":"١٩ - باب ما جاء في تلاقي الأرواح في السماء والسؤال عن أهل الأرض وفي عرض الأعمال","level":1,"page":68},{"title":"فصل","level":2,"page":69},{"title":"باب منه","level":2,"page":70},{"title":"٢٠ - باب في شأن الروح وأين تصير حين تخرج من الجسد؟","level":1,"page":71},{"title":"فصل","level":2,"page":73},{"title":"٢١ - باب كيفية التوفي للموتى واختلاف أحوالهم في ذلك","level":1,"page":75},{"title":"فصل","level":2,"page":76},{"title":"٢٢ - باب ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر","level":1,"page":79},{"title":"فصل","level":2,"page":80},{"title":"٢٣ - باب ما جاء أن ملك الموت ﵇ هو القابض لأرواح الخلق وأنه يقف على كل بيت في كل يوم خمس مرات وعلى كل ذي روح كل ساعة وأنه ينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة","level":1,"page":81},{"title":"٢٤ - باب ما جاء في سبب قبض ملك الموت لأرواح الخلق","level":1,"page":84},{"title":"٢٥ - باب ما جاء أن الروح إذا قبض تبعه البصر","level":1,"page":85},{"title":"فصل","level":2,"page":86},{"title":"٢٦ - باب ما جاء في تزاور الأموات في قبورهم واستحسان الكفن لذلك","level":1,"page":86},{"title":"٢٧ - باب الإسراع بالجنازة وكلامها","level":1,"page":87},{"title":"فصل","level":2,"page":87},{"title":"٢٨ - باب بسط الثوب على القبر عند الدفن","level":1,"page":88},{"title":"فصل","level":2,"page":88},{"title":"٢٩ - باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالة الدفن وبعده وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويدعى ويستغفر له ويتصدق عليه","level":1,"page":89},{"title":"٣٠ - باب يدفن العبد في الأرض التي خلق منها","level":1,"page":99},{"title":"فصل","level":2,"page":99},{"title":"٣١ - باب ما جاء أن كل عبد يذر عليه من تراب حفرته وفي الرزق والأجل وبيان قوله تعالى ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾","level":1,"page":100},{"title":"٣٢ - باب ما يتبع الميت إلى قبره وبعد موته وما يبقى معه فيه","level":1,"page":102},{"title":"٣٣ - باب ما جاء في هول المطلع","level":1,"page":103},{"title":"٣٤ - باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة وفي البكاء عنده وفي حكمه والاستعداد له","level":1,"page":104},{"title":"فصل","level":2,"page":104},{"title":"٣٥ - باب ما جاء في اختيار البقعة للدفن","level":1,"page":108},{"title":"فصل","level":2,"page":110},{"title":"فصل","level":2,"page":110},{"title":"٣٦ - باب يختار للميت قوم صالحون يكون معهم","level":1,"page":112},{"title":"فصل","level":2,"page":112},{"title":"٣٧ - باب ما جاء أن الموتى يتزاورون في قبورهم واستحسان الكفن لذلك","level":1,"page":113},{"title":"٣٨ - باب ما جاء في كلام القبر كل يوم وكلامه للعبد إذا وضع فيه","level":1,"page":114},{"title":"٣٩ - باب ما جاء في ضغط القبر على صاحبه وإن كان صالحا","level":1,"page":116},{"title":"٤٠ - باب منه وما جاء أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وهم من شر الناس له","level":1,"page":119},{"title":"فصل","level":2,"page":119},{"title":"٤١ - باب ما ينجي من ضغطة القبر وفتنته","level":1,"page":120},{"title":"٤٢ - باب ما يقال عند وضع الميت في قبره وفي اللحد في القبر","level":1,"page":121},{"title":"٤٣ - باب الوقوف عند القبر قليلا بعد الدفن والدعاء بالتثبيت له","level":1,"page":122},{"title":"فصل","level":2,"page":123},{"title":"فصل","level":2,"page":124},{"title":"فصل","level":2,"page":125},{"title":"٤٤ - باب ما جاء في تلقين الإنسان بعد موته شهادة الإخلاص في لحده","level":1,"page":126},{"title":"٤٥ - باب في نسيان أهل الميت ميتهم وفي الأمل والغفلة","level":1,"page":128},{"title":"٤٦ - باب في رحمة الله بعبده إذا أدخل في قبره","level":1,"page":129},{"title":"٤٧ - باب متى يرتفع ملك الموت عن العبد وبيان قوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ وقوله تعالى: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾","level":1,"page":130},{"title":"٤٨ - باب في سؤال الملكين للعبد وفي التعوذ من عذاب القبر وعذاب النار","level":1,"page":131},{"title":"فصل","level":2,"page":133},{"title":"فصل","level":2,"page":135},{"title":"٤٩ - باب ذكر حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم وفي قبورهم","level":1,"page":136},{"title":"الرد على الملحدة","level":2,"page":141},{"title":"الفصل الأول","level":3,"page":141},{"title":"الفصل الثاني","level":3,"page":142},{"title":"الفصل الثالث","level":3,"page":142},{"title":"الفصل الرابع","level":3,"page":145},{"title":"الفصل الخامس","level":3,"page":145},{"title":"الفصل السادس","level":3,"page":146},{"title":"٥٠ - باب ما جاء في صفة الملكين صلوات الله عليهما وسلامه، وصفة سؤالهما","level":1,"page":147},{"title":"فصل","level":2,"page":148},{"title":"فصل","level":2,"page":149},{"title":"٥١ - باب اختلاف الآثار في سعة القبر على المؤمنين بالنسبة إلى أعمالهم","level":1,"page":149},{"title":"٥٢ - باب ما جاء في عذاب القبر وأنه حق وفي اختلاف عذاب الكافرين في قبورهم وضيقها عليهم","level":1,"page":150},{"title":"فصل","level":2,"page":152},{"title":"٥٣ - باب منه في عذاب الكافر في قبره","level":1,"page":153},{"title":"٥٤ - باب ما يكون منه عذاب القبر واختلاف أحوال العصاة فيه بحسب اختلاف معاصيهم","level":1,"page":153},{"title":"فصل","level":2,"page":156},{"title":"تنبيه على غلط","level":2,"page":156},{"title":"باب منه","level":2,"page":157},{"title":"٥٥ - باب ما جاء في بشرى المؤمن في قبره","level":1,"page":159},{"title":"٥٦ - باب ما جاء في التعوذ من عذاب القبر وفتنته","level":1,"page":160},{"title":"٥٧ - باب ما جاء أن البهائم تسمع عذاب القبر","level":1,"page":161},{"title":"فصل","level":2,"page":161},{"title":"٥٨ - باب ما جاء أن الميت يسمع ما يقال","level":1,"page":162},{"title":"فصل","level":2,"page":163},{"title":"٥٩ - باب قوله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ الآية","level":1,"page":163},{"title":"فصل","level":2,"page":164},{"title":"٦٠ - باب ما ينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه","level":1,"page":166},{"title":"فصل","level":2,"page":171},{"title":"فصل","level":2,"page":171},{"title":"فصل","level":2,"page":171},{"title":"باب منه","level":2,"page":172},{"title":"٦١ - باب ما جاء أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي","level":1,"page":172},{"title":"فصل","level":2,"page":172},{"title":"٦٢ - باب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم","level":1,"page":174},{"title":"فصل","level":2,"page":174},{"title":"فصل","level":2,"page":178},{"title":"٦٣ - باب كم الشهداء؟ ولم سمي شهيدا؟ ومعنى الشهادة","level":1,"page":179},{"title":"فصل","level":2,"page":181},{"title":"باب منه","level":2,"page":182},{"title":"٦٤ - باب ما جاء أن الإنسان يبلى ويأكله التراب إلا عجب الذنب","level":1,"page":183},{"title":"فصل","level":2,"page":183},{"title":"٦٥ - باب لا تأكل الأرض أجساد الأنبياء ولا الشهداء، وأنهم أحياء","level":1,"page":184},{"title":"٦٦ - باب في انقراض هذا الخلق وذكر النفخ والصعق وكم بين النفختين وذكر البعث والنشر والنار","level":1,"page":186},{"title":"فصل","level":2,"page":187},{"title":"٦٧ - باب في قول الله تعالى ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾","level":1,"page":188},{"title":"فصل","level":2,"page":188},{"title":"فصل","level":2,"page":192},{"title":"٦٨ - باب يفنى العباد ويبقى الملك لله وحده","level":1,"page":193},{"title":"فصل","level":2,"page":193},{"title":"فصل","level":2,"page":195},{"title":"٦٩ - باب البرزخ","level":1,"page":199},{"title":"٧٠ - باب ذكر النفخ الثاني للبعث في الصور","level":1,"page":200},{"title":"فصل","level":2,"page":205},{"title":"فصل","level":2,"page":205},{"title":"فصل","level":2,"page":206},{"title":"فصل","level":2,"page":207},{"title":"٧١ - باب - منه - في صفة البعث وما آية ذلك في الدنيا وأول ما يخلق من الإنسان رأسه","level":1,"page":208},{"title":"٧٢ - باب يبعث كل عبد على ما مات عليه","level":1,"page":209},{"title":"٧٣ - باب في بعث النبي ﷺ من قبره","level":1,"page":212},{"title":"٧٤ - باب ما جاء في بعث الأيام والليالي ويوم الجمعة","level":1,"page":213},{"title":"٧٥ - باب ما جاء أن العبد المؤمن إذا قام من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا وعمله","level":1,"page":214},{"title":"٧٦ - باب أين يكون الناس ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾؟","level":1,"page":215},{"title":"فصل","level":2,"page":215},{"title":"٧٧ - باب منه أمور تكون قبل الساعة","level":1,"page":218},{"title":"فصل","level":2,"page":219},{"title":"فصل","level":2,"page":221},{"title":"٧٨ - باب الحشر ومعناه الجمع","level":1,"page":223},{"title":"فصل","level":2,"page":227},{"title":"٧٩ - باب بيان الحشر إلى الموقف كيف هو؟ وفي أرض المحشر وذكر الصخرة، وقوله تعالى: ﴿واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب﴾ الآية","level":1,"page":228},{"title":"٨٠ - باب الجمع بين آيات وردت في الكتاب في الحشر ظاهرها التعارض","level":1,"page":231},{"title":"٨١ - باب ما جاء في حشر الناس إلى الله ﷿ حفاة عراة غرلا، وفي أول من يكسى منهم وفي أول ما يتكلم من الإنسان","level":1,"page":234},{"title":"فصل","level":2,"page":235},{"title":"فصل","level":2,"page":236},{"title":"٨٢ - باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾","level":1,"page":237},{"title":"فصل","level":2,"page":238},{"title":"٨٣ - باب حشر الرسول ﷺ بين أبي بكر وعمر","level":1,"page":239},{"title":"٨٤ - باب قول النبي ﷺ من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: ﴿إذا الشمس كورت﴾ و﴿إذا السماء انفطرت﴾ و﴿إذا السماء انشقت﴾ وفي أسماء يوم القيامة","level":1,"page":239},{"title":"فصل","level":2,"page":239},{"title":"٨٥ - باب ما يلقى الناس في الموقف من الأهوال العظام والأمور الجسام","level":1,"page":265},{"title":"فصل","level":2,"page":271},{"title":"٨٦ - باب ما ينجي من أهوال يوم القيامة ومن كربها","level":1,"page":272},{"title":"باب","level":2,"page":275},{"title":"٨٧ - باب في الشفاعة العامة لنبينا محمد ﷺ لأهل المحشر","level":1,"page":275},{"title":"فصل","level":2,"page":277},{"title":"٨٨ - باب ما جاء أن هذه الشفاعة هي المقام المحمود","level":1,"page":278},{"title":"فصل","level":2,"page":279},{"title":"فصل","level":2,"page":280},{"title":"فصل","level":2,"page":281},{"title":"فصل","level":2,"page":282},{"title":"باب","level":2,"page":284},{"title":"٨٩ - باب من أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ","level":1,"page":284},{"title":"٩٠ - باب ما جاء في تطاير الصحف عند العرض والحساب وإعطاء الكتب باليمين والشمال","level":1,"page":285},{"title":"فصل","level":2,"page":289},{"title":"٩١ - باب في قوله تعالى ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾","level":1,"page":292},{"title":"٩٢ - باب في قوله تعالى ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه﴾ الآية","level":1,"page":293},{"title":"٩٣ - باب ما يسأل عنه العبد وكيفية السؤال","level":1,"page":294},{"title":"فصل","level":2,"page":297},{"title":"فصل","level":2,"page":299},{"title":"٩٤ - باب ما جاء أن الله تعالى يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان","level":1,"page":299},{"title":"فصل","level":2,"page":301},{"title":"٩٥ - باب القصاص يوم القيامة ممن استطال في حقوق الناس وفي حبسه لهم حتى ينتصفوا منه","level":1,"page":303},{"title":"فصل","level":2,"page":305},{"title":"فصل","level":2,"page":306},{"title":"فصل","level":2,"page":308},{"title":"فصل","level":2,"page":310},{"title":"فصل","level":2,"page":314},{"title":"باب","level":2,"page":314},{"title":"٩٦ - باب في إرضاء الله تعالى الخصوم يوم القيامة","level":1,"page":314},{"title":"فصل","level":2,"page":315},{"title":"٩٧ - باب أول من يحاسب أمة محمد ﷺ","level":1,"page":316},{"title":"٩٨ - باب أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء، وأول من يدعى للخصومة","level":1,"page":316},{"title":"فصل","level":2,"page":318},{"title":"باب منه","level":2,"page":321},{"title":"باب منه","level":2,"page":321},{"title":"٩٩ - باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما ولقائهما الله ﷿","level":1,"page":322},{"title":"فصل","level":2,"page":322},{"title":"فصل","level":2,"page":323},{"title":"١٠٠ - باب ما جاء في شهادة الأرض والليالي والأيام بما عمل فيها وعليها، وفي شهادة المال على صاحبه وقوله تعالى ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾","level":1,"page":326},{"title":"١٠١ - باب لا يشهد العبد على شهادة في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة","level":1,"page":327},{"title":"١٠٢ - باب ما جاء في سؤال الله تعالى الأنبياء وفي شهادة هذه الأمة للأنبياء على أممهم","level":1,"page":328},{"title":"١٠٣ - باب ما جاء في الشهداء عند الحساب","level":1,"page":332},{"title":"١٠٤ - باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته","level":1,"page":333},{"title":"فصل","level":2,"page":333},{"title":"١٠٥ - باب ما جاء في عقوبة مانعي الزكاة وفضيحة الغادر والغال في الموقف وقت الحساب","level":1,"page":333},{"title":"فصل","level":2,"page":335},{"title":"فصل","level":2,"page":336},{"title":"فصل","level":2,"page":338},{"title":"فصل","level":2,"page":338},{"title":"فصل","level":2,"page":338},{"title":"١٠٦ - باب منه، وذكر الولاة","level":1,"page":339},{"title":"١٠٧ - باب ما جاء في حوض النبي ﷺ وفي الموقف وسعته وكثرة أوانيه وذكر أركانه ومن عليها","level":1,"page":340},{"title":"فصل","level":2,"page":342},{"title":"باب منه","level":2,"page":343},{"title":"١٠٨ - باب فقراء المهاجرين أول الناس ورودا الحوض على النبي ﷺ","level":1,"page":343},{"title":"١٠٩ - باب ذكر من يطرد عن الحوض","level":1,"page":344},{"title":"فصل","level":2,"page":345},{"title":"١١٠ - باب ما جاء أن لكل نبي حوضا","level":1,"page":346},{"title":"١١١ - باب ما جاء في الكوثر الذي أعطيه ﷺ في الجنة","level":1,"page":346},{"title":"أبواب الميزان","level":1,"page":348},{"title":"١١٢ - باب ما جاء في الميزان وأنه حق","level":2,"page":348},{"title":"١١٣ - باب منه وبيان كيفية الميزان ووزن الأعمال فيه ومن قضى لأخيه حاجة","level":2,"page":349},{"title":"فصل","level":3,"page":350},{"title":"فصل","level":3,"page":351},{"title":"فصل","level":3,"page":352},{"title":"فصل","level":3,"page":353},{"title":"فصل","level":3,"page":354},{"title":"فصل","level":3,"page":355},{"title":"باب منه","level":3,"page":357},{"title":"١١٤ - باب منه وذكر أصحاب الأعراف","level":2,"page":358},{"title":"فصل","level":3,"page":359},{"title":"فصل","level":3,"page":359},{"title":"١١٥ - باب إذا كان يوم القيامة تتبع كل أمة ما كانت تعبد فإذا بقي في هذه الأمة منافقون امتحنوا، وضرب الصراط","level":2,"page":362},{"title":"فصل","level":3,"page":362},{"title":"فصل","level":3,"page":363},{"title":"١١٦ - باب كيف الجواز على الصراط؟ وصفته ومن يحبس عليه ويزل عنه، وفي شفقة النبي ﷺ على أمته عند ذلك، وفي ذكر القناطر قبله والسؤال عليها وبيان قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾","level":2,"page":368},{"title":"فصل","level":3,"page":372},{"title":"فصل","level":3,"page":373},{"title":"١١٧ - باب ما جاء في شعار المؤمنين على الصراط","level":2,"page":376},{"title":"١١٨ - باب فيمن لا يوقف على الصراط طرفة عين","level":2,"page":377},{"title":"باب منه","level":3,"page":377},{"title":"١١٩ - باب ثلاثة مواطن لا يخطئها النبي ﷺ لعظم الأمر فيها وشدته","level":2,"page":378},{"title":"١٢٠ - باب في تلقي الملائكة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم بعد الصراط، وفي هلاك أعدائهم","level":2,"page":378},{"title":"١٢١ - باب ذكر الصراط الثاني وهو القنطرة التي بين الجنة والنار","level":2,"page":379},{"title":"فصل","level":3,"page":379},{"title":"١٢٢ - باب من دخل النار من الموحدين مات واحترق، ثم يخرجون بالشفاعة","level":2,"page":380},{"title":"فصل","level":3,"page":381},{"title":"١٢٣ - باب فيمن يشفع لهم قبل دخول النار من أجل أعمالهم الصالحة وهم أهل الفضل في الدنيا","level":2,"page":382},{"title":"فصل","level":3,"page":383},{"title":"١٢٤ - باب في الشافعين لمن دخل النار وما جاء أن النبي ﷺ يشفع رابع أربعة وذكر من يبقى في جهنم بعد ذلك","level":2,"page":383},{"title":"فصل","level":3,"page":385},{"title":"١٢٥ - باب منه في الشفعاء وذكر الجهنميين","level":2,"page":386},{"title":"فصل","level":3,"page":388},{"title":"فصل","level":3,"page":392},{"title":"فصل","level":3,"page":392},{"title":"فصل","level":3,"page":393},{"title":"١٢٦ - باب يعرف المشفوع فيهم بأثر السجود وبياض الوجوه","level":2,"page":395},{"title":"فصل","level":3,"page":396},{"title":"فصل","level":3,"page":397},{"title":"١٢٧ - باب ما يرجى من رحمة الله تعالى ومغفرته وعفوه ورضوانه يوم القيامة","level":2,"page":397},{"title":"١٢٨ - باب منه، وفي أول ما يقول الله تعالى للمؤمنين وفي أول ما يقولون له","level":2,"page":401},{"title":"باب منه","level":3,"page":401},{"title":"١٢٩ - باب حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات","level":2,"page":402},{"title":"فصل","level":3,"page":402},{"title":"١٣٠ - باب احتجاج الجنة والنار، وصفة أهلهما","level":2,"page":404},{"title":"فصل","level":3,"page":404},{"title":"١٣١ - باب منه في صفة أهل الجنة وأهل النار، وفي شرار الناس من هم؟","level":2,"page":405},{"title":"فصل","level":3,"page":406},{"title":"فصل","level":3,"page":408},{"title":"١٣٢ - باب منه؛ في صفة أهل الجنة وأهل النار","level":2,"page":411},{"title":"فصل","level":3,"page":411},{"title":"فصل","level":3,"page":414},{"title":"١٣٣ - باب ما جاء في أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار","level":2,"page":415},{"title":"فصل","level":3,"page":415},{"title":"باب منه","level":3,"page":416},{"title":"١٣٤ - باب ما جاء أن العرفاء في النار","level":2,"page":417},{"title":"فصل","level":3,"page":417},{"title":"باب منه","level":3,"page":417},{"title":"١٣٥ - باب لا يدخل الجنة صاحب مكس ولا قاطع رحم","level":2,"page":417},{"title":"فصل","level":3,"page":418},{"title":"١٣٦ - باب ما جاء في أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار","level":2,"page":418},{"title":"١٣٧ - باب ما جاء في أول من تسعر بهم جهنم","level":2,"page":419},{"title":"١٣٨ - باب فيمن يدخل الجنة بغير حساب","level":2,"page":419},{"title":"فصل","level":3,"page":420},{"title":"باب منه","level":3,"page":421},{"title":"باب منه","level":3,"page":421},{"title":"باب منه","level":3,"page":423},{"title":"باب منه","level":3,"page":423},{"title":"فصل","level":3,"page":424},{"title":"١٣٩ - باب أمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة وأكثر","level":2,"page":424},{"title":"فصل","level":3,"page":425},{"title":"١٤٠ - باب في ذكر أبواب جهنم وما جاء فيها وفي أهوالها وأسمائها أجارنا الله منها برحمته وفضله إنه ولي ذلك والقادر عليه","level":2,"page":426},{"title":"١٤١ - باب ما جاء أن النار لما خلقت فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها","level":2,"page":427},{"title":"١٤٢ - باب ما جاء في البكاء عند ذكر النار والخوف منها","level":2,"page":427},{"title":"١٤٣ - باب ما جاء فيمن سأل الله الجنة واستجار به من النار","level":2,"page":428},{"title":"١٤٤ - باب ما جاء في جهنم، وأنها أدراك، ولمن هي؟","level":2,"page":430},{"title":"١٤٥ - باب ما جاء أن جهنم تسعر كل يوم وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة","level":2,"page":432},{"title":"١٤٦ - باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾","level":2,"page":432},{"title":"١٤٧ - باب منه، وفي بعد أبواب جهنم بعضها من بعض وما أعد الله تعالى فيها من العذاب","level":2,"page":434},{"title":"١٤٨ - باب ما جاء في عظم جهنم وأزمتها وكثرة ملائكتها، وفي عظم خلقهم وتفلتها من أيديهم وفي قمع النبي ﷺ إياها وردها عن أهل الموقف","level":2,"page":436},{"title":"فصل","level":3,"page":437},{"title":"فصل","level":3,"page":437},{"title":"١٤٩ - باب منه وفي كلام جهنم وذكر أزواجها، وأنه لا يجوزها إلا من عنده جواز","level":2,"page":439},{"title":"١٥٠ - باب ما جاء أن التسعة عشر، خزنة جهنم","level":2,"page":440},{"title":"١٥١ - باب ما جاء في سعة جهنم عظم سرادقها، وبيان قوله تعالى ﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين﴾","level":2,"page":441},{"title":"١٥٢ - باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها","level":2,"page":441},{"title":"١٥٣ - باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ وما جاء أن الشمس والقمر يقذفان في النار","level":2,"page":442},{"title":"فصل","level":3,"page":443},{"title":"١٥٤ - باب ما جاء في صفة جهنم وحرها وشدة عذابها","level":2,"page":444},{"title":"فصل","level":3,"page":447},{"title":"١٥٥ - باب منه، وما جاء في شكوى النار وكلامها وبعد قعرها، وأهوالها، وفي قدر الحجر الذي يرمى به فيها","level":2,"page":447},{"title":"فصل","level":3,"page":448},{"title":"١٥٦ - باب ما جاء في مقامع أهل النار وسلاسلهم وأغلالهم وأنكالهم","level":2,"page":450},{"title":"١٥٧ - باب منه وما جاء في كيفية دخول أهل النار النار","level":2,"page":451},{"title":"١٥٨ - باب منه في رفع لهب النار أهل النار حتى يشرفوا على أهل الجنة","level":2,"page":452},{"title":"١٥٩ - باب ما جاء أن في جهنم جبالا وخنادق وأودية وبحارا وصهاريج وآبارا وجبابا وتنانير وسجونا وبيوتا وجسورا وقصورا وأرواحا، ونواعير وعقارب وحيات، أجارنا الله منها وفي وعيد من شرب الخمر والمسكر وغيره","level":2,"page":453},{"title":"١٦٠ - باب منه وفي بيان قوله تعالى ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ وفي ساحل جهنم، ووعيد من يؤذي المؤمنين","level":2,"page":458},{"title":"١٦١ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾","level":2,"page":460},{"title":"١٦٢ - باب ما جاء في تعظيم جسد الكافر وأعضائه بحسب اختلاف كفره، وتوزيع العذاب على العاصي المؤمن بحسب أعمال الأعضاء","level":2,"page":461},{"title":"فصل","level":3,"page":463},{"title":"باب منه","level":3,"page":464},{"title":"١٦٣ - باب ما جاء في شدة عذاب أهل المعاصي وأذيتهم أهل النار بذلك","level":2,"page":464},{"title":"١٦٤ - باب منه وفي عذاب من عذب الناس في الدنيا","level":2,"page":466},{"title":"١٦٥ - باب ما جاء في شدة عذاب من أمر بالمعروف ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه، وذكر الخطباء، وفيمن خالف قوله فعله، وفي أعوان الظلمة كلاب النار","level":2,"page":466},{"title":"فصل","level":3,"page":468},{"title":"فصل","level":3,"page":468},{"title":"١٦٦ - باب ما جاء في طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم","level":2,"page":470},{"title":"١٦٧ - باب منه، وما جاء أن أهل النار يجوعون ويعطشون وفي دعائهم وإجابتهم","level":2,"page":471},{"title":"١٦٨ - باب في ما جاء في بكاء أهل النار، ومن أدناهم عذابا فيها","level":2,"page":476},{"title":"١٦٩ - باب ما جاء أن لكل مسلم فداء من النار من الكفار","level":2,"page":477},{"title":"فصل","level":3,"page":478},{"title":"١٧٠ - باب في قوله تعالى: ﴿وتقول هل من مزيد﴾","level":2,"page":479},{"title":"فصل","level":3,"page":479},{"title":"١٧١ - باب ذكر آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة وفي تعيينه وتعيين قبيلته واسمه","level":2,"page":481},{"title":"فصل","level":3,"page":482},{"title":"١٧٢ - باب منه، وما جاء في خروج الموحدين من النار وذكر الرجل الذي ينادي: يا حنان يا منان، وبيان قوله تعالى ﴿إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة﴾، وفي أحوال أهل النار","level":2,"page":483},{"title":"فصل","level":3,"page":486},{"title":"١٧٣ - باب ما جاء في الاستهزاء بأهل النار وبيان قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون﴾","level":2,"page":488},{"title":"باب منه","level":3,"page":489},{"title":"باب منه","level":3,"page":489},{"title":"١٧٤ - باب ما جاء في ميراث أهل الجنة منازل أهل النار","level":2,"page":490},{"title":"١٧٥ - باب ما جاء في خلود أهل الدارين وذبح الموت على الصراط ومن يذبحه","level":2,"page":490},{"title":"فصل","level":3,"page":491},{"title":"فصل","level":3,"page":492},{"title":"أبواب الجنة وما جاء فيها وفي صفتها ونعيمها","level":1,"page":494},{"title":"١٧٦ - باب صفة أهل الجنة في الدنيا","level":2,"page":494},{"title":"١٧٧ - باب منه، وهل تفضل جنة جنة؟","level":2,"page":495},{"title":"فصل","level":3,"page":499},{"title":"١٧٨ - باب صفة الجنة ونعيمها، وما أعد الله لأهلها فيها","level":2,"page":499},{"title":"١٧٩ - باب ما جاء في أنهار الجنة وجبالها وما جاء في الدنيا منها","level":2,"page":501},{"title":"١٨٠ - باب منه وما جاء في رفع هذه الأنهار آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج، ورفع القرآن والعلم","level":2,"page":503},{"title":"١٨١ - باب من أين تفجر أنهار الجنة؟","level":2,"page":504},{"title":"١٨٢ - باب ما جاء أن الخمر شراب أهل الجنة ومن شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة وفي لباس أهل الجنة وآنيتهم","level":2,"page":504},{"title":"١٨٣ - باب ما جاء في أشجار الجنة وفي ثمارها وما يشبه ثمر الجنة في الدنيا.","level":2,"page":505},{"title":"١٨٤ - باب في كسوة الجنة وكسوة أهلها","level":2,"page":509},{"title":"١٨٥ - باب ما جاء أن شجر الجنة وثمارها تنفتق عن ثياب الجنة، وخيلها ونجبها","level":2,"page":510},{"title":"١٨٦ - باب ليس في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب","level":2,"page":511},{"title":"١٨٧ - باب ما جاء في نخيل الجنة وثمرها وخيرها","level":2,"page":511},{"title":"١٨٨ - باب الزرع في الجنة","level":2,"page":512},{"title":"١٨٩ - باب ما جاء في أبواب الجنة وكم هي، ولمن هي، وفي تسميتها وسعتها","level":2,"page":512},{"title":"فصل","level":3,"page":515},{"title":"باب منه","level":3,"page":515},{"title":"باب منه","level":3,"page":516},{"title":"١٩٠ - باب ما جاء في درج الجنة وما يحصلها للمؤمن","level":2,"page":516},{"title":"فصل","level":3,"page":518},{"title":"١٩١ - باب ما جاء في غرف الجنة ولمن هي","level":2,"page":518},{"title":"فصل","level":3,"page":520},{"title":"باب منه","level":3,"page":521},{"title":"باب منه","level":3,"page":522},{"title":"١٩٢ - باب ما جاء في قصور الجنة ودورها وبيوتها وبما ينال ذلك المؤمن","level":2,"page":522},{"title":"١٩٣ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾","level":2,"page":524},{"title":"١٩٤ - باب ما جاء في خيام الجنة وأسواقها وتعارف أهل الجنة في الدنيا وعبادتهم فيها","level":2,"page":524},{"title":"١٩٥ - باب لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز","level":2,"page":526},{"title":"١٩٦ - باب أول الناس يسبق إلى الجنة الفقراء","level":2,"page":526},{"title":"فصل","level":3,"page":528},{"title":"فصل","level":3,"page":528},{"title":"باب منه","level":3,"page":530},{"title":"١٩٧ - باب منه، وما جاء في صفة أهل الجنة ومراتبهم وسنهم وطولهم وشبابهم وعرقهم وثيابهم وأمشاطهم ومجامرهم وأزواجهم، وفي لسانهم، وليس في الجنة عزب","level":2,"page":530},{"title":"فصل","level":3,"page":532},{"title":"١٩٨ - باب منه في الحور العين وكلامهن وجواب نساء الآدميات وحسنهن","level":2,"page":533},{"title":"١٩٩ - باب ما جاء أن الأعمال الصالحة مهور الحور العين","level":2,"page":535},{"title":"٢٠٠ - باب في الحور العين ومن أي شيء خلقن","level":2,"page":538},{"title":"٢٠١ - باب إذا ابتكر الرجل امرأة في الدنيا كانت زوجته في الآخرة","level":2,"page":539},{"title":"٢٠٢ - باب ما جاء أن في الجنة أكلا وشربا ونكاحا حقيقة ولا قذر فيها، ولا نقص، ولا نوم","level":2,"page":540},{"title":"٢٠٣ - باب المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة","level":2,"page":542},{"title":"٢٠٤ - باب ما جاء أن كل ما في الجنة دائم لا يبلى ولا يفنى ولا يبيد","level":2,"page":542},{"title":"٢٠٥ - باب ما جاء أن المرأة من أهل الجنة ترى زوجها من أهل الدنيا في الآخرة","level":2,"page":543},{"title":"٢٠٦ - باب ما جاء في طير الجنة وخيلها وإبلها","level":2,"page":543},{"title":"٢٠٧ - باب ما جاء أن الحناء سيد ريحان الجنة وأن الجنة حفت بالريحان","level":2,"page":545},{"title":"٢٠٨ - باب ما جاء أن الشاة والمعزى من دواب الجنة","level":2,"page":546},{"title":"٢٠٩ - باب ما جاء أن للجنة ربضا وريحا وكلاما","level":2,"page":547},{"title":"٢١٠ - باب ما جاء في أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله","level":2,"page":548},{"title":"٢١١ - باب ما جاء أن الذكر نفقة بناء الجنة","level":2,"page":549},{"title":"٢١٢ - باب ما لأدنى أهل الجنة منزلة وما لأعلاهم","level":2,"page":550},{"title":"٢١٣ - باب رضوان الله تعالى لأهل الجنة أفضل من الجنة","level":2,"page":551},{"title":"٢١٤ - باب رؤية أهل الجنة لله تعالى أحب إليهم مما هم فيه وأقر لأعينهم","level":2,"page":551},{"title":"فصل","level":3,"page":553},{"title":"٢١٥ - باب منه في الرؤية","level":2,"page":554},{"title":"فصل","level":3,"page":554},{"title":"٢١٦ - باب منه، وفي سلام الله تعالى عليهم","level":2,"page":555},{"title":"فصل","level":3,"page":555},{"title":"حكاية","level":3,"page":556},{"title":"٢١٧ - باب منه، وبيان قوله تعالى: ﴿ولدينا مزيد﴾","level":2,"page":556},{"title":"فصل","level":3,"page":557},{"title":"٢١٨ - باب نبذ من أقوال العلماء في تفسير كلمات وآيات من القرآن وردت في ذكر الجنة وأهلها","level":2,"page":558},{"title":"٢١٩ - باب ما جاء في أطفال المسلمين والمشركين","level":2,"page":569},{"title":"٢٢٠ - باب منه وفي باب ثواب من قدم ولدا","level":2,"page":576},{"title":"فصل","level":3,"page":576},{"title":"٢٢١ - باب ما جاء في نزل أهل الجنة وتحفهم إذا دخلوها","level":2,"page":578},{"title":"فصل","level":3,"page":579},{"title":"٢٢٢ - باب ما جاء أن مفتاح الجنة: لا إله إلا الله، والصلاة","level":2,"page":580},{"title":"فصل","level":3,"page":580},{"title":"كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة","level":1,"page":581},{"title":"٢٢٣ - باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله","level":2,"page":581},{"title":"٢٢٤ - باب ما جاء أن المؤمن حرام دمه وماله وعرضه، وفي تعظيم حرمته عند الله تعالى","level":2,"page":581},{"title":"٢٢٥ - باب ما جاء في قتل المؤمن والإعانة على ذلك","level":2,"page":582},{"title":"٢٢٦ - باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر والظلل، ومن أين تجيء والتحذير منها، وفضل العبادة عندها","level":2,"page":583},{"title":"فصل","level":3,"page":586},{"title":"فصل","level":3,"page":586},{"title":"٢٢٧ - باب ما جاء في رحى الإسلام، ومتى تدور","level":2,"page":590},{"title":"فصل","level":3,"page":591},{"title":"٢٢٨ - باب ما جاء أن عثمان ﵁ لما قتل سل سيف الفتنة","level":2,"page":591},{"title":"فصل","level":3,"page":592},{"title":"فصل","level":3,"page":599},{"title":"٢٢٩ - باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وفي ظهور الفتن","level":2,"page":604},{"title":"فصل","level":3,"page":605},{"title":"٢٣٠ - باب ما جاء في الفرار من الفتن وكسر السلاح وحكم المكره عليها","level":2,"page":605},{"title":"٢٣١ - باب منه والأمر بلزوم البيوت عند الفتن","level":2,"page":606},{"title":"فصل","level":3,"page":607},{"title":"٢٣٢ - باب منه وكيف التثبت في الفتنة والاعتزال عنها، وفي ذهاب الصالحين","level":2,"page":608},{"title":"فصل","level":3,"page":609},{"title":"٢٣٣ - باب الأمر بتعلم كتاب الله واتباع ما فيه ولزوم جماعة المسلمين عند غلبة الفتن وظهورها وصفة دعاة آخر الزمان، والأمر بالسمع والطاعة للخليفة وإن ضرب الظهور وأخذ المال","level":2,"page":610},{"title":"فصل","level":3,"page":612},{"title":"٢٣٤ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار","level":2,"page":613},{"title":"فصل","level":3,"page":613},{"title":"٢٣٥ - باب جعل الله بأس هذه الأمة بينها","level":2,"page":615},{"title":"٢٣٦ - باب ما يكون من الفتن وإخبار النبي ﷺ بها","level":2,"page":616},{"title":"فصل","level":3,"page":617},{"title":"٢٣٧ - باب ذكر الفتنة التي تموج موج البحر وقول النبي ﷺ: «هلاك أمتي على يد أغيلمة من سفهاء قريش»","level":2,"page":619},{"title":"فصل","level":3,"page":620},{"title":"٢٣٨ - باب ما جاء في بيان مقتل الحسين ﵁ ولا رضي عن قاتله","level":2,"page":620},{"title":"فصل","level":3,"page":627},{"title":"٢٣٩ - باب ما جاء أن اللسان في الفتنة أشد من وقع السيف","level":2,"page":629},{"title":"فصل","level":3,"page":629},{"title":"٢٤٠ - باب الأمر بالصبر عند الفتن وتسليم النفس للقتل عندها والسعيد من جنبها","level":2,"page":631},{"title":"فصل","level":3,"page":632},{"title":"فصل","level":3,"page":632},{"title":"فصل","level":3,"page":633},{"title":"٢٤١ - باب جعل الله في أول هذه الأمة عافيتها وفي آخرها بلاءها","level":2,"page":634},{"title":"فصل","level":3,"page":635},{"title":"٢٤٢ - باب جواز الدعاء بالموت عند الفتن، وما جاء أن بطن الأرض خير من ظهرها","level":2,"page":635},{"title":"٢٤٣ - باب أسباب الفتن والمحن والبلاء","level":2,"page":637},{"title":"فصل","level":3,"page":639},{"title":"٢٤٤ - باب وما جاء أن الطاعة سبب الرحمة والعافية","level":2,"page":640},{"title":"أبواب الملاحم","level":1,"page":642},{"title":"٢٤٥ - باب أمارات الملاحم","level":2,"page":642},{"title":"٢٤٦ - باب ما ذكر في ملاحهم الروم وتواترها وتداعي الأمم على أهل الإسلام","level":2,"page":643},{"title":"فصل","level":3,"page":645},{"title":"٢٤٧ - باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾","level":2,"page":647},{"title":"٢٤٨ - باب ما جاء في قتال الترك وصفتهم","level":2,"page":648},{"title":"فصل","level":3,"page":649},{"title":"٢٤٩ - باب في سياقة الترك للمسلمين وسياقة المسلمين لهم","level":2,"page":650},{"title":"فصل","level":3,"page":651},{"title":"٢٥٠ - باب منه وما جاء في ذكر البصرة والأيلة وبغداد والإسكندرية","level":2,"page":653},{"title":"فصل","level":3,"page":655},{"title":"باب","level":3,"page":656},{"title":"٢٥١ - باب ما جاء في فضل الشام وأنه معقل من الملاحم","level":2,"page":656},{"title":"٢٥٢ - باب ما جاء أن الملاحم إذا وقعت بعث الله جيشا يؤيد به الدين","level":2,"page":658},{"title":"٢٥٣ - باب ما جاء في المدينة ومكة وخرابهما","level":2,"page":658},{"title":"فصل","level":3,"page":661},{"title":"فصل","level":3,"page":662},{"title":"فصل","level":3,"page":662},{"title":"فصل","level":3,"page":664},{"title":"٢٥٤ - باب في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي، وعلامة خروجه","level":2,"page":664},{"title":"فصل","level":3,"page":666},{"title":"٢٥٥ - باب منه، في المهدي وخروج السفياني عليه وبعثه الجيش لقتاله، وأنه الجيش الذي يخسف به","level":2,"page":666},{"title":"فصل","level":3,"page":671},{"title":"٢٥٦ - باب منه آخر في المهدي وذكر من يوطئ له ملكه","level":2,"page":671},{"title":"٢٥٧ - باب منه آخر في المهدي وصفته واسمه وإعطائه ومكثه، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتال الدجال","level":2,"page":672},{"title":"فصل","level":3,"page":673},{"title":"٢٥٨ - باب منه في المهدي ومن أين يخرج وفي علامة خروجه، وأنه يبايع مرتين ويقاتل السفياني ويقتله","level":2,"page":674},{"title":"٢٥٩ - باب ما جاء أن المهدي يملك جبل الديلم والقسطنطينية ويستفتح رومية وأنطاكية وكنيسة الذهب، وبيان قوله تعالى ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾ الآية","level":2,"page":676},{"title":"٢٦٠ - باب ما جاء في فتح القسطنطينية ومن أين تفتح، وفتحها علامة خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه","level":2,"page":678},{"title":"٢٦١ - باب أشراط الساعة وعلاماتها","level":2,"page":680},{"title":"فصل","level":3,"page":681},{"title":"٢٦٢ - باب قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين»","level":2,"page":681},{"title":"فصل","level":3,"page":682},{"title":"٢٦٣ - باب أمور تكون بين يدي الساعة","level":2,"page":683},{"title":"فصل","level":3,"page":683},{"title":"فصل","level":3,"page":685},{"title":"باب منه","level":3,"page":688},{"title":"باب منه","level":3,"page":689},{"title":"فصل حول ذي الخلصة والخلصة","level":3,"page":691},{"title":"باب منه آخر","level":3,"page":693},{"title":"باب منه","level":3,"page":694},{"title":"باب","level":3,"page":694},{"title":"٢٦٤ - باب كيف يقبض العلم","level":2,"page":695},{"title":"٢٦٥ - باب ما جاء أن الأرض تخرج ما في جوفها من الكنوز والأموال","level":2,"page":695},{"title":"فصل","level":3,"page":696},{"title":"٢٦٦ - باب في ولاة آخر الزمان وصفتهم وفيمن ينطق في أمر العامة","level":2,"page":696},{"title":"فصل","level":3,"page":698},{"title":"٢٦٧ - باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة حل بها البلاء","level":2,"page":700},{"title":"باب منه","level":3,"page":700},{"title":"باب منه","level":3,"page":701},{"title":"باب منه آخر","level":3,"page":703},{"title":"باب منه","level":3,"page":704},{"title":"٢٦٨ - باب في رفع الأمانة والإيمان عن القلوب","level":2,"page":704},{"title":"فصل","level":3,"page":705},{"title":"٢٦٩ - باب في ذهاب العلم ورفعه وما جاء أن الخشوع والفرائض أول علم يرفع من الناس","level":2,"page":705},{"title":"٢٧٠ - باب في دروس الإسلام وذهاب القرآن","level":2,"page":707},{"title":"٢٧١ - باب العشر آيات التي تكون قبل الساعة وبيان قوله تعالى ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾","level":2,"page":707},{"title":"فصل","level":3,"page":709},{"title":"٢٧٢ - باب ما جاء أن الآيات بعد المائتين","level":2,"page":712},{"title":"٢٧٣ - باب ما جاء فيمن يخسف به أو يمسخ","level":2,"page":712},{"title":"٢٧٤ - باب ذكر الدجال وصفته ونعته ومن أين يخرج، وما علامة خروجه وما معه إذا خرج وما ينجي منه، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى","level":2,"page":713},{"title":"فصل","level":3,"page":718},{"title":"فصل","level":3,"page":720},{"title":"٢٧٥ - باب ما يمنع الدجال أن يدخله من البلاد إذ خرج","level":2,"page":721},{"title":"٢٧٦ - باب منه وما جاء أنه إذا خرج يزعم أنه الله، ويحصر المؤمنين في بيت المقدس","level":2,"page":721},{"title":"٢٧٧ - باب منه وفي عظم خلق الدجال وعظم فتنته، وسبب خروجه، وصفة حماره وسعة خطوه وفي حصره المسلمين في جبال الدخان وكم يمكث في الأرض، وفي نزول عيسى ﵇ وقت السحر لقتل الدجال ومن اتبعه","level":2,"page":722},{"title":"٢٧٨ - باب منه آخر في خروج الدجال، وما يجيء به من الفتن والشبهات، وسرعة سيره في الأرض وكم يلبث فيها وفي نزول عيسى ﵇ ونعته، وكم يكون في الأرض يومئذ من الصلحاء وفي قتله الدجال واليهود، وخروج يأجوج ومأجوج وموتهم، وفي حج عيسى وتزويجه ومكثه في الأرض وأين يدفن إذا مات ﷺ","level":2,"page":723},{"title":"فصل","level":3,"page":731},{"title":"فصل","level":3,"page":732},{"title":"فصل","level":3,"page":733},{"title":"فصل في بيان ما وقع في الحديث من الغريب","level":3,"page":736},{"title":"٢٧٩ - باب ما جاء في أن حواري عيسى ﵇ إذا نزل - هم أصحاب الكهف وفي حجهم معه","level":2,"page":739},{"title":"٢٨٠ - باب ما جاء أن عيسى إذا نزل يجد في أمة محمد ﷺ خلقا من حواريه","level":2,"page":740},{"title":"٢٨١ - باب ما جاء أن الدجال لا يضر مسلما","level":2,"page":741},{"title":"فصل","level":3,"page":741},{"title":"٢٨٢ - باب ما ذكر من أن ابن صياد الدجال واسمه صاف ويكنى أبا يوسف، وسبب خروجه وصفة أبويه وأنه على دين اليهود","level":2,"page":741},{"title":"فصل","level":3,"page":744},{"title":"٢٨٣ - باب ما جاء في نقب يأجوج ومأجوج السد وخروجهم وصفتهم وفي لباسهم وطعامهم وبيان قوله تعالى: ﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء﴾","level":2,"page":745},{"title":"٢٨٤ - باب ذكر الدابة وصفتها ومتى تخرج ومن أين تخرج وكم لها من خرجة وصفة خروجها وما معها إذا خرجت، وحديث الجساسة وما فيها من ذكر الدجال، قال الله تعالى ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾","level":2,"page":750},{"title":"فصل","level":3,"page":751},{"title":"فصل","level":3,"page":755},{"title":"٢٨٥ - باب طلوع الشمس من مغربها وإغلاق باب التوبة، وكم يمكث الناس بعد ذلك","level":2,"page":757},{"title":"فصل","level":3,"page":758},{"title":"فصل","level":3,"page":759},{"title":"٢٨٦ - باب ما جاء في خراب الأرض والبلاد قبل الشام ومدة بقاء المدينة خرابا قبل يوم القيامة وفي علامة ذهاب الدنيا ومثالها وفي أول ما يخرب منها","level":2,"page":760},{"title":"٢٨٧ - باب لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله","level":2,"page":761},{"title":"فصل","level":3,"page":761},{"title":"٢٨٨ - باب على من تقوم الساعة","level":2,"page":762},{"title":"فصل","level":3,"page":763},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":2,"page":765},{"title":"حرف الألف","level":3,"page":765},{"title":"حرف الباء","level":3,"page":766},{"title":"حرف التاء","level":3,"page":766},{"title":"حرف الجيم","level":3,"page":767},{"title":"حرف الحاء","level":3,"page":767},{"title":"حرف الخاء","level":3,"page":767},{"title":"حرف الدال","level":3,"page":767},{"title":"حرف الراء","level":3,"page":768},{"title":"حرف الزاي","level":3,"page":768},{"title":"حرف السين","level":3,"page":768},{"title":"حرف الشين","level":3,"page":769},{"title":"حرف الصاد","level":3,"page":770},{"title":"حرف الضاد","level":3,"page":770},{"title":"حرف العين","level":3,"page":771},{"title":"حرف الغين","level":3,"page":771},{"title":"حرف الفاء","level":3,"page":771},{"title":"حرف القاف","level":3,"page":771},{"title":"حرف الكاف","level":3,"page":772},{"title":"حرف الميم","level":3,"page":772},{"title":"حرف النون","level":3,"page":773}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,204":199,"1,205":200,"1,206":201,"1,207":202,"1,208":203,"1,209":204,"1,210":205,"1,211":206,"1,212":207,"1,213":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217,"1,223":218,"1,224":219,"1,225":220,"1,226":221,"1,227":222,"1,228":223,"1,229":224,"1,230":225,"1,231":226,"1,232":227,"1,233":228,"1,234":229,"1,235":230,"1,236":231,"1,237":232,"1,238":233,"1,239":234,"1,240":235,"1,241":236,"1,242":237,"1,243":238,"1,244":239,"1,245":240,"1,246":241,"1,247":242,"1,248":243,"1,249":244,"1,250":245,"1,251":246,"1,252":247,"1,253":248,"1,254":249,"1,255":250,"1,256":251,"1,257":252,"1,258":253,"1,259":254,"1,260":255,"1,261":256,"1,262":257,"1,263":258,"1,264":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,270":265,"1,271":266,"1,272":267,"1,273":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"1,292":287,"1,293":288,"1,294":289,"1,295":290,"1,296":291,"1,297":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"2,5":348,"2,6":349,"2,7":350,"2,8":351,"2,9":352,"2,10":353,"2,11":354,"2,12":355,"2,13":356,"2,14":357,"2,15":358,"2,16":359,"2,17":360,"2,18":361,"2,19":362,"2,20":363,"2,21":364,"2,22":365,"2,23":366,"2,24":367,"2,25":368,"2,26":369,"2,27":370,"2,28":371,"2,29":372,"2,30":373,"2,31":374,"2,32":375,"2,33":376,"2,34":377,"2,35":378,"2,36":379,"2,37":380,"2,38":381,"2,39":382,"2,40":383,"2,41":384,"2,42":385,"2,43":386,"2,44":387,"2,45":388,"2,46":389,"2,47":390,"2,48":391,"2,49":392,"2,50":393,"2,51":394,"2,52":395,"2,53":396,"2,54":397,"2,55":398,"2,56":399,"2,57":400,"2,58":401,"2,59":402,"2,60":403,"2,61":404,"2,62":405,"2,63":406,"2,64":407,"2,65":408,"2,66":409,"2,67":410,"2,68":411,"2,69":412,"2,70":413,"2,71":414,"2,72":415,"2,73":416,"2,74":417,"2,75":418,"2,76":419,"2,77":420,"2,78":421,"2,79":422,"2,80":423,"2,81":424,"2,82":425,"2,83":426,"2,84":427,"2,85":428,"2,86":429,"2,87":430,"2,88":431,"2,89":432,"2,90":433,"2,91":434,"2,92":435,"2,93":436,"2,94":437,"2,95":438,"2,96":439,"2,97":440,"2,98":441,"2,99":442,"2,100":443,"2,101":444,"2,102":445,"2,103":446,"2,104":447,"2,105":448,"2,106":449,"2,107":450,"2,108":451,"2,109":452,"2,110":453,"2,111":454,"2,112":455,"2,113":456,"2,114":457,"2,115":458,"2,116":459,"2,117":460,"2,118":461,"2,119":462,"2,120":463,"2,121":464,"2,122":465,"2,123":466,"2,124":467,"2,125":468,"2,126":469,"2,127":470,"2,128":471,"2,129":472,"2,130":473,"2,131":474,"2,132":475,"2,133":476,"2,134":477,"2,135":478,"2,136":479,"2,137":480,"2,138":481,"2,139":482,"2,140":483,"2,141":484,"2,142":485,"2,143":486,"2,144":487,"2,145":488,"2,146":489,"2,147":490,"2,148":491,"2,149":492,"2,150":493,"2,151":494,"2,152":495,"2,153":496,"2,154":497,"2,155":498,"2,156":499,"2,157":500,"2,158":501,"2,159":502,"2,160":503,"2,161":504,"2,162":505,"2,163":506,"2,164":507,"2,165":508,"2,166":509,"2,167":510,"2,168":511,"2,169":512,"2,170":513,"2,171":514,"2,172":515,"2,173":516,"2,174":517,"2,175":518,"2,176":519,"2,177":520,"2,178":521,"2,179":522,"2,180":523,"2,181":524,"2,182":525,"2,183":526,"2,184":527,"2,185":528,"2,186":529,"2,187":530,"2,188":531,"2,189":532,"2,190":533,"2,191":534,"2,192":535,"2,193":536,"2,194":537,"2,195":538,"2,196":539,"2,197":540,"2,198":541,"2,199":542,"2,200":543,"2,201":544,"2,202":545,"2,203":546,"2,204":547,"2,205":548,"2,206":549,"2,207":550,"2,208":551,"2,209":552,"2,210":553,"2,211":554,"2,212":555,"2,213":556,"2,214":557,"2,215":558,"2,216":559,"2,217":560,"2,218":561,"2,219":562,"2,220":563,"2,221":564,"2,222":565,"2,223":566,"2,224":567,"2,225":568,"2,226":569,"2,227":570,"2,228":571,"2,229":572,"2,230":573,"2,231":574,"2,232":575,"2,233":576,"2,234":577,"2,235":578,"2,236":579,"2,237":580,"2,238":581,"2,239":582,"2,240":583,"2,241":584,"2,242":585,"2,243":586,"2,244":587,"2,245":588,"2,246":589,"2,247":590,"2,248":591,"2,249":592,"2,250":593,"2,251":594,"2,252":595,"2,253":596,"2,254":597,"2,255":598,"2,256":599,"2,257":600,"2,258":601,"2,259":602,"2,260":603,"2,261":604,"2,262":605,"2,263":606,"2,264":607,"2,265":608,"2,266":609,"2,267":610,"2,268":611,"2,269":612,"2,270":613,"2,271":614,"2,272":615,"2,273":616,"2,274":617,"2,275":618,"2,276":619,"2,277":620,"2,278":621,"2,279":622,"2,280":623,"2,281":624,"2,282":625,"2,283":626,"2,284":627,"2,285":628,"2,286":629,"2,287":630,"2,288":631,"2,289":632,"2,290":633,"2,291":634,"2,292":635,"2,293":636,"2,294":637,"2,295":638,"2,296":639,"2,297":640,"2,298":641,"2,299":642,"2,300":643,"2,301":644,"2,302":645,"2,303":646,"2,304":647,"2,305":648,"2,306":649,"2,307":650,"2,308":651,"2,309":652,"2,310":653,"2,311":654,"2,312":655,"2,313":656,"2,314":657,"2,315":658,"2,316":659,"2,317":660,"2,318":661,"2,319":662,"2,320":663,"2,321":664,"2,322":665,"2,323":666,"2,324":667,"2,325":668,"2,326":669,"2,327":670,"2,328":671,"2,329":672,"2,330":673,"2,331":674,"2,332":675,"2,333":676,"2,334":677,"2,335":678,"2,336":679,"2,337":680,"2,338":681,"2,339":682,"2,340":683,"2,341":684,"2,342":685,"2,343":686,"2,344":687,"2,345":688,"2,346":689,"2,347":690,"2,348":691,"2,349":692,"2,350":693,"2,351":694,"2,352":695,"2,353":696,"2,354":697,"2,355":698,"2,356":699,"2,357":700,"2,358":701,"2,359":702,"2,360":703,"2,361":704,"2,362":705,"2,363":706,"2,364":707,"2,365":708,"2,366":709,"2,367":710,"2,368":711,"2,369":712,"2,370":713,"2,371":714,"2,372":715,"2,373":716,"2,374":717,"2,375":718,"2,376":719,"2,377":720,"2,378":721,"2,379":722,"2,380":723,"2,381":724,"2,382":725,"2,383":726,"2,384":727,"2,385":728,"2,386":729,"2,387":730,"2,388":731,"2,389":732,"2,390":733,"2,391":734,"2,392":735,"2,393":736,"2,394":737,"2,395":738,"2,396":739,"2,397":740,"2,398":741,"2,399":742,"2,400":743,"2,401":744,"2,402":745,"2,403":746,"2,404":747,"2,405":748,"2,406":749,"2,407":750,"2,408":751,"2,409":752,"2,410":753,"2,411":754,"2,412":755,"2,413":756,"2,414":757,"2,415":758,"2,416":759,"2,417":760,"2,418":761,"2,419":762,"2,420":763,"2,421":764,"2,469":765,"2,470":766,"2,471":767,"2,472":768,"2,473":769,"2,474":770,"2,475":771,"2,476":772,"2,477":773,"2,478":774},"ٜ":{"1":[5,352],"2":[5,478]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3,4,5,6],"4":[7,8],"5":[9],"6":[10,11],"8":[12],"9":[13,14],"12":[15],"13":[16],"14":[17],"16":[18],"17":[19,20],"18":[21],"20":[22],"23":[23,24],"24":[25],"25":[26],"26":[27],"28":[28],"30":[29],"31":[30],"32":[31],"34":[32],"35":[33,34],"37":[35],"38":[36],"40":[37,38],"42":[39],"43":[40,41],"44":[42],"47":[43],"51":[44],"54":[45],"57":[46,47],"63":[48],"65":[49],"68":[50],"69":[51],"70":[52],"71":[53],"73":[54],"75":[55],"76":[56],"79":[57],"80":[58],"81":[59],"84":[60],"85":[61],"86":[62,63],"87":[64,65],"88":[66,67],"89":[68],"99":[69,70],"100":[71],"102":[72],"103":[73],"104":[74,75],"108":[76],"110":[77,78],"112":[79,80],"113":[81],"114":[82],"116":[83],"119":[84,85],"120":[86],"121":[87],"122":[88],"123":[89],"124":[90],"125":[91],"126":[92],"128":[93],"129":[94],"130":[95],"131":[96],"133":[97],"135":[98],"136":[99],"141":[100,101],"142":[102,103],"145":[104,105],"146":[106],"147":[107],"148":[108],"149":[109,110],"150":[111],"152":[112],"153":[113,114],"156":[115,116],"157":[117],"159":[118],"160":[119],"161":[120,121],"162":[122],"163":[123,124],"164":[125],"166":[126],"171":[127,128,129],"172":[130,131,132],"174":[133,134],"178":[135],"179":[136],"181":[137],"182":[138],"183":[139,140],"184":[141],"186":[142],"187":[143],"188":[144,145],"192":[146],"193":[147,148],"195":[149],"199":[150],"200":[151],"205":[152,153],"206":[154],"207":[155],"208":[156],"209":[157],"212":[158],"213":[159],"214":[160],"215":[161,162],"218":[163],"219":[164],"221":[165],"223":[166],"227":[167],"228":[168],"231":[169],"234":[170],"235":[171],"236":[172],"237":[173],"238":[174],"239":[175,176,177],"265":[178],"271":[179],"272":[180],"275":[181,182],"277":[183],"278":[184],"279":[185],"280":[186],"281":[187],"282":[188],"284":[189,190],"285":[191],"289":[192],"292":[193],"293":[194],"294":[195],"297":[196],"299":[197,198],"301":[199],"303":[200],"305":[201],"306":[202],"308":[203],"310":[204],"314":[205,206,207],"315":[208],"316":[209,210],"318":[211],"321":[212,213],"322":[214,215],"323":[216],"326":[217],"327":[218],"328":[219],"332":[220],"333":[221,222,223],"335":[224],"336":[225],"338":[226,227,228],"339":[229],"340":[230],"342":[231],"343":[232,233],"344":[234],"345":[235],"346":[236,237],"348":[238,239],"349":[240],"350":[241],"351":[242],"352":[243],"353":[244],"354":[245],"355":[246],"357":[247],"358":[248],"359":[249,250],"362":[251,252],"363":[253],"368":[254],"372":[255],"373":[256],"376":[257],"377":[258,259],"378":[260,261],"379":[262,263],"380":[264],"381":[265],"382":[266],"383":[267,268],"385":[269],"386":[270],"388":[271],"392":[272,273],"393":[274],"395":[275],"396":[276],"397":[277,278],"401":[279,280],"402":[281,282],"404":[283,284],"405":[285],"406":[286],"408":[287],"411":[288,289],"414":[290],"415":[291,292],"416":[293],"417":[294,295,296,297],"418":[298,299],"419":[300,301],"420":[302],"421":[303,304],"423":[305,306],"424":[307,308],"425":[309],"426":[310],"427":[311,312],"428":[313],"430":[314],"432":[315,316],"434":[317],"436":[318],"437":[319,320],"439":[321],"440":[322],"441":[323,324],"442":[325],"443":[326],"444":[327],"447":[328,329],"448":[330],"450":[331],"451":[332],"452":[333],"453":[334],"458":[335],"460":[336],"461":[337],"463":[338],"464":[339,340],"466":[341,342],"468":[343,344],"470":[345],"471":[346],"476":[347],"477":[348],"478":[349],"479":[350,351],"481":[352],"482":[353],"483":[354],"486":[355],"488":[356],"489":[357,358],"490":[359,360],"491":[361],"492":[362],"494":[363,364],"495":[365],"499":[366,367],"501":[368],"503":[369],"504":[370,371],"505":[372],"509":[373],"510":[374],"511":[375,376],"512":[377,378],"515":[379,380],"516":[381,382],"518":[383,384],"520":[385],"521":[386],"522":[387,388],"524":[389,390],"526":[391,392],"528":[393,394],"530":[395,396],"532":[397],"533":[398],"535":[399],"538":[400],"539":[401],"540":[402],"542":[403,404],"543":[405,406],"545":[407],"546":[408],"547":[409],"548":[410],"549":[411],"550":[412],"551":[413,414],"553":[415],"554":[416,417],"555":[418,419],"556":[420,421],"557":[422],"558":[423],"569":[424],"576":[425,426],"578":[427],"579":[428],"580":[429,430],"581":[431,432,433],"582":[434],"583":[435],"586":[436,437],"590":[438],"591":[439,440],"592":[441],"599":[442],"604":[443],"605":[444,445],"606":[446],"607":[447],"608":[448],"609":[449],"610":[450],"612":[451],"613":[452,453],"615":[454],"616":[455],"617":[456],"619":[457],"620":[458,459],"627":[460],"629":[461,462],"631":[463],"632":[464,465],"633":[466],"634":[467],"635":[468,469],"637":[470],"639":[471],"640":[472],"642":[473,474],"643":[475],"645":[476],"647":[477],"648":[478],"649":[479],"650":[480],"651":[481],"653":[482],"655":[483],"656":[484,485],"658":[486,487],"661":[488],"662":[489,490],"664":[491,492],"666":[493,494],"671":[495,496],"672":[497],"673":[498],"674":[499],"676":[500],"678":[501],"680":[502],"681":[503,504],"682":[505],"683":[506,507],"685":[508],"688":[509],"689":[510],"691":[511],"693":[512],"694":[513,514],"695":[515,516],"696":[517,518],"698":[519],"700":[520,521],"701":[522],"703":[523],"704":[524,525],"705":[526,527],"707":[528,529],"709":[530],"712":[531,532],"713":[533],"718":[534],"720":[535],"721":[536,537],"722":[538],"723":[539],"731":[540],"732":[541],"733":[542],"736":[543],"739":[544],"740":[545],"741":[546,547,548],"744":[549],"745":[550],"750":[551],"751":[552],"755":[553],"757":[554],"758":[555],"759":[556],"760":[557],"761":[558,559],"762":[560],"763":[561],"765":[562,563],"766":[564,565],"767":[566,567,568,569],"768":[570,571,572],"769":[573],"770":[574,575],"771":[576,577,578,579],"772":[580,581],"773":[582]},"ٟ":[1,2,3,4,765,766,767,768,769,770,771,772,773,774]},"pages":[{"text":"﷽\nوبه نستعين\n\n<span data-type='title' id=toc-1>مقدّمة المحقق</span>\nالحمد لله الذي أيقظ من شاء من سنة الغفلة، ورفع من أحبّ لقاءه إلى عليّين، ووضع عنه أوزاره وثقله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة عليها من رداء الإخلاص حلّة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ المبعوث بأشرف ملّة، المخصوص بأكرم خلّة، ﷺ وعلى آله وأصحابه السّادة الأجلّة (^١).\nأما بعد؛ فهذا كتاب «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» للإمام أبي عبد الله القرطبي ﵀ نقدّمه للقراء الكرام في حلّة قشيبة، وعمل - أرجو من الله أن يتقبّله، وأن يلقى القبول عند أهل العلم، وعامة الناس.\nوتمثّل هذا العمل فيما يلي:\n١ - العناية بنص الكتاب وضبطه، وذلك بالرجوع إلى النسخ المطبوعة، ومقارنتها ببعض، والرجوع إلى المصادر والإحالات التي يحيل عليها المصنف.\nوالطبعات التي اعتمدت عليها هي:\nأولا: طبعة حجازي السقا، ولعلها من أوائل طبعات هذا الكتاب، وهي طبعة رديئة للغاية ففيها تصحيف في الآيات، والأحاديث، وأسماء الرجال، وسقط كثير، إلى غير ذلك مما تراه واضحا خلال المقارنة.\nثانيا: طبعة دار البخاري ببريدة سنة ١٤١٧، خرّج أحاديثها؛ محمود بن منصور البسطويسي، وهي عين الطبعة التي سبقتها تماما، غير أنها اختلفت عنها بتخريج الأحاديث وبيان صحّتها من ضعفها، والتعليقات على بعض المسائل العقدية.\n_________\n(^١) من مقدمة السيوطي ل «شرح الصدور».","vol":"1","page":5},{"text":"ثالثا: طبعة دار ابن كثير - بدمشق - بتحقيق: يوسف بديوي، وهي طبعة جيدة، اعتمد فيها محققها على ثلاث نسخ خطية، غير أنها شابها بعض السقط، وبعض الأخطاء المطبعية، وعدم بيان درجة الأحاديث فيها.\n٢ - خرجت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وكذا الآثار الواردة.\nوطريقتي في تخريج الأحاديث؛ الاقتصار على ذكر من خرّج له المصنف دون توسع، فإن كان الحديث في «الصحيحين» اكتفيت بهذا، وأذكر موضعا واحدا له إذا كان في «صحيح البخاري» ولا أذكر المواضع كلها من الصحيح.\nأما إذا كان الحديث خارج الصحيحين خرّجته على حسب ذكر المصنف لمخرّجه.\nفمثلا: قد يقول المصنف: «أخرجه ابن ماجه»، فأقتصر على هذا، مع العلم أن الحديث قد يكون في باقي السنن.\nثم أتبع ذلك بذكر درجة الحديث، وأغلبها أحكام محدّث العصر وإمام أهل الحديث؛ العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.\n٣ - علّقت على بعض المواضع التي زلّ فيها المصنف ﵀ خاصة فيما يتعلق بمسائل الصّفات، فإن المصنف أشعري، وهو مؤوّل للصفات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n٤ - صنعت فهارس علمية للكتاب.\nومما يؤخذ على المصنف في هذا الكتاب، تأويله لبعض الصفات، وكثرة الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي يذكرها، واعتماده على القصص والحكايات والمنامات.\nأسأل الله تعالى أن ينفع القارئ بهذا الكتاب، وأن يرحم مصنّفه ويتجاوز عن زلاّته، وأن يكتب لمحقّقه السّداد والتوفيق، وأن يغفر له زلاّته وعثراته، وأن يحسن ختامنا على خير، والحمد لله رب العالمين.\nكتبه أبو عبد الله العامليّ السلفي الدّاني بن منير آل زهوي في: الجيّة، منطقة جبل لبنان الموافق للرابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة، لعام إحدى وعشرين وأربعمائة وألف","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>ترجمة موجزة للمصنف</span>\n<span data-type='title' id=toc-3>اسمه ونسبه:</span>\nهو: شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي الأندلسي المالكي؛ أبو عبد الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-4>نشأته:</span>\nدرس الإمام القرطبي العلوم القرآنية والعربية، وتتلمذ في قرطبة على يد علماء في الفقه والحديث والتفسير، وبرع في التفسير وعلا شأنه فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>أقوال العلماء فيه:</span>\nقال ابن فرحون: «كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجّه وعبادة وتصنيف».\nوقال الذهبي: «إمام متقن متبحّر في العلم له تصانيف مفيدة تدل على إمامته وكثرة اطّلاعه ووفور فضله».\nوقال أيضا: «رحل وكتب وسمع، وكان يقظا فهما، حسن الحفظ، مليح النظم، حسن المذاكرة، ثقة حافظا».\nوقال ابن العماد: «كان إماما علما، من الغوّاصين على معاني الحديث، حسن التصنيف، جيّد النقل».\n\n<span data-type='title' id=toc-6>مصنفاته:</span>\nللإمام القرطبي مصنفات كثيرة أهمها:\n١ - «جامع أحكام القرآن، والمبيّن لما تضمّن من السنة وآي القرآن». وقد طبع الكتاب في مصر، وفي بيروت.\n٢ - «التذكار في أفضل الأذكار» وهو مطبوع.\n٤ - «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، وهو مطبوع.","vol":"1","page":7},{"text":"٤ - «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة»، وهو كتابنا هذا.\n٥ - «قمع الحرص بالزهد والقناعة وردّ ذل السؤال بالكتب والشفاعة».\nوغيرها مما لا يزال مخطوطا.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>وفاته:</span>\nتوفي القرطبي في منية بني الخصيب، من الصعيد الأدنى بمصر، ليلة الاثنين، في التاسع من شوال سنة ستمائة وإحدى وسبعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>مصادر الترجمة:</span>\n«الديباج المذهب» لابن فرحون (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩) و«شذرات الذهب» لابن العماد (٧/ ٥٨٤، ٥٨٥) - دار ابن كثير - و«نفح الطيب» للمقري (٧/ ٢٢١ - ٢٢٤) و«الوافي بالوفيات» للصفدي (٢/ ١٢٢، ١٢٣) و«طبقات المفسرين» للداودي (٦٥/ ٢، ٦٦) و«كشف الظنون» لحاجي خليفة (١/ ٣٨٣، ٣٩٠) و«إيضاح المكنون» للبغدادي (١/ ٨١ و٢/ ٢٤١) و«معجم المؤلفين» لكحالة (٣/ ٥٢) - الرسالة - و«الأعلام» للزركلي (٥/ ٣٢٢).","vol":"1","page":8},{"text":"﷽\nوبه نستعين على القوم الكافرين\n\nيقول العبد الفقير إلى ربه، المتنصل من ذنبه، الراجي رحمة ربه؛ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي. غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين أمين.\nالحمد لله العليّ الأعلى، الوليّ المولى، الذي خلق فأحيا، وحكم على خلقه بالموت والفناء، والبعث إلى دار الجزاء، والفصل والقضاء «لتجزى كلّ نفس بما تسعى». كما قال في كتابه جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى * جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ [طه: ٧٤ - ٧٦].\nوبعد: فإني رأيت أن أكتب كتابا وجيزا، يكون تذكرة لنفسي، وعملا صالحا بعد موتي، في ذكر الموت، وأحوال الموتى، وذكر الحشر والنشر، والجنة والنار، والفتن والأشراط، نقلته من كتب الأئمة، وثقات أعلام هذه الأمة، حسب ما رويته أو رأيته. وسترى ذلك منسوبا مبيّنا، إن شاء الله تعالى. وسمّيته: «كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». وبوّبته بابا بابا، وجعلت عقب كل باب فصلا أو فصولا، أذكر فيه ما يحتاج إليه، من بيان غريب، أو فقه في حديث، أو إيضاح مشكل، لتكمل فائدته، وتعظم منفعته؛ إذ التفقّه في حديث رسول الله ﷺ هو المعنى المقصود، والرأي المحمود، والعمل الموجود في المقام المحمود واليوم المشهود. جعله الله خالصا لوجهه، ومقرّبا من رحمته، بمنّه وكرمه، لا ربّ سواه ولا معبود إلا هو سبحانه.\n***","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>١ - باب النهي عن تمنّي الموت والدعاء به لضرّ نزل في المال والجسد</span>\nروى مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ متمنّيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي» أخرجه البخاري (^١). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتمنينّ أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه؛ إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا» (^٢).\nوقال البخاري: «لا يتمنينّ أحدكم الموت؛ إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب» (^٣).\n(البزّار) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تمنّوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>فصل</span>\nقال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع\n_________\n(^١) في «صحيحه» برقم (٥٦٧١، ٦٣٥١، ٧٢٣٣) ومسلم (٢٦٨٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٣٥).\n(^٤) أخرجه أحمد في «المسند» (٣/ ٣٣٢) وفي «الزهد» (٢٩) وعبد بن حميد (١١٥٥) والبزار (٣٢٤٠/ ٤/٧٨) والبيهقي في «الآداب» (٩٩٦) وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٠٨٩). من طريق: كثير بن زيد، حدثني الحارث بن يزيد، وقال أبو أحمد: عن الحارث بن أبي يزيد، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكره مرفوعا.\nورواه بعضهم عن كثير بن زيد، عن سلمة بن أبي يزيد، قال سمعت جابرا.\nوهذا إسناد ضعيف؛ الحارث لم يوثقه غير ابن حبان، وقد اضطرب في اسمه كما ترى، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٨٥): «وسلمة لا يصح هاهنا».\nوكثير بن زيد؛ «صدوق يخطئ» كما في «التقريب».\nوالحديث ضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» رقم (٨٨٥).","vol":"1","page":11},{"text":"تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدّل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب، وقد سمّاه الله تعالى مصيبة، في قوله: ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. فالموت هو المصيبة العظمى، والرزيّة الكبرى، قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكّر، وفي خبر يروى عن النبي ﷺ: «لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا» (^١).\nويروى أن أعرابيّا كان يسير على جمل له، فخرّ الجمل ميتا، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكّر فيه ويقول: ما لك لا تقوم؟ ما لك لا تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة! ما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ ما الذي صرعك؟ ما الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف متفكّرا في شأنه، متعجبا من أمره.\nوأنشدوا في بعض الشجعان مات حتف أنفه:\nجاءته من قبل المنون إشارة … فهوى صريعا لليدين وللفم\nورمى بمحكم درعه وبرمحه … وامتدّ ملقى كالفتيق الأعظم\nلا يستجيب لصارخ إن يدعه … أبدا ولا يرجى لخطب معظم\nذهبت بسالته ومرّ غرامه … لما رأى حبل المنيّة يرتمي\nيا ويحه من فارس ما باله … ذهبت مروّته ولما يكلم\nهذي يداه وهذه أعضاؤه … ما منه من عضو غدا بمثلم\nهيهات ما حبل الردى محتاجة … للمشرفيّ ولا اللسان اللهذم\n_________\n(^١) أخرجه وكيع بن الجراح في «الزهد» (٢٨٥/ ٦٣/١) من طريق: خالد بن طهمان؛ أبو العلاء، عن عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره.\nوإسناده ضعيف لإرساله، وعبد الملك بن عمير؛ ثقة، لكنه تغير حفظه، وربما دلّس.\nوأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (زيادات نعيم بن حماد) رقم (١٥٢) عن الحسن بن صالح بلاغا.\nوأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣٥٣/ ١٠٥٥٧/٧) والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٤٣٤) من طريق: محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن أم حبيبة الجهنية، قالت: فذكرته مرفوعا.\nوإسناده ضعيف جدا؛ محمد بن إسماعيل الجعفري؛ متروك، وعبد الله بن مسلمة؛ منكر الحديث.\nوقال العلاّمة الألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (٤٨١٣): «ضعيف جدا».","vol":"1","page":12},{"text":"هي ويحكم أمر الإله وحكمه … والله يقضي بالقضاء المحكم\nيا حسرتا لو كان يقدر قدرها … ومصيبة عظمت ولمّا تعظم\nخبر علمنا كلنا بمكانه … وكأننا في حالنا لم نعلم\nوروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول»: حدثنا قتيبة بن سعيد والخصيب بن سالم، عن عبد العزيز الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: مات ابن لآدم ﵇ فقال: يا حوّاء قد مات ابنك. فقالت: وما الموت؟ قال: لا يأكل ولا يشرب، ولا يقوم ولا يقعد، فرنّت. فقال آدم ﵇: عليك الرنة وعلى بناتك، أنا وبنيّ منها برآء.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>فصل</span>\nقوله: «فلعله أن يستعتب». الاستعتاب: طلب العتبى، وهو الرضى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب. قال الجوهري: استعتب: طلب أن يعتب، تقول: استعتبته فأعتبني؛ أي: استرضيته فأرضاني (^١). وفي التنزيل في حق الكافرين: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصّلت: ٢٤].\nوروي عن سهل بن عبد الله التّستري (^٢) أنه قال: «لا يتمنى الموت إلا ثلاثة:\nرجل جاهل بما بعد الموت، ورجل يفرّ من أقدار الله تعالى عليه، أو مشتاق محب للقاء الله ﷿».\nوروي أن ملك الموت ﵇ جاء إلى إبراهيم ﵇ خليل الرحمن ﷿ ليقبض روحه، فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت خليلا يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت ﵇ إلى ربه فقال: قل له: هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟ فرجع، فقال: اقبض روحي الساعة.\n_________\n(^١) انظر «لسان العرب» (٩/ ٣٠).\n(^٢) هو: سهل بن عبد الله بن يونس؛ أبو محمد التّستري، الصوفي الزاهد.\nمن أقواله: «من أراد أن يسلم من الغيبة فليسدّ على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن سلم من التجسّس، ومن سلم من التجسّس سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور، ومن سلم من الزور سلم من البهتان».\nوقال: «الفتن ثلاثة؛ فتنة العامة من إضاعة العلم، وفتنة الخاصة من الرخص والتأويلات، وفتنة أهل المعرفة أن يلزمهم حق في وقت فيؤخروه إلى وقت ثان».\nتوفي سهل سنة (٢٨٣).\nانظر: «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٣٣٠) و«شذرات الذهب» (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٤) و«حلية الأولياء» (١٠/ ١٨٩) و«النجوم الزاهرة» (٣/ ٩٨).","vol":"1","page":13},{"text":"وقال أبو الدرداء ﵁: ما من مؤمن إلا والموت خير له، فمن لم يصدّقني فإن الله تعالى يقول: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقال حيان بن الأسود: «الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-13>٢ - باب جواز تمنّي الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين</span>\nقال الله ﷿ مخبرا عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ الآية [يوسف: ١٠١] وعن مريم ﵍ في قولها: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣].\n(مالك) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:\n«لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>فصل</span>\nقلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبينه.\nأما يوسف ﵇؛ فقال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد؛ نبي ولا غيره، إلا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه ﷿ فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]، فاشتاق إلى لقاء ربه ﷿. وقيل: إن يوسف ﵇ لم يتمن الموت، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام. أي: إذا جاء أجلي توفني مسلما.\nوهذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل، والله أعلم (^٢).\nوأما مريم ﵍ فإنما تمنّت الموت لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها وتعيّر، فيفتنها ذلك. الثاني: لئلاّ يقع قوم بسببها في\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٧/ ٥٢/١) كتاب الجنائز - والبخاري (٧١١٥) ومسلم (٢٩٠٧).\n(^٢) انظر في ذلك: «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (٩/ ٢٦٩) و«تفسير القرآن العظيم» للحافظ ابن كثير (٢/ ٦٣٩).","vol":"1","page":14},{"text":"البهتان والزور والنسبة إلى الزنا، وذلك مهلك لهم. والله أعلم.\nوقد قال الله ﷿ في حقّ من افترى على عائشة ﵂: ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] وقال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وقد اختلف في مريم ﵍؛ هل هي صدّيقة لقوله تعالى:\n﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] أو نبيّة لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] الآية (^١). وعليه فيكون الافتراء عليها أعظم والبهتان في حقها أشد، وفيه يكون الهلاك حقّا. فعلى هذا الحد الذي ذكرناه من التأويلين يكون تمني الموت في حقها جائزا، والله أعلم.\nوأما الحديث؛ فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدّة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه وخوف ذهابه، لا لضرّ ينزل بالمرء في جسمه، أو غير ذلك، من ذهاب ماله مما يحط به عنه خطاياه. ومما يوضح هذا المعنى ويبينه قوله ﵇: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بالناس - ويروى أدرت - في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» رواه مالك (^٢).\n_________\n(^١) والاختلاف الذي ذكره المصنف ﵀ حول نبوة مريم ﵍؛ كثر فيه كلام أهل العلم، وقد نصر المصنف وكذا شيخه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي القول الذي يقول بأن مريم بنت عمران نبيّة، صرّح المصنف بذلك في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ٨٣ - ٨٤) وبه قال شيخه أبو العباس من قبله كما في «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (٣٣٢/ ٦)، ونصر هذا المذهب ابن حزم كما في «الفصل في الملل والنحل» وأبو الحسن الأشعري، ويبدو من كلام الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥١٥ - ٥١٦، ٥٤٦) نصرته لهذا المذهب.\nوالذي عليه جمهور العلماء خلاف هذا القول؛ قال الحافظ النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم» (١٥/ ١٩٨ - ١٩٩): «والجمهور على أنهما ليستا - أي مريم وآسية امرأة فرعون - نبيتين، بل هما صديقتان ووليتان من أولياء الله تعالى» ثم قال بعد أن نقل قول القاضي عياض: «وهذا الذي نقله من القول بنبوتهما غريب ضعيف، وقد نقل جماعة الإجماع على عدمها، والله أعلم»، وانظر «الأذكار» له ص ١٧٨.\nوذكر شيخ الإسلام عن الباقلاني والقاضي أبي يعلى والجويني، الإجماع على عدم نبوة النساء. «مجموعة الفتاوى» - الطبعة الجديدة - (٤/ ٢٤٢ و١١/ ١٩٩ و١٨/ ١٥٠) وغيرها، وانظر «تفسير ابن كثير» (٢/ ١١٣).\n(^٢) في «الموطأ» بلاغا (١٤٢/ ٤٠/١) ١٥ - كتاب القرآن، (٩) - باب العمل في الدعاء. وأخرجه أحمد (١/ ٣٦٨) والترمذي (٣٢٣٣) وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (٦٨٢).\nمن طريق: عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس؛ ضمن حديث طويل. -","vol":"1","page":15},{"text":"ومثل هذا قول عمر ﵁: «اللهم قد ضعفت قوتي، وكبرت سنّي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مقصّر» فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض ﵀، رواه مالك أيضا (^١).\nوذكر أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» و«الاستذكار» من حديث زاذان أبي عمر، عن عليم الكندي قال: كنت جالسا مع أبي العباس الغفاري (^٢) على سطح، فرأى ناسا يتحملون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني إليك (يقولها ثلاثا)، فقال عليم: لم تقول هذا؟! ألم يقل رسول الله ﷺ: «لا يتمنينّ أحدكم الموت فإنه عند ذلك انقطاع عمله ولا يرد فيستعتب». فقال عبس: أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بادروا بالموت ستّا: إمرة السفهاء، وكثرة الشّرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشئا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليغنّيهم بالقرآن وإن كان أقلّهم فقها» (^٣). وسيأتي لهذا مزيد بيان في الفتن - إن شاء الله تعالى.\n_________\n= - وإسناده صحيح، صحّحه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٠٢) وقال: «وسنده صحيح، وقد تكلّمت عليه في أول «الجنائز» من «إرواء الغليل» وقد كنت ذهبت في بعض التعليقات إلى تضعيف الحديث؛ فقد رجعت عنه …».\nوانظر «إرواء الغليل» (١٤٧/ ٦٨٤/٣).\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٣) والترمذي (٣٢٣٥) من طريق: جهضم بن عبد الله اليمامي، حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا زيد بن أبي سلام، أنه حدّثه عبد الرحمن بن عياش الحضرمي، عن مالك بن يخامر؛ أن معاذ بن جبل قال: فذكر حديثا طويلا وفيه هذا الدعاء.\nوإسناده ضعيف، جهضم بن عبد الله اليمامي؛ «صدوق يكثر عن المجاهيل»، «تقريب» (٩٨٢). وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٢٣٣) من حديث معاذ.\nلكن يشهد له حديث ابن عباس كما تقدّم، فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٢٦٨) -٤١ - كتاب الحدود، رقم (١٠). من طريق: يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه سمعه يقول: فذكر خبرا وفيه هذا الدعاء.\nوقال ابن عبد البر: «هذا حديث مسند صحيح». ثم ذكر بعد ذلك الخلاف حول سماع سعيد بن المسيّب من عمر، ورجّح سماعه، وهو الحقّ إن شاء الله تعالى في هذه المسألة حيث ذكر الحافظ ابن حجر سندا صحيحا بسماع سعيد من عمر؛ بيّنت ذلك في تخريج كتاب «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي، بجمع أقوال أهل العلم حول هذه المسألة.\n(^٢) كذا والصواب: «مع عبس الغفاري».\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤) والطيراني في «المعجم الكبير» (١٨ /رقم: ٦١) وابن عبد البر في التمهيد، (١٨/ ١٤٧) و«الاستذكار» (٢١٠/ ١٢١٥٤/٨) من طريق شريك، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليم به.\nوإسناده ضعيف؛ شريك بن عبد الله، ضعيف، وكذا أبو اليقظان؛ وهو عثمان بن عمير؛ «ضعيف، واختلط، وكان يدلّس».\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨ /رقم: ٥٨، ٥٩، ٦٠) والبزار (٢٤١/ ١٦١٠/٢) - كشف -","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>٣ - باب ذكر الموت وفضله والاستعداد له</span>\n(النسائي) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا ذكر هاذم اللّذات»، يعني الموت. وأخرجه ابن ماجه والترمذي أيضا (^١). وخرّجه أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد بن المسيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» قلنا يا رسول الله: وما هاذم اللذات؟ قال: «الموت» (^٢).\n(ابن ماجه) عن ابن عمر أنه قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ فجاء رجل من الأنصار فسلّم على النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا». قال: فأيّ المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس» أخرجه مالك أيضا (^٣). وسيأتي في الفتن، إن شاء الله تعالى.\n(الترمذي) عن شدّاد بن أوس قال: قال النبيّ ﷺ: «الكيّس من دان نفسه،\n_________\n= - الأستار - من طريق: ليث بن أبي سليم، عن أبي اليقظان به.\nوليث بن أبي سليم: «ضعيف».\nوأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٨ /رقم: ٥٧) وفي «المعجم الأوسط» (٨/ ٣١٣ / ٨٧٣٦) من طريق: يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عابس الغفاري به.\nوإسناده ضعيف.\nوللحديث شواهد أخرى يصحّ بها، لذا صحّحه الألباني في «الصحيحة» رقم (٩٧٩).\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣) والنسائي (٤/ ٤) والترمذي (٢٣٠٧) وابن ماجه (٤٢٥٨) والحاكم (٢/ ٣٢١) وابن حبان (٧/ ٢٥٩ - ٢٦١/ ٢٩٩٢ - ٢٩٩٥) ونعيم بن حماد في زيادات «الزهد» لابن المبارك (١٤٦) والقضاعي في «مسند الشهاب» (٦٦٨، ٦٦٩، ٦٧٠) والخطيب في «تاريخه» (١/ ٣٨٤ و٩/ ٤٧٠).\nمن طرق؛ عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوالحديث صحّحه الألباني في «إرواء الغليل» (١٤٥/ ٦٨٢/٣).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٣٥٥) من طريق: عبد الملك بن يزيد، حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد به.\nقال الألباني في «إرواء الغليل» (٣/ ١٤٦): «ورجاله ثقات، غير عبد الملك بن يزيد؛ قال الذهبي: «لا يدرى من هو».\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٩) والحاكم (٤/ ٥٤٠)، وهو في «الصحيحة» (١٣٨٤).","vol":"1","page":17},{"text":"وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله» (^١).\nوروي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا ذكر الموت، فإنه يمحّص الذنوب، ويزهد في الدنيا» (^٢). وروي عنه ﵇ أنه قال: «كفى بالموت واعظا وكفى بالموت مفرقا» (^٣). وقيل له: يا رسول الله! هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: «نعم؛ من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة» (^٤). وقال السّدّيّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] أي أكثركم للموت ذكرا، وله أحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: قوله ﵇: «أكثروا ذكر هاذم اللذات؛ الموت» كلام مختصر وجيز، قد جمع التذكرة، وأبلغ في الموعظة، فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره؛ نغّص عليه لذّته الحاضرة، ومنعه من تمنّيها في المستقبل،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤) والترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) والحاكم (١/ ٥٧ و٤/ ٣٢٥) والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٨٤/ ٧١٤٣/٧) وفي «مسند الشاميين» (٤١٣، ١٤٨٥) والبيهقي في «السنن» (٣/ ٣٦٩) وفي «شعب الإيمان» (٣٥٠/ ١٠٥٤٦/٧) وفي «الآداب» (٩٩١) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٦٧).\nمن طريق: أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن شدّاد بن أوس مرفوعا.\nقال الترمذي: «حديث حسن»!\nوقال الحاكم: «على شرط البخاري»!!\nفتعقّبه الذهبي بقوله: «لا والله؛ أبو بكر واه».\nوأبو بكر؛ هو: ابن أبي مريم؛ «ضعيف».\nوالحديث ضعّف إسناده الشيخ الألباني ﵀ في تحقيقه على «المشكاة» (٥٢٨٩).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥٢) والخطيب في «تاريخه» (١٢/ ٧٢ - ٧٣)، وصحّح إسناده الألباني في «إرواء الغليل» (٣/ ١٤٦).\n(^٣) أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (٥١٢/ ٩٩٢/٢) ومن طريقه القضاعي في «مسند الشهاب» (١٤١٠) من طريق: أنيس؛ أبو عمر المستملي، حدثنا داود بن رشيد، نا الربيع بن بدر، عن يونس، عن الحسن، عن عمار بن ياسر ﵁ قال: فذكره مرفوعا.\nوإسناده ضعيف جدا؛ الربيع بن بدر «متروك».\nولكنه صحّ موقوفا من قول عمار ﵁ عند أحمد في «الزهد» (١٧٦)، وكذا من قول ابن مسعود عند ابن المبارك في زوائد نعيم بن حماد على كتاب «الزهد» رقم (١٤٨)، وانظر «السلسلة الضعيفة» (٥٠٢).\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (١٨/ ٢٠٧).","vol":"1","page":18},{"text":"وزهّده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعّاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله ﵊: «أكثروا ذكر هاذم اللذات» مع قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ما يكفي السامع له، ويشغل الناظر فيه. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات:\nلا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويؤدي المال والولد\nلم تغن عن هرمز يوما خزائنه … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا\nولا سليمان إذ تجري الرياح له … والإنس والجن فيما بينها ترد\nأين الملوك التي كانت لعزّتها … من كلّ أوب إليها وافد يفد؟\nحوض هنالك مورود بلا كذب … لا بدّ من ورده يوما كما وردوا\n\n<span data-type='title' id=toc-17>فصل</span>\nإذا ثبت ما ذكرناه؛ فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجّه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية؛ ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسعة فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها، والسكون إليها، لقطعه عنها. ولقد أحسن من قال:\nاذكر الموت هاذم اللذات … وتجهّز لمصرع سوف يأتي\nوقال غيره:\nواذكر الموت تجد راحة … في ادكار الموت تقصير الأمل\nوأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلومة، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم. وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعدّا لذلك.\nوكان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل، الرحيل. فلما توفّي فقد صوته أمير المدينة فسأل عنه، فقيل: إنه قد مات، فقال:\nما زال يلهج بالرحيل وذكره … حتى أناخ ببابه الجمّال\nفأصابه متيقظا متشمرا … ذا أهبة لم تلهه الآمال\nوكان يزيد الرّقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد، من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضّى عنك ربك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من الموت موعده، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع","vol":"1","page":19},{"text":"الأكبر، كيف يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيّا عليه (^١). وقال التيمي (^٢):\nشيئان قطعا عني لذة الدنيا؛ ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى. وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.\nوقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما، فإن سئل عن شيء قال: لا أدري لا أدري. وقال: أسباط: ذكر عند النبيّ ﷺ رجل، فأثني عليه، فقال ﵇: «كيف ذكره للموت؟» فلم يذكر ذلك عنه. فقال: «ما هو كما تقولون» (^٣).\nوقال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة. فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مقرحا للقلوب، ومبكيا للعيون، ومفرقا للجماعات، وهادما للّذات، وقاطعا للأمنيات، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان؛ ليس لك والله من مال إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ فهل أنقذك من الأهوال؟ كلا بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك. ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى:\n﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾؛ أن النصيب: الكفن فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧] أي: اطلب فيما\n_________\n(^١) انظر: «صفوة الصفوة» لابن الجوزي (٣/ ٢٠٦).\n(^٢) هو: إبراهيم بن يزيد بن شريك التّيمي، أحد الزهّاد الصالحين، قتله الحجاج سنة اثنتين وتسعين.\nانظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٦٠) و«النجوم الزاهرة» (١/ ٢٢٥) و«صفة الصفوة» (٣/ ٦١ /ت: ٤١٣).\n(^٣) أخرجه البزار (٢٤٠/ ٣٦٢٢/٤) - كشف الأستار - من طريق: يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس مرفوعا.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٠٩): «رواه البزار، وفيه يوسف بن عطية، وهو متروك».\nوأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٦٥) وعنه أحمد في «الزهد» ص ٣٩٥ عن مالك بن مغول بلاغا.","vol":"1","page":20},{"text":"أعطاك الله من الدنيا، الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء والتجبر والبغي (^١)، فكأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر:\nنصيبك مما تجمع الدهر كلّه … رداءان تلوى فيهما وحنوط\nوقال آخر:\nهي القناعة لا تبغي بها بدلا … فيها النعيم وفيها راحة البدن\nانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن؟ (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-18>فصل</span>\nوقوله ﵊: «الكيّس من دان نفسه» دان: حاسب. وقيل:\nذل. قال أبو عبيد: دان نفسه: أي أذلها واستعبدها (^٣). يقال: دنته أدينه، إذا ذللته فيذل نفسه في عبادة الله ﷾ عملا يعده لما بعد الموت، ولقاء الله تعالى، وكذلك يحاسب نفسه على ما فرّط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره، بصالح عمله، والتنصل من سالف زلله، وذكر الله تعالى وطاعته في جميع أحواله، فهذا هو الزاد ليوم المعاد. والعاجز ضد الكيّس، والكيس: العاقل، والعاجز: المقصّر في الأمور، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه، متمنّ على الله أن يغفر له. وهذا هو الاغترار، فإن الله تعالى أمره ونهاه. وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني، حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي! وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قوله تعالى:\n﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].\nوقال سعيد بن جبير: «الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة».\nوقال بقية بن الوليد: كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه:\n«أما بعد فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك، وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدا باردا، والسلام». وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر «تفسير المصنف» (١٣/ ٣١٤).\n(^٢) قائل هذه الأبيات هو علي بن الحسين؛ الإمام زين العابدين ﵇.\n(^٣) انظر «لسان العرب» (٤/ ٤٦١) و«النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (٢/ ١٣٧) و«الغريبين» لأبي عبيد الهروي (٢/ ٦٦٦).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>٤ - باب ما يذكّر الموت والآخرة ويزهّد في الدنيا</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» (^١).\n(ابن ماجه) عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>فصل</span>\nزيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء (^٣)؛ أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك، وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا، إن شاء الله تعالى. وعلى هذا المعنى يكون قوله ﵊: «زوروا القبور» عامّا.\nوأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة، من اجتماع الرجال والنساء، فلا يجوز ولا يحل، فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس؛ فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا ليس مأجورا وهذا واضح. والله أعلم.\nوقد رأى بعض أهل العلم، أن لعن النبي ﷺ زوّارات القبور، كان قبل أن يرخص في زيارة القبور، فلما رخص؛ دخل في رخصته الرجال والنساء. وما ذكرناه لك أولا أصح - والله أعلم.\nوروي عن علي بن أبي طالب ﵁؛ أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال: «يا أهل القبور أخبرونا عنكم، أو نخبركم، أما خبر من قبلنا فالمال قد اقتسم، والنساء قد تزوّجن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، ثم قال: أما والله لو استطاعوا لقالوا: لم نر زادا خيرا من التقوى».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٧١) بسند ضعيف، لكن صحّ عند مسلم (٩٧٧) وغيره من حديث بريدة قوله ﵌: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» دون ذكر جملة «فإنها تزهّد في الدنيا».\n(^٣) والراجح أنه جائز لهن، وانظر «أحكام الجنائز» للألباني ص ٢٢٩ - ٢٣٧.","vol":"1","page":22},{"text":"ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:\nيا عجبا للناس لو فكّروا … أو حاسبوا أنفسهم أبصروا\nوعبروا الدنيا إلى غيرها … فإنما الدنيا لهم معبر\nلا فخر إلاّ فخر أهل التّقى … غدا إذا ضمهم المحشر\nليعلمنّ الناس أن التّقى … والبرّ كانا خير ما يدّخر\nعجبت للإنسان في فخره … وهو غدا في قبره يقبر\nما بال من أوّله نطفة … وجيفة آخره يفجر\nأصبح لا يملك تقديم ما … يرجو ولا تأخير ما يحذّر\nوأصبح الأمر إلى غيره … في كلّ ما يقضى وما يقدر\n\n<span data-type='title' id=toc-21>فصل</span>\nقال العلماء رحمة الله عليهم: ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور، وخاصة إن كانت قاسية، فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور:\nأحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير، والتخويف والترغيب، وأخبار الصالحين، فإن ذلك مما يلين القلوب وينجع فيها.\nالثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرّق الجماعات، وميتّم البنين والبنات، كما تقدم في الباب قبل.\nيروى أن امرأة شكت إلى عائشة ﵂ قساوة قلبها، فقالت لها:\n«أكثري من ذكر الموت يرقّ قلبك» ففعلت ذلك فرقّ قلبها. فجاءت تشكر عائشة ﵂.\nقال العلماء: تذكّر الموت يردع عن المعاصي، ويليّن القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهوّن المصائب فيها.\nالثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن في النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، ما يقطع عن النفوس لذّاتها، ويطرد عن القلوب مسرّاتها، ويمنع الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب.\nيروى أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه، وشدّة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم، فو الله لقد رأيت مصرعا لا أزال أعمل له حتى ألقاه.","vol":"1","page":23},{"text":"فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وإغوائه، فإن انتفع بها فذاك، وإن عظم عليه ران القلب، واستحكمت فيه دواعي الذنب، فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول، والثاني، والثالث. ولذلك قال ﵇: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت والآخرة، وتزهد في الدنيا»، فالأول: سماع بالأذن، والثاني: إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير في مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة، فلذلك كانا أبلغ من الأول والثاني. قال ﷺ: «ليس الخبر كالمعاينة» (^١) رواه ابن عباس ولم يروه أحد غيره. إلاّ أن الاعتبار بحال المحتضرين غير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور؛ فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر، فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها الطواف على الأجداث فقط، فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة، ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت مما يتلوه عنده من القرآن (^٢)، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ويجتنب المشي على المقابر، والجلوس عليها إذا دخل المقابر، ويخلع نعليه، - كما جاء في أحاديث - ويسلّم إذا دخل المقابر، ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» كذلك كان ﵊ يقول (^٣)، وكنّى بالدار عن عمارها وسكّانها، ولذلك خاطبهم بالكاف والميم، لأن العرب تعبّر بالمنزل عن أهله. وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلّم عليه أيضا فيقول: عليك السلام.\nروى الترمذي في «جامعه»: أن رجلا دخل على النبيّ ﷺ، فقال: عليك السلام، فقال ﷺ: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت» (^٤). وليأته\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢١٥، ٢٧١) والحاكم (٢/ ٣٢١) وغيرهما.\nوقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين». ووافقه الذهبي، وصحّح إسناده الألباني في تخريج أحاديث «شرح العقيدة الطحاوية» ص ٣٣٥ رقم (٤٠١).\n(^٢) الميت لا ينتفع بقراءة القرآن عنده، لأن محلّ هذا؛ التشريع، ولم يأت نص صحيح بذلك، بل لم يرد هذا الفعل عن نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه ولا عن أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة، وينظر في تفصيل المسألة: «حكم القراءة للأموات» لمحمد عبد السلام الشقيري، و«شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور» لعبد الله الحمادي ص ٥٠ وما بعدها.\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٧٥).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٢) وأبو داود (٥١٨٧) والترمذي (٢٧٢٢)، وهو حديث صحيح، انظر «السلسلة الصحيحة» رقم (١٤٠٣).","vol":"1","page":24},{"text":"من تلقاء وجهه في زيارته كمخاطبته حيّا، ولو خاطبه حيّا لكان الأدب استقباله بوجهه، فكذلك هاهنا. ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه، فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه، الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمّل بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريقهم وبلادهم.\nوليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمؤاتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم، وأنه لا بدّ صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما حوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه، وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمؤاتاة دهره وقد أبل التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآله كمآله. وعند هذا التذكّر والاعتبار، يزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>فصل</span>\nجاء في هذا الباب حديث يعارض حديث هذا الباب؛ وهو ما خرّجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب «السابق واللاحق» وأبو حفص عمر بن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» له في الحديث بإسناديهما عن عائشة ﵂ قالت: حج بنا رسول الله ﷺ حجّة الوداع فمر بي على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائه ﷺ، ثم إنه طفر - أي وثب - فنزل فقال:\n«يا حميراء استمسكي» فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عني طويلا مليا، ثم إنه عاد إليّ، وهو فرح متبسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائك يا رسول الله، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسم، فعن ماذا يا رسول الله؟ فقال: «مررت بقبر أمي آمنة، فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي - أو قال - فآمنت وردّها الله عزّ","vol":"1","page":25},{"text":"وجلّ» (^١) لفظ الخطيب. وقد ذكر السّهيلي في «الرّوض الأنف» (^٢) بإسناد فيه مجهولون: «أن الله تعالى أحيا له أباه وأمّه وآمنا به».\nقال الشيخ المؤلف ﵀: ولا تعارض والحمد لله؛ لأن إحياءهما متأخر عن النهي بالاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة ﵂، أن ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار (^٣). قلت: ويبيّنه حديث مسلم، عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: «في النار» فلما قفا دعاه قال: «إن أبي وأباك في النار» (^٤). وحديث سلمة بن يزيد الجعفي وفيه: فلما رأى ما دخل علينا قال: «وأمي مع أمّكما» (^٥). هذا إن صح إحياؤهما. وقد سمعت أن الله تعالى أحيا له عمه أبا طالب وآمن به (^٦)، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» رقم (٦٥٦) والخطيب البغدادي في «السابق واللاحق» ص ٣٧٧ - ٣٧٨ والجوزقاني في «الأباطيل والمناكير» (١/ ٢٢٢) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١١/ ٥٤٦/٢).\nوهو حديث موضوع كما أشار إلى ذلك ابن الجوزي، وابن عراق في «تنزيه الشريعة» (١/ ٣٣٢) وغيرهما.\n(^٢). (١/ ١٩٤).\n(^٣) قال العلامة علي بن سلطان محمد القاري في «أدلة معتقد أبي حنيفة في أبوي الرسول» ص ٩٠ - ٩١: «ولا يخفى وجه الغرابة - أي غرابة هذا القول الذي قاله القرطبي - فإن الحديث إذا كان ضعيفا باتفاق المحدّثين، وموضوعا عند المحقّقين، ومحققا للكتاب عند المفسّرين؛ كيف يصلح أن يكون معارضا لحديث مسلم في «الصحيح» ومناقضا لما سبق مما كاد أن يكون متواترا في التصريح؟! أو كيف يمكن أن يكون ناسخا، والنسخ لا يجوز في الأخبار عند علماء الأعلام، وإنما هو في مختصات الإنشاء والأحكام»؟!\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٠٣).\n(^٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٨) والنسائي في «الكبرى» (٦ /رقم: ١١٦٤٩) والطبراني في «الكبير» (٧ / رقم: ٦٣١٩، ٦٣٢٠). من طريق: داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي به، لكن ليس فيه هذا اللفظ.\nوإنما أخرجه بهذا اللفظ المذكور؛ أحمد في «المسند» (١/ ٣٩٨) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٠ /رقم: ١٠٠١٧) والبزار (١٧٥/ ٢٤٧٨/٤) - كشف - من طريق: سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم البناني، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود به مرفوعا، وفيه قصة ابني مليكة.\nوإسناده ضعيف لأجل عثمان بن عمير؛ وهو: «ضعيف».\nوعلى كل حال فالحديث صحيح بالشواهد، وإسناد الذي قبله صحيح، كما في «المشكاة» (٣٩/ ١ - ٤٠/ ١١٢).\n(^٦) قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥١٥) بعد ذكر قول القرطبي هذا؛ «وهذا كله متوقّف على صحّة الحديث، فإذا صحّ فلا مانع منه، والله أعلم …».","vol":"1","page":26},{"text":"وقد قيل: إن الحديث في إيمان أمه وأبيه موضوع، يردّه القرآن العظيم، والإجماع، قال الله العظيم: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، وقال عزمن قائل: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه ﵇ قال: «ليت شعري ما فعل أبواي»؟ فنزل: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩].\nقال المؤلف: ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية، وفيه نظر؛ وذلك أن فضائل النبي ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضّله الله تعالى وأكرمه به.\nوليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا (^١)، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى، وكذلك نبينا ﵊ أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى (^٢).\nوإذا ثبت هذا؛ فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما، زيادة في كرامته وفضيلته، مع ما ورد من الخبر في ذلك، ويكون ذلك خصوصا فيمن مات كافرا.\nوقوله: «فمن مات كافرا» إلى آخر كلامه؛ فمردود بما روي في الخبر: «أن الله تعالى ردّ الشمس على نبيه ﵇ بعد مغيبها» (^٣)، ذكره أبو جعفر الطحاوي وقال:\nإنه حديث ثابت. فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا وأنه لا يتجدّد الوقت لما ردّها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبي ﷺ (^٤).\n_________\n= قال العلاّمة علي القاري في «أدلّة معتقد أبي حنيفة» ص ١٠٢: «باطل موضوع بإجماع أهل الحديث، ومخالف لمذهب الحق».\n(^١) قال علي القاري ص ٨٩: «لا شبهة في إمكانه أصلا وفرعا، وإنما الكلام في ثبوته أوّلا، ونفيه ثانيا».\nقلت: ولم يثبت ذلك، والله أعلم.\n(^٢) لم أقف على خبر صحيح في ذلك.\n(^٣) حديث رد الشمس كان لنبيّ من الأنبياء؛ وهو يوشع بن نون - كما في بعض الروايات - والحديث عند البخاري (٣١٢٤) ومسلم (١٧٤٧).\nوانظر «من قصص الماضين في حديث سيد المرسلين» للشيخ مشهور بن حسن - حفظه الله - ص ٥٥ - ٦٣.\n(^٤) انظر في نقد هذا القول؛ «أدلّة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول» للقاري، ففيه تفصيل ماتع. و«رسالة في حق أبوي الرسول ﷺ» للعلامة إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي، تحقيق: علي رضا بن عبد الله بن علي رضا، نشرت في «مجلة الحكمة» العدد (٢١) سنة (١٤٢١) هـ، ص ٤٥٣.","vol":"1","page":27},{"text":"وقد قبل الله إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبّسهم بالعذاب، فيما ذكر في بعض الأقوال، وهو ظاهر القرآن. وأما الجواب عن الآية؛ فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما في العذاب، والله بغيبه أعلم وأحكم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-23>٥ - باب منه وما يقال عند دخول المقابر وجواز البكاء عندها</span>\n(أبو داود) عن بريدة بن خصيب قال: قال رسول الله ﷺ: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن في زيارتها تذكرة» (^١). وذكر النسائي عن بريدة أيضا، عن النبيّ ﷺ قال: «من أراد أن يزور قبرا فليزره، ولا تقولوا هجرا» (^٢)؛ بمعنى سوءا. وذكر أبو عمر من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فسلم عليه، إلاّ ردّ عليه¬ السلام» (^٣). روي هكذا موقوفا عن أبي هريرة ﵁ قال: «فإن لم يعرفه وسلّم، ردّ عليه¬ السلام».\n(مسلم) عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! كيف أقول إذا دخلت المقابر؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (^٤). خرّجه مسلم من حديث بريدة أيضا، وزاد: «أسأل الله لنا ولكم العافية» (^٥). وفي الصحيحين أنه ﵇ مرّ بامرأة تبكي عند قبر لها، فقال لها: «اتّقي الله واصبري» (^٦) الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>فصل</span>\nهذه الأحاديث تشتمل على فقه عظيم؛ وهو جواز زيارة القبور للرجال والنساء، والسلام عليها، وردّ الميت السلام على من يسلّم عليه (^٧)، وجواز\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٧) وأبو داود (٣٢٣٥) وغيرهما، من حديث بريدة بن خصيب ﵁.\n(^٢) أخرجه النسائي (٤/ ٨٩) بسند صحيح.\n(^٣) وهو حديث ضعيف بل منكر، كما قال الحافظ ابن رجب في «الأهوال» نقلا عن «الآيات البينات في عدم سماع الأموات» لنعمان الآلوسي ص ٦٩ - ٧٠.\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٧٤).\n(^٥) صحيح مسلم (٩٧٥).\n(^٦) أخرجه البخاري (١٢٨٣) ومسلم (٩٢٦).\n(^٧) تبيّن أن الحديث ضعيف في ذلك، ولم يصحّ خبر في هذا، والله أعلم.","vol":"1","page":28},{"text":"بكاء النساء عند القبر، ولو كان بكاؤهن وزيارتهن حراما لنهى النبي ﷺ المرأة ولزجرها زجرا يزجر مثله من أتى محرما وارتكب منهيّا. وما روي من نهي النساء عن زيارة القبور فغير صحيح، والصحيح ما ذكرت لك من الإباحة. إلا أن عمل النساء في خروجهن مما لا يجوز لهن من تبرج أو كلام أو غيره فذلك المنهي عنه. وقد ذكرت لك في الباب قبل، الفرق بين المتجالّة والشابة؛ فتأمله. وقد أبيح لك أن تبكي عند قبر ميّتك حزنا عليه أو رحمة له مما بين يده، كما أبيح لك البكاء عند موته، والبكاء عند العرب يكون البكاء المعروف، وتكون النياحة، وقد يكون معهما الصياح وضرب الخدود وشق الجيوب، وهذا محرم بإجماع العلماء، وهو الذي ورد فيه الوعيد من قوله ﵇: «أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق» خرّجه مسلم (^١).\nوأما البكاء من غير نياحة فقد ورد فيه الإباحة عند القبر، وعند الموت، وهو بكاء الرأفة والرحمة التي لا يكاد يخلو منها إنسان. وقد بكى النبيّ ﷺ لما مات ابنه إبراهيم (^٢). وقال عمر: «دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة».\nالنقع: ارتفاع الصوت، واللقلقة: تتابع ذلك. وقيل: النقع؛ وضع التراب على الرأس. والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-25>٦ - باب المؤمن يموت بعرق الجبين</span>\n(ابن ماجه) عن بريدة أن النبي ﷺ قال: «المؤمن يموت بعرق الجبين» (^٣) خرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن.\nوروي عن سلمان الفارسي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«ارقبوا للميت عند موته ثلاثا؛ إن رشح جبينه، وذرفت عيناه، وانتشر منخراه، فهي رحمة من الله قد نزلت به، وإن غطّ غطيط البكر المخنوق، وخمد لونه، وازبد شدقاه، فهو\n_________\n(^١) في «صحيحه» (١٠٤).\n(^٢) انظر «صحيح البخاري» رقم (١٣٠٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٧) والنسائي (٤/ ٦) والترمذي (٩٨٢) وابن ماجه (١٤٥٢). وهو في «صحيح الجامع» رقم (٦٦٦٥).","vol":"1","page":29},{"text":"عذاب من الله تعالى قد حلّ به» (^١). خرّجه أبو عبد الله الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) له. وقال: قال عبد الله: إن المؤمن يبقى عليه خطايا من خطاياه، فيجازف بها عند الموت، أي يجازي، فيعرق لذلك جبينه.\nوقال بعض العلماء إنما يعرق جبينه حياء من ربه لما اقترف من مخالفته، لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى الحياة وحركاتها فيما علا، والحياء في العينين وذلك وقت الحياء، والكافر في عمى عن هذا كله، والموحّد المعذّب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حلّ به. وإنما العرق الذي يظهر لمن حلّت به الرحمة، فإنه ليس من وليّ ولا صديق ولا برّ، إلا وهو مستحي من ربه، مع البشرى والتحف والكرامات.\nقلت: وقد تظهر العلامات الثلاث، وقد تظهر واحدة، وتظهر اثنتان، وقد شاهدنا عرق الجبين وحده، وذلك بحسب تفاوت الناس في الأعمال، والله أعلم.\nوفي حديث ابن مسعود: «موت المؤمن بعرق الجبين تبقى عليه البقية من الذنوب، فيجازف بها عند الموت» أي يشدّد لتمحّص عنه ذنوبه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-26>٧ - باب منه في خروج نفس المؤمن والكافر</span>\nخرّج أبو نعيم من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن نفس المؤمن تخرج رشحا، وإن نفس الكافر تسلّ كما تسل نفس الحمار، وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدّد عليه عند الموت ليكفّر بها عنه، وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها» (^٢).\n***\n_________\n(^١) أورده الشوكاني في «الفوائد المجموعة» رقم (٨٣٤) وقال: «قال في «المختصر»: ضعيف».\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٩/ ١٠٠١٥/١٠) وأبو نعيم في «الحلية» (٥٩/ ٥) من طريق: القاسم بن مطيب العجلي، عن الأعمش، عن إبراهيم به.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٣٢٦): «وفيه القاسم بن مطيب وهو ضعيف».","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>٨ - باب ما جاء أن للموت سكرات وفي تسليم الأعضاء بعضها على بعض وفيما يصير الإنسان إليه</span>\nوصف الله ﷾ شدة الموت في أربع آيات:\nالأولى: قوله الحق: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. والثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. الثالثة: قوله تعالى:\n﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]. الرابعة: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦].\nروى البخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»، ثم نصب يديه، فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قبض ومالت يده (^١).\nوخرّج الترمذي عنها قالت: «ما أغبط أحدا بهون موت، بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ» (^٢).\nوفي البخاري عنها قالت: «مات رسول الله ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدّة الموت لأحد أبدا بعد النبيّ ﷺ» (^٣). الحاقنة: العظمان بين الترقوة والحلق، والذاقنة: نقرة الذقن. وقال الخطابي: الذاقنة: ما تناله الذقن من الصدر.\nوذكر أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال:\n«تحدثوا عن بني إسرائيل، فإنه كانت فيهم أعاجيب» ثم أنشأ يحدثنا قال: «خرجت طائفة منهم فأتوا على مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلّينا ركعتين، ودعونا الله يخرج لنا بعض الأموات، يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا. فبينما هم كذلك إذ طلع رجل رأسه بيضاء، أسود اللون خلا شيء، بين عينيه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء ما أردتم إليّ؟ لقد متّ منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن، فادعوا الله أن يعيدني كما كنت» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٩٠، ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٩٧٩) بسند ضعيف كما في «المشكاة» (١٥٦٣).\n(^٣) أخرجه البخاري بهذا اللفظ برقم (٤٤٤٦).\n(^٤) أخرجه تمام في «الفوائد» (١/ ٩٩ - ١٠٠/ ٢٢٩) بإسناد فيه مجهول.","vol":"1","page":31},{"text":"وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت، وإن مفاصله ليسلّم بعضها على بعض تقول: عليك السلام؛ تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة» (^١).\nوذكر المحاسبي في «الرعاية»: أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇: «يا خليلي كيف وجدت الموت»؟ قال: كسفود محمّى جعل في صوف رطب، ثم جذب. قال: «أما إنّا قد هوّنا عليك يا إبراهيم» (^٢).\nوروي أن موسى ﵇ لما صار روحه إلى الله، قال له ربه: «يا موسى كيف وجدت الموت»؟ قال: «وجدت نفسي كالعصفور الحيّ حين يقلى على المقلى لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير». وروي عنه أنه قال: «وجدت نفسي كشاة تسلخ بيد القصّاب وهي حية». وقال عيسى ابن مريم ﵇: «يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهوّن عليكم هذه السكرة»، يعني سكرات الموت.\nوروي: أن الموت أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض.\nوذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب «الحلية» من حديث مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف» (^٣) وسيأتي بكماله إن شاء الله تعالى.\nوفي الخبر من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ:\n«الملائكة تكتنف العبد، وتحبسه، ولولا ذلك لكان يعدو في الصحاري والبراري من شدّة سكرات الموت». وجاءت الرواية بأن ملك الموت ﵇ إذا تولى الله قبض نفسه بعد موت الخلائق يقول: «وعزتك لو علمت من سكرة الموت ما أعلم ما قبضت نفس مؤمن» ذكره القاضي أبو بكر بن العربي.\n_________\n= وضعّف إسناده السخاوي كما في «الأجوبة المرضية فيما سئل عنه السخاوي من الأحاديث النبوية» (٣/ ١١٣).\n(^١) أورده ابن عراق في «تنزيه الشريعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» (٢/ ٣٧٥) وعزاه للديلمي.\n(^٢) هذا الخبر موضوع؛ أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٥١٩ - ٥٢٠/ ١٧٤٦) وابن عدي في «الكامل (٢/ ٥٧٥) وابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢١٤)، وحكموا بوضعه، وأورده ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٦٢).\n(^٣) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٥١٨/ ١٧٤٥/٣) وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٦) والخطيب البغدادي في «تاريخه» (٢٥٢/ ١٣٤٣/٣).\nوذكره ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٦٥) والألباني في «ضعيف الجامع» (٤٧٧٧) وقال: «ضعيف جدا».","vol":"1","page":32},{"text":"وعن شهر بن حوشب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموت وشدته؟ فقال:\n«إن أهون الموت بمنزلة حسكة كانت في صوف، فهل تخرج الحسكة من الصوف إلاّ ومعها صوف» (^١) قال شهر: ولما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، قال له ابنه: يا أبتاه! إنك لتقول لنا: ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت، فقال: يا بني والله كأن جنبي في تخت، وكأني أتنفّس من سمّ إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم أنشأ يقول:\nليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في تلال الجبال أرعى الوعولا\nوعن أبي ميسرة رفعه قال: «لو أن ألم شعرة من الميت وضع على أهل السماء والأرض لماتوا جميعا» (^٢) وأنشدوا:\nأذكر الموت ولا أرهبه … إنّ قلبي لغليظ كالحجر\nأطلب الدنيا كأني خالد … وورائي الموت يقفو بالأثر\nوكفى بالموت فاعلم واعظا … لمن الموت عليه قد قدر\nوالمنايا حوله ترصده … ليس ينجي المرء منهنّ المفر\nوقال آخر:\nبينا الفتى مرح الخطا فرح بما … يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى\nإذا قيل: مات بليلة ما نامها … إذ قيل: أصبح مثخنا ما يرتجى\nإذ قيل: أصبح شاخصا وموجها … ومعلّلا إذ قيل: أصبح قد قضى\n\n<span data-type='title' id=toc-28>فصل</span>\nأيها الناس: قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه، وحان للغافل أن يتنبه من غفلته، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه، وقبل سكون حركاته، وخمود أنفاسه، ورحلته إلى قبره، ومقامه بين أرماسه.\nوروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أناس من أصحابه يوصيهم فكان فيما أوصاهم به أن كتب إليهم:\n_________\n(^١) انظر «ضعيف الجامع» رقم (١٨٤٢).\n(^٢) عزاه الحافظ العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (١٢١٠/ ٤٣٨٤/٢) لابن أبي الدنيا في «الموت»، وقال: «وأبو ميسرة هو: عمرو بن شرحبيل، والحديث مرسل، حسن الإسناد».","vol":"1","page":33},{"text":"«أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله العظيم، والمراقبة له، واتخذوا التقوى والورع زادا، فإنكم في دار عما قريب تنقلب بأهلها، والله في عرصات القيامة وأهوالها يسألكم عن الفتيل والنقير، فالله الله عباد الله؛ اذكروا الموت الذي لا بدّ منه، واسمعوا قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقوله ﷿: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وقوله ﷿: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]. فقد بلغني - والله أعلم - أنهم يضربون بسياط من نار، وقال جلّ ذكره: ﴿* قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].\nوقد بلغني - والله أعلم وأحكم - أن ملك الموت رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وأن الدنيا كلها في يد ملك الموت كالقصعة بين يدي أحدكم يأكل منها. وقد بلغني - والله أعلم وأحكم - أن ملك الموت ينظر في وجه كل آدمي ثلاثمائة نظرة وستّا وستين نظرة. وبلغني: أن ملك الموت ينظر في كل بيت تحت ظل السماء ستمائة مرة. وبلغني: أن ملك الموت قائم وسط الدنيا، فينظر الدنيا كلها برّها وبحرها وجبالها وهي بين يديه كالبيضة بين رجلي أحدكم! وبلغني: أن لملك الموت أعوانا الله أعلم بهم، ليس منهم ملك إلا لو أذن له أن يلتقم السموات والأرض في لقمة واحدة لفعل.\nوبلغني: أن ملك الموت تفزع منه الملائكة أشد من فزع أحدكم من السبع.\nوبلغني: أن حملة العرش إذا قرب ملك الموت من أحدهم ذاب حتى يصير مثل الشعرة من الفزع منه. وبلغني: أن ملك الموت ينتزع روح ابن آدم من تحت عصوه وظفره وعروقه وشعره، ولا تصل الروح من مفصل إلى مفصل، إلا كان أشد عليه من ألف ضربة بالسيف. وبلغني: أنه لو وضع وجع شعرة من الميت على السموات والأرض لأذابها، حتى إذا بلغت الحلقوم ولي القبض ملك الموت. وبلغني أن ملك الموت إذا قبض روح المؤمن جعلها في حريرة بيضاء ومسك أذفر، وإذا قبض روح الكافر جعلها في خرقة سوداء في فخار من نار أشد نتنا من الجيف (^١).\nوفي الخبر: أنه إذا دنت منية المؤمن نزل عليه أربعة من الملائكة؛ ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، وملك يجذبها من قدمه اليسرى، وملك يجذبها من\n_________\n(^١) هذه البلاغات التي ذكرها المصنف ﵀ فيها مبالغات! فلا يصح إثباتها إلا بنص صحيح.","vol":"1","page":34},{"text":"يده اليمنى، وملك يجذبها من يده اليسرى، والنفس تنسلّ انسلال القطرة من السقاء، وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع، والكافر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبتل. ذكره أبو حامد في «كشف علوم الآخرة».\nفمثّل نفسك يا مغرور وقد حلّت بك السكرات، ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلانا قد أوصى، وماله قد أحصى. ومن قائل يقول: إن فلانا ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، ثم تبكي ابنتك وهي كالأسيرة، وتتضرع وتقول: حبيبي أبي من ليتمي من بعدك؟ ومن لحاجتي؟ وأنت والله تسمع الكلام ولا تقدر على ردّ الجواب.\nوأنشدوا:\nوأقبلت الصغرى تمرّغ خدّها … على وجنتي حينا وحينا على صدري\nوتخمش خدّيها وتبكي بحرقة … تنادي: «أبي إني غلبت على الصبر»\nحبيبي أبي «من لليتامى تركتهم … كأفراخ زغب في بعيد من الوكر؟»\nفخيّل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك، إلى لوح مغتسلك فغسلك الغاسل، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكت عليك الأصحاب والإخوان، وقال الغاسل: أين زوجة فلان تحالله؟ وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم أبدا، وأنشدوا:\nألا أيها المغرور ما لك تلعب … تؤمل آمالا وموتك أقرب\nوتعلم أن الحرص بحر مبعد … سفينته الدنيا فإياك تعطب\nوتعلم أن الموت ينقضّ مسرعا … عليك يقينا طعمه ليس يعذب\nكأنك توصي واليتامى تراهم … وأمّهم الثكلى تنوح وتندب\nتغصّ بحزن ثم تلطم وجهها … يراها رجال بعد ما هي تحجب\nوأقبل بالأكفان نحوك قاصد … وحثى عليك الترب والعين تسكب\n\n<span data-type='title' id=toc-29>فصل</span>\nقول عائشة ﵂: «كانت بين يديه ركوة أو علبة»، العلبة: قدح من خشب ضخم يحلب فيه، قاله ابن فارس في «المجمل» (^١). وقال الجوهري في\n_________\n(^١) انظر «مجمل اللغة» لابن فارس (٣/ ٦٢٥).","vol":"1","page":35},{"text":"«الصحاح»: العلبة محلب من جلد، والجمع علب وعلاب، والمعلب الذي يتخذها.\nقال الكميت يصف خيلا:\nسقينا دماء القوم طورا، وتارة … صبوحا لإقتار الجلود المعلّب (^١)\nوقيل: أسفله جلد، وأعلاه خشب مدوّر مثل إطار الغربال، وهو الدائر به، وقيل: هو عس يحلب فيه. والعس: القدح الضخم. وقال اللغوي أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري في كتاب «التلخيص» له: والعلبة؛ قدح للأعراب مثل العس والعس، يتخذ من جنب جلد البعير والجمع علاب. وقوله:\n«إن للموت سكرات» أي: شدائد، وسكرة الموت شدّته.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين (^٢)، والأولياء والمتقين، فما لنا عن ذكره مشغولين؟ وعن الاستعداد، له متخلّفين؟ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [الصافات: ٦٧، ٦٨]. قالوا: وما جرى على الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - من شدائد الموت وسكراته، فله فائدتان: إحداهما: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن، وقد يطّلع الإنسان على بعض الموتى، فلا يرى عليه حركة ولا قلقا، ويرى سهولة خروج روحه، فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت، ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه، مع كرامتهم على الله تعالى، وتهوينه على بعضهم، قطع الخلق بشدة الموت الذي يعانيه ويقاسيه الميت مطلقا، لإخبار الصادقين عنه، ما خلا الشهيد - قتيل الكفار - على ما يأتي ذكره.\n_________\n(^١) في «لسان العرب» (٩/ ٣٤٧):\nسقتنا دماء القوم طورا وتارة … صبوحا له أقتار الجلود المعلّب\n(^٢) الفرق بين النبي والرسول:\nأن الرسول لغة: هو المبعوث لإبلاغ الشيء. وفي الشرع: من أوحى الله إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه. وأول الرسل نوح، وآخرهم محمد ﵌.\nأما النبي: فهو من أوحى الله إليه من البشر بتبليغ أو تقرير شريعة من كان قبله، ولم يبعث هو بشرع جديد. وقيل: إن النبي هو من أوحى الله إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول.\nانظر: كتاب «النبوات» ص ١٧٢ - ١٧٣ و«حاشية ثلاثة الأصول» للعلامة عبد الرحمن القاسم ص ٧٨. و«شرح ثلاثة الأصول» للعلامة محمد بن صالح العثيمين ص ٩٧، ١٢٢. و«معجم ألفاظ العقيدة» ص ١٩٣.","vol":"1","page":36},{"text":"الثانية: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب الله، وأنبياؤه ورسله، فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين؟ كما قال في قصة إبراهيم: «أما إنا قد هوّنا عليك». فالجواب: «أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» كما قال نبينا ﵇، خرّجه البخاري وغيره (^١). فأحبّ الله أن يبتليهم تكميلا لفضائلهم لديه، ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك في حقهم نقصا، ولا عذابا. بل هو كما قال كمال رفعة، مع رضاهم بجميل ما يجري الله عليهم، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم، ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم.\nكما ابتلي إبراهيم بالنار، وموسى بالخوف والأسفار، وعيسى بالصحاري والقفار، ونبينا محمدا ﷺ بالفقر في الدنيا ومقاتلة الكفار، كل ذلك لرفعة في أحوالهم، وكمال في درجاتهم. ولا يفهم من هذا أن الله شدّد عليهم أكثر مما شدد على العصاة المخطئين فإن ذلك عقوبة لهم، ومؤاخذة على إجرامهم فلا نسبة بينه وبين هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>فصل</span>\nإن قال قائل: كل المخلوقات تجد هذه السكرات؟ قيل له: قال بعض العلماء: قد وجب بحكم القول الصدق، والكلمة الحق، أن الكأس مر المذاق، وإن قد ذيق ويذاق، ولكن ثمّ فريقان، وتقديرات وأوزان، وإن الله ﷾ لما انفرد بالبقاء وحده لا شريك له، وأجرى سنة الهلاك والفناء على الخلق دونه، خالف في ذلك ﷻ بين المخلوقات، وفرّق بين المحسوسات، بحسب ما خالف بين المنازل والدرجات، فنوع أرضي حيواني، إنساني وغير إنساني، وفوقه عالم روحاني، وملأ علواني رضواني، كلّ يشرب من ذلك الكأس جرعته، ويغتص منه غصته. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وثبت ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه، وإنما أراد سبحانه بالموتات الثلاث للعالمين: فالمتحيز إلى العالم الدنيوي يموت، والمتحيز إلى العالم الملكوتي يموت، والمتحيز إلى العالم الجبروتي يموت. فالأول آدم وذريته وجميع الحيوان على ضروبه، والملكوتي وهو الثاني\n_________\n(^١) لم يخرجه البخاري؛ إنما أخرجه أحمد (١/ ١٧٤) والترمذي (٢٣٩٩) وابن ماجه (٢٠٢٤) والحاكم (٣/ ٢٤٣) وغيرهم، وهو صحيح، انظر «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم (١٤٣).","vol":"1","page":37},{"text":"أصناف الملائكة والجن، وأهل الجبروت هم المصطفون من الملائكة، قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] فهم كروبيون وحملة العرش وأصحاب سرادقات الجلال، كما وصفهم الله في كتابه وأثنى عليهم، حيث يقول: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠] وهم أهل حضرة القدس المعنيون بقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]. وهم يموتون على هذه المكانة من الله تعالى والقربة، وليس زلفاهم بمانع لهم من الموت.\nقال ابن قيس: وكما تفرقت الطرق بهذه العوالم، كذلك تفرّقت طرق الإحساسات في اجتراع الغصص والمرارات، فإحساس روحاني للروحانيات، كما يجده النائم في سنته، أو الغصة الوجيعة تغصه في نومته، فيغص منها في حال رقدته، ويتململ ذلك إلى حين يقظته، حتى إذا استيقظ لم يجده شيئا ووجد الأنس عنده فأزال ألمه، ووافاه أمانه ونعمه، وإحساس علوي قدسي؛ كما يجده الوسنان من الروحانية، وهو ما لا يدركه العقل البشري إلا توهّما، ولا يبلغه التحصيل إلا تخيّلا وتوسّما، وإحساس بشري سفلي إنسي وجني، وهو ما لا يكاد أن توصف شدائده وغصصه، فكيف وقد قالوا بالغصة الواحدة منه كألف ضربة بالسيف، فما عسى أن ينعت ويوصف وهذا الذي لا يمكن أن يعرف؟ والخلق أيضا في هذا الإحساس فرق، يختلفون باختلاف المنازل والطرق، فالفرقة الإسلامية في نفسها لا تجد منه ما تجد غير الإسلامية، ثم الإسلامية نفسها لا تجد منه النبوية كما تجد التبعية. ثم النبوية في ذاتها ومقامات إحساساتها تختلف على حكم الكلمة، وصدق القيل، باختلاف التقديم والتفضيل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقد نبّهت الخلّة الذاتية عزّت سبحاتها، وتقدّست صفاتها، على خفة ذلك عن إبراهيم وأشارت إلى تهوين الأمر عليه، وتبيين ما خفف عنه، صلوات الله وسلامه عليه، فقال: «أما إنا قد هونا عليكم يا إبراهيم» (^١). وما وصفه الحق ﷻ بالهون فلا أهون منه، كما ما كبره وعظمه فلا أكبر ولا أعظم منه، ولا فرق بين أن قال: موتا هينا، وملكا عظيما كبيرا، وقال في نعيم الجنة: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، فكما أنه لا أكبر من ملك الجنة، كذلك لا أهون من موت الخلّة، والله أعلم.\n_________\n(^١) تقدّم أن الخبر موضوع لا يصح.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>فصل</span>\nإذا ثبت ما ذكرناه؛ فاعلم أن الموت هو الخطب الأفظع، والأمر الأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وأنه الحادث الأهذم للذّات، والأقطع للراحات، والأجلب للكريهات، فإن أمرا يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك، لهو الأمر العظيم، والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم.\n(ويحكى) أن الرشيد لما اشتدّ مرضه أحضر طبيبا طوسيّا فارسيّا، وأمر أن يعرض عليه ماؤه - أي بوله - مع مياه كثيرة لمرضى وأصحّاء، فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيد، فقال: قولوا لصاحب هذا الماء يوصي، فإنه قد انحلّت قواه، وتداعت بنيته، ولما استعرض باقي المياه أقيم فذهب، فيئس الرشيد من نفسه (وأنشد):\nإن الطبيب بطبّه ودوائه … لا يستطيع دفاع نحب قد أتى\nما للطبيب يموت بالداء الذي … قد كان أبرأ مثله فيما مضى\nمات المداوي والمداوى والذي … جلب الدواء أو باعه ومن اشترى\n(وبلغه) أن الناس أرجفوا بموته، فاستدعى حمارا وأمر أن يحمل عليه فاسترخت فخذاه. فقال: أنزلوني صدق المرجفون، ودعا بأكفان فتخيّر منها ما أعجبه، وأمر فشق له قبر أمام فراشه ثم اطلع فيه فقال: ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨، ٢٩]. فمات من ليلته.\nفما ظنك - رحمك الله - بنازل ينزل بك فيذهب رونقك وبهاك ويغيّر منظرك ورؤياك، ويمحو صورتك وجمالك، ويمنع من اجتماعك واتصالك، ويردك بعد النعمة والنضرة، والسطوة والقدرة، والنخوة والعزة، إلى حالة يبادر فيها أحب الناس إليك، وأرحمهم بك، وأعطفهم عليك، فيقذفك في حفرة من الأرض قريبة أنحاؤها، مظلمة أرجاؤها، محكم عليك حجرها وصيدانها، فتحكم فيك هوامها وديدانها، ثم بعد ذلك تمكن منك الأعدام وتختلط بالرغام، وتصير ترابا توطأ بالأقدام، وربما ضرب منك إناء فخار، أو أحكم بك بناء جدار، أو طلي بك حش ماء، أو موقد نار.\nكما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتي بإناء ماء ليشرب منه فأخذه بيده ونظر إليه وقال: «الله أعلم كم فيك من عين كحيل، وخد أسيل».\n(ويحكى) أن رجلين تنازعا وتخاصما في أرض، فأنطق الله ﷿ لبنة من","vol":"1","page":39},{"text":"حائط من تلك الأرض فقالت: يا هذان فيم تتنازعان؟ وفيم تتخاصمان؟ إني كنت ملكا من الملوك، ملكت كذا وكذا سنة ثم مت وصرت ترابا، فبقيت كذلك ألف سنة ثم أخذني خزّاف - يعني فخّارا - فعمل مني إناء فاستعملت حتى تكسّرت، ثم عدت ترابا فبقيت ألف سنة، ثم أخذني رجل فضرب مني لبنة، فجعلني في هذا الحائط، ففيم تنازعكما وفيم تخاصمكما؟!!\nقلت: والحكايات في هذا المعنى والوجود شاهد بتجديد ما دثر، وتغيير ما غيّر وعن ذلك يكون الحفر والإخراج، واتخاذ الأواني وبناء الأبراج، ولقد كنت في زمن الشباب أنا وغيري ننقل التراب على الدواب، من مقبرة عندنا تسمى بمقبرة اليهود خارج قرطبة، وقد اختلط بعظام من هناك وعظمهم ولحومهم وشعورهم وأبشارهم إلى الذين يصنعون القرمد للسقف.\nقال علماؤنا رضوان الله عليهم: وهذا التغير إنما يحل بجسدك، وينزل ببدنك لا بروحك، لأن الروح لها حكم آخر، وما مضى منك فغير مضاع، وتفرقه لا يمنع من الاجتماع، قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] وقال: ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى * قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ [طه: ٥١، ٥٢].\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-33>٩ - باب الموت كفّارة لكل مسلم</span>\n(أبو نعيم) عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الموت كفارة لكلّ مسلم» (^١). ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين» له، وقال فيه: حديث صحيح حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>فصل</span>\nإنما كان الموت كفارة، لكل ما يلقاه الميت في مرضه من الآلام والأوجاع وقد قال ﷺ: «ما من مسلم يصيبه أذّى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» خرّجه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ١٢١) وقال العلامة الألباني ﵀ في «ضعيف الجامع الصغير» (٥٩٥٠): «موضوع».\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٤٧، ٥٦٤٨، ٥٦٦٠، ٥٦٦١، ٥٦٦٧) ومسلم (٢٥٧١).","vol":"1","page":40},{"text":"(وفي الموطّأ) عن أبي هريرة: عن رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يصب منه» (^١). وفي الخبر المأثور يقول الله تعالى: «إني لا أخرج أحدا من الدنيا، وأنا أريد أن أرحمه، حتى أوفيه بكلّ خطيئة كان عملها، سقما في جسده، ومصيبة في أهله وولده، وضيقا في معاشه، وإقتارا في رزقه، حتى أبلغ منه مثاقيل الذرّ، فإن بقي عليه شيء شدّدت عليه الموت، حتى يفضي إليّ كيوم ولدته أمّه».\nقلت: وهذا بخلاف من لا يحبه ولا يرضاه، كما في الخبر، يقول الله تعالى: «وعزّتي وجلالي لا أخرج من الدنيا عبدا أريد أن أعذّبه، حتى أوّفيه بكلّ حسنة عملها بصحة في جسده، وسعة في رزقه، ورغد في عيشه، وأمن في سربه، حتى أبلغ منه مثاقيل الذرّ، فإن بقي له شيء هونت عليه الموت، حتى يفضي إليّ وليس له حسنة يتقي بها النار».\nقلت: وفي مثل هذا المعنى؛ ما خرّجه أبو داود بسند صحيح - فيما ذكر أبو الحسن بن الحصار، عن عبيد بن خالد السّلمي - وكانت له صحبة - عن النبيّ ﷺ: «موت الفجأة أخذة أسف للكافر» (^٢). ورواه أيضا مرسلا.\n(وروى) الترمذي عن عائشة ﵂: «إنها راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر» (^٣).\n(وروي) عن ابن عباس أنّ داود ﵇ مات فجأة يوم السبت.\nوعن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إذا بقي على المؤمن من ذنوبه شيء لم يبلغه بعمله، شدّد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدائده درجته من الجنة، وإن الكافر إذا كان قد عمل معروفا في الدنيا، هوّن عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا، ثم يصير إلى النار». ذكره أبو محمد عبد الحق.\n(وخرّج) أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «نفس المؤمن تخرج رشحا، وإن نفس الكافر تسلّ كما تسلّ\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٤٧) -٥٠ - كتاب العين، (٣) باب ما جاء في أجر المريض، والبخاري (٥٦٤٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤) وأبو داود (٣١١٠) بسند صحيح، كما في «المشكاة» (٥٠٥/ ١٦١١/١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٣٦) والبيهقي (٣/ ٣٧٩) والطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع البحرين» (٣٦٨/ ١٢٠٧/٢).\nوقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣١٨): «رواه أحمد والطبراني في «الأوسط» وفيه قصة، وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، وهو متروك».","vol":"1","page":41},{"text":"نفس الحمار، وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدّد بها عليه عند الموت ليكفر بها عنه، وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها» (^١). ذكره أبو محمد عبد الحق.\nوذكر ابن المبارك أن أبا الدرداء ﵁ قال: «أحبّ الموت اشتياقا إلى ربي، وأحبّ المرض تكفيرا لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعا لربي ﷿» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-35>١٠ - باب لا يموت أحد إلا وهو يحسن بالله الظن وفي الخوف من الله تعالى</span>\n(مسلم) عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل وفاته بثلاثة أيام: «لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظنّ بالله» أخرجه البخاري (^٣).\nوذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن بالله» وزاد: فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم بالله فقال لهم ﵎: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (^٤) [فصلت: ٢٣].\n(ابن ماجه) عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك»؟ فقال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبيد مؤمن في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمّنه مما يخاف» (^٥).\nذكره ابن أبي الدنيا أيضا، وخرّجه الترمذي وقال: «هذا حديث حسن غريب».\nوقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلا.\nوذكر الترمذي الحكيم في الأصل السادس والثمانين من (نوادر الأصول)؛\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه أبو داود في «الزهد» (٢٤٧) وأحمد في «الزهد» (١٨٧) وأبو نعيم في «الحلية» (٢١٧/ ١) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٢١/ ١٠٠٨٢/٧).\nمن طريق: شعبة، عن عمرو بن مرة، عن شيخ، عن أبي الدرداء به.\nوإسناده ضعيف لأجل الرجل المبهم.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٧٧).\n(^٤) هو عند ابن أبي الدنيا في «كتاب حسن الظن بالله» رقم (٤).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٩٨٣) وابن ماجه (٤٢٦١) وحسّن إسناده الألباني في «المشكاة» (٥٠٦/ ١٦١٢/١).","vol":"1","page":42},{"text":"حدثنا يحيى بن حبيب، العربي قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن أنه قال: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال ربكم ﷿: «لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في الدنيا أمّنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة» (^١).\nحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ؛ فيما يذكر من مناجاة موسى ﵇ أنه قال: «يا موسى إنه لن يلقاني عبد لي في حاضر القيامة إلا فتّشته عما في يديه إلا ما كان من الورعين، فإني أستحييهم وأجلّهم فأكرمهم، فأدخلهم الجنة بغير حساب، فمن استحيى من الله تعالى في الدنيا مما صنع استحيى الله تعالى من تفتيشه وسؤاله، ولم يجمع عليه حياءين، كما لا يجمع عليه خوفين» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-36>فصل</span>\nحسن الظن بالله تعالى ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال الصحة، وهو أن الله تعالى يرحمه ويتجاوز عنه ويغفر له، وينبغي لجلسائه أن يذكّروه بذلك حتى يدخل في قوله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي فليظن بي ما شاء» (^٣).\nروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يموتن أحدكم حتى يحسن الظنّ بالله، فإن حسن الظنّ بالله ثمن الجنة» (^٤).\nوروي عن ابن عمر أنه قال: «عمود الدين وغاية مجده وذروة سنامه؛ حسن الظن بالله، فمن مات منكم وهو يحسن الظن بالله، دخل الجنة «مدلاّ» - أي منبسطا - لا خوف عليه».\nوقال عبد الله بن مسعود: «والله الذي لا إله غيره؛ لا يحسن أحد الظن بالله إلا أعطاه الله ظنه وذلك أن الخير بيده».\n_________\n(^١) إسناده رجاله ثقات، إلا أنه مرسل. وأخرجه البزار (٧٤/ ٣٢٣٢/٤) من طريق أخرى عن الحسن البصري.\n(^٢) إسناده ضعيف؛ فيه ثلاث علل:\nأبو مالك الجنبي؛ ليّن الحديث. «تقريب» (٥١٢٦).\nوجويبر بن جابر العبدي، مقبول، يعني عند المتابعة وإلا فهو ضعيف.\nورواية الضحاك عن ابن عباس فيها مقال.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٠٥، ٧٥٠٥، ٧٥٣٧) ومسلم (٢٦٧٥).\n(^٤) عزاه الهندي في «كنز العمال» (٥٨٦١) لابن جميع في «معجمه» والخطيب وابن عساكر عن أنس، وقال: «وفيه أبو نواس الشاعر، قال الذهبي: فسقه ظاهر، فليس بأهل أن يروى عنه».","vol":"1","page":43},{"text":"وذكر ابن المبارك قال: أخبر سفيان، أن ابن عباس قال: «إذا رأيتم بالرجل الموت فبشّروه ليلقى ربّه وهو حسن الظن به، وإذا كان حيّا فخوّفوه بربه ﷿» (^١).\nوقال الفضيل: «الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت؛ فالرجاء أفضل من الخوف».\nوذكر ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله البصري، قال: حدثنا سوار بن عبد الله، قال: حدثنا المعتمر، قال: قال أبي حين حضرته الوفاة: «يا معتمر حدّثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به» (^٢).\nقال: وحدثنا عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن حصين، عن إبراهيم قال: «كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت، حتى يحسن ظنه بربه ﷿» (^٣).\nوقال ثابت البناني: كان شاب به رهق، فلما نزل به الموت انكبّت عليه أمه وهي تقول: يا بني قد كنت أحذّرك مصرعك هذا، قال: يا أماه إن لي ربّا كثير المعروف، وإني لأرجو اليوم أن لا يعدمني بعض معروفه، فقال ثابت: فرحمه الله بحسن ظنه بالله في حاله تلك (^٤).\nوقال عمر بن ذر يوما في كلامه - وعنده ابن أبي داود وأبو حنيفة - أتعذبنا وفي أجوافنا التوحيد؟ لا أراك تفعل، اللهم اغفر لمن لم يزل على مثل حال السحرة في الساعات التي غفرت لهم، فإنهم قالوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] فقال أبو حنيفة: رحمك الله القصص بعدك حرام.\nوكان يحيى بن زكريا إذا لقي عيسى ابن مريم ﵉. عبس، وإذا لقيه عيسى تبسّم، فقال له عيسى: «تلقاني عابسا كأنك آيس»؟ فقال له يحيى:\n«تلقاني ضاحكا كأنك آمن»؟ فأوحى الله ﵎ إليهما: «إن أحبّكما إلي أحسنكما ظنّا بي» ذكره الطبري.\nوقال زيد بن أسلم: «يؤتى بالرجل يوم القيامة»، فيقال: انطلقوا به إلى النار فيقول: يا رب فأين صلاتي وصيامي؟ فيقول الله تعالى: «اليوم أقنطك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي من رحمتي».\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» رقم (٤٤١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن بالله» رقم (٢٩).\n(^٣) المصدر السابق رقم (٣٠).\n(^٤) المصدر السابق رقم (٣٤).","vol":"1","page":44},{"text":"وفي التنزيل: ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦].\nوسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في باب سعة رحمة الله وعفوه يوم القيامة، إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-37>١١ - باب تلقين الميت لا إله إلا الله</span>\n(مسلم) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله» (^١).\nوذكر ابن أبي الدنيا عن زيد بن أسلم، قال: قال عثمان بن عفان: قال رسول الله ﷺ: «إذا احتضر الميت فلقّنوه لا إله إلا الله، فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة».\nوقال عمر بن الخطاب ﵁: «احضروا موتاكم ولقّنوهم لا إله إلا الله، وذكّروهم فإنهم يرون ما لا ترون» (^٢).\nوذكر أبو نعيم من حديث مكحول، عن إسماعيل بن عيّاش، عن أبي معاذ؛ عتبة بن حميد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن النبيّ ﷺ: «احضروا موتاكم ولقّنوهم لا إله إلا الله، وبشّروهم بالجنة، فإن الحكيم من الرجال يتحيّر عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألّم كلّ عرق منه على حياله» (^٣). غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>فصل</span>\nقال علماؤنا: تلقين الموتى هذه الكلمة سنّة مأثورة عمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامهم لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٤). أخرجه أبو داود\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٢٣٧).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٦) بإسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣) وأبو داود (٣١٠٠) والحاكم (١/ ٥٠٠). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في «المشكاة» (١٦٢١).","vol":"1","page":45},{"text":"من حديث معاذ بن جبل ﵁، وصحّحه أبو محمد عبد الحق.\nولينبه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، على ما يأتي.\nفإذا تلقّنها المحتضر وقالها مرة واحدة، فلا تعاد عليه لئلاّ يضجر، وقد كره أهل العلم الإكثار من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها أو فهم ذلك عنه. قال ابن المبارك: «لقّنوا الميت لا إله إلا الله فإذا قالها فدعوه». قال أبو محمد عبد الحق:\nوإنما ذلك لأنه يخاف عليه إذا ألحّ عليه بها أن يتبرّم ويضجر، ويثقلها الشيطان عليه، فيكون سببا لسوء الخاتمة، وكذلك أمر ابن المبارك أن يفعل به.\nقال الحسن بن عيسى: قال لي ابن المبارك: «لقّني - يعني الشهادة - ولا تعد عليّ إلا أن أتكلم بكلام ثان». والمقصود أن يموت الرجل وليس في قلبه إلا الله ﷿، لأن المدار على القلب، وعمل القلب هو الذي ينظر فيه، وتكون النجاة به، وأما حركة اللسان دون أن تكون ترجمة عما في القلب فلا فائدة فيها، ولا عبر عندها.\nقال: وقد يكون التلقين بذكر الحديث عند الرجل العالم، كما ذكر أبو نعيم أن أبا زرعة كان في السوق وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلمة والمنذر بن شاذان وجماعات من العلماء، فذكروا حديث التلقين؛ فاستحيوا من أبي زرعة، فقالوا: يا أصحابنا تعالوا نتذاكر الحديث، فقال محمد بن مسلمة: حدّثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه. وقال أبو حاتم: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه، والباقون سكوت. فقال أبو زرعة وهو في السوق: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وفي رواية «حرّمه الله على النار» وتوفي ﵀.\nويروى عن عبد الله بن شبرمة أنه قال: دخلت مع عامر الشّعبي على مريض نعوده، فوجدناه لما به، ورجل يلقّنه الشهادة ويقول له: قل لا إله إلا الله، وهو يكثر عليه. فقال له الشّعبي: ارفق به، فتكلّم المريض وقال: إن تلقني أو لا تلقني، فإني لا أدعها، ثم قرأ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [الفتح: ٢٦]. فقال الشعبي: الحمد لله الذي نجّى صاحبنا هذا.\nوقيل للجنيد ﵀ عند موته، قل لا إله إلا الله فقال: ما نسيته فأذكره.\nقلت: لا بدّ من تلقين الميت، وتذكيره الشهادة، وإن كان على غاية من التيقّظ، فقد ذكر أبو نعيم الحافظ من حديث مكحول عن وائلة بن الأسقع عن","vol":"1","page":46},{"text":"النبي ﷺ: «احضروا موتاكم ولقّنوهم، لا إله إلا الله، وبشّروهم بالجنة، فإن الحكيم من الرجال والنساء يتحيّر عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألّم كلّ عضو منه على حياله» (^١).\nوروي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حضر ملك الموت رجلا، قال: فنظر في قلبه فلم يجد فيه شيئا، ففكّ لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول لا إله إلا الله، فغفر له بكلمة الإخلاص» (^٢).\nذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرين» بإسناده. وخرّجه الطبراني بمعناه، وسيأتي في آخر أبواب الجنة إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>١٢ - باب من حضر الميت فلا يلغو وليتكلم بخير وكيف الدعاء للميت إذا مات، وفي تغميضه</span>\n(مسلم) عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولن» قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبيّ ﷺ فقلت يا رسول الله: إن أبا سلمة قد مات فقال: «قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة». قال: فقلت، فأعقبني الله من هو خير منه؛ رسول الله ﷺ (^٣).\nوعنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» فضج ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنّون على ما تقولن» ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه» (^٤).\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٩/ ١٠١٥/٢ و٦/ ٥٤٥ - ٥٤٦/ ٩٢٣٥). وضعّفه الألباني في «ضعيف الجامع» رقم (٢٧٢٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩١٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٢٠).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>فصل</span>\nقال علماؤنا: قوله ﵇: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا» أمر ندب وتعليم بما يقال عند المريض أو الميت، وإخبار بتأمين الملائكة على دعاء من هناك، ولهذا استحب العلماء أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير حالة موته ليذكّروه، ويدعوا له ولمن يخلفه، ويقولوا خيرا، فيجتمع دعاؤهم وتأمين الملائكة، فينتفع بذلك الميّت ومن يصاب به ومن يخلفه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-41>١٣ - باب منه، وما يقال عند التغميض</span>\n(ابن ماجه) عن شدّاد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا فإن الملائكة تؤمّن على ما قال أهل الميت» (^١).\nوذكر الخرائطي؛ أبو بكر محمد بن جعفر قال: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن هشام بن حسّان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم الحسن؛ قالت: كنت عند أم سلمة فجاءها إنسان فقال: فلان بالموت. فقالت. لها: «انطلقي؛ فإذا احتضر فقولي: السلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين» (^٢).\nوخرّج من حديث سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني قال: إذا غمّضت الميت، فقل: بسم الله وعلى ملّة رسول الله ﷺ، وسبّح، ثم تلا سفيان: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥].\nقال أبو داود: تغميض الميت إنما هو بعد خروج الروح. وسمعت محمد بن أحمد المقري قال: سمعت أبا ميسرة، وكان رجلا عابدا يقول: غمّضت جعفر المعلّم وكان رجلا عاقلا في حالة الموت، فرأيته في منامي يقول: أعظم ما كان عليّ تغميضك قبل أن أموت.\n***\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٤٥٥) وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ١٢٤).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>١٤ - باب ما جاء أن الشيطان يحضر الميت عند موته وجلساؤه في الدنيا وما يخاف من سوء الخاتمة</span>\nروي عن النبي ﷺ أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان، فإن الواحد عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه، يقول له: يا بني إني كنت عليك شفيقا ولك محبّا، ولكن مت على دين النصرانية فهو خير الأديان، والذي على شماله على صفة أمه، تقول له: يا بني إنه كان بطني لك وعاء، وثديي لك سقاء، وفخذي لك وطاء، ولكن مت على دين اليهود وهو خير الأديان (^١). ذكره أبو الحسن القابسي في شرح رسالة ابن أبي زيد له، وذكر معناه أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة».\nوإن عند استقرار النفس في التراقي والارتفاع تعرض عليه الفتن، وذلك أن إبليس قد أنفذ أعوانه إلى هذا الإنسان خاصة، واستعملهم عليه ووكّلهم به، فيأتون المرء وهو على تلك الحال، فيتمثّلون له في صورة من سلف من الأحباب الميتين، الباغين له النصح في دار الدنيا، كالأب والأم والأخ والأخت والصديق الحميم، فيقولون له أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن، فمت يهوديا فهو الدين المقبول عند الله تعالى، فإن انصرف عنهم وأبى، وجاءه آخرون وقالوا له مت نصرانيا فإنه دين المسيح وقد نسخ الله به دين موسى، ويذكرون له عقائد كل ملة، فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨] أي: لا تزغ قلوبنا عند الموت، وقد هديتنا من قبل هذا زمانا، فإذا أراد الله بعبده هداية وتثبيتا جاءته الرحمة.\nوقيل: هو جبريل ﵇ فيطرد عنه الشياطين ويمسح الشحوب عن وجهه فيتبسم الميت لا محالة، وكثير من يرى متبسما في هذا المقام، فرحا بالبشير الذي جاءه برحمة من الله تعالى، فيقول: يا فلان أما تعرفني؟ أنا جبريل، وهؤلاء أعداؤك من الشياطين مت على الملة الحنيفية والشريعة الجليلة. فما شيء أحب إلى\n_________\n(^١) لم يثبت هذا، بل عدّه العلماء أن الاعتقاد به من البدع؛ انظر «أحكام الجنائز» للعلامة الألباني ﵀ ص ٣٠٧ - مكتبة المعارف - و«السنن والمبتدعات في العبادات» لعمرو عبد المنعم سليم ص ١٥٨.","vol":"1","page":49},{"text":"الإنسان وأفرح منه بذلك الملك وهو قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ثم يقبض عند الطعنة على ما يأتي (^١).\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي الخرقة لأشدّ لحييه، فكان يغرق ثم يفيق ويقول بيده: لا بعد، لا بعد. فعل هذا مرارا، فقلت له: يا أبت أي شيء ما يبدو منك؟ فقال: إن الشيطان قائم بحذائي، عاضّ على أنامله، يقول: يا أحمد فتّني، وأنا أقول: لا، بعد لا، حتى أموت (^٢).\nقلت: وقد سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي بثغر الإسكندرية يقول: حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة وقد احتضر. فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي. يقول أحدهما: مت يهوديا فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانيا فإنه خير الأديان. فكنت أقول لهما:\nلا، لا، إليّ تقولان هذا؟\nوقد كتبت بيدي في كتاب الترمذي والنسائي عن النبي ﷺ: «إن الشيطان يأتي أحدكم عند موته فيقول: مت يهوديا مت نصرانيا». فكان الجواب لهما لا لكما.\nقلت: ومثل هذا عن الصالحين كثير يكون الجواب للشيطان لا لمن يلقنه الشهادة، وقد تصفّحت كتاب الترمذي أبي عيسى، وسمعت جميعه، فلم أقف على هذا الحديث فيه، فإن كان في بعض النسخ - فالله أعلم.\nوأما كتاب النّسائي فسمعت بعضه، وكان عندي كثير منه، فلم أقف عليه، وهو نسخ، فيحتمل أن يكون في بعضها. والله أعلم.\nوروى ابن المبارك وسفيان عن ليث، عن مجاهد قال: ما من ميّت إلا تعرض عليه أهل مجالسه الذين كان يجالس، إن كانوا أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر.\nوقال الربيع بن شبرة بن معبد الجهني وكان عابدا بالبصرة: أدركت الناس بالشام وقيل لرجل: يا فلان! قل: لا إله إلا الله قال: اشرب واسقني، وقيل لرجل\n_________\n(^١) هذا خلاف ما قرّره المصنف ﵀ في تفسير هذه الآية؛ انظر «الجامع لأحكام القرآن» له (٤/ ١٩ - ٢١) و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٤٥٤ - ٤٥٥) وغيرهما.\n(^٢) قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٣٤١): «وفي جزء محمد بن عبد الله بن علم الدين: سمعناه قال: سمعت عبد الله بن أحمد يقول: … فذكره - ثم قال: فهذه حكاية غريبة، تفرّد بها ابن علم، فالله أعلم».","vol":"1","page":50},{"text":"بالأهواز: يا فلان! قل لا إله إلا الله، فجعل يقول ده يازده دوازده - تفسيره: عشرة أحد عشر اثنا عشر - كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان، فغلب عليه الحساب والميزان. ذكر هذا التفسير أبو محمد عبد الحق. قال الربيع: وقيل لرجل هاهنا بالبصرة: يا فلان! قل لا إله إلا الله، فجعل يقول:\nيا ربّ قائلة يوما وقد لغبت … أين الطريق إلى حمام منجاب\nقال الفقيه أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النّجاد: هذا رجل قد استدلته امرأة إلى الحمام، فدلها إلى منزله فقاله عند الموت.\nوذكر أبو محمد عبد الحق هذه الحكاية، في كتاب «العاقبة» له فقال: وهذا الكلام له قصة؛ وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره، وكان بابه يشبه باب حمّام فمرّت به جارية لها منظر وهي تقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال لها: هذا حمام منجاب. وأشار إلى داره فدخلت الدار، ودخل وراءها، فلما رأت نفسها معه في داره وليس بحمام؛ علمت أنه خدعها، أظهرت له البشر والفرح باجتماعها معه على تلك الخلوة، وفي تلك الدار، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما نطيب به عيشنا وتقر به أعيننا، فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وبكل ما تشتهين، فخرج وتركها في الدار ولم يقفلها، وتركها محلولة على حالها ومضى، فأخذ ما يصلح لها ورجع، ودخل الدار فوجدها قد خرجت وذهبت، ولم يجد لها أثرا، فهام الرجل بها وأكثر الذكر لها والجزع عليها، وجعل يمشي في الطرق والأزقّة وهو يقول:\nيا ربّ قائلة يوما وقد لغبت … أين الطريق إلى حمام منجاب\nوإذا بجارية تجاوبه من طاق وهي تقول:\nهلاّ جعلت لها لما ظفرت بها … حرزا على الدار أو قفلا على الباب\nفزاد هميانه واشتدّ هيجانه، ولم يزل كذلك حتى كان من أمره ما ذكر. فنعوذ بالله من المحن والفتن.\nقلت: ومثل هذا في الناس كثير ممن غلب عليه الاشتغال بالدنيا والهمّ بها أو سبب من أسبابها، حتى لقد حكي لنا أن بعض السماسرة جاء عند الموت فقيل له: قل لا إله إلا الله. فجعل يقول: ثلاثة ونصف، أربعة ونصف. غلبت عليه السمسرة.\nولقد رأيت بعض الحسّاب وهو في غاية المرض، يعقد بأصابعه ويحسب.\nوقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والجنان الفلاني اعملوا فيها كذا.\nوقيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يقول: عقلك الحمارة. وقيل لآخر:","vol":"1","page":51},{"text":"قل لا إله إلا الله فجعل يقول: البقرة الصفراء، غلب عليه حبها والاشتغال بها.\nنسأل الله السلامة والممات على الشهادة بمنه وكرمه.\nولقد حكى ابن ظفر في كتاب «النصائح» له قال: كان يونس بن عبيد - رحمه الله تعالى - بزّازا، وكان لا يبيع في طرفي النهار ولا في يوم غيم، فأخذ يوما ميزانه فرضّه بين حجرين فقيل له: هلا أعطيته الصانع فأصلح فساده؟ فقال: لو علمت فيه فسادا لما أبقيت من مالي قوت ليلة. قيل له: فلم كسرته؟ قال: حضرت الساعة رجلا احتضر فقلت له: قل لا إله إلا الله فامتعض، فألححت عليه فقال:\nادع الله لي، فقال: هذا لسان الميزان على لساني يمنعني من قولها. قلت أفما يمنعك إلا من قولها؟ فقال: نعم. قلت: وما كان عملك به؟ قال: ما أخذت ولا أعطيت به إلا حقّا في علمي، غير أني كنت أقيم المدة لا أفتقده ولا أختبره. فكان يونس بعد ذلك يشترط على من يبايعه أن يأتي بميزانه ويزن بيده وإلا لم يبعه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-43>١٥ - باب ما جاء في سوء الخاتمة وما جاء أن الأعمال بالخواتيم</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة» (^١).\nوفي البخاري عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم» (^٢).\nقال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، فاسمع ما سمع بهذا ولا علم به - والحمد لله - وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٨، ٣٣٣٢، ٦٥٩٤، ٧٤٥٤).","vol":"1","page":52},{"text":"ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله ثم العياذ بالله، أو يكون ممن كان مستقيما ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه، ويأخذ في طريقه، فيكون ذلك سببا لسوء خاتمته وشؤم عاقبته، كإبليس الذي عبد الله فيما يروى ثمانين ألف سنة، وبلعام بن باعوراء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض، واتباع هواه، وبرصيصا العابد الذي قال الله في حقه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦].\nويروى: أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجدا للأذان والصلاة، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة، فرقى يوما المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني ذمّي، فاطّلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها وترك الأذان، ونزل إليها ودخل الدار فقالت له: ما شأنك ما تريد؟ فقال: أنت أريد.\nقالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبت لبي وأخذت بمجامع قلبي. قالت: لا أجيبك إلى ريبة. قال لها: أتزوج. قالت له: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك. قال لها: أتنصّر! قالت: إن فعلت أفعل. فتنصّر ليتزوّجها، وأقام معهم في الدار. فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلا هو فاز بدينه ولا هو فاز بها. فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سوء العاقبة وسوء الخاتمة.\nويروى أن رجلا علق بشخص وأحبه، فتمنّع عنه واشتدّ نفاره فاشتد كلف البائس إلى أن لزم الفراش، فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن يعوده، فأخبر بذلك ففرح واشتد فرحه وسروره، وانجلى عنه بعض ما كان يجده، فلما كان في بعض الطريق رجع وقال: والله لا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض بنفسي لمواقع التهم فأخبر بذلك البائس المسكين فسقط في يده، ورجع إلى أسوأ ما كان به وبدت علامات الموت وأمارته عليه.\nقال الراوي: فسمعته يقول وهو في تلك الحال:\nسلام يا راحة العليل … وبرد ذل الدّنف النحيل\nرضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل!!\nقال: فقلت له: يا فلان اتق الله تعالى فقال: قد كان ما كان. فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه. فنعوذ بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة.\nقال المؤلف ﵀: روى البخاري عن سالم، عن عبد الله، قال: كان","vol":"1","page":53},{"text":"كثيرا ما كان النبي ﷺ يحلف: «لا ومقلّب القلوب» (^١). ومعناه: يصرفها أسرع من مر الريح، على اختلاف في القبول والرد والإرادة والكراهية، وغير ذلك من الأوصاف، وفي التنزيل: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] قال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله، حتى لا يدري ما يصنع. بيانه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: عقل، واختار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله ﷿.\nوقالت عائشة ﵂: «كان النبيّ ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على طاعتك. فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟ قال: وما يؤمنني يا عائشة، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الجبار، إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلبه» (^٢).\nقال العلماء: وإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة، والعاقبة مغيبة، والإرادة غير مغالبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك، فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله الدّار عليك وخيره، فمهما افتخرت بذلك، كنت كالمفتخر بمتاع غيره، وربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم، فأصبحت وزهرها يابس هشيم، إذ هبت عليها الريح العقيم، كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم، فيصبح وهو بمعصيته مظلم سقيم، ذلك فعل العزيز الحكيم، الخلاق العليم.\nروى النسائي عن عثمان ﵁ قال: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٩١) والنسائي في «الكبرى» (٤ /رقم: ٧٧٣٧) والآجري في «الشريعة» (٣٥٩/ ١/٣٣٤) من طريق: يونس وهشام والمعلى بن زياد، عن الحسن البصري، عن عائشة به.\nوإسناده رجاله ثقات رجال مسلم، لولا أن الحسن البصري مدلّس، قاله الألباني في «ظلال الجنة» (٢٢٤).\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢٥١) من طريق: حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة به.\nوإسناده ضعيف؛ لأجل علي بن زيد هو: ابن جدعان «ضعيف».\nلكن الحديث صحيح له شواهد كثيرة جدا عن غير واحد من الصحابة، منها ما هو في مسلم، فلله الحمد والمنة.","vol":"1","page":54},{"text":"إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبّد، فعلقت به امرأة غويّة، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت الجارية كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضت إلى امرأة وضيئة - أي جميلة - عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام قال: فاسقيني من هذه الخمر؟ فسقته كأسا قال: زيدوني، فلم يزل يشرب حتى وقع عليها وقتل الغلام. فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه» (^١).\nويروى أن رجلا أسيرا مسلما، وكان حافظا للقرآن، خصّ بخدمة راهبين، فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته، فأسلم الراهبان وتنصّر المسلم.\nوقيل له: ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه. قال: لا أرجع إليه أبدا فقتل، وفي الخبر قصته، والحكايات كثيرة في هذا الباب نسأل الله السلامة والممات على الشهادة.\nوأنشد بعضهم:\nقد جرت الأقلام في ذي الورى … بالختم من أمر الحكيم العليم\nفمن سعيد وشقي ومن … مثر من المال وعار عديم\nومن عزيز رأسه في السّها … ومن ذليل وجهه في التخوم\nومن صحيح شيدت أركانه … وآخر واهي المباني سقيم\nكلّ على منهاجه سالك … ذلك تقدير العزيز العليم\nوقال الربيع: سئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول:\nما شئت كان وإن لم أشأ … وما شئت إن لم تشأ لم يكن\nخلقت العباد على ما علمت … ففي العلم يجري الفتى والمسن\nعلى ذا مننت وهذا خذلت … وهذا أعنت وذا لم تعن\nفمنهم شقيّ ومنهم سعيد … ومنهم قبيح ومنهم حسن\nومنهم غنيّ ومنهم فقير … وكلّ بأعماله مرتهن\n***\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٨/ ٣١٥) موقوفا على عثمان ﵁ وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٥٢٣٦).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>١٦ - باب ما جاء في رسل ملك الموت قبل الوفاة</span>\nورد في الخبر: أن بعض الأنبياء ﵈ قال لملك الموت ﵇:\nأما لك رسول تقدّمه بين يديك ليكون الناس على حذر منك؟ قال: نعم، لي والله رسل كثيرة من الإعلال والأمراض والشيب والهموم وتغير السمع والبصر، فإذا لم يتذكر من نزل به ذلك ولم يتب، فإذا قبضته ناديته: ألم أقدّم إليك رسولا بعد رسول ونذيرا بعد نذير؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير. فما من يوم تطلع فيه شمس ولا تغرب إلا وملك الموت ينادي: ويا أبناء الأربعين، هذا وقت أخذ الزاد، أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد. يا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد. ويا أبناء الستين نسيتم العقاب، وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاّق».\nوفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتى بلغ ستين سنة» (^١).\nيقال أعذر في الأمر؛ أي بالغ فيه، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده، وأكبر الإعذار إلى بني آدم؛ بعثة الرسل إليهم، ليتم حجته عليهم ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] قيل هو القرآن وقيل هو الرسل إليهم.\nوعن ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفراء والطبري قالوا: هو الشيب، فإنه يأتي في سن الاكتهال، فهو علامة لمفارقته سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب (^٢)، قال الشاعر:\nرأيت الشيب من نذر المنايا … لصاحبه وحسبك من نذير\nتقول النفس غيّر لون هذا … عساك تطيب في عمر يسير\nفقلت لها المشيب نذير عمري … ولست مسوّدا وجه النذير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤١٩).\n(^٢) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٨٤ - ٣١٨٥) و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٧٣٣) و«الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤).","vol":"1","page":56},{"text":"وقال آخر:\nوقائلة تخضّب فالغواني … نوافر عن معاينة النذير\nوللقاضي منذر بن سعيد البلوطي (^١) رحمة الله تعالى عليه:\nكم تصابى وقد علاك المشيب … وتعامى جهلا وأنت اللبيب\nكيف تلهو وقد أتاك نذير … وشباك الحمام منك قريب\nيا مقيما قد حان منه رحيل … بعد ذاك الرحيل يوم عصيب\nإن للموت سكرة فارتقبها … لا يداويك إذا أتتك طبيب\nثم تثوى حتى تصير رهينا … ثم يأتيك دعوة فتجيب\nبأمور المعاد أنت عليم … فاعملن جاهدا لها يا أريب\nوتذكّر يوما تحاسب فيه … إن من يذكر الممات ينيب\nليس في ساعة من الدهر إلا … للمنايا عليك فيها رقيب\nكلّ يوم ترميك منها بسهم … إن تخطي يوما فسوف يصيب\nوله أيضا ﵁:\nثلاث وستون قد جزتها … فماذا تؤمّل أو تنتظر\nوحل عليك نذير المشيب … فما ترعوي أو فما تزدجر\nتمرّ لياليك مرّا حثيثا … وأنت على ما أرى مستمر\nفلو كنت تعقل ما ينقضي … من العمر لاعتضت خيرا بشر\nفما لك - ويحك - لا تستعد إذن … لدار المقام ودار المقر\nأترغب عن فجأة للمنون … وتعلم أن ليس منها وزر\nفإما إلى جنة أزلفت … وإما إلى سقر تستعر\nوقيل: النذير الحمّى، ومنه قوله ﷺ: «الحمى نذير الموت» (^٢). أي: رائد الموت.\n_________\n(^١) هو: منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن النّفزي القرطبي؛ أبو الحكم البلّوطي الأندلسي، قاض من قضاة الأندلس، كان فقيها محقّقا، وخطيبا بليغا مفوّها. ولد سنة (٢٧٣) وتوفي سنة (٣٥٥).\nانظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ١٧٣) و«البداية والنهاية» (١١/ ٢٨٨ - ٢٨٩) و«نفح الطيب» (١/ ٣٧٢) وغيرها.\n(^٢) لم أجده بهذا اللفظ، لكن أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ١٦١) وابن قانع في «معجم الصحابة» (١٠ /رقم: ١١٢٧) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٥/ ٢٤٨) من طريق: أبي عاصم العباداني، عبد الله بن عبيد الله، نا المحبر بن هارون، عن أبي يزيد المدني، عن -","vol":"1","page":57},{"text":"قال الأزهري معناه: أن الحمى رسول الموت، أي: كأنها تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه. وقيل: موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان، وذلك إنذار الرحيل في كل وقت وأوان وحين وزمان.\nقال الشاعر:\nوأراك تحملهم ولست تردّهم … وكأنني بك قد حملت فلم ترد\nوللفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين (^١) رحمه الله تعالى آمين:\nالموت في كلّ حين يطلب الكفنا … ونحن في غفلة عما يراد بنا\nلا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها … وإن توشحت من أثوابها الحسنا\nأين الأحبّة والجيران ما فعلوا … أين الذين همو كانوا لنا سكنا\nسقاهم الموت كأسا غير صافية … فصيّرتهم لأطباق الثرى رهنا\nوروي أن ملك الموت دخل على داود ﵇ فقال: من أنت؟ فقال:\nمن لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرّشا، قال: فإذا أنت ملك الموت. قال: نعم. قال: أتيتني ولم أستعد بعد؟ قال: يا داود أين فلان قريبك؟ أين فلان جارك؟ قال: مات، قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد (^٢).\n_________\n= عبد الرحمن بن المرقّع، فذكره مطوّلا، وفيه قصته؛ بلفظ: «الحمى رائد الموت».\nوإسناده ضعيف؛ قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٩٥) «رواه الطبراني، وفيه المحبر بن هارون، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات».\nقلت: عبد الله بن عبيد الله؛ أبو عاصم، كان يخطئ كما في «ثقات» ابن حبان (٧/ ٤٦).\nوأبو يزيد المدني؛ قال عنه الحافظ: «مقبول»، يعني عند المتابعة، وإلا فهو ليّن.\nوالمحبر بن هارون؛ ترجمه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/ ٤١٩) وابن حبان في «الثقات» (٧/ ٥٢٦) وقالا: «يروي عن أبي يزيد المدني، روى عنه أبو عاصم العباداني».\nفهو على هذا مجهول الحال، والله أعلم.\nوالحديث عزاه المناوي والهندي لابن السني وأبي نعيم في «الطب» وابن أبي الدنيا في «الكفارات» من حديث أنس.\nوضعفه الحافظ السيوطي في «الحاوي للفتاوى» (١/ ٥٧٥) والألباني في «ضعيف الجامع» (٢٧٩٨).\n(^١) هو: محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد بن إبراهيم بن أبي زمنين المرّي الإلبيري؛ أبو عبد الله القرطبي.\nمن كبار علماء الأندلس وفقهائها، ولد سنة (٣٢٤) وتوفي سنة (٣٩٩).\nانظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ١٨٨) و«ترتيب المدارك» (٤/ ٦٧٢) ومقدمة الشيخ عبد الله بن محمد البخاري على «أصول السنة» ط. مكتبة الغرباء الأثرية، ومقدمة كتاب «منتخب الأحكام» لابن أبي زمنين، بتحقيق: عبد الله بن عطية الغامدي، ط. المكتبة المكية ومؤسسة الريان.\n(^٢) مثل هذا الأخبار - وخاصة ما يتعلّق بأنبياء الله ورسله - يحتاج إلى إثباتها صحّة السند إلى قائليها، فليس كل ما يروى ويذكر يؤخذ، حتى يعلم صحته من ضعفه. والله الموفق.","vol":"1","page":58},{"text":"وقيل: كمال العقل الذي نعرف به حقائق الأمور، ويفصل به بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته، ويرغب فيما عند ربه، فهو نذير، والنذير بمعنى الإنذار والإنذار والإعذار قريب بعضه من بعض، وأكبر الإعذار إلى ابن آدم؛ بعثة الرسل إليهم، ثم الشيب أو غيره كما بيّنّا. وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله، ففيه إعذار بعد إعذار، وإنذار بعد إنذار.\nالأول: بالنبي ﷺ.\nوالثاني: بالشيب، وذلك عند كمال الأربعين، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] فذكر ﷿: أن من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها.\nقال مالك ﵀: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا، ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.\nتنبيه: هذا الباب هو الأصل في إعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى، وكان هذا لطفا بالخلف ولتنفيذ القيام عليهم بالحق.\nحكي عن بعض العلماء أنه كان يميل إلى الراحات كثيرا، وكان يخلو في بستان له بأصحابه، فلا يأذن لأحد سواهم، فبينما هو في البستان؛ إذ رأى رجلا يتخلل الشجر فغضب وقال: من أذن لهذا؟ وجاء الرجل فجلس أمامه وقال: ما ترى في رجل ثبت عليه حق فزعم أن له مدافعة عنه؟ فقال: ينظره الحاكم بقدر ما يرى، قال السائل:\nقد ضرب له الحاكم أجلا فلم يأت بمنفعة ولا أقلع عن اللدد والمدافعة، قال: يقضي عليه. قال: فإن الحاكم رفق به وأمهله أكثر من خمسين سنة. فأطرق الفقيه وتحدّر عرق وجهه، وذهب السائل. ثم إن العالم أفاق من فكرته، فسأل عن السائل، فقال البواب: ما دخل أحد عليكم ولا خرج من عندكم أحد، فقال لأصحابه: انصرفوا، فما كان يرى بعد ذلك إلا في مجلس يذكر فيه العلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>فصل</span>\nوقد رأيت أن أصل بهذه الحكاية حكايات في الشيب على سبيل الوعظ والتذكير والتخويف والتحذير.\nحكي عن بعض المترفين أنه رفض ما كان فيه بغتة على غير تدريج، فسئل عن السبب، فقال ما معناه: كانت لي أمة لا يزيدني طول الاستمتاع منها إلا غراما بها، فقلبت شعرها يوما فإذا فيه شعرتان بيضاوان، فأخبرتها فارتاعت وقالت:","vol":"1","page":59},{"text":"أرني، فأريتها فقالت: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] ثم نظرت إليّ وقالت: اعلم أنه لو لم تفترض عليّ طاعتك لما أويت إليك، فدع لي ليلي أو نهاري لأتزوّد فيه لآخرتي، فقلت: لا ولا كرامة، فغضبت، وقالت: أتحول بيني وبين ربّي، وقد آذنني بلقائه، اللهم بدّل حبّه لي بغضا. قال: فبت وما شيء أحبّ إليّ من بعدها عني، وعرضتها للبيع، فأتاني من أعطاني فيها ما أريد، فلما عزمت على البيع بكت، فقلت: أنت أردت هذا، فقالت: والله ما اخترت عليك شيئا من الدنيا، هل لك إلى ما هو خير لك من ثمني؟ قلت: وما هو؟ قالت: تعتقني لله ﷿، فإنه أملك لك منك لي، وأعود عليك منك عليّ، فقلت: قد فعلت، فقالت: أمضى الله صفقتك وبلّغك أضعاف أملك، وتزهّدت فبغضت إليّ الدنيا ونعيمها.\nوقال عبد الله بن أبي نوح: رأيت كهلا بمسجد رسول الله ﷺ لا يزال ينفض الغبار عن جدرانه بسعفة، فسألت عنه، فقيل: إنه من ولد عثمان بن عفان ﵁ وأن له أولادا وموالي ونعمة موفورة، وأنه اطّلع في مرآته فصرخ وجنّ ولزم المسجد كما ترى، وإذا أراد أهله أن يأخذوه ليداووه ويصونوه هرب منهم، وعاذ بالقبر المكرم فتركوه، فرقبته نهارا فلم أر منه اختلالا، ورقبته ليلا فلما ذهب جنح من الليل، خرج من المسجد فتبعته حتى أتى البقيع فقام يصلي ويبكي حتى قرب طلوع الفجر، فجلس يدعو، وجاءت إليه دابة لا أدري أشاة أم ظبية أم غيرها، فقامت عنده وتفاجت فالتقم ضرعها فشرب ثم مسح ظهرها، وقال: اذهبي بارك الله فيك، فولّت تهرع، فانسلك، فسبقته إلى المسجد فأقمت ليالي أخرج بخروجه إلى البقيع ولا يشعر بي، وسمعته يقول في مناجاته: اللهم إنك أرسلت إليّ ولم تأذن لي، فإن كنت قد رضيتني فأذن لي، وإن لم ترض فوفقني لما يرضيك، قال:\nفلما حان رحيلي أتيته مودّعا فتجهّمني، فقلت: أنا صاحبك منذ ليال بالبقيع، أصلي بصلاتك، وأؤمن على دعائك، قال: هل أطلعت على ذلك أحدا؟ قلت:\nلا. قال: انصرف راشدا، قلت: ما الرسول الذي أرسل إليك؟ قال: اطّلعت في المرآة فرأيت شيبة في وجهي، فعلمت أنها رسول الله إليّ، فقلت: ادع لي، قال:\nما أنا أهل لذلك، ولكن تعالى نتوسّل إلى الله برسوله (^١)، فقمت معه تجاه القبر\n_________\n(^١) التوسل إلى الله برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، توسّل غير شرعي، إذ التوسل عبادة، والعبادة لا يجوز فعلها إلا بدليل، والله ورسوله لم يشرعا لنا أن نتوسل بغير الله جل وعلا، أو بالدعاء الشرعي، الذي علّمنا إياه رسول الله ﵌.\nويا طالب الحق، ويا طالب النجاة؛ إن أردت الاستنارة والاستفادة والهدى المستقيم والحق -","vol":"1","page":60},{"text":"المكرم، فقال: ما حاجتك؟ قلت: العفو، فدعا دعاء خفيفا، فأمّنت، ثم مال على جدار القبر، فإذا هو ميت فتنحّيت عنه، حتى فطن الناس له. وجاء أولاده ومواليه فاحتملوه وجهّزوه، وصليت عليه فيمن صلّى.\nويقال: إن ملكا من ملوك اليونان، استعمل على ملبسه أمة أدّبها بعض الحكماء، فألبسته يوما ثيابه وأرته المرآة، فرأى في وجهه شعرة بيضاء، فاستدعى بالمقراض وقصّها، فأخذتها الأمة فقبلتها ووضعتها على كفها، وأصغت بأذنها إليها، فقال لها الملك: إلى أيّ شيء تصغين؟ فقالت: إني أسمع هذه المبتلاة بفقد كرامة قرب الملك تقول قولا عجيبا، قال: ما هو؟ قالت: لا يجترئ لساني على النطق به. قال: قولي وأنت آمنة ما لزمت الحكمة، قالت ما معناه، إنها تقول: أيها الملك المسلط إلى أمد قريب إني خفت بطشك بي فلم أظهر حتى عهدت إلى بناتي أن يأخذن بثأري، وكأنك بهن قد خرجن عليك فإما أن يعجلن الفتك بك، وإما أن ينقصن شهوتك وقوتك وصحتك حتى تعد الموت غنما، فقال: اكتبي كلامك فكتبته فتدبّره، ثم نبذ ملكه في حديث. هذا المقصود منه، وفي معناه قيل:\nوزائرة للشيب لاحت بمفرقي … فبادرتها خوفا من الحتف بالنتف\nفقالت:\nعلى ضعفي استطعت، ووحدتي … رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي\nوفي الإسرائيليات؛ أن إبراهيم الخليل لما رجع من تقريب ولده إلى ربه ﷿، رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء، وكان ﵇ أول من شاب على وجه الأرض، فأنكرتها وأرته إياها. فجعل يتأملها وأعجبته وكرهتها سارة، وطالبته بإزالتها فأبى، فأتاه ملك الموت فقال: السلام عليك يا إبراهيم، وكان اسمه إبرام فزاده في اسمه هاء، والهاء في السريانية للتفخيم والتعظيم، ففرح بذلك، فقال: أشكر إلهي وإله كل شيء. فقال له الملك: إن الله قد صيرك معظّما في أهل السموات وأهل الأرض، وقد وسمك بسمة أهل الوقار في اسمك وفي خلقك، أما اسمك فإنك تدعى في أهل السماء وأهل الأرض إبراهيم، وأما خلقك فقد أنزل وقارا ونورا على شعرك. فأخبر\n_________\n= الواضح المبين في هذه المسألة التي ضلّت فيها عقول كثير من الناس، فما عليك إلا أن تقرأ: كتاب «قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة» لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، و«التوسل أنواعه وأحكامه» للمحدّث الألباني - رحمه الله تعالى - وهو مطبوع بالمكتب الإسلامي ببيروت، و«التوصل إلى حقيقة التوسل» لمحمد نسيب الرفاعي - رحمه الله تعالى - و«التوسل حكمه وأقسامه» جمع وإعداد: أبو أنس علي بن حسين أبو لوز - نشر دار ابن خزيمة بالرياض، وغيرها من أمهات كتب العقيدة السلفية.","vol":"1","page":61},{"text":"سارة بما قال له الملك، وقال: هذا الذي كرهتيه نور ووقار، قالت: إني كارهة له.\nقال: لكني أحبه، اللهم زدني نورا ووقارا، فأصبح وقد ابيضّت لحيته كلها.\nوفي الآثار النبوية: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» (^١).\nوروي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليستحيي أن يعذّب ذا شيبة» (^٢).\nوالأخبار في هذا الباب كثيرة. وكذلك الشعر اكتفينا منه بما ذكرنا وبالله توفيقنا.\nوقال أعرابي في الشيب والخضاب:\nيا بؤس من فقد الشباب وغيّرت … منه مفارق رأسه بخضاب\nيرجو نضارة وجهه بخضابه … ومصير كلّ عمارة لخراب\nشيئان لو بكت الدماء عليهما … عيناي حتى يؤذنا بذهاب\nإني وجدت أجلّ كلّ مصيبة … فقد الشباب وفرقة الأحباب\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-46>١٧ - باب متى تنقطع معرفة العبد من الناس وفي التوبة وبيانها، وفي التائب من هو؟</span>\n(ابن ماجه) عن أبي موسى الأشعري: سألت رسول الله ﷺ؛ متى تنقطع معرفة العبد من الناس؟ قال: «إذا عاين» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>فصل</span>\nقوله: «إذا عاين» يريد: إذا عاين ملك الموت أو الملائكة - والله أعلم - وهو معنى قوله ﵊ في الحديث الآخر: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١١٣، ٣٨٦) والنسائي (٦/ ٢٦) والترمذي (١٦٣٥) والبيهقي (٩/ ٢٧٢) من حديث عمرو بن عبسة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦) والنسائي (٦/ ٢٧) والترمذي (١٦٣٤) من حديث كعب بن مرة. وللحديث شواهد كثيرة عن غيرهما من الصحابة.\nوقد صحّحه الألباني في «الصحيحة» (٢/ ٢٤٨) وفي «تعليقه على المشكاة» رقم (٤٤٥٩).\n(^٢) ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (٢٨٤/ ٢٤٢/١) وضعّفه.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٤٥٣). وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٢٧٧): «ضعيف جدا».","vol":"1","page":62},{"text":"خرّجه الترمذي (^١). أي عند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان، ولا تنفع حينئذ توبة ولا إيمان، كما قال تعالى في محكم البيان: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح، وذلك عند غرغرته بالروح، وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين، فشخص من الصدر إلى الحلقوم، فعندها المعاينة، وعندها حضور الموت، فاعلم ذلك. فيجب على الإنسان أن يتوب قبل المعاينة والغرغرة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧].\nقال ابن عباس والسّدّيّ: من قريب: قبل المرض والموت.\nوقال أبو مجلز والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة والسّوق وأن يغلب المرء على نفسه.\nولقد أحسن محمود الورّاق حيث قال:\nقدّم لنفسك توبة مرجوّة … قبل الممات وقبل حبس الألسن\nبادر بها غلق النفوس فإنها … ذخر وغنم للمنيب المحسن\nقال علماؤنا ﵏: وإنما صحّت منه التوبة في هذا الوقت، لأن الرجاء باق، ويصح الندم والعزم على ترك الفعل. وقيل: المعنى: يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار، والمبادرة في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح، والبعد كل البعد الموت، وأما ما كان قبل الموت فهو قريب. عن الضحاك ﵁ أيضا.\nوعن الحسن: لما هبط إبليس قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده، قال الله تعالى: وعزّتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه.\nوالتوبة فرض على المؤمنين باتفاق المسلمين (^٢) لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ١٣٢) والترمذي (٣٥٣٧) وابن ماجه (٤٢٥٣)، وحسنه الألباني كما في «صحيح الجامع» (١٨٩٩).\n(^٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (٥/ ٩٠ و١٨/ ١٩٧) و«مختصر منهاج القاصدين» لابن قدامة ص ٣٢٢ و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣١٠).","vol":"1","page":63},{"text":"ولها شروط أربعة (^١): الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على أن لا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى وخوفا منه لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل: من شروطها:\nالاعتراف بالذنب، وكثرة الاستغفار الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه: أستغفر الله وقلبه مصرّ على معصيته؛ فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر.\nوروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: هذا مقولة في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع، والسبحة في يده، زاعما أنه يستغفر من ذنبه، وذلك استهزاء منه واستخفاف، وهو ممن اتخذ آيات الله هزوا، وفي التنزيل: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١].\nوروي عن علي ﵁ أنه رأى رجلا قد فرغ من صلاته وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، سريعا - فقال له: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة. قال يا أمير المؤمنين: وما التوبة؟ قال:\nاسم يقع على ستّة معان: على الماضي من الذنوب، والندامة ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم إلى أهلها، وإذءاب النفس في الطاعة كما أذأبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، وأن تزين نفسك في طاعة الله كما زينتها في معصية الله، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.\nوقال أبو بكر الورّاق: التوبة أن تكون نصوحا، وهو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلّفوا وهم كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع وهلال بن أمية.\nوقيل: التوبة النصوح هي: رد المظالم واستحلال الخصوم وإدمان الطاعات.\nوقيل غير هذا.\nوبالجملة فالذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على سالف من كفره، وليس مجرد الإيمان نفس التوبة. وغير الكفر؛ إما حق لله تعالى وإما حق لغيره. فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك، غير أن منها ما لم يكتف\n_________\n(^١) انظر في ذلك: «حادي الروح إلى أحكام التوبة النصوح» للشيخ المفضال سليم بن عيد الهلالي، نشر: دار ابن عفان.","vol":"1","page":64},{"text":"الشرع فيها بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء؛ كالصلاة والصوم.\nومنها ما أضاف إليها كفارة؛ كالحنث في الأيمان وغير ذلك. وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجدوا؛ تصدّق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعساره فعفو الله مأمول وفضله مبذول، فكم ضمن من التبعات، وبدّل من السيئات بالحسنات. وعليه أن يكثر من الأعمال الصالحات، ويستغفر لمن ظلمه من المؤمنين والمؤمنات، فهذا الكلام في حقيقة التوبة.\nوقد روي مرفوعا في صفة التائب من حديث ابن مسعود أن النبيّ ﷺ قال وهو في جماعة من أصحابه: «أتدرون من التائب؟» قالوا: اللهم لا. قال: «إذا تاب العبد ولم يرض خصماؤه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير مجلسه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير نفقته وزينته فليس بتائب، ومن تاب ولم يغير فراشه ووساده فليس بتائب، ومن تاب ولم يوسع خلقه فليس بتائب، ومن تاب ولم يوسع قلبه وكفه فليس بتائب». ثم قال النبي ﷺ: «فإذا تاب عن هذه الخصال فذلك تائب حقا».\nقال العلماء: إرضاء الخصوم يكون بأن يرد عليهم ما غصبهم من مال، أو خانهم، أو غلهم، أو اغتابهم، أو خرق أعراضهم، أو شتمهم، أو سبهم، فيرضيهم بما استطاع، ويتحللهم من ذلك، فإن انقرضوا فإن كان لهم قبله مال رده إلى الورثة، وإن لم يعرف الورثة تصدّق به عنهم، ويستغفر لهم بعد الموت ويدعو لهم عوض الذم والغيبة، لا خلاف في هذا.\nوأما تغيير اللباس فهو أن يستبدل ما عليه من الحرام بالحلال، وإن كانت ثياب كبر وخيلاء استبدلها بأطمار متوسطة.\nوتغيير المجلس؛ هو بأن يترك مجالس اللهو واللعب والجهال والأحداث، ويجالس العلماء ومجالس الذكر والفقراء والصالحين، ويتقرب إلى قلوبهم بالخدمة وبما يستطيع، ويصافحهم.\nوتغيير الطعام بأن يأكل الحلال ويجانب ما كان من شبهة أو شهوة، ويغير أوقات أكله، ولا يقصد اللذيذ من الأطعمة.\nوتغيير النفقة هو بترك الحرام وكسب الحلال.\nوتغيير الزينة بترك التزين في الأثاث والبناء واللباس والطعام والشراب.\nوتغيير الفراش بالقيام بالليل عوض ما كان يشغله بالبطالة والغفلة والمعصية، كما قال الله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦].","vol":"1","page":65},{"text":"وتغيير الخلق هو بأن ينقلب خلقه من الشدة إلى اللين، ومن الضيق إلى السعة، ومن الشكاسة إلى السماحة.\nوتوسيع القلب يكون بالإنفاق، ثقة بالقيام على كل حال، وتوسيع الكف بالسخاء والإيثار بالعطاء. هكذا يبدّل كل ما كان فيه كشرب الخمر بكسره، وسقي اللبن والعسل، والزنا بكفالة الأرملة واليتيمة وتجهيزهما، ويكون مع ذلك نادما على ما سلف منه، ومتحسّرا على ما ضيّع من عمره. فإذا كملت التوبة به على هذه الخصال التي ذكرنا، والشروط التي بيّنّا تقبّلها الله بكرمه، وأنسى حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اِهْتَدى﴾ [طه: ٨٢].\nوالأصل في هذه الجملة؛ حديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي قتل مائة نفس ثم سأل: هل له من توبة؟ فقال له العالم: ومن يحول بينك وبينها، انطلق إلى أرض بني فلان، فإن بها ناسا صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء (^١). والحديث الذي أخرجه مسلم في «الصحيح». وفي «مسند أبي داود الطيالسي»: حدّثنا زهير بن معاوية، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد - وليس بابن أبي مريم - عن عبد الله بن معقل، قال:\nكنت مع أبي وأنا إلى جنبه عند عبد الله بن مسعود فقال له أبي: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله ﷿ تاب الله عليه»؟ فقال:\nنعم سمعته يقول: «الندم توبة» (^٢).\nوفي صحيح مسلم والبخاري، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧٠) ومسلم (٢٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٧٦، ٤٢٣، ٤٣٣) وابن ماجه (٤٢٥٢) وابن أبي شيبة (٩/ ٣٦١) والحاكم (٤/ ٢٤٣) والحميدي في «مسنده» (٥٨/ ١٠٥/١) والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٣، ١٤) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٣٧٤) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٣/ ١٣٥، ١٣٦، ٣٦٢) والطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٣٣) والطيالسي في «مسنده» (٣٨١) وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣١٢) والبيهقي في «السنن» (١٠/ ١٥٤) وفي «شعب الإيمان» (٣٨٦/ ٧٠٢٩/٥ - ٧٠٣٢) والبغوي في «شرح السنة» (٩١/ ١٣٠٧/٥) وغيرهم.\nمن طرق؛ عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل به.\nواختلف فيه على عبد الكريم؛ فتارة يرويه عن زياد بن أبي مريم، وتارة عن زياد بن الجراح. وحاصل هذا الاختلاف؛ أن جماعة رووا الحديث عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي مريم، منهم السفيانان وخصيف.\nوخالفهم جماعة؛ فرووه عن عبد الكريم، عن زياد بن الجراح.\nوهذا ما نبّه إليه الإمام الكبير أبي عبد الله إسماعيل البخاري في «التاريخ الكبير».","vol":"1","page":66},{"text":"رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» (^١)\nوروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له عن أبي هريرة ﵁ وأبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيديه» - ثلاث مرات - ثم سكت فأكبّ كلّ رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله ﷺ ثم قال: «ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق»، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ (^٢) [النساء: ٣١].\nقال الشيخ المؤلف ﵀: فدلّ القرآن على أن في الذنوب كبائر وصغائر، خلافا لمن قال: كلها كبائر، حسب ما بيناه في سورة النساء، وأن الصغائر كاللمسة والنظرة تكفّر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب، وهي إقامة الفرائض كما نص عليه الحديث، ومثله ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (^٣). على هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وهو الصحيح في الباب.\n_________\n(¬ورجّح العلامة المحدّث أحمد بن محمد شاكر ﵀ في تعليقه على «المسند» رقم (٣٥٦٨) رواية زياد بن أبي مريم، فقال: والراجح أنه عن زياد بن أبي مريم، لأن رواة ذلك أكثر وأحفظ. وسيأتي الحديث من رواية كثير بن هشام، عن عبد الكريم، عن زياد بن الجراح (٤٠١٢). وسيأتي من رواية معمر بن سليمان، عن خصيف، عن زياد بن أبي مريم (٤٠١٤، ٤٠١٦) ومن رواية وكيع وعبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم (٤١٢٤). ورواه ابن ماجه (٢/ ٢٩٢) عن هشام بن عمار، عن سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم» … ثم قال: «ومع كل هذا؛ فلو حفظت رواية من رواه عن زياد بن الجراح لكان صحيحا أيضا، لأن زياد بن الجراح ثقة» ا. هـ.\nوقال الدارقطني كما في «تهذيب التهذيب» (١/ ٦٥٤): «زياد بن أبي مريم؛ ثقة، وأما البخاري فجعل اسم أبي مريم؛ الجراح، واختار أنهما رجل واحد. وتبعه على ذلك ابن حبان في «الثقات».\nكذا قال ﵀ لكن صنيع البخاري يبيّن لك أنه لم يجعلهما رجلا واحدا، بل فرّق بينهما، فقد ترجم لكل واحد منهما على حدة.\nقال المحدث أحمد شاكر ﵀ (٥/ ١٩٥): «والخطأ - في رأيه - واضح - أي الدارقطني - لأن البخاري ترجم زياد بن الجراح قبل هذا بترجمة مستقلة (١/ ٣١٧/٢)، وإنما أراد بما صنع أن يبين اختلاف الرواة في أن الحديث عن هذا أو ذاك».\nخلاصة القول؛ أن الحديث صحيح، وهو في «صحيح الجامع» (٦٨٠٢) فلله الحمد والمنة.\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) ضمن حديث الإفك.\n(^٢) الحديث أخرجه النسائي (٥/ ٨) وضعفه الألباني في «ضعيف سنن النسائي» رقم (١٥١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣٣).","vol":"1","page":67},{"text":"وأما الكبائر فلا يكفّرها إلا التوبة منها والإقلاع عنها، كما بيّنا، وقد اختلف في تعيينها، ليس هذا موضع ذكرها، وسيأتي في القصاص، وفي أبواب النار جملة منها، إن شاء الله تعالى والله أعلم بالصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>١٨ - باب لا تخرج روح عبد مؤمن أو كافر حتى يبشّر وأنه يصعد بها</span>\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا حياة قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال:\nالسلام عليك يا وليّ الله، الله يقرئك السلام ثم نزع بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (^١) [النحل: ٣٢].\nوقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام.\nوعن البراء بن عازب في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه.\nوقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه.\n(ابن ماجه) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان وربّ راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، أدخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان وربّ راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله تعالى (^٢)،\n_________\n(^١) الأثر أخرجه ابن المبارك في «الزهد» رقم (٤٤٢) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٦١/ ٤٠٢/١).\n(^٢) قوله ﵌: «التي فيها الله تعالى …»؛ أي عليها، فإن «في» تأتي بمعنى على، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض.\nوفي هذا الحديث دليل على أن الله تعالى فوق سماواته بائن من خلقه، كما هي عقيدة المسلمين أهل التوحيد، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾. بعكس ما يبثّه أهل البدع ومن أشربت قلوبهم بعلم الكلام والفلسفة بأن الله تعالى ليس له مكان؛ فهو موجود بلا مكان!! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.","vol":"1","page":68},{"text":"فإذا كان الرجل السوء قالوا: أخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة، وأبشري بجحيم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال:\nفلان. فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر» (^١). خرّجه عن أبي بكر بن أبي شيبة.\nقال: حدّثنا شبابة بن يسار، عن سوار، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة.\nوهذا إسناد صحيح ثابت اتفق على رجاله البخاري ومسلم ما عدا ابن أبي شيبة، فإنه لمسلم وحده. خرّجه عبد بن حميد أيضا، عن ابن أبي ذئب قال: محمد بن عمر؛ فحدّثني سعيد بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: أخرجي أيتها الروح الطيبة» (^٢). فذكره مسلم عن أبي هريرة قال: «إذا خرجت روح العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها».\nقال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك قال: ويقول أهل السماء:\nروح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق بها إلى ربه ثم يقول: انطلقوا بها إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحه؛ قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعنا. ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض قال: فيقال: انطلقوا بها إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة:\nفرد رسول الله ﷺ ريطة كانت عليه على أنفه هكذا (^٣).\n(البخاري) عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» فقالت عائشة - أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت. فقال: «ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان من الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه مما أمامه، فأحبّ لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٢) وصححه الألباني في «المشكاة» (١٦٢٧).\n(^٢) طريق أخرى؛ أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٤) والنسائي في «الكبرى» (٢٢٣/ ٤٦٢/٢) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (٦١٠/ ١٤٤٩/٢) والآجري في «الشريعة» (٢١٩/ ٩٧٩/٢) والذهبي في «العلو» (٢٩٧/ ٢٤/١) وابن جرير في «تفسيره» (٨/ ١٢٩ - ١٣٠) وغيرهم.\nوهو على شرط الشيخين، كما قال المصنف.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٧٢).","vol":"1","page":69},{"text":"وكره الله لقاءه» (^١). أخرجه مسلم وابن ماجه من حديث عائشة (^٢)، وابن المبارك من حديث أنس ﵁ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>فصل</span>\nهذا الحديث، وإن كان مفسرا مبينا؛ فقد روي عن عائشة ﵂ في تفسير هذا الحديث أنها قالت لشريح بن هانئ وقد سألها عما سمعه عن أبي هريرة؛ وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعرّ الجلد، وتشنّجت الأصابع، فعند ذلك من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. خرّجه مسلم (^٤).\nوروي عنها أيضا في تفسيره؛ أنها قالت: إذا أراد الله بعبد خيرا قيّض له قبل موته بعام ملكا، فسدّده ووفقه حتى يقول الناس: مات فلان خير ما كان، فإذا أحضر ورأى ثوابه تهوع نفسه، أو قال: تهوعت نفسه، فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبده شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا، فأضله وفتنه، حتى يقول الناس مات فلان شر ما كان، فإذا أحضر ورأى ما ينزل به من العذاب تبلغ نفسه، فذلك حين يكره لقاء الله وكره الله لقاءه ..\nوخرّج الترمذي في أبواب القدر عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ إذا أراد بعبد خيرا استعمله». فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال:\n«يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (^٥). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: ومنه الحديث الآخر: «إذا أراد الله بعبده خيرا عسله». قالوا يا رسول الله وما عسله؟ قال: «يفتح الله له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله» (^٦).\nوعن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] قال: الروح الرحمة، والريحان تتلقاه به الملائكة عند الموت (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) ومسلم (٢٦٨٣) وغيرهما، من حديث عبادة بن الصامت.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقا (١١/ ٣٦٥) - فتح الباري - ومسلم (٢٦٨٤) وأحمد (٦/ ٤٤، ٥٥، ٢٠٧، ٢٣٦) والنسائي (٤/ ١٠) والترمذي (١٠٦٧) وابن ماجه (٤٢٦٤). من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٩٧١) وأحمد (٣/ ١٠٧) من حديث أنس بن مالك.\n(^٤) تقدّم آنفا.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢١٤٢) بإسناد صحيح.\n(^٦) أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٠) وهو في «الصحيحة» (١١١٤).\n(^٧) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (٣٣٣٥/ ١٨٨١٠/١٠).","vol":"1","page":70},{"text":"وروى ابن جريج عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]؛ إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ ويقول: قدما إلى الله ﷿، وأما الكافر فيقولون: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: ﴿اِرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] الآية (^١).\nوأما قوله في الحديث: «حتى ينتهي إلى السماء التي فيها الله تعالى» فالمعنى أمر الله وحكمه (^٢) وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى، التي إليها يصعد ما يعرج به من الأرض، ومنها يهبط ما ينزل به منها - كذا في صحيح مسلم من حديث الإسراء.\nوفي حديث البراء أنه ينتهي به إلى السماء السابعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقد كنت تكلّمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم ونظر بالفقه، ومعنا جماعة من أهل النظر، فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر من قوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٥] فذكرت له هذا الحديث، فما كان منه إلا أن بادر إلى عدم صحّته، ولعن رواته! وبين أيدينا رطب نأكله، فقلت له: الحديث صحيح، خرّجه ابن ماجه في «السنن»، ولا تردّ الأخبار بمثل هذا القول، بل تتأول وتحمل على ما يليق من التأويل (^٣)، والذين رووها هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها؛ فإن صدقوا هنا صدقوا هناك، وإن كذبوا هنا كذبوا هناك، ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٨/ ٤٠) مرسلا.\n(^٢) أوّل القرطبي هنا لفظ الحديث، والقرطبي أشعري، وهو يسير على طريقتهم في تأويل الصفات؛ عفا الله عنه، وسترى ذلك في أكثر من موضع في هذا الكتاب، وعقيدة أهل السنة والجماعة؛ أهل الحديث عدم تأويل الألفاظ، والأخذ بظواهرها، وهذا تجده مفصلا في كتب العقيدة، وخاصة ما يتعلق منها بالأسماء والصفات، وانظر «علو الله على خلقه» للشيخ أسامة القصاص رحمه الله تعالى. والله الهادي إلى سبيل الرشاد.\n(^٣) بل ليسعنا ما وسع السلف الصالح من أهل القرون الأولى ومن بعدهم، ولنمرّها كما جاءت دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، كما قال الأوزاعي ومالك وابن المبارك، وقبلهم أصحاب النبي ﷺ، فلا نعمل العقل والذهن القاصر عن تصوّر الغيبيات، فضلا عن عجزه لعلم ماهيتها، فكيف نترك لعقولنا العنان لكي تتفكّر في هذه الأخبار، فإن قبلتها عقولنا قبلناها، وإلا كانت الأخرى فنردّها، وهذا حال الحيران الذي أسلم نفسه لعقله وهواه، فيا عبد الله كن وقّافا على النصوص، وقف حيث وقف القوم، والله الموفق.\nوأقول تعقيبا على كلام القرطبي ﵀: إن الذين رووا هذه الأخبار، أخذوا بظواهرها ولم يؤوّلوها، وكذا الأئمة الذين نقلوها، فلنكن على هديهم.","vol":"1","page":71},{"text":"وقد خرّج البزار في «مسنده» من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] مرضيا عنك إلى روح الله وكرامته، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان، وطويت عليها الحريرة وذهب بها إلى عليين.\nوإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة، فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال:\nأيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى هوان الله وعذابه، فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة، ويطوى عليها المسح، ويذهب بها إلى سجّين» (^١).\nقال الشيخ المؤلف ﵀: فقوله في روح المؤمن: «يذهب بها إلى عليين» هو معنى ما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم إلى السماء التي فيها الله، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ولا إشكال.\nوذكرته عند بعض من يتّسم بالعلم والفقه والقضاء، فلم يكن منه إلا أن بادر بلعن من رواه ونقله!! فظنّ منه التجسيم، فقلت له: الحديث صحيح، والذين رووه هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وغيرها من أمور الدين، فإن كذبوا هنا كذبوا هنالك، وإن صدقوا هنا صدقوا هنالك. والتأويل مزيل ما توهمته، وكان في ذلك كلام. وحضره جماعة من أهل الفقه والنظر، فذكرت له ما ذكرناه، وذكرت له حديث التنزيل وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٥] وما تأوله العلماء في ذلك، وسيأتي من ذلك في هذا الكتاب ما فيه كفاية لمن اهتدى والحمد لله.\nوأما قوله في حديث محمد بن كعب، أول الباب: «إذا استنقعت نفس المؤمن»، فقال شمر: لا أعرفه، وسمعت الزهريّ يقول: يعني إذا اجتمعت في فيه حين تريد أن تخرج كما يستنقع الماء في قراره، والنفس الروح هاهنا، حكاه الهروي (^٢).\n***\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤/ ٨ - ٩) وابن حبان (٢٨٤/ ٣٠١٤/٧) والحاكم (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٠٩).\n(^٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٥/ ٩٤) و«الغريبين في القرآن والحديث» للهروي (١٨٨١/ ٦).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>١٩ - باب ما جاء في تلاقي الأرواح في السماء والسؤال عن أهل الأرض وفي عرض الأعمال</span>\n(ابن المبارك) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: «إذا قبضت نفس المؤمن تلقّاها أهل الرحمة من عباد الله تعالى كما يتلقّون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه يسألونه، فيقول بعضهم لبعض: انظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال:\nفيقبلون عليه فيسألونه؛ ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة، هل تزوّجت؟ فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله، فيقول: إنه هلك، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمّه الهاوية، فبئست الأمّ وبئست المربية، قال: فتعرض عليهم أعماله، فإن رأوا حسنا فرحوا واستبشروا وقالوا: اللهم هذه نعمتك على عبدك فأتمّها، وإن رأوا شرّا قالوا: اللهم راجع بعبدك» (^١).\nقال ابن المبارك: وأخبرنا صفوان بن عمرو، قال: حدّثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير؛ أن أبا الدرداء كان يقول: «إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرّون ويساءون، قال: يقول أبو الدرداء: اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا يخزى به عبد الله بن رواحة». وفي رواية: «اللهم إني أعوذ بك من عمل يخزيني عند عبد الله بن رواحة» (^٢).\nأخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي قال: أخبرني عثمان بن عبد الله بن أوس، أن سعيد بن جبير قال له: استأذن لي على ابنة أخي، وهي زوجة عثمان، وهي ابنة عمرو بن أوس، فاستأذنت له، فدخل عليها ثم قال: كيف يفعل بك زوجك؟ قالت: إنه إليّ المحسن فيما استطاع. فالتفت إليّ ثم قال: يا عثمان أحسن إليها فإنك لا تصنع بها شيئا إلا جاء عمرو بن أوس، فقلت: وهل تأتي الأموات أخبار الأحياء؟ قال نعم، ما من أحد له حميم إلا ويأتيه أخبار أقاربه، فإن كان خيرا سرّ به وفرح وهنئ به، وإن كان شرا ابتأس وحزن به، حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات، فيقال: أو لم يأتكم؟ فيقولون: لا، خولف به إلى أمه الهاوية (^٣).\nوعن الحسن البصري ﵁ قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عرج\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» رقم (٤٤٣) بسند حسن.\n(^٢) إسناده صحيح، أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٦٥).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٤٧) بإسناد حسن.","vol":"1","page":73},{"text":"به إلى السماء، فتلقاه أرواح المؤمنين، فيسألونه فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول:\nأو لم يأتكم؟ فيقولون: لا والله ما جاءنا ولا مر بنا، سلك به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية.\nوقال وهب بن منبه: إن لله في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء، تجتمع فيها أرواح المؤمنين، فإذا مات الميت من أهل الدنيا، تلقّته الأرواح، فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسائل الغائب أهله إذا قدم إليهم. ذكره أبو نعيم ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>فصل</span>\nهذه الأخبار وإن كانت موقوفة فمثلها لا يقال من جهة الرأي.\nوقد خرّج النسائي بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال - الحديث - وفيه: «فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدّ فرحا من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أو ما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية» (^١). وذكر الحديث، وسيأتي بكماله إلى شاء الله تعالى.\nوخرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا أبي ﵀، قال: حدّثنا قبيصة، عن سفيان، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعمالكم تعرض على عشائركم وأقاربكم من الموتى، فإن كان خيرا استبشروا، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم لما هديتنا» (^٢).\nوخرّج من حديث عبد الغفور بن عبد العزيز، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وتشرق، فاتقوا الله عباد الله لا تؤذوا موتاكم بأعمالكم» (^٣). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن أرواحكم تعرض إذا مات أحدكم على عشائركم وموتاكم، فيقول بعضهم لبعضهم: دعوه يستريح فإنه كان في كرب، ثم يسألونه: ما عمل فلان؟ وما عملت فلانة؟\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤/ ٨ - ٩) وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٠٤).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ أبان بن أبي عياش متروك.\nوأخرجه أحمد (٣/ ١٦٤ - ١٦٥) من طريق: سفيان عمن سمع أنس.\nوالمبهم هنا، هو أبان بن أبي عياش، كما عند الترمذي الحكيم.\nوالحديث ضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٨٦٣).\n(^٣) حديث موضوع؛ انظر «الضعيفة» (١٤٨٠).","vol":"1","page":74},{"text":"فإن ذكر خيرا حمدوا الله واستبشروا، وإن كان شرّا قالوا: اللهم اغفر له حتى إنهم ليسألون، هل تزوج فلان؟ هل تزوجت فلانة؟ قال: فيسألونه عن رجل مات قبله فيقول:\nذاك مات قبلي، أما مرّ بكم؟ فيقولون: لا والله، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهب به إلى أمّه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية، حتى إنهم ليسألونه عن هرّ البيت» (^١).\nذكره الثعلبي ﵀.\nوقد قيل في قوله ﵊: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (^٢) إنه هذا التلاقي، وقد قيل: تلاقي أرواح النيام والموتى، وقيل غير هذا. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>باب منه</span>\nروي من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته» (^٣). قيل:\nيجوز أن يكون الميت يبلغ من أفعال الأحياء وأقوالهم ما يؤذيه في قبره، بلطيفة يحدثها الله لهم من ملك يبلغ، أو علامة، أو دليل، أو ما شاء، وهو القادر على ما يشاء.\nوروي عن عروة قال: وقع رجل في علي ﵁ عند عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر ﵁: مالك قبّحك الله لقد آذيت رسول الله ﷺ في قبره.\nقال علماؤنا: ففي هذا الحديث زجر عن سوء القول في الأموات.\nوفي الحديث: أنه نهى عن سب الأموات وزجر عن فعل ما كان يسوؤهم في حياتهم، وفيه أيضا زجر عن عقوق الآباء والأمهات بعد موتهما بما يسوؤهما من فعل الحي.\nفقد روي في الحديث أن النبي ﷺ كان يهدي لصدائق خديجة صلة منه لها وبرا، وإذا كان الفعل صلة وبرا، كان ضده عقوبة وقطيعة وعقوقا.\nوقيل: يجوز أن يكون معنى الحديث: الميت يؤذيه في قبره من كان يؤذيه في بيته إذا كان حيّا، فيكون (ما) بمعنى (من) ويكون ذلك مضمرا في الكلام، والإشارة إلى الملك الموكل بالإنسان.\n_________\n(^١) تقدم قبل قليل.\n(^٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» معلقا (٣٣٣٦) ووصله في «الأدب المفرد» رقم (٩٠٠) ومسلم (٢٦٣٨).\n(^٣) إسناده ضعيف، وهو منكر كما في «علل ابن أبي حاتم» (١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":75},{"text":"فقد ورد في الخبر عن النبي ﷺ: «إن الملك يتباعد عن الرجل عند الكذبة يكذبها ميلين من نتن ما جاء به» (^١). وكذلك كل معصية لله تؤذي الملك الموكل به.\nفيجوز أن يموت العبد وهو مصر على معاصي الله غير تائب منها ولا مكفر عنه خطاياه، فيكون تمحيصه وتطهيره فيما يلحقه من الأذى من تغليظ الملك إياه أو تقريعه له، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>٢٠ - باب في شأن الروح وأين تصير حين تخرج من الجسد؟</span>\nقال أبو الحسن القابسي ﵀: الصحيح من المذهب، والذي عليه أهل السنة، أنها ترفعها الملائكة حتى توقفها بين يدي الله تعالى فيسألها (^٢)، فإن كانت من أهل السعادة قال لهم: سيروا بها وأروها مقعدها من الجنة. فيسيرون بها في الجنة على قدر ما يغسل الميت، فإذا غسل الميت وكفن؛ ردت وأدرجت بين كفنه وجسده، فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام الناس، من تكلم بخير ومن تكلم بشر، فإذا وصل إلى قبره وصلّى عليه، ردت فيه الروح وأقعد ذا روح وجسد، ودخل عليه الملكان الفتانان على ما يأتي.\nوعن عمرو بن دينار قال: ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك، ينظر إلى جسده كيف يغسل، وكيف يكفن، وكيف يمشى به فيجلس في قبره.\nقال داود: وزاد في هذا الحديث، قال: يقال له وهو على سريره: اسمع ثناء الناس عليك. ذكره أبو نعيم الحافظ في باب عمرو.\nوقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: فإذا قبض الملك النفس السعيدة، تناولها ملكان حسان الوجوه، عليهما أثواب حسنة، ولهما رائحة طيبة، فيلفونها في حرير من حرير الجنة، وهي على قدر النحلة، شخص إنساني ما فقد من عقله ولا من علمه المكتسب له في دار الدنيا، فيعرجون بها في الهواء، فلا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (٢/ ٣٠ - ٣١) بسند ضعيف.\n(^٢) وفي هذا دليل على أن الله ﷾ مستو على عرشه، فوق خلقه، فإلى أين ترفع الملائكة الروح وتصعد بها؟ أليس إلى باريها وفاطرها؟ فسبحان الذي قال: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾.","vol":"1","page":76},{"text":"يزال يمر بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيقرع الأمين الباب فيقال للأمين: من أنت؟ فيقول: أنا صلصائيل، وهذا فلان معي بأحسن أسمائه وأحبها إليه، فيقول: نعم الرجل كان فلان، وكانت عقيدته غير شاك. ثم ينتهي به إلى السماء الثانية، فيقرع الباب. فيقال له: من أنت؟ فيقول مقالته الأولى فيقولون: أهلا وسهلا بفلان، كان محافظا على صلاته بجميع فرائضها، ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الثالثة، فيقرع الباب، فيقال له: من أنت؟ فيقول الأمين مقالته الأولى والثانية، فيقال: مرحبا بفلان، كان يراعي الله في حق ماله، ولا يتمسك منه بشيء ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الرابعة، فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول كدأبه في مقالته، فيقال: أهلا بفلان، كان يصوم فيحسن الصوم، ويحفظه من أدران الرفث وحرام الطعام، ثم ينتهي إلى السماء الخامسة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول كعادته. فيقال: أهلا وسهلا بفلان، أدى حجّة الله الواجبة من غير سمعة ولا رياء، ثم ينتهي إلى السماء السادسة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته. فيقال: مرحبا بالرجل الصالح، والنفس الطيبة، كان كثير البر بوالديه، فيفتح له الباب. ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء السابعة فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين مقالته.\nفيقال: مرحبا بفلان، كان كثير الاستغفار بالأسحار، ويتصدق في السر ويكفل الأيتام، ثم يفتح له، فيمر حتى ينتهي إلى سرادقات الجلال، فيقرع الباب فيقال له: من أنت؟ فيقول الأمين مثل قوله، فيقول: أهلا وسهلا بالعبد الصالح والنفس الطيبة، كان كثير الاستغفار، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكرم المساكين. ويمر بملإ من الملائكة كلهم يبشرونه بالخير ويصافحونه، حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته، فيقال: أهلا وسهلا بفلان، كان عمله عملا صالحا خالصا لوجه الله ﷿، ثم يفتح له فيمر في بحر من نار، ثم يمر في بحر من نور، ثم يمر في بحر من ظلمة، ثم يمر في بحر من ماء، ثم يمر به في بحر من ثلج ثم يمر به في بحر من برد، طول كل بحر منها ألف عام، ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش الرحمن، وهي ثمانون ألفا من السرادقات، لها شراريف لكل سرادق ثمانون ألف شرافة، على كل شرافة ثمانون ألف قمر، يهللون لله ويسبحونه ويقدسونه، لو برز منها قمر واحد إلى السماء الدنيا، لعبد من دون الله ولأحرقها نورا، فحينئذ ينادي من الحضرة القدسية من وراء أولئك السرادقات: من هذه النفس التي جئتم بها؟ فيقال: فلان ابن فلان، فيقول الجليل ﷻ: قربوه فنعم العبد كنت يا","vol":"1","page":77},{"text":"عبدي، فإذا أوقفه بين يديه الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة، حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه (^١).\nكما روي عن يحيى بن أكثم القاضي؛ وقد رئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه. ثم قال: يا شيخ السوء فعلت كذا وفعلت كذا! فقلت: يا رب ما بهذا حدثت عنك. قال: فبم حدثت عني يا يحيى؟ فقلت: حدّثني الزهري عن معمر عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ عن جبريل عنك سبحانك أنك قلت: «إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة شابت في الإسلام» فقال:\nيا يحيى صدقت، وصدق الزهري، وصدق معمر، وصدق عروة، وصدقت عائشة، وصدق محمد، وصدق جبريل، وقد غفرت لك!!\nوعن ابن نباتة وقد رثي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه الكريمتين وقال: أنت الذي تخلص كلامك حتى يقال: ما أفصحه! فقلت: سبحانك إني كنت أصفك. قال: قل ما كنت تقول في دار الدنيا، قلت:\nأبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وسيوجدهم كما أعدمهم، وسيجمعهم كما فرقهم. قال لي: صدقت اذهب فإني قد غفرت لك.\nوعن منصور بن عمار؛ أنه رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال:\nأوقفني بين يديه، وقال لي: بماذا جئتني يا منصور؟ قلت: بست وثلاثين حجة.\nقال: ما قبلت منها شيئا ولا واحدة. ثم قال: بماذا جئتني يا منصور؟ قلت: جئتك بثلاثمائة وستين ختمة للقرآن قال: ما قبلت منها واحدة. ثم قال: فبماذا جئتني يا منصور؟ قال: جئتك بك، قال سبحانه: الآن جئتني، اذهب فقد غفرت لك (^٢)!!\nومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي سمع النداء: ردوه، فمنهم من يرد من الحجب، وإنما يصل إلى الله عارفوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>فصل</span>\nوأما الكافر فتؤخذ نفسه عنفا، فإذا وجهه كأكل الحنظل، والملك يقول:\n_________\n(^١) هذا الكلام الذي نقله القرطبي عن الغزالي - رحمهما الله - مما لا يقال بالرأي، ولا دليل عليه.\nلكن صح في «الصحيحين» حديث الملكين وسؤالهما، والعروج بالروح إلى السماء، وما في «الصحيح» يغني، والحمد لله على توفيقة.\n(^٢) هذه المنامات ظاهرها النكارة، وكان الأولى تنزيه الكتاب من مثلها، وخاصة أنها متعلقة بالله جل في علاه، ونسبة قول إلى الله لا يصحّ عن طريق مثل هذه المنامات، إنما نأخذه من المسند الصحيح من كلام النبي صلوات الله وسلامه عليه.","vol":"1","page":78},{"text":"أخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث، فإذا له صراخ أعظم ما يكون كصراخ الحمير، فإذا قبضها عزرائيل (^١) ناولها زبانية قباح الوجوه، سود الثياب منتني الرائحة، بأيديهم مسوح من شعر، فيلفونها فيستحيل شخصا إنسانيّا على قدر الجرادة، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن يعني في الجسم في الآخرة. وفي الصحيح: «أن ضرس الكافر في النار، مثل أحد» (^٢). فيعرج به حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيقرع الأمين الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول أنا دقيائيل لأن اسم الملك الموكل على زبانية العذاب دقيائيل (^٣)، فيقال: من معك؟ فيقول: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا، فيقال: لا أهلا ولا سهلا، ولا مرحبا، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فإذا سمع الأمين هذه المقالة، طرحه من يده، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وهو قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فإذا انتهى إلى الأرض ابتدرته الزبانية، وسارت به إلى سجين، وهي صخرة عظيمة تأوي إليها أرواح الفجار. وأما النصارى واليهود، فمردودون من الكرسي إلى قبورهم، هذا من كان منهم على شريعته، ويشاهد غسله ودفنه.\nوأما المشرك فلا يشاهد شيئا من ذلك، لأنه قد هوي به. وأما المنافق فمثل الثاني يرد ممقوتا مطرودا إلى حفرته. وأما المقصرون المؤمنون فتختلف أنواعهم، فمنهم ترده صلاته، لأن العبد إذا قصّر في صلاته كان سارقا لها. فتلف كما يلف الثوب الخلق، ويضرب بها وجهه. ثم تعرج وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ومنهم من تردّه زكاته لأنه إنما يزكي ليقال: فلان متصدق، وربما وضعها عند النساء، ولقد رأيناه عافانا الله مما حل به، ومن الناس من يرده صومه، لأنه صام عن الطعام ولم يصم عن الكلام، فهو رفث وخسران، فيخرج الشهر وقد بهرجه، ومن الناس من يرده حجّه، لأنه إنما حج ليقال فلان حج، أو يكون حج بمال خبيث، ومن الناس من يرده العقوق، وسائر أحوال البر كلها لا يعرفها إلا العلماء بأسرار المعاملات، وتخليص العمل الذي للملك الوهاب، فكل هذه المعاني\n_________\n(^١) هذا اللفظ يطلقه البعض على ملك الموت، وهو لفظ محدث لا أصل له، ولا يصح تسمية ملك الموت بهذا الاسم.\nانظر «معجم المناهي اللفظية» للعلاّمة بكر بن عبد الله أبو زيد ص ٣٩٠.\n(^٢) «صحيح مسلم» (٢٨٥١).\n(^٣) لم يرد هذا في حديث صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":79},{"text":"جاءت بها الآثار والأخبار، كالخبر الذي رواه معاذ بن جبل ﵁ في رد الأعمال، وغيره.\nفإذا ردت النفس إلى الجسد ووجدته قد أخذ في غسله إن كان قد غسل، فتقعد عند رأسه حتى يغسل، فإذا أدرج الميت في أكفانه صارت ملتصقة بالصدر من خارج الصدر، ولها خوار وعجيج تقول: أسرعوا بي إلى رحمة الله، أي رحمة لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، وإن كان يبشر بالشقاء تقول: رويدا إلى أي عذاب لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، فإذا أدخل القبر وهيل عليه التراب؛ ناداه القبر:\nكنت تفرح على ظهري، فاليوم تحزن في بطني، كنت تأكل الألوان على ظهري، فالآن يأكلك الدود في بطني، ويكثر عليه مثل هذه الألفاظ الموبخة حتى يسوّى عليه التراب، ثم يناديه ملك يقال له رومان، وهو أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم بغيبه وأحكم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-55>٢١ - باب كيفية التوفي للموتى واختلاف أحوالهم في ذلك</span>\nذكر الله التوفي في كتابه مجملا ومفصلا:\nفقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] وقال: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] وقال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، فهذا كله مجمل، وقد بينه رسول الله ﷺ على ما يأتي بيانه إن شاء تعالى. وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] وقال:\n﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]، وهذا مخصوص بمن قتل من الكفار يوم بدر، باتفاق أهل التأويل، فيما قاله بعض علمائنا، وقد ذكر المهدوي وغيره في ذلك اختلافا، وأن الكفار حتى الآن يتوفون بالضرب والهوان - والله أعلم.\nوروى مسلم في حديث فيه طول قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال:\n«بينما رجل من المسلمين يومئذ، يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة","vol":"1","page":80},{"text":"بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه لضربة السوط، فاخضرّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت ذلك من مدد السماء الثانية»، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر الحديث (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي بالعذاب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] إلى قوله:\n﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقد زادت السنة هذا النوع بيانا على ما يأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>فصل</span>\nإن قال قائل: كيف الجمع بين هذه الآي، وكيف يقبض ملك الموت في زمن واحد أرواح من يموت بالمشرق والمغرب؟ قيل له: اعلم أن التوفي مأخوذ من:\nتوفيت الدين واستوفيته، إذا قبضته، ولم يدع منه شيئا، فتارة يضاف إلى ملك الموت لمباشرته ذلك، وتارة إلى أعوانه من الملائكة، لأنهم قد يتولون ذلك أيضا، وتارة إلى الله تعالى وهو المتوفّى على الحقيقة كما قال ﷿: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الحج: ٦٦] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢]. فكل مأمور من الملائكة، فإنما يفعل ما يفعل بأمره.\nوقال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من الجسد، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. وهذا المعنى منصوص في حديث البراء، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوفي الخبر عن النبي ﷺ: «إن ملك الموت ليهيب بالأرواح، كما يهيب أحدكم بفلوّه أو فصيله ألا هلمّ ألا هلمّ». يهيب: يدعو. يقال: أهاب الرجل بغنمه أي صاح بها لتقف أو لترجع، وأهاب بالبعير.\nقال طرفة يصف ناقته:\nتريع إلى صوت المهيب وتتقي … بذي خصل روعات أكلب ملبد\nتريع: معناه: تعود وترجع.\nوقال الشاعر:\nطمعت بليلى إذ تريع وإنما … تقطع أرقاب الرجال المطامع\nوالخصل: أطراف الشجر المتدلية، والروعات: جمع روعة وهي الفزعة،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).","vol":"1","page":81},{"text":"وأكلب الرجل إذا أكلبت إبله، والكلب شبيه بالجنون، وقال جميعه الجوهري.\nوقال القتال الكلابي:\nأهابوا به فازداد بعد وصدّه … عن القرب منهم ضوء برق ووابله\nيعني فصل السهم.\nفأخبر ﷺ أنه يدعو الأرواح التي يتوفاها الله ويقبضها.\nوفي الخبر: «أن ملك الموت جالس وبين يديه صحيفة يكتب فيها له في ليلة النصف من شعبان». وهي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم من الأرزاق والآجال في قول بعض العلماء كعكرمة وغيره. والصحيح أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة القدر من شهر رمضان، وهو قول قتادة والحسن ومجاهد وغيرهم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ [الدخان: ١ - ٣] يعني القرآن ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] يعني ليلة القدر، وهذا بيّن (^١).\nوقال ابن عباس: إن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلّمها إلى أربابها في ليلة القدر (^٢). وكان هذا جمعا بين القولين والله أعلم.\nفإذا انقضى عمر ذلك الشخص الذي حان قبض روحه، سقطت ورقة من سدرة المنتهي التي فيها اسمه على اسمه في الصحيفة، فعرف أن قد فرغ أجله وانقطع أكله.\nوفي الخبر؛ أن ملك الموت تحت العرش يسقط عليه صحائف من يموت من تحت العرش. الصحف هنا ورق السدرة. والله أعلم.\nوكما في الخبر قبله: فإذا نظر إلى الإنسان، قد نفد رزقه وانقطع أكله، ألقى عليه سكرات الموت، فغشيته كرباته، وأدركته سكراته.\nوفي خبر الإسراء عن ابن عباس عن النبي ﷺ، قال: «مررت على ملك آخر جالس على كرسي، إذا جميع الدنيا ومن فيها بين ركبتيه، وبيده لوح مكتوب ينظر فيه، لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا ملك الموت فقلت:\nيا ملك الموت! كيف تقدر على قبض جميع أرواح من في الأرض برّها وبحرها؟ قال:\nألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتي، وجميع الخلائق بين عيني، ويداي تبلغان المشرق والمغرب؟ فإذا نفد أجل عبد نظرت إليه، فإذا نظرت إليه عرف أعواني من الملائكة أنه\n_________\n(^١) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (١٦/ ١٢٦ - ١٢٨). وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٧٣): «من قال أنها ليلة النصف من شعبان فقد أبعد النجعة».\n(^٢) لم أقف عليه.","vol":"1","page":82},{"text":"مقبوض، غدوا فبطشوا به يعالجون نزع روحه، فإذا بلغوا بالروح الحلقوم، علمت ذلك فلم يخف عليّ شيء من أمره، مددت يدي فأنزعه من جسده وآلي قبضه» (^١).\nوفي الخبر؛ أنه ينزل عليه أربعة من الملائكة: ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، وملك يجذبها من يده اليسر. ذكره أبو حامد.\nوقال: وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر، فيعاين الملائكة على حقيقة عمله، على ما يتحيزون إليه من عالمهم، فإن كان لسانه منطلقا حدث بوجودهم، وربما أعاد على نفسه الحديث بما رأى، وظن أن ذلك من فعل الشيطان به، فيسكت حين يعقل لسانه وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع، والنفس تنسلّ انسلال القذاة من السقا. والفاجر تسل روحه كالسّفود من الصوف المبلول. هكذا حكى صاحب الشرع ﵇. والميت يظن أن بطنه ملئت شوكا، كأنما نفسه تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، فإذا احتضرت نفسه إلى القلب، مات لسانه عن النطق فما أحد ينطق، والنفس مجموعة في صدره لسرّين: أحدهما: أن الأمر عظيم قد ضاق صدره بالنفس المجتمعة فيه، ألا ترى أن الإنسان إذا أصابته ضربة في الصدر بقي مدهوشا، فتارة لا يقدر على الكلام، وكل مطعون يطعن يصوّت، إلا مطعون الصدر فإنه يخر من غير تصويت.\nوأما السر الآخر؛ فلأن الذي فيه حركة الصوت المندفعة من الحرارة الغريزية فصار نفسه متغير الحالتين، حال الارتفاع والبرودة، لأنه فقد الحرارة، فعند هذا الحين تختلف أحوال الموتى، فمنهم من يطعنه الملك حينئذ بحربة مسمومة قد سقيت سمّا من نار فتفر الروح، وتفيض خارجة، فيأخذها الملك في يده وهي ترعد أشبه شيء بالزئبق، على قدر الجرادة شخصا إنسانيّا، ثم يناولها الزبانية.\nومن الموتى من تجذب نفسه رويدا حتى تنحصر في الحنجرة، وليس يبقى في الحنجرة إلا شعبة متصلة بالقلب، فحينئذ يطعنها بتلك الحربة الموصوفة.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: لم أجد لهذه الحربة في الأخبار ذكرا إلا ما ذكره أبو نعيم الحافظ.\nقال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن محمود قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال: حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا ثور ابن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت عليه\n_________\n(^١) لم أقف عليه.","vol":"1","page":83},{"text":"السلام حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، فإذا انقضى أجل عبد من الدنيا، ضرب رأسه بتلك الحربة وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات (^١).\nوروى سليمان بن معمر الكلابي قال: حضرت مالك بن أنس وأتاه رجل فسأله: يا أبا عبد الله، البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مالك طويلا ثم قال: لها نفس؟ قال: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]. ذكره الخطيب أبو بكر ﵀.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-57>٢٢ - باب ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر</span>\nقال علماؤنا ﵏: وأما مشاهدة ملك الموت ﵇ وما يدخل على القلب منه من الروع والفزع، فهو أمر لا يعبر عنه لعظم هوله وفظاعة رؤيته، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الذي يتبدّى له ويطلع عليه، وإنما هي أمثال تضرب وحكايات تروى.\nروي عن عكرمة أنه قال: رأيت في بعض صحف شيث أن آدم ﵇ قال: يا رب أرني ملك الموت حتى أنظر إليه، فأوحى الله تعالى إليه: إن له صفات لا تقدر على النظر إليها وسأنزل عليك في الصورة التي يأتي فيها الأنبياء والمصطفين، فأنزل الله عليه جبريل وميكائيل، وأتاه ملك الموت في صورة كبش أملح، قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح، منها جناح جاوز السموات والأرض، وجناح جاوز الأرضين، وجناح جاوز أقصى المشرق، وجناح جاوز أقصى المغرب، وإذا بين يديه الأرض بما اشتملت عليه من الجبال والسهول والغياض والجن والإنس والدواب، وما أحاط بها من البحار، وما علاها من الأجواء، في ثغرة نحره كالخردلة في فلاة من الأرض، وإذا له عيون لا يفتحها إلا في مواضع فتحها، وأجنحة لا ينشرها إلا في مواضع نشرها، وأجنحة للبشرى ينشرها للمصطفين، وأجنحة للكفار فيها سفافيد وكلاليب ومقاريض. فصعق آدم صعقة\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.","vol":"1","page":84},{"text":"لبث فيها إلى مثل تلك الساعة من اليوم السابع، ثم أفاق وكأن في عروقه الزعفران. ذكر هذا الخبر ابن ظفر الواعظ المكنى أبا هاشم محمد بن محمد في كتاب «النصائح».\nوروي عن ابن عباس؛ أن إبراهيم - خليل الرحمن - سأل ملك الموت أن يريه كيف يقبض روح المؤمن، فقال له: اصرف وجهك عني فصرف، ثم نظر إليه فرآه في صورة شاب حسن الصورة، حسن الثياب، طيب الرائحة، حسن البشر، فقال له: والله لو لم يلق المؤمن من السرور شيئا سوى وجهك كفاه، ثم قال له: أرني كيف تقبض روح الكافر، فقال له: لا تطيق ذلك، قال: بلى أرني، قال: اصرف وجهك عني فصرف وجهه عنه، ثم نظر إليه فإذا صورة إنسان أسود رجلاه في الأرض ورأسه في السماء كأقبح ما أنت راء من الصور، تحت كل شعرة من جسده لهيب نار، فقال له: والله لو لم يلق الكافر سوى نظرة إلى شخصك لكفاه.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: وسيأتي هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ﷺ في الملائكة في حديث البراء وغيره إن شاء الله تعالى.\nوقال ابن عباس أيضا: كان إبراهيم ﵇ رجلا غيورا، وكان له بيت يتعبد فيه، فإذا خرج أغلقه، فرجع ذات يوم فإذا هو برجل في جوف البيت، فقال: من أدخلك داري؟ فقال: أدخلنيها ربها، قال إبراهيم: أنا ربها، قال: أدخلنيها من هو أملك بها منك، قال: فمن أنت من الملائكة؟ قال: أنا ملك الموت. قال: أتستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن؟ قال: نعم، ثم التفت إبراهيم فإذا هو بشاب فذكر من حسن وجهه، وحسن ثيابه، وطيب رائحته، فقال: يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك لكان حسبه، ثم قبض روحه ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يتعجب من كون ملك الموت يرى على صورتين لشخصين، فما ذلك إلا مثل ما يصيب الإنسان بتغير الخلقة في الصحة والمرض، والصغر والكبر، والشباب والهرم، وكصفاء اللون بملازمة الحمام، وشحوبة الوجه بتغير اللون بلفح الهواجر في السفر، غير أن قضية الملائكة ﵈ يجري ذلك منهم في اليوم الواحد والساعة الواحدة، وإن لم يجر هذا على الإنسان إلا في الأوقات المتباعدة والسنين المتداولة، وهذا بيّن فتأمله.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>٢٣ - باب ما جاء أن ملك الموت ﵇ هو القابض لأرواح الخلق وأنه يقف على كل بيت في كل يوم خمس مرات وعلى كل ذي روح كل ساعة وأنه ينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة</span>\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].\nوروي عن ابن عمر قال: إذا قبض ملك الموت روح المؤمن قام على عتبة الباب، ولأهل البيت ضجة، فمنهم الصاكة وجهها، ومنهم الناشرة شعرها، ومنهم الداعية بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: فيم هذا الجزع؟! فو الله ما أنقصت لأحد منكم عمرا، ولا أذهبت لأحد منكم برزق، ولا ظلمت لأحد منكم شيئا، فإن كانت شكايتكم وسخطكم عليّ؛ فإني والله مأمور، وإن كان ذلك على ميّتكم؛ فإنه في ذلك مقهور، وإن كان ذلك على ربكم؛ فأنتم به كفرة، وإن لي فيكم عودة ثم عودة، فلو أنهم يرون مكانه أو يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم. خرّجه أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب «اللؤلؤيات» له.\nوروي معناه مرفوعا في الخبر المشهور المروي في «الأربعين» عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الإنسان قد نفد أكله، وانقطع أجله، ألقى عليه غمرات الموت، فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، والباكية لشجوها، والصارخة بويلها، فيقول ملك الموت ﵇: ويلكم مم الفزع ومم الجزع؟ ما أذهبت لأحد منكم رزقا، ولا قربت له أجلا ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وإن لي فيكم عودة ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحدا».\nقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم، حتى إذا حمل الميت على النعش رفرفت روحه فوق النعش، وهو ينادي: يا أهلي! ويا ولدي! لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حلّه","vol":"1","page":86},{"text":"ومن غير حلّه، ثم خلّفته لغيري، فالمهنأة له والتبعة عليّ، فاحذروا ما حل بي» (^١).\nوروى جعفر بن محمد، عن أبيه قال: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: «ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» فقال ملك الموت ﵇: يا محمد طب نفسا وقرّ عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر، إلا وأنا أتفحّصهم في كل يوم خمس مرات، حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم لأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك، حتى يكون الله هو الآمر بقبضها.\nقال جعفر بن محمد: بلغني أنه يتفحّصهم عند مواقيت الصلاة. ذكره الماوردي.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح، وأن تصرفه كله بأمر الله ﷿ وبخلقه واختراعه.\nقال ابن عطية: وروي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله أرواحها دون ملك الموت، كأنه يعدم حياتها، قال: وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك الموت وملائكة معه في قبض أرواحهم، فخلق الله ملك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح وانسلالها من الأجسام، وإخراجها منه، وخلق جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره.\nفقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠].\nوقال تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] والباري سبحانه خالق الكل الفاعل حقيقة لكل فعل.\nقال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وقال: ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ [يونس: ٥٦]. فملك الموت يقبض الأرواح والأعوان يعالجون، والله يزهق الروح. وهذا هو الجمع بين الآي والحديث، لكنه لما كان ملك الموت متولى ذلك بالوساطة والمباشرة؛ أضيف التوفي إليه، كما أضيف الخلق للملك.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن\n_________\n(^١) خبر موضوع؛ انظر «الأسرار المصنوعة» رقم (٤٠٥).","vol":"1","page":87},{"text":"أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح» (^١). الحديث خرجه مسلم وغيره.\nقوله: يجمع خلقه في بطن أمه؛ قد جاء مفسرا عن ابن مسعود ﵁ رواه الأعمش عن خيثمة. قال: قال عبد الله: «إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله سبحانه أن يخلق منها بشرا؛ طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تنزل دما في الرحم، فذلك جمعها» (^٢).\nوفي «صحيح مسلم» أيضا: عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها وشعرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم يقول: أي ربّ أذكر أم أنثى؟» (^٣)، وذكر الحديث. وما قبله يفسره ويبينه، لأن النطفة لا يبعث الملك إليها إلا بتمام ثنتين وأربعين ليلة فتأمله.\nونسبة الخلق والتصوير للملك؛ نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عنه التصوير والتشكيل بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه. ألا تراه ﷾ قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع عنها نسب جميع الخليقة.\nفقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين، إذ لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين. وهكذا القول في قوله: «ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح»» أي: أن النفخ فيه سبب يخلق الله فيه الروح والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره، فتأمل ذلك. هذا هو الأصل، وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال والقائلين بالطبائع وغيرهم. وأن الله هو القابض لأرواح جميع الخلق على الصحيح، وأن ملك الموت وأعوانه وسائط. وقد سئل مالك بن أنس عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليا ثم قال: ألها نفس؟ قال نعم. قال: ملك الموت يقبض أرواحها: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢].\nوفي الخبر: أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٢١) قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عبد الله بن مسعود: فذكره.\nوإسناده ضعيف لانقطاعه بين خيثمة وعبد الله بن مسعود.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٤٥).","vol":"1","page":88},{"text":"الأحياء. وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتى. فأوحى الله إليهما: كونا على عملكما وما سخّرتما له من الصنع، وأنا المميت والمحيي، لا مميت ولا محيي سواي. ذكره أبو حامد في «الإحياء» (^١).\nوذكر أبو نعيم الحافظ عن ثابت البناني قال: «الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، ليس منها ساعة تأتي على ذوي روح إلا وملك الموت قائم عليها، فإن أمر بقبضها قبضها وإلا ذهب» (^٢). وهذا عام في كل ذي روح.\nوفي خبر الإسراء عن ابن عباس ﵁ فقلت: يا ملك الموت كيف تقدر على قبض أرواح جميع من في الأرض برها وبحرها؟ الحديث وقد تقدم.\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ملك الموت لينظر في وجوه العباد كل يوم سبعين نظرة. قال: إذا ضحك العبد الذي بعث إليه قال: يقول: عجبا بعثت إليه لأقبض روحه وهو يضحك» (^٣) والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-60>٢٤ - باب ما جاء في سبب قبض ملك الموت لأرواح الخلق</span>\nروى الزهري ووهب بن منبه وغيرهما ما معناه: إن الله أرسل جبريل ﵇ ليأتيه من تربة الأرض، فأتاها ليأخذ منها فاستعاذت بالله من ذلك فأعاذها، فأرسل ميكائيل فاستعاذت منه فأعاذها، فبعث (عزرائيل) فاستعاذت منه؛ فلم يعذها فأخذ منها، فقال الرب ﵎: أما استعاذت بي منك؟ قال: نعم. قال: فهلا رحمتها كما رحمها صاحباك؟ قال: يا رب طاعتك أوجب عليّ من رحمتي إياها. قال الله ﷿: اذهب فأنت ملك الموت سلطتك على قبض أرواحهم فبكى. فقال ما يبكيك؟ فقال: يا رب إنك تخلق من هذا الخلق أنبياء وأصفياء ومرسلين، وإنك لم تخلق خلقا أكره إليهم من الموت، فإذا عرفوني أبغضوني وشتموني.\n_________\n(^١) وقال الحافظ العراقي في تخريج «الإحياء» (٤/ ٢٥٧): «لم أجد له أصلا».\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٢/ ٣٢٦) بسند حسن.\n(^٣) إبراهيم بن هدبة؛ متروك، والحديث عزاه الهندي في «كنز العمال» (٤٢١٨٥) لابن النجار، وأورده الكتاني في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٧٥).","vol":"1","page":89},{"text":"قال الله تعالى: إني سأجعل للموت عللا وأسبابا ينسبون الموت إليها ولا يذكرونك معها، فخلق الله الأوجاع وسائر الحتوف (^١).\nوقد روي هذا الخبر عن ابن عباس ﵁، قال: «رفعت تربة آدم من ستة أرضين، وأكثرها من السادسة، ولم يكن فيها من الأرض السابعة شيء، لأن فيها نار جهنم، قال: فلما أتى ملك الموت بالتربة قال له ربه: أما استعاذت بي منك؟» الحديث بلفظه ومعناه، ذكره القتيبي، وزاد: فقالت الأرض: يا رب خلقت السموات فلم تنقص منها شيئا وخلقتني فنقصتني.\nفقال لها الرب: وعزّتي وجلالي لأعيدنهم إليك برّهم وفاجرهم، فقالت:\nوعزتك لأنتقمن ممن عصاك.\nقال: ثم دعا بمياه الأرض مالحها وعذبها، وحلوها ومرها، وطيبها ومنتنها، فسقى منه تربة آدم، فأقام يخمره أربعين صباحا، وقال آخرون: أربعين سنة لم ينفخ فيه الروح، فكانت الملائكة تمر به فيقفون ينظرون إليه، ويقول بعضهم لبعض: إن ربنا لم يخلق خلقا أحسن من هذا، وإنه خلق لأمر كائن، ويمر به إبليس اللعين فيضرب بيده عليه فيسمع له صلصلة، وهو الصلصال الفخار، فقال إبليس: إن فضّل هذا عليّ لم أطعه، وإن فضّلت عليه أهلكته، هذا من طين وأنا من نار.\nوقد قيل: إن الذي أتى بتربة الأرض إبليس وإن الله بعثه بعد ملكين، فاستغاثت بالله منه، فقالت: إني أعوذ بالله منك، ثم أخذ منها وصعد إلى ربه فقال: ألم تستعذ بي منك؟ فقال: بلى يا رب. فقال الله ﷿: وعزّتي لأخلقن مما جنت يداك خلقا يسوؤك، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-61>٢٥ - باب ما جاء أن الروح إذا قبض تبعه البصر</span>\n(ابن ماجه) عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد\n_________\n(^١) لم أقف عليه.","vol":"1","page":90},{"text":"شق بصره فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر». خرجه مسلم أكمل من هذا وقد تقدم (^١).\nوروى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا. بلى، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه» (^٢). وفي غير الصحيح عن النبي ﷺ، أن الميت أول ما يشقّ بصره لرؤية المعراج وهو سلّم بين السماء والأرض من زمردة خضراء أحسن ما رئي قط، فذلك حين يمد بصره إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>فصل</span>\nفي قوله ﵇: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»، وقوله: «فذلك حين يتبع بصره نفسه»، ما يستغنى به عن قول كل قائل في الروح والنفس، وإنهما اسمان لمسمى واحد، وسيأتي لهذا مزيد بيان - إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-63>٢٦ - باب ما جاء في تزاور الأموات في قبورهم واستحسان الكفن لذلك</span>\n(مسلم) عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه إن استطاع» (^٣).\nوخرّج أبو نصر؛ عبد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني الحافظ، في كتاب «الإنابة عن مذهب السلف الصالح في القرآن وإزالة شبه الزائغين بواضح البرهان»؛ أخبرنا هبة الله بن إبراهيم بن عمر، قال: حدّثنا علي بن الحسن بن بندار، قال: حدّثنا أبو عروة، قال: حدّثنا محمد بن المصفى، قال: حدّثنا معاوية، قال: حدّثنا إبراهيم بن معاوية، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم» (^٤).\nوقال ابن المبارك: أحب إلي أن يكفّن في ثيابه التي كان يصلي فيها.\n_________\n(^١) تقدّم تحت «باب من حضر الميت فلا يغلو وليتكلّم بخير …».\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٢١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٤٣).\n(^٤) لا يصح؛ انظر «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٧٣).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>٢٧ - باب الإسراع بالجنازة وكلامها</span>\n(البخاري) عن أبي سعيد الخدري: كان النبي ﷺ يقول: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإن كانت صالحة قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كلّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق» (^١). وقد تقدّم من حديث أنس أنها تقول: «يا أهلي ويا ولدي» الحديث.\n(البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم». خرّجه مسلم أيضا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>فصل</span>\nصعق: مات، والإسراع؛ قيل معناه: الإسراع بحملها إلى قبرها في المشي، وقيل: تجهيزها بعد موتها لئلا تتغير، والأول أظهر لما رواه النسائي؛ قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا خالد، قال: حدّثنا عيينة بن عبد الرحمن، قال:\nحدثني أبي، قال: «شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون: رويدا رويدا، بارك الله فيكم، فكانوا يدبّون دبيبا حتى إذا كنا ببعض الطريق لحقنا أبو بكرة ﵁ يمشي على بغلة، فلما رأى الذي يصنعون؛ حمل عليهم ببغلته وأهوى عليهم بالسوط. وقال: خلّوا فوالذي كرّم وجه أبي القاسم لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بها رملا، فانبسط القوم» (^٣). صححه أبو محمد عبد الحق.\nوروى أبو داود من حديث أبي ماجدة عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا محمّدا ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: «دون الخبب، إن يكن خيرا تعجل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار» (^٤). ذكره أبو عمر ابن عبد البر.\nوقال: والذي عليه جماعة أهل العلم في ذلك الإسراع فوق السجية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣١٤، ١٣١٦، ١٣٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣١٥) ومسلم (٩٤٤).\n(^٣) أخرجه النسائي (٤/ ٤٢ - ٤٣)، وهو في «صحيح سنن النسائي» برقم (١٨٠٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣١٨٤) وقال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٦٩٨): «ضعيف».","vol":"1","page":92},{"text":"قليلا، والعجلة أحب إليهم من الإبطاء، ويكره الإسراع الذي يشق على ضعفة من يتبعها. وقال إبراهيم النخعي: نصوا بها قليلا، ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى. السجية: العادة.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-66>٢٨ - باب بسط الثوب على القبر عند الدفن</span>\n(أبو هدبة) إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ تبع جنازة، فلما صلّى عليها دعا بثوب فبسط على القبر وهو يقول: «لا تتطلعوا في القبر، فإنها أمانة، فلعسى يحل العقدة فيرى حية سوداء متطوقة في عنقه، فإنها أمانة ولعله يؤمر به فيسمع صوت السلسلة» (^١).\nوذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن الشعبي، عن رجل، أن سعد بن مالك، قال: أمر النبي ﷺ بثوب فستر على القبر حين دفن سعد بن معاذ، قال:\nوقال سعد: إن النبي ﷺ نزل في قبر سعد بن معاذ وستر على القبر بثوب، فكنت فيمن أمسك الثوب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>فصل</span>\nاختلف العلماء في هذا الباب، فكان عبد الله بن يزيد وشريح وأحمد بن حنبل يكرهون مدّ الثوب على الرجل، وكان أحمد وإسحاق يختاران أن يفعل ذلك بقبر المرأة، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يضر عندهم أن يفعلوا ذلك بقبر الرجل.\nوقال أبو ثور: لا بأس بذلك في قبر الرجل والمرأة. وكذلك قال الإمام الشافعي، وستر المرأة عند ذلك آكد من ستر الرجل. ذكره ابن المنذر.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: ويستر الرجل والمرأة للعلة التي جاءت في حديث\n_________\n(^١) حديث موضوع؛ أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٤٧/ ١٧٧٦/٣) وابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٦٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٦٤٧٧) بسند ضعيف.","vol":"1","page":93},{"text":"أنس، اقتداء بفعله ﵊ في ستر سعد بن معاذ (^١) - والله أعلم.\nولقد أخبرني بعض أصحابنا: أنه سمع صوت جر السلسلة في قبره وأخبرني صاحبنا الفقيه العالم شيخ الطريقة أبو عبد الله محمد بن أحمد القصري ﵀، أنه توفي بعض الولاة بقسطنطينة فحفر له، فلما فرغوا من الحفر وأرادوا أن يدخلوا الميت القبر، إذا بحية سوداء داخل القبر، فهابوا أن يدخلوه فيه، فحفروا له قبرا آخر، فلما أرادوا أن يدخلوه إذا بتلك الحية فيه، فحفروا له قبرا آخر فإذا بتلك الحية، فلم يزالوا يحفرون له نحوا من ثلاثين قبرا، وإذا بتلك الحية تتعرض لهم في القبر الذي يريدون أن يدفنوه فيه، فلما أعياهم ذلك سألوا ما يصنعون؟ فقيل لهم: ادفنوه معها. نسأل الله السلامة والستر في الدنيا والآخرة.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-68>٢٩ - باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالة الدفن وبعده وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويدعى ويستغفر له ويتصدق عليه</span>\nذكره أبو حامد في كتاب الإحياء وأبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له قال محمد بن أحمد المروزي: سمعت أحمد بن حنبل ﵁ يقول:\nإذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم (^٢).\nوقال علي بن موسى الحداد: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة ومحمد بن\n_________\n(^١) لكن الخبر لم يصح.\n(^٢) هذا خلاف ما صحّ عن أحمد في هذه المسألة؛ فقد روى أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» ص ٢٢٤ قال: «سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا».\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد في «مسائل الإمام أحمد» بروايته (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥): «سألت أبي عن الرجل يحمل معه المصحف إلى القبر يقرأ عليه؟ قال: هذه بدعة، قلت لأبي: وإن كان يحفظ القرآن؛ يقرأ؟ قال: لا».\nوقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٥٢٧): «وكان من هديه ﷺ تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء، ويقرأ القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة».","vol":"1","page":94},{"text":"قدامة الجوهري يقرأ، فلما دفنا الميت؛ جاء رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا! إن القراءة على القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد: يا أبا عبد الله! ما تقول في مبشر بن إسماعيل؟ قال: ثقة. قال: هل كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم. قال: أخبرني مبشّر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء بن الحجاج، عن أبيه، أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. قال أحمد: فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ (^١).\nقلت: وقد استدلّ بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب، الذي شقّه النبيّ ﷺ باثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: «لعله أن يخفّف عنهما ما لم ييبسا» خرّجه البخاري ومسلم (^٢).\nوفي «مسند أبي داود الطيالسي»: «فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا»، وقال: «إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء». قالوا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفّف عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟ (^٣).\nوقد خرّج السّلفي من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مرّ على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات» (^٤).\nوروي من حديث أنس خادم رسول الله ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ المؤمن آية الكرسي، وجعل ثوابها لأهل القبور، أدخل الله تعالى في كلّ قبر مؤمن من المشرق إلى المغرب أربعين نورا، ووسّع الله ﷿ عليهم مضاجعهم، وأعطى الله للقارئ ثواب ستين نبيّا، ورفع له بكلّ ميت درجة، وكتب له بكلّ ميت عشر حسنات» (^٥).\nوقال الحسن: من دخل المقابر فقال: «اللهم رب الأجساد البالية، والعظام\n_________\n(^١) القصة أوردها الخلال في «جزء القراءة عند القبور» بإسناد ضعيف، وأوردها ابن القيم في «الروح» ص ٦٥ عن الخلال. وانظر «أحكام الجنائز» ص ٢٤٣ - ٢٤٤.\nوانظر أقوال أهل العلم في هذه المسألة في: «شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور» لعبد الله الحمادي ص ٥٠ وما بعدها، و«حكم القراءة للأموات» لمحمد أحمد عبد السلام.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٦) وانظر أطرافه هناك، ومسلم (٢٩٢).\n(^٣) انظر توجيه الحديث في «فتح الباري» (١/ ٣٨٢ - ٣٨٤) و«شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور» ص ٤٢ - ٤٩.\n(^٤) حديث موضوع؛ انظر «أحكام الجنائز» ص ٢٤٥ و«الضعيفة» رقم (١٢٩٠).\n(^٥) لم أقف عليه.","vol":"1","page":95},{"text":"الناخرة، خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، فأدخل عليها روحا منك، وسلاما منك»؛ إلا كتب له بعددهم حسنات.\nوروي عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس أنه، قال: «خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون، كلما أخلق الدين جدوده أعطوهم، ولا تستأجروهم فتحرجوهم، فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النار» (^١) ذكره الثعلبي.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: أصل هذا الباب الصدقة التي لا اختلاف فيها، فكما يصل للميت ثوابها؛ فكذلك تصل قراءة القرآن والدعاء والاستغفار، إذ كل ذلك صدقة فإن الصدقة لا تختص بالمال.\nقال ﷺ؛ وقد سئل عن قصر الصلاة في حالة الأمن فقال: «صدقة» (^٢).\nوقال ﵊: «يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فإن كلّ تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى» (^٣).\nولهذا استحب العلماء زيارة القبور، لأن القراءة تحفة الميت من زائره.\nروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أبيه، أو أخيه، أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار» (^٤).\nوقد حكي أن امرأة جاءت إلى الحسن البصري ﵀ فقالت: إن ابنتي ماتت وقد أحببت أن أراها في المنام، فعلّمني صلاة أصلّيها لعلي أراها، فعلّمها صلاة، فرأت ابنتها وعليها لباس القطران، والغل في عنقها، والقيد في رجلها، فارتاعت لذلك، فأعلمت الحسن، فاغتمّ عليها، فلم تمض مدّة حتى رآها الحسن في المنام، وهي في الجنة، على سرير وعلى رأسها تاج. فقالت له يا شيخ: أما تعرفني؟ قال: لا، قالت له: أنا تلك المرأة التي علّمت أمي الصلاة فرأتني في\n_________\n(^١) لم أقف عليه فيما بين يدي من المصادر.\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٢٠).\n(^٤) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠٣/ ٧٩٠٥/٦) بسند ضعيف، وقال العلامة الألباني في «الضعيفة» (٢١١/ ٧٩٩/٢): «منكر جدا».","vol":"1","page":96},{"text":"المنام، قال لها: فما سبب أمرك؟ قالت: مرّ بمقبرتنا رجل فصلى على النبيّ ﷺ، وكان في المقبرة خمسمائة وستون إنسانا في العذاب؛ فنودي: ارفعوا العذاب عنهم ببركة صلاة هذا الرجل على النبي ﷺ!!\nوقال بعضهم: مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت: ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار، فلولا أنّ داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. والحكايات عن الصالحين بهذا المعنى كثيرة، ذكرها أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له.\nوقد ذكر في هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵁ في كتاب «عيون الأخبار» له حكاية فيها طول، رأينا ذكرها لاشتمالها على وعظ وتذكير وتخويف وتحذير وتضرع وابتهال، ودعاء بالموت والانتقال.\nروي عن الحارث بن نبهان أنه قال: كنت أخرج إلى الجبّانات فأترحّم على أهل القبور، وأتفكر وأعتبر، وأنظر إليهم سكوتا لا يتكلمون، وجيرانا لا يتزاورون، وقد صار لهم من بطن الأرض وطاء، ومن ظهرها غطاء، وأنادي:\nيا أهل القبور! محيّت من الدنيا آثاركم، وما محيّت عنكم أوزاركم، وسكنتم دار البلاء فتورمت أقدامكم، قال: ثم يبكي بكاء شديدا، ثم يميل إلى قبة فيها قبر فينام في ظلها.\nقال: فبينما أنا نائم إلى جانب القبر؛ إذ أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر، وأنا أنظر إليه والسلسلة في عنقه، وقد ازرقّت عيناه، واسودّ وجهه، وهو يقول: يا ويلي ماذا حل بي، لو رآني أهل الدنيا ما ركبوا معاصي الله أبدا، طولبت والله باللذات؛ فأوبقتني، وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافع لي أو مخبر أهلي بأمري؟!\nقال الحارث: فاستيقظت مرعوبا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما رأيت، فمضيت إلى داري، وبتّ ليلتي وأنا متفكّر فيما رأيت، فلما أصبحت قلت: دعني أعود إلى الموضع الذي كنت فيه، لعلي أجد به أحدا من زوّار القبور فأعلمه بالذي رأيت، قال: فمضيت إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس، فلم أر أحدا، فأخذني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول: يا ويلتاه ماذا حل بي، ساء في الدنيا عملي، وطال فيها أجلي، حتى غضب عليّ ربّ الأرباب، فالويل لي إن لم يرحمني ربي.\nقال الحارث: فاستيقظت وقد تولّه عقلي بما رأيت وسمعت، فمشيت إلى","vol":"1","page":97},{"text":"داري وبتّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر، لعلي أجد أحدا من زوّار القبور فأعلمه بما رأيت ثم نمت، فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه، وهو يقول:\nما أغفل أهل الدنيا عني، ضوعف عليّ العذاب، وتقطّعت عني الحيل والأسباب، وغضب عليّ ربّ الأرباب، وغلق في وجهي كل باب، فالويل لي إن لم يرحمني ربي العزيز الوهاب.\nقال الحارث: فاستيقظت من منامي مرعوبا، وهممت بالانصراف فإذا بثلاث جوار قد أقبلن، فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن، فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر وقالت: السلام عليكم يا أبتاه! كيف هدوؤك في مضجعك؟ وكيف قرارك في موضعك؟ ذهبت عنا بودّك، وانقطع عنا سؤالك، فما أشد حسرتنا عليك، ثم بكت بكاء شديدا. ثم تقدّمت بنتان فسلّمتا على القبر، ثم قالتا: هذا قبر أبينا الشفيق علينا، والرحيم بنا، آنسك الله بملائكة رحمته، وصرف عنك عذابه ونقمته، يا أبتاه! جرت بعدك أمور لو عاينتها لأوهمتك، ولو اطلعت عليها لأحزنتك، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترها.\nقال الحارث: فبكيت لما سمعت كلامهن. ثم قمت مسرعا إليهن، فسلمت عليهن، وقلت لهن: أيتها الجواري! إن الأعمال ربما قبلت، وربما ردّت على صاحبها، فما كان عمل أبيكنّ المخلّد في هذا القبر، الذي عاينت من أمره ما أحزنني، واطلعت من حاله على ما آلمني؟\nقال الحارث: فلما سمعن كلامي كشفن وجوههن وقلن: أيها العبد الصالح؛ وما الذي رأيت؟ قلت لهن: لي ثلاثة أيام وأنا أختلف إلى هذا القبر، أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه، قال: فلما سمعن ذلك مني قلن لي: بشارة ما أضرها، ومصيبة ما أحزنها، نحن نقضي الأوطار، ونعمر الديار، وأبونا يحرق بالنار، فو الله لا قربنا قرار، ولا ضمتنا للذة العيش دار، أو نتضرع للجبار، فلعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار، ثم مضين يتعثرن في أذيالهن.\nقال الحارث: فمضيت إل داري فبتّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر فجلست عنده، فغلبني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر له حسن وجمال، وفي رجليه نعل من ذهب، ومعه حور وغلمان.\nقال الحارث: فسلّمت عليه، وقلت له: رحمك الله من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي عاينت من أمري ما أحزنك، واطّلعت منه على ما أفجعك، فجزاك الله خيرا فما أيمن طلعتك عليّ، فقلت له: وكيف حالك؟ فقال لي: لما اطلعت عليّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي، أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن وتضرعن لمولاهن، ومرّغن","vol":"1","page":98},{"text":"خدودهن في التراب، وأهملن دموعهن بالانسكاب، واستوهبوني من العزيز الوهاب، فغفر لي الذنوب والأوزار، واستنقذني من النار، وأسكنني دار القرار، بجواز محمد المختار، فإذا رأيت بناتي فأعلمهن بأمري، وما كان من قصتي، ليزول عنهن روعهن، ويفارقهن حزنهن، وتعلمهن أني قد صرت إلى جنات وحور، ومسك وكافور، وعندي غلمان وسرور، وقد عفا عني العزيز الغفور.\nقال الحارث: فاستيقظت فرحا مسرورا لما رأيت وسمعت، ثم مضيت إلى داري وبت ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن فقد رأيت أباكن في خير عظيم، وملك مقيم، وقد أعلمني أن الله تعالى أجاب دعاءكن، ولم يخيب مسعاكن، وقد وهب لكن أباكن فاشكرنه على ما أولاكن.\nقال فقالت الصغرى: اللهم يا مؤنس القلوب، ويا ساتر العيوب، ويا كاشف الكروب، ويا غافر الذنوب، ويا عالم الغيوب، ويا مبلغ الأمل المطلوب؛ قد علمت ما كان من مسألتي ورغبتي واعتذاري في خلوتي، واستقالتي من ذلتي، وتنصلي من خطيئتي، وأنت اللهم تعلم همتي، والمطلع على نيتي، والعالم بطويتي، ومالك رقبتي والآخذ بناصيتي، وغايتي في طلبتي، ورجائي عند شدتي، ومؤنسي في وحدتي، وراحم عبرتي، ومقيل عثرتي، ومجيب دعوتي، فإن كنت قصرت عما أمرتني، وركبت إلى ما عنه نهيتني، فبحلمك حملتني، وبسترك سترتني، فبأي لسان أذكرك، وعلى أي نعمك أشكرك، ضاق بكثرتها ذرعي فيا أكرم الأكرمين، ومنتهى غاية الطالبين، ومالك يوم الدين، الذي يعلم ما أخفى في الضمير، ويدبر أمر الصغير والكبير، فإن كنت قضيت الحاجة بفضلك، وشفعتني في عبدك؛ فاقبضني إليك وأنت على كل شيء قدير، ثم صرخت صرخة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها.\nقال: ثم قامت الثانية فنادت بأعلى صوتها: يا رب فرّج كربي، وخلّص من الشك قلبي، يا من أقامني من صرعتي، وأقالني من عثرتي، ودلّني من حيرتي، وأعانني في شدتي. إن كنت قبلت دعوتي، وقضيت حاجتي، ونجحت طلبتي، فألحقني بأختي، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها.\nقال: ثم قامت الثالثة: فنادت بأعلى صوتها يا أيها الجبار الأعظم، والملك الأكرم، العالم بمن سكت وتكلم، لك الفضل العظيم والملك القديم والوجه الكريم، العزيز من أعززته، والذليل من أذللته، والشريف من شرفته، والسعيد من أسعدته، والشقي من أشقيته، والقريب من أدنيته، والبعيد من أبعدته، والمحروم","vol":"1","page":99},{"text":"من حرمته، والرابح من أوهبته، والخاسر من عذبته، أسألك باسمك العظيم ووجهك الكريم، وعلمك المكنون الذي بعد عن إدراك الأفهام، وغمض عن مناولة الأوهام، باسمك الذي جعلته على الليل فدجى، وعلى النهار فأضاء وعلى الجبال فدكدكت، وعلى الرياح فتناثرت، وعلى السموات فارتفعت، وعلى الأصوات فخشعت، وعلى الملائكة فسجدت، اللهم إني أسألك إن كنت قضيت حاجتي وأنجحت طلبتي، فألحقني بصواحباتي، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، رحمة الله علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين أجمعين، آخر الحكاية والله أعلم والحمد لله رب العالمين.\nوروي من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من دخل المقابر فقرأ بسورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات» (^١).\nويروى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة (^٢).\nوقد روي إباحة قراءة القرآن عند القبر، عن العلاء بن عبد الرحمن. وذكر النسائي وغيره، من حديث معقل بن يسار المدني، عن النبي ﷺ أنه قال: «اقرءوا يس عند موتاكم» (^٣). وهذا يحتمل أن تكون هذه القراءة عند الميت في حال موته، ويحتمل أن تكون عند قبره (^٤).\nقال أبو محمد عبد الحق: حدثني أبو الوليد إسماعيل بن أحمد؛ عرف بابن أفرند وكان هو وأبوه صالحين معروفين، قال: مات أبي رحمة الله، فحدثني بعض إخوانه ممن يوثق بحديثه، قال لي: زرت قبر أبيك فقرأت عليه حزبا من القرآن، ثم قلت يا فلان! هذا قد أهديته لك فماذا لي؟ قال: فهبّت عليّ نفحة مسك غشيتني وأقامت معي ساعة، ثم انصرفت وهي معي، فما فارقتني إلا وقد مشيت نصف الطريق.\nقال أبو محمد: ورأيت لبعض من يوثق به قال: ماتت لي امرأة؛ فقرأت في بعض الليالي آيات من القرآن، فأهديتها لها، ودعوت الله ﷿ واستغفرت لها\n_________\n(^١) حديث موضوع؛ انظر «السلسلة الضعيفة» رقم (١٢٤٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي (٤/ ٥٦) والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٥٣٨) بإسناد ضعيف؛ كما تجده مفصّلا في «أحكام الجنائز» ص ٢٤٤.\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦ - ٢٧) وأبو داود (٣١٢١) والنسائي في «الكبرى» كتاب «عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٩١٣) وابن ماجه (١٤٤٨) وغيرهم.\nوهو حديث ضعيف؛ انظر «التخليص الحبير» للحافظ ابن حجر (٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠) و«إرواء الغليل» (١٥٠/ ٦٨٨/٣).\n(^٤) والاحتمالان ساقطان لضعف الحديث.","vol":"1","page":100},{"text":"وسألت، فلما كان في اليوم الثاني حدثتني امرأة تعرفها وتعرفني قالت لي: رأيت البارحة فلانة في النوم - تعني الميتة المذكورة - في مجلس حسن، في دار حسنة، وقد أخرجت لنا أطباقا من تحت سرير كان في البيت، والأطباق مملوءة قوارير أنوار، فقالت لي: هذا أهداه لي صاحب بيتي قال: وما كنت أعلمت بذلك أحدا.\nقال الشيخ المؤلف ﵀: وفي هذا المعنى حديث مرفوع من حديث أنس يأتي في باب «ما يتبع الميت إلى قبره». وقد قيل: إن ثواب القراءة للقارئ، وللميت ثواب الاستماع، ولذلك تلحقه الرحمة. قال تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nقلت: ولا يبعد في كرم الله تعالى أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع جميعا، ويلحقه ثواب ما يهدى إليه من قراءة القرآن، وإن لم يسمعه كالصدقة والدعاء والاستغفار لما ذكره، ولأن القرآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال، وما يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل القرآن.\nقال ﷺ: يقول الرب ﵎: «من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». رواه الترمذي (^١)، وقال فيه: حديث حسن غريب. وقال ﵇: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (^٢). والقراءة في معنى الدعاء، وذلك صدقة من الولد، ومن الصاحب والصديق والمؤمنين، حسب ما ذكرناه، وبالله التوفيق.\nفإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وهذا يدل على أنه لا ينفع أحدا عمل أحد. قيل له: هذه آية اختلف في تأويلها أهل التأويل.\nفروي عن ابن عباس: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء (^٣). يدل على ذلك قوله تعالى:\n﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. وقال الربيع بن أنس:\n_________\n(^١) في «سننه» (٢٩٢٦)، وهو حديث ضعيف، انظر «ضعيف سنن الترمذي» رقم (٥٦٢) و«السلسلة الضعيفة» (١٣٣٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٣١).\n(^٣) قال ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» ص ٢٣٣: «قلت: قول من قال: إن هذا نسخ؛ غلط، لأن الآيتين خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، ثم إن إلحاق الأبناء بالآباء إدخالهم في حكم الآباء بسبب إيمان الآباء، فهم كالبعض تبع الجملة، ذلك ليس لهم إنما فعله الله سبحانه بفضله، وهذه الآية تثبت ما للإنسان، إلا ما يتفضل به عليه».","vol":"1","page":101},{"text":"﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] يعني: الكافر. وأما المؤمن فله ما سعى، وما سعى له غيره (^١).\nقلت: وكثير من الأحاديث تدل على هذا القول، ويشهد له، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره.\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» (^٢).\nوقال ﵇ للرجل الذي حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه: «حجّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (^٣).\nوروي أن عائشة ﵂ اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته وأعتقت عنه.\nوقال سعد للنبي ﷺ: إنّ أمي توفيت، أفأتصدّق عنها؟ قال: «نعم» قال:\nفأي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» (^٤).\nوفي «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمّته، أنها حدّثته، عن جدّته، أنها جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها (^٥).\nقلت: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ خاصّا في السيئة، بدليل ما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: قال الله ﷿: «إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة» (^٦). والقرآن دال على هذا؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾\n_________\n(^١) قال المصنف في «تفسيره» (١٧/ ١١٤): «وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد».\nوقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٢٨): «وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما».\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢) ومسلم (١١٤٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٨١١) وابن ماجه (٢٩٠٣) وهو حديث «صحيح» كما في «صحيح سنن أبي داود» (١٥٩٦).\n(^٤) أخرجه أحمد (٦/ ٧) وأبو داود (١٦٧٩) والنسائي (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥) وابن ماجه (٣٦٨٤) وغيرهم، وهو حديث حسن، انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٤٧٣).\n(^٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٤/ ٢/٢)، ٢٢ - كتاب النذور والأيمان.\n(^٦) أخرجه مسلم (١٢٨).","vol":"1","page":102},{"text":"[الأنعام: ١٦٠] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال في الآية الأخرى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وهذا كله تفضّل من الله تعالى، وطريق العدل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ فإذا تصدّق عنه غيره فليس يجب له شيء، إلا أن الله ﷿ يتفضل عليه بما لم يجب له، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف، إلى ألف ألف حسنة.\nكما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن الله ليجزي عن الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة؟» فقال: سمعته يقول: «إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة» (^١). فهذا تفضّل، وقد تفضّل الله على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل، فما ظنك بعمل المؤمن عن نفسه أو عن غيره؟!\nوقد ذكر الخرائطي في كتاب القبور، قال: «سنّة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرءوا معه سورة البقرة».\nولقد أحسن من قال:\nزر والديك وقف على قبريهما … فكأنني بك قد حملت إليهما\nفي أبيات يقول في آخرها:\nوقرأت من آي الكتاب بقدر ما … تستطيع وقد بعثت ذاك إليهما\nوإنما طولنا النّفس في هذا الباب، لأن الشيخ الفقيه القاضي الإمام مفتي الأنام عبد العزيز بن عبد السلام ﵀، كان يفتي بأنه لا يصل للميت ثواب ما يقرأ، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]؛ فلما توفي ﵀، رآه بعض أصحابه ممن كان يجالسه وسأله عن ذلك، فقال له: إنك كنت تقول: إنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويهدى إليه، فكيف الأمر؟ فقال له: إني كنت أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله تعالى في ذلك، وأنه يصل إليه ذلك (^٢).\n***\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٦) بإسناد ضعيف.\n(^٢) المنامات والرؤى لا تثبت أحكاما شرعية، فضلا على أن تغيّرها.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>٣٠ - باب يدفن العبد في الأرض التي خلق منها</span>\n(أبو عيسى الترمذي) عن مطر بن عكامس (^١)، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة» أو قال: «بها حاجة» (^٢).\nقال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي عزة، وهذا حديث حسن غريب، ولا يعرف لمطر بن عكامس عن النبي ﷺ غير هذا الحديث.\nوعن أبي عزة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض، جعل له إليها حاجة» أو قال: «بها حاجة» (^٣). قال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو عزة له صحبة، واسمه يسار بن عبيد.\nوأنشدوا:\nإذا ما حمام المرء كان ببلدة … دعته إليها حاجة فيطير\nوروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول»، عن أبي هريرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يطوف ببعض نواحي المدينة، وإذا بقبر يحفر، فأقبل حتى وقف عليه، فقال: «لمن هذا؟» قيل: لرجل من الحبشة، فقال: «لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه حتى دفن في الأرض التي خلق منها» (^٤). وعن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «إذا كان أجل العبد بأرض أوثبته الحاجة إليها حتى إذا بلغ أقصى أثره قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: ربّ؛ هذا ما استودعتني» خرّجه ابن ماجه أيضا (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: فائدة هذا الباب تنبيه العبد على التيقظ للموت\n_________\n(^١) وقع في «المطبوع»: عكاش، والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٧) والترمذي (٢١٤٦)، وصحّحه الألباني في «صحيح الجامع» رقم (٧٤٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢١٤٧) بسند صحيح؛ انظر ما قبله.\n(^٤) أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٧) بإسناد حسن، من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٣) وهو في «الصحيحة» (١٢٢٢).","vol":"1","page":104},{"text":"والاستعداد له بحسن الطاعة، والخروج عن المظلمة، وقضاء الدين، وإتيان الوصية بماله أو ما عليه في الحضر، فضلا عن أوان الخروج عن وطنه إلى سفر، فإنه لا يدري أين كتبت منيته من بقاع الأرض.\nوأنشد بعضهم:\nمشيناها خطّى كتبت علينا … ومن كتبت عليه خطّى مشاها\nوأرزاق لنا متفرقات … فمن لم تأته منا أتاها\nومن كتبت منيته بأرض … فليس يموت في أرض سواها\nوقد روي في الآثار القديمة: أن سليمان ﵇ كان عنده رجل يقول:\nيا نبي الله! إن لي حاجة بأرض الهند، فأسألك أن تأمر الريح أن يحملني إليها في هذه الساعة، فنظر سليمان إلى ملك الموت ﵇، فرآه يتبسم، فقال: مم تتبسم؟ قال: - تعجبا -: إني أمرت بقبض روح هذا الرجل في بقية هذه الساعة بالهند، وأنا أراه عندك، فروي أن الريح حملته في تلك الساعة إلى الهند، فقبض روحه بها - والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-71>٣١ - باب ما جاء أن كل عبد يذرّ عليه من تراب حفرته وفي الرزق والأجل وبيان قوله تعالى ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾</span>\n(أبو نعيم) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود إلا وقد ذرّ عليه من تراب حفرته» (^١).\nقال أبو عاصم النبيل: ما نجد لأبي بكر وعمر ﵄ فضيلة مثل هذه، لأن طينتهما طينة رسول الله ﷺ، أخرجه في باب ابن سيرين، عن أبي هريرة وقال: هذا حديث غريب من حديث عون، لم نكتبه إلاّ من حديث أبي عاصم النبيل، وهو أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة.\nوروى مرة، عن ابن مسعود، أن الملك الموكّل بالرحم يأخذ النطفة من\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٨٠) بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":105},{"text":"الرحم، فيضعها على كفه، ثم يقول: يا رب، مخلّقة أو غير مخلقة؟ فإن قال مخلّقة، قال: يا رب ما الرزق؟ ما الأثر؟ ما الأجل؟ فيقول: انظر في أم الكتاب، فينظر في اللوح المحفوظ، فيجد فيه رزقه، وأثره، وأجله، وعمله، ويأخذ التراب الذي يدفن في بقعته ويعجن به نطفته.\nفذلك قوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] خرجه الترمذي الحكيم، أبو عبد الله في «نوادر الأصول».\nوذكر عن علقمة، عن عبد الله قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه، فقال: أي رب أمخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما، وإن قال: مخلقة، قال: أي رب أذكر، أم أنثى؟ أشقي، أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وما الرزق؟ وبأي أرض تموت؟ فيقول:\nاذهب إلى أم الكتاب، فإنك ستجد هذه النطفة فيها، فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله. فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فتخلق، فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها ماتت، فدفنت في ذلك المكان، فالأثر: هو التراب الذي يؤخذ فيعجن به ماؤه.\nوقال محمد بن سيرين: لو حلفت حلفت صادقا بارّا، غير شاك ولا مستثن، أن الله ما خلق نبيه محمدا ﷺ، ولا أبا بكر، ولا عمر، إلاّ من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة.\nقلت: وممن خلق من تلك التربة؛ عيسى بن مريم ﵇. على ما يأتي بيانه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. وهذا الباب يبين لك معنى قوله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢].\nوقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، ولا تعارض في شيء من ذلك على ما بينا في كتاب «الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة، وآي الفرقان» وهذا الباب يجمع لك ذلك كله فتأمله.\n***","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>٣٢ - باب ما يتبع الميت إلى قبره وبعد موته وما يبقى معه فيه</span>\n(مسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يتبع الميت ثلاث، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» (^١).\nوروى أبو نعيم من حديث قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره؛ من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» (^٢). هذا حديث غريب من حديث قتادة تفرّد به أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي، عن العرزمي محمد بن عبيد الله، عن قتادة. وخرّجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه من حديث الزهري؛ حدثني أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته؛ علما علّمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته تلحقه بعد موته» (^٣).\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إنك لتصدّق عن ميتك بصدقة فيجيء بها ملك من الملائكة في أطباق من نور، فيقوم على رأس القبر فينادي: يا صاحب القبر الغريب؛ أهلك قد أهدوا إليك هذه الهدية فاقبلها، قال: فيدخلها إليه في قبره، ويفسح له في مداخله، وينوّر له فيه، فيقول: جزى الله أهلي عني خير الجزاء، قال: فيقول لزيق ذلك القبر أنا لم أخلف لي ولدا ولا أحدا يذكرني بشيء، فهو مهموم والآخر يفرح بالصدقة» (^٤).\nوقال بشار بن غالب: رأيت رابعة العدوية - يعني العابدة - في المنام، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت لي: يا بشار هديتك تأتينا في أطباق من نور، عليها مناديل الحرير، وهكذا يا بشار دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا لإخوانهم الموتى فاستجيب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥١٤) ومسلم (٢٩٦٠).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٤٤) بإسناد ضعيف جدا، فمحمد بن عبيد الله العرزمي؛ «متروك» كما في «التقريب» (٦١٠٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» رقم (١٩٨).\n(^٤) تقدّم أن إبراهيم بن هدبة؛ متروك.","vol":"1","page":107},{"text":"لهم يقال: هذه هدية فلان إليك. وقد تقدّم لهذا الباب ما فيه كفاية - والحمد لله.\nوقال إسماعيل بن رافع: ما من ذي رحم أوصل لذي رحمه، من رجل أتبع ذا رحم بحجّ أو عتق أو صدقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>٣٣ - باب ما جاء في هول المطلع</span>\nتقدّم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تمنّوا الموت فإن هول المطلع شديد» (^١) الحديث.\nولما طعن عمر بن الخطاب ﵁ قال له رجل: إني لأرجو أن لا تمس جلدك النار، فنظر إليه ثم قال: «إن من غررتموه لمغرور، والله لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع».\nوقال أبو الدرداء ﵁: «أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث؛ أضحكني مؤمّل دنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك بملء فيه لا يدري أأرضى الله أم أسخطه؟ وأبكاني؛ فراق الأحبة محمد ﷺ وحزبه، وأحزنني هول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السريرة علانية، ثم لا يدرى إلى الجنة أو إلى النار». أخرجه ابن المبارك. قال: أخبرنا غير واحد، عن معاوية بن قرة قال:\nقال أبو الدرداء: فذكره (^٢).\nقال: وأخبرنا محمد، بلغ به أنس بن مالك قال: «ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن؛ أول يوم يجيئك البشر من الله تعالى، إما برضاه وإما بسخطه، ويوم تعرض فيه على ربك آخذا كتابك، إما بيمينك وإما بشمالك، وليلة تستأنف فيها المبيت في القبور، ولم تبت فيها قط، وليلة تمخض صبيحتها يوم القيامة» (^٣).\n***\n_________\n(^١) تقدّم.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» برقم (٢٤٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود في «الزهد» برقم (٣٨١) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٨٨/ ١٠٦٩٧/٧، ١٠٦٩٨).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>٣٤ - باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة وفي البكاء عنده وفي حكمه والاستعداد له</span>\n(ابن ماجه) عن هانئ بن عثمان، قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه أحد فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» (^١).\nقال: قال رسول الله ﷺ: «ما رأيت منظرا قط إلاّ والقبر أفظع منه» (^٢) أخرجه الترمذي. وزاد رزين قال: وسمعت عثمان ينشد على قبر شعرا:\nفإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلاّ فإني لا إخالك ناجيا\n(ابن ماجه) عن البراء: قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى وأبكى، حتى بلّ الثرى، ثم قال: «يا إخواني لمثل هذا فأعدّوا» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>فصل</span>\nالقبر واحد القبور في الكثرة، وأقبر في القلّة، ويقال للمدفن، مقبر.\nقال الشاعر:\nلكلّ أناس مقبر بفنائهم … وهم ينقصون والقبور تزيد (^٤)\nواختلف في أول من سنّ القبر؟ فقيل: الغراب لمّا قتل قابيل هابيل. وقيل بنو إسرائيل، وليس بشيء. وقد قيل: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به. فبعث الله غرابا يحثّ التراب على هابيل ليدفنه. فقال عند ذلك: ﴿يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيّض الله الغراب له حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة. وقيل: ندمه إنما كان على فقده، لا على قتله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٣٦٧) بإسناد حسن كما في «المشكاة» (١٣٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٠٩) بإسناد حسن.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤١٩٥) وأحمد (٤/ ٢٩٤)، وهو في «الصحيحة» برقم (١٧٥١).\n(^٤) انظر «لسان العرب» (١١/ ٩).","vol":"1","page":109},{"text":"قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة. ويقال: إنه لما قتله قعد يبكي عند رأسه، إذ أقبل غرابان فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك، فبقي ذلك سنّة لازمة في بني آدم.\nوفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أي: جعل له قبرا يوارى إكراما له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي. قاله الفرّاء.\nوقال أبو عبيدة: أقبره: جعل له قبرا وأمر أن يقبر، قال أبو عبيدة: ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن، قالت بنو تميم؛ ودخلوا عليه: أقبرنا صالحا، فقال: دونكموه.\nوحكم القبر: أن يكون مسنّما مرفوعا على وجه الأرض قليلا (^١)، غير مبنيّ بالطين والحجارة والجص، فإن ذلك منهي عنه.\nوروى مسلم عن جابر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (^٢)، وخرّجه الترمذي أيضا عن جابر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تجصّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ». قال أبو عيسى:\nهذا حديث صحيح (^٣).\nقال علماؤنا ﵏: وكره مالك تجصيص القبور، لأن ذلك من المباهاة، وزينة الحياة الدنيا وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت في قبره علمه.\nوأنشدوا:\nوإذا وليت أمور قوم ليلة … فاعلم بأنّك بعدها مسؤول\nوإذا حملت إلى القبور جنازة … فاعلم بأنّك بعدها محمول\nيا صاحب القبر المنقش سطحه … ولعله من تحته مغلول\nوفي «صحيح مسلم» عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألاّ تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (^٤).\nوقال أبو داود في «المراسيل»، عن عاصم بن أبي صالح: رأيت قبر النبي\n_________\n(^١) ولا يزيد هذا الارتفاع عن شبر، كما سيأتي.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٧٠).\n(^٣) «سنن الترمذي» رقم (١٠٥٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٦٩).","vol":"1","page":110},{"text":"ﷺ شبرا أو نحوا من شبر، يعني في الارتفاع (^١).\nقال علماؤنا - رحمة الله عليهم - يسنّم القبر ليعرف، كي يحترم، ويمنع من الارتفاع الكثير، الذي كانت الجاهلية تفعله، فإنها كانت تعلي عليها؛ وتبني فوقها تفخيما لها وتعظيما؛ وأنشدوا:\nأرى أهل القصور إذا أميتوا … بنوا فوق المقابر بالصخور\nأبو إلا مباهاة وفخرا … على الفقراء حتى في القبور\nلعمرك لو كشفت الترب عنهم … فما تدري الغنيّ من الفقير\nولا الجلد المباشر ثوب صوف … من الجلد المباشر للحرير\nإذا أكل الثرى هذا وهذا … فما فضل الغنيّ على الفقير؟\nيا هذا، أين الذي جمعته من الأموال، وأعددته للشدائد والأهوال؟ لقد أصبحت كفّك منه عند الموت خالية صفرا، وبدلت من بعد غناك وعزّك ذلا وفقرا، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره، ويا من سلب من أهله ودياره؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد، إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما علمت يا مغرور! أن لا بد من الارتحال، إلى يوم شديد الأهوال، وليس ينفعك ثمّ قيل ولا قال، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان، ما بطشت اليدان، ومشت القدمان ونطق به اللسان، وعملت الجوارح والأركان، فإن رحمك فإلى الجنان، وإن كانت الأخرى فإلى النيران، يا غافلا عن هذه الأحوال! إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتحسب أن الأمر صغير، وتزعم أن الخطب يسير؟ وتظن أن سينفعك حالك، إذا آن ارتحالك، أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك، أو يغني عنك ندمك، إذا زلّت بك قدمك، أو يعطف عليك معشرك، حين يضمك محشرك، كلا والله ساء ما تتوهّم، ولا بد لك أن ستعلم، لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعضاة تستمع، ولا بالوعيد ترتدع، دأبك أن تنقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، يا نائما في غفلة وفي خبطة يقظان، إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتزعم أن ستترك سدى، وأن لا تحاسب غدا، أم تحسب أن الموت يقبل الرّشا، أم تميز بين الأسد والرّشا، كلا والله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون، ولا ينفع أهل القبور إلاّ العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقّق ما ادّعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٤٢١) عن صالح بن أبي الأخضر. وصالح؛ ضعيف.","vol":"1","page":111},{"text":"[النجم: ٣٩، ٤٠] فانتبه من هذه الرقدة، واجعل العمل الصالح لك عدّة، ولا تتمن منازل الأبرار، وأنت مقيم على الأوزار، عامل بعمل الفجار، بل أكثر من الأعمال الصالحات، وراقب الله في الخلوات، رب الأرض والسموات، ولا يغرنّك الأمل، فتزهد عن العمل، أو ما سمعت الرسول حيث يقول، لما جلس على القبور: «يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا»، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك، يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوأنشدوا:\nتزوّد من معاشك للمعاد … وقم لله واعمل خير زاد\nولا تجمع من الدنيا كثيرا … فإن المال يجمع للنّفاد\nأترضى أن تكون رفيق قوم … لهم زاد وأنت بغير زاد؟\nوقال آخر:\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\nندمت على أن لا تكون كمثله … وأنك لم ترصد كما كان أرصدا\nوقال آخر:\nالموت بحر طافح موجه … تذهب فيه حيلة السابح\nيا نفس إني قائل فاسمعي … مقالة من مشفق ناصح\nلا ينفع الإنسان في قبره … غير التقى والعمل الصالح\nوقال آخر:\nأسلمني الأهل ببطن الثرى … وانصرفوا عني فيا وحشتا\nوغادروني معدما بائسا … ما بيدي اليوم إلا البكا\nوكلّ ما كان كأن لم يكن … وكلّ ما حذرته قد أتى\nوذاكم المجموع والمقتنى … قد صار في كفي مثل الهبا\nولم أجد لي مؤنسا هاهنا … غير فجور موبق أو بقا\nفلو تراني وترى حالتي … بكيت لي يا صاح مما ترى\nوقال آخر:\nولدتك إذ ولدتك أمّك باكيا … والقوم حولك يضحكون سرورا\nفاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا\nوروي عن محمد القرشي أنه قال: سمعت شيخنا يقول: أيها الناس! إني لكم","vol":"1","page":112},{"text":"ناصح، وعليكم شفيق، فاعملوا في ظلمة الليل لظلمة القبر، وصوموا في الحر قبل يوم النشور، وحجوا يحط عنكم عظائم الأمور، وتصدّقوا مخافة يوم عسير.\nوكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أيها المقبور في حفرته، المتخلي في القبر بوحدته، المستأنس في بطن الأرض بأعماله، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أحوالك اغتبطت؟ ثم يبكي حتى يبل عمامته، ويقول: استبشر - والله - بأعماله الصالحة، واغتبط - والله - بإخوانه المعاونين له على طاعة الله، وكان إذا نظر إلى القبر صرخ كما يصرخ الثور.\nوسيأتي أن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، وما فيه من الموعظة - إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-76>٣٥ - باب ما جاء في اختيار البقعة للدفن</span>\n(أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال:\nحدّثني رجل من آل عمر، عن عمر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «من زار قبري - أو قال: من زارني - كنت له شهيدا أو شفيعا، ومن مات بأحد الحرمين بعثه الله ﷿ في الآمنين يوم القيامة» (^١). وخرّجه أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني عن حاطب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني حيّا في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين، بعث من الآمنين يوم القيامة» (^٢).\nوخرّج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: أرسل ملك\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٦٥) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٤٥) وفي «شعب الإيمان» (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩/ ٤١٥٣). من طريق سوار بن ميمون؛ حدثني رجل من آل عمر به.\nووقع في «مسند الطيالسي»: «نوار بن ميمون» وهو تصحيف.\nوإسناده ضعيف جدا؛ لجهالة الراوي عن ابن عمر، وكذا جهالة سوار بن ميمون، فإني لم أجد من ترجمه.\n(^٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٢/ ٢٧٨) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٨٨/ ٤١٥١/٣) من طريق: هارون أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب به.\nوهذا إسناد ضعيف جدا؛ لأجل هارون أبي قزعة، وجهالة الرجل من آل حاطب، انظر «الضعيفة» (١٠٢١) وإرواء الغليل» (٣٣٣/ ١١٢٧/٤).","vol":"1","page":113},{"text":"الموت إلى موسى ﵇، فلما جاء صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربّه، فقال:\nأرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إليه، وقال له: يضع يده على متن جلد ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر فقال رسول الله ﷺ: «لو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» (^١).\nوفي رواية، قال: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵇، فقال له: أجب ربك؛ قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها» وذكر نحوه.\nقال الترمذي، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن مات بها» (^٢) صححه أبو محمد عبد الحق.\nوفي «الموطأ» أن عمر ﵁، كان يقول: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٩، ٣٤٠٧) ومسلم (٢٣٧٢) وأحمد (٢/ ٢٢٩) والنسائي (٤/ ١١٨ - ١١٩) وغيرهم كثير.\nوقد اتفق على صحّته جمع كبير من الحفاظ وأهل الحديث وحماة السنة، لكن أهل الهوى والجهل وأصحاب العقول المريضة، والنفوس الحاقدة على سنة المصطفى ﵌ لم يقبلوا الحديث، لأنه عارض عقولهم الفجّة الرديئة، التي لا تستوعب غير الباطل والكذب.\nوقد أتى هؤلاء المخذولين بشبه عقلانية لإبطال هذا الحديث؛ كما فعل أبو رية الضال، والغزالي العقلاني (المعاصر)، والمفتري محمد صادق نجمي في كتابه «تأملات في الصحيحين»!! ص ٢٥٠ - ٢٥٢، وصاحبه في الافتراء عبد الأمير الغول!! في كتابه «عفوا صحيح البخاري»! ص ٣٧٣، وجعفر السبحاني في كتابه «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» ص ٣٣١ - ٣٣٣. وغيرهم من أهل الهوى.\nولا مجال لتفصيل شبهاتهم ونقضها في هذا الموضع؛ إذ أهل الحق لهؤلاء بالمرصاد، وقد كتبوا في ذلك ووفوا؛ فانظر على سبيل المثال:\n«تأويل مختلف الحديث» للإمام ابن قتيبة ﵀ ص ٣٣٣ - ٣٣٥ و«دفاع عن السنة» للشيخ عبد الغني عبد الخالق، الذي ردّ فيه على أبي رية ص ١٦٢ - ١٦٤ و«الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» من التضليل والمجازفة» للعلامة المحقّق عبد الرحمن اليماني المعلمي ﵀ ص ٢١٤ - ٢١٥ و«ضلالات منكري السنة» لطه الدسوقي ص ٣١٦ - ٣٢٩ و«كشف موقف الغزالي من السنة وأهلها» للعلامة ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله ورعاه - ص ١٧١ - ١٩٢ ففيه بحث نفيس، والله الهادي إلى سواء السبيل.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٩١٧) وأحمد (٢/ ٧٤، ١٠٤) وابن ماجه (٣١١٢). وهو في «صحيح الجامع» (٦٠١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٩٠).","vol":"1","page":114},{"text":"وكان سعد بن أبي وقاص؛ وسعيد بن زيد، قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فيدفنا بها (^١). وذلك - والله أعلم - لفضل علموه هناك؛ قال: فإن فضل المدينة غير منكور ولا مجهول (^٢)؛ ولو لم يكن إلاّ مجاورة الصالحين والفضلاء من الشهداء وغيرهم لكفى.\nوروي عن كعب الأحبار أنه قال لبعض أهل مصر؛ لما قال له: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم؛ جراب من تراب سفح المقطّم؛ يعني: جبل مصر؛ قال:\nفقلت له: يرحمك الله؛ وما تريد منه؟ قال: أضعه في قبري؛ فقال له: تقول هذا وأنت بالمدينة، وقد قيل في البقيع ما قيل، قال: إنّا نجد في الكتاب الأول أنه مقدّس ما بين القصير إلى اليحموم.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: البقاع لا تقدّس أحدا ولا تطهّره؛ وإنّما الّذي يقدّسه من وضر الذنوب ودنسها؛ التوبة النصوح، مع الأعمال الصالحة، أما إنه قد يتعلق بالبقعة تقديس ما، وهو إذا عمل العبد فيها عملا صالحا، ضوعف له بشرف البقعة مضاعفة تكفّر سيئاته، وترجح ميزانه؛ وتدخله الجنة؛ وكذلك تقديسه إذا مات على معنى التتبع لصالح العمل؛ لا أنها توجب التقديس ابتداء.\nوقد روى مالك؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «ما أحبّ أن أدفن بالبقيع، لأن أدفن في غيره أحب إليّ». ثم بين العلة، فقال: «مخافة أن تنبش لي عظام رجل صالح؛ أو نجاور فاجرا» (^٣). وهذا تستوي فيه سائر البقاع، فدل على أن الدفن بالأرض المقدسة ليس بالمجمع عليه، وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته وإخوانه وجيرانه؛ لا لفضل ولا لدرجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>فصل</span>\nإن قال قائل: كيف جاز لموسى ﵇ أن يقدم على ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه، فالجواب من وجوه ستة:\nالأول: أنّها كانت عينا متخيّلة، لا حقيقة لها، وهذا القول باطل؛ لأنه يؤدي\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥١/ ٣١/١) - كتاب الجنائز - (١٠) باب ما جاء في دفن الميت.\n(^٢) انظر في ذلك؛ «الأحاديث الواردة في فضائل المدينة جمعا ودراسة» للدكتور صالح بن حامد بن سعيد الرفاعي، نشر دار الخضيري بالمدينة النبوية.\n(^٣) أخرجه مالك (١٥١/ ٣٢/١).","vol":"1","page":115},{"text":"إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة لها، وهذا مذهب السالمية.\nالثاني: أنّها كانت عينا معنوية فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة له.\nالثالث: أنّه لم يعرفه، وظنّه رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه، فدافع عنها؛ فلطمه: ففقأ عينه؛ وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن، وهذا وجه حسن، لأنه حقيقة في العين والصك؛ قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة، إلا أنه اعترض بما في الحديث نفسه؛ وهو أن ملك الموت ﵇ لما رجع إلى الله تعالى؛ قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صدر هذا القول من ملك الموت.\nالرابع: أن موسى ﵇ كان سريع الغضب، وسرعة غضبه كانت سببا لصكّه ملك الموت؛ قاله ابن العربي في الأحكام، وهذا فاسد، لأن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب.\nالخامس: ما قاله ابن مهدي ﵀: أن عينه المستعارة ذهبت لأجل أنه جعل له أن يتصور بما شاء، فكأن موسى ﵇ لطمه وهو متصور بصورة غيره بدلالة أنه رأى بعد ذلك معه عينه.\nالسادس: وهو أصحها - إن شاء الله - وذلك أن موسى ﵇ كان عنده ما أخبر نبينا ﵇ من أن الله تعالى لا يقبض روحه حتى يخيّره - خرجه البخاري وغيره - فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقئت عينه، امتحانا لملك الموت، إذ لم يصرح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا؛ أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم، والله بغيبه أعلم وأحكم. ذكره ابن العربي في قبسه بمعناه. والحمد لله.\nوقد ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك الموت ﵇ يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى ﵇ فلطمه ففقأ عينه» الحديث بمعناه (^١). وفي آخره: «فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية».\n***\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٥٣٣) بإسناد صحيح على شرط مسلم، كما قال الشيخ الألباني في تحقيقه على كتاب «السنة» لابن أبي عاصم ص ٢٦٧.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>٣٦ - باب يختار للميت قوم صالحون يكون معهم</span>\nخرّج أبو سعيد الماليني في كتاب «المؤتلف والمختلف»، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتاب «القبور»، من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفيّة، عن علي ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ندفن موتانا وسط قوم صالحين، فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء» (^١).\nوعن ابن عباس ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إذا مات لأحدكم الميت فحسنوا كفنه، وعجّلوا إنجاز وصيته، وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار السوء» قيل: يا رسول الله: وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: «هل ينفع في الدنيا»؟ قالوا:\nنعم. قال: «كذلك ينفع في الآخرة». ذكره الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار»، وخرجه أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس عن عمه نافع بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين، فإن الميت يتأذّى بالجار السوء» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-80>فصل</span>\nقال علماؤنا: ويستحب لك - رحمك الله - أن تقصد بميتك قبور الصالحين، ومدافن أهل الخير، فتدفنه معهم، وتنزله بإزائهم، وتسكنه في جوارهم، تبرّكا بهم (^٣)، وتوسلا إلى الله ﷿ بقربهم (^٤)، وأن تجتنب به قبور من سواهم، من يخاف التأذي بمجاورته، والتألم بمشاهدة حاله حسب ما جاء في الحديث.\nيروى أن امرأة دفنت بقرطبة - أعادها الله - فأتت أهلها في النوم، فجعلت تعتبهم وتشكوهم وتقول: ما وجدتم أن تدفنوني إلاّ إلى فرن الجير؟ فلما أصبحوا نظروا فلم يروا في ذلك الموضع كلّه ولا بقربه فرن جير. فبحثوا وسألوا عن من كان مدفونا بإزائها؟ فوجدوه رجلا سيافا كان لابن عامر وقبره إلى قبرها،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف لأجل عبد الله بن محمد بن عقيل.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٥٤)، وقال الألباني في «الضعيفة» (٦١٣): «موضوع».\n(^٣) لم يثبت بهذا نص، ولا يصح التبرك بالمقبورين.\n(^٤) وهذا لا يصح أيضا.","vol":"1","page":117},{"text":"فأخرجوها من جواره. ذكر هذا أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له.\nوعن أعرابي أنه قال لولده: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرني إلاّ أني دفنت بإزاء فلان، وكان فاسقا قد روّعني ما يعذّب به من أنواع العذاب!\nوروى أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له، وحدّثني أبو الوليد رباح بن الوليد الموصلي، قال: وحدّثت عن عبد الملك بن عبد العزيز عن طاوس بن ذكران اليماني، أنه أخبرهم؛ أنه قدم حاجّا فمر بالأبطح عند المقابر مع رفقاء له فقال: بينا أنا أصلي في جوف الليل وعليّ برد لي أحرش - أخذته باليمن بسبعين دينارا - وقبر قريب مني محفور؛ إذ رأيت شمعا قد أقبل به مع جنازة، فإذا قائل يقول في قبر قريب من القبر المحفور: اللهم إني أعوذ بك من الجار السوء.\nقال: فركعت ثم سجدت وسلّمت، ثم خرجت حتى لقيت أصحاب الجنازة، فسلّمت وقلت: لا تقربونا وتنحّوا عنا - عافاكم الله - قالوا: ما نستطيع ذلك، وقد حفرنا قبرنا هذا، ولا نستطيع أن نذهب إلى غيره. فقلت: من أولى بالجنازة؟ فقالوا: هذا ابنه.\nفقلت له: هل لك أن تتنحّى عنا وتناولني ثوبك هذا الذي عليك، فألبسه وأعطيك بردي هذا، فإني قد أخذته باليمن بسبعين دينارا، وهو هنا خير من سبعين؟ فإن كان على أبيك دين قضيته عنه، وإن لم يكن؛ انتفع بذلك الورثة. وتكفّ عنّا ما نكره.\nقال: فأنكر القوم قولي أن يكون على رجل برد يلتف به ثمنه سبعون دينارا. فاحتجت إلى أن أخبرهم من أنا؟ فقلت: تعرفون طاوس اليماني؟ قالوا: نعم. قلت: فأنا طاوس اليماني، وما قلت لكم في البرد إلا حقّا. فناولني الرجل رداءه وأخذ ردائي وانصرف عنا، وأقبلت حتى وقفت على صاحب القبر، فقلت: ما كان لك ليجاورك جار تكرهه وأنا أستطيع رده. ثم عدت إلى صلاتي!\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-81>٣٧ - باب ما جاء أن الموتى يتزاورون في قبورهم واستحسان الكفن لذلك</span>\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري ﵁، خرّج الحافظ أبو نصر عبد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني في كتاب «الإبانة» له؛ حدّثنا هبة الله بن إبراهيم بن عمر قال: حدّثنا علي بن الحسين بن بندار، قال: حدّثنا محمد بن الصفار، قال: حدّثنا معاوية، قال: حدّثنا زهير بن معاوية، عن أبي","vol":"1","page":118},{"text":"الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «حسنوا أكفان موتاكم، فإنّهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم» (^١). وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-82>٣٨ - باب ما جاء في كلام القبر كل يوم وكلامه للعبد إذا وضع فيه</span>\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «دخل رسول الله ﷺ مصلاّه فرأى ناسا يكثرون، فقال: أما أنكم لو أكثرتم من ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى - يعني الموت - فأكثروا ذكر هادم اللذات؛ الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه، فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود. فإذا دفن العبد المؤمن، قال له القبر: مرحبا وأهلا؛ أما إن كنت لأحبّ من يمشي على ظهري إليّ، فإذا وليتك اليوم وصرت إليّ فسترى صنيعي بك، فيتسع له مدّ بصره، ويفتح له باب إلى الجنة. وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إليّ، فإذا ولّيتك اليوم وصرت إليّ فسترى صنيعي بك» قال: «فيلتئم عليه حتى يلتقي وتختلف أضلاعه» قال: قال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في جوف بعض. قال: «ويقيّض الله له تسعين تنينا - أو قال تسعة وتسعين - لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا، فتنهشه حتى يفضي به إلى الحساب». قال: وقال رسول الله ﷺ: «إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (^٣).\nوخرّج هنّاد بن السّري قال: حدّثنا حسن الجعفي، عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: «يجعل الله للقبر لسانا ينطق به فيقول: ابن آدم كيف نسيتني؟ أما علمت أني بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة».\nقال: وحدّثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال:\n«إن القبر ليبكي ويقول في بكائه: أنا بيت الوحشة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت الدود».\nوذكر أبو عمر بن عبد البرّ: روى يحيى بن جابر الطائي، عن ابن عائذ الأزدي،\n_________\n(^١) تقدّم تخريجهما.\n(^٢) تقدّم تخريجهما.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠) وقال الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» (٤٣٧): «ضعيف جدا».","vol":"1","page":119},{"text":"عن غضيف بن الحارث قال: «أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد بن عمير قال:\nفجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: إن القبر يكلّم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي؟! ألم تعلم أني بيت الوحدة؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة؟ ألم تعلم أني بيت الحق؟ يا ابن آدم ما غرك بي؟! لقد كنت تمشي حولي فدادا. قال ابن عائذ:\nقلت لغضيف: ما الفداد يا أبا إسماعيل؟ قال كبعض مشيتك يا ابن أخي. قال غضيف: فقال صاحبي - وكان أكبر مني - لعبد الله بن عمرو: فإن كان مؤمنا فماذا له؟ قال: يوسع له في قبره، ويجعل منزله أخضر، ويعرج بروحه إلى السماء» ذكره في كتاب «التمهيد» (^١).\nوذكر أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» عن أبي الحجّاج الثمالي قال:\nقال رسول الله ﷺ: «يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، ما غرّك إذ كنت تمر بي فدادا؟» قال:\n«فإن كان صالحا أجاب عنه مجيب القبر، فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر»؟ قال فيقول القبر: «فإني أعود عليه خضرا ويعود جسده نورا، وتصعد روحه إلى رب العالمين». ذكر هذا الحديث أبو أحمد الحاكم في كتاب «الكنى» وذكره أيضا قاسم بن أصبغ قال: قيل لأبي الحجاج ما الفداد؟ قال: الذي يقدم رجلا ويؤخّر أخرى؛ يعني الذي يمشي مشية المتبختر (^٢).\nوذكر ابن المبارك، قال: أخبرنا داود بن نافذ قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول: بلغني أن الميت يقعد في حفرته وهو يسمع وخط مشيّعيه، ولا يكلّمه شيء أول من حفرته، فتقول: ويحك يا ابن آدم؛ أليس قد حذّرتني وحذّرت ضيقي وظلماتي ونتني وهولي، هذا ما أعددت لك فما أعددت لي (^٣)؟.\n_________\n(^١). (١٨/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣٧٧/ ٩٤٢/٢٢) وفي «مسند الشاميين» (١٤٩٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٩٠) وأبو أحمد الحاكم في «الأسامي والكنى» (٤/ ٨٦ - ٨٧/ ١٧٦٢) وابن أبي الدنيا في «القبور» كما في «أهوال القبور» لابن رجب.\nمن طريق: بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن أبي الحجاج الثمالي به مرفوعا.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٥ - ٤٦): «فيه أبو بكر بن أبي مريم؛ وفيه ضعف لاختلاطه».\nقلت: وكذا بقية بن الوليد؛ فهو مدلّس.\nوقد حكم العراقي في تخريج «الإحياء» (٤/ ٤٩٨) على إسناد الحديث بالضعف.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك كما في زوائد نعيم بن حماد على «الزهد» رقم (١٦٣).","vol":"1","page":120},{"text":"الوخط والوخد: سرعة السير في المشي.\nوقال سفيان الثوري: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار.\nوقال أحمد بن حرب: تتعجب الأرض ممن يمهد مضجعه؛ ويسوي فراشه للنوم. وتقول: يا ابن آدم ألا تذكر طول رقادك في جوفي، وما بيني وبينك شيء؟\nوقيل لبعض الزهّاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات.\nولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:\nوعظتك أحداث صمت … ونعتك أزمنة خفت\nوتكلمت عن أوجه تبلى … وعن صور سبت\nوأرتك نفسك في القبور … وأنت حيّ لم تمت\nوروي عن الحسن البصري أنه قال: كنت خلف جنازة فاتبعتها، حتى وصلوا بها إلى حفرتها، فنادت امرأة فقالت: يا أهل القبور لو عرفتم من نقل إليكم لأعززتموه؟ قال الحسن: فسمعت صوتا من الحفرة وهو يقول: قد والله نقل إلينا بأوزار كالجبال، وقد أذن لي أن آكله حتى يعود رميما. قال: فاضطربت الجنازة فوق النعش، وخر الحسن مغشيّا عليه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-83>٣٩ - باب ما جاء في ضغط القبر على صاحبه وإن كان صالحا</span>\n(النسائي) عن عبد الله بن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «هذا الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرّج عنه» قال أبو عبد الرحمن النسائي: يعني سعد بن معاذ ﵁ (^١).\nومن حديث شعبة بن الحجاج بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤/ ١٠٠) وهو في «صحيح سنن النسائي» برقم (١٩٤٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٥٥، ٩٨) وهو في «الصحيحة» (١٦٩٥).","vol":"1","page":121},{"text":"وذكر هنّاد بن السّريّ، حدّثنا محمد بن فضل، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة قال: «ما أجير من ضغطة القبر أحد، ولا سعد بن معاذ، الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها».\nقال: وحدّثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: «لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، لم ينزلوا إلى الأرض قط». قال: ولقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لقد ضم صاحبكم في القبر ضمة» (^١).\nوخرّج علي بن معبد في كتاب «الطاعة والمعصية» عن نافع قال: أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر وهي فزعة. فقلنا: ما شأنك؟ قالت: جئت من عند بعض نساء النبي ﷺ، فحدّثتني أن رسول الله ﷺ قال: «إن كنت لأرى أن أحدا لو أعفي من عذاب القبر، لأعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة» (^٢).\nوخرج أيضا عن زاذان أن ابن عمر (^٣) قال: لما دفن رسول الله ﷺ ابنته زينب جلس عند القبر فتربد وجهه، ثم سرّي عنه فقال له أصحابه: رأينا وجهك يا رسول الله تربّد آنفا، ثم سرّي عنك. فقال النبي ﷺ: «ذكرت ابنتي وضعفها، وعذاب القبر، فدعوت الله ففرّج عنها؛ وايم الله لقد ضمت ضمة سمعها ما بين الخافقين إلا الإنس والجن» (^٤).\nوخرج أيضا بسنده عن إبراهيم الغنوي، عن رجل، قال: كنت عند عائشة ﵂ فمرّت جنازة صبي صغير فبكت، فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: «هذا الصبي، بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر».\nقلت: وهذا الخبر، وإن كان موقوفا على عائشة ﵂، فمثله لا يقال من جهة الرأي.\nوقد روى عمر بن شبة في «كتاب المدينة» (^٥) - على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام - في ذكر وفاة فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال (^٦): بينما هو ﷺ في أصحابه أتاه آت،\n_________\n(^١) أخره ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢٨٨) - ط. إحياء التراث العربي.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ١٠٧)، وانظر «الصحيحة» (١٦٩٥).\n(^٣) كذا؛ وفي «موضوعات» ابن الجوزي (٣/ ٥٤٢): «عن زاذان أبي عمر قال: …».\n(^٤) أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٤٢/ ١٧٧٠/٣).\n(^٥) هو كتاب: «أخبار المدينة»، هذا هو الصواب في اسم الكتاب، وما جاء على لوحة الكتاب المطبوع: «كتاب تاريخ المدينة المنورة» خطأ، ينظر في ذلك «طبقات النسّابين» للشيخ بكر أبو زيد ص ٦٦، و«كتب حذّر منها العلماء» للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان (١/ ٥٧).\n(^٦) القائل هو: جابر بن عبد الله ﵁، راوي الحديث.","vol":"1","page":122},{"text":"فقال: إن أم عليّ وجعفر وعقيل قد ماتت. فقال: «قوموا بنا إلى أمي» قال:\nفقمنا كأن على رؤوسنا الطير، فلما انتهينا إلى الباب نزع قميصه وقال: «إذا كفنتموها فأشعروه إياها تحت أكفانها» فلما خرجوا بها جعل رسول الله ﷺ مرة يحمل، ومرة يتقدم، ومرة يتأخر حتى انتهينا بها إلى القبر، فتمعّك في اللحد، ثم خرج وقال: «أدخلوها بسم الله، وعلى اسم الله» فلما دفنوها قام قائما وقال: «جزاك الله من أم، وربيبة خيرا». وسألناه عن نزع قميصه، وتمعّكه في اللحد؟ فقال: «أردت أن لا تمسها النار أبدا - إن شاء الله تعالى - وأن يوسع الله عليها قبرها» (^١) وقال: «ما عفي أحد من ضغطة القبر، إلا فاطمة بنت أسد» قيل يا رسول الله: ولا القاسم ابنك؟ قال: «ولا إبراهيم»، وكان أصغرهما.\nورواه أبو نعيم الحافظ عن عاصم الأحول عن أنس بمعناه. وليس فيه السؤال بتمعّكه إلى آخره.\nقال أنس: «لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ بن أبي طالب ﵁ دخل عليها رسول الله ﷺ، فجلس عند رأسها. فقال: رحمك الله يا أمي، كنت أمّي بعد أمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسونني، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة» ثم أمر أن تغسل ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه وألبسها إياه، وكفنها فوقه، ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلاما أسود، يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: «الحمد لله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، إنك أرحم الراحمين». وكبّر عليها أربعا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق ﵃ أجمعين (^٢).\n***\n_________\n(^١) أخرجه عمر بن شبّه النميري في «أخبار المدينة» (١/ ١٢٤) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣٥١/ ٨٧١/٢٤) وفي «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٥٦) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ١٢١). بإسناد ضعيف.\nقال الهيثمي في «المجمع» (٩/ ٢٥٦): «فيه روح بن صلاح؛ وثقه ابن حبان والحاكم، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح».","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>٤٠ - باب منه وما جاء أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وهم من شرّ الناس له</span>\nروى أبو هدبة، إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد الميت إذا وضع في قبره وأقعد» قال: «يقول أهله: وا سيداه وا شريفاه وا أميراه» قال: «يقول الملك: اسمع ما يقولون، أنت كنت سيدا؟ أنت كنت أميرا؟ أنت كنت شريفا؟» قال: «يقول الميت: يا ليتهم يسكتون» قال: «فيضغط ضغطة تختلف فيها أضلاعه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنّة الميت واختياره، كما قال:\nإذا متّ فانعيني بما أنا أهله … وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد\nوكذلك إذا وصّى به. وقد روي ما يدل على أن الميت يصيبه عذاب ببكاء الحي عليه، وإن لم يكن من سنته، ولا من اختياره، ولا مما أوصى به. واستدلوا بحديث أنس المذكور، وبما روي من حديث قيلة بنت مخرمة، وذكرت عند النبي ﷺ ولدا لها مات ثم بكت، فقال رسول الله ﷺ: ««أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، فإذا حال بينه وبين من هو أولى به منه استرجع؟» ثم قال:\n«اللهم أثبني فيما أمضيت، وأعني على ما أبقيت، فوالذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه، يا عباد الله لا تعذّبوا موتاكم». ذكره ابن أبي خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما (^٢). وهو حديث معروف إسناده لا بأس به وسياقه يدل على أن بكاء هذه لم يكن من اختيار لابنها لأن ابنها صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ. ولا كان هذا البكاء المعروف في الجاهلية الذي كان من اختيار الميت ومما يوصي به.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» من حديث أبي موسى\n_________\n(^١) حديث ضعيف؛ لأجل إبراهيم بن هدبة.\n(^٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٥٨/١) الطبعة القديمة.","vol":"1","page":124},{"text":"الأشعري عن النبي ﷺ قال: «الميت يعذّب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟» (^١).\nوذكر البخاري من حديث النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: وا جبلاه، وا كذا، وا كذا. تعدّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أأنت كذلك؟ فلمّا مات لم تبك عليه (^٢).\nوهذا أيضا لم يكن من سنّة عبد الله بن رواحة، ولا من اختياره، ولا مما أوصى به، فمصابه في الدين أجلّ وأرفع من أن كان يأمر بهذا أو يوصّي به.\nوروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث منصور بن زاذان عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليعذب الميت بصياح أهله عليه» فقال له رجل: يموت بخراسان ويناح علي هاهنا؟ فقال عمران:\nصدق رسول الله ﷺ، وكذبت (^٣).\nقال المؤلف ﵁: وهذا بظاهره يفيد أنّ بنفس الصياح يقع التعذيب وليس كذلك، وإنما هو محمول على ما ذكرناه. والله أعلم.\nوقال الحسن: إنّ من شر الناس للميت أهله يبكون عليه، ولا يقضون دينه.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>٤١ - باب ما ينجي من ضغطة القبر وفتنته</span>\nروى أبو نعيم من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في مرضه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٤) والترمذي (١٠٠٣) وغيرهما، وهو حديث حسن من حديث أبي موسى الأشعري، انظر «صحيح الجامع» (٦٧٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠١٩).\n(^٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٧٨/ ٤١١/١٨) من طريق: منصور بن زاذان به. وأخرجه النسائي (٤/ ١٧) بنفس الإسناد، إلا أنه أوقفه على عمران بن حصين.\nوعلى كل فالإسناد ضعيف لأجل تدليس الحسن البصري. وانظر «ضعيف سنن النسائي» رقم (١١١).\nلكن صحّ شطره الأول عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين مرفوعا عند أحمد (٤/ ٤٣٧) والنسائي (٤/ ١٥) وغيرهما.","vol":"1","page":125},{"text":"الذي يموت فيه، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة» (^١).\nقال: هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرد به نصر بن حماد البجلي.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-87>٤٢ - باب ما يقال عند وضع الميت في قبره وفي اللحد في القبر</span>\nاللّحد: هو أن يحفر للميت في جانب القبر، إن كانت الأرض صلبة، وهو أفضل من الشق، فإنه الذي اختاره الله لنبيه ﷺ.\nروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ، بعثوا إلى أبي عبيدة، وكان يضرّح كضريح أهل مكة، وبعثوا إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد؛ فبعثوا إليهما رسولين، قالوا: اللهم خر لرسولك، فوجدا أبا طلحة فجيء به، ولم يوجد أبو عبيدة فلحد لرسول الله ﷺ (^٢).\nوروى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «اللحد لنا، والشق لغيرنا» (^٣). خرّجه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن غريب.\nوأنشدوا:\nضعوا خدي على لحدي ضعوه … ومن عفّر التراب فوسدوه\nوشقوا عنه أكفانا رقاقا … وفي الرمس البعيد فغيبوه\nفلو أبصرتموه إذا قضت … صبيحة ثالث أنكرتموه\nوقد سالت نواظر مقلتيه … على وجناته وانفض فوه\nوناداه البلا: هذا فلان … هلموا فانظروا هل تعرفوه\nحبيبكم وجاركم المفدى … تقادم عهده فنسيتموه\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢١٣) بإسناد ضعيف جدا، نصر بن حماد البجلي؛ متروك.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٦٢٨) بإسناد ضعيف؛ انظر «ضعيف سنن ابن ماجه» (٣٢١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٣) وأبو داود (٣١٩٢) والنسائي (٤/ ٨٠) والترمذي (١٠٤٥) وابن ماجه (١٥٥٤). وهو حدث حسن، انظر «المشكاة» (١٧٠١).","vol":"1","page":126},{"text":"وقال آخر:\nوألحدوا محبوبهم وانثنوا … وهمهم تحصيل ما خلّفا\nوغادروه مسلما مفردا … في رمسه رهنا بما أسلفا\nولم يزود من جميع الذي … باع به أخراه إلا لفا\nوخرّج أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول»، عن سعيد بن المسيب قال: حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله وفي سبيل الله، فلما أخذ في تسوية اللحد، قال: «اللهم أجرها من الشيطان، ومن عذاب القبر»، فلما سوّى الكثيب عليها، قام جانب القبر ثم قال: «اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقّها منك رضوانا». فقلت لابن عمر: شيئا سمعته من رسول الله ﷺ، أم شيئا قلته من رأيك؟ قال: «إني إذا لقادر على القول، بل سمعته من رسول الله ﷺ» خرّجه ابن ماجه أيضا في سننه (^١).\nوقال أبو عبد الله الترمذي ﵀: حدّثني أبي ﵀، قال: حدّثنا الفضل بن دكين، عن سفيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، قال: «كانوا يستحبون إذا وضع الميت في اللحد أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان الرجيم» (^٢).\nوروي عن سفيان الثوري أنه قال: إذا سئل الميت: من ربك؟ تراءى له الشيطان في صورة فيشير إلى نفسه، إني أنا ربك، قال أبو عبد الله: فهذه فتنة عظيمة. ولذلك كان رسول الله ﷺ يدعو بالثبات، فيقول: «اللهم ثبّت عند المسألة منطقه، وافتح أبواب السماء لروحه». فلو لم يكن للشيطان هناك سبيل ما كان ليدعو له رسول الله ﷺ أن يجيره من الشيطان، فهذا تحقيق لما روي عن سفيان. ذكره في الأصل التاسع والأربعين والمائتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>٤٣ - باب الوقوف عند القبر قليلا بعد الدفن والدعاء بالتثبيت له</span>\n(مسلم) عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، الحديث، وفيه: «فإذا دفنتموني فشنوا عليّ التراب شنّا، ثم أقيموا حول\n_________\n(^١) برقم (١٥٥٠) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» برقم (١٢٦٠).\n(^٢) ذكره الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١/ ٣٦٣).","vol":"1","page":127},{"text":"قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي ﷿» (^١).\nأخرجه ابن المبارك بمعنى حديث مسلم من حديث ابن لهيعة.\nقال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدّثه وقال فيه:\n«وشدّوا عليّ إزاري فإني مخاصم، وشنّوا عليّ التراب شنّا، فإن جنبي الأيمن ليس أحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور وتقطيعها أستأنس بكم» (^٢).\n(أبو داود) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (^٣).\nوأخرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دفن ميتا وقف وسأل له التثبيت، وكان يقول:\n«ما يستقبل المؤمن من هول الآخرة إلاّ والقبر أفظع منه».\nوخرّج أبو نعيم الحافظ في باب عطاء بن ميسرة الخراساني إلى عثمان ﵁، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ وقف على قبر رجل من أصحابه حين فرغ منه فقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم نزل بك، وأنت خير منزل به، جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، واقبله منك بقبول حسن، وثبّت عند المسائل منطقه» (^٤) غريب من حديث عطاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>فصل</span>\nقال الآجري أبو بكر؛ محمد بن الحسين في كتاب «النصيحة»: «يستحب الوقوف بعد الدفن قليلا، والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات، فيقال: اللهم هذا عبدك وأنت أعلم به منا، ولا نعلم منه إلاّ خيرا، وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة، كما ثبّته بالقول الثابت في الحياة الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بنبيه محمد ﷺ، ولا تضلنا بعده، ولا تحرمنا أجره».\nوقال أبو عبد الله الترمذي: فالوقوف على القبر وسؤال التثبيت في وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة، لأن الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له قد اجتمعوا بباب الملك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٤٠) ونحوه في زيادات نعيم بن حماد على «الزهد» (١٥٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٢٠٥) بسند صحيح، انظر «المشكاة» (١٣٣).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في «الحيلة» (٥/ ٢٠١) بسند ضعيف.","vol":"1","page":128},{"text":"يشفعون له، والوقوف على القبر لسؤال التثبيت مدد للعسكر وتلك ساعة شغل للميت، لأنه يستقبله هول المطلع، وسؤال وفتنة فتّاني القبر - على ما يأتي -. والجزور بفتح الجيم من الإبل، والجزرة من الضأن والمعزة خاصة. قاله في «الصحاح».\n\n<span data-type='title' id=toc-90>فصل</span>\nقول عمرو بن العاص ﵁: «فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار»، توصية منه باجتناب هذين الأمرين، لأنهما من عمل الجاهلية، ولنهي النبي ﷺ.\nقال العلماء: ومن ذلك الضجيج بذكر الله ﷾ أو بغير ذلك حول الجنائز، والبناء على المقابر، والاجتماع في الجبانات والمساجد للقراءة وغيرها، لأجل الموتى، وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام، والمبيت عندهم.\nكل ذلك من أمر الجاهلية، ونحو منه الطعام الذي يصنعه أهل الميت اليوم في يوم السابع، فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت والترحّم عليه، وهذا محدث لم يكن فيما تقدم، ولا هو مما يحمده العلماء، قالوا: وليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا وشبهه من لطم الخدود، ونشر الشعور، وشق الجيوب، واستماع النوح، وكذلك الطعام الذي يصنعه أهل الميت - كما ذكرنا - فيجتمع عليه النساء والرجال من فعل قوم لا خلاق لهم.\nوقال أحمد بن حنبل: هو من فعل الجاهلية، قيل له: أليس قد قال النبي ﷺ: «اصنعوا لآل جعفر طعاما» (^١) فقال: لم يكونوا هم اتخذوا، إنما اتّخذ لهم.\nفهذا كله واجب على الرجل أن يمنع أهله منه، ولا يرخّص لهم، فمن أباح ذلك لأهله فقد عصى الله ﷿، وأعانهم على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾ [التحريم: ٦] قال العلماء: معناه أدّبوهم وعلّموهم.\nوروى ابن ماجه في «سننه» عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» (^٢).\nوفي حديث شجاع بن مخلد قال: «كانوا يرون»، إسناده صحيح. وذكر الخرائطي عن هلال بن جناب قال: «الطعام على الميت من أمر الجاهلية».\nوخرّج الآجري عن أبي موسى قال: ماتت أخت لعبد الله بن عمر، فقلت لامرأتي: اذهبي فعزّيهم، وبيتي عندهم، فقد كان بيننا وبين آل عمر الذي كان.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٠٥) وأبو داود (٣١٣٢) وابن ماجه (١٦١٠) وغيرهم، وهو حديث صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٦١٢) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» برقم (١٣٠٨).","vol":"1","page":129},{"text":"فجاءت فقال: ألم آمرك أن تبيتي عندهم؟ فقالت: أردت أن أبيت، فجاء ابن عمر فأخرجنا. وقال: «اخرجن لا تبيتن أختي بالعذاب». وعن أبي البختري قال: «بيتوتة الناس عند أهل الميت ليست إلا من أمر الجاهلية».\nقال المؤلف ﵀: وهذه الأمور كلها قد صارت عند الناس الآن سنّة وتركها بدعة، فانقلب الحال وتغيّرت الأحوال. قال ابن عباس ﵁: «لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة، وأحيوا فيه بدعة، حتى تموت السنن وتحيا البدع، ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلاّ من هوّن الله عليه إسخاط الناس بمخالفتهم فيما أرادوا، ونهيهم عما اعتادوا، ومن يسّر لذلك أحسن الله تعويضه. قال رسول الله ﷺ:\n«إنك لن تدع شيئا إلاّ عوضك الله خيرا منه» (^١). وقال ﷺ: «لا يزال في هذه الأمة عصابة يقاتلون على أمر الله لا يضرهم جدال من جادلهم ولا عداوة من عاداهم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>فصل</span>\nومن هذا الباب ما ثبت في «الصحيحين» عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (^٣).\nوفيهما أيضا عن أبي بردة بن أبي موسى قال: «وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: أنا برئ مما برئ منه رسول الله ﷺ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة» (^٤).\nوفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى قالا:\nأغمي على أبي موسى وأقبلت امرأته تصيح برنة، قالا: ثم أفاق، قال: ألم تعلمي - وكان يحدثها - أن رسول الله ﷺ قال: «أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق» (^٥).\n(ابن ماجه) عن أبي أمامة: «أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور» (^٦) إسناده صحيح.\nوقال حاتم الأصم: إذا رأيت صاحب المصيبة قد خرق ثوبه، وأظهر حزنه،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٩ - ٧٨، ٣٦٣) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ: ابن عساكر كما في «كنز العمال» (١٤/ ٤٤ - ٤٥/ ٣٧٨٨٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٩٤، ١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩)، ومسلم (١٠٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٩٦) ومسلم (١٠٤).\n(^٥) تقدّم تخريجه في أول الكتاب.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (١٥٨٥) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٨٩).","vol":"1","page":130},{"text":"فعزّيته؛ فقد أشركته في إثمه، وإنما هو صاحب منكر، يحتاج أن تنهاه.\nوقال أبو سعيد البلخي: من أصيب بمصيبة فمزّق ثوبا، أو ضرب صدرا، فكأنما أخذ رمحا يريد أن يقاتل به ربه ﷿.\nوأنشدوا:\nعجبت لجازع، باك، مصاب … بأهل، أو حميم ذي اكتئاب\nشقيق الجيب، داعي الويل، جهلا … كأن الموت كالشيء العجاب\nوسوّى الله فيه الخلق حتى … نبي الله منه لم يحاب\nله ملك ينادي كل يوم: … لدوا للموت وابنوا للخراب\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-92>٤٤ - باب ما جاء في تلقين الإنسان بعد موته شهادة الإخلاص في لحده</span>\nذكر أبو محمد عبد الحق، يروى عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة! الثانية فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول:\nيا فلان ابن فلانة! الثالثة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكنكم لا تسمعون. فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنّك رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيّا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما، ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا، وقد لقّن حجّته، ويكون الله حجيجها دونه» فقال رجل: يا رسول الله فإن لم تعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨ /رقم: ٧٩٧٩) بإسناد ضعيف.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٥): «في إسناده جماعة لم أعرفهم».\nوقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٠٤): «رواه أبو القاسم الطبراني في «معجمه» بإسناد ضعيف».\nوقال ابن القيم في زاد المعاد» (١/ ٥٢٣): «حديث لا يصح رفعه».\nوقول الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٦٩٩): «إسناده صالح»! مستغرب منه.\nوالحديث ضعفه العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٤٢٠)، وقال الألباني في «الضعيفة» (٢/ ٦٤ / ٥٩٩): «منكر».","vol":"1","page":131},{"text":"قلت هكذا ذكره أبو محمد في كتاب «العاقبة» لم يسنده إلى كتاب ولا إلى إمام، وعادته في كتبه نسبة ما يذكره من الحديث إلى الأئمة، وهذا والله أعلم، نقله من «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد فنقله كما وجده ولم يزد عليه، وهو حديث غريب. خرّجه الثقفي في «الأربعين» له، أنبأناه الشيخ المسنّ الحاج الراوية: أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح بن أبي الحسن القرشي - عرف بابن رواح - بمسجده بثغر الإسكندرية حماه الله، والشيخ الفقيه الإمام مفتي الأنام أبو الحسن علي بن هبة الله الشافعي بمنية بني خصيب، على ظهر النيل بها، قالا جميعا: حدّثنا الشيخ الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد السّلفي الأصبهاني قالا: أخبرنا الرئيس أبو عبد الله القاسم بن الفضل بن أحمد بن محمود الثقفي بأصبهان، أخبرنا أبو علي الحسين بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدان التاجر بنيسابور، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا أبو الدرداء هاشم بن يعلى الأنصاري، حدّثنا عتبة بن السكن الفزاري الحمصي، عن أبي زكريا، عن حماد بن زيد، عن سعيد الأزدي قال: دخلت على أبي أمامة الباهلي وهو في النزع فقال لي: «يا سعيد! إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا» فقال: «إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيسمع، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله! فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله باعث من في القبور، فإن منكرا ونكيرا عند ذلك يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: ما نصنع عند رجل لقّن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه» (^١).\nقال الثقفي: حديث أبي أمامة في النزع غريب من حديث حماد بن زيد ما كتبناه إلا من حديث سعيد الأزدي.\nقال أبو محمد عبد الحق: وقال شيبة بن أبي شيبة: أوصتني أمي عند موتها، فقالت لي: يا بني إذا دفنتني فقم عند قبري، وقل: يا أم شيبة؛ قولي: لا إله إلا الله، ثم انصرف. فلما كان من الليل رأيتها في المنام فقالت لي: يا بني لقد كدت أن أهلك، لولا أن تداركتني لا إله إلا الله، فلقد حفظتني في وصيتي يا بني.\nقال المؤلف: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: ينبغي أن يرشد\n_________\n(^١) أخرجه بهذا الإسناد القاضي الخلعي في «الفوائد» (٥٥/ ٢) كما في «السلسلة الضعيفة» (٦٤/ ٢)، وانظر تعليق المحدث الألباني ﵀ على الإسناد هناك.","vol":"1","page":132},{"text":"الميت في قبره حين يوضع فيه إلى جواب السؤال، ويذكر بذلك فيقال له: قل الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يسأل. كما جاءت الأخبار على ما يأتي إن شاء الله. وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك، فيقال: قل هو محمد رسول الله؛ وذلك عند هيل التراب، ولا يعارض هذا بقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] لأن النبي ﷺ قد نادى أهل القليب وأسمعهم وقال: «ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابا» (^١). وقد قال في الميت: «إنه ليسمع قرع نعالهم» (^٢). وأن هذا يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، وسيأتي استيفاء هذا المعنى في باب «ما جاء أن الميت يسمع ما يقال» إن شاء الله.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-93>٤٥ - باب في نسيان أهل الميت ميتهم وفي الأمل والغفلة</span>\n(أبو هدبة) إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مشيعي الجنازة قد وكل بهم ملك، فهم مهتمون محزونون، حتى إذا أسلموه في ذلك القبر، ورجعوا راجعين؛ أخذ كفّا من تراب فرمى به وهو يقول: ارجعوا إلى دياركم أنساكم الله موتاكم، فينسون ميتهم ويأخذون في شرائهم وبيعهم، كأنهم لم يكونوا منه، ولم يكن منهم» (^٣).\nويروى «أن الله ﷿ لما مسح على ظهر آدم ﵇ فاستخرج ذريته قالت الملائكة: رب لا تسعهم الأرض، قال الله تعالى: إني جاعل موتا، قالت: رب لا يهنيهم العيش. قال: إني جاعل أملا».\nفالأمل رحمة من الله تعالى ينتظم به أسباب المعاش، ويستحكم به أمور الدنيا، ويتقوى به الصانع على صنعته، والعابد على عبادته، وإنما يذم من الأمل ما امتد وطال، حتى أنسى العاقبة، وثبط عن صالح الأعمال. قال الحسن: «الغفلة\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٣٩٧٦) ومسلم (٢٨٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٣٨، ١٣٧٤) ومسلم (٢٨٧٠).\n(^٣) لا يصح؛ إبراهيم بن هدبة تقدّم أنه متروك.","vol":"1","page":133},{"text":"والأمل نعمتان عظيمتان على ابن آدم، ولولا هما ما مشى المسلمون في الطرق». يريد: لو كانوا من التيقظ وقصر الأمل وخوف الموت بحيث لا ينظرون إلى معاشهم، وما يكون سببا لحياتهم، لهلكوا، ونحوه.\nقال مطرف بن عبد الله: «لو علمت: متى أجلي؛ لخشيت ذهاب عقلي، ولكن الله سبحانه منّ على عباده بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنّوا بعيش، ولا قامت بينهم الأسواق».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-94>٤٦ - باب في رحمة الله بعبده إذا أدخل في قبره</span>\nقال عطاء الخراساني: «أرحم ما يكون الرب بعبده إذا دخل في قبره، وتفرق الناس عنه وأهله». وروي عن ابن عباس مرفوعا.\nوقال أبو غالب: «كنت أختلف إلى أبي أمامة الباهلي بالشام، فدخلت يوما على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول: يا عدو الله، ألم آمرك؟ ألم أنهك؟ فقال الفتى: يا عماه لو أن الله دفعني إلى والدتي، كيف كانت صانعة بي؟ قال:\nتدخلك الجنة. قال: الله أرحم بي من والدتي، وقبض الفتى، فدخلت القبر مع عمه، فلما أن سواه صاح وفزع. قلت له مالك؟ قال: فسح له في قبره، وملئ نورا».\nوكان أبو سليمان الداراني يقول في دعائه: «يا من لا يأنس بشيء أبقاه، ولا يستوحش من شيء أفناه، ويا أنيس كل غريب، ارحم في القبر غربتي، ويا ثاني كل وحيد، آنس في القبر وحدتي».\nولقد أحسن أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مفاوز السلمي الكاتب أحد البلغاء بشرق الأندلس حيث يقول:\nأيها الواقف اعتبارا بقبري … استمع فيه قول عظمي الرميم\nأودعوني بطن الضريح وخافوا … من ذنوبي وآيسوا من نعيم\nقلت: لا تجزعوا عليّ فإني … حسن الظن بالرءوف الرحيم\nودعوني بما اكتسبت رهينا … غلق الرهن عند مولى كريم\n***","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>٤٧ - باب متى يرتفع ملك الموت عن العبد وبيان قوله تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾</span>\n(أبو نعيم) عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر ﵁ قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله ﷿ إن الله - لا إله غيره إذا أراد خلقه - قال للملك: اكتب رزقه وأثره وأجله، واكتب شقيّا أو سعيدا، ثم يرتفع الملك ويبعث الله ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا جاءه الموت ارتفع ذلك الملكان، ثم جاءه ملك الموت ﵇، فيقبض روحه، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة، انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا في عنقه، ثم حضرا معه، واحد سائق والآخر شهيد». ثم قال: قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] قال: قال رسول الله ﷺ في: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] قال: «حالا بعد حال». ثم قال النبي ﷺ: «إن قدّامكم أمر عظيم.\nفاستعينوا بالله العظيم» (^١). قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث أبي جعفر وحديث جابر تفرد به عنه جابر بن يزيد الجعفي وعنه المفضل.\nقلت: جابر بن يزيد الجعفي متروك لا يحتج بحديثه في الأحكام (^٢).\nووجد بمدينة قرطبة على قبر الوزير الكبير أبي عامر بن شهيد مكتوبا - وهو مدفون بإزاء صاحبه الوزير أبي مروان الزجاجي - وكأنه يخاطبه، ودفنا في بستان كانا كثيرا ما يجتمعان فيه:\nيا صاحبي قم فقد أطلنا … أنحن طول المدى هجود\nفقال لي: لن تقوم منها … ما دام من فوقنا الصعيد\nنذكركم ليلة نعمنا … في ظلها والزمان عيد\nوكم ينير همّي علينا … سحابة ثرّة تجود\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٩٠) بإسناد ضعيف.\n(^٢) وفي غير الأحكام أيضا.","vol":"1","page":135},{"text":"كل كأن لم يكن تقضّى … وشؤمه حاضر عتيد\nحصله كاتب حفيظ … وضمه صادق شهيد\nيا حسرتا إن تنكبتنا … رحمة من بطشه شديد\nيا رب عفوا فأنت مولى … قصر في حقه العبيد\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-96>٤٨ - باب في سؤال الملكين للعبد وفي التعوذ من عذاب القبر وعذاب النار</span>\n(البخاري) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا».\nقال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره أربعون ذراعا. وقال مسلم: سبعون ذراعا. ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون، ثم رجع إلى حديث أنس قال: «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» (^١).\nقلت: ليس عند مسلم: ثم رجع إلى حديث أنس إلى آخره، وإنما هو عند البخاري. فحديثه أكمل.\nوقول الملكين: (ولا تليت): قال النحويون: الأصل في هذا الكلمة: الواو، أي: ولا تلوت، إلاّ أنها قلبت ياء ليتبع بها دريت. وقد جاء من حديث البراء: «لا دريت ولا تلوت» على ما رواه الإمام أحمد بن حنبل، أي لم تدر ولم تتل القرآن، فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك.\n(ابن ماجه) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشعوف، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٨، ١٣٧٤) ومسلم (٢٨٧٠).","vol":"1","page":136},{"text":"كنت في الإسلام. فيقال: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: لا، ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك.\nويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى. ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مرعوبا فيقال له: فيما كنت؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلته. فيفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: انظر إلى ما صرفه الله عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال: هذا مقعدك على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى» (^١).\n(الترمذي) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقبر الميت - أو قال أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول فيه؛ هو عبد الله ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينوّر له فيه، ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا، فقلت مثله: لا أدري.\nفيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. فيقال للأرض: التئمي عليه، فتختلف أضلاعه. فلا يزال فيها معذّبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (^٢) قال: حديث حسن غريب.\n(أبو داود) عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل نخلا لبني النجار، فسمع صوتا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟» قالوا: يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: «تعوّذوا بالله من عذاب القبر، ومن فتنة الدّجال» قالوا: «ومم ذاك يا رسول الله؟» قال: «إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك، فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإن هداه الله. قال: كنت أعبد الله، فيقال: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها. فينطلق به إلى بيت كان له في النار. فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك بيتا في الجنة، فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له: اسكن.\nوإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره ويقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٨) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه».\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٠٧١) بإسناد حسن.","vol":"1","page":137},{"text":"أدري، كنت أقول كما يقول الناس. فيضرب بمطارق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين» (^١).\nوخرّج أبو داود أيضا عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس رسول الله وجلسنا حوله كأنّما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا، قال: «وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين حين يقال له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك»؟ قال: «ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له:\nوما يدريك؟ قال: قرأت كتاب الله فآمنت وصدقت» قال: «فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة» قال:\n«فيأتيه من روحها وطيبها» قال: «ويفسح له مدّ بصره».\nقال: «وإن الكافر» - فذكر موته - قال: «وتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ها هاه، لا أدري. فيقولان: ما هذا الرسول الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. قال: فينادي مناد: أن كذب عبدي. فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار» قال: «فيأتيه من حرّها وسمومها» قال:\n«ويضيّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه» (^٢). زاد في حديث جرير قال: «ثم يقبض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا» قال: «فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلاّ الثقلين فيصير ترابا، ثم تعاد فيه الروح».\n\n<span data-type='title' id=toc-97>فصل</span>\nذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يا رسول الله! ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره؟ قال:\n«يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلاّ أنت؛ فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول: يا عبد الله اكتب عملك. فيقول: ليس معي دواة ولا قرطاس. فيقول:\nهيهات كفنك قرطاسك، ومدادك ريقك، وقلمك إصبعك. فيقطع له قطعة من كفنه، ثم يجعل العبد يكتب، وإن كان غير كاتب في الدنيا، فيذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد، ثم يطوي الملك القطعة ويعلقها في عنقه».\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٥١) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٧٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٥٣) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٧٩).","vol":"1","page":138},{"text":"ثم قال رسول الله ﷺ: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أي: عمله، فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتّانا القبر، وهما ملكان أسودان، يخرقان الأرض بأنيابهما، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض، كلامهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، ونفسهما كالريح العاصف، بيد كل واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه، لو ضرب به أعظم جبل لجعله دكّا، فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت، وولّت هاربة، فتدخل في منخر الميت فيحيا الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة، ولا يقدر على حراك، غير أنه يسمع وينظر قال: «فيقعدانه فيبتدئانه بعنف، وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء، حيثما تحرك انفسح فيه ووجد فرجة فيقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وما قبلتك؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت قال: ومن وكّلكما عليّ؟ ومن أرسلكما إليّ؟ وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار. فيقول أحدهما للآخر: صدق. كفي شرّنا، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة، ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه، ثم يفرشان له من حريرها وريحانها، ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه، يؤنسه ويحدثه ويملأ قبره نورا، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة، ويسأل: متى تقوم الساعة؟ فليس شيء أحب إليه من قيامها.\nودونه في المنزلة المؤمن العامل الخير ليس معه حظّ من العلم، ولا من أسرار الملكوت، يلج عليه عمله عقيب رومان في أحسن صورة طيب الريح، حسن الثياب، فيقول له: أما تعرفني؟ فيقول: من أنت الذي منّ الله علي بك في غربتي؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فلا تحزن ولا توجل؛ فعمّا قليل يلج عليك منكر ونكير يسألانك فلا تدهش، ثم يلقنه حجته، فبينما هو كذلك، إذ دخلا عليه فينتهرانه ويقعدانه مستندا ويقولان: من ربك؟ - نسق الأول - فيقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي، وإبراهيم أبي، وملته ملتي، غير مستعجم، فيقولان له: صدقت، ويفعلان به كالأول، إلاّ أنهما يفتحان له بابا إلى النار فينظر إلى حيّاتها وعقاربها وسلاسلها وأغلالها وحميمها وجميع غمومها وصديدها وزقومها، فيفزع فيقولان له: لا عليك سوء، هذا موضعك قد أبدله الله تعالى بموضعك هذا في الجنة، نم سعيدا، ثم يغلقان عنه باب النار، ولم يدر ما مر عليه من الشهور والأعوام والدهور. ومن الناس من يحجم في مسألته، فإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن يقول: الله ربي وأخذ غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة يشتعل منها قبره نارا ثم تطفأ عنه أياما، ثم تشتعل عليه أيضا. هذا دأبه ما بقيت الدنيا. ومن الناس من يعتاص عليه ويعسر أن يقول: الإسلام ديني لشك كان يتوهمه، أو فتنة تقع به عند الموت فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره نارا كالأول، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: القرآن إمامي؛ لأنه كان يتلوه ولا يتعظ به، ولا","vol":"1","page":139},{"text":"يعمل بأوامره، ولا ينتهي بنواهيه، يطوف عليه دهره ولا يعطي منه نفسه خيره، فيفعل به ما يفعل بالأولين، ومن الناس من يستحيل عمله جروا يعذّب به في قبره على قدر جرمه».\nوفي الأخبار: أن من الناس من يستحيل عمله خنوصا - وهو ولد الخنزير - ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: نبيي محمد؛ لأنه كان ناسيا لسنته، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: الكعبة قبلتي لقلة تحريه في صلاته، أو فساده في وضوئه، أو التفات في صلاته، أو اختلال في ركوعه وسجوده، ويكفيك ما روي في فضائلها، أن الله لا يقبل صلاة من عليه صلاة، ومن عليه ثواب حرام. ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: إبراهيم أبي لأنه سمع كلاما يوما أو همه إن إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا، فإذا هو شاك مرتاب، فيفعل به ما يفعل بالآخرين.\nوقال أبو حامد: وكل هذه الأنواع كشفناها في كتاب «الإحياء».\nوأما الفاجر فيقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري! فيقولان له: لا دريت ولا عرفت، ثم يضربانه بتلك المقامع حتى يتلجلج في الأرض السابعة، ثم تنفضه الأرض في قبره، ثم يضربانه سبع مرات، ثم تفترق أحوالهم؛ فمنهم من يستحيل عمله كلبا ينهشه حتى تقوم الساعة، وهم الخوارج، ومنهم من يستحيل خنزيرا يعذب به في قبره وهم المرتابون، وهم أنواع. وأصله أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا. فمن الناس من يخاف من الجرو أكثر من الأسد، وطبائع الخلق متفرقة. نسأل الله السلامة والغفران قبل الندامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>فصل</span>\nجاء في حديث البخاري ومسلم سؤال الملكين، وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتهما. وجاء في حديث أبي داود سؤال ملك واحد، وفي حديثه الآخر سؤال ملكين. ولا تعارض في ذلك - والحمد لله - بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص، فرب شخص يأتيانه جميعا، ويسألانه جميعا في حال واحد عند انصراف الناس، ليكون السؤال عليه أهون، والفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام، واجترح من سيئ الأعمال، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد، فيكون ذلك أخف في السؤال، وأقل في المراجعة والعتاب، لما عمله من صالح الأعمال.\nوقد يحتمل حديث أبي داود وجها آخر وهو: أن الملكين يأتيان جميعا ويكون السائل أحدهما، وإن تشاركا في الإتيان؛ فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره، لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلاّ ملك واحد، ولو قاله","vol":"1","page":140},{"text":"هكذا صريحا لكان الجواب عنه ما قدمناه من أحوال الناس، والله أعلم. وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما ولا يأتيه أحد منهما، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nواختلفت الأحاديث أيضا في كيفية السؤال والجواب؛ وذلك بحسب اختلاف أحوال الناس، فمنهم من يقتصر على سؤاله عن بعض اعتقاداته، ومنهم من يسأل عن كلّها فلا تناقض. ووجه آخر وهو: أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال، فيكون الإنسان مسؤولا عن الجميع. كما جاء في حديث البراء المذكور، والله أعلم. وقول المسؤول: هاه هاه؛ هي حكاية صوت المبهور من تعب، أو جري، أو حمل ثقيل.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-99>٤٩ - باب ذكر حديث البراء المشهور الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم وفي قبورهم</span>\nأخرجه أبو داود الطيالسي وعبد بن حميد في «مسنديهما» وعلي بن معبد في كتاب «الطاعة والمعصية» وهنّاد بن السري في «زهده» وأحمد بن حنبل في «مسنده» وغيرهم. وهو حديث صحيح له طرق كثيرة همّ بتخريج طرقه علي بن معبد. فأما أبو داود الطيالسي فقال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأعمش. وقال هناد وأحمد: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، وقال: أبو داود:\nحدّثنا عمرو بن ثابت، سمعه من المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء - يعني ابن عازب - وحديث أبي عوانة أتمهما، قال البراء: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، كأنّما على رؤوسنا الطير، قال عمرو بن ثابت: وقع ولم يقله أبو عوانة، فجعل يرفع بصره وينظر إلى السماء، ويخفض بصره وينظر إلى الأرض، ثم قال: «أعوذ بالله من عذاب القبر» قالها مرارا ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، جاءه ملك فجلس عند رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج نفسه فتسيل كما يسيل قطر السقاء» قال: عمرو في حديثه - ولم يقله أبو عوانة -: «وإن كنتم ترون غير ذلك، وتنزل","vol":"1","page":141},{"text":"ملائكة من الجنة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم أكفان من أكفان الجنة، وحنوط من حنوطها، فيجلسون منه مدّ البصر، فإذا قبضها الملك لم يدعوها في يده طرفة عين» قال: «فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] قال: فتخرج نفسه كأطيب ريح وجدت، فتعرج به الملائكة فلا يأتون على جند فيما بين السماء والأرض إلاّ قالوا: ما هذه الروح؟ فيقال: فلان، بأحسن أسمائه، حتى ينتهوا به أبواب سماء الدنيا فيفتح له، ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقال: اكتبوا كتابه في عليين ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١] فيكتب كتابه في عليين. ثم يقال: ردوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرد إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول:\nربي الله، وديني الإسلام، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: جاءنا بالبينات من ربنا فآمنت به وصدقت قال:\nوذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال: وينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وأروه منزله منها، ويفسح له مدّ بصره، ويمثل عمله له في صورة رجل حسن الوجه، طيّب الرائحة، حسن الثياب، فيقول: أبشر بما أعدّ الله لك، أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم، فيقول: بشّرك الله بخير، من أنت؛ فوجهك الوجه الذي جاء بالخير؟ فيقول: هذا يومك الذي كنت توعد، أو الأمر الذي كنت توعد، أنا عملك الصالح فو الله ما علمتك إلاّ كنت سريعا في طاعة الله، بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا. فيقول: يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي» قال: «فإن كان فاجرا وكان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا جاءه ملك، فجلس عند رأسه فقال:\nاخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط من الله وغضبه، فتنزل ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح من نار، فإذا قبضها الملك قاموا فلم يدعوها في يده طرفة عين، قال: فتفرق في جسده فيستخرجها، تقطع منها العروق والعصب، كالسفود الكثير الشعب في الصوف المبلول، فتؤخذ من الملك فتخرج كأنتن جيفة وجدت فلا تمر على جند فيما بين السماء والأرض، إلاّ قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: هذا فلان بأسوإ أسمائه حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فلا يفتح لهم، فيقولون: ردوه إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فيرمى به من السماء. قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، قال: فيعاد إلى الأرض وتعاد فيه روحه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار","vol":"1","page":142},{"text":"فينتهرانه ويجلسانه. فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال: محمد، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون ذلك، قال: فيقال: لا دريت، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. ويمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه، منتن الريح، قبيح الثياب، فيقول: أبشر بعذاب الله وسخطه، فيقول: من أنت، فوجهك الذي جاء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث فو الله ما علمتك إلاّ كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا إلى معصية الله» (^١).\nقال عمرو - في حديثه - عن المنهال، عن زاذان، عن البراء عن النبي ﷺ:\n«فيقيّض له أصم أبكم بيده مرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا». أو قال: «رميما، فيضربه به ضربة تسمعها الخلائق إلاّ الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضرب ضربة أخرى» لفظ أبي داود الطيالسي.\nوخرّجه علي بن معبد الجهني من عدة طرق بمعناه، وزاد فيه: «ثم يقيّض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد فيضربه بها ضربة فيدق بها من ذؤابته إلى خصره ثم يعاد فيضربه ضربة فيدق بها من ذؤابته إلى خصره» وزاد في بعض طرقه عند قوله مرزبة من حديد: «لو اجتمع عليها الثقلان لم ينقلوها، فيضرب بها ضربة فيصير ترابا ثم تعاد فيه الروح، ويضرب بها ضربة يسمعها من على الأرض غير الثقلين، ثم يقال: افرضوا له لوحين من نار وافتحوا له بابا إلى النار، فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار» وزاد فيه عند قوله: وانقطاع من الدنيا: «نزلت به ملائكة غلاظ شداد معهم حنوط من نار وسرابيل من قطران، يحتوشونه فتنتزع نفسه كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، يقطع معه عروقها، فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض».\nوخرّجه أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن حرب، صاحب ابن المبارك في رقائقه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: «إذا قتل العبد في سبيل الله كان أول قطرة تقطر من دمه إلى الأرض كفارة للخطايا، ثم يرسل الله ﷿ بريطة من الجنة فيقبض فيها روحه، وصورة من صور الجنة فيركب فيها روحه، ثم يعرج مع الملائكة كأنه كان معهم والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاءت روح من\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٧٥٣) وأحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، ٢٩٥ - ٢٩٧) وأبو داود (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والآجري في «الشريعة» (١٩٠/ ٩١٩/٢) والحاكم في «المستدرك» (٣٧/ ١ - ٤٠) والروياني في «مسنده» (٣٨٩، ٣٩٢).\nوقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي، ووافقهما العلامة الألباني ﵀ في «أحكام الجنائز» ص ٢٠٢.","vol":"1","page":143},{"text":"الأرض طيبة، ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا ملك إلا صلّى عليها ودعا لها، ويشيعها، حتى يأتي بها الرحمن. فيقولون: يا ربنا هذا عبدك توفيته في سبيلك، فيسجد قبل الملائكة، ثم تسجد الملائكة بعد، ثم يطهر ويغفر له، ثم يؤمر فيذهب به إلى الشهداء، فيجدهم في قباب من حرير في رياض خضر عندهم حوت وثور، يظل الحوت يسبح في أنهار الجنة يأكل من كل رائحة في أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه فيأكلون لحمه، فيجدون في لحمه طعم كل رائحة ويبيت الثور في أفناء الجنة، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه فيذكيه فيأكلون فيجدون في لحمه طعم كل رائحة في الجنة، ثم يعودون وينظرون إلى منازلهم من الجنة، ويدعون الله ﷿ أن تقوم الساعة، فإذا توفي العبد المؤمن بعث الله ﷿ إليه ملكين وأرسل إليه بخرقة من الجنة، فقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان ورب عنك غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح من مسك ما وجدها أحد بأنفه قط، والملائكة على أرجاء السماء يقولون قد جاء من قبل الأرض روح طيبة ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلاّ فتح لها، ولا بملك إلا دعا لها، وصلّى عليها، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد الملائكة ثم يقولون:\nهذا عبدك فلان قد توفيته وكان يعبدك لا يشرك بك شيئا، فيقول مروه فليسجد فتسجد النّسمة، ثم يدعى ميكائيل فيقول: اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين، حتى أسألك عنها يوم القيامة، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعين ذراعا عرضه، وسبعين ذراعا طوله، وينبذ له فيه الرياحين ويستر بالحرير، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن معه جعل له في قبره نور مثل نور الشمس، ويكون مثله كمثل العروس ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه، قال: فيقوم من نومه كأنه لم يشبع من نومته، وإذا توفي العبد الفاجر أرسل الله إليه ملكين وأرسل بقطعة من نجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى حميم وعذاب، ورب عليك غضبان، اخرجي وساء ما قدمت لنفسك، فتخرج كأنتن رائحة وجدها أحد بأنفه قط، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون: قد جاءت من الأرض روح خبيثة، ونسمة خبيثة، فتغلق دونها أبواب السماء، ولا تصعد إلى السماء، ثم يؤمر فيضيق عليه قبره ويرسل عليه حيات أمثال أعناق البخت، فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، ويرسل عليه ملائكة صم عمي يضربونه بفطاطيس من حديد لا يسمعون صوته فيرحموه، ولا يبصرونه فيرحموه، ولا يخطئون حين يضربونه، ويعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيّا يدعو بأن يدوم ذلك ولا يخلص إلى النار».\nوخرّج أبو عبد الرحمن النسائي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا احتضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اخرجي راضية مرضيّا عنك إلى","vol":"1","page":144},{"text":"روح وريحان، وربّ راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض؟ فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غمّ الدنيا. فإذا قال: ما أتاكم؟ قالوا:\nذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى عذاب الله، فيخرج كأنتن ريح خبيثة، حتى يأتوا به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح؟ حتى يأتوا به أرواح الكفار» (^١).\nوخرّج أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا همام بن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبض العبد المؤمن جاءته ملائكة الرحمة فتسلم وتسلّ نفسه في حريرة بيضاء فيقولون: ما وجدنا ريحا أطيب من هذه. فيسألونه فيقولون: ارفقوا به فإنه خرج من غم الدنيا، فيقولون: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة»؟ قال: «وأما الكافر فتخرج نفسه فتقول خزنة الأرض ما وجدنا ريحا أنتن من هذه فيهبط به إلى أسفل الأرض» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤/ ٨) وهو في «الصحيحة» (١٣٠٩)، وقد تقدّم.\n(^٢) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>الرد على الملحدة</span>\nقلت: وهنا فصول ستة في الردّ على الملحدة:\n\n<span data-type='title' id=toc-101>الفصل الأول</span>\nتأمل يا أخي وفقني الله وإياك هذا الحديث وما قبله من الأحاديث، ترشدك إلى أن الروح والنفس شيء واحد، وأنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، يجذب ويخرج، وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى، وهو ممّا له أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيب وخبيث، وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض (^١).\nوقد قال بلال في حديث الوادي: «أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك».\nوقال رسول الله ﷺ، مقابلا له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي: «يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حيز غير هذا» (^٢). وقال رسول الله ﷺ: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» وقال: «فذلك حين يتبع بصره نفسه». وهذا غاية في البيان «ولا عطر بعد عروس» (^٣).\nوقد اختلف الناس في الروح اختلافا كثيرا، أصح ما قيل فيه ما ذكرناه لك، وهو مذهب أهل السنة، أنه جسم. فقد قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]. قال أهل التأويل: يريد الأرواح، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يعني: النفس عند خروجها من الجسد، وهذه صفة الجسم، ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليها. كقول الشاعر:\nأماويّ ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\nوكل من يقول: إن الروح يموت ويفنى فهو ملحد. وكذلك من يقول:\nبالتناسخ؛ أنها إذا خرجت من هذا ركبت في شيء آخر؛ حمار أو كلب أو غير ذلك.\nوإنما هي محفوظة بحفظ الله إمّا منعمة وإما معذّبة. على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر في ذلك كتاب «الروح» لابن القيم ص ٤١٤ وما بعدها. ط. دار ابن كثير.\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١١/ ٢٦/١) عن زيد بن أسلم مرسلا.\n(^٣) انظر في سبب ذكر هذا المثل: «مجمع الأمثال» لأبي الفضل النيسابوري (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>الفصل الثاني</span>\nالإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق. وأن الله تعالى يحيي العبد المكلّف في قبره بردّ الحياة إليه، ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه، ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان. وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار ﷺ وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة، ولم تفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم ﵇ غير ما ذكرناه، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرّا، ولقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لما أخبر النبي ﷺ بفتنة الميت في قبره وسؤاله منكر ونكير، وهما الملكان له: «يا رسول الله أيرجع إليّ عقلي؟ قال: نعم. قال: إذا أكفيكهما. والله لئن سألاني سألتهما.\nفأقول لهما: أنا ربي الله فمن ربكما أنتما؟» (^١).\nوخرّج الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ ذكر يوما فتّاني القبر، فقال عمر بن الخطاب ﵁ أترد علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: نعم كهيئاتكم اليوم، فقال عمر: في فيه الحجر (^٢).\nوقال سهل بن عمار: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته، فقلت: له ما فعل الله بك؟ فقال: إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان، فقالا: ما دينك؟ ومن ربك؟ ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء. وقلت: ألمثلي يقال هذا، وقد علّمت الناس جوابكما ثمانين سنة؟ فذهبا. وقالا: أكتبت عن حريز بن عثمان؟ قلت نعم. فقالا: إنه كان يبغض عليّا فأبغضه الله.\nوفي حديث البراء: «فتعاد روحه في جسده» وحسبك. وقد قيل: إن السؤال والعذاب إنما يكون على الروح دون الجسد. وما ذكرناه لك أولا أصح، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-103>الفصل الثالث</span>\nأنكرت الملحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة عذاب القبر وأنه ليس له حقيقة، واحتجّوا بأن قالوا: إنا نكشف القبر فلم نجد فيه\n_________\n(^١) لم يصح ذلك عن عمر، فقد أخرجهما الحكيم الترمذي بسندين ضعيفين، والله أعلم.\n(^٢) لم يصح ذلك عن عمر، فقد أخرجهما الحكيم الترمذي بسندين ضعيفين، والله أعلم.","vol":"1","page":147},{"text":"ملائكة عميا صمّا يضربون الناس بفطاطيس من حديد، ولا نجد فيه حيات ولا ثعابين، ولا نيرانا ولا تنانين. وكذلك لو كشفنا عنه في كل حالة لوجدناه فيه لم يذهب ولم يتغير، وكيف يصح إقعاده ونحن لو وضعنا الزئبق بين عينيه لوجدنا بحاله؟ فكيف يجلس ويضرب ولا يتفرق ذلك؟ وكيف يصح إقعاده وما ذكرتموه من الفسحة؟ ونحن نفتح القبر فنجد لحده ضيقا ونجد مساحته على حد ما حفرناها لم يتغير علينا؛ فكيف يسعه ويسع الملائكة السائلين له؟ وإنما ذلك إشارة إلى حالات ترد على الروح من العذاب الروحاني، وإنها لا حقائق لها على موضوع اللغة.\nوالجواب: أنا نؤمن بما ذكرناه، ولله أن يفعل ما يشاء من عقاب ونعيم، ويصرف أبصارنا عن جميع ذلك بل يغيّبه عنا. فلا يبعد في قدرة الله تعالى فعل ذلك كله، إذ هو القادر على كل ممكن جائز، فإنا لو شئنا لأزلنا الزئبق عن عينيه، ثم نضجعه ونرد الزئبق مكانه، وكذلك يمكننا أن نعمق القبر ونوسّعه حتى يقوم فيه قياما فضلا عن القعود، وكذلك يمكننا أن نوسّع القبر مائتي ذراع فضلا عن سبعين ذراعا، والرب سبحانه أبسط منا قدرة، وأقوى منا قوة، وأسرع فعلا، وأحصى منا حسابا ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ولا رب لمن يدّعي الإسلام إلاّ من هذه صفته، فإذا كشفنا نحن عن ذلك رد الله سبحانه الأمر على ما كان، نعم بل لو كان الميت بيننا موضوعا فلا يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بهما، ويجيبهما من غير أن يسمع الحاضرون جوابهما. ومثال ذلك: نائمان بيننا أحدهما ينعم والآخر يعذّب، ولا يشعر بذلك أحد ممن حولهما من المنتبهين، ثم إذا استيقظا أخبر كل واحد منهما عما كان فيه.\nوقد قال بعض علمائنا: إن دخول الملك القبور جائز أن يكون تأويله؛ اطلاعه عليها وعلى أهلها، وأهلها مدركون له عن بعد من غير دخول ولا قرب، ويجوز أن يكون الملك للطافة أجزائه يتولّج في خلال المقابر، فيتوصل إليهم من غير نبش، ويجوز أن ينبشها ثم يعيدها الله إلى مثل حالها على وجه لا يدركها أهل الدنيا. ويجوز أن يكون الملك يدخل من تحت قبورهم من مداخل لا يهتدي الإنسان إليها.\nوبالجملة: فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا ممّا لا خلاف فيه. ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئا مما هنالك. فإن قالوا: كل حديث يخالف مقتضى","vol":"1","page":148},{"text":"المعقول يقطع بتخطئة ناقليه (^١). ونحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة وهو لا يسأل ولا يحيى، وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلا ولا يتحرك، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير، وبطون الحيتان وحواصل الطيور، وأقاصي التخوم، ومدارج الرياح، فكيف تجتمع أجزاؤه؟ أم كيف تتألف أعضاؤه؟ وكيف تتصوّر مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟\nوالجواب عن هذا من وجوه أربعة:\nأحدها: أن الذي جاء بهذا هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وليس لنا طريق إلاّ ما نقلوه لنا من ذلك.\nالثاني: ما ذكره القاضي لسان الأمة وهو: أن المدفونين في القبور يسألون، والذين بقوا على وجه الأرض؛ فإن الله تعالى يحجب المكلّفين عما يجري عليهم كما حجبهم عن رؤية الملائكة مع رؤية الأنبياء ﵈ لهم. ومن أنكر ذلك فلينكر نزول جبريل ﵇ على الأنبياء ﵈. وقد قال الله تعالى في وصف الشياطين: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].\nالثالث: قال بعض العلماء: لا يبعد أن ترد الحياة إلى المصلوب ونحن لا نشعر به كما أنا نحسب المغمى عليه ميتا، وكذلك صاحب السكتة، وندفنه على حسبان الموت، ومن تفرقت أجزاؤه فلا يبعد أن يخلف الله الحياة في أجزائه.\nقلت: ويعيده كما كان، كما فعل بالرجل الذي أمر «إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرّى حتى تنسفه الرياح» الحديث وفيه: «فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك أو قال: مخافتك» (^٢). خرّجه البخاري ومسلم. وفي التنزيل ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية.\nالرابع: قال أبو المعالي: المرضيّ عندنا أن السؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب أو غيره، فيحييها ويوجه السؤال عليها، وذلك غير مستحيل\n_________\n(^١) وهذه شنشنة أهل الكلام والفلسفة والزندقة، ومن تبعهم ممن يدّعي العلم والعقل، وكذا بعض الضّلال ممن يدّعي حبّه وموالاته لأهل البيت، فتجدهم يتبجّحون بقولهم هذا القول، وليت شعري أيهما أحق أن يتّهم الحديث الصحيح المنقول إلينا برواية العدول الثقات، أم تلك العقول الخربة التي لا تستوعب إلا سفاسف الأمور، والله المستعان.\nوانظر «درء تعارض العقل والنقل» لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، و«العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون» للشيخ المفضال: علي بن حسن بن علي الحلبي الأثري - نفع الله بعلمه المسلمين.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٧٨) ومسلم (٢٧٥٧).","vol":"1","page":149},{"text":"عقلا. قال بعض علمائنا: وليس هذا بأبعد من الذرّ الذي أخرجه الله تعالى من صلب آدم ﵇ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢].\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-104>الفصل الرابع</span>\nفإن قالوا: ما حكم الصغار عندكم؟ قلنا: هم كالبالغين وأن العقل يكمل لهم، ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه. وهذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار، فقد جاء أن القبر ينضم عليهم كما ينضم على الكبار، وقد تقدّم. وذكر هنّاد بن السري قال: حدّثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: «إن كان ليصلي على المنفوس ما أن عمل خطيئة قط فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>الفصل الخامس</span>\nفإن قالوا: فما تأويلكم في القبر: «حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة» (^٢)؟\nقلنا: ذلك محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز. وأن القبر يملأ على المؤمن خضرا وهو العشب من النبات، وقد عينه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: هو الريحان، كما في الكافر يفرش له لوحان من نار، وقد تقدم.\nوقد حمله بعض علمائنا على المجاز والمراد خفة السؤال على المؤمن، وسهولته عليه وأمنه فيه، وطيب عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيها بالجن، والنعيم فيها بالرياض، يقال: فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة.\nفالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة وطيب عيش، وقد رفع الله عنه عينيه الحجاب حتى يرى مد بصره كما في الخبر، وأراد بحفرة النار؛ ضغطة القبر وشدة المسألة والخوف والأهوال التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل الكبائر، والله أعلم. والأول أصح؛ لأن الله سبحانه ورسوله يقص الحق، ولا استحالة في شيء من ذلك.\n***\n_________\n(^١) إسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «القبور» (١٢٢) بإسناد ضعيف جدا، من حديث ابن عمر.\nوالحديث ضعّفه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٧٥٨) والعراقي في «تخريج الإحياء» (٣٠٤/ ١) وغيرهما.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>الفصل السادس</span>\nروى أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» (^١) عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعنّ عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله ﷺ قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم، وإنّا قد رجمنا بعدهما، وسيكون أقوام من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجّال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا».\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: هؤلاء هم القدرية والخوارج، ومن سلك سبيلهم، وافترقوا في ذلك فرقا. فصار أبو الهذيل وبشر: إلى أن من خرج عن سمة الإيمان، فإنه يعذب بين النفختين، وأن المسألة إنما تقع في تلك الأوقات. وأثبت البلخي وكذلك الجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين. وقال الأكثرون من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة الله تعالى بمنكر ونكير، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، وتقريع الملكين له هو النكير، وقال صالح: عذاب القبر جائز، وأنه يجري على الموتى من غير ردّ الأرواح إلى الأجساد، وأن الميت يجوز أن يألم ويحس ويعلم، وهذا مذهب جماعة من الكرّامية. وقال بعض المعتزلة: إن الله يعذّب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام. وزعموا أن سبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران أو المغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد إليهم العقل وجدوا تلك الآلام؛ وأما الباقون من المعتزلة، مثل ضرار بن عمرو وبشر المرّيسي ويحيى بن كامل وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا، وقالوا: إنّ من مات فهو ميّت في قبره إلى يوم البعث وهذه أقوال كلها فاسدة تردها الأخبار الثابتة، وفي التنزيل: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وسيأتي من الأخبار مزيد بيان وبالله التوفيق والعصمة. والله أعلم.\n***\n_________\n(^١). (٢٣/ ٩٨).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>٥٠ - باب ما جاء في صفة الملكين صلوات الله عليهما وسلامه، وصفة سؤالهما</span>\nقد تقدم من حديث الترمذي: أنهما أسودان أزرقان. يقال لأحدهما: منكر، وللآخر: النكير. وروى معمر، عن عمرو بن دينار، وعن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير، إذا متّ وانطلق بك قومك وقاسوا ثلاثة أذرع وشبر، في ذراع وشبر، ثم غسّلوك وكفنوك وحنطوك؛ ثم احتملوك فوضعوك فيه، ثم أهالوا عليك التراب فإذا انصرفوا عنك أتاك فتّانا القبر؛ منكر ونكير، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجريان كالريح العاصف، يجران شعورهما، معهما مرزبة من حديد، لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلّوها؟ فقال عمر: يا رسول الله إن فرقنا فحق لنا أن نفرق؛ أنبعث على ما نحن عليه؟ قال: «نعم» قال: إذا أكفيكهما» (^١).\nوروى نقله الأخبار عن ابن عباس في خبر الإسراء: أن النبي ﷺ قال:\n«قلت: يا جبريل وما ذاك؟ قال: منكر ونكير، يأتيان كل إنسان من البشر حين يوضع في قبره وحيدا. فقلت: يا جبريل صفهما لي. قال: نعم من غير أن أذكر لك طولهما وعرضهما. ذكر ذلك منهما أفظع من ذلك غير أن أصواتهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، وأنيابهما كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههما، ومناخرهما ومسامعهما، يكسحان الأرض بأشعارهما، ويحفران الأرض بأظفارهما، مع كل واحد منهما عمود من حديد، لو اجتمع عليه من في الأرض ما حركوه، ويأتيان الإنسان إذا وضع في قبره وترك وحيدا، يسلكان روحه في جسده بإذن الله تعالى، ثم يقعدانه في قبره، فينتهرانه انتهارا يتقعقع منه عظامه وتزول أعضاؤه من مفاصله، فيخر مغشيّا عليه، ثم يقعدانه فيقولان له: إنك في البرزخ فاعقل حالك، واعرف مكانك، وينتهرانه ثانية، ويقولان: يا هذا! ذهبت عنك الدنيا وأفضيت إلى معادك فأخبرنا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فإن كان مؤمنا بالله لقّنه الله حجّته، فيقول: الله ربي، ونبي محمد، وديني الإسلام،\n_________\n(^١) أخرجه بهذا الإسناد، دون ذكر المرزبة؛ الآجري في «الشريعة» (٢/ ١٨٨ - ١٨٩/ ٩١٦) وعبد الرزاق في «مصنفه» (٦٧٣٨) والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (١١٦) وابن أبي الدنيا في «القبور» كما في تخريج «الإحياء» للعراقي (٤/ ٤٨٧).\nورجاله ثقات؛ لكنه مرسل.\nوانظر «كتاب البعث» لابن أبي داود ص ٣٦.","vol":"1","page":152},{"text":"فينتهرانه عند ذلك انتهارا يرى أن أوصاله تفرقت، وعروقه قد تقطعت، ويقولان له: يا هذا تثبت، يا هذا انظر ما تقول. فيثبته الله عنده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويلقنه الأمان ويدرأ عنه الفزع، فلا يخافهما، فإذا فعل ذلك بعبده المؤمن استأنس إليهما، وأقبل عليهما بالخصومة يخاصمهما ويقول: تهدداني كيما أشك في ربي وتريداني أن اتخذ غيره وليّا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وهو ربي وربكما، ورب كل شيء، ونبي محمد وديني الإسلام؟ ثم ينتهرانه ويسألانه عن ذلك فيقول: ربي الله فاطر السموات والأرض، إياه كنت أعبد ولم أشرك به شيئا، ولم أتخذ غيره أحدا ربّا، أفتريدان أن ترداني عن معرفة ربي وعبادتي إياه؟ نعم هو الله الذي لا إله إلا هو. قال: فإذا قال ذلك ثلاث مرات مجاوبة لهما؛ تواضعا له حتى يستأنس إليهما أنس ما كان في الدنيا إلى أهل ودّه، ويضحكان إليه ويقولان له: صدقت وبررت، أقرّ الله عينيك وثبتك، أبشر بالجنة وبكرامة الله، ثم يدفع عنه قبره هكذا وهكذا، فيتسع عليه مدّ البصر ويفتحان له بابا إلى الجنة فيدخل عليه من روح الجنة، وطيب ريحها ونضرتها في قبره ما يتعرف به كرامة الله تعالى، فإذا رأى ذلك استيقن بالفوز فحمد الله، ثم يفرشان له فراشا من إستبرق الجنة، ويضعان له مصباحا من نور عند رأسه، ومصباحا من نور عند رجليه يزهران في قبره، ثم تدخل عليه ريح أخرى، فحين يشمها يغشاه النعاس فينام، فيقولان له: ارقد رقدة العروس قرير العين لا خوف عليك ولا حزن، ثم يمثلان عمله الصالح في أحسن ما يرى من صورة، وأطيب ريح فيكون عند رأسه، ويقولان: هذا عملك وكلامك الطيب قد مثّله الله لك في أحسن ما ترى من صورة، وأطيب ريح، ليؤنسك في قبرك فلا تكون وحيدا، ويدرأ عنك هوام الأرض وكل دابة وكل أذى، فلا يخذلك في قبرك ولا في شيء من مواطن القيامة، حتى تدخل الجنة برحمة الله تعالى، فنم سعيدا طوبى لك وحسن مآب. ثم يسلمان عليه ويطيران عنه» (^١). وذكر الحديث وما يلقى الكافر من الهوان الشديد والعذاب الأليم وحسبك بما تقدم.\nقلت: وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال؛ لأنه يروي عن عمرو بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، فهو حديث مرتب على أحوال مبينة، ومحتو على أمور مفسرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-108>فصل</span>\nقوله: «أتاك فتّانا القبر منكر ونكير».\nإنما سمّيا فتّاني القبر؛ لأن في سؤالهما انتهارا، وفي خلقهما صعوبة. ألا ترى أنهما سمّيا منكرا ونكيرا؟ فإنما سمّيا بذلك لأن خلقهما لا يشبه خلق\n_________\n(^١) لا يصح؛ أشار المصنف إلى أن الإسناد فيه مقال، والله أعلم.","vol":"1","page":153},{"text":"الآدميين، ولا خلق الملائكة، ولا خلق الطير، ولا خلق البهائم، ولا خلق الهوام، بل هما خلق بديع، وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما، جعلهما الله تكرمة للمؤمن يثبته وينصره، وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب. قاله أبو عبد الله الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>فصل</span>\nإن قال قائل: كيف يخاطب الملكان جميع الموتى وهم مختلفو الأماكن متباعدو القبور في الوقت الواحد، والجسم الواحد، لا يكون في المكانين في الوقت الواحد؟ وكيف تنقلب الأعمال أشخاصا وهي في نفسها أعراض؟\nفالجواب عن الأول: ما جرى ذكره في هذا الخبر من عظم جثتيهما فيخاطبان الخلق الكثير الذين في الجهة الواحدة منهم في المرة الواحدة، مخاطبة واحدة، يخيل لكل واحد أن المخاطب هو دون سواه. ويكون الله يمنع سمعه من مخاطبة الموتى لهما ويسمع هو مخاطبتهما أن لو كانوا معه في قبر واحد، وقد تقدم أن عذاب القبر يسمعه كل شيء إلاّ الثقلين. والله ﷾ يسمع من يشاء، وهو على كل شيء قدير.\nوالجواب عن الثاني: أن الله يخلق من ثواب الأعمال أشخاصا حسنة وقبيحة، لا أن العرض نفسه ينقلب جوهرا إذ ليس من قبيل الجواهر. ومثل هذا ما صح في الحديث: «أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح فيوقف على الصراط فيذبح» (^١). ومحال أن ينقلب الموت كبشا لأن الموت عرض، وإنما المعنى أن الله سبحانه يخلق شخصا يسمّيه الموت فيذبح بين الجنة والنار! وهكذا كلما ورد عليك في هذا الباب، التأويل فيه ما ذكرت لك، والله سبحانه أعلم.\nوسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-110>٥١ - باب اختلاف الآثار في سعة القبر على المؤمنين بالنسبة إلى أعمالهم</span>\nجاء في حديث البخاري ومسلم: «أنه يفسح له سبعون ذراعا» وفي الترمذي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٣٠) ومسلم (٢٨٤٩)","vol":"1","page":154},{"text":"«سبعون ذراعا في سبعين ذراعا». وفي حديث البراء: «مدّ البصر». وخرّج علي بن معبد عن معاذة قالت: قلت لعائشة ﵂: ألا تخبريننا عن مقبورنا ما يلقى وما يصنع به؟ فقالت: «إن كان مؤمنا فسح له في قبره أربعون ذراعا».\nقلت: وهذا إنما يكون بعد ضيق القبر والسؤال، وأما الكافر فلا يزال قبره عليه ضيقا. فنسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\nسمعت بعض علمائنا يقول: إن حفّارا كان بقرافة مصر يحفر القبور، فحفر ثلاثة أقبر فلما فرغ منها غشيه النعاس، فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: اكتب فرسخا في فرسخ.\nثم وقفا على الثاني: فقال أحدهما: اكتب ميلا في ميل. ثم وقفا على الثالث، فقال: اكتب فترا في فتر. ثم انتبه، فجيء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول، ثم جيء برجل آخر فدفن في القبر الثاني، ثم جيء بامرأة مترفة من وجوه أهل البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سعته فترا في فتر.\nالفتر: ما بين الإبهام والسبابة. نعوذ الله من ضيق القبر وعذابه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-111>٥٢ - باب ما جاء في عذاب القبر وأنه حق وفي اختلاف عذاب الكافرين في قبورهم وضيقها عليهم</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]. قال أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود: ضنكا؛ قال: عذاب القبر. وقيل في قوله ﷿: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] هو: عذاب القبر، لأن الله ذكره عقب قوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] وهذا اليوم هو اليوم الآخر من أيام الدنيا، فدل على أن العذاب الذي هم فيه هو عذاب القبر، وكذلك قال: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] لأنه غيب. وقال: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] فهذا عذاب القبر في البرزخ وسيأتي.","vol":"1","page":155},{"text":"وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] ما ينزل بكم من العذاب في القبر، وقوله: ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]؛ يعني في الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر، والثاني في الآخرة فالتكرير للحالتين.\nوروى زرّ بن حبيش عن علي ﵁ قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ * كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١ - ٣] يعني في القبور. وقال أبو هريرة: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، وهو المعيشة الضنك. وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ: «أتدرون فيمن نزلت هذه الآية»؟ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه: ١٢٤] «أتدرون ما المعيشة الضنك»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «عذاب الكافر في القبر، والذي نفسي بيده إنه ليسلّط عليه تسعة وتسعون تنينا، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية تسعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة، ويحشر من قبره إلى موقفه أعمى» (^١).\nوذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضرا» (^٢). وفي حديث عبد الله بن عمر بن العاص موقوفا: «ثم يؤمر به - يعني الكافر - فيضيق عليه قبره ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت، فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، وترسل عليه ملائكة صمّ عمي يضربونه بفطاطيس لا يسمعون صوته فيرحموه، ولا يبصرونه فيرحموه، ولا يخطئون حين يضربونه، يعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيا، يدعو بأن يدوم عليه ذلك ولا يخلص إلى النار» الحديث وقد تقدّم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٦/ ٢٢٨) وأبو يعلى في «مسنده» (٥٢١/ ٦٦٤٤/١١) وابن حبان (٣٩٢/ ٣١٢٢/٧) والآجري في «الشريعة» (٢/ ١٧٨ - ١٧٩/ ٨٩٥) والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (٦٨).\nوإسناد الحديث حسن؛ ينظر كلام محقق «صحيح ابن حبان».\nوقد قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٢٢٦): «رفعه منكر جدا»، ولا أدري سبب هذا القول.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٢/ ٧١/٨) وأحمد (٣/ ٣٨) وأبو يعلى (٤٩١/ ١٣٢٩/٢) وابن حبان (٣٩١/ ٣١٢١/٧) والآجري في «الشريعة» (٢/ ١٧٩ - ١٨٠/ ٨٩٦) والدارمي (٤٢٦/ ٢٨١٥/٢). من طريق: عن دراج أبي السمع، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد به مرفوعا.\nلكن عند أبي يعلى جاء موقوفا.\nوإسناده ضعيف لأجل دراج؛ فإن روايته عن أبي الهيثم ضعيفة.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>فصل</span>\nلا تظن - يرحمك الله - أن هذا معارض للحديث المرفوع: «أنه يسلّط على الكافر أعمى أصم»، فإن أحوال الكفار تختلف، فمنهم من يتولى عقوبته واحد، ومنهم من يتولى عقوبته جماعة، وكذلك فلا تناقض بين هذا وبين أكل الحيّات لحمه، فإنه يمكن أن يتردد بين هذين العذابين كما قال تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣، ٤٤] فمرة يطعمون الزقوم، وأخرى يسقون الحميم، ومرة يعرضون على النار، وأخرى على الزمهرير. أجارنا الله من عذاب القبر، ومن عذاب النار برحمته وكرامته. وآخر يفرش له لوحان من نار، وآخر يقال له: نم نومة المنهوس. كما أخرجه علي بن معبد عن أبي حازم عن أبي هريرة موقوفا قال: «إذا وضع الميت في قبره أتاه آت من ربه فيقول له: من ربك؟ فإن كان من أهل التثبيت ثبت، وقال: الله ربي. ثم يقال له ما دينك؟ فيقول:\nالإسلام، فيقول: من نبيك؟ فيقول محمد ﷺ، فيرى بشراه ويبشر، فيقول دعوني أرجع إلى أهلي فأبشرهم فيقال له: نم قرير العين إنّ لك إخوانا لم يلحقوا. وإن كان من غير أهل الحق والتثبيت قيل له: من ربك؟ فيقول: هاه، كالواله، ثم يضرب بمطراق يسمع صوته الخلق إلاّ الجن والإنس. ويقال له: نم كنومة المنهوس» (^١).\nقال أهل اللغة: المنهوس بالسين المهملة: الملسوع نهسته الحية تنهسه.\nقال الراجز:\nوذات قرنين طحون الضرس … تنهس لو تمكنت من نهس\nتدير عينا كشهاب القبس (^٢)\nوالمنهوس مرة ينتبه لشدة الألم عليه، ومرة ينام كالمغمى عليه.\nقال النابعة:\nفبتّ كأني ساورتني ضئيلة … من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع\nتسهّد من ليل التمام سليمها … كحلي النساء في يديه قعاقع\nيبادرها الراقون من سوء سمّها … تطلقه طورا وطورا تراجع\n***\n_________\n(^١) تقدّم ذكره.\n(^٢) انظر «لسان العرب» (١٤/ ٣٠٥).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>٥٣ - باب منه في عذاب الكافر في قبره</span>\nذكر الوائلي الحافظ في كتاب «الإنابة» له، من حديث مالك بن مغول، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بينا أنا أسير بجنبات بدر؛ إذ خرج رجل من الأرض، في عنقه سلسلة يمسك طرفها أسود، فقال: يا عبد الله اسقني، فقال ابن عمر: لا أدري أعرف اسمي، أو كما يقول الرجل: يا عبد الله؟ فقال لي الأسود: لا تسقه فإنه كافر.\nثم اجتذبه فدخل به الأرض، قال ابن عمر: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: «أوقد رأيته؟ ذاك عدوّ الله أبو جهل بن هشام، وهو عذابه إلى يوم القيامة» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-114>٥٤ - باب ما يكون منه عذاب القبر واختلاف أحوال العصاة فيه بحسب اختلاف معاصيهم</span>\n(أبو بكر بن أبي شيبة) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أكثر عذاب القبر من البول» (^٢).\n(البخاري ومسلم) عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ على قبرين فقال: «إنهما ليعذّبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا»، ثم قال: «لعله يخفف عنهما مال ييبسا» وفي رواية «كان لا يستتر عن البول أو من البول» رواهما مسلم. وفي كتاب أبي داود: «وكان لا يستتر من بوله». وفي حديث هناد بن السري «لا يستبرئ من البول» (^٣) من الاستبراء. وقال البخاري: «وما يعذّبان\n_________\n(^١) لم أعثر عليه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٤) وأحمد (٢/ ٣٢٦، ٣٨٨، ٣٨٩) وابن ماجه (٣٤٨) والحاكم (١/ ١٨٣) والآجري في «الشريعة» (٢/ ١٨٣ - ١٨٤/ ٩٠٧، ٩٠٨).\nوهو حديث صحيح، صحّحه الحاكم والبوصيري والألباني.\n(^٣) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":158},{"text":"في كبير وإنه لكبير». وأخرجه أبو داود الطيالسي عن أبي بكرة قال: «بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ ومعي رجل ورسول الله ﷺ بيننا، إذ أتي على قبرين» فقال رسول الله ﷺ: «إن صاحبي هذين القبرين ليعذبان الآن في قبورهما فأيكما يأتيني من هذا النخل بعسيب»؟ فاستبقت أنا وصاحبي فسبقته، وكسرت من النخل عسيبا. فأتيت النبي ﷺ فشقّه نصفين من أعلاه، فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا. وقال:\n«إنه يهون عليهما ما دام من بلولتهما شيء إنهما يعذبان في الغيبة والبول».\nقال المؤلف ﵀: هذا الحديث والذي قبله يدل على أن التخفيف إنما هو بمجرد نصف العسيب ما دام رطبا لا زيادة معه. وقد خرّجه مسلم من حديث جابر الطويل، وفيه: «فلما انتهى إليّ قال: «يا جابر هل رأيت مقامي»؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا، فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي، فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» قال جابر:\n«فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فاندلق لي فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله ﷺ فأرسلت غصنا عن يميني، وغصنا عن يساري، ثم لحقته فقلت: قد فعلت ذلك يا رسول الله»، فعند ذلك قال:\n«إني مررت بقبرين يعذّبان فأحببت بشفاعتي أن يرفّه عنهما، ما دام الغصنان رطبين».\nففي هذا الحديث زيادة على رطوبة الغصن وهي: شفاعته ﷺ، والذي يظهر لي أنهما قضيتان مختلفتان، لا قضية واحدة، كما قال من تكلّم على ذلك، ويدل عليهما سياق الحديث، فإن في حديث ابن عباس وأبي بكرة عسيبا واحدا شقّه النبي ﷺ بيده نصفين، وغرسهما بيده، وحديث جابر بخلافهما ولم يذكر فيه ما يعذّب بسببه.\nوقد خرّج أبو داود الطيالسي حديث ابن عباس فقال: حدثنا شعبة، عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أتى على قبرين فقال:\n«إنهما ليعذبان في غير كبير، أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب نميمة»، ثم دعا بجريدة فشقّها نصفين، فوضع نصفا على هذا القبر، ونصفا على هذا القبر. وقال: «عسى أن يخفف عنهما ما دامتا رطبتين». ثم قيل: يجوز أن يكونا كافرين، وقوله: «إنهما ليعذبان في غير كبير» يريد بالإضافة إلى الكفر والشرك، أو ما إن كانا مؤمنين، فقد أخبرك أنهما يعذبان بشيء كان منهما ليس بكفر، لكنهما لم يتوبا منه، وإن كانا كافرين فهما يعذّبان في هذين الذنبين زيادة على عذابهما بكفرهما وتكذيبهما وجميع خطاياهما. وإن يكونا كافرين أظهر والله أعلم. فإنهما لو كانا مؤمنين لعلما لقرب العهد بتدافن المسلمين يومئذ. قاله ابن برجان في كتاب «الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد».","vol":"1","page":159},{"text":"قلت: والأظهر أنهما كانا مؤمنين وهو ظاهر الأحاديث والله أعلم.\n(الطحاوي) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «أمر بعبد من عباد الله ﷿ أن يعذب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله تعالى ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه أفاق فقال: لماذا جلدتموني؟ قال إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره» (^١).\n(البخاري) عن سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا»؟ قال: فإن رأى أحد رؤيا قصّها فيقول: «ما شاء الله» فسألنا يوما، فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» قلنا: لا. قال: «لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله. قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق ليأخذه فما يرجع إلى هذا، حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه. قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة. فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلّما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها، فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، قلت:\nطوفتماني الليلة، فأخبراني عما رأيت. قالا: نعم؛ الذي رأيت يشق شدقه؛ فكذّاب يحدّث بالكذب، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه؛ فرجل علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة، وأما الذين رأيتهم في الثقب؛ فهم الزناة، والذي رأيته في النهر آكل الربا، والشيخ في أصل الشجرة؛ إبراهيم، والصبيان حوله؛ فأولاد الناس، والذي يوقد النار؛ مالك خازن النار، والدار الأولى؛ دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار؛ فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٢٣١) بإسناد حسن. وهو في «الصحيحة» (٢٧٧٤).","vol":"1","page":160},{"text":"ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب. قالا: ذلك منزلك فقلت:\nدعاني أدخل منزلي. قال: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-115>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا أبين في أحوال المعذّبين في قبورهم من حديث البخاري، وإن كان مناما؛ فمنامات الأنبياء ﵈ وحي، بدليل قول إبراهيم ﵇: ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فأجابه ابنه: ﴿يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وأما حديث الطحاوي فنصّ أيضا، وفيه رد على الخوارج ومن يكفر بالذنوب. قال الطحاوي: «وفيه ما يدلّ على أن تارك الصلاة ليس بكافر، لأن من صلى صلاة بغير طهور: فلم يصل، وقد أجيبت دعوته، ولو كان كافرا ما سمعت دعوته لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤]» (^٢). وأما حديث البخاري ومسلم فيدل على أن الاستبراء من البول والتنزه عنه واجب، إذ لا يعذب الإنسان إلاّ على ترك الواجب، وكذلك إزالة جميع النجاسات قياسا على البول، وهذا قول أكثر العلماء، وبه قال ابن وهب ورواه عن مالك، وهو الصحيح في الباب، ومن صلى ولم يستنثر فقد صلى بغير طهور.\n\n<span data-type='title' id=toc-116>تنبيه على غلط</span>\nذكر بعض أصحابنا - فيما نقل إلينا عنه - أن القبر الذي غرس عليه النبي ﷺ العسيب، هو قبر سعد بن معاذ، وهذا باطل، إنما صح أن القبر ضغطه - كما ذكرنا - ثم فرج عنه، وكان سبب ذلك ما رواه يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني أمية بن عبد الله، أنه سأل بعض أهل سعد: ما بلغكم في قول رسول الله ﷺ هذا؟ قال ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: «كان يقصر في بعض الطهور من البول» (^٣).\nوذكر هنّاد بن السّري، حدثنا ابن فضيل، عن أبي سفيان، عن الحسن،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٤٥، ١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧) مطولا ومختصرا.\n(^٢) وكلام الطحاوي كلام نفيس؛ فتأمله، وانظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩) و«حكم تارك الصلاة» للعلامة الألباني، و«إعلام الأمة بحكم تارك الصلاة من الكتاب والسنة» للشيخ عطاء بن عبد اللطيف ص ٩٢ - ٩٥.\n(^٣) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٤/ ٣٠) بهذا الإسناد، وإسناده ضعيف؛ يونس بن بكير؛ «صدوق يخطئ» وصرّح ابن إسحاق هنا بالتحديث، وعلّة أخرى؛ هي: الرجل المبهم من أهل سعد.\nوالحديث استغربه الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤/ ١٢٨).","vol":"1","page":161},{"text":"قال: أصاب سعد بن معاذ جراحة، فجعله النبي ﷺ عند امرأة تداويه، فقال: إنه مات من الليلة، فأتاه جبريل فأخبره، «لقد مات الليلة فيكم رجل، لقد اهتز العرش لحب لقاء الله إياه» فإذا هو سعد بن معاذ، قال: فدخل رسول الله ﷺ في قبره فجعل يكبر ويهلّل ويسبّح، فلما خرج قيل له: يا رسول الله! ما رأيناك صنعت هكذا قط: قال: «إنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة، فدعوت الله تعالى أن يرفه عنه، وذلك أنه كان لا يستبرئ من البول» (^١).\nوقال السالمي أبو محمد عبد الغالب في كتابه: وأما الأخبار في عذاب القبر فبالغة مبلغ الاستفاضة، منها قوله ﷺ في سعد بن معاذ: «لقد ضغطته الأرض ضغطة اختلفت لها ضلوعه». قال أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم: فلم ننقم من أمره شيئا، إلا أنه كان لا يستنزه في أسفاره من البول.\nقلت فقوله ﷺ: «ثم فرج عنه» دليل على أنه جوزي على ذلك التقصير منه، لا أنه يعذّب بعد ذلك في قبره، هذا لا يقوله أحد إلا شاك مرتاب في فضله وفضيلته، ونصحه ونصيحته، ﵁، أترى من اهتز له عرش الرحمن، وتلقّت روحه الملائكة الكرام، فرحين بقدومها عليهم، ومستبشرين بوصولها إليهم، يعذب في قبره بعد ما فرج عنه؟ هيهات هيهات؛ لا يظن ذلك إلاّ جاهل بحقه، غبي بفضيلته وفضله، ﵁ وأرضاه، وكيف يظنّ ذلك وفضائله شهيرة، ومناقبه كثيرة؟ خرجها البخاري ومسلم وغيرهما. وهو الذي أصاب حكم الرحمن في بني قريظة من فوق سبع سماوات، أخبر بذلك رسول الله ﷺ في البخاري ومسلم وغيرهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>باب منه</span>\n(البيهقي) عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] الآية. قال: أتي بفرس فحمل عليه، قال: كل خطوة منتهى أقصى بصره، فسار وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ فقال: المهاجرون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف؛ ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما\n_________\n(^١) أخرج نحوه من حديث جابر؛ أحمد (٣/ ٣٦٠) والطبراني في «المعجم الكبير» (٦ /رقم: ٥٢٤٦) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٤/ ٢٩ - ٣٠).","vol":"1","page":162},{"text":"رضخت؛ عادت كما كانت، لا يفتر عنهم شيء من ذلك. فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة. قال: ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع. قال: يسرحون كما تسرح الأنعام الضريع والزقوم، ورضف جهنم وحجارتها. قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله، وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أياديهم لحم في قدر نضيج، ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون من الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هذا الرجل يقوم وعنده امرأة حلالا طيبا، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح. ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها شيء إلاّ قصفته، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال يقول الله ﷿: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] ثم مرّ على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها، قال: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة لا يستطيع أداءها، وهو يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم شيء من ذلك، قال: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: «هذا الرجل يتكلم الكلمة فيندم عليها، فيريد أن يردّها فلا يستطيع» (^١). وذكر الحديث.\nوخرّج من حديث أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال له أصحابه: يا رسول الله! أخبرنا عن ليلة أسري بك (الحديث) وفيه قال:\n«فصعدت أنا وجبريل فإذا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك»، قال: وقال الله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] فاستفتح جبريل. ثم قال: فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكافرين، فيقول: روح خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجّين، ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة - يعني بالخوان المائدة التي يؤكل عليها - وعليها لحم مشرح ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عندها ناس يأكلون منها. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام، قال: ثم\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٣) بسند ضعيف.","vol":"1","page":163},{"text":"مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خرّ يقول:\nاللهم لا تقم الساعة. قال: وهم على سابلة آل فرعون قال فتجيء السابلة فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله ﷿. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء من أمتك؛ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل. قال:\nفيفتح على أفواههم ويلقمون ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله ﷿، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك؛ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله ﷿، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال:\nثم مضيت هنيهة؛ فإذا أنا بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمون، فيقال له: كل ما كنت تأكل من لحم أخيك. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون اللمازون من أمتك (وذكر الحديث) (^١).\nوذكر أبو داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-118>٥٥ - باب ما جاء في بشرى المؤمن في قبره</span>\nقال كعب الأحبار: إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة. فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه، فتقول الصلاة: إليكم عنه، فيأتون من قبل رأسه، فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه، فقد أطال ظمأه لله ﷿ في دار الدنيا، فيأتون من قبل جسمه، فيقول الحج والجهاد: إليكم عنه، فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه وحج وجاهد لله ﷿، لا سبيل لكم عليه، فيأتون من قبل يديه، فتقول الصدقة: كفّوا عن صاحبي؛ فكم من صدقة خرجت من هاتين\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٣٩٠) بسند ضعيف أيضا.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٧٨)، وهو في «الصحيحة» برقم (٥٣٣).","vol":"1","page":164},{"text":"اليدين، حتى وقعت في يد الله ﷿ ابتغاء لوجهه، فلا سبيل لكم عليه، قال:\nفيقال له: نم هنيئا، طبت حيّا، وطبت ميتا.\nقلت: هذا لمن أخلص لله في عمله، وصدق الله في قوله وفعله، وأحسن نيته له في سره وجهره، فهو الذي تكون أعماله حجة له، ودافعة عنه، فلا تعارض بين هذا الباب، وبين ما تقدم من الأبواب، فإن الناس مختلفو الحال في خلوص الأعمال. والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-119>٥٦ - باب ما جاء في التعوذ من عذاب القبر وفتنته</span>\n(النّسائي) عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: إنكم تفتنون في القبور، فارتاع رسول الله ﷺ وقال:\n«إنما يفتن يهود». قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ: «هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟» قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر (^١).\nوروى الأئمة عن أسماء عنه ﷺ أنه قال: «وإنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبا، أو مثل فتنة الدجال لا أدري أيّ ذلك؟» قالت أسماء: يؤتى بأحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول: «هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا» ثلاث مرات. ثم يقال له: «نم قد نعلم إنك لتؤمن به فنم صالحا».\nوأما المنافق أو المرتاب فيقول: «لا أدري أي ذلك؟» قالت أسماء: «فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلت». لفظ مسلم (^٢). وخرّج البخاري عن أبي هريرة قال:\nكان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (^٣). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدّا، أخرجها الأثبات الثقات.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٨٤) والنسائي (٤/ ١٠٤ - ١٠٥) وغيرهما.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٦، ١٨٤، ١٠٥٣، ١٢٣٥، ٧٢٨٧) ومسلم (٩٠٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٣٢، ٢٣٩٧، ٧١٢٩) ومسلم (٥٨٧، ٥٨٩).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>٥٧ - باب ما جاء أن البهائم تسمع عذاب القبر</span>\n(مسلم) عن زيد بن ثابت قال: بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له، ونحن معه؛ إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، كذا كان الجريري يقول، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟» فقال رجل: أنا.\nقال: «فمتى مات هؤلاء» قال: ماتوا في الإشراك. فقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع» (^١).\nوخرّج أيضا عن عائشة ﵂ أنها قالت: «دخلت عليّ عجوزان من عجائز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم. قالت: فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما». فخرجتا ودخل عليّ رسول الله ﷺ. فقلت: يا رسول الله؛ إن عجوزين من عجائز يهود المدينة قالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم. قال النبي ﷺ: «صدقتا، إنهم يعذّبون عذابا تسمعه البهائم»، قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلاّ يتعوّذ من عذاب القبر. خرّجه البخاري أيضا وقال: «تسمعه البهائم كلّها» (^٢).\nوخرج هناد بن السري في «زهده»: حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن شقيق، [عن مسروق] (^٣)، عن عائشة ﵂ قالت: «دخلت عليّ يهودية فذكرت عذاب القبر فكذّبتها». فدخل النبي ﷺ عليّ فذكرت ذلك له، فقال النبي ﷺ:\n«والذي نفسي بيده إنهم ليعذّبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>فصل</span>\nقال علماؤنا: وإنما حادت به البغلة لما سمعت من صوت المعذّبين، وإنما لم يسمعه من يعقل من الجن والإنس؛ لقوله ﵊: «لولا أن لا تدافنوا» (الحديث)، فكتمه الله سبحانه عنا حتى نتدافن بحكمته الإلهية، ولطائفة الربانية، لغلبة الخوف عند سماعه فلا نقدر على القرب من القبر للدفن، أو يهلك الحي عند سماعه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٧٢، ٦٣٦٦) ومسلم (٥٨٦).\n(^٣) ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوع، واستدركناه من «المسند» للإمام أحمد.\n(^٤) أخرجه هناد في «الزهد» رقم (٣٤٧) وأخرجه أحمد (٦/ ٤٥ - ٤٦، ٢٠٥)، وانظر ما قبله.","vol":"1","page":166},{"text":"إذ لا يطاق سماع شيء من عذاب الله في هذه الدار، لضعف هذه القوى. ألا ترى أنه إذا سمع الناس صعقة الرعد القاصف، أو الزلازل الهائلة هلك كثير من الناس، وأين صعقة الرعد من صحيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد التي يسمعها كل من يليه؟ وقد قال ﷺ في الجنازة: «ولو سمعها إنسان لصعق».\nقلت: هذا وهو على رؤوس الرجال من غير ضرب ولا هوان. فكيف إذا حل به الخزي والنكال واشتد عليه العذاب والوبال؟ فنسأل الله معافاته ومغفرته وعفوه ورحمته بمنه.\n(حكاية) قال أبو محمد عبد الحق: حدّثني الفقيه أبو الحكم بن برجان - وكان من أهل العلم والعمل ﵀ أنهم دفنوا ميتا بقريتهم من شرق إشبيلية، فلما فرغوا من دفنه؛ قعدوا ناحية يتحدثون ودابة ترعى قريبا منهم، فإذا الدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع، ثم ولّت فارة كذلك - فعلت مرة بعد أخرى - قال أبو الحكم ﵀: فذكرت عذاب القبر، وقول النبي ﷺ: «إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم» والله ﷿ أعلم بما كان من أمر ذلك الميت. ذكر هذه الحكاية لما قرأ القارئ هذا الحديث في عذاب القبر، ونحن إذ ذاك نسمع عليه كتاب مسلم بن الحجاج ﵁.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-122>٥٨ - باب ما جاء أن الميت يسمع ما يقال</span>\n(مسلم) عن أنس بن مالك: أن عمر بن الخطاب حدّث عن أهل بدر فقال:\nإن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس. يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله». قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق نبيّا؛ ما أخطئوا الحدود التي حدّ رسول الله ﷺ. قال: فجعلوا في بئر، بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: «يا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقّا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقّا؟» فقال عمر: يا رسول الله! كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئا» (^١). وعنه أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثا، فقام عليهم فناداهم؛ فقال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٧٣).","vol":"1","page":167},{"text":"«يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربّكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا»، فسمع عمر قول النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يسمعون! وأنّى يجيبون! وقد جيفوا؟ قال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا» ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>فصل</span>\nاعلم رحمك الله؛ أن عائشة ﵂ قد أنكرت هذا المعنى، واستدلّت بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ [الروم: ٥٢] وقوله: ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما، أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصّص، وقد وجد هنا بدليل ما ذكرناه - وقد تقدم - وبقوله ﵊: «إنه ليسمع قرع نعالهم» وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما، وغير ذلك مما لا ينكره. وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» و«الاستذكار» من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلاّ يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلاّ عرفه، ورد عليه¬ السلام» (^٢). صححه أبو محمد عبد الحق. وجيفوا معناه: أنتنوا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-124>٥٩ - باب قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية</span>\n(مسلم) عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال: نزلت في عذاب القبر.\nيقال له ربك فيقول: الله ربي، ونبيي محمد، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٨٧٤).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٧١).","vol":"1","page":168},{"text":"وفي رواية أنه قول البراء، ولم يذكر النبي ﷺ.\nقلت: وهذا الطريق وإن كان موقوفا فهو لا يقال من جهة الرأي، فهو محمول على أن النبي ﷺ قاله كما في الرواية الأولى، وكما خرّجه النسائي وابن ماجه في سننهما والبخاري في صحيحه، وهذا لفظ البخاري: حدّثنا جعفر بن عمر، قال: حدّثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: إذا أقعد العبد المؤمن في قبره؛ أتى ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الآية (^١).\nوخرّجه أبو داود أيضا في «سننه». فقال فيه: عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «إن المسلم إذا سئل في القبر فشهد إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وقد مضى هذا المعنى في حديث البراء الطويل مرفوعا - والحمد لله.\nوقد روى هذا الخبر، أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس وأبو سعيد الخدري. قال أبو سعيد الخدري: كنّا في جنازة مع النبي ﷺ فقال: «يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه؛ جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول له:\nصدقت، فيفتح له باب إلى النار، فيقول له: هذا منزلك لو كفرت بربك، وأما الكافر والمنافق فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت؛ فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة، يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين».\nقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ: ما أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلاّ هيل عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-125>فصل</span>\nصحّت الأخبار عن النبي ﷺ في عذاب القبر على الجملة، فلا مطعن فيها ولا\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":169},{"text":"معارض لها. وجاء فيما تقدم من الآثار؛ أن الكافر يفتن في قبره ويسأل ويهان ويعذب.\nقال أبو محمد عبد الحق: «واعلم أن عذاب القبر ليس مختصّا بالكافرين، ولا موقوفا على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكلّ على حاله من عمله وما استوجبه من خطيئته وزلله، وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب القبر إنما جاءت في الكافر والمنافق».\nقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» (^١): «الآثار الثابتة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق مما كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القبلة ودين الإسلام، وممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام والله أعلم». فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويرتاب المبطلون.\nقال ابن عبد البر: «وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» ومنهم من يرويه: تسأل، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصّت بذلك، وهذا أمر لا يقطع عليه، والله أعلم».\nوقال أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول»: «وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة، لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل، واعتزلوا وعوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله محمدا ﷺ بالرحمة وأمانا للخلق، فقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أمسك عنهم العذاب وأعطى السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف، ثم يرسخ في قلبه، فأمهلوا، فمن هنا ظهر أمر النفاق فكانوا يسرّون الكفر ويعلنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا قيّض الله لهم فتّاني القبر ليستخرج سترهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب، فيثبت الثابت في الحياة الدنيا ويضل الله الظالمين».\nقال المؤلف: قول أبي محمد عبد الحق أصوب - والله أعلم، فإن الأحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على أن الكافر يسأله الملكان، ويختبرانه بالسؤال ويضرب بمطارق من حديد على ما تقدم - والله أعلم.\n***\n_________\n(^١). (٢٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>٦٠ - باب ما ينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه</span>\nوذلك خمسة أشياء، رباط، قتل، قول، بطن، زمان.\nالأول: روى مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتّان» (^١). فالرباط من أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة» (الحديث)، وقد تقدّم، وهو حديث صحيح، انفرد بإخراجه مسلم.\nوكذلك ما أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم من أنه يلحق الميت بعد موته، فإن ذلك مما ينقطع بنفاذه وذهابه، كالصدقة بنفاذها، والعلم بذهابه، والولد الصالح بموته، والنخل بقطعه، إلى غير ذلك مما ذكر. والرباط يضاعف أجره لصاحبه إلى يوم القيامة لقوله ﵊: «وإن مات أجرى عليه عمله» وقد جاء مفسرا مبينا في كتاب الترمذي عن فضالة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ قال: «كلّ ميت يختم على عمله إلاّ الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر». قال حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود بمعناه وقال: «ويؤمن من فتان القبر» (^٢).\nولا معنى للنماء إلا المضاعفة؛ وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى، لأن أعمال البر لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو، والتحرز منهم بحراسته بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه، هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، وخرّجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «من مات مرابطا في سبيل الله أجرى الله عليه عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه، وأمن من فتنة القبر، ويبعثه الله آمنا من الفزع الأكبر» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩١٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٥٠٠) والترمذي (١٦٢١)، وصححه الألباني في تخريج «المشكاة» (٣٨٢٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٦٧) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٣٤).","vol":"1","page":171},{"text":"وخرج أبو نعيم الحافظ، عن جبير بن بكر، وكثير (^١) بن مرة، وعمرو بن الأسود، عن العرباض بن سارية ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلاّ المرابط في سبيل الله، فإنه ينمي عليه عمله ويجري عليه رزقه إلى يوم الحساب» (^٢).\nوفي هذا الحديث وحديث فضالة بن عبيد قيد ثان؛ وهو: الموت حالة الرباط، والله أعلم.\nوروي عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها» (^٣).\nوروي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان، أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا». أراه قال: «من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله إلى أهله سالما لم يكتب عليه سيئة ألف سنة، ويكتب له من الحسنات ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة» (^٤). فدل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل به الثواب الدائم، وإن لم يمت مرابطا والله أعلم. أخرجه عن محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدّثنا محمد بن يعلى السلمي، حدّثنا عمرو بن صبيح، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي بن كعب فذكره (^٥).\nمسألة الرباط: هو الملازمة في سبيل الله. مأخوذ من ربط الخيل، ثم سمي كلّ ملازم لثغر من ثغور المسلمين؛ مرابطا، فارسا كان أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الرباط، وقول النبي ﷺ في منتظري الصلاة: «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، والرباط اللغوي هو الأول، وهو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، فأما سكان الثغور دائما بأهلهم الذين يعمرون ويكتسبون هناك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين. قاله علماؤنا، وقد بيناه في كتاب «الجامع لأحكام القرآن» من سورة آل عمران (^٦) - والحمد لله.\n_________\n(^١) وقع في «المطبوعة»: «كبير»! والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٥٦/ ٦٤١/١٨) ووثق رجاله الهيثمي في «المجمع» (٥/ ٢٩٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٦٦) وهو ضعيف جدا، انظر «ضعيف سنن ابن ماجه» (٥٥١).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٢٧٦٨) وهو موضوع، المصدر السابق رقم (٥٥٢).\n(^٥) محمد بن يعلى السلمي وعمر بن صبيح متروكان.\n(^٦) انظر «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٦).","vol":"1","page":172},{"text":"الثاني: روى النسائي عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله؛ ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلاّ الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (^١).\nوخرّج ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» وغيرهما عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ستّ خصال، يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» (^٢) لفظ الترمذي، وقال حديث حسن صحيح غريب. وقال ابن ماجه: «يغفر له في أول دفعة من دمه». قال: «ويحلّى حلة الإيمان» بدل: «ويوضع على رأسه تاج الوقار» قال ابن ماجه: حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا إسماعيل بن عياش، قال حدّثني بحير بن سعد. وقال الترمذي: حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدّثنا نعيم بن حماد قال: حدّثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب فذكره.\nقال المؤلف ووقع في جميع نسخ الترمذي وابن ماجه: «ست خصال» وهي في متن الحديث: «سبع» وعلى ما ذكر ابن ماجه: «ويحلى بحلة الإيمان» تكون ثمانية، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد بسنده عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ثمانية خصال».\nالثالث: روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا بقبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فقال ﷺ: «هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» (^٣). قال: حديث حسن غريب.\nوخرّج أيضا عنه ﷺ: «أن من قرأها كل ليلة جاءت تجادل عن صاحبها».\nوروي أنها المجادلة تجادل عن صاحبها يعني قارئها في القبر. وروي أن من قرأها كل ليلة لم يضره الفتّان.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤/ ٩٩) بسند صحيح.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٦٦٣) وابن ماجه (٢٧٩٩) وغيرهما. وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» برقم (٢٢٥٧).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٨٩٠) بإسناد ضعيف، وهو في «ضعيف سنن الترمذي» رقم (٥٤٦) وقال: ضعيف، وإنما يصح منه قوله: «هي المانعة …». وانظر «السلسلة الصحيحة» (١١٤٠).","vol":"1","page":173},{"text":"وأنبأنا الشيخ الفقيه الإمام المحدّث أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي بثغر الإسكندرية حماه الله قال: حدّثني الشيخ الصالح أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري بن أخي الشيخ الإمام أبي بكر، قال: حدّثني الشيخ الشريف أبو محمد يونس بن أبي الحسين بن أبي البركات الهاشمي البغدادي، حدّثنا أبو الوقت، عن الداودي، عن الحموي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، عن عبد الله بن حميد الكشي، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال الرجل: بلى يا ابن عباس رحمك الله. قال: اقرأ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] احفظها وعلّمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنّها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار، إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ: «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» (^١).\nوأخبرناه عاليا الشيخ المحدث أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأنصاري التلمساني بثغر الإسكندرية عن شيخه الشريف أبي محمد يونس عن أبي الوقت.\nوقد تقدم: أن قراءة الرجل: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في مرض الموت تنجي من ذلك.\nالرابع: روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات مريضا مات شهيدا، ووقي فتنة القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة» (^٢).\nوخرّج النّسائي عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الله بن يسار يقول:\nكنت جالسا عند سليمان بن صرد، وخالد بن عرفطة فذكرا أن رجلا مات ببطنه فإذا هما يشتهيان أن يشهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ:\n«من يقتله بطنه لم يعذّب في قبره». أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدّثنا شعبة، قال أخبرني جامع بن شدّاد فذكره، وزاد: فقال الآخر: بلى (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ١١٦١٦) من طريق: إبراهيم بن الحكم به. المرفوع منه فقط.\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ١٢٧): «وفيه إبراهيم بن الحكم بن أبان؛ وهو ضعيف».\nوأخرجه عبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (٦٠٣) من طريق إبراهيم بن الحكم به. مطولا، وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ٥٠٧): «هذا الحديث غريب، وإبراهيم ضعيف».\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٦١٥) وهو ضعيف جدا، كما في «ضعيف سنن ابن ماجه» رقم (٣١٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٢ و٥/ ٢٩٢) والطيالسي (١٢٨٨) والنسائي (٤/ ٩٧) وغيرهم، وهو حديث صحيح؛ انظر «أحكام الجنائز» ص ٥٣.","vol":"1","page":174},{"text":"الخامس: روى الترمذي عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة إلاّ وقاه الله فتنة القبر» (^١). قال هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل. ربيعة بن سيف إنما يروي عن عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعا من عبد الله بن عمرو.\nقلت: قد خرّجه أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول» متصلا، عن ربيعة بن سيف الإسكندري، عن عياض بن عقبة الفهري، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتنة القبر».\nوأخرجه علي بن معبد عنه - أعني عبد الله بن عمرو - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي فتنة القبر».\nوأخرجه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء» (^٢). غريب من حديث جابر ومحمد، تفرّد به عمر بن موسى الوجيهي، وهو مدني فيه لين، عن محمد، عن جابر.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٩) والترمذي (١٠٧٤) بإسناد ضعيف منقطع.\nقال الحافظ في «فتح الباري» (٣/ ٢٩٧): «في إسناده ضعف».\nوقال المحدث أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٨٦/ ٦٥٨٢/١٠): «إسناده ضعيف لانقطاعه».\nوأخرجه أحمد (٢/ ١٧٦، ٢٢٠) من طريق: بقية بن الوليد، عن معاوية بن سعيد، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به.\nوبقية بن الوليد؛ مدلّس، لكنه صرّح بالتحديث في أحد طريقي أحمد، لكن معاوية بن سعيد «مقبول» كما في «التقريب» (٦٨٠٥)، وقول أحمد شاكر ﵀ بتوثيقه فيه ما فيه، كذا توثيقه لأبي قبيل (١٣/ ٧٠٥٠/١٢)، فهو تساهل، وأبو قبيل - بفتح القاف - هو: حيي بن هانئ المعافري المصري؛ «صدوق يهم» فالإسناد ضعيف، لكن قال الألباني ﵀ في «المشكاة» (٤٣٢/ ١٣٦٧/١): «إسناده حسن، أو صحيح بما قبله».\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٥٥ - ١٥٦) بسند ضعيف.\nوأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (١٤٦/ ٤١١٣/٧) من طرق: عبد الله بن جعفر، عن واقد بن سلامة، عن يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس بن مالك مرفوعا.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣١٩): «وفيه يزيد الرقاشي؛ وفيه كلام». قلت: هو ضعيف، ورواية واقد بن سلامة عنه منكرة لا تصح؛ انظر «الجرح والتعديل» (٩/ ٥٠) و«التاريخ الكبير» (٨/ ١٩١). وضعّف إسناده الحافظ في «الفتح» (٣/ ٢٩٧).","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>فصل</span>\nقلت: اعلم رحمك الله أن هذا الباب لا يعارض ما تقدّم من الأبواب، بل يخصّصها ويبيّن من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كلّه ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد ﷺ.\nوقد روى ابن ماجه في «سننه» عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل الميت في قبره مثّلت له الشمس عند غروبها فيجلس فيمسح عينيه ويقول: دعوني أصلي» (^١).\nولعل هذا ممن وقي فتنة القبر، فلا تعارض - والحمد لله.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>فصل</span>\nقوله ﵊ في الشهيد: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان، وبرقت السيوف فرّوا، لأن من شأن المنافق، الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا، وهيجان حمية الله، والتعصب له، لإعلاء كلمته. فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الترمذي الحكيم.\nقلت: وإذا كان الشهيد لا يفتن، فالصدّيق أجلّ خطرا وأعظم أجرا فهو أحرى أن لا يفتن، لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى:\n﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ﴾ [النساء: ٦٩] وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ - والله أعلم فتأمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>فصل</span>\nقوله ﵊: «من مات مريضا مات شهيدا» عام في جميع الأمراض لكن قيده قوله في الحديث الآخر: «من يقتله بطنه» وفيه قولان:\nأحدهما: أنه الذي يصيبه الذّرب وهو الإسهال، تقول العرب أخذه البطن إذا أصابه الداء، وذرب الجرح إذا لم يقبل الدواء، وذربت معدته فسدت (^٢).\nالثاني: أنه الاستسقاء، وهو أظهر القولين فيه، لأن العرب تنسب موته إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٧٢) وحسّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٤٧).\n(^٢) انظر «لسان العرب» (٥/ ٣١ - ٣٢).","vol":"1","page":176},{"text":"بطنه، تقول: قتله بطنه، يعنون الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قلّ أن يموت إلاّ بالذرب، فكأنه قد جمع الوصفين وغيرهما من الأمراض، والوجود شاهد للميت بالبطن إنّ عقله لا يزال حاضرا، وذهنه باقيا إلى حين موته، ومثل ذلك صاحب السلّ، إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحال من يموت فجأة، أو من يموت بالسام والبرسام والحميات المطبقة أو القولنج أو الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الآلام، ولزوم أدمغتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا فالميت يموت وذهنه حاضر وهو عارف - والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>باب منه</span>\n(أبو نعيم) قال: حدّثنا عبد الله بن محمد قال: حدّثنا ابن سعيد قال: حدّثنا محمد بن حرب الواسطي قال: حدّثنا نصر بن حماد قال: حدّثنا همام قال: حدّثنا محمد بن جحادة، عن طلحة بن مصرّف قال: سمعت خيثمة بن عبد الرحمن يحدّث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من وافق موته عند انقضاء رمضان، دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء عرفة، دخل الجنة، ومن وافق موته عند انقضاء صدقته، دخل الجنة» (^١). غريب من حديث طلحة لم نكتبه إلاّ من حديث نصر عن همام.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-131>٦١ - باب ما جاء أن الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي</span>\n(البخاري ومسلم) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>فصل</span>\nقوله: «عرض عليه مقعده» ويروى: «عرض على مقعده». قال علماؤنا: وهذا ضرب من العذاب كبير، وعندنا المثال في الدنيا؛ وذلك كمن عرض عليه القتل أو غيره من آلات العذاب، أو من يهدّد به من غير أن يرى الآلة ونعوذ بالله من عذابه\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٢٣) بإسناد ضعيف جدا؛ نصر بن حماد؛ تقدّم أنه متروك.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٧٩، ٣٢٤٠، ٦٥١٥) ومسلم (٢٨٦٦).","vol":"1","page":177},{"text":"وعقابه بكرمه ورحمته. وجاء في التنزيل في حق الكافرين: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فأخبر تعالى أن الكافرين يعرضون على النار، كما أن أهل السعادة يعرضون على الجنان، بالخبر الصحيح في ذلك، وهل كل مؤمن يعرض على الجنان؟ فقيل: ذلك مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله إنجاءه من النار، وأما من أنفذ الله عليه وعيده من المخلصين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فله مقعدان يراهما جميعا، كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحا وحسنا، وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة؛ كل من يدخلها، كيفما كان، والله أعلم.\nثم قيل: هذا العرض إنما هو على الروح وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد، فيرد إليه الروح، كما ترد عند المسألة حين يقعده الملكان، ويقال له: «انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة» وكيفما كان، فإن العذاب محسوس، والألم موجود، والأمر شديد، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلا في النائم فإنه روحه تعذّب أو تنعم والجسد لا يحسّ بشيء من ذلك. وقال عبد الله بن مسعود: «أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، يعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال لهم: هذه داركم»، فذلك قوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وعنه أيضا: «أن أرواحهم في جوف طير سود، تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها» وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن ميسرة يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: «أصبحنا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار» وإذا أمسى ينادي: «أمسينا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار» فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوّذ بالله من النار.\nوقد قيل: إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة، على شفير جهنم، في حواصل طير سود. والغداة والعشي إنما هو بالنسبة إلينا على ما اعتدناه، لا لهم، إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح، فإن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] قلنا: الجواب عنهما واحد، وسيأتي له مزيد بيان في وصف الجنان - إن شاء الله تعالى.\n***","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>٦٢ - باب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم</span>\nيدل على ذلك قوله ﵊ في حديث ابن عمر: «هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» وهذه حالة مختصّه بغير الشهداء.\nوفي «صحيح مسلم» عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية:\n﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فقال:\nأما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرّات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>فصل</span>\nقلت: وهنا اعتراضات خمسة:\nالأول: إن قيل: ما قولكم في الحديث الذي ذكرتم: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه¬ السلام»؟ قلنا: هو عموم يخصصه ما ذكرنا، فهو محمول على غير الشهداء.\nالثاني: فإن قيل: فقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: «إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» (^٢). قلنا: قال أهل اللغة: تعلق بضم اللام تأكل، يقال: علقت تعلق علوقا.\nويروى يعلق بفتح اللام وهو الأكثر، ومعناه: تسرح. وهذه حالة الشهداء لا غيرهم، بدليل الحديث المتقدم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ولا يرزق إلا حيّ، فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلاّ للشهيد في سبيل الله، بإجماع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٨٧).\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٦/ ٤٩/١) - كتاب الجنائز (١٦)، باب جامع الجنائز (١٦). وغيره، وهو في «الصحيحة» تحت رقم (٩٩٥).","vol":"1","page":179},{"text":"من الأمة. حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين». وغير الشهيد بخلاف هذا الوصف إنما يملأ عليه قبره خضرا ويفسح له فيه. وقوله: «نسمة المؤمن» أي روح المؤمن الشهيد، يدل عليه قوله في نفس الحديث: «حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم القيامة».\nالثالث: فإن قيل: فقد جاء أن الأرواح تتلاقى في السماء، والجنة في السماء، يدل عليه قوله ﵇: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء» وفي رواية «أبواب الجنة» (^١) قلنا: لا يلزم من تلاقي الأرواح في السماء أن يكون تلاقيها في الجنة، بل أرواح المؤمنين - غير الشهداء - تارة تكون في الأرض على أفنية القبور، وتارة في السماء لا في الجنة. وقد قيل: إنها تزور قبورها كل يوم جمعة على الدوام، ولذلك تستحب زيارة القبور ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وبكرة السبت فيما ذكر العلماء - والله أعلم (^٢).\nقال ابن العربي: وبحديث الجرائد يستدل الناس على أن الأرواح في القبور تعذّب أو تنعّم، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر في الصحيح: «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ»، لأن عرض مقعده ليس فيه بيان عن موضعه الذي يراه منه، وحديث الجرائد نص على أن أولئك يعذّبون في قبورهم، وكذلك حديث اليهود.\nقلت: ويحتمل على ما ذكرناه - والله أعلم -: أن يكون قوله ﵇:\n«ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا وروحه في قبره إلا عرفه ورد عليه¬ السلام» حتى لا تتناقض الأخبار. والله أعلم.\nالرابع: فإن قيل: فقد قال ﷺ: «والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه» (^٣)، وهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل، ولا تكون أرواحهم في جوف طير، ولا تكون في قبورهم فأين تكون؟ قلنا: قد خرّج ابن وهب بإسناده عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «الشّهداء على بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» (^٤). فلعلهم هؤلاء أو من منعه من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٨، ١٨٩٩، ٣٢٧٧)، ومسلم (١٠٧٩).\n(^٢) لم يرد بهذا دليل، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠) والنسائي (٧/ ١٤)، وحسّنه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٤٣٦٧).\n(^٤) أخرجه أحمد (١/ ٢٦٦) وحسّنه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٧٤٢).","vol":"1","page":180},{"text":"دخول الجنة حقوق الآدميين إذ الدّين ليس مختصا بالمال على ما يأتي. ولهذا قال علماؤنا: أحوال الشهداء طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، يجمعها أنهم يرزقون، وقد تقدم ﵇: «من مات مريضا مات شهيدا وغدي وريح عليه برزقه من الجنة» (^١). وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال وسيأتي في باب كم الشهداء، إن شاء الله تعالى.\nالخامس: فإن قيل: فقد روى ابن ماجه عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لشهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله ﷿، وإن الله وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر؛ فإنه يتولّى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البرّ الذنوب كلها إلا الدّين، ولشهيد البحر الذنوب كلّها والدّين» (^٢).\nقلنا: الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء، فإن الله تعالى لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيدا كان أو غيره، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه. قال رسول الله ﷺ: «من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالا فلورثته، فإن لم يؤد عنه السلطان، فإن الله تعالى يقضي عنه ويرضي خصمه» (^٣).\nوالدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه في «سننه» عن عبد الله بن عمرو قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن الدين يقضى أو يقبض من صاحبه يوم القيامة إذا مات، إلا من تديّن في ثلاث خلال: الرجل تضعف قوته في سبيل الله فيستدين ليتقوى به لعدو الله وعدوه، ورجل يموت عنده رجل مسلم لا يجد ما يكفنه فيه ويواريه إلا بدين، ورجل خاف على نفسه العزبة فينكح خشية على دينه، فإن الله يقضي عن هؤلاء يوم القيامة» (^٤).\nوأما من أدان في سفه أو سرف فمات ولم يوفه، أو ترك له وفاء ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يوفه، فهذا الذي يحبس به صاحبه عن الجنة حتى يقع القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي، فيحتمل أن يكون قوله ﵇ في شهيد البحر عامّا في الجميع، وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين، ويحتمل أن يكون قوله فيمن أدان ولم يفرط في الأداء، وكان عزمه ونيته الأداء، لا إتلاف\n_________\n(^١) تقدّم أنه حديث ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٧٨)، وقال الألباني في «الضعيفة» (٨١٧): «موضوع بهذا التمام».\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٤) والنسائي (١/ ٢٣٤)، وحسّنه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (١٨٥٣).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٢٤٣٥)، وضعفه الألباني.","vol":"1","page":181},{"text":"المال على صاحبه، وقد قال رسول الله ﷺ: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أذى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» خرّجه البخاري (^١).\nعلى أن حديث أبي أمامة في إسناده لين، وأعلى منه إسنادا وأقوى ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين» (^٢)، ولم يخص برّا من بحر. وكذلك ما رواه أبو قتادة: أن رجلا قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفّر الله عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ: «نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر»، ثم قال رسول الله ﷺ: «كيف قلت»؟ فقال: «أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفّر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك» (^٣).\nوخرّج أبو نعيم الحافظ بإسناده عن قاضي البصريين شريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم فيم أضعت حقوق الآدميين؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده، ولكن أصبت إما غرقا وإما حرقا، فيقول الله ﷿: أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجّح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة» (^٤). رواه من طرق. وقال يزيد بن هارون في حديثه: «فيدعو الله تعالى بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل». غريب من حديث شريح، تفرّد به صدقة بن أبي موسى عن أبي عمران الجوني.\nقلت: هذا نص في قضاء الله سبحانه الدين إذا لم يؤخذ على سبيل الفساد - والحمد لله الموفق للسداد، والمبين على لسان رسول الله ﷺ ما أبهم واستغلق من مشكل على العباد.\nوقد قال بعض العلماء: إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى، وإنما قيل لها: جنة المأوى؛ لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين، وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها، ويتنسمون من طيب ريحها، وهي تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش. وما ذكرناه أوّلا أصح - والله أعلم.\nوقد روى ابن المبارك: أخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال:\n_________\n(^١) في «صحيحه» رقم (٢٣٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٨٥).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٤١) بسند ضعيف.","vol":"1","page":182},{"text":"حدث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أرواح المؤمنين في طير كالزرازير يتعارفون، يرزقون من [ثمر] الجنة» (^١).\nأخبرنا ابن لهيعة قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، أن منصور بن أبي منصور حدثه قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فقلت: أخبرني عن أرواح المسلمين أين هي حين يتوفون؟ قال: ما تقولون أنتم يا أهل العراق؟ قلت:\nلا أدري. قال: فإنها صور طير بيض في ظل العرش، وأرواح الكافرين في الأرض السابعة. (^٢) وذكر الحديث.\nقلت: فهذه حجة من قال: إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة - والله أعلم.\nعلى أنه يحتمل أن يدخله من التأويل ما تقدم - والله أعلم - فيكون المعنى: أرواح المؤمنين الشهداء، وكذا فقلت: أخبرني عن أرواح المؤمنين الشهداء - والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>فصل</span>\nوقع في حديث ابن مسعود: «أرواحهم في جوف طير خضر» وفي حديث مالك: «نسمة المؤمن طائر».\nوروى الأعمش، عن عبد الله بن مرة قال: سئل عبد الله بن مسعود عن أرواح الشهداء؟ فقال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت العرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها وذكر الحديث.\nوروى ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: «إن أرواح الشهداء تجول في طير خضر».\nوروى ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال:\n«أرواح الشهداء طير خضر تعلّق في شجر الجنة». وهذا كله مطابق لحديث مالك، فهو أصح من رواية من روى أن أرواحهم في جوف طير خضر. قاله أبو عمر في «الاستذكار». وقال أبو الحسن القابسي: «أنكر العلماء قول من قال: «في حواصل طير» لأنها رواية غير صحيحة، لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها».\nقلت: الرواية صحيحة لأنها في «صحيح مسلم» بنقل العدل عن العدل، فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على، فيكون المعنى أرواحهم على جوف طير خضر، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٤٦).\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» لابن المبارك رقم (١٦٤).","vol":"1","page":183},{"text":"النخل. وجائز أن يسمى الظهر جوفا، إذ هو محيط به ومشتمل عليه. قال أبو محمد عبد الحق: وهو حسن جدّا.\nوذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب «الإفصاح»: المنعّم على جهات مختلفة منها ما هو طائر يعلق من شجر الجنة، ومنها ما هو في حواصل طير خضر، ومنها ما يأوي في قناديل تحت العرش، ومنها ما هو في حواصل طير بيض، ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص صور من صور الجنة، ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها ما تسرح وتعود إلى جثتها تزورها، ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين، وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل، ومنها ما هو في كفالة آدم، ومنها ما هو في كفالة إبراهيم ﵇. وهذا قول حسن، فإنه يجمع الأخبار حتى لا تتدافع، والله بغيبه أعلم وأحكم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-136>٦٣ - باب كم الشهداء؟ ولم سمّي شهيدا؟ ومعنى الشهادة</span>\nخرّج الآجريّ وغيره عن أبي مالك الأشعري (^١) قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لذعته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله؛ إنه شهيد، وإن له الجنة» (^٢). وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه عن جابر بن عتيك عن النبي ﷺ.\n(الترمذي) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الشهداء خمسة: المبطون والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله ﷿» (^٣) وقال هذا حديث حسن صحيح.\n(النسائي) عن جابر: قال: قال رسول الله ﷺ: «الشهداء سبعة سوى القتل في\n_________\n(^١) وقع في الأصل: أبي مالك الأشجعي، والصواب ما أثبته.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٤٩٩) والحاكم (٢/ ٧٨) بسند ضعيف.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٠، ٢٨٢٩) ومسلم (١٩١٤) وأحمد (٢/ ٣٢٤، ٥٣٣) والترمذي (١٠٦٣) وغيرهم.","vol":"1","page":184},{"text":"سبيل الله: المطعون، والمبطون، والغرق، والحرق، وصاحب ذات الجنب، والذي يموت تحت الهدم، والمرأة تموت بجمع» (^١)، قيل: هي التي تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه. وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة، سواء ألقت ولدها أو ماتت وهو في بطنها. وقيل: التي تموت بكرا لم يمسها الرجال. وقيل: التي تموت قبل أن تحيض وتطمث. فهذه أقوال لكل قول وجه. وفي جمع لغتان: ضم الجيم وكسرها. وفي بعض الآثار: «المجنوب شهيد» يريد: صاحب الجنب، يقال منه رجل جنب بكسر النون وفتح الجيم إذا كانت به ذات الجنب وهي الشوصة.\nوفي كتاب الترمذي وأبي داود والنسائي عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (^٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوروى النسائي من حديث سويد بن مقرن قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل دون مظلمة فهو شهيد» (^٣).\nوروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «موت غربة شهادة» (^٤).\nوأخرجه الدارقطني ولفظه: «موت الغريب شهادة»، وذكره أيضا من حديث ابن عمر وصححه. وأخرجه أبو بكر الخرائطي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات غريبا مات شهيدا». وخرّجه أيضا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات غريبا مات شهيدا»، وقد تقدم قوله ﵊: «من مات مريضا مات شهيدا».\nوروى الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، فإن مات من يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك» (^٥). قال حديث حسن غريب.\nوذكر الثعلبي عن يزيد الرقاشي، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤/ ١٤) وغيره، وهو حديث صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٥٢) ومسلم (١٦١٠) والنسائي (٧/ ١١٥) وأبو داود (٤٧٧٢) والترمذي (١٤١٨) وغيرهم.\n(^٣) أخرجه النسائي (٧/ ١١٧) بسند صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١٦١٣) وهو ضعيف جدا، انظر «التلخيص الحبير» (٢/ ٧٠٩ - ٧١٠).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٩٢٢) وهو ضعيف.","vol":"1","page":185},{"text":"آخر سورة الحشر إلى آخرها ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] فمات من ليلته مات شهيدا» (^١).\nوخرّج الآجري عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أنس إن استطعت أن تكون أبدا على وضوء فافعل، فإنّ ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة».\nوروى الشعبي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ولم يترك الوتر في حضر ولا سفر، كتب له أجر شهيد» خرجه أبو نعيم (^٢).\nوروي من حديث أبي هريرة وأبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدا» (^٣). وبعضهم يقول: «ليس بينه وبين الأنبياء إلا درجة واحدة» ذكره أبو عمر في كتاب «بيان العلم».\nوخرج مسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من طلب الشهادة صادقا أعطيها وإن لم تصبه» (^٤). وعن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: «من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (^٥). وخرج الترمذي الحكيم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من أحد إلا وله كرائم من ماله، يأبى لهم الذبح، وإن لله خلقا من خلقه يأبى لهم الذبح؛ أقوام يجعل موتهم على فرشهم، ويقسم لهم أجور الشهداء».\n\n<span data-type='title' id=toc-137>فصل</span>\nالشهداء: جمع الشاهد، والشهيد: القتيل في سبيل الله. كذلك قال أهل اللغة؛ الجوهري وغيره. وسمّي بذلك لأنه مشهود له بالجنة، فالشهيد بمعنى مشهود له، فعيل بمعنى مفعول، وقال ابن فارس اللغوي في «المجمل» (^٦): «والشهيد القتيل في سبيل الله،\n_________\n(^١) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٧١٨) بإسناد ضعيف؛ يزيد الرقاشي «ضعيف».\n(^٢) في «الحلية» (٤/ ٣٣٢) بسند ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ١٢١، ٢٠١، ٤٠٣ /رقم: ١١٥، ٢١١، ٥٨٢) والبزار في «كشف الأستار» (٨٤/ ١٣٨/١). وغيرهما بإسناد ضعيف جدا. وانظر «ضعيف الجامع» (٥٤٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٩٠٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٩٠٩).\n(^٦) «مجمل اللغة» (١/ ٥١٤).","vol":"1","page":186},{"text":"قالوا: لأن ملائكة الله (^١) تشهده». وقيل: سمّي شهيدا؛ لأن أرواحهم أحضرت دار السلام، لأنهم ﴿أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة. فالشهيد بمعنى الشاهد؛ أي: الحاضر للجنة، وقيل: سمّي بذلك؛ لسقوطه بالأرض، والأرض الشاهدة، وقيل: سمّي بذلك، لشهادته على نفسه لله ﷿ حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعه في قوله الحق: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، فاتصلت شهادة الشهيد الحق، بشهادة العبد، فسمّاه شهيدا، ولذلك قال ﵇: «والله أعلم بمن يكلم في سبيله». وقال في شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء»، لبذلهم نفوسهم دونه، وقتلهم بين يديه، تصديقا لما جاء به ﷺ. هذا الكلام في الشهيد.\nفأما الشهادة، فصفة سمّي حاملها بالشاهد، ويبالغ بشهيد، وللشهادة ثلاثة شروط لا تتم إلا بتمامها وهي: الحضور، والوعي، والأداء.\nأما الحضور: فهو شهود الشاهد المشهود.\nوالوعي: هو ما شاهده وعلمه في شهوده ذلك.\nوالأداء: هو الإتيان بالشهادة على وجهها في موضع الحاجة إلى ذلك.\nهذا معنى الشهادة، والشهادة على الكمال، إنما هي لله ﷾، وأن جميع الشاهدين سواه يؤدون شهادتهم عنده، قال الله ﷾:\n﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] والشهداء: هم العدول، وأهل العدالة في الدنيا والآخرة هم القائمون بما أوجب الحق سبحانه عليهم في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>باب منه</span>\nروى النسائي عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: «يختصم الشهداء والمتوفّون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفّون من الطاعون، فيقول الشهداء: قتلوا كما قتلنا؟ ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا؟ فيقول ربنا ﷿: انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم» (^٢).\nوروت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن فناء أمتي بالطعن\n_________\n(^١) في «مجمل اللغة»: «ملائكة الرحمة».\n(^٢) أخرجه النسائي (٦/ ٣٧) وهو في «صحيح سنن النسائي» رقم (٢٩٦٦).","vol":"1","page":187},{"text":"والطاعون» قالت: أما الطعن فقد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «غدّة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط، من مات منها مات شهيدا» (^١). أخرجه أبو عمر في «التمهيد» (^٢) و«الاستذكار».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-139>٦٤ - باب ما جاء أن الإنسان يبلى ويأكله التراب إلاّ عجب الذّنب</span>\n(مسلم وابن ماجه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من الإنسان شيء إلا يبلى؛ إلاّ عظم واحد وهو عجب الذّنب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة» (^٣).\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>فصل</span>\nيقال عجم وعجب بالميم والباء؛ لغتان، وهو جزء لطيف في أصل الصّلب.\nوقيل: هو رأس العصعص، كما رواه ابن أبي داود في «كتاب البعث» من حديث أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله وما هو؟ قال: «مثل حبة خردل، ومنه تنشئون» (^٥). وقوله: «منه خلق ومنه يركب»؛ أي: أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى.\n***\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ١٣٣، ١٤٥، ٢٥٥) وصحّحه العلامة الألباني في «إرواء الغليل» (٦/ ٧٢ / ١٦٣٨).\n(^٢). (١٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨)؛ من غير طريق أحمد.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٥٥) وابن ماجه (٤٢٦٦).\n(^٤) انظر ما قبله.\n(^٥) أخرجه ابن أبي داود في «كتاب البعث» رقم (١٧) وأحمد (٣/ ٢٨) وغيرهما، من طريق: دراج ابن سمعان، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد به.\nوإسناده ضعيف، لكن الحديث صحيح بشواهد، وهذا ما بينه فضيلة الشيخ الحويني - حفظه الله - في تحقيقه لكتاب البعث.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>٦٥ - باب لا تأكل الأرض أجساد الأنبياء ولا الشهداء، وأنهم أحياء</span>\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ولذلك لا يغسّلون ولا يصلّى عليهم، ثبت ذلك في الأحاديث الصحيح في شهداء أحد وغيرهم، ليس هذا موضع ذكرها.\n(مالك) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السّلميين كانا قد حفر السيل قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة (^١).\nقال أبو عمر: «هذا حديث لم يختلف عن مالك في انقطاعه، وهو حديث يتصل من وجوه صحاح عن جابر» (^٢).\nقال المؤلف ﵁: وهكذا حكم من تقدمنا من الأمم ممن قتل شهيدا في سبيل الله، أو قتل على الحق كأنبيائهم، وفي الترمذي في قصة أصحاب الأخدود: «وأن الغلام الذي قتله الملك دفن»، قال: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل (^٣). قال حديث حسن غريب. وقصة الأخدود: مخرّجة في «صحيح مسلم» (^٤)، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، وقد ذكرناها مستوفاة في (البروج) في كتاب «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي القرآن» (^٥).\nوروى نقلة الأخبار: أن معاوية ﵀ لما أجرى العين التي استنبطها بالمدينة في وسط المقبرة، وأمر الناس بتحويل موتاهم - وذلك في أيام خلافته - وبعد الجماعة بأعوام - وذلك بعد أحد بنحو من خمسين سنة - فوجدوا على\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٣/ ٤٩/٢) (٢١) كتاب الجهاد، (٢١) باب الدفن في قبر واحد.\n(^٢) انظر «التمهيد» (١٩/ ٢٣٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٣٤٠).\n(^٤) برقم (٣٠٠٥).\n(^٥). (١٩/ ٢٨٧ - ٢٩٤).","vol":"1","page":189},{"text":"حالهم، حتى أن الكل رأوا المسحاة وقد أصابت قدم حمزة بن عبد المطلب فسال منه الدم، وأن جابر بن عبد الله أخرج أباه عبد الله بن حرام كأنما دفن بالأمس (^١).\nوهذا أشهر في الشهداء من أن يحتاج فيه إلى إكثار.\nوقد روى كافة أهل المدينة أن جدار قبر النبي ﷺ لما انهدم أيام خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان وولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة، بدت لهم قدم فخافوا أن تكون قدم النبي ﷺ، فجزع الناس، حتى روى لهم سعيد بن المسيب ﵁: «أن أجساد الأنبياء لا تقيم في الأرض أكثر من أربعين يوما ثم ترفع». وجاء سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فعرف أنها قدم جده عمر ﵁، وكان ﵀ قتل شهيدا (^٢).\nوروي عن النبي ﷺ: «المؤذن المحتسب كالمشحط في دمه قتيلا، وإن مات لم يدود في قبره» (^٣). وظاهر هذا: أن المؤذن المحتسب لا تأكله الأرض أيضا.\nوخرّج أبو داود وابن ماجه في «سننهما» عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ» قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت، فقال: «إن الله ﷿ حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (^٤). لفظ أبي داود، وقال ابن العربي:\nحديث حسن.\nقلت: وخرجه أبو بكر البزار، عن شدّاد بن أوس، واتفقوا في السند عن حسين بن علي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، فقال: عن أوس بن أوس أو عن شداد بن أوس، وقال البزار: لا يعلم أحدا يرويه بهذا اللفظ إلا شداد بن أوس، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق، عن شداد بن أوس، ولا رواه إلا حسين بن علي الجعفي. وقال أبو محمد عبد الحق، ويقال:\n_________\n(^١) أخرج القصة ابن عبد البر في «التمهيد» (٣/ ١٤٢ و٩/ ٢٤٢).\n(^٢) الخبر لا يصح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٣٢٢/ ١٢٥٥٤/١٢) وهو ضعيف جدا؛ انظر «الضعيفة» (٨٥٣).\n(^٤) أخرجه أحمد (٤/ ٨) وأبو داود (١٤٠٧، ١٥٣١) وابن ماجه (١٠٨٥، ١٦٣٦) والنسائي (٩١/ ٣ - ٩٢) وغيرهم، وهو حديث صحيح.\nووقع عند ابن ماجه: «شدّاد بن أوس».","vol":"1","page":190},{"text":"إن عبد الرحمن هذا هو ابن يزيد بن تميم، قاله البخاري وأبو حاتم، وهو منكر الحديث ضعيفه (^١).\nقلت: وقد خرّجه ابن ماجه من غير هذا الطريق فقال: حدّثنا عمرو بن سواد المصري، حدّثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا عليّ الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي عليّ إلاّ عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها». قال قلت: وبعد الموت؟ قال:\n«وبعد الموت إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، فنبي الله حيّ يرزق ﷺ (^٢). ورواه أبو جعفر الطبري في «تهذيب الآثار» من حديث سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيء، عن أبي الدرداء، قال أبو محمد عبد الحق: وزيد بن أيمن لا أعلم روى عنه إلا سعيد بن هلال.\nقال المؤلف: قال البخاري في «التاريخ»: «زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيء، مرسل روى عنه سعيد بن أبي هلال» (^٣). والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-142>٦٦ - باب في انقراض هذا الخلق وذكر النفخ والصعق وكم بين النفختين وذكر البعث والنشر والنار</span>\n(مسلم) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما - فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم ﵇، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ﷿ ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى إن أحدكم لو دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا\n_________\n(^١) انظر في الجواب عن هذا؛ «جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام» لابن قيم الجوزية، بتحقيق الشيخ: مشهور بن حسن آل سلمان ص ١٥٠ - ١٥٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٦٣٧) بسند ضعيف منقطع. وانظر «ضعيف سنن ابن ماجه» (٣٢٤).\n(^٣) انظر «التاريخ الكبير» (٣٨٧/ ١٢٨٨/٣).","vol":"1","page":191},{"text":"يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون:\nفما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلاّ أصغى ليتا ورفع ليتا» قال: «فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس» ثم قال: «يرسل الله - أو قال - ينزل الله مطرا كأنه الطّلّ فينبت منه أجساد الناس ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال: «فذلك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» (^١).\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: يا أبا هريرة أربعين يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعين شهرا؟ قال: أبيت.\nقالوا؟ أربعين عاما؟ قال: أبيت. «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل». قال: «وليس من الإنسان شيء إلاّ يبلى، إلاّ عظما واحدا» وفي رواية: «لا تأكله الأرض أبدا، وهو عجب الذّنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» (^٢). وعند ابن وهب في هذا الحديث «فأربعون جمعة» قال أبيت. وإسناده منقطع.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>فصل</span>\nهذان الحديثان مع صحتهما في غاية البيان فيما ذكرناه، ويزيدهما أيضا بيانا في أبواب، ويأتي ذكر الدجال مستوعبا في الأشراط، إن شاء الله تعالى. وأصفى معناه: أمال. ليتا: يعني صفحة العنق، ويلوط معناه: يطين ويصلح، وقول أبي هريرة «أبيت»: فيه تأويلان:\nالأول: أبيت؛ أي: امتنعت من بيان ذلك وتفسيره، وعلى هذا كان عنده علم من ذلك، أي سمعه من النبي ﷺ.\nالثاني: أبيت، أي: أبيت أن أسأل عن ذلك النبي ﷺ، وعلى هذا لم يكن عنده علم من ذلك.\nوالأول أظهر، وإنما لم يبينه لأنه لم ترهق لذلك حاجة، ولأنه ليس من البينات والهدى الذي أمر بتبليغه.\nوفي البخاري عنه أنه قال: «حفظت وعاءين من علم، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم» (^٣). قال أبو عبد الله: البلعوم؛ مجرى الطعام.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٠).\n(^٢) تقدّم.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٠).","vol":"1","page":192},{"text":"وقد جاء أن بين النفختين أربعين عاما، والله أعلم، وسيأتي.\nوذكر هناد بن السّري قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن السدّي، سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ [مريم: ٦٤] فلم يجبني، فسمعنا أنه ما بين النفختين. حدّثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن أبي العالية ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ قال: ما بين النفختين - والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-144>٦٧ - باب في قول الله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾</span>\nوهم الملائكة، أو الشهداء، أو الأنبياء، أو حملة العرش، أو جبريل، أو ميكائيل، أو ملك الموت. صعق: مات.\nروى الأئمة عن أبي هريرة قال: «قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر. فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه. قال: تقول هذا وفينا رسول الله ﷺ؟ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: قال الله ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فأكون أول من رفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله. ومن قال: «أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» (^١). لفظ ابن ماجه. أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر. وأخرجه الترمذي عن أبي كريب محمد بن العلاء، قال حدّثنا عبدة بن سليمان جميعا، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>فصل</span>\nواختلف العلماء في المستثنى، من هو؟ فقيل: الملائكة. وقيل: الأنبياء.\nوقيل: الشهداء. واختاره الحليمي قال: وهو مروي عن ابن عباس؛ أن الاستثناء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤١١) وانظر أطرافه هناك، ومسلم (٢٣٧٣) وأحمد (٢/ ٢٦٤، ٤٥٠) وأبو داود (٤٦٧١) والترمذي (٣٢٤٥) وابن ماجه (٤٢٧٤).","vol":"1","page":193},{"text":"لأجل الشهداء، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].\nوضعّف غيره من الأقوال، على ما يأتي. وقال شيخنا أبو العباس: «والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل» (^١).\nقلت: قد ورد حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء، وهو الصحيح على ما يأتي.\nوأسند النحاس في كتاب «معاني القرآن» له؛ حدّثنا الحسين بن عمر الكوفي، قال:\nحدّثنا هناد بن السري، قال: حدّثنا وكيع، عن شعبة عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر الحجوري، عن سعيد بن جبير، في قول الله ﷿: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] قال: «هم الشهداء، هم ثنية الله ﷿، متقلدو السيوف حول العرش». وقال الحسن: استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين. قال يحيى بن سلام في «تفسيره»: «بلغني أن آخر من يبقى منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يموت جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يقول الله ﷿ لملك الموت:\nمت فيموت». وقد جاء هذا مرفوعا في حديث أبي هريرة الطويل على ما يأتي.\nوقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت. وقال الحليمي: «من زعم أن الاستثناء لأجل حملة العرش أو جبريل وميكائيل وملك الموت، أو زعم أنه لأجل الولدان والحور العين في الجنة، أو زعم أنه لأجل موسى فإن النبي ﷺ قال: أنا أول من تنشقّ عنه الأرض فأرفع رأسي فإذا موسى متعلق بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله ﷿»؛ فإنه لم يصح شيء منها.\nأما الأوّل: فإنه حملة العرش ليسوا من سكان السموات ولا الأرض، لأن العرش فوق السموات كلها، فكيف يكون حملته في السموات؟ وأما جبريل وميكائيل وملك الموت فمن الصافّين المسبّحين حول العرش، وإذا كان العرش فوق السموات؛ لم يكن الاصطفاف حوله في السموات وكذلك.\nالقول الثاني: لأن الولدان والحور في الجنة، والجنات - وإن كان بعضها أرفع من بعض - فإن جميعها فوق السموات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شك أنها بمعزل عما خلق الله تعالى للفناء، وصرفه إلى موسى فلا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة فلا يموت عند نفخ الصور ثانية، ولهذا لم يعتد في ذكر اختلاف المتأولين في الاستثناء بقول من قال: إلاّ من شاء الله؛ أي: الذين سبق موتهم قبل نفخ الصور. لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة، فأما من لا يمكن دخوله في الجملة فيها فلا معنى لاستثنائه منها، والذين\n_________\n(^١) انظر «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (٦/ ٢٣١).","vol":"1","page":194},{"text":"ماتوا قبل نفخ الصور ليسوا بغرض أن يصعقوا، فلا وجه لاستثنائهم، وهذا في موسى موجود، فلا وجه لاستثنائه.\nوقال النبي ﷺ في ذكر موسى ما يعارض الرواية الأولى وهو أن قال: «الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جوزي بصعقة الطور» فظاهر هذا الحديث؛ أن هذه صعقة غشي، تكون يوم القيامة لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور.\nوصرف ذكر يوم القيامة إلى أنه أراد أوائله، قيل: المعنى؛ أن الصور إذا نفخ فيه أخرى كنت أوّل من يرفع رأسه، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جوزي بصعقة الطور، أي: فلا أدري أبعثه قبلي كان وهبا له وتفضيلا من هذا الوجه، كما فضّل في الدنيا بالتكليم، أو كان جزاء له بصعقة الطور؛ أي: قدم بعثه على بعث الأنبياء الآخرين بقدر صعقته عندما تجلّى ربه للجبل إلى أن أفاق، ليكون هذا جزاء له بها.\nوما عدا هذا فلا يثبت، قال شيخنا أحمد بن عمر: وظاهر حديث النبي ﷺ يدل على أن ذلك إنما هو بعد النفخة الثانية، نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق. ولما كان هذا، قال بعض العلماء:\nيحتمل أن يكون موسى ﵇، ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل بما تقدم من ذكر موته.\nوقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشر (^١) حين تنشق السموات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآيات (^٢) والله أعلم.\nقال شيخنا أبو العباس: «وهذا يرده ما جاء في الحديث أنه ﵇ حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث».\nقال شيخنا أحمد بن عمر: والذي يزيح هذا الإشكال - إن شاء الله تعالى - أن الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك؛ أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء، كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي ﷺ: «أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء»، وأن النبي ﷺ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء،\n_________\n(^١) في كتاب «الروح» ص ١١٩: «بعد النشور».\n(^٢) في «الروح»: «الأحاديث والآثار».","vol":"1","page":195},{"text":"وخصوصا بموسى، وقد أخبرنا النبي ﷺ بما يقتضي أن الله ﵎ يرد عليه روحه حتى يرد السلام على كل من يسلّم عليه، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحد من نوعنا إلاّ من خصّه الله بكرامة من أوليائه، وإذا تقرر أنهم أحياء، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السموات ومن في الأرض، إلاّ من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث، فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق. ولذلك قال ﷺ في «صحيح مسلم» و«البخاري»: «فأكون أول من يفيق» وهي رواية صحيحة وحسنة، فنبينا ﷺ أول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم قبل الأنبياء وغيرهم، إلا موسى فإنه حصل له فيه تردد؛ هل بعث قبله من غشيته، أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقا لأنه حوسب بغشية الطور؟ وهذه فضيلة عظيمة في حق موسى ﵇. ولا يلزم من فضيلة أحد الأمرين المشكوك فيهما فضيلة موسى ﵇ على محمد ﷺ مطلقا، لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرا كليّا - والله أعلم (^١).\nقال المؤلف: ما اختاره شيخنا هو ما ذكره الحليمي واختاره في قوله، فإن حمل عليه الحديث فذاك. قال الحليمي: «وأما الملائكة الذين ذكرناهم صلوات الله عليهم فإنا لم ننف عنهم الموت، ولا أحلناه، وإنما أبينا أن يكونوا هم المرادين بالاستثناء من الوجه الذي ذكرناه، ثم قد وردت الأخبار بأن الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يميت آخر من يميت جبريل ويحييه مكانه، ويحيي هؤلاء الملائكة الذين ذكرناهم. وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، والأظهر أنها دار الخلد، فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدا مع كونه قابلا للموت، والذي خلق فيها أولى أن لا يموت فيها أبدا. وأيضا فإن الموت لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار، وأهل الجنة لم يبلغنا أنّ عليهم تكليفا، فإن أعفوا من الموت كما أعفوا من التكليف لم يكن بعيدا.\nفإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وهو يدل على أن الجنة نفسها تفنى ثم تعاد يوم الجزاء، فلم أنكرتم أن يكون الولدان والحور يموتون ثم يحيون؟ قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ أي: ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك، إلا وجهه أي: إلا هو سبحانه، فإنه تعالى\n_________\n(^١) انظر «المفهم» (٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤).","vol":"1","page":196},{"text":"قديم (^١)، والقديم لا يمكن أن يفنى، وما عداه محدث، والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه، فإذا حبس البقاء عنه فني. ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معلول أنه يهلك العرش، فلتكن الجنة مثله».\n\n<span data-type='title' id=toc-146>فصل</span>\nقوله ﷺ في الحديث: «ومن قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب».\nللعلماء فيه تأويلات؛ أحسنها وأجملها ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي قال:\nأخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أنه سئل: هل الباري في جهة؟ فقال: لا هو متعال عن ذلك، قيل له: ما الدليل عليه؟ قال الدليل عليه قول النبي ﷺ: «لا تفضلوني على يونس بن متى» فقيل له: ما وجه الدليل من هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينا، فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال: لا يتبع بها اثنين لأنه يشق عليه. فقال واحد: هي عليّ. فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت، وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ونادى ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كما أخبر الله، ولم يكن محمد ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه به، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في ظلمة البحر.\nقال المؤلف: فالله سبحانه قريب من عباده يسمع دعاءهم، ولا يخفى عليه حالهم، كيف ما تصرفت من غير مسافة بينه وبينهم، فيسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، تحت الأرض السفلى، كما يسمع ويرى تسبيح حملة عرشه من فوق السبع السموات العلى، سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. ولقد أحسن أبو العلاء بن سليمان المغربي حيث يقول:\nيا من يرى مدّ البعوض جناحها … في ظلمة الليل البهيم الأليل\nويرى مناط عروقها في لحمها … والمخّ في تلك العظام النّحل\nآجالها محتومة، أرزاقها … مقسومة بعطاء وإن لم تسأل\n_________\n(^١) انظر تعليق ابن أبي العز الحنفي على هذا اللفظ في «شرحه للعقيدة الطحاوية» ص ١١٢ - ١١٣. ط. المكتب الإسلامي، وتعليق الشيخ ابن باز ﵀ على حاشية العلامة ابن مانع ص ١٥، و«معجم المناهي اللفظية» للشيخ بكر أبو زيد ص ٤٣٦ - ٤٣٧.","vol":"1","page":197},{"text":"فلقد سألتك بالنبيّ محمد … الهاشميّ المدّثر المزمل (^١)\nامنن عليّ بتوبة تمحو بها … ما كان منّي في الزمان الأول\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-147>٦٨ - باب يفنى العباد ويبقى الملك لله وحده</span>\n(البخاري ومسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول؛ أنا الملك أين ملوك الأرض؟» (^٢).\nوعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «يطوي الله السماء يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى. ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» انفرد به مسلم (^٣).\nوعن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ؟ قال: «يأخذ الله سماواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها فيقول: أنا الملك» حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>فصل</span>\nهذه الأحاديث تدل على أن الله سبحانه يفني جميع خلقه أجمع كما تقدم.\nثم يقول الله ﷿: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] فيجيب نفسه المقدسة بقوله: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر: ١٦].\nوقيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عليها على ما يأتي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فيجيبه العباد ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ رواه أبو وائل عن ابن مسعود. واختاره أبو جعفر النحاس، قال: والقول صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل.\n_________\n(^١) السؤال بالنبي ﵌ لم يرد به الشرع، وهذا الأمر محلّه التشريع، وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨١٢، ٦٥١٩، ٧٣٨٢، ٧٤١٣) ومسلم (٢٧٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) في «صحيحه» برقم (٢٧٨٨).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":198},{"text":"قال المؤلف ﵁: والقول الأول أظهر لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدّعين وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبّار ومتكبّر وملكه، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم، وهذا أظهر. وهو قول الحسن ومحمد بن كعب، وهو مقتضى قوله الحق: «أنا الملك أين ملوك الأرض»؟ وفي حديث أبي هريرة: «ثم يأمر الله ﷿ إسرافيل فينفخ نفخة الصّعق فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله، فإذا اجتمعوا أمواتا جاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: قد مات أهل السماء والأرض إلاّ من شئت. فيقول الله سبحانه - وهو أعلم - من بقي؟ فيقول يا رب بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا. فيقول الله ﷿: ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله ﷿ العرش، فيقول: أي ربّ يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول:\nاسكت إني كتبت الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. قال: ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷻ، فيقول يا رب! قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله سبحانه - وهو أعلم -: من بقي؟ فيقول: يا رب! بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك وبقيت أنا. فيقول: ليمت حملة العرش. فيموتون فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل. ثم يقول: ليمت إسرافيل. فيموت. ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب! قد مات حملة عرشك. فيقول - وهو أعلم -: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقيت أنا. فيقول الله: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت. فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣، ٤] فكان كما كان أولا طوى السماء كطيّ السّجل للكتاب. ثم قال: أنا الجبار، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فلم يجبه أحد فيقول جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (^١).\nقلت: حديث أبي هريرة هذا فيه طول وهذا وسطه، ويأتي آخره في الباب بعد هذا، ويأتي أوله بعد ذلك - إن شاء الله تعالى - فيتّصل جميعه إن شاء الله تعالى. ذكره الطبري وعلي بن معبد والثعلبي وغيرهم.\nوفي حديث لقيط بن عامر عن النبي ﷺ: «ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصيحة فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات، والملائكة الذي مع ربك، فأصبح ربك يطوف في البلاد وقد خلت عليه البلاد» (^٢). وذكر الحديث وهو حديث فيه طول، خرّجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» وغيره.\n_________\n(^١) حديث لا يصح، وسيأتي تخريجه.\n(^٢) أخرجه الطيالسي بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":199},{"text":"قال علماؤنا: قوله: «فأصبح ربك يطوف بالبلاد وقد خلت عليه البلاد» إنما هو تفهيم وتقريب إلى أن جميع من في الأرض يموت، وأن الأرض تبقى خالية وليس يبقى إلا الله، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] وعند قوله سبحانه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ هو انقطاع زمن الدنيا، وبعده يكون البعث والنشر والحشر على ما يأتي.\nوفي فناء الجنة والنار عند فناء جميع الخلق قولان:\nأحدهما: يفنيهما ولا يبقى شيء سواه، وهو معنى قوله الحق: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. وقيل: إنه مما لا يجوز عليهما الفناء وإنهما باقيان بإبقاء الله سبحانه، والله أعلم.\nوقد تقدم في الباب قبل هذا الإشارة إلى ذلك. وقد قيل: إنه ينادي مناد فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيبه أهل الجنة: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ ذكره الزمخشري.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>فصل</span>\nفي بيان ما أشكل من الحديث من ذكر اليد والأصابع.\nإن قال قائل: ما تأويل اليد عندكم؟ واليد حقيقتها هي الجارحة المعلومة عندنا. وتلك التي يكون القبض والطي بها؟\nقلنا: لفظ الشمال أشد في الإشكال، وذلك في الإطلاق على الله محال.\nوالجواب: أن اليد في كلام العرب لها خمسة معان: تكون بمعنى القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧].\nوتكون بمعنى الملك والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣].\nوتكون بمعنى النعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي: كم من نعمة أسديتها إليه.\nوتكون بمعنى الصلة، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا﴾ [يس: ٧١] أي: مما عملنا نحن. وقال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي الذي له النكاح.\nوتكون بمعنى الجارحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].","vol":"1","page":200},{"text":"وقوله في الحديث: (بيده) عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته؛ يقال:\nما فلان إلاّ في قبضتي، بمعنى: ما فلان إلاّ في قدرتي. والناس يقولون: الأشياء في قبضة الله، يريدون في ملكه وقدرته (^١).\nوقد يكون معنى القبض والطي: إفناء الشيء وإذهابه، فقوله ﷿:\n﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يحتمل أن يكون المراد به: الأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة. وقوله: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ليس يريد به طيّا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب، يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه، وجاءنا غيره، وانطوى عنا دهر، بمعنى المضي والذهاب.\nفإن قيل: فقد قال في الحديث: «ويقبض أصابعه ويبسطها»، وهذه حقيقة الجارحة. قلنا: هذا مذهب المجسمة من اليهود والحشوية، والله تعالى متعال عن ذلك، وإنما المعنى حكاية الصاحب عن النبي ﷺ: «يقبض أصابعه ويبسطها» وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة، حتى يتوهّم بثبوتها ثبوت الأصابع، فدلّ على أن النبي ﷺ هو الذي كان يقبض أصابعه ويبسطها. قال الخطابي: وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب والسنة المقطوع بصحتهما.\nفإن قيل: فقد ورد ذكر الأصابع في غير ما حديث، فما جوابكم عنها؟ فقد\n_________\n(^١) المذهب الحق في ذلك؛ الأخذ بظاهر الآية، وعدم تأويلها تأويلات الأشاعرة، والمعطلة والجهمية، فأهل السنة يثبتون لله يدا تليق بجلاله لا تشبه يد المخلوقين، فكما أننا نثبت لله سمعا وبصرا لا يشبه سمع وبصر المخلوقين؛ فكذا الأمر بالنسبة لباقي الصفات، ومنها صفة اليد. وتأويل اليد بمعنى القدرة في الحديث والآيات؛ باطل.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» (١٣/ ٤٠٥): «قال ابن بطال: في هذه الآية إثبات يدين لله، هما صفتان من صفات ذاته وليستا بجارحتين، خلافا للمشبّهة من المثبتة، وللجهمية من المعطّلة، ويكفي في الرد على من زعم أنهما بمعنى القدرة؛ أنهم أجمعوا على أن له قدرة واحدة في قول المثبتة، ولا قدرة له في قول النفاة، لأنهم يقولون إنه قادر لذاته، ويدل على أن اليدين ليستا بمعنى القدرة أن في قوله تعالى لإبليس: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إشارة إلى المعنى الذي أوجب السجود فلو كانت اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته، ولقال إبليس: وأي فضيلة له عليّ وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ دلّ على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه، قال: ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان، لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق، لأن النعم مخلوقة، ولا يلزم من كونهم صفتي ذات أن يكونا جارحتين».\nوانظر لمزيد من التفصيل: «شرح العقيدة الواسطية» للعلامة محمد بن صالح العثيمين (١/ ٢٩١ - وما بعدها) و«القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» له أيضا. وغيرها من كتب العقيدة السلفية.","vol":"1","page":201},{"text":"روى البخاري ومسلم قال: أتى النبيّ ﷺ رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! أبلغك أن الله تعالى يحمل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه فأنزل الله ﷿: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (^١) [الزمر: ٦٧].\nوروي عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها حيث شاء» ثم قال رسول الله ﷺ: «اللهم مصرّف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (^٢). ومثله كثير.\nقيل له: اعلم أن الأصبع قد يكون بمعنى الجارحة؛ والله تعالى يتقدس عن ذلك، ويكون بمعنى القدرة على الشيء، ويسارة تقليبه، كما يقول من استسهل شيئا واستخفه مخاطبا لمن استثقله: أنا أحمله على إصبعي وأرفعه بإصبعي، وأمسكه بخنصري. وكما يقول من أطاع بحمل شيء: أنا أحمله على عيني، وأفعله على رأسي. يعني به الطواعية وما أشبه ذلك. قد قال في معناه وهو كثير، ومما قال عنترة وقيل ابن زيادة التيمي:\nالرمح لا أملأ كفي به … واللبد لا أتبع تزواله\nيريد أنه لا يتكلف أن يجمع كفه فيشتمل على الرمح، لكن يطعن به خلسا بأصابعه لخفة ذلك عليه. وقوله: لا أتبع تزواله، أي: إذا مال لم أمل معه.\nيقول: أنا ثابت على ظهر الخيل لا يضرني فقد بعض الآلة، ولا تغير السرج عما يريده الراكب، يصف نفسه بالفروسية في الركوب والطعن. فلما كانت السموات والأرض أعظم الموجودات قدرا وأكبرها خلقا؛ كان إمساكها بالنسبة إلى الله تعالى كالشيء الحقير الذي نجعله نحن بين أصابعنا ونهزه بأيدينا، ونتصرف فيه كيف شئنا فتكون الإشارة بقوله: «ثم يقبض أصابعه ويبسطها» وبقوله: «ثم يهزهن» كما جاء في بعض طرق مسلم وغيره. أي: هي في قدرته كالحبة مثلا في كفّ أحدنا التي لا نبالي بإمساكها ولا بهزها ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا نجد في ذلك صعوبة ولا مشقة، وقد يكون الأصبع أيضا في كلام العرب بمعنى النعمة، وهو المراد بقوله ﵇: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤١٥) ومسلم (٢٧٨٦).\n(^٢) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":202},{"text":"أصابع الرحمن» أي بين نعمتين (^١) من نعم الرحمن، يقال: لفلان عليّ إصبع، أي:\nأثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة، وللراعي على ماشيته إصبع، أي: أثر حسن.\nوأنشد الأصمعي للراعي:\nضعيف العصى بادي العروق ترى له … عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا\nوقال آخر:\nصلاة وتسبيح وإعطاء سائل … وذي رحم تبتل منك إصبع\nأي: أثر حسن.\nوقال آخر:\nمن يجعل الله عليه إصبعا … في الخير والشرّ يلقاه معا\nفإن قيل: كيف جاز إطلاق الشمال على الله تعالى وذلك يقتضي النقص؟ قيل: هو مما انفرد به عمر بن حمزة (^٢) عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبد الله بن مقسم عن ابن عمر لم يذكرا فيه الشمال. ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه واحد منهم الشمال. قال البيهقي: وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعيف بمرة تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير وبالآخر يزيد الرقاشي، وهما متروكان، وكيف يصح ذلك وصحيح عن النبي ﷺ أنه سمى كلتا يديه يمينا؟ وكأن من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له، أو على عادة العرب في ذكر الشمال في مقابلة اليمين.\nقال الخطابي: «ليس فيما يضاف إلى الله ﷿ من صفة اليد شمال، لأن الشمال محل النقص والضعف». وقد روي: «كلتا يديه يمين» وليس معنى اليد عندنا الجارحة، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وقد يكون اليمين في كلام العرب بمعنى القدرة والملك ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] يريد بها الملك، وقال: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أي: بالقوة والقدرة، أي: أخذنا قدرته وقوته. قال الفراء: اليمين القوة والقدرة، وأنشد:\nإذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين\n_________\n(^١) وهذا تأويل باطل، والصواب أخذ اللفظ على ظاهره دون تشبيه أو تعطيل أو تأويل.\n(^٢) وهو ضعيف كما في «التقريب» (٤٨٨٤).","vol":"1","page":203},{"text":"وقال آخر:\nولما رأيت الشمس أشرق نورها … تناولت منها حاجتي بيميني\nفقلت: شنيفا ثم فاران بعده … وكان على الآيات غير أمين\nقلت: وعلى هذا التأويل تخرج الآية والحديث والله أعلم.\nوقد تكون اليمين في كلام العرب بمعنى: التبجيل والتعظيم، يقال: فلان عندنا باليمين؛ أي: بالمحل الجليل. ومنه قول الشاعر:\nأقول لناقتي إذ بلّغتني … لقد أصبحت عندي باليمين\nأي: بالمحل الرفيع.\nوأما قوله: «كلتا يديه يمين»؛ فإنه أراد بذلك التمام والكمال، وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر، لما في التياسر من النقصان، وفي التيامن من التمام.\nفإن قيل: فأين يكون الناس عند طي الأرض والسماء؟ قلنا: يكونون على الصراط على ما يأتي بيانه - إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-150>٦٩ - باب البرزخ</span>\nروى هنّاد بن السّري قال: حدّثنا محمد بن فضيل، ووكيع، عن فطر، قال: سألت مجاهدا عن قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] قال: هو ما بين الموت والبعث.\nوقيل للشعبي: مات فلان. قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ.\nوالبرزخ في كلام العرب: الحاجز بين الشيئين. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ [الفرقان: ٥٣] أي: حاجزا وكذلك هو في الآية، من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل في البرزخ. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ أي من أمامهم وبين أيديهم.\n***","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>٧٠ - باب ذكر النفخ الثاني للبعث في الصور</span>\nوبيانه وكيفية البعث وبيانه، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يحيى من الخلق، وبيان السن الذي يخرجون عليه من قبورهم، وفي لسانهم، وبيان قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤].\nقال الله ﷿: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وقال: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال:\n﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وقال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا﴾ [النبأ: ١٨] وسماه الله تعالى أيضا بالناقور في قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]. قال المفسّرون: الصور ينقر فيه مع النفخ الأول لموت الخلق، على ما يأتي بيانه.\nقال الله تعالى مخبرا عن كفار قريش: ﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ [يس: ٤٩] أي: ما ينتظرون كفار آخر هذه الأمة الدائنون بدين أبي جهل وأصحابه ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] يعني: النفخة الأولى التي يكون بها هلاكهم ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] أي: يختصمون في أسواقهم وحوائجهم. قال الله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠] أي: أن يوصّوا ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] أي: من أسواقهم، وحيث كانوا: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ [يس: ٥١] النفخة هذه؛ هي النفخة الثانية نفخة البعث. والصور: قرن من نور يجعل فيه الأرواح، يقال: إن فيه من الثقب على عدد أرواح الخلائق على ما يأتي. قال مجاهد: هو كالبوق ذكره البخاري. فإذا نفخ فيه صاحب الصور النفخة الثانية ذهب كل روح إلى جسده ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] أي:\nيخرجون سراعا يقال نسل ينسل وينسل بالضم أيضا: إذا أسرع في مشيه، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفي الخبر «أن بين النفختين أربعين عاما»، وسيأتي.\nوفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾؛ الصور.\nقال: و﴿الرّاجِفَةُ﴾ النفخة الأولى و﴿الرّادِفَةُ﴾ الثانية. وروي عن مجاهد أنه قال:\nللكافرين هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قاموا","vol":"1","page":205},{"text":"مذعورين عجلين، ينظرون ما يراد بهم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وقد أخبر الله ﷿ عن الكفار أنهم يقولون: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢]؟ فيقول لهم الملائكة أو المؤمنون - على اختلاف المفسرين -: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] وقيل: إن الكفار هم القائلون: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ وذلك أنهم لما بعثوا قال بعضهم لبعض: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ صدّقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ فكذبنا به، أقرّوا حين لم ينفعهم الإقرار، ثم يؤمر بحشر الجميع إلى الموقف للحساب.\nوقال عكرمة: إن الذين يغرقون في البحر تقتسم لحومهم الحيتان، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، فتلقيها الأمواج إلى الساحل، فتمكث حينا، ثم تصير حائلة نخرة، ثم تمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير الإبل فتبعر، ثم يجيء فينزلون، فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه، ثم تخمد تلك النار فيجيء الريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ يخرج أولئك وأهل القبور سواء ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] أي نفخة واحدة ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣].\nقال علماؤنا ﵏: فالنفخ في الصور؛ إنما هو سبب لخروج أهل القبور وغيرهم، فيعيد الله الرفات من أبدان الأموات، ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها، حتى تصير كهيئاتها الأولى، ثم يجعل فيها الأرواح فتقوم الناس كلهم أحياء حتى السقط، فإن النبي ﷺ قال: «إن السقط ليظل محبنطئا على باب الجنة، ويقال له: ادخل الجنة فيقول: لا حتى يدخل أبواي» (^١). وهذا السقط هو الذي تمّ خلقه، ونفخ فيه الروح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]، فدل على أن الموءودة تحشر وتسأل، ومن قبرها تخرج وتبعث. وأما من لم ينفخ فيه الروح فهو وسائر الأموات سواء، قاله الحاكم أبو الحسين بن الحسن الحليمي ﵀ في كتاب «منهاج الدين» له.\nوبالحقيقة إنما خروج الخلق بدعوة الحق، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] فتقومون فتقولون: سبحانك اللهم وبحمدك.\nقالوا: فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد، ويختم به. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ١١١) والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٢٥٣). وقال ابن حبان: «هذا حديث منكر لا أصل له».","vol":"1","page":206},{"text":"﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].\n(ابن ماجه) قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا عباد بن العوام، عن حجاج بن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن صاحبي الصور بأيديهما - أو في أيديهما - قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران» (^١).\n(الترمذي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور؟ قال: «قرن ينفخ فيه» (^٢). قال: هذا حديث حسن.\nوعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ»؟ فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي ﷺ فقال لهم: قولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل» (^٣). قال: حديث حسن.\nوروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أطرق صاحب الصور منذ وكّل به مستعدّا بحذاء العرش، مخافة أن يؤمر بالصّيحة قبل أن يرتدّ طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان» (^٤). أخرجه أبو الحسن بن صخر في «فوائده» وغيره.\nوخرّج ابن المبارك ومؤمل بن إسماعيل وعلي بن معبد عن ابن مسعود؛ حديثا ذكر فيه قال: «ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى لله خلق في السموات والأرض إلا مات، إلا ما شاء ربّك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض شيء منه». زاد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٧٣) وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٨٦٧): «منكر».\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤٣٠) وأحمد (٢/ ١٦٢، ١٩٢) وأبو داود (٤٧٤٢)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٧، ٧٣) والترمذي (٢٤٣١، ٣٢٤٣) والحميدي في «مسنده» (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣/ ٧٥٤) وغيرهم، من طرق؛ عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري به.\nوإسناده ضعيف لضعف عطية العوفي.\nلكنه توبع؛ تابعه أبو صالح عن أبي سعيد الخدري به.\nأخرجه أبو يعلى (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠/ ١٠٨٤) وابن حبان (٣/ ١٠٥ - ١٠٦/ ٨٢٣) والحاكم (٤/ ٥٥٩).\nمن طريق: الأعمش، عن أبي صالح به.\nوإسناده صحيح. فصحّ الحديث، والحمد لله.\nوانظر «السلسلة الصحيحة» رقم (١٠٧٩).\n(^٤) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٩٩) وابن أبي الدنيا في «الأهوال» (٤٦، ٨٣) وأبو الشيخ في العظمة» (٣ /رقم: ٣٩١، ٣٩٢) والذهبي في «العلو» (٤٥٤/ ٨١/١) وغيرهم.\nوهو حديث صحيح، انظر «الصحيحة» رقم (١٠٧٨).","vol":"1","page":207},{"text":"مؤمل بن إسماعيل، قال سفيان - يعني الثوري - عجب الذّنب قال: «فيرسل الله ماء من تحت العرش منيّا كمنيّ الرجال، فتنبت جثمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض من الثرى». ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]. قال: «ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فتنطلق كلّ نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، ثم يقومون فيجيبون إجابة رجل واحد قياما لرب العالمين». وقال ابن المبارك ومؤمل: «ثم يقومون فيحيون تحية واحدة» (^١).\nوذكر أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدّثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود قال: «فيقومون فيحيون تحية رجل واحد قياما لرب العالمين».\nقوله: «فيحيون» التحية تكون في حالين: أحدهما: أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وهذا هو المعنى الذي في هذا الحديث؛ ألا تراه يقول: «قياما لربّ العالمين». والوجه الآخر: أن ينكبّ على وجهه باركا، وهذا هو الوجه المعروف عند الناس، وقد حمله بعض الناس على قوله: فيخرون سجدا لرب العالمين، فجعل السجود هو التحية، وهذا هو الذي يعرفه الناس من التحية.\nوروي عن علي بن معبد أيضا عن أبي هريرة قال: حدّثنا رسول الله ﷺ، ونحن في طائفة من أصحابه، وساق الحديث بطوله إلى قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ثم ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فيبسطها بسطا ثم يمدها مد الأديم العكاظي ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل ما كانوا فيه من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش، يقال له:\nماء الحياة، فتمطر السماء عليكم أربعين سنة، حتى يكون الماء من فوقكم اثني عشر ذراعا. ثم يأمر الله ﷿ الأجساد فتنبت كنبات الطراثيث، وكنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادكم فكانت كما كانت يقول الله ﷿: ليحيا حملة العرش فيحيون، ثم يقول: ليحيا جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور، ثم يدعو الله تعالى الأرواح فيؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نورا والأخرى مظلمة، فيأخذها الله فيلقيها في الصور، ثم يقول لإسرافيل: انفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض،\n_________\n(^١) الخبر لا يصح.","vol":"1","page":208},{"text":"فيقول الله ﷿: وعزّتي وجلالي ليرجع كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، ثم تدخل في الخياشيم، فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون منها شبابا كلكم أبناء ثلاث وثلاثين، واللسان يومئذ بالسريانية سراعا إلى ربهم ينسلون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]. ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]. ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. فتوقفون في موقف عراة غلفا غرلا، مقدار سبعين عاما، لا ينظر الله إليكم ولا يقضي بينكم، فتبكي الخلائق حتى تنقطع الدموع، ثم تدمع دما ويعرقون حتى تبلغ منهم الأذقان، ويلجمهم فيضجون ويقولون: «من يشفع لنا إلى ربّنا»؟ وساق الحديث بطوله في الشفاعة (^١). وسيأتي حديث الشفاعة في «صحيح مسلم» وغيره - إن شاء الله تعالى.\nوخرّج الختلي أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم في «كتاب الديباج» له: حدّثني أبو بكر خليفة بن الحارث بن خليفة، حدّثنا محمد بن جعفر المدائني، عن سلام بن مسلم الطويل، عن عبد الحميد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قوله ﷿: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١، ٢] قال: فقال رسول الله ﷺ: «أنا أول من تنشقّ عنه الأرض، فأجلس جالسا في قبري، فيفتح لي باب إلى السماء بحيال رأسي، حتى أنظر إلى العرش، ثم يفتح لي باب من تحتي حتى أنظر إلى الأرض السابعة، حتى أنظر إلى الثرى، ثم يفتح لي باب عن يميني حتى أنظر إلى الجنة ومنازل أصحابي، وإن الأرض تحركت تحتي فقلت: ما بالك أيتها الأرض؟ قالت:\nإن ربي أمرني أن ألقي ما في جوفي، وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء فيّ فذلك قوله ﷿: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» [الانشقاق: ٤، ٥] أي: سمعت وأطاعت وحق لها أن تسمع وتطيع ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾ [الانفطار: ٦] قال رسول الله ﷺ: «أنا ذلك الإنسان» (^٢).\nوروي في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] إن هذا خطاب للأرواح بأن ترجع إلى أجسادها ﴿إِلى رَبِّكِ﴾ أي صاحبك، كما تقول: ربّ الغلام، وربّ الدار، وربّ الدابة، أي: صاحب الغلام، وصاحب الدار، وصاحب الدابة، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي: في أجسادهم من مناخرهم، كما ورد في الخبر المتقدم.\n_________\n(^١) وهو حديث لا يصح من هذا الوجه.\n(^٢) إسناده ضعيف.","vol":"1","page":209},{"text":"وقد روي أن الله تعالى خلق الصور حين فرغ من خلق السموات والأرض، وأن عظم دارته كغلظ السماء والأرض. وفي حديث أبي هريرة: «والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض»، وسيأتي. وروي «أن له رأسين رأسا بالمشرق ورأسا بالمغرب» - فالله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>فصل</span>\nالصور: بالصاد؛ قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء، وهي نفخة الصعق، ويكون معها نقر، لقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] أي: في الصور، فإذا نفخ فيه للإصعاق؛ جمع بين النقر والنفخ لتكون الصيحة أشد وأعظم. ثم يمكث الناس أربعين عاما، ثم ينزل الله ماء كمنيّ الرجال على ما تقدّم، فتكون منه الأجسام بقدرة الله تعالى، حتى يجعلهم بشرا، كما روي في قصة الذين يخرجون من النار، قد صاروا حمما، إنهم يغتسلون من نهر بباب الجنة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل. وعن ذلك عبر في حديث أبي هريرة المتقدم في صحيح مسلم وغيره: «فينبتون نبات البقل» (^١). فإذا تهيأت الأجسام، وكملت؛ نفخ في الصور نفخة البعث من غير نقر، لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها، لا تنقيرها من أجسادها، فالنفخة الأولى للتنقير، وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فيمات منه. ونظير الصيحة؛ الصيحة الشديدة التي يصيحها الرجل بصبي فيفزع منه فيموت، فإذا نفخ للبعث من غير نقر كما ذكرنا خرجت الأرواح من المجال التي هي فيه، فتأتي كل روح إلى جسدها فيحييها الله، كل ذلك في لحظة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. وعند أهل السنة أن تلك الأجساد الدنيوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم. قال بعضهم: بأوصافها. فيعاد الوصف أيضا كما يعاد الجسم واللون. قال القاضي أبو بكر بن العربي: «وذلك جائز في حكم الله وقدرته وهين عليه جمعه، ولكن لم يرد بإعادة الوصف خبر».\nقلت: فيه أخبار كثيرة يأتي ذكرها في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>فصل</span>\nوليس الصور جمع صورة - كما زعم بعضهم - أي: ينفخ في صور الموتى، بدليل الأحاديث المذكورة، والتنزيل يدل على ذلك. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٣٥) ومسلم (٢٩٥٥).","vol":"1","page":210},{"text":"﴿أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ولم يقل: فيها، فعلم أنه ليس جمع صورة. قال الكلبي: لا أدري ما الصور؟ ويقال: هو جمع صورة مثل بسرة وبسر، أي: ينفخ في صور الموتى الأرواح. وقرأ الحسن: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣].\nقلت: وإلى هذا التأويل في أن الصور بمعنى الصّور جمع صورة؛ ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى وهو مردود بما ذكرنا. وأيضا لا ينفخ في الصور للبعث مرتين بل ينفخ مرة واحدة، وإسرافيل ﵇ ينفخ في الصور الذي هو القرن، والله سبحانه يحيي الصور فينفخ فيها الروح، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: ٧٢]. قال ابن زيد: يخلق الله الناس في الأرض الخلق الآخر، ثم يأمر السماء فتمطر عليهم أربعين يوما، فينبتون فيها حتى تنشق عن رؤوسهم كما تنشق عن رأس الكمأة، فمثلها يومئذ مثل الماخض تنتظر أن يأتيها أمر الله فتطرحهم على ظهرها، فلما كانت تلك النفخة طرحتهم.\nقال علماؤنا: والأمم مجمعون على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل ﵇.\nقلت: قد جاء حديث يدل على أن الذي ينفخ في الصور غير إسرافيل؛ خرّجه أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثنا أحمد بن القاسم، قال:\nحدّثنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة وعندها كعب الأحبار فذكر كعب إسرافيل فقالت عائشة: يا كعب أخبرني عن إسرافيل؟ فقال كعب عندكم العلم قالت: أجل فأخبرني. فقال: «له أربعة أجنحة جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والعرش على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم، ثم درست الملائكة، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، ملتقم الصور، محنيا ظهره، شاخصا ببصره، ينظر إلى إسرافيل، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور». قالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول (^١).\nغريب من حديث كعب لم يروه عنه إلا عبد الله بن الحارث ورواه خالد الحذاء عن الوليد أبي بشر عن عبد الله بن رباح عن كعب نحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>فصل</span>\nقلت: وما خرج أبو عيسى الترمذي وغيره يدل على أن صاحب الصور إسرافيل ﵇ ينفخ فيه وحده (^٢). وحديث أبي عبد الله محمد بن يزيد بن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، ومتنه منكر.\n(^٢) حديث الترمذي قد تقدم وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":211},{"text":"ماجه يدل على أن معه غيره (^١). وقد خرّج أبو بكر البزار في «مسنده» وأبو داود في كتاب الحروف من كتاب «السنن» من حديث عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله صاحب الصور فقال: «عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل» (^٢). فلعل لأحدهما قرنا آخر ينفخ فيه - والله أعلم.\nوذكر أبو السري هناد بن السري التيمي الكوفي، قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي عمرو، قال: «ما من صباح إلى وملكان يقولان: يا طالب الخير أقبل، ويا طالب الشرّ أقصر، وملكان موكلان يقولان:\nاللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا، وملكان موكلان يقولان: سبحان الملك القدوس، وملكان موكلان بالصور» (^٣).\nقال: وحدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن مجاهد، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب قال: «ما من صباح» مثله سواء. وزاد بعد قوله: «وملكان موكلان بالصور، ينتظران متى يؤمران فينفخان» (^٤). وعطية لا يحتج أحد بحديثه على ما ذكره أبو محمد عبد الحق وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>فصل</span>\nواختلف في عدد النفخات، فقيل ثلاث؛ نفخة الفزع، لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ونفخة الصعق، ونفخة البعث، لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وهذا اختيار ابن العربي وغيره. وسيأتي.\nوقيل: هما نفختان، ونفخة الفزع هي نفخة الصعق، لأن الأمرين لازمان لها، أي: فزعوا فزعا ماتوا منه.\nوالسنّة الثابتة على ما تقدم من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر وغيرهما، يدل على أنهما نفختان لا ثلاث، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قال\n_________\n(^١) وهو حديث منكر، ولفظه: «إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران». وأخرجه ابن ماجه (٤٢٧٣) وحكم بنكارته العلامة الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٨٦٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٩٩٨) وهو في «ضعيف سنن أبي داود» برقم (٨٦٣).\n(^٣) أخرجه هناد في «الزهد» (٦٢٤).\n(^٤) أخرجه هناد في «الزهد» (٨٨٦) ووكيع في «الزهد» (٢/ ٦٦٩ - ٦٧٠/ ٣٨١) وابن المبارك في «الزهد» (١٠٧٠).","vol":"1","page":212},{"text":"الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع، فدل على أنهما واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «بين النفختين أربعون سنة، الأولى: يميت الله تعالى بها كلّ حيّ، والأخرى: يحيي الله بها كلّ ميت» (^١). وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\nوقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين سنة، وذلك بعد أن يجمع الله تعالى ما تفرق من أجساد الناس من بطون السباع، وحيوانات الماء وبطن الأرض، وما أصاب النيران منها بالحرق، والمياه بالغرق، وما أبلته الشمس، وذرته الرياح، فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها، ولم يبق إلا الأرواح؛ جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل ﵇ فأرسلها بنفخة من ثقب الصور، فرجع كل ذي روح إلى جسده بإذن الله تعالى.\nوجاء في بعض الأخبار ما يبين أن من أكله طائر أو سبع، حشر من جوفه. وهو ما رواه الزهري عن أنس قال: مرّ رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد وقد جدع ومثّل به فقال: «لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير» (^٢).\nوقد أنكر بعض أهل الزيغ أن يكون الصور قرنا، قال الهيثم: من أنكر أن يكون الصور قرنا، فهو كمن ينكر العرش والصراط والميزان، وطلب لها تأويلات.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-156>٧١ - باب - منه - في صفة البعث وما آية ذلك في الدنيا وأول ما يخلق من الإنسان رأسه</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] وقال ﷾: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ﴾\n_________\n(^١) ضعيف بهذا التمام، لكنه متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ «بين النفختين أربعون عاما» وهو جزء من حديث طويل.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨) وأبو داود (٣١٣٦) والترمذي (١٠١٦)، وإسناده حسن.","vol":"1","page":213},{"text":"﴿مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠] وقال تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوخرّج أبو داود الطيالسي والبيهقي وغيرهما عن أبي رزين العقيلي قال:\nقلت يا رسول الله: كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي قومك جدبا، ثم مررت به يهتز خضرا»؟ قال: نعم: قال: «فتلك آية الله في خلقه» (^١).\nقلت: هذا حديث صحيح لأنه موافق لنص التنزيل والحمد لله.\nوفي حديث لقيط بن عامر عن النبي ﷺ: «فأرسل ربك إلى السماء تهضب من عند العرش فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى يخلق من قبل رأسه» وذكر الحديث.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-157>٧٢ - باب يبعث كل عبد على ما مات عليه</span>\nمسلم عن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي ﷺ يقول: «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه» (^٢).\nوعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم» خرّجه البخاري. ولفظ البخاري عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١١، ١٢) والطيالسي (١٠٩٤) والطبراني في «الكبير» (٩ /رقم: ٤٧١) وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٧٠/ ٦٥١/١) - جوابرة -. من طريق: وكيع بن عدس، عن أبي رزين به.\nوإسناده ضعيف لضعف وكيع بن عدس، لكنه توبع؛ تابعه سليمان بن موسى عند أحمد (١١/ ٤) قال: حدثنا علي بن إسحاق، أنا ابن المبارك، نا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليمان بن موسى، عن أبي رزين به.\nرجاله كلهم ثقات؛ لكن لا أدري هل سمع سليمان بن موسى من أبي رزين أم لا. والله أعلم.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١٠٨) ومسلم (٢٨٧٩).","vol":"1","page":214},{"text":"(مالك) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يكلّم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والعرف عرف المسك» (^١). خرجه البخاري ومسلم.\n(أبو داود) عن عبد الله بن عمرو أنه قال: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو. فقال: «يا عبد الله إن قتلت صابرا محتسبا بعثت صابرا محتسبا، وإن قتلت مرائيا مكاثرا بعثت مرائيا مكاثرا، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال» (^٢).\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات سكران فإنه يعاين ملك الموت سكران، ويعاين منكرا ونكيرا سكران، ويبعث يوم القيامة سكران إلى خندق في وسط جهنم يسمى السكران، فيه عين يجري ماؤها دما، لا يكون له طعام ولا شراب إلاّ منه» (^٣).\n(مسلم) عن ابن عباس أن رجلا كان مع رسول الله ﷺ محرما فوقصته ناقته فمات، فقال رسول الله ﷺ: «اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمّروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (^٤) وفي رواية «ملبدأ» أخرجه البخاري.\nوروى عباد بن كثير عن الزبير عن جابر قال: «إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم يؤذن المؤذن، ويلبّي الملبّي». ذكره الحليمي الحسين الحافظ في كتاب «المنهاج» له وسيأتي بكماله.\nوذكر أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له؛ حدّثنا أبو محمد عبد الله بن يونس بن بكير، حدّثنا أبي، عن عمرو بن سمير، عن جابر، عن محمد بن علي، عن ابن عباس وعلي بن حسين أن رسول الله ﷺ قال: «أخبرني جبريل ﵇ أن «لا إله إلا الله» أنس للمسلم عند موته، وفي قبره، وحين يخرج من قبره، يا محمد لو تراهم حين يمرقون من قبورهم ينفضون رؤوسهم هذا يقول: لا إله إلا الله، والحمد لله فيبيّض وجهه، وهذا ينادي يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله مسودة وجوههم» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٧/ ٢٩/٢) -٢١ - كتاب الجهاد، (١٤) باب الشهداء في سبيل الله. وأخرجه البخاري (٢٨٠٣) ومسلم (١٨٧٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٥١٩) وهو في «ضعيف سنن أبي داود» (٥٤١).\n(^٣) سنده ضعيف لأجل إبراهيم بن هدبة.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٨٤٩) ومسلم (١٢٠٦).\n(^٥) إسناده ضعيف.","vol":"1","page":215},{"text":"قال: وحدّثني يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا في قبورهم ولا في منشرهم، كأني بأهل لا إله إلاّ الله ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]» (^١).\nوروى النسائي عن النبي ﷺ أنه قال: «تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة الله ودرع من نار، يدها على رأسها تقول: يا ويلاه» (^٢).\nأخرجه بمعناه مسلم وابن ماجه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطّع الله لها ثيابا من نار ودرعا من لهب النار» لفظ ابن ماجه. وقال مسلم: «تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (^٣).\nوأسند الثعلبي في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفّين، صفا عن اليمين، وصفا عن الشمال، ينبحن كما تنبح الكلاب، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يؤمر بهن إلى النار». أنبأناه الشيخ الحاج الراوية أبو محمد عبد الوهاب شهر بابن رواح، والشيخ الإمام علي بن هبة الله الشافعي قالا:\nحدّثنا السّلفي، قال: حدّثنا الرئيس أبو عبد الله الثقفي، قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حوالة الأبهري الأديب، فيما قرئ، عليه وأنا أسمع منه سنة ثلاث وأربعمائة قال: أخبرنا أبو عمر وأحمد بن محمد بن حكيم المدني، أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، حدّثنا سعيد بن سليمان حدّثنا سليمان بن داود اليماني، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم صفا عن يمينهن، وصفا عن شمالهن، ينبحن على أهل جهنم كما تنبح الكلاب» (^٤). غريب من حديث أبي نصر، يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، تفرد به عنه سليمان بن داود.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في «المطالب العالية» (٢٧٤/ ٢٨٦٥/١٢) ط. دار العاصمة، والطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٥) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١١١/ ١٠٠/١) والخطيب البغدادي في «تاريخه» (١/ ٢٦٦) وابن حبان في «المجروحين (١/ ٢٠٢).\nوهو حديث ضعيف؛ ضعفه ابن حبان وابن الجوزي وابن عدي والمناوي، والألباني في «ضعيف الجامع» (٤٨٩٨).\n(^٢) لم أجده في «سنن النسائي»، وذكره الهندي في «كنز العمال» برقم (٤٢٤٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٣٤) وابن ماجه (١٥٨١).\n(^٤) إسناده ضعيف، والخبر لا يصح.","vol":"1","page":216},{"text":"وقال أنس: قال النبي ﷺ: «تخرج النائحة من قبرها شعثاء غبراء، مسودة الوجه، زرقاء العينين، ثائرة الشعر، كالحة الوجه، وعليها جلباب من لعنة الله، ودرع من غضب الله، إحدى يديها مغلولة إلى عنقها، والأخرى قد وضعتها على رأسها، وهي تنادي: يا ويلاه ويا ثبوراه ويا حزناه، وملك وراءها يقول: آمين أمين، ثم يكون من بعد ذلك حظّها النار» (^١).\n(ابن ماجه) عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «النياحة على الميت من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار» (^٢).\nوفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال أهل التأويل: المعنى لا يقومون من قبورهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والسدّي والضحاك وابن زيد وغيرهم، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه. وقالوا: كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له، وتمقيتا عند جميع أهل المحشر، فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم. نسأل الله الستر والسلامة والعافية في الدنيا والآخرة. وقال تعالى:\n﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وسيأتي.\nوروي عن النبي ﷺ: «من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة» (^٣).\nذكره صاحب «القوت» وهو صحيح المعنى، يدل على صحته ما ذكرناه، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في باب «بيان الحشر إلى الموقف» إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-158>٧٣ - باب في بعث النبي ﷺ من قبره</span>\n(ابن المبارك) قال أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب؛ أن كعبا دخل على عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ، فقال كعب: «ما من فجر يطلع إلاّ نزل سبعون ألفا من الملائكة\n_________\n(^١) لم أعثر عليه فيما بين يديّ من المصادر.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٨٢)، وهو صحيح بشواهده، والحديث في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٨٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٩) والحاكم (٢/ ١٤٢) وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":217},{"text":"حتى يحفوا بالقبر، يضربون بأجنحتهم ويصلّون على النبي ﷺ حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر ويضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ، سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار، وحتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه ﷺ» (^١). والأخبار دالة ثابتة على أن جميع الناس يخرجون عراة ويحشرون كذلك على ما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوخرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول»: حدّثنا أنس بن خالد، قال: حدّثنا سعيد بن مسلمة، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال خرج النبي ﷺ ويمينه على أبي بكر، وشماله على عمر، فقال: «هكذا نبعث يوم القيامة» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-159>٧٤ - باب ما جاء في بعث الأيام والليالي ويوم الجمعة</span>\nعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ يبعث الأيام يوم القيامة على هيأتها، ويبعث يوم الجمعة، زهراء منيرة، أهلها محتفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلاّ المؤذنون المحتسبون» (^٣). خرجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي، من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃. وإسناده صحيح.\nوقال أبو عمران الجوني: «ما من ليلة تأتي إلا تنادي: اعملوا فيّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة» ذكره أبو نعيم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» رقم (١٦٠٠).\n(^٢) إسناده ضعيف لأجل سعيد بن مسلمة.\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد «فضائل الصحابة» (٧٧) والترمذي في «سننه» (٣٦٧٨) وابن ماجه (٩٩). من طريق: سعيد بن مسلمة به.\nوقال الترمذي: «حديث غريب، وسعيد بن مسلمة ليس عندهم بالقوي».\nوهو في «ضعيف سنن ابن ماجه» برقم (١٩).\n(^٣) أخرجه الحاكم (١/ ٢٧٧) وابن خزيمة في «صحيحه» (١٧٣٠) وهو في «الصحيحة» برقم (٧٠٦).\n(^٤) في «حلية الأولياء» (٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>٧٥ - باب ما جاء أن العبد المؤمن إذا قام من قبره يتلقّاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا وعمله</span>\nتقدم من حديث جابر مرفوعا: «فإذا قامت الساعة انحطّ عليه ملك الحسنات وملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا في عنقه، ثم حضرا معه واحد سائق، والآخر شهيد» ذكره أبو نعيم.\nوذكر أبو نعيم أيضا عن ثابت البناني أنه قرأ ﴿حم﴾ [غافر: ١] السجدة حتى إذا بلغ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] وقف فقال: «بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، قال: فأمّن الله خوفه، وأقر الله عينه، فما عظيمة تغشى الناس يوم القيامة فالمؤمن في قرّة عين لما هداه الله له، ولما كان يعمل له في الدنيا».\nوقال عمرو بن قيس الملاّئي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا؛ إلاّ أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، اركبني اليوم، وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. وأن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول:\nهل تعرفني؟ فيقول: لا؛ إلا أن الله قد قبح صورتك ونتّن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، وأنا اليوم أركبك.\nوتلا: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]. ولا يصح من قبل إسناده؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي.\n***","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>٧٦ - باب أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾؟</span>\n(مسلم) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! وذكر الحديث وفيه: فقال اليهودي: أين يكون الناس ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟ فقال رسول الله ﷺ: «هم في الظّلمة دون الجسر» (^١). الحديث بطوله وسيأتي.\nوخرّج مسلم أيضا وابن ماجه جميعا قالا: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط» (^٢).\nوأخرجه الترمذي (^٣) قال: حدّثنا ابن أبي عمر قال: حدّثنا سفيان، عن داود بن هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: يا رسول الله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين يكون المؤمنون يومئذ؟ قال: «على الصراط يا عائشة». قال هذا حديث حسن صحيح.\nوخرّج عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا.\nقال: أجل والله ما تدري. حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﷿: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قال. فقلت:\nفأين الناس يا رسول الله؟ قال: «على جسر جهنم» (^٤). قال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>فصل</span>\nهذه الأحاديث نصّ في أن الأرض والسموات تبدّل وتزال ويخلق الله أرضا أخرى، يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط، لا كما قال كثير\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣١٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٩١) وابن ماجه (٤٢٧٩).\n(^٣) في «سننه» (٣١٢١، ٣٢٤٢).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٢٤١)، وهو صحيح.","vol":"1","page":220},{"text":"من الناس أنّ تبدّل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومد أرضها. ورواه ابن مسعود ﵁، خرجه ابن ماجه، وسيأتي ذكره في الأشراط - إن شاء الله.\nوذكر ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب قال: حدثني ابن عباس قال: «إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مدّ الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا» (^١). وذكر الحديث.\nوروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مدّ الأديم». ذكره الثعلبي في تفسيره.\nوروى علي بن الحسين ﵄ قال: «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لأحد من البشر إلاّ موضع قدميه» ذكره الماوردي.\nوما بدأنا بذكره أصح لأنه نصّ ثابت عن النبي ﷺ. فإن قال قائل: إن بدّل في كلام العرب معناه: تغيير الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]. ولا يقتضي هذا إزالة العين وإنما معناه تغيير الصفة. ولو كان المعنى الإزالة لقال: «يوم تبدل الأرض» مخففا من أبدلت الشيء إذا أزلت عينه وشخصه. قيل له: ما ذكرته صحيح، ولكن قد قرئ قوله ﷿: ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها﴾ [القلم: ٣٢] مخففا ومثقلا بمعنى واحد. قال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] وقال: ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠].\nوكذا ذكر تاج اللغة أبو نصر الجوهري في «الصحاح». وأبدلت الشيء بغيره، وبدّله الله من الخوف أمنا، وتبديل الشيء أيضا تغييره، فقد دل القرآن، وكلام العرب، على أن بدّل وأبدل بمعنى واحد. وقد فسّر النبيّ ﷺ أحد المعنيين، فهو أعلى ولا كلام معه.\nقال ابن عباس وابن مسعود: «تبدّل الأرض أرضا بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة قط».\nوقال ابن مسعود أيضا: «تبدل الأرض نارا، والجنة من ورائها يرى أكوابها وكواعبها» (^٢).\nوقال أبو الجلد جيلان بن فروة: إني لأجد فيما أقرأ من كتب الله؛ أن الأرض تشعل نارا يوم القيامة.\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك (٣٥٣) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٦١)، وفيه شهر بن حوشب؛ «صدوق، كثير الإرسال والأوهام».\n(^٢) أخرجه نعيم حماد في زوائد «الزهد» (٣٨٨).","vol":"1","page":221},{"text":"وقال علي ﵁: «تبدل الأرض فضة، والسماء ذهبا».\nوقال جابر: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: تبدّل خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة. ثم قرأ ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنبياء: ٨].\nوقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: «تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه».\nقلت: وهذا المعنى الذي قاله سعيد بن جبير ومحمد بن كعب، مروي في الصحيح وسيأتي.\nوإليه ذهب ابن برجان في كتاب «الإرشاد» له. وأن المؤمن يطعم يومئذ من بين رجليه، ويشرب من الحوض.\nفهذه أقوال الصحابة والتابعين دالة على ما ذكرنا.\nوأما تبديل السماء فقيل: تكوير شمسها وقمرها وتناثر نجومها؛ قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها فتارة كالمهل، وتارة كالدهان. حكاه ابن الأنباري. وقال كعب: تصير السماء دخانا، وتصير البحار نيرانا. وقيل تبديلها: أن تطوى كطيّ السجل للكتاب.\nوذكر أبو الحسن شبيب بن إبراهيم بن حيدرة في كتاب «الإفصاح» له: أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأن الأرض والسموات تبدل كرتين، إحداهما: هذه الأولى، وأنه سبحانه يغير صفاتها قبل نفخة الصعق، فتنتثر أولا كواكبها، وتكسف شمسها وقمرها، وتصير كالمهل، ثم تكشط عن رؤوسهم، ثم تسير الجبال ثم تموج الأرض، ثم تصير البحار نيرانا، ثم تنشق الأرض من قطر إلى قطر، فتصير الهيئة غير الهيئة، والبنية غير البنية، ثم إذا نفخ في الصور نفخة الصعق طويت السماء، ودحيت الأرض، وبدلت السماء سماء أخرى، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ [الزمر: ٦٩]. وبدلت الأرض: تمد مد الأديم العكاظي، وأعيدت كما كانت فيها القبور، والبشر على ظهرها وفي بطنها، وتبدل أيضا تبديلا ثانيا؛ وذلك إذا وقفوا في المحشر، فتبدل لهم الأرض التي يقال لها الساهرة يحاسبون عليها، وهي أرض عفراء، وهي البيضاء من فضة لم يسفك عليها دم حرام قط، ولا جرى عليها ظلم قط، وحينئذ يقوم الناس على الصراط وهو لا يسع جميع الخلائق، وإن كان قد روي أن مسافته ألف سنة صعودا، وألف سنة هبوطا، وألف سنة استواء، ولكن الخلق أكثر من ذلك، فيقوم من فضل على الصراط، على","vol":"1","page":222},{"text":"متن جهنم، وهي كإهالة جامدة، وهي الأرض التي قال عبد الله: إنها أرض من نار يعرق فيها البشر، فإذا حوسب الناس عليها - أعني الأرض المسماة بالساهرة - وجاوزوا الصراط وجعل أهل الجنان من وراء الصراط. وأهل النيران في النار، وقام الناس على حياض الأنبياء يشربون، بدّلت الأرض كقرصة النّقيّ؛ فأكلوا من تحت أرجلهم، وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة؛ أي: قرصا واحدا يأكل منه جميع الخلق ممن دخل الجنة، وإدامهم زيادة كبد ثور في الجنة، وزيادة كبد الحوت على ما يأتي.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-163>٧٧ - باب منه أمور تكون قبل الساعة</span>\nذكر علي بن معبد عن أبي هريرة قال: حدّثنا رسول الله ﷺ ونحن في طائفة من أصحابه فقال: «إن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور وأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر».\nفقال أبو هريرة قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: «قرن». فقلت: وكيف هو؟ قال: «هو عظيم، والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة، فيفزع أهل السماء والأرض إلاّ من شاء الله، ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها» يقول الله ﷿: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] مأخوذة من فواق الحالب، وهي المهلة بين الحلبتين، وذلك أن الحالب يحلب الناقة والشاة ثم يتركها ساعة، يرضعها الفصيل لتدر ثم يحلب، ومنه سمي الفواق فواقا لأنه ريح يتردد في المعدة بين مهلتين، أي أن هذه النفخة ممتدة لا تقطيع فيها، ويكون ذلك يوم الجمعة في النصف من شهر رمضان، فيسيّر الله الجبال فتمرّ مرّ السحاب، ثم تكون سرابا، ثم ترتجّ الأرض بأهل رجّا، وهي التي يقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨] فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج، فيمد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان، وتتطاير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتتلقاها الملائكة هاربة، فتضرب بها وجوها،","vol":"1","page":223},{"text":"ويولي الناس مدبرين، ينادى بعضهم بعضا، وهي التي يقول ﷿: ﴿يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣] فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمرا عظيما لم يروا مثله، فيأخذهم من ذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم ينظرون إلى السماء؛ فإذا هي كالمهل ثم انشقت وانخسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت السماء عنهم، ثم قال رسول الله ﷺ: «والموتى لا يعلمون شيئا من ذلك». قلت: يا رسول الله فمن استثنى الله ﷿، حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾؟ قال: «أولئك هم الشهداء عند ربّهم يرزقون، إنما يصل الفزع إلى الأحياء، يقيهم الله شر ذلك اليوم ويؤمنهم منه، وهو عذاب يلقيه الله على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] أي: شديد، فتمكثون في ذلك ما شاء الله إلاّ أنه يطول عليهم كأطول يوم، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق» (^١). الحديث بطوله وقد تقدم وسطه وهذا آخره.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>فصل</span>\nهذا الحديث ذكره الطبري والثعلبي وصحّحه ابن العربي في سراج المريدين.\nوقال: «يوم الزلزلة وهو الاسم الثاني عشر، يكون عند النفخة الأولى، بهذا الحديث الصحيح الواحد المفرد».\nولما نبأ النبي ﷺ بذكر الزلزلة التي تكون عند النفخة الأولى ذكر ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال العظام التي يعظمها قوله: ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ومن فزعها ما لا تطيق حمله النفوس، وهو قوله لآدم: «ابعث بعث النار» (^٢) فيكون ذلك في أثناء ذلك اليوم، ولا يقتضي أن يكون ذلك متصلا بالنفخة الأولى التي يشيب فيها الوليد، وتضع الحوامل، وتذهل المراضع، ولكن يحتمل أمرين:\nأحدهما: أن يكون آخر الكلام منوطا بأوله، تقديره: يقال لآدم: ابعث بعث النار أثناء يوم يشيب فيه الوليد، وتضع الحوامل، وتذهل المراضع من أوله.\nالثاني: أن شيب الوليد، ووضع الحوامل، وذهول المراضع؛ يكون في\n_________\n(^١) خبر منكر؛ أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٥/ ٣٢).\nوقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٢٠٣): «هذا حديث مشهور، وهو غريب جدا …». وانظر بقية كلامه هناك.\nوقال العلامة أحمد شاكر ﵀ في «عمدة التفسير» (٥/ ٥٢): «هو حديث ظاهر النكارة».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٨) وفي غيرها من المواضع، ومسلم (٢٢٢).","vol":"1","page":224},{"text":"النفخة الأولى حقيقة. وفي هذا القول الثاني تكون صفته بذلك إخبارا عن شدته، وإن لم يوجد غير ذلك الشيء فيه، وهذه طريقة العرب في فصاحتها».\nقلت: ما ذكره ابن العربي من صحّة الحديث وكلامه فيه: فيه نظر لما نبينه آنفا، وقد قال أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له: ورد في هذا الباب حديث منقطع لا يصح ذكره الطبري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينفخ في الصور ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع». فذكره. قال: وهو عنده في سورة يس.\nقلت: قد تقدم أن الصحيح في النفخ إنما هو مرتان لا ثلاث، وحديث مسلم في قول الله تعالى لآدم: «يا آدم ابعث بعث النار»؛ إنما هو بعد البعث يوم القيامة.\nونفخة الفزع هي نفخة الصعق على ما تقدم، أو نفخة البعث على ما قيل، على ما يأتي، ولأنه لو كانت نفخة الفزع غير نفخة الصعق؛ لاقتضى ذلك أن يكون بقاء الناس بعدها أحياء ما شاء الله، ويكون هناك ليل ونهار، حتى تأتي نفخة الصعق، التي يموت لسماعها جميع الخلق، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى هذا لا يكون قوله: «ابعث» في أثناء اليوم الذي يكون مبدؤه نفخة الفزع، على ما ذكره ابن العربي، والله أعلم.\nولا يلزم من زلزال الأرض أن تكون عن نفخة، فإنا نشاهد تحرك الأرض وميدها بمن عليها، وما عليها من جبال ومياه، كالسفينة في البحر إذا تلاطمت أمواجه من غير نفخ، وإنما تلك الزلزلة من أشراط الساعة ومقدّماتها كسائر أشراطها.\nوقد قال علقمة والشعبي: الزلزلة من أشراط الساعة وهي في الدنيا. وكذلك قال أنس بن مالك والحسن البصري. وقد ذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم في تفسيره: أن المراد بنفخة الفزع؛ النفخة الثانية، أي: يحيون فزعين يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم - والله أعلم -، ونحو ذلك ذكره الماوردي واختاره.\nوقد قيل: إن هذه الزلزلة تكون قبل الساعة، في النصف من شهر رمضان ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَها﴾ الضمير المنصوب في ﴿تَرَوْنَها﴾ للزلزلة أو القيامة، قولان؛ فعلى الأول: أن ذلك في الدنيا قبل نفخة الصعق، لعظم تلك الزلزلة وقوة حركتها بالأرض، لأن القيامة لا رضاع فيها ولا حمل، فترى الناس سكارى؛ يعني من الخوف. وعلى القول الثاني يكون فيه وجهان:\nأحدهما: أن يكون ذلك مثلا، والمعنى: أنه يكون يوما لا يهم أحدا فيه إلا","vol":"1","page":225},{"text":"نفسه، والحامل تسقط من مثله كما تسقط الحوامل من الصيحة الشديدة، ويكون الهول عظيما.\nوالوجه الآخر: أن يكون ذلك حقيقة لا مثلا، ويكون المعنى أن من كانت محشورة مع ولد رضيع فإنها إذا رأت هول ذلك اليوم ذهلت عمن ولدت، وأن الحوامل إذا بعثن أسقطن من فزع يوم القيامة، الأحمال التي كانت أحياء فماتت بموت أمهاتها أحياء ثم لا يمتن بالإسقاط، لأن الموت لا يتكرر عليهن مرتين، لأنه لا موت في القيامة، وإنما هو يوم الحياة، وتضع الحوامل حملها. ثم يحتمل أن يحيي الله كل حمل كان قد أتم خلقه ونفخ فيه الروح، ويسويه ويعدّله، فإن الأم تذهل عنه، ولو لم تذهل ما قدرت على إرضاعه، لأنه لا غذاء يومئذ لها ولا لبن، واليوم يوم الحساب، لا يقبل فيه من عذر ولا علّة، فكيف تتخلى والاشتغال بالولد مع ما عليها من الحساب؟ وهي بصدده من الجزاء والحمل الذي لم ينفخ فيه قط إذا سقط يكون مع الوحوش ترابا، ولم يبتدأ إحياؤه لأن يوم الإعادة. فمن لم يمت في الدنيا لم يحي في الآخرة. قاله الحليمي في «منهاج الدين».\nوقال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ [الحج: ٢] أي: من العذاب والخوف، ﴿وَما هُمْ بِسُكارى﴾ من الشراب. ومما يبين ما قلناه: أن إبليس قال: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤]، سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب، طلب أن لا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت بعده، فقد قال تعالى:\n﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٨٠، ٨١]. قال ابن عباس والسدّي وغيرهما: أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم، وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه.\nقال المؤلف ﵀: وما وقع في هذا الحديث من انشقاق السماء، وتناثر نجومها وطمس شمسها وقمرها. فقد ذكر المحاسبي وغيره: أن ذلك يكون بعد جمع الناس في الموقف، وروي عن ابن عباس، وسيأتي. وقاله الحليمي في كتاب «منهاج الدين».\n\n<span data-type='title' id=toc-165>فصل</span>\nفأما التكوين يوم القيامة قبل الحساب؛ فقد قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١، ٢] وقال: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] إلى آخرها.","vol":"1","page":226},{"text":"والذي ثبت بسياق الآيات: أن هذه الزلزلة إنما تكون بعد إحياء الناس وبعثهم من قبورهم، لأنه لا يراد بها إلا إذعار الناس والتهويل عليهم، فينبغي أن يشاهدوها ليفزعوا منها ويهولهم أمرها، ولا تمكن المشاهدة منهم وهم أموات، ولأنه تعالى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أي: تخبر عما عمل عليها من خير وشر ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] فدل ذلك على أن هذه الزلزلة إنما تكون والناس أحياء واليوم يوم الجزاء وقال تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] يعني الآخرة ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ [الحاقة: ١٤] إلى قوله:\n﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] فدلت هذه السورة على أن اصطدام الأرض والجبال لا يكون إلا بعد الإحياء، ودلت هذه الآية على أن الكوائن إنما تكون بعد النشأة الثانية، والله أعلم.\nوأما قوله: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] فقال الحسن وقتادة: ذلك يوم ينادي أهل الجنة أهل النار ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] وينادي أهل النار أهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] يعني: عن النار، أي: غير قادرين وغير معجزين، في تفسير مجاهد. وقيل:\nمعناه يوم ينادي أهل النار بالويل والثبور، ويولون مدبرين من شدة العذاب.\nوقيل: إن ذلك نداء بعض الناس لبعضهم في المحشر، وتوليهم مدبرين إذا رأوا عنقا من النار.\nوقال قتادة: معنى «تولون مدبرين» منطلقا بكم إلى النار، ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] أي: مانع يمنعكم، فإن قيل، فقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦، ٧] إلى أن قال: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣]. وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث، قيل له: ليس كذلك، وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم، كذلك قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم. قال مجاهد: هما صيحتان، أما الأولى فيموت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرى فيحيا كل شيء بإذن الله.\nوقال مجاهد أيضا: «الرادفة» حين تنشق السماء، وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة. وقال عطاء: «الراجفة» القيامة و«الرادفة» البعث، وقال ابن زيد:\n«الراجفة» الموت «والرادفة» الساعة، فهذا يبين لك ما قلناه من أن المراد بالزجرة النفخة الثانية، والله أعلم.\nواختلفوا في «الساهرة» اختلافا كثيرا، فقال ابن عباس: وأما الساهرة فأرض","vol":"1","page":227},{"text":"من فضة بيضاء، لم يعص الله عليها طرفة عين خلقها الله يومئذ، وهو قوله تعالى:\n﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].\nوقال بعضهم: «الساهرة» اسم الأرض السابعة يأتي الله بها فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض.\nوقال قتادة: هي جهنم؛ أي: فإذا هؤلاء الكفار في جهنم. وقيل: صحراء قريبة من شفير جهنم.\nوقال الثوري: «الساهرة» أرض الشام. وقيل غير هذا. وإنما قيل لها «ساهرة» لأنهم لا ينامون عليها حينئذ. ومعنى ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] أي: على الأرض بعد ما كانوا في بطنها. والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، قال أمية بن أبي الصلت:\nوفيها لحم ساهرة وبحر … وما فاهوا به لهم مقيم\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-166>٧٨ - باب الحشر ومعناه الجمع</span>\nوهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة.\nأما الذي في الدنيا فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ١٢]. قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله ﷿ قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس: من شك أن الحشر في الشام؛ فليقرأ هذه الآية، وذلك أن النبي ﷺ قال لهم: «اخرجوا» قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» (^١). قال قتادة: هذا أول الحشر.\nالثاني: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال:\n«يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣٣٤٥/ ١٨٨٥٠/١٠) والبزار (١٥٤/ ٣٤٢٦/٤) والبيهقي في «البعث والنثور» كما في «استدراكات البعث» (٩٥).\nمن طريق: سفيان، عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٤٣): «فيه أبو سعد البقال، والغالب فيه الضعف».","vol":"1","page":228},{"text":"وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» (^١). أخرجه البخاري أيضا.\nوقال قتادة: الحشر الثاني؛ نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف.\nقال القاضي عياض: هذا الحشر في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطهما. كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة. قال فيه: «وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تزجر الناس» وفي رواية: «تطرد الناس إلى محشرهم» (^٢). وفي حديث آخر: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز» (^٣). ويدل على أنها قبل يوم القيامة؛ قوله: «فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح حيث أصبحوا». قال: وفي بعض الروايات في غير مسلم: «فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام» كأنه أمر يسبقها إليه قبل إزعاجها لهم.\nقال المؤلف ﵀: وذكره الحليمي في «منهاج الدين» له من حديث ابن عباس، وذكر أن ذلك في الآخرة، فقال: يحتمل قوله ﵇: «تحشر الناس على ثلاث طرائق» إشارة إلى - الأبرار والمخلطين والكفار - فالأبرار: هم الراغبون إلى الله تعالى فيما أعد لهم من ثوابه، والراهبون: هم الذين بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار؛ فإنهم يؤتون بالنجائب، كما في الحديث - على ما يأتي في هذا الباب - وأما المخلطون: فهم الذين أريدوا في هذا الحديث، وقيل: إنهم يحملون على الأربعة، وأما الفجار الذين تحشرهم النار؛ فإن الله تعالى يبعث إليهم ملائكة، فتقيض لهم نارا تسوقهم، ولم يرد في هذا الحديث إلا ذكر البعير، فأما أن ذلك من إبل الجنة، أو من الإبل التي تحيا وتحشر يوم القيامة، فهذا لم يأت بيانه، والأشبه ألا يكون من نجائب الجنة، لأن من خرج من جملة الأبرار فكان مع ذلك من جملة المؤمنين، فإنهم بين الخوف والرجاء، لأن من هؤلاء من يغفر الله تعالى ذنوبه فيدخل الجنة، ومنهم من يعاقبه بالنار ثم يخرجه منها ويدخله الجنة. وإذا كانوا كذلك لم يلق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم ينزل الله بعضهم إلى النار، لأن من أكرمه الله بالجنة لم يهنه بعد ذلك بالنار.\nقال: وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: «يحشر الناس»\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٢٢) ومسلم (٢٨٦١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١١٨) ومسلم (٢٩٠٢).","vol":"1","page":229},{"text":"الحديث، وفي آخره: «أما أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك» (^١). فهذا إن ثبت مرفوعا فالركبان: هم المتقون السابقون، الذين يغفر الله ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة، والآخرون على دواب سوى دواب الجنة.\nوالصنف الثاني: الذين يعذبهم الله بذنوبهم، ثم يخرجهم من النار إلى الجنة، وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتا ثم يركبوا، أو يكونوا ركبانا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا، ليتفق الحديثان.\nوالصنف الثالث: المشاة على وجوههم وهم الكفار. وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف مسلمون وهم ركبان، وصنفان من الكفار، أحدهما: العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، والآخرون الأتباع فهم يمشون على أقدامهم.\nقال المؤلف ﵀: وإلى هذا القول ذهب أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» في قوله ﵇: كيف يحشر الناس يا رسول الله؟ قال: «اثنان على بعير، وخمسة على بعير، وعشرة على بعير». ومعنى هذا الحديث - والله أعلم - أن قوما يأتلفون في الإسلام برحمة الله، يخلق الله لهم من أعمالهم بعيرا يركبون عليه، وهذا من صنف العمل لكونهم يشتركون فيه، كقوم خرجوا في سفر بعيد وليس مع واحد منهم ما يشتري به مطية توصله، فاشترك في ثمنها رجلان أو ثلاثة فابتاعوا مطية يتعقبون عليها في الطريق ويبلغ بعير مع عشرة، فاعمل هداك الله عملا يكون لك به بعير خالص من الشركة. واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح، فالمتقون وافدون كما قال الجليل: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].\nوفي غريب الراوية؛ أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «كان رجل من بني إسرائيل كثيرا ما يفعل الخير حتى إنه ليحشر فيكم». قالوا له: وما كان يصنع؟ قال:\n«ورث من أبيه مالا كثيرا، فاشترى بستانا، فحبسه للمساكين؛ وقال: هذا بستاني عند الله تعالى، وفرّق دنانير عديدة في الضعفاء، وقال: بهذا أشتري جارية من الله تعالى وعبيدا، وأعتق رقابا كثيرة وقال: هؤلاء خدمي عند الله تعالى، والتفت ذات يوم لرجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي وتارة يكبو، فابتاع له مطية يسير عليها، وقال: هذه مطيتي عند الله تعالى أركبها، والذي نفس محمد بيده لكأني أنظر إليها وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة يركبها تسير به إلى الموقف» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٤، ٣٦٣) والترمذي (٣١٤٢) وهو في «ضعيف سنن الترمذي» (٦١٢).\n(^٢) لم أعثر عليه.","vol":"1","page":230},{"text":"قال المؤلف ﵀: ما ذكره القاضي عياض من أن ذلك في الدنيا، أظهر - والله أعلم - لما في الحديث نفسه من ذكر المساء والمبيت والصباح والقائلة، وذلك ليس في الآخرة. وقد خرّج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف؛ صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم». قيل: يا رسول الله! كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، أما أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك» (^١). قال هذا حديث حسن.\nفقوله: «يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة ذلك، على ما يأتي من صفة أرض المحشر، والله أعلم.\nوخرّج النسائي عن أبي ذر قال: «إن الصادق المصدوق حدثني؛ أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج؛ فوجا راكبين طاعمين كاسين، وفوجا تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم النار فوجا يمشون ويسعون، يلقي الله الآفة على الظهر، فلا تبقى، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة يعطيها بذات القتب لا يقدر عليها» (^٢).\nوذكر عمر بن شبة في «كتاب المدينة» - على ساكنها السلام - عن أبي هريرة ﵁ قال: «آخر من يحشر رجلان؛ رجل من جهينة وآخر من مزينة، فيقولان:\nأين الناس؟ فيأتيان المدينة، فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان؛ فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس» (^٣).\nوهذا كله مما يدل على أن ذلك في الدنيا، كما قال القاضي عياض، وأما الآخرة؛ فالناس أيضا مختلفو الحال على ما ذكروه، وسنذكر من ذلك ما فيه كفاية في الباب بعد هذا إن شاء الله.\nوالحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف - على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - إن شاء الله، قال الله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\nوالرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] أي: ركبانا على النّجب. وقيل: على الأعمال كما تقدم.\n_________\n(^١) حديث ضعيف؛ تقدّم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٤ - ١٦٥) والنسائي (٤/ ١١٦) وهو في «ضعيف الجامع» (١٨٠١).\n(^٣) أخرجه ابن شبّه في «أخبار المدينة» (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩) بإسناد فيه رجل مبهم، وفي الإسناد أيضا عطاء بن السائب؛ «صدوق اختلط». فالإسناد ضعيف، والله أعلم.","vol":"1","page":231},{"text":"وقد وردت أخبار منها: ما رواه النعمان بن سعد، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾، قال: «أما إنهم ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة».\nوسمي المتقون وفدا لأنهم يسبقون الناس إلى حيث يدعون إليه، فهم لا يتباطئون لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم بالبشارات. قال الله تعالى: ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فيزيدهم ذلك إسراعا، وحق للمتقين أن يسبقوا لسبقهم في الدنيا بالطاعات ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] أي: عطاشا، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]. وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤].\n(مسلم) عن أنس؛ أن رجلا قال: يا رسول الله! الذين يحشرون على وجوههم أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ: «أليس الذي أمشاه على الرجلين قادرا أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟» قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا (^١). أخرجه البخاري أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>فصل</span>\nقال أبو حامد -: وذكر هذا الفصل -: وفي طبع الآدمي إنكار ما لم يأنس به ولم يشاهده؛ ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها؛ لأنكر المشي من غير رجل، والمشي بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا، فإنك لو لم تشاهد عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها، فأحضر - رحمك الله - في قلبك صورتك وأنت قد وقفت عاريا ذليلا مدحورا متحيرا مبهوتا منتظرا لما يجري عليك من القضاء، بالسعادة أو بالشقاء.\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٦٠، ٦٥٢٣) ومسلم (٢٨٠٦).","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>٧٩ - باب بيان الحشر إلى الموقف كيف هو؟ وفي أرض المحشر وذكر الصخرة، وقوله تعالى: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ الآية</span>\n(أبو نعيم) قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا محمد، قال:\nحدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا المنذر بن النعمان؛ أنه سمع وهب بن منبه يقول:\nقال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: لأضعن عليك عرشي، ولأحشرن عليك خلقي، وليأتينك يومئذ داود راكبا (^١).\nوقال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ١٤] قال: إنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس، فينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، ويا عظاما نخرة، ويا أكفانا فانية، ويا قلوبا خاوية، ويا أبدانا فاسدة، ويا عيونا سائلة، قوموا لعرض رب العالمين.\nقال قتادة: المنادي؛ هو صاحب الصور، ينادي من الصخرة من بيت المقدس. قال كعب: وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وقيل:\nباثني عشر ميلا. ذكره القشيري، والأول ذكره الماوردي. وقيل: إن المنادي جبريل، والله أعلم.\nقال عكرمة: ينادي منادي الرحمن؛ فكأنما ينادي في آذانهم يوم يسمعون الصيحة بالحق يريد النفخ في الصور ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا﴾ [ق: ٤٤] إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس أرض المحشر ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، أي: هين سهل.\nفإن قيل: فإذا كانت الصيحة للخروج؛ فكيف يسمعونها وهم أموات؟\nقيل له: إن نفخة الإحياء تمتد وتطول، فتكون أوائلها للإحياء، وما بعدها للإزعاج من القبور، فلا يسمعون ما يكون للإحياء، ويسمعون ما يكون للإزعاج، ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة، والناس يحيون منها أولا فأولا، وكلما حيي واحد سمع ما يحيى به من بعده، إلى أن يتكامل الجميع للخروج، وقد تقدم أن الأرواح\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٦٦) بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":233},{"text":"في الصور، فإذا نفخ فيه النفخة الثانية ذهب كل روح إلى جسده ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ [يس: ٥١] أي القبور - ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] وهذا يبيّن ما ذكرنا وبالله توفيقنا.\nوقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد؛ فيتبع الناس الصوت يومئذ، فذلك قول الله ﷿: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨] الآية. وقال الله ﷿: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ١ - ٣] فجّر عذبها في ملحها، وملحها في عذبها، في تفسير قتادة ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] أي: أخرج ما فيها من الأموات، وقال تعالى:\n﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ [الانشقاق: ١، ٢] أي: سمعت وأطاعت ﴿وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] أي: وحق لها أن تفعل ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] تمد مدّ الأديم، وهذا إذا بدّلت بأرض بيضاء كأنها فضة لم تعمل عليها خطيئة قط، ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها﴾ [الانشقاق: ٤] من الأموات؛ فصاروا على ظهرها.\n(مسلم) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ، ليس فيها علم لأحد» (^١).\nوخرّج أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، عن عبد الله بن مسعود: «يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا؛ فمن أطعم لله أطعمه، ومن سقا لله سقاه، ومن كسا لله كساه، ومن عمل لله كفاه، ومن نصر الله أراحه الله في ذلك اليوم».\nوروي من حديث معاذ بن جبل قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت قول الله:\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا﴾ [النبأ: ١٨]. فقال النبي ﷺ: «يا معاذ بن جبل! لقد سألت عن أمر عظيم» ثم أرسل عينيه بالبكاء والدموع ثم قال: «تحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميّزهم الله تعالى من جماعات المسلمين، وبدّل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسين أرجلهم أعلاهم، ووجوههم يسبحون عليها، وبعضهم عمي يتردّون، وبعضهم صمّ بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا تقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران، فأما الذين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٢١) ومسلم (٢٧٩٠).","vol":"1","page":234},{"text":"على صورة القردة فالقتّات من الناس - يعني النمام - وأما الذين على صورة الخنازير؛ فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكّسون رؤوسهم ووجوههم؛ فأكلة الربا، والعمي؛ من يجور في الحكم، والصم البكم؛ الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم؛ فالعلماء والقضاة الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطّعة أيديهم وأرجلهم؛ الذين يؤذون الجيران، والمصلّبون على جذوع النار؛ السعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشدّ نتنا من الجيف؛ الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب؛ فأهل الكبر والفخر والخيلاء».\nوقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: ومن الناس من يحشر بفتنته الدنيوية، فقوم مفتونون بالعود معتكفون عليه دهرهم، فعند قيام أحدهم من قبره يأخذه بيمينه فيطرحه من يده، ويقول: سحقا لك شغلتني عن ذكر الله، فيعود إليه ويقول: أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. وكذلك يبعث السكران سكرانا، والزامر زامرا، وكل واحد على الحال الذي صدّه عن سبيل الله.\nقال: ومثله الحديث الذي روي في الصحيح: «أن شارب الخمر يحشر والكوز معلّق في عنقه والقدح بيده وهو أنتن من كل جيفة على الأرض يلعنه كل من يمر به من الخلق». وقال أيضا في هذا الكتاب: فإذا استوى كل أحد قاعدا على قبره؛ فمنهم العريان، ومنهم المكسو، والأسود والأبيض ومنهم من يكون له نور كالمصباح الضعيف، ومنهم من يكون كالشمس لا تزال كل واحد منهم مطرقا برأسه ألف عام، حتى تقوم من الغرب نار لها دويّ تساق، فيدهش لها رؤوس الخليقة إنسا وجنّا وطيرا ووحشا، فيأتي كل واحد من المخاطبين عمله ويقول له: قم فانهض إلى المحشر، فمن كان له حينئذ عمل جيّد شخص له عمله بغلا، ومنهم من يشخص عمله حمارا، ومنهم من يشخص له كبشا، تارة يحمله وتارة يلقيه، ويجعل لكل واحد منهم نور شعاعي بين يديه وعن يمينه، ومثله يسري بين يديه في الظلمات، وهو قوله تعالى: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] وليس عن شمائلهم نور، بل ظلمة حالكة لا يستطيع البصر نفاذها، يحار فيها الكفار، ويتردد المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكتها وشدة حندسها ويحمد الله تعالى على ما أعطاه من النور المهتدي به في تلك الشدة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، لأن الله تعالى يكشف للعبد المؤمن المنعم عن أحوال المعذب الشقي ليستبين له سبيل الفائدة، كما فعل بأهل الجنة وأهل النار، حيث يقول: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] وكما قال سبحانه: ﴿* وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧]. لأن أربعا لا يعرف قدرها إلا أربع: لا يعرف قدر","vol":"1","page":235},{"text":"الحياة إلى الموتى، ولا يعرف قدر الأغنياء إلا الفقراء، ولا يعرف قدر الصحة إلا أهل البلاء والسقم، ولا يعرف قدر الشباب إلا الشيوخ. وفي نسخة: ولا يعرف قدر النعيم إلا أهل الجحيم. ومن الناس من يبقى على قدميه وعلى طرف بنانه، ونوره يطفأ تارة ويشتعل أخرى، وإنما هم عند البعث على قدر إيمانهم. وقد مضى في باب: يبعث كل عبد على ما مات عليه ما فيه كفاية - والله أعلم والحمد لله.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-169>٨٠ - باب الجمع بين آيات وردت في الكتاب في الحشر ظاهرها التعارض</span>\nمنها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:\n٩٧ -] وفي آية ثالثة أنهم يقولون: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وهذا كلام وهو مضاد للبكم، والتعارف تخاطب، وهو مضاد للصمم والبكم معا، وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] والسؤال لا يكون إلا بإسماع، وإلا لناطق يتسع للجواب، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ٢٠] وقال: ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٣٦] وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] والنسلان والإسراع مخالفان للحشر على الوجوه.\nوالجواب: لمن سأل عن هذا الباب، أن يقال له: إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم فليست حالهم حالة واحدة، ولا موقفهم ولا مقامهم واحدا، ولكن لهم مواقف وأحوال، واختلفت الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم، وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: أولها: حال البعث من القبور. والثانية: حال السّوق إلى موضع الحساب. والثالثة: حال المحاسبة، والرابعة: حال السوق إلى دار الجزاء.\nوالخامسة: حال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها.\nفأما حال البعث من القبور؛ فإن الكفار يكونون كاملي الحواس والجوارح، لقول الله تعالى: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وقوله: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] وقوله: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وقوله: ﴿قالَ كَمْ","vol":"1","page":236},{"text":"لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٥].\nوالحالة الثانية: حال السوق إلى موضع الحساب، وهم أيضا في هذه الحال بحواس تامة، لقوله ﷿: ﴿* اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤] ومعنى فاهدوهم؛ أي: دلّوهم، ولا دلالة لأعمى أصم، ولا سؤال لأبكم، فثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع وألسنة ناطقة.\nوالحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة، وهم يكونون فيها أيضا كاملي الحواس، ليسمعوا ما يقال لهم، ويقرءوا كتبهم الناطقة بأعمالهم، وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم فيسمعوها، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون: ﴿ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وأنهم يقولون لجلودهم:\n﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وليشاهدوا أحوال القيامة وما كانوا مكذبين في الدنيا به من شدتها وتصرف الأحوال بالناس فيها.\nوأما الحالة الرابعة: وهي السوق إلى جهنم؛ فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم، لقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧] ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] إشارة إلى ما يشعرون به من سلب الأبصار والأسماع والمنطق.\nوالحالة الخامسة: حال الإقامة في النار، وهذه الحالة تنقسم إلى بدء ومآل، فبدؤها أنهم إذا قطعوا المسافة التي بين موقف الحساب وشفير جهنم عميا وبكما وصما إذلالا لهم، تمييزا عن غيرهم، ثم ردت الحواس إليهم ليشاهدوا النار، وما أعد الله لهم فيها من العذاب، ويعاينوا ملائكة العذاب وكل ما كانوا به مكذّبين، فيستقرون في النار ناطقين سامعين مبصرين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقال: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩]. وقال: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]. وأخبر تعالى أنهم ينادون أهل الجنة فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنا","vol":"1","page":237},{"text":"مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] وأن أهل الجنة ينادونهم: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وأنهم يقولون:\n﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وأنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ﴾ فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]. وأما العقبى والمآل فإنهم إذا قالوا: ﴿أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨].\nوكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم؛ وهو: «أن يؤتى بكبش أملح ويسمى الموت، ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادوا: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (^١). سلبوا في ذلك الوقت أسماعهم؛ وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام، لكن سلب السمع يقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] فإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل أنهم سمعوا نداء الربّ سبحانه على ألسنة رسله، فلم يجيبوه بل جحدوه، وكذّبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته، فلما كانت حجة الله عليهم في الدنيا الاستماع؛ عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلب الأسماع، يبين ذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ: ﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥٠] وقالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. وإن قوم نوح ﵇ كانوا يستغشون ثيابهم تسترا منه لئلاّ يروه ولا يسمعوا كلامه، وقد أخبر الله تعالى عن الكفار في وقت نبينا محمد ﷺ مثله فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ [هود: ٥] وإن سلبت أبصارهم فلأنهم أبصروا الغير فلم يعتبروا، والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا، فهذا وجه الجمع بين الآيات على ما قاله علماؤنا، والله تعالى أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٤٤، ٦٥٤٨) ومسلم (٢٨٥٠) من حديث عبد الله بن عمر ﵁. وأخرجه البخاري (٤٧٣٠) ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>٨١ - باب ما جاء في حشر الناس إلى الله ﷿ حفاة عراة غرلا، وفي أول من يكسى منهم وفي أول ما يتكلم من الإنسان</span>\n(مسلم) عن ابن عباس ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال:\n«أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ألا وإن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇، ألا وإنه يؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨] قال: فيقال إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم» (^١). أخرجه البخاري أيضا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٩، ٣٤٤٧، ٤٦٢٥، ٤٦٢٦، ٤٧٤٠، ٦٥٢٤، ٦٥٢٥، ٦٥٢٦) ومسلم (٢٨٦٠) وأحمد (١/ ٢٣٥) والنسائي (٤/ ١١٧) والترمذي (٢٤٢٣) وغيرهم.\nويستدلّ البعض - أمثال التيجاني - وغيره من أهل الجهل، بهذا على ارتداد أصحاب النبي ﵌، ولا وجه لاستدلالهم الفاسد، ولا مجال للتفصيل في هذا المقام، لكن أقول باختصار:\nقال الإمام النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم» (٢/ ١٣٩ - ١٤٠).\n«هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:\nأحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل\nالثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ثم ارتدّ بعده.\nالثالث: أن المراد أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام». اه. بتصرف.\nقلت: ومن ارتدّ بعد وفاة النبي ﵌، لا يطلق عليه اسم صحابي، فالمعروف في تعريف الصحابي، هو: من لقي النبي ﷺ وآمن به ومات على هذا الإيمان.\nوقد استدلّ الفيض الكاشاني وأبو علي الطبرسي - وهما من كبار مفسّري الشيعة - بهذا الحديث على تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ فقال الكاشاني: «في المجمع عن أمير المؤمنين ﵇ هم أهل البدع والأهواء والآراء الباطلة من هذه الأمة. وعن النبي ﵌؛ قال: «والذي نفسي بيده ليردن علي الحوض …» وذكر الحديث. انظر «تفسير الصافي» (١/ ٣٦٩).\nوقال الطبرسي - بعد أن ذكر الأقوال في تفسير الآية -: «ورابعها: أنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة؛ عن علي ﵇، ومثله عن قتادة أنهم الذين كفروا بالارتداد، ويروى عن النبي -","vol":"1","page":239},{"text":"و(الترمذي) عن معاوية بن حيدة ﵁ عن النبي ﷺ في حديث ذكره، قال: وأشار بيده إلى الشام فقال: «هاهنا إلى هاهنا تحشرون ركبانا ومشاة، وتجرون على وجوهكم يوم القيامة، على أفواهكم الفدام، توفون سبعين أمة أنتم خيرهم على الله، وأكرمهم على الله، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه» (^١). وفي رواية أخرى، ذكرها ابن أبي شيبة: «وأن أول ما يتكلم من الإنسان فخذه وكفه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-171>فصل</span>\nقوله: «غرلا» أي: غير مختونين. النقي: الحواري، وهو الدرمك من الدقيق، والعفر: بياض ليس بخالص، يضرب إلى الحمرة قليلا. والفدام: مصفاة الكوز والإبريق، قاله الليث. قال أبو عبيد: «يعني أنهم منعوا الكلام، حتى تتكلم أفخاذهم، فشبّه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق».\nوقوله: «أول من يكسى إبراهيم»؛ فضيلة عظيمة لإبراهيم، وخصوص له كما خصّ موسى ﵇ بأن النبي ﷺ يجده معلّقا بساق العرش، مع أن النبي ﷺ أول من تنشقّ عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه مطلقا بل أهو أفضل من وافى القيامة، على ما يأتي بيانه في أحاديث الشفاعة والمقام المحمود، إن شاء الله تعالى.\nقال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب «المفهم» له: «ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس، فلم يدخل تحت خطاب نفسه، والله تعالى أعلم» (^٣).\nقلت: هذا حسن لولا ما جاء منصوصا خلافه، فقد روى ابن المبارك في رقائقه: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن\n_________\n= ﵌ أنه قال: «والذي نفسي بيده ليردنّ عليّ الحوض ....» وذكر الحديث، ثم قال: فقال أبو أمامة الباهلي: هم الخوارج …». «مجمع البيان» (٢/ ٦١٥ - ٦١٦).\nقلت: وينظر «فتح الباري» (١١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\nوأقوال أهل العلم في معنى هذا الحديث تدور حول ما ذكرناه، أما أصحاب العقول السقيمة والنفوس المريضة والقلوب المليئة بالضغينة والحقد فيفسّرونه بما فسّره التيجاني وغيره، من أن هذا الحديث ينطبق على أصحاب النبي ﵌. فليت شعري كيف يتجرأ هؤلاء على هذا القول وربّ العزّة يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٩٢، ٢٤٢٤، ٣١٤٣) وأحمد (٥/ ٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٨/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٣) انظر «المفهم» (٧/ ١٥٣).","vol":"1","page":240},{"text":"الحارث، عن علي ﵁ قال: «أول من يكسى؛ خليل الله إبراهيم قبطيّتين، ثم يكسى محمد ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش» (^١). ذكره البيهقي أيضا.\nوروى عبّاد بن كثير، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: «إن المؤذنين والملبّين يخرجون يوم القيامة من قبورهم يؤذّن المؤذن، ويلبّي الملبّي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم خليل الله، ثم محمد ﷺ، ثم النبيون والرسل ﵈، ثم يكسى المؤذّنون، وتتلقّاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر، أزمتها من زمرد أخضر، رحالها من الذهب، ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر».\nذكره الحليمي في كتاب «منهاج الدين» له.\nوذكر أبو نعيم الحافظ من حديث الأسود، وعلقمة، وأبي وائل، عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: «جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ» - الحديث - وفيه:\n«فيكون أول من يكسى إبراهيم ﵇، يقول: اكسوا خليلي، فيؤتى بريطتين بيضاوين، فيلبسهما ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه قياما لا يقومه أحد غيري، يغبطني فيه الأولون والآخرون» (^٢). وذكر الحديث.\nوخرج البيهقي بإسناده في كتاب «الأسماء والصفات» عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم تحشرون حفاة عراة، وأول من يكسى من الجنة إبراهيم ﵇، يكسى حلّة من الجنة ويؤتى بكرسي، فيطرح عن يمين العرش، ويؤتى بي فأكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم أوتي بكرسي فيطرح على ساق العرش» (^٣).\nوهذا نص بأن إبراهيم أول من يكسى ثم نبينا بإخباره ﷺ، فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الوقت من ثياب الجنة، فإنه من لبسه فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحر الشمس، وغير ذلك من أهواله.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>فصل</span>\nوتكلم العلماء في حكمة تقديم إبراهيم ﵇ بالكسوة؛ فروي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله ﷿ عبد أخوف من إبراهيم ﵇، فتعجّل له\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (٣٦٤) وأحمد في «الزهد» ص ١٠١ - العلمية - ورقم (٤١٣) - الكتاب العربي - وأبو يعلى في «مسنده» (٤٢٧/ ٥٦٦/١). من طريق: سفيان به.\nوإسناده صحيح، له حكم الرفع، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم بإسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» ص ٣٩٥، بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":241},{"text":"كسوته أمانا له ليطمئن قلبه. ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في التستر، وحفظا لفرجه من أن يماس مصلاّه، ففعل ما أمر به، فيجزى بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة، ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جرّدوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس، كما يفعل بمن يراد قتله، وكان ما أصابه من ذلك في ذات الله ﷿، فلما صبر واحتسب وتوكل على الله تعالى؛ دفع الله عنه شر النار في الدنيا والآخرة، وجزاه بذلك العري أن جعله أول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وهذا أحسنها، والله أعلم.\nوإذا بدئ في الكسوة بإبراهيم وثني بمحمد ﷺ؛ أوتي محمد ﷺ بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵉. قاله الحليمي.\nوقوله: تجدون على أفواهكم الفدام، الفدام: مصفاة الكوز والإبريق، قاله الليث. قال أبو عبيد: يعني أنهم منعوا الكلام حتى تتكلم أفخاذهم، فشبه ذلك بالفدام الذي يجعل على الإبريق. قال سفيان: وفدامهم أن يؤخذ على ألسنتهم وهذا مثل.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-173>٨٢ - باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾</span>\n(مسلم) عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض» (^١).\n(الترمذي) عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أيبصر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» (^٢). قال حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٥٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٣٣٢).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>فصل</span>\nقلت: هذا الباب والذي قبله يدل على أن الناس يحشرون حفاة عراة غرلا، أي: غير مختونين ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. قال العلماء:\nيحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه، حتى الختان.\nوقد عارض هذا الباب ما روى أبو داود في «سننه» عن أبي سعيد الخدري ﵁ لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الميت يبعث في ثيابه التي دفن فيها» (^١). قال أبو عمر بن عبد البر: «وقد احتجّ بهذا الحديث من قال: إن الموتى يبعثون جملة على هيئاتهم. وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يزمّل في ثيابه، ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه، ولا يغير عليه شيء من حاله، بدليل حديث ابن عباس وعائشة ﵄، قالوا: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم، والله أعلم».\nقلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث عائشة وابن عباس قوله الحق: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقوله: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. ولأن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، زالت الأملاك بالموت، وبقيت الأموال في الدنيا، وكل نفس يومئذ فإنما يقيها المكاره ما وجب لها بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة من الله عليها، فأما الملابس فلا غنى فيها يومئذ إلا ما كان من لباس الجنة، على ما تقدم في الباب قبل.\nوذهب أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» إلى حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة» (^٢). ورواه أبو سفيان مسندا.\nقال المؤلف ﵀: وهذا الحديث لم أقف عليه، والله أعلم بصحته، وإن صح فيكون معناه: فإن أمتي الشهداء تحشر بأكفانها، حتى لا تتناقض الأخبار، والله أعلم.\nولا يعارض هذا الباب ما تقدم أول الكتاب من أن الموتى يتزاورون في قبورهم بأكفانهم، فإن ذلك يكون في البرزخ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣١١٤) وهو صحيح.\n(^٢) لم أقف عليه.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>٨٣ - باب حشر الرسول ﷺ بين أبي بكر وعمر</span>\nذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، عن عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أحشر يوم القيامة بين أبي بكر وعمر ﵄، حتى أقف بين الحرمين فيأتي أهل المدينة ومكة» (^١). غريب من حديث مالك، تفرد به عبد الله بن إبراهيم عنه، ويقال: لم يروه غير عبد العزيز بن عبد الله الهاشمي البغدادي، عن الغفاري.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-176>٨٤ - باب قول النبي ﷺ من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ وفي أسماء يوم القيامة</span>\n(الترمذي) عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾» (^٢) قال: هذا حديث حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>فصل</span>\nقلت: وإنما كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها، وتكوّر شمسها، وانكدار نجومها، وتناثر كواكبها، إلى غير ذلك من\n_________\n(^١) حيث موضوع؛ في إسناده عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو؛ «متروك» وانظر «ميزان الاعتدال» ترجمة رقم (٤١٩٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٧، ٣٦، ١٠٠) والترمذي (٣٣٣٣) وغيرهما، وهو حديث صحيح؛ انظر «الصحيحة» (١٠٨١).","vol":"1","page":244},{"text":"أفزاعها وأهوالها، وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم بعد نشر صحفهم، وقراءة كتبهم، وأخذها بأيمانهم وشمائلهم، أو من وراء ظهورهم في موقفهم، على ما يأتي بيانه - قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وقال:\n﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وقال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] فتراها واهية منفطرة متشقّقة، كقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] ويكون الغمام سترة بين السماء والأرض، وقيل: إن الباء بمعنى (عن) أي: تشقّق عن سحاب أبيض، ويقال: انشقاقها لما يخلص إليها من حر جهنم، وذلك إذا بطلت المياه، وبرزت النيران، فأول ذلك أنها تصير حمراء صافية كالدهن، وتتشقق لما يريد الله من نقض هذا العالم ورفعه. وقد قيل: إن السماء تتلون فتصفر ثم تحمر، أو تحمر ثم تصفر، كالمهرة تميل في الربيع إلى الصفرة، فإذا اشتدّ الحر مالت إلى الحمرة، ثم إلى الغبرة. قاله الحليمي.\nوقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قال ابن عباس ﵁:\nتكويرها؛ إدخالها في العرش. وقيل: ذهاب ضوئها، قاله الحسن وقتادة. وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد، وقال أبو عبيدة: كوّرت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحى. وقال الربيع بن خيثم: كورت؛ رمي بها، ومنه: كوّرته فتكوّر، أي: سقط.\nقلت وأصل التكوير الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها، أي: لاثها وجمعها، فهي تكور ثم يمحى ضوؤها، ثم يرمى بها [في البحر]، والله أعلم (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] أي: انتثرت، قيل: تتناثر من أيدي الملائكة لأنهم يموتون. وفي الخبر: أنها معلقة بين السماء والأرض بسلاسل بأيدي الملائكة. وقال ابن عباس ﵁: انكدرت تغيرت. وأصل الانكدار الانصباب، فتسقط في البحار فتصير معها نيرانا إذا ذهبت المياه.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] هو مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] أي: تحول عن منزلة الحجارة، فتكون كثيبا مهيلا، أي: رملا سائلا، وتكون كالعهن، وتكون هباء منبثّا، وتكون سرابا مثل السراب الذي ليس بشيء، وقيل: إن الجبال بعد اندكاكها تصير كالعهن من حرّ جهنم، كما تصير السماء من حرها كالمهل. قال الحليمي: وهذا - والله أعلم - لأن مياه الأرض كانت حاجزة بين السماء والأرض، فإذا ارتفعت وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أثّر في كل واحد من السماء والأرض ما ذكر.\n_________\n(^١) انظر تفسير المصنف (١٩/ ٢٢٧).","vol":"1","page":245},{"text":"قوله: ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] أي: عطلها أهلها، فلم تحلب، من الشغل بأنفسهم، والعشار: الإبل الحوامل، واحدها عشراء، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعد ما تضع، وإنما خصّ العشار بالذكر لأنها أعز ما يكون على العرب، فأخبر أنها تعطل يوم القيامة، ومعناه: أنهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضهم بعضا، ورأوا الوحوش والدواب محشورة وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبئوا بها، ولم يهمهم أمرها. ويحتمل تعطل العشار؛ إبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملكهم إياها في الدنيا، وأهل العشار يرونها فلا يجدون إليها سبيلا، وقيل: العشار السحاب يعطّل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر، وقيل: العشار الديار تعطل فلا تسكن وقيل: الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع. والقول الأول أشهر وعليه من الناس الأكثر.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] أي: جمعت؛ والحشر: الجمع، وقد تقدم.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، أي: أوقدت وصارت نارا؛ رواه الضحاك عن ابن عباس ﵁. وقال قتادة: غار ماؤها فذهب. وقال الحسن والضحاك: فاضت. قال ابن أبي زمنين: سجّرت؛ حقيقته ملئت، فيفيض بعضها إلى بعض، فتصير شيئا واحدا. وهو معنى قول الحسن. ويقال: إن الشمس تلف ثم تلقى في البحار، فمنها تحمى وتنقلب نارا. قال الحليمي: ويحتمل إن كان هذا هكذا أن البحار في قول من فسّر التسجير بالامتلاء، هو أن النار حينئذ تكون أكثرها، لأن الشمس أعظم من الأرض مرات كثيرة، فإذا كوّرت وألقيت في البحر فصارت نارا ازدادت امتلاء.\nوقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] تفسير الحسن: أن تلحق كل شيعة شيعتها؛ اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد من دون الله شيئا يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقال عكرمة: المعنى تقرن بأجسادها، أي: ترد إليها، وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان. وقيل: يقرن المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] يعني بنات الجاهلية؛ كانوا يدفنونهن أحياء لخصلتين؛ إحداهما: كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، الثانية: مخافة الحاجة والإملاق، وسؤال الموءودة على وجه التوبيخ","vol":"1","page":246},{"text":"لقاتلها كما يقال للطفل إذا ضرب: لم ضربت وما ذنبك. وقال الحسن: أراد الله أن يوبّخ قاتلها، لأنها قتلت بغير ذنب، وبعضهم يقرأ ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ تعلق الجارية بأبيها فتقول بأي ذنب قتلتني؟ وقيل: معنى سئلت؛ يسأل عنها، كما قال:\n﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء: ٣٤].\nوقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] أي: للحساب، وسيأتي.\nوقوله: ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] قيل: معناه طويت، كما قال الله تعالى: «يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتاب» (^١) [الأنبياء: ١٠٤] أي: كطيّ الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى على، يقال: كشطت السقف أي: قلعته، فكان المعنى: قلعت فطويت - والله أعلم -. والكشط والقشط سواء، وهو القلع.\nوقيل: السجل كاتب للنبي ﷺ، ولا يعرف في الصحابة من اسمه سجل.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] أي أوقدت.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] أي: قربت لأهلها وأدنيت.\n﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] أي: من عملها، وهو مثل قوله:\n﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] ومثل قوله: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فهو يوم الانشقاق، ويوم الانفطار، ويوم التكوير، ويوم الانكدار، ويوم الانتثار، ويوم التسيير، قال الله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠].\n﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويوم التعطيل، ويوم التسجير، ويوم التفجير، ويوم الكشط والطي، ويوم المد لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] إلى غير ذلك من أسماء القيامة. وهي الساعة الموعود أمرها، ولعظمها أكثر الناس السؤال عنها لرسول الله ﷺ، حتى أنزل الله ﷿ على رسوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكلّ ما عظم شأنه تعدّدت صفاته، وكثرت أسماؤه، وهذا في جميع كلام العرب، ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه، وتأكّد نفعه لديهم وموقعه، جمعوا له خمسمائة اسم، وله نظائر. فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة، منها ما ذكرناه، مما وقع في هذه السور الثلاث.\n_________\n(^١) والقراءة التي أوردها المصنف قراءة ورش وقالون عن نافع، وقراءة حفص عن عاصم: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾.","vol":"1","page":247},{"text":"وقيل: إن الله تعالى يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، فتوقف بين يدي الله تعالى، ويوم الجمعة فيها زهراء مضيئة، يعرفها الخلائق، فيوم القيامة يوم يتضمن الأيام كلها، فسمّي بكل حال يوما فقيل: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [النبأ: ١٨] ثم قيل:\n﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] ثم قيل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النبأ: ٤٠] فهذه حالة أخرى. ثم قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ [الحاقة: ١٨] ثم قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦]. فهذه أحوال. فقد يجري يوم القيامة بطوله على هذه الأحوال، كل حال منها كاليوم المتجدد، ولذلك كررت في قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] لأن ذلك اليوم وما بعده يوم، واليوم العظيم متضمن لهذه الأيام، فهو لله يوم، وللخلائق أيام، قد عرفت أيامهم في يومه، وقد بطل الليل والنهار. قاله الترمذي الحكيم.\nومما قيل في معنى ما ذكرنا من النظم قول بعضهم:\nمثّل لنفسك أيها المغرور … يوم القيامة والسماء تمور\nإذ كوّرت شمس النهار وأدنيت … حتى على رأس العباد تسير\nوإذا النجوم تساقطت وتناثرت … وتبدلت بعد الضياء كدور\nوإذا البحار تفجّرت من خوفها … ورأيتها مثل الجحيم تفور\nوإذا الجبال تقلّعت بأصولها … فرأيتها مثل السحاب تسير\nوإذا العشار تعطّلت وتخربت … خلت الديار فما بها معمور\nوإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت … وتقول للأملاك أين نسير\nوإذا تقاة المسلمين تزوجت … من حور عين زانهن شعور\nوإذا الموءودة سئلت عن شأنها … وبأيّ ذنب قتلها ميسور\nوإذا الجليل طوى السما بيمينه … طيّ السّجلّ كتابه المنشور\nوإذا الصحائف عند ذاك تساقطت … تبدي لنا يوم القصاص أمور\nوإذا الصحائف نشرت فتطايرت … وتهتكت للمؤمنين ستور\nوإذا السماء تكشطت عن أهلها … ورأيت أفلاك السماء تدور\nوإذا الجحيم تسعّرت نيرانها … فلها على أهل الذنوب زفير\nوإذا الجنان تزخرفت وتطيبت … لفتى على طول البلاء صبور\nوإذا الجنين بأمّه متعلّق … يخشى القصاص وقلبه مذعور\nهذا بلا ذنب يخاف جناية … كيف المصرّ على الذنوب دهور","vol":"1","page":248},{"text":"ومنها الساعة قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] وهو في القرآن كثير.\nوالساعة؛ كلمة يعبّر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود وفي العرف على جزء من أربعة وعشرين جزءا من يوم وليلة، والّذين هما أصل الأزمنة.\nوتقول العرب: أفعل كذا الساعة، وأنا الساعة في أمر كذا، تريد الوقت الذي أنت فيه، والذي يليه تقريبا له. وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمّى بالآن، وسمّيت به القيامة إما لقربها؛ فإن كل آت قريب، وإما أن تكون سميت بها تنبيها على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود وتكسر العظام.\nوقيل: إنما سميت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة، وقيل: إنما سميت بالساعة لأن الله تعالى يأمر السماء أن تمطر بماء الحيوان، حتى تنبت الأجساد في مدافنها ومواضعها حيث كانت من بحر أو بر، وتستقل وتتحرك بحياتها بماء الحيوان، وليست فيها أرواح، ثم تدعى الأرواح، فأرواح المؤمنين تتوقد نورا، وأرواح الكافرين تتوهج ظلمة، فإذا دعا الأرواح ألقاها في الصور، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ في الصور، فإذا نفخ فيه خرجت من الصور، ثم أمرت أن تلحق الأجساد، فتبعث إلى الأجساد في أسرع من اللمحة، وإنما سميت الساعة لسعي الأرواح إلى الأجساد في تلك السرعة، فهي سائع، وجمعها ساعة، كقولك: بائع وباعة، وضائع وضاعة، وكائل وكالة، فوصفت أن سائر أموره في السرعة كلمح البصر، وأمر الساعة أقرب من لمح البصر. قاله الترمذي الحكيم.\nوذكر أبو نعيم الحافظ بإسناده؛ عن وهب بن منبه قال: «إذا قامت الساعة صرخت الحجارة صراخ النساء، وقطرت العظام دما» (^١).\nومنها القيامة، قال الله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]. وهي في العربية مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث للمبالغة على عادة العرب، واختلف في تسميتها بذلك على أربعة أقوال:\nالأول: لوجود هذه الأمور فيها.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٦٣) بسند ضعيف.","vol":"1","page":249},{"text":"الثاني: لقيام الخلق كلهم من قبورهم إليها قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣].\nالثالث: لقيام الناس لرب العالمين، كما روى مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: «يوم يقوم الناس لربّ العالمين، قال: يوم يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (^١).\nقال ابن عمر ﵄ يقومون مائة سنة. ويروى عن كعب: يقومون ثلاثمائة سنة.\nالرابع: لقيام الروح والملائكة صفّا، قال الله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨].\nقال علماؤنا: واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته، ولكنها قيامة صغرى وكبرى، فالصغرى هي ما يقوم على كل إنسان في خاصته، من خروج روحه، وفراق أهله، وانقطاع سعيه، وحصوله على عمله، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرّا فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعمّ الناس وتأخذهم أخذه واحدة، والدليل على أن كل ميت يموت فقد قامت قيامته؛ قول النبي ﷺ لقوم من الأعراب، وقد سألوه متى القيامة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: «إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليم ساعتكم» (^٢) أخرجه مسلم وغيره.\nوقال الشاعر:\nخرجت من الدنيا وقامت قيامتي … غداة أقيل الحاملون جنازتي\nوعجّل أهلي حفر قبري وصيّروا … خروجي وتعجيلي إليه كرامتي\nكأنهم لم يعرفوا قط سيرتي … غداة أتي يومي عليّ وساعتي\nومنها: يوم النفخة؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه: ١٠٢]، وقد مضى القول فيه. ومنها: يوم الزلزلة، ويوم الراجفة، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦، ٧] وقد تقدم. ومنها: يوم الناقور، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، وقد تقدّم القول فيه، والحمد لله. ومنها: القارعة؛ سمّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها، يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده. قالت الخنساء أخت صخر:\nتعرّفني الدهر نهشا وحزّا … وأوجعني الدهر قرعا وغمزا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٣٨) ومسلم (٢٨٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥١١) ومسلم (٢٩٥٢).","vol":"1","page":250},{"text":"أرادت؛ أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها.\nومنها: يوم البعث، وحقيقته إثارة الشيء عن خفاء، وتحريكه عن سكون.\nقال عنترة:\nوعصابة شمّ الأنوف بعثتهم … ليلا وقد مال الكرا بطلاها\nوقال امرؤ القيس:\nوفتيان صدق قد بعثت بسحرة … فقاموا جميعا بين عاث ونشوان (^١)\nوقد تقدم القول فيه وفي صفته، والحمد لله.\nومنها: يوم النشوز؛ وهو عبارة عن الإحياء، يقال: قد أنشز الله الموتى، فنشزوا؛ أي: أحياهم الله فحيوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: نحييها، وقد يكون معناه التفريق؛ من ذلك قولك:\nأمرهم نشز.\nومنها يوم الخروج، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٣٤] فأوله الخروج من القبور، وآخره خروج المؤمنين من النار، ثم لا خروج ولا دخول على ما يأتي. ومنها: يوم الحشر؛ وهو عبارة عن الجمع، وقد يكون مع الفعل إكراه، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: من يسوق السحرة كرها، وقد مضى القول في الحشر مستوفى والحمد لله.\nومنها: يوم العرض، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]. وحقيقته إدراك الشيء بإحدى الحواس ليعلم حاله، وغايته السمع والبصر، فلا يزال الخلق قياما في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ما شاء الله أن يقوموا حتى يلهموا أو يهتموا، فيقولون: قد كنا نستشفع في الدنيا، فهلم فلنسأل الشفاعة إلى ربنا، فيقولون: ائتوا آدم … الحديث، وسيأتي.\nقال ابن العربي: وفي كيفية العرض أحاديث كثيرة، المعوّل منها على تسعة أحاديث في تسعة أوقات:\nالأول: الحديث المشهور الصحيح رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدري ﵄ واللفظ له، قال: إن ناسا في زمن النبي ﷺ قالوا: «يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟» قال رسول الله ﷺ: «هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها\n_________\n(^١) اللغات: الراكض، والنشوان: المتروك.","vol":"1","page":251},{"text":"سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلاّ يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر وغير أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال لهم:\nكذبتم؛ ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار ألا تردون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، ثم تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم؛ ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار ألا تريدون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله من برّ وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فماذا تنتظرون، تتبع كل أمة ما كانت تعبد؟ قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم. فيقولون نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا - مرتين أو ثلاثا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلّم سلّم» (^١). وذكر الحديث، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.\nالثاني: صحّ من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نوقش الحساب عذّب، قلت: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]». قال: «ليس ذلك الحساب، ذلك العرض» (^٢) وسيأتي.\nالثالث: روى الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات» (^٣). وسيأتي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢). من حديث أبي هريرة ﵁.\nوأخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٦) ومسلم (٢٨٧٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٢٥) وقال: «ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضهم عن علي بن علي؛ وهو الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ. قال الترمذي: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى».","vol":"1","page":252},{"text":"الرابع: روي عن أنس ﵁ أنه قال عن النبي ﷺ: «يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج» (^١). الحديث، سيأتي.\nالخامس: ثبت عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد الخدري، واللفظ له: «يؤتى بعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وتركتك ترأس وترتع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا فيقال له: اليوم أنساك كما نسيتني» (^٢). وهذا حديث صحيح. قلت خرجه مسلم والترمذي مطولا.\nالسادس: ثبت من طرق صحاح، أن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه، فيقول له: عبدي تذكر يوم كذا وكذا، حين فعلت كذا وكذا، فلا يزال يقرره حتى يرى أنه هلك، ثم يقول له: عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (^٣).\nالسابع: وفي الصحيح، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا من النار؛ رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها» (^٤). وذكر الحديث.\nالثامن: وفي الصحيح، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n«يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها» (^٥).\nوروى مسلم: «يجمع الله الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنّة، فيقول لهم: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك» (^٦). وذكر حديث الشفاعة.\nقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وذلك قوله في الحديث المتقدم: «ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا».\nقال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا مما أغفله الأئمة في التفسير.\n_________\n(¬- قلت: يشير إلى رواية أبي موسى التي أخرجها ابن ماجه (٤٢٧٧) وغيره. وهي ضعيفة، وانظر «ضعيف سنن الترمذي» (٤٢٦).\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٢٧) وغيره، وهو في «ضعيف سنن الترمذي» رقم (٤٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٧) والترمذي (٢٤٢٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٦٨٥) ومسلم (٢٧٦٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٩٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٩٢).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٩٥).","vol":"1","page":253},{"text":"التاسع: العرض على الله، ولا أعلمه في الحديث إلا قوله في النص المتقدم: «حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين»، وذكر الحديث. قلت: إذا تتبعت الأحاديث في هذا الباب على هذا السياق كان الحسن والصحيح منها أكثر من تسعة.\nوقد خرج مسلم عن أبي بردة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» (^١) الحديث وسيأتي.\nوقوله في الحديث الآخر: «إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله» (^٢).\nوخرّج مسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلّمه الله ليس بينه وبينه ترجمان» (^٣). الحديث، وسيأتي.\nوخرّج البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب» (^٤). الحديث، وسيأتي.\nويتضمن من غير رواية البخاري عرض اللوح المحفوظ، ثم إسرافيل، ثم جبرائيل، ثم الأنبياء نبيّا نبيا صلوات الله عليهم أجمعين، وسيأتي.\nوخرّج الترمذي وابن ماجه، حديث «الرجل الذي ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا» (^٥). وسيأتي.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤١٧) وهو في «الصحيحة» (٩٤٦). ووهم المصنف في عزوه لمسلم.\n(^٢) أخرجه البغدادي في «تاريخه» (٨/ ٩٩) وفي «الفصل للوصل المدرج من النقل» (٢/ ٧٤٩) وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ١٣٧) وابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٠٩/ ١٠٧٥/٢) والطبراني في «الأوسط» (٤٥١) وفي «الصغير» (١/ ١٥) وابن عدي في الكامل» (٧/ ٢٦٢٨) والدينوري في «المجالسة» (٣٠٢/ ١١/١) وتمام الرازي في «الفوائد» (٥٠/ ١٠٤/١).\nمن طريق: أحمد بن خليد الحلبي، عن يوسف الأفطس، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا.\nوإسناده ضعيف جدا.\nانظر «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٤٦) و«الفوائد المجموعة» للشوكاني ص ٧٢، و«ضعيف الجامع» (٧٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٣٩، ٧٤٤٣) ومسلم (١٠١٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٣٣٩، ٤٤٨٧، ٧٣٤٩).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩) وابن ماجه (٤٣٠٠)، وهو حديث صحيح. انظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٦٩).","vol":"1","page":254},{"text":"وهذا كله من باب العرض على الله، وإذا تتبعت الأحاديث كانت أكثر من هذا في مواطن مختلفة، وأشخاص متباينة، والله أعلم.\nوفي بعض الخبر أنه يتمنى رجال أن يبعث بهم إلى النار، ولا تعرض قبائحهم على الله تعالى، ولا يكشف مساويهم على رؤوس الخلائق.\nقلت: وأمّا ما وقع ذكره في الحديث من كشف الساق وذكر الصورة؛ فيأتي إيضاح ذلك وكشفه في حديث أبي هريرة ﵁ من هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى -.\nوأما ما جاء من طول هذا اليوم، ووقوف الخلائق فيه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» فقلت: ما أطول هذا! فقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من الصلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا» (^١). ذكره قاسم بن أصبغ. وقيل غير هذا وسيأتي.\nومنها يوم الجمع؛ وحقيقته في العربية: ضمّ واحد إلى واحد، فيكون شفعا، أو زوجا إلى زوج فيكون جمعا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] وقال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] وهو في القرآن كثير.\nومنها: يوم التفرق، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].\nومنها: يوم الصدع، والصدر أيضا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] ومعناهما معنى الاسم الذي قبله.\nومنها: يوم البعثرة، ومعناه: تتبع الشيء المختلط مع غيره حتى يخلص منه،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٧٥) وأبو يعلى (٥٢٧/ ١٣٩٠/٢) والبيهقي في «البعث والنشور» (١٢٦).\nمن طريق: ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري به.\nوأخرجه: ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٢٩/ ٧٢) وابن حبان (٣٢٩/ ٧٣٣٤/١٦). من طريق: ابن وهب؛ أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد به.\nوإسناده ضعيف؛ لأجل دراج وأبي الهيثم، وفي الإسناد الأول ابن لهيعة. والحديث ضعّف إسناده المحدث الألباني في تحقيقه على «المشكاة» (١٥٤٤/ ٥٥٦٤/٣).","vol":"1","page":255},{"text":"فيخلص الله تعالى الأجسام من التراب، والكافرين من المؤمنين، والمنافقين، ثم يخلص المؤمنين من المنافقين، كما في الحديث الصحيح: «إن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد» (^١). خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.\nومنها ما روي: «أنه يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حبّ السمسم» (^٢). وهو صحيح أيضا، وسيأتي. وقال ﷺ: «يؤخذ برجال ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (^٣).\nومنها: يوم الفزع؛ وحقيقته: ضعف النفس عن حمل المعاني الطارئة عليها خلاف العادة، فإن استمر كان جبنا، وعند ذلك تتشوّق النفس إلى ما يقوّيها، فلأجل ذلك قالوا: فزعت من كذا؛ أي: ضعفت عن حمله عند جريانه على خلاف العادة، وفزعت إلى كذا؛ أي: تشوّقت نفسي عند ذلك إلى ما يقويها على ما نزل بها. والآخرة كلها خلاف العادة، وهي فزع كلها. وفي التنزيل: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وقد اختلف فيه، فقيل: هو قوله: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] وقيل: إذا طبقت النار على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار.\nوقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وعنه أن الفزع الأكبر؛ النفخة الآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبشارة حتى يخرجوا من قبورهم.\nومنها: يوم التناد؛ بتخفيف الدال، من النداء. وتشديدها من ندّ إذا ذهب، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] وهو الذهاب في غير قصد، وروي أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض» الحديث، وقد تقدم. وهي التي يقول الله: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] فيسير الله الجبال ويرج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله: ﴿تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ * أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٩] فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، ويتولى الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣].\nقال ابن العربي: «وقد رويت في ذلك آثار كثيرة هذا أمثلها فدعوها، فالمعنى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤).\n(^٢) جزء من أثر ابن عباس؛ أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٦١) ونعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٥٤)، وفيه شهر بن حوشب. وقد تقدم تخريج الأثر والكلام عليه في باب رقم (٧٦).\n(^٣) تقدّم تخريجه والكلام على معناه.","vol":"1","page":256},{"text":"الواحد يكفينا منها، ومن هولها ومن تحقيق المعنى لها». قلت: قد بينا أقوال العلماء في ذلك عند ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في باب «أين تكون الناس» فتأمله هناك.\nومنها: يوم الدعاء؛ وهو النداء أيضا.\nوالنداء على ثمانية وجوه فيما ذكر ابن العربي:\nالأول: نداء أهل الجنة أهل النار بالتقريع.\nالثاني: نداء أهل النار لأهل الجنة بالاستغاثة، كما أخبر الله عنهم.\nالثالث: يدعى كل أناس بإمامهم وهو قوله: «لتتبع كلّ أمة ما كانت تعبد».\nقال المؤلف: ويقال: بكتابهم، وقيل: بنبيهم. قال سريّ السّقطي: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها، فيقال: يا أمة موسى، يا أمة عيسى، ويا أمة محمد المحبين لله فإنهم ينادون يا أولياء الله هلمّوا إلى الله سبحانه فتكاد قلوبهم تنخلع فرحا.\nالرابع: نداء الملك: ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وسيأتي.\nالخامس: النداء عند ذبح الموت، يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.\nالسادس: نداء أهل النار: يا حسرتنا ويا ويلتنا.\nالسابع: قول الأشهاد: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].\nالثامن: نداء الله تعالى أهل الجنة فيقول: «يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون:\nوما لنا لا نرضى؛ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: أعطيتكم أفضل من ذلك؛ رضائي».\nقال المؤلف ﵁: ونداء تاسع ذكره أبو نعيم عن مروان بن محمد قال: قال أبو حازم الأعرج: يخاطب نفسه: «يا أعرج ينادى يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا وكذا وكذا! فتقوم معهم، ثم ينادى: يا أهل خطيئة أخرى! فتقوم معهم، فأراك يا أعرج تريد أن تقوم مع أهل كل خطيئة» (^١). وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ الآية التي في القصص، وحم السجدة ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] والنداء في الأخبار كثير، يأتي بيانها وذكرها في باب: من يدخل الجنة بغير حساب.\n_________\n(^١) انظر «الحلية» لأبي نعيم (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"1","page":257},{"text":"ومنها: يوم الواقعة؛ وأصل وقع في كلام العرب: كان ووجد، وجاءت الشريعة في تأكيد ذلك بثبوت ما وجد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] والمراد بالقول هنا: إخبار الباري عن الساعة، وأنها قريبة، ومن أعظم علاماتها الدابة، وسيأتي ذكرها، وما للعلماء فيها من الأشراط - إن شاء الله تعالى - وقوله: كاذبة (^١)؛ مصدر كالباقية والعاقبة، أي: ليس لوقعتها مقالة كاذبة.\nومنها: الخافضة الرافعة؛ أي: ترفع قوما في الجنة، وتخفض أخرى في النار، والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعزة والإهانة، ونسب سبحانه الخفض والرفع للقيامة توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما، مما لم يمكن منه الفعل، يقولون: ليل قائم ونهار صائم، وفي التنزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] والخافض والرافع على الحقيقة إنما هو الله تعالى وحده، فرفع أولياءه في أعلى الدرجات، وجعل أعداءه في أسفل الدركات، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥، ٨٦]. وقال ﷺ في حديث جابر ﵁: «نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس» (^٢). قال ابن العربي: «وهذا حديث فيه تخليط في كتاب مسلم لم يتقنه راويه.\nومعناه: أن جميع الخلق على بسيط من الأرض سواء إلا محمدا ﷺ وأمته، فإنهم يرفعون جميعهم على شبه من الكوم ويخفض الناس عنهم»، وفي رواية: «أكون أنا وأمتي يوم القيامة على تل فيكسوني ربي حلّة خضراء، ثم يؤذن لي، فذلك المقام المحمود» (^٣).\nقلت: وهذا الرفع في المكان بحسب الزيادة في المكانة.\nقال ابن العربي: وهي أنواع؛ فرفع محمدا ﷺ بالشفاعة في أول الخلق، وبأنه أول من يدخل الجنة، ويقرع بابها، ورفع العادلين بالحديث الصحيح:\n«المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» (^٤). ورفع القراء إلى حيث انتهت قراءتهم؛ يقال: «اقرأ ورتل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (^٥) وسيأتي ورفع الشهداء، فقال في الحديث الصحيح:\n_________\n(^١) في قوله تعالى: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [سورة الواقعة: ١، ٢].\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩١)، وانظر تعليق الإمام النووي على لفظ الحديث (٣/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٦) بإسناد صحيح.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨٢٧).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٢) وأبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٤)، وهو حديث صحيح؛ صحّحه الشيخ الألباني.","vol":"1","page":258},{"text":"«إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله» (^١). الحديث، وسيأتي. ورفع كافل اليتيم، فقال ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» (^٢)، وأشار مالك بالسبابة والوسطى، يريد في الجوار. وقال ﷺ: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدريّ الغائر في أفق السماء وأن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (^٣).\nورفع عائشة على فاطمة ﵄ (^٤)، فإن عائشة مع النبي ﷺ وفاطمة مع علي ﵄.\nومنها: يوم الحساب؛ ومعناه أن الباري سبحانه يعدّد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه، ثم يقابل البعض بالبعض، فما يشف منها على الآخر؛ حكم للمشفوف بحكمه الذي عينه للخير بالخير، وللشر بالشر.\nوجاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان» (^٥). فقيل: إن الله يحاسب المكلفين بنفسه ويخاطبهم معا، ولا يحاسبهم واحدا بعد واحد، والمحاسبة حكم، فلذلك تضاف إليه كما يضاف الحكم إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧].\nوفي الخبر: «أنه يوقف شيخ للحساب فيقول الله له: يا شيخ! ما أنصفت، غذوتك بالنعم صغيرا فلما كبرت عصيتني، أما إني لا أكون لك كما كنت لنفسك، اذهب فقد غفرت لك ما كان قبل، وإنه ليؤتى بالشاب كثير الذنوب فإذا وقف تضعضعت أركانه واصطكت ركبتاه، فيقول الرب ﷻ: أما استحييتني؟ أما راقبتني، أما خشيت نقمتي، أما علمت أني مطلع عليك؟! خذوه إلى أمّه الهاوية».\nوقيل: إن الملائكة يحاسبون بأمر الله كما أن الحكام يحكمون بأمر الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وإن من لم يكن بهذه الصفة فإن الله تعالى يكلمه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٩٠، ٧٤٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الباب عن غيره من الصحابة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٠٥) من حديث سهل بن سعد، ومسلم (٢٩٨٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٥٥) ومسلم (٢٨٣٠).\n(^٤) لا يوجد دليل على هذا، بل الدليل على أن فاطمة ﵍ سيدة نساء أهل الجنة. كما تجده في كتاب «خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» للحافظ النسائي رقم (١٢٧، ١٢٨، ١٢٩) و«فضائل فاطمة» لابن شاهين رقم (٤، ٥)، والله أعلم.\n(^٥) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":259},{"text":"فيكلم المأمنين ويحاسبهم حسابا يسيرا من غير ترجمان، إكراما لهم كما أكرم موسى ﵇ في الدنيا بالكليم، ولا يكلم الكفار فتحاسبهم الملائكة، ويميزهم بذلك عن أهل الكرامة، فتتسع قدرته لمحاسبة الخلق كلهم معا، كما تتسع قدرته لإحداث خلائق كثيرة معا. قال الله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أي: إلا كخلق نفس واحدة.\nويروى عن علي بن أبي طالب ﵁؛ وسئل عن محاسبة الخلق، فقال: «كما يرزقهم في غداة واحدة كذلك يحاسبهم في ساعة واحدة».\nوفي «صحيح مسلم» حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ: «هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارّون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر وليس في سحابة»؟ قالوا: لا. قال: «فوالذي نفس محمد بيده لا تضارّون في رؤية ربكم إلا كما تضارّون في رؤية أحدهما». قال؛ فيلقى العبد فيقول: أيا فل (^١)! ألم أكرمك وأسوّدك وأزوجك وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وترتع؟ فيقول: بلى.\nفيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني؛ فيقول له، ويقول هو مثل ذلك بعينه، ثم يلقى الثالث؛ فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وتصدقت وصمت، ويثني بخير ما استطاع. قال: فيقول هاهنا إذا. ثم يقول: الآن نبعث شاهدا عليك. فيقول في نفسه: من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه، ويقال: لفخذه:\nانطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه» (^٢).\nوقد قال الله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] أي: حاسبا فعيلا بمعنى فاعل؛ «وإذ نظر فيها ورأى أنه قد هلك فإن أدركته سابقة حسنة وضعت له لا إله إلا الله في كفة فرجحت له السموات والأرض». وفي رواية «فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» (^٣) وسيأتي، وقال: «من نوقش الحساب عذّب» (^٤).\nومنها: يوم السؤال، والبارئ ﷾ يسأل الخلق في الدنيا والآخرة تقريرا لإقامة الحجة وإظهارا للحكمة، قال الله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ﴾\n_________\n(^١) أي: يا فلان.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٨).\n(^٣) تقدّم تخريجهما.\n(^٤) تقدّم تخريجهما.","vol":"1","page":260},{"text":"﴿آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] وقال: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقال: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥] وهو في القرآن كثير. وقال: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] وقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] وقال: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] قيل: عن لا إله إلا الله. وقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال ﵇: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» (^١) الحديث، وسيأتي.\nوروى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ألا كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (^٢).\nومنها: يوم الشهادة، ويوم يقوم الأشهاد.\nوالشهادة على أربعة أنواع: شهادة محمد وأمته تحقيقا لشهادة الرسل على قومها.\nالثاني: شهادة الأرض والأيام والليالي بما عمل فيها وعليها.\nالثالث: شهادة الجوارح، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] وقال: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وذلك بين أيضا في حديث أبي هريرة ﵁.\nالرابع: حديث أنس ﵁، وفيه: «ويختم علي فيه، ويقال لأركانه:\nانطقي، فتنطق بأعماله» (^٣) وسيأتي بيان هذا الباب كله، إن شاء الله تعالى.\nومنها: يوم الجدال، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النحل: ١١١] أي: تخاصم وتحاجّ عن نفسها. وجاء في الخبر: «أن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي من شدة أهوال يوم القيامة سوى محمد ﷺ فإنه يسأل في أمته» (^٤) على ما يأتي.\nوفي حديث عمر ﵁، أنه قال لكعب الأحبار: «يا كعب خوفنا هيّجنا، حدّثنا نبّهنا. فقال كعب: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٩٣) وانظر أطرافه هناك، ومسلم (١٨٢٩).\n(^٣) تقدّم.\n(^٤) سيأتي تخريجه تحت الباب رقم (٨٧).","vol":"1","page":261},{"text":"بمثل عمل سبعين نبيّا، لأتت عليك تارات ولا يهمّك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ منتخب إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة فيقول: رب أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك اليوم إلا نفسي. قال يا كعب: أين نجد ذلك في كتاب الله تعالى؟ قال قوله تعالى: ﴿* يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (^١) [النحل: ١١١].\nوقال ابن عباس ﵁ في هذه الآية: ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد فتقول الروح: رب الروح منك أنت خلقته، لم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، ولا عقل أعقل به، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد، فضعف عليه أنواع العذاب، ونجني. فيقول الجسد: ربّ أنت خلقتني بيدك، فكنت كالخشبة ليس لي يد أبطش بها، ولا قدم أسعى بها، ولا بصر أبصر به، ولا سمع أسمع به، فجاء هذا كشعاع الشمس، فبه نطق لساني، وبه أبصرت عيني، وبه مشت رجلي، وبه سمعت أذني، فضعف عليه أنواع العذاب، ونجني. قال: فيضرب الله لهما مثلا؛ أعمى ومقعد أدخلا بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا ينالها فنادى المقعد للأعمى ائتني فاحملني آكل وأطعمك، فدنا منه فحمله فأصابا من الثمر فعلى من يكون العذاب؟ قالا: عليهما، قال: عليكم جميعا العذاب».\nقال المؤلف ﵁ وأرضاه: ومن هذا الباب قول الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ إلى غير ذلك مما في معناه حسب ما يأتي.\nومنها: يوم القصاص؛ وفيه أحاديث، كثيرة، يأتي ذكرها في بابها، إن شاء الله تعالى.\nومنها: يوم الحاقة؛ وسميت بذلك لأن الأمور تحق فيها؛ قاله الطبري. كأنه جعلها من باب: ليلي نائم، كما تقدم.\nوقيل: سميت حاقة لأنها كانت من غير شك، وقيل: سميت بذلك لأنها أحقّت لأقوام الجنة، وأحقّت لأقوام النار.\nومنها: يوم الطامة؛ معناها: الغالبة، من قولك طمّ الشيء؛ إذا علا وغلب، ولما كانت تغلب كل شيء؛ كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء، قال الحسن: الطامة النفخة الثانية، وقيل: حين يساق أهل النار إلى النار.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٢٥) وأحمد في «الزهد» (٦٣٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٣٦٨/ ٥ - ٣٦٩).","vol":"1","page":262},{"text":"ومنها: يوم الصاخة؛ قال عكرمة: الصاخة: النفخة الأولى. والطامة: النفخة الثانية. قال الطبري: أحسبه من صخ فلان فلانا إذا أصمّه. قال ابن العربي:\nالصاخة التي تورث الصمم، وإنها المسمعة. وهذا من بديع الفصاحة حتى لقد قال بعض أحداث الأسنان حديثي الأزمان:\nأصم بك الناعي وإن كنت أسمعا\nوقال آخر:\nأصمني سرّهم أيام فرقتهم … فهل سمعتم بشر يورث الصمما\nولعمرو الله (^١) إن صيحة القيامة مسمعة تصم عن الدنيا وتسمع أمور الآخرة وبهذا كله كان يوما عظيما كما قال الله تعالى في وصفه بالعظيم، وكل شيء كبر في أجزائه فهو عظيم، وكذلك ما كبر في معانيه. وبهذا المعنى كان الباري عظيما؛ لسعة قدرته وعلمه، وكثرة ملكه الذي لا يحصى، ولما كان أمر الآخرة لا ينحصر؛ كان عظيما، بالإضافة إلى الدنيا، ولما كان محدثا له أولا صار حقيرا بالإضافة إلى العظيم الذي لا يحد.\nومنها: يوم الوعيد؛ وهو أن الباري سبحانه أمر ونهى ووعد وأوعد، فهو أيضا يوم الوعد. والوعد للنعيم، والوعيد للعذاب الأليم، وحقيقة الوعيد؛ هو:\nالخبر عن العقوبة عند المخالفة، والوعد الخبر عن المثوبة عند الموافقة، وقد ضل في هذه المسألة المبتدعة وقالوا: إن من أذنب ذنبا واحدا فهو مخلّد في النار تخليد الكفار (^٢)، أخذا بظاهر هذا اللفظ في آي، فلم يفهموا العربية ولا كتاب الله، وأبطلوا شفاعة رسول الله ﷺ. وسيأتي الرد عليهم في أبواب من هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى -.\nومنها: يوم الدين؛ وهو في لسان العرب الجزاء، قال الشاعر:\nحصادك يوما ما زرعت وإنما … يدان الفتى فيه كما هو دائن\nوقال آخر:\nواعلم يقينا أن ملكك زائل … واعلم بأنك كما تدين تدان\nومنها: يوم الجزاء؛ قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]\n_________\n(^١) انظر حول هذه الكلمة: تفسير المصنف «الجامع لأحكام القرآن» (١٠/ ٤٠) و«معجم المناهي اللفظية» للشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - ص ٤٧٠ - ٤٧١.\n(^٢) وعلى هذا القول الخوارج المارقين.","vol":"1","page":263},{"text":"وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وهو أيضا يوم الوفاء، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] أي: حسابهم وجزاءهم، والجنة جزاء الحسنات، والنار جزاء السيئات، قال الله تعالى في المعنيين: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] و﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] وقال في جهة الوعيد ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦].\nومنها: يوم الندامة؛ وذلك أن المحسن إذا رأى جزاء إحسانه، والكافر جزاء كفره؛ ندم المحسن أن لا يكون مستكثرا، وندم المسيء أن لا يكون استعتب، فإذا صار الكافر إلى عذاب لا نفاد له تحسّر، فلذلك سمي يوم الحسرة، قال الله تعالى:\n﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] وذلك عند ذبح الموت على ما يأتي.\n﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ يعني: الآن، عن ذلك اليوم. والحسرة: عبارة عن استكشاف المكروه بعد خفائه.\nومنها: يوم التبديل؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقد تقدم القول في ذلك مستوفى.\nومنها: يوم التلاقي؛ قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] وهو عبارة عن اتصال المعنيين بسبب من أسباب العلم والجسمين. وهو أنواع أربعة:\nالأول: لقاء الأموات لمن سبقهم إلى الممات، فيسألونهم عن أهل الدنيا كما تقدم.\nوالثاني: عمله، وقد تقدم.\nالثالث: لقاء أهل السموات لأهل الأرض في المحشر، وقد تقدم.\nالرابع: لقاء الخلق للبارئ ﷾، وذلك يكون في عرصات القيامة، وفي الجنة على ما يأتي.\nومنها: يوم الآزفة؛ تقول العرب أزف كذا؛ أي: قرب. قال الشاعر:\nأزف الترحّل غير أن ركابنا … لمّا تزل برحالنا وكأن قد\nوهي قريبة جدا، وكل آت قريب، وإن بعد مداه، قال الله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وما يستبعد الرجل من الساعة ومدته ساعة.\nومنها: يوم المآب؛ ومعناه: الرجوع إلى الله تعالى، ولم يذهب عن الله شيء فيرجع إليه، وإنما حقيقته؛ أن العبد يخلق الله فيه ما شاء من أفعاله، لما خلق فيه علما، وخلق فيه إيثارا واختيارا، ظن الناس أنه شيء، أو أن له فعلا، فإذا أماته","vol":"1","page":264},{"text":"وسلب ما كان أعطاه؛ أذعن وآب في وقت لا ينفعه الإياب، ولم يزل عن الله تعالى في حال فهو الأواب.\nومنها: يوم المصير؛ وهو يوم المآب بعينه، قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢]. فالخلق سائرون إلى أمر الله تعالى. وآخر ذلك دار القرار، وهي الجنة أو النار، قال الله تعالى في حق الكافرين: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].\nومنها: يوم القضاء؛ وهو أيضا يوم الحكم والفصل، وسيأتي أن أول ما يقضي فيه الدماء، وقال ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقّها» … الحديث، وفيه: «كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد» (^١). والفصل هو الفرق والقطع، فيفصل يومئذ بين المؤمن والكافر، والمسيء والمحسن. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] الآية.\nوهو يوم الحكم لأن إنفاذ الحكم هو إنفاذ العلم، قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦] الآية. وقال: ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠].\nومنها يوم الوزن ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] الآية. وسيأتي الكلام في الميزان ووزن الأعمال فيه في أبواب إن شاء الله.\nومنها: يوم عقيم؛ وهو في اللغة عبارة عن من لا يكون له ولد. ولما كان الولد يكون بين الأبوين، وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد؛ جعل الاتباع بالبعدية فيها كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم.\nومنها: يوم عسير؛ وهذا في حق الكافرين خاصة، والعسر ضد اليسر، فهو عسير على الكافرين لأنهم لا يرون فيه أملا ولا يقطعون فيه رجاء، حتى إذا خرج المؤمنون من النار طلبوا مثل ذلك، فيقال لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فحينئذ يكون المنع الصريح، على ما يأتي بيانه في أبواب النار إن شاء الله تعالى.\nوأما المؤمنون فتنحل عقدهم بيسر إلى يسر، فينحل طول الوقوف إلى تعجيل الحساب، وتثقيل الموازين، وجواز الصراط والظلال بالأعمال، ولا تنحل للكافرين من هذه العقد عقدة واحدة إلا إلى أشد منها، حتى إلى جهنم دار القرار.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٨٧).","vol":"1","page":265},{"text":"ومنها: يوم مشهود؛ سمّي بذلك لأنه يشهده كل مخلوق. وقيل: سمّي بذلك لأن الشهداء يشهدون فيه. على ما يأتي - والله أعلم -.\nومنها: يوم التغابن؛ سمّي بذلك لأن الناس يتغابنون في المنازل عند الله؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. وحقيقته في لسان العرب: ظهور الفضل في المعاملة لأحد المتعاملين، والدنيا والآخرة دار العملين وحالين، وكل واحد منهما لله، ولا يعطى أحدهما إلا لمن ترك نصيبه من الأخرى، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] وقال: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] ومن أراد الآخرة فسعيه مشكور، وحظه في الآخرة موفور.\nومنها: يوم عبوس قمطرير، والقمطرير: الشديد. وقيل: الطويل. وأما العبوس فهو الذي يعبس فيه، سمّي باسم ما يكون فيه، كما يقال: ليل قائم، ونهار صائم؛ وكلوح الوجه وعبوسه هو: قبض ما بين العينين، وتغير السحنة عن عادتها الطلقة، يقال: يوم طلق إذا كانت شمسه نيرة فاترة، وإذا كانت شمسه مدجية قد غطاها السحاب؛ قيل: يوم عبوس، وأول العبوس والكلوح عند الخروج من القبور ورؤية الأعمال في الصور القبيحة كما تقدم، وآخر ذلك كلوح النار، وهو الكلوح الأعظم يشوي الوجوه، ويسقط الجلود، على ما يأتي. ومع العبوس تشخص الأبصار وهي ثبوتها راكدة على منظر واحد لهول لا ينتقل منه إلى غيره، كما قال سبحانه: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].\nومنها: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]؛ ومعناه: إخراج المخبآت بالاختبار بوزن الأعمال في الصّحف، وبكشف الساق عند السجود، على ما يأتي.\nومنها: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩]؛ وهو مثل قوله: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقال: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١] فكل نفس بما كسبت رهينة لا يغني أحد عن أحد شيئا، بل ينفصل كل واحد عن أخيه وأبيه، ولذلك كان يوم الفصل ويوم الفرار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبأ: ١٧] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] أما إنه يجزي ويقضي ويعطي ويغني بغير اختياره من حسناته ما عليه من الحقوق، على ما يأتي بيانه في أحاديث المفلس، إن شاء الله تعالى.\nومنها: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]؛ والدّع: الدفع، أي:","vol":"1","page":266},{"text":"يدفعون إلى جهنم ويسحبون فيها على وجوههم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨].\nومنها: يوم التقلب؛ وهو: التحوّل، قال الله تعالى: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] أي: قلوب الكفار وأبصارهم، فتقلب قلوب الكفار انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها، ولا هي تخرج، فأما تقلب الأبصار فالزرقة بعد الكحل، والعمي بعد البصر. وقيل:\nتتقلب القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم. وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين، إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة.\nومنها: يوم الشخوص والإقناع؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] أي: لا تغمض فيه من هول ما ترى في ذلك اليوم. قاله الفراء.\nوقال ابن عباس ﵁: «تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يغتمضون». ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: مديمي النظر.\nقال مجاهد والضحاك: ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس رفعه. قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. فإن قيل: فقد قال الله تعالى في غير هذه الآية:\n﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣] وقال: ﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] فكيف يكون الرافع رأسه الناظر نظرا طويلا حتى إن طرفه لا يرتد إليه خاشع البصر؟\nفالجواب: أنهم يخرجون حال المضي إلى الموقف خاشعة أبصارهم، وفي هذه الحال وصفهم الله تعالى بخشوع الأبصار، وإذا توافوا وضمهم الموقف وطال القيام عليهم فإنهم يصيرون من الحيرة كأنهم لا قلوب لهم، ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل ولا يرتد إليهم طرفهم كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه، فهو تعسير عليهم.\nومنها: ﴿يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] وذلك حين يقال لهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وتطبق عليهم جهنم، على ما يأتي بيانه في أبواب النار.\nومنها: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] وإن أذن لهم بأن يمكّنوا","vol":"1","page":267},{"text":"منها لا بأن يقال لهم اعتذروا، كقوله: ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآية، وكقوله: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] الآية، ومنها: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢].\nومنها: يوم الفتنة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يعذبون، من قولك: فتنت الذهب، إذا رميت به في النار.\nومنها: ﴿يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ [الروم: ٤٣] يريد: يوم القيامة، أي: لا يرده أحد بعد ما حكم الله به، وجعل له أجلا ووقتا.\nومنها: يوم الغاشية؛ وسمّيت بذلك لأنها تغشى الناس بإفزاعها، أي: تعمهم بذلك ومنه غاشية السرج.\nومنها: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦].\nومنها: يوم لا بيع فيه ولا خلال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والخلة والخلال: الصداقة والمودة.\nومنها: يوم لا ريب فيه؛ وإن وقع فيه ريب الكفار، أي: شك فليس فيه ريب لقيام الأدلة الظاهرة عليه، كما قال الله تعالى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] فليس في الباري شك لقيام الأدلة عليه، ولشهادة أفعاله، ولاقتضاء المحدث أن يكون له محدث، ولكن قد شك فيه قوم ونفاه آخرون، ولم يوجب ذلك شكا فيه؛ لقيام الأدلة عليه، فكذلك يوم القيامة لا ريب ولا شك فيه مع النظر في الدليل والعلم، فإذا خلق الله تعالى الرين عن القلب كان الشك، قال الله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٦، ٧].\nومنها: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nومنها: يوم الأذان. دخل طاوس على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله، واحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] فصعق هشام. فقال طاوس: هذا ذل الصفة، فكيف ذل المعاينة؟!","vol":"1","page":268},{"text":"ومنها: يوم الشفاعة؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال:\n﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وقال: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] وسيأتي بيانه.\nومنها: يوم العرق؛ وسيأتي بيانه في أحاديث في الباب بعد هذا بحول الله وقوته.\nومنها: يوم القلق والجولان؛ وهو عبارة عن عدم الاستقرار والثبوت، يقال:\nقلق الرجل يقلق قلقا؛ إذا لم يستقر. ومثله: جال يجول، إذا لم يثبت.\nومنها: يوم الفرار، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] فيفر كل واحد من صاحبه، حذرا من مطالبته إياه، إما لما بينهم من التبعات أو لئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وقال عبد الله بن طاهر الأبهري: يفر منهم لما يتبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى.\nوقال الحسن: أول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من امرأته لوط، قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم. وهذا فرار النبيين، نجانا الله من أهوال هذا اليوم بحق محمد نبي الرحمة (^١) وصحبه الكرام البررة، وجعلنا ممن حشر في زمرتهم، ولا خالف بنا عن طريقهم ومذهبهم بمنه وكرمه آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.\nقال المؤلف: وقد سرد تسمية هذه الأيام على التوالي من غير تفسير؛ غير واحد من العلماء، منهم ابن نجاح في «سبل الخيرات»، وأبو حامد الغزالي في غير موضع من كتبه كالإحياء وغيره، والقتبي في كتاب «عيون الأخبار»، وهذا تفسيرها حسب ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين»، وربما زدنا عليه في ذلك، والحمد لله على ذلك. ولا يمتنع أن تسمّى بأسماء غير ما ذكرنا، بحسب الأحوال الكائنة فيه من الازدحام والتضايق، واختلاف الأقدام والخزي والهوان، والذل والافتقار والصغار والانكسار، ويوم الميقات والمرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء وسيأتي التنبيه على ذلك - إن شاء الله تعالى - في الباب بعد هذا.\n***\n_________\n(^١) تقدّم الكلام على مثل هذا الكلام، وبيان أنه لا يشرع السؤال بهذه الصيغة.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>٨٥ - باب ما يلقى الناس في الموقف من الأهوال العظام والأمور الجسام</span>\nقال المحاسبي في (كتاب التوهم والأهوال): «يحشر الله الأمم من الإنس والجن عراة أذلاء قد نزع الملك من ملوك الأرض ولزمهم الصّغار بعد عتوّهم، والذلة بعد تجبّرهم على عباد الله في أرضه. ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رؤوسها بعد توحشها من الخلائق، وانفرادها ذليلة من هول يوم النشور، من غير ريبة ولا خطيئة أصابتها، حتى وقفت من وراء الخلق بالذلة والانكسار لذلك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد تمردها وعتوّها خاضعة ذليلة للعرض على الملك الديان، حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها، وشياطينها ووحوشها، وسباعها وأنعامها وهوامها، تناثرت نجوم السماء من فوقهم، وطمست الشمس والقمر فأظلما عليهم، ومارت سماء الدنيا من فوقهم، فدارت من فوقهم بعظمها فوق رؤوسهم، وجميع ذلك بعينك وعين أهل الموقف ينظرون إلى هوله، ثم انشقت بغلظها فوق رؤوسهم، وهي خمسمائة عام، فيا هول صوت انشقاقها في سمعهم، وتمزقت وتفطرت لهول يوم القيامة من عظم يوم الطامة، ثم ذابت حتى صارت مثل الفضة المذابة، كما قال الجبار ﵎: ﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨، ٩] أي: كالصوف المنفوش وهو أضعف الصوف، وهبطت الملائكة من حافاتها إلى الأرض بالتقديس لربها، فتوهم انحدارهم من السماء لعظم أجسامهم، وكثرة أخطارهم، وهول أصواتهم، وشدة فرقهم من خوف ربهم، وتوهم فزعك حينئذ وفزع الخلائق لنزولهم مخافة أن يكونوا قد أمروا بهم، فأخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسي رؤوسهم، لعظيم هول يومهم، قد تسربلوا أجنحتهم ونكسوا رؤوسهم بالذلة والخضوع لربهم، وكذلك ملائكة كل سماء، إلى السماء السابعة قد أضعف أهل كل سماء على أهل السماء الذين قبلهم في العدة، وعظم الأجسام والأصوات، حتى إذا وافى الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع، كسيت الشمس حرّ عشر سنين، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوسين أو أدنى، فلا ظلّ ذلك اليوم إلا ظل عرش الرحمن، فمن بين مستظلّ بظلّ العرش، وبين مضح بحرّ الشمس قد صهرته، واشتد فيها كربه وأقلقته، وقد ازدحمت الأمم وتضايقت ودفع بعضها بعضا، واختلفت الأقدام، وانقطعت الأعناق من العطش، قد اجتمع عليهم في مقامهم حرّ الشمس، مع وهج أنفاسهم وتزاحم أجسامهم،","vol":"1","page":270},{"text":"ففاض العرق منهم على وجه الأرض، ثم على أقدامهم، ثم على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم، من السعادة والشقاء، فمنهم من يبلغ العرق منكبيه وحقويه، ومنهم إلى شحمة أذنيه، ومنهم من قد ألجمه العرق فكاد أن يغيب فيه».\nقلت: ذكر المحاسبي وغيره أن انفطار السماء وانشقاقها بعد جمع الناس في الموقف، وقد قدمنا أن ذلك يكون قبل ذلك، وهو ظاهر القرآن كما ذكرنا، والله أعلم. وقد جاء ذلك مرفوعا في حديث أبي هريرة ﵁ وقد تقدم.\nوما ذكره المحاسبي مروي عن ابن عباس ﵁ قال: «إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها، كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد جهنّم وإنسهم، فإذا كان ذلك قبضت هذه السماء عن أهلها فينتشرون على وجه الأرض فلأهل السماء أكثر من أهل جميع الأرض، جهنّم وإنسهم بالضعف». الحديث بطوله ذكره ابن المبارك في رقائقه. قال: أخبرنا عوف، عن أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي قال: أخبرنا شهر بن حوشب قال: حدّثني ابن عباس فذكره (^١).\nقال ابن المبارك: وأخبرني جويبر، عن الضحاك قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى السماء الدنيا فتشققت بأهلها فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمر الرب فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض، ومن فيها ثم يأمر السماء التي تليها، فينزلون فيكونون صفّا خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فينزل الملك الأعلى في بهائه وجلاله وملكه ﷻ وبجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا قياما من الملائكة فذلك قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] والسلطان العذر، وذلك قوله ﷿: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وقال: ﴿وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٦، ١٧] يعني: على حافاتها. يعني: بأرجائها ما تشقق منها، فبينا هم كذلك؛ إذ سمعوا الصوت فأقبلوا إلى الحساب» (^٢).\nقلت ولا يصح إسنادهما فإن شهرا وجويبرا قد تكلّم فيهما وضعّفوهما، قال البخاري في «التاريخ»: «جويبر بن سعيد البلخي عن الضحّاك، قال لي علي: قال يحيى: كنت أعرف جويبرا بحديثين ثم أخرج هذه الأحاديث بعد، فضعّفه» (^٣).\n_________\n(^١) وقد تقدّم.\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٥٤)، وإسناده ضعيف.\n(^٣) «التاريخ الكبير» (٢٥٧/ ٢٣٨٣/٢).","vol":"1","page":271},{"text":"وأما شهر؛ فقال مسلم في صدر كتابه: «سئل ابن عوف عن حديث شهر، وهو قائم على أسكفة الباب فقال: إن شهرا تركوه، إن شهرا تركوه، قال مسلم: يقول أخذته ألسنة الناس تكلموا فيه، وقال عن شعبة وقد لقيت شهرا، فلم أعتد به».\nوذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» نحوا مما ذكر المحاسبي عن ابن عباس ﵁ والضحاك، فقال: «إن الخلائق إذا اجتمعوا في صعيد واحد، الأولين والآخرين؛ أمر الجليل ﷻ بملائكة سماء الدنيا أن يتولوهم، فيأخذ كل واحد منهم إنسانا وشخصا من المبعوثين إنسا وجنّا ووحشا وطيرا، وحولهم إلى الأرض الثانية وهي أرض بيضاء من فضة نورية، وصارت الملائكة من وراء العالمين حلقة واحدة، فإذا هم أكثر من أهل الأرض بعشر مرات، ثم إن الله ﷾ يأمر ملائكة السماء الثانية فيحدقون بهم حلقة واحدة، فإذا هم مثلهم عشرين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء الثالثة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة فإذا هم أكثر منهم ثلاثين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة أكثر منهم بأربعين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة فيكونون مثلهم خمسين مرة ثم تنزل ملائكة السماء السادسة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، وهم مثلهم ستين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم سبعين مرة، والخلق تتداخل وتندمج حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام، وتخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الأذقان، وإلى الصدر، وإلى الحقوين، وإلى الركبتين، ومنهم من يصيبه الرشح اليسير كالقاعد في الحمام، ومنهم من تصيبه البلة كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق والأرق وقد قربت الشمس من رؤوسهم؟ حتى لو مد أحدهم يده لنالها ويضاعف حرها سبعين مرة، وقال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض، وذابت الصخر وجفّت الأنهار، فبينما الخلائق يموجون في تلك الأرض البيضاء التي ذكرها الله تعالى حيث يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ وهم على أنواع في المحشر على ما تقدم في حديث معاذ، والملوك كالذر، كما قد ورد في الخبر في وصف المتكبرين، وليس هم كهيئة الذر، غير أن الأقدام عليهم حتى صاروا كالذر في مذلتهم وانخفاضهم، وقوما يشربون ماء باردا عذبا صافيا لأن الصبيان يطوفون على آبائهم بكئوس من أنهار الجنة يسقونهم.\nوعن بعض السلف؛ أنه نام فرأى القيامة قد قامت وكأنه في الموقف عطشان، وصبيان صغار يسقون الناس، قال: فناديتهم؛ ناولوني شربة. فقال لي واحد منهم: ألك فينا ولد؟ فقلت: لا. فقال: فلا إذا، ولهذا فضل التزويج.\nولهذا الولد الساقي شروط ذكرناها في «الإحياء».","vol":"1","page":272},{"text":"وقوم قدموا على رؤوسهم ظل يمنعهم من الحرّ وهي الصدقة الطيبة، لا يزالون كذلك ألف عام، حتى إذا سمعوا نقر الناقور الذي وصفناه في كتاب «الإحياء» وهو بعض أسرار القرآن، فتوجل له القلوب وتخشع الأبصار لعظيم نقره، وتشتاف الرؤوس من المؤمنين والكافرين، يظنون أن ذلك عذاب يزداد بهم في هول يوم القيامة، فإذا بالعرش تحمله ثمانية أملاك، قدم الملك منهم مسيرة عشرين ألف سنة، وأفواج الملائكة وأنواع الغمام بأصوات التسبيح لهم هرج عظيم لا تطيقه العقول، حتى يستقر العرش في تلك الأرض البيضاء التي خلقها الله تعالى لهذا الشأن خاصة، فتطرق الرؤوس وتخنس وتشفق البرايا، وترعب الأنبياء، وتخاف العلماء، وتفزع الأولياء والشهداء من عذاب الله سبحانه، والذي لا يطيقه شيء، إذ غشاهم نور، حتى غلب على نور الشمس التي كانوا في حرّها، فلا يزالون يموج بعضهم في بعض ألف عام، والجليل سبحانه لا يكلمهم كلمة واحدة، فحينئذ يذهب الناس إلى آدم فيقولون: يا أبا البشر الأمر علينا شديد، وأما الكافر فيقول:\nيا رب! أرحني؛ ولو إلى النار، من شدة ما يرى من الهول، يقولون: أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه، اشفع لنا في فصل القضاء» وذكر أمر الشفاعة من نبي إلى نبي، وأن ما بين إتيانهم من نبي إلى نبي ألف عام، حتى تنتهي الشفاعة إلى نبينا محمد ﷺ على ما يأتي بيانه من أمر الشفاعة في أحاديث إن شاء الله تعالى.\nونحو من هذا ذكره الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له قال:\nفإذا كان يومئذ جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وكورت الشمس وانكدرت النجوم ومارت السماء فوق الخلائق مورا، وتفطرت من عظيم هول ذلك اليوم، وتشققت بالغمام المنزل من عليهن فوقهن، ثم صارت وردة كالدهان، وكشطن سماء سماء، ونزلت الملائكة تنزيلا، وقام الخلائق وطال قيامهم، أقل ما قيل في قيامهم: مقدار أربعين عاما إلى ثلاثمائة عام، وأيّاما كان فاليوم يسعه قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب إبل» الحديث وفيه: «ردت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» وسيأتي بكماله (^١).\nوهم في قيامهم ذلك في الظلمة دون الجسر، كما في صحيح مسلم من حديث ثوبان: «عراة غرلا أعطش ما كانوا وأجوع ما كانوا عليه قط» (^٢). عراة فلا يسقى ذلك اليوم إلا من سقى لله ﷿، ولا يطعم إلا من أطعم لله، ولا يكسى\n_________\n(^١) في باب ما جاء في عقوبة مانعي الزكاة.\n(^٢) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":273},{"text":"يومئذ إلا من كسا لله، ولا يكفى إلا من اتّكل على الله. ومصداق هذا في كتاب الله ﷿ قوله الحق: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ٧ - ١١] أي: من إزالة الجوع والعطش والعري، إلى غير ذلك من أهوال القيامة وأفزاعها، على ما يأتي بيانه في هذا الباب الذي يليه.\n(أبو بكر بن أبي شيبة) عن أبي معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان: قال تعطى الشمس يوم القيامة حرّ عشر سنين، ثم تدنى من جماجم الناس، حتى تكون قاب قوسين. قال: فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل. قال سلمان: حتى يقول الرجل: غرغر، فإذا رأوا ما هم فيه؛ قال بعضهم لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ائتوا أباكم آدم فيشفع لكم. الحديث بطوله (^١)، وسيأتي مرفوعا من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه ابن المبارك قال: أنبأنا سلمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، قال: «تدنى الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رؤوسهم قاب قوسين، فتعطى حرّ عشر سنين، وليس على أحد يومئذ طحربة، ولا يرى فيها عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرّها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة، وأما الآخرون - أو قال: الكفار - فتطبخهم طبخا، فإنما تقول أجوافهم: غق غق» (^٢). قال نعيم:\nالطحربة: الخرقة.\nوأخرجه هناد بن السري؛ حدّثنا قبيصة، عن سفيان، عن سليمان التيمي فذكره سواء إلا أنه قال: «ولا يجد حرها» بدل: «ولا يضر» وقال: «وأما الكافر أو الآخرون فتطبخهم طبخا حتى يسمع لأجوافهم غق غق».\n(مسلم) عن سليم بن عامر، عن المقداد بن الأسود، ﵁ قال:\nسمعت النبي ﷺ يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» قال سليم بن عامر: فو الله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض، أو الميل الذي تكحل به العين. قال: «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١١/ ٤٤٧)، وانظر ما بعده.\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٤٧) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١١/ ٤٤٧ - ٤٤٩) وعبد الرزاق في «مصنفه» (١١/ ٤٠٣) وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٥١/ ٨٣٤/٢) والطبراني في «الكبير» (٦ /رقم: ٦١١٧) وابن خزيمة (٧٠٦/ ٤٥٠/٢)،\nوإسناده صحيح، موقوفا.\nقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٧١): «رجاله رجال الصحيح».","vol":"1","page":274},{"text":"يلجمه إلجاما» (^١). قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه. وأخرجه الترمذي (^٢) وزاد بعد قوله؛ تكحل به العين: «فتصهرهم الشمس».\nوذكر ابن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول، عن عبيد الله بن العيزار، قال:\n«إن الأقدام يوم القيامة مثل النبل في القرن، والسعيد الذي يجد لقدميه موضعا يضعهما عليه، وإن الشمس تدنى من رؤوسهم حتى لا يكون بينهم وبين رؤوسهم؛ إما قال ميلا أو ميلين ثم يزاد في حرّها بضعة وستون ضعفا، وعند الميزان ملك إذا وزن العبد، نادى: ألا إن فلان بن فلان قد ثقلت موازينه، وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، ألا إن فلان بن فلان قد خفّت موازينه وشقي شقاء لا يسعد بعده أبدا» (^٣).\n(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو آذانهم» (^٤) يشك ثور أيهما قال. أخرجه البخاري.\nوعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: «يوم يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه» (^٥) أخرجه البخاري والترمذي وقال: حديث صحيح مرفوعا وموقوفا.\nوروى هنّاد بن السري قال: حدّنا محمد بن فضيل، عن ضرار بن مرة، عن عبد الله بن مكنف، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال له رجل: إن أهل المدينة ليوفون الكيل يا أبا عبد الرحمن. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] قال: «إن العرق ليبلغ أنصاف آذانهم من هول يوم القيامة وعظمه».\nوخرج الوائلي من حديث ابن وهب قال: حدّثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي هانئ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ثم قال رسول الله ﷺ: كيف بكم إذا جمعكم الله ﷿ كما يجمع النّبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم» (^٦) قال الوائلي: غريب، جيد الإسناد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٤).\n(^٢) في «سننه» (٢٤٢١).\n(^٣) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٧٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٥٣٢) ومسلم (٢٨٦٣).\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٧٢) وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٤٢٩٢).","vol":"1","page":275},{"text":"وقد خرج مسلم لابن وهب عن أبي هانئ نفسه عن الحبلي عن عبد الله أحاديث.\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: سمعت بلال بن سعيد يقول:\n«إن للناس يوم القيامة جولة وهو قوله ﷿: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١].\nوفي حديث جويبر عن الضحاك: فينزل الملك ومجنبته اليسرى جهنم فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا قياما من الملائكة فذلك قوله: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] والسلطان: العذر.\nوقال رسول الله ﷺ: «خوفني جبريل من يوم القيامة حتى أبكاني. فقلت: يا جبريل ألم يغفر لي ربي ذنبي ما تقدم وما تأخر؟ فقال لي: يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة». ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ﵀.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>فصل</span>\nقلت: ظاهر ما رواه ابن المبارك عن سلمان: «أن الشمس لا يضر حرها مؤمن ولا مؤمنة»، العموم في المؤمنين، وليس كذلك، لحديث المقداد المذكور بعده، وإنما المراد لا يضر حرها مؤمنا كامل الإيمان، أو من استظل بظل عرش الرحمن، كما في الحديث الصحيح: «سبعة يظلّهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله» الحديث، رواه الأئمة مالك وغيره، وسيأتي في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.\nوكذلك ما جاء أن المرء في ظل صدقته، وكذلك الأعمال الصالحة أصحابها في ظلها إن شاء الله، وكل ذلك من ظل العرش، والله أعلم.\nوأما غير هؤلاء فمتفاوتون في العرق على ما دلّ عليه حديث مسلم. قال ابن العربي: «وكل واحد يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف ساقيه، وإلى جانبيه مثلا يمنة من يبلغ كعبيه ومن الجهة الشمال من يبلغ ركبتيه، ومن أمامه من يكون عرقه إلى نصفه، ومن خلفه من يبلغ العرق صدره، وهذا خلاف المعتاد في الدنيا، فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتدلة أخذهم الماء أخذا واحدا ولا يتفارقون، كما ذكرنا مع استواء الأرض، ومجاورة المحل، وهذا من القدرة التي تخرق العادات في زمن الآيات».\nوقال الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له: ولا يبعدن عليك هذا - رحمك الله - أن يكون الناس كلهم في صعيد واحد وموقف سواء، يشرب أحدهم أو بعضهم من الحوض، ولا يشرب الغير، ويكون النور يسعى بين يدي","vol":"1","page":276},{"text":"البعض والبعض في الظلمات مع قرب المكان، وازدحام الناس، ويكون أحدهم يغرق في عرقه حتى يلجمه، أو يبلغ منه عرقه ما شاء الله، جزاء لسعيه في الدنيا والآخرة في ظل العرش على قرب المكان والمجاورة، كذلك كانوا في الدنيا يمشي المؤمن بنور إيمانه في الناس، والكافر في ظلام كفره، والمؤمن في وقاية الله وكفايته، والكافر والعاصي في خذلان الله لهما وعدم العصمة، والمؤمن السنّي يكرع في سنة رسول الله ﷺ، ويروي ببرد اليقين، ويمشي في سبل الهداية بحسن الاقتداء، والمبتدع عطشان، إلى ما روي المؤمن به، حيران لا يشعر سالك في مسالك ضلالات البدع وهو لا يدري، كذلك في الوجود الأعمى لا يجد نور بصر البصير، ولا ينفعه دواء، إنما هي بواطن ظهرت وظواهر بطنت، فتشعر لذلك وتفطن واستعن بالله يعنك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\nوقال أبو حامد: «واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام، وتردد في قضاء حاجة مسلم، وتحمّل مشقّة في أمر بمعروف أو نهي عن منكر؛ فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة، ويطول فيه الكرب، ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور، لعلم أنّ تعب العارف في تحمّل مصاعب الدنيا أهون أمرا وأقصر زمانا من عرق الكرب والانتظار في القيامة، فإنه يوم عظيم شديد طويل مدته».\nوذكر أبو نعيم عن أبي حازم أنه قال: «لو نادى مناد من السماء أمن أهل الأرض من دخول النار لحقّ عليهم الوجل من هول ذلك الموقف ومعاينة ذلك اليوم».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-180>٨٦ - باب ما ينجي من أهوال يوم القيامة ومن كربها</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (^١). وذكر الحديث.\nوخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا أبي ﵀ قال:\nحدّثنا عبد الله بن نافع قال: حدّثني ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن أبي عبد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).","vol":"1","page":277},{"text":"الله، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: إني رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه برّه بوالديه فرد عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلّصه من بينهم، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه؛ فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا كلما دنا لحلقة طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده بجنبي، ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحيّر فيها، فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلا من أمتي يكلّم المؤمنين فلا يكلّمونه؛ فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلّموه فكلّموه، ورأيت رجلا من أمتي يتقي شرر النار ووهجها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه، ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله، ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله تعالى فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي قد خفّ ميزانه فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار، ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السّعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعده ومضى، ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا؛ فجاءته صلاته عليّ فأخذت بيده وأقامته ومضى على الصراط، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» (^١).\nقلت: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالا خاصة تنجي من أهوال خاصة، والله أعلم.\n_________\n(^١) حديث ضعيف؛ أخرجه الطبراني في «الأحاديث الطوال» المطبوع في آخر الجزء (٢٥) من «المعجم الكبير» رقم (٣٩) بإسناد ضعيف. والحديث ضعفه الهيثمي في «المجمع» (٧/ ١٨٠) والعراقي وابن الجوزي كما في «فيض القدير» (٥/ ٢٢٦٠) والشيخ الألباني في «ضعيف الجامع» رقم (٢٠٨٦).","vol":"1","page":278},{"text":"وقد ينجي منها كلها ما ثبت في «صحيح مسلم» عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال:\nقال الله ﷿ أنا أحقّ بذلك منك تجاوزوا عن عبدي» (^١).\nوخرّجه عن حذيفة، عن النبي ﷺ: «أن رجلا مات فدخل الجنة فقيل له: ما كنت تعمل؟ فقال: إني كنت أبايع الناس، فكنت أنظر المعسر وأتجاوز في السكة أو في النقد، فغفر له» (^٢). فقال أبو مسعود ﵁: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.\nرواه مسلم من طرق، وخرّجه البخاري.\nوروى مسلم عن أبي قتادة ﵁؛ أنه طلب غريما له فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر. قال: آلله؟ فقال: آلله. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (^٣).\nوعن أبي اليسر - واسمه كعب بن عمرو ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله» (^٤). خرّجه مسلم.\nوقال أنس بن مالك ﵁: من نظر مديونا فله بكل يوم عند الله وزن أحد ما لم يطلبه.\nوروى الأئمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه؛ الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (^٥). معنى في ظله: أي في ظل عرشه، وقد جاء هكذا تفسيرا في الحديث.\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أشبع جائعا أو كسا عريانا أو آوى مسافرا أعاذه الله من أهوال يوم القيامة» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٩١) ومسلم (١٥٦٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٦٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٠٠٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١).\n(^٦) إسناده ضعيف.","vol":"1","page":279},{"text":"وخرّج الطبراني؛ سليمان بن أحمد، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: «من لقم أخاه لقمة حلواء صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة» (^١).\nوفي التنزيل تحقيقا لهذا الباب، وجامعا له؛ قوله الحق: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١] مع قوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] مع قوله في غير موضع بعد ذكر الأعمال الصالحة: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-181>باب</span>\nذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا سليمان بن أحمد قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن خالد قال: حدّثنا محمد بن سلام قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا مالك عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من الذنوب ذنوبا لا يكفّرها الصلاة ولا الصوم ولا الحج ولا العمرة» قال: وما يكفرها يا رسول الله؟ قال: «الهموم في طلب المعيشة» (^٢). قال أحمد بن يحيى: فقلت: كيف سمعت هذا من يحيى بن بكير فلم يسمعه أحد غيرك؟ قال: كنت عند يحيى جالسا فجاءه رجل فذكر ضعفه. فقال: قال ابن بكير: حدّثنا مالك فذكره.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-182>٨٧ - باب في الشفاعة العامة لنبينا محمد ﷺ لأهل المحشر</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من\n_________\n(^١) حديث موضوع؛ أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١٧٩/ ١٣٩٨/٣).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٣٥). وهو موضوع؛ انظر «الضعيفة» (٣٢٤/ ٩٢٤/٢).","vol":"1","page":280},{"text":"يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبونا أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسمّاك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي؛ نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون يا موسى: أنت رسول الله فضّلك الله برسالته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلّمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله. ولم يغضب بعده مثله، - ولم يذكر ذنبا - نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ. فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد غيري من قبلي، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى».\nوفي البخاري: «كما بين مكة وحمير» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٠، ٤٧١٢) ومسلم (١٩٤).","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>فصل</span>\nهذه الشفاعة العامة التي خصّ بها نبينا محمد ﷺ من بين سائر الأنبياء هي المراد بقوله ﵇: «لكلّ نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبيّ دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي» (^١). رواه الأئمة البخاري ومسلم وغيرهما.\nوهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف إنما هي ليعجل حسابهم ويراحوا من هول الموقف، وهي الخاصة به ﷺ.\nوقوله: «أقول يا رب أمتي أمتي»، اهتمام بأمر أمته وإظهار محبته وشفقته عليهم، وقوله: فيقال: «يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه» يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجل حساب أهل الموقف، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته؛ فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم.\nوكان طلبه هذه الشفاعة من الناس بإلهام من الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه ﷺ المحمود الذي وعده، ولذلك قال كل نبي: «لست لها لست لها» حتى انتهى الأمر إلى محمد ﷺ فقال: «أنا لها».\nوروى مسلم عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك». وفي رواية: «فيلهمون فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا! قال: فيأتون آدم» (^٢). وذكر الحديث.\nوذكر أبو حامد أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف عام، وكذا بين كل نبي إلى محمد ﷺ.\nوذكر أيضا أن الناس في الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة، بحسب جرائمهم، كمانع الزكاة والغال والغادر، على ما يأتي بيانه. وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدا يتأذى بنتنها جيرانهم، وآخرون قد صلبوا على جذوع النيران، وآخرون قد خرجت ألسنتهم على صدورهم أقبح ما يكون، وهؤلاء المذكورون هم الزناة واللوطية والكاذبون، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم آكلو الربا، وكل ذي ذنب قد بدا سوء ذنبه. قاله في كتاب: «كشف علوم الآخرة». وذكر في آخر هذا الكتاب أن الرسل يوم القيامة على المنابر، والأنبياء والعلماء على منابر صغار، ومنبر كل رسول قدره، والعلماء العاملون على كراسي من نور، والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٠٤) ومسلم (١٩٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٣).","vol":"1","page":282},{"text":"مسك، وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ونوح حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ.\nوذكر الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له: ويلهم رؤوس المحشر الطلب ممن يشفع لهم، ويريحهم مما هم فيه وهم رؤساء أتباع الرسل فيكون ذلك.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-184>٨٨ - باب ما جاء أن هذه الشفاعة هي المقام المحمود</span>\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: أنا أذنبت ذنبا فأهبطت به إلى الأرض ولكن ائتوا نوحا، فيأتون نوحا فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال رسول الله ﷺ. ما منها كذبة إلا ماحل بها عن دين الله (^١)، ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى فيقول: إني قد قتلت نفسا، ولكن ائتوا عيسى فيقول: إني عبدت من دون الله، ولكن ائتوا محمدا ﷺ، فيأتوني فأنطلق معهم». قال ابن جدعان: قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ قال: «فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون، فيقولون: مرحبا. فأخّر ساجدا لله، فيلهمني من الثناء والحمد فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفّع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله فيه:\n﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ (^٢) [الإسراء: ٧٩] قال سفيان: ليس عن أنس إلا هذه الكلمة: فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها». قال الترمذي: حديث حسن.\nوخرّجه أبو داود الطيالسي بمعناه عن ابن عباس ﵁ فقال: حدّثنا\n_________\n(^١) أي: خاصم وجادل بها عن دين الله، وماحل من المماحلة؛ أي: المجادلة.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢) والترمذي (٣١٤٨) والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» رقم (١٥٧١).","vol":"1","page":283},{"text":"حماد بن سلمة، قال: حدّثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبيّ إلا وله دعوة كلهم قد تنجزها في الدنيا، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، ألا وإني سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد تحته آدم ﷺ ومن دونه ولا فخر، ويشتد كرب ذلك اليوم على الناس فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فيشفع لنا إلى ربنا ﷿ حتى يقضي بيننا».\nالحديث وفيه: «فيأتون عيسى ﵇ فيقولون اشفع لنا إلى ربّنا حتى يقضي بيننا، فيقول: إني لست هناكم إني اتّخذت وأمي إلهين من دون الله، ولكن أرأيتم لو أن متاعا في وعاء قد ختم عليه أكان يوصل إلى ما في الوعاء، حتى يفضّ الخاتم؟ فيقولون: لا.\nفيقول: إن محمدا ﷺ قد خصه اليوم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال رسول الله ﷺ: فيأتيني الناس فيقولون اشفع لنا إلى ربّنا حتى يقضي بيننا فأقول: أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى مناد: أين محمد ﷺ وأمته؟ فأقوم وتتبعني أمتي غرّا محجّلين من أثر الطّهور. قال رسول الله ﷺ: فنحن الآخرون الأولون وأول من يحاسب ويفرج لنا في الأمم عن طريقنا ويقولون: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها» (^١) وذكر الحديث.\nوفي البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «إن الناس يصيرون يوم القيامة جثيا كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان! اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود» (^٢).\nوروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] سئل عنها قال: «هي الشفاعة» (^٣). قال هذا حديث صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>فصل</span>\nقوله: «فيفزع الناس ثلاث فزعات»؛ إنما ذلك والله أعلم حين يؤتى بالنار تجر بأزمّتها، وذلك قبل العرض والحساب على الملك الديان، فإذا نظرت إلى الخلائق فارت وثارت وشهقت إلى الخلائق وزفرت نحوهم، وتوثبت عليهم غضبا لغضب ربهم ﷿، على ما يأتي بيانه في كتاب النار إن شاء الله تعالى - فتتساقط\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي في «مسنده» (٢٧١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧١٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣١٣٧) وهو حديث حسن بشواهده.","vol":"1","page":284},{"text":"الخلائق حينئذ على ركبهم جثاة حولها، قد أسبلوا الدموع من أعينهم، ونادى الظالمون بالويل والثبور، ثم تزفر الثانية فيزداد الرعب والخوف في القلوب، ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلائق لوجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم ينظرون من طرف خفي، خوفا أن تبلغهم أو يأخذهم حريقها، أجارنا الله منها بعفوه وكرمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>فصل</span>\nواختلف الناس في المقام المحمود على خمسة أقوال (^١):\nالأول: أنه الشفاعة العامة للناس يوم القيامة كما تقدم، قاله حذيفة بن اليمان وابن عمر ﵄ (^٢).\nالثاني: أنه إعطاؤه ﵇ لواء الحمد يوم القيامة. قلت: وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع.\nوروى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، فأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» (^٣). وفي رواية: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا، لواء الكرم بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف عليّ ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون».\nالثالث: ما حكاه الطبري عن فرقة منها مجاهد. أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله محمدا ﷺ معه على كرسيه، ورويت في ذلك حديثا قلت: وهذا قول مرغوب عنه، وإن صحّ الحديث فيتأول على أنه يجلسه مع أنبيائه وملائكته ﵈. قال ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» (^٤): «ومجاهد - وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن - فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم أحدهما هذا، والثاني في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قال تنتظر الثواب وليس من النظر».\nالرابع: إخراجه طائفة من النار؛ روى مسلم عن يزيد الفقير قال: كنت قد\n_________\n(^١) قارن ب «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٣٤٩).\n(^٢) قال الشوكاني في «فتح القدير» (٣/ ٣٤٩): «وهذا القول هو الذي دلّت عليه الأدلّة الصحيحة في تفسير الآية، وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل التأويل».\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٦١٠)، وهو في «ضعيف سنن الترمذي» رقم (٧٤٠).\n(^٤). (٧/ ١٥٧). وأورده المصنف هنا بتصرف في نصه.","vol":"1","page":285},{"text":"شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله ﵁ يحدّث الناس - أو القوم - إلى سارية عن رسول الله ﷺ قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. و﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]. فما هذا الذي تقولون؟ فقال: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم. فقال:\nفهل سمعت بمقام محمد ﷺ يعني الذي يبعثه الله ﷿ فيه؟ قلت: نعم.\nقال: فإنه مقام محمد ﷺ الذي يخرج الله به من يخرج. وذكر الحديث (^١).\nوفي البخاري من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ، وفيه: وقد سمعته يقول: فأخرج، فأخرجهم وأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن - أي: وجب عليه الخلود - قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قال: «هو المقام المحمود الذي وعده نبيّكم ﷺ» (^٢).\nالخامس: ما روي أن مقامه المحمود شفاعته رابع أربعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>فصل</span>\nإذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء ﵈، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد ﷺ فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ليراحوا من هول موقفهم، فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته وكم هي، فقال النقاش: «لرسول الله ﷺ ثلاث شفاعات: شفاعة العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر». وقال ابن عطية في «تفسيره»: «والمشهور أنهما شفاعتان فقط، العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء».\nقال القاضي عياض: شفاعات نبينا ﷺ يوم القيامة خمس شفاعات:\nالأولى: العامة.\nالثانية: إدخال قوم الجنة بغير حساب.\nالثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا ﷺ، ومن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، منها رقم (٤٤٧٦) ومسلم (١٩٣).","vol":"1","page":286},{"text":"شاء أن يشفع، ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج، والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح (^١).\nالرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فيخرج بشفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين. قلت: وهذه الشفاعة أنكرتها المعتزلة أيضا وإذا منعوها فيمن استجوب النار بذنبه وإن لم يدخلها؛ فأحرى أن يمنعوها فيمن دخلها.\nالخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها. قال القاضي عياض: وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة، ولا تنكر شفاعة الحشر الأول.\nقلت: وشفاعة سادسة لعمه أبي طالب في التخفيف عنه كما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال:\n«لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» (^٢).\nفإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قيل له:\nلا تنفع في الخروج من النار، كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>فصل</span>\nواختلف العلماء، هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين بعد النبوة صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها ويشفقون منها أم لا، بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط منزلته، وتسقط مروءته، إجماعا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك\n_________\n(^١) وما أقبح وأشنع هذا المسلك الذي يسلكه العقلانيون، فتراهم إذا خالف النصّ القرآني أو النبوي عقلهم؛ عمدوا إلى تعطيل النص أو تأويله أو إبطاله.\nكالذين ينكرون رؤية الباري جل في علاه، فمع وجود الآيات والأحاديث النبوية الصحيحة الصريحة؛ تجدهم يقولون: «وهنا في هذا المجال نقول: عندما قام (الدليل العقلي القطعي)!! على أن الله تستحيل رؤيته!!!، فهذه الاستحالة العقلية! تكون قرينة ودليلا على أن المراد بكلمة ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ معنى غير معناها الظاهر، بمعنى أن يكون النظر إلى الله، النظر إلى دلائل عظمته، أو النظر إلى مواقع سلطته … !!». «للإنسان والحياة» ص ٣٠٠ - دار الملاك بيروت -. وهذا كلام لا يحتاج إلى تعليق عند ذوي العقول الرشيدة، والله المستعان. وانظر في ذلك؛ «العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون» للشيخ الفاضل علي بن حسن بن عبد الحميد، نشر مكتبة الغرباء الأثرية.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٦٤) ومسلم (٢١٠).","vol":"1","page":287},{"text":"مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم.\nفقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدّثين: تقع الصغائر منهم، خلافا للرافضة؛ حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك كله، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل، وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء به.\nوقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة، فلو جوّزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة والحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعلّه معصية، لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين.\nقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني: «واختلفوا في الصغائر؛ والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، ومال بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة».\nوقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: والذي ينبغي أن يقال:\nإن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها، واستغفروا منها، وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات، بالنسبة إلى مناصبهم وعلوّ أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة، وهذا هو الحق (^١).\nولقد أحسن الجنيد ﵁ حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهم صلوات الله عليهم وسلامه وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه.\n_________\n(^١) وانظر في تفصيل المسألة: «المحصول» للرازي (٣/ ٢٢٥) و«التحصيل من المحصول» للأرموي (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤) و«نفائس الأصول في شرح المحصول» للقرافي (٥/ ٢٣٩٢ - ٢٣٩٧) و«نهاية الوصول في دراية الأصول» لصفي الدين الهندي (٥/ ٢١١٣ - ٢١٢٠) و«إحكام الأحكام للآمدي» (١/ ١٧٠) و«نهاية السئول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول» للأسنوي (٦٤١/ ٢ - ٦٤٣) وغيرها من كتب الأصول.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>باب</span>\nذكر ابن المبارك قال: أخبرنا رشدين بن سعد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ، وذكر حديث الشفاعة وفيه: «فيقول عيسى ﵇: أدلّكم على النبيّ الأمي فيأتون فيأذن الله لي أن أقوم، فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي، فيشفّعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافر: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا، فيأتونه؛ فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك قد أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم لجهنم ويقول عند ذلك: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-190>٨٩ - باب من أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (^٢).\nوروى زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة. قيل: يا رسول الله ما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله» (^٣). خرّجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول».\n***\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد زهد ابن المبارك (٣٧٤) وابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (٢/ ٦٨٨) وابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٣/ ١١٩) والطبراني في «المعجم الكبير» (٣٢١/ ٨٨٧/١٧). من طريق: عبد الرحمن بن زياد الإفريقي به.\nوإسناده ضعيف.\nقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٧٦): «فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم؛ وهو ضعيف».\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٩) ومسلم (٦٥٧٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٩٧/ ٥٠٧٤/٥) بإسناد ضعيف جدا.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>٩٠ - باب ما جاء في تطاير الصحف عند العرض والحساب وإعطاء الكتب باليمين والشمال</span>\nومن أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة، وفي كيفية وقوفهم للحساب وما يقبل منهم من الأعمال، وفي دعائهم بأسماء آبائهم وبيان قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وفي تعظيم خلق الإنسان الذي يدخل الناس به النار أو الجنان، وذكر القاضي العدل ومن نوقش الحساب عذّب قال الترمذي: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر قبل أن تعرضوا، وإنما يخفف الحساب على من حاسب نفسه في الدنيا» (^١).\nوقال عطاء الخراساني: «يحاسب العبد يوم القيامة عند معارفه ليكون أشد عليه في توبيخه». ذكره أبو نعيم.\n(البخاري) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من حوسب يوم القيامة عذّب» قالت: فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨]؟ فقال: «ليس ذلك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذّب» (^٢). أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\n(أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا عمر بن العلاء اليشكري قال: حدّثني\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، قال: «ويروى عن عمر بن الخطاب … فذكره». وأحمد في «الزهد» (٦٣١) وأبو نعيم (١/ ٥٢) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٩٦/ ٣٤٤٥٩/٧).\nمن طريق: سفيان بن عينية، حدثنا جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، قال: قال عمر … فذكره.\nوإسناده حسن.\nوأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٠٦) بلاغا، عن مالك بن مغول أن بلغه عن عمر بن الخطاب … فذكره.\n(^٢) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":290},{"text":"صالح بن سرج، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت عائشة ﵂ تقول وذكر عندها القضاة فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط» (^١).\n(الترمذي) عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات؛ فأما عرضتان فجدال ومعاذير، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» (^٢). قال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁، وقد رواه بعضهم عن علي بن علي الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ.\nوقلت: قوله وقد رواه بعضهم، هو وكيع بن الجراح ذكره ابن ماجه. قال:\nحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع عن علي بن علي؛ فذكره.\nقال الترمذي: «وتكلّم يحيى بن سعيد القطان في علي بن علي». وخرّجه أبو بكر البزار أيضا عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال، وأما الثالثة فتطاير الكتب يمينا وشمالا».\nوذكره الترمذي الحكيم في الأصل السادس والثمانين قال: «فروي لنا عن رسول الله ﷺ: أن الناس يعرضون ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف» فالجدال لأهل الأهواء (^٣) يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم، فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير لله تعالى، يعتذر الكريم إلى آدم وإلى أنبيائه ويقيم حجته عندهم على الأعداء، ثم يبعثهم إلى النار، [فإنه يجب أن يكون عذره عن أنبيائه وأوليائه ظاهرا حتى لا تأخذهم الحيرة] (^٤)، ولذلك قيل عن رسول الله ﷺ: «لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولا أحد أحب إليه العذر من الله» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي في «مسنده» (١٥٤٦) وأحمد (٦/ ٧٥) والبيهقي (١٠/ ٩٦). وإسناده ضعيف؛ انظر «الضعيفة» (٢٧٩/ ١١٤٢/٣).\n(^٢) تقدّم تخريجه والكلام عليه.\n(^٣) في المطبوعة التي بين يدي - وهي مطبوعة دار الكتب العلمية بيروت - (١/ ٢٧٦): «فالجدال للأعداء».\nوفي نفسي شيء من هذه المطبوعة، إذ أن القرطبي ينقل في هذا الكتاب عن الحكيم الترمذي الأحاديث بأسانيدها، ولا أجد تلك الأسانيد في هذه المطبوعة، وفيها تحريف وسقط كبير، والله المستعان.\n(^٤) ما بين المعقوفتين ساقط من مطبوعة دار الكتب العلمية لنوادر الأصول.\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٦٣٤، ٤٦٣٧، ٥٢٢٠، ٧٤٠٣) ومسلم (٢٧٦٠) واللفظ له.","vol":"1","page":291},{"text":"والعرضة الثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر، يخلو بهم فيعاتبهم في تلك الخلوات، من يريد أن يعاتبه حتى يذوق وبال الحياء ويفيض عرقا بين يديه، ويفيض العرق منهم على أقدامهم من شدة الحياء، ثم يغفر لهم ويرضى عنهم بكره وفضله.\nوذكر أبو جعفر العقيلي من حديث نعيم بن سالم، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الكتب كلها تحت العرش، فإذا كان يوم الموقف بعث الله ريحا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خطّ فيها: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]» (^١).\n(أبو داود) عن عائشة ﵂ قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك»؟ قلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا؛ عند الميزان حتى يعلم أيخفّ ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز» (^٢).\nوذكر أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب، عن زيد بن ثابت ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁، وله شعاع كشعاع الشمس، فقيل له: أين يكون أبو بكر يا رسول الله؟ قال:\nهيهات زفته الملائكة إلى الجنان» (^٣).\nوخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب «التوحيد» له عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﵎ ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجّتكم ويسّروا جوابكم، فإنكم مسؤولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب».\nوأسند عن سمرة بن عطية قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب، وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات، فيقول رب العزة ﵎: صليت يوم كذا\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٤٦٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٥٥) وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٥٢٠) «سنده جيد»، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» رقم (١٠١٨).\n(^٣) خبر موضوع؛ أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١١/ ٢٠٢) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٦٤/ ٥٩٣/٢).\nوهو خبر موضوع؛ انظر «تنزيه الشريعة» (١/ ٣٤٦) و«الفوائد المجموعة» للشوكاني (٣٣٦).","vol":"1","page":292},{"text":"وكذا ليقال: فلان صلى، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، صمت يوم كذا وكذا، ليقال: صام فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، تصدقت يوم كذا وكذا ليقال: تصدق فلان، أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص، فما زال يمحي شيء بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء، فيقول ملكاه: ألغير الله كنت تعمل؟».\nقلت: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع، وقد رفع معناه الدارقطني في «سننه» من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء يوم القيامة بصحف مختومة فتنصب بين يدي الله ﷿ فيقول الله تعالى: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرا، فيقول الله ﷿ وهو أعلم -: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما ابتغي به وجهي» (^١). خرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ بمعناه على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n(الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمدّ له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعد، فيقولون: اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم، ويقول: أبشروا لكل مسلم مثل هذا، قال: وأما الكافر فيسودّ وجهه ويمدّ في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم، ويلبس تاجا من نار فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شرّ هذا، اللهم لا تأتنا بهذا. قال: فيأتيهم، فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» (^٢). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.\nوروي أن عيسى ﵇ مر بقبر فوكزه برجله وقال: يا صاحب هذا القبر قم بإذن الله. فقام إليه رجل، وقال: يا روح الله! ما الذي أردت، فإني لقائم في الحساب منذ سبعين سنة، حتى أتتني الصيحة الساعة أن أجب روح الله، فقال عيسى: يا هذا لقد كنت كثير الذنوب والخطايا، ما كان عملك؟ فقال: والله يا روح الله ما كنت إلا حطابا أحمل الحطب على رأسي، آكل حلالا وأتصدّق. فقال عيسى: يا سبحان الله حطابا يحمل الحطب على رأسه، يأكل حلالا ويتصدق، وهو قائم في الحساب منذ سبعين سنة، ثم قال له: يا روح الله كان من توبيخ ربي لي\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٥١) والعقيلي في «الضعفاء» (١/ ٢١٨ - ٢١٩). وإسناده ضعيف.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣١٣٦) وهو في «ضعيف سنن الترمذي» (٦١٠).","vol":"1","page":293},{"text":"أن قال: اكتراك عبدي لتحمل له حزمة، فأخذت منها عودا فتخللت به وألقيته في غير مكانه امتهانا منك بي، وأنت تعلم أني أنا الله المطلع عليك وأراك.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>فصل</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] قال الزجّاج: «ذكر العنق عبارة عن اللزوم، كلزوم القلادة للعنق». وقال إبراهيم بن أدهم: كل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت، وإذا بعث نشرت، وقيل له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. وقال ابن عباس ﵁: طائره عمله. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ قال الحسن: يقرأ الإنسان كتابه أميّا كان أو غير أمي.\nوقال أبو السوار العدوي - وقرأ هذه الآية: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: هما نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت حتى إذا بعثت نشرت. ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. فإذا وقف النّاس على أعمالهم من الصحف التي يؤتونها بعد البعث حوسبوا بها، قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨] فدلّ على أن المحاسبة تكون عند إتيان الكتب، لأن النّاس إذا بعثوا لا يكون ذاكرين لأعمالهم. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].\nوقد تقدّم القول في محاسبة الله تعالى لخلقه في يوم الحساب من أسماء القيامة، فإذا بعثوا من قبورهم إلى المواقف وقاموا فيه ما شاء الله تعالى على ما تقدم حفاة عراة، وجاء وقت الحساب الذي يريد الله أن يحاسبهم فيه، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس، فأوتوها، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه، فأولئك هم السعداء، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، وهم الأشقياء، فعند ذلك يقرأ كلّ كتابه.\nوأنشدوا:\nمثّل وقوفك يوم العرض عريانا … مستوحشا قلق الأحشاء حيرانا\nوالنار تلهب من غيظ ومن حنق … تعلي العصاة وربّ العرش غضبانا\nاقرأ كتابك يا عبدي على مهل … فهل ترى فيه حرفا غير ما كانا\nلما قرأت ولم تنكر قراءته … إقرار من عرف الأشياء عرفانا","vol":"1","page":294},{"text":"نادى الجليل: خذوه يا ملائكتي … وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا\nالمشركون غدا في النار يلتهبوا … والمؤمنون بدار الخلد سكّانا\nفتوهّم نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، وقد نوديت ونوه باسمك على رؤوس الخلائق؛ أين فلان بن فلان؟ هلمّ إلى العرض على الله تعالى، وقد وكلت الملائكة بأخذك، فقربتك إلى الله، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك، إذ عرفت أنك المراد بالدعاء، إذ قرع النداء قلبك فعلمت أنك المطلوب، فارتعدت فرائصك، واضطربت جوارحك، وتغيّر لونك، وطار قلبك، تخطي بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، وأنت في أيديهم وقد طار قلبك واشتد رعبك، لعلمك أين يراد بك.\nفتوهّم نفسك وأنت بين يدي ربك، في يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل، وقلب منكسر، والأهوال محدّقة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكّركها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها، وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فردّه عليك في ذلك الموقف، وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيما، فيا حسرة قلبك، ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك، ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ فعلم أنه من أهل الجنة ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] وذلك حين يأذن الله فيقرأ كتابه.\nفإذا كان الرجل رأسا في الخير يدعو إليه ويأمر به ويكثر، تبعه عليه دعي باسمه واسم أبيه، فيتقدم حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه سيئاتك وقد غفرت لك، فيفرح عند ذلك فرحا شديدا، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحا، حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه حسناتك قد ضوعفت لك فيبيض وجهه، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويكسى حلّتين ويحلى كل مفصل فيه، ويطول ستين ذراعا - وهي قامة آدم - ويقال له: انطلق إلى أصحابك فبشرهم وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فإذا أدبر قال: ﴿هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي مرضيّة قد رضيها ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ في السماء ﴿قُطُوفُها﴾ ثمارها وعناقيدها ﴿دانِيَةٌ﴾ أدنيت منهم فيقول لأصحابه هل تعرفونني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة الله من أنت فيقول أنا فلان ابن فلان ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا","vol":"1","page":295},{"text":"﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أي: قدّمتم في أيام الدنيا.\nوإذا كان الرجل رأسا في الشر؛ يدعو إليه ويأمر به، فيكثر تبعه عليه، ونودي باسمه واسم أبيه، فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرؤها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسناتك وقد ردت عليك، فيسودّ وجهه ويعلوه الحزن، ويقنط من الخير، ثم يقلّب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزنا ولا يزداد وجهه إلا سوادا، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك. أي: يضاعف عليه العذاب، ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل، قال:\nفينظر إلى النار وتزرق عيناه ويسود وجهه ويكسى سرابيل من القطران، ويقال له:\nانطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فينطلق وهو يقول:\n﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ يعني الموت ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ تفسير ابن عباس ﵁: هلكت عني حجتي، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي: اجعلوه يصلى الجحيم ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ والله أعلم بأي ذراع، قال الحسن. وقال ابن عباس ﵄: سبعون ذراعا بذراع الملك. ويأتي في كتاب النار لهذه السلسلة مزيد بيان. فاسلكوه فيها، أي: تدخل من فيه حتى تخرج من دبره، قاله الكلبي. وقيل العكس، وقيل: يدخل عنقه فيها ثم يجرّ بها، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لأذابته، فينادي أصحابه فيقول:\nهل تعرفونني؟ فيقولون: لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي، فمن أنت؟ فيقول:\nأنا فلان بن فلان لكل إنسان منكم مثل هذا.\nوأما من أوتي كتابه وراء ظهره؛ فتخلع كتفه اليسرى فتجعل يده خلفه فيأخذ بها كتابه، وقال مجاهد: يحول وجهه في موضع قفاه فيقرأ كتابه كذلك.\nفتوهّم نفسك إن كنت من السعداء وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه قد حلّ بك الكمال والحسن والجمال، كتابك في يمينك أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا.\nإما إن كنت من أهل الشقاوة فيسودّ وجهك، وتتخطى الخلائق كتابك في شمالك أو من وراء ظهرك، تنادي بالويل والثبور، وملك آخذ بضبعيك ينادي على رؤوس الخلائق: ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا.\nقلت: ألا إن فلان بن فلان؛ دليل على أن الإنسان يدعى في الآخرة باسمه واسم أبيه، وقد جاء صريحا من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول","vol":"1","page":296},{"text":"الله ﷺ: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» (^١).\nخرّجه أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا أبو عمر بن حمدان، قال: حدّثنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى، قال: حدّثنا هشيم، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء فذكره خرّجه أبو داود أيضا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-193>٩١ - باب في قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾</span>\n(الترمذي) عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على برج دمشق، فقال أبو أمامة: «كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه» ثم قرأ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية. فقلت لأبي أمامة الباهلي: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا، حتى عد سبعا، ما حدثتكموه (^٢). قال هذا حديث حسن.\nوخرج أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، عن مالك بن سليم الهروي أخي غسان، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال:\nيعني تبيضّ وجوه أهل السنة، وتسودّ وجوه أهل البدعة (^٣). قال أبو بكر: منكر من حديث مالك.\nقلت: هذا قول ابن عباس وغيره في الآية: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة (^٤).\nوقال مالك بن أنس ﵁: هي في أهل الأهواء. وقال الحسن: هي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٤٨) وقال: «ابن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء» يعني أنه منقطع.\nوأخرجه أبو نعيم (٥/ ١٥٢). والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (١٠٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣، ٢٦٩) والترمذي (٣٠٠٠) وابن ماجه (١٧٦).\nوهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٦).\n(^٣) انظر «الفردوس بمأثور الخطاب» للديلمي (٨٩٨٦)، وهو حديث منكر.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧٢٩/ ٣٩٥٠/٣) واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٧٩/ ٧٤/١). وإسناده ضعيف.","vol":"1","page":297},{"text":"في المنافقين. وقال قتادة: في المرتدين. وقال أبي بن كعب: هي في الكفار، وهو اختيار الطبري.\nاللهم بيّض وجوهنا يوم تبيضّ وجوه أوليائك، ولا تسوّد وجوهنا يوم تسودّ وجوه أعدائك، بحق رسلك وأنبيائك وأصفيائك! بفضلك يا ذا الفضل العظيم وكرمك يا كريم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-194>٩٢ - باب في قوله تعالى ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ الآية</span>\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شك - نعيم، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، عن رجل من بني أسد قال: قال عمر لكعب: ويحك يا كعب! حدّثنا من حديث الآخرة. قال نعم يا أمير المؤمنين: إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله قال ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنشر حول العرش وذلك قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] قال الأسدي: الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك ﴿إِلاّ أَحْصاها﴾ قال كعب:\nثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، فينظر فيه فحسناته باديات للناس، وهو يقرأ سيئاته. فذكر معنى ما تقدم .. وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: «يا ويلتنا» ضجوا إلى الله من الصغائر قبل الكبائر. قال ابن عباس ﵁:\nالصغيرة التبسم والكبيرة الضحك. يعني ما كان من ذلك في معصية الله.\nوقد روي أن النبي ﷺ ضرب بصغائر الذنوب مثلا، فقال: «إنما محقّرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض، وحضر صنيع القوم، فانطلق كل رجل منهم يحتطب، فجعل الرجل يجيء بالعود والآخر بالعودين، حتى جمعوا سوادا وأجّجوا نارا، فشووا خبزهم، وإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه فيهلكه، إلا أن يغفر الله، واتقوا محقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٣١) وهو في «الصحيحة» (٣٨٩).","vol":"1","page":298},{"text":"أنبأنا الشيخان أبو محمد بن عبد الوهاب القرشي والإمام أبو الحسن الشافعي قالا: أخبرنا السّلفي قال: أخبرنا الثقفي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن مخمش الزيادي إملاء بنيسابور، قال: أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، قال أخبرنا محمد بن حماد الأبيوردي، قال أخبرنا أنس بن عياض الليثي، عن أبي حازم، لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود جمعوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» غريب من حديث أبي حازم مسلمة بن دينار، تفرد به عنه أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي.\nولقد أحسن القائل:\nخلّ الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى\nواصنع كماش فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى\nوقال جماعة من العلماء: إن الذنوب كلها كبائر. قال بعضهم: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت، فهي من حيث المخالفة كبائر. والصحيح أن فيها صغائر وكبائر، ليس هذا موضع الكلام في ذلك وقد بيّناه في سورة النساء في كتاب «جامع أحكام القرآن» (^١) والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-195>٩٣ - باب ما يسأل عنه العبد وكيفية السؤال</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، وقال: ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣] وقال: ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] أي: بما علمتموه وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] أي: يسأل عن ذلك ويجازى عليه، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].\n_________\n(^١). (٥/ ١٥٨ - ١٦١).","vol":"1","page":299},{"text":"(الترمذي) عن أبي هريرة ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الناس: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ فإنما هما الأسودان والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا! قال: «إن ذلك سيكون» (^١).\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة - يعني العبد - أن يقال له: ألم نصحّ لك جسمك ونرويك من الماء البارد؟» (^٢) قال الترمذي: حديث غريب.\nوخرج أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش، عن أبي وائل شفيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يخطو خطوة إلا سئل عنها ما أراد بها» (^٣).\n(مسلم) عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن جسده فيما أبلاه؟ وعن عمله ما عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟» (^٤) خرجه الترمذي، وقال فيه:\nحديث حسن صحيح. ورواه عن ابن عمر عن ابن مسعود ﵄ عن النبي ﷺ، وقال فيه: حديث غريب لا أعرفه إلا من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ إلا من حديث الحسين بن قيس، والحسين يضعف في الحديث.\nوفي الباب عن أبي برزة وأبي سعيد، قلت: ومعاذ بن جبل؛ أخبرناه الشيخ الراوية أبو محمد عبد الوهاب بثغر الإسكندرية قراءة عليه، قال: قرأ عليّ السّلفي وأنا أسمع قال: حدّثنا الحاجب أبو الحسن علي بن محمد بن علي العلاف، ببغداد سنة أربع وسبعين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران المعدل، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجريّ بمكة في شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو سعيد الفضل بن محمد الجوني، ليلا في المسجد الحرام سنة تسع وتسعين ومائتين قال: أخبرنا صامت بن معاذ الجندي، أخبرنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن صفوان بن سليم، عن عدي بن عدي، عن الصالحي، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٥٧) وحسنه الألباني.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٣٥٨) وصححه الألباني.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٣٧٦ و٤/ ١٠٧ و٨/ ٢١٢). وضعّفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٢٠٣) و«الضعيفة» (٥/ ١٤١ - ١٤٢).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٤١٧) وهو في «الصحيحة» برقم (٩٤٦). وعزو المصنف الحديث لمسلم خطأ منه ﵀.","vol":"1","page":300},{"text":"خصال: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن عمله ماذا عمل فيه؟» (^١).\nوخرج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب، أخبرنا أحمد بن خالد الحلبي، أخبرنا يوسف بن يونس الأفطس، قال: أخبرنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن عمله» (^٢).\n(مسلم) عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر ﵁: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: «يدني الله المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: ربّ أعرف.\nقال: فيقول: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله» (^٣). أخرجه البخاري وقال في آخره: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].\nوروي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة خلا الله ﷿ بعبده المؤمن يوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا، ثم يغفر الله له، لا يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبيّ مرسل، وستر عليه من ذنوبه ما يكرهه أن يقف عليها ثم يقول لسيئاته كوني حسنات» (^٤).\nقال المؤلف: خرجه مسلم بمعناه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم الختلي في كتاب «الديباج» له، حدّثنا هارون بن عبد الله قال: حدّثنا سيار قال: حدّثنا جعفر قال: حدّثنا أبو عمران الجوني، عن أبي هريرة ﵁ قال: «يدني الله العبد منه يوم القيامة ويضع عليه كنفه يستره من الخلائق كلّها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول له: اقرأ يا ابن آدم كتابك. قال: فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويمر بالسيئة فيسود لها وجهه. قال:\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١١/ ٤٤١) وفي «اقتضاء العلم العمل» رقم (٢). وانظر «الصحيحة» (٢/ ٦٣٠).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٦٨٥) ومسلم (٢٧٦٨).\n(^٤) لم أقف عليه.","vol":"1","page":301},{"text":"فيقول الله تعالى له: أتعرف يا عبدي؟ قال: فيقول نعم يا رب أعرف، قال: فيقول: إني أعرف بها منك، قد غفرتها لك، قال: فلا تزال حسنة تقبل فيسجد، وسيئة تغفر فيسجد، فلا يرى الخلائق منه إلا ذلك، حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا طوبى لهذا العبد الذي لم يعص قط، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين الله تعالى مما قد وقفه عليه» (^١).\nقلت: نسخة من هنا إلى الفصل قوله لا يزول، أخبرنا الشيخ الراوية القرشي عبد الوهاب، قراءة عليه بثغر الإسكندرية حماه الله، قال: قرئ على الحافظ السّلفي، وأنا أسمع. قال: حدّثنا الحاجب أبو الحسن بن العلاء، وقال: أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أخبرنا الآجريّ، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى السونيطي، حدّثنا أحمد بن أبي رجاء المصيصي، حدّثنا وكيع بن الجراح، حدّثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وتخبأ كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، ثلاث مرات، قال: وهو يقرّ ليس ينكر قال: وهو مشفق من الكبائر أن تجيء. قال: فإذا أراد الله به خيرا قال: أعطوه مكان كلّ سيئة حسنة فيقول حين طمع: يا رب إن لي ذنوبا ما رأيتها هاهنا» قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه. ثم تلا: ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ (^٢) [الفرقان: ٧٠] خرجه مسلم في «صحيحه» عن محمد بن عبد الله بن نمير قال:\nحدّثنا الأعمش فذكره.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>فصل</span>\nقوله: «لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل»؛ عام لأنه نكرة في سياق النفي، لكنه مخصوص بقوله ﵇: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب» (^٣) على ما يأتي.\nوبقوله تعالى لمحمد ﵇: «أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن» (^٤). وقد تقدم الحديث.\nوبقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١].\nقوله ﵇: «وعن عمله ما عمل فيه». قلت: هذا مقام مخوّف لأنه لم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «الزهد» (٩٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٠) وأحمد (٥/ ١٥٧، ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧٥٢) ومسلم (٢٢٠).\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":302},{"text":"يقل: «وعن عمله ما قال فيه» وإنما قال: «ما عمل فيه» فينظر العبد ما عمل فيما علمه هل صدق الله في ذلك وأخلصه حتى يدخل فيمن أثنى الله عليه بقوله:\n﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] أو خالف علمه بفعله، فيدخل في قوله تعالى:\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] الآية. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣].\nوالأخبار في هذا المعنى كثيرة، وسيأتي ذكرها في أبواب النار، إن شاء الله تعالى.\nوقوله: «حتى يضع عليه كنفه» أي: ستره ولطفه وإكرامه، فيخاطب خطاب الملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافات والمحادثة، فيقول: «هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف» فيقول الله تعالى: ممتنا عليه ومظهرا فضله لديه: «فإني سترتها عليك في الدنيا»؛ أي: لم أفضحك بها فيها: «وأنا أغفرها لك اليوم»، ثم قيل: هذه ذنوب تاب منها كما ذكره أبو نعيم عن الأوزاعي، عن هلال بن سعد قال: «إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب منها».\nقال المؤلف: ولا يعارض هذا ما في التنزيل والحديث من أن السيئات تبدل بالتوبة حسنات، فلعل ذلك يكون بعد ما يوقفه عليها، والله أعلم.\nوقيل: في صغائر اقترفها، وقيل: كبائر بينه وبين الله تعالى اجترحها، وأما ما كان بينه وبين العباد فلا بد فيها من القصاص بين العباد بالحسنات والسيئات، على ما يأتي. وقيل: ما خطر بقلبه ما لم يكن في وسعه، ويدخل تحت كسبه، ويثبت في نفسه وإن لم يعمله، وهذا اختيار الطبري والنحاس وغير واحد من العلماء، جعلوا الحديث مفسرا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فتكون الآية على هذا محكمة غير منسوخة، والله أعلم.\nوقد بيناه في كتاب «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السور وآي القرآن» - والحمد لله.\nوروي عن ابن مسعود أنه قال: «ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر الله عليه في الآخرة»، وهذا مأخوذ من حديث النجوى، ومن قوله ﵇: «لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة». خرجه مسلم (^١).\nوفي «صحيح مسلم» أيضا من حديث أبي هريرة ﵁: «من ستر\n_________\n(^١) في «صحيحه» رقم (٢٩٥٠).","vol":"1","page":303},{"text":"مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة» (^١)، وروى: «من ستر على مسلم عورته، ستر الله عورته يوم القيامة» (^٢).\nقال أبو حامد: «فهذا إنما يرجوه عبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم واحتمل في حق نفسه تقصيرهم، ولم يحرك لسانه بذكر مساوئ الناس، ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه، فهذا جدير بأن يجازى بمثله في القيامة».\n\n<span data-type='title' id=toc-197>فصل</span>\nوفي قوله: «سترها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»؛ نص منه تعالى على صحة قول أهل السنة في ترك إنفاذ الوعيد على العصاة من المؤمنين، والعرب تفتخر بخلف الوعيد حتى قال قائلهم:\nولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي … ولا أختشي من روعة المتهدد\nوإني متى أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nقال ابن العربي: إنه كذلك عند العرب، وأما ملك الملوك القدوس الصادق فلا يقع أبدا خبره إلا على وفق مخبره، كان ثوابا أو عقابا، فالذي قال المحققون في ذلك قول بديع، وهو أن الآيات وقعت مطلقة في الوعد والوعيد عامة، فخصصتها الشريعة، وبينها الباري تعالى في كتابه في آيات أخر، كقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] الآية وكقوله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ [غافر: ١ - ٣] وبالشفاعة التي أكرم الله بها محمدا ﷺ ومن شاء من الخلق من بعده.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-198>٩٤ - باب ما جاء أن الله تعالى يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان</span>\n(مسلم) عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥٤٦) وهو ضعيف بهذا اللفظ.","vol":"1","page":304},{"text":"سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أيسر منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقّ تمرة» (^١). زاد ابن حجر قال الأعمش: وحدّثني عمرو بن مرة، عن خيثمة، عن عدي مثله، وزاد فيه: «ولو بكلمة طيبة». أخرجه البخاري والترمذي، وقال:\nحديث حسن صحيح.\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «يجاء بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول له: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا ربّ جمعته وثمّرته فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتيك به. فيقول الله تعالى: أرني ما قدمت فيقول:\nيا رب جمعته وثمرته فتركته أكثر ما كان فارجعني آتيك به فيقول: فإذا عبد لم يقدم خيرا فيمضى به إلى النار» (^٢). خرجه ابن العربي في «سراج المريدين». وزاد فيه بعد قوله: «كأنه بذج» وقال فيه: حديث صحيح من مراسيل الحسن.\nوقال الهروي: كأنه بذج من الذل.\nقال أبو عبيدة: هو ولد الضأن وجمعه بذجان (^٣). وقال الجوهري: البذج من الضأن بمنزلة العتود من أولاد المعز. وأنشدوا:\nقد هلكت جارتنا من الهمج … وإن تجع تأكل عتودا أو بذج\nقلت: وقوله: «ما منكم من أحد» مخصوص بما ذكرناه في الباب قبل، أي:\nما منكم ممن لا يدخل الجنة بغير حساب من أمتي إلا وسيكلّمه الله، والله أعلم.\nفتفكر في عظيم حياتك إذا ذكّرك ذنوبك شفاها إذ يقول: يا عبدي أما استحييت مني فبارزتني بالقبح، واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل، أكنت أهون عليك من سائر عبادي، استخففت بنظري إليك، فلم تكترث به، واستعظمت نظر غيري؟ ألم أنعم عليك فماذا غرك بي؟\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤٢٧) ونعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٩٤) وأبو نعيم (٦/ ٣١٠) وهنّاد في «الزهد» (٢/ ٤٣٥) والبغوي في «شرح السنة» (١٤/ ٢٦٠).\nمن طريق: إسماعيل بن مسلم به.\nوقال الترمذي: «إسماعيل بن مسلم يضعّف في الحديث من قبل حفظه».\nوالحديث وهّاه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٥٤٢).\nوضعّفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٤١٣).\n(^٣) انظر «الغريبين في القرآن والحديث» (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":305},{"text":"وعن ابن مسعود قال: «ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا ابن آدم، ما غرك بي، يا ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت، يا ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟ يا ابن آدم؛ ألم أكن رقيبا على عينيك وأنت تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، ألم أكن رقيبا على أذنيك؟ وهكذا عن سائر الأعضاء» (^١).\nفكيف ترى حياءك وخجلك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك، وأياديه ومساويك؟ فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك. فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء، إلا أن الله وعد المؤمن أن يستر عليه، ولا يطلع عليه غيره كما ذكرنا، وذلك بفضل منه.\nوهل يكلّم الكفار عند المحاسبة لهم؟ فيه خلاف؛ تقدم بيانه في أسماء القيامة. ويأتي أيضا في باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما، ولقائهما الله ﷿، مستوفى - إن شاء الله تعالى -.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>فصل</span>\nفإن قيل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم مجزيّون محاسبون، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء، فما القول في ذلك عندكم، وهل يكلمهم الله؟\nفالجواب: أن الله تعالى أخبر أن الإنس والجن يسألون؛ فقال خبرا عما يقال لهم: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآية. وهذا سؤال، فإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل، قال: «منكم»، وإن كانت الرسل من الإنس، وغلّب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث.\nوأيضا لما كان الحساب عليهم دون الخلق، قال: «منكم» فصير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع، لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، فلما صاروا في تلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣٨) ومن طريقه النسائي في «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» (٧/ ٧٠ - ٧١/ ٩٣٤٥) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٨٢/ ٨٩٠٠/٩) وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤/ ٢١٧) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (٢٥٨/ ٤٧٤/١، ٤٧٥).\nمن طريق: شريك، عن هلال الوزان، عن عبد الله بن حكيم، عن عبد الله بن مسعود به.\nوإسناده ضعيف؛ لأجل شريك، لكنه توبع؛ تابعه أبو عوانة عن هلال به؛ عند أبي نعيم في «الحلية» (١/ ١٣١) والطبراني في «الكبير» (١٨٢/ ٨٨٩٩/٩). فصحّ الأثر، والحمد لله.","vol":"1","page":306},{"text":"العرضة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب، خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة، لأنه بدء خلقهم للعبودية، كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] والثواب والعقاب على العبودية، إلا أن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، ومنهم مؤمن وكافر، وعدوّنا إبليس عدوّ لهم يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم، وفيهم أهواء شيعية وقدرية ومرجئة، وهو معنى قوله: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١].\nوقيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣] دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجنة لعموم الآية ما ثبت للإنس.\nفإن قيل: فما الحكمة في ذكر الجن مع الإنس في الوعيد، وترك إفراده الإنس عنهم في الوعد؟\nفالجواب: أنهم قد ذكروا أيضا في الوعد؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٨، ١٩] وإنما أراد لكل من الإنس والجن، فقد ذكروا في الوعد مع الإنس.\nفإن قيل: فقد ذكر يخاطب الجن والإنس في النار، لأن الله تعالى قال:\n﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. و﴿* قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]. ولم يأت عن تفاوض الفريقين في الجنة خبر.\nقيل: إنما ذكر من تفاوضهم في النار أن الواحد من الإنس يقول للشيطان الذي كان قرينه في الدنيا إنه أطغاني وأضلني. فيقول له قرينه: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد، ولكنه كان ضالا بنفسه، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة فيهما إلى التفاوض فلذلك سكت عنهما. وأيضا فإن الله تعالى أخبر الناس أن عصاتهم يكونون قرناء الشياطين يتخاصمون في النار، ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان، وهذا المعنى مقصود في الأخبار، فلهذا سكت عن ذلك في الوعد به والله أعلم.\n***","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>٩٥ - باب القصاص يوم القيامة ممن استطال في حقوق الناس وفي حبسه لهم حتى ينتصفوا منه</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (^١).\n(البخاري) عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» (^٢).\n(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي، من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (^٣).\nوخرّج ابن ماجه، حدّثنا محمد بن ثعلبة بن سواء، حدّثنا عمي محمد بن سواء، عن حسين المعلم، عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته، ليس ثمّ دينار ولا درهم» وقال ﷺ: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله» (^٤).\n(الحارث بن أبي أسامة) عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الله العباد أو قال الناس - شك همام - وأومأ بيده إلى الشام عراة عزلا بهما، قال: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء. فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وواحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٨١).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٧٠، ٨٢) وابن ماجه (٢٤١٤) وصححه الألباني.","vol":"1","page":308},{"text":"النار وواحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي لله عراة حفاة؟ قال: بالحسنات والسيئات» (^١).\nقال الشيخ المؤلف ﵀: هذا الحديث الذي أراد البخاري بقوله ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد (^٢).\n(سفيان بن عيينة) عن مسعر، عن عمرو بن مرة قال: سمعت الشعبي يقول:\nحدّثني الربيع بن خثيم - وكان من معادن الصدق - قال: إن أهل الدّين في الآخرة أشد تقاضيا له منكم في الدنيا، يحبس لهم فيأخذونه، فيقول: يا رب ألست تراني حافيا؟ فيقول: خذوا من حسناته بقدر الذي لهم، فإن لم يكن له حسنات يقول:\nزيدوا على سيئاته من سيئاتهم.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ قال:\n«صاحب الدّين مأسور يوم القيامة بالدين» (^٣).\nوروى أبو نعيم الحافظ بإسناده عن زاذان أبي عمر قال: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخز واليمنية قد سبقوني إلى المجلس، فقلت: يا عبد الله من أجل أني رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني، قال: ادن، فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: «يؤخذ بيد العبد أو الأمة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان بن فلان، فمن كان له حق فليأت إلى حقّه، فتفرح المرأة بأن يدوّن لها الحق على ابنها أو أختها أو أبيها أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيقول الرب تعالى للعبد: ائت هؤلاء حقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم؟ فيقول للملائكة:\nخذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل من خير يضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وإن كان عبدا شقيّا قالت الملائكة: رب فنيت حسناته وبقي طالبون. فيقول للملائكة: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكوا له صكا في النار» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٠)، وهو حديث صحيح؛ انظر «ظلال الجنة في تخريج السنة» رقم (٥١٤).\n(^٢) انظر «فتح الباري» (١٣/ ٤٦١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠) والنسائي (٧/ ٣١٥) وأبو داود (٣٣٤١) وضعفه الألباني.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٢٠٢) وإسناده ضعيف.","vol":"1","page":309},{"text":"وعنه عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ليكون للوالدين على ولدهما دين، فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به، فيقول أنا ولدكما فيودان أو يتمنيان لو كان أكثر من ذلك» (^١).\nوروى رزين عن أبي هريرة قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة هو لا يعرفه فيقول: مالك إليّ وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطايا وعلى المنكر ولا تنهاني.\nوقال ابن مسعود: تفرح المرأة يوم القيامة أن يكون لها حق على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها أو أختها: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾.\n(ابن ماجه) عن جابر ﵁ قال: لما رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر قال: «ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة» فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس مرّت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسيّ وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل، بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا. قال: يقول رسول الله ﷺ: «صدقت صدقت، كيف يقدّس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>فصل</span>\nأنكر بعض المتغفلة الذين اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله، إعجابا برأيهم وتحكما على كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ، بعقول ضعيفة وأفهام سخيفة، فقالوا لا يجوز في حكم الله تعالى وعدله أن يضع سيئات من اكتسبها على من لم يكتسبها، ويؤخذ حسنات من عملها فتعطى من لم يعملها، وهذا - زعموا - جورا، وأوّلوا قول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فكيف تصح هذه الأحاديث وهي تخالف ظاهر القرآن وتستحيل في العقل؟\nوالجواب: أن الله ﷾ لم يبين أمور الدين على عقول العباد، ولم يعد ولم يوعد على ما تحتمله عقولهم، ويدركونها بأفهامهم، بل وعدوا وعدا بمشيئته وإراداته، وأمر ونهي بحكمته، ولو كان كلما لا تدركه العقول مردودا لكان أكثر الشرائع مستحيلا على موضوع عقول العباد، وذلك أن الله تعالى أوجب الغسل\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٤/ ٢٠٢) والطبراني في «الكبير» (٢١٩/ ١٠٥٢٦/١٠) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٠) وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٢٣٩).","vol":"1","page":310},{"text":"بخروج المني الذي هو طاهر عند بعض الصحابة، وكثير من الأئمة، وأوجب غسل الأطراف من الغائط الذي لا خلاف بين الأئمة وسائر من يقول بالعقل وغيره في نجاسته وقذارته ونتنه، وأوجب بريح يخرج من موضع الحدث ما أوجب بخروج الغائط الكثير المتفاحش، فبأيّ عقل يستقيم هذا، وبأي رأي تجب مساواة ريح ليس له عين قائمة بما يقوم عينه وتزيد على الريح نتنا وقذرا؟ وقد أوجب الله قطع يمين مؤمن بعشرة دراهم، وعند بعض الفقهاء بثلاثة دراهم ودون ذلك، ثم سوّى بين هذا القدر من المال وبين مائة ألف دينار، فيكون القطع فيها سواء؟ وأعطى الأم من ولدها الثلث، ثم إن كان للمتوفى إخوة، جعل لها السدس من غير أن ترث الإخوة من ذلك شيئا، فبأي عقل يدرك هذا؟ إلا تسليما وانقيادا من صاحب الشرع، إلى غير ذلك. فكذلك القصاص بالحسنات والسيئات، وقد قال وقوله الحق: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية وقال:\n﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وهذا يبين قوله تعالى:\n﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: لا تحمل حاملة ثقل أخرى إذا لم تتعد، فإذا تعدت واستطالت بغير ما أمرت فإنها تحمل عليها ويؤخذ منها بغير اختيارها كما تقدم في أسماء القيامة عند قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-202>فصل</span>\nوإذا تقرر هذا؛ فيجب على كل مسلم البدار إلى محاسبة نفسه، كما قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا» (^١). وإنما حسابه لنفسه؛ أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا، ويتدارك ما فرّط من تقصير في فرائض الله ﷿، ويردّ المظالم إلى أهلها حبة حبة، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسوء ظنه بقلبه، ويطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل الجنة بغير حساب، فإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه، فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بلبته، وهذا يقول ظلمتني، وهذا يقول شتمتني، وهذا يقول استهزأت بي، وهذا يقول ذكرتني في الغيبة بما يسوؤني، وهذا يقول جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول عاملتني فغششتني، وهذا يقول بايعتني وأخفيت عني عيب متاعك، وهذا يقول كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول رأيتني محتاجا وكنت غنيا فما أطعمتني، وهذا يقول وجدتني مظلوما وكنت قادرا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":311},{"text":"على دفع الظلم فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينما أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخاليبهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحيّر من كثرتهم، حتى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته في مجلس إلا وقد استحق عليك مظلمة، بغيبة أو جناية، أو نظر بعين استحقار، وقد ضعفت عن مقاومتهم ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك، لعله يخلصك من أيديهم، إذ قرع سمعك نداء الجبار:\n﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧] فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة، وتوقن نفسك بالبوار، وتتذكر ما أنذرك الله به على لسان رسوله ﷺ حيث قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢، ٤٣].\nفما أشد فرحك اليوم بتضمضمك بأعراض الناس، وتناولك أموالهم، وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل وشوفهت بخطاب السيئات، وأنت مفلس فقير، عاجز مهين، لا تقدر على أن ترد حقا أو تظهر عذرا، فعند ذلك تؤخذ حسناتك التي تعبت فيها عمرك، وتنقل إلى أخصامك عوضا عن حقوقهم، كما ورد في الأحاديث المذكورة في هذا الباب.\nفانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم إذ ليس لك حسنة قد سلمت من آفات الرياء ومكايد الشيطان، فإن سلمت حسنة واحدة في مدة طويلة، ابتدرها خصماؤك وأخذوها. ويقال: لو أن رجلا له ثواب سبعين نبيّا وله خصم بنصف دانق، لم يدخل الجنة حتى يرضى عنه خصمه. وقيل: يؤخذ بدانق قسط سبعمائة صلاة مقبولة، فتعطى للخصم. ذكره القشيري في «التحبير» له عند اسمه المقسط الجامع.\nقال أبو حامد: ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل، لعلمت أنه لا يمضي عليك يوم إلا ويجري على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفي جميع حسناتك، فكيف ببقية السيئات من أكل الحرام، والشهوات، والتقصير في الطاعات؟ وكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتص فيه للجماء من القرناء؟ ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠] فكيف بك يا مسكين في يوم ترى فيه صحيفتك خالية من حسنات طال فيها تعبك؟ فتقول: أين حسناتي؟ فيقال: نقلت إلى صحيفة خصمائك. وترى صحيفتك مشحونة بسيئات غيرك، فتقول: يا رب هذه سيئات ما قارفتها قط! فيقال: هذه سيئات الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء، وظلمتهم في المعاملة والمبايعة والمجاورة والمخاطبة","vol":"1","page":312},{"text":"والمناظرة والمذاكرة والمدارسة، وسائر أصناف المعاملة. فاتق الله في مظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وأبشارهم، وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم، فإن ما بين العبد وبين الله خاصة المغفرة إليه أسرع. ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال أرباب المظالم من حيث لا يطلع عليه إلا الله؛ فليكثر من الاستغفار لمن ظلمه فعساه أن يقربه ذلك إلى الله فينال به لطفه الذي ادخره لأرباب المؤمنين في دفع مظالم العباد عنهم بإرضائه إياهم، على ما يأتي بيانه في باب إرضاء الخصوم بعد هذا إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>فصل</span>\nقوله في الحديث: «فيناديهم بصوت» استدل به من قال بالحرف والصوت وأن الله يتكلم بذلك (^١) - تعالى عما يقوله المجسّمون والجاحدون علوّا كبيرا - وإنما يحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره (^٢)، ومثل ذلك سائغ في الكلام، غير مستنكر أن يقول القائل: نادى الأمير، وبلغني نداء الأمير، كما قال تعالى: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف:\n٥١ -] وإنما المراد نادى المنادي عن أمره، وأصدر نداءه عن إذنه، وهو كقولهم أيضا: قتل الأمير فلانا وضرب فلانا. وليس المراد تولّيه لهذه الأفعال، وتصدّيه لهذه الأعمال، ولكن المقصود صدورها عن أمره. وقد ورد في صحيح الأحاديث أن الملائكة ينادون على رؤوس الأشهاد فيخاطبون أهل التقى والرشاد: «ألا إن فلان ابن فلان» كما تقدم.\n_________\n(^١) وهذا استدلال أهل السنة، والقرطبي ﵀ وعفا عنه - أشعري يؤول الصفات.\nوالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي كما قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾.\nوأنه يتكلم بصوت وحرف، كما مرّ في حديث عبد الله بن أنيس: «… فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب …».\nوعلى هذا الأئمة من الصحابة والتابعين، تجد ذلك مفصلا في كتب الاعتقاد؛ «كخلق أفعال العباد» للبخاري، و«السنة» لابن أبي عاصم، ولعبد الله بن أحمد، وللخلال، و«التوحيد» لابن خزيمة، وانظر كتاب «السنة» في سنن أبي داود، وكتاب التوحيد من «صحيح البخاري»، وغيرها من كتب الاعتقاد.\nوقد خصّ الإمام أبو نصر عبيد الله السجزي مسألة الحرف والصوت بمصنف؛ وهو: «رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت»، نشر بدار الراية سنة ١٤١٤. والله الموفق.\n(^٢) هذا تأويل ظاهر، وتحميل للنص ما لا يحتمل، والله المستعان.","vol":"1","page":313},{"text":"ومثله ما جاء في حديث التنزيل مفسرا فيما أخرجه النسائي عن أبي هريرة ﵁ وأبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى» (^١). صححه أبو محمد عبد الحق. وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه، وأن ذلك من باب حذف المضاف. والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام الله تعالى على ما هو مذكور في كتاب الديانات.\nفإن قال بعض الأغبياء (^٢): لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه فإن قيل:\n«أنا الديان» وليس يصدر هذا الكلام حقّا وصدقا إلا من رب العالمين.\nقيل له: إن الملك إذا كان يقول عن الله تعالى وينبئ عنه فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين. والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ﴾ [طه: ١٤] فليس يرجع إلى القارئ، وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودال عليه بأصواته، وهذا بيّن، وقد أتينا عليه في الصفات من كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا».\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في عمل اليوم و«الليلة» من «الكبرى» (١٢٤/ ١٠٣١٦/٦) وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٢/ ١٩٨): «ورواه النسائي بلفظ منكر، ليس فيه ذكر النزول، ولا نسبة للقول المذكور إلى الله تعالى كما بينته في «الضعيفة» (٣٨٩٧)».\nقلت: أخرجه النسائي من طريق: عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو إسحاق، حدثنا أبو مسلم الأغر، سمعت أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: … فذكره.\nوهذا الإسناد فيه؛ عمر بن حفص بن غياث «ثقة ربما وهم» كما في «التقريب» (٤٩١٤)، وأبوه حفص؛ «ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في آخره» كما في «التقريب» أيضا (١٤٣٩).\nفالنكارة التي في الحديث أظنها منهما آتية.\nفمثل هذا الإسناد لا يعوّل عليه، لا سيما إذا خالفه رواية الثقات.\nفالحديث أخرجه مسلم (٧٥٨) وأبو عوانة في «مسنده» (٢٨/ ٢١٩٤/٢ - ٢١٩٥) والطيالسي (٢٢٣٢، ٢٣٨٥) والنسائي نفسه في المصدر السابق (١٢٤/ ١٠٣١٥/٦) وغيرهم.\nمن طرق؛ عن شعبة، ومنصور، والأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر به.\nولفظه عند هؤلاء: «إن الله ﷿ يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول؛ نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؛ هل من تائب، هل من سائل، هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر». فتبيّن أن رواية النسائي الأول مخالفة لرواية الثقات الأثبات؛ بل هي منكرة. والله تعالى أعلم.\n(^٢) ما كان يحسن بالقرطبي ﵀، وغفر له - استعمال مثل هذا اللفظ، خاصة أن الذين قالوا هذا الكلام هم: أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن منده وابن خزيمة وابن بطة واللالكائي، وغيرهم من الأئمة قبلهم وبعدهم. والله المستعان.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>فصل</span>\nواختلف الناس في حشر البهائم، وفي قصاص بعضها من بعض، فروي عن ابن عباس أن حشر الدواب والطير موتها. وقاله الضحاك. وروي عن ابن عباس في رواية أخرى: إن البهائم تحشر وتبعث قاله أبو ذر وأبو هريرة وعمرو بن العاص والحسن البصري وغيرهم وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، قال أبو هريرة:\nيحشر الله الخلق كلّهم يوم القيامة البهائم والطير والدواب وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا. فذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾. ونحوه عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.\nوفي الخبر: إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حوّل ذلك التراب في وجوه الكفار، فذلك قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] أي غبار، وقالت طائفة: الحشر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] راجع إلى الكفار. وما تحلل من قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] كلام معترض، وإقامة حجج.\nوأما الحديث فالمقصود منه التمثيل، على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والإعياء فيه (^١)، حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص لمخلوق عنه، وعضدوا ذلك بما روي في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة (^٢)، فقال: «حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، وللحجر لما ركب الحجر، والعود لما خدش العود» قالوا: فظهر من هذا أن المقصود التمثيل المفيد للاعتبار، والتهويل؛ لأن الجمادات لا تعقل خطابها ولا عقابها وثوابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء. أجاب بعض من قال إنها تحشر وتبعث، بأن قال: إن من الحكمة الإلهية أن لا يجري أمر من أمور الدنيا والآخرة إلا على سنة مسنونة وحكمة موزونة.\nومن قال هنا بما قالته طائفة من المتوسمة بالعلم المتسمة بالفقه والفهم، على الزعم أن الجامد لا يفقه والحيوان غير الإنسان لا يعقل، وإنما هو منزل في الحيوان ولسان حال في الجامد والنامي، وقال: إن الله تعالى يقول في الضالين\n_________\n(^١) بل هو على حقيقته كما أخبر النبي ﵌.\n(^٢) وهي زيادة لا تصح.","vol":"1","page":315},{"text":"المكذبين ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. ولو كان عندها عقل أو فهم؛ ما نزل بالكافر الفاسق إلى درجتها في موضع التنقيص والتقصير، والله سبحانه قد وصفه بالموت والصمم في موضع التبصير والتذكير، فقال: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠]. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].\nقيل له: ليس الأمر كما ذكرت، ولا الحق على شيء مما زعمت، وأنه ليس عليك من حيث الزعم ورؤية النفس في درجة العلم أبدا من الآية التي وقفت فيها إلى التي قبلها، إن شئت فارجع بصرك في الذي رأيت تجده قد وصفهم ﷿ بالموت والصمم، كما وصفهم بالعمي والبكم، وليسوا في الحقيقة الظاهرة بموتي ولا صم ولا بعميان ولا بكم، وإنما هو أموات بالعقول والأذهان عن صفة الإيمان، وحياة دار الحيوان، صم عن كلمة الأحياء، عمي عن النظر في مرآة وجوه الأخلاء، كذلك وصف الأنعام بضلال، وليست في الحقيقة بضلال من حيث شرعتها وحكمتها، وإنما ذلك من حيث قد كنا وافقنا، فكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فو ربّك لنحشرنهم جمّا غفيرا ولنحاسبن حسابا يسيرا، ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وأنه تعالى لا يسأل إلا عاقلا، ولا يحاسب إلا مفضولا وفاضلا. وإنما جعل لكل موجود من موجوداته في أشتات الخلائق وأجناس العوالم دار دنيا ودار أخرى، وجعل لها أفلاكا وآفاقا وظلما وأضواء، فكلّ في فلكه وأفقه بليله ونهاره وسمعه وبصره وعلمه وفهمه، وحاكم من عقله أو جهله، وقائم بنحلته وحكمته وسنته وشرعته، فأدنى وأعلى من الروحانية الأقصى إلى الجمادية الأقسى، فالملائكة الروحانية في مصافها ترانا من حيث لا نرى، وتعلم منا أكثر مما نعلم، وإنها لتشاهد من نقصنا وقلة عقلنا في الموضع الذي يجب العلم به وإعمال العقل فيه؛ ما تحكم به علينا أكثر مما نحكم به على الأنعام من قلة العقل وتحقيق المعرفة، فمن نظر إلى الأنعام وجدها من حيث نحن لا من حيث فلكها وأفقها؛ لا تسمع ولا تعقل إلا حيزا ما؛ قدر ما تتسخر به وتتذلل طبعا، فتلقن المراد منها من هذا الفن خاصة لا غير، وأما ما نحن بسبيله من تصرفات وتعملات فليس لها ذلك من حيث الفلكية التي أحازتها عنا، والأفقية التي اقتطعتها منا، فهي في طرقاتنا ضلاّل، وبتعملاتنا وأحوال تصرفاتنا جهال، وأما من حيث شرعتها وباطن رؤيتها فعارفة عقال، قال رسول الله ﷺ حين أخذ الجمل القضم الذي ند وامتنع بحائط بني النجار، وغلب الخلق عن أخذه والوصال إليه، حتى جاء ﷺ","vol":"1","page":316},{"text":"فلما مشى إليه ورآه الجمل برك لديه وجعل يمر بمشرفه على الأرض بين يديه، تذللا وتسخيرا؛ فقال ﷺ: «هات الخطام» فلما خطمه ورأى الناس يعجبون منه؛ ردّ رأسه إليه فقال: «ألا تعجبون» - أو كما قال - «إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله، غير عاصي الجن والإنس» (^١).\nوثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من دابة إلا وهي مصيخة بأذنها يوم الجمعة تنتظر قيام الساعة» (^٢).\nوقال ﷺ: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (^٣).\nقال المؤلف ﵀: خرجه مالك في «موطئه» وابن ماجه في «سننه» واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.\nوقد تقدم أن الميت يسمع صوته كل شيء إلا الإنسان، وفي رواية إلا الثقلين. والأخبار في هذا المعنى كثيرة، قد أتينا على جملة منها في هذا الكتاب، فكل حيوان وجماد محشور لما عنده من الإدراك والمشاهدة والحضور، من حيث هي لا من حيث نحن. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقال عز من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨] لا يقال إن هذا السجود والتسبيح بلسان حال، ليس بلسان المقال، فإنا نقول هذا مجاز (^٤)، والله سبحانه يقص الحق كما أخبر في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧].\nومن نظر بنور الله جاز العين إلى المعنى، وحل الرمز وفك المعمى. وهم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٣١٠) وأبو نعيم في «دلائل النبوة» رقم (٢٧٩) والبزار (٣/ ١٥٠ - ٢٤٥٢/ ١٥١). وإسناده ضعيف؛ انظر «مجمع الزوائد» (٩/ ٧).\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٦٨ - ٦٩) كتاب الجمعة - باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة. وأحمد (٢/ ٤٨٦ - ٥٠٤) وأبو داود (١٠٤٦) والترمذي (٤٩١) وغيرهم. وإسناده صحيح؛ انظر «إرواء الغليل» (٣/ ٢٢٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٠٩، ٣٢٩٦، ٧٥٤٨) والإمام مالك في «الموطأ» (١/ ٤٤) -٣ - كتاب الصلاة - (١) باب ما جاء في النداء للصلاة. وابن ماجه (٧٢٣).\n(^٤) انظر في ذلك: «بطلان المجاز وأثره في إفساد التصور وتعطيل النصوص» لمصطفى عيد الصياصنة. و«الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل» ص ٣٥ - ٣٧ (الهامش) ط. المكتبة العصرية.","vol":"1","page":317},{"text":"إنما نظروا من حيث هم، ومن حيث العقل البشري، ولم ينظروا الحياة الفلكية من حيث هي؛ فغابوا عن الحضور وجمدوا على القصور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].\nقلت: هذا كله صحيح لحديث أبي سعيد الخدري المذكور، وهو صحيح.\nوكذلك حديث أبي هريرة في شهادة الأرض بما عمل عليها، وهو صحيح. وكذلك حديث أبي سعيد الخدري في شهادة المال؛ صحيح، وسيأتي.\nوقد روى ليث بن سليم، عن عبد الرحمن بن مروان، عن الهذيل، عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه مر بشاتين تنتطحان فقال: «إن الله تعالى ليقضينّ يوم القيامة لهذه الجلحاء من هذه القرناء» (^١).\nوذكر ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، أن أبا سالم الجيشاني حدثه؛ أن ثابت بن طريف استأذن على أبي ذر فسمعه رافعا صوته يقول: أما والله لولا يوم الخصومة لسؤتك، قال ثابت: فدخلت، فقلت: ما شأنك يا أبا ذر؟ قال: هذه. قلت: وما عليك إن رأيتك تضربها؟ قال: والذي نفسي بيده أو نفس محمد بيده لتسألن الشاة فيما نطحت صاحبتها، وليسألن الجماد فيما نكب إصبع الرجل (^٢).\nوروى عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان فقال: يا أبا ذر! أتدري فيم تنتطحان؟ قلت: لا يا رسول الله. قال: «لكن الله يدري، ويقضي بينهما يوم القيامة». أخرجه أبو داود الطيالسي؛ فقال: حدّثنا شعبة قال: أخبرني الأعمش قال: سمعت منذر الثوري يحدث عن أصحاب له عن أبي ذر بلفظه ومعناه.\nوقال عمرو بن العاص ﵁: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشر الناس والدواب والوحوش، فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء تنطحها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب، قال لها: كوني ترابا، فيراها الكافر فيقول: «يا ليتني كنت ترابا».\nوذكر عبد الكريم الإمام أبو القاسم القشيري في «التحبير» له، فقال: وفي خبر الوحوش والبهائم ثم تحشر يوم القيامة، فتسجد لله سجدة، فتقول الملائكة:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٢) بإسناد ضعيف، لكن للحديث طرق وشواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن. منها حديث أبي هريرة المتقدم أول الباب.\n(^٢) إسناده ضعيف.","vol":"1","page":318},{"text":"ليس هذا يوم سجود؛ هذا يوم الثواب والعقاب، وتقول البهائم: هذا سجود شكر؛ حيث لم يجعلنا الله من بني آدم. ويقال: إن الملائكة تقول للبهائم: لم يحشركم الله جل ثناؤه لثواب ولا لعقاب، وإنما يحشركم تشهدون فضائح بني آدم. ذكره القشيري في اسمه المقسط الجامع، وهذا قول ثابت فتأمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>فصل</span>\nظن بعض العلماء أن الصيام مختص بعامله موفرا له أجره، لا يؤخذ منه شيء لمظلمة ظلمها متمسكا بقوله تعالى: «الصيام لي وأنا أجزي به» (^١). وأحاديث هذا الباب ترد قوله، وأن الحقوق تؤخذ من سائر الأعمال صياما كان أو غيره.\nوقيل: إن الصوم إذا لم يكن معلوما لأحد ولا مكتوبا في الصحف؛ هو الذي يستره الله ويخبؤه عليه، حتى يكون له جنّة من العذاب، فيطرحون أولئك عليه سيئاتهم فيذهب عنهم ويقيه الصوم، فلا يضر أصحابها لزوالها عنهم، ولا له لأن الصوم جنته. قال القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين»: وهو تأويل حسن إن شاء الله تعالى، ولا تعارض؛ والحمد لله.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>باب</span>\n(أبو داود) عن صفوان بن سليم، عن عدة من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن آبائهم عن رسول الله ﷺ قال: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه في حقّه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» (^٢). صححه أبو محمد عبد الحق.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-207>٩٦ - باب في إرضاء الله تعالى الخصوم يوم القيامة</span>\nروينا في الأربعين وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن بالله تعالى» عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم جالس إذ رأيته ضحك حتى بدت ثناياه. فقيل له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربي ﷿ فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٤) ومسلم (١١٥١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٠٥٢) وهو في «الصحيحة» برقم (٤٤٥).","vol":"1","page":319},{"text":"فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته. فقال: يا رب ما بقي من حسناتي شيء. فقال: يا رب فليحمل من أوزاري. وفاضت عينا رسول الله ﷺ، ثم قال: إن ذلك اليوم ليوم يحتاج الناس فيه إلى أن تحمل عنهم أوزارهم. ثم قال الله تعالى للطالب حقّه: ارفع بصرك فانظر إلى الجانان. فرفع بصره فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: لمن هذا يا رب؟ فقال: لمن أعطاني ثمنه. قال: ومن يملك ثمن ذلك؟ قال: أنت. قال:\nبم إذا؟ قال بعفوك عن أخيك. قال: يا رب فإني قد عفوت عنه. قال خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال رسول الله ﷺ: «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» (^١).\nوعن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: يجيء المؤمن يوم القيامة قد أخذه صاحب الدين، فيقول: ديني على هذا. فيقول الله تعالى: أنا أحق من قضى عن عبدي. قال: فيرضي هذا من دينه ويغفر لهذا.\nوقال ابن أبي الدنيا: وحدّثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل، قال: بلغني أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي وما يكابدون في طلب مرضاتي، أتراني أنسى لهم عملا، كيف وأنا أرحم الراحمين بخلقي، لو كنت معاجلا بالعقوبة أحدا أو كانت العقوبة من شأني لعاجلت بها القانطين من رحمتي، ولو يرى عبادي المؤمنون كيف أستوهبهم ممن ظلموه، أحكم لمن وهبهم بالخلد المقيم في جواري؛ إذا ما اتهموا فضلي وكرمي.\n\n<span data-type='title' id=toc-208>فصل</span>\nقلت وهذا لبعض الناس ممن أراد الله أن لا يعذبه، بل يعفو عنه ويغفر له ويرضى عن خصمه، وقد يكون هذا في الظالمين الأوابين، وهو قوله تعالى:\n﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] والأوّاب: الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه، كذا تأوله أبو حامد. وهو تأويل حسن. أو يكون ذلك فيمن يكون له خبيئة حسنة من عمل صالح يغفر الله له به، ويرضي خصماؤه كما تقدم. وظاهر حديث أنس الخصوص بذينك الرجلين لقوله: رجلان، ولفظ التثنية لا يقتضي الجمع، إلا ما روي في الحديث: «مثل المنافق كالشاة العاشرة بين الغنمين» (^٢) خرجه مسلم. وليس هذا موضعه. ولو كان ذلك في جميع الناس ما دخل أحد النار. وكذلك ما روي عن النبي ﷺ: «ينادي مناد من تحت العرش يوم القيامة: يا\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٧٦) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٨٤).","vol":"1","page":320},{"text":"أمة محمد أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي» (^١). ما دخل أحد النار … وهذا واضح فتأمله.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-209>٩٧ - باب أول من يحاسب أمة محمد ﷺ</span>\nروى ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال: أين الأمّة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (^٢). وفي رواية عن ابن عباس ﵄: «فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرّا محجّلين من آثار الوضوء فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلّها». خرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (^٣) بمعناه وقد تقدم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-210>٩٨ - باب أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء، وأول من يدعى للخصومة</span>\n(مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (^٤). أخرجه البخاري أيضا والنسائي والترمذي وقال:\nهذا حديث حسن صحيح.\nوللنسائي أيضا عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس الدماء» (^٥).\n_________\n(^١) لا يصح؛ قال الحافظ العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (١٢٧٢/ ٤٦٠٣/٢): «رويناه في سباعيات أبي الأسعد القشيري من حديث أنس، وفيه الحسين بن داود البلخي؛ قال الخطيب: ليس بثقة».\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٩٠) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٦٣).\n(^٣) رقم (٢٧١١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٥٣٣) ومسلم (١٦٧٨).\n(^٥) أخرجه النسائي (٧/ ٨٣).","vol":"1","page":321},{"text":"وفي البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة» يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه الثلاثة من كفار قريش. قال أبو ذر: وفيهم نزلت: ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] الآية (^١). والخبر بهذا مشهور صحيح خرجه البخاري ومسلم وغيرهما.\nوعن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال:\nحدثنا رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه: «فيكون أول ما يقضى بينهم في الدماء ويأتي كل قتيل قتل في سبيل الله، فيأمر الله كل من قتل فيمحل رأسه وتشخب أوداجه دما، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى له - وهو أعلم -: فيما قتلته؟ فيقول: يا رب قتلته لتكون العزة لك. فيقول الله تعالى: صدقت. فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تشيعه الملائكة إلى الجنان، ثم يأتي كل من قتل يحمل رأسه وتشخب أوداجه دما فقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول له - وهو أعلم -: فيم قتلته؟ فيقول: رب قتلته لتكون العزة لي. فيقول الله تعالى: تعست ثم لا تبقى قتلة إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء رحمه».\nخرجه الغيلاني أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله البزار المعروف بالشافعي. حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا أبو عاصم الضحاك، عن مخلد، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب. وخرّجه إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دما، حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه: هذا قتلني. فيقول الله تعالى للقائل: تعست ويذهب به إلى النار» (^٢).\nوخرّجه ابن المبارك موقوفا على عبد الله بن مسعود قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله فذكره بمعناه.\nوخرّجه الترمذي في جامعه قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما يقول: يا رب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٦٥، ٣٩٦٩، ٤٧٤٣، ٤٧٤٤) ومسلم (٣٠٣٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٢، ٣٦٤) والنسائي (٧/ ٨٥، ٨٧) والترمذي (٣٠٢٩) وابن ماجه (٢٦٢١)، وصححه الألباني.","vol":"1","page":322},{"text":"قتلني هذا، حتى يدنيه من العرش» (^١). قال: هذا حديث حسن غريب.\n(مالك) عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل المرء الصلاة فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله.\nقلت: وهذا الحديث وإن كان موقوفا بلاغا فقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي مرفوعا بهذا المعنى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربّنا ﷿ لملائكته:\nانظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا. قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع، قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك» (^٢). لفظ أبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه ابن ماجه أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>فصل</span>\nقال أبو عمر بن عبد البر ﵀: أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون ذلك - والله أعلم - فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك. وأما من تعمد تركها أو شيئا منها ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضه وهو ذاكر له؛ فلا تكمل له فريضته تلك من تطوعه، والله أعلم.\nوقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر، يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني، عن عائذ بن قرط، عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده وخشوعه زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم» (^٣).\nقال أبو عمرو: «هذا لا يحفظ عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه: أخرجه من صلاة قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة».\nقلت: ينبغي للإنسان أن يحافظ على أداء فرضه فيصليه كما أمر من إتمام ركوع وسجود، وحضور قلب. فإن غفل عن شيء من ذلك فيجتهد بعد ذلك في\n_________\n(^١) انظر ما تقدم.\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٣) وأبو داود (٨٦٤) والنسائي (١/ ٢٣٢) وابن ماجه (١٤٢٥). وصححه الألباني.\n(^٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢/ ٣٧/١٨) وصححه الألباني في «الصحيحة» رقم (٢٣٥٠).","vol":"1","page":323},{"text":"نفله ولا يتساهل فيه ولا في تركه، ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى أن لا يحسن النفل لا جرم، بل تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل في التمام لخفة النفل عندهم وتهاونهم به، ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم بنفله، كذلك بل فرضه إذا ينقره نقر الديك، فكيف بالجهال الذين لا يعلمون؟! وإذا كان هذا فكيف يكمل بهذا النفل ما نقص من الفرض هيهات هيهات!\nفاعلموا أن الصلاة إذا كانت بهذه الصفة دخل صاحبها في معنى قوله تعالى:\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].\nوقال جماعة من العلماء: التضييع للصلاة هو أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وتمام ركوع وسجود ونحو ذلك وهو مع ذلك يصليها، ولا يمتنع من القيام بها في وقتها وغير وقتها. قالوا: فأما من تركها أصلا ولم يصلها فهو كافر.\nوروى الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» (^١). وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود.\nقال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة لحديث النبي ﷺ: «لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود».\nوروى البخاري عن زيد بن وهب عن حذيفة؛ ورأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: «ما صليت، ولو متّ وأنت تصلي هذه الصلاة لمتّ على غير سنة محمد ﷺ» (^٢).\nوأخرجه النسائي أيضا عنه عن حذيفة أنه رأى رجلا يصلي فخفف فقال له حذيفة: «منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين عاما. قال: ما صليت، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمتّ على غير فطرة النبي ﷺ، ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن». والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا قد أتينا عليها في غير هذا الباب، وهي تبين لك المراد من قوله تعالى: ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج: ٥٩].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٢) وأبو داود (٨٥٥) والنسائي (٢/ ١٨٣) والترمذي (٢٦٥) وابن ماجه (٨٧٠). وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٩١) والنسائي (٣/ ٥٨) وغيرهما.","vol":"1","page":324},{"text":"وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل له ما ضيع من فريضته من تطوعه، ثم سائر الأعمال تجري على ذلك»، وهذا نص. وقال عمر ﵁: ومن يضيعها فهو لما سواها أضيع.\nقلت: ولا اعتبار بقول من قال: إن الواجب من أركان الصلاة ومن الفصل بين أركانها أقل ما ينطلق عليه الاسم وهو أبو حنيفة، وأشار إلى ذلك القاضي عبد الوهاب في «تلقينه»، وهو يروي عن ابن القاسم، لأن من اقتصر على ذلك صدق عليه أنه نقر الصلاة فدخل في الذم المترتب على ذلك بقوله ﵇: «تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» (^١). رواه مالك في «موطئه» ومسلم في «صحيحه». والأحاديث الثابتة تقتضي بفساد صلاته كما بيناه، مع قوله ﵇: «أما الركوع فعظّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» (^٢) خرجه مسلم.\nوفي موطأ مالك عن يحيى، عن سعيد، عن النعمان بن مرة الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «ما ترون في الشارب والسارق والزاني قال: وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هن فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته. قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها» (^٣).\nوروى أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها، قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتلفّ كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه» (^٤).\nفمن لم يحافظ على أوقات الصلاة لم يحافظ على الصلاة كما أن من لم\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١/ ١٤٦) ومسلم (٦٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٧٩).\n(^٣) أخرجه مالك (١٠٨/ ٧٢/١) -٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر. وهو مرسل صحيح؛ انظر «المشكاة» (٢٧٩/ ٨٨٦/١).\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٥٨٥) بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":325},{"text":"يحافظ على وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها حفظ دينه، ولا دين لمن لا صلاة له.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>باب منه</span>\n(ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول له ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت من الناس» (^١).\nورواه الفريابي قال حدثنا سفيان عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحقّرنّ أحدكم نفسه إذا رأى أمر الله عليه فيه، مقال فلا يقول فيه فيقال يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت كذا وكذا أن تقول فيه، فيقول له: أي ربي خفت الناس. فيقال: إياي كنت أحقّ أن تخاف» (^٢). قال الوائلي أبو نصر: ورواه أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله اليربوعي الكوفي، قال: حدثنا زهير قال: حدثنا عمر بن قيس، عن عمرو بن مرة المعنى واحد، وهذا محفوظ من الطريقين عن عمرو بن مرة ومخرجه من الكوفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>باب منه</span>\nذكر أبو نعيم الحافظ: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، حدثنا عبد الله ابن محمد بن زكريا، حدثنا إسماعيل بن عمرو، حدثنا مندل، عن أسد بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلما، فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذا لم تدفعوا عنه، ولا يقفن أحدكم على رجل يقتل ظلما، فإن اللعنة تنزل من السماء على من حضره إذا لم تدفعوا عنه» (^٣). هذا حديث غريب من حديث أسد، وعكرمة لم يروه عنه فيما أعلم إلا مندل بن علي العنزي.\n***\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٧) وهو في «الصحيحة» برقم (٩٢٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠، ٤٧، ٩١) وابن ماجه (٤٠٠٨) وهو صحيح.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم (٣/ ٣٤٥) والطبراني في «الكبير» (١١ /رقم: ١١٦٧٥)، وضعفه الألباني في «غاية المرام» رقم (٤٤٨).","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>٩٩ - باب ما جاء في شهادة أركان الكافر والمنافق عليهما ولقائهما الله ﷿</span>\nقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] وقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وقال: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] الآية. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة من حديث معاوية بن حيدة القرشي أن النبي ﷺ قال: «تجيئون يوم القيامة على أفواهكم الفدام وأول ما يتكلم من الإنسان فخذه وكفّه» وقد تقدم.\n(مسلم) عن أنس بن مالك قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: هل تدرون لم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. قال: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام قال: فيقول بعدا لكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل» (^١).\n(الترمذي) عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخّرت لك الأنعام، والحرث وترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول: اليوم أنساك كما نسيتني» (^٢). قال: هذا حديث صحيح غريب، وأخرجه مسلم عن أبي هريرة بأطول من هذا وقد تقدم.\n(البخاري) عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا كنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك» (^٣). وأخرجه مسلم وقال بدل «قد كنت»؛ «كذبت قد سئلت ما هو أيسر من ذلك».\n\n<span data-type='title' id=toc-215>فصل</span>\nقوله ﵇: «فأول ما يتكلم من الإنسان فخذه» يحتمل وجهين:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٦٩).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٣٤) ومسلم (٢٨٠٥).","vol":"1","page":327},{"text":"أحدهما: أن يكون ذلك زيادة في الفضيحة والخزي على ما نطق به الكتاب في قوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] لأنه كان في الدنيا يجاهر بالفواحش ويخلو قلبه عندها من ذكر الله تعالى، فلا يفعل ما يفعل خائفا مشفقا، فيجزيه الله بمجاهرته بفحشه على رؤوس الأشهاد.\nوالوجه الآخر: أن يكون هذا فيمن قرأ كتابه ولا يعرف بما ينطق به، بل يجحد فيختم الله على فيه عند ذلك، وتنطق منه الجوارح التي لم تكن ناطقة في الدنيا فتشهد عليه سيئاته. وهذا أظهر الوجهين يدل عليه أنهم يقولون لجلودهم أي لفروجهم في قول زيد بن أسلم لم شهدتم علينا؟ فتمردوا في الجحود فاستحقوا من الله الفضح والإخزاء - نعوذ بالله منهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>فصل</span>\nقوله: «وتركتك ترأس وتربع» أي: ترأس على قومك بأن تكون رئيسا عليهم ويأخذ الربع مما يحصل لهم من الغنائم والكسب، وكانت عادتهم أن أمراءهم كانوا يأخذون من الغنائم الربع ويسمونه المرباع، قال شاعرهم:\nلك المرباع منها والصّفايا … وحكمك والنشيطة والفضول\nوقال آخر:\nمنا الذي ربع الجيوش لصلبه … عشرون وهو يعد في الأحياء\nيقال: ربع الجيش يربعه رباعة؛ إذا أخذ ربع الغنيمة. قال الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام.\nوقوله: «اليوم أنساك كما نسيتني» أي: اليوم أتركك في العذاب كما تركت عبادتي ومعرفتي.\nفإن قيل: فهل يلقى الكافر ربه ويسأله؟ قلنا: نعم بدليل ما ذكرنا. وقد قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] في أحد التأويلين وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] وقال: ﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] وقال:\n﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] الآيتين. وقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] وقال: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢، ١٣] والآي في هذا المعنى كثير.\nفإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾","vol":"1","page":328},{"text":"[الرحمن: ٤١] وقال ﵇: «يخرج عنق من النار فيقول: وكّلت بثلاث بكلّ جبار عنيد، وكل من جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين» (^١).\nقلنا: هذا يحتمل أن يكون بعد الوزن والحساب وتطاير الكتب في اليمين والشمال وتعظيم الخلق كما تقدم، ويدل عليه قوله: «وبالمصورين» فإنهم وإن كانوا موحّدين فلا بد لهم من سؤال وحساب، وبعده يكونون أشد الناس عذابا، وإن كانوا كافرين مشركين فيكون ذكرهم تكرارا في الكلام.\nعلى أن نقول: قال بعض العلماء: ذكر الله تعالى الحساب جملة وجاءت الأخبار بذلك، وفي بعضها ما يدل على أن كثيرا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فصار الناس إذا ثلاث فرق؛ فرقة لا يحاسبون أصلا، وفرقة تحاسب حسابا يسيرا، وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابا شديدا يكون منها مسلم وكافر وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله؛ فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب.\nوقد ذكر ابن المبارك في رقائقه عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: «أن بعد أخذ النار هؤلاء تنشر الصحف وتوضع الموازين، وتدعى الخلائق للحساب» (^٢). فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وقال: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] وقال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] وهذا يتناول بعمومه جميع الكفار. قلنا: القيامة مواطن: فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك، فلا يتناقض الآي والأخبار - والله المستعان.\nقال عكرمة: القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. وقال ابن عباس: لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لم عملتم كذا وكذا؟ والقاطع لهذا قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. قال أهل التأويل: عن لا إله إلا الله.\nوقد قيل: إن الكفار يحاسبون بالكفر بالله الذي كان طول العمر دثارهم وشعارهم وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها، فإنهم يبكتون عليها ويسألون عنها عن الرسل وتكذيبهم إياهم لقيام الدلائل على صدقهم.\nوقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٦) والترمذي (٢٥٧٤) وهو في «الصحيحة» (٥١٢).\n(^٢) جزء من أثر ابن عباس، تقدم تخريجه.","vol":"1","page":329},{"text":"﴿بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والآي في هذا المعنى كثيرة، ومن تأمل آخر سورة المؤمنين ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] إلى آخرها تبين له الصواب في ذلك - والحمد لله على ذلك.\nوذكر ابن المبارك عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄: «إن بعد أخذ النار هؤلاء الثلاثة: تنشر الصحف وتوضع الموازين ويدعى الخلائق للحساب» وشهر ضعّفه مسلم في كتابه وغيره.\nفإن قيل: فقد ذكر اللالكائي في سننه عن عائشة ﵂ قالت: «لا يحاسب رجل يوم القيامة إلا دخل الجنة» (^١). قالوا: ولأن الحساب إنما يراد للثواب والجزاء، ولا حسنات للكافر فيجازى عليها بحسابه، ولأن المحاسب له هو الله تعالى، وقد قال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾.\nقلنا: ما روي عن عائشة قد خالفها غيرها في ذلك، للآيات والأحاديث الواردة في ذلك، وهو الصحيح. ومعنى «ولا يكلمهم الله» أي: بما يحبونه، قاله الطبري. وفي التنزيل: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ و﴿لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين أي: إن الملائكة لا تحتاج أن تسأل أحدا يوم القيامة، أن يقال: ما كان دينك وما كنت تصنع في الدنيا؟ حتى يتبين لهم بإخباره عن نفسه أنه كان مؤمنا أو كان كافرا، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه منشرحي الصدور، ويكون المشركون سود الوجوه زرقا مكروبين فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار وتمييزهم في الموقف كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم، ومن قال هذا فيحتمل أن يقول: إن الأمر يوم القيامة يكون بخلاف ما هو كائن قبله على ما وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه فيسألونه عن ربه ونبيه، أي: إذا كان يوم القيامة لم تسأل الملائكة عند الحاجة إلى تمييز فريق عن هذا لاستغنائهم بمناظرهم عما وراءها، ومن قاله يحتج بقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أخبر أنهم يسألهم عن أعمالهم، وهذه الآية في الكافرين، ومن قال: يسألهم عن أصل كفرهم ثم عن تجريدهم إياه كل وقت باستهزائهم بآيات الله تعالى ورسله فقد سألهم عما كانوا يعملون. وذلك هو المراد.\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (١٢٤٨/ ٢٢١٤/٦).","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>١٠٠ - باب ما جاء في شهادة الأرض والليالي والأيام بما عمل فيها وعليها، وفي شهادة المال على صاحبه وقوله تعالى ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾</span>\n(الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] قال: «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كلّ عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا، فهذه أخبارها» (^١). قال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(أبو نعيم) عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال:\n«ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك غدا شهيد، فاعمل فيّ خيرا أشهد لك به غدا، فإني لو قد مضيت لم ترن أبدا، ويقول الليل مثل ذلك» (^٢). غريب من حديث معاوية تفرد عنه زيد العميّ، ولا أعلمه مرفوعا عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد.\n(ابن المبارك) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «من سجد في موضع عند شجر أو حجر شهد له عند الله يوم القيامة» (^٣).\nقال: وأخبرني ابن أبي خالد ﵁ قال: سمعت أبا عيسى يحيى بن رافع يقول: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ١٩ - ٢١] قال: سائق يسوقها إلى أمر الله، وشاهد ليشهد عليها بما عملت (^٤).\nوخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وفيه: «وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل»\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٢٩) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٢/ ٣٠٣) بإسناد ضعيف جدا.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك كما في زوائد نعيم بن حماد على «الزهد» (٣٨٤) وإسناده ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٦٥).","vol":"1","page":331},{"text":"أو كما قال رسول الله ﷺ: «وإنه من يأخذه بغير حقّه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة» (^١).\nوقد تقدم أنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة». رواه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ. ورواه الأئمة مالك وغيره.\nقال المؤلف: فتفكر يا أخي وإن كنت شاهدا عدلا بأنك مشهود عليك في كل أحوالك من فعلك ومقالك، وأعظم الشهود لديك المطلع عليك الذي لا تخفى عليه خافية عين، ولا يغيب عنه زمان ولا أين، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] فاعمل عمل من يعلم أنه راجع إليه وقادم عليه يجازى على الصغير والكبير، والقليل والكثير، سبحانه لا إله إلا هو.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-218>١٠١ - باب لا يشهد العبد على شهادة في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة</span>\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن سليمان بن راشد أنه بلغه أن أمرا لا يشهد على شهادة في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبدا في الدنيا إلا امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد (^٢).\nقلت: هذا صحيح، يدل على صحته من الكتاب قول الحق: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. وقوله: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٦٥) ومسلم (١٠٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» لنعيم (٣٩٧) بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>١٠٢ - باب ما جاء في سؤال الله تعالى الأنبياء وفي شهادة هذه الأمة للأنبياء على أممهم</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦، ٧]، وقال: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فيبدأ بالأنبياء ﵈ ﴿فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ﴾ [القصص: ٦٥] قيل في تفسيرها: كانوا قد علموا ولكن ذهبت عقولهم وعزبت أفهامهم ونسوا من شدة الهول وعظيم الخطب وصعوبة الأمر فقالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] ثم يقربهم الله تعالى فيدعى نوح ﵇، ويقال: إن الهيبة تأخذ بمجامع قلوبهم فيذهلون عن الجواب. ثم إن الله يثبتهم ويحدث لهم ذكرا فيشهدون بما أجابت به أممهم ويقال: إنما قالوا ذلك تسليما كما فعل المسيح في قوله: ﴿عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] والأول أصح لأن الرسل يتفاضلون، والمسيح من أجلّهم لأنه كلمة الله وروحه، قاله أبو حامد.\nوخرّج ابن ماجه؛ حدّثنا أبو كريب وأحمد بن سنان قالا: حدّثنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيء النبيّ يوم القيامة ومعه الرجل، ويجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم فيقولون: لا. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فتدعى أمة محمد ﷺ فيقال:\nهل بلغ هذا؟ فيقول: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولن: أخبرنا نبينا ﷺ بذلك أن الرسل قد بلغوا فصدقناه». قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (^١) [البقرة: ١٤٣].\nوذكره البخاري أيضا بمعناه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ:\nيدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول:\nنعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٨٢) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٥٧).","vol":"1","page":333},{"text":"فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (^١).\nأخرجه ابن المبارك في رقائقه مرسلا بأطول من هذا فقال: أخبرني رشدين بن سعد قال: أخبرني ابن أنعم المغافري، عن حبان بن أبي جبلة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل ﵇، فيقول له ربّه ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغت جبريل. فيدعى جبريل ﵇ فيقول: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم يا رب قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، ويقال لجبريل هل بلغت عهدي؟ فيقول جبريل: نعم قد بلغت الرسل. فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم. فيخلى عن جبريل ثم يقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟ فيقولون: قد بلغنا أممنا. فتدعى الأمم فيقال لهم هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المصدق ومنهم المكذب فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: محمد وأمته. فتدعى أمة محمد فيقولون: تشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه؟ فيقولون: نعم، رب شهدنا أن قد بلغوا. فتقول تلك الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول لهم الربّ: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا إنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الربّ: صدقوا. فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، والوسط العدل ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. قال ابن أنعم فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد إلا من كان في قلبه حنة على أخيه» (^٢).\nقلت: وذكر هذا الخبر أبو محمد في كتاب العاقبة له، فذكر بعد قوله والوسط العدل: «ثم يدعى غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ثم ينادى كل إنسان باسمه واحدا واحدا، وتعرض أعمالهم على ربّ العزة ﷻ قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها».\nقال المؤلف: وذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» أن هذا يكون بعد ما يحكم الله تعالى بين البهائم ويقتص للجمّاء من القرناء، ويفصل بين الوحش والطير، ثم يقول لهم: كونوا ترابا، فتسوى بهم الأرض وحينئذ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢] ويتمنى الكافر فيقول: يا ليتني كنت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٣٩).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٥٩٨) بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":334},{"text":"ترابا. ثم يخرج النداء من قبل الله تعالى: أين اللوح المحفوظ؟ فيؤتى به له هرج عظيم، فيقول الله تعالى: أين ما سطرت فيك من توراة وزبور وإنجيل وفرقان؟ فيقول يا رب نقله مني الروح الأمين. فيؤتى به يرعد وتصطك ركبتاه، فيقول الله تعالى: يا جبريل هذا اللوح المحفوظ يزعم أنك نقلت منه كلامي ووحيي أصدق؟ قال: نعم يا رب. قال: فما فعلت فيه؟ قال: أنهيت التوراة إلى موسى، وأنهيت الزبور إلى داود وأنهيت الإنجيل إلى عيسى، وأنهيت الفرقان إلى محمد ﵈، وأنهيت إلى كلّ رسول رسالته وإلى أهل الصحف صحائفهم. فإذا بالنداء يا نوح فيؤتى به يرعد وتصطك فرائصه، فيقول: يا نوح زعم جبريل أنك من المرسلين. قال: صدق. فقيل له: ما فعلت مع قومك؟ قال: دعوتهم ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا. فإذا بالنداء: يا قوم نوح، فيؤتى بهم زمرة واحدة فيقال هذا أخوكم نوح يزعم أنه بلغكم الرسالة فيقولون: يا ربنا كذب، ما بلغنا من شيء! وينكرون الرسالة. فيقول الله: يا نوح ألك بينة؟ فيقول: نعم يا رب؛ بينتي عليهم محمد وأمته. فيقولون: كيف ونحن أول الأمم، وهم آخر الأمم؟ فيؤتى بالنبي ﷺ فيقول: يا محمد؛ هذا نوح يستشهد فيشهد له بتبليغ الرسالة فيقرأ ﷺ: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] إلى آخر السورة فيقول الجليل ﷻ: قد وجب عليكم الحق، وحقت كلمة العذاب على الكافرين، فيؤمر بهم زمرة واحدة إلى النار من غير وزن عمل ولا حساب، ثم ينادى أين هود فيفعل قوم هود مع هود كما فعل قوم نوح مع نوح، فيستشهد عليهم بالنبي ﷺ وخيار أمته فيتلو: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] فيؤمر بهم إلى النار مثل أمة نوح، ثم ينادي: يا صالح ويا ثمود فيأتون فيستشهد صالح عندما ينكرون فيتلو النبي ﷺ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] إلى آخر القصة، فيفعل بهم مثلهم ولا يزال يخرج أمة بعد أمة قد أخبر عنهم القرآن بيانا وذكرهم فيه إشارة كقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] وقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً﴾ [المؤمنون: ٤٤] وقوله:\n﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [إبراهيم: ٩] وفي ذلك تنبيه على أولئك القرون الطاغية كقوم تارخ وتارح ودوحا وأسرا وما أشبه ذلك، حتى ينتهي النداء إلى أصحاب الرّسّ وقوم إبراهيم وفي كل ذلك لا يرفع لهم ميزان ولا يوضع لهم حساب، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، والترجمان يكلمهم لأن الرب تعالى من نظر إليه وكلمه لم يعذبه. ثم ينادى بموسى بن عمران فيأتي وهو كأنه ورقة في ريح عاصف اصفر لونه واصطكت ركبتاه فيقول له: يا ابن عمران جبريل يزعم أنه بلغك الرسالة والتوراة فتشهد له بالبلاغ؟ قال: نعم. قال: فارجع","vol":"1","page":335},{"text":"إلى منبرك واتل ما أوحي إليك من ربك. فيرقى المنبر ثم يقرأ فينصت له كلّ من في الموقف فيأتي بالتوراة غضة طرية على حسنها يوم أنزلت حتى تتوهم الأحبار أنهم ما عرفوها يوما. ثم ينادى يا داود. فيأتي وهو يرعد وكأنه ورقة في ريح عاصف تصطك ركبتاه فيصفر لونه فيقول الله جل ثناؤه: يا داود؛ زعم جبريل أنه بلغك الزبور فتشهد له بالبلاغ؟ فيقول: نعم يا رب. فيقال له: ارجع إلى منبرك واتل ما أوحي إليك. فيرقى ثم يقرأ وهو أحسن الناس صوتا. وفي الصحيح أنه صاحب المزامير. ثم ينادي المنادي: أين عيسى ابن مريم فيؤتى به على باب المرسلين فيقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: ١١٦] ثم يحمد تحميدا ما شاء الله تعالى ويثني عليه كثيرا ثم يعطف على نفسه بالذم والاحتقار ويقول: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فيضحك الله ويقول: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] يا عيسى ارجع إلى منبرك واتل الإنجيل الذي بلغك جبريل. فيقول: نعم، ثم يرقى ويقرأ فتشخص إليه الرؤوس لحسن ترديده وترجيعه، فإنه أحكم الناس به رواية، فيأتي به غضا طريا حتى يظن الرهبان أنهم ما علموا به قط، ثم ينقسم قومه فرقتين المجرمون مع المجرمين والمؤمنون مع المؤمنين. ثم يخرج النداء أين محمد؟ فيؤتى به ﷺ فيقول: يا محمد هذا جبريل يزعم أنه بلغك القرآن فيقول: نعم يا رب. فيقال له:\nارجع إلى منبرك واقرأ فيتلو ﷺ القرآن فيأتي به غضا طريا له حلاوة وعليه طلاوة يستبشر به المتقون وإذا وجوههم ضاحكة مستبشرة، والمجرمون وجوههم مغبرة مقترة، فإذا تلا النبي القرآن توهمت الأمة أنهم ما سمعوه قط.\nوقد قيل للأصمعي: تزعم أنك أحفظهم لكتاب الله؟ قال: يا ابن أخي يوم أسمعه من رسول الله ﷺ كأني ما سمعته فإذا فرغت قراءة الكتب خرج النداء من قبل سرادقات الجلال: ﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فيرتج الموقف ويقوم فيه روع عظيم والملائكة قد امتزجت بالجن، والجن ببني آدم، والكل لجة واحدة، ثم يخرج النداء: يا آدم ابعث بعث النار. فيقول: كم يا رب؟ فيقال له: كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. على ما يأتي بيانه - فلا يزال يستخرج من سائر الملحدين والغافلين والفاسقين حتى لا يبقى إلا قدر حفنة الرب كما قال الصديق ﵁: نحن حفنات بحفنات الرب ﷾ على ما يأتي - إن شاء الله تعالى.\n***","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>١٠٣ - باب ما جاء في الشهداء عند الحساب</span>\nقال العلماء: وتكون المحاسبة بمشهد من النبيين وغيرهم قال الله تعالى:\n﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. وشهيد كل أمة نبيها، وقيل: إنهم كتبة الأعمال، وهو الأظهر، فتحضر الأمة ورسولها فيقال للقوم ﴿ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ويقال للرسل ﴿أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ فتقول الرسل:\n﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] على ما تقدم في الباب قبل، ثم يدعى كل واحد على الانفراد فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباها فإنه قد أخبر في الدنيا أن عليه ملكين يحفظان أعماله وينسخانها.\nوذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» أن المنادي ينادي من قبل الله ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [غافر: ١٧] فيستخرج لهم كتاب عظيم يسد ما بين المشرق والمغرب فيه جميع أعمال الخلائق، فما من صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وذلك أن أعمال الخلائق تعرض على الله في كل يوم، فيأمر الكرام البررة أن ينسخوها في ذلك الكتاب العظيم وهو قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ثم ينادي بهم فردا فردا فيحاسب كل واحد منهم فإذا اللسان والأقدام تشهد واليدان وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وقد جاء في الخبر أن رجلا منهم يوقف بين يدي الله ﵎ فيقول له: يا عبد السوء كنت مجرما عاصيا. فيقول: ما فعلت. فيقال له: عليك بينة، فيؤتى بحفظته فيقول كذبوا علي، فتشهد جوارحه عليه، فيؤمر به إلى النار فيجعل يلوم جوارحه فتقول له: ليس عن اختيارنا، أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.\nوقد تقدم هذا المعنى مستوفى وتقدم أن الأرض والأيام والليالي والمال ممن يشهد وإذا قال الكافر لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني ختم على فيه فتشهد أركانه كما تقدم.\n***","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>١٠٤ - باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته</span>\n(ابن المبارك) أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو؛ حدّثنا أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله ﵎:\n﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>فصل</span>\nقلت: قد تقدم أن الأعمال تعرض على الله تعالى يوم الخميس ويوم الاثنين، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، ولا تعارض فإنه يحتمل أن يخص نبينا ﵇ بالعرض كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء - والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-223>١٠٥ - باب ما جاء في عقوبة مانعي الزكاة وفضيحة الغادر والغالّ في الموقف وقت الحساب</span>\nمسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقّها إلا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالإبل. قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقّها ومن حقها حلبها يوم وردها إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مرّ عليه أولادها ردّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (١٦٦). وإسناده ضعيف.","vol":"1","page":338},{"text":"إلى الجنة وإما إلى النار» (^١)، وذكر الحديث. أخرجه البخاري بمعناه.\nوروى مالك موقوفا، والنسائي والبخاري مرفوعا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من آتاه الله مالا فلم يؤدّ زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ (^٢) الآية.\nوذكر مسلم من حديث جابر قال: «ولا صاحب كنز لا يؤدي فيه حقه إلا جاء يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بدّ منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل» (^٣). وذكر الحديث.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول وعظّم أمره ثم قال: «لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك؛ لا ألفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفينّ أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته شاة شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» (^٤). أخرجه البخاري أيضا.\nوعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان ابن فلان» (^٥).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» (^٦). وذكره أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا قرة بن خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن رافع بن شداد، عن عمرو بن الحمق الخزاعي؛ «أن النبي ﷺ قال: «إذا آمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء غدر يوم القيامة» (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٠٣) وأحمد (٢/ ٢٦٢) والنسائي (٥/ ١١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٨٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦١٧٧، ٦١٧٨) ومسلم (١٧٣٥).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٧٣٨).\n(^٧) أخرجه الطيالسي (١٢٨٥) بإسناد فيه ضعف.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>فصل</span>\nقال علماؤنا ﵏ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أن ذلك على الحقيقة كما بينه ﷺ أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته وموبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد، وكذا مانع الزكاة كما في صحيح الحديث.\nقال أبو حامد: فمانع زكاة الإبل يحمل بعيرا على كاهله له رغاء وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة البقر يحمل ثورا على كاهله له خوار وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة الغنم يحمل شاة لها ثغاء وثقل يعدل الجبل العظيم، والرغاء والخوار والثغاء كالرعد القاصف، ومانع زكاة الزرع يحمل على كاهله أعدالا قد ملئت من الجنس الذي كان يبخل به برّا كان أو شعيرا، أثقل ما يكون، ينادي تحته بالويل والثبور، ومانع زكاة المال يحمل شجاعا أقرع له زبيبتان وذنبه قد انساب في منخريه واستدارت بجيده وثقل على كاهله كأنه طوق بكل رحى في الأرض، وكل واحد ينادي مثل هذا فتقول الملائكة:\nهذا ما بخلتم به في الدنيا رغبة فيه ورشحا عليه وهو قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].\nقلت وهذه الفضيحة التي أوقعها الله بالغالّ ومانعي الزكاة نظير الفضيحة التي يوقعها بالغادر، وجعل الله هذه المعاقبات حسب ما يعهده البشر ويفهمونه، ألا ترى إلى قول الشاعر:\nأسميّ ويحك هل سمعت بغدرة … رفع اللواء لنا بها في المجمع\nفكانت العرب ترفع للغادر لواء في المحافل ومواسم الحج، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، وذهب بعض العلماء إلى أن ما يجيء به الغال يحمله عبارة عن وزر ذلك وشهرة الأمر أي يأتي يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة.\nقلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وقد أخبر النبي ﷺ بالحقيقة فهو أولى.\nوقد روى أبو داود عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسها ويقسمها، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال: «يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة» قال: «أسمعت بلالا ثلاثا» قال: نعم قال: «فما منعك أن تجيء","vol":"1","page":340},{"text":"به» فاعتذر إليه. فقال: «كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>فصل</span>\nوروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الحجر ليرن بسبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوى فيها سبعين خريفا ويؤتى بالغلول معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به» (^٢). قال فهو قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ذكره علي بن سليمان المرادي في الأربعين له. وقوله: يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة دليل على أن في الآخرة للناس ألوية، فمنها خزي وفضيحة يعرف بها أهلها، ومنها ألوية حمد وثناء وتشريف وتكريم، قال رسول الله ﷺ: «لواء الحمد بيدي» وروى «لواء الكرم» وقد تقدم.\nوروى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» (^٣). فعلى هذا من كان إماما ورأسا في أمر ما معروفا به فله لواء يعرف به خيرا كان أو شرّا، وقد يجوز أن يكون للصالحين الأولياء ألوية يعرفون بها تنويها بهم وإكراما لهم والله أعلم، وإن كانوا غير معروفين. قال النبي ﷺ: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه» (^٤) وقال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» (^٥) أخرجهما مسلم.\nوقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وفي الحديث الصحيح: «أن أول ما يقضي الله فيه الدماء، وأول من يعطى الله أجورهم الذين ذهبت أبصارهم ينادى يوم القيامة بالمكفوفين فيقال لهم: أنتم أحرى (أحق) من ينظر إلينا ثم يستحيي الله تعالى منهم ويقول لهم: اذهبوا إلى ذات اليمين، ويعقد لهم راية وتجعل بيد شعيب ﵇ فيصير أمامهم ومعهم ملائكة النور ما لا يحصى عددهم إلا الله تعالى يزفونهم كما تزف العروس، فيمر بهم على الصراط كالبرق الخاطف وصفة أحدهم الصبر والحلم كابن عباس ومن ضاهاه من الأئمة، ثم ينادي أين أهل البلاء ويريد المجذومين فيؤتى بهم فيحييهم الله بتحية طيبة بالغة فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد أيوب ﵇ فيصير أمامهم ذات اليمين وصفة المبتلي صبر وحلم وعلم كعقيل بن أبي طالب ومن ضاهاه من الأئمة، ثم ينادي: أين الشباب المتعففون فيؤتى بهم إلى الله فيرحب بهم نعما ويقول ما شاء الله أن يقول ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٧١٢)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٦٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١٥٨) بسند ضعيف.\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٨) وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٣٤٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٦٢٢).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٩٦٥).","vol":"1","page":341},{"text":"لهم راية خضراء ثم تجعل في يد يوسف ﵇ ويصير أمامهم فيؤمر بهم إلى ذات اليمين، وصفة الشباب صبر وعلم وحلم كراشد بن سليمان ومن ضاهاه من الأئمة، ثم يخرج النداء أين المتحابون في الله فيؤتى بهم إلى الله تعالى فيرحب بهم ويقول ما شاء الله أن يقول ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين، وصفة المتحاب في الله صبر وعلم وحلم لا يسخط ولا يسئ من رضي الأحوال الدنيوية كأبي تراب أعني علي بن أبي طالب ﵁ ومن ضاهاه من الأئمة، ثم يخرج النداء أين الباكون فيؤتى بهم إلى الله تعالى فتوزن دموعهم ودم الشهداء ومداد العلماء فيرجح الدمع فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية ملونة لأنهم بكوا في أنواع مختلفة هذا بكى خوفا وهذا بكى طمعا وهذا بكى ندما وتجعل بيد نوح ﵇، فيهمّ العلماء بالتقدم عليهم ويقولون: علمنا بكاءهم فإذا النداء: على رسلك يا نوح فتوقف الزمرة، ثم يوزن مداد العلماء فيرجح دم الشهداء فيؤمر بهم إلى ذات اليمين، ويعقد لهم راية مزعفرة وتجعل في يد يحيى ﵇ ثم ينطلق أمامهم فيهمّ العلماء بالتقدم عليهم ويقولون: عن علمنا قاتلوا فنحن أحقّ بالتقدم، فيضحك لهم الجليل ﷻ ويقول لهم: أنتم عندي كأنبيائي اشفعوا فيمن تشاءون.\nفيشفع العالم في جيرانه وإخوانه ويأمر كل واحد منهم ملكا ينادي في الناس: ألا إن فلانا العالم قد أمر له أن يشفع فيمن قضى له حاجة أو أطعمه لقمة حين جاع أن سقاه شربة ماء حين عطش فليقم إليه فإنه يشفع له».\nوفي الصحيح: «أول من يشفع المرسلون ثم النبيون ثم العلماء ويعقد لهم راية بيضاء وتجعل بيد إبراهيم ﵇ فإنه أشد المرسلين مكاشفة ثم ينادي: أين الفقراء؟ فيؤتى بهم إلى الله ﷿ فيقول لهم مرحبا بمن كانت الدنيا سجنهم، ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية صفراء وتجعل في يد عيسى ابن مريم ﵇ ويصير أمامهم إلى ذات اليمين، ثم ينادي أين الأغنياء؟ فيؤتى بهم إلى الله ﷿ فيعدد عليهم ما خولهم فيه خمسمائة عام ثم يؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية ملونة وتجعل بيد سليمان ﵇ ويصير أمامهم في ذات اليمين» (^١).\nوفي الحديث: «أن أربعة يستشهد عليهم بأربعة: ينادى بالأغنياء وأهل الغبطة فيقال لهم: ما شغلكم عن عبادة الله؟ فيقولون: أعطانا الله ملكا وغبطة شغلنا عن القيام بحقه في دار الدنيا فيقال لهم: من أعظم ملكا؛ أنتم أم سليمان؟ فيقولون: بل سليمان.\nفيقال: أما شغله ذلك عن القيام بحق الله والدأب في ذكره. ثم يقال: أين أهل البلاء؟ فيؤتى بهم أنواعا فيقال لهم: أي شيء شغلكم عن عبادة الله تعالى؟ فيقولون: ابتلانا الله في دار الدنيا بأنواع من الآفات والعاهات شغلتنا عن ذكره والقيام بحقه فيقال لهم: من\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١١/ ١٧٨) بسند ضعيف.","vol":"1","page":342},{"text":"أشد بلاء: أنتم أم أيوب؟ فيقولون: بل أيوب. فيقال لهم: ما شغله ذلك عن حقنا والدأب لذكرنا، ثم ينادي: أين الشباب العطرة والمماليك فتقول الشباب: أعطانا الله جمالا وحسنا فتنّا به فكنا مشغولين عن القيام بحقه، وكذلك المماليك فيقولون: شغلنا رق العبودية في الدنيا فيقال لهم: أنتم أكثر جمالا أم يوسف ﵇. فلقد كان في رق العبودية ما شغله ذلك عن القيام بحقنا ولا الدأب لذكرنا ثم ينادي: أين الفقراء؟ فيؤتى بهم أنواعا فيقال لهم: ما شغلكم عن عبادة الله تعالى؟ فيقولون: ابتلانا الله في دار الدنيا بفقر شغلنا فيقال لهم: من أشد فقرا. أنتم أم عيسى ﵇، فيقولون:\nبل عيسى. فيقول لهم: «ما شغله ذلك عن القيام بحقنا والدأب لذكرنا» فمن بلي بشيء من هذه الأربع فليذكر صاحبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>فصل</span>\nوقوله: «هذه غدرة فلان ابن فلان»؛ دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقد تقدم هذا في غير موضع، وفي هذا ردّ على من قال إنما يدعون بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سترا على آبائهم، وهذا الحديث خلاف قولهم: خرجه البخاري ومسلم وحسبك.\n\n<span data-type='title' id=toc-227>فصل</span>\nوقوله: «فيكوى بها جنبه» الحديث، إنما خص الجنب والجبهة والظهر بالكي لشهرته في الوجه وشناعته، وفي الجنب والظهر لأنه آلم وأوجع، وقيل: خص الوجه لتقطيبه في وجه السائل أولا والجنب لازوراره عن السائل ثانيا، والظهر لانصرافه إذا زاد في السؤال وأكثر منه، فرتب الله تعالى هذه العقوبات في هذه الأعضاء لأجل ذلك والله أعلم.\nوقالت الصوفية: لما طلبوا الجاه والمال شان الله وجوههم، ولما طووا كشحا عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>فصل</span>\nوقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قيل معناه لو حاسب فيها غير الله تعالى وإنما هو ﷾ يفرغ منه في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا وفيها قدر مواقفهم للحساب عن الحسن، وقال ابن اليمان: كل موقف منها ألف سنة.\nوفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى","vol":"1","page":343},{"text":"يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة» (^١). وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري، وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: يقصر يومئذ على المؤمن حتى يكون كوقت الصلاة.\nوفي الحديث: «لا يتنصف النهار حتى يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار». ذكره ابن عزيز في غريب القرآن له.\nوبطح ألقى على وجهه. قاله بعض المفسرين. وقال أهل اللغة: البطح هو البسط كيفما كان على غير الوجه أو على الوجه، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها.\n«وبقاع قرقر» أي: بموضع مستو واسع وأصل القاع: الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء وجمعه قيعان، والعقصاء الملتوية القرن والجلحاء التي لا قرن لها، والعضباء المكسورة داخلة القرن يريد: أنها كلها ذوات قرون صحاح ويمكن بها النطح والطعن حتى يكون أشد لألمه وأبلغ في عذابه - والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-229>١٠٦ - باب منه، وذكر الولاة</span>\nذكر الغيلاني أبو طالب قال: حدّثنا أبو بكر الشافعي قال: حدّثنا محمد بن غالب قال: حدّثنا أمية بن بسطام، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا روح بن القاسم عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يفكه الله بعدله أو يوبقه بجرمه» (^٢).\nوقال عمر لأبي ذر ﵄: حدّثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قال سمعته يقول: «يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجه لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه فإن كان مطيعا لله في عمله مضى فيه، وإن كان عاصيا لله ﷿ انحرف به الجسر فهوى به في جهنم مقدار خمسين عاما» فقال عمر: من يطلب العمل بعد هذا يا أبا ذر؟ قال من سلت الله أنفه وألصق خده بالتراب. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ﵀.\nوروى الأئمة عن أبي حميد الساعدي عن النبي ﷺ أنه استعمل رجلا من بني\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣١) بإسناد حسن.","vol":"1","page":344},{"text":"أسد يقال له ابن اللّتبيّة على الصدقة فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي؟ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء وإن كان بقرة فلها خوارا أو شاة تعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت» (^١). وروى أبو داود عن بريدة عن النبي ﷺ: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-230>١٠٧ - باب ما جاء في حوض النبي ﷺ وفي الموقف وسعته وكثرة أوانيه وذكر أركانه ومن عليها</span>\nذهب صاحب القوت وغيره: إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو بعد الصراط، والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين أحدهما: في الموقف قبل الصراط، والثاني: في الجنة. وكلاهما يسمى كوثرا على ما يأتي، والكوثر في كلام العرب الخير الكثير، واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر فقيل: الميزان قبل. وقيل:\nالحوض قال أبو الحسن القابسي. والصحيح أن الحوض قبل.\nقلت: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم فيقدم قبل الصراط والميزان والله أعلم.\nوقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وحكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله. قال المؤلف: هو كما قال. وقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n«بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال:\nهلم فقلت إلى أين فقال إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ فقال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج من بيني وبينهم رجل فقال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٣٦) ومسلم (١٨٣٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٩٤٣) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٢٥٥٠).","vol":"1","page":345},{"text":"لهم: هلم. فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم لا مثل همل النعم» (^١).\nقلت: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط، لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه فمن جازه سلم من النار على ما يأتي. وكذا حياض الأنبياء ﵈ تكون أيضا في الموقف على ما يأتي. وروي عن ابن عباس ﵄ قال سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي الله تعالى هل فيه ماء؟ قال: «أي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء الله تعالى ليردون حياض الأنبياء ويبعث الله سبعين ألف ملك بأيديهم عصيّ من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء».\n(مسلم) عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: «والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ، آخر ما عليه يشخب، فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل» (^٢).\nوعن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمين أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» فسئل عن عرضه فقال: «من مقامي إلى عمان».\nوسئل عن شرابه فقال: «أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق» (^٣). في غير كتاب مسلم: «يعب فيه ميزابان من الكوثر» الحديث. وفي أخرى: «ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليه قدح».\n(مسلم) عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت عليّ آنفا سورة فقرأ: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣] ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال ما تدري ما أحدث بعدك» (^٤) وفي رواية أخرى «ما أحدث».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٠٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٣٠١).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٣٠٤).","vol":"1","page":346},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك، كيزانه كنجوم السماء من ورد من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا» (^١). أخرجه البخاري.\nوعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أمامكم حوضا كما بين جربا وأذرح فيه أباريق كنجوم السماء من ورد فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا» (^٢).\nقال عبيد الله فسألته، فقال: قربتين بالشام بينهما مسيرة ثلاث، أخرج البخاري.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي أبعد من أيلة إلى عدن لهو أشدّ بياضا من الثلج وأحلى من العسل واللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه، قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ قال:\nنعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون عليّ غرّا محجلين من أثر الوضوء» (^٣).\n(ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن لي حوضا ما بين الكعبة، وبيت المقدس أبيض مثل اللبن آنيته عدد نجوم السماء وإني لأكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>فصل</span>\nظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف وليس كذلك، وإنما تحدث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة. وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة مخاطبا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول لأهل الشام ما بين أذرح وجربا، ولأهل اليمن من صنعاء إلى عدن وهكذا وتارة أخرى يقدر بالزمان فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا فكان ذلك بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات فخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها - والله أعلم.\nولا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة على مسامتة هذه الأقطار أو في المواضع التي تكون بدلا من هذه المواضع في هذه الأرض وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط كما تقدم، تطهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٧٩) ومسلم (٢٢٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٧٧) ومسلم (٢٢٩٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤٨).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣٠١) بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":347},{"text":"(ويغت) معناه يصب، (ويشخب) أي يسيل (والعقر) مؤخر الحوض حيث يقف الإبل إذا وردته، وتسكن قافه وتضم فيقال: عقر وعقر كعسر وعسر قاله في الصحاح. (والمهمل) من النّعم الضّوالّ من الإبل واحدها هامل، قاله الهروي.\nوالمعنى: الناجي منهم قليل كمهمل النعم، ويقال: إن على أحد أركانه أبا بكر وعلى الثاني عمر وعلى الثالث عثمان وعلى الرابع عليا.\nقلت: هذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع، وقد رفعه صاحب الغيلانيات من حديث حميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن على حوضي أربعة أركان.\nفأول ركن منها في يد أبي بكر، والركن الثاني في يد عمر، والركن الثالث في يد عثمان، والركن الرابع في يد عليّ ﵃ أجمعين، فمن أحب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر ومن أحب عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر، ومن أحب عثمان وأبغض عليا لم يسقه عثمان، ومن أحب عليا وأبغض عثمان لم يسقه علي». وذكر الحديث (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-232>باب منه</span>\nذكر أبو داود الطيالسي: قال: حدّثنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة قال:\nسمعت أبا حمزة عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: «ما أنتم بجزء من مائة ألف أو سبعين ألف جزء ممن يرد على الحوض» (^٢). وكانوا يومئذ ثمان مائة أو تسع مائة. والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-233>١٠٨ - باب فقراء المهاجرين أول الناس ورودا الحوض على النبي ﷺ</span>\n(ابن ماجه) عن الصنابحي الأحمسي قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إني فرطكم على الحوض وإني مكاثر بكم الأمم فلا تقتتلنّ بعدي» (^٣).\nوخرج ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي ما بين عدن إلى أيلة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل أكاويبه كعدد نجوم السماء من شرب منه لم يظمأ بعدها\n_________\n(^١) لا يصح؛ أورده ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٢٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٩، ٣٧١ - ٣٧٢) وأبو داود (٤٧٤٦) والطيالسي (٦٧٧)، وهو صحيح، انظر «ظلال الجنة» (٧٣٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٤٤) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣١٨٧).","vol":"1","page":348},{"text":"أبدا، وأول الناس من يرد على الحوض فقراء المهاجرين الدنس ثيابا الشّعث رؤوسا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد قال: فبكى عمر حتى ابتلت لحيته فقال: لكني نكحت المتنعمات وفتحت لي أبواب السدد، لا جرم أني لا أغسل ثوبي يلي جسدي حتى يتسخ، ولا أدهن رأسي حتى تشعث» خرجه الترمذي (^١).\nعن أبي سلام الحبشي قال: بعث إليّ عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد، قال: فلما دخل عليه، قال يا أمير المؤمنين: لقد شق مركبي البريد فقال:\nيا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن النبي ﷺ في الحوض فأحببت أن تشافهني به.\nقال أبو سلام: حدّثني ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد» (^٢) … فذكره بمعناه وقال حديث غريب.\nوقال أنس بن مالك ﵁: أول من يرد الحوض على رسول الله ﷺ الذابلون الناحلون السائحون الذين إذا جهنم الليل استقبلوه بالحزن.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-234>١٠٩ - باب ذكر من يطرد عن الحوض</span>\n(البخاري) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقال لي: لا تدري ما أحدثوا بعدك».\nوعن أبي هريرة أنه كان يتحدث أن رسول الله ﷺ قال: «يرد الحوض رهط من أصحابي فيختلجون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».\n(مسلم) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم». وفي حديث أنس: «فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعك»، وقد تقدم. وكذلك حديث البخاري «إذا زمرة حتى إذا عرفتهم» تقدم أيضا. وفي الموطأ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٥) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":349},{"text":"وغيره من حديث أبي هريرة فقالوا: «كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك يا رسول الله»؟ الحديث. وفيه قال: «فإنهم يأتون غرّا محجّلين من أثر الوضوء» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله؛ فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، ثم البعد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء يعرفون به ثم يقال لهم سحقا، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يظهرون الإيمان ويسرون الكفر فيأخذهم بالظاهر. ثم يكشف لهم الغطاء فيقول لهم: سحقا سحقا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد مبطل ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.\nوقد يقال: إن من أنفذ الله عليه وعيده من أهل الكبائر إنه وإن ورد الحوض وشرب منه فإنه إذا دخل النار بمشيئة الله تعالى لا يعذب بعطش - والله أعلم.\nوروى الترمذي عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن غشي أبوابهم ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد عليّ الحوض، يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان، والصبر جنة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به» (^٢). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وخرّجه أيضا في كتاب الفتن وصححه.\nوخرج الأوزاعي أبو عمر في مسنده قال: حدّثني عمو بن سعد قال: حدّثني يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول: «حوضي ما بين أيلة إلى\n_________\n(^١) تقدم تخريجها.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٦١٤) وهو صحيح.","vol":"1","page":350},{"text":"مكة، أباريقه كنجوم السماء أو كعدد نجوم السماء، له ميزابان من الجنة كلما نضب أمدّاه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وسيأتيه قوم ذابلة شفاههم، لا يطعمون منه قطرة واحدة، من كذب به اليوم لم يصب منه الشرب يومئذ» (^١).\nوخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث عثمان بن مظعون عن النبي ﷺ أنه قال في آخره: «يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة»، وقد ذكرناه بكماله في آخر كتابه قمع الحرص بالزهد والقناعة.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-236>١١٠ - باب ما جاء أن لكل نبي حوضا</span>\n(الترمذي) عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل نبي حوضا، وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة» (^٢). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، رواه قتادة عن الحسن عن سمرة، وقد رواه الأشعث ابن عبد الملك عن الحسين ﵁ عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه غير سمرة. وقال البكري المعروف بابن الواسطي: «لكل نبي حوض إلا صالحا فإنه حوضه ضرع ناقته» والله ﷾ أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-237>١١١ - باب ما جاء في الكوثر الذي أعطيه ﷺ في الجنة</span>\n(البخاري) عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر في الجنة حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربّك فإذا طينه أو طينته مسك أذفر» (^٣) - شك هدبة - خرجه أبو عيسى الترمذي\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ لأجل يزيد الرقاشي.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤٤٣) وهو صحيح بشواهده؛ انظر «ظلال الجنة» (٧٣٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٨١).","vol":"1","page":351},{"text":"بمعناه وزاد: «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما».\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وخرجه ابن وهب قال:\nأخبرني شبيب عن أبان عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال حين عرج به إلى السماء قال: «رأيت نهرا عجاجا مثل السهم يطرد أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حافتاه قباب من در مجوف فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال هذا نهر الكوثر الذي أعطاك ربك، قال: فضربت بيدي إلى حمأته فإذا هو مسك أذفر، ثم ضربت بيدي إلى رضواضه فإذا هو در».\n(الترمذي) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج» (^١). هذا حديث حسن - والله أعلم.\n\nتم بحمد الله الجزء الأول من كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله أبواب الميزان باب ما جاء في الميزان وأنه حق\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٦١) وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٣٥٩٩).","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>أبواب الميزان</span>\n<span data-type='title' id=toc-239>١١٢ - باب ما جاء في الميزان وأنه حق</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقال: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩]. قال العلماء: وإذا انقضى الحساب؛ كان بعد وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها. قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية.\nوقال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [والمؤمنون: ١٠٣].\nوهذه الآيات إخبار لوزن أعمال الكفار، لأن عامة المعنيين بقوله: ﴿خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ في هذه الآيات؛ هم الكفار. وقال في سورة المؤمنون: ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] وفي الأعراف ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ وقال:\n﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ وهذا الوعيد بإطلاقه للكفار، وإذا جمع بينه وبين قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ثبت أن الكفار يسألون عما خالفوا فيه الحق من أصل الدين وفروعه، إذا لم يسألوا عما خالفوا فيه أصل دينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا به، ولم يعتد بها في الوزن أيضا، فإذا كانت موزونة دلّ على أنهم يحاسبون بها وقت الحساب. وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها مسؤولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على الإخلال بها، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] الآية فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان، والبعث، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهم مسؤولون عنها محاسبون","vol":"2","page":5},{"text":"بها، مجزيون على الإخلال بها. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:\n«إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]» (^١).\nوقال العلماء: معنى هذا الحديث؛ أنه لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين يوم القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار.\nوقال أبو سعيد الخدري: «يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئا». وقيل:\nيحتمل أن يريد المجاز والاستعارة؛ كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا يومئذ، والله أعلم.\nوفيه من الفقه؛ ذم السمن لمن تكلفه، لما في ذلك من تكلفه المطاعم والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم كثرة الأكل الزائد على قدر الكفاية، المبتغي به الترفه والسمن، وقد قال ﷺ: «إن أبغض الرجال إلى الله الحبر السمين» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-240>١١٣ - باب منه وبيان كيفية الميزان ووزن الأعمال فيه ومن قضى لأخيه حاجة</span>\n(الترمذي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مدّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ فقال: لا يا رب. فيقول: بل إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول:\nاحضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم. قال:\nفتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء» (^٣) قال حديث حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه في «سننه» وقال بدل قوله في أول الحديث: «إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة»؛ «يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق» وذكر الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٢٩) ومسلم (٢٧٨٥).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩) وابن ماجه (٣٠٠) وغيرهما. وصححه الألباني.","vol":"2","page":6},{"text":"وقال محمد بن يحيى: البطاقة: الرقعة، أهل مصر يقولون للرقعة بطاقة.\nوفي الخبر: «إذا خفّت حسنات المؤمن أخرج رسول الله ﷺ بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمين التي فيها حسناته فيترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي ﷺ بأبي أنت وأمي! ما أحسن وجهك، وما أحسن خلقك، فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك علي التي كنت تصلي عليّ قد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها».\nذكره القشيري في «تفسيره»، وذكره أبو نعيم الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس والعمري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من قضى لأخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه فإن رجح وإلا شفعت له» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-241>فصل</span>\nقال المؤلف: الميزان حق، ولا يكون في حقّ كل أحد، بدليل قوله ﵇: «فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه». الحديث. وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ الآية. وإنما يكون لمن بقي من أهل المحشر ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا من المؤمنين، وقد يكون للكافرين على ما ذكرنا ويأتي.\nوقال أبو حامد: والسبعون الألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب؛ لا يرفع لهم ميزان، ولا يأخذون صحفا، وإنما هي براءات مكتوبة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه براءة فلان بن فلان، قد غفر له، وسعد سعادة لا يشقى بعدها، فما مرّ عليه شيء أسرّ من ذلك المقام.\nقلت: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «تنصب الموازين يوم القيامة؛ فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصبّ عليهم الأجر صبّا بغير حساب» (^٢). ذكره القاضي منذر بن سعيد البلوطي ﵀.\nوخرجه أبو نعيم الحافظ بمعناه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالشهيد يوم القيامة؛ فينصب للحساب، ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، فيصب عليهم الأجر صبّا، حتى إن أهل العافية ليتمنون في الموقف أن أجسامهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله تعالى لهم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٥٣) بإسناد ضعيف.\n(^٢) لم أقف عليه؛ لكن انظر ما بعده.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم (٣/ ٩١) والطبراني في «الكبير» (١٢ /رقم: ١٢٨٢٩) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":7},{"text":"هذا حديث غريب من حديث جابر الجعفي وقتادة، وتفرد به قتادة عن جابر عن ابن عباس عن مجاعة بن الزبير.\nوروى الحسن بن علي رضوان الله عليهما قال: قال لي جدّي ﷺ: «يا بنيّ عليك بالقناعة تكن أغنى الناس، وأد الفرائض تكن أعبد الناس، يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبا. وقرأ ﷺ: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]» (^١) ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «روضة المشتاق».\n\n<span data-type='title' id=toc-242>فصل</span>\nفإن قيل: أما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه فتقابل الحسنات بالسيئات، فتوجد حقيقة الوزن، والكافر لا يكون له حسنات؛ فما الذي يقابل بكفره وسيئاته، وأنى يتحقق في أعماله الوزن؟\nفالجواب: إن ذلك على وجهين؛ أحدهما: أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره أو كفره وسيئاته في إحدى كفيته ثم يقال له: هل من طاعة تضعها في الكفة الأخرى؟ فلا يجدها؛ فيشال الميزان، فترتفع الكفة الفارغة، وتقع الكفة المشغولة، فذلك خفة ميزانه. وهذا ظاهر الآية، لأن الله تعالى وصف الميزان بالخفة لا الموزون، وإذا كان فارغا فهو خفيف.\nوالوجه الآخر: أن الكافر يكون منه صلة الأرحام، ومواساة الناس، وعتق المملوك، ونحوها مما لو كانت من المسلم لكانت قربة وطاعة، فمن كانت له مثل هذه الخيرات من الكفار، فإنها تجمع وتوضع في ميزانه، غير أن الكفر إذا قابلها بها رجح بها، ولم يخل من أن يكون الجانب الذي فيه الخيرات من ميزانه خفيفا، ولو لم يكن له إلا خير واحد أو حسنة واحدة لأحضرت ووزنت كما ذكرنا.\nفإن قيل: لو احتسبت خيراته حتى يوزن لجوزي بها جزاء مثلها، وليس له منها جزاء، لأن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان، وقيل له: «إنه كان يقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين في النوائب» فهل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا لأنه لم يقل يوما «ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين» (^٢) وسأله عدي بن حاتم عن أبيه مثل ذلك، فقال: «إن أباك طلب أمرا فأدركه» - يعني الذكر (^٣) - فدل أن الخيرات من\n_________\n(^١) انظره في «تنزيه الشريعة» لابن عراق الكناني (٢/ ٣٥٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٨، ٣٧٩) والطبراني في «الكبير» (١٧ /رقم ٢٢٢) بإسناد حسن.","vol":"2","page":8},{"text":"الكافر ليست بخيرات، وأن وجودها وعدمها بمنزلة واحدة سواء.\nوالجواب: أن الله تعالى قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ولم يفصّل بين نفس ونفس، فخيرات الكافر توزن ويجزى بها، إلا أن الله تعالى حرّم عليه الجنة، فجزاؤه أن يخفّف عنه، بدليل: حديث أبي طالب؛ فإنه قيل له: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ فقال:\n«نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (^١). وما قاله ﵇ في ابن جدعان وأبي عدي إنما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا يتنعمان بشيء من نعيمها، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>فصل</span>\nأصل ميزان: موزان؛ قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها.\nقال ابن فورك (^٢): وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلمين من يقول كذلك، وروي ذلك عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة، وقد تقدم هذا المعنى.\nوالصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة وبها تخف، كما دل عليه الحديث الصحيح والكتاب العزيز، قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] وهذا نص. قال ابن عمر: توزن صحائف الأعمال، وإذا ثبت هذا؛ فالصحف أجسام، فيجعل الله تعالى رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار. وروي عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان هنا بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل، كما يقول:\nهذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه؛ أي: يعادله ويساويه، وإن لم يكن هناك وزن.\nقلت: وهذا القول مجاز، وليس بشيء؛ وإن كان شائعا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفتين ولسان، وأن كل كفّة منهما طباق السموات والأرض.\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) هو: أبو بكر؛ محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني. وكان أشعريا متكلما من رؤوس أرباب الكلام. ونقل الذهبي عن ابن حزم قوله: «كان يقول - أي ابن فورك -: إن روح رسول الله قد بطلت وتلاشت، وما هي في الجنة!!».\nانظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٢١٤) و«شذرات الذهب» (٣/ ١٨١).","vol":"2","page":9},{"text":"وقد جاء أن كفّة الحسنات من نور، والأخرى من ظلام، والكفة النيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات. وجاء في الخبر: أن الجنة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ويؤتى بالميزان فينصب بين يدي الله تعالى، كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار. وذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول».\nوروي فيها عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: «توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضعت فيهن السموات والأرض لوسعتهن، فتقول الملائكة: يا ربنا ما هذا؟ فيقول: أزن به لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة عند ذلك: ربنا ما عبدناك حق عبادتك». وقال ابن عباس ﵄: «توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان».\nقال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه، لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد لأنه رد لما جاء به الصادق، وفي الصحيحين:\n«فيعطى صحيفة حسناته» وقوله: «فيخرج له بطاقة». وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال كما بينا وبالله توفيقنا.\nولقد أحسن من قال:\nتذكّر يوم تأتي الله فردا … وقد نصبت موازين القضاء\nوهتّكت الستور عن المعاصي … وجاء الذنب منكشف الغطاء\n\n<span data-type='title' id=toc-244>فصل</span>\nقال علماؤنا ﵏: الناس في الآخرة ثلاث طبقات؛ متقون لا كبائر لهم، ومخلطون؛ وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر، والثالث: الكفار.\nفأما المتقون؛ فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم إن كانت لهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تبرح وترتفع المظلمة ارتفاع الفارغ الخالي.\nوأما المخلطون؛ فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة (^١) دخل\n_________\n(^١) الصؤابة: بيضة القمل.","vol":"2","page":10},{"text":"الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابة دخل النار، إلا أن يغفر الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف على ما يأتي. هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة، فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات، لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه من أوزار من ظلمه ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار على ما تقدم ويأتي.\nوقال أحمد بن حرب: تبعث الناس يوم القيامة على ثلاث فرق؛ فرقة أغنياء بالأعمال الصالحة وفرقة فقراء وفرقة فقراء وفرقة أغنياء ثم يصيرون فقراء مفاليس في شأن التبعات.\nوقال سفيان الثوري: «إنك أن تلقى الله ﷿ بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد».\nقال المؤلف: هذا صحيح لأن الله غني كريم، وابن آدم فقير مسكين، محتاج في ذلك اليوم إلى حسنة يدفع بها سيئة إن كانت عليه، حتى ترجح ميزانه فيكثر خيره وثوابه.\nوأما الكافر؛ فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة ولا يوجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة لفراغها وخلوها عن الخير، فيأمر الله بهم إلى النار ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره وآثامه.\nوأما المتقون؛ فإن صغائرهم تكفّر باجتنابهم الكبائر، ويؤمر بهم إلى الجنة ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعته، فهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن في آيات الوزن، لأن الله تعالى لم يذكر إلا من ثقلت موازينه ومن خفت موازينه، وقطع لمن ثقلت موازينه بالإفلاح والعيشة الراضية، ولمن خفت موازينه بالخلود في النار بعد أن وصفه بالكفر، وبقي الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فبينهم النبي ﷺ حسب ما ذكرنا.\nوإنما توزن أعمال المتقي لإظهار فضله، كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله، فإن أعماله توزن تبكيتا له على فراغه وخلوه عن كل خير، فكذلك توزن أعمال المتقي تحسينا لحاله وإشارة لخلوه من كل شر، وتزيينا لأمره على رؤوس الأشهاد. وأما المخلط السيئ بالصالح فإن دخل النار فيخرج بالشفاعة، على ما يأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>فصل</span>\nفإن قيل: أخبر الله عن الناس أنهم محاسبون مجزيون، وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنّة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم بشيء، فما القول في ذلك عندكم، وهل توزن أعمالهم؟","vol":"2","page":11},{"text":"فالجواب: أنه قد قيل: إن الله تعالى لما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] دخل في الجملة الجن والإنس فثبت للجن من وعد الجنة بعموم الآية ما ثبت للإنس وقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٨، ١٩] وإنما أراد لكل من الجن والإنس فقد ذكروا في الوعد والوعيد مع الإنس، وأخبر تعالى أن الجن يسألون فقال خبرا عما يقال لهم:\n﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] وهذا سؤال وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله وقد تقدم هذا، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى قوله:\n﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] وهذا يدل صريحا على أن حكمهم في الآخرة كالمؤمنين وقال حكاية عنهم ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤] الآيتين.\nولما جعل رسول الله ﷺ: «زادهم كلّ عظم، وعلف دوابهم كل روث، فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجان» (^١)، فجعلهم إخواننا، وإذا كان كذلك فحكمهم كحكمنا في الآخرة سواء، والله أعلم. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في باب ما جاء أن الله يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>فصل</span>\nقوله في الحديث: «فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» ليست هذه شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في كفة شيء وفي أخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فهذا غير مستحيل لأن العبد يأتي بهما جميعا، ويستحيل أن يأتي الكفر والإيمان جميعا عند واحد حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في كفة، فذلك استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان، وأما بعد ما آمن العبد فإن النطق منه بلا إله إلا الله حسنة توضع في الميزان مع سائر الحسنات، قاله الترمذي الحكيم ﵀.\nوقال غيره: إن النطق بها زيادة ذكر على حسن نية، وتكون طاعة مقبولة، قالها على خلوة وخفية من المخلوقين، فتكون له عند الله ﵎ وديعة،\n_________\n(^١) انظر البخاري (٣٨٦٠) ومسلم (٤٥٠).","vol":"2","page":12},{"text":"يردها عليه في ذلك اليوم بعظم قدرها ومحل موقعها، وترجح بخطاياه وإن كثرت، وبذنوبه وإن عظمت، ولله الفضل على عباده، ويتفضل على من يشاء بما شاء.\nقلت: ويدل على هذا قوله في الحديث فيقول: «بلى إن لك عندنا حسنة» ولم يقل: إن لك إيمانا. وقد سئل رسول الله ﷺ عن لا إله إلا الله أمن الحسنات هي؟ فقال: «من أعظم الحسنات» (^١). خرجه البيهقي وغيره.\nويجوز أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا، كما في حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله وجبت له الجنة» (^٢). رواه صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ وقد تقدم أول الكتاب.\nوقيل: يجوز حمل هذه الشهادة على الشهادة التي هي الإيمان، ويكون ذلك في كل مؤمن ترجح حسناته، ويوزن إيمانه كما توزن سائر حسناته، وإيمانه يرجح سيئاته، كما في هذا الحديث، ويدخله النار بعد ذلك فيطهره من ذنوبه، ويدخله الجنة بعد ذلك. وهذا مذهب قوم يقولون: إن كل مؤمن يعطي كتابه بيمينه، وكل مؤمن يثقل ميزانه، ويتأولون قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] أي: الناجون من الخلود، وهو في قوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] يوما ما، وكذلك في قول النبي ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة» إنه صائر إليها لا محالة أصابه قبل ذلك ما أصابه.\nقلت: هذا تأويل فيه نظر إلى دليل من خارج ينص عليه، والذي تدل عليه الآي والأخبار أن من ثقل ميزانه فقد نجا وسلم، وبالجنة أيقن وعلم أنه لا يدخل النار بعد ذلك، والله أعلم.\nوقال ﵇: «ما شيء يوضع في الميزان أثقل من خلق حسن» (^٣) خرجه الترمذي عن أبي الدرداء وقال فيه: حديث حسن صحيح. وقد تقدم من حديث سمرة بن جندب ﵁ قوله ﵇: «ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاء أفراطه فثقلوا ميزانه». وكذلك الأعمال الصالحة دليل على فضل الصلاة على النبي ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٩) والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص ١٠٧. وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده. انظر «الصحيحة» رقم (١٣٧٣).\n(^٢) تقدّم.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٧٩٩) والترمذي (٢٠٠٢)، وصحّحه الشيخ الألباني.","vol":"2","page":13},{"text":"وذكر القشيري في التحبير له: يحكى عن بعضهم أنه قال: رأيت بعضهم في المنام فقلت ما فعل الله بك؟ فقال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات فجاءت صرة من السماء وسقطت في كفة الحسنات فحللت الصرة فإذا فيها كف تراب ألقيته في قبر مسلم.\nوذكر أبو عمر في كتاب «جامع بيان العلم» بإسناده عن حماد بن زيد، عن أبي حنيفة، عن حماد بن إبراهيم في قوله عن وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قال: «يجاء بعمل الرجل فيوضع كفة ميزانه يوم القيامة فتخفّ، فيجاء بشيء أمثال الغمام - أو قال -: مثل السحاب، فيوضع في ميزانه فترجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا. فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلّمه الناس» أو نحو ذلك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>باب منه</span>\n(الترمذي) عن عائشة ﵂ أن رجلا قعد بين يدي النبي ﷺ فقال:\nيا رسول الله؛ إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: «بحسبك ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف. فقال رسول الله ﷺ: أما تقرأ كتاب الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية. فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم (^٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان.\nوقد روى أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن غزوان هذا الحديث وعن وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها وإذا أراد الله بعبد خيرا ختم له بخير وإذا أراد الله به شرا ختم له بشرّ عمله. ذكره أبو نعيم.\nقال المؤلف هذا صحيح يدل عليه قوله ﵇: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (^٣) والله تعالى أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢١٠/ ٢٢٥/١) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٠) والترمذي (٣١٦٥)، وهو صحيح.\n(^٣) تقدّم تخريجه.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>١١٤ - باب منه وذكر أصحاب الأعراف</span>\nذكر خيثمة بن سليمان في «مسنده» عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «توضع الموازين يوم القيامة فتوزن السيئات والحسنات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار» قيل: يا رسول الله! فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: «أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون».\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ:\n﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو ترجح، قال:\nومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. وذكر الحديث (^١).\nوقال كعب الأحبار: إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار فيقول له أخوه: والله ما بقي لي إلا حسنة أنجو بها خذها أنت يا أخي فتنجو بها مما أرى وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال: فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة.\nوذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: أنه يؤتى برجل يوم القيامة فما يجد له حسنة ترجح ميزانه وقد اعتدلت بالسوية فيقول الله تعالى رحمة منه:\nاذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة فيصير يجوس خلال العالمين فما يجد أحدا يكلمه في ذلك الأمر إلا يقول له خفت أن يخف ميزاني فإني أحوج منك إليها، فييأس فيقول له رجل: ما الذي تطلب؟ فيقول: حسنة واحدة فلقد مررت بقوم لهم منها الألف فبخلوا علي فيقول له الرجل لقد لقيت الله تعالى فما وجدت في صحيفتي إلا حسنة واحدة وما أظنها تغني عني شيئا خذها هبة مني إليك فينطلق فرحا مسرورا فيقول الله له ما بالك وهو أعلم فيقول رب اتفق من أمري كيت وكيت ثم ينادي سبحانه بصاحبه الذي وهبه الحسنة فيقول له سبحانه\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» لابن المبارك رقم (٤١١)، وإسناد ضعيف جدا؛ أبو بكر الهذلي؛ «متروك الحديث».","vol":"2","page":15},{"text":"كرمي أوسع من كرمك خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل فيقول الله تعالى له لست من أهل الجنة ولا من أهل النار فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان فيها مكتوب أف فترجح على الحسنات لأنها كلمة عقوق ترجح بها جبال الدنيا فيؤمر به إلى النار قال: فيطلب الرجل أن يرده الله تعالى فيقول له أيها العبد العاق لأي شيء تطلب الرد إلي فيقول إلهي رأيت أني سائر إلى النار وإذ لا بد لي منها وكنت عاقا لأبي وهو سائر إلى النار مثلي فضعف علي به عذابي وأنقذه منها قال فيضحك الله تعالى ويقول عققته في الدنيا وبررته في الآخرة خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>فصل</span>\nذكر الله تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع وجاءت السنة بلفظ الإفراد والجمع فقيل يجوز أن يكون هناك موازين للعمل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من الأعمال. كما قال:\nملك تقوم الحادثات لعدله … فلكل حادثة لها ميزان\nتتصرف الأشياء في ملكوته … ولكل شيء مدة وأوان\nويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنما هو رسول واحد.\nوقيل: المراد بالموازين جمع موزون أي الأعمال الموزونة لا جمع ميزان.\nوخرج اللالكائي في «سننه» عن أنس رفعه: أن ملكا موكل بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق كلها: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف نادى الملك: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا (^١). وخرّج عن حذيفة قال: صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>فصل</span>\nوأما أصحاب الأعراف فيقال: إنهم مساكين أهل الجنة، ذكر هناد بن السري قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن مجاهد، عن حبيب، عن عبد الله بن الحارث\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٦ /رقم: ٢٢٠٥) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه اللالكائي (٦ /رقم: ٢٢٠٩).","vol":"2","page":16},{"text":"قال: أصحاب الأعراف ينتهي بهم إلى نهر يقال له الحياة حافتاه قصب الذهب، قال: أراه قال: مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه اغتسالة فيبدو في نحورهم شامة بيضاء ثم يعودون فيغتسلون فكلما اغتسلوا زادت بياضا فيقال لهم تمنوا فيتمنّون ما شاءوا قال فيقال لهم لكم ما تمنيتم وسبعين ضعفا قالوا فهم مساكين أهل الجنة - وفي رواية -: فإذا دخلوا الجنة وفي نحورهم تلك الشامة البيضاء فيعرفون بها قال فهم يسمون في الجنة مساكين أهل الجنة (^١).\nواختلف العلماء في تعيينهم على اثني عشر قولا:\nالأول: ما تقدم ذكره في الحديث وهو قول ابن مسعود وكعب الأحبار كما ذكرنا وذكره ابن وهب عن ابن عباس.\nالثاني: قوم صالحون فقهاء علماء قال مجاهد.\nالثالث: هم الشهداء ذكره المهدوي.\nالرابع: هم فضلاء المؤمنين والشهداء فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس ذكره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري.\nالخامس: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم قاله شرحبيل بن سعد وذكر الطبري في ذلك حديثا عن رسول الله ﷺ وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم.\nالسادس: هم العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم ببياض الوجوه مبغضيهم بسواد الوجوه ذكره الثعلبي عن ابن عباس.\nالسابع: هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة ذكره الزهراوي واختاره النحاس.\nالثامن: هم قوم أنبياء قاله الزجاج.\nالتاسع: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فوقفوا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم حكاه ابن عطية القاضي أبو محمد في تفسيره.\nالعاشر: ذكره ابن وهب عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف الذين ذكر الله في القرآن أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة. وذكره ابن المبارك قال:\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.\nوأخرجه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (١٣٦٨).","vol":"2","page":17},{"text":"أخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: «أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان جسيم أمرهم لله فأقيموا ذلك المقام إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه وقالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض وجوههم».\nقال ابن عباس: أدخل الله أصحاب الأعراف الجنة، وفي رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مسعود: وكانوا آخر أهل الجنة دخولا الجنة.\nقال ابن عطية: وتمنى سالم مولى حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف لأن مذهبه أنهم مذنبون.\nالحادي عشر: أنهم أولاد الزنا، ذكره أبو نصر القشيري عن ابن عباس.\nالثاني عشر: أنهم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، قاله أبو مجلز لاحق بن حميد. فقيل: لا يقال للملائكة رجال، فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم كما وضع على الجن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦].\nوالأعراف: سور بين الجنة والنار، قيل: هو جبل أحد يوضع هناك، روي عن النبي ﷺ من طريق أنس وغيره ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره حسب ما ذكرناه في كتاب «جامع أحكام القرآن» من سورة الأعراف (^١) والحمد لله.\n(حكاية) روي عن بعض الصالحين ﵁ أنه قال: أخذتني ذات ليلة سنة فنمت فرأيت في منامي كأن القيامة قد قامت وكأن الناس يحاسبون فقوم يمضي بهم إلى الجنة وقوم يمضي بهم إلى النار قال فأتيت إلى الجنة فناديت أهل الجنة بماذا نلتم سكنى الجنة في محل الرضوان؟ فقالوا بطاعة الرحمن ومخالفة الشيطان ثم أتيت إلى باب النار فناديت يا أهل النار بماذا نلتم النار قالوا بطاعة الشيطان ومخالفة الرحمن قال فنظرت فإذا أنا بقوم موقوفون بين الجنة والنار فقلت لهم ما بالكم موقوفون بين الجنة والنار فقالوا لي: لنا ذنوب جلت وحسنات قلت فالسيئات منعتنا من دخول الجنة والحسنات منعتنا دخول النار. وأنشدوا:\nنحن قوم لنا ذنوب كبار … منعتنا من الوصول إليه\nتركتنا مذبذبين حيارى … أمسكتنا من القدوم عليه\n***\n_________\n(^١) «الجامع لأحكام القرآن» (٧/ ٢١١ - ٢١٢).","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>١١٥ - باب إذا كان يوم القيامة تتبع كل أمة ما كانت تعبد فإذا بقي في هذه الأمة منافقون امتحنوا، وضرب الصراط</span>\n(الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون» (^١). وذكر الحديث بطوله.\nوخرج مسلم عنه؛ أن ناسا قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله؟ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: «هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فهل تضارّون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا.\nقال: «فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله ومنهم المجازي حتى ينجى» (^٢) وذكر الحديث وسيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-252>فصل</span>\nذكر الفقيه أبو بكر بن برجان في كتاب «الإرشاد» له بعد قوله: يلهم رؤوس المحشر لطلب من يشفع ويريحهم مما هم فيه وهم رؤساء أتباع الرسل فيكون ذلك، ثم يؤمر آدم ﵇ بأن يخرج بعث النار من ذريته، وهم سبعة أصناف البعثان الأولان يلتقطهم عنق النار من بين الخلائق لقط الحمام حب السمسم وهم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٥٧)، وصحّحه الألباني.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":19},{"text":"أهل الكفر بالله جحدا وعتوّا، وأهل الكفر بالله إعراضا وجهلا، ثم يقال لأهل الجمع: أين ما كنتم تعبدون من دون الله لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فمن كان يعبد من دون الله شيئا اتبعه حتى يقذف به في جهنم، قال الله ﷿: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠] وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤، ٩٥].\nوقال رسول الله ﷺ: «تمد الأرض مد الأديم يوم القيامة لعظمة الله ﷿ ثم لا يكون لبشر من بني آدم منها إلا موضع قدميه، ثم ادعى أنا أول الناس فأخر ساجدا، ثم يؤذن لي فأقول يا رب: خبرني هذا جبريل ﷺ وهو عن يمين عرش الرحمن ﵎ أنك أرسلته إليّ، وجبريل ساكت لا يتكلم حتى يقول الله ﷿ صدق، ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أقطار الأرض فذلك المقام المحمود» (^١).\nثم يبعث البعث الرابع وهم قوم وحدوا الله وكذبوا المرسلين جهلوا صفات الله ﷻ، وردوا عليه كتبه ورسله، ثم يبعث البعث الخامس والسادس وهم أهل الكتابين يأتون ربهم عطاشا يقال لهم: ما كنتم تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيقال لهم: ألا ترون فيشار لهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيردونها سقوطا فيها، ثم تقع المحنة بالمنافقين والمؤمنين في معرفة ربهم وتمييزه من المعبودات من دونه فيذهب الله المنافقين ويثبت المؤمنين، ثم ينصب الصراط مجازا على متن جهنم أعاذنا الله منها أرق من الشعر وأحدّ من الموسى كما وصفه رسول الله ﷺ فيسقط أهل البدع في الباب السادس منه أو الخامس، وأهل الكبائر في السابع أو السادس وإنما يسقط الساقط بعد ما يعجز عن عمله ويخلص المؤمنون على درجاتهم في تفاوتهم في النجاة ويحبسون على قنطرة بين الجنة والنار يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا صفوا وهذبوا، أدخلوا الجنة، ومن ذلك المقام يوقف أصحاب الأعراف.\nقال المؤلف: هكذا ذكر هذا الترتيب وهو ترتيب حسن، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>فصل</span>\nقوله: «هل تضارون» بضم التاء وفتحها وبتشديد الراء وتخفيفها، وضم التاء وتشديد الراء أكثر، وأصله تضاررون أسكنت الراء الأولى وأدغمت مع الثانية وماضيه ضورر على ما لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون مبنيا للفاعل بمعنى تضارون\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٧٠، ٥٧١) وصحّحه الحاكم والذهبي، وهو كما قالا.","vol":"2","page":20},{"text":"بكسر الراء إلا أنها سكنت الراء وأدغمت وكله من الضر المشدد، وأما التخفيف فهو من ضاره يضيره ويضوره مخففا.\nوالمعنى: أن أهل الجنة إذا امتن الله عليهم برؤيته سبحانه تجلى لهم ظاهرا بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله كما يفعل عند رؤية الأهلة بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه.\nوقد روي: «تضامّون» من المضامة وهي الازدحام أيضا أي لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلة.\nوروي تضامون بتخفيف الميم، من الضيم الذي هو الذل أي لا يذل بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة وسيأتي هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ﷺ في أبواب الجنة إن شاء الله تعالى.\nقوله: «فإنكم ترونه كذلك» هذا تشبيه للرؤية وحالة الرائي لا المرئي، لأن الله سبحانه لا يحاط به، وليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء.\nوقوله: «فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون» هذا موضع الامتحان ليميز المحق من المبطل، وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين، زاعمين أنهم منهم، وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة قالت للجميع أنا ربكم فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله ﷿ في دار الدنيا، وأنه منزه عن صفات هذه الصور إذ سماتها سمات المحدثات.\nولهذا قال في حديث أبي سعيد الخدري فيقولون: «نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا» مرتين أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب.\nقال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب «المفهم لشرح اختصار كتاب مسلم»: «وهذا لمن لم يكن له رسوخ العلماء ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وجزموا عليه من غير بصيرة ولذلك كان اعتقادهم قابلا للانقلاب» (^١)، والله أعلم.\nقلت: ويحتمل أن يكونوا المنافقين والمرائين وهو أشبه والله أعلم، لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك، لأن في حديث أبي سعيد بعد قوله: «حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفوه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه، ثم\n_________\n(^١) انظر «المفهم» (١/ ٤١٧).","vol":"2","page":21},{"text":"يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوا فيها فيقول: أنا ربكم؟ فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة». وسيأتي. قوله: «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» أي: يتجلى لهم في صفته التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد أن رفع الموانع عن أبصارهم. فيتبعونه؛ أي يتبعون أمره أو ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة. والله أعلم.\nوالدعوى: الدعاء قال الله ﷾: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أي دعاؤهم. والكلاليب: جمع كلوب. والسعدان: نبت كثير الشوك شوكه كالخطاطيف والمحاجن ترعاه الإبل فيطيب لبنها. تقول العرب: مرعى ولا كالسعدان. والموبق: المهلك أوبقه ذنبه: أهلكه.\nومنه الحديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» (^١) وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤]. والمجازى: الذي جوزي بعمله.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] كشف الساق، عبارة عن عظم الأمر وشدته، ذكره ابن المبارك قال: أخبرنا أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: يوم كرب وشدة (^٢). أخبرنا ابن جريج عن مجاهد قال: شدة الأمر وجده قال مجاهد: وقال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة (^٣).\nوقال أبو عبيدة: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل: كشف الأمر عن ساقه.\nوالأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة، وكذا قال القتبي؛ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ هذا من الاستعارة فسمى الشدة ساقا لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة.\nقال الشاعر:\nوكنت إذا جاري دعا لمضوفة … أشمر حتى ينصف الساق مئزري\nوقال آخر:\nفتى الحرب إن عضت به الحرب عضها … وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) وفي مواضع أخرى، ومسلم (٨٩).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك كما في زوائد «الزهد» (٣٦١) والطبري في «تفسيره» (٢٩/ ٢٤).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك كما في زواد «الزهد» (٣٦٢) والطبري في «تفسيره» (٢٩/ ٢١).","vol":"2","page":22},{"text":"وقال آخر يصف سنة شديدة:\nقد شمرت عن ساقها\nوقال آخر:\nكشفت لهم عن ساقها … وبدا من الشر البراح\nوقال آخر:\nأبشر عناق، إنه شر باق قد سن لي … قومك ضرب الأعناق\nوقامت الحرب بنا على ساق\nوالشعر في هذا المعنى كثير.\nوقيل يكشف عن ساق جهنم، وقيل عن ساق العرش.\nفأما ما روي: «أن الله تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة» كما في «صحيح البخاري» (^١)؛ فإنه تعالى على التبعيض والأعضاء، وأن يكشف ويتغطى ومعناه أن يكشف على العظيم من أمره (^٢).\nوقال الخطابي: «إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة فيحتمل أن يكون معنى الحديث أنه يبرز من أهوال يوم القيامة وشدتها ما يرتفع معه سواتر الامتحان فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص فيؤذن لهم في السجود وينكشف الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقا واحدا لا يستطيعون السجود قال: وقد تأوله بعض الناس فقال:\nلا ينكر أن يكون الله سبحانه قد يكشف لهم عن ساق لبعض المخلوقين من ملائكته أو غيرهم فيجعل ذلك سببا لبيان ما شاء من حكمه في أهل الإيمان وأهل النفاق».\nقال الخطابي: «وفيه وجه آخر لم أسمعه من قدوة وقد يحتمله معنى اللغة سمعت أبا عمر يذكر عن أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي فيما عده من المعاني المختلفة الواقعة تحت هذا الاسم، قال: والساق النفس، ومنه قول علي ﵁، حين راجعه أصحابه في قتل الخوارج فقال: «والله لأقاتلنهم حتى ولو تلفت ساقي» يريد نفسه.\nوقال أبو سليمان: وقد يحتمل على هذا أن يكون المراد التجلي لهم وكشف الحجب عن أبصارهم حتى إذا رأوه سجدوا له قال: ولست أقطع به القول، ولا أراه واجبا فيما أذهب إليه من ذلك».\nقال المؤلف: هذا القول أحسن الأقوال إن شاء الله، وقد جاء فيه حديث\n_________\n(^١) برقم (٤٩٩١).\n(^٢) هذا تأويل للحديث عن معناه الحقيقي، ومذهب السلف الأخذ بظاهر الحديث دون تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل.","vol":"2","page":23},{"text":"حسن ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسير سورة ن والقلم، فقال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدّثنا ابن منيع قال: حدّثنا هدبة قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمارة عن بردة بن أبي موسى قال: حدّثني أبي قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره، قال:\nوتعرفونه إذ رأيتموه؟ فيقولون نعم، فقال: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبيه له، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدا وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] فيقول الله تعالى عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم من اليهود والنصارى في النار (^١).\nقال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: آلله الذي لا إله إلا هو حدّثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلفت له ثلاث أيمان فقال عمر: ما سمعت من أهل التوحيد حديثا هو أحب إليّ من هذا.\nقال المؤلف: فهذا الحديث يبين لك معنى كشف الساق وأنه عبارة عن رؤيته سبحانه وهو معنى ما في صحيح مسلم، والحديث يفسر بعضه بعضا فلا إشكال فيه، والحمد لله. وقد ذكر البيهقي عن روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: «عن نور عظيم يخرون له سجدا» (^٢). تفرد به روح بن جناح، وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها، وموالي عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة.\nقال المؤلف: الحديث الذي قبله أبين وأصح إسنادا فليعول عليه.\nوقد هاب الإمام أبو حامد الغزالي القول فيه وأشفق من تأويله فقال في كتاب «كشف علوم الآخرة»: ثم يكشف الجليل عن ساقه فيسجد الناس كلهم تعظيما له وتواضعا إلا الكفار الذين قد أشركوا به أيام حياتهم، وعبدة الحجارة والخشب، وما لم ينزل به سلطانا فإن صياصي أصلابهم تعود حديدا فلا يقدرون على السجود وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾.\n_________\n(^١) إسناده تالف.\n(^٢) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» ص ٣٤٨، وأبو يعلى كما في «فتح الباري» (٨/ ٥٣١)، وضعف إسناده الحافظ هناك.","vol":"2","page":24},{"text":"وروى البخاري في تفسيره مسندا إلى رسول الله ﷺ قال: «يكشف الله عن ساقه يوم القيامة فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة». وقد أشفقت من تأويل الحديث، وعدلت عن منكر به، وكذا أشفقت من صفة الميزان وزيفت قول واصفيه، وجعلته متحيزا إلى العالم الملكوتي فإن الحسنات والسيئات أعراض ولا يصح وزن الأعراض إلا بميزان ملكوتي.\nقال المؤلف: قد ذكرنا الميزان وبيّنا القول فيه، وفي الأعمال الموزونة غاية البيان بالأخبار الصحيحة والحسان وبيّنا القول هنا في كشف الساق (^١)، بحيث لم يبق فيه لأحد ريب ولا مخالفة ولا شقاق، فلله الحمد على ما به أنعم وفهم وعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-254>١١٦ - باب كيف الجواز على الصراط؟ وصفته ومن يحبس عليه ويزل عنه، وفي شفقة النبي ﷺ على أمته عند ذلك، وفي ذكر القناطر قبله والسؤال عليها وبيان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾</span>\nروي عن بعض أهل العلم أنه قال: لن يجوز أحد الصراط حتى يسأل في سبع قناطر؛ فأما القنطرة الأولى: فيسأل عن الإيمان بالله، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصا، والإخلاص قول وعمل جاز، ثم يسأل على القنطرة الثانية: عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل على القنطرة الثالثة: عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تاما جاز، ثم سأل على القنطرة الرابعة: عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في الخامسة: عن الحج والعمرة فإن جاء بهما تامتين جاز، ثم يسأل في القنطرة السادسة: عن الغسل والوضوء فإن جاء بهما تامين جاز، ثم يسأل في السابعة:\nوليس في القناطر أصعب منها فيسأل عن ظلامات الناس.\nوذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: «أنه إذا لم يبق في الموقف إلا المؤمنون والمسلمون والمحسنون والعارفون والصديقون والشهداء والصالحون والمرسلون\n_________\n(^١) ينظر لبيان الحق في إثبات هذه الصفة: «أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات» لزين الدين مرعي بن يوسف الكرمي ص ١٧١ - ١٧٥، و«شرح العقيدة الواسطية» للعلامة محمد بن صالح العثيمين، وغيرها من كتب العقيدة السلفية، والله الموفق.","vol":"2","page":25},{"text":"ليس فيهم مرتاب ولا منافق ولا زنديق فيقول الله تعالى: يا أهل الموقف من ربكم؟ فيقولون:\nالله، فيقول لهم: أتعرفونه؟ فيقولون: نعم. فيتجلى لهم ملك عن يسار العرش، لو جعلت البحار السبع في نقرة إبهامه لما ظهرت، فيقول لهم بأمر الله: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، فيتجلى لهم ملك العرش عن يمين العرش لو جعلت البحار الأربعة عشر في نقرة إبهامه لما ظهرت فيقول لهم: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، فيتجلى لهم الرب سبحانه في صورة غير صورته التي كانوا يعرفونها، ويسمعونه وهو يضحك فيسجدون له جميعهم، فيقول: أهلا بكم، ثم ينطلق بهم سبحانه إلى الجنة فيتبعونه فيمر بهم على الصراط. والناس أفواج: المرسلون، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم المؤمنون ثم العارفون، ثم المسلمون. منهم المكتوب لوجهه ومنهم المحبوس في الأعراف ومنهم قوم قصروا عن تمام الإيمان فمنهم من يجوز الصراط على مائة عام وآخر يجوز على ألف، ومع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته» (^١).\nفتوهّم نفسك يا أخي إذا صرت على الصراط ونظرت إلى جهنم تحتك سوداء مظلمة قد لظى سعيرها وعلا لهيبها وأنت تمشي أحيانا وتزحف أخرى.\nقال الشاعر:\nأبت نفسي تتوب فما احتيالي … إذا برز العباد لذي الجلال\nوقاموا من قبورهم سكارى … بأوزار كأمثال الجبال\nوقد نصب الصراط لكي يجوزوا … فمنهم من يكب على الشمال\nومنهم من يسير لدار عدن … تلقاه العرائس بالغوالي\nيقول له المهيمن يا وليي … غفرت لك الذنوب فلا تبالي\nوقال آخر:\nإذا مدّ الصراط على جحيم … تصول على العصاة وتستطيل\nفقوم في الجحيم لهم ثبور … وقوم في الجنان لهم مقيل\nوبان الحقّ وانكشف الغطاء … وطال الويل واتصل العويل\nوذكر مسلم من حديث أبي هريرة: «فيأتون محمدا ﷺ فيؤذن لهم وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولهم كالبرق الخاطف». قال: قلت بأبي أنت وأمي وأي شيء كمر البرق؟ قال: «ألم تر إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ\n_________\n(^١) لم أقف عليه، ولبعض ألفاظه شواهد قد تقدّمت، والله أعلم.","vol":"2","page":26},{"text":"قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل ولا يستطيع السير إلا زحفا». قال: «وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه فمخدوش ناج، ومنكوس في النار، والذي نفسي بيده: إن قعر جهنم لسبعون خريفا» (^١). وروى من حديث حذيفة أيضا.\nوذكر مسلم أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم» قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شوكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومنكوس في نار جهنم» (^٢) الحديث وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى.\nوفي رواية قال أبو سعيد الخدري: «بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحد من السيف» وفي رواية «أرق من الشعر» رواها مسلم (^٣).\nوخرج ابن ماجه حديث أبي سعيد الخدري: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان. ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومخدوج به ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها» (^٤).\nوذكر ابن المبارك قال: حدّثنا هشام بن حسان، عن موسى، عن أنس، عن عبيد بن عمير: «إن الصراط مثل السيف على جسر جهنم وإن لجنبتيه كلاليب وحسكا، والذي نفسي بيده إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر» (^٥).\nوأخبرنا رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال قال:\n«بلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع» (^٦).\nقال: وأخبرنا عوف عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: «يجوز الناس يوم القيامة على الصراط على قدر إيمانهم وأعمالهم فيجوز الرجل كالطرف في السرعة\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣).\n(^٣) في «صحيحه» برقم (١٨٣).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٨٠).\n(^٥) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» رقم (٤٠٣)، وإسناده ضعيف.\n(^٦) إسناده ضعيف؛ أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٤٠٦).","vol":"2","page":27},{"text":"وكالسهم المرمي وكالطائر السريع الطيران وكالفرس الجواد المضمر ويجوز الرجل يعدو عدوا، والرجل يمشي مشيا حتى يكون آخر من ينجو يحبو حبوا» (^١).\nوذكر هناد بن السري حدّثنا عبد الله بن نمير حدّثنا سفيان حدّثنا سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال عبد الله: «يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم». قال:\n«فيمر الناس على قدر أعمالهم. أولهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كأسرع البهائم ثم كذلك حتى يمر الرجل سعيا وحتى يمر الرجل ماشيا ثم يكون آخرهم يتلبط على بطنه يقول يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: لم أبطئ بك إنما أبطأ بك عملك» (^٢).\nقال: وحدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود: «تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله وتقتسمون المنازل بأعمالكم» (^٣).\n(أبو داود) عن معاذ بن أنس الجهني عن النبي ﷺ قال: «من حمى مؤمنا من منافق - أراه قال -: بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد شينه حبسه الله ﷿ على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» (^٤).\nوقال رسول الله ﷺ: «الزالّون على الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء» ذكره أبو الفرج ابن الجوزي.\nوقال المصطفى ﷺ: «فإذا صار الناس على طرف الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط، وليقف كل عاص منكم وظالم، فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها وما أشد حرّها، يتقدم فيها، من كان في الدنيا ضعيفا مهينا، ويتأخر عنها من كان في الدنيا عظيما مكينا، ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك بالجواز على الصراط على قدر أعمالهم في ظلمتهم وأنوارهم، فإذا عصف الصراط بأمتي نادوا:\nوا محمداه وا محمداه فأبادر من شدة إشفاقي عليهم وجبريل آخذ بحجزتي، فأنادي رافعا صوتي رب أمتي أمتي لا أسألك اليوم نفسي، ولا فاطمة ابنتي والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون: رب سلم سلم. وقد عظمت الأهوال، واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال وينادونهم:\nأما نهيتم عن كسب الأوزار؟ أما خوفتم عذاب النار؟ أما أنذرتم كل الإنذار أما جاءكم النبي المختار»؟ ذكره أبو الفرج بن الجوزي أيضا في كتاب (روضات المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق).\n_________\n(^١) المصدر السابق رقم (٤٠٨).\n(^٢) إسناده صحيح.\n(^٣) إسناده ضعيف.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٨٦٢) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":28},{"text":"فتفكر الآن فيما يحلّ بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار، وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلا عن حدة الصراط فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكّسون فتسفل إلى جهة النار رؤوسهم، وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه، ومجاز ما أضيقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-255>فصل</span>\nذهب بعض من تكلم على أحاديث هذا الباب في وصف الصراط بأنه أدق من الشعر وأحدّ من السيف أن ذلك راجع إلى يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي. ولا يعلم حدود ذلك إلاّ الله تعالى لخفائها وغموضها. وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي: دقيقا. فضرب المثل له بدقة الشعر. فهذا والله أعلم من هذا الباب.\nومعنى قوله: «وأحدّ من السيف»: أن الأمر الدقيق الذي يصعد من عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حد السيف ومضيه إسراعا منهم إلى طاعته وامتثاله. ولا يكون له مرد كما أن السيف إذا نفذ بحدة وقوة ضاربه في شيء لم يكن بعد ذلك مرد.\nوإما أن يقال: إن الصراط نفسه أحدّ من السيف وأدق من الشعر، فذلك مدفوع بما وصف من أن الملائكة يقومون بجنبيه وأن فيه كلاليب وحسكا، أي أن من يمر عليه يقع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم. وفيه أن من الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه. وفي ذلك إشارة إلى أن للمارين عليه مواطئ الأقدام، ومعلوم أن رقة الشعر لا يحتمل هذا كله. وقال بعض الحفاظ: إن هذه اللفظة ليست بثابتة.\nقال المؤلف: ما ذكره القائل مردود بما ذكرنا من الأخبار وأن الإيمان يجب بذلك. وأن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن فيجريه أو يمشيه، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند الاستحالة ولا استحالة في ذلك، للآثار الواردة في ذلك وثباتها بنقل الأئمة العدول ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].","vol":"2","page":29},{"text":"وعن يحيى بن اليمان: رأيت رجلا نام وهو أسود الرأس واللحية شاب يملأ العين فرأى في منامه كأن الناس قد حشروا، وإذا بنهر من نار، وجسر يمر الناس عليه، فدعي فدخل الجسر، فإذا هي كحد السيف يمر يمينا وشمالا، فأصبح أبيض الرأس واللحية.\n\n<span data-type='title' id=toc-256>فصل</span>\nأحاديث هذا الباب تبين لك معنى الورود المذكور في القرآن في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١].\nروي عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط، رواه السدي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ.\nوذكر أبو بكر النجاد سلمان بن أحمد قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة السليطي، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي قال: حدّثنا سليم بن منصور بن عمار قال: حدّثنا أبي، منصور بن عمار قال: حدّثني بشير بن طلحة الخزاعي، عن خالد بن الدريك، عن يعلى بن منبه، عن رسول الله ﷺ قال: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» (^١).\nوقيل: الورود الدخول. روي عن ابن مسعود وعن ابن عباس أيضا وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم، وحديث أبي سعيد الخدري نصّ في ذلك على ما يأتي، فيدخلها العصاة بجرائمهم، والأولياء بشفاعتهم.\nوروى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود:\nالدخول، لا يبقى برّ، ولا فاجر إلاّ دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم»، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ (^٢) [مريم: ٧١].\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن رجل، عن خالد بن معدان قال:\nقالوا ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار؟ فقال: إنكم مررتم بها وهي خامدة (^٣).\nقال ابن المبارك: وأخبرنا سعيد الجريري عن أبي السليل عن غنيم عن أبي العوام عن كعب أنه تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] قال: هل\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٢٩) والطبراني في «الكبير» (٢٢ /رقم: ٦٦٨) بإسناد ضعيف؛ انظر تخريج «الطحاوية» للمحدث الألباني ص ٤١٧ رقم (٥٦٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩) والحاكم (٤/ ٥٨٧). وهو حسن بالشواهد، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه نعيم في زوائد «الزهد» برقم (٤٠٧).","vol":"2","page":30},{"text":"تدرون ما ورودها؟ قالوا: الله أعلم. قال: فإن ورودها أن يجاء بجهنم وتمسك للناس كأنها متن إهالة حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلق برهم وفاجرهم نادى مناد: أن خذي أصحابك، وذري أصحابي. فتخسف بكل ولي لها، فهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون (^١).\nوقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظ المؤمن من النار فلا يردها.\nوأسند أبو عمر بن عبد البر في ذلك حديثا في «التمهيد» عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ عاد مريضا من وعك به، فقال النبي ﷺ: «أبشر فإن الله تعالى يقول:\nهي ناري أسلّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النار» (^٢).\nوقالت طائفة: الورود النظر إليها في القبر فينجي منها الفائز، ويصلاّها من قدّر عليه دخولها، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة الله تعالى، واحتجّوا بحديث ابن عمر: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي» الحديث.\nوقيل: المراد بالورود الإشراف على جهنم والاطلاع عليها والقرب منها.\nوذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم، فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ﴾ أي: يؤمر بهم إلى النار، قال الله تعالى: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] أي: أشرف عليه، لا أنه دخله. وروت حفصة؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية». قالت: فقلت: يا رسول الله! وأين قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] خرّجه مسلم من حديث أم مبشر قالت: سمعت رسول الله ﷺ عند حفصة الحديث (^٣).\nوقيل: الخطاب للكفار في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ روى وكيع، عن شعبة، عن عبد الله بن السائب، عن رجل، عن ابن عباس أنه قال في قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال: هذا خطاب للكفار.\nوروي عنه أنه كان يقرأ: «وإنّ منهم» ردا على الآيات التي قبلها من الكفار\n_________\n(^١) أخرجه نعيم في زوائد «الزهد» برقم (٤٠٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٠) والترمذي (٢٠٨٨) وابن ماجه (٣٤٧٠)، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٧٩٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤٩٦).","vol":"2","page":31},{"text":"قوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ و﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ و﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧١]. وكذلك قرأ عكرمة وجماعة.\nوقالت فرقة: المراد ﴿مِنْكُمْ﴾: الكفرة. والمعنى: قل لهم يا محمد وإن منكم.\nوقال الجمهور: المخاطب العالم كلّه ولا بد من ورود الجميع، وعليه نشأ الخلاف في الورود، كما ذكرنا، والصحيح أن الورود: الدخول لحديث أبي سعيد، كما ذكرنا.\nوفي «مسند» الدارمي أبي محمد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرجل في مشيه» (^١).\nوقال ﷺ: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلاّ تحلّة القسم» (^٢) خرّجه الأئمة. قال الزهري كأنه يريد هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده.\nوهذا يبين لك ما ذكرناه لأن المسيس حقيقته في اللغة المماسة إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين وينجون منها سالمين، قال خالد بن معدان: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا إنا نرد النار؟ فيقال: قد وردتموها فألقيتموها رمادا».\nقلت: والذي يجمع شتات الأقوال؛ أن يقال: إن من وردها، ولم تؤذه بلهبها وحرها فقد أبعد عنها ونجى منها، نجانا الله منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها سالما، وخرج منها غانما.\nوروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري لابن عباس: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] فقال له ابن عباس: أمجنون أنت؟ فأين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ وقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] وقوله: ﴿إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦].\nولقد كان من دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة فائزا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٤٣٥) والترمذي (٣١٥٩) والدارمي في «سننه» (٤٢٤/ ٢٨١٠/٢) والحاكم (٢/ ٣٧٥ و٤/ ٥٨٦). وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في «الصحيحة» رقم (٣١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٤٨) وغيره.","vol":"2","page":32},{"text":"وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود، والجهل بالصدر، كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه يقول: ليت أمي لم تلدني. فتقول له امرأته: يا أبا ميسرة إن الله قد أحسن إليك وهداك إلى الإسلام، قال: أجل ولكن الله قد بين لنا أنّا واردو النار ولم يبين لنا أنّا صادرون (^١).\nوعن الحسن قال: قال رجل لأخيه: أي أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ قال:\nنعم. قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك إذا؟ قال: فما رئي ضاحكا حتى مات (^٢).\nوروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي:\n«أمّا أنا وأنت فلا بد أن نردها أما أنا فينجيني الله منها وأما أنت فما أظنه ينجيك».\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: «بكى ابن رواحة فبكت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: بكيت حين رأيتك تبكي.\nفقال عبد الله: إني قد علمت أني وارد النار، فما أدري أناج منها أم لا» (^٣)؟.\nوفي معناه قيل:\nوقد أتانا ورود النار ضاحية … حقا يقينا، ولما يأتنا الصّدر\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-257>١١٧ - باب ما جاء في شعار المؤمنين على الصراط</span>\n(الترمذي) عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: «شعار المؤمنين على الصراط: رب سلّم سلم» (^٤). قال: حديث غريب.\nوفي «صحيح مسلم»: «ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم».\nوقد تقدم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٤١) وابن المبارك في «الزهد» برقم (٣١٢).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» برقم (٣١١).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٣١٠).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٤٢٢) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>١١٨ - باب فيمن لا يوقف على الصراط طرفة عين</span>\nذكر الوائلي أبو نصر، في كتاب الإبانة: أخبرنا محمد بن الحجاج قال:\nأخبرنا محمد بن عبد الرحمن الربعي، حدّثنا علي بن الحسين، أبو عبيد قال:\nحدّثنا زكريا بن يحيى أبو السكن قال: حدّثني عبد الله بن صالح الهماني قال:\nحدّثني أبو همام القرشي، عن سليمان بن المغيرة، عن قيس بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة قال: قل لي رسول الله ﷺ: «علّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك» (^١). قال: وهذا غريب الإسناد والمتن حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>باب منه</span>\n(أبو نعيم) قال: حدّثنا سليمان بن أحمد، قال: حدّثنا جبير بن عرفة قال:\nحدّثنا هاني بن المتوكل قال: حدّثنا أبو ربيعة سليمان بن ربيعة، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحسن الصدقة في الدنيا جاز على الصراط، ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته» (^٢). قال: هذا حديث غريب من حديث محمد، تفرد به سليمان [بن ربيعة عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب] (^٣).\nوذكر الختلي أبو القاسم، حدّثنا عثمان بن سعيد أبو عمرو الأنطاكي، قال:\nحدّثنا علي بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن يسار، حدّثنا شيخ يكنى أبا جعفر قال:\nرأيت في منامي كأني واقف على قناطر جهنم فنظرت إلى هول عظيم فجعلت أفكر في نفسي كيف العبور على هذه؟ فإذا قائل يقول من خلفي: يا عبد الله؛ ضع حملك واعبر، فقلت: وما حملي؟ قال: دع الدنيا واعبر.\nقال: وحدّثني أبو بكر خليفة الحارث بن خليفة قال: حدّثنا عمرو بن جرير، حدّثني إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا الدرداء يقول لابنه: يا بنيّ لا يكن بيتك إلا المسجد، فإن المساجد بيوت المتّقين،\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٢٠) بإسناد ضعيف.\n(^٣) ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة.","vol":"2","page":34},{"text":"سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يكن المسجد بيته، ضمن الله له بالروح والرحمة والجواز على الصراط» (^١).\nقلت: وهذا الحديث يصحّح ما ذكرناه من الرؤيا، فإن من سكن المسجد واتخذه بيتا أعرض عن الدنيا وأهلها، وأقبل على الآخرة وعمل لها.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-260>١١٩ - باب ثلاثة مواطن لا يخطئها النبي ﷺ لعظم الأمر فيها وشدته</span>\n(الترمذي) عن أنس قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة قال:\n«أنا فاعل إن شاء الله». قال: فأين أطلبك؟ قال: «أول ما تطلبني على الصراط»، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: «فاطلبني عند الميزان». قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن» (^٢). قال هذا حديث حسن، وقد تقدم من حديث عائشة أنه ﵇ قال: «أما ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا؛ عند الميزان، وعند تطاير الصحف، وعند الصراط».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-261>١٢٠ - باب في تلقي الملائكة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم بعد الصراط، وفي هلاك أعدائهم</span>\n(ابن المبارك) عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأنبياء نبيا نبيا، وأمة أمة، حتى يكون آخرهم مركزا محمد وأمته، ويضرب الجسر على جهنم، وينادي مناد: أين أحمد وأمته؟ فيقوم نبي الله ﷺ، وتتبعه أمته برّها وفاجرها، حتى إذا\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٤٠)، وإسناده ضعيف جدا؛ لأجل عمرو بن جرير البجلي.\nوالحديث أورده ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤١١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٧٨) والترمذي (٢٤٣٣) بإسناد جيد كما قال الشيخ الألباني ﵀؛ انظر «المشكاة» رقم (٥٥٩٥).","vol":"2","page":35},{"text":"كان على الصراط طمس الله أبصار أعدائه، فتهافتوا في النار يمينا وشمالا، ويمضي النبي ﷺ والصالحون معه، فتتلقاهم الملائكة رتبا، فيدلونهم على طريق الجنة على يمينك على شمالك، حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي عن يمين الرحمن، ثم يتبعهم عيسى ﵇ على مثل سبيله، وتتبعه أمّته برّها وفاجرها، حتى إذا كانوا على الصراط طمس الله أبصار أعدائه فتهافتوا في النار يمينا وشمالا، ويمضي النبي ﷺ والصالحون معه فتلقاهم الملائكة رتبا، فيدلونهم على طريق الجنة؛ على يمينك على شمالك حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي من الجانب الآخر. ثم يدعى نبي نبي وأمة أمة، حتى يكون آخرهم نوحا، رحم الله نوحا (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-262>١٢١ - باب ذكر الصراط الثاني وهو القنطرة التي بين الجنة والنار</span>\nاعلم رحمك الله أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب، أو من يلتقطه عنق النار، فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه، ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم، حبسوا على آخر خاص لهم، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه.\n(البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان له في الدنيا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-263>فصل</span>\nقلت: معنى «يخلص المؤمنون من النار» أي: يخلصون من الصراط المضروب على النار. ودل هذا الحديث على أن المؤمنين في الآخرة مختلفو الحال. قال\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٩٨) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٥).","vol":"2","page":36},{"text":"مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا وطيّبوا قال لهم رضوان وأصحابه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى التحية ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\nوقد ذكر الدارقطني حديثا ذكر فيه أن الجنة بعد الصراط.\nقلت: ولعله أراد بعد القنطرة بدليل حديث البخاري - والله أعلم. أو يكون ذلك في حق من دخل النار وخرج بالشفاعة فهؤلاء لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة، على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى.\nوقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: «أصحاب الجدّ محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم» (^١). ولا تعارض بين هذا وبين حديث البخاري، فإن الحديثين مختلفا المعنى لاختلاف أحوال الناس. وكذلك لا تعارض بين قوله ﵇: «لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة» وبين قول عبد الله بن سلام: «إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينا وشمالا»، فإن هذا يكون فيمن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار، فيخرج منها فيطرح على باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجميع، فإذا وصلت بهم الملائكة إلى باب الجنة كان أحد منهم أعرف بمنزله في الجنة وموضعه فيها منه بمنزله كان في الدنيا - والله أعلم - وهو معنى قوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]. قال أكثر أهل التفسير: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم.\nوقيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل؛ وهو أن الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه، وحديث أبي سعيد الخدري يرده - والله أعلم -.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-264>١٢٢ - باب من دخل النار من الموحّدين مات واحترق، ثم يخرجون بالشفاعة</span>\n(مسلم) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار\n_________\n(^١) لم أقف عليه.","vol":"2","page":37},{"text":"بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن لهم في الشفاعة، فيجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثّوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل». فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان يرعى الغنم بالبادية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-265>فصل</span>\nهذه الموتة للعصاة موتة حقيقية؛ لأنه أكّدها بالمصدر، وذلك تكريما لهم حتى لا يحسوا ألم العذاب بعد الاحتراق بخلاف الحي الذي هو من أهلها ومخلد فيها ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] وقيل يجوز أن تكون إماتتهم عبارة عن تغييبه إياهم عن آلامها بالنوم ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة فإن النوم قد يغيب عن كثير من الآلام والملاذ وقد سماه الله وفاة، فقال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] فهو وفاة وليس بموت على الحقيقة الذي هو خروج الروح عن البدن وكذلك الصعقة قد عبر الله بها عن الموت في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨].\nوأخبر عن موسى ﵇ أنه خرّ صعقا، ولم يكن ذلك موتا على الحقيقة، غير أنه لما غيّب عن أحوال المشاهدة من الملاذ والآلام، جاز أن يسمى موتا.\nوكذلك يجوز أن يكون أماتهم؛ غيّبهم عن الآلام وهم أحياء، بلطيفة يحدثها الله فيهم، كما غيب النسوة اللاتي قطعن أيديهن بشاهد ظهر لهن، فغيبهن فيه عن آلامهن، والتأويل الأول أصح لما ذكرناه من تأكيده بالمصدر، ولقوله في نفس الحديث: «حتى إذا كانوا فحما» فهم أموات على الحقيقة كما أن أهلها أحياء على الحقيقة وليسوا بأموات.\nفإن قيل: فما معنى إدخالهم النار وهم فيها غير عالمين؟\nقيل: يجوز أن يدخلهم تأديبا لهم وإن لم يعذبهم فيها، ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالمحبوسين في السجون، فإن الحبس عقوبة لهم وإن لم يكن معه غل ولا قيد - والله أعلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في أبواب النار - إن شاء الله تعالى.\nوقوله: «ضبائر ضبائر» معناه جماعات جماعات، الواحدة ضبارة بكسرة الضاد وهي الجماعة من الناس. و«بثوا»: فرّقوا، و«الحبة» بكسر الحاء، بزر البقول، و«حميل السيل»: ما احتمله من غثاء وطين، وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٥).","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>١٢٣ - باب فيمن يشفع لهم قبل دخول النار من أجل أعمالهم الصالحة وهم أهل الفضل في الدنيا</span>\nذكر أبو عبد الله محمد بن ميسرة الجبلي القرطبي في كتاب «السنن» له، روى أبي وابن وضّاح من حديث أنس يرفعه، قال: «يصفّ أهل النار فيقرنون فيمرّ بهم الرجل من أهل الجنة فيقول الرجل منهم: يا فلان، أما تذكر رجلا سقاك شربة ماء يوم كذا وكذا؟ فيقول إنك لأنت هو؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيشفع له فيشفع فيه.\nويقول الرجل منهم: يا فلان لرجل من أهل الجنة - أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيشفع له فيشفّع فيه».\nقلت: أخرجه ابن ماجه في «سننه» بمعناه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد قالا: حدّثنا الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يصفّ الناس يوم القيامة صفوفا» وقال ابن نمير «أهل الجنة» - «فيمر الرجل من أهل النار على الرجل من أهل الجنة فيقول: يا فلان؛ أما تذكر يوم استسقيتني فسقيتك شربة؟ قال: فيشفع له. ويمر الرجل على الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهورا؟ فيشفع له» قال ابن نمير: «ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك فيشفع له» (^١).\nوخرّج أبو نعيم الحافظ بإسناده، عن الثوري؛ حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] قال: «أجورهم، يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله؛ الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا» (^٢).\nوذكر أبو جعفر الطحاوي أيضا، عن أنس بن مالك ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الجنة صفوفا وأهل النار صفوفا، فينظر الرجل من صفوف أهل النار إلى الرجل من صفوف أهل الجنة؛ فيقول: يا فلان؛ تذكر يوم اصطنعت معروفا إليك؟ فيقول: اللهم إن هذا اصطنع إليّ في الدنيا معروفا. قال: فيقال له: خذ بيده وأدخله الجنة برحمة الله ﷿». قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٦٨٥) بإسناد ضعيف، ضعّفه البوصيري والألباني.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٠٨) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":39},{"text":"أنس ﵁: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله (^١).\nقال أبو عبد الله محمد بن ميسرة؛ ورأيت في الكتاب الذي يقال إنه الزبور:\n«إني أدعو عبادي الزاهدين يوم القيامة فأقول لهم: عبادي إني لم ازو عنكم الدنيا لهوانكم عليّ، ولكن أردت أن تستوفوا نصيبكم موفورا اليوم، فتخللوا الصفوف؛ فمن أجبتموه في الدنيا، أو قضى لكم حاجة، أو ردّ عنكم غيبة، أو أطعمكم لقمة ابتغاء وجهي وطلب مرضاتي؛ فخذوا بيده وأدخلوه الجنة».\n\n<span data-type='title' id=toc-267>فصل</span>\nوذكر أبو حامد: في آخر كتاب «الإحياء»، قال أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ: «إن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار، ويقول: يا فلان؛ هل تعرفني؟ فيقول: لا والله؛ ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررت بي في الدنيا يوما فاستسقيتني شربة ماء؛ فسقيتك. قال: قد عرفت قال: فاشفع لي بها عند ربك، فيسأل الله تعالى، ويقول: إني أشرفت على أهل النار، فناداني رجل من أهلها فقال: هل تعرفني؟ فقلت: لا؛ من أنت؟ قال: أنا الذي استسقيتني في الدنيا فسقيتك فاشفع لي بها، فشفّعني، فيشفّعه الله تعالى، فيؤمر به فيخرج من النار» (^٢) والله تعالى أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-268>١٢٤ - باب في الشافعين لمن دخل النار وما جاء أن النبي ﷺ يشفع رابع أربعة وذكر من يبقى في جهنم بعد ذلك</span>\n(ابن ماجه) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» (^٣).\nوذكر ابن السماك أبو عمرو عثمان بن أحمد قال: حدّثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان، قال: أخبرنا علي بن عاصم، قال: حدّثنا خالد الحذّاء، عن سلمة بن\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (٤/ ٣٣٢) بإسناد ضعيف.\n(^٢) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» (٤/ ٥٢٨) وضعّف إسناده العراقي.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٣١٣)، وهو حديث موضوع، كما قال العلامة الألباني - رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":40},{"text":"كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: يشفع نبيكم رابع أربعة:\nجبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم ﷺ ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصدّيقون ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]. قال عبد الله بن مسعود ﵁: فهؤلاء الذين يبقون في جهنم.\nقال المؤلف ﵀: وقد قيل: إن هذا هو المقام المحمود لنبيّنا ﷺ.\nخرّجه أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن عبد الله قال: «ثم يأذن الله ﷿ في الشفاعة فيقوم روح القدس جبريل ﵊ ثم يقوم إبراهيم خليل الله ﷺ ثم يقوم موسى أو عيسى ﵉». قال أبو الزعراء: - لا أدري أيهما قال - ثم يقوم نبيكم ﷺ رابعا فيشفع لا يشفع لأحد بعده في أكثر مما يشفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى:\n﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\n(ابن ماجه) عن عبد الله بن أبي الجدعاء؛ أنه سمع النبي ﷺ يقول:\n«ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم». قالوا: يا رسول الله! سواك؟ قال: «سواي» (^١) قلت: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: أنا سمعته. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب، ولا نعرف لابن أبي الجدعاء غير هذا الحديث الواحد.\nقال المؤلف ﵀: وخرّجه البيهقي في «دلائل النبوة» (^٢) وقال في آخره: قال عبد الوهاب الثقفي: قال هشام بن حيان: كان الحسن يقول: إنه أويس القرني.\nوذكر ابن السماك قال: حدّثنا يحيى بن جعفر، حدّثنا شبابة بن سوار، حدّثنا حريز بن عثمان، عن عبد الله بن ميسرة وحبيب بن عبيد الرحبي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة مثل أحد الحيين: ربيعة ومضر» قال: قيل: يا رسول الله! ما ربيعة ومضر؟ قال: «إنما أقول ما أقول» قال فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان.\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أمتي من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٧٠، ٧١) والترمذي (٢٤٣٨) وابن ماجه (٤٣١٦)، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٨٤).\n(^٢). (٦/ ٣٦٧).","vol":"2","page":41},{"text":"يشفع للفئام، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل، حتى يدخلوا الجنة» (^١). قال حديث حسن.\nوذكر البزار في «مسنده» عن ثابت: أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة» (^٢).\nوذكر القاضي عياض في «الشفا» عن كعب: إن لكل رجل من الصحابة ﵃ شفاعة.\nذكر ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر؛ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «يكون في أمتي رجل يقال له: صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-269>فصل</span>\nإن قال قائل كيف تكون الشفاعة لمن دخل النار والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال: ﴿* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]، ومن ارتضاه الله لا يخزيه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] الآية.\nقلنا: هذا مذهب أهل الوعيد الذين ضلوا عن الطريق، وجادوا عن التحقيق.\nوأما مذهب أهل السنة الذين جمعوا بين الكتاب والسنة؛ فإن الشفاعة تنفع العصاة من أهل الملة، حتى لا يبقى منهم أحد إلاّ دخل الجنة.\nوالجواب عن الآية الأولى ما قاله أنس بن مالك ﵁ أنّ معنى ﴿مَنْ تُدْخِلِ النّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢]: من يخلد. وقال قتادة: يدخل مقلوب يخلد، ولا تقول كما قال أهل حروراء، فيكون في قوله على هذا ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] على بابه من الهلاك، أي: أهلكته وأبعدته ومقته، وبهذا قال سعيد بن المسيب.\nفإن الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار، دليله قوله في آخر الآية ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] أي: الكفار.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٤٠)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه البزار (١٧٣/ ٣٤٧٣/٤) - كشف الأستار - بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» برقم (٨٦٤) وابن سعد في «الطبقات» (٧/ ١٣٤) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٤١).","vol":"2","page":42},{"text":"وإن قدّرنا الآية في العصاة من الموحّدين؛ فيحتمل أن يكون الخزي بمعنى الحياء، يقال: خزي يخزى خزاية، إذا استحيى فهو خزيان، وامرأة خزيانة، كذا قال أهل المعاني. فخزي المؤمنين يومئذ؛ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها، والخزي للكافرين هو هلاكهم فيها من غير موت، والمؤمنون يموتون، فافترقوا في الخزي والهوان، ثم يخرجون بشفاعة من أذن الله له في الشفاعة وبرحمة الرحمن وشفاعته على ما يأتي في الباب بعد هذا، وعند ذلك يكونون مرضيين قد رضي عنهم، ثم لا يأتي الإذن في أحد حتى لا يبقى عليه من قصاص ذنبه إلا ما تجيزه الشفاعة، فيؤذن فيه فيلحق بالفائزين الراضين، والحمد لله رب العالمين.\nوأما قوله تعالى: ﴿يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ فمعناه:\nلا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا وإن عذب العصاة وأماتهم فإنه يخرجهم بالشفاعة وبرحمته على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - والله أعلم (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-270>١٢٥ - باب منه في الشفعاء وذكر الجهنميين</span>\nذكر ابن المبارك، قال: أخبرنا رشدين بن سعد، عن حييّ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: «إن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام: ربّ منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه؛ فيشفعان» (^٢).\n_________\n(^١) انظر في ذلك كتاب «الشفاعة» لمحدّث الديار اليمنية العلامة مقبل بن هادي الوادعي - متّع الله بحياته المسلمين.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٤) والحاكم (١/ ٥٥٤) ونعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٨٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٦١) وابن نصر في «قيام الليل» ص ٢٣، وغيرهم.\nمن طريق: حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي به.\nقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»! ووافقه الذهبي!\nوالألباني في «المشكاة» رقم (١٩٦٣).\nوقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٨٤): «رجاله محتجّ بهم في الصحيح».\nوقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٨١) بعد أن عزاه لأحمد والطبراني في «الكبير»: «رجال رجال الصحيح»!","vol":"2","page":43},{"text":"وذكر مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه بعد قوله: في نار جهنم: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشدّ مناشدة لله تعالى في استيفاء الحقّ من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار» (^١). وخرّجه ابن ماجه؛ ولفظه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: «إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحقّ يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين في إخوانهم الذين دخلوا النار. قال: يقولون: ربّنا إخواننا كانوا - فذكره بمعناه - يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا ويصلّون ويحجّون. فيقال لهم:\nأخرجوا من عرفتم، فتحرّم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبتيه يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، ثم يقول الله ﷿: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا». وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: «إن لم تصدّقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون،؟؟؟ يبق إلا أرحم الراحمين» (^٢).\nفي البخاري «وبقيت شفاعتي» بدل قوله: «ولم يبق إلا أرحم الراحمين» فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، عادوا فحما، فيلقيهم في نهر على أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر\n_________\n(¬- كذا قالوا - رحم الله الجميع -.\nوحيي بن عبد الله المصري؛ ليس من رجال الصحيح، لا البخاري ولا مسلم، ثم هو متكلم فيه، وخلاصة القول فيه أنه حسن الحديث إن شاء الله تعالى.\nوقال الجوزقاني في «الأباطيل» رقم (٦٨٣) بعد أن أخرجه من طريق: رشدين بن سعد، عن حيي به. قال: «هذا حديث باطل»!.\nقلت: لم يتفرد به رشدين بن سعد، فقد تابعه ابن لهيعة عند أحمد، وتابعهما ابن وهب عند غيره.\nفالإسناد حسن؛ والله أعلم.\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٦٠).","vol":"2","page":44},{"text":"وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ قالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية! قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربّنا وأيّ شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (^١).\nوخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له؛ حدّثنا أحمد بن أبي الحارث قال: حدّثنا عبد المجيد بن أبي رواد، عن معمر بن راشد، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش؛ إن رحمتي سبقت غضبي، فأنا أرحم الراحمين. قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلي أهل الجنة - قال: وأكثر ظني أنه قال مثلي أهل الجنة، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-271>فصل</span>\nهذا الحديث بيّن أن الإيمان يزيد وينقص حسب ما بيّناه في آخر سورة آل عمران من كتاب «جامع أحكام القرآن». فإن قوله: «أخرجوا من في قلبه مثقال دينار ونصف دينار وذرّة»؛ يدل على ذلك. وقوله: «من خير»؛ يريد: إيمان. وكذلك ما جاء ذكره في الخير في حديث قتادة عن أنس: «وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ما يزن برة، ما يزن ذرة» أي: من الإيمان، بدليل الرواية الأخرى التي رواها معبد بن هلال العنزي، عن أنس، وفيها: «فأقول يا ربّ أمتي أمتي» فيقال: «انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل» الحديث بطوله، أخرجه مسلم.\nفقوله: «من إيمان» أي: من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم.\nوقد قيل: إن المراد في هذا الحديث أعمال القلوب؛ كأنه يقول: أخرجوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩).\n(^٢) إسناده ضعيف، والحديث أخرجه ابن أبي داود في «البعث» رقم (٥٢)، وقال الشيخ الحويني هناك: «إسناده حسن في الشواهد».","vol":"2","page":45},{"text":"من عمل عملا بنية من قلبه، كقوله: «الأعمال بالنيات» وفي هذا المعنى خبر عجيب يأتي ذكره آنفا إن شاء الله تعالى.\nويجوز أن يراد به رحمة على مسلم، رقّة على يتيم، خوفا من الله، رجاء له، توكّلا عليه، ثقة به، مما هي أفعال القلوب دون الجوارح، وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان.\nوالدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا، ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد له، ونفي الشركاء والإخلاص، بقول لا إله إلا الله؛ ما في الحديث نفسه من قوله: «أخرجوا أخرجوا». ثم هو سبحانه بعد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط، يريد إلاّ التوحيد المجرّد من الأعمال. وقد جاء هذا مبينا فيما رواه الحسن عن أنس وهي الزيادة التي زادها علي بن معبد في حديث الشفاعة:\n«ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرّ له ساجدا، قال: فيقال لي:\nيا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفّع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك - أو قال: ليس ذلك إليك - وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي لأخرجنّ من قال لا إله إلا الله» (^١).\nوذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يكتب على جباههم عتقاء الرحمن فيسألون أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيمحوه» وفي رواية: «فيبعث الله ملكا فيمحوه عن جباههم» الحديث وسيأتي.\nيقال: محا لوحه يمحوه محوا، ويمحيه محيا، ومحاه أيضا فهو ممحوّ وممحي، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها فأدغمت في الياء التي هي لام الفعل.\nوأنشد الأصمعي:\nكما رأيت الورق الممحيا\nوانمحى: انفعل، وامتحى لغة فيه ضعيفة. قاله الجوهري.\nوذكره أبو بكر البزار في «مسنده» عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها؛ فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين يريد الله إخراجهم فتميتهم النار ثم يخرجون منها، فيلقون على نهر الحياة، فيرسل الله عليهم من مائها فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة:\nالجهنميين، فيدعون الله تعالى فيذهب ذلك الاسم عنهم» (^٢).\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) تقدّم تخريجه.","vol":"2","page":46},{"text":"(البخاري) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» (^١).\n(الترمذي) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «ليخرجن قوم من النار بشفاعتي يسمون الجهنميين» قال حديث حسن (^٢).\nوعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (^٣).\nخرجه الترمذي، وصححه أبو محمد بن عبد الحق، وخرجه أبو داود الطيالسي وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». زاد الطيالسي قال: فقال لي جابر: من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة؟ قال أبو داود: وحدّثناه محمد بن ثابت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر.\nوذكر أبو الحسن الدارقطني عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «نعم أنا لشرار أمتي» فقالوا: فكيف أنت لخيارها؟ قال: «أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم، وأما شرارهم فيدخلون الجنة بشفاعتي».\nوخرج ابن ماجه حدّثنا إسماعيل بن أسد، حدّثنا أبو بدر شجاع بن الوليد السلوي، حدّثنا زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين لا ولكنها للخاطئين المذنبين المتلوثين» (^٤).\nقلت: وأنبأناه الشيخ الفقيه أبو القاسم عبد الله بن علي بن خلف الكومي إجازة عن أبيه الفقيه الإمام المحدث أبي الحسن علي بن خلف الكومي قال: قرئ على الشيخة الصالحة فخر النساء خديجة بنت أحمد بن الحسن بن عبد الكريم النهرواني في منزلها وأنا حاضر أسمع، قيل لها: أخبركم الشيخ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد النعالي فأقرّت به، وقالت: نعم. قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن زرقويه البزار، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح الصفار، حدّثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، حدّثنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٥٩، ٧٤٥٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٦٠٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٢١٣) وأبو داود (٤٧١٥) والترمذي (٢٤٣٥) وابن ماجه (٤٣٢٠) والطيالسي (٢٠٢٦)، وغيرهم. وهو حديث صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣١١)، وضعّفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٩٣١).","vol":"2","page":47},{"text":"أبو بدر شجاع بن الوليد السكوني، عن زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن النبي ﷺ قال: «خيرت بين الشفاعة ونصف أمتي؛ فاخترت الشفاعة، أترونها للمتقين لا، ولكنها للخاطئين المتلوّثين» (^١).\nوخرّج ابن ماجه، قال: حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا صدقة بن خالد، حدّثنا ابن جابر، قال: سمعت سليم بن عامر يقول: سمعت عوف بن مالك الأشجعي يقول: قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما خيرني ربي الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة. قلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها. قال: هي لكل مسلم» (^٢).\nوأما الخبر العجيب الذي أوعدنا بذكره؛ فذكره الكلاباذي أبو بكر محمد بن إبراهيم في «بحر الفوائد» له؛ حدّثنا أبو النصر محمد بن إسحاق الرشادي قال:\nحدّثنا أبو بكر محمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي، قال: حدّثنا نعيم بن حماد، قال: حدّثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن أبي قلابة قال: كان لي ابن أخ يتعاطى الشراب فمرض، فبعث إليّ ليلا؛ أن الحق بي فأتيته فرأيت أسودين قد دنيا من ابن أخي. فقلت: إنا لله؛ هلك بن أخي، فاطّلع أبيضان من الكوّة التي في البيت، فقال أحدهما لصاحبه: انزل إليه، فلما نزل تنحّى الأسودان، فجاء فشم فاه، فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم شمّ بطنه، فقال: ما أرى فيه صوما، ثم شمّ رجليه، فقال: ما أرى فيهما صلاة، فقال له صاحبه: إنا لله وإنا إليه راجعون، رجل من أمة محمد ﷺ ليس له من الخير شيء، ويحك! عد فانظر، فعاد فشمّ فاه. فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم عاد فشم بطنه فقال: ما أرى فيه صوما، ثم عاد فشم رجليه، فقال: ما أرى فيهما صلاة، فقال: ويحك! رجل من أمة محمد ﷺ ليس معه من الخير شيء، اصعد حتى أنزل أنا، فنزل الآخر فشم فاه فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم شم بطنه فقال: ما أرى فيه صوما، ثم شم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة. قال: ثم عاد فأخرج طرف لسانه فشم لسانه، فقال: الله أكبر، أراه قد كبّر تكبيرة في سبيل الله، يريد بها وجه الله بإنتاكية. قال: ثم فاضت نفسه، وشممت في البيت رائحة المسك، فما صليت الغداة قلت لأهل المسجد: هل لكم في رجل من أهل الجنة؟ وحدثتهم حديث ابن أخي؛ فلما بلغت ذكر أنتاكية، قالوا: ليست بإنتاكية، هي أنطاكية. قلت: لا والله لا أسميتها إلا كما سماها الملك.\nقال علماؤنا: فهذا أنجته تكبيرة أراد بها وجه الله تعالى، وهذه التكبيرة كانت\n_________\n(^١) إسناده ضعيف. وانظر ما قبله.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣١٧) وهو صحيح؛ صحّحه الألباني.","vol":"2","page":48},{"text":"سوى الشهادة التي هي شهادة الحق، التي هي الإيمان بالله تعالى، كما قرّرناه، فشفاعة النبيّ ﷺ والملائكة والنبيين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على مجرد التصديق، ومن لم يكن معه من الإيمان خير كان من الذين يتفضّل الله عليهم فيخرجهم من النار فضلا وكرما، وعدا منه حقا، وكلمة صدقا. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فسبحان الرؤوف بعباده الموفي بعهده.\n\n<span data-type='title' id=toc-272>فصل</span>\nقلت: جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم». وفي حديث أبي هريرة ﵁: «يكتب على جباههم عتقاء الرحمن»، وهذا تعارض.\nووجه الجمع بين الحديثين أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم، وبعضهم سيماهم في رقابهم، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري وفيه بعد إخراج الشافعين، ثم يقول ﵎: «أنا الله أخرج بعلمي ورحمتي، فيخرج أضعاف ما خرجوا وأضعافهم، ويكتب في رقابهم عتقاء الله ﷿، فيدخلون الجنة، فيسمون فيها بالجهنميين».\nقلت: وقد يعبّر بالرقبة عن جملة الشخص، قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال ﵇: «ولم ينس حقّ الله في رقابها ولا ظهورها». وقد تعبر العرب بالرقاب عن جملة المال، قال الشاعر:\nغمر الرداء إذا تبسّم ضاحكا … علقت لضحكته رقاب المال\nفيحتمل أن يكون المعنى في حديث أبي سعيد وجابر ﵄:\nفيخرجون مثل اللؤلؤ يعرف أهل الجنة أشخاصهم بالخواتيم المكتوبة على جباههم، كما في حديث أبي هريرة ﵁، ولا تعارض على هذا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>فصل</span>\nإن قال قائل: لم سألوا محو ذلك الاسم عنهم وهو اسم شريف، لأنه سبحانه أضافه إليه كما أضاف الأسماء الشريفة، فقال: نبيي وبيتي وعرشي وملائكتي، وقد جاء في الخبر: أن المتحابين في الله مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله، ولم يسألوا محوه؟\nقيل: إنما سألوا محو ذلك بخلاف المتحابين في الله تعالى؛ لأنهم أنفوا أن ينسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء، واستحيوا من إخوانهم لأجل ذلك، فلما منّ عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه النسبة عنهم. وقد روي","vol":"2","page":49},{"text":"مرفوعا بأنهم إذا دخلوا الجنة قال أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فعند ذلك يقولون: إلهنا لو تركتنا في النار كان أحب إلينا من العار، فيرسل الله ريحا من تحت العرش يقال لها المثيرة، فتهب على وجوههم فتمحي الكتابة، وتزيدهم بهجة وجمالا وحسنا.\nأخبرنا الشيخ الراوية أبو محمد عبد الوهاب - عرف بابن رواحة - قراءة عليه، قال: قرئ على الحافظ السّلفي وأنا أسمع، قال: أخبرنا الحاجب أبو الحسن بن العلاف، أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أخبرن الآجرّي أبو بكر محمد بن الحسين، حدّثنا أبو علي الحسن بن محمد بن سعيد الأنصاري، حدّثنا علي بن مسلم الطوسي، حدّثنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدّثني عمرو بن رفاعة الربعي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها ولا يحيون وأهلها الذين يخرجون منها إذا أسقطوا فيها كانوا فحما حتى يأذن الله فيخرجهم فيلقيهم على نهر يقال له الحياة أو الحيوان، فيرش أهل الجنة عليهم الماء فينتبهون ثم يدخلون الجنة، يسمون الجهنميين ثم يطلبون من الرحيم ﷿ فيذهب ذلك الاسم عنهم ويلحقون بأهل الجنة» (^١). وأما سيما المتحابين فعلامة شريفة ونسبة رفيعة فلذلك لم يسألوا محوها ولا طلبوا زوالها وإزالتها - والله أعلم.\nفإن قيل: ففي هذا ما يدل على أن بعض من يدخل الجنة قد يلحقه تنغيص ما والجنة لا تنغيص فيها ولا نكد.\nقيل له: هذه الأحاديث تدل على ذلك، وأن ذلك يلحقهم عند دخول الجنة ثم يزول ذلك الاسم عنهم، وقد مثّل بعض علماؤنا هذا الذي أصاب هؤلاء؛ بالبحر تقع فيه النجاسات أنه لا حكم لها، كذلك ما أصاب هؤلاء بالنسبة إلى أهل الجنة، وهو تشبيه حسن.\nقلت: وقد يلحق الجميع خوف ما عند ذبح الموت على الصراط على ما يأتي، وبعده يكونون آمنين مسرورين، قد زال عنهم كل متوقع، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-274>فصل</span>\nإن قال قائل: كيف يشفع القرآن والصيام، وإنما ذلك عمل العاملين؟ قيل له - وقد تقدم هذا المعنى ونزيده وضوحا - فنقول: قال رسول الله ﷺ: «يجيء القرآن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف؛ لأجل أبي نضرة؛ هو: منذر بن مالك العبدي، ومروان بن معاوية الفزاري.","vol":"2","page":50},{"text":"يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك» (^١). خرّجه ابن ماجه في سننه من حديث بريدة وإسناده صحيح.\nفقوله: «يجيء القرآن» أي: ثواب قارئ القرآن، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تتقدمه سورة البقرة وآل عمران» وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: «كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما» (^٢).\nقال علماؤنا: فقوله: «تحاجان عن صاحبهما» أي: يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة، كما جاء في بعض الحديث: «أنه من قرأ ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ١٨] خلق الله سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة».\nقلت: وكذلك يخلق الله من ثواب القرآن والصيام ملكين كريمين فيشفعان له، وكذلك إن شاء الله سائر الأعمال الصالحة، كما ذكر ابن المبارك في «رقائقه»:\nأخبرنا رجل، عن زيد بن أسلم، قال: بلغني أن المؤمن يتمثل له عمله يوم القيامة في أحسن صورة وأحسن ما خلق الله وجها وثيابا، وأطيبه ريحا، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء أمّنه، وكلما تخوف شيئا هوّن عليه، فيقول له: جزاك الله من صاحب خيرا، من أنت؟ فيقول: أما تعرفني وقد صحبتك في قبرك وفي دنياك! أنا عملك كان والله حسنا، فلذلك تراني حسنا، وكان طيبا فلذلك تراني طيبا، تعال فاركبني فطالما ركبتك في الدنيا، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١] الآية، حتى يأتي به إلى ربه ﷿ فيقول: يا رب، إن كل صاحب عمل في الدنيا قد أصاب في عمله، وكل صاحب تجارة وصانع قد أصاب في تجارته، غير صاحبي هذا قد شغل فيّ نفسه، فيقول الله تعالى: فما تسأل؟ فيقول:\nالمغفرة والرحمة، أو نحو هذا. فيقول: فإني قد غفرت له، ثم يكسى حلّة الكرامة، ويجعل عليه تاج الوقار؛ فيه لؤلؤة تضيء من مسيرة يومين، ثم يقول: يا رب إن أبويه قد شغل عنهما وكل صاحب عمل وتجارة قد كان يدخل على أبويه من عمله، فيعطي أبويه مثل ما أعطي، ويتمثل للكافر عمله في أقبح ما يكون صورة وأنتن رائحة، ويجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده، وكلما تخوّف شيئا زاد خوفا منه، فيقول: بئس الصاحب أنت، ومن أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٧٨١) بإسناد ضعيف، وقال الألباني: «ضعيف يحتمل التحسين».\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٠٥).","vol":"2","page":51},{"text":"فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فلذلك تراني قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا، فطأطئ رأسك أركبك، فطالما ركبتني في الدنيا. فذلك قوله تعالى:\n﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (^١) [النحل: ٢٥].\nقلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي، ومعناه يستمدّ من حديث قيس بن عاصم المنقري أن النبي ﷺ قال: «إنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك ولا تبعث إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحا، فإن كان صالحا فلا تأنس إلا به، وإن كان فاحشا فلا تستوحش إلا منه؛ وهو فعلك».\nوذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «روضة المشتاق، والطريق إلى الملك الخلاق»: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى يوم القيامة بالتوبة في صورة حسنة ورائحة طيبة، فلا يجد رائحتها، ولا يرى صورتها إلا مؤمن فيجدون لها رائحة وأنسا، فيقول الكافر والعاصي المصرّ: ما لنا ما وجدنا ما وجدتم، ولا رأينا ما رأيتم؟ فتقول التوبة: طال ما تعرضت لكم في الدنيا فما أردتموني فلو كنتم قبلتموني لكنتم اليوم وجدتموني فيقولون:\nنحن اليوم نتوب فينادي مناد من تحت العرش: هيهات ذهبت أيام المهلة وانقضى زمان التوبة فلو جئتموني بالدنيا وما اشتملت عليه ما قبلت توبتكم ولا رحمت عبرتكم فعند ذلك تنأى التوبة عنهم وتبعد ملائكة الرحمة عنهم وينادي مناد من تحت العرش: يا خزنة النار هلموا إلى أعداء الجبار» (^٢). وهذا بين فيما ذكرناه وبالله توفيقنا، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-275>١٢٦ - باب يعرف المشفوع فيهم بأثر السجود وبياض الوجوه</span>\nقد تقدّم من حديث أبي سعيد الخدري أن المؤمنين يقولون: «ربنا إخواننا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون أدخلتهم النار، فيقول لهم: اذهبوا فمن عرفتم أخرجوه». وذكر الحديث.\nوخرّج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ وفيه بعد قوله: «ومنه المجازى\n_________\n(^١) الأثر أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٦٦)، بإسناد ضعيف.\n(^٢) موضوع؛ أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٦٦).","vol":"2","page":52},{"text":"حتى ينجّى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود، وحرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما نبتت الحبة في حميل السيل» وذكر الحديث (^١).\nوخرّج عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارت وجوههم حتى يدخلوا الجنة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-276>فصل</span>\nهذا الحديث أدلّ دليل على أن أهل الكبائر من أهل التوحيد لا تسودّ لهم وجوه، ولا تزرقّ لهم أعين، ولا يغلّون، بخلاف الكفّار، وقد جاء هذا المعنى منصوصا في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها، فهم في الباب الأول من جهنم لا تسودّ وجوههم، ولا تزرقّ أعينهم، ولا يغلّون بالأغلال، ولا يقرنون بالشياطين، ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الإدراك، ومنهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأكثرها مكثا فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة» الحديث بطوله وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - خرّجه الترمذي في «نوادر الأصول».\nوقال أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: إنه يؤتى بأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ شيوخا وعجائز وكهولا ونساء وشبابا، فإذا نظر إليهم مالك خازن النار، قال من أنتم معاشر الأشقياء ما لي أرى أيديكم لا تغل، ولم توضع عليكم الأغلال والسلاسل ولم تسود وجوهكم وما ورد عليّ أحسن منكم؟ فيقولون: يا مالك نحن أشقياء أمة محمد ﷺ دعنا نبكي على ذنوبنا. فيقول لهم: ابكوا فلن ينفعكم البكاء.\nفكم من شيخ وضع يده على لحيته ويقول: وا شيبتاه وا طول حسرتاه وا ضعف قوتاه، وكم من كهل ينادي وا مصيبتاه وا طول مقاماه. وكم من شاب ينادي وا أسفاه شباباه على تغيير حسناه، وكم من امرأة قد قبضت على ناصيتها وشعرها وهي تنادي وا سوأتاه وا هتك أستارها، فيبكون ألف عام، فإذا النداء من قبل الله: يا مالك أدخلهم النار في أول باب منها، فإذا همت النار أن تأخذهم فيقولون بجمعهم: لا إله إلا الله فتنفر عنهم النار خمسمائة عام، ثم يأخذون في البكاء فتشتد أصواتهم، وإذا النداء من\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩١).","vol":"2","page":53},{"text":"قبل الله تعالى: يا نار خذيهم، يا مالك أدخلهم الباب الأول من النار، فعند ذلك يسمع صلصلة كالرعد القاصف، فإذا همت النار أن تحرق القلوب زجرها مالك وجعل يقول: لا تحرق قلبا فيه القرآن، وكان وعاء الإيمان، فإذا الزبانية قد جاءوا بالحميم ليصبوه في بطونهم فيزجرهم مالك، فيقول: لا تدخلوا الحميم بطونا أخمصها رمضان، ولا تحرق النار جباها سجدت لله تعالى، فيعودون فيها حمما كالغاسق المحلولك والإيمان يتلألأ في القلوب. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر أبواب النار، نجانا الله منها ولا يجعلنا ممن يدخلها فيحترق فيها، وأعاذنا من عذابها بمنّه وكرمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-277>فصل</span>\nقوله: «إذا فرغ الله» مشكل، وفي التنزيل: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ومعناه: المبالغة في التهديد والوعيد من عند الله تعالى لعباده، كقول القائل: سأفرغ لك، وإن لم يكن مشغولا عنه بشغل، وليس بالله تعالى شغل، تعالى عن ذلك.\nوقيل: المعنى: سنقصد لمجازاتكم وعقوبتكم، كما يقول القائل لمن يريد تهديده: إذا أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك. وفرغ بمعنى قصد وأحكم. قال جرير بن نمير الجعفي:\nالآن وقد فرغت إلى نمير … فهذا حين كنت لها عذابا\nيريد: وقد قصدت نحوه. فمعنى فرغ الله من القضاء بين العباد أي: تمم عليهم حسابهم وفصل بينهم، لأنه لا يشغله شأن عن شأن، ﷾.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-278>١٢٧ - باب ما يرجى من رحمة الله تعالى ومغفرته وعفوه ورضوانه يوم القيامة</span>\nقال الحسن: يقول الله تعالى يوم القيامة: «جوزوا الصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم».\nوقال ﵇: «ينادي مناد من تحت العرش: يا أمة محمد أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم، وبقيت التبعات فتواهبوها فيما بينكم، وادخلوا الجنة برحمتي» (^١).\n_________\n(^١) حديث ضعيف؛ انظر تخريج «الإحياء» للحافظ العراقي (٤/ ٥٤٥).","vol":"2","page":54},{"text":"وروي أن أعرابيا سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ [آل عمران: ١٠٣] فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها، وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه (^١).\nوقال الصّنابحي: دخلت على عبادة بن الصامت وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلا لم تبك؟ فو الله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثا واحدا، وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار» (^٢) خرّجه مسلم وغيره من الأئمة.\nوخرّج مسلم من حديث سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فجعل في الأرض منها رحمة واحدة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والطير والوحش بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» (^٣). أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد (^٤).\nوفي بعض الطرق لأبي هريرة: «فإذا كان يوم القيامة رد هذه الرحمة على تلك التسعة والتسعين فأكملها مائة رحمة فرحم بها عباده يوم القيامة» (^٥).\nقلت: أخبرناه عاليا الشيخ الإمام الحافظ المسند أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عمرو البكري التيمي من ولد أبي بكر الصديق ﵁، قراءة عليه بالمنصورة بالديار المصرية، في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب الفرد سنة سبع وأربعين وستمائة، قال: حدّثنا الشيخ المسند أبو حفص عمر بن محمد بن معمر الدارقري، قدم علينا دمشق، قال: أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الكاتب ببغداد، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن عيلان البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي أخبرنا موسى بن سهل الوشاء، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أبي زينب، قال: سمعت أبا عثمان النهدي، يحدث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لما خلق الله تعالى السموات والأرض أنزل مائة رحمة كل رحمة طباقهما\n_________\n(^١) أخرجه الدينوري في المجالسة (٣٤١/ ٥٠٧/٢)، بإسناد ضعيف منقطع. كما قال الشيخ مشهور حفظه الله.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٥٣).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٩٣).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٧٥٢).","vol":"2","page":55},{"text":"فقسم رحمة واحدة منها على جميع الخلائق، فمنها يتعاطفون فإذا كان يوم القيامة رد هذه الرحمة على التسعة والتسعين فأكملها مائة يرحم الله بها عباده يوم القيامة حتى إن إبليس ليتطاول لها رجاء أن ينال منها شيئا».\nوقال ابن مسعود: لن تزال الرحمة بالناس حتى إن إبليس ليهتز صدره يوم القيامة مما يرى من رحمة الله تعالى وشفاعة الشافعين.\nوقال الأصمعي: كان رجل يحدث بأهوال يوم القيامة وأعرابي جالس يسمع، فقال: يا هذا من يلي هذا من العباد؟ قال: الله، فقال الأعرابي: إن الكريم إذا قدر عفا وغفر.\nوروى ابن ماجه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: فقال الله تعالى: أنا أهل أن أتّقى فلا يجعل معي إله آخر، فمن اتقى ألاّ يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له (^١). وخرّجه أبو عيسى الترمذي بمعناه، وقال: حديث حسن غريب (^٢).\nوروي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده من الوالدة الشفيقة بولدها» (^٣).\nوروى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «قدم على رسول الله ﷺ بسبي، وإذا بامرأة من السبي تبتغي ولدا لها؛ إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ: أترون هذه المرأة طارحة ولدها؟ قلنا:\nلا والله، وهي قادرة على أن تطرحه. فقال رسول الله ﷺ: لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (^٤) أخرجه البخاري أيضا.\nوقال أبو غالب: كنت أختلف إلى أبي أمامة بالشام، فدخلت يوما على فتى مريض من جيران أبي أمامة وعنده عم له وهو يقول له: يا عدو الله ألم آمرك؟ ألم أنهك؟ فقال الصبي: يا عماه لو أن الله تعالى دفعني إلى والدتي كيف كانت صانعة بي؟ قال: كانت تدخلك الجنة، قال: إن ربي الله أشفق من والدتي وأرحم بي منها. وقبض الفتى من ساعته، فلما جهزه عمه وصلى عليه، وأراد أن يضعه في لحده فدخلت القبر مع عمه فلما سوّاه صاح وفزع فقلت له: ما شأنك؟ قال: فسح له في قبره وملئ نورا، فدهشت منه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٩٩) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٣٢٨) بإسناد ضعيف أيضا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤).\n(^٤) انظر ما قبله.","vol":"2","page":56},{"text":"وقال هلال بن سعد: يؤمر بإخراج رجلين من النار فيقول الله تعالى لهما: كيف وجدتما مقيلكما؟ فيقولان: شر مقيل. فيقول الله تعالى ذلك بما قدمت أيديكما، وما أنا بظلام للعبيد، ثم يؤمر بصرفهما إلى النار، فيعدو أحدهما في سلاسله حتى يقتحمها. ويتلكأ الآخر فيؤمر بردهما ويسألهما عن حالهما، فيقول الذي عدا: قد خبرت من وبال المعصية ما لم أكن لأتعرض لمخالفتك ثانية، ويقول الذي تلكأ:\nحسن ظني بك أن لا تردني إليها بعد ما أخرجتني منها، فيؤمر بهما إلى الجنة.\nقال المؤلف ﵀: وهذا الخبر رفعه الترمذي أبو عيسى بمعناه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلين ممن دخلا النار اشتد صياحهما فقال الرب ﵎: أخرجوهما، فلما أخرجا قال لهما لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا، قال: إن رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها له بردا وسلاما ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه فيقول الله ﵎ ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني لأرجو ألا تعيدني بعد ما أخرجتني، فيقول الله تعالى: لك رجاؤك فيدخلان الجنة برحمته» (^١).\nقال أبو عيسى: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأنه عن رشدين بن سعد، ورشدين ضعيف عن ابن نعم الإفريقي، والإفريقي ضعيف عند أهل الحديث.\nوعن أنس عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام» (^٢) قال: حديث غريب.\nوذكر أبو نعيم الحافظ عن إسحاق بن سويد قال: صحبت مسلم بن يسار عاما إلى مكة فلم أسمعه يتكلم بكلمة حتى بلغنا ذات عرق قال: ثم حدّثنا قال:\nبلغني أنه يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول: انظروا في حسناته فينظر في حسناته فلا يوجد له حسنة فيقول: انظروا في سيئاته فتوجد له سيئات كثيرة، فيؤمر به إلى النار فيذهب إلى النار وهو يلتفت، فيقول: ردوه إليّ، لم تلتفت؟ فيقول: أي رب لم يكن هذا ظني، أو رجائي فيك - شك إبراهيم - فيقول: صدقت، فيؤمر به إلى الجنة (^٣).\nقلت وهذا الحديث رفعه ابن المبارك قال: أخبرنا رشدين بن سعد قال:\nحدّثني أبو هانئ الخولاني عن عمرو بن مالك أن فضالة بن عبيد، وعبادة بن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٩٩) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٧٦) والترمذي (٢٥٩٤)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) انظر «حلية الأولياء» (٢/ ٢٩٥).","vol":"2","page":57},{"text":"الصامت ﵄ حدثاه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة وفرغ الله من قضاء الخلق، فيبقى رجلان فيؤمر بهما إلى النار فيلتفت أحدهما فيقول الجبار ﵎ ردوه فيردّونه فقال له: لم التفت؟ فيقول: كنت أرجو أن تدخلني الجنة فيؤمر به إلى الجنة، قال: فيقول: لقد أعطاني ربي حتى إني لو أطعمت أهل الجنة ما نقص ذلك مما عندي شيئا، قالا: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكره يرى السرور في وجهه» (^١).\nقال المؤلف: وفي هذا المعنى خبر الرجل الذي ترفع له شجرة بعد أخرى حتى يخرج من النار إلى أن يدخل الجنة. خرّجه مسلم في الصحيح (^٢) وسيأتي.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-279>١٢٨ - باب منه، وفي أول ما يقول الله تعالى للمؤمنين وفي أول ما يقولون له</span>\n(أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا عبد الله المبارك قال: حدّثني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول الله ﷿ للمؤمنين يوم القيامة وبأول ما يقولون له؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإن الله تعالى يقول للمؤمنين هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا قال: وما حملكم على ذلك؟ قال:\nفيقولون: عفوك ورحمتك ورضوانك، فيقول: فإني قد أوجبت لكم رحمتي» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-280>باب منه</span>\nذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا سليمان بن أحمد قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن رجلا كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة ويشدد على نفسه ويقنط الناس من رحمة الله ثم مات قال: إي ربّ ما لي عندك؟ قال: النار. قال: فأين عبادتي واجتهادي؟ قيل له: إنك\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» لابن المبارك (٤٠٩) وأحمد (٥/ ٣٣٠) بإسناد ضعيف.\n(^٢) برقم (١٨٧).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٥٣/ ٧٣٥/١) - منحة المعبود - وأحمد (٥/ ٢٣٨) والطبراني في «الكبير» (٢٠ /رقم: ٢٥١).\nوضعّفه الألباني في تخريج «المشكاة» (٥٠٤/ ١٦٠٦/١).","vol":"2","page":58},{"text":"كنت تقنط الناس من رحمتي في الدنيا وأنا أقنطك من رحمتي (^١).\nوقال مقاتل: قال علي بن أبي طالب ﵁: الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يرخص لهم في معاصي الله ﷿.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-281>١٢٩ - باب حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات</span>\n(مسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «حفّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (^٢). خرّجه البخاري أيضا، والترمذي وقال فيه: حديث صحيح غريب.\nوخرّج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها قال: فرجع إليه وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلاّ دخلها.\nقال: فأمر بها فحفت بالمكاره فقال: فارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها. قال:\nفرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد قال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت ألا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها» (^٣) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-282>فصل</span>\nالمكاره: كلّ ما يشق على النفس ويصعب عليها عمله كالطهارة في السّبرات (^٤)، وغيرها من أعمال الطاعات، والصبر على المصائب، وجميع\n_________\n(^١) انظر «الحلية» لأبي نعيم (٣/ ٢٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٨٧) ومسلم (٢٨٢٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٢) والترمذي (٢٥٦٠) وغيرهما، وحسّن إسناده المحدث الألباني في تخريج «المشكاة» (١٥٨٧/ ٥٦٩٦/٣).\n(^٤) السبرات: جمع سبرة، وهي الغداة الباردة، أو: شدّة البرد. «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٣٠١).","vol":"2","page":59},{"text":"المكروهات. والشهوات: كل ما يوافق النفس ويلائمهما وتدعو إليه ويوافقها.\nوأصل الحفاف: الدائر بالشيء المحيط به، الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يتخطى، فمثّل ﷺ المكاره والشهوات بذلك، فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها.\nوقد روي عن النبي ﷺ أنه مثّل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر؛ فقال:\n«طريق الجنة حزن بربوة، وطريق النار سهل بسهوة» ذكره صاحب الشهاب (^١).\nوالحزن: هو الطريق الوعر المسلك، والربوة: هو المكان المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي، والسهوة: بالسين المهملة هو الموضع السهل الذي لا غلظ فيه ولا وعورة.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين» له: ومعنى قوله ﵇: «حفت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات» أي جعلت على حافاتها وهو جوانبها، ويتوهم الناس أنه ضرب فيها المثل، فجعله في جوانبها من الخارج، ولو كان ذلك ما كان مثلا صحيحا وإنما هي من داخل، وهذه صورته:\nوعن هذا عبّر ابن مسعود: حفت الجنة بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراءه، وكل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى الحديث وعن حقيقة الحال (^٢).\nفإن قيل: فقد حجبت النار بالشهوات. قلنا: المعنى واحد، لأن الأعمى عن التقوى، الذي أخذت سمعه وبصره الشهوات يراها ولا يرى النار التي هي فيها، وإن كانت باستيلاء الجهالة ورين الغفلة على قلبه، كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ وهي محجوبة عنه، ولا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه وتعلّق باله بها، وجهله بما جعلت فيها وحجبت.\n_________\n(^١) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٧٤٥)، وهو خبر منكر؛ انظر «ميزان الاعتدال» (٤/ ٢٧٥).\n(^٢) انظر «فتح الباري» (١١/ ٣٢٨).","vol":"2","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>١٣٠ - باب احتجاج الجنة والنار، وصفة أهلهما</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «احتجت الجنة والنار فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون. وقالت هذه: يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء. وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكلّ واحد منكما ملؤها» (^١). خرّجه مسلم والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-284>فصل</span>\nقال الحاكم أبو عبد الله في «علوم الحديث» (^٢): سئل محمد بن خزيمة عن قول النبي ﷺ: «تحاجت النار والجنة فقالت هذه: يدخلني الضعفاء» قال: من الضعيف؟ قال: الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة، يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة.\nقال المؤلف: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع، والله أعلم.\nوأما المساكين: فالمراد بهم المتواضعون، وهم المشار إليهم في قوله ﵇: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» (^٣).\nولقد أحسن من قال:\nإذا أردت شريف الناس كلهم … فانظر إلى ملك في زيّ مسكين\nذاك الذي عظمت في الله رغبته … وذاك يصلح للدنيا وللدين\nومعنى تحاجّت الجنة والنار؛ أي: حاجّت كل واحدة صاحبتها وخاصمتها، وسيأتي بيانه عند قوله ﵇: «اشتكت النار إلى ربّها» إن شاء الله، وهو حسبنا وكفى.\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٥٠) ومسلم (٢٨٤٦) والترمذي (٢٥٦١) وغيرهم.\n(^٢) ص ٨٤.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٣٥٢) وابن ماجه (٤١٢٦) والحاكم (٤/ ٣٢٢) وصحّحه الألباني في «إرواء الغليل» (٣٥٨/ ٨٦١/٣).","vol":"2","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-285>١٣١ - باب منه في صفة أهل الجنة وأهل النار، وفي شرار الناس من هم؟</span>\n(مسلم) عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال يوما في خطبته: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم وعفيف ضعيف متضعّف ذو عيال، قال: وأهل النار خمسة:\nالضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل والكذب والشنظير الفحاش» (^١).\nوعن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأهل الجنة كلّ ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبرّ قسمه، ألا أخبركم بأهل النار كل عتلّ جوّاظ مستكبر» (^٢). وفي رواية: زنيم متكبر. خرّجه ابن ماجه أيضا.\n(أبو داود) عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة الجوّاظ ولا الجعظري» (^٣) قال: الجواظ الغليظ الفظّ.\n(ابن ماجه) عن عمران قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد الذي تمرد على الله وأبى أن يقول لا إله إلا الله» (^٤).\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل النار إلا شقي. قيل: يا رسول الله ومن الشقي؟ قال: من لم يعمل لله بطاعة ولم يترك له معصية» (^٥).\nوعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيرا وهو يسمع، وأهل النار من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس شرّا وهو يسمع» (^٦).\n(مسلم) عن أنس قال: «مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقال رسول الله ﷺ: وجبت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩١٨) ومسلم (٢٨٥٣) وأحمد (٤/ ٣٠٦) والترمذي (٢٦٠٥) وابن ماجه (٤١١٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٨٥١)، وصحّحه الألباني.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٩٧) وضعّفه الألباني.\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٩) وابن ماجه (٤٢٩٨)، وضعّفه الألباني.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٤)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":62},{"text":"وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقال رسول الله ﷺ: وجبت وجبت وجبت.\nفقال عمر: فداك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت: وجبت وجبت وجبت فقال رسول الله ﷺ: من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض» قالها ثلاثا (^١).\nوقالت عائشة ﵂: الجنة دار الأسخياء، والنار دار البخلاء.\nوقال زيد بن أسلم: أمرك الله تعالى أن تكون كريما فيدخلك الجنة، ونهاك أن تكون بخيلا فيدخلك النار.\nوذكر أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من أكل وحده ومنع رفده وجلد عبده، أفأنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من يبغض الناس ويبغضونه. قال: أفأنبئكم بشرّ من هذا؟، قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من لا يقبل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنبا. قال: أفأنبئكم بشرّ من هذا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، إن عيسى ابن مريم قائم في بني إسرائيل خطيبا فقال: يا بني إسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموها وقال مرة: فتظلموهم، ولا تظلموا طالبا ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم عن ربكم، يا بني إسرائيل الأمر ثلاث: أمر بيّن رشده فاتبعوه وأمر بين غيه فاجتنبوه وأمر اختلف فيه فردوه إلى الله ﷿» (^٢).\nقال أبو نعيم: وهذا الحديث لا يحفظ بهذا السياق عن النبي ﷺ إلا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس.\n\n<span data-type='title' id=toc-286>فصل</span>\nقوله: «ذو سلطان مقسط» وما بعده؛ مرفوع على أنها صفات «لذو» وهي بمعنى صاحب، والمقسط: العادل، والمتصدق: المعطي الصدقات، والموفق:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٧) ومسلم (٩٤٩).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٣/ ٢١٨) والحاكم (٤/ ٢٧٠) والبيهقي في «الزهد الكبير» (٩٨٦) والعقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٤٠) وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٥٦٩) وابن أبي الدنيا في «التوكل على الله» رقم (٩)، وغيرهم.\nوالأثر ضعيف؛ انظر «ضعيف الجامع» (٥٦٢٧).","vol":"2","page":63},{"text":"المسدد لفعل الخيرات، ورقيق القلب: لينه عند التذكر والموعظة، ويصلح أن يكون بمعنى الشقيق.\nوقوله: «ضعيف متضعف» يعني: ضعيف في أمور الدنيا، قوي في أمر دينه، كما قال ﵇: «المؤمن القويّ أحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير» الحديث خرّجه مسلم (^١).\nأمّا من كان ضعيفا في أمور دينه لا يعنى بها فمذموم، وذلك من صفات أهل النار. كما قال: «وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له» أي: لا عقل له، ومن لا عقل له ينفك به عن المفاسد ولا ينزجر به عنها، فحسبك به ضعفا وخسارة في الدين، وقد قيل في الزبر: إنه المال وليس بشيء لأن النبي ﷺ فسّر ذلك بقوله:\n«الذين هم فيكم تبع لا يتبعون أهلا ولا مالا».\nقال شيخنا أبو العباس ﵁: «فيعني أن هؤلاء [القوم] (^٢) ضعفاء العقول، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية، ولا فضيلة نفسية ولا دينية، بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة (^٣) هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية» (^٤).\nوقد قال: مطرف بن عبد الله بن الشّخّير راوي الحديث: «والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطاولها».\nو«يخفى» بمعنى: يظهر وهو من الأضداد.\nوقوله: «وذكر البخل والكذب» هكذا الراوية المشهورة بالواو الجامعة، والكذب. وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبراني «بأو» التي للشك، قاله القاضي عياض، ولعله الصواب، وبه تصحّ القسمة، لأنه ذكر أن أصحاب النار خمسة:\nالضعيف الذي وصفه، والخائن الذي وصف، والرجل المخادع الذي وصف.\nقال: وذكر البخل والكذب ثم ذكر الشنظير والفحاش فرأى هذا القائل أن الرابع هو أحد الصنفين، وقد يحتمل أن يكون الرابع قد جمعهما على رواية واو العطف كما جمعهما في الشنظير الفحاش.\nوقوله: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال».\n_________\n(^١) في «صحيحه» (٢٦٦٤).\n(^٢) زيادة من «المفهم».\n(^٣) في جميع الأصول المطبوعة التي بين يدي: «الذاتية»، والصواب ما أثبته من «المفهم».\n(^٤) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (٧/ ١٦٦).","vol":"2","page":64},{"text":"قال القاضي عياض: كذا قيدناه بخفض مسلم عطفا على ما قبله. وفي رواية أخرى «ومسلم عفيف» بالرفع، وحذف الواو شيخنا. انتهى كلام القاضي عياض ﵀.\nوالعفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش وعن ما لا يليق، والمتعفف: المتكلف العفة، والشنظير السيئ الخلق، ويقال: شنظيرة أيضا، قاله الجوهري. وأنشد قول أعرابية:\nشنظيرة زوجنيه أهلي … من حمقه يحسب رأسي رجلي\nكأنه لم ير أنثى قبلي\nوربما قالوا: شنذيرة بالذال المعجمة، لقربها من الظاء لغة، أو لثغة.\nوالفحّاش: الكثير الفحش، وقيل الشنظير: هو الفحاش. قال صاحب «العين»:\nيقال: شنظر بالقوم إذا شتم أعراضهم، والشنظير: الفحاش من الرجال القلق، وكذلك من الإبل والجواظ: الجموع المنوع ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ [المعارج: ١٨].\nوقيل: الجواظ الكثير اللحم المختال. وقيل: هو الجافي القلب. والعتلّ، قيل: الجافي الشديد الخصومة. وقيل: هو الأكول الشروب الظلوم.\nقال المؤلف: ويقال: إنه الفظّ الغليظ الذي لا ينقاد لخير، والجعظري: الفظّ الغليظ القصير، وجاء في تفسيره في بعض الأحاديث: هم الذين لا تصدع رؤوسهم.\nقال شيخنا: والزنيم المعروف بالشر، وقيل: اللئيم، وأما الزنيم المذكور في القرآن فرجل معين له زنمة كزنمة التيس. وقيل: هو الوليد وكان له زنمة تحت أذنه، وقيل: هو الملصق بالقوم، وقيل: هو الأخنس بن شريق (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-287>فصل</span>\nوقوله ﵇: «من أثنيتم عليه شرا وجبت له النار» (^٢) يعارضه قوله ﵇: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (^٣). أخرجه البخاري والثناء بالشر سبّ.\nفقيل: ذلك خاص بالمنافقين الذين شهدت الصحابة فيهم بما ظهر لهم، ولذلك قال ﵇: «وجبت له النار»، والمسلم لا تجب له النار، واختار هذا القول القاضي عياض.\n_________\n(^١) انظر «المفهم» (٧/ ١٧٠).\n(^٢) جزء من حديث أخرجه: البخاري (١٣٦٧) ومسلم (٩٤٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩٣).","vol":"2","page":65},{"text":"وقيل: ذلك جائز فيمن كان يظهر الشر ويعلن به، فيكون ذلك من باب لا غيبة لفاسق.\nوقيل: إن النهي إنما هو بعد الدفن، وأما قبله فممنوع، لقوله ﵇:\n«لا تسبوا الأموات»، فالنهي عن سبّ الأموات متأخر، فيكون ناسخا، والله أعلم.\nوقوله: «أنتم شهداء الله في الأرض» معناه عند الفقهاء: إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق والعدالة، لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث، وكذلك لو كان القائل فيه عدوا له وإن كان فاضلا، لأن شهادته في حياته لو كانت عليه كانت غير مقبولة، وكذلك الحكم في الآخرة، والله أعلم.\nوقيل: إن تكرار «أنتم شهداء الله في الأرض» ثلاثا إشارة إلى القرون الثلاثة؛ الذين قال فيهم النبي ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^١).\nقلت: الأول أصح؛ لأن الله تعالى مدح هذه الأمة بالفضل والعدالة إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني في الآخرة كما تقدم، فلا يشهد إلا العدول.\nوقد خرج البخاري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: «مرّ على النبيّ ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت، ثم مرّ عليه بأخرى، فأثنوا عليها شرا، أو قال غير ذلك، فقال: وجبت. فقيل: يا رسول الله؛ قلت لهذا وجبت، ولهذا وجبت، قال:\nالمؤمنون شهداء الله في الأرض». وخرجه ابن ماجه (^٢) بهذا الإسناد وقال: «شهادة القوم والمؤمنون شهود الله في الأرض».\nوفي البخاري أيضا عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. فقلنا: واثنان؟ قال:\nواثنان» ثم لم نسأله عن الواحد (^٣).\nقال أبو محمد عبد الحق: وهذا الحديث مخصوص - والله أعلم - والذي قبله يعطي العموم، وإن كثرت شهوده وانطلقت ألسنة المسلمين فيه بالخير والثناء الصالح كانت له الجنة، والله أعلم.\nقال المؤلف ﵀: ومن هذا المعنى ما ذكره هنّاد بن السّرى:\nأخبرنا إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن عبد الله بن السائب قال: مرّت جنازة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود.\nوالحديث رواه جمع من الصحابة.\n(^٢) في «السنن» (١٤٩١).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٦٨، ٢٦٤٣).","vol":"2","page":66},{"text":"بعبد الله بن مسعود فقال لرجل: ««قم فانظر من أهل الجنة هو أم من أهل النار. قال الرجل: ما يدريني أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار؟! وكيف أنظر؟ قال: ثناء الناس عليه، فإنهم شهداء الله في الأرض» (^١).\nقال أبو محمد وغير مستنكر إذا أحب الله عبدا أمر أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه وفي قلوبهم المحبة له قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].\nوقال ﵇: «إذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل؛ إني أحبّ فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحبّ فلانا فأحبّوه، قال: فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وذكر في البغضاء مثل ذلك، وهذا حديث صحيح خرّجه البخاري ومسلم (^٢).\nقال أبو محمد عبد الحق: وقد شوهد رجال من المسلمين علماء صالحون كثر الثناء عليهم وصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم، ومنهم من كثر المشيعون لجنازته وكثر الحاملون لها، والمشتغلون بها، وربما كثّر الله الخلق بما شاء من الجن المؤمنين أو غيرهم، مما يكون في صور الناس.\nذكر قاسم بن أصبغ قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي قال: مات عمرو بن قيس الملائي بناحية فارس؛ فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى، فلما دفن نظروا فلم يروا أحدا، قال الرفاعي: سمعت هذا ممن لا أحصي كثرة، وكان سفيان الثوري يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس هذا!\nولما مات أحمد بن حنبل ﵁ صلّى عليه من المسلمين ما لا يحصى، فأمر المتوكّل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض، فوجد موقف ألفي ألف وثلاث مائة ألف أو نحوها. ولما انتشر خبر موته أقبل الناس من البلاد يصلّون على قبره، فصلّى عليه ما لا يحصى.\nولما مات الأوزاعي ﵁ اجتمع للصلاة عليه من الخلق ما لا يحصى وروي أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة اليهود والنصارى نحو من ثلاثين ألفا، لما رأوا من كثرة الخلق على جنازته، ولما رأوا من العجب في ذلك اليوم.\nولما مات سهل بن عبد الله التّستري ﵀ انكبّ الناس على جنازته، وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وكانت في البلد ضجة فسمع بها\n_________\n(^١) أخرجه هناد في «الزهد» رقم (٣٧٠) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٨٥) ومسلم (٢٦٣٧).","vol":"2","page":67},{"text":"يهودي شيخ كبير، فخرج، فلما رأى الجنازة صاح وقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: وما ترى؟ قال: أرى قوما ينزلون من السماء يتمسحون بالجنازة، ثم أسلم وحسن إسلامه.\nويقال: إن الكعبة لم تخل من طواف طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم، فإنها خلت لانحشار الناس لجنازته، تبركا بها ورغبة في الصلاة عليه.\nوقد شوهد من جنائز الصالحين من يشيّعها الطير ويسير معها حيث سارت، منهم: أبو الفيض ذو النون المصري، وأبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي، حدّث بذلك الثقات. قاله أبو محمد عبد الحق في كتاب (العاقبة) له.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-288>١٣٢ - باب منه؛ في صفة أهل الجنة وأهل النار</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وأن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (^١).\nوقال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب: الراوية بالياء بلا خلاف، وتحكّم أبو الوليد الكتاني فرواه بالثاء المثلثة وهي المنتصبة، وهذا خطأ منه وتصحيف.\nوخرّجه مسلم أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-289>فصل</span>\nللعلماء في تأويل هذا الحديث وجهان، أحدهما: أنها مثلها في الخوف والهيبة، والطير أكثر الحيوانات خوفا حتى قالوا: «أحذر من غراب» وقد غلب الخوف على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا.\nالثاني: أنه مثلها في الضعف والرقة، كما جاء في الحديث الآخر في أهل اليمن: «هم أرق قلوبا وأضعف أفئدة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٢٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٣٨٨) ومسلم (٥٢).","vol":"2","page":68},{"text":"قلت: ويحتمل وجها ثالثا؛ أنها مثلها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا، كما يروى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثر أهل الجنة البله» (^١) - وهو حديث صحيح - أي: البله عن معاصي الله، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٤١/ ١٩٨٣/٢) - كشف الأستار - والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ١٢٦ / ١٣٦٧، ١٣٦٨) وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١١٦٠) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ١٢١) وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٥٢).\nمن طريق: سلامة بن روح، عن عقيل، حدثني شهاب، عن أنس بن مالك مرفوعا.\nقال البزار: «وسلامة؛ هو ابن أخي عقيل، ولم يتابع على حديثه: «أكثر أهل الجنة البله»، على أنه لو صحّ كان له معنى».\nوقال ابن عدي: «هذا الحديث بهذا الإسناد منكر، لم يروه عن عقيل غير سلامة هذا».\nوقال الهيثمي: «رواه البزار؛ وفيه سلامة بن روح، وثّقه ابن حبان وغيره، وضعّفه أحمد بن صالح وغيره». انظر «مجمع الزوائد» (٨/ ٧٩ و١٠/ ٢٦٤، ٤٠٢). والحديث ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٤/ ٣٠٢) في ترجمة سلامة بن روح، وقال عنه أبو حاتم: «ليس بالقوي، محلّه عندي الغفلة، سألت أبا زرعة عن سلامة بن روح، قال: أيلي ضعيف منكر الحديث».\nوأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٢/ ١١٠) من طريق: يحيى بن أيوب، عن عقيل به.\nويحيى بن أيوب؛ هو الغافقي المصري، قال أبو حاتم: «يكتب حديثه، ولا يحتجّ به».\nوقال النسائي: «ليس بالقوي». وقال أحمد «سيئ الحفظ».\nانظر «تهذيب الكمال» للحافظ المزّي (٣١/ ٢٣٦).\nوالحديث أخرجه: البيهقي في «شعب الإيمان» (١٢٥/ ١٣٦٦/٢) وابن عدي في «الكامل» (١/ ١٩٤) و«ابن عساكر (٢٤٥/ ٢/١٢) والكلاباذي في «مفتاح المعاني» (ق ٢٧٥/ ١) كما في «تخريج الطحاوية» ص ٥٠٨.\nمن طريق: أحمد بن عيسى الخشاب، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا مصعب بن ماهان، عن الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله مرفوعا.\nقال البيهقي ﵀: «وهذا الحديث بهذا الإسناد؛ منكر».\nوقال ابن عدي: «هذا حديث باطل بهذا الإسناد».\nوإسناده ضعيف جدا؛ أحمد بن عيسى الخشاب؛ كذّبه ابن طاهر، وقال الدارقطني: «ليس بالقوي». وقال ابن حبان: «لا يجوز عندي الاحتجاج بما انفرد به من الأخبار». وقال ابن عدي: «له مناكير».\nومصعب بن ماهان؛ «صدوق كثير الخطأ».\nوأخرجه المعافى بن عمران الموصلي في «الزهد» رقم (١٠٦) قال: حدثنا محمد بن أبي حميد المديني، عن محمد بن المنكدر، عن النبي ﷺ؛ فذكره.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف محمد بن أبي حميد، ولإرساله. فتصحيح القرطبي ﵀ للحديث هنا لا وجه له.\nقال علي القاري: «وصحّحه في «التذكرة» وليس كذلك، بل قال ابن عدي: إنه منكر». وانظر لمزيد من كلام أهل العلم على الحديث:\n«فيض القدير» للمناوي (٣/ ١٢٧٢) و«كشف الخفاء» للعجلوني (١٨٦/ ٤٩٥/١) و«المقاصد الحسنة» للسخاوي (١٤٤) و«الأسرار المرفوعة» للقاري ص ٥٣ وتخريج «شرح العقيدة الطحاوية» للمحدث الألباني ص ٥٠٨، ٥٠٩.","vol":"2","page":69},{"text":"قال الأزهري: الأبله في كلامهم على وجوه: يقولون: عيش أبله؛ إذا كان ناعما، ومنه أخذ بلهنيّة العيش. قال بعضهم: وطالما عشت في بلهنية.\nوالأبله: الذي لا عقل له، والأبله: الذي طبع على الخير، وهو غافل عن الشر لا يعرفه، وقال: هذا هو المراد بالحديث.\nوقال العتبي: البله: هم الذين غلب عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس. وأنشد:\nولقد لهوت بطفلة ميالة … بلهاء تطلعني على أسرارها\nيعني: أنه أغرّ لا دهاء فيها.\nقلت: ونظير ما ذكرناه وما قاله هؤلاء الأئمة من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] وقوله ﵇ وقد سئل أي الناس أفضل؟ قال:\n«الصادق اللسان المخموم القلب» قالوا: أما الصادق اللسان فقد عرفناه. أنه ذلك، فما المخموم القلب؟ قال: «النقي الذي لا غلّ فيه ولا حسد» ذكره أبو عبيدة (^١).\nوالعرب تقول: خممت البيت أي كنسته، ومنه سميت الخمامة وهي مثل القمامة والكناسة.\nوقال بعض العلماء في البله وجها آخر لطيفا؛ وهو أنهم سمّوا بذلك لقصورهم عن كمال المعرفة بحق الله تعالى، ورؤية استحقاقه العبادة، وإيثار طلبه والشغف بحبه وخدمته، وطلب رضاه الذي هو جنة الخلد، إذا وقفوا بخواطرهم على الجنة نعيمها، وعبدوه وأطاعوه في نيل درجاتها ولذاتها، غافلين عن مراقبة جلاله وملاحظة كماله، بعكوف هممهم على نيل نعمه وأفضاله، فهم بله أيضا بالإضافة إلى العقلاء عن الله ﷿، ذوي الألباب المقبلة على مشاهدة عظمة الله تعالى، المتوجهين بكليتهم إليه المشغولين به عما لديه، ولهذا قال النبي ﷺ في سياق قوله: «أكثر أهل الجنة البله وعليّون لأولي الألباب». وفي الخبر: أن طائفة من العقلاء بالله ﷿ تزفّهم الملائكة إلى الجنة، والناس في الحساب، فيقولون للملائكة: إلى أين تحملوننا؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: إنكم لتحملونا إلى غير بغيتنا. فتقول لهم الملائكة: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد الصدق مع الحبيب، كما أخبر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] ولعل من هذا القبيل من يسأل الله الجنة إلا أن سؤاله إياها لا لها، بل موافقة لمولاه، لما علم أنه\n_________\n(^١) في «غريب الحديث» (٣/ ١١٨)، وأخرجه ابن ماجه (٤٢١٦)، وهو في «السلسلة الصحيحة» رقم (٩٤٨).","vol":"2","page":70},{"text":"يحب أن يسأل من ثوابه ويستعاذ من عذابه، فوافق مولاه في إيثاره، لا لحظّ نفسه كما قال ﵇ لأحد أصحابه الذي قال: أما أنا فأقول في دعائي: اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال له النبي ﷺ: «حولها ندندن» (^١).\nقلت: خرجه أبو داود في سننه وابن ماجه أيضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>فصل</span>\nقال الحافظ ابن دحية أبو الخطاب: قوله: «صنفان من أهل النار لم أرهما» الصنف فيما ذكر عن الخليل: الطائفة من كل شيء، والسوط في اللغة: اسم للعذاب، وإن لم يكن له ثمّ ضرب، قاله الفراء.\nوقال ابن فارس في «المجمل» (^٢): السّوط من العذاب: النصيب، والسّوط:\nخلط الشيء بعضه ببعض. وإنما سمّي سوطا لمخالطته. وإنما أراد النبي ﷺ عظم السياط وخروجها عن حد ما يجوز به الضرب في التأديب، وهذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن وغيره.\nوقوله: «نساء كاسيات عاريات»؛ يعني: أنهن كاسيات من الثياب، عاريات من الدين لانكشافهن وإبدائهن بعض محاسنهن.\nوقيل: كاسيات ثيابا رقاقا يظهر ما خلفها وما تحتها، فهن كاسيات في الظاهر عاريات في الحقيقة.\nوقيل: كاسيات في الدنيا بأنواع الزينة من الحرام وما لا يجوز لبسه، عاريات يوم القيامة. ثم قال ﵇: «مائلات مميلات» قيل: معناه زائغات عن طاعة الله تعالى وطاعة الأزواج، وما يلزمهن من صيانة الفروج والتستر على الأجانب، ومميلات يعلّمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن.\nوقيل: «مائلات» متبخترات في مشيهن، مميلات: يملن رؤوسهن وأعطافهن من الخيلاء والتبختر، ومميلات لقلوب الرجال إليهن لما يبدين من زينتهن وطيب رائحتهن.\nوقيل: يتمشطن الميلاء، وهي مشطة البغايا، «والمميلات»: اللواتي يمشطن غيرهن المشطة الميلاء، قال ﷺ: «رؤوسهن كأسنمة البخت» معناه: يعظمن رؤوسهن بالخمر والمقانع ويجعلن على رؤوسهن شيئا يسمى عندهن التازة، لا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٧٩٢) وابن ماجه (٩١٠)، وصحّحه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٧٤٢).\n(^٢). (١/ ٤٧٨) مادة: سوط.","vol":"2","page":71},{"text":"عقص الشعر. والذوائب المباح للنساء حسب ما ثبت في الصحيح عن أم سلمة قالت قلت: يا رسول الله: «إني امرأة أشد ضفر رأسي» الحديث (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-291>١٣٣ - باب ما جاء في أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار</span>\n(مسلم) عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء» (^٢).\nومن حديث ابن عباس في حديث كسوف الشمس: «ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال بكفرهن، قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كلّه ثم رأت منك ما تكره قالت ما رأيت منك خيرا قطّ» (^٣).\nوعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: «إن أقل ساكني الجنة النساء» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>فصل</span>\nقال علماؤنا: إنما كان النساء أقلّ ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذن بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة والتأهب لها، ولميلهن إلى الدنيا والتزين بها ولها، ثم مع ذلك هن أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة، لما لهم فيهن من الهوى والميل لهن، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن، صارفات عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى وأعمالها من المتقين.\nوعن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: «أيها الناس لا تطيعوا للنساء أمرا، ولا تأمنوهنّ على مال، ولا تدعوهن يدبرن أمر عشير، فإنهن إن تركن وما يردن أفسدن الملك وعصين المالك، وجدناهنّ لا دين لهن في خلواتهن، ولا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٣٠) وغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٤٧) ومسلم (٢٧٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٥٢) ومسلم (٩٠٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٣٧).","vol":"2","page":72},{"text":"ورع لهن عند شهواتهن، اللذة بهن يسيرة، والحيرة بهن كثيرة، فأما صوالحهن ففاجرات، وأما طوالحهن فعاهرات، وأما المعصومات فهن المعدومات، فيهن ثلاث خصال من اليهود: يتظلمن وهنّ ظالمات، ويحلفن وهنّ كاذبات، ويتمنّعن وهنّ راغبات، فاستعيذوا بالله من شرارهنّ، وكونوا على حذر من خيارهن، والسلام».\nوقال ﷺ: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء» (^١) وسيأتي.\nوقال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للبّ للرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء» (^٢). وهو معنى قوله ﵇ في الحديث المتقدم: «مائلات مميلات». قال الحافظ ابن دحية: «تحفّظوا عباد الله منهنّ، وتجنّبوا غيهن، ولا تثقوا بودّهن ولا عهدهن، ففي نقصان عقولهن ودينهن ما يغني عن الإطناب فيهن» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-293>باب منه</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ أمتي يدخلون الجنة إلا من يأبى قيل: ومن يأبى يا رسول الله قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (^٤).\nوذكر ابن أبي الدنيا قال: حدّثنا محمد بن علي، حدّثنا أبو إسحاق بن الأشعث قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: سمعت ابن عباس يقول: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية، مشوهة خلقتها فتشرف على الخلائق فيقال: هل تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ الله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، بها قطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم فتنادي: أي رب أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله تعالى: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٩٦) ومسلم (٢٧٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٤) ومسلم (٧٩).\n(^٣) وأورد الشريف الرضي في «نهج البلاغة» هذه الخطبة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قوله: «معاشر الناس! إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول. فأما نقصان إيمانهن؛ فقعودهنّ عن الصلاة والصيام في أيام حيضهنّ، وأما نقصان حظوظهنّ؛ فمواريثهنّ على الأنصاف من مواريث الرجال. وأما نقصان عقولهن؛ فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد. فاتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف؛ حتى لا يطمعن في المنكر». «نهج البلاغة» ص ١٥٧، خطبة رقم (٧٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٢٨٠).\n(^٥) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣٨٣/ ١٠٦٧١/٧).","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>١٣٤ - باب ما جاء أن العرفاء في النار</span>\n(أبو داود) عن غالب القطان، عن رجل، عن أبيه، عن جده الحديث، وفيه:\nأن أباه أرسله إلى النبي ﷺ وأنه قال: إن أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وأنه يسألك أن تجعل إليّ العرافة بعده. فقال: «إن العرافة حق، ولا بد للناس من عرفاء، ولكن العرفاء في النار» (^١). وفي الصحيح في قصة هوازن: «ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-295>فصل</span>\nقال علماؤنا: العريف هنا: القيّم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمورهم، ويتعرف أخبارهم، ويعرّف الأمير منه أحوالهم. وقوله: «العرافة حق»، يريد أن فيها مصلحة للناس ورفقا بهم ألا تراه يقول: «ولا بد للناس من عرفاء»، وقوله: «في النار»:\nمعناه التحذير من الرئاسة والتأمر على الناس لما فيه من الفتنة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-296>باب منه</span>\n(أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا هشام، عن عباد بن أبي علي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للأمناء وويل للعرفاء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريّا يتذبذبون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا» (^٣).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-297>١٣٥ - باب لا يدخل الجنة صاحب مكس ولا قاطع رحم</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٩٣٤) وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٣١، ٣١٣٢، ٤٣١٨) وغيره.\n(^٣) أخرجه الطيالسي في «مسنده» (٢٥٢٣) وأحمد (٢/ ٣٥٢) والحاكم (٤/ ٩١) وغيرهم. وضعّف إسناده الشيخ الألباني في «المشكاة» (١٠٩٢/ ٣٦٩٨/٢).","vol":"2","page":74},{"text":"﴿آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] نزلت في المكاسين والعشارين في قول بعض العلماء، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣] الآية.\n(مسلم) عن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة قاطع» قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم. ورواه البخاري (^١).\n(أبو داود) عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة صاحب مكس» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>فصل</span>\nقال علماؤنا صاحب المكس هو الذي يعشر أموال الناس ويأخذ من التجار والمختلفين ما لا يجب عليهم إذا مروا به مكسا باسم العشر أو الزكاة، وليس هو الساعي الذي يأخذ الصدقات والحقّ الواجب للفقراء، وقد قدّمنا أن التبديل إذا كان في الأعمال وليس في العقائد؛ صاحبه في المشيئة، وإن عذّب فإنه يخرج بالشفاعة، على ما تقدم. وهكذا القول في أهل الكبائر والمتوعّد عليها بالنار واللعنة، يخرجون بالشفاعة إذا ارتكبوها على غير وجه الاستحلال.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-299>١٣٦ - باب ما جاء في أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار</span>\n(أبو بكر بن أبي شيبة) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، ورجل عفيف متعفف، ذو عيال، وعبد أحسن عبادة ربّه وأدى حقّ مواليه. وأول ثلاثة يدخلون النار: أمير متسلّط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حقه، وفقير فخور» (^٣).\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٨٤) ومسلم (٢٥٥٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٩٣٧)، وضعّفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» رقم (٦٣١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٥/ ٢٩٦) وأحمد (٢/ ٤٢٥) والترمذي (١٦٤٢) وغيرهم. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٧٠٥): «ضعيف جدا».","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>١٣٧ - باب ما جاء في أول من تسعّر بهم جهنم</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما علمت فيها؟ قال:\nقاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنّك قاتلت ليقال فلان جريء، فقال قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما علمت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما علمت فيها؟ قال: ما تركت سبيلا تحبّ أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». خرجه أبو عيسى الترمذي بمعناه وقال في آخره: «ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعّر بهم النار يوم القيامة» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-301>١٣٨ - باب فيمن يدخل الجنة بغير حساب</span>\n(مسلم) عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون ولا يكتوون وعلى ربّهم يتوكلون» (^٢).\n(الترمذي) عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي» (^٣). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد أخرجه ابن ماجه أيضا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٠٥) والترمذي (٢٣٨٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٣٧) وابن ماجه (٤٢٨٦)، وصحّحه الألباني.","vol":"2","page":76},{"text":"وخرّج أبو بكر البزار من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا مع كل واحد من السبعين ألفا سبعون ألفا» (^١).\nوخرّج أيضا هو وأبو عبد الله الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب. فقال عمر: يا رسول الله، فهلاّ استزدته؟ قال: لقد استزدته فأعطاني هكذا» (^٢) وفتح أبو وهب يديه قال: أبو وهب: قال هشام: هذا من الله لا يدرى ما عدده.\nوخرّج الترمذي الحكيم أيضا عن نافع أن أم قيس حدثته «أن رسول الله ﷺ خرج آخذا بيدها في سكة من سكك المدينة حتى انتهى إلى بقيع الغرقد فقال: يبعث من هاهنا سبعون ألفا يوم القيامة في صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب. فقام رجل فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم فقام آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكّاشة» (^٣).\nقال أبو عبد الله: فهذا العدد من مقبرة واحدة فكيف بسائر مقابر أمته، وإنما قال رسول الله ﷺ: «أنت منهم» كأنه رأى فيه أنه منهم، والآخر لم يره بموضع ذلك، فقال: سبقك بها عكّاشة. وأم قيس هي بنت محصن أخت عكاشة بن محصن الأسدي.\nقلت: خرّجه مسلم في صحيحه بمعناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>فصل</span>\nلا تظن أن من استرقى واكتوى لا يدخل الجنة بغير حساب فإن النبي ﷺ رقى نفسه وأمر بالرقى، وكذلك كوى أصحابه ونفسه، فيما ذكر الطبري وغيره.\nفمحمل النهي عن رقى مخصوصة بدليل قول رسول الله ﷺ لآل عمرو بن حزم:\n«أعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (^٤).\nوكذلك الكي الذي لا يوجد عنه غنى؛ فمن فعله في محله وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروها في حقه، ولا منقصا له من فضله، ويجوز أن يكون من السبعين ألفا، وقد كوى النبي ﷺ نفسه فيما ذكر الطبري في كتاب «آداب النفوس» له ذكره الحليمي في كتاب «المنهاج في الدين» له.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٠٩/ ٣٥٤٧/٤) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه البزار (٢٠٨/ ٣٥٤٦/٤) بإسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه مسلم من طريق أخرى بنحوه (٢١٦)، وليس فيه ذكر بقيع الغرقد.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٢٠٠).","vol":"2","page":77},{"text":"واختلفت الرواية في الكي (^١) فروي أن النبي ﷺ اكتوى من الكلم الذي أصابه في وجهه يوم أحد وكوى سعد بن زرارة من الشوكة وكوى سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن وأبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمة للقرآن، وقد اكتوى عمران بن حصين وقطع رجله عروة بن الزبير. فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفا ففساد كلامه لا يخفى.\n\n<span data-type='title' id=toc-303>باب منه</span>\nأخبرنا ابن رواح إجازة قال: حدّثنا السّلفي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك بن جعفر، قراءة عليه وأنا أسمع بأصبهان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم الأسدآبادي الهمداني، قراءة عليه في شعبان سنة تسع وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق بن السني الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد المطبقي، قال: حدّثنا أبو بكر بن زنجويه، قال: حدّثنا عثمان بن صالح، قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي حجيرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب، رجل غسّل ثوبه فلم يجد له خلفا، ورجل لم ينصب على مستوقده بقدرين قط، ورجل دعي بشراب فلم يقل له أيهما تريد» (^٢).\nوقال ابن مسعود: من احتفر بئرا بفلاة من الأرض إيمانا واحتسابا دخل الجنة بلا حساب.\n\n<span data-type='title' id=toc-304>باب منه</span>\nذكر أبو نعيم، عن علي بن الحسين ﵁ قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيكم أهل الفضل؟ فيقول ناس من الناس. فيقال: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: من أنتم؟ قالوا: أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا:\nلنا، إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء علينا غفرنا، قالوا: ادخلوا\n_________\n(^١) انظر في ذلك: «زاد المعاد» (٤/ ٦٦) و«تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد» ص ١٠٠، ١٠١. و«فتح المجيد» (١/ ١٦٧ - وما بعدها). و«القول المفيد على كتاب التوحيد» للعلامة محمد بن صالح العثيمين (١/ ١٢٥ - وما بعدها).\n(^٢) إسناده ضعيف؛ لأجل درّاج، وابن لهيعة، وعثمان بن صالح.\nوعزاه السيوطي لأبي الشيخ في «الثواب» عن أبي سعيد الخدري، وقال الشيخ الألباني: «ضعيف». «ضعيف الجامع» رقم (٢٥٦٩).","vol":"2","page":78},{"text":"الجنة، فنعم أجر العاملين. ثم ينادي مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله. قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. قال: ثم ينادي مناد: ليقم جيران الله، فيقوم ناس من ناس، وهم قليل، فيقال لهم: انطلقوا، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك. قالوا: وبم جاورتم الله في داره؟ قالوا: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله ﷿، قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين (^١).\nوذكر من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينادي مناد من تحت بطنان العرش: أين أهل المعرفة بالله، أين المحسنون؟ قال: فيقوم عنق من الناس حتى يقفوا بين يدي الله تعالى، فيقول - وهو أعلم بذلك -: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل المعرفة بك، الذي عرفتنا إياك وجعلتنا أهلا لذلك. فيقول: صدقتم، ثم يقول: ما عليكم من سبيل ادخلوا الجنة برحمتي. ثم تبسّم رسول الله ﷺ فقال: لقد نجاهم الله من أهوال يوم القيامة» (^٢). قال أبو نعيم: هذا طريق مرضي، لولا الحارث بن منصور الوراق وكثرة وهمه.\n(ابن المبارك) عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؛ ليقم الحامدون لله تعالى على كل حال، فيقومون: فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي ثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ليقم الذين كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] قال:\nفيقومون فيسرحون إلى الجنة، قال: ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الذين كانوا: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]- الآية - فيسرحون إلى الجنة (^٣).\nوروي أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأن وجوههم البدر أو الكوكب الدري ركبانا على نجائب من نور أزمتها من الياقوت الأحمر تطير بهم على رؤوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش فيقول الله لهم: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب أنا اصطفيتكم وأنا أحببتكم وأنا اخترتكم اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٣/ ٣٣٩) بإسناد ضعيف. وأخرجه الدينوري في «المجالسة» (٢٠٢/ ٨٤٤/٣).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٣/ ١٤٠ - ١٤١) بإسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «زوائد الزهد» (٣٥٣) وقد تقدّم بعضه.","vol":"2","page":79},{"text":"فلا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فيفتح لهم أبوابها ثم إن الخلائق في المحشر موقوفن فيقول بعضهم لبعض يا قوم أين فلان بن فلان وذلك حين سأل بعضهم بعضا فينادي مناد ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-305>باب منه</span>\nخرّج الميانشي القرشي أبو جعفر عمر بن حفص، من حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر الله تعالى جبريل أن يأتيهم فيسألهم من هم. فيأتيهم فيسألهم؛ فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول الله تعالى لهم: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلّون على نبيي ﷺ» (^١).\nوخرّج عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قباب من درّ، ثم ينادي مناد: أين الفقهاء، وأين الأئمة، وأين المؤذّنون؟ اجلسوا على هذه، فلا روع عليكم اليوم ولا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه وبين العباد من الحساب» (^٢).\nوروى يزيد بن هارون، عن داود بن أبي هند عن الشّعبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مسألة واحدة يتعلّمها المؤمن خير له من عبادة سنة وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل، وإن طالب العلم والمرأة المطيعة لزوجها والولد البارّ بوالديه يدخلون الجنة بغير حساب» (^٣).\nنقلته من الزيادات بعد الأربعين لإسماعيل بن عبد الغفار ﵀، قال: حدّثنا يحيى، عن الحسين بن علي، حدّثنا يزيد بن هارون، فذكره.\n\n<span data-type='title' id=toc-306>باب منه</span>\n(أبو نعيم) عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف، فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ زدنا. قال: وهكذا - وأشار سليمان بن حرب بيده، كذلك -. قال: يا رسول الله؛ زدنا. فقال عمر ﵁: إن\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٤٢٤/ ٥٠٤/١) والخطيب البغدادي في «تاريخه» (٣/ ٤١٠).\nوهو حديث موضوع؛ انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي (٤/ ٧٣) و«تنزيه الشريعة» (١/ ٢٥٧) و«الفوائد المجموعة» للشوكاني ص ٢٩١.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٥٤، ٢٥٥) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ٣٧٥ / ٤٥٤)، وهو موضوع؛ وانظر «تنزيه الشريعة» (١/ ٢٥٦).\n(^٣) عزاه الهندي في «كنز العمال» (١٦٠/ ٢٨٨٢٨/١٠) لأبي بكر النقّاش والرافعي في «تاريخه».","vol":"2","page":80},{"text":"الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة. فقال رسول الله ﷺ: صدق عمر» (^١). هذا حديث غريب من حديث قتادة، عن أنس، تفرّد به عن قتادة أبو هلال، واسمه محمد بن سليم الراسبي ثقة بصري (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>فصل</span>\nلا يحملنك يا أخي شيء من هذا الحديث ولا الذي قبله، ولا ما وقع في «صحيح مسلم» من قوله ﵇، مخبرا عن الله تعالى، كما تقدم: «فيقبض قبضة من النار» على التجسيم، وقد تقدّم القول في هذا المعنى عند قوله: «ويطوي السموات بيمينه» وإنما المعنى: أن الله تعالى يخرج من النار خلقا كثيرا، لا يأخذهم عدّ، ولا يدخلون تحت حصر، فيخرجون دفعة واحدة بغير شفاعة أحد، ولا ترتيب خروج، بل كما يلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده في مرة واحدة، فعبّر عنه ذلك بالحفنة والحثوة والقبضة فاعلم ذلك (^٣).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-308>١٣٩ - باب أمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة وأكثر</span>\n(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﵎: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك. قال: فيقول: أخرج بعث النار من ولدك. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. قال:\nفذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، قال: فاشتد ذلك عليهم. قالوا: يا رسول الله؛ أينا ذلك الرجل؟ قالوا: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم واحد، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة. فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الدابة» (^٤) خرّجه البخاري.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٤٤). بإسناد ضعيف.\n(^٢) أبو هلال الراسبي؛ «صدوق فيه لين» كما في «التقريب» (٥٩٦٠).\n(^٣) هذا تأويل وصرف للّفظ عن ظاهره، وقد سبق الكلام على مثل هذا.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٣٤٨، ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣) ومسلم (٢٢٢).","vol":"2","page":81},{"text":"وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «يكون الخلائق يوم القيامة مائة وعشرين صفا، طول كل صفّ مسيرة أربعين ألف سنة، وعرض كل صف عشرون ألف سنة. قيل له: يا رسول الله؛ كم المؤمنون؟ قال: ثلاثة صفوف. قيل له: والمشركون؟ قال: مائة وسبعة عشر صفا. قيل له: فما صفة المؤمنين من الكافرين؟ قال: المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود». ذكر هذا الخبر القتبي في «عيون الأخبار» له، وهو غريب جدا، مخالف لصفوف المؤمنين الوارد في الأحاديث.\nوذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثني موسى الجهني، عن الشعبي، قال: سمعته يقول: قال نبي الله ﷺ: «أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فيسركم أن تكونوا نصف أهل الجنة» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إن أمتي يوم القيامة ثلثا أهل الجنة، إن الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف، وإن أمتي من ذلك ثمانون صفا». ورواه مرفوعا عن عبد الله بن مسعود، وفيه: فقال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون صفا». في إسناده الحارث بن حضيرة ضعيف، ضعّفه مسلم في صدر كتابه.\nوخرّج ابن ماجه والترمذي، عن بريدة بن حصيب قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» (^١) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-309>فصل</span>\nتقدم من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه: ثم يقول: «أخرجوا بعث النار».\nوفي هذا يقال لآدم: «أخرج بعث النار». فقيل: إن آدم لما أمر أولا بالإخراج، أمر هو والملائكة أن يخرجوا ويميّزوا أهل الجنة وأهل النار، والله أعلم.\nوقول الصحابة رضوان الله عليهم: «أينا ذلك الرجل؟» يريدون: من الواحد الذي لا يدخل النار، توهّما منهم أن القضية واردة فيهم. فقال ﷺ: «إن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم رجلا». وأطلق لفظ البشارة وبيّن أن الألف كلها في النار، لكن من غير هذه الأمة المحمدية، ومن هذه الأمة واحد في الجنة على ما يقتضيه ظاهر هذا اللفظ، وإذا كان كذلك استغرق العدد جميع أمة محمد ﷺ، فكانوا في الجنة أو أكثرهم، لأن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، على ما يأتي بيانه من ذكرهم في آخر الكتاب - إن شاء الله تعالى - والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٧، ٣٥٥) والترمذي (٢٥٤٦) وابن ماجه (٤٢٨٩) وغيرهم، وصحّحه الألباني في تخريج «المشكاة» (١٥٦٩/ ٥٦٤٤/٣).","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>١٤٠ - باب في ذكر أبواب جهنم وما جاء فيها وفي أهوالها وأسمائها أجارنا الله منها برحمته وفضله إنه ولي ذلك والقادر عليه</span>\nذكر الله ﷿ النار في كتابه، ووصفها على لسان نبيه ﷺ، ونعتها فقال عز من قائل: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى * نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦] الشوى: جمع شواة.\nوهي جلدة الرأس.\nوقال: ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٧ - ٢٩]، أي:\nمغيّرة، يقال: لاحته الشمس ولوّحته إذا غيرته. وقال: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ * نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠، ١١] وقال: ﴿كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي: ليرمين فيها ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: ٤، ٥] الآية.\nذكر ابن المبارك، عن خالد بن أبي عمران، بسنده إلى النبي ﷺ قال: «إن النار لتأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم تعود كما كانت، ثم تستقبله أيضا فتطّلع على فؤاده، وهو كذلك أبدا فذلك قوله تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] الآية (^١).\nوقال: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢]، أي: أوقدت وأضرمت. وقال:\n﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقال: ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] الآية، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وسيأتي بيان هذا. فأوعد بها الكافرين، وخوّف الطّغاة والمتمرّدين، والعصاة من الموحّدين، لينزجروا عمّا نهاهم عنه، فقال - وقوله الحق -: ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقال: ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ [الزمر: ١٦]، والآي في هذا المعنى كثير، الله تعالى أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٠٦) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>١٤١ - باب ما جاء أن النار لما خلقت فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها</span>\nذكر ابن المبارك: أخبرنا معمر، عن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار فزعت الملائكة حتى طارت أفئدتها، فلما خلق الله آدم سكن ذلك عنهم، وذهب ما كانوا يجدون (^١).\nوقال ميمون بن مهران: لما خلق الله جهنم؛ أمرها فزفرت زفرة فلم يبق في السموات السبع ملك إلا خرّ على وجهه، فقال لهم الجبار ﷻ: ارفعوا رؤوسكم أما علمتم أني خلقتكم لطاعتي وعبادتي، وخلقت جهنم لأهل معصيتي من خلقي. فقالوا: ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها، فذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]. فالنار عذاب الله؛ فلا ينبغي لأحد أن يعذّب بها، وقد جاء النهي عن ذلك فقال: «لا تعذبوا بعذاب الله» (^٢)، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-312>١٤٢ - باب ما جاء في البكاء عند ذكر النار والخوف منها</span>\n(ابن وهب) عن زيد بن أسلم، قال: جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ ومعه إسرافيل، فسلّما على النبي ﷺ، وإذا إسرافيل منكسر الطّرف، متغيّر اللون، فقال النبي ﷺ: «يا جبريل ما لي أرى إسرافيل منكسر الطرف، متغير اللون»؟ قال: لاحت له آنفا حين هبط لمحة من جهنم، فذلك الذي ترى من كسر طرفه (^٣).\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا محمد بن مطرف، عن الثقة؛ أن فتى من الأنصار دخلته خشية من ذكر النار، فكان يبكي عند ذكر النار، حتى حبسه ذلك في البيت،\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠١٧، ٦٩٢٢).\n(^٣) لم أقف عليه فيما بين يديّ من المصادر.","vol":"2","page":84},{"text":"فذكر ذلك للنبي ﷺ، فجاءه في البيت، فلما دخل النبي ﷺ اعتنقه الفتى، فخرّ ميتا، فقال النبي ﷺ: «جهّزوا صاحبكم فإن الفرق من النار قد فلذ كبده» (^١).\nوروي أن عيسى ﵇ مرّ بأربعة آلاف امرأة متغيرات الألوان، عليهن مدارع الشعر والصوف، فقال عيسى ﵇: ما الذي غير ألوانكن معاشر النسوة؟ قلن: ذكر النار غيّر ألواننا، يا ابن مريم إن من دخل النار لا يذوق فيها بردا ولا شرابا. ذكره الخرائطي في «كتاب القبور».\nوروي أن سلمان الفارسي لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] فرّ ثلاثة أيام هاربا من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى النبي ﷺ فسأله؛ فقال له: يا رسول الله؛ أنزلت هذه الآية، قوله ﷿ ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فوالذي بعثك بالحق نبيا، لقد قطّعت قلبي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥] الآية. ذكره الثعلبي وغيره.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-313>١٤٣ - باب ما جاء فيمن سأل الله الجنة واستجار به من النار</span>\n(الترمذي) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات؛ قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار» (^٢).\nوروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري - أو عن ابن حجيرة الأكبر - عن أبي هريرة أن أحدهما حدّثه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم حارّ ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد حرّ هذا اليوم، اللهم أجرني من حرّ نار جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي استجار بي منك، وإني أشهدك أني أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله؛ ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي منك ومن زمهريرك،\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٢٠) وأحمد في «الزهد» رقم (٢٣٦٠). وإسناده ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٠٨) والنسائي (٨/ ٢٧٩) والترمذي (٢٥٧٢) وابن ماجه (٤٣٤٠)، وغيرهم. وصحّحه الألباني.","vol":"2","page":85},{"text":"أشهدك أني قد أجرته، فقالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: جبّ يلقى فيه الكافر، فيتميز من شدة برده بعضه من بعض» (^١).\nقال الشيخ ﵀: تقرر من الكتاب والسنة؛ أن الأعمال الصالحة والإخلاص فيها مع الإيمان، موصلة إلى الجنان ومباعدة من النيران، وذلك يكثر إيراده والقطع به، مع الموافاة على ذلك يغني عن ذكر ذلك، ويكفيك الآن من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا» (^٢).\nخرجه النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا» (^٣)، وخرّجه أبو عيسى الترمذي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين المشرق والمغرب» ويروى: «ما بين السماء والأرض» (^٤). قال: هذا حديث غريب من حديث أبي أمامة.\nوخرّج الطبراني سليمان بن أحمد، حدّثنا عمارة بن وثيمة المصري قال:\nحدّثنا أبي وثيمة بن موسى بن الفرات قال: حدّثنا إدريس بن يحيى الخولاني، عن رجاء بن أبي عطاء، عن واهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من أطعم أخاه حتى يشبعه، وسقاه من ماء حتى يرويه، بعده الله من النار سبع خنادق. ما بين كل خندق مسيرة مائة عام» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٢٩١ - ٢٩٢) وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٠٧)، بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٤٠) ومسلم (١١٥٣).\n(^٣) أخرجه النسائي (٤/ ١٧٢).\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٦٢٤) بإسناد ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» كما في «المجمع» (٣/ ١٣٠) والحاكم (٤/ ١٢٩) والدولابي في «الكنى» (١/ ١١٧) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٥٢٧) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٢١٧، ٢١٨) رقم (٣٣٦٨) والذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٦).\nمن طريق: إدريس بن يحيى الخولاني، حدثني رجاء بن أبي عطاء، عن واهب بن عبد الله الكعبي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعا.\nقال الحاكم: «صحيح الإسناد»! ووافقه الذهبي!!\nقال المحدّث الألباني ﵀: «وهذا من أغلاطهما الفاحشة، فإن رجاء هذا لم يوثّقه أحد، بل هو متّهم، فاسمع ما قال الحاكم نفسه! فيما ذكره الذهبي نفسه في «الميزان»! قال: «صويلح! قال الحاكم: مصري صاحب موضوعات (!) وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، ثم ساق له هذا الحديث الذي وقع لنا مسلسلا بالمصريين» اه.","vol":"2","page":86},{"text":"وفي كتاب أبي داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم، بوعد من جهنم سبعين خريفا»، قلت: يا أبا حمزة: وما الخريف؟ قال: العام (^١).\nوفي «الصحيحين» عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشقّ تمرة فليفعل»، لفظ مسلم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-314>١٤٤ - باب ما جاء في جهنم، وأنها أدراك، ولمن هي؟</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فالنار دركات سبعة، أي: طبقات ومنازل، وإنما قال: إدراك ولم يقل درجات، لاستعمال العرب لكل ما تسافل درك ولما تعالى درج، فيقول للجنة درج، وللنار درك. فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وهي الهاوية، لغلظ كفرهم وكثرة غوائلهم وتمكّنهم من أذى المؤمنين.\n(ابن وهب) قال: حدّثني ابن يزيد قال: قال كعب الأحبار: إن في النار لبئرا ما فتحت أبوابها بعد، مغلّقة ما جاء على جهنم يوم منذ خلقها الله تعالى إلا تستعيذ بالله من شر ما في تلك البئر، مخافة إذا فتحت تلك البئر أن يكون فيها من عذاب الله ما لا طاقة لها به ولا صبر لها عليه، وهي الدرك الأسفل من النار.\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ قال: توابيت من حديد تصمت عليهم في أسفل النار (^٣).\n_________\n= قلت: وانظر «ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٦) و«المجروحين» لابن حبان (١/ ٣١)، ولزاما انظر «لسان الميزان» للحافظ ابن حجر (٢/ ٥٢٩).\nوالخبر أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٥١٨، ٥١٩/ ١٠٨٤) والشوكاني في «الفوائد المجموعة» ص ٧٥ - ووقع عنده: «رواه الطبراني من حديث جابر»! - وابن عراق الكناني في «تنزيه الشريعة» (٢/ ١٣٧) - ووقع عنده: «من حديث عبد الله بن عمر» وكذا وقع في النسخ المطبوعة التي بين يدي: «عبد الله بن عمر»، وهو تصحيف صوابه: عبد الله بن عمرو؛ فليصحّح - والحديث حكم عليه بالوضع أيضا العلاّمة الألباني في «السلسلة الضعيفة» رقم (٧٠).\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٠٩٧) بإسناد ضعيف.\n(^٢) في «صحيحه» (١٠١٦)، وأخرجه البخاري (٦٥٣٩).\n(^٣) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٠٠).","vol":"2","page":87},{"text":"قال: وأخبرنا إبراهيم بن هارون الغنوي قال: سمعت حطّان بن عبد الله الرقاشي يقول: سمعت عليا يقول: هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قال: هي مثل أبوابنا هذه، قال: لا بل هي هكذا؛ بعضها فوق بعض (^١).\nوقال العلماء: أعلى الدركات؛ جهنم، وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد ﷺ، وهي التي تخلو من أهلها فتصفق الرياح أبوابها، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وقد يقال للدركات: درجات لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].\nووقع في كتب «الزهد والرقائق» أسماء هذه الطبقات وأسماء أهلها من أهل الأديان، على ترتيب لم يرد في أثر صحيح.\nقال الضحاك: في الدرك الأعلى المحمديون، وفي الثاني النصارى، وفي الثالث اليهود، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، وفي السادس مشركو العرب، وفي السابع المنافقون.\nوقال معاذ بن جبل - وذكر العلماء السوء من العلماء -: من إذا وعظ عنف، وإذا وعظ أنف، فذلك في الدرك الأول من النار، ومن العلماء من يأخذ علمه بأخذ السلطان، فذلك في الدرك الثاني من النار، ومن العلماء من يخزن علمه، فذلك في الدرك الثالث من النار، ومن العلماء من يتخير العلم والكلام لوجوه الناس ولا يرى سفلة الناس له موضعا، فذلك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يتعلم كلام اليهود والنصارى وأحاديثهم ليكثر حديثهم، فذلك في الدرك الخامس من النار، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا، يقول للناس سلوني، فذلك الذي يكتب عند الله متكلّف، والله لا يحبّ المتكلفين، فذلك في الدرك السادس من النار، ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة وعقلا؛ فذلك في الدرك السابع من النار. ذكره غير واحد من العلماء.\nقلت: ومثله لا يكون رأيا وإنما يدرك توقيفا، ثم من هذه الأسماء ما هو اسم علم للنار كلها بجملتها، نحو جهنم وسقر ولظى، وسموم، فهذه أعلام ليست لباب دون باب، فاعلم ذلك. وفي التنزيل: ﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] يريد النار بجملتها كما ذكرنا، أجارنا الله منها بمنّه وكرمه آمين.\n***\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٢٩٤).","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-315>١٤٥ - باب ما جاء أن جهنم تسعر كل يوم وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة</span>\n(أبو نعيم) قال: حدّثنا سليمان بن أحمد، قال: حدّثنا الحسين بن إسحاق التّستري، قال: حدّثنا علي بن بحر، قال: حدّثنا سويد بن عبد العزيز، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: «إن جهنم تسعّر في كلّ يوم، وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة، فإنها لا تسعّر يوم الجمعة ولا تفتح أبوابها» (^١). غريب من حديث عبد الله ومكحول، لم نكتبه إلا من حديث النعمان.\nقال المؤلف ﵀: ولهذا المعنى كانت النافلة جائزة في يوم الجمعة عند قائم الظهيرة، دون غيرها من الأيام، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-316>١٤٦ - باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾</span>\nقال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] وقال: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١].\nوعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلّ السيف على أمتي - أو قال -: على أمة محمد ﷺ» (^٢). خرّجه الإمامان الحافظان الترمذيان؛ أبو عبد الله وأبو عيسى، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.\nقلت: مالك بن مغول أبو عبد الله البجلي الكوفي إمام ثقة، خرّج له البخاري ومسلم والأئمة.\nوقال أبي بن كعب: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية. وذكر أبو\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٨) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣١٢٣) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":89},{"text":"نعيم الحافظ، عن عطاء الخراساني قال: إن لجهنم سبعة أبواب، أشدها غما وكربا وحرا وأنتنها ريحا للزناة الذين ارتكبوا بعد العلم (^١).\nوروى سلام الطويل، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ الآية: جزء أشركوا بالله، وجزء شكّوا في الله، وجزء غفلوا عن الله، وجزء آثروا شهواتهم على الله، وجزء شفوا غيظهم بغضب الله، وجزء صيّروا رغبتهم بحظهم عن الله، وجزء عتوا على الله.\nذكره الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب «منهاج الدين» له.\nوقال: فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية، والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم، أو يشكّون في شريعته أنها من عنده أو لا، والغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا، ولا يثبتونه وهم الدهرية، والمؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله وأمره ونهيه، والشافون غيظهم بغضب الله تعالى هم القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين له، المعذّبون من ينصح لهم أو يذهب غير مذهبهم، والمصيّرون رغبتهم بحظّهم من الله تعالى هم المنكرون للبعث والحساب منهم، يعبدون أي شيء يرغبون فيه لهم جميع حظهم من الله تعالى، والعاتون على الله هم الذين لا يبالون بأن يكون ما هم فيه حقا أو باطلا، فلا يتفكّرون ولا يعتبرون ولا يستدلون، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ إن كان الحديث ثابتا.\nوقال بلال: كان النبي ﷺ يصلي في مسجد المدينة حده، فمرّت به أعرابية فصلّت خلفه، ولم يعلم بها، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾، فخرّت الأعرابية مغشيا عليها، وسمع رسول الله ﷺ وجبتها فانصرف، ودعا بماء فصبّ على وجهها، حتى أفاقت وجلست، فقال النبي ﷺ: يا هذه! ما لك؟ فقالت: هذا شيء من كتاب الله، أو شيء من تلقاء نفسك؟! فقال: يا أعرابية؛ بل هو من كتاب الله المنزّل، فقالت: كل عضو من أعضائي يعذّب على باب منها؟ قال: يا أعرابية، بل لكلّ باب منهم جزء مقسوم، يعذّب أهل كل باب على قدر أعمالهم. فقالت: والله إني امرأة مسكينة لا مال لي، ولا لي إلا سبعة أعبد، أشهدك يا رسول الله أن كل عبد منهم على باب من أبواب جهنم حرّ لوجه الله تعالى، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله؛ بشّر الأعرابية أن الله قد غفر لها، وحرّم عليها أبواب جهنم كلّها، وفتح لها أبواب الجنة كلها، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٩٨).","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>١٤٧ - باب منه، وفي بعد أبواب جهنم بعضها من بعض وما أعدّ الله تعالى فيها من العذاب</span>\nذكر عن بعض أهل العلم في قول الله تعالى: ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: من الكفار والمنافقين والشياطين، وبين الباب والباب خمسمائة عام.\nفالباب الأول: يسمّى جهنم، لأنه يتجهّم في وجوه الرجال والنساء، فيأكل لحومهم، وهو أهون عذابا من غيره.\nوالباب الثاني: يقال له لظى نزّاعة للشوى، يقول: أكلة اليدان والرجلان، تدعو من أدبر عن التوحيد، وتولى عما جاء به محمد ﷺ.\nوالباب الثالث: يقال لها سقر، وإنما سمي سقر، لأنه يأكل اللحم دون العظم.\nوالباب الرابع: يقال لها الحطمة، قال الله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ * نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٥، ٦] تحطم العظام وتحرق الأفئدة، قال الله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] تأخذ النار من قدميه، وتطلع على فؤاده، وترمي بشرر كالقصر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:\n٣٢ -، ٣٣]، يعني: سودا، فتطلع الشرر إلى السماء، ثم تنزل فتحرق وجوههم وأيديهم وأبدانهم، فيبكون الدمع حتى ينفد، ثم يبكون الدماء، ثم يبكون القيح حتى ينفد القيح، حتى لو أن السفن أرسلت تجري فيما خرج من أعينهم لجرت.\nوالباب الخامس: يقال له: الجحيم، وإنما سمّي جحيما، لأنه عظيم الجمرة، والجمرة الواحدة أعظم من الدنيا.\nوالباب السادس: يقال له: السعير، وإنما سمي السعير؛ لأنه يسعّر بهم، ولم يطفأ منذ خلق، فيه ثلاثمائة قصر، في كل قصر ثلاثمائة بيت، في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب، وفيه الحيات والعقارب والقيود والسلاسل والأغلال، وفيه جبّ الحزن، ليس في النار عذاب أشدّ منه، إذا فتح باب الجب حزن أهل النار حزنا شديدا.\nوالباب السابع: يقال له: الهاوية، من وقع فيه لم يخرج منه أبدا، وفيه بئر الهباب، وذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] إذا فتح","vol":"2","page":91},{"text":"الهباب يخرج منه نار تستعيذ منه النار، وفيه الذين قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أو هو جبل من نار يوضع أعداء الله على وجوههم على ذلك الجبل، مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، مجموعة أعناقهم إلى أقدامهم، والزبانية وقوف على رؤوسهم، بأيديهم مقامع من حديد، إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة سمع صوتها الثقلان.\nوأبواب النار حديد، فرشها الشوك، غشاوتها الظلمة، أرضها نحاس ورصاص وزجاج، النار من فوقهم والنار من تحتهم ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة مدلهمة مظلمة، قد مزجت بغضب الله - ذكره القتبي في «عيون الأخبار».\nوذكر ابن عباس أن جهنم سوداء مظلمة لا ضوء لها ولا لهب، وهي كما قال الله تعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ على كل باب سبعون ألف جبل، في كل جبل سبعون ألف شعب من النار، في كل شعب سبعون ألف شق من النار، في كل شق سبعون ألف واد، في كل واد سبعون ألف قصر من نار، في كل قصر سبعون ألف بيت من نار، في كل بيت سبعون ألف قلة من سم، فإذا كان يوم القيامة كشف عنها الغطاء فيطير منها سرادق عن يمين الناس، وآخر عن شمالهم، وسرادق أمامهم، وسرادق فوقهم، وآخر من ورائهم، فإذا نظر الثقلان إلى ذلك جثوا على ركبهم، وكلّ ينادي: ربّ سلّم، ربّ سلّم.\nوقال وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشدّ حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا.\nويقال: إن لجهنم سبعة أبواب؛ لكل باب منها سبعون واديا، قعر كل واد منها سبعون عاما، لكل واد منها سبعون ألف شعب، في كل شعب منها سبعون ألف مغارة، في جوف كل مغارة سبعون ألف شق، في كل شق منها سبعون ألف ثعبان، في شدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب، لكل عقرب منها سبعون ألف فقارة، في كل فقارة منها قلة سم، لا ينتهي الكافر ولا المنافق حتى يواقع ذلك كله. وذكره ابن وهب في كتاب «الأهوال» له، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو توقيف لأنه إخبار عن مغيب، والله تعالى أعلم.\n***","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>١٤٨ - باب ما جاء في عظم جهنم وأزمّتها وكثرة ملائكتها، وفي عظم خلقهم وتفلّتها من أيديهم وفي قمع النبي ﷺ إياها وردها عن أهل الموقف</span>\n(مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (^١).\nوذكر ابن وهب قال: حدّثني زيد بن أسلم، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فناجاه، فقام النبي ﷺ منكس الطرف، فأرسلوا إلى علي فقالوا: يا أبا الحسن ما بال النبي ﷺ محزونا منذ خرج جبريل عنه؟ فأتاه عليّ فوضع يده على عضديه من خلفه، وقبّل بين كتفيه، وقال: ما هذا الذي نراه منك يا رسول الله؟ فقال: يا أبا الحسن أتاني جبريل فقال لي: ﴿إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] الآية، وجيء بجهنم تفاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة انفلتت من أيديهم، فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها (^٢).\nوذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: أنهم يأتون بها تمشي على أربع قوائم، وتقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، بيد كل واحد حلقة، لو جمع حديد الدنيا كله ما عدل منها بحلقة واحدة، على كل حلقة سبعون ألف زبني، لو أمر زبني منهم أن يدك الجبال لدكّها، وأن يهد الأرض لهدها، وأنها إذا انفلتت من أيديهم لم يقدروا على إمساكها لعظم شأنها، فيجثو كل من في الموقف على الركب حتى المرسلون، ويتعلق إبراهيم وموسى وعيسى بالعرش هذا قد نسي الذبيح، وهذا قد نسي هارون، وهذا قد نسي مريم ﵈، وكل واحد منهم يقول: نفسي نفسي؛ لا أسألك اليوم غيرها. قال: وهو الأصح عندي. ومحمد ﷺ يقول: أمتي أمتي، سلّمها يا رب ونجها يا ربّ، وليس في الموقف من تحمله ركبتاه وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] الآية، وعن تفلّتها تكبو من الغيظ والحنق، وهو قوله تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٤٢).\n(^٢) لا يصح.","vol":"2","page":93},{"text":"﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] أي: تعظيما لغيظها وحنقها، يقول الله تعالى:\n﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أي: تكاد تنشق نصفين من شدة غيظها، فيقوم رسول الله ﷺ بأمر الله تعالى، ويأخذ بخطامها ويقول: ارجعي مدحورة مدحورة إلى خلقك حتى يأتيك أهلك أفواجا، فتقول: خلّ سبيلي فإنك يا محمد حرام عليّ، فينادي مناد من سرادقات العرش: اسمعي منه وأطيعي له، ثم تجذب وتجعل عن شمال العرش، ويتحدث أهل الموقف بجذبها فيخفّ وجلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وهناك تنصب الموازين، على ما تقدّم.\n\n<span data-type='title' id=toc-319>فصل</span>\nهذا يبيّن لك ما قلناه أن جهنم اسم علم لجميع النار، ومعنى «يؤتى بها» يجاء بها من المحل الذي خلقها الله تعالى فيه، فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما تقدم. والزمام: ما يزمّ به الشيء، أي: يشدّ ويربط به، وهذه الأزمّة التي تساق بها جهنم تمنع من خروجها على أرض المحشر، فلا يخرج منها إلا الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله بأخذه على ما تقدم ويأتي، وملائكتها كما وصفهم الله غلاظ شداد.\nوقد ذكر ابن وهب، حدّثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ في خزنة جهنم: «ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب».\nوقال ابن عباس: «ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحدة منهم أن يضرب بالمقمعة فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم».\nوأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] فالمراد رؤساؤهم على ما يأتي، وأما جملتهم فالعبارة عنهم كما قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].\n\n<span data-type='title' id=toc-320>فصل</span>\nقال العلماء: إنما خصّ النبي بردها وقمعها وكفّها عن أهل المحشر دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم، لأنه رآها في مسراه، وعرضت عليه في صلاته، حسب ما ثبت في الصحيح، قال: وفي ذلك فوائد ثمان:\nالأولى: أن الكفار لما كان يستهزءون به ويكذبونه في قوله، ويؤذونه أشد الأذى، أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفّين به وبأمره، تطييبا لقلبه وتسكينا لفؤاده.","vol":"2","page":94},{"text":"الثانية: الإشارة في ذلك إلى أن من طيب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام، فالأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبائه بالتحية والشفاعة والإكرام.\nالفائدة الثالثة: ويحتمل أن عرضها عليه ليعلم منّة الله تعالى حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته.\nالفائدة الرابعة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي، فيقول نبينا محمد ﷺ: أمتي أمتي، وذلك حين تسجّر جهنم، ولذلك أمر الله ﷿ محمدا ﷺ فقال جل من قائل: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨] الآية.\nقال الحافظ أبو الخطاب: والحكمة في ذلك أن يفرغ إلى شفاعة أمته، ولو لم يؤمّنه لكان مشغولا بنفسه كغيره من الأنبياء.\nالفائدة الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئا منها، فإذا رأوها جزعوا وكفت ألسنتهم عن الخطيئة والشفاعة من هولها، وشغلهم أنفسهم عن أممهم، وأمان بينا محمد ﷺ فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثل ما فزعوا ليقدر على الخطبة، وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه ﵎ في القرآن المجيد، وثبت في صحيح السنة.\nالفائدة السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار خلقتا، خلافا للمعتزلة المنكرين لخلقها، وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله تعالى:\n﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] والإعداد دليل الخلق والإيجاد.\nالفائدة السابعة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه، فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر، حتى يؤديه إلى الجنة، فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء، وبؤسا لنعمة تردي بصاحبها إلى البلاء.\nالفائدة الثامنة: ويحتمل أن الله تعالى أراد ألا يكون لأحد كرامة إلا يكون لمحمد ﷺ مثلها، ولما كان لإدريس ﵇ كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة، أراد الله تعالى أن يكون ذلك لصفيّه ونجيّه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد ﷺ، وكرم وعظم وبجل ووقّر، قال ذلك جميعه الحافظ بن دحية ﵁ في كتاب «الابتهاج في أحاديث المعراج».\n***","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>١٤٩ - باب منه وفي كلام جهنم وذكر أزواجها، وأنه لا يجوزها إلا من عنده جواز</span>\nروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: نزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يتلو هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] الآية. قال النبي ﷺ: أين يكون الناس يوم القيامة يا جبريل؟ قال: يا محمد؛ يكونون على أرض بيضاء لم يعمل عليها خطيئة قط.\n﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] قال: الصوف، تذوب الجبال من مخافة جهنم، يا محمد، إنه ليجاء بجهنم يوم القيامة تزفّ زفّا، عليها سبعون زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، حتى تقف بين يدي الله تعالى، فيقول لها: يا جهنم، تكلمي، فتقول: لا إله إلا الله، وعزّتك وعظمتك لأنتقمن اليوم ممن أكل رزقك وعبد غيرك، لا يجوزني إلا من عنده جواز. فقال النبي ﷺ: يا جبريل ما الجواز يوم القيامة؟ قال: أبشر وبشّر أن من شهد أن لا إله إلا الله جاز جسر جهنم، قال: فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل أمتي أهل لا إله إلا الله (^١).\nوخرّج الحافظ أبو محمد عبد الغني الحافظ، من حديث سليمان بن عمرو، يتيم أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الخلائق في صعيد واحد يوم القيامة أقبلت النار يركب بعضها بعضا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لتخلينّ بيني وبين أزواجي، أو لأغشينّ الناس عنقا واحدا، فيقولون: من أزواجك؟ فتقول: كل متكبر جبار» (^٢).\n***\n_________\n(^١) لا يصح.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٣٧٩/ ١١٤٥/٢) من طريق: محمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن المغيرة، عن سليمان بن عمرو به.\nوإسناده ضعيف لأجل محمد بن إسحاق؛ مدلّس وقد عنعنه. وانظر «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٩٢)، وضعف إسناده البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٢١٤/ ٧٨١٠/٨) ط. دار الوطن.","vol":"2","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>١٥٠ - باب ما جاء أن التسعة عشر، خزنة جهنم</span>\nقال الله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠].\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية: ﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] الآية ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فقال: ما تسعة عشر؟ قال: تسعة عشر ألف ملك، قال: أو تسعة عشر ملكا قلت: لا، بل تسعة عشر ملكا، قال: وأنّى تعلم ذلك؟ فقلت لقول الله ﷿: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] قال: صدقت هم تسعة عشر ملكا، بيد كل ملك منهم مرزبة، لها شعبتان، فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألف خريف (^١).\nوخرّج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي ﷺ، هل يعلم نبيكم عدة خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، غلب أصحابك اليوم! فقال:\nوبماذا غلبوا؟ قال: سألهم اليهود هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: فماذا قالوا؟ قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا، لا يغلب قوم سألوا عما لا يعلمون فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا، لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا: أرنا الله جهرة، عليّ بأعداء الله إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي الدرمك. فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: هكذا هكذا في مرة عشر وفي مرة تسعة، قالوا: نعم. قال لهم النبي ﷺ: ما تربة الجنة؟ قال: فسكتوا، ثم قال: خبزة يا أبا القاسم، فقال النبي ﷺ: الخبز من الدرمك. قال أبو عيسى:\nهذا حديث إنما تعرفه من هذا الوجه من حديث خالد، عن الشعبي، عن جابر (^٢).\n***\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٤٠) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٦١) والترمذي (٣٣٢٧) بإسناد ضعيف، وهو في «ضعيف الجامع» (٢٩٣٧).","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-323>١٥١ - باب ما جاء في سعة جهنم عظم سرادقها، وبيان قوله تعالى ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩].\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا عنبسة بن سعيد، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟ قال: قلت: لا. قال: أجل؛ والله ما تدري أن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا، تجري منها أودية القيح والدم. قلت: لها أنهار؟ قال: لا، بل أودية، ثم قال: أتدري ما سعة جسر جهنم؟ قلت: لا. قال: قلت: أجل؛ حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] قلت:\nفأين الناس يومئذ؟ «قال: على جسر جهنم» (^١). خرّجه الترمذي وصححه وقد تقدم.\nوعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: «لسرادق النار أربع جدر كثف، كل جدار مسيرة أربعين سنة» (^٢). ذكره ابن المبارك وخرّجه الترمذي أيضا، وسيأتي.\nوذكر ابن المبارك قال: حدّثنا محمد بن يسار، عن قتادة: ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان: ١٣] قال: ذكر لنا أن عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح (^٣). وذكره الثعلبي والقشيري عن ابن عباس.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-324>١٥٢ - باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها</span>\nروى عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يركب البحر إلا رجل غاز\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٢٤١) ونعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٢٩٨). وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٨٤) ونعيم بن حماد (٣١٦)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه نعيم بن حماد (٢٩٩).","vol":"2","page":98},{"text":"أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر نارا» (^١) ذكره أبو عمر وضعّفه. وقال عبد الله بن عمرو: ولا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. ذكره أبو عمر أيضا وضعفه.\nوفي تفسير سورة (ق) عن وهب بن منبه قال: أشرف ذو القرنين على جبل (ق) فرأى تحته جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف! قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل تلال الأرض أمرني فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، أخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إن شاء ربنا لعظيم تقصر دونه الأوهام، قال:\nبأدنى ما يوصف منها، قال: إن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج، يحطم بعضها بعضا، لولا هي لاحترقت من جو جهنم، وذكر الخبر (^٢).\n(قال الشيخ المؤلف ﵀) وهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض، والله أعلم بموضعها، وأين هي من الأرض.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-325>١٥٣ - باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ وما جاء أن الشمس والقمر يقذفان في النار</span>\nقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قال:\nأوقدت فصارت نارا. وذكر ابن وهب، عن عطاء بن يسار، أنه تلا هذه الآية:\n﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار فتكون نار الله الكبرى.\nوخرّج أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن يزيد الرقاشي، عن أنس يرفعه إلى النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: «إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٤٨٩) وغيره، وهو في «الضعيفة» (٤٧٨).\n(^٢) قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٨٠) ط. الريان: «وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: (ق) جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف، وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدّق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبّسون به على الناس أمر دينهم …».\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢١٠٣) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":99},{"text":"وروي عن كعب الأحبار أنه قال: يجاء بالشمس والقمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>فصل</span>\nقلت: كذا الرواية «ثوران» بالثاء المثلثة، وإنما يجمعان في جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله، ولا تكون النار عذابا لهما، لأنهما جماد، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم، هكذا قال بعض أهل العلم.\nوقال ابن قسي صاحب «خلع النعلين»: اعلم أن الشمس والقمر ثوران مكوّران في نار جهنم على شبه هذا التكوير، فنهار سعير وليل زمهرير، والدار دار قائمة لا فرق بينها وبين هذين في حركة التسيار والتدوار ومدار فلكي الليل والنهار، إلا أن تلك خالية من رحمة الله ومع هذه رحمة واحدة من رحمة الله، وعن الشمس والقمر يكون سواد الدار، ولهيب ظاهر النار، وهما من أشد الغضب لله تعالى بما عايناه من عصيان العاصين، وفسق الفاسقين، إذ لا يكاد يغيب عنهما أين، ولا تخفى عنها خائنة عين، فإنه لا يبصر أحد إلا بنورهما ولا يدرك إلا بضوئهما، ولو كان خلف حجاب من الغيب الليلي، أو وراء ستر من الغيم اليومي؛ فإن الضوء الباقي على البسيطة في ظل الأرض ضوؤهما، والنور نورهما، ومع ما هما عليه من الغضب لله فإنه لم يشتد غضبهما إلا من حيث نزع لجام الرحمة عنهما، وقبض ضياء اللين والرأفة منهما، وكذلك عن كل ظاهر من الحياة الدنيا في قبض الرحمة المستردة من هذه الدار إلى دار الحيوان والأنوار.\nقال ﷺ: «إن لله مائة رحمة ينزل منها واحدة إلى الأرض، فبها تتعاطف البهائم ويتراحم الخلق وتتواصل الأرحام، فإذا كان يوم القيامة قبض الله هذه الرحمة وردها إلى التسعة والتسعين وأكملها مائة كما كانت، ثم جعل المائة كلها رحمة للمؤمنين» (^١).\nوخلت دار العذاب ومن فيها من الفاسقين من رحمة ربّ العالمين، فبزوال هذه الرحمة زال ما كان فيه القمر من رطوبة وأنوار، ولم يبق إلا ظلمة وزمهرير، وبزوالها زال ما كان بالشمس من وضح وإشراق، ولم يبق إلا فرط سواد واحتراق، وبما كانا به قبل من الصفة الرحمانية كان إمهالهما للعاصين، وإبقاؤهما على القوم الفاسقين، وهي زمام الإمساك ولجام المنع عن التدمير والإهلاك، وهي سنة الله تعالى في الإبقاء إلى الأوقات، والإمهال إلى الآجال، إلا أن يشاء غير ذلك، فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه، لا إله إلا هو سبحانه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٥١) بنحوه.","vol":"2","page":100},{"text":"قال المؤلف ﵀: وقد روى عكرمة، عن ابن عباس تكذيب كعب الأحبار في قوله، وقال: هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، والله أكرم وأجل من أن يعذب على طاعته، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] يعني: دءوبهما في طاعته، فكيف يعذّب عبدين أثنى الله عليهما أنهما دائبان في خدمته وطاعته؟ ثم حدث عن رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى لما أبرم خلقه إحكاما ولم يبق غير آدم؛ خلق شمسا وقمرا من نور عرشه». الحديث، وفي آخره: «فإذا قامت الساعة وقضى الله في أهل الدارين وميّز أهل الجنة والنار، ولم يدخلوها بعد أن يدعو الله بالشمس والقمر، يجاء بهما أسودين مكوّرين قد وقفا في الزلازل، لأن فرائصهما ترعد من أهوال ذلك اليوم من مخافة الرحمن ﵎، فإذا كانا حيال العرش خرّا ساجدين لله تعالى، فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا لك ودأبنا في طاعتك، وسرعتنا للمضي في أمرك في أيام الدنيا، فلا تعذّبنا بعبادة المشركين إيانا، فيقول الله تعالى: صدقتما، إني قد قضيت على نفسي أني أبدئ وأعيد، إني معيدكما إلى ما بدأتكما منه فارجعا إلى ما خلقتكما منه، فيقولان: ربنا ممّ خلقتنا؟ فيقول: خلقتكما من نور عرشي، فارجعا إليه. فيلتمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الأبصار نورا، فيختلطان بنور العرش، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣]» (^١).\nذكره الثعلبي في كتاب «العرائس» له، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-327>١٥٤ - باب ما جاء في صفة جهنم وحرّها وشدّة عذابها</span>\n(الترمذي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة» (^٢). قال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة في هذا الباب موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير، عن شريك.\n(ابن المبارك) عن أبي هريرة قال: «إن النار أوقدت ألف سنة فابيضّت، ثم\n_________\n(^١) أخرجه الثعلبي في «عرائس المجالس» ص ١٨ - ٢٤، وابن جرير الطبري في «تاريخه» (١/ ٦٥ - ٧٥) وأبو الشيخ في «العظمة» (٤/ ١١٦٣ - ١١٧٩/ ٦٤٣) وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢٩٠/ ١/٢٠٤) - من طريق أخرى -، والخبر موضوع؛ انظر «تنزيه الشريعة» (١/ ١٧٩ - ١٨٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٩١)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":101},{"text":"أوقدت ألف سنة فاحمرّت، ثم أوقدت ألف سنة فاسودّت، فهي مظلمة كسواد الليل» (^١).\n(مالك) عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال:\n«أترونها حمراء كناركم هذه؟ لهي أشد سوادا من القار». والقار: هو الزفت (^٢).\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن سلمان قال: النار سوداء لا يضيء لهيبها ولا جمرها، ثم قرأ: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] (^٣).\n(مالك) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم». قالوا: يا رسول الله، وإن كانت لكافية. قال: «فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا» (^٤). أخرجه مسلم وزاد: «كلها مثل حرها».\n(ابن ماجه) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها» (^٥).\nخرّجه سفيان بن عيينة من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا ولولا أنّها ضربت بالماء مرتين ما كان لأحد فيها منفعة» (^٦).\nوفي خبر آخر عن ابن عباس: وهذه النار قد ضربت بماء البحر سبع مرات، ولولا ذلك ما انتفع بها. ذكره أبو عمر ﵀.\nوقال عبد الله بن مسعود: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءا، ولولا أنه ضرب بها البحر عشر مرات ما انتفعتم منها بشيء».\nوسئل ابن عباس عن نار الدنيا مم خلقت؟ قال: من نار جهنم، غير أنها أطفئت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما قربت لأنها من نار جهنم.\n(مسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك كما في زوائد نعيم على «الزهد» (٣٠٩).\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٨٢) -٥٧ - كتاب جهنم، (١) باب ما جاء في صفة جهنم.\n(^٣) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣١٠) وابن أبي شيبة في «مصنف» (١٣/ ١٥٢) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٣٨٧).\n(^٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٨٢) والبخاري (٣٢٦٥) ومسلم (٢٨٤٣).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٤٣١٨) وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٨٧٦)؛ «ضعيف جدا».\n(^٦) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٤)، وانظر ما قبله.","vol":"2","page":102},{"text":"قط، هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشدّ الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: هل رأيت بؤسا قط، هل مرّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مرّ بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» (^١).\nأخرجه ابن ماجه أيضا من حديث محمد بن إسحاق، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار، فيقول: اغمسوه في النار غمسة، فيغمس فيها ثم يخرج، فيقال له: أي فلان؛ هل أصابك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشدّ المؤمنين ضرّا وبلاء فيقال: اغمسوه في الجنة، فيغمس غمسة ثم يخرج، فيقال له: أي فلان؛ هل أصابك ضرّ قط أو بلاء؟ فيقول: ما أصابني ضر قط ولا بلاء» (^٢).\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن جهنميا من أهل جهنم أخرج كفّه إلى أهل الدنيا حتى يبصروها، لأحرقت الدنيا من حرّها، ولو أن خازنا من خزنة جهنم خرج إلى أهل الدنيا حتى يبصروه، لمات أهل الدنيا حين يبصرونه من غضب الله تعالى» (^٣).\nوقال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده، لو كنت بالمشرق والنار بالمغرب، ثم كشفت عنها لخرج دماغك من منخريك من شدة حرها. يا قوم لكم بهذا قرار؟ أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم! طاعة الله أهون عليكم من هذا العذاب فأطيعوه.\nوخرّج البزار في «مسنده» عن أبي هريرة، قال في مسنده قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لأحرقهم» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣٢١).\n(^٣) لا يصح؛ لأجل إبراهيم بن هدبة.\n(^٤) أخرجه البزار (١٨٥/ ٣٤٩٩/٤) - كشف الأستار - من طريق: عبد الرحيم بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة به مرفوعا. وإسناده ضعيف جدا.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٩١): «رواه البزار؛ وفيه عبد الرحيم بن هارون، وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يعتبر بحديثه إذا حدّث من كتابه، فإن في حديثه من حفظه بعض مناكير، وبقية رجال رجال الصحيح».\nوتابع عبد الرحيم بن هارون؛ أبو عبيدة الحدّاد، حدثنا هشام بن حسان به، عند أبي يعلى في «المسند» (٢٢/ ٦٦٧٠/١٢) وأبي نعيم في «الحلية» (٣٠٧) والبيهقي في «البعث والنثور» (٦٠٣). وإسناده حسن، كما قال البوصيري في «الإتحاف» (٢٠٨/ ٧٧٩٧/٨)، وانظر «المطالب العالية» رقم (٤٥٩٥) - دار العاصمة -.\nوقال الحافظ ابن كثير - بعد أن ساق إسناد أبي يعلى -: «غريب» انظر «تفسيره» (٢/ ٤٩٤) - الريان -.","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>فصل</span>\nقوله: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم»، يعني: أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها ابن آدم لكانت جزءا من أجزاء جهنم المذكور، وبيانه: أنه لو جمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا من حر نار الدنيا، كما بينه في آخر الحديث.\nوقوله: «وإن كانت لكافية» إن - هنا - مخفّفة من الثقيلة عند البصريين، نظيره ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: إنها كانت كافية، فأجابهم النبي ﷺ بأنها كما فضّلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وستين، فضّلت عليها أيضا في شدّة الحر بتسعة وستين ضعفا، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-329>١٥٥ - باب منه، وما جاء في شكوى النار وكلامها وبعد قعرها، وأهوالها، وفي قدر الحجر الذي يرمى به فيها</span>\nروى الأئمة ﵏ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فجعل لها نفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحرّ من سمومها» (^١). أخرجه البخاري ومسلم.\nوعن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ، إذ سمع وجبة، فقال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار إلى الآن حتى انتهى إلى قعرها» (^٢). أخرجه مسلم.\nالوجبة: الهدة، وهي صوت وقع الشيء الثقيل.\n(الترمذي) عن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان، على منبرنا هذا - يعني منبر البصرة - عن النبي ﷺ قال: «إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما، وما تفضي إلى قرارها» قال: فكان ابن عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرّها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد (^٣). قال أبو عيسى:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٦٠) ومسلم (٦١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٤٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٧٥) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":104},{"text":"لا نعرف للحسن سماعا من عتبة بن غزوان، وإنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمرو ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر.\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: بلغنا أن معاذ بن جبل كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده، إن ما بين شفة النار وقعرها لصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن، تهوي من شفة النار قبل أن تبلغ قعرها سبعين خريفا» (^١).\nحدّثنا هشيم بن بشير، قال: أخبرني زفر، حدّثنا ابن أبي مريم الخزاعي، قال:\nسمعت أبا أمامة يقول: إن ما بين شفير جهنم وقعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي، أو قال: صخرة تهوي، عظمها كعشر عشراء عظام سمان. فقال لي مولى لعبد الرحمن بن خالد: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم؛ غي وآثام (^٢).\n(مسلم) عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان وكان أميرا على البصرة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد أذنت بصرم وولت جدا ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه ذكر لنا أن الحجر ليلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما، لا يدرك لها قعرا والله لتملأن أفعجبتم؟ (^٣) الحديث. وسيأتي بتمامه في أبواب الجنة - إن شاء الله تعالى.\nوقال كعب: لو فتح من نار جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه، حتى يسيل من حرها، وإن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ جاثيا على ركبتيه، ويقول: نفسي نفسي.\n\n<span data-type='title' id=toc-330>فصل</span>\nقوله: «اشتكت النار»: شكواها إلى ربها بأن أكل بعضها بعضا، محمول على الحقيقة لا على المجاز، إذ لا إحالة في ذلك. وليس من شرط الكلام عند أهل السنة في القيام بالجسم إلا الحياة، وأما البنية واللسان والبلة فليس من شرطه، وليس يحتاج في الشكوى إلى أكثر من وجود الكلام. وأما الاحتجاج في قوله ﵇: «احتجت النار والجنة» فلا بد فيه من العلم والتفطن للحجة. وقيل: إن ذلك مجاز عبّر عنه بلسان الحال، كما قال عنترة:\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٠١) والحاكم (٤/ ٥٩٧) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٣٠٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٢٧).","vol":"2","page":105},{"text":"فازورّ من وقع القنا بلبانه … وشكا إليّ بعبرة وتحمحم\nوقال آخر:\nشكا إليّ جملي طول السّرى … صبرا جميلي فكلانا مبتلى\nوالأول أصح؛ إذ لا استحالة في ذلك، وقد قال تعالى - وهو أصدق القائلين -:\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧] الآية، وقد تقدم من كلامها: «لا إله إلا الله وعزتك وجلالك» وقال: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى * نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦] الآية، أي: أدبر عن الإيمان، وتولى أي: أعرض عن اتباع الحق، و«جمع» يعني: المال، «فأوعى» أي: جعله في الوعاء؛ أي: كنزه، ولم ينفقه في طاعة الله تعالى. قال ابن عباس: تدعو المنافق والكافر بلسان فصيح، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطائر الحبّ.\nقلت: قول ابن عباس هذا قد جاء معناه مرفوعا، وهو يدلّ على أن المراد بالشكوى والحجة؛ الحقيقة. ذكر رزين أن رسول الله ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا» قيل: يا رسول الله؛ ولها عينان؟ قال: أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢] الآية، يخرج عنق من النار، له عينان تبصران ولسان، فيقول: وكّلت بمن جعل مع الله إلها آخر، فلهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه. في رواية أخرى: «فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حبّ السمسم» (^١). صححه أبو محمد بن العربي في قبسه، وقال: يفصلهم عن الخلق بالمعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة.\nوخرّج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق؛ يقول: إني وكّلت بثلاث:\nبكلّ جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصوّرين» (^٢). وفي الباب عن أبي سعيد، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب صحيح.\nوذكر ابن وهب قال: حدّثني العلاء بن خالد في قوله الله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] قال: يؤتى بجهنم يوم القيامة يأكل بعضها بعضا، يقودها سبعون ألف ملك، فإذا رأت الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢] الآية، فإذا رأتهم زفرت زفرة فلا يبقى نبي ولا صدّيق إلا برك لركبتيه، يقول: يا ربّ نفسي نفسي، ويقول رسول الله ﷺ: أمتي أمتي.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨ /رقم: ٧٥٩٩) وفي «مسند الشاميين» (٣٤٢٧) بإسناد ضعيف، انظر «مجمع الزوائد» (١/ ١٤٨).\n(^٢) تقدّم تخريجه.","vol":"2","page":106},{"text":"وكان بعض الوعّاظ يقول: أيها المجترئ على النار! ألك طاقة بسطوة الجبار، ومالك خازن النار، ومالك إذا غضب على النار وزجرها زجرة كادت تأكل بعضها بعضا؟!\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-331>١٥٦ - باب ما جاء في مقامع أهل النار وسلاسلهم وأغلالهم وأنكالهم</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] وقال: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧١، ٧٢] الآية وقال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] وقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] الآية.\nوروي عن الحسن أنه قال: ما في جهنم واد، ولا مغار، ولا غل، ولا سلسلة، ولا قيد، إلا واسم صاحبها مكتوب عليه. وروي عن ابن مسعود، وسيأتي.\n(الترمذي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن رضاضة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة عام، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها» (^١). قال: هذا حديث إسناده صحيح.\nوفي الخبر: إن الله تعالى ينشيء لأهل النار سحابة، فإذا رأوها ذكروا سحاب الدنيا، فتناديهم: يا أهل النار؛ ما تشتهون؟ فيقولون: نشتهي الماء البارد، فتمطرهم أغلالا تزاد في أغلالهم، وسلاسل تزاد في سلاسلهم.\nوقال محمد بن المنكدر: لو جمع حديد الدنيا كله ما خلا منها وما بقي ما عدل حلقة من حلق السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] الآية، ذكره أبو نعيم (^٢).\nوقال ابن المبارك: أخبرنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق؛ أنه سمع نوفا يقول\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٨٨)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) في «الحلية» (٣/ ٥٣).","vol":"2","page":107},{"text":"في قوله تعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾، قال: كل ذراع سبعون باعا، كل باع بعد ما بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة (^١).\nأخبرنا بكّار بن عبد الله؛ أنه سمع ابن مليكة يحدّث عن أبيّ بن كعب قال: إن حلقة من السلسلة التي قال الله ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾؛ إن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا (^٢).\nسمعت سفيان يقول في قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه.\nوقال ابن زيد ويقال: ما يأتي يوم القيامة على أهل النار إلا ورحمة من الله تطلع طائفة منهم فيخرجون. ويقال: إن الحلقة من غل أهل جهنم لو ألقيت على أعظم جبل في الدنيا لهدته.\nوروي عن طاوس: أن الله تعالى خلق ملكا له أصابع على عدد أهل النار، فما من أهل النار معذب إلا وملك يعذبه بإصبع من أصابعه، ولو وضع الملك إصبعا من أصابعه على السماء لأذابها. ذكره القتبي في كتاب «عيون الأخبار» له.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-332>١٥٧ - باب منه وما جاء في كيفية دخول أهل النار النار</span>\nذكر ابن وهب قال: حدّثنا عبد الرحمن بن زيد، قال: تلقاهم جهنم يوم القيامة بشرر كالنجوم، فيولّون هاربين، فيقول الجبار ﵎: ردّوهم عليها، فيردّونهم فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] أي: مانع يمنعكم ويلقاهم وهجها قبل أن يدخلوها، فتندر أعينهم فيدخلوها عميا مغلولين في الأغلال أيديهم وأرجلهم ورقابهم. قال: قال رسول الله ﷺ: «خزنة جهنم ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب».\nقال ابن زيد: ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] يقمعون بها هؤلاء، فإذا قال: خذوه؛ فيأخذه كذا وكذا ألف ملك، فلا يضعون أيديهم على شيء من عظامه\n_________\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٢٨٨).\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٢٨٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٣٧٥).","vol":"2","page":108},{"text":"إلا صار تحت أيديهم رفاتا، العظام واللحم يصير رفاتا. قال: فتجمع أيديهم وأرجلهم ورقابهم في الأغلال، فيلقون في النار مصفودين، فليس لهم شيء يتّقون به إلا الوجوه، فهم عمي قد ذهبت أبصارهم، ثم قرأ: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] الآية. فإذا ألقوا فيها يكادون يبلغون قعرها؛ يلقاهم لهبها فيردهم إلى أعلاها، حتى إذا كادوا يخرجون تلقتهم الملائكة بمقامع من حديد، فيضربونهم بها، فجاء أمر غلب اللهب فهووا كما هم أسفل السافلين هكذا دأبهم، وقرأ: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] فهم كما قال الله تعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣، ٤].\nوالأنكال: القيود، عن الحسن ومجاهد، واحدها: نكل، وسمّيت القيود أنكالا لأنه ينكل بها، أي يمنع. قال الهروي: والأصفاد: هي الأغلال. ويقال:\nالقيود. أعاذنا الله منها بمنّه وكرمه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-333>١٥٨ - باب منه في رفع لهب النار أهل النار حتى يشرفوا على أهل الجنة</span>\nيروى أن لهب النار يرفع أهل النار حتى يطيروا كما يطير الشرر، فإذا رفعهم أشرفوا على أهل الجنة وبينهم حجاب، فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] الآية، وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، حين يروا الأنهار تطرد بينهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآية، فتردّهم ملائكة العذاب بمقامع الحديد إلى قعر النار.\nقال بعض المفسرين: هو معنى قول الله تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾. ذكره أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة له». قال: ولعلك تقول: كيف يرى أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة؟ وكيف يسمع بعضهم كلام بعض، وبينهم ما بينهم من المسافة وغلظ الحجاب؟ فيقال لك: لا تقل هذا فإن الله تعالى يقوي أسماعهم وأبصارهم، حتى يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض، وهذا قريب في القدرة.\n***","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>١٥٩ - باب ما جاء أن في جهنم جبالا وخنادق وأودية وبحارا وصهاريج وآبارا وجبابا وتنانير وسجونا وبيوتا وجسورا وقصورا وأرواحا، ونواعير وعقارب وحيات، أجارنا الله منها وفي وعيد من شرب الخمر والمسكر وغيره</span>\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «الصّعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا ويهوي فيه كذلك أبدا» (^١). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.\nوقد تقدم من حديث أنس: «أن من مات سكرانا فإنه يبعث يوم القيامة سكرانا إلى خندق في وسط جهنم يسمّى السكران» (^٢).\nواختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾ فذكر ابن المبارك: أخبرنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، أنه حدّثه عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «ويل؛ واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» (^٣).\nقال: وأخبرنا سعيد بن أبي أيوب، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر، لو سيّرت فيه الجبال لماعت من حرّه (^٤).\nقال: وأخبرنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض أنه قال: الويل؛ مسيل في أصل جهنم (^٥).\nوذكر ابن عطية في «تفسيره» عن أبي عياض: أن الويل صهريج في جهنم من صديد أهل النار. قال: وحكى الزهراوي عن آخرين: أنه باب من أبواب جهنم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٧٦)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» لنعيم (٣٣٤) وأحمد (٣/ ٧٥) والترمذي (٣١٦٤)، وضعّفه الألباني.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» لنعيم (٣٣٢).\n(^٥) المصدر السابق (٣٣٣).","vol":"2","page":110},{"text":"وقال أبو سعيد الخدري: إنه واد بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا، ذكره ابن عطية، وقد تقدم رفعه.\nوخرّجه الترمذي أيضا مرفوعا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال:\n«الويل؛ واد في وسط جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن لهيعة.\nوقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] اليحموم: جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار. ﴿لا بارِدٍ﴾ [الواقعة ٤٤] بل حار، لأنه من دخان شفير جهنم. ﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أي: لا عذب، عن الضحاك. وقال سعيد بن المسيب: ولا حسن منظره.\nوذكر ابن وهب، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] قال:\nواد في جهنم يقال له موبق. وقال عكرمة: هو نهر في جهنم يسيل نارا، على حافتيه حيات مثل البغال الدّهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا منها بالاقتحام في النار. وقال أنس بن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم.\nوقال نوف البكالي في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] قال:\nواد في جهنم بين أهل الضلالة وبين أهل الإيمان.\nوعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سئلت عن قول الله ﷿:\n﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] قالت: نهر في جهنم.\nواختلفوا في الفلق في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] فروى ابن عباس أنه سجن في جهنم. وقال كعب: هو بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ذكره أبو نعيم.\nوذكر أبو نعيم عن حميد بن هلال قال: حدّثت أن في جهنم تنانير ضيقها كضيق زجّ أحدكم في الأرض، تضيق على قوم بأعمالهم (^١).\n(ابن المبارك) أخبرنا إسماعيل بن عياش، حدّثنا ثعلبة بن مسلم، عن أيوب بن بشير، عن شفي الأصبحي قال: إن في جهنم جبلا يدعى صعودا، يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه، قال تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] وإن في جهنم قصرا يقال له هواء، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١]. وإن في جهنم واديا يدعى أثاما، فيه حيات وعقارب، في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من\n_________\n(^١) «الحلية» لأبي نعيم (٢/ ٢٥٣).","vol":"2","page":111},{"text":"سم، والعقرب منهن مثل البغلة المؤلفة، تلدغ الرجل فلا تلهيه عما يجد من حر جهنم حمة لدغتها، فهو لما خلق له، وإن في جهنم سبعين داء لأهلها، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم، وإن في جهنم واديا يدعى غيا، يسيل قيحا ودما، فهو لما خلق له، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (^١).\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في جهنم بحرا أسود مظلما منتن الريح، يغرق الله فيه من أكل رزقه وعبد غيره» (^٢).\nوذكر أبو نعيم، عن محمد بن واسع قال: دخلت يوما على بلال بن أبي بردة، فقلت: يا بلال؛ إن أباك حدّثني، عن جدّك، عن رسول الله ﷺ قال: «إن في جهنم واديا يقال له لملم، ولذلك الوادي بئر يقال له هبهب، حقّ على الله تعالى أن يسكنها كلّ جبار؛ فإياك أن تكون منهم» (^٣).\n(ابن المبارك) قال: حدّثنا يحيى بن عبيد الله قال: سمعت أبي يقول:\nسمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن في جهنم واديا يقال له لملم، وإن أودية جهنم لتستعيذ بالله من حرّه» (^٤).\n(مالك بن أنس)، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن الحسين بن علي، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مسكر خمر، وثلاثة غضب الله عليهم ولا ينظر إليهم ولا يكلمهم، وهم في المنسأ، والمنسأ: بئر في جهنم للمكذب بالقدر، والمبتدع في دين الله، ومدمن الخمر» (^٥). ذكره الخطيب أبو بكر من حديث أحمد بن سليمان الخفتاني القرشي الأسدي، عن مالك.\nوذكر ابن وهب من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذرّ على صور الناس، يعلوهم كلّ شيء من الصّغار، يساقون حتى يدخلون سجنا في جهنم يقال له بولس، يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال».\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٣٦).\n(^٢) أخرجه البغدادي في «تاريخه» (٦/ ٢٠١) وابن عدي في «الكامل» (١/ ٢١١). وقال الكناني في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٧٩): «ولا يصح؛ فيه أبو هدبة إبراهيم بن هدبة».\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٥٦) بإسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٣١) بإسناد ضعيف.\n(^٥) لم أعثر عليه بهذا اللفظ، لكن أخرج نحوه - وفيه ذكر المنسأ - ابن أبي عاصم في «السنة» (٢٣٨/ ١، ٢٣٩/ ٣٤٢) - جوابرة - (٣٣٣) - الألباني - وابن بطة في «الإبانة» (١٠٨/ ٢٥٢٥/٢)، بإسناد ضعيف، كما قال العلامة الألباني ﵀.\nوأحمد بن سليمان الخفتاني - المذكور هنا -؛ «متروك».","vol":"2","page":112},{"text":"أخرجه ابن المبارك: أخبرنا محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الناس، يغشاهم الذلّ من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» (^١). أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.\nقلت: طينة الخبال: عرق أهل النار أو عصارتهم، شرابا أيضا لمن شرب المسكر، جاء ذلك في صحيح البخاري.\nوعن جابر أن رجلا قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل النبيّ ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة، يقال له: المزر، فقال رسول الله ﷺ: «أمسكر هو؟» قال: نعم. قال: «إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قالوا:\nيا رسول الله؛ وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» (^٢).\nوروي عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ: «المدينة مهاجري، وفيها مضجعي، ومنها مخرجي، حقّ على أمتي حفظ جيراني فيها، من حفظ وصيتي كنت له شهيدا يوم القيامة، ومن ضيّعها أورده الله حوض الخبال». قيل: وما حوض الخبال؟ قال: «حوض من صديد أهل النار» (^٣). غريب من حديث خارجة بن زيد، عن أبيه.\nلم يروه عنه غير أبي الزناد، تفرد به عنه ابنه عبد الرحمن.\nوروى الترمذي وأسد بن موسى، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (١٩١) وأحمد (٢/ ١٧٩) والترمذي (٢٤٩٢) وغيرهم، وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٠ /رقم: ٤٧٠) وجمال الدين المطري في «التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة» ص ٤٨، ٤٩.\nمن طريق: عبد السلام بن أبي الجنوب، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن معقل بن يسار مرفوعا. - وسقط ذكر عمرو بن عبيد عند الطبراني -.\nوإسناده ضعيف جدا.\nعبد السلام بن أبي الجنوب، «متروك الحديث»، انظر «تهذيب الكمال» (٤٥٥/ ٣٩٩٨/١١).\nوعمرو بن عبيد شيخ القدرية والمعتزلة؛ متروك الحديث أيضا.\nوأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٨٠) من طريق: الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به مرفوعا.\nوإسناده واه؛ محمد بن الحسن بن زبالة، كذّبه غير واحد.\nلكن تابعه عليه محمد بن يحيى؛ أبو غسان، عن مالك به. عند ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (ق: ٦٣ /أ).\nومحمد بن يحيى؛ ثقة، والله أعلم.","vol":"2","page":113},{"text":"«تعوذوا بالله من جبّ الحزن» فقيل يا رسول الله: وما جب الحزن؟ قال: «واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كلّ يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين». وفي رواية:\n«أعده الله للذين يراءون الناس بأعمالهم» (^١).\nوقال الترمذي في حديث أبي هريرة: «مائة مرة». قلنا: يا رسول الله، ومن يدخله؟ قال: القراء المراءون بأعمالهم. قال: حديث غريب.\nخرّجه ابن ماجه أيضا عن أبي هريرة ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ:\n«تعوذوا بالله من جبّ الحزن». قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: «واد في جهنم تتعوذ منه جهنم في كلّ يوم أربعمائة مرة». قيل: يا رسول الله؛ من يدخله؟ قال: «أعدّ للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء». قال المحاربي: الجورة (^٢).\nوفي حديث آخر ذكره أسد بن موسى أنه ﵇ قال: «إن في جهنم لواديا، إن جهنم لتتعوذ من شرّ ذلك الوادي في كلّ يوم سبع مرات، وإن في ذلك الوادي لجبا، إن جهنم وذلك الوادي ليتعوذون بالله من شر ذلك الجب، وإن في ذلك الجب لحيّة، إن جهنم والوادي وذلك الجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية، أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن [الذين يعصون الله فيه]» (^٣).\nوقال أبو هريرة: إن في جهنم أرجاء تدور بعلماء السوء، فيشرف عليهم بعض من كان يعرفهم في الدنيا، فيقول: ما صيّركم إلى هذا، وإنما كنا نتعلم منكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره.\nقلت: وهذا مرفوع معناه في صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد ﵁، وسيأتي في باب من أمر بالمعروف ولم يأته.\nوقال أبو المثنّى الأملوكي: إن في النار أقواما يربطون بنواعير من نار تدور بهم تلك النواعير، ما لهم فيه راحة ولا فترة.\nوقال محمد بن كعب القرظي: إن لمالك مجلسا في وسط جهنم وجسورا تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها .. الحديث، وسيأتي.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٨٣) وابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٩٧/ ١٨٢٥/٣) وابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٧٢٧) والعقيلي في «الضعفاء» (٢٤٢/ ٧٩٤/٢). وقال الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» (٤١٥): «ضعيف».\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥٦)، وانظر ما قبله.\n(^٣) أخرجه أسد بن موسى في «الزهد» رقم (٢٤) بإسناد ضعيف. وما بين المعقوفتين زيادة من «الزهد» غير موجود بالأصل.","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-335>١٦٠ - باب منه وفي بيان قوله تعالى ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وفي ساحل جهنم، ووعيد من يؤذي المؤمنين</span>\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا رجل، عن منصور، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة، قال: وكان معاوية بعثه على الجيوش، فلقي عدوا فرأى أصحابه فشلا، فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ اذكروا نعمة الله عليكم. وذكر الحديث، وفيه: «فإنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسماتكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان ها نورك، يا فلان لا نور لك، إن لجهنم ساحلا كساحل البحر فيه هوام وحيات كالبخت، وعقارب كالبغال الدّهم، فإذا استغاث أهل النار قالوا: الساحل! فإذا ألقوا فيه سلّطت عليهم تلك الهوام، فتأخذ شفار أعينهم وشفاههم وما شاء الله منهم، تكشطها كشطا، فيقولون: النار، النار! فإذا ألقوا فيها سلّط الله عليهم الجرب فيحكّ أحدهم جسده حتى يبدو عظمه، وإن جلد أحدهم لأربعون ذراعا، قال: يقال:\nيا فلان؛ هل تجد هذا يؤذيك؟ فيقول: وأي شيء أشد من هذا؟ فيقال: هذا بما كنت تؤذي المؤمنين» (^١).\nقال ابن المبارك: وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني أنه حدثه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: صعودا؛ صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت، اقتحامها فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة (^٢).\nوقال ابن عمر وابن عباس: هذه العقبة جبل في جهنم.\nوقال محمد بن كعب، وكعب الأحبار: هي سبعون درجة في جهنم.\nوقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة صعبة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله ﷿.\nوقال مجاهد والضحاك والكلبي: هي الصراط، وقيل: النار نفسها.\nوقال الكلبي أيضا: هي جبل بين الجنة والنار، يقول: فلا جاوز هذه العقبة بعمل صالح، ثم بين اقتحامها بما يكون فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] الآية.\nوقال ابن زيد وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام، تقديره: أفلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٣٠) بإسناد ضعيف.\n(^٢) المصدر السابق (٣٣٥) بإسناد ضعيف أيضا.","vol":"2","page":115},{"text":"اقتحم العقبة، يقول: هلاّ أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغبان ليجاوز به العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في المعاصي؟\nوقيل: معنى الكلام، التمثيل والتشبيه، فشبّه عظم الذنوب وثقلها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله، فإذا أزالها بالأعمال الصالحة والتوبة الخالصة، كان كمن اقتحم عقبة يستوي عليها ويجوزها.\nقلت: هذا حديث حسن.\nقال الحسن: هي والله عقبة شديدة، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان.\nوأنشد بعضهم.\nإني بليت بأربع يرمينني … بالنّبل قد نصبوا عليّ شراكا\nإبليس والدنيا ونفسي والهوى … من أين أرجو بينهن فكاكا\nيا ربّ ساعدني بعفو إنني … أصبحت لا أرجو لهن سواكا\nوأنشد غيره أيضا في معنى ذلك:\nإني بليت بأربع يرمينني … بالنّبل عن قوس لها توتير\nإبليس والدنيا ونفسي والهوى … يا ربّ أنت على الخلاص قدير\nوقال آخر:\nإني بليت بأربع ما سلطوا … إلا لعظم بليتي وشقائي\nإبليس والدنيا ونفسي والهوى … كيف الخلاص وكلهم أعدائي\nقال المؤلف ﵀: قال: فمن أطاع مولاه وجاهد نفسه وهواه، وخالف شيطانه ودنياه، كانت الجنة نزله ومأواه، ومن تمادى في غيه وطغيانه وأرخى في الدنيا زمام عصيانه، ووافق نفسه وهواه في مناه ولذاته وأطاع شيطانه في جميع شهواته كانت النار أولى به، قال الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى * وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].\nومعنى ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]: أي: لم يقتحم العقبة، وهذا خبر، أي: أنه لم يفعل، والعرب تقول: لا فعل بمعنى لم يفعل. قال زهير:\nوكان طوى كشحا عل مستكنّة … فلا هو أبداها ولم يتقدم\nأي: فلم يبدها.","vol":"2","page":116},{"text":"ثم قال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢، ١٣]، يقول للنبي ﷺ: أي لم تكن تدريها حتى أعلمتك ما العقبة ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: أي: عتق رقبة من الرق، ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] مجاعة، ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أي قرابة.\n﴿أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] يعني به اللاصق بالتراب من الحاجة، في تفسير الحسن.\nوقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه «وما أدراك»؛ فإنه أخبره به، وكل شيء قال فيه: «وما يدريك»، فإنه لم يخبره به.\nوخرج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد في كتاب «مكارم الأخلاق» عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لأن أجمع أناسا من أصحابي على صاع من طعام أحبّ إليّ من أن أخرج إلى السوق فأشتري نسمة فأعتقها.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-336>١٦١ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾</span>\nالوقود، بفتح الواو على وزن الفعول بفتح الفاء: اسم الحطب، وكذلك الطّهور: اسم للماء، والسّحور: اسم الطعام، وبضم الفاء: اسم للفعل هو المصدر، والناس عموم، ومعناه: الخصوص ممن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها أجارنا الله منها. قال: حطب النار شباب وشيوخ وكهول ونساء عاريات طال منهن العويل.\n(ابن المبارك) عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ: «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله ﵎، ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن، فإذا قرءوه قالوا: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا! قال: أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار». خرّجه عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ابن الهادي، عن العباس بن عبد المطلب فذكره (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٥٠) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":117},{"text":"والحجارة: هي حجارة الكبريت، خلقها الله تعالى عنده كيف شاء أو كما شاء، عن ابن مسعود وغيره. ذكره ابن المبارك، وعن عبد الله بن مسعود.\nوخصّت بذلك لأنها تزيد على جميع الحجارة بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت.\nوقيل: المراد بالحجارة: الأصنام لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أي: حطب، وهو ما يلقى في النار مما تذكى به، وعليه فيكون الناس والحجارة وقودا للنار على التأويل الأول، وعلى التأويل الثاني يكونون معذبين بالنار والحجارة.\nوفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مؤذ في النار» (^١). وفي تأويله وجهان:\nأحدهما: أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار.\nالثاني: أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرهما في النار معد لعقوبة أهل النار.\nوذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-337>١٦٢ - باب ما جاء في تعظيم جسد الكافر وأعضائه بحسب اختلاف كفره، وتوزيع العذاب على العاصي المؤمن بحسب أعمال الأعضاء</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» (^٢).\n(الترمذي) عنه، عن النبي ﷺ قال: «إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة» (^٣). قال: هذا\n_________\n(^١) ضعّفه السيوطي والمناوي، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٤٢٥٣): «موضوع».\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٥١ - ٢٨٥٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٧٧) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":118},{"text":"حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش. وفي رواية: «وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة» (^١). أخرجه عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال: مثل الربذة، يعني به كما بين مكة والمدينة، والبيضاء: جبل.\n(ابن المبارك) أنبأنا يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: «ضرس الكافر يوم القيامة أعظم من أحد، يعظمون لتمتلئ منهم وليذوقوا العذاب» (^٢).\nأخبرنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: «ضرس الكافر مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، وجبينه مثل الورقان، ومجلسه من النار كما بيني وبين الرّبذة، وكثف بصره سبعون ذراعا، وبطنه مثل إضم» (^٣). إضم بالكسرة جبل، قاله الجوهري.\nقلت: والورقان جبل بالمدينة، كما روي عن أنس بن مالك، قال: قال النبي ﷺ: «فلما تجلى ربه للجبل صار بعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحراء، وبالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى».\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ: «بصر الكافر - يعني غلظ جلده - سبعون ذراعا، وضرسه مثل أحد في سائر خلقه» (^٤).\nوذكر عن عمرو بن ميمون أنه يسمع بين جلد الكافر وجسده دوي كدويّ الوحش (^٥).\n(الترمذي) عن أبي المخارق، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس» (^٦).\n(مسلم) عن سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ قال: «منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته». وفي رواية: «حقويه»: مكان حجزته (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٠٣).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٠٤) بإسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٠٤) بإسناد رجاله ثقات؛ لكنه مرسل.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣١١).\n(^٦) أخرجه الترمذي (٢٥٨٠)، وضعّفه الألباني.\n(^٧) أخرجه مسلم (٢٨٤٥).","vol":"2","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>فصل</span>\nهذا الباب يدلّك على أن كفر من كفر فقط، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرّد وعصى، ولا شكّ في أن الكفّار في عذاب جهنم متفاوتون، كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر، مساويا لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين. ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي ﷺ إلى ضحضاح لنصرته إياه، وذبّه عنه وإحسانه إليه؟\nوحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب، ويصح أن يكون فيمن يعذّب من الموحّدين، إلا أن الله تعالى يميتهم إماتة، حسب ما تقدّم بيانه.\nوفي خبر كعب الأحبار: يا مالك؛ مر النار لا تحرق ألسنتهم، فقد كانوا يقرءون القرآن، يا مالك: قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقدار استحقاقهم من الوالدة بولدها، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرّته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، وذكر الحديث سيأتي بكماله إن شاء الله تعالى.\nوذكر القتبي في «عيون الأخبار» له مرفوعا عن أبي هريرة أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إن الله إذا قضى بين خلقه وزادت حسنات العبد دخل الجنة، وإن استوت حسناته وسيئاته حبس على الصراط أربعين سنة، ثم بعد ذلك يدخل الجنة، وإن زادت سيئاته على حسناته دخل النار من باب التوحيد، فيعذّبون في النار على قدر أعمالهم. فمنهم من تنتهي له النار إلى كعبيه، ومنهم من تنتهي إلى ركبتيه، ومنهم من تنتهي النار إلى وسطه». وذكر الحديث.\nوذكر الفقيه أبو بكر بن برجان أن حديث مسلم في معنى قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩] قال: أرى - والله أعلم - أن هؤلاء الموصوفين في هذه الآية والحديث أهل التوحيد، فإن الكافر لا تعاف النار منه شيئا، وكما اشتمل في الدنيا على الكفر شملته النار في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، أي: أن ما فوقهم ظلل لهم، وما تحتهم ظلل لمن تحتهم.\n***","vol":"2","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-339>باب منه</span>\n(ابن ماجه) عن الحارث بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعتي أكثر من مضر، وإن من أمتي من يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-340>١٦٣ - باب ما جاء في شدة عذاب أهل المعاصي وأذيتهم أهل النار بذلك</span>\n(مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصورون» (^٢).\nوذكره قاسم بن أصبغ من حديث عبد الله بن مسعود أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبيّ، أو مصوّر يصوّر التماثيل» (^٣).\nوذكر أبو عمر بن عبد البر وابن ماجه وابن وهب من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه» (^٤).\nإسناده فيه عثمان بن مقسم البزي لم يرفعه غيره، وهو ضعيف عند أهل الحديث، معتزلي المذهب، ليس حديثه بشيء، قاله أبو عمر.\nوذكر ابن وهب قال: حدّثنا ابن زيد قال: يقال إنه ليؤذي أهل النار نتن فروج الزناة يوم القيامة.\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا موسى بن علي بن رباح قال: سمعت أبي يذكر عن بعض من حدّث، قال: ثلاثة قد آذوا أهل النار - وكل أهل النار في أذى -:\nرجال مغلقة عليهم توابيت من نار، وهم في أصل الجحيم فيضجون حتى تعلو أصواتهم أهل النار فيقول لهم أهل النار: ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٣)، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٩٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١٠٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧)، وهو في «الصحيحة» (٢٨١).\n(^٤) أخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ١٨٢، ١٨٣) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٦٢٨/ ١٠٧٩/١) - ابن الجوزي -.\nوضعّفه المحدث الألباني في «الضعيفة» رقم (١٦٣٤).","vol":"2","page":121},{"text":"فقالوا: كنا متكبرين. ورجال قد شقت بطونهم يسحبون أمعاءهم في النار، فقال لهم أهل النار: ما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟ قالوا: كنا نقتطع حقوق الناس بأيماننا وأمانتنا. ورجال يسعون بين الجحيم والحميم لا يقرون، قيل لهم:\nما بالكم من بين أهل النار فعل بكم هذا؟ قالوا: كنا نسعى بين الناس بالنميمة (^١).\nأخبرنا إسماعيل بن عياش، حدثني ثعلبة بن مسلم، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شفي بن ماتع الأصبحي، عن رسول الله ﷺ قال: «أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى، يسعون بين الجحيم والحميم يدعون بالويل والثبور، يقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى؟ قال: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحا دما، ورجل يأكل لحمه. قال فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس لم يجد لها قضاء، أو قال وفاء. ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه ثم لا يغسله.\nثم يقال للذي يسيل فوه دما وقيحا: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد كان ينظر في كلّ كلمة قذيعة خبيثة فيذيعها، يستلذها ويستلذ الرفث بها، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس ويمشي بالنميمة» (^٢).\nخرّجه أبو نعيم الحافظ وقال: تفرد به إسماعيل بن عياش، وشفي مختلف فيه، فقيل: له صحبة.\nقلت: وقد تقدّم حديث البخاري الطويل عن سمرة بن جندب، وحديث ابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود، في باب ما يكون منه في عذاب القبر، وحديث أبي هريرة في الذين تسعّر بهم جهنم، وغير ذلك مما تقدم في هذا الباب، فتأمل ذلك.\nوقد تقدم أن من ادّان أموال الناس في غير سفه ولا إسراف ولم يجد قضاء، ونيته الأداء ومات؛ أن الله لا يحبسه عن الجنة ولا يعذّبه، بل يرضي عنه خصماءه، إن شاء الله. ويكون الجميع في رحمته بكرمه وفضله، فأما من ادّانها لينفقها في المعاصي ثم لا يقدر على الأداء، فلعله الذي يعذب.\n***\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣٢٨) والطبراني في «الكبير» (٧ /رقم: ٧٢٢٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٦٧، ١٦٨) وابن أبي الدنيا في «الصمت» (١٨٦)، وإسناده ضعيف.","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>١٦٤ - باب منه وفي عذاب من عذّب الناس في الدنيا</span>\n(أبو داود الطيالسي) قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي نجيح، عن خالد بن حكيم، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة أشدّهم عذابا للناس في الدنيا» (^١).\nخرّجه البخاري في «التاريخ» فقال: حدّثنا علي، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن خالد بن حكيم بن حزام أن أبا عبيدة تناول رجلا من أهل الأرمن فكلمه خالد بن الوليد، فقالوا: أغضبت الأمير؟ فقال: لم أرد غضبه، سمعت النبي ﷺ يقول: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة أشدّهم عذابا للناس في الدنيا».\nخرّجه مسلم بمعناه من حديث هشام بن حكيم بن حزام، أنه مرّ على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا على الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-342>١٦٥ - باب ما جاء في شدّة عذاب من أمر بالمعروف ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه، وذكر الخطباء، وفيمن خالف قوله فعله، وفي أعوان الظلمة كلاب النار</span>\n(البخاري) عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان! ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١١٥٧) وأحمد (٤/ ٩٠) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٤٣) والحاكم (٢٩٠/ ٣) والبيهقي (٨/ ١٦٤)، وغيرهم. وصحّحه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» رقم (٩٩٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٢٦٧، ٧٠٩٨).","vol":"2","page":123},{"text":"خرّجه مسلم أيضا بمعناه عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل «يوم القيامة» فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان بن فلان؛ ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى! كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» (^١).\nوخرّج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت ردّت، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون» (^٢).\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قال فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء، أي:\nمن الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب»، الآية (^٣).\nقال: وأخبرنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي قال: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون: ما أدخلكم النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله (^٤).\nوذكر أبو نعيم الحافظ، قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال:\nحدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا سيار بن حاتم، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء» (^٥). هذا حديث غريب تفرد به سيار بن جعفر، لم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل ﵁.\nقال: وحدّثنا أحمد بن إسحاق بن حمزة، حدّثنا محمد بن علوش بن الحسين الجرجاني، قال: حدّثنا علي بن المثنى، قال: حدّثنا يعقوب بن خليفة أبو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٨٩).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٢/ ٣٨٧ و٦/ ٢٤٩) والخطيب البغدادي في «اقتضاء العلم العمل» رقم (١١١)، وحسّن إسناده الشيخ الألباني ﵀.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٨١٩) وأحمد (٣/ ١٢٠، ٣٢١، ٢٣٩، ٢٤٠) وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٤٣، ٤٤، ١٧٢، ٢٣٩) بإسناد ضعيف، لكن الحديث حسن بما قبله، والله أعلم.\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٦٤).\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٣١) والبغدادي في «اقتضاء العلم العمل» رقم (٨٠).\nوقال الإمام أحمد: «حديث منكر». انظر «كنز العمال» (٢٩٠٩٨)، وكذا قال الألباني.","vol":"2","page":124},{"text":"يوسف الأعشى، قال: حدّثني محمد بن مسلم الطائفي، قال: حدّثني إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «الجلاوزة والشرط أعوان الظلمة كلاب النار» (^١). غريب من حديث طاوس، تفرد به محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس.\nالجلاوزة: جمع جلواز، قال الجوهري: والجلواز الشرطي، والجمع:\nالجلاوزة.\n\n<span data-type='title' id=toc-343>فصل</span>\nقال بعض السادة: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة: رجل ملك عبدا فعلّمه شرائع الإسلام، فأطاع وأحسن وعصى السيد، فإذا كان يوم القيامة أمر بالعبد إلى الجنة، وأمر بسيده إلى النار، فيقول عند ذلك: وا حسرتاه! وا غبناه! أما هذا عبدي! أما كنت مالكا لمهجته وماله؟ وقادرا على جميع ماله؟ فما له سعد، وما لي شقيت؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنه تأدّب وما تأدبت، وأحسن وأسأت. ورجل كسب مالا فعصى الله تعالى في جمعه ومنعه ولم يقدمه بين يديه، حتى صار إلى وارثه، فأحسن في إنفاقه وأطاع الله سبحانه في إخراجه، وقدّمه بين يديه، فإذا كان يوم القيامة أمر بالوارث إلى الجنة، وأمر بصاحب المال إلى النار، فيقول:\nوحسرتاه! وا غبناه! أما هذا مالي؛ فما أحسنت به أحوالي وأعمالي؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنه أطاع الله، وما أطعت، وأنفق لوجهه وما أنفقت، فسعد وشقيت.\nورجل علّم قوما ووعظهم فعملوا بقوله ولم يعمل؛ فإذا كان يوم القيامة أمر بهم إلى الجنة، وأمر به إلى النار، فيقول: وا حسرتاه! وا غبناه! أما هذا علمي؟ فما لهم فازوا به وما فزت؟ وسلموا به وما سلمت؟ فيناديه الملك الموكل به: لأنهم عملوا بما قلت، وما عملت، فسعدوا وشقيت. ذكره أبو الفرج بن الجوزي.\n\n<span data-type='title' id=toc-344>فصل</span>\nقال إبراهيم النخعي ﵁: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] وقوله تعالى:\n﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].\nقلت: وألفاظ هذه الآيات تدل مع ما ذكرناه من الأحاديث على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر، وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٤/ ٢١) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":125},{"text":"لم يعلمه وإنما كان كذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله، ومستحق لأحكامه، وهو كمن لم ينتفع بعلمه.\nوقد قال رسول الله ﷺ: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» وقد تقدم.\nوروى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا» (^١).\nوقوله: تندلق، أي: تخرج، والاندلاق: الخروج بسرعة، يقال: اندلق السيف؛ خرج من غمده. وروي: فتنفلق، بدل فتندلق. والأقتاب: الأمعاء، واحدها: قتب، بكسر القاف، وقال الأصمعي: واحدها: قتيبة، ويقال لها أيضا:\nالأقصاب، واحدها: قصبة، قاله أبو عبيد.\nوقد قال ﷺ: «رأيت عمرو بن لحي يجرّ قصبه في النار، وهو أول من سيّب السوائب» (^٢).\nقلت: إن قال قائل: قد تقدّم من حديث أبي سعيد الخدري أن من ليس من أهل النار إذا دخلوها أحرقوا فيها وماتوا، على ما ذكرتموه في أصح القولين، وهذه الأحاديث التي جاءت في العصاة بخلافه، فكيف الجمع بينهما؟\nقيل له: الجمع ممكن، وذلك - والله أعلم - أن أهل النار الذين هم أهلها، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] قال الحسن: تنضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة، والعصاة بخلاف هؤلاء فيعذبون وبعد ذلك يموتون. وقد تختلف أيضا أحوالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم.\nوقد قيل: إنه يجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم، غير أن آلام المؤمنين تكون أخف من آلام الكفار، لأن آلام المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء، دليله قوله تعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم وهم موتى.\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» رقم (٢١٣٦) بإسناد ضعيف، وأورده المصنف في «تفسيره» (١/ ٣٦٥، ٣٦٦) وتكلّم على إسناده هناك؛ فانظره غير مأمور.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٢١) ومسلم (٢٨٥٦).","vol":"2","page":126},{"text":"ومثله ما جاء في حديث البراء من قول الكافر: «ربّ لا تقم الساعة، ربّ لا تقم الساعة، ربّ لا تقم الساعة». يرى أن ما يخلص له من عذاب الآخرة أشد مما هو فيه، وقد يكون ما جاء في الخطباء هو عذابهم في القبور، وفي أعضاء مخصوصة كغيرهم، كما جاء في حديث سمرة الطويل على ما تقدم، إلا أن قوله في حديث أسامة بن زيد يوم القيامة يدل على غير ذلك. وقد يحتمل أن يجمع لهم الأمران لعظم ما ارتكبوه من مخالفة قولهم فعلهم، ونعوذ بالله من ذلك.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-345>١٦٦ - باب ما جاء في طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ [الحج: ١٩] وقال:\n﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] وقال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾ [النبأ: ٢٤] أي نوما ﴿وَلا شَرابًا * إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا * جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٦] وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] وقال عز من قائل: ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٥] وقال: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ * وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥، ٣٦] قال الهروي: معناه: صديد أهل النار، وما ينغسل ويسيل من أبدانهم.\nقلت: وهو الغسّاق أيضا.\nوذكر ابن المبارك: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم وأبي رزين في قوله تعالى: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] قالا ما يسيل من صديد أهل النار (^١).\nوقيل الغساق: القيح الغليظ المنتن.\nوذكر ابن وهب، عن عبد الله بن عمر، قال الغساق: القيح الغليظ، لو أن قطرة منها تهراق في المغرب أنتنت أهل المشرق، ولو أنها تهراق في المشرق أنتنت أهل المغرب. وقيل: الغساق الذي لا يستطاع من شدة برده، وهو الزمهرير.\nوقال كعب: الغسّاق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٩٧).","vol":"2","page":127},{"text":"فتستنقع، ويؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة فيسقط جلده ولحمه عن العظام، فيجر لحمه في كعبيه كما يجر الرجل ثوبه.\nوقوله: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] أي: وافق أعمالهم الخبيثة.\nواختلفت في الضريع؛ فقيل: هو النبت ينبت في الربيع، فإذا كان في الصيف يبس، واسمه إذا كان ورقه شبرق، وإذا تساقط ورقه فهو الضريع؛ فالإبل تأكله، حضر، فإذا يبس لم تذقه، وقيل: هو حجارة، وقيل الزقوم واد في جهنم.\nوقال المفسرون: إن شجرة الزقوم أصلها في الباب السادس، وأنها تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء، فلا بد لأهل النار من أن يتحدر إليها من كان فوقها فيأكلوا منها.\nوقال أبو عمران الجوني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] قال: بلغنا أن ابن آدم لا ينهش منها نهشة إلا نهشت منه مثلها. والمهل ما كان ذائبا من الفضة والنحاس، وقيل:\nالمهل عكر الزيت الشديد السواد. وقوله تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٥، ٤٦] يعني: الماء الشديد الحر.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-346>١٦٧ - باب منه، وما جاء أن أهل النار يجوعون ويعطشون وفي دعائهم وإجابتهم</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] الآية.\n(البيهقي) عن محمد بن كعب القرظي قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربع فإذا كان في الخامسة لا يتكلّمون بعدها أبدا، يقولون: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].\nقال: فيجيبهم الله تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\nثم يقولون: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]","vol":"2","page":128},{"text":"فيجيبهم الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤].\nثم يقولون: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فيجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].\nثم يقولون: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، فيجيبهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فلا يتكلمون بعدها أبدا.\nوخرّجه ابن المبارك بأطول من هذا فقال: أخبرنا الحكم بن عمر عن أبي ليلى، حدّثني عامر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني - أو ذكر لي - أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، فقال الله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب، فردت عليهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٥٠].\nفيقولون: بلى، فردت عليهم الخزنة: ﴿فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠].\nقال: فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا مالكا - وهو عليهم وله مجلس في وسطها وجسور تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nقال: سألوا الموت، فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة.\nقال: والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوما، واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].\nثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nفلما سمعوا منه ما سمعوا وأيسوا مما قبله، قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنه قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلم فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذا صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] أي: من منجى.\nقال: فقام إبليس عند ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ","vol":"2","page":129},{"text":"فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] يقول: بمغن عنكم شيئا ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nقال: فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، قال: فنودوا ﴿لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١٠، ١١].\nقال: فرد عليهم ذلك بأنه: ﴿إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\nقال فهذه واحدة: فنادوا الثانية: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].\nقال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣].\nيقول: لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٣، ١٤].\nقال: فهذه ثنتان؛ فنادوا الثالثة: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤].\nفيرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٤ - ٤٦].\nقال: فهذه الثالثة. قال: ثم نادوا الرابعة: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧].\nقال فيجيبهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].\nثم مكث عنهم ما شاء الله. ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥].\nقال: فلما سمعوا صوته قالوا: الآن يرضى ربنا عنا، فقالوا عند ذلك: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]- أي: الكتاب الذي كتب علينا - ﴿وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧] فقال عند ذلك: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فانقطع عن ذلك الرجاء والدعاء","vol":"2","page":130},{"text":"﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [الصافات: ٢٧] ينبح بعضهم في وجه بعض وأطبقت عليهم.\nقال: فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر، أنه ذكر له أن ذلك قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦].\nقال ابن المبارك: وحدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فذكره عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد عليهم: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nقال: هانت والله دعوتهم على مالك، ورب مالك.\nقال: ثم يدعون ربهم. قال فيقولون: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾.\nقال فسكت عنهم قدر الدنيا مرتين: قال ثم يرد عليهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾.\nقال: فو الله ما نبس القوم بعدها بكلمة؛ وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم (^١).\nفشبه أصواتهم بصوت الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. ومعنى ما نبس:\nما تكلم.\nقال الجوهري: يقال ما نبس بكلمة، أي: ما تكلم. وما نبّس بالتشديد أيضا. وقال الراجز:\nإن كنت غير هالك فنبّس\n(الترمذي) عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «يلقى على أهل النار الجوع مع ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب؛ فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] قال فيقولون: ادعوا مالكا، فيقولون: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال فيجيبهم:\n﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]».\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٣١٩).","vol":"2","page":131},{"text":"قال الأعمش: ثبت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام، قال:\nفيقولون: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [غافر: ٤٩] فلا أحد خير من ربكم، قال فيقولون: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ قال فيجيبهم: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾.\nقال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل (^١).\nرفعه قطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن شمر ابن عطية، عن شهر وهو ثقة عند أهل الحديث، والناس يوقفونه على أبي الدرداء.\nوعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. ولسرادق النار أربعة جدر، كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة، ولو أن دلوا من غسلين يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» (^٢). قال:\nهذا حديث صحيح غريب.\nوعنه عن النبي ﷺ في قوله: «كالمهل»، قال: «كعكر الزيت، وإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه» (^٣). قال أبو عيسى هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، ورشدين قد تكلّم فيه من جهة حفظه.\nقلت: وقع في هذا الحديث «فروة وجهه» وهو شاذ، إنما يقال: فروة رأسه أي جلدته، هذا هو المشهور عند أهل اللغة، وكذا جاء في حديث أبي أمامة.\nوعن أبي حجيزة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» (^٤). قال هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوعن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧] قال: يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى:\n﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ﴾\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٨٦) وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٨٧) بإسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٨١) بإسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٥٨٢)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":132},{"text":"﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (^١) [الكهف: ٢٩] قال: هذا حديث غريب.\nوعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه» (^٢)؟! قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، خرّجه ابن ماجه أيضا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-347>١٦٨ - باب في ما جاء في بكاء أهل النار، ومن أدناهم عذابا فيها</span>\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا عمران بن زيد الثعلبي، حدّثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت» (^٣).\nخرّجه ابن ماجه أيضا، من حديث الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيها السفن لجرت» (^٤).\n(مسلم) عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه» (^٥).\nوروي عن أبي موسى الأشعري موقوفا أنه قال: «إن أهل النار ليبكون الدموع في النار، حتى لو أجريت فيها السفن لجرت، ثم إنهم يبكون الدم بعد الدموع، ولمثل ما هم فيه فليبك» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٨٣)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٨٥) وابن ماجه (٤٣٢٥) وصحّحه الألباني.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٩٥) بإسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٤) وضعّفه الألباني.\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٥٦٢) ومسلم (٢١٣).\n(^٦) أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٥).","vol":"2","page":133},{"text":"(قال المؤلف ﵀ وهو يستند من معنى ما تقدم: وفي التنزيل:\n﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢].\nوفي الترمذي من حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: «والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (^١). فمن كثر بكاؤه خوفا من الله تعالى وخشية منه ضحك كثيرا في الآخرة. قال الله تعالى مخبرا عن أهل الجنة: ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ووصف أهل النار فقال: ﴿وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] قال: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠]، وسيأتي بيانه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-348>١٦٩ - باب ما جاء أن لكل مسلم فداء من النار من الكفار</span>\n(ابن ماجه) قال: أخبرنا جبارة بن المغلّس، حدّثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أذن لأمة محمد ﷺ في السجود فسجدوا طويلا، ثم يقال: ارفعوا رؤوسكم فقد جعلنا عدّتكم فداءكم من النار» (^٢).\nحدّثنا جبارة بن المغلس، حدّثنا كثير بن سليم، عن أنس بن مالك قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن هذه الأمة أمة مرحومة؛ عذابها بأيديها، إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين؛ فيقال: هذا فداؤك من النار» (^٣).\nقلت: هذان الحديثان وإن كان إسنادهما ليس بالقوي - قال الدارقطني:\nجبارة بن المغلس؛ متروك - فإن معناهما صحيح بدليل حديث مسلم.\nعن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة دفع الله لكلّ مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار» (^٤).\nوفي رواية أخرى: «لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه من النار يهوديا أو نصرانيا». قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو - ثلاث مرات -: أن أباه حدّثه عن رسول الله ﷺ، قال: فحلف له.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠)، وهو في «الصحيحة» (١٧٢٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٩١)، وقال الألباني: «ضعيف جدا».\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٩٢) وصححه الألباني.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٦٧).","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-349>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذه الأحاديث ظاهرها الإطلاق والعموم، وليست كذلك؛ وإنما هي في ناس مذنبين تفضّل الله تعالى عليهم برحمته ومغفرته، فأعطى كل إنسان منهم فكاكا من النار من الكفار، واستدلّوا بحديث أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى».\nخرّجه مسلم عن محمد بن عمرو بن عياد بن جبلة بن أبي رواد، قال:\nحدّثنا حرميّ بن عمارة، قال: حدّثنا شداد أبو طلحة الراسبي، عن عباس، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، [عن أبيه]، عن النبي ﷺ (^١).\nقالوا: وما معنى فيغفرها لهم؟ أي: يسقط المؤاخذة عنهم بها حتى كأنهم لم يذنبوا.\nومعنى قوله: «ويضعها على اليهود والنصارى» أنه يضاعف عليهم عذاب ذنوبهم، حتى يكون عذابهم بقدر جرمهم وجرم مذنبي المسلمين، لو أخذوا بذلك، لأنه تعالى لا يأخذ أحدا بذنب أحد، كما قال تعالى: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] وله سبحانه أن يضاعف لمن يشاء العذاب، ويخفف عمن يشاء بحكم إرادته ومشيئته، إذ لا يسأل عن فعله.\nقالوا: وقوله في الرواية الأخرى: «لا يموت رجل مسلم إلا أدخل مكانه يهوديا أو نصرانيا»؛ فمعنى ذلك: أن المسلم المذنب لما كان يستحق مكانا من النار بسبب ذنوبه، وعفا الله عنه وبقي مكانه خاليا منه، أضاف الله تعالى ذلك المكان إلى يهودي أو نصراني ليعذب فيه زيادة على تعذيب مكانه الذي يستحقه بحسب كفره، ويشهد لهذا قوله ﵇ في حديث أنس للمؤمن الذي يثبت عند السؤال في القبر فيقال له:\n«انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة» (^٢).\nقلت: قد جاءت أحاديث دالة على أن لكل مسلم مذنبا كان أو غيره مذنب منزلين: منزلا من الجنة، ومنزلا من النار. وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أي: يرث المؤمنون منازل الكفار، ويجعل الكفار في منازلهم في النار، على ما يأتي بيانه. وهو مقتضى حديث أنس عن النبي ﷺ: «إن العبد إذا وضع في قبره» الحديث، وقد تقدم. إلا أن هذه الوارثة تختلف؛ فمنهم من\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) تقدم.","vol":"2","page":135},{"text":"يرث ولا حساب، ومنهم من يرث بحسابه وبمناقشته، وبعد الخروج من النار، حسب ما تقدم من أحوال الناس، والله أعلم.\nوقد يحتمل أن يسمى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤].\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-350>١٧٠ - باب في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾</span>\n(مسلم) عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع ربّ العزة قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، وعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشيء الله لها خلقا، فيسكنهم فضل الجنة» (^١).\nوفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة: «فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله، فتقول: قط قط. فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-351>فصل</span>\nللعلماء في قول النار: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] تأويلان:\nأحدهما: وعدها ليملأنّها. فقال: أوفيتك؟ فقالت: وهل من مسلك؟ أي:\nقد امتلأت، كما قال الشاعر:\nامتلأ الحوض وقال قطني … مهلا رويدا قد ملأت بطني\nوهذا تفسير مجاهد وغيره، وهو ظاهر الحديث.\nالثاني: زدني، تقول ذلك غيظا على أهلها وحنقا عليهم، كما قال: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أي: تنشق، ويبين بعضها من بعض.\nوقوله: «حتى يضع فيها قدمه» - وفي رواية أخرى: «حتى يضع عليها» وفي أخرى: «رجله» ولم يذكر فيها ولا عليها - فمعناه: عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها، وهم جماعات كثيرة لأن أهل النار يلقون فيها فوجا فوجا، كما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٤٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٤٦).","vol":"2","page":136},{"text":"قال الله تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨].\nويؤيده أيضا قوله في الحديث: «لا يزال يلقى فيها فالخزنة تنظر أولئك المتأخرين إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم»، كما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا وعليه اسم صاحبه؛ فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منه أحد، قالت الخزنة: قط قط، أي: حسبنا حسبنا، اكتفينا اكتفينا، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق، إذ لم يبق أحد ينتظر». فعبّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرّجل والقدم، لا أن الله جسم من الأجسام، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.\nوالعرب تعبّر عن جماعة الناس والجراد بالرجل، فتقول: جاءنا رجل من جراد، ورجل من الناس، أي: جماعة منهم، والجمع: أرجل.\nويشهد لهذا التأويل (^١) قوله في نفس الحديث: «ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشيء الله خلقا فيسكنهم فضل الجنة». وفي الحديث تأويلات أتينا عليها في الأسماء والصفات أشبهها ما ذكرناه.\nوفي التنزيل: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] قال ابن عباس:\nالمعنى: منزل صدق، وقال الطبري: معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عمل صالح.\nوقيل: هو السابقة الحسنة؛ فدل على أن القدم ليس حقيقة في الجارحة، والله الموفق.\nقال ابن فورك: وقال بعضهم: القدم خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسمّيه قدما، ويضيفه إليه من طريق الفعل يضعه في النار فتمتلئ النار منه، والله أعلم.\nقلت: وهذا نحو مما قلناه في الرجل. قال الشاعر:\nفمرّ بنا رجل من الناس وانزوى … إليهم من الحيّ اليمانيّ أرجل\nقبائل من لخم وعكّ وحمير على … ابني نزار بالعداوة أحفل\nوقال آخر:\nيرى الناس أفواجا إلى باب داره … كأنهم رجلا دبا وجراد\nفيوم لإلحاق الفقير بذي الغنى … ويوم رقاب بوكرت بحصاد\nالدبى: الجراد قبل أن يطير، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) سبق الكلام على مثل هذا التأويل من القرطبي، ومذهب السلف هو الإثبات دون تشبيه ولا تعطيل كما تقدم، والله المستعان.","vol":"2","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>١٧١ - باب ذكر آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة وفي تعيينه وتعيين قبيلته واسمه</span>\n(مسلم) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل النار دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله تعالى: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول:\nيا ربّ وجدتها ملأى! فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال فيقول: أتسخر بي؟ أو أتضحك بي وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، قال: فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة» (^١).\nوعنه أن رسول الله ﷺ قال: «آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة؛ فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول: أي ربّ أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلّها وأشرب من مائها، فيقول الله تعالى: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول: لا يا رب! ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه رأى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظلّ بظلها، لا أسألك غيرهما، فيقول: يا ابن آدم: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر عليه فيدنيه منها؛ فإذا أدناه منها ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول مثله. فيدنيه منها؛ فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزئ بي، وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين، فيقول: إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٧١) ومسلم (١٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٧).","vol":"2","page":138},{"text":"وقال ابن عمر عن النبي ﷺ: «آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له:\nجهينة، تقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين» (^١). ذكره الميانشي أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي في كتاب «الاختيار» له في الملح من الأخبار والآثار.\nورواه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، من حديث عبد الملك بن الحكم قال: حدّثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين سلوه؛ هل بقي من الخلائق أحد»؟ ورواه الدارقطني أيضا في كتاب «رواة مالك» ذكره السهيلي. وقد قيل: إن اسمه هناد، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>فصل</span>\nقوله: «أتستهزئ مني»؟ - وفي رواية: أتسخر؟ - والهزء، والسخرية بمعنى واحد، وفيه تأويلان:\nأحدهما: أنه صدر منه هذا القول عند غلبة الفرح عليه واستخفافه إياه، كما غلط الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». خرجه مسلم (^٢).\nالثاني: أن يكون معناه: أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلّة احتفالي بأعمالي، وعدم مبالاتي بها؟ فيكون هذا على وجه المقابلة، كما قال الله تعالى مخبرا عن المنافقين: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] أي:\nينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم، والاستهزاء في اللغة: الانتقام. قال الشاعر:\nقد استهزءوا منهم بألفي مدجّج … سراتهم وسط الصّحاصح جثّم\nومثله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] الآية. وهو كثير، وسيأتي لبيان الاستهزاء من الله مزيد بيان (^٣)، إن شاء الله تعالى والضحك من الله تعالى راجع إلى معنى الرضى عن العبد، فاعلم ذلك.\n_________\n(^١) ذكره ابن عراق الكتاني في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٩١) وقال: «فيه عبد الملك بن الحكم، وجامع بن سواده؛ ضعيفان. وقال الدارقطني في «غرائب مالك»: باطل».\nقال الحافظ ابن كثير في «الفتن والملاحم» (٢/ ٣٥٠): «هذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مالك، لجهالة رواته عنه، ولو كان محفوظا عنه من حديثه لكان في كتبه المشهورة عنه، كالموطإ وغيره مما رواه عنه الثقات. والعجيب أن أبا عبد الله القرطبي ذكره في «التذكرة» وجزم به فقال: قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: …».\n(^٢) في «صحيحه» (٢٧٤٧).\n(^٣) قارن ب «إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ٢١٧، ٢١٨) و«المفسرون بين الإثبات والتأويل» للشيخ محمد المغراوي (٤/ ١٥٨٣ - ١٥٨٧).","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-354>١٧٢ - باب منه، وما جاء في خروج الموحّدين من النار وذكر الرجل الذي ينادي: يا حنّان يا منّان، وبيان قوله تعالى ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، وفي أحوال أهل النار</span>\nخرّج الطبراني أبو القاسم، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال:\nحدّثنا محمد بن عباد المكي، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، بن بسام الصيرفي، عن يزيد الفقير، عن رجل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ناسا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيّرهم أهل الشرك، فيقولون: ما نرى ما كنتم تخالفوننا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم، فلا يبقى موحّد إلا أخرجه الله من النار» ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^١) [الحجر: ٢].\nوروى أبو ظلال، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عبدا في جهنم ينادي ألف سنة: يا حنّان يا منّان، فيقول الله تعالى لجبريل: ائت عبدي فلانا، فينطلق جبريل ﵇ فيرى أهل النار منكبّين على وجوههم، فيرجع فيقول: يا ربّ؛ لم أره، فيقول الله تعالى: إنه في مكان كذا وكذا، قال فيأتيه فيجيء به، فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال فيقول: شرّ مكان، وشرّ مقيل، قال فيقول: ردّوا عبدي، قال فيقول: يا ربّ، ما كنت أرجو أن تردّني إذ أخرجتني منها، فيقول الله تعالى: دعوا عبدي» (^٢).\nوأبو ظلال هذا اسمه هلال بن أبي مالك القسملي، يعدّ في البصريين.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» كما في «المجمع» (١٠/ ٣٧٩) وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح! غير بسام الصيرفي؛ وهو ثقة».\nقلت: حاتم بن إسماعيل المدني؛ «صدوق يهم».\nأضف إلى ذلك جهالة الراوي عن جابر.\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٠) بإسناد ضعيف. فيه هلال بن أبي مالك القسملي.\nقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٨٤): «رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما ورجال الصحيح؛ غير أبي ظلال، وضعّفه الجمهور، ووثقه ابن حبان»!.\nقلت: ذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ٥٠٤)، لكنه ذكره في «المجروحين» (٣/ ٨٥) وقال: «كان شيخا مغفلا يروي عن أنس ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به بحال».\nوقال ابن معين: «أبو ظلال؛ ليس بشيء».\nوالحديث أورده ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٨٦، ٣٨٧).","vol":"2","page":140},{"text":"وعن سعيد بن جبير قال: إن في النار لرجلا - أظنه في شعب من شعابها - ينادي مقدار ألف عام: يا حنّان يا منّان، فيقول رب العزّة لجبريل: يا جبريل، أخرج عبدي من النار، فيأتيها فيجدها مطبقة فيرجع، فيقول: يا رب، إنها عليهم مؤصدة، فيقول:\nيا جبريل؛ ارجع ففكها فأخرج عبدي من النار، فيفكّها فيخرج مثل الخيال، فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما ودما. ذكره أبو نعيم (^١).\nوروى ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي» الحديث وقد تقدم. وفيه بعد قوله: «وأطولهم مكثا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة، ثم إن الله إذا أراد أن يخرج الموحّدين منها قذف في قلوب أهل الأديان فقالوا لهم: كنا وأنتم وآباؤنا جميعا في الدنيا؛ فآمنتم وكفرنا وصدّقتم وكذبنا، وأقررتم وجحدنا؛ فما أغنى ذلك عنكم، نحن وأنتم اليوم فيها سواء، تعذّبون كما نعذب، وتخلدون فيها كما نخلد؛ فيغضب الله عند ذلك غضبا شديدا لم يغضب مثله من شيء فيما مضى؛ ولا يغضب من شيء فيما بقي، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة والنار والصراط يقال لها: نهر الحياة، فيرش عليهم الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل؛ فما يلي الظل منها أخضر، وما يلي الشمس منها أصفر، ثم يدخلون الجنة فيكتب على جباههم: هؤلاء عتقاء الله من النار، إلا رجلا واحدا يمكث فيها ألف سنة، ثم ينادي: يا حنان يا منان؛ فيبعث الله إليه ملكا فيخوض في النار في طلبه سبعين عاما لا يقدر عليه، ثم يرجع فيقول: إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلانا من النار منذ سبعين عاما فلم أقدر عليه، فيقول الله تعالى: انطلق فهو في وادي كذا تحت صخرة فأخرجه؛ فيذهب فيخرجه منها فيدخله الجنة.\nثم إن الجهنميين يطلبون من الله تعالى أن يمحو عنهم ذلك الاسم، فيبعث الله ملكا فيمحوه عن جباههم.\nثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين: اطّلعوا إلى أهل النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه ويرى جاره وصديقه، ويرى العبد مولاه، ثم إن الله تعالى يبعث إليهم الملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار: فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشد بتلك المسامير، وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبدا، وينقطع الكلام؛ فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨، ٩]. وقال ابن مسعود: في عمد، أي: بعمد، وكذا في مصحفه «إنها عليهم مؤصدة بعمد».\n_________\n(^١) في «الحلية» (٤/ ٢٨٥) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":141},{"text":"وخرّج أبو نعيم الحافظ، عن زاذان قال: سمعت كعب الأحبار يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فنزلت الملائكة فصاروا صفوفا، فيقول الله لجبريل: ائت بجهنم، فيجيء بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهل العقول فيفزع كل امرئ إلى عمله، حتى إن إبراهيم الخليل يقول: بخلّتي لا أسألك إلا نفسي، ويقول موسى: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي، ويقول عيسى: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني، ومحمد ﷺ يقول: أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي، إنما أسألك أمتي. قال فيجيبه الجليل ﷻ: إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ فو عزّتي وجلالي لأقرنّ عينك في أمتك. ثم يقف الملائكة بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يؤمرون به. فيقول لهم تعالى وتقدس: معاشر الزبانية؛ انطلقوا بالمصرّين من أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ إلى النار، فقد اشتدّ غضبي عليهم بتهاونهم بأمري في دار الدنيا، واستخفافهم بحقي وانتهاكهم حرمي، يستخفون من الناس ويبارزونني مع كرامتي لهم وتفضيلي إياهم على الأمم، ولم يعرفوا فضلي وعظيم نعمتي؛ تأخذ الزبانية بلحى الرجال وذوائب النساء فينطلق بهم إلى النار، وما من عبد يساق إلى النار؛ من غير هذه الأمة، إلا مسود وجهه، قد وضعت الأنكال في رجليه والأغلال في عنقه، إلا من كان من هذه الأمة، فإنهم يساقون بألوانهم؛ فإذا وردوا على مالك قال لهم: معاشر الأشقياء، من أي أمة أنتم؟ فما ورد عليّ أحسن وجوها منكم! فيقولون: يا مالك، نحن من أمة القرآن، فيقول لهم: يا معشر الأشقياء، أوليس القرآن أنزل على محمد ﷺ؟\nقال: فيرفعون أصواتهم بالنحيب والبكاء، فيقولون: وا محمداه! وا محمداه! اشفع لمن أمر به إلى النار من أمتك.\nقال: فينادي مالك بتهدد وانتهار: يا مالك؛ من أمرك بمعاتبة أهل الشقاء ومحادثتهم والتوقف عن إدخالهم العذاب؟ يا مالك، لا تسود وجوههم فقد كانوا يسجدون لي في دار الدنيا. يا مالك: لا تغلهم بالأغلال، فقد كانوا يغتسلون من الجنابة. يا مالك، لا تعذبهم بالأنكال، فقد طافوا بيتي الحرام. يا مالك؛ لا تلبسهم القطران، فقد خلعوا ثيابهم للإحرام. يا مالك، مر النار لا تحرق ألسنتهم، فقد كانوا يقرءون القرآن. يا مالك، قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقادير استحقاقهم من الوالدة بولدها. فمنهم من تأخذه النار إلى","vol":"2","page":142},{"text":"كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، ومنهم دون ذلك. فإذا انتقم الله ﷿ منهم على قدر كبائرهم وعتوّهم وإصرارهم، فتح بينهم وبين المشركين بابا فرأوهم في الطبق الأعلى من النار، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، يبكون ويقولون: يا محمداه، ارحم من أمتك الأشقياء واشفع لهم، فقد أكلت النار لحومهم ودماءهم وعظامهم، ثم ينادون: يا رباه يا سيداه، ارحم من لم يشرك بك في دار الدنيا وإن كان قد أساء وأخطأ وتعدى؛ فعندها يقول المشركون: ما أغنى عنكم إيمانكم بالله وبمحمد شيئا، فيغضب الله تعالى لذلك؛ فعندها يقول: يا جبريل انطلق فأخرج من في النار من أمة محمد، فيخرجهم ضبائر قد امتحشوا فيلقيهم على نهر على باب الجنة يقال له نهر الحياة، فيمكثون حتى يعودوا أنضر ما كانوا، ثم يأمر بإدخالهم الجنة مكتوبا على جباههم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من أمة محمد ﷺ فيعرفون من بين أهل الجنة بذلك، فيتضرعون إلى الله ﷿ أن يمحو عنهم تلك السمة فيمحوها الله تعالى عنهم، فلا يعرفون بها بعد ذلك أبدا (^١).\nوذكر أبو نعيم الحافظ عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبّار، وكل شيطان، وكل من يخاف الناس شره في الدنيا، فيوثقون بالحديد، ثم أمر بهم إلى النار، ثم أوصدها عليهم، أي: أطبقها؛ فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرارها أبدا، ولا والله ما ينظرون إلى أديم سماء أبدا، ولا والله لا تلتقي جفونهم على غمض نوم، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا.\nقال: ثم يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة افتحوا اليوم الأبواب، فلا تخافوا شيطانا، ولا جبارا، وكلوا اليوم واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية. قال أبو عمران: إذا هي والله يا إخوتاه أيامكم هذه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-355>فصل</span>\nقوله: «فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل» وجاء في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم، ثم يقال: «يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء» والمعنى واحد. والنبات معروف، وهو خروج الشيء.\nوالحبة بكسر الحاء: بذور البقول.\nوحميل السيل: ما احتمله من طين وغثاء؛ فإذا اتفق أن يكون فيه حبة فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتا، فشبّه النبي ﷺ سرعة نبات أجسادهم\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٥/ ٣٧٣، ٣٧٤).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٢/ ٣١٢).","vol":"2","page":143},{"text":"بسرعة نبات تلك الحبة، وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣].\nوقوله: «وأطولهم مكثا من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة».\nاختلف في انقضاء هذا العالم، وفي مدة الدنيا، وأكثر المنجّمون في ذلك، فقال بعضهم: عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة، لكل واحد ألف سنة. وقال بعضهم: بأنها اثنتا عشرة ألف سنة بعدد البروج، لكل ألف سنة. وقال بعضهم: بأنها ثلاثمائة وستون ألف سنة بعدد درجات الفلك، لكل درجة ألف سنة.\nوقوله: «إلا رجلا واحدا يمكث فيها ألف سنة، ثم ينادي: يا حنان يا منان»؛ الحنان: الذي يقبل على من أعرض عنه (^١)، والمنان: الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، ﷾ لا إله إلا هو (^٢). روي ذلك عن علي ﵁. وقد ذكرنا في كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا» مستوفى والحمد لله. وقد تقدم الكلام في نحو ذلك الاسم عنهم، فلا معنى لإعادته.\nوقوله: «وينساهم على عرشه»؛ أي: يتركهم في العذاب، كما قال: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا عبادته وتوحيده فتركهم. والعرش في كلام العرب له محامل كثيرة، قد أتينا عليها في كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» منها: الملك، كما قال زهير:\nتداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها … وذبيان إذ زلّت بأقدامها النعل\nوقال آخر:\nبعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه … والحارثين يؤمّلون فلاحا\nوتقول العرب: ثلّ عرش فلان؛ إذا ذهب عزه وسلطانه وملكه. فالمعنى:\nوينساهم الرحمن على عرشه، أي: بما هو عليه من الملك والسلطان والعظمة والجلال، لا يعبأ بهم، ولا يلتفت إليهم لما حكم به في الأزل عليهم من خلودهم في النار، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط.\nوأجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلّدون فيها غير خارجين منها، كإبليس، وفرعون، وهامان، وقارون، وكل من كفر وتكبّر وطغى؛ فإن له جهنم لا\n_________\n(^١) انظر في معنى هذا الاسم: «النهج الاسمي في شرح أسماء الله الحسنى» لمحمد الحمود النجدي (٣/ ٧٥ - وما بعدها).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٨١ - وما بعدها).","vol":"2","page":144},{"text":"يموت فيها ولا يحيا. وقد وعدم الله عذابا أليما، فقال ﷿: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦]. وأجمع أهل السنة أيضا على أنه لا يبقى فيها مؤمن، ولا يخلد إلا كافر جاحد، فاعلم.\nقلت: وقد زلّ هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء، فقال: إنه يخرج من النار كل كافر ومبطل وجاحد ويدخل الجنة، فإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب، فيعكس عليه فيقال: وكذلك جائز في العقل أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذّبون فيها، وهذا فساد مردود بوعده الحق وقوله الصدق، قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي: غير مقطوع، وقال: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] وقال: ﴿لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ [التوبة: ٢١، ٢٢] وقال في حق الكافرين: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وقال:\n﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للمعقول فيما اقتطع أصله الإجماع والرسول، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-356>١٧٣ - باب ما جاء في الاستهزاء بأهل النار وبيان قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾</span>\nذكر ابن المبارك قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] قال: يقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار؛ فإذا انتهوا إلى أبوابها أغلقت دونهم، فذلك قوله ﷿: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم، فذلك قوله ﷿: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٦].\nقال ابن المبارك: وأخبرنا محمد بن بشار، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ قال: ذكر لنا أن كعبا كان يقول: إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له في الدنيا اطّلع من بعض الكوى، قال","vol":"2","page":145},{"text":"الله ﷾ في آية أخرى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قال:\nذكر لنا أنه يطلع فيرى جماجم القوم تغلي.\nأخبرنا معمر عن قتادة قال: قال بعض العلماء: لولا أن الله ﷿ عرفه إياه ما عرفه، لقد تغير حبره وسبره، فعند ذلك يقول: ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٦، ٥٧] في النار.\nوالحبر والسّبر: اللون والهيئة، من قولهم: جاءت الإبل حسنة الأحبار والأسبار، قاله الفراء. وقال الأصمعي: هو البهاء والجمال وأثر النعمة، يقال:\nفلان حسن الحبر والسبر، إذا كان جميلا حسن الهيئة. قال ابن أحمد:\nلبسنا حبرة حتى اقتضينا … لآجال وأعمار قضينا\nويقال أيضا: فلان حسن الحبر والسّبر بالفتح، وهذا كله مصدر قولك:\nحبرته تحبيرا. والأول اسم، وتحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه وتزيينه.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>باب منه</span>\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المستهزئين بعباد الله في الدنيا تفتح لهم أبواب الجنة يوم القيامة يقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا أغلق الباب دونهم. وتفتح الثانية فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فإذا جاءوا أغلق الباب دونهم، وتفتح لهم الثالثة، فيدعون فلا يجيبون، قال فيقول لهم الرب: أنتم المستهزءون بعبادي؟ أنتم آخر الناس حسابا؛ فيقومون حتى يغرقوا في عرقهم، فينادون: يا ربنا إما صرفتنا إلى جهنم وإما إلى رضوانك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-358>باب منه</span>\nوقال رسول الله ﷺ: «يؤمر يوم القيامة بأناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، فيقولون:\nيا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما رأيتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا، قال: ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مختبئين، تراءون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، وأجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي؛ فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتكم من الثواب» (^٢). ذكره أبو حامد ﵀.\n_________\n(^١) لا يصح.\n(^٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٧/ ٨٥، ٨٦/ ١٩٩) وفي «الأوسط» كما في «مجمع البحرين» -","vol":"2","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-359>١٧٤ - باب ما جاء في ميراث أهل الجنة منازل أهل النار</span>\nجاء في الخبر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار، فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار، ويجعل الكفار في منازلهم من النار» (^١).\nخرّجه ابن ماجه بمعناه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار؛ فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]» (^٢) إسناده صحيح.\nقلت: وهذا بيّن في أن لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار، كما تقدم. وقد قال هاهنا: «ما منكم»؛ فخاطب أصحابه الكرام المنزّهين عن الذنوب العظام الموجبة للنيران ﵃، وسيأتي لهذا مزيد بيان في أبواب الجنان، إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-360>١٧٥ - باب ما جاء في خلود أهل الدارين وذبح الموت على الصراط ومن يذبحه</span>\n(البخاري) عن ابن عمر قال: قال رسول الله: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم ينادي مناد:\nيا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» (^٣).\n_________\n= - (٤٨٧) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٢٤، ١٢٥) وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ١٥٥، ١٥٦). وفي إسناده أبو جنادة؛ حصين بن مخارق، قال ابن حبان: «لا يجوز الرواية عنه، ولا الاحتجاج به إلا على سبيل الاعتبار».\nوانظر «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٢٠) و«ميزان الاعتدال» (٢/ ٣١٩، ٣٢٠) و«تنزيه الشريعة» (٢٩٨/ ٢، ٢٩٩).\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٥١٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣٤١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٥٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٤٨) ومسلم (٢٨٥٠).","vol":"2","page":147},{"text":"(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة؛ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم! هذا الموت، قال ثم يقال: يا أهل النار؛ هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون:\nنعم! هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت فيها، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا» (^١).\nوأخرجه أبو عيسى الترمذي، عن أبي سعيد الخدري يرفعه قال: «إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار؛ فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار» (^٢). قال:\nحديث حسن صحيح.\nوذكر ابن ماجه في حديث فيه طول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط، فيقال يا أهل الجنة: فيطّلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار! فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا نعم! هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين كليهما: خلود فيما تجدون، لا موت فيه أبدا» (^٣).\nخرّجه الترمذي بمعناه مطولا عن أبي هريرة أيضا، وفيه: «فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار أتي بالموت ملبّيا فيوقف على السور الذي بين الجنة وبين النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار؛ فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول هؤلاء وهؤلاء: عرفناه، هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبحا على السور، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت» (^٤). قال: هذا حديث حسن صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-361>فصل</span>\nقلت: هذه الأحاديث مع صحتها نصّ في خلود أهل النار فيها، لا إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٣٠) ومسلم (٢٨٤٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٥٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٧)، وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٩٣).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٥٥٧).","vol":"2","page":148},{"text":"غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال في كتابه الكريم، وأوضح فيه عن عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ إلى قوله ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦، ٣٧ وقال: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] وقد تقدمت هذه المعاني كلها.\nفمن قال: إنهم يخرجون منها وإن النار تبقى خالية بجملتها، خاوية على عروشها، وإنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول. ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] وإنما تخلى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها العصاة من أهل التوحيد، وهي التي ينبت على شفيرها فيما يقال الجرجير.\nقال فضل بن صالح المعافري: كنا عند مالك بن أنس ذات يوم، فقال لنا: انصرفوا، فلما كان العشية رجعنا إليه، فقال: إنما قلت لكم انصرفوا لأنه جاءني رجل يستأذن عليّ، زعم أنه قدم من الشام في مسألة، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في أكل الجرجير؛ فإنه يتحدث عنه أنه ينبت على شفير جهنم؟ فقلت له: لا بأس به؛ فقال: أستودعك الله وأقرأ عليك السلام. ذكره الخطيب أبو بكر أحمد ﵀.\nوذكر أبو بكر البزار، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها، ليس فيها أحد - يعني من الموحدين - هكذا رواه موقوفا من قول عبد الله بن عمرو، وليس فيه ذكر النبي ﷺ، ومثله لا يقال من جهة الرأي؛ فهو مرفوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-362>فصل</span>\nقد تقدّم أن الموت معنى، والكلام في ذلك وفي الأعمال وأنها لا تنقلب جوهرا، بل يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذلك الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت، ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا هو الموت، ويكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين.","vol":"2","page":149},{"text":"قال الترمذي: والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة ﵃؛ مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم، أنهم رووا هذه الأشياء، وقالوا: ونروي هذه الأحاديث، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء ويؤمن بها ولا تفسّر ولا تتوهّم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه.\nقال المؤلف ﵀: وإنما يؤتى بالموت كالكبش - والله أعلم - لما جاء أن ملك الموت أتى آدم ﵇ في صورة كبش أملح، قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح على ما تقدم أول الكتاب، في باب: ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر.\nوفي التفسير من سورة الملك عن ابن عباس ومقاتل والكلبي في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] أن الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهي التي كان جبريل والأنبياء ﵈ يركبونها، خطوها مدّ البصر، فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاها على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس، والماوردي عن مقاتل والكلبي.\nومعنى يشرئبون: يرفعون رؤوسهم. والأملح من الكباش: الذي يكون فيه بياض وسواد، والبياض أكثر. قاله الكسائي. وقال ابن الأعرابي وهو النقي البياض.\nوذكر صاحب «خلع النعلين»: أن هذا الكبش المذبوح بين الجنة والنار؛ أن الذي يتولى ذبحه يحيى بن زكريا ﵉، بين يدي النبي ﷺ، وبأمره الأكرم. وذكر في ذبحه كلاما مناسبا لحياة أهل الجنة وحياة أهل النار. وذكر صاحب كتاب العروس: أن الذي يذبحه جبريل ﵇، فالله أعلم.\nتم كتاب النار بحمد الله العزيز الغفار، أجارنا الله منها بمنه وبفضله وكرمه، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه، لا إله إلا هو العزيز الغفار، وحسبنا الله ونعم الوكيل.","vol":"2","page":150},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-363>أبواب الجنة وما جاء فيها وفي صفتها ونعيمها</span>\nوصف الله تعالى الجنات في كتابه وصفا مقام العيان في غير ما سورة من القرآن، وأكثر ذلك في سورة الواقعة والرحمن، و﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وسورة الإنسان، وبيّن ذلك أيضا نبينا محمد ﷺ بأوضح بيان، فنذكر من ذلك ما بلغنا في الأخبار الصحاح والحسان، وعن السلف الصالح أهل الفضل والإحسان ﵃، وحشرنا معهم؛ آمين.\nذكر ابن وهب، قال: وحدّثنا ابن زيد قال: إن رسول الله ﷺ ليقرأ: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود قد كان يسأل النبي ﷺ، فقال له عمر بن الخطاب: حسبك لا تثقل على النبي ﷺ، قال:\nدعه يا ابن الخطاب، قال: فنزلت عليه هذه السورة وهو عنده، فلما قرأها عليه وبلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه؛ فقال رسول الله ﷺ: «أخرج نفس صاحبكم أو أخيكم الشوق إلى الجنة» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-364>١٧٦ - باب صفة أهل الجنة في الدنيا</span>\nقال ابن وهب: سمعت ابن زيد يقول: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن وبالبكاء والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله ﷿: ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه، فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلى﴾ [الانشقاق: ١٣ - ١٥] وقد تقدم من صفة أهلها ما فيه كفاية، والحمد لله وحده.\n_________\n(^١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٨١ - ٥٨٢) وقال: «مرسل غريب».","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-365>١٧٧ - باب منه، وهل تفضل جنة جنة؟</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ثم وصفهما، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢].\nوعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ أي: بعد أداء الفرائض جنتان، قيل: على حدة؛ فلكل خائف جنتان. وقيل: جنتان لجميع الخائفين، والأول أظهر.\nقال الترمذي محمد بن علي: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه لشهوته.\nوالمقام: الموضع، أي: خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية.\nوقيل: خاف مقام ربه عليه، أي: إشرافه واطلاعه عليه، بيانه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].\nوقال مجاهد والنخعي: هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر الله، فيدعها من خوفه.\nوروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «الجنتان بستانان في عرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام، في وسط كلّ بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز نعمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها نابت». ذكره الهروي والثعلبي أيضا من حديث أبي هريرة.\nوقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور، والأخرى أعاليها. وقال مقاتل:\nهما جنة عدن وجنة النعيم.\nوقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قال ابن عباس: أي: وله من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. قال ابن عباس: ومن دونهما؛ أي: في الدرج، والجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في الأوليين: النخل والشجر، وفي الأخريين: الزرع والنبات وما انبسط.\nقال الماوردي: ويحتمل أن يكون ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين، والأخرى للولدان المخلّدين ليتميز فيها الذكور من الإناث.\nوقال ابن جريج: هي أربع جنان؛ جنتان منها للسابقين المقربين؛ فيهما من كل فاكهة زوجان وعينان تجريان، وجنتان لأصحاب اليمين؛ فيهما فاكهة ونخل ورمان، وفيهما عينان نضاختان.","vol":"2","page":152},{"text":"وقال: ابن زيد: الأوليان من ذهب للمقربين، والأخريان من ورق لأصحاب اليمين.\nقال المؤلف ﵀: وإلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب «منهاج الدين» له واحتجّ بما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى قوله: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٦٤] قال: هاتان للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك.\nولما وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في الأوليين: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] وفي الأخريين: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] أي: فوارتان بالماء، لكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: ﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] معروف وغريب أو رطب ويابس، فعم ولم يخص، وفي الأخريين: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو الديباج، وفي الأخريين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] والعبقري: الوشي. ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف: كسر الخباء، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء. وقال في الأوليين في صفة الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] وفي الأخريين: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان. وقال في الأوليين: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] وفي الأخريين: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أي: خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان.\nووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها، وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدناه في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ولعل ما لم يذكره من تفاوت ما بينهما يكثر مما ذكر.\nفإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟\nقيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه، إلا أن الخائفين لهم مراتب؛ فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصر حاله في الخوف من الله تعالى.\nقال المؤلف ﵀: فهذا قول، والقول الثاني: أن الجنتين في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أعلى وأفضل من الأوليين، ذهب إلى هذا الضحاك، وأن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة، والأخريين من ياقوت وزمرد.","vol":"2","page":153},{"text":"قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أي: ومن أمامهما ومن قبلهما، وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله محمد الترمذي الحكيم في: «نوادر الأصول» وقال: ومعنى ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أي: دون هاتين إلى العرش أي: أقرب وأدنى إلى العرش.\nوقال مقاتل: الجنتان الأوليان؛ جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى.\nقال المؤلف ﵀: ويدل على هذا قوله ﵊: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» (^١)، الحديث، وسيأتي.\nقال الترمذي: وقوله: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أي: بألوان الفواكه والنعيم والجواري المزينات، والدواب المسرجات، والثياب الملونات، وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري.\nقال المؤلف ﵀: على هذا تدل أقوال المفسرين؛ روي عن ابن عباس نضاختان: أي فوارتان بالماء، والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء. وعنه أيضا:\nأن المعنى نضاختان بالخير والبركة، قاله الحسن ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا وابن مسعود: تنضخ على أولياء الله بالمسك والكافور والعنبر في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر. وقال سعيد بن جبير: بأنواع الفواكه والماء.\nوقوله: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وهذا ظاهر الكلام، وقال الجمهور:\nهما من الفواكه، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما على الفواكه، كقوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقوله: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليها، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، وإنما ذكر الفواكه ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم بالمدينة إلى مكة إلى ما والاهما من بلاد اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها.\nوقوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ يعني: النساء، والواحدة خيرة، قال الترمذي:\nالخيرة ما اختارهن الله فأبدع خلقهن باختياره، واختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين، ثم قال: ﴿حِسانٌ﴾ فوصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الشيء شيئا بالحسن، فمن\n_________\n(^١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٢٧٩٠، ٧٤٢٣) وغيره، وسيأتي بعد قليل.","vol":"2","page":154},{"text":"ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن؟ فانظر ما هنالك، وفي الأوليين ذكر بأنهن قاصرات الطرف وكأنهن الياقوت والمرجان؛ فانظر كم بين الخيرة وهي مختارة الله وبين قاصرات الطرف؟ ثم قال: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] وقال في الأوليين: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] قصرن طرفهن على الأزواج، ولم يذكر أنهن مقصورات، فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل.\nوقد بلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار، سعتها أربعون ميلا وليس لها باب، حتى إذا حل ولي الله بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب، ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها وهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين، والله أعلم.\nثم قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ اختلف في الرفرف، ما هو؟ فقيل: كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها، الواحدة رفرفة. وقيل: الرفرفة شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا، ورفعا وخفضا.\nيتلذذ به مع أنيسته، واشتقاقه على هذا من رف يرف إذا ارتفع، ومنه رفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء وربما سمي الظليم رفرفا بذلك، لأنه يرف بجناحيه ثم يعدو. ورفرف الطائر أيضا؛ إذا حرّك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه.\nقال الترمذي الحكيم: فالرفرف أعظم خطرا من العرش.\nوذكر في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وقال هنا: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به، أي طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح.\nوروي لنا في حديث المعراج: «أن رسول الله ﷺ لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى سند العرش، فذكر أنه طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي، ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى أدله إلى جبريل صلوات الله عليهما، وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد».\nوالرفرف خادم من الخدم بين يديّ الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو والقربة، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء صلوات الله عليهم مخصوصة بذلك في أرضه. فهذا الرفرف الذي سخّره الله لأجل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان.","vol":"2","page":155},{"text":"ثم قال: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ والعبقري: ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش: إنها حسان، فما ظنك بتلك العباقر، والعبقري: قرية من ناحية اليمن - فيما بلغنا - ينسج فيها بسط منقوشة (^١)، فذكر الله ما خلق في تلك الجنتين من البسط المنقوشة الحسان والرفرف الخضر. وإنما ذكر لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هنا؛ فبان تفاوت هاتين الجنتين.\nوقد روي عن بعض السلف: فإذا هو يشير إلى أن هاتين الجنتين من دونهما، أي: أسفل منهما وأدون، فكيف يكون مع هذه الصفة أدون؟ فحسبته لم يفهم الصفة. ذكره في الأصل التاسع والثمانين من كتاب «نوادر الأصول».\n\n<span data-type='title' id=toc-366>فصل</span>\nلما قال الله ﷾: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ دل على أن الجنان أربع، لا سبع، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-367>١٧٨ - باب صفة الجنة ونعيمها، وما أعدّ الله لأهلها فيها</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله ﷿: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ذخرا بله ما أطلعتكم عليه»، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢) [السجدة: ١٧].\nبله: بمعنى غير. وقيل: اسم من أسماء الأفعال بمعنى دع.\n(ابن ماجه) عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ، ذات يوم لأصحابه:\n«ألا مشمّر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي وربّ الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيّد، ونهر مطرد، وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبد في جدة ونضرة، في دار عالية سليمة بهية» قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله. قال: «قولوا إن شاء الله». ثم ذكر الجهاد وحضّ عليه (^٣).\n_________\n(^١) انظر «معجم البلدان» (٥٦/ ٢٩٥) - إحياء التراث العربي -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٤٤، ٤٧٧٩، ٤٧٨٠) ومسلم (٢٨٢٤).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٢)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":156},{"text":"(الترمذي) عن أبي هريرة قال: «قلت: يا رسول الله؛ مم خلق الخلق؟ قال: من الماء. قلت: الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، بلاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من دخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم» (^١). وذكر الحديث. وقال: ليس إسناده ذلك بالقوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد روى هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ.\nقال المؤلف ﵀: خرّجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال:\nحدّثنا إبراهيم بن معاوية، عن سعد الطائي، قال: حدّثني أبو المدلّة؛ مولى أم المؤمنين، أنه سمع أبا هريرة يقول: قلنا: يا رسول الله؛ إذا كنا عندك رقّت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك وشممنا النساء والأولاد أعجبتنا الدنيا؟ فقال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تكونون إذا فارقتموني كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأكفّها ولزارتكم في بيوتكم، ولو كنتم لا تذنبون لجاء الله بقوم يذنبون كي يستغفروا فيغفر لهم». قلنا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن الجنة؛ ما بناؤها؟ قال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وبلاطها المسك الأذفر، وحصباؤها الدر والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها يبقى لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» (^٢).\n(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ لابن صياد: «ما تربة الجنة»؟ قال در مكة بيضاء مسك يا أبا القاسم، قال: «صدقت» (^٣).\nوعنه، أن ابن صياد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة فقال: «در مكة بيضاء مسك خالص» (^٤).\n(ابن المبارك)، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن العلاء بن يزيد، عن أبي هريرة قال: حائط الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ودرجها اللؤلؤ والياقوت، قال: وكنا تحدّث أن رضاختها اللؤلؤ، وترابها الزعفران (^٥).\nقلت كل هذا مرفوع حسب ما تقدم في هذا الباب، ويأتي.\n***\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥، ٤٤٥) والترمذي (٢٥٢٦)، وهو حديث صحيح بالطرق والشواهد، كما قال العلامة الألباني.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٥٨٣)، وهو صحيح.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٢٨).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٥٢) والبغوي في «شرح السنة» رقم (٤٣٩١) وعبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٨٧٥).","vol":"2","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>١٧٩ - باب ما جاء في أنهار الجنة وجبالها وما جاء في الدنيا منها</span>\nقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥].\nوروي أنها تجري في غير أخدود، منضبطة بالقدرة.\nويروى عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «أنهار الجنة تخرج من تحت تلال أو جبال مسك»، ذكره العقيلي (^١).\nوذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي إدريس، قال:\nحدّثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أربعة جبال من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة». وقيل: فمن الأجبل؟ قال: «جبل أحد، يحبّنا ونحبه، والطور؛ جبل من جبال\n_________\n(^١) في «الضعفاء» (٢/ ٣٢٦) وابن حبان (٤٢٣/ ٧٤٠٨/١٦) والحاكم كما في «حادي الأرواح» ص ٣١٥، ٣١٦ - ط. الزغلي.\nومن طريقه البيهقي في «البعث والنشور» (٢٦٦) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٣١٣).\nمن طريق: أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال محقق «صحيح ابن حبان»: «إسناده حسن»!\nوقال محقق «صفة الجنة» لابن كثير - ط. مؤسسة الكتب الثقافية - رقم (١٠٠، ١٢٩): «إسناده لا بأس به»!\nوفيما قالاه نظر؛\nفابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت؛ قال أحمد: «أحاديثه مناكير»، وضعّفه النسائي وابن معين، ووثقه أبو حاتم، وقال الحافظ: «صدوق يخطئ».\nوعبد الله بن ضمرة؛ هو السلولي، وثقه العجلي وابن حبان، وروى عنه جمع من الثقات، فعسى أن يكون حسن الحديث إن شاء الله تعالى.\nفعلّة الإسناد هو: ابن ثوبان، وقد تبين لك حاله، والله أعلم.\nقلت: صحّ الخبر عن ابن مسعود موقوفا.\nأخرجه: عبد الرزاق في المصنف» (١١/ ٤١٦) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣/ ٩٦، ١٤٧) والبيهقي في «البعث والنشور» (٢٦٧) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٣٠٦) وهناد في «الزهد» (٩٤).\nوقال ابن قيم الجوزية في «حادي الأرواح» ص ٣١٦: «وهذا موقوف صحيح».","vol":"2","page":158},{"text":"الجنة، ولبنان؛ جبل من جبال الجنة، والجودي: جبل من جبل الجنة، والأنهار: النيل والفرات، وسيحان وجيحان، والملاحم: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر» (^١).\nوبالسند المذكور قال: غزونا مع النبي ﷺ أول غزوة غزاها الأبواء حتى إذا كنا بالروحاء نزل بعرق الظبية فصلّى بهم، ثم قال: «هل تدرون ما اسم هذا الجبل»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا خصيب؛ جبل من جبال الجنة، اللهم فبارك فيه وبارك لأهله، وقال للروحاء: هذه سجاسج واد من أودية الجنة، لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيّا؛ ولقد مر بها موسى ﵇، عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة ورد في سبعين ألفا من بني إسرائيل، حتى جاء البيت العتيق (^٢).\nالحديث. وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.\n(الترمذي) عن حكيم بن معاوية، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بحر الماء، وبحر اللبن، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تنشق الأنهار بعد ذلك» (^٣). قال: أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وحكيم بن معاوية هو والد بهز بن حكيم.\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة» (^٤).\nوقال كعب: نهر دجلة نهر بالجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر (^٥).\nوذكر البخاري من طريق شريك عن أنس في حديث الإسراء: «فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان يا جبريل؟ قال: النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى في السماء؛ فإذا بنهر آخر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربّك» (^٦).\n***\n_________\n(^١) خبر موضوع؛ أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٨/ ١٩/١٧) وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢٢٢/ ٣٠٧/١) وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٠٨٠).\nوانظر «تنزيه الشريعة» (١/ ١٩٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني كما في «المجمع» (٦/ ٦٨)، وهو كالذي قبله.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٧١)، وهو صحيح.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٨٣٩)،\n(^٥) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» كما في «المطالب العالية» رقم (٤٦١٤) - ط. دار العاصمة - والخطيب في «تاريخه» (١/ ٥٥) بإسناد حسن.\n(^٦) أخرجه البخاري (٧٥١٧).","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-369>١٨٠ - باب منه وما جاء في رفع هذه الأنهار آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج، ورفع القرآن والعلم</span>\nذكر أبو جعفر النحاس: قرئ على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس، عن جامع بن سوادة، قال: حدّثنا سعيد بن سابق، حدّثنا مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل الله ﷿ إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ؛ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل هو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل ﵇، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة؛ فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والدين» (^١).\nقلت: رفع القرآن عند خروج يأجوج ومأجوج فيه نظر، وسيأتي بيانه آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى.\nوروي عن المسعودي أنه قال: مدّ الفرات على عهد ابن مسعود فكره الناس مده؛ فقال ابن مسعود: لا تكرهوا مده فإنه سيأتي زمان يلتمس فيه طست مملوء من ماء فلا يوجد، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره، فيكون بقية الماء والعيون بالشام، وسيأتي بيان هذا، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١/ ٥٧) وعثمان بن سعيد الدارمي كما في «حادي الأرواح» ص ٣١٨ - ط. الزغلي - وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٣٤، ٣٥) وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٣١٦)، والحافظ الضياء كما في «الفتن والملاحم» لابن كثير (٢/ ٢٩٨) أو ص ٧٩، ٨٠ من «صفة الجنة» - وهو جزء من الكتاب السابق - وابن مردويه كما في «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٦٥٣) - دار الوفاء - وغيرهم.\nمن طريق: سعيد بن سابق به.\nوإسناده ضعيف جدا؛ لأجل مسلمة بن علي الخشني؛ «متروك». قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر الحديث: «وهذا حديث غريب جدا؛ بل منكر، ومسلم بن علي ضعيف الحديث عند الأئمة». وضعّف إسناده السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٨).","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>١٨١ - باب من أين تفجّر أنهار الجنة؟</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله؛ أفلا تبشر الناس؟ قال: إن في الجنة، مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله: ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة» (^١). خرّجه ابن ماجه أيضا وغيره.\nوقال أبو حاتم البستي: معنى قوله: «فإنه أوسط الجنة» يريد: في الارتفاع، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها.\nوقد قيل: إن الفردوس اسم يشمل جميع الجنة، كما أن جهنم اسم لجميع النيران كلها، لأن الله تعالى مدح في أول سورة المؤمنين أقواما وصفهم، ثم قال:\n﴿هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] ثم أعاد ذكرهم في سورة المعارج فقال: ﴿أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥]، فعلمنا أن الفردوس جنات لا جنة واحدة، قاله وهب بن منبه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-371>١٨٢ - باب ما جاء أن الخمر شراب أهل الجنة ومن شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة وفي لباس أهل الجنة وآنيتهم</span>\n(النسائي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة». ثم قال رسول الله ﷺ: «لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٩٠، ٧٤٢٣).\n(^٢) أخرجه النسائي في «الكبرى» (١٩٥/ ٦٨٦٩/٤) بإسناد حسن.","vol":"2","page":161},{"text":"قلت: إن قال قائل: قد سوّى النبي ﷺ بين الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة، فهل يحرمها إذا دخل الجنة؟\nقلنا: نعم؛ إذا لم يتب منها، لقوله ﵊: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» (^١). خرّجه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nوكذلك لابس الحرير، ومن أكل في آنية الذهب والفضة، أو شرب فيها لاستعجاله ما أخر الله له في الآخرة، وارتكاب ما حرم الله عليه في الدنيا.\nوقد روى أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال: حدّثنا هشام، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو» (^٢).\nوهذا نص صريح، وإسناده صحيح، فإن كان «وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» من قول النبي ﷺ فهو الغاية في البيان، وإن كان من قول الراوي على ما ذكر أنه موقوف (^٣)؛ فهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، ومثله لا يقال من جهة الرأي، وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-372>١٨٣ - باب ما جاء في أشجار الجنة وفي ثمارها وما يشبه ثمر الجنة في الدنيا.</span>\n(الترمذي) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله ﷿: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام ولا يقطعها، واقرءوا إن شئتم:\n﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها،\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٢٨٤) -٤٢ - كتاب الأشربة. (٤) باب تحريم الخمر، والبخاري (٥٥٧٥) ومسلم (٢٠٠٣).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٢١٧).\n(^٣) ذلك أن بعض العلماء عدّ هذه الجملة مدرجة في الحديث؛ وانظر «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني (١٠/ ٢٤٤).","vol":"2","page":162},{"text":"واقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (^١) [آل عمران: ١٨٥]. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\n(ابن المبارك) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو قال - مائة سنة؛ وهي شجرة الخلد» (^٢).\nقال: وأخبرنا ابن أبي خالد، عن زياد مولى بني مخزوم، سمع أبا هريرة يقول:\nفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.\nفبلغ ذلك كعبا فقال: صدق؛ والذي أنزل التوراة على لسان موسى بن عمران، والفرقان على محمد ﷺ؛ لو أن رجلا ركب حقّة أو جذعة ثم دار في أصل تلك الشجرة ما يبلغها حتى يسقط هرما، إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا ويخرج من أصل تلك الشجرة (^٣).\n(الترمذي) عن أسماء بنت أبي بكر وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول - وذكر لها سدرة المنتهى - قال: «يسير الراكب في ظلّ الفنن مائة سنة أو يستظل بظلها مائة راكب - شك يحيى - فيها فراش الذهب، كأن ثمرها القلال» (^٤). قال أبو عيسى:\nهذا حديث حسن صحيح.\nوذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال:\n«لما رفعت سدرة المنتهى في السماء السابعة، نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، قلت: يا جبريل ما هذه؟ فقال:\nأما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران؛ فالنيل والفرات» (^٥).\nقلت: هذا كله لفظ مسلم إلا قوله: «نبقها مثل قلال هجر». أخرجه الدارقطني في «سننه» (^٦)، قال: حدّثنا أبو بكر النيسابوري، حدّثنا محمد بن يحيى، قال:\nحدّثنا عبد الرزاق، فذكره.\nوخرّج البخاري أيضا من حديث قتادة قال: حدّثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة قال: قال رسول الله ﷺ: - الحديث حديث الإسراء - وفيه:\n«ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر وورقها كأنه آذان الفيلة، وفي\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٨١) ومسلم (٢٨٢٦) وابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٦٦).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٦٧) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣/ ١٠٥) وابن جرير في «تفسيره» (٢٧/ ٩٤).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٥٤١)، وإسناده حسن.\n(^٥) أخرج نحوه مسلم (١٣٦).\n(^٦). (١/ ٢٥).","vol":"2","page":163},{"text":"أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان» (^١). وذكر الحديث.\nوفي حديث ابن مسعود «سدرة المنتهى: صبر الجنة». قال أبو عبيدة:\nصبرها: أعلاها، وكذلك صبر كل شيء أعلاه، والجمع: أصبار.\nقال النّمر بن تولب يصف روضة:\nعزبت وباكرها الربيع بديمة … وطفاء تملؤها إلى أصبارها\nيعني: إلى أعاليها، وهي جماعة للصبر. وقال الأحمر: الصبر جانب الشيء، لغتان: صبر، وبصر، كما قالوا: جبذ وجذب، وقال أبو عبيد: - وقول أبي عبيدة أعجب - إلى أن يكون في أعلاها من أن يكون في جانبها.\n(ابن المبارك) قال: حدّثنا صفوان، عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: إنه لتنفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوما، فقال:\nيا رسول الله؛ لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ قال رسول الله ﷺ: «وما هي»؟ قال: السدر؛ فإن له شوكا مؤذيا.\nفقال رسول الله ﷺ: «أوليس يقول الله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨]؟ يخضد شوكه، فيجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا، تفتق الثمرة منها على اثنين وسبعين لونا طعام، ما في لون يشبه الآخر» (^٢). ويروى التمر بالتاء باثنين فيها كلها، قاله أبو محمد عبد الحق.\nوذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمرو بن يزيد البكالي، عن عتبة بن عبد السّلمي قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الجنة، وذكر له الحوض، فقال: فيها فاكهة؟ قال: «نعم؛ فيها شجرة تدعى طوبى» قال: يا رسول الله؛ أي شجر أرضنا يشبهه؟ قال: «لا يشبهه شيء من شجر أرضك، أأتيت الشام؟ هنالك شجرة تدعى الجوزة، تنبت على ساق وتفرش أعلاها. قال: يا رسول الله؛ فما أعظم أصلها؟ قال: «لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تتكسّر ترقوتها هرما» قال: فهل فيها عنب؟ قال: «نعم» قال: فما عظم العنقود منها؟ قال: «مسيرة الغراب شهرا لا يقع ولا يفتر». قال: فما عظم الحبة منها؟ قال: «أما عمد أبواك وأهلك إلى جذعة فذبحوها وسلخ إهابها، فقال:\nافروا لنا منها دلوا»؟ فقال: يا رسول الله؛ إن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٠٧) ومسلم (١٦٤).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٦٣) هكذا مرسلا ومن طريقه ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٣١٦) وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٧٦) والبيهقي في «البعث والنثور» (٢٧٦) عن أبي أمامه مرفوعا. وإسناده جيد.","vol":"2","page":164},{"text":"«نعم وعامة عشيرتك» (^١). ذكره أبو عمر في «التمهيد» بإسناده، وهو إسناد صحيح.\nوذكر مسلم من حديث ابن عباس، في صلاة الكسوف، قالوا: يا رسول الله؛ رأيناك تناولت في مقامك شيئا، ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منها ما بقيت الدنيا» (^٢).\nتكعكعت؛ معناه: تأخّرت، يقال منه: كع يكع كعوعا تأخر، والكع:\nالضعيف العاجز، قال الشاعر:\nولكنني أمضي على ذاك مقدما … إذا بعض من لاقى الخطوب تكعكعا\nوذكر ابن المبارك: حدّثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها كأمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإن ماءها ليجرى في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا، ثم أتى على الشيخ فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: مسروق (^٣).\nوذكر ابن وهب من حديث شهر بن حوشب، عن أبي أمامة الباهلي قال:\nطوبى شجرة في الجنة! ليس منها دار إلا فيها غصن منها، ولا طير حسن إلا وهو فيها، ولا ثمرة إلا وهي فيها.\nوذكر الخطيب أبو بكر أحمد؛ عن إبراهيم بن نوح قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ليس في الدنيا من ثمارها شيء يشبه ثمار الجنة إلا الموز لأن الله تعالى يقول: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] وإننا نجد الموز في الشتاء والصيف.\nوذكر الثعلبي بإسناده من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني الثقة، عن أبي ذر، قال: أهدي للنبي ﷺ طبق من تين، فأكل منه وقال لأصحابه:\n«كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من السماء قلت: هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس» (^٤). ذكره القشيري أبو نصر، وهذا أتم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٣، ١٨٤) والطبراني في «الكبير» (١٧ /رقم: ٣١٢، ٣١٣) وابن حبان (٤٢٩/ ١٦ - ٤٣٠/ ٧٤١٤) والطبري في «تفسيره» (١٣/ ١٤٩) والبيهقي في «البعث والنثور» (٢٧٤).\nمن طرق: عن عامر بن زيد البكالي به.\nوإسناده حسن إن شاء الله تعالى؛ إن سلم من تدليس يحيى بن أبي كثير، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٠٧) وأخرجه البخاري أيضا (١٠٥٢).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» رقم (١٤٩٠) وهناد في «الزهد» (٩٥، ١٠٤) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣/ ٩٧) وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٨٥).\n(^٤) أورده العلامة الألباني ﵀ في «السلسلة الضعيفة» (٣٠٦/ ١٦٥/١) وقال: «ضعيف».\nوذكره ابن القيم في «زاد المعاد» (٤/ ٢٩٢، ٢٩٣) - الرسالة - عن أبي الدرداء! - وقال: «في ثبوت هذا نظر».","vol":"2","page":165},{"text":"قلت: ورأيت بخط الفقيه الإمام المحدّث أبي الحسن علي بن خلف الكوفي أبي شيخنا أبي القاسم عبد الله، وحدّث حديثا عليه سماع جماعة، على أبي الفرج محمد بن أبي حاتم محمود بن أبي الحسن القزويني في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن زيد الجعفري، في شوال سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا يحيى بن الحسين الحسيني، قال: حدّثنا عقيل بن سمير، حدّثنا علي بن حماد الغازي، حدّثنا عباس بن حميد قال: حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا علي؛ تفكّهوا بالبطيخ وعظّموه، فإن ماءه من الجنة، وحلاوته من حلاوة الجنة، وما من عبد أكل منها لقمة إلا أدخل الله جوفه سبعين دواء، وأخرج منه سبعين داء، وكتب الله له بكل لقمة شعر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] قال: الدباء والبطيخ من الجنة» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-373>١٨٤ - باب في كسوة الجنة وكسوة أهلها</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. وقال:\n﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣].\nوذكر هناد بن السري قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «أهدي لرسول الله ﷺ سرقة من حرير فجعلوا يتداولونها بينهم، فقال رسول الله ﷺ: أتعجبون منها؟ قالوا: نعم يا رسول الله؛ قال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها» (^٢).\nقال هناد بن السري: وحدّثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن محمد [بن\n_________\n(^١) خبر موضوع؛ أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٩٧/ ١٣٠٦/٣). وقال الحافظ في «لسان الميزان» (٣٢٨/ ٩١٨٦/٦) في ترجمة يحيى بن الحسين العلوي: «وجدت له حديثا موضوعا؛ رواه عن عقيل بن سمير، عن علي بن حماد المغازي، عن عباس بن حميد، عن أبي بكر بن عياش». فذكره بإسناده، وقال: «الحديث بطوله؛ سرده القرطبي في «التذكرة» ولم يعرف علته». وانظر: «تنزيه الشريعة» (٢/ ٢٦٠) و«كشف الخفاء» (٣٣٩/ ٩١١/١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٠٢) ومسلم (٢٤٦٨).","vol":"2","page":166},{"text":"زياد، عن] (^١) عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، أن عطارد بن حاجب أهدى لرسول الله ﷺ ثوبا من ديباج كساه إياه كسرى، فاجتمع إليه الناس فجعلوا يلمسونه ويعجبون ويقولون: يا رسول الله؛ أنزل عليك هذا من السماء؟! فقال:\n«ما تعجبون! فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا، يا غلام اذهب بهذا إلى أبي جهم وجئنا بأنبجانيّته» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-374>١٨٥ - باب ما جاء أن شجر الجنة وثمارها تنفتق عن ثياب الجنة، وخيلها ونجبها</span>\n(ابن المبارك) أخبرنا معمر، عن الأشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله تعالى:\nتفتقي لعبدي ما شاء، فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيأته كما يشاء، وتنفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيأتها كما يشاء، وعن النجائب والثياب (^٣).\n(النسائي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ أخبرنا عن ثياب أهل الجنة، أخلقا تخلق، أو نسجا تنسج؟ فضحك بعض القوم. فقال: «مم تضحكون؛ إن جاهلا يسأل عالما» فجلس يسيرا أو قليلا، فقال رسول الله ﷺ: «أين السائل عن ثياب الجنة»؟ فقالوا: ها هو ذا يا رسول الله. قال: «لا، بل تنفتق عنها ثمر الجنة، قالها ثلاثا» (^٤) والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوع، وصوّبته من «المعجم الكبير».\n(^٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٨/ ١٥ - ١٦/ ٢٢).\nوقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٠٩): «رواه الطبراني؛ ورجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وهو ثقة».\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٦٥)، بإسناد فيه ضعف.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٣، ٢٢٤، ٢٢٥) والنسائي في «الكبرى» (٤٤١/ ٥٨٧٢/٣) والطيالسي (٢٢٢٧).\nوإسناده ضعيف، لكن له شواهد يحسّن بها؛ انظر «المسند» بتحقيق المحدث أحمد شاكر ﵀ (١١٤/ ٦٨٩٠/١١).","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-375>١٨٦ - باب ليس في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب</span>\n(الترمذي) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب» (^١). قال: حديث حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بيان آنفا في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-376>١٨٧ - باب ما جاء في نخيل الجنة وثمرها وخيرها</span>\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، ولونها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطّعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى حلاوة من العسل، وألين من الزبد، ليس فيها عجم» (^٢).\n(ابن وهب) قال: حدّثنا ابن زيد قال: قال رجل: يا رسول الله؛ هل في الجنة من نخل، فإني أحب النخل؟ قال: «أي والذي نفسي بيده لها جذوع من ذهب، وكرانيف من ذهب، وجريد من ذهب، وسعف كأحسن حلل يراها امرؤ من العالمين، وعراجين من ذهب، وشماريخ وكرانيف من ذهب، وأقماع من ذهب، وثمارها كالقلال، ألين من الزبد، وأحلى من العسل».\nوذكر أبو الفرج ابن الجوزي، عن جرير بن عبد الله البجلي، عن النبي ﷺ أنه أخذ عودا بيده فقال: «يا جرير؛ لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال:\nفقلت: فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثمر» (^٣).\n***\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٢٥)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٤٨٨) والحاكم في «المستدرك (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٢٨٧) وفي «صفة الجنة» (٣٥٤، ٤٠٦) والبغوي في «شرح السنة» (١٥/ ٢٢١ / ٤٣٨٤) وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٥٠) والبيهقي في «البعث والنثور» (٢٨٣) وابن أبي شيبة (١٣/ ٩٧) وأبو الشيخ في «العظمة» (١٠٦٨/ ٥٧٤/٣). من طريق حماد به، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣/ ٣٣٣).","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>١٨٨ - باب الزرع في الجنة</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يوما يحدّث وعنده رجل من أهل البادية أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربّه في الزرع، فقال له: أو لست فيما شئت؟ قال: بلى! ولكني أحب أن أزرع، فأسرع وبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره، أمثال الجبال؛ فيقول الله: دونك يا بن آدم فإنه لا يشبعك شيء. فقال الأعرابي: يا رسول الله؛ لا تجد هذا إلا قرشيّا أو أنصاريا.\nفإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع. فضحك رسول الله ﷺ (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-378>١٨٩ - باب ما جاء في أبواب الجنة وكم هي، ولمن هي، وفي تسميتها وسعتها</span>\nقال الله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣].\nقال جماعة من أهل العلم: هذه واو الثمانية فللجنة ثمانية أبواب. واستدلوا بقوله ﵊: «وما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» رواه عمر بن الخطاب؛ خرّجه مسلم (^٢).\nوجاء في تعيين هذه الأبواب لبعض العلماء كما جاء في حديث «الموطأ» و«صحيح البخاري» ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله؛ هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الرّيان» فقال أبو بكر: يا رسول الله! ما على أحد يدعى من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه الأبواب؟ قال: «نعم؛ وأرجو أن تكون منهم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٤٨، ٧٥١٩).\n(^٢) في «صحيحه» رقم (٢٣٤).\n(^٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٢/ ٤٩/٢) والبخاري (٢٨٤١، ٣٢١٦) ومسلم (١٠٢٧).","vol":"2","page":169},{"text":"قال القاضي عياض: ذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر منها: باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه.\nقلت: فذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله أبواب الجنة في «نوادر الأصول» فذكر باب محمد ﷺ، وهو باب الرحمة، وهو باب التوبة؛ فهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق؛ فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة، وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر. فباب منها للصلاة، وباب للصوم، وباب للزكاة والصدقة، وباب للحج، وباب للجهاد، وباب للصلة، وباب للعمرة، فزاد باب الحج وباب العمرة، وباب الصلة، فعلى هذا أبواب الجنة أحد عشر بابا (^١).\nوقد ذكر الآجري أبو الحسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بابا يقال له باب الضّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوه» (^٢). ذكره في كتاب النصيحة.\nولا يبعد أن يكون لنا ثالث عشر على ما ذكره أبو عيسى الترمذي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «باب أمتي الذين يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجدّ ثلاثا، ثم إنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول» (^٣). قال الترمذي: سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير، عن سالم بن عبد الله.\nقلت: فقوله: «باب أمتي»؛ يدل على أنه لسائر أمته، فمن لم يغلب عليه عمل يدعى به، وعلى هذا يكون ثالث عشر، ولهذا يدخلون مزدحمين، وقد تقدم أن أكثر أهل الجنة البله، والله أعلم.\nومما يدل على أنها أكثر من ثمانية حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صادقا من نفسه أو قلبه - شك أيهما قال - فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة، يدخل من أيها شاء» (^٤). خرّجه الترمذي وغيره.\n_________\n(^١) والأدلّة الصحيحة على أنها ثمانية؛ انظر «أبواب الجنة» لمحمد شومان الرملي. ط. دار ابن عفان.\n(^٢) حديث ضعيف جدا؛ انظر «مجمع الزوائد» للهيثمي (١/ ٢٣٩) و«السلسلة الضعيفة» (١/ ٥٦٩ / ٣٩٢) للألباني.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٤٨) وضعّفه الألباني.\n(^٤) تقدم قبل قليل.","vol":"2","page":170},{"text":"قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» (^١) هكذا قال: «فتح له من أبواب الجنة»، وذكره أبو داود والنسائي وابن سنجر «فتحت له أبواب الجنة الثمانية»، ليس فيها ذكر «من»؛ فعلى هذا أبواب الجنة ثمانية كما قالوا.\nقلت: قد ذكرنا أنها أكثر من ثمانية، وبالله توفيقنا. وأما كون الواو في «وفتحت أبوابها» واو الثمانية، وأن أبواب الجنة كذلك ثمانية أبواب، فقد جاء ما يدل على أنها ليست كذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، فخلوّ المتكبر وهو ثامن اسم من الواو يدل على بطلان ذلك القول وتضعيفه. وقد بيناه في سورة براءة والكهف، من كتاب «جامع أحكام القرآن» والحمد لله.\nوقد خرّج مسلم، عن خالد بن عمير، قال: خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أميرا على البصرة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الحديث على ما تقدم، وفيه: «ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام» (^٢) .. الحديث.\nوخرّج عن أنس في حديث الشفاعة: «والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرا» (^٣).\nوخرّج عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف، - لا يدري أبو حازم أيهما قال - متماسكون آخذ بعضهم بعضا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر» (^٤).\nفهذه الأحاديث مع صحتها تدل على أنها أكثر من الثمانية، إذ هي غير ما تقدم، فيحصل منها والحمد لله على هذا ستة عشر بابا.\nوقد ذكر الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في كتاب (التحبير) له، وقال رسول الله ﷺ: «الخلق الحسن طوق من رضوان الله ﷿ في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة، والسلسلة مشدودة إلى حلقة باب الجنة، حيث ما ذهب الخلق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها تدخله من ذلك الباب إلى الجنة. والخلق السوء طوق من سخط الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من عذاب الله، والسلسلة\n_________\n(^١) «التمهيد» (٧/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٧).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٥٥٤) ومسلم (٢١٩).","vol":"2","page":171},{"text":"مشدودة من باب النار، حيث ما ذهب الخلق السوء جرته السلسلة إلى نفسها تدخله من ذلك الباب إلى النار» (^١).\nوذكر صاحب الفردوس من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «للجنة باب يقال له الفرح، لا يدخل منه إلا من فرّح الصبيان» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-379>فصل</span>\nقوله: «من أنفق زوجين في سبيل الله»؛ قال الحسن البصري: يعني اثنين من كل شيء؛ دينارين، درهمين، ثوبين، خفّين. وقيل: شيئين؛ دينارا أو درهما، درهما وثوبا، خفا ولجاما، ونحو ذلك. وقال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك العمل من صلاتين أو صيام يومين.\nقلت: والأول من التفسير أولى، لأنه مرويّ عن النبي المصطفى ﷺ، وذكر الآجري عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة»، ثم قال ﷺ: «بعيرين، درهمين، قوسين، نعلين».\nوأما ما جاء من سعة أبواب الجنة فيحتمل أن يكون بعضها سعته كذا، وبعضها سعته كذا، كما ورد في الأخبار، فلا تعارض والحمد لله.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>باب منه</span>\nروى البخاري ومسلم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون فيدخلون منه؛ فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد» (^٣).\nقلت: وهكذا - والله أعلم - سائر الأبواب المختصة بالأعمال.\nوجاء في حديث أبي هريرة: إن من الناس من يدعى من جميع الأبواب، فقيل: ذلك الدعاء دعاء تنويه وإكرام وإعظام ثواب العاملين تلك الأعمال، إذ قد جمعها ونيله ذلك، ثم يدخل من الباب الذي غلب عليه العمل.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال: أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا.\nقال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم\n_________\n(^١) خبر موضوع.\n(^٢) أخرجه الديلمي في «فردوس الأخبار» (٣/ ٣٢٨)، وهو لا يصح.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٩٦) ومسلم (١١٥٢).","vol":"2","page":172},{"text":"مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-381>باب منه</span>\nخرّج أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال: حدّثنا جعفر بن الزبير الحنفي، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «انطلق برجل إلى باب الجنة فرفع رأسه فإذا على باب الجنة مكتوب الصدقة بعشر أمثالها، والقرض الواحد بثمانية عشر، لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج، والصدقة ربما وضعت في يد غني» (^٢).\nخرّجه ابن ماجه في السنن، قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الكريم، حدّثنا هشام بن خالد، حدثنا خالد بن يزيد؛ وحدثنا أبو حاتم، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسرى بي على باب الجنة مكتوب: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر؛ فقلت لجبريل: ما بال القرض أكثر من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» (^٣).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-382>١٩٠ - باب ما جاء في درج الجنة وما يحصلها للمؤمن</span>\n(الترمذي) ﵀ عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجنة مائة درجة، كلّ درجة منها ما بين السماء والأرض، وإن أعلاها الفردوس وأوسطها الفردوس، وإن العرش على الفردوس، منها تفجر أنهار الجنة؛ فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» (^٤).\nقال الترمذي: عطاء هذا لم يدرك معاذ بن جبل.\nقلت: قد خرّجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ كما تقدم، فهو صحيح متصل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٢٨).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١١٤١) بإسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤٣١)، وقال الألباني: «ضعيف جدا».\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٥٣٠)، وصحّحه الألباني.","vol":"2","page":173},{"text":"وذكر ابن وهب قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم؛ أنه سمع عتبة بن عبيد الضبي، يذكر عمّن حدّثه أن رجلا أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ كم في الجنة من درجة؟ قال: «مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أول درجة منها دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من فضة، والدرجة الثانية دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومغاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد، وسبع وتسعون درجة لا يعلم ما هي إلا الله» (^١).\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إن الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم» (^٢). قال: هذا حديث غريب.\n(ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد؛ فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه» (^٣).\nوخرّجه أبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (^٤).\nوذكر أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب «الاختبار في الملح من الأخبار والآثار» عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «درج الجنة على عدد آي القرآن، لكل آية درجة. فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة عشر آية، بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض، وينتهي به إلى أعلى عليين، لها سبعون ألف ركن وهي ياقوتة تضيء مسيرة أيام وليالي» (^٥).\nوقالت عائشة ﵂: «إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن» (^٦). ذكره مكي ﵀.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٣٢)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٧٨٠)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٠٤٧).\n(^٤) أخره أبو داود (١٤٦٤)، وهو صحيح.\n(^٥) أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» (٣٠٦٤) والآجري في «أخلاق أهل القرآن» ص (٥٠) - العلمية - بإسناد ضعيف جدا. وانظر «الحاوي للفتاوي» للسيوطي (٢/ ١٨١).\n(^٦) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» كما في «الحاوي» (٢/ ١٨٠، ١٨١) مرفوعا.","vol":"2","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-383>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: حملة القرآن وقراؤه هم العالمون بأحكامه وبحلاله وحرامه والعاملون بما فيه. وقال مالك: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه.\nوقد تقدم حديث العباس بن عبد المطلب في أبواب النار، وحديث أبي هريرة فيمن تعلم العلم وقرأ القرآن عجبا ورياء، ما فيه كفاية لمن تدبر.\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم القرآن وعلمه ولم يأخذ بما فيه وحرّفه؛ كان عليه شهيدا ودليلا إلى جهنم، ومن تعلم القرآن وأخذ بما فيه كان له شهيدا ودليلا إلى الجنة» (^١).\nوفي البخاري: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها» (^٢)، وذكر الحديث.\nوقد أشبعنا القول فيه في قارئ القرآن وأحكامه في كتاب «التذكار في فضل الأذكار» وفي مقدمة «جامع أحكام القرآن» ما فيه كفاية والحمد لله.\nوقد تقدم أن في الجنة مائة درجة أعدها للمجاهدين في سبيله فالجهاد يحصل مائة درجة، وقراءة القرآن تحصل جميع الدرجات، والله المستعان على ذلك، والإخلاص فيه بمنه وفضله.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-384>١٩١ - باب ما جاء في غرف الجنة ولمن هي</span>\nقال الله تعالى: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآية. وقال: ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥].\nوروى مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم». قالوا: يا رسول الله؛ تلك منازل الأنبياء لا يبلغها\n_________\n(^١) لا يصح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٢٧) ومسلم (٧٩٧).","vol":"2","page":175},{"text":"غيرهم؟ قال: «بلى والذي نفسي بيده؛ رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين» (^١).\nوخرّج الترمذي الحكيم؛ أخبرنا صالح بن محمد قال: حدّثنا سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ: في قوله تعالى:\n﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾. قال: «الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصل وإن أهل الجنة ليتراءون الغرفة منها كما تتراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (^٢).\nقال: وحدّثنا صالح بن عبد الله، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، قالوا:\nحدّثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: «إن المتحابين في الله تعالى لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، يقول أهل الجنة بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظر إلى المتحابين في الله ﷿، فإذا أشرفوا عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا، عليهم ثياب خضر من سندس مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله ﷿» (^٣).\nوذكر الثعلبي من حديث أبي عمران بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل عليين لينظرون إلى الجنة، فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال: أشرف رجل من أهل عليين الأبرار، أهل الطاعة والصدق» (^٤).\nوروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أهل الغرف ليتراءون عليين كما تتراءون الكوكب الدريّ في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» (^٥)، ذكره الثعلبي.\n(الترمذي) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها». فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٥٦) ومسلم (٢٨٣١).\n(^٢) ضعيف بهذا الإسناد وهذه السياقة، لكن صحّ فيه الشطر الأخير.\n(^٣) إسناده ضعيف.\n(^٤) ضعيف.\n(^٥) أخرجه أحمد (٣/ ٢٧، ٥٠، ٧٢) وأبو داود (٣٩٨٧) والترمذي (٣٦٥٨) وابن ماجه (٩٦) وغيرهم، وهو صحيح بشواهده.\n(^٦) أخرجه الترمذي (٢٥٢٧) وصححه الألباني.","vol":"2","page":176},{"text":"وذكر أبو نعيم الحافظ، من حديث محمد بن واسع، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال:\n«ألا أخبركم بغرف الجنة»؟ قلنا: بلى؛ بأبينا وأمنا يا رسول الله. قال: «إن في الجنة غرفا من ألوان الجواهر يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيها من النعيم والثواب والكرامات ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت». فقلنا: بأبينا أنت وأمّنا يا رسول الله؛ لمن تلك؟ فقال: «لمن أفشى السلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وصلى والناس نيام». فقلنا: بأبينا أنت وأمّنا يا رسول الله؛ ومن يطيق ذلك؟ فقال:\n«أمتي تطيق ذلك، وسأخبركم من يطيق ذلك؛ من لقي أخاه المسلم فسلّم عليه فقد أفشى السلام، ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى أشبعهم فقد أطعم الطعام، ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام، ومن صلى العشاء الأخيرة في جماعة فقد صلى والناس نيام، واليهود، والنصارى، والمجوس» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-385>فصل</span>\nاعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض وأرفع. وقوله: «الغائر من المشرق أو المغرب» يروى بالياء؛ اسم فاعل، من غار. وقد روى مسلم «في غير الغارب بتقديم الراء» والمعنى واحد. وروى «الغابر» بالباء بواحدة، ومعناه: الذاهب أو الباقي، فإن غبر من الأضداد، يقال: غبر إذا ذهب، وغبر إذا بقي، ويعني به أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار فيظهر صغيرا لبعده، وقد بيّنه بقوله: «من المشرق أو المغرب». وقد روي «العازب» بالعين المهملة والزاي، أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة المعنى.\nوقوله: «والذي نفسي بيده؛ رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» ولم يذكر عملا ولا شيئا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين، ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة؟ ولو كان كذلك كان جميع الموحّدين في أعالي الغرفات وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ والصبر: بذل النفس والثبات له وقوفا بين يديه بالقلوب عبودية، وهذه صفة المقرّبين. وقال في آية أخرى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٥٦) والبيهقي في «البعث» (٢٥٣) وابن السماك في «فوائده» كما في «حادي الأرواح» ص ٢٥٠.","vol":"2","page":177},{"text":"﴿آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] فذكر شأن الغرفة وأنها لا تنال بالأموال والأولاد، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، ثم بيّن لهم جزاء الضعف وأن محلّهم الغرفات، يعلّمك أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به مطمئنا به في كل ما نابه، وبجميع أموره وأحكامه؛ فإذا عمل صالحا فلا يخلطه بضده وهو الفاسد. فلا يكون العمل الصالح الذي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا، فلهذا كانت منزلته دون غيره.\nقلت: ذكره الترمذي الحكيم رحمة الله عليه، وهذا واضح بين، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] قال: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧] وقال: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧، ٢٨] فلما باين بين الأبرار والمقربين في الشراب - على ما يأتي بيانه - باين بينهم في المنازل والدرجات وأعالي الغرفات، حسب ما باين بينهم في الأعمال الصالحات، بالاجتهاد في الطاعات، قال الله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فيجتهد الإنسان أن يكون من الأبرار المقربين ليكون في عليين، وأصحاب عليين جلساء الرحمن، وهم أصحاب المنابر من النور في المقعد الصدق، وقال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٢]، فأصحاب اليمين في علو الجنان أيضا، وجميعها عوالي، وجنات المقربين جميعها علالي، وإحداهن علية، كقول الشاعر:\nألا يا عين ويحك أسعديني … بغزر الدمع في ظلم الليالي\nلعلك في القيامة أن تفوزي … بخير الدار في تلك العلالي\n\n<span data-type='title' id=toc-386>باب منه</span>\nروى من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لغرفا ليس لها مغاليق من فوقها، ولا عماد من تحتها». قيل: يا رسول الله؛ وكيف يدخلها أهلها؟ قال: «يدخلونها أشباه الطير». قيل: هي يا رسول الله لمن؟ قال:\n«لأهل الأسقام والأوجاع والبلوى» (^١). خرّجه أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي.\n_________\n(^١) خبر موضوع.","vol":"2","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-387>باب منه</span>\nروى الليث بن سعد قال: حدّثنا محمد بن عجلان، أن واقد البصري أخبره، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله، يكونوا على منابر من نور».\nقالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «هم يحببون الله إلى الناس ويحببون الناس إلى الله، ويمشون لله في الأرض نصحا». قلنا: يا رسول الله؛ هذا يحببون الله إلى الناس فكيف يحببون الناس إلى الله؟ قال: «يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فإذا أطاعوهم أحبهم الله تعالى» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-388>١٩٢ - باب ما جاء في قصور الجنة ودورها وبيوتها وبما ينال ذلك المؤمن</span>\nخرج الآجري، عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة ﵄ عن تفسير هذه الآية ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ [الصف: ١٢] فقالا: على الخبير سقطت؛ سألنا عنها رسول الله ﷺ، فقال: «قصر من لؤلؤ في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، فيعطي الله ﵎ المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله» (^٢). ذكره في كتاب «النصيحة».\nوذكر ابن وهب: قال أخبرنا ابن زيد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إنه ليجاء للرجل الواحد بالقصر من اللؤلؤة الواحدة في ذلك القصر سبعون غرفة، في كل غرفة زوجة من الحور العين، في كل غرفة سبعون بابا يدخل عليه من كل باب رائحة من رائحة الجنة سوى الرائحة التي تدخل عليه من الباب الآخر، وقرأ قول الله\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٣٣١)، ولا يصح.\n(^٢) خبر موضوع؛ أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» - الجزء المفقود - وابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٥٧٧ - ٥٧٨/ ١٨٠٤) وغيرهم، وقد خرجته في تخريجي لزهد ابن المبارك رقم (١٥٧٧) - يسّر الله إتمامه -.","vol":"2","page":179},{"text":"﷿: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» (^١).\n(الترمذي) عن بريدة بن الخصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالا فقال: «يا بلال بما سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل عربي. فقلت: أنا عربي؛ لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش. قلت: أنا من قريش؛ لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد. قلت: أنا من أمة محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب. فقال بلال: يا رسول الله؛ ما أذنت قط إلا صلّيت ركعتين، وما أصابني حدث إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله تعالى عليّ ركعتين. فقال رسول الله ﷺ: بهما» (^٢). قال: حديث حسن صحيح.\nوخرّج الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد مختصرا من حديث أنس قال:\nقال رسول الله ﷺ: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب؛ فقلت: لمن هذا؟ فقالوا:\nلعمر بن الخطاب» (^٣).\nوذكر الدارمي أبو محمد في «مسنده» قال: حدّثنا عبد الله بن يزيد، قال:\nحدّثنا حياة، قال: أخبرنا أبو عقيل؛ أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] عشر مرات بني له قصر في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بني له ثلاثة قصور في الجنة» فقال عمر بن الخطاب ﵁: إذا لتكثرن قصورنا! فقال رسول الله ﷺ: «الله أوسع من ذلك» (^٤). قال الدارمي: أبو عقيل زاهر بن معبد زعموا أنه كان من الأبدال.\nوقد تقدّم من حديث سمرة أن النبي ﷺ دخل دار الشهداء أو دار المؤمنين.\nوخرّج أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان، قال:\nدفنت ابني سنانا؛ وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فقال: حدّثني الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قبض الله ﷿ ابنا لعبد قال للملائكة: ماذا قال عبدي؟ قالوا: حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد» (^٥).\n_________\n(^١) عزاه لابن وهب الحافظ ابن كثير في «النهاية» - صفة الجنة - ص ٥٦، وهو مرسل ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٤، ٣٦٠) والترمذي (٣٦٨٩)، وهو في «الصحيحة» (٥٨٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٦٨٩)، وهو صحيح.\n(^٤) أخرجه الدارمي (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢/ ٣٤٢٩) وهو مرسل، لكن له شاهد موصول؛ انظر «الصحيحة» (٥٨٩).\n(^٥) أخرجه الطيالسي (٥٠٨) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-389>١٩٣ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾</span>\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: «ارتفاعها لكما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام» (^١). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب؛ لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد.\nوقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الخبر: الفرش في الدرجات، وبين الدرجات كما بين السماء والأرض.\nقلت: وقد قيل: إن الفرش كناية عن النساء اللواتي في الجنة، والمعنى:\nنساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا ونعجة، على الاستعارة، لأن الفرش محل النساء، وفي الحديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (^٢). وقال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية.\nوقال: ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣].\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-390>١٩٤ - باب ما جاء في خيام الجنة وأسواقها وتعارف أهل الجنة في الدنيا وعبادتهم فيها</span>\n(مسلم) عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن». وفي رواية، قال: «الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين» (^٣).\nوخرّج مسلم أيضا، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة لسوقا يأتونها كلّ جمعة فتهبّ ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم المسك فيزدادون\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٤٠)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٤٥) ومسلم (١٤٥٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٣٨).","vol":"2","page":181},{"text":"حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا» (^١).\n(الترمذي) عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل الله أنه يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم؛ وذكر الحديث، وفيه: «فتأتي سوقا حفّت به الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب، فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيها ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا، فيقبل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دنيّ فيروعه ما عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها» (^٢). وذكر الحديث في طريقه أبو العشرين وهو ضعيف.\nوخرّجه ابن ماجه مكملا، وفيه بعد قوله: قال نعم؛ أخبرني رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله ويبرز لهم عرشه، ويبدو لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم - وما فيهم دنيّ - على كثبان المسك والكافور، لا يرون بأن أصحاب الكراسيّ بأفضل منهم مجلسا». قال أبو هريرة: قلت:\nيا رسول الله؛ هل نرى ربنا؟! قال: نعم؛ هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا. قال: «كذلك لا تمارون في رؤية ربّكم ﷿، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى إنه يقول للرجل منكم ألا تذكر يا فلان يوم علمت كذا وكذا، يذكّره بعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي؟ فيقول:\nبلى؛ فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه، فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا، لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط، ثم يقول: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم. قال: فيأتون سوقا» الحديث بلفظه ومعناه إلى أن قال: «وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، قال: ثم ننصرف إلى منازلنا فتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه، فيقولون: إنا جالسنا اليوم ربّنا الجبار وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا» (^٣).\nوخرّج الترمذي أيضا عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٣٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٤٩)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٦)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":182},{"text":"الجنة لسوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها» (^١). قال: هذا حديث غريب.\nوروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة أسواقا لا شراء فيها ولا بيع، أهل الجنة لما أفضوا إلى روح الجنة جلسوا متكئين على لؤلؤ رطب، وترابها مسك يتعارفون في تلك الجنان كيف كانت الدنيا، وكيف كانت عبادة الرب، وكيف يحيى الليل ويصام النهار، وكيف كان فقر الدنيا وغناؤها وكيف كان الموت وكيف صرنا بعد طول البلاء من أهل الجنة» (^٢). والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-391>١٩٥ - باب لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز</span>\nخرّج أبو بكر الخطيب أحمد بن علي، من حديث عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز؛ بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان ابن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» (^٣). ذكره أحمد بن حنبل في «مسنده».\nقلت: لعل هذا فيمن لا يدخل الجنة بغير حساب وذلك بيّن في الباب بعد هذا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-392>١٩٦ - باب أول الناس يسبق إلى الجنة الفقراء</span>\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا عبد الوهاب بن الورد قال: قال سعيد بن المسيب: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة. قال: «هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا». قال: يا رسول الله؛ أفهم أول الناس يدخلون الجنة؟ قال: «لا». قال: فمن أول الناس\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٥٠)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) خبر موضوع.\n(^٣) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (٧/ ٩٥) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":183},{"text":"يدخل الجنة؟ قال: «الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة فيخرج إليهم منها ملائكة، فيقولون: ارجعوا إلى الحساب، فيقولون: على ما نحاسب؟ والله ما أفيض علينا من الأموال في الدنيا شيء فنقبض فيها ونبسط، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى أتانا اليقين. فيقال: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين» (^١).\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الله في الفقراء فإنه يقول يوم القيامة:\nأين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة: من هم يا ربّنا؟ فيقول: الفقراء الصابرون الراضون بقدري، أدخلوهم الجنة. قال: فيدخلون الجنة يأكلون ويشربون، والأغنياء في الحساب يترددون».\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام» (^٢). خرّجه من حديث الأعمش سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد. وقال فيه: حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم» (^٣). قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: «يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام» (^٤).\nقال: حديث حسن صحيح.\nوروي عن أبي الدرداء قال: حدّثني عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، قيل له: يا رسول الله؛ وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة. قيل له: فكم السنة من شهر؟ قال:\nخمسمائة شهر. قيل له: فكم الشهر من يوم؟ قال: خمسمائة يوم. قيل له: فكم اليوم؟ قال: خمسمائة مما تعدون». ذكره القتبي في «عيون الأخبار» له.\nوعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا» (^٥). قال: هذا حديث حسن صحيح، وخرّجه من حديث أنس أيضا (^٦). وقال فيه: حديث غريب.\nوفي «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٨٣)؛ وهو مرسل.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٥١)، وصحّحه الألباني.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٣٥٣)، وهو ضعيف من هذا الوجه؛ انظر ما بعده.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٣٥٤)، وهو صحيح.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٣٥٥).\n(^٦) أخرجه الترمذي (٢٣٥٢).","vol":"2","page":184},{"text":"يقول: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-393>فصل</span>\nقال المؤلف ﵀: اختلاف هذه الأحاديث يدل على أن الفقراء مختلفو الحال، وكذلك الأغنياء، وقد تقدم حديث أبي بكر بن أبي شيبة «أول ثلاثة يدخلون الجنة» ولا تعارض - والحمد لله - فإن الحديثين مختلفا المعنى.\nوقد اختلف في أي الفقراء هم السابقون وفي مقدار المدة التي بها يسبقون ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيّد روايته الأخرى، وكذلك حديث جابر يردّ أيضا إلى حديث عبد الله بن عمرو، ويكون المعنى: فقراء المسلمين المهاجرين، إذ المدة فيها أربعون خريفا، ويبقى حديث أبي سعيد الخدري في المدة بخمسمائة عام في فقراء المهاجرين، وكذلك حديث أبي الدرداء في فقراء المسلمين بنصف يوم خمسمائة سنة.\nووجه الجمع بينهما أن يقال: إن سباق الفقراء من المهاجرين يسبقون سباق الأغنياء منه بأربعين خريفا، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام، وقد قيل: إن حديث أبي هريرة وأبي الدرداء وجابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة سباق فقراء كل قرن قبل غير السباق من أغنيائهم بخمسمائة عام على حديث أبي هريرة وأبي الدرداء، وقيل: السباق بأربعين خريفا على ما تقدم من حديث جابر، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>فصل</span>\nقلت: وقد احتج بأحاديث هذا الباب من فضّل الفقير على الغني، وقد اختلف الناس في هذا المعنى وطال فيه الكلام بينهم حتى صنفوا فيه كتبا وأبوابا (^٢)، واحتج كل فريق لمذهبه في ذلك، والأمر قريب.\nوقد سئل أبو علي الدقاق: أي الوصفين أفضل؛ الغنى أو الفقر؟ فقال:\nالغنى؛ لأنه وصف الحق، والفقر وصف الخلق، ووصف الحق أفضل من وصف الخلق، قال الله تعالى: ﴿* يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].\nوبالجملة فالفقير بالحقيقة؛ العبد وإن كان له مال، وإنما يكون غنيا إذا عول على مولاه ولم ينظر إلى أحد سواه، فإن تعلق باله بشيء من الدنيا ورأى نفسه أنه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٧٩).\n(^٢) انظر في ذلك: «المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر» لمحمد بن بير علي البركلي. طبع دار ابن حزم ببيروت.","vol":"2","page":185},{"text":"فقير إليه فهو عبده، قال رسول الله ﷺ: «تعس عبد الدينار» (^١) الحديث خرجه البخاري وغيره. وقد كتبناه في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة» وتكلمنا عليه، وبيّناه، والحمد لله، وإنما شرف العبد افتقاره إلى مولاه وعزه وخضوعه له.\nوقد أحسن من قال:\nوإذا تذلّلت الرقاب تواضعا … منا إليك فعزّ هخا في ذلّها\nفالغني المعلّق البال بالمال، الحريص عليه، الراغب فيه، هو الفقير حقيقة، وعادمه الذي يقول ما أبالي به، ولا لي رغبة فيه، وإنما هي ضرورة العيش فإذا وجدتها فغيرها زيادة تشغل عن الإرادة، فهو الغني حقيقة، قال رسول الله ﷺ:\n«ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس» خرّجه مسلم (^٢).\nوأخذ عثمان بن سعدان الموصلي هذا المعنى فقال:\nتقنع بما يكفيك استعمل الرضى … فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي\nفليس الغنى عن كثرة المال، إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفس وقد أشبعنا القول في هذا في كتاب «قمع الحرص».\nوقد بقيت هنا درجة ثالثة رفيعة وهي الكفاف التي سألها رسول الله ﷺ فقال:\n«اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» وفي رواية: «كفافا» خرّجه مسلم (^٣). ومعلوم أنه ﵊ لا يسأل إلا أفضل الأحوال، وأسنى المقامات والأعمال، وقد اتفق الجميع على أن ما أحوج من الفقر وما أبطر من الغنى مذموم.\nوفي «سنن ابن ماجه» عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من غنيّ ولا فقير إلا يودّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا» (^٤).\nالكفاف: حالة متوسطة بين الغنى والفقر. وقد قال ﵊:\n«خير الأمور أوسطها» (^٥). فهي حالة سليمة من آفات الغنى المطغي وآفات الفقر المدقع الذي كان يتعوذ منهما النبي ﷺ، فكانت أفضل منهما. ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير الذي لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حاله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٧٦، ٢٨٨٧) ومسلم (٦٤٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٤٦) ومسلم (١٠٥١).\n(^٣) في «صحيحه» (١٠٥٤، ١٠٥٥).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤١٤٠)، وقال الألباني: «موضوع».\n(^٥) لا يصح؛ انظر «كشف الخفاء» (١/ ٤٦٩) والمقاصد الحسنة» ص ٢٠٥.","vol":"2","page":186},{"text":"إلى الفقر أقرب، لقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكفي مرارته وآفاته، وعلى هذا فأهل الكفاف - وهم إن شاء الله صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام - لأنهم وسطهم والوسط العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدولا خيارا، وليسوا من الأغنياء كما ذكرنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-395>باب منه</span>\n(الترمذي) عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب؛ حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن» (^١).\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-396>١٩٧ - باب منه، وما جاء في صفة أهل الجنة ومراتبهم وسنّهم وطولهم وشبابهم وعرقهم وثيابهم وأمشاطهم ومجامرهم وأزواجهم، وفي لسانهم، وليس في الجنة عزب</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أول زمرة يدخلون الجنة - وفي رواية: من أمتي - على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدّ كوكب دري في السماء أضاء - وفي رواية -: ثم هم بعد ذلك منازل، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب - وفي رواية -: الفضة، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوّة، وأزواجهم الحور العين - وفي رواية -: لكل واحد منهم زوجتان؛ يرى مخّ ساقيها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٥٤) ومسلم (٢٨٣٤).","vol":"2","page":187},{"text":"قال أبو علي: الألوة: هو العود - وفي رواية -: «أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم» وفي رواية: «على صورة أبيهم ستون ذراعا في السماء».\nوقال أبو كريب: «على خلق رجل واحد». وقال أبو هريرة حين تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال: لكل رجل منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقيها من وراء اللحم، وما في الجنة عزب.\n(الترمذي) عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة من أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك بأن الله ﷾ يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه» (^١). وروي موقوفا.\n(البخاري) عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «لو أن امرأة من أهل الجنة اطّلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» (^٢).\n(الترمذي) عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم» (^٣). قال: حديث غريب.\nوخرج عنه أيضا عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال:\n«يدخل أهل الجنة الجنة جرداء مرداء مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة» (^٤).\nقال: حديث غريب، وروى عن قتادة مرسلا.\nوذكر الميانشي من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أهل الجنة مرد إلا موسى بن عمران فإنه له لحية إلى سرته» (^٥).\n(الترمذي) عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: «لو أن ما يقلّه ظفر مما في الجنة بدا إلى الدنيا لتزخرف له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم» (^٦). قال: حديث حسن غريب.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٣٣)، وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٩٦، ٦٥٦٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٣٩)، وضعّفه الألباني.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٥٤٥)، وحسّنه الألباني.\n(^٥) خبر موضوع؛ أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٨٧/ ١٨١٧/٣)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٩٧).\n(^٦) أخرجه الترمذي (٢٥٣٨)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":188},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردّون بني ثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها ولا ينقصون، وكذلك أهل النار» (^١).\nقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-397>فصل</span>\nفي حديث أبي هريرة: «لكل واحد منهم زوجتان»، وقد تقدم من حديث عمران بن حصين «أن أقل ساكني الجنة النساء».\nقال علماؤنا: لم يختلفوا في جنس النساء، وإنما اختلفوا في نوع من الجنس، وهو نساء الدنيا ورجالها أيهما أكثر في الجنة، فإن كانوا اختلفوا في المعنى الأول، وهو جنس النساء مطلقا؛ فحديث أبي هريرة حجة، وإن كانوا اختلفوا في نوع من الجنس وهم أهل الدنيا؛ فالنساء في الجنة أقل.\nقلت: يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار، وأما بعد خروجهن في الشفاعة ورحمة الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال لا إله إلا الله؛ فالنساء في الجنة أكثر، وحينئذ يكون لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا، وأما الحور العين فقد تكون لكل واحد منهم الكثير منهم.\nوفي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة» (^٢). ذكره الترمذي وقال فيه:\nحديث غريب.\nومثله حديث أبي أمامة؛ خرّجه أبو محمد الدارمي، وسيأتي، والأخبار دالة على هذا.\nوقوله: «وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة»؛ قد يقال هنا: أي حاجة في الجنة للامتشاط، ولا تتلبد شعورهم، ولا تتسخ؟ وأي حاجة للبخور؛ وريحهم أطيب من المسك؟\nويجاب عن ذلك: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذّات متوالية ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعّمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله ﷿.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٦٢)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٦٢)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":189},{"text":"وقلت: وقد جاء مثل هذا في أهل النار حيث قال: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١، ٧٢] وقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] فعذبهم في النار بنوع ما كانوا يعذبون به في الدنيا.\nقال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في الرجل خشية أن يهربوا؟ لا والله؛ ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استثقلت بهم.\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدّثني عقيل، عن ابن شهاب قال: لسان أهل الجنة عربي، وإذا خرجوا من قبورهم سرياني. وقد تقدم.\nوقال سفيان: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة بالسريانية فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-398>١٩٨ - باب منه في الحور العين وكلامهن وجواب نساء الآدميات وحسنهن</span>\nذكر أن الآدميات في الجنة على سن واحد، وأما الحور العين فأصناف مصنفة، صغار وكبار، على ما اشتهت أنفس أهل الجنة.\n(الترمذي) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها، قال: يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له» (^١).\nوفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس. قال أبو عيسى: حديث علي حديث غريب.\nوقالت عائشة ﵂: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصلّيات وما صلّيتنّ، ونحن الصائمات وما صمتنّ، ونحن المتوضّئات وما توضّأتنّ، ونحن المتصدّقات وما تصدّقتنّ. قالت عائشة: فغلبنهن. والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٦٤)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":190},{"text":"وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو؛ لو أن امرأة من الحور العين أطلعت سوارها من العرش لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف المسوّرة؟ وإنه ما خلق الله شيئا تلبسه إلا عليه ما عليها من ثياب وحلي.\nوقال أبو هريرة: إن في الجنة حوراء يقال لها: القيناء، إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف، عن يمينها وعن يسارها كذلك، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟\nوقال ابن عباس: إن في الجنة حوراء يقال لها لعبة، لو بزقت في البحر لعذب ماء البحر كله، مكتوب على نحرها: من أحبّ أن يكون له مثلي فليعمل بطاعة ربي ﷿ (^١).\nوروي عن النبي ﷺ أنه وصف حوراء ليلة الإسراء فقال: «ولقد رأيت جبينها كالهلال في طول البدر منها ألف وثلاثون ذراعا، في رأسها مائة ضفيرة، ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة، والذؤابة أضوأ من البدر مكلّل بالدّر وصفوف الجواهر، على جبينها سطران مكتوبان بالدر والجوهر، في السطر الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي السطر الثاني: من أراد مثلي فليعمل بطاعة ربي، فقال لي جبريل: يا محمد؛ هذه وأمثالها لأمتك، فأبشر يا محمد وبشّر أمتك، وأمرهم بالاجتهاد».\nوذكر الختلي أبو القاسم، قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي بكر، حدّثنا أبو إسحاق، حدّثني محمد بن صالح قال: قال عطاء السلمي لمالك بن دينار: يا أبا يحيى شوّقنا. قال: يا عطاء؛ إن في الجنة حوراء يتباهى بها أهل الجنة من حسنها، لولا أن الله كتب على أهل الجنة أن يموتوا لماتوا عن آخرهم من حسنها. قال:\nفلم يزل عطاء كمدا من قول مالك أربعين يوما (^٢).\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا معمر بن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن ابن مسعود قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخّ ساقيها من وراء اللحم والعظم ومن تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء (^٣).\nقال: وأخبرنا رشدين، عن ابن أنعم، عن حيّان بن أبي جبلة قال: إن نساء\n_________\n(^١) نحوه عن عبد الله بن مسعود في «صفة الجنة» لابن أبي الدنيا رقم (٣٠٥).\n(^٢) في «المجالسة»: «أربعين سنة حتى مات». والخبر في «المجالسة» للدينوري (٥٢٠/ ١٧٧٣/٤).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٦٠).","vol":"2","page":191},{"text":"الدنيا من دخل منهن الجنة فضّلن على الحور العين بما عملن في الدنيا (^١).\nوروى مرفوعا أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-399>١٩٩ - باب ما جاء أن الأعمال الصالحة مهور الحور العين</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥].\nوروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا الخطاب أبو الخطاب قال: حدّثنا سهل بن حماد أبو عتاب، قال: حدّثنا جرير بن أيوب البجلي قال: حدّثنا الشعبي، عن نافع بن بردة، عن أبي مسعود الغفاري، سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يصوم يوما من رمضان إلا زوّج زوجة من الحور العين في خيمة من درة مجوفة، مما نعت الله: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] على كل امرأة منهن سبعون حلة، ليس منها حلة على لون الأخرى، ويعطى سبعين لونا من الطّيب، ليس منهنّ لون على ريح الآخر، لكلّ امرأة منهم سبعون سريرا من ياقوتة حمراء، موشحة بالدّر والياقوت، على كل سرير سبعون فراشا، على كل فراش أريكة، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها، وسبعون ألف وصيف، مع كل وصيفة صحفة من ذهب فيها لون من طعام تجد لآخر لقمة لذة لم تجد لأوله، ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر عليه سواران من ذهب موشّح بياقوت أحمر، هذا بكل يوم صامه من شهر رمضان سوى ما عمل من الحسنات» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٥٥).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٩٠/ ١٨٨٦/٣) ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» (٣٦٣٤/ ٣/٣١٣) وابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٤٧/ ١١١٩/٢) وأبو يعلى في «مسنده» (٥٢٧٣/ ٩/١٨٠) وابن شاهين في «فضائل رمضان» (ص ٤٠، ٤١) وأبو الشيخ في «الثواب» كما في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٧١).\nمن طريق: جرير بن أيوب به.\nقال ابن الجوزي: «هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ، والمتّهم به: جرير بن أيوب. قال يحيى: ليس بشيء، وقال الفضل بن دكين: كان يضع الحديث.\nوقال النسائي والدارقطني: «متروك».","vol":"2","page":192},{"text":"وخرّج أبو عيسى الترمذي، من حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال» .. الحديث؛ وفيه: «ويزوّج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين». وقد تقدّم في باب ما ينجي من أهوال القبر وفتنته.\nقلت: وهذا ما يؤيد ما ذكرناه في حديث أبي هريرة: «لكل واحد منهم زوجتان» أن ذلك من نساء الدنيا، والله أعلم.\nوقال يحيى بن معاذ: ترك الدنيا شديد، وفوت الجنة أشد، وترك الدنيا مهر الآخرة. ويقال: مهر الحور العين كنس المساجد. ورفعه الثعلبي من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «كنس المساجد مهور الحور العين» (^١).\nوعن أبي قرصافة أيضا قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين» (^٢). القمامة: الكناسة، والجمع قمام، قاله الجوهري.\nوعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز» (^٣). ذكره الثعلبي أيضا.\nوقال أبو هريرة: «يتزوج أحدكم فلانة بنت فلان بالمال الكثير، ويدع الحور العين باللقمة والتمرة والكسوة»!\nوقال محمد بن النعمان المقرئ: كنت قاعدا عند الجلاء المقرئ بمكة في\n_________\n= وقال الحافظ في «المطالب العالية» (المجلد السادس/ص ٤٢): «تفرد به جرير بن أيوب؛ وهو ضعيف جدا».\nوانظر «الضعيفة» (٣/ ٤٩٤).\nوأخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٣٨ - ٣٨٩/ ٩٦٧) وابن النجار كما في «تنزيه الشريعة» (٢/ ١٥٤).\nمن طريق: الهياج بن بسطام، حدثنا عباد، عن نافع بن بردة به.\nوإسناده ضعيف جدا؛ لأجل الهياج بن بسطام.\nوانظر «تنزيه الشريعة» (٢/ ١٥٤).\nتنبيه: قال العلامة الألباني - رحمه الله تعالى - في «الضعيفة» (٣/ ٤٩٤): «وذهل عنه - (أي الحديث) - ابن عراق فلم يورده في «تنزيه الشريعة» لا في الفصل الأول، ولا في الفصل الثاني …».\nقلت: هو فيه كما رأيت؛ فلعلّ الشيخ لم يره، والله أعلم.\n(^١) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٥٨٠/ ١٨٠٨/٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٥٢١/٣) وابن النجار والضياء كما في «كشف الخفاء» (١/ ٣٤).\nوهو حديث ضعيف؛ انظر «المجمع» (٢/ ٩) و«الضعيفة» (١٦٧٥).\n(^٣) خبر موضوع؛ أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٦٨٤) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١٨٠٦/ ٣/٥٧٩).","vol":"2","page":193},{"text":"المسجد الحرام، إذ مرّ بنا شيخ طويل نحيل الجسم، عليه أطمار خلقة، فقام إليه الجلاء ووقف معه ساعة ثم انصرف إلينا، فقال: هل تعرفون من هذا الشيخ؟ فقلنا:\nلا. فقال: ابتاع من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما أكملها رآها في المنام في حليّها وحللها، فقال: لمن أنت؟ فقالت: أنا الحور التي ابتعتني من الله تعالى بأربعة آلاف ختمة، هذا الثمن فما نحلتي أنا منك؟ قال: ألف ختمة. قال الجلا:\nفهو يعمل فيها بعد.\nوروي عن سحنون أنه قال: كان بمصر رجل يقال له سعيد، وكانت له أم من المتعبّدات، وكانت إذا قام من الليل يصلّي تقوم والدته خلفه، فإذا غلب عليه النوم ونعس تناديه والدته: يا سعيد؛ إنه لا ينام من يخاف النار، ويخطب الحور الحسان، فيقوم مرعوبا.\nويروى عن ثابت أنه قال: كان أبي من القوّامين لله في سواد الليل، قال:\nرأيت ذات ليلة في منامي امرأة لا تشبه النساء، فقلت لها: من أنت؟ فقالت:\nحوراء أمة الله، فقلت لها: زوّجيني نفسك، فقالت: اخطبني من عند ربي وأمهرني. فقلت: وما مهرك؟ فقالت: طول التهجد.\nوأنشدوا:\nيا خاطب الحور في خدرها … وطالبا ذاك على قدرها\nانهض بجدّ لا تكن وانيا … وجاهد النفس على صبرها\nوجانب الناس وارفضهم … وحالف الوحدة في ذكرها\nوقم إذا الليل بدا وجهه … وصم نهارا فهو من مهرها\nفلو رأت عيناك إقبالها … وقد بدت رمانتا صدرها\nوهي تماشي بين أترابها … وعقدها يشرق في نحرها\nلهان في نفسك هذا الذي … تراه في دنياك من زهرها\nوقال مضر القارئ: غلبني النوم ليلة فنمت عن حزبي، فرأيت في منامي فيما يرى النائم جارية كأن وجهها القمر المستتم، ومعها رقّ؛ فقالت: أتقرأ أيها الشيخ؟ قلت: نعم، فقالت: اقرأ هذا الكتاب، ففتحته فإذا فيه مكتوب، فو الله ما ذكرته قط إلا ذهب عني النوم:\nألهتك اللذائذ والأماني … عن الفردوس والظلل الدواني\nولذّة نومة عن خير عيش … مع الخيرات في غرف الجنان\nتيقّظ من منامك إن خيرا … من النوم التهجد بالقرآن","vol":"2","page":194},{"text":"وقال مالك بن دينار: كان لي أجزاء أقرؤها كل ليلة، فنمت ذات ليلة، فإذا أنا في المنام بجارية ذات حسن وجمال وبيدها رقعة، فقالت: أتحسن أن تقرأ؟ فقلت: نعم، فدفعت إلى الرقعة، فإذا مكتوب هذه الأبيات:\nلهاك النوم عن طلب الأماني … وعن تلك الأوانس في الجنان\nتعيش مخلّدا لا موت فيها … وتلهو في الخيام مع الحسان\nتنبه من منامك إن خيرا … من النوم التهجّد بالقرآن\nوروى عن يحيى بن عيسى بن ضرار السعدي وكان قد بكى شوقا إلى الله ستين عاما - قال: رأيت كأن ضفّة نهر يجري بالمسك الأذفر، حافتاه شجر اللؤلؤ ونبت من قضبان الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المسبّح بكل لسان، سبحان الموجود بكل مكان، سبحان الدائم في كل زمان سبحانه سبحانه، قال: فقلت: من أنتن؟ قلن: خلق من خلق الله سبحانه، قلت: وما تصنعن هاهنا؟ فقلن:\nذرأنا إله الناس ربّ محمد … لقوم على الأقدام بالليل قوّم\nيناجون ربّ العالمين لحقّهم … وتسرى هموم القوم والناس نوّم\nفقلت: بخ. بخ لهؤلاء من هؤلاء، لقد أقرّ الله أعينهم، فقلن: أما تعرفهم؟ فقلت: والله ما أعرفهم، قلن: هؤلاء المتهجدون بالليل أصحاب السهر.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-400>٢٠٠ - باب في الحور العين ومن أيّ شيء خلقن</span>\nروي أن رسول الله ﷺ سئل عن الحور العين من أي شيء خلقن؟ فقال:\n«من ثلاثة أشياء: أسفلهن من المسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وشعورهنّ وحواجبهن سواد خط من نور» (^١).\nوروي عنه ﵊ أنه قال: «سألت جبريل ﵇ فقلت:\nأخبرني كيف يخلق الله الحور العين؟ فقال لي: يا محمد؛ يخلقهن الله من قضبان العنبر والزعفران، مضروبات عليهن الخيام، أول ما يخلق الله منهن نهدا من مسك أذفر أبيض عليه يلتئم البدن».\n_________\n(^١) لم أقف عليه.","vol":"2","page":195},{"text":"وروى عن ابن عباس أنه قال: خلق الله الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور الأبيض، عليها سبعون ألف حلّة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها نورا ساطعا كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أقبلت يرى كبدها من رقة وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك الأذفر، ولكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها وهي تنادي: هذا ثواب الأولياء جزاء بما كانوا يعملون.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-401>٢٠١ - باب إذا ابتكر الرجل امرأة في الدنيا كانت زوجته في الآخرة</span>\n(ابن وهب) عن مالك؛ أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ امرأة الزبير بن العوام كانت تخرج عليه حتى عوتب في ذلك، قال: وغضب عليها وعلى ضرّتها فعقد شعر واحدة بالأخرى، ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتّقاء، وكانت أسماء لا تتّقي، فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر، فقال لها: أي بنية، اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة (^١).\nولقد بلغني «أن الرجل إذا ابتكر المرأة تزوجها في الجنة» (^٢).\nقال أبو بكر بن العربي: هذا حديث غريب ذكره في أحكام القرآن له.\nفإن كانت المرأة ذات أزواج فقيل: إن من مات عنها من الأزواج أخراهن له.\nقال حذيفة لامرأته: إن سرّك أن تكوني زوجتي في الجنة إن جمعنا الله فيها فلا تتزوّجي من بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها في الدنيا (^٣).\nوخطب معاوية بن أبي سفيان أم الدرداء فأبت وقالت: سمعت أبا الدرداء\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٨/ ٣٧٤) - دار إحياء التراث - عن عكرمة مرسلا. وانظر «الصحيحة» (٣/ ٢٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن وهب عن أبي بكر، كما في «البدور السافرة» للسيوطي ص ٥٥٨ - ط. الكتب الثقافية.\n(^٣) أخرجه البيهقي (٧/ ٦٩، ٧٠)، وانظر «الصحيحة» (٣/ ٢٧٦، ٢٧٧).","vol":"2","page":196},{"text":"يحدّث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرأة لآخر أزواجها في الجنة». وقال لي: إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوّجي من بعدي (^١).\nوذكر أبو بكر النجاد قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدّثنا عبيد بن إسحاق العطار، حدّثنا سنان بن هارون، عن حميد، عن أنس، أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله، المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا ثم يموتون ويجتمعون في الجنة، لأيهما تكون للأول أو للآخر؟ قال: «لأحسنهما خلقا كان معها يا أمّ حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» (^٢).\nوقيل: إنها تخيّر إذا كانت ذات أزواج.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-402>٢٠٢ - باب ما جاء أن في الجنة أكلا وشربا ونكاحا حقيقة ولا قذر فيها، ولا نقص، ولا نوم</span>\n(مسلم) عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون». قالوا: فما بال الطعام؟ قال: «جشاء أو رشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد» وفي رواية: «والتكبير، كما يلهمون النّفس» (^٣).\n(الترمذي) عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع». قيل: يا رسول الله؛ أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة» (^٤).\nوفي الباب عن زيد بن أرقم. قال أبو عيسى: هذا حسن صحيح.\nوذكر الدارمي في «مسنده» عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة». فقال\n_________\n(^١) أخرجه القشيري في «تاريخ الرقة» ص ١٥٩ رقم (٣١٨).\nوهو خبر صحيح بشواهده؛ انظر «الصحيحة» (١٢٨١).\n(^٢) أخرجه البزار (٤٠٩/ ١٩٨٠/٢) - كشف - والخرائطي في «مكارم الأخلاق» ص ٨ - ٩.\nبإسناد ضعيف جدا؛ انظر «المجمع» (٨/ ٢٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٣٥).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٥٣٦)، وصحّحه الألباني.","vol":"2","page":197},{"text":"رجل من اليهود: إن الذي يأكل ويشرب يكون منه الحاجة. قال: «ثم يفيض من جلده عرق، فإذا بطنه قد ضمر» (^١).\nوذكر المخرمي عبد الله بن أيوب قال: حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن زيد بن أبي الحواري - وهو زيد العمي - عن ابن عباس قال: قلنا: يا رسول الله؛ أنفضي إلى نسائنا في الجنة، كما نفضي إليهن في الدنيا؟ قال: «أي والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء» (^٢).\nخرّجه البزار في «مسنده» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله؛ أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ قال: «أي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء» (^٣).\nوخرّج عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكارا» (^٤).\nوسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن أبي قلابة قال: يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتضمر لذلك بطونهم وتفيض عرقا من جلودهم، أطيب من ريح المسك، ثم قرأ:\n﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] (^٥).\n(أبو محمد الداراني) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه الله اثنتين وسبعين زوجة، اثنتين من الحور وسبعين من ميراثه من أهل النار، ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهيّ، وله ذكر لا ينثني» (^٦).\nقال هشام بن خالد: من ميراثه من أهل النار؛ يعني رجالا دخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم، كما ورثت امرأة فرعون.\nوروي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: هل تمس أهل الجنة\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (٢/ ٣٣٤) وكذا أحمد (٤/ ٣٦٧، ٣٧١) وغيرهما، وصحّحه الألباني في «صحيح الجامع» (١٦٢٣).\n(^٢) أخرجه البزار (١٩٨/ ٣٥٢٥/٤) - كشف - والطبراني في «الصغير» (٢/ ١٢ - ١٣) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٣٧٣) وغيرهم، وهو في «الصحيحة» (٣٦٧).\n(^٣) انظر الذي قبله.\n(^٤) أخرجه البزار (٤/ ١٩٨ - ١٩٩/ ٣٥٢٧) بإسناد ضعيف.\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٧٤) بإسناد ضعيف.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٧)، وقال ابن حجر، والألباني: إسناده ضعيف جدا.","vol":"2","page":198},{"text":"أزواجهم؟ فقال: «نعم؟ بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع» (^١).\n(الدارقطني) عن جابر بن عبد الله، قيل: يا رسول الله؛ أينام أهل الجنة؟ قال: «لا؛ النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها» (^٢)، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-403>٢٠٣ - باب المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنّه في ساعة واحدة</span>\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنّه في ساعة كما يشتهي» (^٣). قال: حديث حسن غريب.\nأخرجه ابن ماجه وقال: «في ساعة واحدة في الجنة» (^٤).\nقال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في هذا؛ فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد. هكذا يروى عن طاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي. وقال محمد: قال إسحاق بن إبراهيم، في حديث النبي ﷺ: «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان في ساعة كما يشتهي، ولكن لا يشتهي هذا أبدا»، وقد روى عن أبي رزين العقيلي عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد»، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-404>٢٠٤ - باب ما جاء أن كل ما في الجنة دائم لا يبلى ولا يفنى ولا يبيد</span>\n(مسلم) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤/ ١٩٧ - ١٩٨/ ٣٥٢٤) - كشف - وإسناده ضعيف جدا؛ انظر «المجمع» (١٠/ ٤١٧).\n(^٢) أخرجه البزار (١٩٣/ ٣٥١٧/٤) - كشف - وغيره، وهو صحيح بطرقه وشواهد؛ انظر «الصحيحة» (١٠٨٧).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٦٣)، وصححه الألباني.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٨).","vol":"2","page":199},{"text":"فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]» (^١).\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» (^٢). وقد تقدم قول الحور العين: «نحن الخالدات فلا نبيد».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-405>٢٠٥ - باب ما جاء أن المرأة من أهل الجنة ترى زوجها من أهل الدنيا في الآخرة</span>\n(ابن وهب) قال: وحدّثنا ابن زيد قال: يقال للمرأة من أهل الجنة وهي في السماء: أتحبين أن نريك زوجك من أهل الدنيا؟ فتقول: نعم، فيكشف لها عن الحجب ويفتح الأبواب بينها وبينه حتى تراه وتعرفه، وتعاهده بالنظر حتى تستبطئ قدومه وتشتاق إليه، كما تشتاق المرأة إلى زوجها الغائب عنها. ولعله يكون بينه وبين زوجته في الدنيا ما يكون بين النساء وأزواجهن من مكالمة أو مخاصمة فتغضبه زوجته التي في الدنيا، فيشقّ ذلك عليها، وتقول: ويحك دعيه من شرّك، إنما هو معك ليال قلائل. أخرجه الترمذي بمعناه عن معاذ بن جبل، وقال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا» (^٣). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، خرّجه ابن ماجه أيضا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-406>٢٠٦ - باب ما جاء في طير الجنة وخيلها وإبلها</span>\n(الترمذي) عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ قال: «نهر أعطانيه الله - يعني في الجنة - أشدّ بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٣٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١١٧٤) وابن ماجه (٢٠١٤)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":200},{"text":"كأعناق الجزر». فقال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله ﷺ: «آكلها أنعم منها» (^١). قال: هذا حديث حسن.\nوخرّجه الثعلبي، من حديث أبي الدرداء، أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت تصطفّ على يد وليّ الله، فتقول أحدها: يا وليّ الله؛ رعيت في مروج الجنة تحت العرش، وشربت من عيون التسنيم، فكل مني فلا تزال تفتخر بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل أحدها. فيخرّ بين يديه على ألوان مختلفة، فيأكل منه ما أراد فإذا شبع تجمع عظام الطير، فيطير يرعى في الجنة حيث شاء». فقال عمر: يا نبي الله؛ إنها لناعمة. قال: «آكلها أنعم منها» (^٢).\n(الترمذي) عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ هل في الجنة من خيل؟ قال: «إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء تطير بك حيث شئت إلا فعلت». قال: وسأله رجل، فقال: يا رسول الله؛ هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له ما قال لصاحبه.\nفقال: «إن يدخلك الله الجنة فيها ما اشتهت نفسك ولذّت عينك» (^٣).\nوخرّج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» (^٤).\nوذكر ابن وهب قال: حدّثنا ابن زيد قال: كان الحسن البصري يذكر عن رسول الله ﷺ: إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه من الولدان المخلّدين على خيل من ياقوت أحمر، لها أجنحة من ذهب، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ (^٥) [الإنسان: ٢٠].\nوذكر ابن المبارك عن شفي بن ماتع، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من نعيم أهل الجنة أنهم ليتزاورون على المطايا والنّجب، وأنهم يؤتون في يوم الجمعة بخيل مسرجة ملجّمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله» (^٦) وذكر الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٤٢)، وهو حسن.\n(^٢) أورده ابن كثير عن الثعلبي في «الفتن والملاحم» (٢/ ٣١٢) وقال: «غريب».\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٤٣)، وهو حسن.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨٩١).\n(^٥) ذكره الحافظ ابن كثير في «الفتن والملاحم» (٢/ ٣٨٢) وقال: «فيه انقطاع بين عبد الرحمن بن زيد - وهو ضعيف - وبين الحسن، ثم هو مرسل».\n(^٦) أخرجه ابن المبارك فيه زوائد «الزهد» (٢٣٩) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":201},{"text":"وعن عكرمة، عن ابن عباس، أنه ذكر مراكبهم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.\nوحكي عن عبد الله بن المبارك أنه خرج إلى غزو فرأى رجلا حزينا قد مات فرسه فبقي محزونا، فقال له: بعني إياه بأربعمائة درهم ففعل الرجل ذلك - أي باعه له - فرأى من ليلته في المنام كأن القيامة قد قامت، وفرسه في الجنة وخلفه سبعمائة فرس. فأراد أن يأخذه فنودي أن دعه، فإنه لابن المبارك وقد كان لك بالأمس، فلما أصبح جاء إليه وطلب الإقالة فقال له: ولم؟ قال: فقص عليه القصة، فقال له: اذهب فما رأيته في المنام رأيناه في اليقظة.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذه الحكاية صحيحة لأنها في معنى ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود كما ذكرناه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-407>٢٠٧ - باب ما جاء أن الحناء سيد ريحان الجنة وأن الجنة حفّت بالريحان</span>\n(ابن المبارك) أنبأنا همام، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمر قال:\n«الحناء سيد ريحان الجنة، وإن فيها من عناق الخيل وكرام النجائب، يركبها أهلها» (^١).\nوقد تقدم عن أبي هريرة موقوفا، أن شجرة طوبى تتفتق عن النجائب والثياب. ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، فاعلمه.\nوذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت من حديث سعيد بن معن المدني قال: حدّثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله الجنة حففها بالريحان، وحفف الريحان بالحناء، وما خلق الله شجرة أحبّ إليه من الحناء، وإن المختضب بالحناء لتصلّي عليه ملائكة السماء إذا غدا، وتقدس الأرض». قال السّكري: «وتقدس عليه ملائكة الأرض إذا راح». هذا حديث منكر لا يصح، وفي إسناده غير واحد لا يعرف.\nوروى الترمذي في كتاب «الشمائل»: حدّثنا محمد بن خليفة وعمرو بن علي قالا: حدّثنا يزيد بن زريع قال: حدّثنا الحجّاج الصواف، عن حنان، عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٣١).","vol":"2","page":202},{"text":"عثمان النهدي، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردّه، فإنه خرج من الجنة» (^١). قال أبو عيسى: لا يعرف لحنان غير هذا الحديث.\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الجرح والتعديل» (^٢): «حنان الأسدي من بني أسد بن شريك، وهو حنان صاحب الرقيق، عم مسرهد والد مسدد، وروى عن أبي عثمان النهدي، وروى عنه الحجاج بن أبي عثمان الصواف، سمعت أبي يقول ذلك».\nوقد تقدّم عن أبي هريرة موقوفا أن شجرة طوبى تتفتق عن النجائب والثياب، ومثل هذا كله لا يقال من جهة الرأي، وإنما هو توقيف، فاعلمه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-408>٢٠٨ - باب ما جاء أن الشاة والمعزى من دواب الجنة</span>\n(ابن ماجه) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «الشاة من دوابّ الجنة» (^٣).\nوفي كتاب البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أحسنوا إلى المعزى وأميطوا عنها الأذى فإنها من دوابّ الجنة» (^٤).\nوفي التنزيل: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وإنما سمّي عظيما لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، روي ذلك عن ابن عباس ﵁.\n***\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في «الجامع الصحيح» (٢٧٩١) وفي «الشمائل النبوية» رقم (٢٢١) وأبو داود في «المراسيل» (٥٠١). وإسناده ضعيف؛ حنان هذا؛ مجهول.\nثم هو مرسل؛ أبو عثمان النهدي، تابعي لم ير النبي ﷺ، والحديث ضعّفه المحدث الألباني في «مختصر الشمائل» رقم (١٨٩) و«الضعيفة» رقم (٧٦٤).\n(^٢). (٢٩٩/ ١٣٣٠/٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠٦)، وهو في «الصحيحة» رقم (١١٢٨).\n(^٤) أخرجه البزار (١١٣/ ١٣٢٩/٢) - كشف - وضعف إسناده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٦٩).","vol":"2","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-409>٢٠٩ - باب ما جاء أن للجنة ربضا وريحا وكلاما</span>\n(البيهقي) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلمي فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]» (^١).\nخرّجه البزار من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وقال لها تكلمي، فقالت:\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال: طوبى لك منزل الملوك» (^٢).\nوهذا يروى موقوفا عن أبي سعيد الخدري قال: «لما خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسها. قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فدخلتها الملائكة. فقالت: طوبى لك منزل الملوك» (^٣).\nوروي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله الجنة قال لها: تزيّني؛ فتزيّنت، ثم قال لها: تكلّمي؛ فتكلّمت، ثم قالت: طوبى لمن رضيت عنه» (^٤).\n(النسائي) عن فضالة بن عبيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله بيت له في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى غرف الجنة، من فعل ذلك لم يدع للخير مطلبا ولا من الشرّ مهربا يموت حيث شاء أن يموت» (^٥).\nوقال عمر بن عبد العزيز والزهدي والكلبي ومجاهد: مؤمنو الجن في ربض ورحاب حول الجنة وليسوا فيها.\nوروى مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: «نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٣) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٤٧) وابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٨٣٧).\nوضعّفه الشيخ الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٤٣/ ١٢٨٣/٣).\n(^٢) أخرجه البزار (١٨٩/ ٣٥٠٨/٤) - كشف - بإسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه البزار (١٨٩/ ٣٥٠٧/٤١) وهو صحيح موقوفا.\n(^٤) أخرجه الخطيب البغدادي فيه «تاريخه» (١١/ ٢١٣، ٢١٤).\n(^٥) أخرجه النسائي (٦/ ٢١)، وصحّحه الألباني.","vol":"2","page":204},{"text":"ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة سنة» (^١). هذا موقوف، قال أبو عمر بن عبد البر:\nوقد رواه عبد الله بن نافع الصائغ عن مالك بهذا الإسناد عن النبي ﷺ.\nوخرّج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمّة الله وذمّة رسوله؛ فقد أخفر بذمّة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» (^٢). لفظ الترمذي قال: وفي الباب عن أبي بكر. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.\nوخرّج البخاري عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» (^٣).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-410>٢١٠ - باب ما جاء في أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله</span>\n(الترمذي) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي فقال: يا محمد؛ أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» (^٤).\nقال: وفي الباب، عن أبي أيوب وهذا حديث حسن غريب.\n(ابن ماجه) عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ مرّ به وهو يغرس غرسا فقال: «يا أبا هريرة؛ ما الذي تغرس؟ قال: غرسا. قال: ألا أدلك على غراس خير من هذا؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة» (^٥).\n(الترمذي) عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة» (^٦).\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٣٠) -٤٨ - كتاب اللباس.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٧٦٠) والترمذي (١٤٠٣)، وانظر ما بعده.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٦٦، ٦٩١٤).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٤٦٢)، وحسّنه الألباني.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٧) وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٠٦٩).\n(^٦) أخرجه الترمذي (٣٤٦٤)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>٢١١ - باب ما جاء أن الذّكر نفقة بناء الجنة</span>\nذكر الطبري في كتاب «آداب النفوس» قال: حدّثنا الفضل بن الصباح قال:\nسألت النضر بن إسماعيل، فحدّثني عن حكيم بن محمد الأحمسي، قال: بلغني أن الجنة تبنى بالذّكر، فإذا حبسوا الذكر كفوا عن البناء. فيقال لهم في ذلك، فيقولون: حتى تجيئنا نفقة.\nقال المؤلف ﵀: الذّكر طاعة الله ﷿ في امتثال أمره واجتناب نهيه، ودليله ما روي عن النبي ﷺ: «من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلّت صلاته وصومه وصنيعه للخير، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصومه وصنيعه للخير» (^١). وذكره أبو عبد الله؛ محمد بن خوازمنداد في «أحكام القرآن» له، وذكره أيضا العامري في «شرح الشهاب» له.\nقلت: حقيقة الذكر طاعة الله تعالى في امتثال أمره واجتناب نهيه.\nولفظه عن النبي ﷺ أنه قال: «من أطاع الله فقد ذكره وإن كان ساكتا، ومن عصى الله فقد نسيه وإن كان قارئا مسبحا».\nقال سعيد بن جبير: «الذكر طاعة الله فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن».\nقال المؤلف ﵀: وهذا والله أعلم لأنه كالمستهزئ والمتهاون ومن اتخذ آيات الله هزوا. وقد قال العلماء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: لا تتركوا أمر الله فتكونوا مقصّرين لاعبين، قالوا:\nويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا، وكذا كل ما كان في هذا المعنى، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٥٤/ ٤١٣/٢٢) بإسناد ضعيف جدا، وضعّفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٤٣٨).","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>٢١٢ - باب ما لأدنى أهل الجنة منزلة وما لأعلاهم</span>\n(مسلم) عن المغيرة بن شعبة يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: «سأل موسى ﵇ ربه، فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يأتي بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربّ؛ كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربّ، فيقول: لك ذلك ومثله معه، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة، رضيت ربّ، فيقول:\nهذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت ربّ. قال: يا رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت؛ غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر»، قال: ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^١) [السجدة: ١٧]. وقد روي موقوفا على المغيرة من قوله.\n(البخاري) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر الناس خروجا من النار، رجل يخرج حبوا، فيقول له ربّه:\nادخل الجنة. فيقول: ربّ الجنة ملأى! فيقول له. ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يعيد عليه الجنة ملأى، فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرات» (^٢). وقد تقدم هذا.\nوروى عن النبي ﷺ، أنه قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من له سبع قصور قصر من ذهب، وقصر من فضة، وقصر من در، وقصر من زمرد، وقصر من ياقوت وقصر لا تدركه الأبصار، وقصر على لون العرش، في كل قصر من الحلي والحلل والحور العين ما لا يعلمه إلا الله ﷿». ذكره القتبي في «عيون الأخبار» له.\nوفي مراسيل الحسن عن رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه» الحديث وقد تقدم.\nوخرّج الترمذي، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته ونعيمه وخدمه وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّا»، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (^٣) [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: حديث غريب، وقد روي عن ابن عمر ولم يرفعه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥١١) ومسلم (١٨٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٥٣)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":207},{"text":"وخرّج عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، كما بين الجابية إلى صنعاء» (^١). قال: هذا حديث غريب.\n(ابن المبارك) قال: أخبرنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يسير في ملكه مسيرة ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وأرفعهم هو الذي ينظر إلى ربه بالغداة والعشي» (^٢).\nوقد تقدم هذا مرفوعا وفي الباب عن ابن عمر موقوفا، وهذا الباب والذي قبله يدل على أن أدنى أهل الجنة منزلة له الكثير من الزوجات من الحور العين على ما قررناه فيما تقدم، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-413>٢١٣ - باب رضوان الله تعالى لأهل الجنة أفضل من الجنة</span>\n(البخاري) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربّنا وسعديك، والخير في يديك.\nفيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّ! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربّنا أيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (^٣). أخرجه مسلم بمعناه في حديث فيه طول.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-414>٢١٤ - باب رؤية أهل الجنة لله تعالى أحب إليهم مما هم فيه وأقرّ لأعينهم</span>\n(مسلم) عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٤٢١) والدينوري في «المجالسة» (٣٨٢/ ٧٧/١)، وإسناده ضعيف.\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":208},{"text":"وتعالى لهم: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟! قال: فيكشف لهم الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿» في رواية: ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ (^١) [يونس: ٢٦].\nوخرّجه النسائي عن صهيب قال: «قيل لرسول الله هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ينادي مناد: يا أهل الجنة؛ إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فقالوا: ألم تبيض وجوهنا وتثقل موازيننا وتجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فينظروا إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحبّ إليهم من النظر إلى وجه الله ولا أقرّ لأعينهم» (^٢).\nوخرّجه أبو داود الطيالسي أيضا، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية:\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله تعالى موعدا، فيقولون: ما هو أليس قد بيّض وجوهنا وثقل موازيننا وأدخلنا الجنة؟ فيقال لهم ثلاثا، فيتجلّى لهم الربّ ﵎ فينظرون إليه فيكون ذلك عندهم أعظم مما أعطوا» (^٣).\nأخبرنا الشيخ الراوية: أبو محمد عبد الوهاب قراءة عليه بثغر الإسكندرية حماه الله: قرئ على الحافظ السّلفي وأنا أسمع، قال: أخبرنا الحاجب أبو الحسن بن العلاف، حدّثنا أبو القاسم بن بشران، حدّثنا أبو بكر الآجرّي، حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، حدّثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الورّاق النيسابوري. حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة نودوا أن يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا لم تروه قالوا: وما هو؛ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله شيئا هو أحبّ إليهم منه»، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ (^٤).\nوكذا أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (^٥) والحارث بن أبي أسامة عن يزيد بن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨١).\n(^٢) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (٣٦١/ ١١٢٣٤/٦).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٨٣١٥).\n(^٤) أخرجه الآجري في «الشريعة» (٢٠/ ٦٤٤/٢).\n(^٥) في «المسند» (٤/ ٣٣٣).","vol":"2","page":209},{"text":"هارون، وانفرد مسلم بإخراجه، فرواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون.\nورواه نوح ابن أبي مريم عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: «سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ فقال: للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى، وهي الجنة» قال: «والزيادة؛ النظر إلى وجهه الكريم» (^١). فأخطأ فيه خطأ بينا، ووهم وهما قبيحا.\nوذكر ابن المبارك. قال: أخبرنا أبو بكر الهذلي، قال: نا أبو تميمة الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري على منبر البصرة يقول: إن الله يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون؛ فيرون الحلي والحلل والثمار والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، أنجزنا الله ما وعدنا.\nفيقول الملك: هل أنجزكم ما وعدكم؟ ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئا مما وعدوا، فيقولون: نعم. فيقول: بقي لكم شيء؛ إن الله تعالى يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى الله تعالى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-415>فصل</span>\nما رواه النسائي مرفوعا، وكذلك أبو داود الطيالسي، وأسنداه عن الآجري، وذكره ابن المبارك موقوفا؛ يبين حديث مسلم، وأن المعني بقوله: قال الله تعالى:\nقال ملك عن الله: تريدون شيئا أزيدكم؟ أي: يزيدكم.\nوقوله: «فيكشف الحجاب»؛ معناه: أنه يرفع الموانع من الإدراك عن أبصارهم، حتى يروه على ما هو عليه من نعوت العظمة والجلال والبهاء والكمال والرفعة والجمال، لا إله إلا هو سبحانه عما يقول الزائفون والمبطلون، فذكر الحجاب إنما هو في حقّ المخلوق لا في حق الخالق، فهم المحجوبون، والباري جل اسمه وتقدّست أسماؤه منزّه عما يحجبه، إذ الحجب إنما يحيط بمقدار محسوس وذلك من نعوتنا، ولكن حجبه عن أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم ما شاء وكيف شاء.\nوروي في صحيح الأحاديث، أن الله تعالى إذا تجلّى لعباده ورفع الحجب عن أعينهم فإذا رأوه؛ تدفّقت الأنهار، واصطفّت الأشجار، وتجاوبت السرر والغرفات بالصرير، والأعين المتدفقات بالخرير، واسترسلت الريح المثيرة، وبثت في الدور والقصور المسك الأذفر والكافور، وغرّدت الطيور، وأشرقت الحور\n_________\n(^١) أخرجه هناد في «الزهد» (١٦٩) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٤١٩) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":210},{"text":"العين. ذكره أبو المعالي في كتاب الرد له على السجزي. وقال: وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وإن لم يكن منها شيء عن الرؤية والنظر، ولكن الله تعالى يعرف بما شاء من آيات عظمته ودلالات هيبته، وذلك بمثابة تدكدك الجبل الذي تجلّى الله له، وترضرضه حتى صار رملا هائلا سائلا، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-416>٢١٥ - باب منه في الرؤية</span>\n(مسلم) عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال:\n«جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿، إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (^١).\nوعن جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربّكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها»، فافعلوا، ثم قرأ:\n﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^٢) [طه: ١٣٠]. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.\nوخرّج أبو داود عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله؛ أكلّنا يرى الله مخليا به يوم القيامة. قال: «نعم». قلت: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «يا أبا رزين، أليس كلّكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به»؟ قلت: بلى. قال: «فالله أعظم قال ابن معاذ: قال: إنما هو خلق من خلق الله - يعني القمر - فالله أجل وأعظم» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-417>فصل</span>\nقوله: «إلا رداء الكبرياء على وجهه»؛ الرداء هنا مستعار، كنّى به عن كبريائه وعظمته، يبينه الحديث الآخر: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري» (^٤). يريد بذلك:\nصفتي. فقوله: «رداء الكبرياء» يريد: صفة الكبرياء، فهو بكبريائه وعظمته لا يريد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٤) ومسلم (٦٣٣) وأبو داود (٤٧٢٩) والترمذي (٢٥٥١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ١١ - ١٢) وأبو داود (٤٧٣١)، وهو حسن، كما قال الألباني.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٨) وأبو داود (٤٠٩٠) وابن ماجه (٤١٧٤)، وصحّحه الألباني.","vol":"2","page":211},{"text":"أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية القيامة، حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه وهم في جنة عدن. قال معناه البيهقي وغيره.\nوليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة، وإنما هي توسعات، ووجه المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به، ولا يشاركه فيهما غيره؛ عبّر عن عظمته وكبريائه بهما، لأنهما مما لا يجوز مشاركة الله تعالى فيهما، ألا ترى آخر الحديث: «فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم قذفته في النار».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-418>٢١٦ - باب منه، وفي سلام الله تعالى عليهم</span>\nروى محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم، فإذا الربّ سبحانه قد أشرف عليهم، فقال:\nالسلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال: فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة، حتى يحتجب عنهم، فإذا احتجب عنهم بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-419>فصل</span>\nقوله: «قد أشرف عليهم» أي: اطّلع، كما يقال: فلان مشرف عليك، أي: مطّلع عليك من مكان عال، والله تعالى لا يوصف بالمكان من جهة الحلول والتمكّن، وإنما يوصف من جهة العلوّ والرفعة، فعبّر عن اطلاعهم عليهم ونظره إليهم بالإشراف، ولما كان سبحانه قائلا متكلما وكان الكلام له صفة في ذاته، لم يزل ولا يزال، فهو يسلّم عليهم سلاما هو قول منه، كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.\nوقوله: «فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة» أي: لهوا عنه بلذة النظر إلى وجهه الكريم، وذلك أن ما دون الله تعالى لا يقاوم تجليه، ولولا أن الله تعالى يثبّتهم ويبقيهم لحلّ بهم ما حلّ بالجبل حين تجلّى له.\nوقوله: «حتى يحتجب عنهم»؛ يجوز أن يكون معناه: حتى يردّهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه، وإلى حظوظ أنفسهم وشهواتها التي سهوا عنها، فانتفعوا بنعيم\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وهو موضوع.","vol":"2","page":212},{"text":"الجنة الذي وعده لهم، وتنعّموا بشهوات النفوس التي أعدّت لهم وليس ذلك إن شاء الله تعالى على معنى الاحتجاب عنهم الذي هو بمعنى الغيبة والاستتار، فيكونوا له ناسين وعن شهوده محجوبين، وإلى نعيم الجنة ساكنين، ولكنه يردّهم إلى ما نسوه، ولا تحجبهم عما شاهدوه حجبة غيبة واستتار، يدل على ذلك قوله:\n«بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم». وكيف يحجبهم عنه وهو ينعت المزيد عليهم، وما وعدهم به من النعيم؟ والنظر إذا صحّ، والحجبة إذا ارتفعت لم يكن بين نظر البصر وشهود السر فرق، ولا بين حال الشهود والغيبة فرق، فيكون محجوبا في حال الغيبة بل تتفق الأوقات وتتساوى الأحوال، فيكون في كل حال شاهدا وبكل جارحة ناظرا، ولا يكون في حال محجوبا ولا بالغيب موصوفا.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>حكاية</span>\nحكي عن قيس المجنون أنه قيل له: ندعو لك ليلى؟ فقال: وهل غابت عني فتدعى؟! فقيل له: أتحبّ ليلى؟ فقال: المحبة ذريعة الوصلة، وقد وقع الوصل، فأنا ليلى وليلى أنا! والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-421>٢١٧ - باب منه، وبيان قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾</span>\n(يحيى بن سلام) قال: أخبرنا رجل من أهل الكوفة، عن داود بن أبي هند، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الجنة لينظرون إلى ربّهم في كل جمعة على كثيب من كافور، لا يرى طرفاه، وفيه نهر جار حافتاه المسك، عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأوّلون والآخرون، فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كلّ رجل بيد من شاء منهنّ ثم يمرّون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم، فلولا أن الله تعالى يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها، لما يحدث الله إليهم في كل جمعة» (^١).\nوخرّج عن بكر بن عبد الله المزني قال: إن أهل الجنة ليزورون ربهم في مقدار كل عيد، كأنه يقول: في كل سبعة أيام مرة، فيأتون ربّ العزّة في حلل خضر ووجوه مشرقة وأساور من ذهب مكلّلة بالدرّ والزمرد، عليهم أكاليل الذهب ويركبون نجائبهم ويستأذنون على ربهم، فيأمر لهم ربنا بالكرامة.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.","vol":"2","page":213},{"text":"وذكر هو وابن المبارك جميعا قال: حدّثنا المسعودي، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة، فإن الله يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون معه في القرب (^١).\nقال ابن المبارك: على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا.\nوقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا، وزاد: فيحدث لهم شيئا من الكرامة لم يكونوا رأوه قبل ذلك.\nقال يحيى: وسمعت غير المسعودي يزيد فيه وهو قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].\nوقال الحسن في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ قال: الزيادة النظر إلى وجه الله ﷿، وليس شيء أحب إلى أهل الجنة من يوم الجمعة يوم المزيد، لأنهم يرون فيه الجبار ﷻ وتقدّست أسماؤه.\n\n<span data-type='title' id=toc-422>فصل</span>\nقلت: قوله: «في كثيب»؛ يريد أهل الجنة، أي: هم على كثيب، كما في مرسل الحسن أول الباب. وقيل: المزيد؛ ما يزوجون به من الحور العين، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا.\nوذكر أبو نعيم الحافظ، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، قال: إن من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يتمنّون شيئا إلا مطروا. قال خالد: يقول كثير: لئن أشهدني الله ذلك لأقولن لها: أمطرينا جواري مزينات (^٢).\nوقد تقدم من حديث ابن عمرو: «أكرمهم على الله من ينظر إلى الله غدوة وعشية» وهذا يدل على أن أهل الجنة في الرؤية مختلفو الحال.\nوقد روي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: إن الله تعالى عبادا لو حجبهم في الجنة ساعة، لاستغاثوا من الجنة ونعيمها، كما يستغيث أهل النار من النار وعذابها.\n***\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك فيه زوائد «الزهد» (٤٣٦)، بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٢١٤).","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>٢١٨ - باب نبذ من أقوال العلماء في تفسير كلمات وآيات من القرآن وردت في ذكر الجنة وأهلها</span>\nمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] قال ابن عباس: أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان، فيشربون من إحدى العينين، فيذهب الله تعالى ما في قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى؛ فيغتسلون فيها، فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم.\nوقال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] قال: إذا توجّه أهل الجنة إلى الجنة؛ مرّوا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فتجري عليهم بنضرة النعيم، فلا تتغيّر أبشارهم، ولا تتشعّث أشعارهم أبدا، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة، فتقول لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\nوذكره ابن المبارك قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنه تلا هذه الآية: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها﴾ [الزمر: ٧٣] حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عند باب الجنة شجرة يخرج من ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها فاغتسلوا منها، فلم تشعث رؤوسهم بعدها أبدا، ولم تغير جلودهم بعدها أبدا، كأنما دهنوا بالدهن، ثم عمدوا إلى الأخرى فشربوا منها، فطهرت أجوافهم وغسلت كل قذر فيها، وتتلقاهم على كل باب من أبواب الجنة ملائكة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ثم تتلاقهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان الدنيا بالحميم يجيء من الغيبة يقولون: أبشر أعد الله لك كذا وكذا، ثم يذهب الغلام منهم إلى الزوجة من أزواجه، فيقول: قد جاء فلان، باسمه الذي كان يدعى في الدنيا، فتقول له: أنت رأيته؟ فيستخفّها الفرح حتى تقوم على أسكفة الباب، ثم ترجع؛ فتجيء فتنظر إلى تأسيس بنيانه من جندل اللؤلؤ أخضر وأصفر وأحمر، من كل لون، ثم يجلس فينظر؛ فإذا زرابيّ مبثوثة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، ثم يرفع رأسه إلى سقف بنيانه، فلولا أن الله قدّر ذلك لأذهب بصره، إنما هو مثل البرق، ثم يقول كما أخبر تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٤٥٠).","vol":"2","page":215},{"text":"وذكره القتبي في «عيون الأخبار» له مرفوعا عن علي ﵁ أنه قال:\nسألت رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ما هؤلاء الوفد؟ قال: يحشرون ركبانا ثم قال: والذي نفسي بيده؛ إنه إذا خرجوا من قبورهم ركبوا نوقا عليها رحائل الذهب، مرصّعة بأنواع الجوهر، فتسير بهم إلى باب الجنة، قال: وعند باب الجنة شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحدى تلك العيون، فإذا بلغ الشراب البطن؛ طهّرهم الله به من دنس الدنيا وقذرها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾. قال: ثم يغتسلون من العين الأخرى، فلا تشعث رؤوسهم ولا تتغيّر ألوانهم. قال: ثم يضربون حلق أبواب الجنة، فلو سمعت الخلائق طنين الأبواب لافتتنوا بها، فيبادر رضوان فيفتح لهم، فينظرون إلى حسن وجهه فيخرّون ساجدين، فيقول لهم رضوان: يا أولياء الله؛ أنا قيّمكم الذي وكلت بكم وبمنازلكم، فينطلق بهم إلى قصور من فضة، شرفاتها من ذهب، يرى ظاهرها من باطنها من النور والرقة والحسن، قال: فيقول أولياء الله عند ذلك: يا رضوان! لمن هذا؟ فيقول: هذا لكم. فقال رسول الله ﷺ:\n«فلولا أن الموت يرفع عن أهل الجنة لمات أكثرهم فرحا». قال: «ثم يريد أحدهم أن يدخل قصره»، فيقول له رضوان: اتبعني حتى أريك ما أعدّ الله لك. قال: فيمرّ به فيريه قصورا وخياما، وما أعطاه الله ﷿. قال: ثم يأتي به إلى غرفة من ياقوتة من أسفلها إلى أعلاها مائة ذراع، قد لوّنت بجميع الألوان، على جنادل الدر والياقوت، وفي الغرفة سرير طوله فرسخ في عرض مثل ذلك، عليه من الفراش كقدر خمسين غرفة، بعضها فوق بعض. قال رسول الله ﷺ: فذلك قوله ﷿: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهي من نور والسرير من نور، وعلى رأس ولي الله تاج له سبعون ركنا، في كل ركن سبعون ياقوتة تضيء، وقد رد الله وجهه كالبدر، وعليه طوق ووشاح يتلألأ من نور، وقد سور بثلاثة أسورة؛ سوار من الذهب وسوار من الفضة وسوار من لؤلؤ، فذلك قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: الجنات سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم.\nوقيل: إن الجنان أربع، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. وقال بعد ذلك: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] ولم يذكر سوى هذه الأربع جنة خامسة، فإن قيل: فقد قال: ﴿جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ [النجم: ١٥]","vol":"2","page":216},{"text":"قيل: جنة المأوى اسم لجميع الجنان، يدل عليه أنه تعالى قال: ﴿فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩].\nوالجنة اسم الجنس، فمرة يقال: جنة، ومرة يقال: جنات. وكذلك جنة عدن، وجنات عدن، لأن العدن: الإقامة، وكلّها دار الإقامة، كما أن كلها مأوى المؤمنين، وكذلك دار الخلد ودار السلام لأن جميعها للخلد والسلامة من كل خوف وحزن، وكذلك جنات النعيم وجنة النعيم، لأن كلها مشحونة بأصناف النعيم، ذكره الحليمي في كتاب «منهاج الدين» له، وقال: إنما منعنا أن نجعل كل واحدة من العدن والمأوى والنعيم جنة سوى الأخرى؛ لأن الله تعالى إن كان سمي شيئا من هذه الأسماء جنة في موضع فقد سمى الجنات كلها بذلك الاسم في موضع آخر، فعلمنا أن هذه الأسماء ليست لتميز جنة من جنة ولكنها للجنان أجمع، لا سيما وقد أتى الله بذكر العدد فلم يثبت إلا أربعا.\nوقد أثبت لهذه الجنان أبوابا فقال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال ﵊: «إن أبواب الجنة ثمانية». فيحتمل أن يكون ذلك، لأن لكل جنة من الجنان الأربع بابين، ووصف أهل الجنة فصنفهم صنفين أحدهما السابقون المقربون، والآخرون أصحاب اليمين، فعلمنا أن السابقين أهل الجنتين العليتين في قوله: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وأهل اليمين أهل الجنتين الدنيتين في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ وبهذا جاءت الروايات.\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قال: فتلك للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين.\nوعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك (^١).\nقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] قال المفسرون: ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وقال هنا: ﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ وقال في آية أخرى: ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١].\nوفي الصحيح: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^٢).\nوقرئ «لؤلؤا» بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤا وأساورا؛ جمع أسورة،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٨٤) و(٢/ ٤٧٤، ٤٧٥) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/ ٣٨٣) والبيهقي في «البعث والنشور» (٢١٩) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (١٤٢). وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٠).","vol":"2","page":217},{"text":"وأسورة واحدها سوار، فيها ثلاث لغات: ضم السين وكسرها، وأسوار.\nقال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة إذ هم ملوك، قوله تعالى: ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣].\nروي عن يحيى بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: دار المؤمن في الجنة درة مجوفة وسطها شجرة تنبت الحلل، ويأخذ بإصبعه. أو قال بإصبعيه - سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والزبرجد والمرجان.\nوأخرج ابن المبارك بهذا السند، عن حماد، عن أبي المهزم قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن دار المؤمن في الجنة من لؤلؤة فيها أربعون بيتا، في وسطها شجرة تنبت الحلل، فيذهب فيأخذ بإصبعيه سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والزبرجد والمرجان (^١). وقد تقدم هذا المعنى، وأبو المهزم ضعيف.\nوروي عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن وليّ الله يلبس حلّة ذات وجهين يتجاوبان بصوت مليح، تقول التي تلي جسده: أنا أكرم على ولي الله، أنا أمس بدنه، وأنت لا تمسّينه، وتقول التي تلي وجهه: أنا أكرم على ولي الله منك، أنا أرى وجهه وأنت محجوبة لا ترين وجهه.\nوقد تقدم أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، من حديث أبي سعيد الخدري، صحّحه أبو عمرو ﵀ وقال: هذا عندي على نحو المعنى الذي نزعنا به في شارب الخمر؛ أنه إذا دخل الجنة لا يشرب فيها خمرا ولا يذكرها ولا يراها ولا تشتهيها نفسه، فكذلك لابس الحرير في الدنيا إن لم يتب منه.\nقلت: وكذلك من استعمل آنية الذهب والفضة ولم يتب من استعمالها.\nوقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين» فقيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال: «قراء أهل الجنة» (^٢). خرّجه الترمذي أبو عبد الله في «نوادر الأصول».\nوقد قيل: إن حرمانه الخمر ولباسه الحرير وشربه في إناء الذهب والفضة واستماعه الروحانيين إنما هو في الوقت الذي يعذّب في النار ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة المعبر عنها في الحديث بالقبضة؛ أدخل الجنة ولم يحرم شيئا منها، لا خمرا ولا حريرا ولا غيره، لأن\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٦٢).\n(^٢) أخرجه الحاكم الترمذي في «نوادر الأصول» (ص ١٥٤) - المصرية - وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٤٠٩).","vol":"2","page":218},{"text":"حرمان شيء من لذّات الدنيا لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه.\nقلت: وحديث أبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري يردّ هذا القول، وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك لعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة.\nقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] وقال: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]: الإستبرق: الديباج الكثيف، والسندس:\nالرقيق الخفيف، وخصّ الأخضر لأنه الموافق البصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم والسواد يورم، والخضرة لون بين السواد والبياض، وتلك تجمع الشعاع.\nقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] الأرائك: جمع أريكة وهي السّرر في الحجل، وقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠].\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج في شهر واحد ألف حوراء، يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا».\nوروي عن ابن عباس أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحور سبعين سنة لا يملّها ولا تملّه، كلما أتاها وجدها بكرا، وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون بينهما مني، يأتي من غير مني منه ولا منها.\nوقال المسيب بن شريك: قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا * عُرُبًا أَتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧] قال: «هن عجائز الدنيا أنشأهنّ الله خلقا جديدا، كلما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا». فلما سمعت عائشة ذلك قالت:\nوا وجعاه، فقال النبي ﷺ: «ليس هناك وجع» (^١).\nوذكر يحيى بن سلام، عن صاحب له، عن أبان بن عياش، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم مع زوجته في تكأة واحدة سبعين عاما، فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى:\nأما آن لنا منك دولة بعد! فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] فيتحول إليها يتنعم معها سبعين عاما في تكأة واحدة فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد؟ فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ﴾\n_________\n(^١) ذكره المصنف في «تفسيره» (١٧/ ٢١١).","vol":"2","page":219},{"text":"﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فيتحول إليها فيتنعم معها في تكأة واحدة سبعين عاما فهم كذلك يزورون» (^١).\nقال تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] الحور البيض في قول قتادة والعامة، والعين: العظام العيون.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] يعني: في الآخرة ﴿فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ قال: يعني افتضاض العذارى ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قال الحسن: مسرورون ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ [يس: ٥٦].\nقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] فيه قولان: أحدهما:\nحين يشتهونه، قاله مقاتل. الثاني: بمقدار الغداة والعشي؛ قاله ابن السائب.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] قال العلماء: ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هم في نور أبدا، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره أبو الفرج بن الجوزي.\nوخرّج أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول» له من حديث أبان، عن الحسن وأبي قلابة قال: قال رجل: يا رسول الله؛ هل في الجنة من ليل؟ قال:\n«وما هيجك على هذا؟». قال: سمعت الله تعالى يقول في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي، فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور، يرد الغدوّ على الرواح والرواح على الغدوّ، ويأتيهم طرف الهدايا لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلّون فيها وتسلم عليهم الملائكة» (^٢).\nقوله تعالى ذكره: ﴿فَواكِهُ﴾ [الصافات: ٤٢] جمع فاكهة. قال الله تعالى:\n﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢] وهي الثمار كلها، رطبها ويابسها، قاله ابن عباس. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ يعني ظلال الشجر ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ أي: ذلّلت ثمارها، يتناولون منها كيف شاءوا، إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلّت إليه، وإن اضطجع تدلّت إليه حتى يتناولها.\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] قال: أهل الجنة يأكلون الثمار من الشجر كيف شاءوا جلوسا ومضطجعين وكيف شاءوا (^٣).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدا.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في «زوائد الزهد» (٢٣٠).","vol":"2","page":220},{"text":"واحد القطوف: قطف بكسر القاف.\nوذكر ابن وهب قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم؛ أن رسول الله ﷺ قال: «إن خلق أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ستّون ذراعا كالنخلة السّحوق يأكلون من ثمار الجنة قياما» (^١).\nوذكر يحيى بن سلام، عن عثمان، عن نعيم بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها وهم متكئون على فراشهم فما تصل إلى أحدهم حتى يبدل مكانها أخرى».\nقوله تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١] روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل خادم صحفتان واحدة ذهب والأخرى فضة، في كل واحدة لون لا يشبه الأخرى».\nذكره القتبي في «عيون الأخبار».\nوقال المفسّرون: يطوف على أدناهم منزلة سبعون ألف غلام بسبعين ألف صحفة من ذهب، يغدى عليه بها في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضا.\nوأكواب: أي: ويطاف عليهم بأكواب كما قال تعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] قال قتادة: الكوب: المدور القصير العنق القصير العروة، والإبريق المستطيل الطويل العنق الطويل العروة.\nوقال ابن عزيز: أكواب: أباريق لا عرى لها ولا خراطيم واحدها كوب، قاله الأخفش وقطرب. وقال الجوهري في «الصحاح»: الكوب: كوز لا عروة له، ونحوه قول مجاهد والسدي، وهو مذهب أهل اللغة؛ التي لا آذان لها ولا عرى.\n﴿وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦] أي: اجتمع فيها صفاء القوارير في بياض الفضة، وذلك أن لكل قوم من تراب أرضهم قوارير، قال: وإن تراب الجنة فضة فهي قوارير من فضة، قاله ابن عباس. وقال: هي في صفاء الفضة، وفي ذلك دليل على أن أرض الجنة من فضة، إذ المعهود في الدنيا اتخاذ الآنية من الأرض، يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، كالقوارير يرى الشراب من جدر القوارير، وهذا لا يكون في فضة الدنيا.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.","vol":"2","page":221},{"text":"﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] أي: في أنفسهم؛ فأتتهم على نحو ما قدروا واشتهوا من صغار وكبار وأوساط، هذا تفسير قتادة. وقال ابن عباس ومجاهد:\nأتوا بها على قدر رتبهم بغير زيادة ولا نقصان، والمعنى: قدرتها الملائكة التي تطوف عليهم.\n﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا﴾ [الإنسان: ١٧] أي: من كأس، كما قال في الآية الأخرى:\n﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥] يعني: الخمر، قال: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] أي من خمر، والمعين: الماء الجاري الظاهر ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]، أي: لا تغتال عقولهم ولا يصيبهم منها صداع ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] أي: لا تذهب عقولهم بشربها، يقال: الخمر غول للحليم، والحرب غول للنفوس، أي: تذهب بها. وقرأ حمزة والكسائي: ينزفون بكسر الزاي، من أنزف القوم إذا حان منهم النزف؛ وهو السّكر، كما يقال: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه، وأركب المهر إذا حان ركوبه، وقيل: المعنى: لا ينفدون شرابهم لأنه دأبهم، والكأس عند أهل اللغة:\nاسم شامل لكل إناء مع شرابه فإن كان فارغا فليس بكأس.\n﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] قال الكلبي: كافورا: عينا في الجنة يشرب بها، أي: منها، وقيل الباء زائدة والمعنى: يشربها ومنه ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت الدهن.\nوقال: ﴿كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧] وكانت العرب تستطيب الزنجبيل وتضرب به المثل وبالخمر ممزوجين، فخاطبهم الله بما كانوا عارفين ويستحبون، كأنه يقول: لكم في الآخرة مثل ما تستحبون في الدنيا إن آمنتم.\n﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧] السلسبيل: اسم العين، والسلسبيل في اللغة صفة لما كان غاية في السلاسة، وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ يعني الشراب وهي الخمر ﴿مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦] قال مجاهد: يختم به آخر جرعة. وقيل: المعنى: إذا شربوا هذا الرحيق ففني ما في الكأس وانقطع الختم، ذلك بطعم المسك.\nوقال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾: خلطه ليس بخاتم يختم. ألم تر إلى قول المرأة من نسائكم: خلطه من الطيب كذا وكذا، إنما خلطه مسك ليس بخاتم يختم، ذكره ابن المبارك وابن وهب واللفظ لابن وهب.\nوذكر ابن المبارك عن أبي الدرداء ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل","vol":"2","page":222},{"text":"الفضة يختمون به آخر شربتهم لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها (^١).\nأي: في الدنيا بالأعمال الصالحة. قال ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: مزاج ذلك الشراب.\n﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] قال قتادة: يشرب بها المقربون صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة، ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] أشرف شراب في الجنة، وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور، وقد تسنم العيون والمياه، فتشرف عليهم تجري من أعلى العرش، يحقق ذلك ما رواه أبو مقاتل، عن صالح بن سعيد، عن أبي سهل، عن الحسن بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكرها الله ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] والأخرى ﴿نَضّاخَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] من فوق العرش. إحداهما التي ذكرها الله سلسبيلا والأخرى التسنيم» (^٢). ذكره الترمذي الحكيم «في نوادر الأصول» في الأصل التاسع والثمانين وقال: التسنيم للمعذبين خاصة شربا لهم. والكافور للأبرار شربا لهم.\nوالكافور يمزج للأبرار، من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مزاج، هكذا ذكره في التنزيل، وسكت عن ذلك لمن هي له شرب، فما كان للأبرار مزاجا فهو للمقربين صرفا، وما كان للأبرار صرفا فهو لسائر أهل الجنة مزاجا، والأبرار: هم الصادقون، والمقربون هم الصدّيقون.\nقال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. وفي التنزيل: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٥، ٤٦] أي: لذيذة، يقال شراب لذيذ إذا كان طيبا. قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [ص: ٥٢] أي:\nنساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم. قال ابن زيد: إن المرأة منهنّ تقول لزوجها: وعزّة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك. و﴿عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨]: عظام العيون، الواحدة منها عيناء. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] أي: مصون.\nوقال الحسن وابن زيد: شبّههنّ ببيض تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونه أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء. قيل: المراد بالبيض:\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٧٦) وابن جرير في «تفسيره» (٣٠/ ٥٨).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا.","vol":"2","page":223},{"text":"اللؤلؤ، كقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢، ٢٣] أي: في أصدافه. وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] يعني النساء، الواحدة خيرة، وأصله خيّرات فخفّف كهيّن وليّن.\n(ابن المبارك) قال: أنبأنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن أبي عامر قال: لو أن خيّرة من خيّرات حسان اطلعت من السماء لأضاءت لها، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تكساه خيرة خير من الدنيا وما فيها (^١).\nوالنصيف: القناع.\nوقوله: ﴿حِسانٌ﴾ أي: حسان الخلق. وإذا قال تعالى: ﴿حِسانٌ﴾؛ فمن يقدر أن يصف حسنهن.\n﴿حُورٌ﴾ أي: بيض مقصورات؛ أي: محبوسات في الخيام، جمع خيمة.\nوقد تقدّم صفتها.\nوقال ابن عباس: الخيمة درة مجوّفة فرسخ في مثله لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. ذكره ابن المبارك: أنبأنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس (^٢).\nوذكر عن أبي الدرداء: قال الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابا كلها در (^٣).\nوعن أبي الأحوص: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قال: الدر المجوف (^٤).\nوقال الترمذي الحكيم في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ﴾ قال: بلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار لسعتها أربعون ميلا، وليس لها في ذلك باب، حتى إذا حل وليّ الله بالجنة انصدعت الخيمة عن باب، ليعلم وليّ الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها فهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين.\nوذكر الدارقطني في كتاب «المدبج» عن المعتمر بن سليمان، قال: إن في الجنة نهرا ينبت الجواري الأبكار. والرفرف: المجالس، قاله قتادة. وقيل: فضول المجالس. وقال أبو عبيد: الرفرف: العرش.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٦١).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في زوائد «الزهد» (٢٤٩).\n(^٣) المصدر السابق (٢٥٠).\n(^٤) المصدر السابق (٢٤٧).","vol":"2","page":224},{"text":"وقال الترمذي الحكيم: إن الرفرف شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ورفعا وخفضا، يتلذذ به مع أنيسته، فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل في السماع، فيروى في الخبر أنه ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحاتهم، فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل في السماع بأنواع الأغاني تسبيحا وتقديسا للملك القدوس فلم تبق شجرة في الجنة إلا وردت، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم تبق حلقة على باب إلا طنت بأنواع طنينها، ولم يبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها، ويوحي الله ﵎ إلى الملائكة أن جاوبوهم وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان، فيجاوبون بألحان وأصوات روحانية، فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله ﷿ ذكره: يا داود قم عند ساق العرش تجدني، فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يعم الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة وأهل الخيام من تلك الرفارف تهوي بهم وقد حفت بهم أفانين اللذات والأغاني، فذلك قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥].\nوعن يحيى بن أبي كثير في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قال:\nالروضة: اللذات والسماع، قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] العبقري: الفرش له، قال ابن عباس: الواحدة عبقرة؛ وهي النمارق، أيضا في قوله تعالى: ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥، ١٦] والزرابي: البسط، مبثوثة:\nمبسوطة، وقيل: أي: منسوجة بالدر والياقوت، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] يعني: أهل الجنة من غير السابقين، وأهل الجنة كلهم أصحاب يمين. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] وهو الذي نزع شوكه، وقد تقدم.\n﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] أي: بعضه على بعض، وقال المفسرون: الطلح:\nشجر الموز هاهنا، وهو عند العرب شجر حسن اللون لخضرته، وإنما خصّ بالذكر لأن قريشا كانوا يتعجبون من خضرته وكثرة ظلاله من طلح وسدر، فخوطبوا ووعدوا لما يحبون مثله، قاله مجاهد وغيره.\nقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] قال مجاهد: مطهرة من البول والغائط والحيض والنخام والبصاق والمني والولد.\nذكره ابن المبارك؛ أنبأنا ابن جريج عن مجاهد فذكره.\n﴿وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: باقون لا خروج لهم منها وقد تقدم.","vol":"2","page":225},{"text":"وقال مجاهد أيضا في قوله تعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] قال:\nلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا، وقيل: الأسرة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد.\nوقال ابن عباس: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، السرير منها ما بين صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة، وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-424>٢١٩ - باب ما جاء في أطفال المسلمين والمشركين</span>\nوذكر أبو عمر في كتاب «التمهيد» و«الاستذكار» وأبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول» والمفسرون، عن علي بن أبي طالب ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩] قال: هم أطفال المسلمين (^١). زاد الترمذي: لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم.\nوقال أبو عمر: الجمهور من العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، وقد ذهب طائفة العلماء إلى الوقف في أطفال المسلمين وأولاد المشركين أن يكونوا في جنة أو في نار، منهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الأطفال، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (^٢). هكذا قال: الأطفال، ولم يخص طفلا عن طفل.\nقال الحليمي في كتاب «منهاج الدين»: وقد توقّف في ولدان المسلمين من توقّف في ولدان المشركين. وقال: إذا كان كل منهم يعمل بما علم الله تعالى منه أنه فاعله لو بلغه، فكذلك ولدان المسلمين. واحتجّ بأن صبيّا صغيرا مات لرجل من المسلمين، فقالت إحدى نساء النبي ﷺ: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ: «وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا» (^٣)، قال: فهذا يدل على أنه لا يمكن أن يقطع في أطفال المسلمين بشيء.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٠٧) وابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١١٥)، بإسناد فيه ضعف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٤٤) ومسلم (١٨٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٦٢).","vol":"2","page":226},{"text":"قال الحليمي: وهذا الحديث يحتمل أن يكون إنكار من النبي ﷺ على التي قطعت بأن الصبي في الجنة، لأن القطع بذلك قطع بإيمان أبويه، وقد يحتمل أن يكونا منافقين فيكون الصبي ابن كافرين، فيخرج هذا على قول من يقول: قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار. وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء ثم أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] وقد قرئ: «وأتبعناهم ذريتهم» فأخبر تعالى أن الذين آمنوا في الحياة الدنيا جعل ذرياتهم أتباعهم في الإيمان، وأنه يلحق بهم ذرياتهم في الآخرة، فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة، وقال النبي ﷺ:\n«سألت ربي أن يريني أهل الجنة وأهل النار فجاءني جبريل وميكائيل ﵉ في النوم فقالا: انطلق يا أبا القاسم، إلى أن قال: وأنا أسمع لغط الصبيان، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم ذرية أهل الإسلام الذين يموتون قبل آبائهم، يكفل بهم إبراهيم ﵇ حتى يلحق آباؤهم» (^١). فدل أنهم في الجنة.\nقال المؤلف ﵀: الحديث الذي احتجوا به خرّجه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: «أتي بصبي من الأنصار ليصلّى عليه فقلت: يا رسول الله؛ طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا قط ولم يدره». فقال:\n«يا عائشة؛ أولا تدرين أن الله ﵎ خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم» (^٢).\nوقالت طائفة: أولاد المسلمين في الجنة وأولاد المشركين في النار، واحتجّوا بما ذكرناه من الآية والحديث؛ بحديث سلمة بن يزيد الجعفي، قال:\nأتيت النبي ﷺ أنا وأخي، فقلنا: يا رسول الله إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وتصوم، وتفعل وتفعل، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال: «لا» قال: فقلنا إن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية، لم تبلغ الحنث، فهل ذلك نافع أختنا، فقال رسول الله ﷺ: «أرأيتم الوائدة والموءودة؛ فإنهما في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيغفر لها» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه نحو منه: الطبراني في «الكبير» (٨ /رقم: ٧٦٦٦، ٧٦٦٧) وغيره.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٥٧٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٨) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٧٢ - ٧٣) والطبراني في «المعجم الكبير» (٧ /رقم: ٦٣١٩، ٦٣٢٠) وإسناده صحيح كما قال الألباني في «المشكاة» (١/ ٤٠).","vol":"2","page":227},{"text":"قال أبو عمرو: هذا الحديث صحيح الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين مقصودة، فكانت الإشارة لها.\nوفي بعض طرق حديث سلمة بن زيد: فلما رأى ما قد دخل علينا، قال:\n«وأمي مع أمكما» خرّجه ورواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن سلمة بن يزيد، قال: سألت النبي ﷺ فقلت: أمي ماتت وكانت تقري الضيف وتطعم الجار، وكانت وأدت وأدا في الجاهلية، ولها سعة من مال، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا ينفع الإسلام إلا من أدركه، إنها وما وأدت في النار» ورأى ذلك قد شق عليّ فقال: «وأم محمد معها، وما فيهما خير» (^١).\nوخرّج أبو نعيم الحافظ وغيره عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله، إن أمنا كانت تكرم الزوج وتعطف على الولد، وذكر الضيف، غير أنها وأدت في الجاهلية فقال: «أمكما في النار» فأدبرا والشرّ يرى في وجوههما، فأمر بهما فردّا والبشرى ترى في وجوههما رجاء أن يكون حدث شيء، قال: «أمي مع أمكما». وذكر الحديث (^٢).\nوروى بقية بن الوليد عن محمد بن يزيد الألمعاني، قال: سمعت عبد الله بن قيس يقول: سمعت عائشة سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المسلمين، فقال: «هم مع آبائهم» قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وسألته عن ذراري المشركين فقال: «مع آبائهم» فقلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».\nقال أبو عمر: عبد الله بن قيس هذا شامي تابعي ثقة، وأما بقية بن الوليد فضعيف وأكثر حديثه مناكير. ولكن هذا الحديث قد روى مرفوعا عن عائشة من غير هذا الوجه، قالت عائشة سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين أين هم يوم القيامة؟ قال: «في الجنة» قالت: وسألته عن ولدان المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: «في النار» فقلت مجيبة له: يا رسول الله؛ لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام، قال: «ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار».\nقال أبو عمر: في طريقة أبو عقيل صاحب بهية لا يحتج بمثله عند أهل العلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٣٠٦) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٤/ ٢٣٨) وأحمد (١/ ٣٩٨) وغيرهما.","vol":"2","page":228},{"text":"قال المؤلف ﵀: كذا ذكر أبو عمر هذا الحديث بهذا اللفظ، وكذلك ذكره أبو أحمد بن علي فيما ذكر أبو محمد عبد الحق.\nوذكره أبو داود الطيالسي قال: حدثنا أبو عقيل، عن بهية، عن عائشة قالت:\nسألت النبي ﷺ عن أطفال المشركين، قال: «هم في النار يا عائشة» قالت: فقلت:\nفما تقول في المسلمين؟ قال: «هم في الجنة يا عائشة». قالت: قلت: وكيف ولم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام؟ قال رسول الله ﷺ: «ربك أعلم بما كانوا عاملين» (^١). قال: أبو محمد عبد الحق: ويحيى بن المتوكّل ضعيف عندهم، وبهية لم يرو عنها إلا أبو عقيل.\nوقالت طائفة: إن الأطفال يمتحنون في الآخرة، واحتجّوا بحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، قال:\n«يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول» ثم تلا: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤] الآية. ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا، ويقول المولود: ربّ لم أدرك العمل! فترفع لهم نار فيقول لهم ردّوها وادخلوها قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيّا لو أدرك العمل قال: فيقول الله: «إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم؟» (^٢).\nقال أبو عمر: من الناس من يوقف هذا الحديث على أبي سعيد، ولا يرفعه منهم ألا أبو نعيم الملائي.\nقلت: ويضعّفه من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء ثواب وعقاب.\nقال الحليمي: وهذا الحديث ليس بثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار الامتحان فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة ولا محنة مع الضرورة، ولأن الأطفال هناك لا يخلو من أن يكونوا عقلاء أو غير عقلاء، فإن كانوا مضطرين إلى المعرفة فلا يليق بأحوالهم المحنة، وإن كانوا غير عقلاء فهم من المحنة أبعد.\nوقال أبو عمر ﵀: هذه الأحاديث من أحاديث الشيوخ، وفيها علل،\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٥٧٦) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه البزار كما في «المجمع» (٧/ ٢١٦) وضعّفه الهيثمي. لكن له شواهد يصحّ بها عن غير واحد من الصحابة؛ لذا أورده المحدّث الآلباني في «الصحيحة» (٦٠٣/ ٢٤٦٨/٥).","vol":"2","page":229},{"text":"وليست أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصل عظيم والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيف في العلم والنظر، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيبا منها.\nذكر البخاري حديث أبي رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ الحديث الطويل وفيه قوله ﵊: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة». فقيل:\nيا رسول الله؛ وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: «وأولاد المشركين» (^١).\nوخرّج البخاري أيضا في رواية أخرى عن أبي رجاء العطاردي: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله أولاد الناس» (^٢). وهذا يقتضي عمومه جميع الناس.\nقلت: ذهب إلى هذا الجماعة من العلماء - وهو أصحّ شيء في الباب - قالوا: أولاد المشركين إذا ماتوا صغارا في الجنة، واحتجوا بحديث عائشة؛ ذكره أبو عمر في «التمهيد» قالت: سألت خديجة رسول الله ﷺ: عن أولاد المشركين فقال: «هم مع آبائهم» ثم سألته بعد ذلك، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الزمر: ٧] قال:\n«هم على الفطرة - أو قال -: هم في الجنة» (^٣).\nقلت: هذا حديث مرتب في غاية البيان وهو يقضي على ما روي عن النبي ﷺ في أحاديث صحاح من قوله في الأطفال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». فكان ذلك منه قبل أن يعلم أن أولاد المشركين في الجنة، وقبل أن ينزل عليه: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.\nوقد كان ﵊ أنزل عليه بمكة: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩] ولم يكشف له عن عاقبة أمرهم وأمر المشركين، ثم أنزل عليه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ [التوبة: ٣٣] الآية، وأنزل عليه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وأنزل عليه: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] فأعلمه بأن الذي يفعل به أن يظهر عليهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٨٦).\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١١٧)، وضعّف إسناده السيوطي في «البدور السافرة» رقم (١٢٦٨).","vol":"2","page":230},{"text":"وقد ذكر ابن سنجر - واسمه محمد بن سنجر - قال: حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن حسناء بنت معاوية قالت: حدثني عمّي قال: قلت يا رسول الله! من في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيدة في الجنة، والشريد في الجنة» (^١).\nوعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم» (^٢).\nقال أبو عمر: إنما قيل للأطفال اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم، من قولهم لهيت في الشيء، أي: لم أعتقده، كقوله: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣].\nوقالت طائفة: أولاد المشركين خدم أهل الجنة، وحجتهم ما رواه الحجاج بن نصير، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ: أنه قال: «أولاد المشركين خدم أهل الجنة» ذكره أبو عمر (^٣).\nقلت: وإسناد هذا الحديث ليس بالقوي، لكن يدل على صحّة هذا القول - أعني أنهم في الجنة، أو أنهم خدم أهل الجنة - ما ذكر جماعة من العلماء بالتأويل أن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذّر؛ أقروا له بالربوبية، وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بأنه لا إله إلا هو، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيّا أو سعيدا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم في النار، لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ﵇، ولم ينقضوا الميثاق.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٥٨) وأبو داود (٢٥٢١)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» برقم (٣٥٧٠) و(٤١٠١ - ٤١٠٢) وابن الأعرابي في «معجمه» (٢/ ٤١٧ - ٤١٨/ ٨١٤) وابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٦١٠ و٦/ ٢٠٤٦) وأبو القاسم البغوي في «مسند علي بن الجعد» رقم (٣٠١٣) وغيرهم.\nوحسّنه الألباني بشواهده؛ انظر «الصحيحة» (١٨٨١).\n(^٣) في «التمهيد» (١٨/ ١١٨) بإسناد ضعيف.\nلكن له شواهد أخرى يصحّ بها؛ انظر «الصحيحة» (١٤٦٨).","vol":"2","page":231},{"text":"قلت: وهذا أيضا حسن؛ فإنه جمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله ﵊ لما سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يعني: لو بلغوا، بدليل حديث البخاري وغيره مما ذكرناه.\nوقد روى يزيد بن أبان، عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «لم يكن لهم حسنات فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم يكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة» (^١).\nذكره يحيى بن سلام في تفسيره، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» وأبو نعيم الحافظ أيضا عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: سألت رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين لم يكن لهم ذنوب يعاقبون عليها فيدخلون النار، ولم تكن لهم حسنات يجازون بها فيكونوا ملوك الجنة. فقال النبي ﷺ: «هم خدم أهل الجنة».\nوروى أبو عبد الله الترمذي الحكيم قال: حدثنا أبو طالب الهروي قال:\nحدثنا يوسف بن عطية، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«كلّ مولود يولد من ولد كافر أو مسلم فإنما يولدون على الفطرة على الإسلام كلهم، ولكن الشياطين أتتهم فاختالتهم عن دينهم فهوّدتهم ونصّرتهم ومجّستهم وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانا» (^٢).\nوخرّج من حديث عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله ﷺ أنه قال في خطبته: «إن الله أمرني أن أعلّمكم، وقال: إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاختالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم» (^٣).\nقال أبو عبد الله الترمذي: وهذا بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات والأرض والشمس والقمر والبر والبحر واختلاف الليل والنهار، فلما غلبت أهواؤهم عليهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية بأهوائهم يمينا وشمالا.\nقلت: وهذا أيضا يقوّي ما أخذناه من أن أطفال المشركين في الجنة، وحديث عياض بن حمار خرّجه مسلم في صحيحه، وحسبك حسبك.\nوللعلماء في الفطرة أقوال قد ذكرناها في كتاب «جامع أحكام القرآن» من سورة الروم، والحمد لله.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢١١١) بإسناد ضعيف.\n(^٢) إسناده ضعيف جدا؛ لأجل يوسف بن عطية؛ فهو متروك.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>٢٢٠ - باب منه وفي باب ثواب من قدم ولدا</span>\n(مسلم) عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة ﵁ أنه مات لي ابنان فما أنت محدّثي عن رسول الله ﷺ، تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم؛ «صغارهم دعاميص الجنة يتلقّى أحدهم أباه» - أو قال: أبويه - فيأخذ بثوبه - أو - قال بيده - كما آخذ أنا بصنيعة ثوبك هذا، فلا يتناهى - أو قال فلا ينتهي - حتى يدخله الله وأبويه الجنة (^١).\nوخرّج أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان يختلف إليه رجل من الأنصار معه ابن له فقال له رسول الله ﷺ ذات يوم: «أتحبه يا فلان»؟ فقال: نعم. قال: «أحبك الله كما أحبه». ففقده النبي ﷺ، فسأله عنه، فقالوا: يا رسول الله؛ مات ابنه. فقال رسول الله ﷺ: «أما ترضى - أو ألاّ ترضى - أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى، حتى يفتحه لك».\nفقالوا: يا رسول الله؛ أله وحده، أم لنا كلنا؟ فقال رسول الله ﷺ: «بل لكلّكم» (^٢).\nذكره أبو عمرو في «التمهيد» أيضا. وقال هذا حديث ثابت صحيح.\nوخرّج أبو داود الطيالسي في «مسنده» قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن راشد، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: «والنفساء يجرّها ولدها يوم القيامة بسرره إلى الجنة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-426>فصل</span>\nهذا الحديث يدل على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة وهو قول أكثر أهل العلم كما بينا في الباب قبل هذا، وهو مقتضى قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] كما تقدم.\nوقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم، وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء ﵈، فإنه قد تقرّر الإجماع على أنهم في الجنة، حكاه أبو عبد الله المازري.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٣٥).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٠٧٥) وابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١١٣، ١١٤)، وأحمد (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦ و٤/ ١١٩ و٥/ ٣٥) والنسائي (٤/ ٢٣ - ٢٤) وغيرهم. وهو صحيح.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٥٧٨، ٥٨٢) وهو صحيح بشواهده.","vol":"2","page":233},{"text":"و«دعاميص» جمع دعموص، وهو دويبة تغوص في الماء، والجمع دعاميص ودعامص.\nقال الأعشى:\nفما ذنبنا أن جاش لي بحر عمّكم … وبحرك ساج لا يواري الدعامصا\nوقد قيل: إن الدعموص يراد به: الآذن على الملوك المتصرف بين أيديهم.\nقال أمية بن الصلت:\nدعموص أبواب الملو … ك وجائب للخرق فاتح\nوهذا هو المراد بالحديث، والله أعلم.\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابا من النار وأدخل الجنة» (^١).\nقال المؤلف ﵀: قوله ﵊: «لم يبلغوا الحنث» معناه عند أهل العلم: لم يبلغوا الحلم، ولم يبلغوا أن يلزمهم حنث.\nوقد روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قدّم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحلم كانوا له حصنا حصينا من النار». قال أبو ذر: قدمت اثنين. قال: واثنين. فقال أبي بن كعب سيد القراء: قدمت واحدا. قال:\n«وواحدا، ولكن إنما ذاك عند الصدمة الأولى» (^٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. خرّجه ابن ماجه أيضا.\nوفي هذا كله دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة، لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم.\nقال أبو عمر ابن عبد البر: «وهذا إجماع من العلماء في أن أطفال المسلمين في الجنة ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذّت فجعلتهم في المشيئة، وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا يجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط»، إلا ما روي عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد الثقات العدول، وأن قوله ﷺ: «الشقي من شقي في بطن أمه، وأن الملك ينزل فيكتب أجله ورزقه» الحديث؛ مخصوص، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد وهو في بطن أمه ولم يشق بدليل الأحاديث والإجماع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠١، ١٢٥٠) ومسلم (٢٦٣٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٠٦١) وابن ماجه (١٦٠٦)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":234},{"text":"وكذلك قوله ﷺ لعائشة: «إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم» ساقط ضعيف مردود بالإجماع والآثار، وطلحة بن يحيى الذي يرويه ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرج عليه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-427>٢٢١ - باب ما جاء في نزل أهل الجنة وتحفهم إذا دخلوها</span>\nروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة». قال: فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: «بلى» قال: تكون الأرض خبزة واحدة - كما قال رسول الله ﷺ قال: فنظر إلينا رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه. قال: «ألا أخبرك بإدامهم؟» قال: بلى. قال: «إدامهم بالام ونون». قالوا: وما هذا؟ قال: «ثور ونون، يؤكل من زائدة كبدها سبعون ألفا» (^١).\nوخرج مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قاعدا عند رسول الله ﷺ فجاءه حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي:\nإنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ: «إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي». فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ: «أينفعك شيء إن حدثتك»؟ قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال:\n«سل». فقال اليهودي: أين تكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ: «هم في الظلمة دون الجسر». قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: «فقراء المهاجرين». قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال:\n«زيادة كبد النون». قال: فما غذاؤهم؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم على إثرها؟ قال: «من عين فيها تسمى سلسبيلا» قال:\nصدقت وذكر الحديث (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٢٠) ومسلم (٢٧٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣١٥).","vol":"2","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>فصل</span>\nقلت: هذا الحديث انفرد به مسلم وهو أبين من الحديث الآخر الذي قبله، لأنه من قول النبي ﷺ جوابا لليهودي، والحديث الذي قبله، لأنه من قول النبي ﷺ جوابا لليهودي، والحديث الذي قبله آخره من قول اليهودي، وهو يدخل في المسند لإقرار النبي ﷺ.\nوالجبار؛ اسم من أسماء الله تعالى قد أتينا على ذكره في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى».\nويتكفؤها؛ يقلبها ويميلها، من قولك كفأت الإناء إذا كببته، وقد تقدم أن أرض المحشر كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد. والنّزل: ما يعدّ للضيف من الطعام والشراب، ويقال نزل أو نزّل بتخفيف الزاي وتثقيلها. وقرئ بذلك قوله: «نزلا من عند الله» قال أهل اللغة: النّزل ما يهيأ للنزيل. والنزيل الضيف.\nقال الشاعر:\nنزيل القوم أعظمهم حقوقا … وحقّ الله في حقّ النزيل\nوحظّ النزيل مجتمع.\nوالتّحفة: ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطرف محاسنة وملاطفة. وزيادة كبد النون: قطعة منه كالإصبع. وبالام: قد جاء مفسرا في متن الحديث أنه الثور، ولعل اللفظة عبرانية.\nوالنون: الحوت وهو عربي. وفي الخبر عن النبي ﷺ قال: «سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم» (^١) ذكره أبو عمر في «التمهيد».\nوذكر ابن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال حدثني يزيد بن أبي حبيب؛ أن أبا الخير أخبره، أن ابن العوام مؤذّن إيليا أول رجل أذّن بإيليا، أخبره أنه سمع كعبا يقول: إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزورا، وإني أجزركم اليوم حوتا وثورا، فيجزر لأهل الجنة (^٢).\n***\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٥) بلفظ: «سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة؛ اللحم». وقال الألباني: «ضعيف جدا».\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد «الزهد» (٤٣٢).","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-429>٢٢٢ - باب ما جاء أن مفتاح الجنة: لا إله إلا الله، والصلاة</span>\n(أبو داود الطيالسي) قال: حدثنا سليمان بن معاذ الضبي، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «مفتاح الصلاة الوضوء، ومفتاح الجنة الصلاة» (^١).\nوالبيهقي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: حين بعثه إلى اليمن:\n«إنك ستأتي أهل الكتاب فيسألونك عن مفتاح الجنة، فقل: شهادة أن لا إله إلا الله» (^٢).\nوفي البخاري: وقيل لوهب: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-430>فصل</span>\nقلت: الأسنان عبارة عن توحيد الله وعبادته جميعا، وعن توحيده أيضا فقد.\nقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] وهو في القرآن كثير الإيمان مع العمل وهو مقتضى الحديث الأول حديث جابر ﵁، وعن توحيد الله فقط.\nوفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» (^٤).\nوذكر الطبراني من حديث موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «حضر ملك الموت ﵇ رجلا فنظر في كل عضو من أعضائه فلم يجد فيه حسنة، ثم شقّ عن قلبه فلم يجد فيه شيئا، ثم فكّ عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول: لا إله إلا الله. فقال:\nوجبت لك الجنة بقول كلمة الإخلاص» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٧٩٠) وأحمد (٣/ ٣٤٠) والترمذي (٤)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (١٠٥)، وانظر «الضعيفة» (١٣١١).\n(^٣) علّقه البخاري في «صحيحه» كما في «الفتح» (٣/ ١٣١)، ووصله البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٩٥) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٦٦). وانظر «تغليق التعليق» (٢/ ٤٥٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٣٧) وانظر أطرافه هناك، ومسلم (٩٤).\n(^٥) أخرجه الطبراني والخطيب البغدادي في «تاريخه» (٩/ ١٢٥)، وضعّفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٧٢٥).","vol":"2","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-431>كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة</span>\n<span data-type='title' id=toc-432>٢٢٣ - باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-433>٢٢٤ - باب ما جاء أن المؤمن حرام دمه وماله وعرضه، وفي تعظيم حرمته عند الله تعالى</span>\n(ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع:\n«ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا، وإن أحرم الشهور شهركم هذا، وإن أحرم البلد بلدكم هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد» (^٢). خرّجه مسلم من حديث أبي بكرة وجابر بمعناه.\nوخرّج ابن ماجه أيضا عن عبد الله بن عمر قال: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب رائحتك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفسي بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه وأن لا نظنّ به إلا خيرا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥) ومسلم (٢١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٣١)، ونحوه عند البخاري (٦٧) ومسلم (١٦٧٩).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":238},{"text":"(مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (^١).\n(النسائي) عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: «قتل المؤمن عند الله أعظم من زوال الدنيا» (^٢).\n(الترمذي) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة» (^٣). قال: حديث حسن صحيح غريب.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-434>٢٢٥ - باب ما جاء في قتل المؤمن والإعانة على ذلك</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا * يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩].\nوروى عبد العزيز بن يحيى المدني قال: حدثنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن خارجه بن زيد عن ثابت قال: كان رسول الله ﷺ يعظنا ويحدّثنا ويقول: «والذي نفسي بيده ما عمل على وجه الأرض قط عمل أعظم عند الله بعد الشرك من سفك دم حرام، والذي نفسي بيده إن الأرض لتضجّ إلى الله تعالى ضجيجا تستأذنه فيمن عمل ذلك على ظهرها لتخسف به» ذكره أبو نعيم؛ قال حدثنا شافع بن محمد بن أبي عوانة الأسفراييني قال: حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدثنا مالك (^٤).\nوذكره أبو داود عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤).\n(^٢) أخرجه النسائي (٧/ ٨٣)، وصححه الألباني.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢١٦٢) وصححه الألباني.\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٩٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٢٧٠)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":239},{"text":"وعنه عن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلّح» (^١).\nقال الهروي: بلح: أي أعيا وانقطع به، يقال: بلح الفرس إذا انقطع جريه، وبلّحت الركية إذا انقطع ماؤها.\nوذكر أبو بكر النيسابوري قال: حدثنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عمرو، قال حدثنا الفزاري، عن زياد بن أبي زياد الشامي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم يلقاه مكتوب على جبهته: آيس من رحمة الله» (^٢).\nقال الهروي وفي الحديث: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة». قال شقيق:\nهو أن يقول: في أقتل (اق) كما قال ﵊: «كفى بالسيف شا» (^٣) معناه: شاهدا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-435>٢٢٦ - باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر والظلل، ومن أين تجيء والتحذير منها، وفضل العبادة عندها</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وقال ﵎: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] ففي هذا تنبيه بالغ على التحذير من الفتن.\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» (^٤).\nوعن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٦٢٠) وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٤١٧) وابن ماجه (٢٦٠٦)، وضعّفه الألباني.\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٨).","vol":"2","page":240},{"text":"محمرا وجهه يقول: «لا إله إلا الله؛ ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلّق بإصبعين؛ الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم؛ إذا كثر الخبث» (^١).\nوعن أسامة ﵁: أن النبي ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة، ثم قال: «هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» (^٢) أخرجهما البخاري.\n(البيهقي) عن كرز بن علقمة الخزاعي قال: سأل رجل النبيّ ﷺ: هل للإسلام من منتهى؟ فقال رسول الله ﷺ: «أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام». فقال: ثم ماذا؟ قال: «ثم تقع الفتن كالظّلل». فقال الرجل: كلا والله؛ إن شاء الله. قال: «بلى؛ والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صبّا يضرب بعضكم رقاب بعض» (^٣).\nقال الزهري: أساود صبا: الحية السوداء إذا أراد أن ينهش ارتفع هكذا ثم انصب. خرّجه أبو داود الطيالسي أيضا.\nقال ابن دحية أبو الخطاب الحافظ: هذا الحديث لا مطعن في صحّة إسناده.\nرواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن كرز. قرأته بجامع قرطبة وبمسجد الغدير وبمسجد أبي علاقة على المحدّث المؤرّخ أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري، قال: سمعت جميع هذا الكتاب وهو «جامع الخير» للإمام سفيان بن عيينة عن الشيخين الجليلين الثقة المفتي أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، والوزير الكاتب الثقة أبي الوليد أحمد بن فراس ﵀ بمكة حرسها الله تعالى بالمسجد الحرام، بحق سماعه على الثقة أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن طريف قالا: قرأناه على العدل أبي القاسم حاتم بن محمد التميمي بحق سماعه على الثقة الفاضل أبي الحسن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم الديلي، بحق سماعه على الثقة الصالح أبي عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، بحق سماعه من الإمام الفقيه أبي محمد سفيان بن عيينة.\nقال المؤلف ﵀: وقد حدثني بهذا السند المذكور الفقيه القاضي أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن إجازة، عن أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٦) ومسلم (٢٨٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٦٧) ومسلم (٢٨٨٥).\n(^٣) أخرجه الحميدي في «مسنده» (٥٧٤) وأحمد (٣/ ٤٧٧) والطيالسي (٢١٩٠) وغيرهم، وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":241},{"text":"وكرز هو: كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي أسلم يوم الفتح وعمّر طويلا، وهو الذي نصب أعلام الحرم في خلافة معاوية وإمارة مروان بن الحكم (^١).\nوفيه: «ثم مه؟ قال: ثم تعود الفتن». بدل، قال: «ثم ماذا» قال: «ثم تقع الفتن». ولم يذكر قول الزهري إلى آخره.\nقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: قول الرجل: ثم مه؛ هنا على الاستفهام، أي: ثم ما يكون؟ ومه في غير هذا الموضع زجر وإسكات، كقوله ﵊: «مه إنكنّ صواحب يوسف» (^٢). وقوله: «كأنها الظلل»؛ الظلل: السحاب، والظلة السحابة ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]. وقول الرجل بجهله: «كلا والله» معناها: الجحد، بمعنى: لا والله.\nوقيل: هي بمعنى الزجر، فقال رسول الله ﷺ: «بلى والذي نفسي بيده» وبلى للنفي، استفهاما كان أو خبرا أو نهيا، فالاستفهام: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. و﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠] جوابه: (بلى) هو قادر. مثال الخبر: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] جوابه: قالوا: (بلى) تمسكم. ومثال النهي: لا تلق زيدا، جوابه:\n(بلى) لألقينّه.\nقال أبو الخطاب بن دحية: وقوله صبا، هكذا قيدناه بضم الصاد وتشديد الباء على مثال غرّا. والأساود: نوع من الحيات عظام فيها سوداء وهو أخبثها.\nوالصّب منها التي تنهش ثم ترتفع ثم تنصب، شبههم فيما يتولونه من الفتن والقتل والأذى بالصب من الحيات.\nقال المؤلف ﵀: الأساود: جمع أسود وهو الحية، وصبّا: جمع صاب كغاز وغزّا؛ وهو الذي يميل ويلتوي وقت النهش ليكون أنكى في اللدغ وأشدّ صبّا للسم، ويجوز أن يكون جمع أصب وهو الذي كأنه ينصب عند الهش انصبابا، والأول من صبا إذا مال، والثاني من صب إذا سكب.\n(مسلم) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ النبي ﷺ ليلة فزعا مرعوبا يقول: «سبحان الله ماذا فتح الليلة من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجر - يريد أزواجه - لكي يصلّين، ربّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» (^٣).\nوعن عبيد بن عمير قال: خرج رسول الله ﷺ فقال: «يا أصحاب الحجرات\n_________\n(^١) انظر: «أسد الغابة» لابن الأثير (٤٦٩/ ٤٤٤٤/٤) و«الإصابة» للحافظ ابن حجر (٥/ ٤٣٦).\n(^٢) هذا لفظ أبي عوانة في «مسنده» (٤٤٣/ ١٦٤١/١). وأصل الحديث في الصحيحين.\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٥) ولم أظفر به في «صحيح مسلم»، والله أعلم.","vol":"2","page":242},{"text":"سعّرت النار، وجاءت الفتن كأنها قطع الليل المظلم، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (^١).\nقال أبو الحسن القابسي: هذا وإن كان مرسلا فإنه من جيد المراسيل، وعبيد بن عمير من أئمة المسلمين.\n(مسلم) عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من هاهنا» وأومأ بيده نحو المشرق «من حيث يطلع قرنا الشيطان»، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله تعالى له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ (^٢) [طه: ٤٠].\nوعن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>فصل</span>\nقوله: «ويل للعرب من شر قد اقترب»؛ قد تقدم معنى الويل، والمراد به هنا:\nالحزن، قاله ابن عرفة. فأخبر ﵊ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب. وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة فصار ذلك في غيرهم من التّرك والعجم، وتشتتوا في البراري بعد أن كان العزّ والملك والدنيا لهم ببركته ﵊، وما جاءهم به من الدين والإسلام، فلما لم يشكروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا، وسلب بعضهم أموال بعض؛ سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ولهذا لما قالت زينب في سياق الحديث: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث».\n\n<span data-type='title' id=toc-437>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: قولها: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»؛ دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون.\nفأما إذا كثر المفسدون وقلّ الصالحون هلك المفسدون والصالحون معهم، إذا لم يأمروا بالمعروف ويكرهوا ما صنع المفسدون، وهو معنى قوله: ﴿وَاِتَّقُوا﴾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٦/ ١٩٠٤١/١٥) بإسناد رجاله ثقات؛ لكنه مرسل.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٠٩٢) ومسلم (٢٩٠٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٤٨).","vol":"2","page":243},{"text":"﴿فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن رضيها، هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره، على ما نبينه.\nفإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب.\nوقرئ «واتقوا فتنة لتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة» وعلى هذه القراءة يكون المعنى: أنها تصيب الظالم خاصة وهي قراءة زيد بن ثابت وعلي وأبيّ وابن مسعود ﵃ أجمعين.\nوالجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر، فمن الفرض على من رآه أن يغيّره إما بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك.\nروى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ليس عليه غيره، وذلك أضعف الإيمان» (^١).\nروي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إن هذا منكر لا أرضاه، فإذا قال ذلك فقد أدى ما عليه.\nفأما إذا سكت عليه فكلّهم عاص، هذا بفعله وهذا برضاه كما ذكرنا. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة الفاعل فانتظم في العقوبة. دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فأما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم لله تعالى وتبرّءوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب لله عليهم غير معتدين سلموا. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] وقال: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].\nوقال ابن عباس: قد أخبرنا الله ﷿ عن هذين، ولم يخبرنا عن الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٩) وأحمد (٣/ ١٠) وأبو داود (٤٣١٨) والترمذي (٢١٧٢) والنسائي (٨/ ١١١) وابن ماجه (١٢٧٥) وغيرهم.","vol":"2","page":244},{"text":"وروى سفيان بن عيينة قال: حدّثنا سفيان بن سعيد، عن مسعر قال: بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية، فقال: يا رب؛ إن فيها فلانا العابد، فأوحى الله تعالى إليه أن به فابدأ فإنه لم يتغير وجهه فيّ ساعة قط (^١).\nوقال وهب بن منبه: لما أصاب داود الخطيئة قال: يا رب اغفر لي. قال:\nقد غفرتها لك وألزمت عارها بني إسرائيل. قال: كيف يا رب؛ وأنت الحكم العدل الذي لا تظلم أحدا، أعمل أنا الخطيئة ويلزم عارها غيري؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود إنك لما اجترأت عليّ بتلك المعصية لم يعجلوا عليك بالنكرة (^٢).\nوروى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة: فأنكرها - كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» (^٣). وهذا نص في الفرض.\nوحسّن رجل عند الشعبي قتل عثمان بن عفان ﵁ فقال الشعبي:\nقد شركت في دمه.\nوفي صحيح الترمذي (^٤): «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب من عنده» (^٥).\nفالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين، وقالوا: لا نساكنكم. وبهذا قال السلف ﵃.\nروى ابن وهب، عن مالك قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقرّ فيها. واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي كما في «الداء والدواء» لابن القيم ص ٧٢ - ط. ابن الجوزي - وص ١٣٤ - دار ابن خزيمة -، وهي لا تصح.\n(^٢) ذكرها ابن القيم في المصدر السابق ص ٧٢ - ابن الجوزي و١٣٥ - ابن خزيمة - عن ابن أبي الدنيا، ولا تصح أيضا.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٤٥) وحسّنه الألباني.\n(^٤) يقصد المصنف «جامع الترمذي» المشهور بالسنن، وإطلاق لفظ: «صحيح الترمذي» عليه غير دقيق، والصواب في اسمه: «الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل».\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢١٦٨) وغيره، وهو صحيح؛ صححه الألباني.","vol":"2","page":245},{"text":"بالربا فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها، خرّجه أهل الصحيح (^١).\nوقال مالك في موضع آخر: إذا ظهر الباطل على الحق كان الفساد في آخر الأرض. وقال: إن لزوم الجماعة نجاة، وإن قليل الباطل وكثيره هلكة.\nوقال: ينبغي للناس أن يغضبوا لأمر الله تعالى في أن تنتهك فرائضه وحرمه والذي أتت به كتبه وأنبياؤه، أو قال: يخالف كتابه.\nقال أبو الحسن القابسي: الذي يلزم الحق ويغضب لأمر الله تعالى على بينة من النجاة، قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله» (^٢).\nقال أبو عمر: وروى أشهب بن عبد العزيز قال: قال مالك: لا ينبغي الإقامة في أرض يكون العمل فيها بغير حق والسب للسلف. قال أبو عمر: أما قول مالك هذا فمعناه إذا وجد بلدا يعمل فيه الحق في الأغلب. وقد قال عمر بن عبد العزيز: فلان بالمدينة وفلان بمكة وفلان باليمن وفلان بالعراق وفلان بالشام، امتلأت الأرض والله جورا وظلما. قال أبو عمر: فأين الهرب إلا إلى السكوت ولزوم البيوت والرضى بأقل قوت. وقال منصور بن الفقيه فأحسن:\nالخير أجمع في السكوت … وفي ملازمة البيوت\nفإذا استوى لك ذا وذا … فاقنع له بأقلّ قوت\nوكان سفيان الثوري يقول: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين؟ هذا زمان ينتقل فيه الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن.\nويحكى عنه أنه قال: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل له: خراسان.\nفقال: مذاهب مختلفة وآراء فاسدة. فقيل: الشام. فقال: يشار إليكم بالأصابع - أراد الشهرة - فقيل له: فالعراق. قال: بلد الجبابرة، فقيل له: فمكة. قال: مكة تذيب الكيّس والبدن.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي: قال شيخي: في العبادة لا يذهب بك الزمان في مصافاة الأقران ومواصلة الأحزان، ولم أر للخلاص طريقا أقرب من طريقين؛ إما أن يغلق المرء على نفسه بابه، وإما أن يخرج إلى موضع لا يعرف\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ١٣٣) -٣١ - كتاب البيوع - (١٦) باب بيع الذهب بالفضة رقم (٣٣) والنسائي (٧/ ٢٧٩) والشافعي في «الرسالة» ص ٤٤٦، فقرة رقم (١٢٢٨).\nوصحّح القصة العلامة المحدث أحمد شاكر ﵀ في تحقيق على «الرسالة» وكذا العلامة الألباني ﵀ في «صحيح سنن النسائي» رقم (٤٢٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٤٠) ومسلم (١٩١٢). والحديث رواه عدد من الصحابة.","vol":"2","page":246},{"text":"فيه، فإن اضطر إلى مخالطة فليكن معهم ببدنه وليفارقهم بقلبه ولسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ولا يفارق السكوت. أنشدني محمد بن عبد الملك الصوفي قال:\nأنشدني أبو الفضل الجوهري: الخير أجمع في الكسوت البيتان.\nقال القاضي: ولي في هذا المعنى شعر:\nحاز السلامة مسلم … يأوي إلى سكن وقوت\nماذا يؤمّل بعد ما … يأوي إلى بيت وقيت\nقال المؤلف ﵀: ولأبي سليمان الخطابي في هذا المعنى شعر:\nأنست بوحدتي ولزمت بيتي … فدام الأنس لي ونما السرور\nوأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا إزار ولا أزور\nولست بسائل ما دمت حيا … أسار الخيل أم ركب الأمير (^١)\nوالشعر في هذا المعنى كثير، وسيأتي للعزلة زيادات بيان من السنة، إن شاء الله تعالى.\nوكثرة الخبث: ظهور الزنا وأولاد الزنا.\nوذكر ابن وهب، عن يحيى مولى الزبير أنه ذكر؛ أن في زمان رسول الله ﷺ خسف قبل المشرق فقال بعض الناس: يا رسول الله؛ يخسف الأرض وفيها المسلمون؟! فقال: «إذا كان أكثر أهلها الخبث» (^٢).\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي، فيكون طهرة للمؤمنين ونقمة للفاسقين، لقوله ﵊: «ثم بعثوا على نياتهم» وفي رواية «أعمالهم». وقد تقدم هذا في المعنى، فمن كانت نيته صالحة أثيب عليها ومن كانت نيته سيئة جوزي عليها، وفي التنزيل: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] فاعلمه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-438>٢٢٧ - باب ما جاء في رحى الإسلام، ومتى تدور</span>\n(أبو داود) عن البراء بن ناجية، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال:\n_________\n(^١) الأبيات في «العزلة» للخطابي ص ٢٣١ - نشر دار ابن كثير.\n(^٢) لم أعثر عليه فيما بين يدي من مصادر.","vol":"2","page":247},{"text":"«تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن لم يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما». قال: قلت: أممّا بقي أو مما مضى؟ قال: «مما مضى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-439>فصل</span>\nقال الهروي في تفسير هذا الحديث: قال الحربي: ويروى تزول، وكأن تزول أقرب، لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها، وتدور: يكون بما يحبون وبما يكرهون، فإن كان الصحيح سنة خمس فإن فيها قدم أهل مصر وحصروا عثمان ﵁، وإن كانت الرواية سنة ستّ ففيها خرج طلحة والزبير إلى الجمل، وإن كانت سنة سبع ففيها كانت صفّين غفر الله لهم أجمعين (^٢).\nوقال الخطابي: يريد ﵊ أن هذه المدة إذا انقضت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف على أهله لذلك الهلاك، يقال: الأمر إذا تغير واستحال دارت رحاه، وهذا والله أعلم إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة. وقوله:\n«ليقم لهم دينهم» أي: ملكهم وسلطانهم، وذلك من لدن بايع الحسن ﵇ معاوية إلى انقضاء بني أمية من المشرق نحو من سبعين سنة وانتقاله إلى بنى العباس، «والدين»: الملة والسلطان، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: في سلطانه.\nوقوله: «تدور رحى الإسلام». دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال، شبهها بالرحى الدائرة التي تطحن، لما يكون فيها من قبض الأرواح وهلاك الأنفس.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-440>٢٢٨ - باب ما جاء أن عثمان ﵁ لما قتل سلّ سيف الفتنة</span>\n(الترمذي) عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: لما أريد عثمان ﵁ جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان بن عفان ﵁: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارج خير من داخل. قال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٥٤)، وصححه الألباني.\n(^٢) «الغريبين» للهروي (٣/ ٧٣٠).","vol":"2","page":248},{"text":"فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال: أيها الناس إنه كان في الجاهلية اسمي فلان بن فلان، فسماني رسول الله ﷺ عبد الله، ونزلت فيّ آيات من كتاب الله تعالى نزلت: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] ونزلت فيّ: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فو الله إن قتلتموه لتطردنّ جيرانكم الملائكة ولتسلنّ سيف الله المغمود عنكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة. قال:\nفقالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان (^١). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.\nقلت: ومثل هذا من عبد الله لا يكون إلا عن علم من الكتاب، أعني التوراة، - على ما يأتي - أو سمعه من النبي ﷺ. وسيأتي قول حذيفة لعمر: «إن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-441>فصل</span>\nقال العلماء بالسير والأخبار: إنه دخل على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في الدار جماعة من الفجار منهم كنانة بن بشر التجيبي (^٣) فأشعره مشقصا؛ أي: قتله به، فافتضخ الدم على المصحف، ووقع على قوله تعالى:\n﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٤) [البقرة: ١٣٧].\nوقيل: ذبحه رجل من أهل مصر يقال له عمار (^٥). وقيل: ذبحه رومان،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٢٥٦)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٥) ومسلم (١٤٤).\n(^٣) هو: كنانة بن بشر بن غياث بن عوف.\nقال ابن حجر في «الإصابة» (٥/ ٤٨٦): «قال ابن يونس: شهد فتح مصر، وقتل بفلسطين سنة ست وثلاثين، وكان ممن قتل عثمان». قال: «وإنما ذكرته لأن الذهبي ذكر عبد الرحمن بن ملجم؛ لأن له إدراكا، وينبغي أن ينزه عنهما كتاب الصحابة».\n(^٤) الخبر عند ابن حبان في «صحيحه» (١٥/ ٣٥٧ - ٣٦١/ ٦٩١٩) وأحمد في «فضائل الصحابة» (٧٦٦/ ١/٥٧٨) وابنه عبد الله (١/ ٥٧٤ - ٥٧٨/ ٧٦٥) وإسحاق بن راهويه في «مسنده» كما في «المطالب العالية» للحافظ ابن حجر رقم (٣٧٢) - ط. العاصمة - وخليفة بن خياط في «تاريخه» (١٨٨/ ١) والطبري في «تاريخه» (٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤) والبزار كما في «البحر الزخار» (٤٢/ ٣٨٩/٢) وابن أبي شبّة في «مصنفه» (١٥/ ٢١٥) وابن شيبة في «أخبار المدينة» (٣/ ١١٣٢، ١١٤٩، ١٢٨٥).\nوهو خبر صحيح، رجال ثقات، كما قال ابن حجر والبوصيري والهيثمي.\n(^٥) كذا، وصوابه: «حمار»، وورد في بعض الروايات أنه اسم: جبلة بن الأيهم. انظر «المستدرك» (٣/ ١٠٦) و«تاريخ خليفة» (١/ ١٧٥).","vol":"2","page":249},{"text":"وقيل: قتله الموت الأسود (^١) يقال له أيضا الدم الأسود، من طغاة مصر. فقطع يده، فقال عثمان: أما والله إنها لأول كفّ خطّت في المصحف.\nوهذه البلوى التي ثبتت في الصحيح، عن أبي موسى أن النبي ﷺ دخل حائطا وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: «ائذن له وبشّره بالجنة» فإذا أبو بكر، ثم جاء يستأذن، فقال: «ائذن له وبشره بالجنة» فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» فإذا عثمان بن عفان (^٢). لفظ البخاري، ذكره في مناقب عثمان.\nوقد قيل: إن الصحيح في مقتله ﵁ أنه لم يتعين له قاتل معين، بل أخلاط الناس وهم رعاع جاءوا من مصر ومن غير قطر. وجاء الناس إلى عثمان فيهم عبد الله بن عمر متقلدا سيفه وزيد بن ثابت، فقال له زيد بن ثابت: إن الأنصار بالباب يقولون إن شئت كنا أنصار الله مرتين. قال: لا حاجة لي في ذلك، كفّوا (^٣). وكان معه في الدار الحسن والحسين وابن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة وعبد الله بن عامر بن ربيعة ومروان بن الحكم كلهم يحملون السلاح، فعزم عليهم في وضع أسلحتهم وخروجهم ولزوم بيوتهم، فقال له الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا أن لا نبرح، فضاق عثمان ﵁ من الحصار ومنع من الماء حتى أفطر على ماء البحر المالح.\nقال الزبير بن بكار: حاصروه شهرين وعشرين يوما وقال الواقدي: حاصروه تسعة وأربعين يوما، ففتح الباب فخرج الناس وسلّموا له راية في إسلام نفسه. قال سليط بن أبي سليط: فنهانا الإمام عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا، ودخلوا عليه في أصح الأقوال، وقتله من شاء الله من سفلة الرجال.\nوروى أبو عمر بن عبد البر عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادعوا لي بعض أصحابي». فقلت: أبو بكر؟ قال: لا. فقلت: عمر؟ فقال: لا. فقلت ابن عمك؟ قال: لا. فقلت له: عثمان؟ قال: نعم. فلما جاءه، قال لي بيده، فتنحّيت، فجعل رسول الله ﷺ يسارّه ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر عثمان، قيل له: ألا نقاتل عنك؟ قال: لا؛ إن رسول الله\n_________\n(^١) انظر «المصادر السابقة».\nولعل قاتله رجل واحد ولكن له ألقاب متعدّدة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٩٥) ومسلم (٢٤٠٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٨/ ٦٨٢) - دار الفكر - وخليفة في «تاريخه» (١/ ١٨٧). بإسناد صحيح.","vol":"2","page":250},{"text":"ﷺ عهد إليّ عهدا، وأنا صابر عليه (^١).\nوفي (الترمذي) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «يا عثمان لعل الله يقمّصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم» (^٢). قال: هذا حديث حسن غريب.\nوفيه عن ابن عمر قال: ذكر النبي ﷺ فتنة فقال: «يقتل فيها هذا مظلوما» (^٣) لعثمان. وقال: حديث حسن غريب.\nويروى أنه دخل عليه عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك. قال له: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا. قال: فهل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارا؟ قال: لا. قال:\nفلا تخلع قميص الله عليك فيكون سنة كلما كره قوم خليفة خلعوه وقتلوه.\nواختلف في سنّه ﵁ حين قتله من قتله من الفجار - أدخلهم الله بحبوحة النار - فقيل: قتل وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: ابن تسعين سنة.\nوقال قتادة: قتل عثمان وهو ابن ست وثمانين. وقيل غير هذا (^٤).\nوقتل مظلوما كما شهد له بذلك رسول الله ﷺ وجماعة أهل السنة، وألقي على مزبلة فأقام فيها ثلاثة أيام لم يقدر أحد على دفنه، حتى جاء جماعة بالليل خفية فحملوه على لوح وصلّوا عليه، ودفن في موضع من البقيع يسمى (حش كوكب) وكان مما حبسه عثمان ﵁ وزاده في البقيع (^٥)، وكان إذا مر به يقول: يدفن فيك رجل صالح، وكان هو المدفون فيه وعمّي قبره لئلاّ يعرف. وقتل يوم الجمعة لثمان ليال خلون من ذي الحجة يوم التروية سنة خمس وثلاثين قاله الواقدي. وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة إلا أياما اختلف فيها، ﵁.\nوقيل: إن المتعصبين على عثمان ﵁ من المصريين ومن تابعهم من البلدان كانوا أربعة آلاف، وبالمدينة يومئذ أربعون ألفا.\nوقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثل نازلة عثمان - ألحقه الله جناح المغفرة والرضوان - هل يلقي بيده أو يستنصر؟\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ٥٢) والترمذي (٣٧١١) والحاكم (٣/ ٩٩)، وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٧٠٥)، وصححه الألباني.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٧٠٨) بإسناد ضعيف.\n(^٤) وأشهر الأقوال أنه قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. انظر «الإصابة» (٤/ ٣٧٩).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"2","page":251},{"text":"فأجاز جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين أن يستسلم وهو أحد قولي الشافعي، وقال بعض العلماء: لا يسلم بيده بل يستنصر ويقاتل. ولكل من القولين وجه ودليل، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nوقال بعض العلماء: ولو اجتمع أهل المشرق والمغرب على نصرة عثمان لم يقدروا على نصرته لأن رسول الله ﷺ أنذره في حياته فأعلمه بالبلوى التي تصيبه، فكان ذلك من المعجزات التي أخبر بوقوعها بعد موته ﷺ، وما قال رسول الله شيئا قط إلا كان.\nوقال حسان بن ثابت:\nقتلتم وليّ الله في جوف داره … وجئتم بأمر جائر غير مهتد\nفلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا … على قتل عثمان الرشيد المسدّد\nوخرّج مسلم في «صحيحة» قال: وحدّثنا محمد بن المثنى ومحمد بن حاتم، قالا: حدّثنا معاذ بن معاذ، قال: حدّثنا ابن عوف، عن محمد قال: قال جندب: جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس، فقلت له: ليهراقنّ اليوم هاهنا دم.\nفقال ذلك الرجل: كلا والله. قلت: بلى والله. قال: كلا والله. قلت: بلى والله.\nقال ثلاثا: كلا إنه لحديث رسول الله ﷺ حدّثنيه. قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك وقد سمعته من رسول الله ﷺ فلا تنهني! ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه أسائله، فإذا الرجل حذيفة (^١).\nوالجرعة: موضع بجهة الكوفة على طريق الحيرة، قيده الحفاظ بفتح الجيم والراء، وقيده بعض رواة الحفاظ أيضا بإسكان الراء، وهو يوم خرج فيه أهل الكوفة متألبين متعصبين ليردوا إلى عثمان بن عفان وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك، وكان رده سنة أربع وثلاثين. وكتبوا إلى عثمان أن يولّي عليهم أبا موسى الأشعري، فلم يزل واليا عليهم إلى أن قتل عثمان، ولما سمع بقتله يعلى بن أمية التميمي الحنظلي أبو صفوان. ويقال أبو خالد، أسلم يوم الفتح وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا والطائف وتبوك، وكان صاحب الجند وصنعاء - أقبل لينصره فسقط عن بعيره في الطريق فانكسرت فخذه، فقدم مكة بعد انقضاء الحج فخرج إلى المسجد وهو كسير على سرير واستشرف إليه الناس واجتمعوا، فقال: من خرج يطلب بدم عثمان فعليّ جهازه فأعان الزبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلا من قريش،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩٣).","vol":"2","page":252},{"text":"وحمل عائشة ﵂ على جمل أذب - ويقال: أذب لكثرة وبره - اشتراه ابن أمية الحنظلي بمائتي دينار، قاله ابن عبد البر في «الاستيعاب» وقال ابن شبة في كتاب «الجمل» له: اشتراه بثمانين دينارا، والأول أصح واسمه عسكر.\nوذكر ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملا لعثمان على صنعاء فلما بلغه خبر عثمان أقبل سريعا لينصره فلقيه صفوان بن أمية، وصفوان على فرس وعبد الله بن أبي ربيعة على بغلة، فدنا منها الفرس فحادت فطرحت ابن أبي ربيعة فكسرت فخذه، فقدم مكة بعد الضرر، وعائشة بمكة يومئذ تدعو إلى الخروج تطلب دم عثمان، فأمر بسرير فوضع له سرير في المسجد ثم حمل فوضع على سريره، فقال: أيها الناس؛ من خرج في طلب دم عثمان فعليّ جهازه. قال: فجهز ناسا كثيرا وحملهم ولم يستطع الخروج إلى الجمل لما كان برجله.\nأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن عبيد، عن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي السائب قال: رأيت عبد الله بن أبي ربيعة على سرير في المسجد الحرام يحضّ الناس على الخروج في طلب دم عثمان ويحمل من جاء. انتهى كلام ابن سعد في «الطبقات»، ولا تعارض والحمد لله، فإنه يحتمل أن يكون خرجا جميعا في نصرة عثمان فكسرا أو اجتمعا بمكة وجعلا يجهزان من يخرج، والله أعلم.\nوكانت عائشة ﵂ حاجّة في السنة التي قتل فيها عثمان وكانت مهاجرة له، فاجتمع طلحة والزبير ويعلى وقالوا لها بمكة: عسى أن تخرجي رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم ويرعوا نبيهم، وهي تمتنع عليهم، فاحتجوا عليها بقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وقالوا لها: إن المتألبين على عثمان بالبصرة كثير، فبلغت الأقضية مقاديرها، فاصطف الناس للقتال ورموا عليّا وأصحابه بالنبال، فقال علي: لا ترموا بسهم ولا تضربوا بسيف ولا تطعنوا برمح، فرمى رجل من عسكر القوم بسهم فقتل رجلا من أصحاب علي فأتي به إلى علي، فقال: اللهم اشهد ثم رمي آخر فقتل رجلا من أصحاب علي، فقال علي: اللهم اشهد، ثم رمي آخر فقال علي: اللهم اشهد، وقد كان عليّ نادى الزبير: يا أبا عبد الله ادن إليّ أذكّرك كلاما سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ، فقال: عليّ الأمان. فقال عليّ: الأمان، فبرز فأذكره أن رسول الله ﷺ قال له، وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: «أما أنك ستقاتل عليّا وأنت له ظالم». فقال الزبير: اللهم إني ما ذكرت هذا إلا في هذه الساعة وثنى","vol":"2","page":253},{"text":"عنان فرسه لينصرف، فقال له ابنه عبد الله: إلى أين؟ قال: أذكرني عليّ كلاما قاله له رسول الله ﷺ. قال: كلا؛ ولكنك رأيت سيوف بني هاشم حدادا، ويحملها رجال شداد. قال: ويلك ومثلي يعير بالجبن هلم الرمح فأخذ الرمح وحمل في أصحاب علي. فقال علي: افرجوا للشيخ فإنه محرج فشقّ الميمنة والميسرة والقلب، ثم رجع وقال لابنه: لا أمّ لك أيفعل هذا جبان وانصرف. وقامت الحرب على ساق، وبلغت النفوس إلى التراق، فأفرجت عن ثلاثة وثلاثين ألف قتيل وقيل عن سبعة عشر ألفا، وفيه اختلاف فيهم من الأزد أربعة آلاف ومن ضبة ألف ومائة وباقيهم من سائر الناس كلهم من أصحاب عائشة، وقتل فيها من أصحاب علي نحو من ألف رجل، وقيل: أقل. وقطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة.\nكلما قطعت يد رجل أخذ الزمام آخر وهم ينشدون:\nنحن بنو ضبة أصحاب الجمل … ننازل الموت إذا الموت نزل\nوالموت أشهى عندنا من العسل\nوكان الجمل للراية إلى أن عقر الجمل وكانوا ألبسوه الأدراع (^١).\nوقال جملة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب، بل فجأة وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم، لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأن الأمر كان انتظم بينهم على الصلح والتفريق على الرضا، فخاف قتلة عثمان من التمكّن منهم والإحاطة بهم؛ فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدوا في الحرب شجرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم، ويصيح الفريق الذي في عسكر عليّ: غدر طلحة والزبير، والذي في عسكر طلحة والزبير: غدر عليّ، فتم لهم ما أرادوه، ودبّروه؛ ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه، ومانعا من الإشاطة بدمه، وهذا صواب من الفريقين، وطاعة لله، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذا السبيل، وهذا هو الصحيح المشهور (^٢). وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى قرب العصر لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين.\n_________\n(^١) الخبر في «تاريخ الطبري» (٤/ ٥١٨). وفيه مبالغات غير صحيحة.\nوانظر للصواب من هذه الروايات، وبيان صحيحها من سقيمها؛ كتاب «استشهاد عثمان ﵁ ووقعة الجمل» لخالد بن محمد الغيث. ط. دار الأندلس الخضراء، بجدة.\n(^٢) وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾. الآية [سورة الحجرات: ٩].\nفسمّى الله الطائفتين «مؤمنين»، فلا داعي للشنشنة والقعقعة بعد ذلك في هذا الأمر.\nوما ذكره القرطبي هنا من الكلام؛ نفيس ومتين، فتدبّره واحفظ، والله الهادي والموفق.","vol":"2","page":254},{"text":"وفي صحيح مسلم من كتاب الفتن، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة فقال: «رأس الكفر من هاهنا؛ من حيث يطلع قرنا الشيطان» يعني المشرق.\nوقيل: هذا بنصف ورقة بأسانيد منها عن عبد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى باضطراب في بيت حفصة ثم قال: وقال عبد الله بن سعيد في روايته قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة فقال بيده نحو المشرق: «الفتنة هاهنا؛ من حيث يطلع قرنا الشيطان» قالها مرتين أو ثلاثا (^١).\nوذكر الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في الجزء الخامس عشر من مسند عائشة ﵂، قال: حدّثني محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم؛ أن عائشة ﵂ لما أتت الحوبة سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: «أيّتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب». فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس (^٢).\nوروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا وكيع بن الجراح، عن عصام بن قدامة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ: «أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعد ما كادت» (^٣).\nوهذا حديث ثابت صحيح، رواه الإمام المجمع على عدالته وقبول روايته الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، وكذلك وكيع مجمع على عدالته وحفظه وفقهه، عن عصام وهو ثقة عدل فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» له عن عكرمة، وهو عند أكثر العلماء ثقة عالم، وهذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ وهو إخباره بالشيء قبل كونه.\nوقوله: «الأدبب»: أراد الأدب، فأظهر التضعيف.\nوالعجب من القاضي أبي بكر بن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتبه منها في كتاب «العواصم من القواصم» (^٤) وذكر أنه لا يوجد أصلا، وأظهر لعلماء\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٠٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٩٧) بإسناد صحيح، كما في «الصحيحة» (٤٧٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٥ /رقم: ٩٦٣١) بإسناد صحيح.\n(^٤) ص ١٥٢ وص ١٦٢، ١٦٣.\nووافقه على هذا الإنكار العلامة محب الدين الخطيب ﵀! وقد أحسن الشيخ محمود مهدي الاستنبولي في تعقبهما وبيانه أن الحديث صحيح، وانظر تعقيب محدث العصر عليهما في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٨٤٩ - وبما بعدها) القسم الثاني. الطبعة الجديدة.","vol":"2","page":255},{"text":"المحدثين بإنكاره غباوة وجهلا، وشهرة هذا الحديث أوضح من فلق الصبح وأجلى، وقد رواه أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» فقال: حدّثنا سعيد بن نصر قال حدّثنا قاسم بن أصبغ قال حدّثنا محمد بن وضاح قال حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة فذكره بسنده المتقدم (^١).\nوروى أبو جعفر الطبري قال: لما خرجت عائشة ﵂ من البصرة طالبة المدينة بعد انقضاء الحرب؛ جهّزها علي ﵁ جهازا حسنا، وأخرج معها من أراد الخروج، واختار عليها أربعين امرأة معروفات من نساء البصرة، وجهّز معها أخاها محمدا. وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرّة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها عليّ ﵁ على أميال، وسرّح معها بنيه يوما (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-442>فصل</span>\nفإن قيل: فلم ترك عليّ الاقتصاص من قتلة عثمان؟\nفالجواب: إنه لم يكن وليّ دم، وإنما كان أولياء الدم أولاد عثمان وهم جماعة: عمرو - وكان أسن ولد عثمان، وعمّر - وإبّان وكان محدّثا فقيها، وشهد الجمل مع عائشة، والوليد بن عثمان وكان عنده مصحف عثمان الذي كان في حجره حين قتل، ومنهم الوليد بن عثمان. ذكر ابن قتيبة في «المعارف» (^٣) أنه كان صاحب شراب وفتوة، ومنهم سعيد بن عثمان وكان واليا لمعاوية على خراسان.\nفهؤلاء بنو عثمان الحاضرون في ذلك الوقت وهم أولياء الدم دون غيرهم، ولم يتحاكم إلى عليّ أحد منهم، ولا نقل ذلك عنهم، فلو تحاكموا إليه لحكم بينهم إذ كان أقضى الصحابة، للحديث المرويّ فيه عن رسول الله ﷺ.\nوجواب ثان: أنه لم يكن في الدار عدلان يشهدان على قاتل عثمان بعينه، فلم يكن له أن يقتل بمجرد دعوى في قاتل بعينه، ولا إلى الحكم في ذلك سبيل\n_________\n(^١) انظر «الاستيعاب» (٤/ ٣٦١).\n(^٢) انظر «تاريخ الطبري» (٤/ ٥٤٤).\nوفيه: «فخرجت على الناس وودّعوها وودّعتهم، وقالت: يا بنيّ؛ تعتّب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة، فلا يعتدنّ أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك؛ إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبي من الأخيار.\nوقال عليّ: يا أيها الناس؛ صدقت والله وبرّت، ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة» اه.\nأقول: فهل سيرعوي بعد ذلك هؤلاء الذين يسبّونها ويبغضونها، ثم بعد هذا يدّعون حبّهم لآل البيت؟! أم أنهم سيكذّبون أمير المؤمنين ويصدّقون أسيادهم؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.\n(^٣) ص: ٢٠٢.","vol":"2","page":256},{"text":"مع سكوت أولياء الدم عن طلب حقّهم، ففي تركهم له أوضح دليل. وكذلك فعل معاوية حين تمّت له الخلافة وملك مصر وغيرها بعد أن قتل عليّ ﵁ لم يحكم على واحد من المتّهمين بقتل عثمان بإقامة قصاص، وأكثر المتّهمين من أهل مصر والكوفة والبصرة، وكلهم تحت حكمه وأمره ونهيه وغلبته وقهره، وكان يدّعي المطالبة بذلك قبل ملكه ويقول: لا نبايع من يؤوي قتلة عثمان ولا يقتصّ منهم، والذي كان يجب عليه شرعا أن يدخل في طاعة عليّ ﵁ حين انعقدت خلافته في مسجد رسول الله ﷺ ومهبط وحيه ومقرّ النبوة وموضع الخلافة، بجميع من كان فيها من المهاجرين والأنصار بطوع منهم وارتضاء واختيار، وهم أمم لا يحصون وأهل عقد وحل، والبيعة تنعقد بطائفة من أهل الحل والعقد، فلما بويع له ﵁ طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكّن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم فقال لهم علي ﵇: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك، نراهم صباحا ومساء. وكان عليّ في ذلك أسدّ رأيا وأصوب قيلا لأن عليا لو تعاطى القود معهم لتعصّب لهم قبائل، وصارت حربا ثالثة فانتظر بهم إلى أن يستوثق الأمر وتنعقد عليه البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق.\nقال ابن العربي أبو بكر: ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى إلى إثارة فتنة أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لطلحة والزبير فإنهما ما خلعا عليا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأوا أن البداية بقتل أصحاب عثمان أولى.\nوذكر ابن وهب قال: حدثني حرملة بن عمران، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أنه سمعه يحدث محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب الكناني حتى إذا بلغا صفّين، وقف كعب ثم نظر ساعة، فقال: لا إله إلا الله؛ ليهرقنّ في هذه البقعة من دماء المسلمين ما لم يهرق ببقعة من الأرض، فغضب قيس، ثم قال: وما يدريك يا أبا إسحاق ما هذا؟ فإذا هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به. فقال كعب: ما من شبر من الأرض إلا هو مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى بن عمران ما يكون عليه إلى يوم القيامة (^١).\nأخبرنا شيخنا القاضي لسان المتكلمين أبو عامر يحيى بن الشيخ الفقيه الإمام أبي الحسين بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، إجازة عن شيخه المحدث الثقة المؤرخ\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.\nمحمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي؛ «مجهول الحال» كما في «التقريب».","vol":"2","page":257},{"text":"أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، قال: حدثنا جماعة من شيوخنا ﵏، منهم الفقيه المفتي أبو محمد بن عتاب، قال: أنبأنا الإمام أبو عمر بن عبد البر فيما أجازه لنا بخطّه، قال: حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج، قال: حدثني خالد أبو الربيع وأحمد بن صالح وأحمد بن عمر وابن السرح ويحيى بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب فذكره، وأحمد بن محمد بن الحجاج هو ابن رشيد بن سعد أبو جعفر مصري، قال أبو أحمد ابن عدي: كذّبوه وأنكرت عليه أشياء، ومحمد بن يزيد بن أبي زياد مجهول قاله الدارقطني، وباقي السند ثقات معروفون.\nوأما وقعة صفّين فإن معاوية لما بلغه سير أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه إليه من العراق؛ خرج من دمشق حتى ورد صفين في النصف من المحرم، فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ وقريب الماء من الفرات وبنى قصرا لبيت ماله. وصفّين: صحراء ذات كدى وأكمات، وكان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة من سائر الجهات، ولم يكن ثم مشرعة سواها للواردين والواردات، فمنعت عليا ﵁ إياها وحمتها عن تلك الكماة، فذكّرهم بالمواعظ الحسنة والآيات، وحذّرهم بقول النبي ﷺ فيمن منع فضل الماء بالفلاة، فردوا قوله، وأجابوه بألسنة الطغاة، إلى أن قاتلهم بالقواضب والسمهريات، فلما غلبهم عليها ﵁ أباحها للشاربين والشاربات، ثم بنى مسجدا على تلّ بأعلى الفرات، ليقيم فيه مدة مقامه فرائض الصلوات، لفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع وعشرين من الدرجات، على ما ثبت في الصحيح من رواية ابن عمر وغيره من الصحابة العدول الثقات، وحضرها مع علي جماعة من البدريين، ومن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيين، وكان مع علي رايات كانت مع رسول الله ﷺ في قتال المشركين، وكان مقام علي ﵁ ومعاوية بصفّين سبعة أشهر، وقيل: تسعة، وقيل: ثلاثة أشهر، وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا، وقتل في ثلاثة أيام من أيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين (^١).\n_________\n(^١) وهذه مبالغة في عدد القتلى؛ فقد ذكر خليفة بن خياط ص (١٨٦) من تاريخه أن عدد القتلى كانوا سبعة آلاف، وذهب غيره كالمسعودي (٢/ ٣٦٠) - مروج الذهب - إلى أن عددهم كان ثمانية عشر ألفا.\nوقد ذكر الأستاذ خالد بن محمد الغيث في كتابه الماتع: «استشهاد عثمان» ص ٢١٤ - ٢١٥ - الطبعة الأولى - أن عدد القتلى لا يزيد عن المائتين بحسب ما ترجّح عنده. لأسباب ذكرها، وهي أسباب قوية تأيّد ما قاله، وفّقه الله لما يرضيه.","vol":"2","page":258},{"text":"وذكره الثقة العدل أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين الكسائي الهمداني المعروف بابن زريك وهو الملقب بسفينة، وسفينة طائر إذا وقع على الشجرة لم يقم عنها ويترك فيها شيئا وهو في تلك الليالي هي ليلة الهرير جعل يهر بعضهم على بعض، والهرير الصوت يشبه النباح لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقصفت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض قد كسروا جفون سيوفهم واضطربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد فلا تسمع إلا غمغمة القوم والحديد في إلهام، ولما صارت السيوف كالمناجل تراموا بالحجارة ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه وكسفت الشمس وثار القتام وارتفع الغبار وضلّت الألوية والرايات، ومرت أوقات أربع صلوات، لأن القتال كان بعد صلاتهم صلاة الصبح واقتتلوا إلى نصف الليل (^١). وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين. قال الإمام أحمد بن حنبل في تاريخه، وقال غيره في شهر ربيع الأول.\nوكان أهل الشام يوم صفين خمسة وثلاثين ومائة وألف وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثين ومائة وألف (^٢). ذكره الزبير بن بكار أبو عبد الله القاضي العدل قال: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب، عن محمد بن عمرو بن العاص وكان ممن شهد صفين وأبلى فيه، وفيه يقول:\nفلو شهدت جمل مقامي ومشهدي … بصفين يوما شاب منها الذوائب\nغداة أتى أهل العراق كأنهم … من البحر لجّ موجه متراكب\nوجئناهم نمشي كأن صفوفنا … سحائب غيث رفعتها الجنائب\nويروي شهاب: حريق رفعته الجنائب.\nوقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا … عليّا فقلنا بل نرى أن نضارب\nوطارت إلينا بالرماح كماتهم … وطرنا إليهم بالأكفّ قواضب\nإذا نحن قلنا استهزموا عرضت لنا … كتائب منهم واشمأزت كتائب\n_________\n(^١) ولا مستند لهذا وما قبله من المبالغات التي كان الأولى تنزيه مثل هذا الكتاب عنها، لكن: «لله الأمر من قبل ومن بعد».\nوقد أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناد صحيح - كما قال الحافظ في «الفتح» (١٣/ ٦٢) - أن القتال نشب بعد الظهر فما غربت الشمس إلا وانتهت المعركة. استفدته من «المصدر السابق».\n(^٢) أخرج الطبري في «تاريخه» بإسناد حسن (٤/ ٥٠٦) من طريق محمد بن الحنفية أن تعداد جيش علي ﵁ كان تسعة آلاف وسبعمائة رجل تقريبا. وكان تعداد جيش أهل الشام قريبا منه. فأين هذا العدد من الذي ذكره المصنف؟!","vol":"2","page":259},{"text":"فلا هم يولون الظّهور فيدبروا … فرارا كفعل الخادرات الدرائب\nقال ابن شهاب: فأنشدت عائشة ﵂ أبياته هذه فقالت: ما سمعت بشاعر أصدق شعرا منه.\nقال الحافظ: ابن دحية: قوله: بل نرى أن نضارب؛ أن هنا مخففة من الثقيلة محذوفة الاسم، تقديره: أننا نضارب. وقوله: كفعل الخادرات الدرائب؛ الخادرات:\nالأسود، يقال: أسود خادر كأن الأجمة له خدر، فمعناه: أنهم لا يدبرون كالأسود التي لا تدبر عن فرائسها، لأنها قد ضربت بها ودربت عليها، والدربة: الضراوة، يقال:\nدرب يدرب ورفع الدرائب، لأنها بدل من الضمير في يدبروا.\nقال: والإجماع منعقد على أن طائفة الإمام طائفة عدل والأخرى طائفة بغي، ومعلوم أن عليّا ﵁ كان الإمام.\nوروى مسلم في صحيحه قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لابن مثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي سلمة، قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، جعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية» (^١) وخرّجه أيضا من حديث إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور، ومحمد بن غيلان، ومحمد بن قدامة، قالوا: أخبرنا النضر بن شميل، عن شعبة، عن أبي سلمة بهذا الإسناد نحوه، غير أن في حديث النضر قال: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة، وله طرق غير هذا في «صحيح مسلم».\nوقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» (^٢) له في ترجمة عمار:\nوهو من أصح الأحاديث.\nوقال فقهاء الإسلام فيما حكاه الإمام عبد القاهر في كتاب «الإمامة» من تأليفه: وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلّمين إلى أن عليّا مصيب في قتاله لأهل صفين، كما قالوا بإصابته في قتل أصحاب الجمل. وقالوا أيضا بأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم.\nوقال الإمام أبو منصور التميمي البغدادي في كتابه (الفرق) من تأليفه في شأن عقيدة أهل السنة؛ وأجمعوا أن عليّا كان مصيبا في قتاله لأهل صفين كما قالوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩١٥).\n(^٢). (٢/ ٤٨٠).","vol":"2","page":260},{"text":"بإصابته في قتل أصحاب الجمل، وقالوا أيضا بأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم (^١).\nوقال الإمام أبو منصور التيمي البغدادي في كتاب «الفرق» في بيان عقيدة أهل السنة: وأجمعوا أن عليّا كان مصيبا في قتال أهل الجمل، أعني طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفين أعني معاوية وعسكره.\nوقال الإمام أبو المعالي في كتاب «الإرشاد»: فصل: علي ﵁ كان إماما حقّا في توليته، ومقاتلوه بغاة وحسن الظن بهم يقتضي أن يظنّ بهم قصد الخير وإن أخطئوه، فهو آخر فصل ختم به كتابه.\nوحسبك بقول سيد المرسلين وإمام المتقين لعمار ﵁: «تقتلك الفئة الباغية». وهو من أثبت الأحاديث كما تقدم، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره لثبوته عنده: إنما قتله من أخرجه، ولو كان حديثا فيه شك لردّه معاوية وأنكره وكذّب ناقله وزوّره.\nوقد أجاب علي ﵁ عن قول معاوية بأن قال: فرسول الله ﷺ إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا من علي ﵁ إلزام لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها، قاله الإمام الحافظ أبو الخطاب بن دعية.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-443>٢٢٩ - باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وفي ظهور الفتن</span>\n(البخاري) عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجّاج فقال: «اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» سمعته من نبيكم ﷺ (^٢). وخرّجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشحّ، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج»، قالوا: يا رسول الله؛ أيم هو؟ قال: «القتل القتل» (^٣). أخرجه البخاري ومسلم.\n_________\n(^١) انظر «الفرق بين الفرق» ص ٢٧٢ - طبعة دار الكتب العلمية.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٠٣٧) ومسلم (١٥٧).","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-444>فصل</span>\nقوله: «يتقارب الزمان»؛ قيل: معناه قصر الأعمار وقلة البركة فيها، وقيل:\nهو دنو زمان الساعة. وقيل: هو قصر مدة الأيام، على ما روي «أن الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السّعفة» (^١). أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقيل في تأويله غير هذا.\nوقال حماد بن سلمة: سألت أبا سنان عن قوله: «يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر» وقال: ذلك من استلذاذ العيش.\nقال الخطابي: يريد - والله أعلم - زمان خروج المهدي ووقوع الأمنة في الأرض فيما يبسطه من العدل فيها، - على ما يأتي - ويستلذ به العيش عند ذلك وتستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت وامتدت، ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت وقلّت والعرب تقول في مثل هذا: مرّ بنا يوم كعرقوب القطا قصرا.\nو«يلقى الشح» بمعنى: يتلقى ويتعلم ويتواصى عليه ويدعى إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] أي: تقبلها وتعلمها، ويجوز يلقى بتخفيف اللام والقاف على معنى يترك، لإفاضة المال وكثرته، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته فلا يجد من يقبلها على ما يأتي، ولا يجوز أن يكون يلقى بمعنى يوجد؛ لأن الشح ما زال موجودا قبل تقارب الزمان.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-445>٢٣٠ - باب ما جاء في الفرار من الفتن وكسر السلاح وحكم المكره عليها</span>\n(مالك) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٣٢)، وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٦٤/ ١٦/٢) -٥٤ - كتاب الاستئذان - (٦) باب ما جاء فيه أمر الغنم. والبخاري (٣٣٠٠).","vol":"2","page":262},{"text":"(مسلم) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه». قال: فقال له رجل: يا رسول الله؛ أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدق عليه بحجر ثم لينج إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت». قال: فقال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فيضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: «يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» (^١).\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي، من يشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به» (^٢) قال: حديث حسن صحيح.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-446>٢٣١ - باب منه والأمر بلزوم البيوت عند الفتن</span>\n(ابن ماجه) عن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضربه، حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية». فقد وقعت وفعلت ما قال النبي ﷺ (^٣).\n(أبو داود) عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي». قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «كونوا أحلاس بيوتكم» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٠٨١) ومسلم (٢٨٨٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٦٢)، وصححه الألباني.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٢٦٢)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: كان محمد بن مسلمة ﵁ ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وأن النبي ﷺ أمره إذا كان ذلك أن يتخذ سيفا من خشب ففعل وأقام بالرّبذة. وممن اعتزل الفتنة أبو بكرة، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو ذر، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو موسى، وأهبان بن صيفي، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. ومن التابعين:\nشريح، والنخعي، وغيرهم ﵃.\nقلت: هذا وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلبا للملك والاستكثار من الدنيا، فواجب على الإنسان أن يكفّ اليد واللسان عند ظهور الفتن ونزول البلايا والمحن، نسأل الله السلامة والفوز بدار الكرامة بحق نبيه وآله وأتباعه وصحبه.\nوقوله: «كونوا أحلاس بيوتكم»: حضّ على ملازمة البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه.\nومن مراسيل الحسن وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «نعم صوامع المؤمنين بيوتهم» (^١). وقد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف، قال الله تعالى:\n﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠].\nودخل سلمة بن الأكوع على الحجاج وكان قد خرج إلى الربذة حين قتل عثمان، وتزوج امرأة هناك وولدت له أولادا، فلم يزل بها حتى كان قبل أن يموت بليال فدخل المدينة فقال له الحجاج: ارتددت على عقبيك؟ قال: لا؛ ولكن رسول الله ﷺ أذن لنا في البدو. وخرّجه مسلم وغيره (^٢).\nوقد تقدم قوله ﷺ: «يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن».\nوما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد منهم على ما يعلم من نفسه ويتأتى له من أمره، وقد كان العمري (^٣) بالمدينة معتزلا، وكان مالك مخالطا للناس، ثم اعتزل مالك آخر عمره ﵁، فيروى عنه أنه أقام ثماني عشرة\n_________\n(^١) انظر «كشف الخفاء» (٤٢٨/ ٢٨٣٠/٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٠٨٧) ومسلم (١٨٦٢).\n(^٣) تصحّفت في ط. دار ابن كثير إلى: المعمري. والصواب هو المثبت هنا.","vol":"2","page":264},{"text":"سنة لم يخرج إلى المسجد، فقيل له في ذلك فقال: ليس كل واحد يمكنه أن يخبر بعذره (^١). واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال: فقيل: لئلا يرى المناكير، وقيل: لئلا يمشي إلى السلطان، وقيل: كانت به أبردة فكان يرى تنزيه المسجد عنها. ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب «سراج المريدين» له.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-448>٢٣٢ - باب منه وكيف التثبت في الفتنة والاعتزال عنها، وفي ذهاب الصالحين</span>\n(ابن ماجه) عن عديسة بنت أهبان، قالت: لما جاء علي بن أبي طالب هاهنا بالبصرة دخل على أبي، فقال: يا أبا مسلم ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال:\nبلى، فدعا جاريته، فقال: يا جارية؛ أخرجي سيفي. قالت: فأخرجته فسل منه قدر شبر، فإذا هو خشب، فقال: إن خليلي وابن عمك ﷺ عهد إليّ إذا كانت فتنة بين المسلمين فاتخذ سيفا من خشب، فإن شئت خرجت معك. قال: لا حاجة لي فيك ولا في سيفك (^٢).\nوعن هزيل (^٣) بن شرحبيل، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسّروا قسيّكم، وقطّعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم» (^٤) أخرجه أبو داود أيضا.\nوخرّج من حديث سعد بن أبي وقاص، قلت: يا رسول الله؛ إن دخل على بيتي وبسط يده إليّ ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: «كن كخير ابني آدم» وتلا هذه الآية: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ (^٥) [المائدة: ٢٨].\n(ابن ماجه) عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم وبزمان\n_________\n(^١) انظر «البداية والنهاية» (١٠/ ١٨٠) و«سير أعلام النبلاء» (٨/ ٦٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٦٠)، وقال الألباني: «حسن صحيح».\n(^٣) في المطبوعة: زيد، وفي طبعة ابن كثير: هذيل، بالذال، وصوابه بالزاي كما أثبتناه.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٢٥٩) والترمذي (٤٢٠٤) وابن ماجه (٣٩٦١) وغيرهم، وهو حديث صحيح.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٢٥٧)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":265},{"text":"يوشك أن يأتي فيغربل الناس فيه غربلة يبقى حثالة من الناس قد مزجت عهودهم، وخفّت أمانتهم، واختلفوا فكانوا هكذا وهكذا» وشبّك بين أصابعه. قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك الزمان؟ قال: «تأخذون بما تعرفون، وتدعون بما تنكرون، وتقبلون على خاصّتكم، وتذرون أمر عامتكم» (^١) أخرجه أبو داود أيضا.\nوخرّجه أبو نعيم الحافظ بإسناده عن محمد بن كعب القرظي، أن الحسن بن أبي الحسن حدّثه أنه سمع شريحا وهو قاضي عمر بن الخطاب، يقول: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ: «ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مزجت عهودهم وخربت أماناتهم» فقال قائل: كيف بنا يا رسول الله؟ قال:\n«تعملون بما تعرفون وتتركون ما تنكرون وتقولون أحد أحد انصرنا على من ظلمنا، واكفنا من بغانا» (^٢). غريب من حديث محمد بن كعب والحسن وشريح، ما علمت له وجها غير هذا.\n(النسائي) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيت الناس مزجت عهودهم، وخفّت أماناتهم، وكانوا هكذا وهكذا» وشبك بين أصابعه، فقمت إليه فقلت: له كيف أصنع عند ذلك يا رسول الله، جعلني الله فداك؟ قال: «الزم بيتك وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» (^٣) خرّجه أبو داود أيضا.\n(الترمذي) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، ويأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا» (^٤) قال: هذا حديث غريب. وفي الباب عن أبي ذر ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-449>فصل</span>\nقوله: «يوشك» معناه: يقرب. وقوله: «فيغربل الناس فيها غربلة» عبارة عن موت الأخيار وبقاء الأشرار، كما يبقى الغربال من حثالة ما يغربله. والحثالة: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر، وكل ذي قشر إذا بقي، وحثالة الدهن تفله، وكأنه الرديء من كل شيء. ويقال: حثالة وحفالة بالثاء والفاء معا.\nكما روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لتنتقون كما ينتقى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٢) وابن ماجه (٣٩٥٧). وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٣٨).\n(^٣) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٠٥) وأبو داود (٤٣٤٣).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٢٦٧)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":266},{"text":"التمر من أغفاله، وليذهبنّ خياركم وليبقينّ شراركم، فموتوا إن استطعتم» (^١).\nوخرّج البخاري عن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير والتمر، لا يباليهم الله بآلة» وفي رواية: «لا يعبأ الله بهم» (^٢). يقال: ما أباليه بآلة، وبال وبلى مقصور ومكسور.\nالأول مصدر. وقيل: اسم؛ ما أكثرت به، والبال الاكتراث والاهتمام بالشيء. والصالحون: هم الذين أطاعوا الله ورسوله وعملوا بما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه.\nقال أبو الخطاب بن دحية: ومرداس هذا هو: مرداس بن مالك الأسلمي، من أسلم؛ بفتح اللام، سكن الكوفة وهو معدود في أهلها، ولم يحفظ له من طريق صحيح سوى هذا الحديث.\nقال المؤلف ﵀: انفرد به البخاري ﵀، روى عن قيس بن أبي حازم في الرقاق.\n«ومزجت»: معناه اختلطت واختلفت، والمزج: الاختلاط والاختلاف.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-450>٢٣٣ - باب الأمر بتعلّم كتاب الله واتباع ما فيه ولزوم جماعة المسلمين عند غلبة الفتن وظهورها وصفة دعاة آخر الزمان، والأمر بالسمع والطاعة للخليفة وإن ضرب الظهور وأخذ المال</span>\n(أبو داود) عن نصر بن عاصم الليثي، قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو الليث؛ أتيناك نسألك عن حديث حذيفة. فقال:\nأقبلنا مع أبي موسى قافلين وغلت الدواب بالكوفة، قال: فسألت أبا موسى الأشعري أنا وصاحب لي، فأذن لنا فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخل المسجد فإذا قامت السوق خرجت إليك، قال: فدخلت المسجد فإذا فيه حلقة كأنما قطّعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجل واحد، قال: فقمت عليهم؛\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٨)، وحسّنه الألباني.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤١٥٦، ٦٤٣٤).","vol":"2","page":267},{"text":"فجاء رجل فقام إلى جنبي، قال: فقلت: من هذا؟ قال: أبصري أنت؟ قال: قلت:\nنعم. قال: قد عرفت ولو كنت كوفيّا لم تسأل عن هذا؛ هذا حذيفة، فدنوت منه فسمعت حذيفة ﵁ يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أنا أسأله عن الشرّ، وعرفت أن الخير لن يسبقني. قال: فقلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الخير شر؟ قال: «يا حذيفة؛ تعلّم كتاب الله واتبع ما فيه» ثلاث مرات.\nقلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الخير شر؟ قال: «فتنة وشر» قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الشر خير؟ فقال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله وابتع ما فيه» قال: قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الشر خير؟ قال: «هدنة على دخن وجماعة على أقذاء، فيهم أو فيها» قلت: يا رسول الله؛ الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: «لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه» قال: قلت: يا رسول الله؛ بعد هذا الخير شر؟ قال: «فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم» (^١).\nوخرّج أبو نعيم الحافظ، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه، يمنعكم من ذلك الفقر والحاجة، إلا أن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، إلا أن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، إلا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلّوكم». قالوا: يا رسول الله؛ كيف نصنع؟ قال: مما صنع أصحاب عيسى ابن مريم ﵇؛ نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله» (^٢). خرجه في باب يزيد بن مرثد، غريب من حديث معاذ، لم يروه عنه إلا يزيد بن مرثد وعنه الوضين بن عطاء.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٤٦)، وحسّنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٣٥٧١).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٦٥ - ١٦٦) والطبراني في «الكبير» (٩٠/ ١٧٢/٢٠) وفي «الصغير» (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥) وفي «مسند الشاميين» (٦٥٨) والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٩٨) والبيهقي (٦/ ٣٥٩).\nمن طريق: الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد، عن معاذ بن جبل به.\nوإسناده ضعيف.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٢٨ و٢٣٨): «ويزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ، والوضين بن عطاء وثقة ابن حبان وغيره، وبقية رجاله ثقات».\nقلت: انظر «جامع التحصيل» ص ٣٠٢.\nأما الواصل بن بن عطاء فقد قال الحافظ عنه: «صدوق سيئ الحفظ». والحديث ضعّفه العلامة الألباني في «تخريج مشكلة الفقر» رقم (٥).","vol":"2","page":268},{"text":"وخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة يقول: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن. قلت:\nوما دخنه؟ قال: قوم يستنّون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت:\nهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت: يا رسول الله؛ صفهم لنا. قال: نعم؛ قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألسنتنا.\nفقلت: يا رسول الله؛ فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.\nقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل الفرق كلّها، ولو إن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (^١).\nوفي رواية قال: «تكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: فكيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع» لفظ مسلم.\nوفي كتاب أبي داود بعد قوله: «هدنة على دخن» قال: «قلت: يا رسول الله؛ ثم ماذا؟ قال: إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه، وإلا فمت وأنت عاضّ في جذل شجرة. قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال ومعه نهر ونار فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره. قال: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة».\n\n<span data-type='title' id=toc-451>فصل</span>\nقوله: «على أقذاء»؛ الأقذاء، جمع القذى، والقذى جمع قذاة، وهو ما يقع في العين من الأذى وفي الطعام والشراب من تراب أو نتن أو غير ذلك، فالمراد به في الحديث: الفساد الذي يكون في القلوب، أي: أنهم يتّقون بعضهم بعضا، ويظهرون الصلح والاتفاق، ولكنهم في باطنهم خلاف ذلك، والجذل: الأصل كما هو مبين في كتاب مسلم: «على أصل شجرة».\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٠٦، ٧٠٨٤) ومسلم (١٨٤٧) وأبو داود (٤٢٤٤).","vol":"2","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-452>٢٣٤ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار</span>\n(مسلم) عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: فقلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله ﷺ يعني عليّا - قال: فقال لي: يا أحنف؛ ارجع، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قال: فقلت: يا رسول الله؛ هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه قد أراد قتل صاحبه» أخرجه البخاري، وفي بعض طرقه: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-453>فصل</span>\nقال علماؤنا: ليس هذا الحديث في أصحاب النبي ﷺ، بدليل قوله تعالى:\n﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] فأمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية، ولو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لتعطّلت فريضة من فرائض الله، وهذا يدل على أن قوله: «القاتل والمقتول في النار» ليس في أصحاب محمد ﷺ، لأنهم إنما قاتلوا على التأويل.\nقال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل وكسر السيوف؛ لما أقيم حدّ ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك دمائهم، بأن يتحزّبوا عليهم، ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم؛ بأن يقولوا: هذه فتنة قد نهينا عن القتال فيها، وأمرنا بكف الأيدي والهرب منها، وذلك مخالف لقوله ﵊: «خذوا على أيدي سفهائكم» (^٢).\nقلت: فحديث أبي بكرة محمول على ما إذا كان القتال على الدنيا، وقد جاء هكذا منصوصا فيما سمعناه من بعض مشايخنا: «إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار» خرّجه البزار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١، ٣٨٧٥، ٧٠٨٣) ومسلم (٢٨٨٨).\n(^٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٩٢/ ٧٥٧٧/٦)، وضعّفه المحدث الألباني في «الضعيفة» (٣٠٩/ ٢٢٨٤/٥).","vol":"2","page":270},{"text":"ومما يدل على صحة هذا ما خرّجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل». فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال:\n«الهرج؛ القاتل والمقتول في النار» (^١).\nفبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهالة من طلب الدنيا أو اتباع هوى كان القاتل والمقتول في النار، فأما قتال يكون على تأويل ديني فلا، وأما أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم فيجب على المسلمين توقيرهم والإمساك عن ذكر زللهم ونشر محاسنهم، لثناء الله ﷿ عليهم في كتابه فقال - وقوله الحق -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، وقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠].\nوكل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور، وإن كان بعضهم أفضل من بعض وأكثر سوابق.\nوقيل: إن من توقّف من الصحابة حملوا الأحاديث الواردة بالكفّ على عمومها فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وربما ندم بعضهم على ترك ذلك كعبد الله بن عمر فإنه ندم على تخلّفه عن نصرة علي بن أبي طالب ﵁ فقال عند موته: ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية، يعني فئة معاوية، وهذا هو الصحيح؛ أن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت. قال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا صفّين مع علي في ثمان مائة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منهم ثلاث وستون منهم عمار بن ياسر.\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا مع عليّ صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد ﷺ يتبعونه كأنه علم لهم. قال: وسمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم تقدّم؛ الجنة تحت الأبارقة، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شعفات الجبال لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قال:\nنحن ضربناكم على تنزيله … فاليوم نضربكم على تأويله\nضربا يزيل إلهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله\nأو يرجع الحقّ إلى سبيله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٠٨).","vol":"2","page":271},{"text":"قال: فلم أر أصحاب محمد ﷺ قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ.\nوسئل بعض المتقدّمين عن الدماء التي وقعت بيد الصحابة فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].\nوقد أشبعنا القول في هذه المسألة في كتاب «الجامع لأحكام القرآن» في سورة الحجرات، والصواب ما ذكرنا لك أولا، والله أعلم. وروي عنه ﵊ أنه قال: «سيكون بين أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي، ثم يستن بها قوم من بعدهم يدخلون بها النار».\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-454>٢٣٥ - باب جعل الله بأس هذه الأمة بينها</span>\nقال الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] (مسلم) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله زوي لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض». قال ابن ماجه في «سننه»: يعني: الذهب والفضة - «وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد؛ إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال - من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» (^١). زاد أبو داود: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي المشركين، وحتى يعبد قبائل من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون يزعم كلّهم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (^٢).\n(ابن ماجه) عن معاذ بن جبل قال: صلى رسول الله ﷺ يوما صلاة فأطال فيها، فلما انصرف قلنا. أو قالوا: يا رسول الله؛ أطلت اليوم الصلاة. قال: «إني صلّيت صلاة رغبة ورهبة؛ سألت الله لأمتي ثلاثا، فأعطاني ثنتين وردّ عليّ واحدة؛ سألته\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) وأبو داود (٤٢٥٢) والترمذي (٢١٧٦) وابن ماجه (٣٩٥٢).\n(^٢) انظر ما قبله.","vol":"2","page":272},{"text":"ألا يسلّط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته ألا يهلكهم غرقا فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليّ» (^١).\nوأخرجه مسلم عن سعد بن أبي وقاص؛ أن رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية - وفي رواية: - في طائفة من أصحابه، إذا مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين، فصلّينا معه، ودعا ربّه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: «سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسّنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (^٢).\nوأخرجه الترمذي والنسائي وصححه واللفظ للنسائي. عن خبّاب بن الأرتّ - وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ أنه راقب رسول الله ﷺ الليلة كلها حتى كان الفجر، فلما سلّم رسول الله ﷺ من صلاته جاء خباب، فقال: يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي لقد صلّيت الليلة صلاة ما رأيتك صلّيت نحوها. فقال رسول الله ﷺ:\n«أجل إنها صلاة رغب ورهب؛ سألت الله فيها لأمتي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ ألا يظهر علينا عدوّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ ألا يلبسنا شيعا فمنعنيها» (^٣).\n(ابن ماجه) عن أبي موسى قال: حدثنا رسول الله ﷺ: «إن بين يدي الساعة لهرجا»، قال: قلت: يا رسول الله؛ ما الهرج؟ قال: «القتل القتل» فقال بعض المسلمين: يا رسول الله؛ إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «ليس بقتل المشركين، ولكن بقتل بعضكم بعضا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته» (^٤) وذكر الحديث، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-455>٢٣٦ - باب ما يكون من الفتن وإخبار النبي ﷺ بها</span>\n(مسلم) عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما ما ترك فيه شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٥١)، وهو صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٩٠).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣/ ٢١٧) وأبو داود (٤٢٥٢) والترمذي (٢١٧٥) وابن ماجه (٣٩٥١)، وهو صحيح.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٩)، وانظر «الصحيحة» (١٦٨٢).","vol":"2","page":273},{"text":"أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه» (^١).\nوخرج أبو داود أيضا عنه قال: «والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته» (^٢).\n(مسلم) عن حذيفة بن اليمان قال: حدثنا رسول الله ﷺ مجلسا أنبأنا فيه عن الفتنة، فقال وهو يعد الفتن: «منها ثلاثة لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار». قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري (^٣).\n(أبو داود) عن عبد الله بن عمر قال: كنا قعودا عند رسول الله ﷺ فذكر الفتن فأكثر فيها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: يا رسول الله؛ وما فتنة الأحلاس؟ قال: «هي هرب وحرب، ثم فتنة السوء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كودك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل:\nانقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، حتى يصير الناس فسطاطين؛ فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-456>فصل</span>\nقول حذيفة «قام فينا رسول الله ﷺ مقاما»، وفي الرواية الأخرى: «مجلسا»:\nقد جاء مبينا في حديث أبي زيد قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل، فصلّى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلّى فصعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا» أخرجه مسلم (^٥).\nوروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر نهارا ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٢٤٣)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٨٩١).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٢٤٢)، وهو صحيح.\n(^٥) برقم (٢٨٩٢).\n(^٦) أخرجه الترمذي (٢١٩١)؛ بإسناد حسن.","vol":"2","page":274},{"text":"فظاهر هذا أن ذلك المقام كان من بعد العصر لا قبل ذلك، وهذا تعارض فيجوز أن يكون ذلك كله في يومين، فيوم خطب فيه من بعد العصر، ويوم قام فيه خطيبا كله، ويجوز أن تكون الخطبة من بعد صلاة الصبح إلى غروب الشمس، كما في حديث أبي زيد، واقتصر بعض الرواة في الذكر على ما بعد العصر كما في حديث أبي سعيد الخدري، وفيه بعد، والله أعلم.\nوقوله: «حتى ذكر فتنة الأحلاس» قال الخطابي: إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، يقال؛ للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه: هو حلس بيته. ويحتمل أن تسمى هذه الفتنة بالأحلاص لسوادها وظلمتها. والحرب:\nذهاب الأهل والمال، يقال: حرب الرجل فهو حريب إذا سلب أهله وماله، ومن هذا المعنى أخذ لفظ الحرب لأن فيها ذهاب النفوس والأموال والله أعلم.\nوالدخن الدخان؛ يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه. وقوله: «كورك على ضلع» مثل، ومعناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم، يريد أن هذه الرجل غير خليق بالملك. والدهيماء: تصغير الدهماء على معنى المذمة لها والتعظيم لأمرها، كما قال:\nدويهية تصفرّ منها الأنامل\nأي: هذه الفتنة سوداء مظلمة.\nودلّت أحاديث هذا الباب على أن الصحابة ﵃ كان عندهم من علم الكوائن إلى يوم القيامة العلم الكثير لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث الأحكام، وما كان فيه شيء من ذلك حدّثوا به وتقصّووا عنه.\nوقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم (^١).\nقال أبو عبد الله: البلعوم مجرى الطعام، والفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر الفسطاط، والمراد به في هذا الحديث: الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى، تشبيها بانفراد الخيمة عن الأخرى، وتشبيها بانفراد المدينة عن الأخرى، حملا على تسمية مصر بالفسطاط، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٠).","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-457>٢٣٧ - باب ذكر الفتنة التي تموج موج البحر وقول النبي ﷺ: «هلاك أمتي على يد أغيلمة من سفهاء قريش»</span>\n(ابن ماجه) عن شقيق، عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر بن الخطاب فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: فقلت: أنا.\nفقال: إنك لجريء، قال: كيف سمعته يقول؟ قلت سمعته يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره يكفّرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».\nفقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج موج البحر. قال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: يفتح الباب أو يكسر؟ قال: بل يكسر. قال: ذلك أجدر أن لا يغلق. فقلت لحذيفة: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، قال:\nفهبنا أن نسأله من الباب. فقلنا لمسروق: سله فسأله، فقال: هو عمر (^١). أخرجه البخاري ومسلم أيضا.\nوخرج الخطيب أبو بكر أحمد بن علي، من حديث مالك بن أنس، أن عمر ابن الخطاب دخل على بنت علي بن أبي طالب ﵃ فوجدها تبكي، فقال ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول: إنك باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله إني لأرجو أن يكون الله خلقني سعيدا، قال: ثم خرج فأرسل إلى كعب، فدعاه فلما جاءه كعب، قال: يا أمير المؤمنين؛ والذي نفسي بيده لا تنسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال عمر: أي شيء هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار، قال: والذي نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يتقحّمون فيها إلى يوم القيامة.\n(البخاري) عن عمرو بن يحيى بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي ﷺ بالمدينة ومعنا مروان، فقال أبو هريرة:\nسمعت الصادق المصدوق يقول: «هلكة أمتي على يد أغيلمة من قريش». قال مروان: لعنة الله عليهم من أغيلمة. قال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٥) ومسلم (١٤٤).","vol":"2","page":276},{"text":"وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حتى تملّكوا بالشام فإذا رآهم أحداثا وغلمانا، قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم. قلنا: أنت أعلم (^١).\nالغلام: الطارّ الشارب، والجمع الغلمة والغلمان.\nونصّ مسلم في صحيحه في كتاب الفتن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:\n«يهلك أمتي هذا الحي من قريش قال: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-458>فصل</span>\nقال علماؤنا - رحمة الله عليهم -: هذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان عنده من علم الفتن العلم الكثير والتعيين على من يحدث عنه الشر الغزير، ألا تراه يقول:\n«لو شئت قلت لكم هم بنو فلان وبنو فلان» لكنه سكت عن تعيينهم مخافة ما يطرأ من ذلك من المفاسد، وكأنهم - والله أعلم - يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد ومن تنزل منزلتهم من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت رسول الله ﷺ وسبيهم وقتل خيار المهاجرين والأنصار بالمدينة وبمكة وغيرها، وغير خاف ما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك وولده من سفك الدماء وإتلاف الأموال وإهلاك الناس بالحجاز والعراق وغير ذلك، وبالجملة فبنو أمية قابلوا وصية النبي ﷺ في أهل بيته وأمته بالمخالفة والعقوق فسفكوا دماءهم وسبوا نساءهم وأسروا صغارهم وخربوا ديارهم، وجحدوا فضلهم وشرفهم، واستباحوا لعنهم وشتمهم، فخالفوا رسول الله ﷺ في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فوا خجلتهم إذا وقفوا بين يديه، ووا فضيحتهم يوم يعرضون عليه، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-459>٢٣٨ - باب ما جاء في بيان مقتل الحسين ﵁ ولا رضي عن قاتله</span>\nذكر أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحلوانيّ، قال ابن السكن:\nوأخبرني أبو بكر محمد بن محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الحداد، قالا: حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، قال: حدثنا عطاء بن مسلم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٠٥، ٧٠٥٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩١٧).","vol":"2","page":277},{"text":"عن أشعث بن سحيم، عن أبيه، عن أنس بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق، فمن أدركه منكم فلينصره» فقتل أنس يعني مع الحسين بن علي ﵉ (^١). أنبأناه إجازة الشيخ الفقيه القاضي أبو عامر، عن أبي القاسم بن بشكوال، عن أبي محمد ابن عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، وأبي عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد، عن أبي عمر بن عبد البر، قال: حدثنا الحافظ أبو القاسم خلف بن القاسم، قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو علي بن السكن؛ فذكره.\nوخرّج الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا مؤمّل قال: حدثنا عمارة بن زاذان، حدثنا ثابت، عن أنس؛ أن ملك المطر استأذن أن يأتي النبي ﷺ فأذن له، فقال لأم سلمة: «املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد» قال: وجاء الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل، فجعل يقعد على ظهر النبي ﷺ وعلى منكبيه وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبي ﷺ: أتحبه؟ قال: نعم. قال: أما إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أم سلمة فصرّتها في خمارها. قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء (^٢).\nوقال مصعب بن الزبير: حجّ الحسين خمسة وعشرين حجة ماشيا. وقد قال النبي ﷺ فيه وفي الحسن: «إنهما سيدا شباب أهل الجنة» (^٣). وقال: «هما ريحانتاي من الدنيا» (^٤). وكان النبي ﷺ إذا رآهما هشّ لهما، وربما أخذهما، كما روى أبو داود أنهما دخلا المسجد وهو يخطب فقطع خطبته ونزل فأخذهما وصعد بهما، قال: «رأيت هذين فلم أصبر» (^٥). وكان يقول فيهما: «اللهم إني أحبّهما فأحبّهما وأحب من يحبهما» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البغوي وابن السكن كما في «الإصابة» (١/ ٢٧١) وذكر إسناده دون متن؛ البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٣٠) وقال: «وسعيد بن عبد الملك يتكلمون فيه».\nقلت: وأنس بن الحارث مختلف في صحبته؛ فممن قال بصحبته ابن منده والمزي وأبو نعيم، وأبو حاتم وغيرهم.\nوقال ابن الأثير: «هو من التابعين» وقال الذهبي في «التجريد»: ولا صحبة له ووافقه ابن حجر.\nانظر: أسد الغابة» (١/ ١٤٦ /ترجمة: ٢٤٦) و«الجرح والتعديل» (٢/ ٢٨٧١ /ترجمة: ١٠٤٢) و«الإصابة» (١/ ٢٧٠، ٢٧١ /ترجمة/ ٢٦٦) و«تجريد أسماء الصحابة» للذهبي (١/ ٣٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٤٢) بإسناد ضعيف.\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣، ٦٢) والنسائي في «خصائص علي» (١٢٩، ١٤٠) وانظر «الصحيحة» رقم (٧٩٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٧٥٣، ٥٩٩٤) وغيره.\n(^٥) أخرجه أبو داود (١١٠٩)، وهو صحيح.\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٧٤٧) ومسلم (٢٤٢١).","vol":"2","page":278},{"text":"وقتل ﵀ ولا رحم قاتله - يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين بكربلاء، بقرب موضع يقال له الطف، بقرب من الكوفة.\nقال أهل التواريخ: لما مات معاوية وأفضت الخلافة إلى يزيد وذلك سنة ستين، ووردت البيعة على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ بالبيعة إلى أهلها أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير ليلا فأتى بهما فقال: بايعا. فقالا:\nمثلنا لا يبايع سرّا، ولكن نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة، وخرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلا لقتل الحسين وأمر عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فأدركه بكربلاء، وقيل: إن عبيد الله بن زياد كتب إلى الحر بن يزيد الرياحي أن جعجع بالحسين. قال أهل اللغة: أراد احبسه وضيّق عليه و«الجعجع» و«الجعجاع» الموضع الضيق من الأرض، ثم أمده بعمر بن سعد في أربعة آلاف، ثم ما زال عبيد الله يزيد العساكر ويستفز الجماهير إلى أن بلغوا اثنين وعشرين ألفا وأميرهم عمر بن سعد، ووعده أن يملكه مدينة الريّ فباع الفاسق الرشد بالغيّ، وفي ذلك يقول:\nأأترك ملك الريّ والريّ منيتي … وأرجع مأثوما بقتل حسنين\nفضيق عليه اللعين أشدّ تضييق، وسد بين يديه وضح الطريق، إلى أن قتله يوم الجمعة، وقيل يوم السبت العاشر من المحرم.\nوقال ابن عبد البر في «الاستيعاب»: قتل يوم الأحد لعشر مضين من المحرم بموضع من أرض الكوفة يقال له: كربلاء، ويعرف بالطف أيضا، وعليه جبة خز دكناء، وهو ابن ست وخمسين سنة. قاله نسابة قريش الزبير بن بكار، ومولده لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وفيها كانت غزوة ذات الرقاع، وفيه قصرت الصلاة، وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، واتفقوا على أنه قتل يوم عاشوراء العاشر من المحرم سنة إحدى وستين، ويسمى عام الحزن وقتل معه اثنان وثمانون رجلا من الصحابة مبارزة، منهم الحر بن يزيد لأنه تاب ورجع مع الحسين، ثم قتل جميع بنيه إلا عليّا المسمى بعد ذلك بزين العابدين، كان مريضا أخذ أسيرا بعد قتل أبيه، وقتل أكثر إخوة الحسين وبني أعمامه ﵃، ثم أنشأ يقول:\nيا عين ابكي بعبرة وعويل … واندبي إن ندبت آل الرسول\nسبعة كلهم لصلب عليّ … قد أصيبوا وتسعة لعقيل","vol":"2","page":279},{"text":"قال جعفر الصادق: وجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة بالسيف، وأربع وثلاثون ضربة.\nواختلفوا فيمن قتله؛ فقال يحيى بن معين: أهل الكوفة يقولون: إن الذي قتل الحسين عمر بن سعد.\nقال ابن عبد البر: إنما نسب قتل الحسين إلى عمر بن سعد لأنه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين، وأمر عليهم عمر بن سعد ووعده أن يولّيه الريّ إن ظفر بالحسين وقتله، وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من مصر ومن اليمن. وفي شعر سليمان بن قتنة الخزاعي وقيل: إنها لأبي الرميح الخزاعي ما يدل على الاشتراك في دم الحسين. وقيل: قتله سنان بن أبي سنان النخعي، وقال مصعب النسابة الثقة: قتل الحسين بن علي سنان بن أبي سنان النخعي وهو جد شريك القاضي، ويصدق ذلك قول الشاعر:\nوأي رزية عدلت حسينا … غداة تبيده كفّا سنان\nوقال خليفة بن خياط: الذي ولي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن وأمير الجيش عمر بن سعد، وكان شمر أبرص، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، خز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد وقال:\nأوقر ركابي فضة وذهبا … أني قتلت الملك المحجّبا\nقتلت خير الناس أمّا وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا\nهذه رواية أبي عمر بن عبد البر في «الاستيعاب» (^١).\nوقال غيره: تولى حمل الرأس بشر بن مالك الكندي ودخل به على ابن زياد وهو يقول:\nأوقر ركابي فضة وذهبا … أني قتلت الملك المحجّبا\nوخيرهم إذ يذكرون النسبا … قتلت خير الناس أمّا وأبا\nفي أرض نجد وحرا ويثربا\nفغضب ابن زياد من قوله وقال: إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ والله لا نلت مني خيرا أبدا، ولألحقنك به، ثم قدمه فضرب عنقه.\nوفي هذه الرواية اختلاف. وقد قيل: إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل.\n_________\n(^١). (١/ ٣٧٨ - وما بعدها).","vol":"2","page":280},{"text":"وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه ويتتبعه فيها. قال: قلت: يا رسول الله؛ ما هذا؟ قال دم الحسين وأصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم. قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم (^١). وهذا سند صحيح لا مطعن فيه.\nوساق القوم حرم رسول الله ﷺ كما تساق الأسرى حتى إذا بلغوا بهم الكوفة، خرج الناس فجعلوا ينظرون إليهم، وفي الأسارى علي بن الحسين وكان شديد المرض قد جمعت يداه إلى عنقه، وزينب بنت علي وبنت فاطمة الزهراء وأختها أم كلثوم، وفاطمة وسكينة بنت الحسين، وساق الظلمة والفسقة معهم رؤوس القتلى.\nروى قطر، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية قال: قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا كلهم من ولد فاطمة عليها الصلاة والسلام.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر عن الحسن البصري قال: أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلا من أهل بيته، ما على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه.\nوقيل: إنه قتل مع الحسين من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا.\nوفي صحيح البخاري في المناقب عن أنس بن مالك: أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنه شيئا، فقال أنس:\nكان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوبا بالوسمة (^٢).\nيقال: نكت في الأرض؛ إذا أثّر فيها، ونكت بالحصباء إذا ضرب بها. وكان الفاسق يؤثر في رأسه المكرم بالقضيب. وأمر عبيد الله ابن زياد من قوّر الرأس حتى ينصب في الرمح، فتحاماه أكثر الناس فقام رجل يقال له: طارق بن المبارك - بل هو ابن المشئوم الملعون المذموم - فقوّره ونصبه بباب دار عبيد الله، ونادى في الناس وجمعهم في المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحل ذكرها، ثم دعا بزياد ابن حر بن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين ورؤوس إخوته وبنيه وأهل بيته وأصحابه، ودعي بعلي بن الحسين فحمله وحمل عماته وأخواته إلى يزيد على محامل بغير وطاء، والناس يخرجون إلى لقائهم في كل بلد ومنزل حتى قدموا دمشق ودخلوا من باب توما، وأقيموا على درج باب المسجد الجامع، حيث يقام\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٤٢) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٤٨).","vol":"2","page":281},{"text":"السبي، ثم وضع الرأس المكرم بين يدي يزيد، فأمر أن يجعل في طست من ذهب، وجعل ينظر إلى ويقول هذه الأبيات:\nصبرنا وكان الصبر منا عزيمة … وأسيافنا يقطعن كفا ومعصما\nنعلق هاما من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما\nثم تكلم بكلام قبيح وأمر بالرأس أن تصلب بالشام، ولما صلبت أخفى خالد ابن عفران شخصه من أصحابه، وهو من أفاضل التابعين فطلبوه شهرا حتى وجدوه فسألوه عن عزلته، فقال ألا ترون ما نزل بنا:\nجاءوا برأسك يا ابن بنت محمد … متزمّلا بدمائه تزميلا\nوكأنما بك يا ابن بنت محمد … قتلوا جهارا عامدين رسولا\nقتلوك عطشانا ولم يترقبوا … في قتلك التنزيل والتأويلا\nويكبّرون بأن قتلت وإنما … قتلوا بك التكبير والتهليلا\nواختلف الناس في موضع الرأس المكرم؟ وأين حمل من البلاد؟\nفذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني: أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث به إلى المدينة فأقدم إليه عدة من موالي بني هاشم وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان، ثم بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم، وجهّزهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين ﵇ إلى عمرو بن سعيد العاص، وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي. ثم أمر عمرو بن سعيد بن العاص برأس الحسين ﵇ فكفن ودفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة عليها الصلاة والسلام هذا أصح ما قيل في ذلك. ولذلك قال الزبير بن بكار: إن الرس حمل إلى المدينة (^١). والزبير أعلم أهل النسب وأفضل العلماء لهذا السبب. قال: حدثني بذلك محمد بن حسن المخزومي النسّابة.\nوالإمامية تقول: إن الرأس أعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوما من المقتل، وهو يوم معروف عندهم يسمون الزيارة فيه زيارة الأربعين، وما ذكر أنه في عسقلان في مشهد هناك أو بالقاهرة فشيء باطل لا يصحّ ولا يثبت.\nوقد قتل الله قاتله صبرا ولقي حزنا طويلا وذعرا، وجعل رأسه الذي اجتمع فيه العيب والذم في الموضع الذي جعل فيه رأس الحسين، وذلك بعد قتل الحسين\n_________\n(^١) وهذا ما يقول به أكثر العلماء، وانظر على سبيل المثال: «تاريخ الطبري» (٤/ ٣٥٦) - الطبعة القديمة - و«مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٤٥٠ - ٤٩٠) و«البداية والنهاية» (٨/ ٢٢١) وغيرها.","vol":"2","page":282},{"text":"بستة أعوام، وبعث المختار به إلى المدينة فوضع بين يدي بني الحسين الكرام، وكذلك عمرو بن سعد وأصحابه اللئام ضربت أعناقهم بالسيف، وسقوا كأس الحمام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام في يوم ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١].\nوفي الترمذي: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عميرة قال: لما أتي برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه نصبت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله فمكثت هنية، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا (^١).\nقال العلماء: وذلك مكافأة لفعله برأس الحسين وهي من آيات العذاب الظاهرة عليه. ثم سلّط الله عليهم المختار فقتلهم حتى أوردهم النار، وذلك أنه الأمير مذحج بن إبراهيم بن مالك لقي عبيد الله بن زياد على خمسة فراسخ من الموصل وعبيد الله في ثلاثة وثلاثين ألفا وإبراهيم في أقل من عشرين ألفا، فتطاعنوا بالرماح وتراموا بالسهام واصطفقوا بالسيوف إلى أن اختلط الظلام، فنظر إبراهيم إلى رجل عليه بزّة حسنة ودرع سابغة وعمامة خز دكناء، وديباجة خضراء، من فوق الدرع وقد أخرج يده من الديباجة ورائحة المسك تشم عليه وفي يده صحيفة له مذهبة، فقصده الأمير إبراهيم لا لشيء إلا لتلك الصحيفة والفرس الذي تحته حتى إذا لحقه لم يلبث أن ضربه ضربة كانت فيها نفسه، فتناول الصحيفة وغار الفرس فلم يقدر عليه ولم يبصر الناس بعضهم بعضا من شدة الظلمة، فتراجع أهل العراق إلى عسكرهم والخيل لا تطأ إلا على القتلى فأصبح الناس وقد فقد من أهل العراق ثلاثة وسبعون رجلا وقتل من أهل الشام سبعون ألفا.\nفتعشوا منهم بسبعين ألفا … أو يزيدون قبل وقت العشاء\nفلما أصبح وجد الأمير الفرس رده عليه رجل كان أخذه، ولما علم أن الذي قتل هو عبيد الله بن زياد كبّر وخرّ ساجدا، وقال: الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي، فبعث به إلى المختار زيادة على سبعين ألف رأس في أولها أشد رؤوس أهل الفساد، عبيد الله المنسوب إلى زياد.\nقال المؤلف ﵀: نقلت هذا من كتاب «مرج البحرين في مزايد المشرقين والمغربين» للحافظ أبي الخطاب بن دحية ﵁.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٧٨٠)، وهو صحيح.","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>فصل</span>\nومثل صنيع عبيد الله بن زياد صنع قبله بشر بن أرطاة العامري الذي هتك الإسلام، وسفك الدم الحرام، وأذاق الناس الموت الزؤام، ولم يدع لرسول الله ﷺ الذمام، فقتل أهل بيته الكرام، وحكم في مفارقهم الحسام، وعجل لهم الحمام، ذبح ابني عبيد الله ابن عباس بن عبد المطلب وهما صغيران، بين يدي أمهما يمرحان، وهما قثم وعبد الرحمن، فوسوست أمهما وأصابها ضرب من الجان لما أشعله الثكل في قلبها من لهب النيران. روى أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» في حديث فيه طول: كان أبو ذر الغفاري صاحب رسول الله ﷺ يتعوّد من شر يوم البلاء ويوم العورة، في صلاة صلاّها أطال قيامها وركوعها وسجودها، قال: فسألناه مم تعوذت وفيم دعوت؟ فقال تعوذت من يوم البلاء ويوم العورة، فإن نساء من المسلمات ليسبين ليكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله ﷿ أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، أنبأنا أبو محمد إسماعيل بن محمد الحبطلي ببغداد في «تاريخه الكبير» حدثنا محمد بن مؤمن بن حماد، قال: حدثنا سلمان بن شيخ، قال:\nحدثنا محمد بن عبد الحكم عن عوانة، قال: أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أرطاة في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة، وعامل المدينة يومئذ لعلي ﵇ أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ، ففر أبو أيوب ولحق بعليّ ﵄. ودخل بسر المدينة فصعد منبرها فقال: أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس، يعني عثمان بن عفان، ثم قال: يا أهل المدينة والله لولا ما عهدته إلى معاوية ما تركت فيها محتلما إلا قتلته، ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة، فقال: ما لكم عندي أمان ولا مبايعة، حتى تأتوني بجابر بن عبد الله فأخبر جابر فانطلق حتى جاء الشام فأتى أم سلمة زوج النبي ﷺ، فقال لها: ماذا ترين؟ فإني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة، فقالت:\nأرى أن تبايع وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فأتى جابر بسرا فبايعه لمعاوية وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم انطلق حتى أتى مكة وبها أبو موسى الأشعري فخاف أبو موسى على نفسه أن يقتله فهرب، فقيل ذلك لبسر، فقال: ما كنت لأقتله وقد خلع عليّا، ولم يطلبه. وكتب أبو موسى إلى اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من الناس من أبي أن يقرّ بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعامل اليمن لعلي ﵁ عبيد الله بن العباس، فلما بلغه أمر بسر فرّ إلى","vol":"2","page":284},{"text":"الكوفة، واستخلف على المدينة عبيد الله بن عبد مدان الحارثي، فأتى بسر فقتله وقتل ابنه ولقي ثقل عبيد الله بن العباس، وفيه ابنان صغيران لعبيد الله بن عباس، فقتلهما ورجع إلى الشام.\nوذكر أبو عمرو الشيباني قال: لما وجه معاوية بسر بن أرطاة لقتل شيعة علي ﵁ سار إلى أن أتى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وفر أهل المدينة حتى دخلوا الحرة حرّة بني سليم، وهذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بسر على همدان فقتل وسبى نساءهم فكن أول نساء سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعد. وقد اختلفوا كما ترى في أي موضع قتل الصغيرين من أهل البيت، هل في المدينة أو في مكة أو في اليمن، لأنه دخل هذه البلاد وأكثر فيها الفساد، وأظهر لعلي ﵁ العناد، وأفرط في بغضه وزاد، وسلّط على أهل البيت الكريم الأجناد، فقتل وسبى وأباد، ولم يبق إلا أن يخدّ الأخاديد ويقد الأوتاد، وكان معاوية قد بعثه في سنة أربعين إلى اليمن، وعليها عبيد الله بن العباس أخو عبد الله بن العباس، ففر عبيد الله وأقام بسر باليمن، وباع دينه ببخس من الثمن فأخاف السبيل، ورعى المرعى الوبيل، وباع المسلمات، وهتك الحرمات، فبعث علي ﵁ في طلبه حارثة بن قدامة السعدي فهرب بسر إلى الشام، وقد ألبس بذميم أفعاله ثياب العار والذمام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام يوم ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾. ورجع الشريف أبو عبد الله محمد إلى بلاد اليمن، فلم يزل واليا عليهم حتى قتل علي ﵁.\nويقال: إن بسر بن أرطاة لم يسمع من النبي ﷺ حرفا لأن رسول الله ﷺ قبض وهو صغير فلا تصح له صحبة، قاله الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وقال آخرون: خرف في آخر عمره قال يحيى بن معين: وكان رجل سوء، قال المؤلف ﵀: كذا ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀.\nوقد ذكر أبو داود، عن جنادة، عن ابن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له منصور وقد سرق بختية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقطع الأيدي في الغزو»، ولولا ذلك لقطعته (^١).\nقال أبو محمد عبد الحق: بسر هذا يقال: ولد في زمن رسول الله ﷺ وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبيد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٤٠٨)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":285},{"text":"العباس وفقدت أمهما عقلها، وهامت على وجهها، فدعا عليه علي ﵁ أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، وكان كذلك.\nقال ابن دحية: ولما ذبح الصغيرين وفقدت أمهما عقلها كانت تقف في الموسم تشعر شعرا يبكي العيون، ويهيج بلابل الأحزان والعيون، وهو هذا.\nيا من أحس بابني اللذين هما … كالدرتين تشظّى عنهما الصدف\nيقال: تشظت العصاة إذا صارت فلقا. قاله في «المجمل» وغيره.\nيا من أحس بابني اللذين هما … سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف\nحدّثت بسرا وما صدّقت ما زعموا … من قولهم ومن الإفك الذي اقترف\nالخنى على ودجي ابنيّ مرهفة … مشحوذة وكذاك الإثم يقترف\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-461>٢٣٩ - باب ما جاء أن اللسان في الفتنة أشد من وقع السيف</span>\n(أبو داود) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتنة تستنطف العرب قتلاها في النار اللسان فيها أشد من وقع السيف» (^١). خرّجه الترمذي وقال فيه:\nحديث غريب. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا يعرف لزياد بن سمين شيء عن عبد الله بن عمر غير هذا الحديث الواحد. وروي موقوفا، وذكره أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له، اللسان فيها كوقوع السيف» (^٢). أخرجه ابن ماجه أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والفتن فإن اللسان فيها مثل وقع السيف» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-462>فصل</span>\nقلت: قوله: «تستنطف» أي: ترمي، مأخوذ من نطف الماء أي: قطر، والنطفة: الماء الصافي قل أو كثر، والجمع النطاف، أي. أن هذه الفتنة تقطر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٦٥)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٢٦٤)، وهو ضعيف كالذي قبله.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٦٨)، وهو ضعيف جدا.","vol":"2","page":286},{"text":"قتلاها في النار، أي: ترميهم فيها لاقتتالهم على الدنيا واتباع الشيطان والهوى، وقتلاها بدل من قوله: العرب، هذا المعنى الذي ظهر لي في هذا، ولم أقف فيه على شيء لغيري الله أعلم.\nوقوله: «اللسان فيها أشد من وقع السيف»، أي: بالكذب عند أئمة الجور، ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ عن ذلك من النهب والقتل والجلد والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة يتزلزل بها في النار بعد ما بين المشرق والمغرب». وفي رواية عنه قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (^١) لفظ مسلم.\nوقد روي: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا» (^٢) فقوله: من سخط الله أي مما يسخط الله وذلك بأن يكون كذبة أو بهتانا أو بخسا أو باطلا يضحك به الناس، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل للذي يتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك الناس ويل له وويل له» (^٣).\nوفي حديث ابن مسعود: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الرفاهية من سخط الله ترديه بعد ما بين السماء والأرض». قال أبو زياد الكلابي: الرفاهية: السعة في المعاش، والخصب وهذا أصل الرفاهية، فأراد عبد الله؛ أن يتكلم بالكلمة في تلك الرفاهية والأتراف في دنياه مستهينا بها لما هو فيه من النعمة، فيسخط الله ﷿ عليه. قال أبو عبيدة.\nوفي الرفاهية لغة أخرى الرفاعية؛ وليس في هذا الحديث، يقال هو في رفاهية ورفاعية من العيش.\nوقوله: «صماء بكماء عمياء» يريد: أن هذه الفتنة لا تسمع ولا تبصر فلا تقلع ولا ترتفع، لأنها لا حواس لها فترعوي إلى الحق، وأنه شبهها لاختلاطها، وقتل البريء فيها والسقيم بالأعمى الأصم الأخرس الذي لا يهتدي إلى شيء، فهو يخبط عشواء. والبكم: الخرس في أصل الخلقة، والصمم: الطرش.\n***\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٧٧) ومسلم (٢٩٨٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٥) وانظر «الصحيحة» (٢/ ٧٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٧) وأبو داود (٤٩٩٠) والترمذي (٢٣١٥)، وهو صحيح.","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type='title' id=toc-463>٢٤٠ - باب الأمر بالصبر عند الفتن وتسليم النفس للقتل عندها والسعيد من جنبها</span>\n(أبو داود) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر» قلت: لبّيك يا رسول الله وسعديك، وذكر الحديث قال: «كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت بالوصيف» يعني القبر، قلت: الله ورسوله أعلم أو قال: ما خار الله لي ورسوله - قال: «عليك بالصبر - أو قال: تصبر - ثم قال: يا أبا ذر! قلت: لبيك وسعديك؟ قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: عليك بمن أنت منه. قال: قلت: يا رسول الله؛ أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذا. قال: قلت فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قال:\nقلت فإن دخل عليّ بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك، يبوء بإثمه وإثمك» (^١).\nخرّجه ابن ماجه وقال: تصبر من غير شك، وزاد بعده قال: «كيف أنت وجوع يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك أو لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بالعفة، ثم قال: كيف أنت وقتل يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم»؟ الحديث.\nوقال: «فألق طرف ردائك على وجهك فيبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار» (^٢).\nوفي حديث عبد الله بن مسعود حين ذكر الفتنة قال: «الزم بيتك. قيل: فإن دخل عليّ بيتي؟ قال: فكن مثل الجمل الأورق الثّقال، الذي لا ينبعث إلا كرها ولا يمشي إلا كرها». ذكره أبو عبيد قال: حدثنيه أبو النضر، وعن المسعودي، عن علي بن مدرك، عن أبي الرواع، عن عبد الله (^٣). قال أبو عبيدة: سمعت بعض الرواة يقول: الرّواع والوجه الرّواع بضم الراء.\n(أبو داود) قال عن المقداد بن الأسود قال: وايم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٦١)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٨).\n(^٣) هذا إسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٢٦٣)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":288},{"text":"(الترمذي) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر» (^١). قال: حديث غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>فصل</span>\nقوله: «بالوصيف» الوصيف: الخادم؛ يريد أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت ويدفنه، إلا أن يعطى وصيفا أو قيمته. وقد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عليهم فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف.\nوقوله: «غرقت بالدم»؛ أي لزمت، والفروق اللزوم فيه، ويروى غرقت، وأحجار الزيت: موضع بالمدينة.\nروى الترمذي عن عمير مولى آبي اللحم، عن آبي اللحم، أنه رأى رسول الله ﷺ يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو (^٢).\nوذكر عمر بن أبي شبة في «كتاب المدينة» على ساكنها الصلاة والسلام قال:\nحدثنا محمد بن يحيى، عن ابن أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة أحجار مواجهة بيت ابن أم كلاب، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد، فعلا الكنيس الحجارة فاندفنت.\nقال: وحدثنا محمد بن يحيى قال: أخبرني أبو ضمرة الليثي، عن عنان، عن ابن الحارث بن عبيدة، عن هلال بن طلحة الفهري، أن حبيب بن مسلمة الفهري كتب إليه أن كعبا سألني أن أكتب له إلى رجل من قومي عالم بالأرض. قال: فلما قدم كعب المدينة جاءني بكتابه ذلك، فقال: أعالم أنت بالأرض؟ قلت: نعم، وكانت بالزوراء حجارة يضع عليها الزياتون رواياهم، فأقبلت حتى جئتها، فقلت:\nهذه أحجار الزيت، فقال كعب: لا والله ما هذه صفتها في كتاب الله، انطلق أمامي فإنك أهدى بالطريق مني، فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الأشهل فقال: يا أبا هلال! إني أجد أحجار الزيت في كتاب الله تعالى، فسأل القوم عنها وهم يومئذ متوافرون، فسألهم عن أحجار الزيت وقال: إنها ستكون بالمدينة ملحمة عندها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-465>فصل</span>\nوأما حديث ابن مسعود: «مثل الجمل الأورق» فقال الأصمعي: الأورق وهو\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢٦٠)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٥٥٧) بإسناد ضعيف.\n(^٣) هذه الخبر وما قبله في «أخبار المدينة» لابن شبة (١/ ٣٠٧).","vol":"2","page":289},{"text":"الذي في لونه بياض إلى سواد. ومنه قيل للرماد أورق، والحمامة ورقاء. ذكره الأصمعي. قال: وهو أطيب الإبل لحما وليس بمحمود عند العرب في عمله وسيره. وأما «الثقال» فهو البطيء قال أبو عبيد: إنما خص عبد الله الأورق من الإبل لما ذكر من ضعفه عن العمل، ثم اشترط الثقال أيضا فزاده إبطاء وثقلا، فقال: كن في الفتنة مثل ذلك، وهذا إذا دخل عليك وإنما أراد عبد الله بهذا التثبط عن الفتنة والحركة فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-466>فصل</span>\nوأما أمره ﷺ أبا ذر بلزوم البيت وتسليم النفس للقتل؛ فقالت طائفة ذلك عند جميع الفتن، وغير جائز لمسلم النهوض في شيء منها، قالوا: وعليه أن يستسلم للقتل إذا أريدت نفسه ولا يدفع عنها، وحملوا الأحاديث على ظاهرها، وربما احتجوا من جهة النظر بأن قالوا: إن كل فريق من المقتتلين في الفتنة فإنه يقاتل على تأويل وإن كان في الحقيقة خطأ فهو عند نفسه محق، وغير جائز لأحد قتله، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي بقضاء مما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابا، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابا ولا سنة ولا جماعة، وكذلك المقتتلون في الفتنة كل حزب منهم عند نفسه محقّ دون غيره مما يدعون من التأويل، فغير جائز لأحد قتالهم، وإن هم قصدوا لقتله فغير جائز دفعهم، وقد ذكرنا من تخلّف عن الفتنة وقعدوا منهم: عمران بن الحصين، وابن عمر، وقد روي عنهما وعن غيرهما منهم عبيدة السلماني أن من اعتزل الفريقين فدخل بيته فأتى من يريد نفسه فعليه دفعه عن نفسه، وإن أبى الدفع عن نفسه فغير مصيب، كقوله ﵊: «من أريدت نفسه وماله فقتل فهو شهيد» (^١). قالوا: فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله فقتل ظلما دفع ذلك ما وجد إليه السبيل متأولا كان المريد أو متعمدا للظلم.\nقلت: هذا هو الصحيح من القولين - إن شاء الله تعالى - وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك»، قال أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» (^٢).\nوقال ابن المنذر: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قتل دون ماله\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٤٢٠) وغيره، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٠).","vol":"2","page":290},{"text":"فهو شهيد» (^١). وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم، وهذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وقتادة، ومالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان.\nقال أبو بكر: وبهذا يقول عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلما، للأخبار التي جاءت عن رسول الله ﷺ لم يخص وقتا من وقت، ولا حالا دون حال، إلا السلطان فإن جماعة أهل العلم كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه، للأخبار الواردة الدالة عن رسول الله ﷺ بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وقد تقدم ذلك في بابه، والحمد لله.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-467>٢٤١ - باب جعل الله في أول هذه الأمة عافيتها وفي آخرها بلاءها</span>\n(مسلم) عن عبد الله بن عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه ومنا من ينتضل ومنا من هو في جشرة، إذ نادى منادى رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا كان حقّا عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيدفق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول: هذه منه. فمن أراد أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتي إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» قال ابن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: فدنوت منه، فقلت له: ناشدتك الله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله ﷿ يقول:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٧٩) وأبو داود (٤٧٧٢) والنسائي (٧/ ١١٥) والترمذي (١٤٢١) وابن ماجه (٢٥٨٠)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":291},{"text":"﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فسكت ساعة، ثم قال:\nأطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-468>فصل</span>\nقوله: ينتضل: الانتضال الرمي بالسهام، والجشر: المال من المواشي التي ترعى أمام البيوت والديار، ويقال: مال جشر يرعى في مكانه، لأنه يرجع إلى أهله، يقال: جشرنا دوابنا؛ أي: أخرجناها إلى المرعى، وأصله البعد، ومنه يقال للأعزب: جشر وجشير لبعده عن النساء، وفي الحديث: «من ترك قراءة القرآن شهرين فقد جشره» أي: بعد عنه.\nوقوله: يدفق بعضها بعضا؛ أي: يتلو بعضها بعضا وينصب بعضها على بعض، والتدفق: التصبب، وهذا المعنى مبين في نفس الحديث، لقوله: «وتجيء الفتنة ثم تنكشف وتجيء الفتنة وتزحزح» أي: تبعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: بمبعده. وصفقة اليد أصلها ضرب الكف عن الكف، زيادة في الاستيثاق مع النطق باللسان والالتزام بالقلب، وفي التنزيل:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. وقوله: فاضربوا عنق الآخر، قيل: المراد عزله وخلعه، وذلك قتله وموته، وقيل: قذع رأسه وإذهاب نفسه، يدل عليه قوله في الحديث الآخر: «فاضربوه بالسيف كائنا ما كان» وهو ظاهر الحديث، هذا إذا كان الأول عدلا، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-469>٢٤٢ - باب جواز الدعاء بالموت عند الفتن، وما جاء أن بطن الأرض خير من ظهرها</span>\n(مالك) عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول:\n«اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحبّ المساكين وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» وقد تقدم هذا في أول الكتاب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٤٤).","vol":"2","page":292},{"text":"قال ابن وهب وحدثني مالك قال: كان أبو هريرة يلقى الرجل فيقول له: مت إن استطعت، فيقول له: لم؟ قال: تموت وأنت تدري على ما تموت، خير لك من أن تموت وأنت لا تدري على ما تموت عليه. قال مالك: ولا أرى عمر دعا ما دعا به من الشهادة إلا خاف التحول من الفتن.\nقلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعا عن أبي هريرة؛ روى النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ويل للعرب من شرّ قد اقترب موتوا إن استطعتم» (^١). وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حين جعل الموت خيرا من مباشرتها.\nوروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» (^٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، في حديثه غرائب، لا يتابع عليها وهو رجل صالح.\n(البخاري) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه» (^٣) أخرجه مسلم وابن ماجه بمعناه، وزاد مثنى وليس به الدين إلا البلاء.\nوروى شعبة، عن سلمة بن كهيل؛ سمعت أبا الزعراء يحدث عن عبد الله، قال: ليأتين على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيقول: يا ليتني مكان هذا، ليس به حبّ الله ولكن من شدة ما يرى من البلاء.\nقلت: وكان هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن وشدة المحن والمشقات والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده، قد أذهبت الدين منه، ومن أكثر الناس أو قلة الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، وكذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن، حتى قال النبي ﷺ: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» وقد مضى الكلام في هذا المعنى في أول الكتاب، ونزيده وضوحا إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠) بهذا اللفظ.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٢٦٦) وضعّفه الألباني.\n(^٣) تقدم تخريجه في أول الكتاب.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-470>٢٤٣ - باب أسباب الفتن والمحن والبلاء</span>\n(أبو نعيم) عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن عمر بن الخطاب قال: أخذ رسول الله ﷺ بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه، فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أتاني جبريل آنفا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقلت:\nإنا لله وإنا إليه راجعون، فمم ذلك يا جبريل؟ فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك من دهر غير كثير، فقلت: فتنة كفر، أو فتنة ضلال؟ فقال: كلّ سيكون، فقلت: ومن أين وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: فبكتاب الله يفتنون، وذلك من قبل أمرائهم وقرّائهم؛ يمنع الأمراء الناس الحقوق فيظلمون حقوقهم ولا يعطونها، فيقتلوا ويفتتنوا، ويتّبع القراء أهواء الأمراء فيمدّونهم في الغيّ ثم لا يقصرون. قلت: كيف يسلم من يسلم منهم؟ قال بالصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوا تركوه» (^١).\n(البزار) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ولا عهد رسوله إلا سلّط عليهم عدوّهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وإذا لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (^٢).\nأخرجه ابن ماجه أيضا في سننه، وذكره أبو عمر بن عبد البر، وأبو بكر الخطيب، من حديث سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد، قال: حدثنا مالك، عن عمه أبي سهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر؛ أن رجلا قال للنبيّ ﷺ: أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا». قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا أولئك الأكياس» ثم قال: «يا معشر المهاجرين لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم» وذكر الحديث (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٥/ ١١٩) وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٨٥١)، وقال: لا يصح.\nوأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٣٠٣) - ط. المكتب الإسلامي - وقال الألباني: «إسناده ضعيف جدا».\n(^٢) أخرجه البزار (٢/ ٢٦٨) رقم (١٦٧٦) ضمن حديث طويل، وهو حديث صحيح، انظر الذي بعده.\n(^٣) تقدم تخريجه في الجزء الأول من الكتاب.","vol":"2","page":294},{"text":"وقال عطاء الخراساني: «إذا كان خمس كان خمس؛ إذا أكل الربا كان الخسف والزلزلة، وإذا جار الحكّام قحط المطر، وإذا ظهر الزنا كثر الموت، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية، وإذا تعدي على أهل الذمة كانت الدولة» ذكره أبو نعيم (^١).\n(الترمذي) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مشت أمتي المطيطا وخدمها أبناء الملوك؛ فارس والروم، سلّط شرارها على خيارها» (^٢). قال: هذا حديث غريب.\n(ابن ماجه) عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه» (^٣). أخرجه أبو داود في سننه والترمذي في جامعه.\n(مسلم) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمر الله، فقال رسول الله ﷺ: أو غير ذلك؛ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون، أو نحو ذلك - ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض» (^٤).\nوأخرج أيضا عن عمرو بن عوف، وهو حليف بني عامر بن لؤي، وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ قد صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة، بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، فلما صلّى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرّضوا له فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين»؟ قالوا: أجل يا رسول الله. قال: «فأبشروا وأمّلوا ما يسركم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم كما بسطت على من كان من قبلكم فتنافسوها كما فتنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (^٥).\nوفي رواية: «فتلهيكم كما ألهتهم» بدل فتهلككم.\n_________\n(^١) في «الحلية» (٥/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٢٦١)، وصححه الألباني.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٣٨) والترمذي (٣٠٥٧) وابن ماجه (٤٠٠٥)، وصححه الألباني.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٦٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣١٥٨، ٤٠١٥، ٤٦٢٥) ومسلم (٢٩٦١).","vol":"2","page":295},{"text":"وأخرج ابن ماجه، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أدع بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء» (^١) أخرجه البخاري ومسلم أيضا.\nوأخرج ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال» (^٢).\nوأخرج أيضا، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قام خطيبا وكان فيما قال: «إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر فكيف تعملون، ألا فاتقوا الله، واتقوا النساء» خرّجه مسلم أيضا وقال: بدل قوله: «فاتقوا الله؛ فاتقوا النار واتقوا النساء» وزاد: «فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (^٣).\n(الترمذي) عن كعب بن عياض، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لكلّ أمة فتنة وفتنة أمتي المال» (^٤). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتّبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن» (^٥). قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري.\n\n<span data-type='title' id=toc-471>فصل</span>\nحذّر الله ﷾ عبادة فتنة المال والنساء في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، فقال عزّ من قائل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وقال تعالى: ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] ثم قال ﷾: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٦، ١٧] فنبه الله على ما يعتصم به من فتنة حب المال والولد في أي ذكر الله فيها فتنة وما كان عاصما من فتنة المال والولد فهو عاصم من كل الفتن والأهواء. وقال تعالى:\n﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٥] فوصف تعالى ما للمتقين عند\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٩٦) ومسلم (٢٧٤٠) وابن ماجه (٣٩٩٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٩) وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٤٢) والترمذي (٢١٩١) وابن ماجه (٤٠٠٠).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٣٣٦)، وصححه الألباني.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٢٥٦) وغيره بإسناد ضعيف، لكن له شواهد يصح بها.","vol":"2","page":296},{"text":"ربهم، ثم وصف أحوالهم بنعتهم إلى قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] وهذا تنبيه لهم على تزهيدهم فيما زين لهم، وترغيبهم فيما هو خير منه، ومثل هذا في القرآن كثير.\nوالمطيطاء؛ بضم الميم والمد: المشي بتبختر، وهي مشية المتكبرين المفتخرين، وهو مأخوذ من مط يمط إذا مد، قال الجوهري: والمطيطاء بضم الميم ممدودا: التبختر ومد اليدين في المشي. وفي الحديث: «إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم كان بأسهم بينهم». وقوله: «ثم ينطلقون في مساكن المهاجرين»؛ قيل: في الكلام حذف؛ أي: في مساكين المهاجرين، والمعنى: أنه إذا وقع التنافس والتحاسد والتباغض حملهم ذلك على أن يأخذ القوي على ما أفاء الله المسكين الذي لا يقدر على مدافعته، فيمنعه عنه ظلما وقهرا بمقتضى التنافس والتحاسد.\nوقيل: ليس في الكلام حذف وأن المعنى المراد: أن مساكين المهاجرين وضعفاءهم سيفتح عليهم إذ ذاك من الدنيا حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض، وهذا اختيار القاضي عياض، والأول اختيار شيخنا أبي العباس القرطبي؛ قال: وهو الذي يشهد له مساق الحديث ومعناه، وذلك أنه ﵊ أخبرهم أنه يتغير بهم الحال، وأنهم يصدر عنهم أو عن بعضهم أحوال غير مرضية تخالف أحوالهم التي كانوا عليها من التنافس والتباغض، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بدّ أن يكون هذا الوصف غير مرضى كالأوصاف التي قبله، وأن تكون تلك الأوصاف المتقدمة توجبه وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره، والله أعلم (^١). ويعضده رواية السمرقندي «فيحملون بعضهم على رقاب بعض» أي: بالقهر والغلبة.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-472>٢٤٤ - باب وما جاء أن الطاعة سبب الرحمة والعافية</span>\nذكر أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا المقدام بن داود، حدثنا علي بن معبد الرقي، حدثنا وهب بن راشد، حدثنا مالك بن دينار، عن خلاص ابن عمرو، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿\n_________\n(^١) انظر «المفهم» (٧/ ١١٥).","vol":"2","page":297},{"text":"يقول: أنا الله لا إله أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع إليّ أكفكم ملوككم» (^١).\nغريب من حديث مالك مرفوعا، تفرد به علي بن معبد، عن وهب بن راشد.\n***\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٢/ ٢٨٨) بإسناد ضعيف جدا.","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-473>أبواب الملاحم</span>\n<span data-type='title' id=toc-474>٢٤٥ - باب أمارات الملاحم</span>\n(أبو داود) عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» (^١).\n(البخاري) عن عوف بن مالك قال: أتيت النبيّ ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: «اعدد ستا بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطي الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا» (^٢).\nوخرّجه أبو القاسم الطبراني في «معجمه الكبير» بمعناه وزاد بعد قوله اثنا عشر ألفا: «ففسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها دمشق» (^٣). ذكره بإسناده أبو الخطاب بن دحية في كتاب «مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين».\nوعوف بن مالك الأشجعي: شهد موت النبي ﷺ، وحضر فتح بيت المقدس مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فتحه صلحا لخمس خلون من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، ثم حضر قسمة كنوز كسرى على يد أمير المؤمنين عمر، ثم شاهد قتال الجمل وصفين، وشاهد عوف ﵁ أيضا الموتان الذي كان بالشام قبل ذلك وهو المسمى بطاعون عمواس، مات يومئذ ستة وعشرون ألفا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٩٤)، وحسّن إسناده الألباني.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٧٦).\n(^٣) انظر «المعجم الكبير» (١٨/ ٤٢).","vol":"2","page":299},{"text":"وقال المديني: خمسة وعشرون ألفا، وعمواس: بفتح العين والميم، لأنه عم وأسى، أي: جعل بعض الناس أسوة بعض، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس، مات فيه أمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح، والأمير الفقيه أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل. قال الإمام أحمد بن حنبل في «تاريخه»: كان طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. رواه عن أحمد أبو زرعة الرازي، قال: كان الطاعون سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وفي سنة سبع عشرة رجع عمر من سرغ، وموتان:\nبضم الميم هي لغة، وغيرهم يفتحونها، وهو اسم الطاعون والموت.\nوقوله: «كعقاص الغنم»: هو داء يأخذها لا يلبثها، قاله أبو عبيدة، لأن العقاص:\nالموت العجل، ويقال بالسين، وقيل: هو داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق.\nوقد انقضت هذه الخمس وعاش عوف بن مالك إلى زمن عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وقد أربى بصفين على المائة. وقال الواقدي: مات عوف بن مالك بالشام سنة ثلاث وتسعين، فإن صحّ ما قال؛ فقد مات في أيام الوليد بن عبد الملك ابن مروان إن لم يكن تصحيفا منه، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-475>٢٤٦ - باب ما ذكر في ملاحهم الروم وتواترها وتداعي الأمم على أهل الإسلام</span>\n(ابن ماجه) عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة فيغدرون بكم فيسيرون إليكم في ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا» (^١).\nوعن ذي مخمر - وكان رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ستصالحكم الروم صلحا آمنا ثم تغزون أنتم وهم عدوّا فتنصرون وتغنمون وتقتسمون وتسلمون، ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع رجل من أهل الصليب صليبه فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك تغدر الروم ويجمعون الملحمة فيأتون تحت ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٩٥)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٩١) وأبو داود (٤٢٩٣)، صححه الألباني.","vol":"2","page":300},{"text":"وأخرجه أبو داود وزاد: «ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة» وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وإسناده صحيح ثابت. وذو مخمر بالميم لا غير، وهو ابن أخي النجاشي، قاله الأوزاعي. وقد عدّه أبو عمر في موالي رسول الله ﷺ، قاله ابن دحية.\nوخرجا جميعا عن ابن ماجه وأبو داود عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: «الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر» (^١). وخرّجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nوعن عبد الله بن بسر قال: قال رسول الله ﷺ: «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة» (^٢). خرّجه ابن ماجه وأبو داود، وقال أبو داود: هذا صحيح من حديث عيسى.\nقلت: يريد حديث معاذ المذكور قبله.\n(مسلم) عن بشير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجّيرا إلا: يا عبد الله بن مسعود؛ جاءت الساعة! قال: فقعد وكان متكئا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا، ونحاها نحو الشام، فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، وتجمع لهم أهل الإسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم؛ ويكون عند ذلك القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا فيبقى هؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب فتفنى الشرطة، وإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام فيجعل الله الدائرة عليهم فيقتتلون مقتلة، إما قال: لم ير مثلها.\nوإما قال: لا يرى مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجثمانهم فما يخلّفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح وبأي ميراث يقسم، فبينما هم كذلك إذا سمعوا بناس هم أكثر من ذلك، فجاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج في ذراريهم فيرفضون ما بأيديهم، ويقبلون فيبعثون عشر فوارس طليعة قال: قال رسول الله ﷺ: «إني\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٩٥) والترمذي (٢٢٣٨) وابن ماجه (٤٠٩٢)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) وابن ماجه (٤٠٩٣)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":301},{"text":"لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض أو من خير فوارس يومئذ» (^١).\n(أبو داود) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل من القوم: من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله؛ وما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-476>فصل</span>\nقوله: «بني الأصفر» يعني: الروم، وفي تسميتهم بذلك قولان؛ أحدهما: أن جيشا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدهر، فوطئوا نساءهم فولدن أولادا صفرا، قاله ابن الأنباري.\nالثاني: أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ قاله ابن إسحاق، وهذا أشبه من القول الأول.\nوالهدنة: الصلح، والغاية: الراية كما جاء مفسرا في الحديث بعده، سميت بذلك لأنها تشبه السحابة لمسيرها في الجو، والغاية والصابة: السحابة، وقد رواها بعض رواة البخاري «تحت ثمانين غابة» بباء مفردة النقطة، وهي: الأجمة، شبّه اجتماع رماحهم وكثرتهم بالأجمة التي هي الغابة، والصحيح الأول؛ لأنها تظل الأجناد لكثرة راياتهم واتصال ألويتهم، وعلاماتهم كالسحاب الذي يظل الإنسان.\nوقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن تحت كل غاية اثني عشر ألفا» فجملة العدو تسعمائة ألف وستون ألفا، ذكره الحافظ أبو الخطاب بن دحية.\nوقد روي مرفوعا في حديث فيه طول عن حذيفة؛ أن الله تعالى يرسل ملك الروم وهو الخامس من الهرقل يقال له: ضمارة، وهو صاحب الملاحم، فيرغب إلى المهدي في الصلح، وذلك لظهور المسلمين على المشركين، فيصالحه إلى سبعة أعوام، فيضع عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون، فلا تبقى لرومي حرمة ويكسرون لهم الصليب، ثم يرجع المسلمون إلى دمشق فبينما الناس كذلك إذا برجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيود والأغلال فتغير نفسه فيرفع الصليب ويرفع صوته، فيقول: ألا من كان يعبد الصليب فلينصره، فيقوم رجل من المسلمين فيكسر الصليب ويقول: الله، أغلب وأنصر، فحينئذ يغدرون\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٨) وأبو داود (٤٢٩٧)، وهو في «الصحيحة» برقم (٩٥٨).","vol":"2","page":302},{"text":"وهم أولى بالغدر، فيجمعون عند ذلك ملوك الروم في بلادهم خفية فيأتون إلى بلاد المسلمين حيث لا يشعر بهم المسلمون والمسلمون قد أخذوا منهم الأمن، وهم على غفلة أنهم مقيمون على الصلح فيأتون أنطاكية في اثني عشر ألف راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا فلا يبقى بالجزيرة ولا بالشام ولا بأنطاكية نصراني إلا ويرفع الصليب، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز واليمن والكوفة والبصرة والعراق يعرفهم بخروج الروم وجمعهم ويقول لهم: أعينوني على جهاد عدوّ الله وعدوّكم، فيبعث إليه أهل المشرق أنه قد جاءنا عود من خراسان على ساحل الفرات، وحلّ بنا ما شغلنا عنك فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة ويخرج إليهم المهدي ويخرج معهم المسلمون إلى لقائهم، فيلتقي بهم المهدي ومن معه من المسلمين، فيأتون إلى دمشق فيدخلون فيها، فتأتي الروم إلى دمشق فيكونون عليها أربعين يوما، فيفسدون البلاد ويقتلون العباد ويهدمون الديار ويقطعون الأشجار، ثم إن الله تعالى ينزل صبره ونصره على المؤمنين فيخرجون إليهم، فتشتد الحرب بينهم ويستشهد من المسلمين خلق كثير، فيا لها من وقعة ومقتلة ما أعظمها وما أعظم هولها، ويرتدّ من العرب يومئذ أربع قبائل سليم ونهد وغسان وطيئ، فيلحقون بالروم ويتنصرون مما يعانون من الهول العظيم والأمر الجسيم، ثم إن الله تعالى ينزل النصر والصبر والظفر على المسلمين فيقتل من الروم مقتلة عظيمة، حتى يخوض الخيل في دمائهم، وتشتعل الحرب بينهم حتى إن الحديد يقطع بعضه بعضا، وإن الرجل من المسلمين ليطعن العلج بالسفود، فينفذه وعليه الدرج من الحديد فيقتل المسلمون من المشركين خلقا كثيرا، حتى تخوض الخيل في الدماء وينصر الله تعالى المسلمين ويغضب على الكافرين، وذلك رحمة من الله تعالى لهم، فعصابة من المسلمين يومئذ خير خلق الله والمخلصين من عباد الله ليس فيهم مارد ولا مارق ولا شارد ولا مرتاب ولا منافق، ثم إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم ويكبّرون على المدائن والحصون، فتقع أسوارها بقدرة الله، فيدخلون المدائن والحصون، ويغنمون الأموال ويسبون النساء والأطفال، ويكون أيام المهدي أربعين سنة. عشر سنين في المغرب، واثنتا عشرة سنة بالكوفة، واثنتا عشرة بالمدينة وستة بمكة، وتكون منيته فجأة بينما الناس كذلك إذ تكلم الناس بخروج الدجال اللعين. وسيأتي من أخبار المهدي ما فيه كفاية، إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ليس له الهجّير. الهجّير: الدأب والعادة، يقال: ما زال ذلك هجّيراه وإهجيراه وإجيراه أي: دأبه وعادته. وهاجت: أي تحركت. ريح حمراء: أي شديدة احمرت لها الشجر، وانكشفت الأرض فظهرت حمرتها، ولما رأى ذلك الرجل جاء مجيء الخائف من قرب الساعة، والشرطة هنا: بضم الشين أول طائفة","vol":"2","page":303},{"text":"من الجيش تقاتل، سمّوا بذلك لعلامة تميزوا بها. والأشراط: العلامات، وتفني الشرطة؛ أي: تقتل. وتفيء: ترجع، ومنه ﴿حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] ونهد: تقدم ومنه سمى النهد نهدا لتقدمه الصدر، والدائرة ويروى: والدائرة، والمعنى متقارب، قال الأزهري: الدائرة: الدولة تدور على الأعداء، والدائرة:\nالنصر والظفر، يقال: لمن الدائرة؟ أي: لمن الدولة؟ وعلى من الدائرة؟ أي:\nالهزيمة. قاله أبو عبيد الهروي (^١).\nوالجنبات بجمع جنبة، وهي: الجانب. ويروى: بجثمانهم، أي: بأشخاصهم.\nوقوله: «إذ سمعوا بناس» بنون وسين؛ هم أكثر: بالثاء المثلثة، ويروى ببأس بباء واحدة، أكبر بباء واحدة أيضا، وهو الأمر الشديد وهو الصواب، لرواية أبي داود «إذ سمعوا بأمر هو أكبر من ذلك». والصريخ: الصارخ أي: المصوّت عند الأمر الهائل.\nويرفضون: أي: يرمون ويتركون. والطليعة: الذي يتطلع الأمر ويستكشفه، و«تداعي الأمم» اجتماعها، ودعا بعضها بعضا حتى تصير العرب بين الأمم كالقصعة والأكلة، وغثاء السيل: ما يقذف به على جانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش، وكذلك الغثّاء بالتشديد والجمع الأغثاء، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-477>٢٤٧ - باب منه وبيان قوله تعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾</span>\nعن حذيفة قال: فتح لرسول الله ﷺ فتح، فأتيته فقلت: الحمد لله يا رسول الله، ألقى الإسلام بجرانه ووضعت الحرب أوزارها. فقال رسول الله ﷺ: «إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالا ستّا، أفلا تسألني عنها يا حذيفة؟ قلت:\nبلى يا رسول الله، فما أولها؟ قال: موتي، وفتح بين المقدس، ثم فئتان دعواهما واحدة يقتل بعضهم بعضا، ثم يفيض المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيسخطها، وموت كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات أشهر، وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب قومه فيه فيملكونه، ويقولون: نرجو أن يرد بك علينا ملكنا، فيجمع جمعا عظيما ثم يسير حتى يكون بين العريش وأنطاكية، فأميركم يومئذ نعم الأمير، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ فيقولون: نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم،\n_________\n(^١) في «الغريبين» (٢/ ٦٥٦).","vol":"2","page":304},{"text":"فيقول: لا أرى ذلك، ولكن نخلي لهم أرضهم ونسير بذرارينا وعيالنا حتى نحرزهم ثم نغزوهم، وقد أحرزنا ذرارينا وعيالاتنا، فيسيرون حتى يأتوا مدينتي هذه، ويستمد أهل الشام فيمدونه، فيقول: لا ينتدب معي إلا من باع نفسه لله حتى يلقاهم، فيلقاهم، ثم يكسر غمده، ثم يقاتل حتى يحكم الله بينهم فينتدبون سبعون ألفا أو يزيدون على ذلك، فيقول: حسبي سبعون ألفا لا تحملهم الأرض، وفي القوم عين العدو، فيخبرهم بالذي كان، فيسير إليهم حتى إذا التقوا سألوه أن يخلي بينهم وبين من كان بينهم نسب، فيأبى ويدعو أصحابه، فيقول: أتدرون ما يسأل هؤلاء؟ فيقولون: ما أحد أولى بنصر الله وقتاله منا، فيقول: امضوا واكسروا أغمادكم، فيسل الله سيفه عليهم، فيقتل منهم الثلثان، ويفرّ في السفن منهم الثلث حتى إذا تراءت لهم جبالهم فبعث الله عليهم ريحا فردتهم إلى مراسيهم إلى الشام، فأخذوا وذبحوا عند أرجل سفنهم عند الشاطئ، فيومئذ تضع الحرب أوزارها» (^١). رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن ربيعة بن سفيان بن ماتع المغافري، عن مكحول، عن حذيفة، عن رسول الله ﷺ. كذا ذكره الفقيه ابن برجان في كتاب «الإرشاد» له، ومنه نقلته، وفي إسناده مقال، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-478>٢٤٨ - باب ما جاء في قتال الترك وصفتهم</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا حوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المجانّ المطرقة، نعالهم الشعر» (^٢).\nوخرّج مسلم عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه صغار الأعين ذلف الأنوف. وفي رواية: يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» (^٣). أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وغيرهم.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف كما ذكر المصنف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٨٧) ومسلم (٢٩١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٢٨) ومسلم (٢٩١٢) وأبو داود (٤٣٠٤) والنسائي (٦/ ٤٥) والترمذي (٢٢١٥) وابن ماجه (٤٠٩٧).","vol":"2","page":305},{"text":"وخرّجه ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد وكأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعور ويتخذون الدرق، يربطون خيولهم بالنخل» (^١).\n(أبو داود) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، في حديث:\n«يقاتلونكم قوم صغار الأعين - يعني الترك - قال: تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو منهم من هرب، وأما في الثانية فينجو بعضهم ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-479>فصل</span>\nقوله: «المجانّ المطرقة» المجانّ: جمع مجنّ، وهو الترس. والمطرقة: هي التي قد عولجت بطراق وهو الجلد الذي يغشاه، شبّه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترس والمطرقة، قال معناه الخطابي وغيره، وقيده القاضي عياض ﵀ في كتاب «مشارق الأنوار» له فقال: الصواب فيه المطرقة بفتح الطاء وتشديد الراء.\nقاله الحافظ أبو الخطاب بن دحية: قال لي شيخنا المحدث الكبير اللغوي النحوي أبو إسحاق الحمزي: بل الصواب فيه المطرقة بسكون الطاء وفتح الراء، أي: التي أطرقت بالعقب أي: ألبست حتى غلظت وكأنها ترس على ترس، ومنه طارقت النعل إذا ركبت جلدا على جلد وخرزته عليه.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: هذا معنى ما نقلناه عن الخطابي. وقال أهل اللغة: وفي الصحاح: والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة المخصوفة، ويقال: أطرقت الجلد والعصب، أي: ألبسته وترس مطرق.\nوقولهم: نعالهم الشعر، أي: يصنعون من الشعر حبالا، ويصنعون منها نعالا كما يصنعون منه ثيابا، ويشهد بهذا قوله: «يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا أسدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال والأول أظهر.\nقال ابن دحية: إنما كان نعالهم من ضفائر الشعر أو من جلود مشعرة، لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في بلد كبلادهم، ويكون من جلد الذئب وغيره. وقوله: يلبسون الشعر؛ فهو إشارة إلى الشرابيش التي يدار عليها\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٩٩)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٣٠٥)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":306},{"text":"بالقندس، والقندس: كلب الماء، وهو من ذوات الشعر كالمعز، وذوات الصوف كالضأن، وذوات الوبر كالإبل.\nوقوله: ذلف الأنف، أي: غلاظها، يقال: أنف أذلف؛ إذا كان فيه غلظ وانبطاح، والذلف في اللغة: تأخر الأرنبة، وقيل: تطامن فيها، وقيل: فطس الأنوف، كما في حديث البخاري عن أبي هريرة، فالحديث كالقرآن يفسّر بعضه بعضا، ويروى دلف الأنوف بالدال المهملة والمعجمة أكثر.\nقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵁: وخوزا: قيدناه في صحيح البخاري ومسلم بالزاي، وقيده الجرجاني فيه خور كورمان، بالراء المهملة مضافا إلى كرمان، وكذا صوّبه الدارقطني بالراء المهملة مع الإضافة، وحكاه عن الإمام أحمد بن حنبل، وقال: إن غيره صحّف فيه، وقال غير الدارقطني: إذا أضيف فبالراء المهملة لا غير، وإذا عطفته فبالزاي لا غير، ويقال: إنهما جنسان.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-480>٢٤٩ - باب في سياقة الترك للمسلمين وسياقة المسلمين لهم</span>\nروى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ، فسمعت النبي ﷺ يقول: «إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه، صغار الأعين، كأن وجوههم الجحف - ثلاث مرات - حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما السياقة الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما السياقة الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم» قالوا: يا نبي الله؛ من هم؟ قال: «هم الترك، قال:\nأما والذي نفسي بيده ليربطون خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين» قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة، ومتاع السفر والأسقية، يعد ذلك للهرب مما سمع من رسول الله ﷺ من البلاء من الترك (^١).\nقال الإمام أبو الخطاب عمر بن دحية: وهذا سند صحيح، أسنده إمام السنة، والصابر على المحنة؛ أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، عن الإمام\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٨) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":307},{"text":"العدل المجمع على ثقته أبي نعيم الفضل بن دكين وبشير بن المهاجر ثقة؛ رأى أنس بن مالك، روى عنه جماعة من الأئمة فوثّقوه.\nقال المؤلف ﵀: وخرّج أبو داود قال: حدثنا جعفر بن مسافر قال:\nحدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا بشير بن مهاجر، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ في حديث: «يقاتلونكم صغار الأعين يعني الترك». قال:\n«تسوقونهم ثلاث مرات؛ حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو منهم من هرب، وأما الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-481>فصل</span>\nالاصطلام: الاستئصال وأصله من الصلم، وهو القطع، اصطلمت أذنه إذا استوفيت بالقطع.\nوأنشد الفراء:\nثمت اصطلمت إلى الصماخ فلا قرن ولا أذن\nوالحديث الأول يدل على خروجهم وقتالهم المسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر ﷺ فخرج منهم في هذا الوقت أنهم لا يحميهم إلا الله ولا يردهم عن المسلمين إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم.\nقال الحافظ السيد ابن دحية ﵁: يخرج في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة جيش من الترك يقال له الططر، عظم في قتله الخطب والخطر، وقضى له من قتل النفوس المؤمنة الوطر، ولم تهتد إلى دفعه بالحيل الفطر، يقتلون من وراء النهر وما دونه من جميع البلاد بلاد خراسان، ومحو رسوم ملك بني ساسان، وهذا الجيش ممن يكفر بالرحمن، ويرى أن الخالق المصور هما النيران، وملكهم يعرف بخان خاقان، وخربوا بيوت مدينة نشاور وأطلقوا فيها النيران، وخار عنهم من أهل خوارزم كل إنسان، ولم يبق منهم إلا من اختبأ في المغارات والكهفان، حتى وصلوا إليها وقتلوا وسبوا وخربوا البنيان، وأطلقوا الماء في المدينة من نهر جيحان، فغرق فيها مباني الذرا والأركان، ثم صيروا المشهد الرضوي بطوس أرضا بعد أن كان، وقطعوا ما أمر الله ﷿ به أن يوصل من الدين بأخسر الأديان، إلى أن وصلوا بلاد قهستان، فخربوا مدينة الري وقزوين وأبهر وزنجان، ومدينة أردبيل ومدينة مراغة كرسي بلاد أذربيجان، واستأصلوا شأفة\n_________\n(^١) تقدم قبل قليل.","vol":"2","page":308},{"text":"من في هذه البلاد من العلماء والأعيان، واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان، ودور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان، وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم الله بهذا الشأن، وكفّ كفّ الكفر عنهم بأيمان الإيمان، وأنزل عليهم مواد التأييد والإحسان، فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلد الفرسان، واجتمع فيها مائة ألف ألف إنسان، وخرجوا إليهم كأسد ولكن غاباتها عوامل الخرصان، وقد لبسوا البياض كثغور الأقحوان، وعليهم دروع فضفاضة في صفاء الغدران، وهيئت للمجاهدين درجات الجنان، وأعدت للكافرين دركات النيران، وبرز إلى الططر القتل في مضاجعهم وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم فمرقوا عن أصبهان، مروق السهم من الرمي.\nوأنشدوا:\nإلى الوادي فطمّ على القرى ففرّوا … منهم فرار الشيطان يوم بدر له حصاص\nورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم من الهلاك محاص، وواصلوا السير بالسرى وهدوا من همدان الوهاد والذرى، بعد أن قامت الحرب على ساق والأرواح في مساق من ذبح مثله وضرب الأعناق، وصعدوا جبل أروند فقتلوا من فيه من جموع صلحاء المسلمين، وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين، وانتهكوا منهم ومن نسائهم حرمات الدين، وكانت استطالتهم على مقدار ثلثي بلاد المشرق الأعلى، وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى، وقتلوا في العراق الثاني عدة تقرب أن يستقصي، وربطوا خيولهم في سواري المساجد والجوامع، كما جاء في الحديث المنذر لخروجهم الشارع، الجامع وأوغلوا في بلاد المشرق أي إيغال، وقادوا الجيوش إليها مقادة أبي رغال، في كلام له إلى أن قال: وقطعوا السبل، وأخافوها وجاسوا خلال الديار، وطافوها وملئوا قلوب المؤمنين رعبا، وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحبا، وحكموا سيوفهم في رقاب أهلها وأطلقوا يد التخريب في وعرها وسهلها، ولا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث، وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الآخرة منها.\nقال المؤلف ﵀: فقد كملت بحمد الله خرجاتهم ولم يبق إلا قتلهم وقتالهم، فخرجوا على العراق الأول، والثاني كما ذكرناه، وخرجوا في هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد، وقتلوا جميع من كان فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، وحصروا ميّافارقين، واستباحوا جميع من فيها من الملوك والمسلمين، وعبروا الفرات إلى أن وصلوا إلى مدينة حلب، فخربوها","vol":"2","page":309},{"text":"وقتلوا من فيها إلى أن تركوها خالية يبابا، ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام، وفلقوا بسيوفهم الرؤوس وإلهام، ودخل رعبهم الديار المصرية، ولم يبق إلا اللحوق بالدار الأخروية، فخرج إليهم من مصر الملك المظفر الملقب بقطز ﵁ بجميع من معه من المعسكر، وقد بلغت الحناجر القلوب، والأنفس بعزيمة صادقة ونية خالصة إلى أن التقى بعين جالوت، فكان له عليهم من النصر والظفر، كما كان لطالوت، فقتل منهم جمع كثير وعدد غزير، وانجلوا عن الشام من ساعتهم، ورجع جميعه كما كان إلى الإسلام، وعبروا الفرات منهزمين ورأوا ما لم يشاهدوه منذ زمان ولا حين، وراحوا خائبين خاسرين، مدحورين أذلاء صاغرين.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-482>٢٥٠ - باب منه وما جاء في ذكر البصرة والأيلة وبغداد والإسكندرية</span>\n(أبو داود الطيالسي) قال: حدثنا الحشرج بن نباتة الكوفي، حدثنا سعيد ابن جهمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«لتنزلن طائفة من أمتي أرضا يقال لها البصرة، ويكثر بها عددهم ونحلهم، ثم يجيء قوم من بني قنطوراء، عراض الوجوه صغار الأعين، حتى ينزلوا على جسر لهم، يقال له:\nدجلة، فيتفرق المسلمون ثلاث فرق، أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق البادية فهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت، وهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون فقتلاهم شهداء، ويفتح الله على بقيتهم» (^١).\nخرّجه أبو داود السختياني في سننه بمعناه، فقال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارض، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني سعيد بن جهمان حدثنا مسلم بن أبي بكرة، قال: سمعت أبي يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلها، وتكون من أمصار المهاجرين». قال ابن يحيى - وهو محمد -: قال معمر:\n«ويكون من أمصار المسلمين، فإذا كان آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٨٧٠) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":310},{"text":"الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق؛ فرقة تأخذ أذناب البقر والبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذريتهم خلف ظهورهم ويقاتلون وهم الشهداء» (^١).\nقال أبو داود: وحدثنا محمد بن مثنى، قال: حدثني إبراهيم بن صالح بن درهم، قال: سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين، فإذا رجل؛ فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها الأبلة؟ قلنا: نعم. قال: من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعا، ويقول هذه لأبي هريرة؟ سمعت خليلي ﷺ يقول: «إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم» (^٢).\nذكر الخطيب أبو بكر بن أحمد بن ثابت في «تاريخ بغداد»: أنبأنا أبو القاسم الأزهري، حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن المنادي، قال: ذكر في إسناد شديد الضعف، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي قيس، عن علي ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تبنى مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها شر ملك بني العباس، وهي الزوراء، يكون فيها حرب مقطّعة تسبى فيها النساء، ويذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم». قال أبو قيس: فقيل لعلي ﵁: يا أمير المؤمنين؛ وقد سمّاها رسول الله ﷺ الزوراء، فقال: لأن الحرب تزورّ في جوانبها حتى تطبقها (^٣).\nوقال أرطاة بن المنذر: قال رجل لابن عباس - وعنده حذيفة بن اليمان -:\nأخبرني عن تفسير قوله تعالى: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] فأعرض عنه، حتى حتى أعاد ثلاثا، فقال حذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم تركها، نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله، أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة، فتحترق كلها كأنها لم تكن في مكانها، فتصبح صاحبتها متعجّبة كيف قلبت! فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك (حم عسق) أي: عزيمة من عزمات الله وفتنة وقضاء (حم) أي حم ما هو كائن (ع) عدلا منه (س) سيكون (ق) واقع في هاتين المدينتين (^٤).\nونظير هذا التفسير؛ ما روى جرير بن عبد البجلي، قال: سمعت رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣٠٦)، وحسّنه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٣٠٨)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١/ ٢٨) بإسناد ضعيف جدا.\n(^٤) خبر منكر؛ لا يصح، انظر «تنزيه الشريعة» (٢/ ٥٢).","vol":"2","page":311},{"text":"ﷺ يقول: «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والفرات، يجتمع فيها جبابرة الأرض تجيء إليها الخزائن يخسف بها، وفي رواية: يخسف بأهلها فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة».\nوقرأ ابن عباس (حم سق) بغير عين، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود حكاه الطبري.\nوقال العباس: وكان علي يعرف الفتن بها. وذكر القشيري والثعلبي في تفسيرهما أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: يا رسول الله؛ ما أحزنك؟ قال: «أخبرت ببلايا تصيب أمتي من خسف وقذف ونار تحشرهم، وريح تقذفهم في البحر، وآيات متتابعات بنزول عيسى وخروج الدجال». لفظ الثعلبي.\nوقد روي حديث الزوراء محمد بن زكريا الغلابي وأسند عن علي ﵇، عن رسول الله ﷺ، وقال: «أما أن هلاكها على يد السفياني، كأني بها والله قد صارت خاوية على عروشها» ومحمد بن زكريا؛ قال الدارقطني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ.\nوذكر ابن وهب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قيل له بالإسكندرية:\nإن الناس قد فزعوا، فأمر بسلاحه وفرسه، فجاءه رجل، فقال: من أين هذا الفزع؟ قال: سفن تراءت من ناحية قبرص. قال: انزعوا عن فرسي، قال: قلنا: أصلحك الله إن الناس قد ركبوا، فقال: ليس هذا بملحمة الإسكندرية، إنما يأتون من ناحية المغرب من نحو أنطابلس، فيأتي مائة ثم مائة، حتى عدّد تسع مائة.\nوخرّج الوائلي أبو نصر في كتاب «الإبانة» من حديث رشدين بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن كعب، قال: إني لأجد في كتاب الله المنزّل على موسى بن عمران أن للإسكندرية شهداء يستشهدون في بطحائها خير من مضى وخير من بقي، وهم الذين يباهي الله ﷿ بهم شهداء بدر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-483>فصل</span>\nقوله: المجانّ؛ بفتح الجيم: جمع مجن بكسر الميم وهو الترس، والمطرقة: هي التي قد عدلت بطراق، وهو الجلد الذي يغشاه، شبّه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترسة والمطرقة. وفي الصحاح: والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض، كالنعل المطرقة المخصوفة، ويقال: أطرقت بالجلد والعصب أي: لبّست. وترس: مطرق، وقوله: نعالهم الشعر؛ أي: يصنعون من\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.","vol":"2","page":312},{"text":"الشعر حبالا، ويصنعون منها نعالا كما يصنعون منه ثيابهم، ويشهد لهذا قوله:\n«يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد ذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا أسدلوها كاللباس وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال، والأول أظهر والله أعلم.\nوقوله: «ذلف الأنف» أي: غلاظها، يقال: أنف أذلف إذا كان فيه غلظ وانبطاح وأنوف ذلف، والاصطلام: الاستئصال، وأصله من الصلم وهو القطع.\nقوله: بغائط؛ الغائط: المطمئن من الأرض، والبصرة: الحجارة الرخوة، وبها سميت البصرة. وبنو قنطوراء: هم الترك؛ يقال: إن قنطوراء جارية كانت لإبراهيم ﵇، ولدت له أولادا من نسلهم الترك، وقيل: هم من ولد يافث، وهم أجناس كثيرة؛ فمنهم أصحاب مدن وحصون، ومنهم قوم في رؤوس الجبال والبراري والشعاب، ليس لهم عمل غير الصيد، ومن لم يصد منهم ودج دابته فشوى الدم في مصران فأكله، وهم يأكلون الرخم والغربان وغيرهما، وليس لهم دين، ومنهم من كان على دين المجوسية ومنهم من تهوّد، وملكهم الذي يقال له: خاقان؛ يلبس الحرير وتاج الذهب ويحتجب كثيرا، وفيهم بأس شديد، وفيهم سحر وأكثرهم مجوس.\nوقال وهب بن منبه: الترك بنو عم يأجوج ومأجوج، يعني أنهم كلهم من ولد يافث.\nوقيل: إن أصل الترك أو بعضهم من اليمن من حمير، وقيل فيهم: إنهم من بقايا قوم تبّع، والله أعلم. ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الإبانة».\n\n<span data-type='title' id=toc-484>باب</span>\nذكر أبو نعيم الحافظ، عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم أسدا لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيأكم» (^١). غريب من حديث يونس، تفرد به عنه حماد.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-485>٢٥١ - باب ما جاء في فضل الشام وأنه معقل من الملاحم</span>\n(البزار) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم إذ رأيت عمود\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٣/ ٢٤، ٢٥) وأحمد (٥/ ١١) وغيرهما، بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":313},{"text":"الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام» (^١).\nخرّجه أبو بكر أحمد بن سلمان النجار، وقال: عمود الإسلام. قال أبو محمد عبد الحق: هذا حديث صحيح، ولعل هذه الفتن هي التي تكون عند خروج الدجال، والله ورسوله أعلم.\nقلت: وخرّجه الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحكم ابن عبد الله بن خطاف الأزدي، وهو متروك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: وهبّ رسول الله ﷺ من نومه مذعورا وهو يرجّع، فقلت: مالك بأبي أنت وأمي؟ قال: «سلّ عمود الإسلام من تحت رأسي، ثم رميت بصري فإذا هو قد غرز في وسط الشام، فقيل. لي: يا محمد؛ إن الله اختار لك الشام وجعلها لك عزّا ومحشرا ومنعة، وذكر أن من أراد الله به خيرا أسكنه الشام، وأعطاه نصيبه منها، ومن أراد الله به شرّا أخرج سهما من كنانته فهي معلقة وسط الشام فرماه به فلم يسلم دنيا ولا أخرى».\nوروي عن عبد الملك بن حبيب أنه قال: حدثني من أثق به؛ أن الله ﷿ قال للشام: أنت صفوتي من أرضي وبلادي، ليسكنك خيرتي من خلقي وإليك المحشر، من خرج منك رغبة عنك فبسخط مني عليه، ومن دخلك رغبة فيك فبرضى مني دخلك (^٢).\n(أبو داود) عن أبي الدرداء؛ أن رسول الله ﷺ قال: «فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام» (^٣).\nوذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي الزاهرية قال: قال رسول الله ﷺ:\n«معقل المسلمين من الملاحم دمشق ومعقلهم من الدجال بيت المقدس ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور» (^٤).\nقلت: هذا صحيح ثبت معناه مرفوعا في غير ما حديث، وسيأتي.\n***\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١١٦/ ٣٣٣٢/٤) - كشف - وأخرجه أحمد (٥/ ١٩٩) بإسناد صحيح؛ انظر «المجمع» (٧/ ٢٨٩).\n(^٢) لا يصح.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٢٩٨)، وقد تقدم.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٩١) هكذا مرسلا.","vol":"2","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>٢٥٢ - باب ما جاء أن الملاحم إذا وقعت بعث الله جيشا يؤيد به الدين</span>\n(ابن ماجه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وقعت الملاحم بعث الله جيشا من الموالي هم أكرم العرب فرسانا وأجوده سلاحا يؤيد الله بهم الدين» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-487>٢٥٣ - باب ما جاء في المدينة ومكة وخرابهما</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تبلغ المساكن إهاب أو يهاب» قال زهير: قلت لسهيل: فكم ذاك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلا (^٢).\n(أبو داود) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح». قال الزهري: وسلاح قريب من خيبر (^٣).\nقلت: المسالح: المطالع، ويقال القوم مستعد بهم في المراصد ويرتبون لذلك، وسموا بذلك لحملهم السلاح. وقال الجوهري: والمسلحة كالثغر والمرقب، وفي الحديث: «كان أدنى مسالح فارس إلى العرب العذيب»: قال بشر:\nبكل قياد مسنفة عنود … أضرّ بها المسالح والغوار\nالقياد: حبل تقاد به الدابة. والمسنف: المتقدم، يقال: أسنف الفرس، أي:\nتقدم الخيل، فإذا سمعت في الشعر مسنفة بكسر النون، فهي من هذا، وهي الفرس التي تتقدم الخيل في سيرها، والعنود؛ من عند عن الطريق، يعند بالضم عنودا أي: عدل فهو عنود، والعنود أيضا من النوق التي ترعى ناحية، والجمع عنّد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] أي: مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه، يقال: عند الرجل إذا عتا وجاوز قدره.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٩٠)، وحسّنه الألباني.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٠٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٢٥٠)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":315},{"text":"(مسلم) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي - يريد عوافي السباع والطير - ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشا، حتى إذا بلغا ثانية الوداع خرّا على وجهيهما» (^١).\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ للمدينة: «ليتركنّها أهلها على خير ما كانت مذلّلة للعوافي» (^٢). يعني: السباع والطير.\nوعن حذيفة قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى يوم القيامة، فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.\nوذكر أبو زيد عمر بن شبة في «كتاب المدينة» على ساكنها الصلاة والسلام، عن أبي هريرة قال: ليخرجن أهل المدينة خير ما كانت نصفها زهو، ونصفها رطب. قيل: ومن يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال: أمراء السوء.\nقال أبو زيد: وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إليها فيعمرونها حتى تمتلئ، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا» (^٣).\nوخرّج عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «ليخرجن أهل المدينة ثم ليعودون إليها ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها أبدا، وليدعنها وهي خير ما تكون مونعة. قيل: فمن يأكلها؟ قال: الطير والسباع».\nوخرّج عن أبي هريرة ﵁، قال: والذي نفسي بيده لتكونن بالمدينة ملحمة يقال لها: الحالقة، لا أقول: «حالقة الشعر؛ ولكن حالقة الدين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بريد».\nوعن الشيباني قال: لتخربن المدينة والبنود قائمة، البنود: جمع بند، وهو العلم الكبير قاله في «النهاية» (^٤).\nقال مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «يخرّب الكعبة ذو السويقتين رجل من الحبشة» (^٥).\n(البخاري) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «كأني به أسود أفحج يقلعها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٨٩).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) إسناده ضعيف.\n(^٤). (١/ ١٥٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٥٩١) ومسلم (٢٩٠٩).","vol":"2","page":316},{"text":"حجرا حجرا» (^١) الفحج: تباعد ما بين الفخذين.\nوفي حديث حذيفة الطويل عنه ﷺ: «كأني بحبشي أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، وأصحابه ينقضونها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» يعني: الكعبة. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي. وهو حديث فيه طول.\nوقال أبو عبيدة القاسم بن سلام في حديث علي ﵇: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصعل أصمع أحمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم (^٢).\nقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبي العالية، عن علي.\nقال الأصمعي: قوله أصعل هكذا يروى، فأما كلام العرب فهو صعل بغير ألف، وهو الصغير الرأس، وكذلك الحبشة كلهم. قال: والأصمع: الصغير الأذن، يقال منه: رجل أصمع وامرأة صمعاء، وكذلك غير الناس.\n(أبو داود الطيالسي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «يبايع لرجل بين الركن والمقام وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلّوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمّر بعده أبدا، وهم الذين يستخرجون كنزه» (^٣).\nذكر الحليمي فيما ذكر أنه يكون في زمن عيسى ﵇، وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين الحبشي قد سار إلى البيت، لهدمه فيبعث إليه عيسى ﵇ طائفة من الناس ما بين الثمان إلى التسع.\nوذكر أبو حامد في كتاب «مناسك الحج» له وغيره؛ ويقال: لا تغرب الشمس يوما إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرتفع القرآن من المصاحف فيتصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف، ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة واحدة، ثم ترجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال وينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقتل الدجال،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٩٥).\n(^٢) انظر «غريب الحديث» (٣/ ٤٥٤).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢٣٧٣) وغيره، وهو في الصحيحة» (٥٧٩، ٢٧٤٣).","vol":"2","page":317},{"text":"والساعة عند ذلك منزلة الحامل المقرب تتوقع ولادتها. وفي الخبر: «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة».\nقال المؤلف ﵀ وقيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف، وذلك بعد موت عيسى ﵇، وهو الصحيح في ذلك، على ما يأتي بيانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-488>فصل</span>\nثبت في الصحيح الدعاء للمدينة والحث على سكناها، فقال رسول الله ﷺ:\n«يأتي على الناس زمن يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، إلا أن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» (^١). رواه أبو هريرة، وخرّجه مسلم.\nخرج عن سعيد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: «من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» (^٢). ونحوه عن أبي هريرة ﵁.\nومثل هذا كثير وهو خلاف ما تقدم، وإذا كان هذا فظاهره التعارض وليس كذلك، فإن الحض على سكناها ربما كان عند فتح الأمصار ووجود الخيرات بها، كما جاء في حديث سفيان بن أبي زهير. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح اليمن فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح الشام فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح العراق فيأتي قوم يعيشون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون» (^٣) رواه الأئمة واللفظ لمسلم. فحض ﷺ على سكناها حين أخبر بانتقال الناس عنها عند فتح الأمصار لأنها مستقر الوحي، وفيها مجاورته، ففي حياته صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته مجاورة جسده الشريف، ومشاهدة آثاره العظيمة. ولهذا قال: «لا يصبر أحد على لأوائها وشدّتها إلا كنت شفيعا أو شهيدا له يوم القيامة» (^٤). وقال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها» (^٥) ثم إذا تغيرت الأحوال واعتورتها الفتن والأهوال كان الخروج منها غير قادح، والانتقال منها حسنا غير قادح.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٨١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٨٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٧٥) ومسلم (١٣٨٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٣٧٨).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ٧٤) والترمذي (٣٩١٧)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-489>فصل</span>\nوأما قوله: «من أراد أهل المدينة بسوء»؛ فذلك محمول على زمانه وحياته، كما في الحديث الآخر: «لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه» وقد خرج منها بعد موته ﷺ من الصحابة من لم يعوضها الله خيرا منه، فدل على أن ذلك محمول على حياته، فإن الله تعالى كان يعوض أبدا رسول ﷺ خيرا ممن رغب عنه وهذا واضح، ويحتمل أن يكون قوله: «أذابه الله» كناية عن إهلاكه في الدنيا قبل موته، وقد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها؛ كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله عند منصرفه عنها إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، بلاه الله بالماء الأصفر في بطنه، فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث.\nوقال الطبري: مات بهرشى وذلك بعد الوقعة بثلاث ليال، وهرشى جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة.\nوكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغرائه أهل المدينة حرم النبي المختار وقتله بها بقايا المهاجرين والأنصار، فمات بعد هذه الوقعة وإحراق الكعبة بأقل من ثلاثة أشهر، ولأنه توفّي بالذبحة وذات الجنب في نصف ربيع الأول بحوارين من قرى حمص، وحمل إلى دمشق وصلى عليه ابنه خالد. وقال المسعودي: صلى عليه ابنه معاوية ودفن في مقبرة باب الصغير، وقد بلغ سبعا وثلاثين سنة، فكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر واثنى عشر يوما.\n\n<span data-type='title' id=toc-490>فصل</span>\nوأما قوله: «تتركون المدينة»؛ حدثنا المخاطب فمراده غير المخاطبين، لكن نوعهم من أهل المدينة أو نسلهم، وعلى خير ما كانت عليه فيما قيل، وقد وجد هذا الذي قاله النبي ﷺ وذلك أنها صارت بعده ﷺ معدن الخلافة وموضعها، ومقصد الناس وملجأهم ومعقلهم، حتى تنافس الناس فيها وتوسّعوا في خططها وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن قبل، وبنوا فيها وشيدوا حتى بلغت المساكن أهاب، فلما انتهت حالها كمالا وحسنا، تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها بتغلّب الأعراب عليها، وتوالي الفتن فيها، فخلف أهلها وارتحلوا عنها، وصارت الخلافة بالشام ووجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المزي في جيش عظيم من أهل الشام، فنزل بالمدينة فقاتل أهلها فهزمهم وقتلهم بحرّة المدينة قتلا ذريعا، واستباح المدينة ثلاثة أيام، فسمّيت وقعة الحرة لذلك، وفيه يقول الشاعر:\nفإن تقتلونا يوم حرّة واقم … فإنا على الإسلام أول من قتل","vol":"2","page":319},{"text":"وكانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا لذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين، ويقال لها: حرة زهرة، وكانت الوقعة بموضع يعرف بواقم على ميل من مسجد رسول الله ﷺ، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين، وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وقتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل من قريش، وسبعة وتسعون قتلوا جهرا ظلما في الحرب وصبرا.\nوقال الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم في المرتبة الرابعة: وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ وبالت وراثت بين القبر والمنبر، أدام الله تشريفها، وأكره الناس على أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، وذكر له يزيد بن عبد الله ابن زمعة البيعة على حكم القرآن والسنة، فأمر بقتله فضربت عنقه صبرا.\nوذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها وبقيت ثمارها لعوافي الطير والسباع، كما قال ﷺ، ثم تراجع الناس إليها وفي حال خلوّها غدت الكلاب على سواري المسجد، والله أعلم.\nوذكر أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، أنه قرأ كتابا بالكعبة: «ليغشين أهل المدينة أمر يفزعهم حتى يتركوها وهي مذللة وحتى تبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء، وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء». وأما قوله في الراعيين: «حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجهيهما» فقيل: سقطا ميتين.\nقال علماؤنا: وهذا إنما يكون في آخر الزمان وعند انقراض الدنيا، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث «آخر من يحشر راعيان من مزينة». قيل: معناه آخر من يموت فيحشر، لأن الحشر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخر موتهما.\nقال الداودي أبو جعفر أحمد بن نصر في «شرح البخاري» له: وقوله في الراعيين ينعقان بغنمهما؛ يعني يطلبان الكلأ.\nوقوله: «وحشا»: يعني خالية، وقوله: «ثنية الوداع» يعني: موضعا قريبا من المدينة مما يلي مكة.\nوقوله: «خرا على وجهيهما» يعني: أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى، وهو الموت.\nوقوله: «آخر من يحشر»؛ يعني أنهما بأقصى المدينة، فيكونان في أثر من يبعث منها، ليس أن بعض الناس يخرج بعد بعض من الأجداث إلا بالشيء المتقارب، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].","vol":"2","page":320},{"text":"وقول النبي ﷺ: «يصعق الناس فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو كان من الذين استثنى الله».\nوقال شيخنا أبو العباس القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة أي يساق إليها، كما في كتاب مسلم رحمه الله تعالى.\nقال المؤلف ﵀: وقد ذكر ابن شبة خلاف هذا كله، فذكر عن حذيفة بن أسيد قال: آخر الناس يحشر رجلان من مزينة يفقدان الناس، فيقول أحدهما لصاحبه: قد فقدنا الناس منذ حين انطلق بنا إلى شخص بني فلان، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا، ثم يقول: انطلق بنا إلى منازل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب، فيوجهان نحو البيت الحرام.\nوقد ذكر عن أبي هريرة قال: آخر من يحشر رجلان؛ رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجهيهما حتى يلحقاهما بالناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>فصل</span>\nوأما قوله في حديث أبي هريرة: «يبايع لرجل بين الركن والمقام» فهو المهدي، الذي يخرج في آخر الزمان على ما نذكره أيضا، يملك الدنيا كلها، والله أعلم.\nفروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود والإسكندر، والكافران: نمروذ وبخت نصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس وهو المهدي.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-492>٢٥٤ - باب في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي، وعلامة خروجه</span>\n(مسلم) عن أبي نضيرة قال: كنا جلوسا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجيء قفيز ولا درهم. قلنا: من أين؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدي. قلنا:\nمن أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنيّة، ثم قال: قال رسول الله ﷺ:","vol":"2","page":321},{"text":"«يكون في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثيا ولا يعدّه عدّا» قيل لأبي نضرة وأبي العلاء: تريان أنه عمر بن عبد العزيز قالا: لا (^١).\n(أبو داود) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام وعصائب العراق، فيبايعونه ثم ينشر رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا فيظهرون، عليهم وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، ويقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم ﷺ ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلّي عليه المسلمون» (^٢).\nوذكر ابن شبة فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن مسلمة قال: حدثنا أبو المهزم، عن أبي هريرة، قال: يجيء جيش من قبل الشام، حتى يدخل المدينة، فيقتل المقاتلة ويبقر بطون النساء ويقولن للحبلى في البطن اقتلوا صبابة السوء، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم، ولا أعلاهم أسفلهم قال أبو المهزم: فلما جاء جيش ابن دلجة قلنا هم فلم يكونوا هم.\nقال: وحدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو ضمرة الليثي، عن عبد الرحمن بن الحرب بن عبيد، عن هلال بن طلحة الفهري قال: قال كعب الأحبار تجهّز يا هلال، قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالعقيق ببطن المسيل دون شجرة، والشجرة يومئذ قائمة، قال: يا هلال؛ إني أجد صفة الشجرة في كتاب الله. قلت: هذه الشجرة، قال: فنزلنا فصلّينا تحتها ثم ركبنا، حتى إذا استوينا على ظهر البيداء، قال: يا هلال إني أجد صفة البيداء، قلت: أنت عليها. قال: والذي نفسي بيده إن في كتاب الله جيشا يؤمون البيت الحرام فإذا استووا عليها نادى آخرهم أولهم: ارفقوا فخسف بهم وبأمتعتهم وذرياتهم إلى يوم القيامة، ثم خرجنا حتى إذا انهبطت رواحلنا أدنى الروحاء قال: يا هلال إني أجد صفة الروحاء، قال:\nقلت الآن حين دخلنا الروحاء.\nقال: وحدثنا أحمد بن عيسى قال: وحدثنا ابن عيسى قال: وحدثنا عبيد الله بن وهب قال: وحدثني ابن لهيعة، عن بشر بن محمد المعافري قال: سمعت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩١٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٢٨٦)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":322},{"text":"أبا نواس يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إذا أخسف بالجيش بالبيداء فهو علامة خروج المهدي.\nقلت: ولخروجه علامتان يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-493>فصل</span>\nقوله: «ثم سكت هنيّة» بضم الهاء وتشديد الياء، أي: مدة يسيرة بتصغيرهن، ويروى بهاءين. ورواه الطبري هنيئة مهموز، وهو خطأ لا وجه له. فيه دلالة على صدق النبي ﷺ حيث أخبر عما سيكون بعد فكان. ومثله الحديث الآخر «منعت العراق درهمها وقفيزها» الحديث، أي ستمنع، وأتى بلفظ الماضي في الإخبار، لأنه ماض في علم الله أنه سيكون كقوله عزّ من قائل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] والمعنى أنه لا يجئ إليها، كما جاء مفسرا في الحديث، ومعناه والله أعلم سيرجعون عن الطاعة ويأبون من إذا ما وظف عليهم في أحد الأمر، وذلك أنهم يرتدون عن الإسلام وعن أداء الجزية، ولم يكن ذلك في زمانه، ولكن أخبر أنهم سيفعلون ذلك. وقوله: «يحثي المال حثيا» قال ابن الأنباري: أعلى اللغتين حثا يحثي وهو أصح وأفصح، ويقال: حثا يحثو ويحثى واحث بكسر الثاء وضمها، كله بمعنى أغرف بيديك.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-494>٢٥٥ - باب منه، في المهدي وخروج السفياني عليه وبعثه الجيش لقتاله، وأنه الجيش الذي يخسف به</span>\nروي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفيانيّ من الوادي اليابس في فوره ذلك، حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق وجيشا إلى المدينة فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزل بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، يعني مدينة بغداد، قال: فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها أكثر من ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدي من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش على ليلتين فيقتلونهم حتى لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا","vol":"2","page":323},{"text":"بالبيداء، بعث الله جبريل ﵇، فيقول: يا جبريل؛ اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى ﷿: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين» (^١).\nقلت: حديث حذيفة هذا فيه طول، وكذلك حديث ابن مسعود فيه: ثم إن عروة بن محمد السفياني يبعث جيشا إلى الكوفة فيه خمسة عشر ألف فارس، ويبعث جيشا آخر فيه خمسة عشر ألف راكب إلى مكة والمدينة لمحاربة المهدي ومن تبعه، فأما الجيش الأول فإنه يصل إلى الكوفة فيتغلب عليها ويسبي من كان فيها من النساء والأطفال ويقتل الرجال، ويأخذ ما يجد فيها من الأموال ثم يرجع فتقوم صيحة بالمشرق فيتبعهم أمير من أمراء بني تميم يقال له شعيب بن صالح، فيستنقذ ما في أيديهم من السبي، ويرد إلى الكوفة. وأما الجيش الثاني فإنه يصل إلى مدينة الرسول ﷺ، فيقاتلونها ثلاثة أيام ثم يدخلونها عنوة، ويسبون ما فيها من الأهل والولد، ثم يسيرون نحو مكة أعزها الله لمحاربة المهدي ومن معه، فإذا وصلوا إلى البيداء مسحهم الله أجمعين، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾.\nوقد ذكر خبر السفياني مطولا بتمامه أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي في كتاب «الملاحم» له وأنه الذي يخسف بجيشه، قال: واسمه عتبة بن هند، وهو الذي يقوم في أهل دمشق، فيقول: يا أهل دمشق؛ أنا رجل منكم وأنتم خاصتنا، جدي معاوية بن أبي سفيان وليكم من قبل، فأحسن وأحسنتم، وذكر كلاما طويلا، إلى أن ذكر كتابه إلى الجرهمي وهو على ما يليه من أرض الشام، وأتى البرقي وهو على ما يليه من حد برقة وما وراء برقة من المغرب، إلى أن قال: فيأتي الجرهمي فيبايعه، واسم الجرهمي؛ عقيل بن عقال، ثم يأتيه البرقي واسم البرقي: همام بن الورد، ثم ذكر مسيره إلى أرض مصر وقتاله لملكها فيقتلون على قنطرة الفرقاء أو دونها بسبعة أيام ثم ينصرف أهل مصر، وقد قتل منهم زهاء سبعين ألفا ونيفا ثم يصالحه أهل مصر ويبايعونه، فينصرف عنهم إلى الشام ثم ذكر تقديمه الأمراء من العرب رجل من حضرموت، ولرجل من خزاعة، ولرجل من عبس، ولرجل من ثعلبة، وذكر عجائب، وأن جيشه الذي يخسف بهم تبتلعهم الأرض إلى أعناقهم، وتبقى رؤوسهم خارجة، ويبقى جميع خيلهم وأموالهم وأثقالهم وخزائنهم وجميع\n_________\n(^١) ذكره ابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٢/ ١٠٧).","vol":"2","page":324},{"text":"مضاربهم والسبي على حاله، إلى أن يبلغ الخبر الخارج بمكة؛ واسمه محمد بن علي من ولد السبط الأكبر الحسن بن علي، فيطوي الله تعالى له الأرض فيبلغ البيداء من يومه فيجد القوم أبدانهم داخلة في الأرض ورؤوسهم خارجة وهم أحياء، فيحمد الله ﷿ هو وأصحابه، وينتحبون بالبكاء ويدعون الله ﷿ ويسبحونه ويحمدونه على حسن صنيعه إليهم، ويسألونه تمام النعمة والعافية فتبلعهم الأرض من ساعتهم، يعني أصحاب السفياني، ويجد الحسني العسكر على حاله والسبي على حاله، وذكر أشياء كثيرة الله أعلم بصحتها أخذها من كتاب دانيال فيما زعم.\nقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: ودانيال نبي من أنبياء بني إسرائيل، كلامه عبراني وهو على شريعة موسى بن عمران، وكان قبل عيسى ابن مريم بزمان، ومن أسند مثل هذا إلى نبي عن غير ثقة أو توقيف من نبينا ﷺ، فقد سقطت عدالته إلا أن يبين موضعه لتصح أمانته. وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم وما كان من الحوادث وما سيكون وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون، وأغرب فيما أغرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يكذّب آخرها أولها ويتعذّر على المتأول لها تأويلها وما يتعلق به جماعة الزنادقة من تكذيب المصدوق محمد ﷺ، أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجال من يهودية أصبهان، وقد طعنّا في أوائل سبعمائة في هذا الزمان وذلك شيء ما وقع ولا كان.\nومن الموضوع فيه المصنوع والتهافت الموضوع الحديث الطويل الذي استفتح به كتابه فهلاّ اتقى الله وخاف عقابه؟! وإن من أفضح فضيحة في الدين نقل مثل هذا الإسرائيليات عن المتهوّدين، فإنه لا طريق فيما ذكر عن دانيال إلا عنهم ولا رواية تأخذ في ذلك إلا منهم.\nوقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» (^١).\nوقد ذكر في كتاب الاعتصام، أن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على رسوله أحدث شيء، تقرءونه محضا لم يشب؟ وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كلام الله وغيروه، وقد كتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٨٥، ٧٢٦٢، ٧٥٤٢).","vol":"2","page":325},{"text":"العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (^١).\nقال ابن دحية ﵁: وكيف يؤمّن من خان الله وكذب عليه وكفر واستكبر وفجر؟\nوأما حديث الدابة فقد نطق بخروجها القرآن، ووجب التصديق بها والإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢].\nوكنت بالأندلس قد قرأت أكثر كتب المقرئ الفاضل أبي عمر عثمان بن سعيد بن عثمان توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة فمن تأليفه كتاب «السنن الواردة بالفتن وغوائلها والأزمنة وفسادها والساعة وأشراطها» وهو مجلد مزج فيه الصحيح بالسقيم، ولم يفرق فيه بين نسر وظليم، وأتى بالموضوع، وأعرض عما ثبت من الصحيح المسموع، فذكر الدابة في الباب الذي نصه: باب ما روي أن الوقعة التي تكون بالزوراء، وما يتصل بها من الوقائع والآيات والملاحم والطوام، وأسند ذلك عن عبد الرحمن، عن سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «تكون وقيعة الزوراء» قالوا: يا رسول الله؛ وما الزوراء؟ قال: «مدينة بالمشرق بين أنهارها يسكنها شرار خلق الله وجبابرة من أمتي، تعذب بأربعة أصناف من العذاب»، ثم ذكر حديث خروج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب حتى يأتي دمشق، ثم ذكر خروج المهدي، قال واسمه: أحمد بن عبد الله! وذكر خروج الدابة، قال: قلت: يا رسول الله؛ وما الدابة؟ قال: ذات وبر وريش، عظمها ستون ميلا، ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وذكر يأجوج ومأجوج وأنهم ثلاثة أصناف صنف منهم مثل الأرز الطوال، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في عشرين ومائة ذراع هم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى! وهذه الأسانيد عن حذيفة في عدة أوراق ظاهرة الوضع والاختلاف.\nوفيها ذكر مدينة يقال لها المقاطع وهي على البحر الذي لا يحمل جارية، قال: لأنه ليس له قعر، إلى أن قال حذيفة: قال عبد الله بن سلام: والذي بعثك بالحق إن صفة هذه في التوراة طولها ألف ميل وعرضها خمسمائة ميل. قال رسول الله ﷺ: لها ستون وثلاثمائة باب يخرج من كل باب منها مائة ألف مقاتل.\nقال الحافظ أبو الخطاب ﵁: ونحن نرغب عن تسويد الورق بالموضوعات فيه، ونثبت الصحيح الذي يقربنا من إله الأرضين والسموات،\n_________\n(^١) ذكره البخاري في «صحيحه» (١٣/ ٣٣٣، ٣٣٤) - فتح - كتاب الاعتصام، باب: قول النبي ﷺ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء».","vol":"2","page":326},{"text":"فعبد الرحمن الذي يرويه عن الثوري هو ابن هانئ أبو نعيم النخعي الكوفي، قال يحيى بن معين؛ كذّاب، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات، وقد رواه عن الثوري؛ عمر بن يحيى بالسند المذكور آنفا، وقال: تعذب بأربعة أصناف بخسف ومسخ وقذف، قال البرقاني: ولم يذكر الرابع، وعمر بن يحيى متروك الحديث.\nوقد روى حديث الزوراء محمد بن زكريا الغلابي، وأسند عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ وقال: أما أن هلاكها على يد السفياني، كأني والله بها قد صارت خاوية على عروشها.\nومحمد بن زكريا الغلابي؛ قال أبو الحسن الدارقطني: كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ.\nوعظم هذه الدابة المذكورة وطول يأجوج ومأجوج على تلك الصورة يدل على وضع هذا الحديث بالتصريح ويقطع العاقل بأنه ليس بصحيح، لأن مثل هذا القدر في العظم والطول، يشهد على كذب واضعه في المنقول، وأي مدينة تسع طرقاتها دابة عرضها ستون ميلا ارتفاعا، وأي سبيل يضم يأجوج ومأجوج وأحدهم طولا وعرضا مائتان وأربعون ذراعا، لقد اجترأ هذا الفاسق على الله العزيز الجبار بما اختلقه على نبيه المختار، فقد صحّ عنه بإجماع من أئمة الآثار أنه قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» (^١). ثم طرق إلينا تكذيب اليهود لنا فيما نقلناه عن توراتهم، ويكذبوننا بسبب ذلك في كل حال.\n(مسلم) عن أم سلمة، وسئلت عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله ﷺ: «يعوذ بالبيت عائذ، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم». فقلت: يا رسول الله؛ وكيف بما كان كارها؟ قال: «يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته». وقال أبو جعفر:\nهي بيداء المدينة. وقال عبد العزيز بن رفيع: إنما قال: ببيداء من الأرض، قال:\nكلا إنها والله لبيداء المدينة (^٢).\nوعن عبد الله بن صفوان قال: أخبرتني حفصة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليؤمنّ هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم وينادي أولهم آخرهم، ثم يخسف بهم، فلا يبقى منهم إلا الشريد الذي يخبر\n_________\n(^١) حديث صحيح متواتر، أخرجه جمع كبير جدا من أئمة الحديث، منهم الشيخان.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٨٢).","vol":"2","page":327},{"text":"عنهم» (^١). أخرجه ابن ماجه وزاد: «فلما جاء جيش الحجاج ظننا أنهم هم، فقال رجل: أشهد أنك لم تكذب على حفصة، وإن حفصة لم تكذب على رسول الله ﷺ».\nوعنه عن أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: «سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولا عدة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم». قال يوسف بن ماهك: وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة.\nقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-495>فصل</span>\nقوله: «ليس له منعة» بفتح الميم والنون، أي: جماعة يمنعونه، وهو مانع، وهو أكثر الضبط فيه، ويقال: بسكون النون أيضا، أي: عزة وامتناع، يمتنع بها اسم الفعلة من منع أو الحال بتلك الصفة، أو مكان بتلك الصفة، وأنكر أبو حاتم السجستاني إسكان النون، وليس في هذه الأحاديث أنه يخسف بأمتعتهم، وإنما فيها أنه يخسف بهم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-496>٢٥٦ - باب منه آخر في المهدي وذكر من يوطئ له ملكه</span>\n(ابن ماجه) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلا واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي» (^٣). إسناده صحيح.\nوخرج عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزّبيدي قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يخرج ناس من المشرق فيوطّئون للمهدي» (^٤) يعني سلطانه.\nوخرّج أبو داود، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث بن حراث على مقدمته رجل يقال له: منصور،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٨٣) وابن ماجه (٤٠٦٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٨٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٠٨٤)، وضعّفه الألباني.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠٨٨)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":328},{"text":"يوطئ أو يمكن لآل محمد ﷺ وعليهم، كما مكّنت قريش للنبي ﷺ، وجبت على كل مؤمن نصرته، أو قال: إعانته» (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-497>٢٥٧ - باب منه آخر في المهدي وصفته واسمه وإعطائه ومكثه، وأنه يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتال الدجال</span>\n(أبو داود) عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «يكون في أمتي المهديّ إن قصر فسبع وإلا فتسع فتنعم فيه أمّتي نعمة لم ينعموا بمثلها قط، تؤتى أكلها ولا تدّخر منهم شيئا، والمال يومئذ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهدي؛ أعطني، فيقول: خذ» (^٢).\nوخرج عنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «المهديّ مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فيملك سبع سنين» (^٣).\nوذكر عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي هارون العبدي، عن معاوية بن قرة، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله ﷺ بلايا تصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلا من عترتي أهل بيتي، فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء شيئا من قطرها إلا صبّته مدرارا، ولا تدع الأرض من نباتها شيئا إلا أخرجته حتى، تتمنى الأحياء أن لا موات. يعيش في ذلك سبع سنين أو ثماني سنين أو تسع سنين (^٤).\nويروى هذا عن غير وجه - عن أبي سعيد الخدري.\n(أبو داود) عن عبد لله، عن النبي ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم - قال زائدة في حديثه - لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أمتي أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» (^٥). خرّجه الترمذي بمعناه وقال: حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٩٠)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٢٣٢) وابن ماجه (٤٠٨٣)، وحسّنه الألباني.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٢٨٥)، وحسّنه الألباني.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١١/ ٣٧١) بإسناد ضعيف.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٢٨٢) والترمذي (٣٢٣٠) وصححه الألباني.","vol":"2","page":329},{"text":"وفي حديث حذيفة الطويل مرفوعا: «فلو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يأتيهم رجل من أهل بيتي، تكون الملائكة بين يديه، ويظهر الإسلام».\nوخرّج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري قال: خشينا أن يكون بعد نبينا ﷺ حدث، فسألنا النبي ﷺ قال: «إن في أمتي المهدي، يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا» - زيد للشك - قلنا: وما ذاك؟ قال: «فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» (^١). قال: هذا حديث حسن.\nوذكر أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن الحنفية، عن أبيه علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله ﷿ في ليلة، أو قال: في يومين» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-498>فصل</span>\nوقع في كتاب الشهاب: «لا يزداد الأمر إلاّ شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلاّ شحّا، ولا تقوم الساعة إلاّ على شرار الخلق، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» (^٣).\nقلت: خرّجه ابن ماجه في «سننه»، قال: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، حدّثنا محمد بن إدريس الشافعي، قال: حدثني محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة» (^٤) فذكره. قال ابن ماجه؛ لم يروه إلا الشافعي.\nقال المؤلف ﵀: وخرّجه أبو الحسين الآجري قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن خالد البرذعي في المسجد الحرام، حدّثنا يونس بن عبد الأعلى المصري، فذكره.\nفقوله: «ولا مهدي إلا عيسى» يعارض أحاديث هذا الباب، فقيل: إن هذا الحديث لا يصح لأنه انفرد بروايته محمد بن خالد الجندي. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: الجندي هذا مجهول، واختلف عليه في إسناده؛ قتادة يرويه عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلا، مع ضعف أبان، وتارة يرويه عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ بطوله، هو منفرد به، مجهول عن أبان، وهو متروك، وهو عن الحسن منقطع.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢٣٢)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٣/ ١٧٧) وأحمد (١/ ٨٤) وابن ماجه (٤٠٨٥) وغيرهم، وصححه الألباني.\n(^٣) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (٦٩/ ٨٩٨/٢)، وهو حديث منكر، انظر ما بعده.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٩) والحاكم (٤/ ٤٤١) وغيرهما، وهو حديث منكر كما قال الألباني في «الضعيفة» (٧٧).","vol":"2","page":330},{"text":"والأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة، أصح من هذا الحديث، فالحكم لها دونه (^١).\nقال المؤلف ﵀ ونور ضريحه -: وذكر أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا: محمد بن خالد الجندي روى عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، وروى فيه الإمام ابن إدريس الشافعي ﵁، وهو راوي حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» وهو مجهول، وقد وثقه يحيى بن معين، روى له ابن ماجه.\nقال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الأبري السجزي:\nقد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ يعني المهدي -، وأنه من أهل بيته، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، يخرج مع عيسى ﵇ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، وعيسى صلوات الله عليه يصلي خلفه في طول من قصته وأمره.\nقلت: ويحتمل أن يكون قوله ﵊: «ولا مهدي إلى عيسى» أي لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-499>٢٥٨ - باب منه في المهدي ومن أين يخرج وفي علامة خروجه، وأنه يبايع مرتين ويقاتل السفياني ويقتله</span>\nتقدم من حديث أم سلمة وأبي هريرة أن المهدي يبايع بين الركن والمقام، وظاهر هذا أنه لم يبايع قبل، وليس كذلك، فإنه روي من حديث ابن مسعود وغيره من الصحابة أنه يخرج في آخر الزمان من المغرب الأقصى يمشي النصر بين يديه أربعين ميلا، راياته بيض وصفر، فيه رقوم فيها اسم الله الأعظم مكتوب، فلا تهزم له راية، وقيام هذه الرايات وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له: ما سنة من\n_________\n(^١) انظر: «المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة» للدكتور عبد العليم البستوي، ط. المكتبة المكية ودار ابن حزم، وكتاب «المهدي حقيقة لا خرافة» للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم، توزيع دار الإيمان بالإسكندرية.","vol":"2","page":331},{"text":"قبل المغرب، فيعقد هذه الرايات مع قوم قد أخذ الله لهم ميثاق النصر والظفر ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الحديث بطوله وفيه:\nفيأتي الناس من كل جانب ومكان فيبايعونه يومئذ بمكة وهو بين الركن والمقام، وهو كاره لهذه المبايعة الثانية بعد البيعة الأولى التي بايعه الناس بالمغرب، ثم إن المهدي يقول: أيها الناس اخرجوا إلى قتال عدو الله وعدوكم، فيجيبونه ولا يعصون له أمرا، فيخرج المهدي ومن معه من المسلمين من مكة إلى الشام لمحاربة عروة بن محمد السفياني، وكل من معه من كلب ثم يتبدد جيشه، ثم يوجد عروة السفياني. على أعلى شجرة على بحيرة طبرية، والخائب من خاب يومئذ من قتال كلب ولو بكلمة أو بتكبيرة أو بصيحة (^١).\nفيروى عن حذيفة أنه قال: قلت: يا رسول الله؛ كيف يحل قتلهم وهم مسلمون موحدون؟ فقال النبي ﷺ: «إن إيمانهم على ردّة لأنهم خوارج، ويقولون برأيهم: إن الخمر حلال، ومع ذلك إنهم يحاربون الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]». وذكر الحديث وسيأتي تمامه.\nوخبر السفياني خرجه عمر بن عبيد في «مسنده» والله أعلم.\nوروى من حديث معاوية بن أبي سفيان في حديث فيه طول عن النبي ﷺ أنه قال: «ستفتح بعدي جزيرة تسمى بالأندلس فتغلب عليهم أهل الكفر فيأخذون من أموالهم وأكثر بلدهم ويسبون نساءهم وأولادهم، ويهتكون الأستار ويخربون الديار، ويرجع أكثر البلاد فيافي وقفارا، وتنجلي أكثر الناس عن ديارهم وأموالهم، فيأخذون أكثر الجزيرة ولا يبقى إلا أقلها، ويكون في المغرب الهرج والخوف، ويستولي عليهم الجوع والغلاء، وتكثر الفتنة، ويأكل الناس بعضهم بعضا، فعند ذلك يخرج رجل من المغرب الأقصى من أهل فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهو المهدي القائم في آخر الزمان وهو أول أشراط الساعة».\nقلت: كل ما وقع في حديث معاوية هذا فقد شاهدناه بتلك البلاد وعاينا معظمه إلا خروج المهدي.\nويروى من حديث شريك أنه بلغه أن قبل خروج المهدي تكسف الشمس في رمضان مرتين، والله أعلم.\n_________\n(^١) لم أقف عليه فيما بين يدي من المراجع.","vol":"2","page":332},{"text":"وذكر الدارقطني في «سننه» قال: حدثنا أبو سعيد الإصطخري قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن نوفل، حدّثنا عبيد بن يعيش، حدّثنا يونس بن بكير، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن محمد بن علي قال: إن لمهدينا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه ولم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض (^١).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-500>٢٥٩ - باب ما جاء أن المهدي يملك جبل الديلم والقسطنطينية ويستفتح رومية وأنطاكية وكنيسة الذهب، وبيان قوله تعالى ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ الآية</span>\n(ابن ماجه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّله الله ﷿ حتى يملك رجل من أهل بيتي جبل الديلم والقسطنطينية» (^٢) إسناده صحيح.\nوروي من حديث حذيفة، عن النبي ﷺ وفيه بعد قوله: ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. «ثم إن المهدي ومن معه من المسلمين يأتون إلى مدينة أنطاكية - وهي مدينة عظيمة على البحر -، فيكبرون عليها ثلاث تكبيرات فيقع سورها من البحر بقدرة الله ﷿، فيقتلون الرجال، ويسبون النساء والأطفال، ويأخذون الأموال، ثم يملك المهدي أنطاكية، ويبني فيها المساجد ويعمر عمار أهل الإسلام، ثم يسيرون إلى الرومية والقسطنطينية وكنيسة الذهب فيقتحمون القسطنطينة ورومية ويقتلون بها أربعمائة ألف مقاتل، ويفتضون بها سبعين ألف بكر ويستفتحون المدائن والحصون ويأخذون الأموال، ويقتلون الرجال ويسبون النساء والأطفال ويأتون كنيسة الذهب فيجدون فيها الأموال التي كان المهدي أخذها أول مرة، وهذه الأموال هي التي أودع فيها ملك الروم قيصر حين غزا بيت المقدس، فوجد في بيت المقدس هذه الأموال فأخذها واحتملها على سبعين ألف عجلة إلى كنيسة الذهب بأسرها\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٥) بإسناد ضعيف جدا.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٧٩)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":333},{"text":"كاملة كما أخذها ما نقص منها شيئا، فيأخذ المهدي تلك الأموال فيردها إلى بيت المقدس»، قال حذيفة: قلت: يا رسول الله؛ لقد كان بيت المقدس عند الله عظيما جسيم الخطر عظيم القدر. فقال رسول الله ﷺ: «هو من أجلّ البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود ﵉ من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد، وذلك أن سليمان بن داود سخّر الله له الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد من البحار يغوصون كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] فلما أتوه بهذه الأصناف بناه منها فجعل فيه بلاطا من ذهب وبلاطا من فضة وأعمدة من ذهب وأعمدة من فضة، وزيّنه بالدر والياقوت والزمرد وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف». قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله؛ وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن بني إسرائيل لما عصوا وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بخت نصّر وهو من المجوس فكان ملكه سبعمائة سنة وهو قوله تعالى:\n﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف واحتملوها على سبعين ألف عجلة حتى أودعوها أرض بابل، وأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام، ثم إن الله ﷿ رحمهم فأوحى الله إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل يستنقذ ما في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل، فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستنقذ دلك الحلي الذي كان في بيت المقدس ورده إليه كما كان أول مرة، وقال لهم:\nيا بني إسرائيل؛ إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسبي والقتل، وهو قوله تعالى:\n﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] يعني إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالعقوبة فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلط الله عليهم ملك الروم قيصر، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] فغزاهم في البر والبحر فسبقهم وقتلهم وأخذ كنيسة الذهب فهو فيها إلى الآن، حتى يأخذه المهدي ويرده إلى بيت المقدس ويكون المسلمون ظاهرين على أهل الشرك، فعند ذلك يرسل الله عليهم ملك الروم وهو الخامس من آل هرقل». على ما تقدم من تمام الحديث (^١)، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) لم أقف عليه، وظاهره النكارة، والله أعلم.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-501>٢٦٠ - باب ما جاء في فتح القسطنطينية ومن أين تفتح، وفتحها علامة خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلّي بينكم وبين الذين هم إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم الثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتتنون أبدا فيفتحون القسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم وقد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهلكم فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته» (^١).\nوخرج ابن ماجه قال: حدّثنا علي بن ميمون الرقي، قال: حدّثنا يعقوب الحنيني، عن كثير بن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يكون أدنى مسالح المسلمين ببولاء، ثم قال:\nيا علي يا علي يا علي! قال: بأبي وأمي قال: إنكم ستقاتلون بني الأصفر ويقاتلونهم الذين من بعدكم حتى يخرج إليهم روقة الإسلام أهل الحجاز الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فيفتحون قسطنطينية بالتسبيح والتكبير فيصيبون غنائم لم يصيبوا مثلها حتى يقتسموا بالأترسة فيأتي آت فيقول إن المسيح قد خرج إلى بلادكم ألا وهي كذبة، فالآخذ نادم والتارك نادم» (^٢).\nوخرج مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها، قال ثور: لا أعلمه قال: إلا الذي في البحر، ثم يقولون الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٩٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠٩٤)، وقال الألباني: «موضوع».","vol":"2","page":335},{"text":"الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون» (^١).\n(الترمذي) عن أنس قال: فتح القسطنطينية مع قيام الساعة (^٢). هكذا رواه موقوفا، وقال: حديث غريب.\nالقسطنطينية: مدينة الروم، وتفتح عند خروج الدجال والقسطنطينية قد فتحت في زمن بعض أصحاب رسول الله ﷺ.\nقلت: هو عثمان بن عفان؛ ذكر الطبري في «التاريخ» له: ثم دخلت سنة سبع وعشرين ففيها كان فتح إفريقية على يد عبد الله بن أبي سرح، وذلك أن عثمان ﵁ لما ولي عمرو بن العاص على عمله بمصر كان لا يعزل أحدا إلا عن شكاية وكان عبد الله ابن أبي سرح من جند عثمان فأمّره عثمان ﵁ على الجند ورماه بالرجال وسرحه إلى إفريقية، وسرح معه عبد الله بن نافع بن قيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين، فلما فتح عبد الله إفريقية خرج عبد الله وعبد الله إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان ﵁ إلى من انتدب إلى الأندلس: أما بعد فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن افتتحتموها كنتم شركاء في الأجر (^٣).\nفيقال: إنها فتحت في تلك الأزمان، وستفتح مرة أخرى كما في أحاديث هذا الباب والذي قبله، وقد قال بعض علمائنا: إن حديث أبي هريرة أول الباب يدل على أنها تفتح بالقتال، وحديث ابن ماجه يدل على خلاف ذلك مع حديث أبي هريرة، والله أعلم.\nقلت: لعل فتح المهدي يكون لها مرتين مرة بالقتال ومرة بالتكبير، كما أنه يفتح كنيسة الذهب مرتين، فإن المهدي إذا خرج بالمغرب على ما تقدم جاءت إليه أهل الأندلس فيقولون: يا ولي الله؛ انصر جزيرة الأندلس، فقد تلفت وتلف أهلها وتغلّب عليها أهل الكفر والشرك من أبناء الروم، فيبعث كتبه إلى جميع قبائل المغرب وهم قزولة وخذالة وقذالة وغيرهم من القبائل من أهل المغرب أن انصروا دين الله وشريعة محمد ﷺ، فيأتون إليه من كل مكان ويجيبونه ويقفون عند أمره ويكون على مقدمته صاحب الخرطوم وهو صاحب الناقة الغراء، وهو صاحب المهدي وناصر دين الإسلام وولي الله حقّا، فعند ذلك يبايعه ثمانون ألف مقاتل بين فارس وراجل قد ﵃ ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٢٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٢٣٩).\n(^٣) «تاريخ الطبري» (٤/ ٢٥٣، ٢٥٤).","vol":"2","page":336},{"text":"[المجادلة: ٢٢] فباعوا أنفسهم لله والله ذو الفضل العظيم، فيعبرون البحر حتى ينتهوا إلى حمص، وهي إشبيلية، فيصعد المهدي المنبر في المسجد الجامع ويخطب خطبة بليغة فيأتي إليه أهل الأندلس فيبايعه جميع من بها من أهل الإسلام ثم يخرج بجميع المسلمين متوجها إلى البلاد بلاد الروم فيفتح فيها سبعين مدينة من مدائن الروم يخرجها من أيدي العدو عنوة. الحديث.\nوفيه: ثم إن المهدي ومن معه يصلون إلى كنيسة الذهب فيجدون فيها أموالا فيأخذها المهدي فيقسمها بين الناس بالسوية، ثم يجد فيها تابوت السكينة وفيها غفارة عيسى وعصا موسى ﵉، وهي العصا التي هبط بها آدم من الجنة حين أخرج منها، وكان قيصر ملك الروم قد أخذها من بيت المقدس في جملة السبي حين سبى بيت المقدس واحتمل جميع ذلك إلى كنيسة الذهب فهو فيها إلى الآن، حتى يأخذها المهدي، فإذا أخذ المسلمون العصا تنازعوا عليها فكل منهم يريد أخذ العصا فإذا أراد الله تمام أهل الإسلام من الأندلس خذل الله رأيهم وسلب ذوي الألباب عقولهم، فيقسمون العصا على أربعة أجزاء فيأخذ كل عسكر منهم جزءا، وهم يومئذ أربعة عساكر، وإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم الظفر والنصر ووقع الخلاف في ذلك بينهم.\nقال كعب الأحبار: ويظهر عليهم أهل الشرك حتى يأتوا البحر فيبعث الله إليهم ملكا في صورة إبل فيجوز بهم القنطرة التي بناها ذو القرنين لهذا المعنى خاصة، فيأخذ الناس وراءه حتى يأتوا إلى مدينة فارس والروم وراءهم فلا يزالون كذلك كلما ارتحل المسلمون مرحلة ارتحل المشركون كذلك، حتى يأتوا إلى أرض مصر والروم وراءهم، وفي حديث حذيفة ويتملكون مصر إلى الفيوم ثم يرجعون، والله تعالى أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-502>٢٦١ - باب أشراط الساعة وعلاماتها</span>\nفأما وقتها فلا يعلمه إلا الله، وفي حديث جبريل: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (^١) الحديث خرجه مسلم.\nوكذلك روى الشعبي قال: لقي جبريل عيسى ﵇ فقال له عيسى:\nمتى الساعة؟ فانتفض جبريل ﵇ في أجنحته وقال: ما المسؤول عنها بأعلم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٨).","vol":"2","page":337},{"text":"من السائل، ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة.\nوذكر أبو نعيم، من حديث مكحول، عن حذيفة قال: «قال رسول الله ﷺ:\n«للساعة أشراط» قي: وما أشراطها؟ قال: «علوّ أهل الفسق في المساجد وظهور أهل المنكر على أهل المعروف»، قال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: «دع وكن جلسا من أحلاس بيتك» (^١). غريب من حديث مكحول، لم نكتبه إلا من حديث حمزة النصيبي عن مكحول.\n\n<span data-type='title' id=toc-503>فصل</span>\nقال العلماء رحمه الله تعالى: والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها تنبيه الناس من رقدتهم وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم وانقطعوا عن الدنيا واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم.\nوتلك الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها فمنها خروج الدجال ونزول عيسى وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من مغربها، هذه هي الآيات العظام على ما يأتي بيانه.\nوأما ما يتقدم من هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل، واستيلاء أهله وبيع الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمور، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان وزخرفة المساجد، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها وكثرة الهرج، فإنها أسباب حادثة ورواية الأخبار المنذرة بها بعد ما صار الخبر بها عيانا تكلف، لكن لا بد من ذكرها حتى يوقف عليها ويتحقق بذلك معجزة النبي ﷺ وصدقه في كل ما أخبر به ﷺ.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-504>٢٦٢ - باب قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين»</span>\n(مسلم) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضم السبابة والوسطى (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٦، ١٨٨) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٩١) وكذا البخاري (٦٥٠٤).","vol":"2","page":338},{"text":"وروي من طرق أخرجها البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه ﵃ ومعناها كلها على اختلاف ألفاظها تقريب من الساعة التي هي القيامة وسرعة مجيئها، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ [محمد: ١٨] وقوله: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] وقوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقال: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\nويروى أن النبي ﷺ لما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ وثب فلما أنزل ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ جلس.\nقال بعض العلماء: إنما وثب ﵊ خوفا منه أن تكون الساعة قد قامت.\nوقال الضحاك والحسن: أول أشراطها محمد ﷺ، وروى موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال علي ﵇: من اقتراب الساعة ظهور البواسير وموت الفجاءة.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>فصل</span>\nإن قيل: ثبت أن النبي ﷺ سأل جبريل عن الساعة فقال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» الحديث، فهذا يدل على أنه لم يكن عنده علم، ورويتم عنه أنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وهذا يدل على أنه كان عالما، فكيف يتألف الخبران؟\nقيل له: قد نطق القرآن بقوله الحق: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] الآية، فلم يكن يعلمها هو ولا غيره، وأما قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين» فمعناه أنا النبي الأخير فلا يليني نبي آخر، وإنما تليني القيامة كما تلي السبابة الوسطى، وليس بينهما إصبع أخرى، وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، وهي مع ذلك كائنة، لأن أشراطها متتابعة، وقد ذكر الله الأشراط في القرآن فقال: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ [محمد: ١٨] أي: دنت، وأولها النبي ﷺ لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بين ﷺ ما يليه من الأشراط فقال: «أن تلد الأمة ربتها» إلى غير ذلك مما سنذكره ونبينه بحول الله تعالى في أبواب إن شاء الله تعالى.\n***","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>٢٦٣ - باب أمور تكون بين يدي الساعة</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذّابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم ويكثر الزلازل ويتقارب الزمان، ويظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس ومن مغربها فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون فذلك حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إليّ فيه فلا يطعمها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-507>فصل</span>\nقال علماؤنا - رحمة الله عليهم -: هذه ثلاث عشرة علامة جمعها أبو هريرة في حديث واحد، ولم يبق بعد هذا ما ينظر فيه من العلامات والأشراط في عموم إنذار النبي ﷺ بفساد الزمان، وتغيير الدين وذهاب الأمانة، ما يغني عن ذكر التفاصيل الباطلة والأحاديث الكاذبة في أشراط الساعة. من ذلك حديث رواه قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ: أن في سنة مائتين يكون كذا وكذا، وفي العشر والمائتين يكون كذا وكذا، وفي العشرين كذا، وفي الثلاثين كذا، وفي الأربعين كذا، وفي الخمسين كذا، وفي الستين والمائتين تعتكف الشمس ساعة فيموت نصف الجن والإنس، فهل كان هكذا وقد مضت هذه المدة وهذا شيء يعم؟!\nوسائر الأمور التي ذكرت قد تكون في بلدة وتخلو منه أخرى، فهذا عكوف الشمس لا يخلو منه أحد في شرق ولا غرب، فإن كان المائتين من الهجرة فقد مضت، وإن كان من موت النبي ﷺ فقد مضت، وأيضا دلالة أخرى على أنه مفتعل؛ أن التاريخ لم يكن على عهد رسول الله ﷺ أن يقال في سنة مائتين أو سنة عشرين ومائتين، ولم يكن وضع شيء من التاريخ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٢١) ومسلم (١٥٧).","vol":"2","page":340},{"text":"وكذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: «إذا كانت سنة تسع وتسعين وخمسمائة يخرج المهدي في أمتي على خلاف من الناس، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، ويفتح الله له كنوز الأرض، وتنزل السماء قطرها، وتخرج الأرض ثمرها، ويزرع الزارع في الأرض صاعا فيصيب مائة صاع، ويذهب الغلاء والقحط والجوع عن الناس، ويجوز إلى الأندلس ويقيم فيها ويملكها تسع سنين ويستفتح فيها سبعين مدينة من مدائن الروم، ويغنم رومية وكنيسة الذهب فيجد فيها تابوت السكينة وفيها غفارة عيسى وعصا موسى ﵉ فيكسرون العصا على أربعة أجزاء فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم النصر والظفر، ويخرج عليهم ذو العرف في مائة ألف مقاتل بعد أن يتحالف الروم أنهم لا يرجعون أو يموتون، فينهزم المسلمون حتى يأتوا سرقسطة البيضاء فيدخلوها بإذن الله تعالى، ويكرم الله من فيها بالشهادة، ولا يكون للمسلمين بعد خراب سرقسطة سكنى ولا قرار بالأندلس، وينتهون إلى قرطبة فلا يجدون فيها أحدا لما أصاب الناس من شدة الفزع من الروم، يهربون من الأندلس يريدون العدو، فإذا اجتمعوا على ساحل البحر ازدحموا على المراكب فيموت منهم خلق كثير، فينزل الله إليهم ملكا في صورة إبل فينجو من نجا وغرق من غرق».\nقلت: كل ما جاء في هذا الحديث فمذكور في حديث حذيفة وغيره وإنما المنكر فيملك الروم الأندلس إلى خروج الدجال.\nومنه تعيين التاريخ، وقد كان سنة تسع وتسعين وخمسمائة ولم يكن شيء من ذلك، بل كان بالأندلس تلك السنة وقعة «الأراك» التي أهلك الله فيها الروم ولم يزل المسلمون في نعمة وسرور إلى سنة تسع وستمائة، فكانت فيها وقعة العقاب هلك فيها كثير من المسلمين ولم يزل المسلمون في تلك الوقعة بالأندلس يرجعون القهقرى إلى أن استولى عليهم العدو، وغلبهم بالفتن الواقعة بينهم، والتفصيل يطول، ولم يبق الآن من الأندلس إلا اليسير فنعوذ بالله من الفتن والخذلان والمخالفة والعصيان وكثرة الظلم والفساد والعدوان.\nوالذي ينبغي أن يقال به في هذا الباب أن ما أخبر به النبي ﷺ من الفتن والكوائن أن ذلك يكون وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر وإنما ذلك كوقت قيام الساعة، فلا يعلم أحد أي سنة هي ولا أي شهر، إما أنها تكون في يوم جمعة في آخر ساعة منه وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم ﵇، ولكن أي جمعة لا يعلم تعيين ذلك اليوم إلا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يعلم، والله أعلم.\nوقد سمعت من بعض أصحابنا أن ما وقع في التاريخ في حديث أبي سعيد","vol":"2","page":341},{"text":"الخدري إنما ذلك بعد المائة التي قال النبي ﷺ: «إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة». وفي رواية: قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ (^١). خرجه مسلم.\nوفي حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما على الأرض نفس منفوسة يعني اليوم يأتي عليها مائة سنة» (^٢).\nقال أبو عيسى: هذا الحديث حسن صحيح.\nومعلوم أن أنس توفي في عشر المائة بالبصرة، فعلى هذا يكون سنة سبع وتسعين وستمائة وهذا لم يجيء بعد، فالله تعالى أعلم.\nقال المؤلف ﵀: وبحديث أبي سعيد الخدري وابن عمر وجابر استدل من قال إن الخضر ميت ليس بحي، وقال الثعالبي في كتاب «العرائس»: والخضر على جميع الأقوال نبي معمر محجوب عن الأبصار (^٣).\nوذكر عن عمرو بن دينار قال: إن الخضر وإلياس لا يزالان يحييان في الأرض فإذا رفع القرآن ماتا.\nوهذا هو الصحيح في الباب على ما بيناه في سورة الكهف من كتاب «جامع أحكام القرآن» والحمد لله.\n\n<span data-type='title' id=toc-508>فصل</span>\nوأما الثلاث عشرة خصلة فقد ظهر أكثرها، من ذلك قوله ﵊: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة» يريد فيه معاوية وعليّا كرم الله وجهه بصفين، وقد تقدم الإشارة إليهما.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا أول خطب طرق في الإسلام.\nقلت: بل أول أمر دهم الإسلام موت النبي ﷺ ثم بعده موت عمر، فبموت النبي ﷺ انقطع الوحي وماتت النبوءة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه. قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٥٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٢٥٠)، وصححه الألباني.\n(^٣) أما أنه نبي فنعم، أما أنه حيّ فهذا مما لا دليل عليه؛ انظر أقوال أهل العلم في هذا؛ «البحر المحيط» لأبي حيان (٦/ ١٤٧) و«روح المعاني» للآلوسي (١٥/ ٣٢٠) وشرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٩٠) و«مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٠٠ - ١٠٢). و«الزهر النضر بنبإ الحضر» لأبي الحسن ابن المنادى و«البداية والنهاية» لابن كثير (١/ ٣٣٤).","vol":"2","page":342},{"text":"وقال أبو بكر الصديق في أبيات يرثي بها النبي ﷺ:\nفلتحدثنّ حوادث من بعده … تعنى بهن جوانح وصدور\nوقالت صفية بنت عبد المطلب في أبيات ترثي بها النبي ﷺ:\nلعمرك ما أبكي النبيّ لفقده … ولكن ما أخشى من الهرج آتيا\nوبموت عمر سلّ سيف الفتنة وقتل عثمان، وكان من قضاء الله وقدره ما يكون، وكان على ما تقدم.\nوقوله: «حتى يبعث دجالون كذّابون قريب من ثلاثين»، الدجال: يطلق في اللغة على أوجه كثيرة يأتي ذكرها. أحدها الكذاب، كما جاء في هذا الحديث. وفي صحيح مسلم: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون» الحديث، ولا يجمع ما كان على فعال جمع التكسير عند الجماهير من النحويين لئلاّ يذهب بناء المبالغة منه، فلا يقال: إلا دجالون كما قال ﵊، وإن كان قد جاء مكسرا وهو شاذ، أنشد سيبويه لابن مقبل:\nإلا الإفادة فاستولت ركائبنا … عند الجبابير بالبأساء والنقم\nوقال مالك بن أنس في محمد بن إسحاق: إنما هو دجال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة. قال عبد الله بن إدريس الأودي: وما عرفت أن دجالا يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من مالك بن أنس.\nوقوله: «قريب من ثلاثين» قد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «تكون في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وأنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي» (^١). خرجه أبو نعيم الحافظ، وقال: هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام، ووجد في كتابه بخط أبيه حدث به أحمد بن حنبل عن علي ابن المديني.\nوقال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عدّ من تنبأ من زمن النبي ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف، واتبعه جماعة على ضلالته؛ لوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا.\nوقوله: «حتى يقبض العلم» فقد قبض العمل به ولم يبق إلا رسمه على ما يأتي بيانه. وقوله: «وتكثر الزلازل» فقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أنه وقع منها بعراق العجم كثير، وقد شاهدنا بعضها بالأندلس، وسيأتي.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٦) وأبو نعيم (٤/ ١٧٩) وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٩٩٩).","vol":"2","page":343},{"text":"وقوله: «ويتقارب الزمان» قيل: المعنى يتقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، كما هو اليوم لغلبة الفسق وظهور أهله. وفي الحديث: «لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا، فإذا تساووا هلكوا». يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف الله ﷿ يلجأ إليهم عند الشدائد ويستشفى بآرائهم ويتبرك بدعائهم وآثارهم وقيل غير هذا، حسب ما تقدم في باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه.\nوقوله: «حتى يكثر فيكم المال فيفيض وحتى يهم رب المال من يقبل صدقته» هذا مما لم يقع، بل يكون، على ما يأتي وربّ مفعول يهم، ومن يقبل فاعل يهم، يقال: أهمّني ذلك الأمر: أحزنني وأقلقني، وهمه يهمه؛ إذا بالغ في ذلك.\nوقوله: «حتى يتطاول الناس في البنيان» هذا مشاهد في الوجود مشاهدته تغني عن الكلام فيه.\nوقوله: «حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه» ذلك لما يرى من عظيم البلاء، وربح الأعداء، وغبن الأولياء، ورئاسة الجهلاء، وحمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم والجهر بالمعاصي، واستيلاء الحرام على أموال الخلق، والتحكم في الأبدان والأموال والأعراض بغير حق، كما في هذا الزمان، وقد تقدم أول الكتاب حديث أبي عيسى الغفاري عن النبي ﷺ:\n«بادروا بالأعمال ستا». الحديث.\nوروى الأعمش سليمان بن مهران، عن عمرو بن مرة، عن أبي نضرة، عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر ﵁: يوشك أن يأتي على الناس زمان يغبط فيه خفيف الحاذ كما يغبط اليوم أبو عشرة، ويغبط الرجل باختفائه عن السلطان وجفائه عنه كما يغبط اليوم بمعرفته إياه وكرامته عليه، وحتى تمر الجنازة في السوق على الجماعة فينظر إليها الرجل تهتز بهذا رأسه، فيقول: يا ليتني مكان هذا. قال:\nقلت: يا أبا ذر؛ وإن ذلك من أمر عظيم؟ قال: أجل يا ابن أخي؛ عظيم عظيم.\nقلت: هذا هو ذلك الزمان الذي قد استولى فيه الباطل على الحق، وتغلّب فيه العبيد على الأحرار من الخلق، فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام، فصار الحكم مكسا والحق عكسا، لا يوصل إليه ولا يقدر عليه، بدّلوا دين الله وغيروا حكم الله، ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ و﴿الظّالِمُونَ﴾ و﴿الْفاسِقُونَ﴾ في الكفار خاصة كلها، وقيل: عامة فيمن بدل حكم الله وغيّره. قال رسول الله ﷺ: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو","vol":"2","page":344},{"text":"دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله؛ اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (^١).\nوقد أحسن ابن المبارك حيث يقول في أبيات له:\nوهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها\nوقوله: «حتى تطلع الشمس من مغربها» إلى آخره؛ يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى. واللقحة: الناقة الغزيرة اللبن، ويليط: يصلح، يقال: لاط حوضه يليطه ويلوطه ليطا ولوطا؛ إذا لطّخه بالطين وأصلحه، والأكلة: بضم الهمزة اللقمة، فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة فهي بالفتح لأنها مصدر، وهي المرة الواحدة من الأكل، كالضربة من الضرب. فأخبر رسول الله ﷺ أن يعاجله من أمر الساعة ما يمنع من تمام فعله، واقترب من ذلك رفع الأكلة وهي اللقمة إلى فيه، فتقوم الساعة دون بلوغها إليه، وكذلك القول في المتبايعين من نشر الثوب وطيه، فاعلمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>باب منه</span>\n(أبو نعيم) الحافظ عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون في آخر الزمان عبّاد جهّال، وقرّاء فسقة» (^٢). هذا حديث غريب من حديث ثابت، لم نكتبه إلا من حديث يوسف بن عطية، عن ثابت، وهو قاض بصري في حديثه نكارة.\nقلت: صحيح المعنى لما ظهر في الوجود من ذلك، وقال مكحول: يأتي على الناس زمان يكون عالمهم أنتن من جيفة حمار.\nوقد خرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا أبي ﵀، قال: حدّثنا حوشب بن عبد الكريم، حدّثنا حماد بن زيد، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمان ديدان القراء، فمن أدرك ذلك الزمان فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، وهم الأنتنون، ثم تظهر قلانس البرد فلا يستحى يومئذ من الزنا، والمتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمرة، والمتمسك يومئذ بدينه أجره كأجر خمسين» قالوا: منا، أو منهم؟ قال: «بل منكم» (^٣).\nوأخرج الدارمي أبو محمد، قال: أخبرنا محمد بن المبارك، حدّثنا صدقة بن خالد، عن ابن جابر، عن شيخ يكنى أبا عمرو، عن معاذ بن جبل، قال: «سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطهم خوف، إن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم (٢/ ٣٣١) وقال الألباني: «موضوع» انظر «السلسلة الضعيفة» رقم (٤٤٧).\n(^٣) إسناده ضعيف، لكن لجزئه الأخير شواهد في غير هذا الحديث.","vol":"2","page":345},{"text":"قصدوا قالوا سنبلغ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا» (^١).\nوقد تقدم في باب ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] حديث العباس بن عبد المطلب وفيه: «ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا: من أقرأ منا، من أعلم منا»؟ ثم التفت إلى أصحابه، فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا، قال: أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-510>باب منه</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة» (^٢). وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية.\nوعنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تذهب الليالي حتى يملك رجل يقال له الجهجاه» (^٣) - في غير مسلم -: «رجل من الموالي، يقال له: جهجاه»، فسقط من رواية الجلودي «من الموالي» وهو خطأ.\nوعنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» (^٤).\nوخرّج البخاري ومسلم عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (^٥).\n(الترمذي) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ستخرج نار من حضرموت قبل القيامة. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام» (^٦) قال: حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن عمر.\n(البخاري) عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» (^٧).\n(الترمذي) عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (٥٣١/ ٣٣٤٦/٢) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١١٦) ومسلم (٢٩٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩١١) وأحمد (٢/ ٣٢٩) وغيرها.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٥١٧) ومسلم (٢٩١٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧١١٨) ومسلم (٢٩٠٢).\n(^٦) أخرجه الترمذي (٢٢١٧)، وصححه الألباني.\n(^٧) أخرجه البخاري (٣٣٢٩).","vol":"2","page":346},{"text":"شراركم» (^١) قال: هذا حديث غريب، خرجه ابن ماجه أيضا.\nوذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر ابن حوشب، عن أبي هريرة، قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فقعد الذئب على تل، فأقعى واستقرّ وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله. أخذته، ثم انتزعته مني؟! فقال الرجل: بالله إن رأيت كاليوم، ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم. قال: فكان الرجل يهوديّا فجاء إلى النبي ﷺ، فأخبره وأسلم فصدّقه النبي ﷺ، ثم قال النبي ﷺ: «إنها أمارات بين يدي الساعة قد يوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده» (^٢).\nويروى هذا عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال رسول الله ﷺ: «صدق الراعي إلا إن من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بحديث أهله بعده».\n(الترمذي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» (^٣). قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون.\nقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: حكم أبو عيسى بصحته، ونظرنا سنده دون أن نقلده فوجدنا له علة، قال أبو عيسى: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم بن الفضل، قال: حدّثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. قال ابن دحية: سفيان بن وكيع لم يخرّج له البخاري ومسلم حرفا واحدا في صحيحيهما، وذلك بسبب ورّاق كان له يدخل عليه الحديث الموضوع، يقال له: قرطمة. قال البخاري: يتكلمون في سفيان لأشياء لقّنوه إياها.\nوقال أبو محمد بن عدي: كان سفيان إذا لقّن يتلقّن، فهذه علة الحديث التي جهلها أبو عيسى الترمذي.\n(مسلم) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٧٠) وابن ماجه (٤٠٤٣)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٦) بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢١٨١)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":347},{"text":"ويفيض، وحتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-511>فصل حول ذي الخلصة والخلصة</span>\nثبت حديث ذي الخلصة في الصحيحين؛ أن رسول الله ﷺ بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى هذا البيت، قال جرير: فنفرت إليها في مائة وخمسين من أحمس، فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده (^٢).\nقال أبو الخطاب بن دحية: وذو الخلصة بضم الخاء واللام في قول أهل اللغة والسير، وبفتحها؛ قيّدناه في الصحيحين وكذا قال ابن هشام، وقيده الإمام أبو الوليد الكناني الوقشي بفتح الخاء وسكون اللام، وكذا قال ابن زيد، واختلف فيه؛ فقيل: هو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب. وقيل: هو صنم كان عمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة حتى نصبت الأصنام في مواضع شتى، وكانوا يلبسونه القلائد ويعلقون عليه بيض النعام ويذبحون عنده، وقيل: ذو الخلصة؛ هي الكعبة اليمانية فكان معناهم في تسميتها بذلك أن عبادة خالصة.\nوالمعنى المراد بالحديث: أنهم يرتدّون ويرجعون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان، فترسل نساء دوس طائفات حوله فترتج أردافهن عند ذلك، في آخر الزمان، وذلك بعد موت جميع من في قلبه مثقال حبة من إيمان، وهو كما جاء في حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تذهب الليالي والأيام حتى تعبد اللات والعزى» الحديث وسيأتي بكماله.\nوقوله: «يسوق الناس بعصاه»: كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه، ولم يرد نفس العصا، وإنما ضرب بها مثلا لطاعتهم له واستيلائه عليهم، إلا أن في ذكرها دليلا على خشونته عليهم وعسفه بهم. وقد قيل: إنه يسوقهم بعصاه كما تساق الإبل والماشية، وذلك لشدة عنفه وعدواه ولعل هذا الرجل القحطاني هو الرجل الذي يقال له الجهجاه، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع، يقال: جهجهت بالسبع أي زجرته بالصياح ويقال: جهجه عني أي انته. وهذه الصفة توافق ذكر العصا والله أعلم.\nوثبت عن رسول الله ﷺ من رواية عائذ بن عمرو - وكان ممن بايع تحت الشجرة - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاء الحطمة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٢٣) ومسلم (٢٤٧٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٣٠).","vol":"2","page":348},{"text":"والرعاة في اللغة: جمع راع، وضرب رسول الله ﷺ بهذا مثلا لوالي السوء؛ لأن الحطمة هو الذي يعنف بالإبل في السوق والإيراد والإصدار، فيحطمها أي: يكسرها ولا يكاد يسلم من فساده شيء، وسوّاق حطم كذلك يعنف في سوقه.\nوقوله: «حتى تخرج نار من أرض الحجاز»؛ فقد خرجت نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة عظيمة، وذلك ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقرطبة عند قاع التنعيم بطرف الحرة يحيط بها ثري في صورة البلد العظيم، كأعظم ما يكون البلدان، عليها سور يحيط بها عليه شرافات كشرافات الحصون، وأبراج ومآذن ويرى رجال يقودونها لا تمرّ على جبل إلا دكّته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق له دويّ كدويّ الرعد، يأخذ الصخور والجبال بين يديه وينتهي إلى البحرة محط الركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم وانتهت النار إلى قرب المدينة، وكان يلي المدينة ببركة النبي ﷺ نسيم بارد، ويشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها. قال لي بعض أصحابنا. ولقد رأيتها صاعدة في الهواء من جحر مسيرة خمسة أيام من المدينة.\nقلت: وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى من بعد هذه النار أخرى أرضية بحرم المدينة أحرقت جميع الحرم، حتى إنها أذابت الرصاص التي عليها العمد فوقعت ولم يبق غير السور واقفا، ونشأ بعد ذلك أخذ بغداد بتغلب التتر عليها، فقتل من كان فيها وسباه، وذلك عمود الإسلام وماؤه، فانتشر الخوف وعظم الكرب وعمّ الرّعب، وكثر الحزن، فانتشر التتر في البلاد وبقي الناس حيارى سكارى بغير خليفة ولا إمام، ولا قضاء، فزادت المحنة وعظمت الفتنة.\nلو لم يتدارك الله سبحانه بالعفو والفضل والمنة. أما قوله: «وستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل القيامة» فلعلها النار التي جاء ذكرها في حديث حذيفة. قال: قال رسول الله ﷺ: «لتقصدنكم اليوم نار هي اليوم خامدة في واد يقال له برهوت، يغشى الناس فيها عذاب أليم، تأكل الأنفس والأموال، تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرّها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين الأرض والسماء دويّ كدوي الرعد القاصف، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش».\nقلت: يا رسول الله؛ هي يومئذ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: «وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ هم شر من الحمر، يتسافدون كما تتسافد البهائم، وليس فيهم رجل","vol":"2","page":349},{"text":"يقول: مه مه» (^١). كذا رواه أبو نعيم الحافظ في باب مكحول أبي عبد الله إمام أهل الشام، عن أبي سلمة، عنه عن حذيفة.\nوقوله: «عذبة سوطه»: يريد السير المعلق في طرف السوط وفي هذا الحديث ما يرد على كفرة الأطباء والزنادقة الملحدين، وأن الكلام ليس مرتبطا بالهيبة والبله، وإنما الباري جلت قدرته يخلقه متى شاء، في أي شيء شاء، من جماد أو حيوان، على ما قدره الخالق الرحمن، فقد كان الحجر والشجر يسلّمان عليه ﷺ تسليم من نطق وتكلّم، ثبت ذلك في غير ما حديث، وهو قول أهل أصول الدين في القديم والحديث، وثبت باتفاق حديث البقرة والذئب وأنهما تكلّما، على ما أخبر عنهما ﷺ في الصحيحين، قاله ابن دحية.\nوقوله: «حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا» إخبار عن خروج عادتهم من إنتاج الكلأ ومواضع العشب، بحفر الأنهار وغرس الأشجار وبناء الديار.\n\n<span data-type='title' id=toc-512>باب منه آخر</span>\n(أبو عمر بن عبد البر) عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إن بين يدي الساعة التسليم على الخاصة، وفشوّ التجارة حتى تعيب المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشو القلم، وظهور شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق» (^٢).\nقال أبو عمر ابن عبد البر: أما قوله: «وفشو القلم» فإنه أراد ظهور الكتاب وكثرة الكتاب، خرجه أبو جعفر الطحاوي بلفظه ومعناه، إلا أنه قال: حتى «تعين المرأة» بدل تعيب، ولم يذكر: وقطع الأرحام، ذكره أبو محمد عبد الحق.\nوخرّج أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا ابن فضالة، عن الحسن، قال: قال عمرو بن تغلب سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجانّ المطرقة، وإن من أشراط الساعة أن تكثر التجارة ويظهر القلم» (^٣).\nوذكر ابن المبارك عن ابن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويفيض المال، ويظهر القلم، وتكثر التجارة». قال الحسن: لقد أتى علينا زمان إنما يقال تاجر بني فلان وكاتب بني فلان، ما يكون في الحي إلا التاجر الواحد والكاتب الواحد.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم (٥/ ١٩٣) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧، ٤١٩)، وهو صحيح؛ انظر «الصحيحة» (٦٤٧).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١١٧١) وأحمد (٥/ ٧٠)، وهو صحيح.","vol":"2","page":350},{"text":"وذكره أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن مسعود، قال: كان يقال: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المساجد طرقا، وأن يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وأن يتجر الرجل وامرأته جميعا، وأن تغلو مهور النساء والخيل ثم ترخص، فلا تغلو إلى يوم القيامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>باب منه</span>\n(البخاري) عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل، ويظهر الزنا وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» (^١). أخرجه مسلم من حديث أنس.\n(مسلم) عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل بالصدقة من الذهب لا يجد أحدا يأخذها منه ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-514>باب</span>\nقوله: «ويرى الرجل يتبعه أربعون امرأة» يريد - والله أعلم - أن الرجال يقتلون في الملاحم، وتبقى نساؤهم أرامل، فيقبلن على الرجل الواحد في قضاء حوائجهن ومصالح أمورهن، كما قال في الحديث الآخر قبله: «حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» الذي يسوسهنّ، ويقوم عليهن من بيع وشراء وأخذ وعطاء، وقد كان هذا عندنا أو قريبا منه بالأندلس.\nوقيل: إن لقلة الرجال وغلبة الشبق على النساء يتبع الرجل الواحد أربعون امرأة، كل واحدة تقول: أنكحني، والأول أشبه.\nويكون معنى: «يلذن» يستترن ويتحرزن، من الملاذ الذي هو السترة، لا من اللذة.\nولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أخو شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر ﵀، أنه ربط نحوا من خمسين امرأة واحدة بعد أخرى في حبل واحد مخافة سبي العدو، حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله.\nوأما ظهور الزنا فذلك مشهور في كثير من الديار المصرية. من ذلك مأثور.\nومن ذلك إظهار الخمر والماخور، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٠) ومسلم (٢٦٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤١٤) ومسلم (١٠١٢).","vol":"2","page":351},{"text":"وأما قلّة العلم وكثرة الجهل فذلك شائع في جميع البلاد ذائع - أعني برفع العلم وقلة ترك العمل به - كما قال عبد الله بن مسعود: «ليس حفظ القرآن بحفظ حروفه، ولكن إقامة حدوده» (^١) ذكره ابن المبارك، وسيأتي هذا المعنى مبينا مرفوعا، إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-515>٢٦٤ - باب كيف يقبض العلم</span>\n(البخاري ومسلم) رحمهما الله، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم إن أعطاكموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبضه العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهّال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلّون ويضلون» (^٢).\nوفي رواية: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا».\nانتزاعا مصدر من غير اللفظ، كما قال الله ﷿: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧].\n(أبو داود) عن سلامة بن الحر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد الإمامة فلا يجدوا إماما يصلي بهم» (^٣).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-516>٢٦٥ - باب ما جاء أن الأرض تخرج ما في جوفها من الكنوز والأموال</span>\nروى الأئمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا». وفي رواية: «عن جبل من ذهب».\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في «زوائد الزهد» (٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥٨١)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":352},{"text":"لفظ البخاري ومسلم. وقال مسلم في رواية: «فيقتتل الناس عليه فيقتل من كان مائة تسعة وتسعون، ويقول كل واحد منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو». وقال ابن ماجه:\n«فيقتل الناس عليه فيقتل من كل عشرة تسعة» (^١).\nوخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (^٢). لم يذكر الترمذي السارق وقطع يده، وقال: حديث حسن صحيح غريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-517>فصل</span>\nقال الحليمي ﵀ في كتاب «منهاج الدين» له: وقال ﵊: «يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا» فيشبه أن يكون هذا في آخر الزمان الذي أخبر النبي ﷺ أن المال يفيض فيه فلا يقبله أحد، وذلك زمن عيسى ﵇، فلعل بسبب هذا الفيض العظيم ذلك الجبل مع ما يغنمه المسلمون من أموال المشركين، ويحتمل أن يكون نهيه عن الأخذ من ذلك الجبل لتقارب الأمر وظهور أشراطه، فإن الركون إلى الدنيا والاستكثار مع ذلك جهل واغترار، ويحتمل أن يكون إذا حرصوا على النيل منه تدافعوا وتقاتلوا، ويحتمل أن يكون لا يجري به مجرى المعدن، فإذا أخذه أحدهم ثم لم يجد من يخرج حق الله إليه لم يوفق بالبركة من الله تعالى فيه، فكان الانقباض عنه أولى.\nقال المؤلف ﵀: التأويل الأوسط هو الذي يدل عليه الحديث، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-518>٢٦٦ - باب في ولاة آخر الزمان وصفتهم وفيمن ينطق في أمر العامة</span>\n(البخاري) عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ في مجلس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١١٩) ومسلم (٢٨٩٤) وأحمد (٢/ ٣٤٦، ٤١٥) وأبو داود (٤٣١٣) والترمذي (٢٥٦٩) وابن ماجه (٤٠٤٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠١٣) والترمذي (٢٢٠٨).","vol":"2","page":353},{"text":"يحدث القوم إذ جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعد القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع ما قال، حتى إذا قضى حديثه قال: «أين السائل عن الساعة؟» قال: ها أنا ذا يا رسول الله ﷺ قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (^١).\nقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀: الرواية الصحيحة عند جميع رواة البخاري: إذا وسّد، ورواه الفقيه الإمام المحدث أبو الحسن القابسي: أسّد قال:\nوالذي أحفظ وسّد، وفي نسخة من البخاري إشكال بين وسّد أو أسّد على ما قيد له، لأنه كان أعمى، وهما بمعنى، قال أهل اللغة: يقال إساد ووساد واشتقاقهما واحد، يقال: إساد ووسادة ووساد، فمعنى قوله ﷺ: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله» أي: أسند وجعل إليهم وقلدوه بمعنى الإمارة كما في زماننا اليوم، لأن الله تعالى ائتمن الأئمة والولاة على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، لقوله ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (^٢). فينبغي لهم تولية أهل الدين والأمانة للنظر في أمور الأمة، فإذا قلّدوا غير أهل الدين فقد ضيّعوا الأمانة التي فرض الله عليهم.\nوخرج مسلم من حديث جبريل الطويل وفيه قال: «أخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربّتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان».\nوفي رواية: «إذا رأيت المرأة تلد ربّها فذاك من أشراطها وإذا رأيت الحفاة العراة الصمّ البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها».\n(الترمذي) عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» (^٣). قال: حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو.\nوخرج الغيلاني أبو طالب محمد؛ حدّثنا أبو بكر والشافعي، حدثنا موسى بن سهل بن كثير، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عبد الملك بن قدامة، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يصدّق فيها الكاذب ويكذّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٢٠٩)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":354},{"text":"الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: يا رسول الله؛ وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه ينطق في أمر العامة» (^١).\nوقال أبو عبيد: التافة: الرجل الخسيس، الخامل من الناس، وكذلك كل شيء خسيس فهو تافه. قال: ومما يثبت حديث الرويبضة الحديث الآخر أنه قال:\n«من أشراط الساعة أن ترى رعاء الشاء رؤوس الناس، وأن ترى العراة الحفاة يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربّتها». وذكر أبو عبيد في «الغريب» له في حديث النبي ﷺ:\n«لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول ويظهر التحوت» قالوا: يا رسول الله؛ وما الوعول، وما التحوت؟ قال: «الوعول وجوه الناس، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس، لا يعلم بهم» (^٢).\nوأسند أبو نعيم عن حذيفة مرفوعا: «من أشراط الساعة علوّ أهل الفسق في المساجد، وظهور أهل المنكر على أهل المعروف». فقال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: «دع وكن حلسا من أحلاس بيتك».\nوفي معناه أنشدوا:\nأيا دهر أعملت فينا أذاكا … ووليتنا بعد وجه قفاكا\nقلبت الشرار علينا رؤوسا … وأجلست سفلتنا مستواكا\nفيا دهر إن كنت عاديتنا … فها قد صنعت بنا ما كفاكا\nوقال آخر:\nذهب الرجال الأكرمون ذوو الحجا … والمنكرون لكلّ أمر منكر\nوبقيت في خلف يزين بعضهم … بعضا ليدفع مغرور عن معور\n\n<span data-type='title' id=toc-519>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الباب وغيره مما تقدم ويأتي قد ظهر أكثره وشاع في الناس معظمه، فوسد الأمر إلى غير أهله وصار رؤوس الناس أسافلهم عبيدهم وجهالهم، فيملكون البلاد والحكم في العباد، فيجمعون الأموال ويطيلون البنيان، كما هو مشاهد في هذه الأزمان، فلا يسمعون موعظة ولا ينزجرون عن معصية، فهم صم بكم عمي. قال قتادة: صم عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عمي عن الإبصار له، وهذه صفة أهل البادية والجهالة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩١) وغيره، وهو حديث حسن؛ انظر «الصحيحة» رقم (١٨٨٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":355},{"text":"والبهم: جمع بهيمة، وأصلها صغار الضأن والمعز، وقد فسّره في الرواية الأخرى في قوله: رعاء الشاة، وقوله: وأن تلد الأمة ربّها، وفي رواية: ربتها تأنيث ربّ؛ أي: سيدها، وقال وكيع: هو أن تلد العجم العرب، ذكره ابن ماجه في السنن (^١).\nقال علماؤنا: وذلك بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسرّي، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه ومنزلته بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين واتساع خطتهم، وكثرة الفتوح، وهذا قد كان.\nوقيل: هو أن يبيع السادات أمهات الأولاد ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة فربما يشتريها ولدها ولا يشعر، فيكون ربها، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد وهم الجمهور.\nوقيل: المراد أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي هريرة المرأة مكان الأمة.\nوقوله ﵊: «حتى يكون الولد غيظا». وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nقلت: وهذا ظاهر في الوجود من غير نكير مستفيض وشهير.\nوقيل: إنما كان سيدها ربها لأنه كان سبب عتقها، كما قال ﵊ في مارية: «أعتقها ولدها» (^٢).\nقلت: وقول خامس سمعت شيخنا الأستاذ المحدث النحوي المقرئ أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن حجة، يقوله غير مرة، وهو الإخبار عن استيلاء الكفار على بلاد المسلمين كما في هذه الأزمان التي قد استولى فيها العدو على بلاد الأندلس وخراسان وغيرهما من البلدان، فتسبى المرأة وهي حبلى أو ولدها صغير، فيفرق بينهما فيكبر الولد فربما يجتمعان ويتزوجها، كما قد وقع من ذلك كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويدل على هذا قوله: «إذا ولدت المرأة بعلها»، وهذا هو المطابق للأشراط، مع قوله ﵊: «لا تقوم الساعة حتى تكون الروم أكثر أهل الأرض»، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) رقم (٦٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥١٦)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-520>٢٦٧ - باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة حل بها البلاء</span>\n(الترمذي) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء». قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال:\n«إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته وعقّ أمّه، وبرّ صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا» (^١). قال: هذا حديث غريب، وفي إسناده فرج بن فضالة، وضعّف من قبل حفظه.\nوخرج أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اتّخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلّم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعقّ أمّه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو زلزلة وخسفا ومسخا وقذفا، وآيات متتابعات كنظام بال قطع سلكه فتتابع» (^٢). قال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-521>باب منه</span>\n(أبو نعيم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يمسخ قوم من أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير» قيل: يا رسول الله؛ ويشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ويصومون؟ قال: «نعم». قيل: فما بالهم يا رسول الله؟ قال: «يتخذون المعازف والقينات والدفوف، ويشربون الأشربة فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير» (^٣).\n(ابن ماجه) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «ليشربن ناس\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢١٠)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٢١١)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم (٣/ ١١٩، ١٢٠)، وإسناده ضعيف.","vol":"2","page":357},{"text":"من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالدفوف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (^١).\nخرجه أبو داود عن مالك بن أبي مريم قال: دخلنا على عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء قال: حدّثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:\n«ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» (^٢). زاد ابن أبي شيبة: «يضرب على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض» (^٣).\nقال أبو محمد عبد الحق: روياه جميعا من حديث معاوية بن صالح الحمصي، وقد ضعّفه قوم منهم؛ يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد، فيما ذكره ابن أبي حاتم، وقال أبو حاتم فيه: حسن الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، ووثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة.\n(البخاري) عن أبي مالك الأشعري، أو عن أبي عامر؛ سمع النبي ﷺ قال:\n«ليكونن ناس من أمتي يستحلون الحر والحرير والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عالم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (^٤).\nقال المؤلف ﵀: هذا يصحح ما قبله من الأحاديث، والحر: هو الزنا، قاله الباهلي، ويروى الخز بالخاء والزاي، والصواب ما تقدم.\n\n<span data-type='title' id=toc-522>باب منه</span>\nذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي قال: أنبأنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية أن وجّه نضلة بن معاوية الأنصاري إلى حلوان العراق فليغيروا على ضواحيها. قال: فوجّه سعد نضلة في ثلاثمائة فارس، فخرجوا حتى أتوا حلوان العراق، فأغاروا على ضواحيها، فأصابوا غنيمة وسبيا، فأقبلوا يسوقون الغنيمة والسبي حتى رهقهم العصر، وكادت الشمس أن تئوب، قال: فألجأ نضلة الغنيمة والسبي إلى سفح الجبل، ثم قال: فأذّن، فقال: الله أكبر فإذا مجيب من الجبل يجيب كبّرت تكبيرا يا نضلة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٢٠)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٦٨٨)، وصححه الألباني.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧/ ٤٦٥).\n(^٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» معلقا رقم (٥٥٩٠)، ووصله أبو داود وغيره، وانظر «فتح الباري» (١٠/ ٥٤).","vol":"2","page":358},{"text":"الله، قال: كلمة الإخلاص يا نضلة، قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: هذا النذير، وهو الذي بشّر به عيسى ﵇ وعلى رأس أمته تقوم القيامة، قال: حي على الصلاة، قال: طوبى لمن مشى إليها وواظب عليها، قال: حي على الفلاح، قال: أفلح من من أجاب محمدا ﷺ وهو البقاء لأمة محمد ﷺ، قال: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة، فحرّم الله بها جسدك على النار، فلما فرغ من أذانه قمنا، فقلنا له: من أنت يرحمك الله، أملك أنت أم ساكن من الجن، أم طائف من عباد الله؟ سمعنا صوتك فأرنا شخصك، فإنا وفد الله ووفد رسوله ووفد عمر بن الخطاب، قال: فانفلق الجبل عن هامة كالرحى أبيض الرأس واللحية، وعليه طمران من صوف، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قلنا: وعليك السلام ورحمته وبركاته، من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا زرنب بن برثملا وصيّ العبد الصالح عيسى ابن مريم أسكنني هذا الجبل، ودعا لي بطول البقاء إلى نزوله من السماء فيقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويتبرّأ مما نحلته النصارى، فأما إذ فاتني لقاء محمد ﷺ فأقرءوا عمر مني السلام وقولوا له يا عمر: سدّد وقارب فقد دنا الأمر، وأخبروه بهذا الخصال التي أخبركم بها، إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد ﷺ الهرب فالهرب؛ إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وانتسبوا في غير مناسبهم، وانتموا إلى غير مواليهم، ولم يرحم كبيرهم صغيرهم، ولم يوقّر كبيرهم صغيرهم، وترك المعروف فلم يؤمر به وترك المنكر فلم ينه عنه، وتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدراهم والدنانير، وكان المطر قيظا، والولد غيظا، وطوّلوا المنارات، وفضّضوا المصاحف، وشيّدوا البناء، واتبعوا الشهوات، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء، وقطعت الأرحام، وبيع الحكم، وأكل الربا، وصار الغنى عزّا، وخرج الرجل من بيته فقام إليه من هو خير منه فسلم عليه، وركبت النساء السروج، ثم غاب عنا قال: فكتب بذلك نضلة إلى سعد، فكتب سعد إلى عمر، وكتب عمر إلى سعد، يا سعد لله أبوك سر أنت ومن معك من المهاجرين والأنصار، حتى تنزلوا هذا الجبل، فإن لقيته فأقرئه مني السلام، فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن بعض أوصياء عيسى ابن مريم نزل ذلك الجبل ناحية العراق، قال: فخرج سعد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار حتى نزل ذلك الجبل فأقام أربعين يوما ينادي:\nبالأذان في كل وقت صلاة، فلا جواب (^١).\nقال الخطيب: تابع إبراهيم بن رجاء أبو موسى عبد الرحمن الراسبي على روايته عن مالك، وليس بثابت من حديثه.\n_________\n(^١) قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ٥٤٦): «وهذا شيء ليس بصحيح».","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-523>باب منه آخر</span>\nخرج أبو نعيم، من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة؛ إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفا، والكذب صدقا، والحرير لباسا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وصدق الكاذب، وكذب الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظا، والولد غيظا، وفاض اللئام فيضا، وغاض الكرام غيضا، وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة، إذا لبسوا مسوح الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمرّ من الصبر يغشّيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة، وتظهر الصفراء يعني الدنانير، وتطلب البيضاء يعني الدراهم، وتكثر الخطايا، وتغل الأمراء، وحليت المصاحف، وصورت المساجد، وطولت المنابر، وخربت القلوب، وشربت الخمور، وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة قد صاروا ملوكا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بالله وشهد المرء من غير أن يستشهد، وسلم للعرفة، وتفقه لغير الدين، وطلبت الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه، وجفا أمه، وبر صديقه، وأطاع زوجته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق واتخذ الظلم فخرا، وبيع الحكم، وكثر الشرط، واتخذ القرآن مزامير، وجلود السباع صفاقا، والمساجد طرقا، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا وآيات» (^١). غريب من حديث عبد الله بن عمير، عن حذيفة، لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة.\nقال المؤلف ﵀: وهذه الخصال قد تقدم ذكرها في أحاديث متفرقة، وكلها بينة المعنى، إلا قوله: وجلود السباع صفاقا. قال الجوهري: الصفاق الجلد الرقيق تحت الجلد الذي عليه الشعر.\nوخرج الدارقطني، عن عامر الشعبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا، فيقال: لليلتين، وأن تتّخذ المساجد طرقا، وأن يظهر موت الفجأة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٥٨) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير (٢/ ١٢٩)، وحسّنه الألباني في «الصحيحة» (٢٢٩٢).","vol":"2","page":360},{"text":"قال الجوهري: معنى قبلا؛ أن يرى ساعة يطلع لعظمه، ويوضّحه حديث آخر: «من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة» (^١). ويقال: رأيت الهلال قبلا، وقبلا؛ أي:\nمعاينة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>باب منه</span>\nخرّج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا عمر بن أبي عمر؛ قال: حدّثنا هشام بن خالد الدمشقي، عن إسماعيل بن عياش، عن ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير» (^٢).\nقال أبو عبد الله: فالمسخ تغيّر الخلقة عن جهتها، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلم عن مواضعه، فمسخوا أعين الخلق وقلوبهم عن رؤية الحق؛ فمسخ الله صوّرهم وبدّل خلقهم كما بدّلوا الحق باطلا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-525>٢٦٨ - باب في رفع الأمانة والإيمان عن القلوب</span>\nروى الأئمة البخاري ومسلم وابن ماجه وغيرهم، واللفظ لمسلم، عن حذيفة قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، حدّثنا:\n«أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال - قال ابن ماجه: قال الطنافسي: يعني وسط قلوب الرجال - ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» ثم حدّثنا عن رفع الأمانة قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله فنفط، فيصبح الناس يتبايعون لا كاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل:\nما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» ولقد أتى عليّ زمان ما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما ليردّنه على دينه، ولئن كان نصرانيّا أو يهوديّا ليردّنه على ساعيه، فأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في في «الصغير» (٢/ ٤١ - ٤٢)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٧٧٤).\n(^٢) إسناده ضعيف.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٩٧، ٧٠٨٦) ومسلم (١٤٣) والترمذي (٢١٧٩) وابن ماجه (٤٠٥٣).","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-526>فصل</span>\nالجذر: بالذال المعجمة، ويقال: بفتح الجيم وكسرها، وهو الأصل من كل شيء من النسب والحساب والشجر وغيره. والوكت: بإسكان الكاف؛ وهو الأثر اليسير، يقال: أوكتت البسرة: إذا ظهرت فيها نكتة من الإرطاب، وهو مصدر وكته يكته وكتا، وهو أيضا مثل نكتة في العين وغيرها. والمجل: هو النفخ الذي يرتفع من جلد باطن اليد عند العمل بفأس أو مجذاف، أو نحوه، يحتوي على ماء ثم يصلب ويبقى عقدا. قال ابن دحية: قيدناه في الحديث بسكون الجيم، وأجاز أهل اللغة والنحو فتح الجيم، مصدر مجلت يده تمجل مجلا، بفتح الجيم في المصدر، إذا غلظت من العمل.\nوقوله: «فنفط» أي: ارتفع جلدها وانتفخ فتراه منتبرا، أي: منتفطا، ومعناه:\nمرتفعا جلده من لحمه، وهو افتعال من النبر وهو الرفع، وكل شيء رفع شيئا فقد نبره، ومنه اشتق المنبر وأراد بذلك خلو القلوب من الأمانة كما يخلو المجل المنتبر عن شيء يحويه، كجمر دحرجته يعني أطلقته فينطلق ظهر اليدين من ذلك.\nوقول حذيفة: «لقد أتى عليّ زمان» الحديث؛ يعني كانت الأمانة موجودة، ثم قلّت في ذلك الزمان. وقوله: «ليردنه على ساعيه» يعني من كان رئيسا مقدما فيهم واليا عليهم أن ينصفني منه، وإن لم يكن له إسلام، وكل من ولي على قوم فهو ساع لهم. وقوله:\n«فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا». قال أبو عبيدة: هو من البيع والشراء لقلة الأمانة.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-527>٢٦٩ - باب في ذهاب العلم ورفعه وما جاء أن الخشوع والفرائض أول علم يرفع من الناس</span>\n(ابن ماجه) قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئا قال: «ذاك عند أوان ذهاب العلم» قلت: يا رسول الله؛ كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء منهما»؟ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٤٨)، وصحّحه الألباني.","vol":"2","page":362},{"text":"وخرجه الترمذي، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا على شيء منه» فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا ونحن قد قرأنا القرآن؟ فو الله لنقرأه ولنقرئه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم»؟\nقال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع؛ يوشك أن يدخل الرجل مسجد جماعة فلا يرى فيه رجلا خاشعا (^١).\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا أعلم أحدا تكلّم فيه غير يحيى بن سعيد القطان.\nوروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ.\nقال المؤلف ﵀: خرجه بهذا الإسناد الحافظ أبو محمد عبد الغني، فقال: حدّثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، قال: حدّثنا يحيى بن أيوب، حدّثنا يحيى بن بكير، قال حدّثنا الليث، قال: حدّثني إبراهيم بن أبي عبلة، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، قال: حدّثني عوف بن مالك الأشجعي، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى السماء يوما، وقال: «هذا أوان رفع العلم» فقال له رجل من الأنصار، يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله؛ وكيف يرفع العلم وقد كتب في الكتب ووعته الصدور؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة» وذكر اليهود والنصارى وضلالتهم على ما في أيديهم من كتاب الله، فذكرت ذلك لشداد بن أوس فقال: صدق عوف بن مالك. ألا أخبرك بأول ذلك: يرفع الخشوع حتى لا ترى رجلا خاشعا. ذكره في باب تقييد الحديث بالكتابة، وهو حديث حسن.\nقلت؛ وقد ذكرناه في مسند زياد بن لبيد بإسناد صحيح، على ما ذكره ابن ماجه، وهو يبين لك ما ذكرناه من أن المقصود برفع العلم العمل به كما قال عبد الله ابن مسعود: «ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن إقامة حدوده» ثم بعد رفع العمل بالعلم يرفع الرّقم والكتابة، ولا يبقى في الأرض من القرآن آية تتلى، على ما يأتي في الباب بعد هذا.\nوقد خرّج الدارقطني وابن ماجه، من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٥٤)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":363},{"text":"قال: «تعلّموا الفرائض وعلّموها للناس فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي» (^١). لفظ الدارقطني، ولا تعارض والحمد لله، فإن الخشوع من علم القلوب والفرائض من علم الظاهر، فافترقا والحمد لله.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-528>٢٧٠ - باب في دروس الإسلام وذهاب القرآن</span>\n(ابن ماجه) قال: أخبرنا علي بن محمد، قال: أنبأنا معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسرى بكتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية، وتبقى طوائف من الناس؛ الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها» قال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردّها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه حذيفة فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثا (^٢).\nقلت: هذا إنما يكون عند موت عيسى ﵇ لا عند خروج يأجوج ومأجوج، على ما تقدم من رواية مقاتل.\nوذكر أبو حامد من رفعه فإن عيسى ﵇ إنما ينزل مجددا لما درس من هذه الشريعة فإنه يحججه، على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-529>٢٧١ - باب العشر آيات التي تكون قبل الساعة وبيان قوله تعالى ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾</span>\nروي عن حذيفة أنه قال: كنا جلوسا بالمدينة في ظل حائط، وكان رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٤/ ٦٧) وابن ماجه (٢٧١٩)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠٤٩)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":364},{"text":"ﷺ في غرفة، فأشرف علينا وقال: ما يجلسكم؟ فقلنا: نتحدث فقال: في ماذا؟ فقلنا: عن الساعة. فقال: «إنكم لا ترون الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات؛ أولها طلوع الشمس من مغربها ثم الدخان، ثم الدجال، ثم الدابة، ثم ثلاث خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، ولا يكون آخر ذلك نارا تخرج من اليمن من حفرة عدن، لا تدع أحدا خلفها إلا تسوقه إلى المحشر» (^١). ذكره القتبي في كتاب «عيون الأخبار» له.\nوخرّجه مسلم بمعناه، عن حذيفة قال: اطلع رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وثلاث خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا» (^٢). خرجه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية: «الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطردهم إلى محشرهم».\nوفي البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أول أشراط الساعة نار تخرج تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» (^٣).\n(مسلم) عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا منها» (^٤).\nوفي حديث حذيفة مرفوعا، ثم قال ﵊: «كأني أنظر إلى حبشيّ، أحمش الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، وقد صفّ قدميه على الكعبة هو وأصحاب له، وهم ينقضونها حجرا حجرا ويتداولونها بينهم حتى يطرحوها في البحر، فعند ذلك تكون علامات منكرات طلوع الشمس من مغربها، ثم الدجال، ثم يأجوج ومأجوج، ثم الدابة» (^٥). وذكر الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣١١) وابن ماجه (٤٠٥٥) وغيرهما، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٠١) وأبو داود (٤٣١١) والترمذي (٢١٨٣) وابن ماجه (٤٠٤١).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٤١).\n(^٥) تقدم.","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>فصل</span>\nجاءت هذه الآيات في هذه الأحاديث مجموعة غير مرتبة ما عدا حديث حذيفة المذكور أولا، فإن الترتيب فيه بثم، وليس الأمر كذلك على ما نبينه، وقد جاء ترتيبها من حديث حذيفة أيضا قال: كان رسول الله ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطّلع إلينا فقال: ««ما تذكرون»؟» قلنا: الساعة. قال: «إن الساعة لا تكون حتى تروا عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن، ترحل الناس».\nوقال بعض الرواة في العشرة: «ونزول عيسى ابن مريم»، وقال بعضهم:\n«وريح يلقى الناس في البحر» (^١) أخرجه مسلم.\nفأول الآيات على ما في هذه الرواية الخسوفات الثلاثة، وقد وقع بعضها في زمن النبي ﷺ. ذكره ابن وهب، وقد تقدم.\nوقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي أنه وقع بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة هلك بسببها خلق كثير.\nقلت: وقد وقع ذلك عندنا بشرق الأندلس فيما سمعنا من بعض مشايخنا بقرية يقال لها قطرطندة من قطر دانية، سقط عليها جبل هناك فأذهبها.\nوأخبرني أيضا بعض أصحابنا أن قرية من أعمال برقة يقال لها: ترسة، أصابها زلزلة شديدة هدت حيطانها وسقفها على أهلها فماتوا تحتها ولم ينج منهم إلا قليل.\nووقع في هذا الحديث دابة الأرض قبل يأجوج ومأجوج، وليس كذلك فإن أول الآيات ظهور الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم خروج يأجوج ومأجوج، فإذا قتلهم الله بالنغف في أعناقهم - على ما يأتي - وقبض الله تعالى نبيه عيسى ﵇، وخلت الأرض منه وتطاولت الأيام على الناس، وذهب معظم دين الإسلام، أخذ الناس في الرجوع إلى عاداتهم وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق، كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى بينه وبينهم حجة عليهم، ثم قبضه فيخرج الله تعالى لهم دابة من الأرض فتميز المؤمن من الكافر ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويستبصروا وينزعوا عما هم فيه من الفسوق والعصيان، ثم تغيب الدابة عنهم ويمهلون فإذا أصروا على طغيانهم طلعت الشمس\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٠١).","vol":"2","page":366},{"text":"من مغاربها، ولم يقبل بعد ذلك لكافر ولا فاسق توبة، وأزيل الخطاب والتكليف عنهم ثم كان قيام الساعة على أثر ذلك قريبا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فإذا قطع عنهم التعبد لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زمانا طويلا، هكذا ذكره بعض العلماء.\nوأما الدخان؛ فروي من حديث حذيفة عن النبي ﷺ: «إن من أشراط الساعة دخانا يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث في الأرض أربعين يوما».\nفأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران، يخرج الدخان من أنفه ومنخريه وعينيه وأذنيه ودبره، وقيل: هذا الدخان من آثار جهنم يوم القيامة.\nروي هذا عن علي وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وابن أبي مليكة والحسن، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].\nوقال ابن مسعود في هذه الآية: ما أصاب قريشا من القحط والجهد، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجهد، حتى أكلوا العظام، وقد مضت البطشة والدخان واللزام، والحديث عنه بهذا في كتابي مسلم والبخاري وغيرهما وقد فسّر البطشة بأنها وقعة بدر (^١).\nقال أبو الخطاب بن دحية: والذي يقتضيه النظر الصحيح حمل ذلك على قضيتين؛ إحداهما وقعت وكانت الأخرى ستقع وستكون، فأما التي كانت؛ فالتي كانوا يرون فيها كهيئة دخان وهي الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من الأشراط والعلامات، ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فيكشف عنهم ثم يعودون لقرب الساعة. وقول ابن مسعود لم يسنده إلى النبي ﷺ إنما هو من تفسيره، وقد جاء النص عن رسول الله ﷺ بخلافه.\nقال المؤلف ﵀: قد روي عن ابن مسعود أنهما دخانان، قال مجاهد:\nكان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه فتبعث عند ذلك الريح الجنوب من اليمن فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ويبقى شرار الناس.\nواختلف في البطشة واللزام، فقال أبيّ: هو القتل بالسيف يوم بدر. وإليه\n_________\n(^١) انظر «صحيح البخاري» (١٠٠٧) ومسلم (٢٧٩٨).","vol":"2","page":367},{"text":"نحا ابن مسعود، وهو قول أكثر الناس، وعلى هذا تكون البطشة واللزام شيئا واحدا. قال ابن مسعود: البطشة الكبرى وقعة بدر. وقيل: هي يوم القيامة، وأصل البطش: الأخذ بشدة وقع الألم. واللزام في اللغة: الفصل في القضية، وفسّره ابن مسعود بأن ذلك كان يوم بدر، وهو يوم البطشة الكبرى في قوله أيضا.\nوقيل: إن اللزام هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وهو العذاب الدائم.\nوأما الدجال فيأتي ذكره في أبواب أخرى. وأما الدابة فهي التي قال الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [القصص: ٨٢].\nوذكر أهل التفسير: أنه خلق عظيم يخرج من صدع من الصفا، لا يفوتها أحد، فتسم المؤمن فتنير وجهه ويكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر، وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن هذه الدابة هي الجساسة، على ما يأتي ذكرها في خبر الدجال، وروي عن ابن عباس أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه العقاب، وسيأتي بيانها.\nوأما قوله: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن» وفي الرواية الأخرى: «من قعر عدن» وفي الرواية الأخرى: «من أرض الحجاز»؛ قال القاضي عياض: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجهما من اليمن فظهورهما من الحجاز.\nقلت: أما النار التي تخرج من أرض الحجاز فقد خرجت على ما تقدم القول فيها، وبقيت النار التي تسوق الناس إلى المحشر، وهي التي تخرج من اليمن، وقد مضى القول في الحشر، ويأتي القول في طلوع الشمس من مغربها.\nفأما قول الله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فقد روي أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ آية، فأراهم القمر منشقّا نصفين والجبل بينهما، فقال: اشهدوا ثبت هذا في الصحيحين وغيرهما (^١).\nومن العلماء من قال: إنه ينشق، كقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١] أي: يأتي.\nقال الحليمي أبو عبد الله في كتاب «منهاج الدين» له: فإن كان هذا فقد أتى، ورأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقّا نصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت أنظر إليهما حتى اتّصلا كما كانا، ولكنهما في شكل واحد، شكل أترجّة ولم أمل طرفي عنهما إلى أن غابت، وكان معي ليلتئذ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٦٦) ومسلم (٢٨٠٠).","vol":"2","page":368},{"text":"كتيبة من شريف وفقيه وغيرهما من طبقات الناس، وكلهم رأى ما رأيت. وأخبرني من وثقت به أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقا نصفين. قال الحليمي: فقد ظهر أن قول الله «وانشق القمر» إنما خرج على الانشقاق الذي هو من أشراط الساعة دون الانشقاق الذي جعله الله آية لرسوله ﷺ.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-531>٢٧٢ - باب ما جاء أن الآيات بعد المائتين</span>\n(ابن ماجه) عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: «الآيات بعد المائتين» (^١).\nوعن زيد الرقاشي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: «أمتي على خمس طبقات؛ فأربعون سنة أهل بر وتقوى، ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل، ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع، ثم الهرج الهرج النجا النجا». وفي رواية عن أبي معن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى» (^٢) ثم ذكر نحوه.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-532>٢٧٣ - باب ما جاء فيمن يخسف به أو يمسخ</span>\n(أبو داود) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال له: «يا أنس؛ إن الناس يمصّرون أمصارا وإن مصرا منها يقال لها البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلأها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف ورجف وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير» (^٣).\nوخرج ابن ماجه، عن نافع. أن رجلا أتى ابن عمر فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، فقال له: بلغني أنه قد أحدث، فإن كان أحدث فلان فلا تقرئه مني\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٥٧)، وقال الألباني: «موضوع».\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠٥٨)، وضعّفه الألباني.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٠٧)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":369},{"text":"السلام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في أمتي أو في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف» (^١) ونحوه عن سهل بن سعد.\nوقد تقدمت الأخبار والأحاديث في خسف الجيش الذي يقصد مكة لقتال المهدي. خرجهما مسلم وغيره (^٢).\nوكذلك تقدم حديث البخاري وغيره، في باب إذا فعلت هذه الأمة خمس عشرة خصلة.\nوذكر الثعالبي في تفسيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والسراة يجتمع فيها جبابرة الأرض تجبى إليها الخزائن ويخسف بها - وفي رواية -: يخسف بأهلها، فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الجيد في الأرض الرخوة»، يقال: إنها بغداد، وقد تقدم، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-533>٢٧٤ - باب ذكر الدجال وصفته ونعته ومن أين يخرج، وما علامة خروجه وما معه إذا خرج وما ينجي منه، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى</span>\nقال ابن دحية: قال العلماء: الدجال في اللغة، يطلق على عشرة وجوه:\nالأول: أن الدجال الكذّاب، قاله الخليل وغيره، وأنها دجلة بسكون الجيم، ودجلة بفتحها كذبة، لأنه يدجل الحق بالباطل، وجمعه: دجّالون ودجاجلة في التكسير، وقد تقدم.\nالوجه الثاني: أن الدجال مأخوذ من الدجل، وهو طلاء البعير بالقطران، سمّي بذلك لأنه يغطي الحق ويستره بسحره وكذبه، كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجّالة، وهي القطران يهنأ به البعير، واسمه إذا فعل به ذلك المدجل، قاله الأصمعي.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٦١)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٨٢) وأحمد (٦/ ١٠٥) والنسائي (٥/ ٢٠٦، ٢٠٧) والترمذي (٢١٧١) وابن ماجه (٤٩٦٣).","vol":"2","page":370},{"text":"الوجه الثالث: إنما سمّي لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل لرجل، إذا فعل ذلك.\nالوجه الرابع: أنه من التغطية، لأنه يغطي الأرض بجموعه، والدجل:\nالتغطية، قال ابن دريد: كل شيء غطّيته فقد دجلته، ومنه سميت دجلة لانتشارها على الأرض وتغطية ما فاضت عليه.\nالوجه الخامس: سمّي دجالا لقطعه الأرض إذ يطأ جميع البلاد إلا مكة والمدينة، والدجالة الدفقة العظيمة.\nوأنشد ابن فارس في «المجمل» (^١):\nدجالة من أعظم الرفاق\nالوجه السادس: سمي دجالا لأنه يغرّ الناس بشره، كما يقال: لطّخني فلان بشره.\nالوجه السابع: الدّجال: الممخرق.\nالوجه الثامن: الدجال: المموّه؛ قاله ثعلب، ويقال: سيف مدجّل، إذا كان قد طلي بالذهب.\nالوجه التاسع: الدجّال: ماء الذهب الذي يطلي به الشيء فيحسن باطله وداخله خزف أو عود، سمي الدجال بذلك لأنه يحسن الباطل.\nالوجه العاشر: الدجّال: فرند السيف، والفرند جوهر السيف وماؤه، ويقال بالفاء والباء، إذ أصله عين صافية على ما تنطق به العجم فعرّبته العرب، ولذلك قال سيبويه: وهو عندهم خارج عن أمثلة العرب. والفرند أيضا: الحرير. وأنشد ثعلب:\nبحلية الياقوت والفرندا … مع الملاب وعبير أصردا\nأي خالصا. قال ابن الأعرابي: يقال للزعفران الشعر: والملاب والعبير والمردقوش والحشاد. ذكر هذه الأقوال العشرة الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀ في كتاب «مرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين».\n(مسلم) عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» وفي رواية: «من آخر سورة الكهف» (^٢).\n(أبو بكر بن أبي شيبة) عن الفلتان بن عاصم، عن النبي ﷺ قال: «أما مسيح\n_________\n(^١) «مجمل اللغة» (١/ ٣٤٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٠٩).","vol":"2","page":371},{"text":"الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض المنحر فيه اندفاء» (^١).\nقوله: فيه اندفاء، أي: انحناء.\n(مسلم) عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار» (^٢).\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأى العين ماء أبيض، والآخر رأى العين نار تأجّج، فإما أدركنّ أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض وليطأطئ رأسه فيشرب فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» (^٣).\nقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: كذا عند جماعة رواه مسلم، «فإما أدركن».\nقال ابن دحية: وهو وهم، فإن لفظه هو لفظ الماضي، ولم أسمع دخول نون التوكيد على لفظ الماضي إلا هاهنا، لأن هذه النون لا تدخل على الفعل الماضي وصوابه ما قيده العلماء في صحيح مسلم، منهم التميمي أبو عبد الله: «فإما أدركه أحد».\nوعن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيخ الدجال فقال: «إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيخ الدجال أعور العين اليمني، كأن عينه عنبة طافي» (^٤).\nقال: وقال رسول الله ﷺ: «أراني الليلة في المنام عند الكعبة فإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من آدم الرجال تضرب لمّته بين منكبيه، رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا يده على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو المسيح ابن مريم، ورأيت وراءه رجلا جعدا قططا أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضعا يديه على منكبي رجلين يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيخ الدجال» (^٥).\n(أبو بكر بن أبي شيبة) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «الدجال أعور جعد هجان أقمر، كأن رأسه غصنة شجرة، أشبه الناس بعبد العزى بن قطن الخزاعي، فإما أهلك الهلك فإنه أعور، وإن الله ليس بأعور» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٢٩) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣٤).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٦٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧١٢٧) ومسلم (١٦٩).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١٣٢)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١١٩٣).","vol":"2","page":372},{"text":"(أبو داود الطيالسي) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «أما مسيح الضلالة فإنه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض المنخر، فيه اندفاء مثل قطن بن عبد العزى» فقال له الرجل: أيضر بي يا رسول الله ﷺ شبهه؟ فقال: «لا أنت مسلم وهو كافر» (^١).\nوخرّج عن أبيّ بن كعب، قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ، أو قال ذكر النبي ﷺ الدجال فقال: «إحدى عينيه كأنه زجاجة خضراء، وتعوّذ بالله من عذاب القبر» (^٢).\n(الترمذي) عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدجال ليخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أفواج كأن وجوههم المجانّ المطرقة» (^٣). إسناده صحيح.\nوذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أبي هانئ العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفا عليهم السيجان» (^٤).\nوالسيجان: جمع الساج وهو طيلسان أخضر. وقال الأزهري: هو الطيلسان المقور بنسج كذلك.\n(الطبراني) عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ ذكر عنده الدجال فقال: «إن قبل خروجه ثلاثة أعوام تمسك السماء في العام الأول ثلثت قطرها والأرض ثلث نباتها، والعام الثاني تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والعام الثالث تمسك السماء قطرها والأرض نباتها حتى لا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف إلا مات» (^٥). وذكر الحديث.\nخرجه أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا هشام، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن أسماء وعبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء.\nوأخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة وفي بعض الروايات بعد قوله: «وفي السنة الثالثة يمسك الله المطر وجميع النبات، فما ينزل من السماء قطرة ولا تنبت الأرض خضرة ولا نباتا، حتى تكون الأرض كالنحاس والسماء كالزجاج، فيبقى الناس يموتون جوعا\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٥٣٢) بإسناد فيه ضعف.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٢٣ - ١٢٤)، وهو في «الصحيحة» (١٨٦٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٢٣٧)، وصححه الألباني.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣٩٣) بإسناد ضعيف جدا.\n(^٥) أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٣ - ٤٥٥) والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ١٥٨) وعبد الرزاق في «مصنفه» (٣٩١/ ٢٠٨٢١/١١) الطيالسي (١٦٣٣). وانظر «قصة المسيح الدجال …» للمحدث الألباني ﵀ ص ٧٦، ٧٧.","vol":"2","page":373},{"text":"وجهدا، وتكثر الفتن والهرج ويقتل الناس بعضهم بعضا ويخرج الناس بأنفسهم، ويستولي البلاء على أهل الأرض فعند ذلك يخرج الملعون الدجال من ناحية أصبهان من قرية يقال لها اليهودية، وهو راكب حمارا أبتر يشبه البغل ما بين أذني حماره أربعون ذراعا» (^١).\nومن نعت الدجل: أنه عظيم الخلقة، طويل القامة، جسيم أجعد قطط، أعور العين اليمنى، كأنها لم تخلق، وعينه الأخرى ممزوجة بالدم، وبين عينيه مكتوب: كافر، يقرؤه كل مؤمن بالله، فإذا خرج يصيح ثلاث صيحات ليسمع أهل المشرق والمغرب.\nويروى: أنه إذا كان في آخر الزمان تخرج من البحر امرأة ذات حسن وجمال بارع، فتدعو الناس إلى نفسها وتخترق البلاد فكل من أتاها كفر بالله، فعند ذلك يخرج الله عليكم الدجال.\nومن علامة خروجه فتح القسطنطينية، لأن الخبر ورد أن بين خروجه وفتح القسطنطينية سبعة أشهر، وقد تقدم هذا.\nوذكر أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا الحشرج بن نباتة قال: حدّثنا سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إنه لم يكن نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال، ألا وإنه أعور العين بالشمال، وباليمين ظفرة غليظة، بين عينيه، كافر، - يعني مكتوب كافر - يخرج معه واديان أحدهما جنة والآخر نار، فناره جنة وجنته نار، فيقول الدجال للناس: ألست بربّكم أحيي وأميت؟ ومعه ملكان يشبهان نبيين من الأنبياء إني لأعرف اسمهما واسم آبائهما، لو شئت أن أسميهما سميتهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول: ألست بربكم أحيي وأميت؟ فيقول أحدهما: كذبت فلا يسمعه من الناس أحد إلا صاحبه، ويقول الآخر صدقت، وذلك فتنة، ثم يسير حتى يأتي المدينة فيقول هذه قرية ذاك الرجل، فلا يؤذن له أن يدخلها، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عند عقبة أفيق» (^٢).\nوخرجه أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي في الجزء العاشر من «مختصر المعجم» له بمعناه فقال: حدّثنا محمد بن عبد الوهاب قال: حدّثنا حشرج، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا وقد حذّر أمّته الدجال إنه أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن بالله، معه واديان: أحدهما جنة والآخر نار، ومعه ملكان\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٧٧)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٩٦٣، ٣٢٢٦).\nقال الشيخ الألباني في «قصة المسيح الدجال» ص ٧٤: «إسناده حسن بالشواهد».","vol":"2","page":374},{"text":"يشبهان نبيين من الأنبياء ولو شئت سميتهما بأسمائهما وأسماء آبائهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول الدجال: ألست بربكم أحيي وأميت؟ فيقول أحد الملكين: كذبت، فلا يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه، فيقول له: صدقت، فيسمعه الناس فيظنون أنه صدّق الدجال، فذلك فتنة، ثم يسير الدجال حتى يأتي المدينة فلا يؤذن له فيقول: هذه قرية ذلك الرجل، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عند عقبة أفيق».\nقال ابن برجان في كتاب «الإرشاد» له: والذي يغلب على ظني أن النبيين المشبه بهما أحدهما المسيح ابن مريم، والآخر محمد ﷺ، ولذلك أنذرا بذلك ووصيّا.\nوخرّج أبو داود في «سننه» عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال:\n«إني كنت قد حدثتكم عن المسيخ الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أن المسيخ الدجال قصير أفحج جعدا أعور مطموس العين ليست بناتئة ولا جحراء، فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربّكم ﷿ ليس بأعور» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-534>فصل</span>\nوصف النبي ﷺ الدجال وصفا لم يبق معه لذي لبّ إشكال، وتلك الأوصاف كلها ذميمة تبين لكل ذي حاسة سليمة، لكن من قضى الله عليه بالشقاوة تبع الدجال فيما يدّعيه من الكذب والغباوة، وحرم اتباع الحق ونور التلاوة، فقوله ﵊: «إنه أعور وإن الله ليس بأعور» تبيين للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصا في ذاته عاجزا عن إزالة نقصه، لم يصلح أن يكون إلها لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزا عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره وعن مضرته، وجاء في حديث حذيفة: «أعور العين اليسرى»، وفي حديث ابن عمر:\n«أعور العين اليمنى» وقد أشكل الجمع بين الحديثين على كثير من العلماء، قال:\nوحتى إن أبا عمر بن عبد البر، ذكر ذلك في كتاب «التمهيد» له (^٢).\nوفي حديث سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إن الدجال خارج وهو أعور العين الشمال، عليها ظفرة غليظة، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ويقول للناس: أنا ربكم، فمن قال: أنت ربي فقد فتن، ومن قال: ربي الله ﷿ حتى يموت على ذلك فقد عصم من فتنته، ولا فتنة عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ﵇ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣٢٠)، وصححه الألباني.\n(^٢) انظر «التمهيد» (١٤/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٣) بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":375},{"text":"قال أبو عمر بن عبد البر: ففي هذا الحديث أعور العين الشمال، وفي حديث مالك أعور العين اليمنى، فالله أعلم. وحديث مالك أصح من جهة الإسناد. لم يزد على هذا.\nقال أبو الخطاب ابن دحية: ليس كما قال، بل الطرق كلها صحيحة في العينين.\nوقال شيخنا أحمد بن عمر في كتاب «المفهم» له: «وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما، وقد تكلّف القاضي عياض الجمع بينهما، فقال: الجمع بين الروايتين عندي صحيح؛ وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجه ما، إذ العور حقيقة في كل شيء العيب، والكلمة العوراء: هي المعيبة، فالواحدة عوراء بالحقيقة، وهي التي وصفت في الحديث بأنها ليست بجحراء ولا ناتئة، وممسوحة ومطموسة، وطافئة على رواية الهمز، والأخرى عوراء لعيبها اللازم لها لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب دري، أو كأنها عنبة طافية بغير همزة، وكل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف والاستعمال، أو بمعنى العور الأصلي [الذي هو العيب] (^١). قال شيخنا: وحاصل كلامه؛ أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة، لكن يبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به الأخرى من العور فتأمله» (^٢).\nقلت: ما قاله القاضي عياض وتأوّله صحيح، وأن العور في العينين مختلف كما بيناه في الروايات؛ فإن قوله: «كأنها لم تخلق» وهو معنى الرواية الأخرى: «مطموس العين ممسوخها، ليست بناتئة ولا جحراء». ووصف الأخرى بالمزج بالدم، وذلك عيب عظيم لا سيما مع وصفها بالظفرة الغليظة التي هي عليها، وهي جلدة غليظة تغشى العين. وعلى هذا فقد يكون العور في العينين سواء، لأن الظفرة مع غلظها تمنع من الإدراك، فلا تبصر شيئا، فيكون الدجال على هذا أعمى أو قريبا منه، إلا أنه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة وفي الشمال في حديث سمرة بن جندب.\nوقد يحتمل أن يكون كل عين عليها ظفرة غليظة، فإن في حديث حذيفة: «وإن الدجال ممسوخ العين عليها ظفرة غليظة»، وإذا كانت الممسوخة المطموسة عليها ظفرة فالتي ليست كذلك أولى، فتتفق الأحاديث، والله أعلم.\nوقيل في الظفرة: إنها لحمة تنبت عند المآقي كالعلقة، وقيّده بعض الرواة بضم الظاء وسكون الفاء، وليس بشيء، قاله ابن دحية ﵀.\n_________\n(^١) زيادة من «المفهم».\n(^٢) «المفهم» (٧/ ٢٧٥).","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-535>فصل</span>\nالإيمان بالدجال وخروجه حقّ، وهذا مذهب أهل السنة وعامة أهل الفقه والحديث، خلافا لمن أنكر أمره من الخوارج وبعض المعتزلة، ووافقنا على إثباته بعض الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخارق وحيل، قالوا: لأنها لو كانت أمورا صحيحة لكان ذلك إلباسا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبي، وهذا هذيان لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه؛ فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدّعي النبوة، وليس كذلك فإنه إنما ادعى الإلهية، ولهذا قال ﵊: «إن الله ليس بأعور» تنبيها للعقول على فقره وحدثه ونقصه، وإن كان عظيما في خلقه، ثم قال: «مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن ومؤمنة كاتب أو غير كاتب» وهذا الأمر مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره.\nوقد تأول بعض الناس «مكتوب بين عينيه كافر» فقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه، قال: ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر.\nوهذا عدول وتحريف عن حقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم، لأن الله تعالى يمنع الكافر من إدراكه ليغتر باعتقاده التجسيم حتى يوردهم بذلك نار الجحيم. فالدجال فتنة ومحنة من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم، فيقول لهم: أنا ربكم. فيقول المؤمنون: نعوذ بالله منك. حسب ما تقدم، لا سيما وذلك الزمان قد انخرقت فيه عوائد فليكن هذا منها، وقد نص على هذا بقوله: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة. وأما الكافر فمصروف عن ذلك بغفلته وجهله وكما انصرف عن إدراك نقص عوره وشواهد عجزه، كذلك يصرف عن قراءة سطور كفره ورمزه.\nوأما الفرق بين النبي والمتنبي، فالمعجزة لا تظهر على يد المتنبي لأنه لزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال.\nوقوله: «إن ما يأتي به الدجال حيل ومخاريق»؛ فقول معزول عن الحقائق، لأن ما أخبر به النبي ﷺ من تلك الأمور حقائق والعقل لا يحيل شيئا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها، وسيأتي تفصيلها بعون الله تعالى.\n***","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-536>٢٧٥ - باب ما يمنع الدجال أن يدخله من البلاد إذ خرج</span>\n(البخاري ومسلم) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة» وذكر الحديث (^١).\nوفي حديث فاطمة بنت قيس: «فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة هما محرمتان عليّ كلتاهما» الحديث وسيأتي.\nوذكر أبو جعفر الطبري من حديث عبد الله بن عمرو: «إلا الكعبة وبيت المقدس» زاد أبو جعفر الطحاوي: «ومسجد الطور». رواه من حديث جنادة بن أبي أمية، عن بعض أصحاب النبي ﷺ، عن النبي ﷺ.\nوفي بعض الروايات: «فلا يبقى له موضع إلا ويأخذه، غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع» (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-537>٢٧٦ - باب منه وما جاء أنه إذا خرج يزعم أنه الله، ويحصر المؤمنين في بيت المقدس</span>\n(أبو بكر بن أبي شيبة) عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ وذكر الدجال - قال: «وإنه متى يخرج فإنه يزعم أنه الله فمن آمن به واتبعه وصدّقه فليس ينفعه صالح من عمل سلف، ومن كفر به وكذّبه فليس يعاقب بشيء من عمل سلف، وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس» قال: «فيهزمه الله وجنوده حتى إن جدر الحائط وأصل الشجرة ينادي: يا مؤمن هذا كافر يستتر بي، فقال: اقتله. قال:\nولن يكون قولك حتى تبدو أمور يتفاج شأنها في أنفسكم تتساءلون بينكم: هل كان نبيّكم ذكر لكم منها ذكرا، وحتى تزول جبال عن مراتبها ثم على أثر ذلك القبض» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٨١) ومسلم (٢٩٤٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٤) وغيره.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ١١٥١) وأحمد (٥/ ١٦)، لكن الحديث حسن بالشواهد.","vol":"2","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-538>٢٧٧ - باب منه وفي عظم خلق الدجال وعظم فتنته، وسبب خروجه، وصفة حماره وسعة خطوه وفي حصره المسلمين في جبال الدخان وكم يمكث في الأرض، وفي نزول عيسى ﵇ وقت السحر لقتل الدجال ومن اتبعه</span>\n(مسلم) عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال» في رواية: «أمر» بدل «خلق» (^١).\nوفي حديث تميم الداري قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا أعظم إنسان رأيناه قط خلقا وأشده وثاقا، الحديث وسيأتي.\nوعن ابن عمر أنه لقي ابن صياد في بعض طرق المدينة فقال قولا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت: يرحمك الله ما أردت من ابن صياد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يخرج من غضبة يغضبها» (^٢)، وسيأتي من أخبار ابن صياد ما يدل عليه أنه هو الدجال إن شاء الله تعالى.\nوذكر قاسم بن أصبغ وخرجه الإمام أحمد بن حنبل في «مسنده» قال: حدّثنا محمد ابن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم - أي قلة من أهله - وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض، اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، فيقول للناس: أنا ربّكم وهو أعور وإن ربّكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء ومنهل إلا المدينة ومكة حرمهما الله تعالى عليه وقامت الملائكة بأبوابهما، ومعه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من اتبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه، نهر يقول له: الجنة، ونهر يقول له:\nالنار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهي النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهي الجنة قال:\nوتبعث معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة؛ يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس، فيقول للناس: أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب؟! فيفر الناس إلى جبل الدخان وهو بالشام، فيأتيهم فيحاصرهم فيشتد حصارهم ويجهدهم جهدا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣٢).","vol":"2","page":379},{"text":"شديدا، ثم ينزل عيسى ﵇ فيأتي في السحر فيقول: يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جني، فينطلقون، فإذا هم بعيسى ابن مريم ﵉، فيقام للصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتفضل إمامكم فليصلّ بكم، فإذا صلوا صلاة الصبح خرجوا إليه، فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيقتله حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله هذا يهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله» (^١).\nقوله: «ينماث كما ينماث الملح في الماء، أي: يذهب وينحل ويتلاشى».\nوفي بعض الروايات: وذكر أن حماره حين يخطو من خطوة إلى خطوة ميل ولا يبقى له سهل ولا وعر إلا ويطؤه، ولا يبقى موضع إلا يأخذه غير مكة والمدينة حسبما تقدم، ويأتي الكلام في حكم أيامه.\nوذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ابن خيثم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: قال رسول الله ﷺ: «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كاضطرام السعفة في النار» (^٢).\nوالصحيح أنه يمكث أربعين يوما كما في حديث جابر، وكذلك في صحيح مسلم، على ما يأتي في الكتاب بعد هذا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-539>٢٧٨ - باب منه آخر في خروج الدجال، وما يجيء به من الفتن والشبهات، وسرعة سيره في الأرض وكم يلبث فيها وفي نزول عيسى ﵇ ونعته، وكم يكون في الأرض يومئذ من الصلحاء وفي قتله الدجال واليهود، وخروج يأجوج ومأجوج وموتهم، وفي حج عيسى وتزويجه ومكثه في الأرض وأين يدفن إذا مات ﷺ</span>\nوقد تقدم من حديث حذيفة ﵁ أن له جنة ونارا، فجنته نار وناره جنة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، وقال العلامة الألباني في «قصة الدجال» ص ٧٣: «وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح؛ إلا أن أبا الزبير مدلّس، وقد عنعنه».\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١١/ ٣٩٢) وأحمد (٦/ ٤٥٤)، وإسناده ضعيف.","vol":"2","page":380},{"text":"(أبو داود) عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما بعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات» (^١).\n(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال فيتوجه قبل رجال من المؤمنين، فتلقاه المسالح مسالح الدجال، فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الرجل الذي خرج. فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس ربّكم قد نهاكم أن تقتلوا أحدا دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ، قال: فيأمر به الدجال فيشج، فيقول: خذوه وشجّوه، فيوجع ظهره وبطنه ضربا قال: فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذّاب، فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشي بين القطعتين ثم يقول قم فيستوي قائما، فيقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا فلا يستطيع إليه سبيلا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنه إنما قذف به في النار، وإنما ألقي به في الجنة».\nقال: قال رسول الله ﷺ: «هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين» (^٢).\nقال أبو إسحاق السبيعي: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر، وفي رواية: قال:\n«يأتي وهو محرم عليه أن يدخل المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، أتشكّون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال:\nفيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشدّ بصيرة مني الآن. قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلّطه الله عليه» (^٣) خرجه البخاري.\nوعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليها الملائكة صافين يحرسونها فينزل بالسبخة فترجف ثلاث رجفات، يخرج إليه كلّ كافر ومنافق. وفي رواية: كل منافق ومنافقة» (^٤).\nخرجه البخاري.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣١٩)، وصححه الألباني.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١٣٢).\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":381},{"text":"وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: «ما غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف. إنه خارج خلّة بين الشام والعراق فعاث يمينا وشمالا، يا عباد الله فاثبتوا» قلنا: يا رسول الله؛ وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوما؛ يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» فقلنا: يا رسول الله؛ فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال:\n«لا، اقدروا له قدره» قلنا: يا رسول الله؛ وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له قال: فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل يتهلل وجهه يضحك، فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فنزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهروذتين واضعا كفّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدّر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ﵇ قوم قد عصمهم الله منه فيمسح على وجوههم ويحدّثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ﵇ إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون:\nلقد كان بهذه مرة ماء، ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم، فيرغب عيسى وأصحابه فيرسل الله طيرا كعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكون منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل - أي اللبن - حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة","vol":"2","page":382},{"text":"من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذ بهم تحت آباطهم فيقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها كتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (^١).\nزاد في أخرى، بعد قوله مرة ماء: «ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما». أخرجه الترمذي في جامعه (^٢). وذكر رمي يأجوج ومأجوج بنشابهم متصلة بالحديث، فقال: «ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من الأرض، فهلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم محمرا دما، ويحاصر عيسى ابن مريم» الحديث وقال بدل قوله: «فيطرحهم حيث شاء الله» قال: «فتحملهم فتطرحهم بالنهبل» قال: «ويستوقد المسلمون من قسيّهم ونشابهم سبع سنين» قال:\n«ويرسل الله عليهم مطرا» الحديث إلى آخره.\nفي غير الترمذي: «فيطرحهم في المهبل» والمهبل: البحر الذي عند مطلع الشمس.\nوخرجه ابن ماجه في «سننه» أيضا (^٣)، كما خرجه مسلم، ولم يذكر الزيادة التي ذكرها مسلم متصلة، ولا الترمذي متصلة، من حديث النواس بن سمعان، وإنما ذكرها من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي، وذكر ما ذكره الترمذي فقال:\nحدّثنا هشام بن عمار، قال: حدّثنا يحيى بن حمزة، قال: حدّثنا ابن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه؛ أنه سمع النواس بن سمعان يقول: قال رسول الله ﷺ: «يستوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين».\nقال: وحدّثنا علي بن محمد، قال: حدّثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني، عن أبي أمامة الباهلي قال:\nخطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر خطبته حديثا حدّثناه عن الدجال وحذرناه، وكان من قوله أن قال: «إنه لم يكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله تعالى آدم ﷺ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله ﷿ لم يبعث نبيّا إلا حذّر الدجال وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكلّ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من حلة بين\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧).\n(^٢) برقم (٢٢٤٠).\n(^٣) برقم (٤٠٧٥).","vol":"2","page":383},{"text":"الشام والعراق فيعبث يمينا ويعبث شمالا، يا عباد الله أيها الناس فاثبتوا فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدو فيقول: أنا نبيّ الله، ولا نبيّ بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولا ترون ربّكم، حتى تموتوا، وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن من كاتب وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة ونارا، فمن ابتلي بناره فليستعذ بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم، وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت. إن أحييت لك أباك وأمك أتشهد أني ربّك؟ فيقول: نعم؛ فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه فإنه ربّك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها فينشرها بالمنشار، حتى يلقى نصفين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربّك؟ فيقول: ربي الله وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله ما كنت بعد أشدّ بصيرة بك مني اليوم» (^١).\nقال أبو الحسن الطنافسي: فحدّثنا المحاربي، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد الرصافي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» قال: قال أبو سعيد: ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله.\nقال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: «وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح مواشيهم من بيوتهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا، وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة فإنه لا يأتي من نقب من أنقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف المصلتة، حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه فينفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص».\nفقالت أم شريك بنت أبي العسكر: يا رسول الله فأين العرب؟ قال: «هم قليل، وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم ﵇ فيرجع ذلك الإمام ينكص القهقري ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى ﵇ يده على كتفه ثم يقول له: تقدم فصلّ، فإنه لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيفتح\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٧٧)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":384},{"text":"ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وسلاح، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وانطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب اللد الشرقي فيضربه فيقتله، فيهزم الله اليهود ولا يبقى شيء مما خلقه الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، ولا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة؛ إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال؛ يا عبد الله المسلم؛ هذا يهودي فتعال فاقتله. قال رسول الله ﷺ: وإن أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي».\nفقيل: يا رسول الله؛ كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: «تقدّرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ثم صلّوا».\nقال رسول الله ﷺ: «فيكون عيسى ﵇ في أمتي حكما عدلا وإماما مقسطا يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض وترفع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتغز الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم ﵇ حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس بالدريهمات».\nقيل: يا رسول الله؛ وما يرخص الفرس؟ قال: «لا يركب لحرب أبدا» فقيل له: يا رسول الله؛ وما يغلي الثور؟ قال: «تحرث الأرض كلها، وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب بها الناس جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها فلا تنبت خضرا ولا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس إلا هلكت إلا ما شاء الله» فقيل: فما يعيّش الناس في ذلك الزمان؟ قال: «التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك منهم مجرى الطعام» (^١).\nقال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يرفع هذا الحديث للمؤدب حتى يعلمه للصبيان في المكتب.\n_________\n(^١) انظر ما قبله.","vol":"2","page":385},{"text":"وفي حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية: قالوا: يا رسول الله؛ ذكرت الدجال، فو الله إن أحدنا ليعجن عجينه فما يخبز حتى يخشى أن يفتن وأنت تقول:\nالأطعمة تزوي إليه. فقال رسول الله ﷺ: «يكفي المؤمن يومئذ ما يكفي الملائكة».\nفقالوا: فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولكنها تقدّس. فقال رسول الله ﷺ:\n«طعام المؤمنين يومئذ التسبيح» (^١).\nوذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فذكر الدجال فقال: «إن بين يديه ثلاث سنين؛ سنة تمسك السماء ثلث مطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت، وإن من أشد فتنته أنه يأتي لأعرابيّ فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك؛ ألست تعلم أني ربّك؟ فيقول: بلى، فيمثل الشيطان له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأعظمه سمنة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أخاك وأحييت لك أباك ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل الشيطان نحو أخيه وأبيه». قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدّثهم به، قالت: فأخذت بجنبتي الباب، فقال: مهيم يا أسماء! قلت: يا رسول الله؛ لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: «إن يخرج وأنا حيّ فأنا حجيجه وإلا فإن ربي خليفة على كل مؤمن» قالت أسماء:\nفقلت: يا رسول الله؛ وإنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: «يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» (^٢).\nوخرج مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لينزلنّ ابن مريم حكما عدلا، فليكسرنّ الصليب، وليقتلنّ الخنزير، وليضعنّ الجزية، وليتركنّ القلاص فلا يسعى عليها، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعونّ الناس إلى المال فلا يقبله أحد» (^٣).\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم، وفي رواية: فأمكم منكم». قال ابن أبي ذئب: تدري ما إمامكم منكم؟ قلت: تخبرني. قال: فأمّكم بكتاب ربكم ﷿ وسنة نبيكم ﷺ. قال:\n_________\n(^١) حديث منكر، وقد تقدم أوّله.\n(^٢) انظر ما قبله.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٥) وابن ماجه (٤٠٧٨).","vol":"2","page":386},{"text":"«والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بنفج من الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنيهما» (^١).\nوجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليدركن المسيح ابن مريم رجالا من أمتي مثلكم أو خيرا منكم» يقول ذلك ثلاث مرات ذكره ابن برجان في «كتاب الإرشاد» له.\nوروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم على ثمانمائة رجل وأربع مائة امرأة خيار من على الأرض يومئذ وكصلحاء من مضى».\nوعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم فيتزوج ويولد له ولد ويمكث خمسا وأربعين سنة، ويدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبي بكر وعمر» (^٢). ذكره الميانشي أبو حفص.\nويقال: إنه يتزوج امرأة من العرب بعد ما يقتل الدجال، وتلد له بنتا فتموت ثم يموت هو بعد ما يعيش سنتين، ذكره أبو الليث السمرقندي، وخالفه كعب في هذا، وأنه يولد له ولدان، وسيأتي.\nوفي حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يمكث عيسى في الأرض بعد ما ينزل أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» (^٣).\nذكره أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدّثنا هشام، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، وبهذا السند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الأنبياء إخوة لعلاّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر ولم يصبه بلل، وإنه يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويفيض المال حتى يهلك الله في زمانه الملل كلّها غير الإسلام، وحتى يهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الأعور الكذّاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات فلا يضر بعضهم بعضا، يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» (^٤).\nوفي بعض الروايات: أنه يمكث أربعا وعشرين سنة.\nوفي حديث عبد الله بن عمر: «ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام» الحديث، خرجه مسلم، وقد تقدم بكماله، وهذا يدل على أنه يمكث في الأرض سبع سنين، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٥).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢٥٤١) بإسناد ضعيف.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣١٩).","vol":"2","page":387},{"text":"وقال كعب الأحبار: إن عيسى ﵇ يمكث في الأرض أربعين سنة، ويكثر الخير على يديه، وتنزل البركات في الأرزاق، حتى إن العنبة ليأكل منها الرجل حاجته ويفضل والقطف من العنب يأكل منه الجمع الغفير والخلق الكثير، حتى إن الرمانة لتثقل الجمل، وحتى إن الحي ليعبر بالميت، فيقول: قم فانظر ما أنزله الله من البركة، وأن عيسى ﵇ يتزوج بامرأة من آل فلان ويرزق ولدين فيسمى أحدهما محمدا والآخر موسى ويكون الناس معه على خير وفي خير زمان وذلك أربعين سنة، ثم يقبض الله روح عيسى ويذوق الموت ويدفن إلى جانب النبي ﷺ في الحجرة، ويموت خيار الأمة ويبقى شرارها في قلة من المؤمنين، فذلك قوله ﵇: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ».\nوقيل: إنه يدفن بالأرض المقدسة مدفن الأنبياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-540>فصل</span>\nذهب قوم إلى أن بنزول عيسى ﵇ يرتفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا أمر مردود بالأخبار التي ذكرناها من حديث أبي هريرة، وبقوله تعالى: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقوله ﵊: «لا نبي بعدي» وقوله: «وأنا العاقب» يريد: آخر الأنبياء وخاتمهم، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيّا بشريعة متجددة وغير شريعة محمد نبينا ﷺ، بل إذا نزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد ﷺ كما أخبر ﷺ حيث قال لعمر: «لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي» (^١).\nوقد روى أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فيقول أميرهم: تعالى صلّ بنا. فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء لكرامة الله لهذه الأمة» (^٢) خرجه مسلم في «صحيحه» وغيره.\nفعيسى ﵇ إنما ينزل مقررا لهذه الشريعة ومجددا لها، إذ هي آخر الشرائع، ومحمد ﷺ آخر الرسل، فينزل حكما مقسطا، وإذا صار حكما فإنه لا سلطان يومئذ للمسلمين ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي، قد قبض الله تعالى العلم وخلا الناس منه، فينزل وقد علم بأمر الله تعالى له في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس والعمل به في نفسه، فيجتمع\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٧) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٦).","vol":"2","page":388},{"text":"المؤمنون عند ذلك إليه ويحكمونه على أنفسهم، إذ لا أحد يصلح لذلك غيره، ولأن تعطيل الحكم غير جائز. وأيضا فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف، إلى أن لا يقال في الأرض: الله الله، على ما يأتي، وهذا واضح.\n\n<span data-type='title' id=toc-541>فصل</span>\nفإن قيل: فما الحكمة في نزوله في ذلك الوقت دون غيره؟\nفالجواب عنه من ثلاثة أوجه:\nأحدها: يحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود همت بقتله وصلبه وجرى أمرهم معه على ما بينه الله تعالى في كتابه، وهم أبدا يدعون أنهم قتلوه وينسبونه في السحر وغيره إلى ما كان الله يراه ونزهه منه، ولقد ضرب الله عليهم الذلة فلم تقم لهم منذ أعز الله الإسلام وأظهره راية ولا كان لهم في بقعة من بقاع الأرض سلطان ولا قوة ولا شوكة، ولا يزالون كذلك حتى تقرب الساعة، فيظهر الدجال وهو أسحر السحرة ويبايعه اليهود فيكونون يومئذ جنده مقدرين أنهم ينتقمون به من المسلمين، فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزل الله تعالى الذي عندهم أنهم قد قتلوه وأبرزه لهم ولغيرهم من المنافقين والمخالفين حيّا، ونصره على رئيسهم وكبيرهم المدعي الربوبية فقتله وهزم جنده من اليهود بمن معه من المؤمنين، فلا يجدون يومئذ مهربا وإن توارى أحدى منهم بشجر أو حجر أو جدار ناداه: يا روح الله هاهنا يهودي حتى يوقف عليه. فإما أن يسلم وإما أن يقتل، وكذا كل كافر من كل صنف حتى لا يبقى على وجه الأرض كافر.\nوالوجه الثاني: وهو أنه يحتمل أن يكون إنزاله مدة لدنو أجله لا لقتال الدجال، لأنه لا ينبغي لمخلوق من التراب أن يموت في السماء لكن أمره يجري على ما قال الله تعالى: ﴿* مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] فينزله الله تعالى ليقبره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه ويسمع به من نأى عنه، ثم يقبضه فيتولى المؤمنون أمره ويصلون عليه ويدفن حيث دفن الأنبياء الذين أمه مريم من نسلهم وهي الأرض المقدسة، فينشر إذا نشر معهم، فهذا سبب إنزاله، غير أنه يتفق في تلك الأيام من بلوغ الدجال باب لد. هذا ما وردت به الأخبار فإذا اتفق ذلك، وكان الدجال قد بلغ من فتنته أن ادعى الربوبية ولم ينتصب لقتاله أحد من المؤمنين لقلتهم كان هو أحق بالتوجه إليه ويجري قتله على يديه إذ كان ممن اصطفاه الله لرسالته وأنزل عليه كتابه وجعله وأمه آية فعلى هذه الوجه يكون الأمر بإنزاله لا أنه ينزل لقتال الدجال قصدا.","vol":"2","page":389},{"text":"والوجه الثالث: أنه وجد في الإنجيل أمة محمد ﷺ حسب ما قال وقوله الحق: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] فدعا الله ﷿ أن يجعله من أمة محمد ﷺ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ورفعه إلى السماء إلى أن ينزله آخر الزمان مجددا لما درس من دين الإسلام دين محمد ﵊ فوافق خروج الدجال فيقتله.\nولا بعد على هذا أن يقال: إن قتاله للدجال يجوز أن يكون من حيث إنه إذا حصل بين ظهراني الناس وهم مفتونون قد عم فرض الجهاد أعيانهم وهو أحدهم، لزمه من هذا الفرض ما يلزم غيره، فذلك يقوم به، وذلك داخل في اتباع نبينا محمد ﷺ وبالله التوفق.\nواختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة ذكره الحليمي. وقيل: يدفن مع النبي ﷺ، على ما ذكرناه في الأخبار.\n\n<span data-type='title' id=toc-542>فصل</span>\nواختلف في لفظة المسيح على ثلاثة وعشرين قولا، ذكرها أبو الخطاب بن دحية في كتابه «مجمع البحرين» وقال: لم أر من جمعها قبل ممن رحل وجال ولقي الرجال.\nالقول الأول: وهو مسيح بسكون السين وكسر الياء، على وزن مفعل فأسكنت الياء ونقلت حركتها إلى السين، لاستثقالهم الكسرة على الياء.\nالقول الثاني: قال ابن عباس: كان لا يمسح ذا عامة إلا برئ ولا ميتا إلا حيي، فهو هنا من أبنية أسماء الفاعلين مسيح بمعنى: ماسح.\nالقول الثالث: قال إبراهيم النخعي: المسيح: الصدّيق. وقاله الأصمعي وابن الأعرابي.\nالقول الرابع: قال أبو عبيد: أظن هذه الكلمة (هاما شيحا) بالشين المعجمة فعربت إلى (مسيّا) وكذلك تنطق به اليهود.\nالقول الخامس: قال ابن عباس أيضا في رواية عطاء عنه: سمي مسيحا لأنه كان أمسح الرّجل ليس لرجله أخمص، والأخمص: ما لا يمس الأرض من باطن الرجل، فإذا لم يكن للقدم أخمص قيل فيه قدم رحاء ورجل رحاء، ورجل أرح وامرأة رحاء.\nالقول السادس: قيل: سمي مسيحا لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن.","vol":"2","page":390},{"text":"القول السابع: قيل: سمي مسيحا لأنه مسح عند ولادته بالدهن.\nالقول الثامن: قال الإمام أبو إسحاق الجواني في غريبه الكبير: هو اسم خصه الله تعالى به أو لمسح زكريا.\nالقول التاسع: قيل: سمي بذلك لحسن وجهه، إذ المسيح في اللغة: الجميل الوجه، يقال: على وجهه مسحة من جمال وحسن، ومنه ما يروى في الحديث الغريب الضعيف: «يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن كأن على وجهه مسحة ملك».\nالقول العاشر: المسيح في اللغة: قطع الفضة، وكذلك المسيحة: القطعة من الفضة، وكذلك كان المسيح ابن مريم أبيض مشرب حمرة ربعة من الرجال عريض الصدر، جعدا؛ والجعد هاهنا: اجتماع الخلق وشدة الأسر.\nالقول الحادي عشر: المسيح في اللغة: عرق الخيل. وأنشد اللغويون:\nإذا الجياد فضن بالمسيح\nيعني: العرق.\nثبت في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب: «فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففصدت عرقا، وكأني أنظر إلى الله ﷿ فرقا» (^١) ذكره الخطابي في شرحه بالصاد والضاد.\nالقول الثاني عشر: المسيح: الجماع، يقال: مسحها إذا جامعها، قاله في «المجمل» لابن فارس.\nالقول الثالث عشر: المسيح: السيف؛ قاله أبو عمرو المطرز.\nالقول الرابع عشر: المسيح: المكاري.\nالقول الخامس عشر: المسيح: الذي يمسح الأرض، أي يقطعها، قاله الثقة اللغوي أبو العباس أحمد بن يحيى بن ثعلب، ولذلك سمي عيسى مسيحا، كان تارة بالشام وتارة بمصر، وتارة على سواحل البحر، وفي المهامة والقفار. والمسيح الدجال كذلك، سميا بذلك لجولانهما في الأرض.\nالقول السادس عشر: ذكره بسنده إلى أبي الحسن القابسي وقد سأله الحافظ المقرئ أبو عمرو الداني: كيف يقرأ المسيح الدجال؟ فقال: بفتح الميم وتخفيف السين مثل المسيح ابن مريم لأن عيسى ﵇ مسح بالبركة، وهذا مسحت عينه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٢٠).","vol":"2","page":391},{"text":"قال أبو الحسن: ومن الناس من قرءوه بكسر الميم وتثقيل السين، فيعرف بذلك وهو وجه. وأما أنا فلا أقرؤه إلا كما أخبرتك.\nقال ابن دحية: وحكى الأزهري أنه يقال: مسّيح بالتشديد على وزن فعيل، قال: فرقا بينه وبين عيسى ﵇، ثم أسند عن شيخه أبي القاسم بن بشكوال، عن أبي عمران موسى بن عبد الرحمن، قال: سمعت الحافظ أبا عمر بن عبد البر يقول: ومنهم من قال ذلك بالخاء - يعني المعجمة - وذلك كله عند أهل العلم خطأ، لا فرق بينهما، وكذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه نطق به ونقله الصحابة المبلغون عنه.\nوأنشد في ذلك أهل اللغة، قول عبد الله بن قيس الرقيات:\nوقالوا دع رقيّة واجتنبها … فقلت لهم إذا خرج المسيح\nيريد: إذا خرج الدجال، هكذا فسّروه ولذلك ذكرناه.\nوقال الراجز:\nإذا المسيح قتل المسيحا\nيعني: عيسى ابن مريم ﵇ يقتل الدجال بنيزك، قرأته في المجلد الأول من شرح ألفاظ الغريب من الصحيح لمحمد بن إسماعيل، تأليف الفقيه القاضي الإمام المفتي أبي الأصبغ بن سهل.\nالقول السابع عشر: قيل: سمي الدجال مسيحا؛ لأن المسيح: الذي لا عين له ولا حاجب. قال ابن فارس: والمسيح أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، ولذلك سمي الدجال مسيحا، ثم أسند عن حذيفة مستدلا عن رسول الله ﷺ: «وأن الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة» خرجه مسلم.\nالقول الثامن عشر: المسيح: الكذاب، وهذا يختص به الدجال لأنه يكذب فيقول: «أنا الله» فهذا كذب، ولذلك خصه الله بالسوء والعار.\nالقول التاسع عشر: المسيح: المارد الخبيث، وهو التمسيح أيضا، عن ابن فارس، ويقال: هو الكذاب، وكذلك التمساح بألف.\nالقول العشرون: قيل: الدجال: المسيح لسياحته، وهو فعيل بمعنى فاعل، والفرق بين هذا وبين ما تقدم في الخامس عشر أن ذلك يختص بقطع الأرض وهذا يقطع جميع البلاد في أربعين ليلة إلا مكة والمدينة.\nالقول الحادي والعشرون: المسيح: الدرهم الأطلس بلا نقش، قاله ابن","vol":"2","page":392},{"text":"فارس، وذلك مطابق لصفة الأعور الدجال، إذ أحد شقي وجهه ممسوح، وهو أشوه الرجال.\nالقول الثاني والعشرون: قال الحافظ أبو نعيم في كتاب «دلائل النبوة» من تأليفه: سمي ابن مريم مسيحا لأن الله مسح الذنوب عنه.\nالقول الثالث والعشرون: قال الحافظ أبو نعيم في الكتاب المذكور: وقيل:\nسمي ابن مريم مسيحا لأن جبريل ﵇ مسحه بالبركة وهو قوله تعالى:\n﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].\n\n<span data-type='title' id=toc-543>فصل في بيان ما وقع في الحديث من الغريب</span>\nقوله: فيشج؛ أي: يمد والميشار: مفعال من أيشرت ووشرت أشرا ووشرا، ويقال منشار بالنون أيضا، وبالوجهين في الحديث، وهو مفعال أيضا من نشرت.\nوقوله: «فخفض ورفع» بتخفيف الفاء أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته ليسمع من بعد، وتارة يخفض ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر في الكلام، وروى بتشديد الفاء فيهما على التضعيف والتكثير.\nوقوله: «إنه خارج مخلة» يروى بالخاء المعجمة وبالحاء المهملة، قاله الهروي، والخلة موضع حزن وضجور، والحلة ما بين البلدين.\nوقال الحافظ ابن دحية: ورواه ابن ماهان والحميدي حله بفتح الحاء المهملة وضم اللام، وكأنه يريد حلوله، قال: وقرأت في أصل القطيعي من مسند الإمام أحمد بن حنبل: وأنه يخرج حيله، ولا أعلم روى ذلك أحد غيره، وقد سقطت هذه اللفظة لأكثر رواة مسلم وبقي الكلام أنه خارج بين الشام والعراق.\nوجاء في حديث الترمذي أنه يخرج بخراسان، وفي الرواية الأخرى: من ناحية أصبهان من قرية تسمى اليهودية، وفي حديث ابن ماجه ومسلم: بين الشام والعراق، ووجه الجمع أن مبدأ خروجه من خراسان من ناحية أصبهان ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام، والله أعلم.\nو«عاث» بالعين المهملة والثاء المثلثة والتنوين على أنه اسم فاعل، وروي بفتح الثاء على أنه فعل ماض، ووقع في حديث أبي أمامة على الفعل المستقبل والكل بمعنى الفساد عاث يعيث عيثا، فهو عاث عثى يعني، عثى يعثو لغتان، وفي التنزيل: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.","vol":"2","page":393},{"text":"وقوله: «يا عباد الله فاثبتوا»، يعني: على الإسلام، يحذرهم من فتنته لأنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت.\nوقوله: «فاقدروا له قدره»؛ قال القاضي عياض: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عن الأوقات المعروفة في غيره من الأيام.\nقلت: وكذلك الأيام القصار الحكم فيها أيضا ما حكمه صاحب الشرع. وقد حمل بعض العلماء أن هذه الأيام الطوال ليست على ظاهرها، وإنما هي محمولة على المعنى، أي: يهجم عليكم غم عظيم لشدة البلاء وأيام البلاء طوال، ثم يتناقص ذلك الغم في اليوم الثاني ثم يتناقص في اليوم الثالث، ثم يعتاد البلاء كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة ومنه قولهم:\nوليل المحبّ بلا آخر\nوقال آخر:\nوأيام لنا غرّ طوال … عصينا الملك فيها أن ندينا\nوهذا القول يرده قولهم: «أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره». والمعنى: قدروا الأوقات للصلوات، وكذلك لا التفات لطعنه في صحة هذه الألفاظ، أعني قوله: «أتكفينا فيه صلاة يوم قال: لا، اقدروا له قدره»، فقال:\nهذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا، ولو كان صحيحا لاشتهر على ألسنة الرواة كحديث الدجال، ولو كان لقوة اشتهاره لكان أعظم وأفظع من طلوع الشمس من مغربها.\nوالجواب: أن هذه الألفاظ صحيحة حسب ما ذكره مسلم وحسبك به إماما، وقد ذكرها الترمذي من حديث النواس أيضا وقال: حديث حسن صحيح، وخرجها أبو داود أيضا وابن ماجه من حديث أبي أمامة، وقاسم بن أصبغ من حديث جابر، وهؤلاء أئمة أجلة من أئمة أهل الحديث، وتطرق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز، والثقة بعيد لا يتلفت إليه، لأن يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد، ثم إن ذلك في زمن خرق العادات، وهذا منها.\nوقوله: «ممحلين» أي: مجدبين، ويروى: أزلين، والمحل والأزل والقحط والجدب بمعنى واحد ويعاسيب النحل فحولها، واحدها يعسوب، وقيل: أمراؤها.\nووجه التشبيه أن يعاسيب النحل يتبع كل واحد منهم طائفة من النحل فتراها جماعات في تفرقة، فالكنوز تتبع الدجال كذلك.","vol":"2","page":394},{"text":"وقوله: «بين مهرودتين» أي: بين شقي ثوب، والشقة نصف الملاءة أو في حلتين مأخوذ من الهرد بفتح الهاء وسكون الراء وهو الشق والقطع.\nقال ابن دريد: إنما سمي الشق هردا للإفساد لا للإصلاح.\nوقال يعقوب: هرد القصار الثوب وهردته بالتاء المثناة باثنتين من فوق، إذا أحرقه وخرقه.\nوقال أكثرهم: في ثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه الذي صبغ بالهردي، ووقع في بعض الروايات بدل مهرودتين ممصرتين، كذلك ذكره أبو داود الطيالسي من حديث أبي هريرة. والممصّرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة، والجمان ما استدار من اللؤلؤ والدر شبه قطرات العرق بمستدير الجوهر، وهو تشبيه واقع، وليست بالمشبعة.\nوقال ابن الأنباري: مهرودتان؛ بدال مهملة وذال معجمة معا أي: ممصّرتين كما جاء في الحديث الآخر.\nوقال غيره: الهرود؛ الذي يصبغ بالعروق، التي يقال لها: الهرد بضم الهاء.\nوقال الهروي: هرد ثوبه بالهرد وهو صبغ يقال له العروق.\nوقال القتبي: إن كان المحفوظ بالدال فهو مأخوذ من الهرد. والهرد والهرت: الشق، ومعناه بين شقين، والشقة نصف الملاءة. وقال: وهذا عندي خطأ من النقلة، وأراد مهرودتين أي صفراوين يقال: هرتّ العمامة ألبستها صفرا، وكان الثلاثي منه هروت فخالف الجماعة من أهل اللغة فيما قالوه.\nوقد خطأه الأنباري وقال: إنما يقول العرب هريت الثوب لا هروت، ولو كان من ذلك لقيل مهراة ولا مهروة، واللغة نقل، رواية لا قياس، والعرب إنما تجوّز ذلك في العمامة خاصة لا في الشقة، ولا يجوز قياس الشقة على العمامة. وأما رواية الذال المعجمة فهو إبدال من الدال المهملة فإن الذال والدال قد يتعاقبان فيقال رجل مدل بالدال المهملة ومذل بالذال المعجمة، إذ كان قليل اللحم خفي الشخص.\nوالجمان: ما استدار من اللؤلؤ والدر، شبه قطرات العرق بمستدير الجوهر وهو تشبيه حسن.\nوقوله: فحرّز عبادي إلى الطور أي ارتحل بهم إلى جبل يحرزون فيه أنفسهم، والطور الجبل بالسريانية.\nقال الحافظ ابن دحية: قيدناه في صحيح مسلم «جوز» بالجيم والواو والزاي، كذا قيدناه في جامع الترمذي، وقيدناه أيضا حدر بدال مهملة، فأما حرز","vol":"2","page":395},{"text":"فهو الذي رواه أكثرهم وصحح بعضهم رواية حدر وكلاهما صحيح، لأن ما خير فقد أحرز وكذلك جوز بالجيم. وأما حدر بدال مهملة فمعناه أنزلهم إلى جهة الطور من حدرت الشيء فانحدر إذا أرسلته في صبب وحدر.\nو«النغف» جمع نغفة، وهي الدود الذي يكون في أنوف الإبل والغنم.\nوفرسى أي هلكى وهو جمع فريس يعني: مفروس، مثل قتيل وقتلى وصريع وصرعى، وأصله من فرس الذئب الشاة وأفرسها أي قتلها، كأن تلك النّغف فرستهم.\nويروى: فيصبحون موتى. والزّهم: النتن. والبخت: إبل غلاظ الأعناق عظام الأجسام. والزلفة: الصحفة الممتلئة والجمع زلف.\nقال ابن دحية: قيدناه في صحيح مسلم بالفاء والقاف وهو المرآة، كذا فسره ابن عباس وقاله اللغويان: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس الشيباني.\nواللقحة: الناقة الحلوب. والغيام: الجماعة من الناس. والفخذ: دون القبيلة وفوق البطن. والفاثور بالفاء: الخوان يتخذ من الرخام ونحوه.\nقال الأغلب العجيلي:\nإذ انجلى فاثور عين الشمس\nيقال: هم على فاثور واحد أي على مائدة واحدة ومنزلة واحدة، والفاثور أيضا: موضع. قاله الجوهري، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-544>٢٧٩ - باب ما جاء في أن حواريّ عيسى ﵇ إذا نزل - هم أصحاب الكهف وفي حجهم معه</span>\nحدّثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا ابن أبي أويس قال: حدّثنا كثير بن عبد الله بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: غزونا مع النبي ﷺ. الحديث، وقد تقدم، وفيه: «ولا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم عبد الله ورسوله حاجّا أو معتمرا أو ليجمعن الله ذلك له». قال كثير: فحدثت بهذا الحديث محمد بن كعب القرظي قال: ألا أرشدك في حديثك هذا؟ قلت: بلى. فقال: كان رجل يقرأ التوراة والإنجيل فأسلم وحسن إسلامه فسمع هذا الحديث من بعض القوم فقام","vol":"2","page":396},{"text":"فقال: ألا أبشركم في هذا الحديث؟ فقالوا: بلى فقال: إني أشهد أنه لمكتوب في التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇ وأنه مكتوب في الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ابن مريم ﵇ عبد الله ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجّا أو معتمرا أو يجمع الله له ذلك فيجعل الله حواريّه أصحاب الكهف والرقيم، فيمرون حجاجا فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-545>٢٨٠ - باب ما جاء أن عيسى إذا نزل يجد في أمة محمد ﷺ خلقا من حواريّه</span>\nذكر الترمذي الحكيم أبو عبد الله في «نوادر الأصول» في الأصل الثالث والعشرين والمائة قال:\nحدّثنا الفضل بن محمد الواسطي، قال: حدّثنا إبراهيم بن الوليد الدمشقي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عبد الملك بن عقبة الإفريقي، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرا إلى رسول الله ﷺ يوم مؤتة فلما دخلت عليه قلت: يا رسول الله! فقال: «على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد حتى قتل رحم الله زيدا، ثم أخذ اللواء جعفر فقاتل جعفر حتى قتل رحم الله جعفرا، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل رحم الله عبد الله بن رواحة، ثم أخذ اللواء خالد ففتح الله لخالد، فخالد سيف من سيوف الله» فبكى أصحاب رسول الله ﷺ وهم حوله فقال: «ما يبكيكم»؟ قالوا: وما لنا لا نبكي وقد قتل خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا، فقال: «لا تبكوا فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتثّ رواكبها وهيأ مساكبها وحلق سعفها فأطعمت عاما فوجا، ثم عاما فوجا فلعل آخرها عاما طعما يكون أجودها قنوانا وأطولها شمراخا، والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلقا من حواريّه» (^١).\nحدّثنا علي بن سعيد بن مزروق الكندي قال: حدّثنا عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن حسين، عن جبير بن نفير الحضري، قال لما اشتد جزع أصحاب رسول الله ﷺ على من أصيب مع زيد بن\n_________\n(^١) إسناده ضعيف.","vol":"2","page":397},{"text":"حارثة يوم مؤتة قال رسول الله ﷺ: «ليدركن المسيح من هذه الأمة أقواما إنهم لمثلكم أو خير منكم ثلاث مرات ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها» (^١). والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-546>٢٨١ - باب ما جاء أن الدجال لا يضر مسلما</span>\n(البزار) عن حذيفة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فذكر الدجال فقال: «لفتنة من بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، ليس من فتنة صغيرة ولا كبيرة إلا تضع لفتنة الدجال، فمن نجا من فتنة ما قبلها فقد نجا منها، والله لا يضر مسلما، مكتوب بين عينيه: كافر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-547>فصل</span>\nقلت: إن قيل: كيف قال في هذا الحديث لا يضر مسلما، وقد قتل الرجل الذي خرج إليه من المدينة ونشره بالمنشار وذلك أعظم الضرر؟\nقلنا: ليس المراد ذلك، وإنما المعنى أن المسلم المحق لا يفتنه الدجال فيرده عن دينه، لما يرى عليه من سيماء الحدث، ومن لم يكن بهذه الصفة فقد يفتنه ويتبعه لما يرى من الشبهات، كما في الحديث المذكور في الباب قبل هذا.\nويحتمل أن يكون عموما يخصه ذلك الحديث وغيره، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-548>٢٨٢ - باب ما ذكر من أن ابن صياد الدجال واسمه صاف ويكنى أبا يوسف، وسبب خروجه وصفة أبويه وأنه على دين اليهود</span>\n(البزار) عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد: الدجال، فقلت له: أتحلف على ذلك؟ قال: إني سمعت عمر يحلف بالله على\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ٥١٧) هكذا مرسلا.\n(^٢) أخرجه البزار (١٤٠/ ٣٣٩١/٤) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":398},{"text":"ذلك عند النبي ﷺ، فلم ينكره النبي ﷺ. وأخرجه أبو داود في «سننه» (^١).\nوعن نافع قال: كان ابن عمر يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد (^٢). أخرجه أبو داود أيضا وإسناده صحيح.\n(مسلم) عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا حجاجا أو عمارا ومعنا ابن صياد قال: فنزلنا منزلا فتفرق الناس وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه على متاعي فقلت: إن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، فرفعت لنا غنم فانطلق بعس، فقال: اشرب أبا سعيد فقلت: إن الحر شديد واللبن حار ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال: آخذه عن يده، فقال: أبا سعيد من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم أصحاب رسول الله ﷺ! أليس قد قال رسول الله ﷺ: هو كافر وأنا مسلم! أوليس قد قال رسول الله ﷺ: هو عقيم لا يولد له وقد تركت ولدي بالمدينة! أوليس قد قال رسول الله ﷺ: لا يدخل المدينة ولا مكة، فقد أقبلت من المدينة وأنا ذاهب إلى مكة! وفي رواية: وقد حججت. قال أبو سعيد: حتى كدت أنى أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تبّا لك سائر اليوم، وفي رواية: قال أبو سعيد: وقيل له أيسرك أنك ذاك الرجل أي الدجال؟ قال: فقال: لو عرض عليّ ما كرهت (^٣).\nوعن ابن عمر قال: لقيت ابن صياد مرتين. فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله. قال: قلت: كذبتني والله، لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالا وولدا، فكذلك هو زعموا اليوم، قال: فتحدثنا ثم فارقته، قال: فلقيته لقية أخرى وقد نفرت عينه قال: فقلت متى فعلت عينك ما أرى، قال:\nلا أدري. قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه، قال فنخر كأشد نخير حمار سمعت، قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا فو الله ما شعرت. قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين فحدثها، فقالت: ما تريد إليه، ألم تعلم أنه قد قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه؟ (^٤)\n_________\n(^١) برقم (٤٣٣١) وأخرجه البخاري (٧٣٥٥) ومسلم (٢٩٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٣٣٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٢٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٣٢).","vol":"2","page":399},{"text":"وعنه قال: انطلق رسول الله ﷺ وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ: «لو تركته بيّن» (^١).\nوفي رواية: ثم قال له رسول الله ﷺ: «إني قد خبأت لك خبئا» فقال ابن صياد: هو الدخّ، فقال رسول الله ﷺ: «اخسأ فلن تعدو قدرك» فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ: «إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله» (^٢).\n(أبو داود) عن جابر بن عبد الله قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة (^٣).\n(الترمذي) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاما لا يولد لهما ولد، ثم يولد لهما ولد أعور، أضرّ شيء وأقله منفعة تنام عينه ولا ينام قلبه» ثم نعت لنا رسول الله ﷺ أبويه فقال: «أبوه طوال ضرب اللحم كأن أنفه منقار، وأمه امرأة فرضاخية طويلة اليدين». قال أبو بكر فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما فقلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عاما لا يولد لنا ولد، ثم ولد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام قلبه، قال: فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة وله همهمة، فكشف عن رأسه فقال:\nما قلتما؟ قلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم تنام عيناي ولا ينام قلبي (^٤). قال:\nحديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.\nقلت: خرجه أبو داود الطيالسي، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه (^٥).\nوروي من حديث أبي هريرة ﵁، أن يهوديّا أتى النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٣١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٣٢).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٣٤٨)، وضعّفه الألباني.\n(^٥) أخرجه الطيالسي (٨٦٥)، وانظر ما قبله.","vol":"2","page":400},{"text":"الحديث بطوله، وفي آخره قال: فأخبرني عن الجدال أمن ولد آدم هو أم من ولد إبليس؟ قال: «هو من ولد آدم لا أنه من ولد إبليس، وأنه على دينكم معشر اليهود» وذكر الحديث.\nوقيل: إنه لم يولد بعد. وسيولد في آخر الزمان، والأول أصح لما ذكرنا، وبالله توفيقنا.\nوسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أن الدجال ابن صياد، والله أعلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-549>فصل</span>\nقال أبو سليمان الخطابي: وقد اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافا كثيرا وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول، وقد يسأل عن هذا فيقال: كيف يقارّ رسول الله ﷺ من يدّعي النبوة كاذبا ويتركه بالمدينة يساكنه في داره ويجاوره فيها، وما وجه امتحانه إياه بما خبأ له من آية الدخان، وقوله بعد ذلك؛ اخسأ فلن تعدو قدرك؟!\nقال أبو سليمان: والذي عندي أن هذه القضية إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله ﷺ اليهود وحلفاءهم، وذلك أنه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبينهم كتابا وصالحهم فيه على أن لا يهاجروا وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم، وكان يبلغ رسول الله ﷺ خبره وما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الغيب فامتحنوه بذلك ليروا آية أمره، فلما كلمه علم أنه معطل وأنه من جملة السحرة والكهنة يأتيه ربيب من الجن أو يتعاهده شيطان فيلقى على لسانه بعض ما يتكلم به، فلما سمع منه قول الدخ زجره وقال: اخسأ ولن تعدو قدرك، يريد أن ذلك شيء ألقاه إليه الشيطان، وأجراه على لسانه، وليس ذلك من قبل الوحي، إذ لم يكن له قدر الأنبياء الذين يوحى إليهم علم الغيب ولا درجة الأولياء الذين يلهمون العلم ويصيبون بنور قلوبهم الحق، وإنما كانت له تارات يصيب في بعضها ويخطئ في بعض، وذلك معنى قوله: يأتيني صادق وكاذب، فقال له عند ذلك: خلط عليك.\nوالحكمة في أمره أنه كان فتنة امتحن الله بها عباده المؤمنين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، وقد امتحن الله قوم موسى في زمانه بالعجل فافتتن به قوم وهلكوا، ونجا من هداه الله وعصمه منهم.\n_________\n(^١) انظر «أشراط الساعة» ليوسف الوابل ص ٢٨٩.","vol":"2","page":401},{"text":"وقد اختلفت الروايات في أمر ابن صياد في ما كان من شأنه بعد كبره، فروي أنه تاب عن ذلك القول، ثم إنه مات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس، وقيل لهم: اشهدوا.\nقال الشيخ: الصحيح خلاف هذا لحلف جابر وعمر أن ابن صياد الدجال.\nوروي أن أبا ذر كان يقول: هو الدجال. وروي ذلك عن ابن عمر، وقال عبد الله بن جابر فقدناه يوم الحرة، وهذا وما كان مثله يخالف رواية من روى أنه مات بالمدينة، والله أعلم.\nوسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في أن الدجال ابن صياد عند كلامنا على خبر الجسّاسة، إن شاء الله تعالى.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-550>٢٨٣ - باب ما جاء في نقب يأجوج ومأجوج السد وخروجهم وصفتهم وفي لباسهم وطعامهم وبيان قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾</span>\n(ابن ماجه) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن يأجوج ومأجوج يحفران كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعيده الله أشدّ ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله فيرجعون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون سهامهم إلى السماء فيرجع إليها الدم الذي احفظ، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفا في أقفائهم، فيقتلون». قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إن دواب الأرض تسمن وتشكر شكرا من كثرة ما تأكل من لحومهم» (^١).\nقال الجوهري: شكرت الناقة تشكر شكرا فهي شكرة، واشتكر الضرع امتلأ.\nقال كعب الأحبار: إن يأجوج ينقرون بمناقرهم السد حتى إذا كادوا أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٨٠)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":402},{"text":"يخرجوا قالوا: نرجع إليه غدا فنفرغ منه، قال: فيرجعون إليه وقد عاد كما كان فإذا بلغ الأمر ألقى على بعض أن يقولوا نرجع إن شاء الله غدا فنفرغ منه، قال:\nفيرجعون إليه وهو كما تركوه فيخرقونه ويخرجون، فيأتي أولهم البحيرة فيشربون ما فيها من ماء، ويأتي أوسطهم عليها فيلحسون ما كان فيها من طين ويأتي آخرهم فيقولون: قد كان هاهنا ماء ثم يرمون بنبالهم نحو السماء فيقولون: قد قهرنا من في الأرض وظهرنا على من في السماء قال: فيصب الله عليهم داء يقال له:\nالنغف، فيأخذ في أقفائهم فيقتلهم النغف حتى تنتن الأرض من ريحهم، ثم يبعث الله عليهم طيرا فتنقل أبدانهم إلى البحر، فيرسل الله السماء أربعين فتنبت الأرض حتى إن الرمانة لتشبع السكن، قيل لكعب: وما السكن؟ قال: أهل البيت. قال:\nثم يسمعون الصيحة.\n(ابن ماجه) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون حتى يصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم حتى إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه حتى ما يذروا فيه شيئا فيمر آخرهم على أثرهم فيقول قائلهم: لقد كان بهذا المكان مرة ماء، ويظهرون على الأرض فيقول قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم لننازلن أهل السماء، حتى إن أحدهم ليهز حربته إلى السماء فترجع مخضبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا أهل السماء، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم دواب كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا فيقولون: هل من رجل يشتري نفسه وينظر ما فعلوا؟ فينزل إليهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه فيجدهم موتى، فيناديهم: ألا أبشروا فقد هلك عدوكم، فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم فما يكون لهم مرعى إلا لحومهم فتشكر عليها كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط» (^١).\nوخرج ابن ماجه أيضا، وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لابن ماجه، عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا الساعة، فبدءوا بإبراهيم فسألوه عنها، فلم يكن عنده علم منها، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده علم منها، فردوا الحديث إلى عيسى قال: قد عهد إليّ فيما دون وجبتها، فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله، فذكروا خروج الدجّال، قال: «فأنزل إليه فأقتله فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٧٩)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":403},{"text":"وهم من كلّ حدب ينسلون، فلا يمرّون بماء إلا شربوه، ولا شيء إلا أفسدوه، فيجأرون إلى الله، فأدعو الله أن يميتهم، فتنتن الأرض من ريحهم، فيجأرون إلى الله، فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فتحملهم فتلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم، فعهد إليّ إذا كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل التي لا يدري أهلها متى تعجلهم بولادتها». قال ابن أبي شيبة: ليلا أو نهارا.\nقال العوام: ووجه تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا شيء إلا أفسدوه زاد ابن أبي شيبة: ﴿وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ (^١) [الأنبياء: ٩٧].\nوروي عن عمرو بن العاص قال: إن يأجوج ومأجوج ذرء جهنم ليس فيهم صدّيق، وهم على ثلاثة أصناف: على طول الشبر، وعلى طول الشبرين، وثلث منهم طوله وعرضه سواء، وهم من ولد يافث بن نوح ﵇.\nوروي عن عطية بن حسان أنه قال: يأجوج ومأجوج أمتان في كل أمة أربعمائة ألف ليس منها أمة تشبه بعضها بعضا.\nوروى عن الأوزاعي أنه قال: الأرض سبعة أجزاء فستة أجزاء منها: يأجوج ومأجوج وجزء فيه سائر الخلق.\nوروي عن قتادة أنه قال: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، يعني الجزء الذي فيه سائر الخلق، غير يأجوج ومأجوج، فاثنا عشر للهند والسند، وثمانية آلاف للصين وثلاثة آلاف للروم وألف فرسخ للعرب.\nوذكر علي بن معبد عن أشعث، عن شعبة، عن أرطاة بن المنذر قال: إذا خرج يأجوج ومأجوج أوحى الله ﵎ إلى عيسى ﵇: أني قد أخرجت خلقا من خلقي، لا يطيقهم أحد غيري، فمر بمن معك إلى جبل الطور ومعه من الذراري اثنا عشر ألفا، قال: يأجوج ومأجوج ذرء في جهنم، وهم على ثلاثة أثلاث ثلث على طول الأرز وثلث مربع طوله وعرضه واحد وهم أشد وثلث يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى وهم من ولد يافث بن نوح.\nويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده، صنف منهم كالأرز، وصنف منهم طوله مائة وعشرون ذراعا، وصنف منهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١) وابن أبي شيبة (١٥/ ١٥٨)، وصححه الألباني.","vol":"2","page":404},{"text":"ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس» (^١).\nويروى أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض من الحيات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلق ينمي كنمائهم في العام الواحد ولا يزداد كزيادتهم ولا يكثر ككثرتهم، يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الكلاب، ويتسافدون تسافد البهائم، حيث التقوا. صحّ أصله في كتاب القصد والأمم في أنساب العرب والعجم قال: ومنهم من له قرن وذنب وأنياب بارزة يأكلون اللحوم نيئة.\nوقال كعب الأحبار: خلق الله يأجوج ومأجوج على ثلاثة أصناف: صنف أجسامهم كالأرز، وصنف أربعة أذرع طولا وأربعة عرضا، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى، فيأكلون مشائهم نسائهم. ذكره أبو نعيم الحافظ.\nوذكره عبد الملك بن حبيب أنه قال في قول الله ﷿ في قصة ذي القرنين: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] يعني: منازل الأرض ومعاليها وطرقها، ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] يعني: الجبلين اللذين خلفهم يأجوج ومأجوج ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣] أي: كلاما، ﴿يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤].\nقال عبد الملك: وهما أمتان من ولد يافث بن نوح مد الله لهما في العمر، وأكثر لهما في النسل، حتى ما يموت الرجل من يأجوج ومأجوج، حتى يولد له ألف ولد فولد آدم كلهم عشرة أجزاء يأجوج ومأجوج، منهم تسعة أجزاء، وسائر ولده كلهم جزء واحد.\nقال عبد الملك: كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرض القوم الذين هم قريب منهم، فلا يدعون لهم شيئا إذا كان أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا حملوه، فقال أهل تلك الأرض لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] يعني: جعلا ﴿عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٤، ٩٥] من جعلكم ولكن ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] قالوا: له وما تريد؟ قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] أي: قطع الحديد، فوضع بعضها على بعض كهيئة البناء فيما بين السدين، وهما جبلان ﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] يعني:\n_________\n(^١) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٦): «رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه يحيى بن سعيد العطار؛ وهو ضعيف».","vol":"2","page":405},{"text":"جانبي الجبلين. ﴿قالَ اُنْفُخُوا﴾ [الكهف: ٩٦] أي: أوقدوا ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٦، ٩٧] أي: من تحته. وقال عبد الملك في قوله: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] يعني: نحاسا ليتلصق فأفرغه عليه، فدخل بعضه في بعض، قال: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨].\nوفي تفسير الحوفي أبي الحسن: أن ذا القرنين لما عاين ذلك منهم انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما وهو في منقطع الترك مما يلي مشرق الشمس، فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أساسا حتى إذا بلغ الماء جعل عرضه خمسين فرسخا، وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب ثم يصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس، فصار كأنه برد حبرة من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد، فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عائدا إلى جماعة الإنس والجن، انتهى كلام الحوفي.\nوعن علي ﵁ قال: وصنف منهم في طول شبر لهم مخالب وأنياب كالسباع، وتداعي الحمام وتسافد البهائم وعواء الذئب، وشعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام إحداهما وبرة يشتّون فيها، والأخرى جلدة يصيّفون فيها.\nوعن ابن عباس ﵁ قال: الأرض ستة أجزاء فخمسة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء فيه سائر الخلق.\nوقال كعب الأحبار: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك. قال علماؤنا: وهذا فيه نظر لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يحتلمون.\nوقال الضحاك: هم من الترك.\nوقال مقاتل: هم من ولد يافث بن نوح، وهذا أشبه كما تقدم، والله أعلم.\nوقرأ عاصم «يأجوج ومأجوج» بالهمزة فيهما، وكذلك في الأنبياء على أنهما مشتقان من أجة الحر وهي شدته وتوقده، ومنه أجيج النار، ومن قولهم ملح أجاج، فيكونان عربيين من أج وميج، ولم يصرفا لأنهما جعلا اسمين فهما مؤنثتان معرفتان، والباقون بغير همز جعلوهما لقبيلتين أعجميتين، ولم يصرف للعجمة والتعريف.\n***","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-551>٢٨٤ - باب ذكر الدابة وصفتها ومتى تخرج ومن أين تخرج وكم لها من خرجة وصفة خروجها وما معها إذا خرجت، وحديث الجساسة وما فيها من ذكر الدجال، قال الله تعالى ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾</span>\nوذكر أبو بكر البزار قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن موسى بن عبيدة، عن صفوان بن سليم، عن ابن لعبد الله بن مسعود، عن أبيه ﵁ قال: أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه، وأكثروا من تلاوة القرآن من قبل أن يرفع. قالوا: يا أبا عبد الرحمن؛ هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يصبحون فيقولون: قد كنا نتكلم بكلام ونقول قولا فيرجعون إلى شعر الجاهلية وأحاديث الجاهلية، وذلك حين يقع القول عليهم.\nقال العلماء: معنى وقع القول عليهم؛ أي: وجب الوعيد عليهم لتماديهم في العصيان والفسوق والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبّرها والنزول على حكمها، وانتهابهم في المعاصي، إلى ما لا ينجع معه فيهم موعظة ولا يصرفهم عن عيهم تذكرة. يقول عز من قائل - فإذا صاروا كذاك -: ﴿أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] أي: دابة تعقل وتنطق، وذلك والله أعلم ليقع لهم العلم بأنه آية من قبل الله تعالى ضرورة، فإن الدواب في العادة لا كلام لها ولا عقل.\n(ابن ماجه) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله ﷺ:\n«تخرج الدابة من هذا الموضع» فإدا فتر في شبر، قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنتين فأرانا عصا له فإذا هو بعصاي هذا (^١).\nوكذا الفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتها، قاله الجوهري.\nوخرج ابن ماجه أيضا عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٦٧)، وضعّفه الألباني.","vol":"2","page":407},{"text":"«تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران، فتجلو وجه المؤمن بالعصى وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فتقول: هذا يا مؤمن، وتقول: هذا يا كافر» (^١). وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.\nوذكر أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن حذيفة قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: «لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة - قال رسول الله ﷺ: بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام، لن تدعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب فارفضّ الناس منها شتى ومعا، وتثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كالكوكب الدريّ وولّت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوّذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول له: يا فلان الآن تصلي فتقبل عليه فتسمه في وجهه ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقض حقي، وحتى إن الكافر يقول: يا مؤمن اقض حقي» (^٢).\nوقيل: إنها تسم وجوه الفريقين بالنفخ فتنقش في وجه المؤمن مؤمن وفي وجه الكافر كافر.\nقال: المؤلف ﵀: ولا يبعد أن تظهر السمة وتتبين بالنفخ، فتجمع عليه الأمرين، وعلى هذا لا تعارض، والله أعلم.\nوذكر البغوي أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز؛ حدّثنا علي بن الجعد، عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأعز - وسئل عن يحيى بن معين فقال:\nثقة - عن عطية العوفي، عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدع في الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها (^٣).\nوذكر الميانشي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «دابة الأرض تخرج من جياد فيبلغ صدرها الركن ولم يخرج ذنبها بعد وهي دابة ذات وبر وقوائم».\n\n<span data-type='title' id=toc-552>فصل</span>\nهذه الأحاديث وما تقدم من ذكر العلماء في الدابة ويأتي، يردّ قول من قال\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣١٨٧) وابن ماجه (٤٠٦٦)، وضعّفه الألباني.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٠٦٩)، وإسناده ضعيف.\n(^٣) إسناده ضعيف.","vol":"2","page":408},{"text":"من المفسرين المتأخرين إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة.\nقال شيخنا أبو العباس: وعلى هذا لا يكون فيها آية خاصة خارقة للعادة، ولا يكون من جملة العشر آيات المذكورة في الحديث، لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير فلا آية خاصة فلا ينبغي أن يذكر مع العشر.\nقلت: فساد ما قاله هذا المتأخر واضح، وأقوال المفسرين بخلافه.\nوروي من حديث هشام بن يوسف القاضي أبي عبد الرحمن الصنعاني، عن رباح بن عبيد الله بن عمر، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بئس الشعب أجياد» قالوا: وفيم ذلك يا رسول الله؟ قال: «تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات فيسمعها من بين الخافقين» (^١). لم يتابع رباح على هذا، أخرج الحديث أبو أحمد بن عدي الجرجاني ﵀.\nوعن عمرو بن العاص قال: تخرج الدابة من مكة من شجرة وذلك في أيام الحج فيبلغ رأسها السحاب وما خرجت رجلاها بعد من التراب. ذكره القتبي في «عيون الأخبار» له.\nوأصح أقوال المفسرين بخلاف ما قال، وأنها خلق عظيم يخرج من صدع من الصفا لا يفوتها أحد، فتسم المؤمن فينير وجهه وتكتب بين عينيه: مؤمن، وتسم الكافر فيسودّ وجهه وتكتب بين عينيه: كافر.\nوقال عبد الله بن عمر: تخرج الدابة من جبل الصفا بمكة ينصدع فتخرج منه، وقال عبد الله بن عمرو نحوه، وقال لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وروى عن قتادة أنها تخرج من تهامة.\nوروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح.\nوقيل: من أرض الطائف. وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين، وهي في السحاب وقوائمها في الأرض.\nوروي عن ابن الزبير: أنها جمعت من خلق كل حيوان، فرأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن أيّل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا. ذكره الثعلبي والماوردي وغيرهما.\n_________\n(^١) حديث ضعيف؛ انظر «المجمع» (٨/ ٧) و«ضعيف الجامع» (٢٣٥١).","vol":"2","page":409},{"text":"وحكى النقاش، عن ابن عباس: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة. ويروى أنها دابة مزغبة شعرا ذات قوائم، طولها ستون ذراعا.\nويقال إنها الجساسة في حديث فاطمة بنت قيس الحديث الطويل. وخرجه مسلم وذكره الترمذي وأبو داود مختصرا والسياق لمسلم، وفيه ثم قال رسول الله ﷺ: «أتدرون لما جمعتكم قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكنني جمعتكم لأن تميما الداريّ كان رجلا نصرانيا فبايع وأسلم، وحدّثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حيث مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب سفينة فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدري ما قبله من دبره من كثرة الشعر».\nوقال الترمذي: «إن ناسا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر، فجالت بهم حتى قذفتهم في جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة لباسة ناشرة شعرها، فقالوا: من أنت؟ قالت: أنا الجساسة» وذكر الحديث - راجع سياق مسلم - «فقالوا ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمّت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير، فإذا هو أعظم إنسان رأيناه خلقا وأشد وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبته إلى كعبيه بالحديد» وقال الترمذي: «فإذا رجل موثق بسلسلة».\nقال أبو داود: «فإذا الرجل يجر شعره مسلسلا في الأغلال ينز فيها بين السماء والأرض. قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن ناس من العرب؛ ركبنا سفينة بحرية فصادفنا البحر قد اغتلم، فلعب الموج بنا شهرا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر لا ندري ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. فقلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعا، وفزعنا منها وما نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان؟»\n- وقال الترمذي: الذي بين الأردن وفلسطين - قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل تثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إن يوشك أن لا تثمر.\nقال: أخبروني عن بحيرة طبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي أنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء","vol":"2","page":410},{"text":"العين؟ قلنا: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم.\nقال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم:\nقد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك هو خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني؛ أنا المسيح الدجّال، وإني أوشك أن يؤذن لي بالخروج، فأخرج؛ فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، هما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها.\nقال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر -: هذه طيبة - يعني المدينة - ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم. قال: فإنه أعجبني حديث تميم الداري فإنه، وافق الذي كنت حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة، إلا أنه في بحر الشام وبحر اليمن لا بل من قبل المشرق. وما هو من قبل المشرق، وأومأ بيده إلى المشرق، قال: حفظت هذا من رسول الله ﷺ (^١).\nقد خرج ابن ماجه حديث فاطمة بنت قيس: قالت: قال رسول الله ﷺ ذات يوم، وصعد المنبر، وكان لا يصعد عليه مثل ذلك اليوم إلا يوم الجمعة، فاشتد ذلك على الناس فمن بين قائم وجالس، فأشار إليهم بيده أن اقعدوا، «فو الله ما قمت مقامي إلا لأمر ينفعكم لا رغبة ولا رهبة، ولكن تميم الدّاريّ أتاني فأخبرني خبرا منعني القيلولة من الفرح وقرة العين، فأحببت أن أنشر عليكم فرح نبيكم ﷺ إلا أن ابن عمّ لتميم الداري أخبرني أن الريح ألجأتهم إلى جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قوارب السفينة، فخرجوا بها فإذا هم بشيء أهدب أسود كثير الشعر، قالوا لها: ما أنت؟ قالت:\nأنا الجساسة. قالوا: أخبرينا قالت: ما أنا بمخبركم شيئا، ولا سائلتكم، وليكن هذا الدير قد رهقتموه، فأتوه فإن فيه رجلا بالأشواق إلى أن تخبروه ويخبركم، فأتوه فدخلوا عليه فإذا هم بشيخ موثق شديد الوثاق مظهر الحزن شديد التشكي. قال لهم: من أين؟ فقالوا: من الشام. فقال: ما فعلت العرب؟ قالوا: نحن قوم من العرب؛ عمّ تسأل؟ قال:\nما فعل الرجل الذي خرج فيكم؟ قالوا: خيرا؛ أتى قوما فأظهره الله عليهم فأمرهم اليوم جميع، إلههم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد، قال: ما فعلت عين زغر؟ قالوا: خيرا؛ يسقون منها لزروعهم، ويستقون منها لشعبهم، قال؛ ما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: يطعم ثمره كل عام. قال: ما فعلت بحيرة الطبرية؟ قالوا: تدفق بجنباتها من كثرة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٢) وأبو داود (٤٣٢٥ - ٤٣٢٦) والترمذي (٢٢٥٣)، وغيرهم.","vol":"2","page":411},{"text":"الماء. قال: فزفر ثلاث زفرات، ثم قال: لو انفلت من وثاقي هذا لم أدع أرضا إلا وطئتها برجليّ هاتين، إلا طيبة ليس لي عليها سبيل».\nقال النبي ﷺ: «إلى هذا انتهى فرحي هذه طيبة، والذي نفسي بيده ما فيها طريق ضيق، ولا واسع، ولا سهل، ولا جبل، إلا وعليه ملك شاهر سيفه إلى يوم القيامة» (^١).\nقال المؤلف ﵀: هذا حديث صحيح وقد خرجه مسلم والترمذي وأبو داود وغيرهم ﵃.\nوقد قيل: إن الدابة التي تخرج هي الفصيل الذي كان لناقة صالح ﵇، فلما قتلت الناقة هرب الفصيل بنفسه، فانفتح له حجر فدخل فيه ثم انطبق عليه فهو فيه إلى وقت خروجه حتى يخرج، بإذن الله تعالى.\nقلت: ويدل على هذا القول؛ حديث حذيفة المذكور في هذا الباب، وفيه «وهي ترغو» والرغال إنما هو للإبل، والله أعلم.\nولقد أحسن من قال:\nواذكر خروج فصيل ناقة صالح … يسم الورى بالكفر والإيمان\n\n<span data-type='title' id=toc-553>فصل</span>\nوقد استدل من قال من العلماء: إن الدجال ليس ابن صياد بحديث الجساسة وما كان في معناه، والصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر إلى أن فقدوه يوم الحرّة. وفي كتاب أبي داود في خبر الجساسة من حديث أبي سلمة ابن عبد الرحمن قال: شهد جابر أنه هو ابن صياد. قلت: فإنه قد مات! قال وإن مات قلت: فإنه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة (^٢).\nوذكر سيف بن عمر في كتاب «الفتوح والردة»: ولما نزل أبو سبرة في الناس على السوس وأحاط المسلمون بها وعليهم الشهربان أخو الهرمزان، ناوشوهم القتال كل ذلك يصيب أهل السوس من المسلمين، فأشرف عليهم يوما الرهبان والقسيسون، فقالوا: يا معشر العرب؛ إن مما عهد علماؤنا وأوائلنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال، أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا أنفسكم بالحصار، قال: وطاف ابن صياد يومئذ مع النعمان\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٧٤)، وإسناده ضعيف، لكن المتن صحيح دون بعض العبارات، كما أفاد المحدث الألباني. وأصله في مسلم كما تقدم.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٣٢٨).","vol":"2","page":412},{"text":"في جند، فأتى باب السوس غضبان فدقه برجله وقال: انفتح، فطار فتقطعت السلاسل وتكسّرت الأغلاق وتفتّحت الأبواب، ودخل المسلمون.\nوقصّته مع أبي سعيد وقوله: والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن - وقال الترمذي: وأين هو الساعة من الأرض - وأعرف والده كالنص في أنه هو، واحتجاجه بأنه مسلم وولد له ودخل المدينة وهو يريد مكة تلبس منه، وأنه سيكفر إذا خرج، وحينئذ لا يولد له ولا يدخل مكة والمدينة، والله أعلم.\nوقوله: «ارفئوا» أي: ألجئوا إلى جزيرة، لجئوا مرفأ السفينة حيث ترسي، يقال: أرفأت السفينة إذا قربتها من الشط، وذلك الموضع مرفأ، وأرفأت إليه لجأت إليه، وأقرب السفينة هي القوارب الصغار يتصرف بها ركاب السفينة، والواحد قارب على غير قياس.\nقال الخطابي والمازري: والمهلب: الشعر الغليظ. وقال: أهلب: على معنى الحيوان أو الشخص، ولو راعى اللفظ لقال هلبا كأحمر وحمر. والأهلب أيضا عند بعض أهل اللغة: الذي لا شعر عليه وهو من الأضداد واستفهامهم منها؛ ظنا منهم أنها ممن لا تعقل، فلما كلمتهم؛ فرقوا: أي فزعوا. واغتلام البحر:\nهيجانه وتلاطم أمواجه، وبيسان وزغر: موضعان بالشام بين الأردن وفلسطين. كما في حديث الترمذي.\nقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: كانت بيسان مدينة وفيها سوق كبيرة، وعين تسمى عين فلوس، يسقى منها، وبحيرة طبرية هي بحيرة عظيمة طولها عشرة أميال وعرضها ستة أميال وموجها في سور قلعتها وهي عميقة تجري فيها السفن ويصاد منها السمك وماؤها حلو فرات، وبين بحيرة طبرية وبيت المقدس نحو من مائة ميل وهي من الأردن ولزمتها هي تصغير بحرة لا بحر لأن البحر مذكر وتصغيره بحير، وعين زغر بضم الزاي وفتح الغين وامتناع صرفه للعلمية والعدل لأنه معدول عن زاغر كعمر معدول عن عامر، وزعم الكلبي أن زغر اسم امرأة نسبت هذه العين إليها فإن كان ما قاله حقا فلأن هذه المرأة استنبطتها واتخذت أرضها دارا لها فنسبت إليها، ذكره ابن دحية في كتاب «البشارات والإنذارات» له من تأليفه.\nوقوله ﵊: «إلا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن». شك أو ظن منه ﵊، أو قصد الإبهام على السامع، ثم نفى ذلك وأضرب عنه بالتحقيق، فقال: «لا بل من قبل المشرق»، ثم أكد ذلك بما الزائدة وبالتكرار اللفظي، فما زائدة لا نافية، فاعلم ذلك.","vol":"2","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-554>٢٨٥ - باب طلوع الشمس من مغربها وإغلاق باب التوبة، وكم يمكث الناس بعد ذلك</span>\n(مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» (^١).\nوخرج الترمذي والدارقطني، عن صفوان بن عسال المرادي، قال؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه» (^٢). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال سفيان: قبل الشام خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحا يعين للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوذكر أبو إسحاق الثعلبي وغيره من المفسرين، في حديث فيه طول عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ما معناه: «إن الشمس تحبس على الناس حتى تكثر المعاصي في الأرض ويذهب المعروف، فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد، مقدار ليلة تحت العرش كلما سجدت واستأذنت ربها ﷿ من أين تطلع، لم يحر إليها جواب حتى يوافيها القمر، فيسجد معها ويستأذن من أين يطلع فلا يحر إليه جواب، حتى يجلسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف ما طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض، وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين، فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالى إليهما جبريل ﵇، فيقول: إن الربّ ﷾ يأمر كما أن ترجعا إلى مغربكما فتطلعا منه وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فيطلعان من مغاربهما أسودين لا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] وقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] فيرتفعان كذلك مثل البعيرين والفرسين، فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرة السماء وهي نصفها جاءهما جبريل فأخذ بقرونهما وردهما إلى المغرب فلا يغربهما من مغاربهما، ولكن يغربهما من باب التوبة، ثم يرد المصراعين ثم يلتئم بينهما فيصير كأنه لم يكن بينهما صدع، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٣٥) والدارقطني (١/ ١٩٧)، وحسّنه الألباني.","vol":"2","page":414},{"text":"من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم، فذلك قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]».\nثم إن الشمس والقمر يكسبان بعد ذلك الضوء والنور ثم يطلعان على الناس ويغربان، كما كان قبل ذلك يطلعان ويغربان. وذكر الميانشي: وقال عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: «ويبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة».\n\n<span data-type='title' id=toc-555>فصل</span>\nقال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت.\nقال ﷺ: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (^١). أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة ومقعده من النار، فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله.\nوعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش، لأن علمه بالله تعالى وبنبيه ﷺ وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثون عنه إلا قليلا، فيصير الخبر عنه خاصّا وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه، والله أعلم.\nوقد قيل: إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم ﵇ قال لنمرود: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وإن الملحدين والمنجمين عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون هو غير كائن، فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليرى المنكرين لذلك قدرته من أن الشمس في قدرته، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب، وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي ﷺ، فأما المصدق فإنه تقبل توبته وينفعه إيمانه قبل ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ١٣٢) والترمذي (٣٥٣٧) وابن ماجه (٤٢٥٣)، وحسن الألباني.","vol":"2","page":415},{"text":"وروي عن ابن عباس أنه قال: لا يقبل من كافر عمل ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيرا يومئذ، فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه، ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبل منه.\nوروى عن عمران بن حصين أنه قال: إنما لم تقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثم هلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته. ذكره الليث السمرقندي في «تفسيره».\n\n<span data-type='title' id=toc-556>فصل</span>\nواختلفت الروايات في أول الآيات؛ فروي أن طلوع الشمس من مغربها أولها على ما وقع في حديث مسلم في هذا الباب. وقيل: خروج الدجال، وهذا القول أولى القولين وأصح لقوله ﵊: «إن الدجال خارج فيكم لا محالة» الحديث بطوله.\nفلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها، لم ينفع اليهود إيمانهم أيام عيسى ﵇، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم.\nوقد تقدم القول مبينا في هذا، وأن أول الآيات الخسوفات، فإذا نزل عيسى ﵇ وقتل الدجال خرج حاجا إلى مكة فإذا قضى حجه انصرف إلى زيارة سيدنا محمد ﷺ، فإذا وصل إلى قبر الرسول ﷺ أرسل الله عند ذلك ريحا عنبرية فتقبض روح عيسى ﵇ ومن معه من المؤمنين، فيموت عيسى ﵇ ويدفن مع النبي ﷺ في روضته، ثم تبقى الناس حيارى سكارى فيرجع أكثر أهل الإسلام إلى الكفر والضلالة وتستولي أهل الكفر على من بقي من أهل الإسلام، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، وعند ذلك يرفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف، ثم تأتي الحبشة إلى بيت الله فينقضونه حجرا حجرا ويرمون بالحجارة في البحر، ثم تخرج حينئذ دابة الأرض تكلمهم، ثم يأتي دخان يملأ ما بين السماء والأرض، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم ويضيق أنفاسهم، ثم يبعث الله ريحا من الجنوب من قبل اليمن مسّها مس الحرير وريحها ريح المسك فتقبض روح المؤمن والمؤمنة، وتبقى شرار الناس، ويكون الرجال لا يشبعون من النساء والنساء لا يشبعن من الرجال، ثم يبعث الله الرياح فتلقيهم في البحر، هكذا ذكر بعض العلماء الترتيب في الأشراط وفيه بعض اختلاف وقد تقدمت الإشارة إليه فما تقدم، والله أعلم.\nوقيل: إذا أراد الله انقراض الدنيا وتمام لياليها وقربت النفخة خرجت نار من قعر عدن لتسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم وتقيل معهم، حتى يجتمع الخلق","vol":"2","page":416},{"text":"بالمحشر الإنس والجن والدواب والوحوش والسباع والطير والهوام، وخشاش الأرض وكل من له روح، فبينما الناس قيام في أسواقهم يتبايعون وهم مشتغلون بالبيع والشراء؛ إذا هم بهدة عظيمة من السماء يصعق منها نصف الخلق، فلا يقومون من صعقتهم مدة ثلاثة أيام، والنصف الآخر من الخلق تذهل عقولهم فيبقون مدهوشين قياما على أرجلهم وهو قوله تعالى: ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] فبينما هم كذلك إذا هدة أخرى أعظم من الأولى غليظة فظيعة كالرعد القاصف، فلا يبقى على وجه الأرض واحد إلا مات، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر:\n٦٨ -]. فتبقى الدنيا بلا آدمي ولا جني ولا شيطان، ويموت جميع من في الأرض من الهوام والوحوش والدواب وكل شيء له روح، وهو الوقت المعلوم الذي كان بين الله تعالى وبين إبليس الملعون.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-557>٢٨٦ - باب ما جاء في خراب الأرض والبلاد قبل الشام ومدة بقاء المدينة خرابا قبل يوم القيامة وفي علامة ذهاب الدنيا ومثالها وفي أول ما يخرب منها</span>\nروي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:\n«ويبدأ الخراب في أطراف الأرض حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة وخراب البصرة من العراق وخراب مصر من جفاف النيل وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع وخراب اليمن من الجراد، وخراب الأبلة من الحصار، وخراب فارس من الصعاليك، وخراب الترك من الديلم، وخراب الديلم من الأرمن، وخراب الأرمن من الخزر، وخراب الخزر من الترك، وخراب الترك من الصواعق، وخراب السند من الهند، وخراب الهند من الصين، وخراب الصين من الرمل، وخراب الحبشة من الرجفة، وخراب الزوراء من السفياني، وخراب الروحاء من الخسف، وخراب العراق من القحط». ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ في كتاب «روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق»، وسمعت أن خراب الأندلس من الريح العقيم، والله أعلم.","vol":"2","page":417},{"text":"وذكر أبو نعيم الحافظ، عن أبي عمران الجوني، وأبي هارون العبدي، أنهما سمعا نوفا البكّالي يقول: إن الدنيا مثلت على طير، فإذا انقطع جناحاه وقع، وإن جناحي الأرض مصر والبصرة، فإذا خربتا ذهبت الدنيا (^١).\nوذكر أبو زيد عمر بن شبة، حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، قال: ذكر لي عن عوف بن مالك أن النبي ﷺ قال:\n«أما والله يا أهل المدينة لتتركنها قبل يوم القيامة أربعين».\nوقال كعب: ستخرب الأرض قبل الساعة بأربعين سنة، وليهاجرنّ الرعد والبرق إلى الشام حتى لا تكون رعدة ولا برقة إلا ما بين العريش والفرات.\nويروى عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: (إني إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فأخربه، ثم أخرب الدنيا على أثره)». وقد تقدم أن الذي يخربه ذو السويقتين على ما تقدم، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-558>٢٨٧ - باب لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله</span>\n(مسلم) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله».\nوفي رواية أخرى: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-559>فصل</span>\nقال علماؤنا رحمة الله عليهم: قيّد (الله) برفع الهاء ونصبها، فمن رفعها فمعناه: ذهاب التوحيد، ومن نصبها فمعناه: انقطاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: لا تقوم الساعة على أحد يقول: اتق الله.\nقال المؤلف ﵀: ويدل على صحّة هذا التأويل، قوله ﵊ في حديث حذيفة: «لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة» الحديث، وفيه: «هم شر من الحمر يتسافدون تسافد البهائم وليس فيهم رجل يقول: مه مه».\n_________\n(^١) ذكره أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٥٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٨).","vol":"2","page":418},{"text":"وقد قيل: إن هذا الاسم أجراه الله عل ألسنة الأمم من لدن آدم ﵇، ولم تنكره أمة بل هو دائر على ألسنتهم من عهد أبيهم إلى انقضاء الدنيا، وقد قال قوم نوح: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] الآية، وقال قوم هود:\n﴿أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ [المؤمنون: ٣٨] إلى غير ذلك، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فإذا أراد الله زوال الدنيا قبض أرواح المؤمنين وانتزع هذا الاسم من ألسنة الجاحدين، وفجأهم عند ذلك الحق اليقين، وهو قوله ﵊: «لا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول: الله».\nوفي الخبر: إن الله تعالى يقول لإسرافيل ﵇: إذا سمعت قائلا يقول: لا إله إلا الله فأخّر النفخة أربعين سنة إكراما لقائلها، والله أعلم.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-560>٢٨٨ - باب على من تقوم الساعة</span>\n(مسلم) عن عبد الرحمن بن شماسة المهدي قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق وهم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم. فبينما هم كذلك أقبل عقبة بن عامر فقال له ابن شماسة: يا عقبة؛ اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة:\nهو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوّهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك». فقال عبد الله: أجل، ثم يبعث الله ريحا كريح المسك مسها كمس الحرير لا تترك نفسا في قلبها مثقال حبة من إيمان إلا قبضتها، ثم تبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة (^١).\nوفي حديث عبد الله بن مسعود: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس من لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، يتهارجون كما تتهارج الحمر» (^٢).\nقال الأصمعي: قوله يتهارجون يقول: يتسافدون يقال: بات فلان يهرج، والهرج في غير هذا الاختلاط والقتل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٢٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٤٩).","vol":"2","page":419},{"text":"وخرج مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تذهب الليالي والأيام حتى تعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله؛ إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك عام. قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة فتتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم (^١)»، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-561>فصل</span>\nذكر أبو الحسن بن بطال ﵀ هذا الحديث في «شرح البخاري» له مبينا لحديث البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليّات نساء دوس على ذي الخلصة» الحديث وقد تقدم. وقال: هذه الأحاديث وما جاء فيها معناها الخصوص وليس المراد بها أن الدين كله ينقطع في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ: أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة إلا أنه يضعف ويعود غريبا كما بدأ.\nروى حماد بن سلمة، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران بن حصين قال:\nقال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحقّ حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» (^٢). وكان مطرف يقول: هم أهل الشام.\nقلت: ما ذكره من أن الدين لا ينقطع وأن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، يرده حديث عائشة وعبد الله بن عمرو، وما ذكره من حديث عمران بن حصين، وقد تقدم - أن عيسى ﵇ يقتل الدجال ويخرج يأجوج ومأجوج ويموتون، ويبقى عيسى ﵇ ودين الإسلام لا يعبد في الأرض غير الله كما تقدم، وأنه يحج ويحج معه أصحاب الكهف فيما ذكره المفسرون، وقد تقدم أنهم حواريّه، إذا نزل فإذا توفي عيسى ﵇ بعث الله تعالى عند ذلك ريحا باردة من قبل الشام فتأخذ تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة، كذا في حديث النواس بن سمعان الطويل، وقد تقدم.\nوفي حديث عبد الله بن عمرو: «ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير، أو إيمان إلا قبضته، حتى لو دخل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٠٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٩، ٤٣٧)، وهو في «الصحيحة» (١٩٥٩).","vol":"2","page":420},{"text":"أحدكم في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه» قال: سمعتها من رسول الله ﷺ، وذكر الحديث. وقد تقدم بكماله.\nوفي ذكر النفخ والصعق والبعث فهذا غاية في البيان في كيفية انقراض هذا الخلق وهذه الأزمان، فلا تقوم الساعة وفي الأرض من يعرف الله ولا من يقول: الله الله.\nوذكر أبو نعيم، عن أبي الزهراية عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين، حتى إن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما ويحملان العنقود الواحد من العنب، فيمكثون على ذلك عشر سنين ثم يبعث الله ريحا طيبة، فلا تدع مؤمنا إلا قبضت روحه، ثم تبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج، حتى يأتيهم أمر الله والساعة وهم على ذلك.\n*** وقد تمّ «التذكرة بأحوال الموتى والآخرة»، والحمد لله على ذلك، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم أنبيائه، وأجلّ أحبابه. ونسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالشهداء والصالحين، وأن يجعلنا من عباده المتقين الفائزين، ويجعل ما كتبته خالصا لوجهه الكريم، بمنه وكرمه، وأن ينفعنا به ووالدينا، وغفر الله لصاحب هذا الكتاب، ولوالديه، ولسائر المسلمين أجمعين. آمين يا رب العالمين.\nتم الكتاب وربنا محمود … وله المكارم والعلى والجود\nوعلى النبيّ محمد صلواته … ما ناح قمري وأوراق عود\nووافق الفراغ من نسخه، في منتصف شهر رمضان المعظم قدره، من شهور سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة.\nعلى يد أقل عباد الله وأحوجهم إلى لطفه الخفي؛ الحسن بن علي بن منصور بن ناصر الحنفي.\nغفر الله له ولوالديه، ولمن قرأ فيه، ودعا له بالتوبة النصوح، والمغفرة والرحمة يا رب العالمين، ولسائر المسلمين أجمعين، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل (^١).\n_________\n(^١) وقد تم الفراغ من تخريج أحاديثه والتعليق عليه؛ ليلة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، لعام إحدى وعشرين وأربعمائة وألف. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.","vol":"2","page":421},{"text":"٣ -<span data-type='title' id=toc-562> فهرس المصادر والمراجع</span>\n<span data-type='title' id=toc-563>حرف الألف</span>\n١ - الآداب - أبو بكر البيهقي - ت: أبو عبد الله السعيد المندوه - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٠٨.\n٢ - الأذكار - الإمام النووي - ت: عبد القادر الأرناءوط - دار ابن حزم - بيروت - ط. ٦ - ١٤١٧.\n٣ - الأذكار - «صحيح كتاب الأذكار وضعيفه» - سليم بن عيد الهلالي - مكتبة الغرباء الأثرية - ط. ١ - ١٤١٣.\n٤ - الإصابة في تمييز الصحابة - ابن حجر العسقلاني - دار الكتب العلمية - ط. ١ - ١٤١٥.\n٥ - الأسامي والكنى - لأبي أحمد الحاكم - ت: يوسف بن محمد الدخيل - مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية - ط. ١ - ١٤١٤.\n٦ - الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة - العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - المكتب الإسلامي بيروت - ط. ٢، ١٤٠٥.\n٧ - أحكام الجنائز وبدعها - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض - ط. ١ - ١٤١٢.\n٨ - أخبار المدينة (تاريخ المدينة) - لابن شبة النميري - ت: فهيم محمد شلتوت.\n٩ - أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊ العلامة علي القاري - ت: مشهور بن حسن سلمان - مكتبة الغرباء الأثرية - ط. ١ - ١٤١٣.\n١٠ - ارواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - محمد ناصر الدين الألباني - المكتب الإسلامي - بيروت - ط. ٢ - ١٤٠٥.","vol":"2","page":469},{"text":"١١ - أشراط الساعة - يوسف الوابل - دار ابن الجوزي - ط. ٨ - ١٤١٨.\n١٢ - إعلام الأمة بحكم تارك الصلاة من الكتاب والسنة - عطاء بن عبد اللطيف بن أحمد - مكتبة العلم - القاهرة - ط. ١ - ١٤٠٩\n\n<span data-type='title' id=toc-564>حرف الباء</span>\n١٣ - البداية والنهاية - الحافظ ابن كثير الدمشقي - مكتبة المعارف - بيروت.\n١٤ - البحر الزخار - المعروف بمسند البزار - لأبي بكر أحمد بن عمرو البزار - ت:\nمحفوظ الرحمن زين الله - مكتبة العلوم والحكم - المدينة النبوية - ط ١ - ١٤١٤.\n\n<span data-type='title' id=toc-565>حرف التاء</span>\n١٥ - التاريخ الكبير - الإمام البخاري - دائرة المعارف العثمانية.\n١٦ - تاريخ الأمم والملوك (المعروف بتاريخ الطبري) - لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري - ت: محمد أبو الفضل إبراهيم - مصوّرة عن الطبعة المصرية.\n١٧ - تأملات في الصحيحين دراسة وتحليل لصحيحي البخاري ومسلم! - محمد صادق نجمي! - تعريب وتعليق حسن مرتضى القزويني - دار العلوم - بيروت - ط. ١ - ١٤٠٨.\n١٨ - تأويل مختلف الحديث - لابن قتيبة - تحقيق محمد محيي الدين الأصفر - المكتب الإسلامي - ط. ١ - ١٤٠٩.\n١٩ - التحصيل من المحصول - سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي - ت:\nعبد الحميد بن علي أبو زنيد - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٠٨.\n٢٠ - تفسير القرآن العظيم - للحافظ ابن كثير الدمشقي - مؤسسة الريان - بيروت - ط - ٥ - ١٤٢٠.\n٢١ - تفسير القرآن العظيم - لابن أبي حاتم - ت: أسعد محمد الطيب - مكتبة الباز - مكة المكرمة - ط. ٢ - سنة ١٤١٩.\n٢٢ - تقريب التهذيب - الحافظ ابن حجر العسقلاني - ط. محمد عوامة - دار ابن حزم - بيروت - سنة ١٤٢٠.\nوط. دار العاصمة - الرياض - ت: أبو الأشبال صفير أحمد الباكستاني - سنة ١٤١٦.\n٢٣ - التلخيص الحبير - الحافظ ابن حجر العسقلاني - مكتبة الباز - مكة المكرمة -- ط. ١ - سنة ١٤١٧.","vol":"2","page":470},{"text":"٢٤ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - الحافظ ابن عبد البر - ت: سعيد أحمد أعراب - الطبعة المغربية.\n٢٥ - تهذيب التهذيب - الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني - مؤسسة الرسالة.\n٢٦ - تهذيب الكمال - الحافظ المزي - ت: بشار عواد معروف - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط. ٥ - سنة ١٤١٥.\n\n<span data-type='title' id=toc-566>حرف الجيم</span>\n٢٧ - الجامع لأحكام القرآن - (تفسير القرطبي) - لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي - دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٢٨ - جامع بيان العلم وفضله - الحافظ ابن عبد البر - ت: سمير الزهيري - دار ابن الجوزي - الدمام - ط. ٢ - سنة ١٤١٧.\n٢٩ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام - ابن قيم الجوزية - ت: مشهور بن حسن آل سلمان - دار ابن الجوزي - الدمام - ط. ١ - سنة ١٤١٧.\n\n<span data-type='title' id=toc-567>حرف الحاء</span>\n٣٠ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ابن قيم الجوزية - ت: محمد بن إبراهيم الزغلي - رمادي للنشر - الدمام - ط. ١ - سنة ١٤١٧.\n٣١ - الحاوي للفتاوي - الحافظ جلال الدين السيوطي - ت: محمد محيي الدين عبد الحميد - المكتبة العصرية - صيدا - ط. ١ - سنة ١٤١١.\n٣٢ - الحديث النبوي بين الرواية والدراية! - جعفر السبحاني! - دار الأضواء - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٢٠.\n٣٣ - حسن الظن بالله - لابن أبي الدنيا - ضمن رسائل ابن أبي الدنيا - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت.\n\n<span data-type='title' id=toc-568>حرف الخاء</span>\n٣٤ - خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - الحافظ النسائي - ت: الداني بن منير آل زهوي - المكتبة العصرية - صيدا - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٢١.\n\n<span data-type='title' id=toc-569>حرف الدال</span>\n٣٥ - الداء والدواء - ابن قيم الجوزية - ت: علي بن حسن الحلبي - دار ابن الجوزي - الدمام - ط. ٢ - سنة ١٤١٧.","vol":"2","page":471},{"text":"طبعة أخرى: دار ابن خزيمة - الرياض - ت: عامر علي ياسين - ط. ١ - سنة ١٤١٧.\n٣٦ - دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين - د. عبد الغني عبد الخالق - دار الجيل - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١١.\n\n<span data-type='title' id=toc-570>حرف الراء</span>\n٣٧ - الرسالة - الإمام الشافعي - ت: أحمد محمد شاكر - القاهرة.\n٣٨ - الروح - ابن قيم الجوزية - ت: يوسف علي بديوي - دار ابن كثير - دمشق - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١٤.\n\n<span data-type='title' id=toc-571>حرف الزاي</span>\n٣٩ - زاد المعاد في هدي خير العباد - ابن قيم الجوزية - ت: شعيب الأناءوط وعبد القادر الأرناءوط - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط. ٢٦ - سنة ١٤١٢.\nطبعة أخرى: مؤسسة الريان - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١٨.\n٤٠ - كتاب الزهد - لابن المبارك - ت: حبيب الرحمن الأعظمي - دار الكتب العلمية - بيروت - د. ط.\n٤١ - كتاب الزهد - للإمام أحمد - ت: محمد السعيد بسيوني زغلول - دار الكتاب العربي - بيروت - ط. ٣ - سنة ١٤١٧.\nطبعة أخرى: دار الكتب العلمية بيروت.\n٤٢ - كتاب الزهد - لوكيع بن الجراح - ت: عبد الرحمن الفريوائي - دار الصميعي - الرياض - ط. ٣ - سنة ١٤١٥.\n٤٣ - كتاب الزهد - للمعافى بن عمران الموصلي - ت: عامر حسن صبري - دار البشائر الإسلامية - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٢٠.\n٤٤ - كتاب الزهد - لأبي داود السجستاني - ت: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس - قدم له وراجعه: محمد عمرو بن عبد اللطيف - دار المشكاة - حلوان - القاهرة - ط. ١ - سنة ١٤١٤.\n\n<span data-type='title' id=toc-572>حرف السين</span>\n٤٥ - شرح صحيح مسلم - للإمام النووي - ط. دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٤٦ - سلسلة الأحاديث الصحيحة - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض - ط. ١ - سنة ١٤١٥.","vol":"2","page":472},{"text":"٤٧ - سلسلة الأحاديث الضعيفة - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض - ط. ١ - سنة ١٤٠٢.\n٤٨ - سنن الترمذي (الجامع الصحيح) - لأبي عيسى الترمذي - ت: أحمد محمد شاكر - دار الكتب العلمية - بيروت.\n٤٩ - سنن ابن ماجه - بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.\n٥٠ - سنن النسائي - الصغرى - (المجتبى) - للحافظ أبي عبد الرحمن النسائي - وبحاشيته شرح للحافظ السندي والحافظ السيوطي.\n٥١ - سنن أبي داود - ت: عزت الدعاس - دار ابن حزم - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١٨.\n٥٢ - السنن الكبرى - للحافظ أبي عبد الرحمن النسائي - ت: عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن - دار الكتب العلمية - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١١.\n٥٣ - السنة - لابن أبي عاصم - ت: باسم فيصل الجوابرة - دار الصميعي - الرياض - ط. ١ - سنة ١٤١٩.\nطبعة أخرى: المكتب الإسلامي ببيروت - بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.\n٥٤ - السنة - لعبد الله بن الإمام أحمد - ت: محمد سعيد القحطاني - رمادي للنشر والمؤتمن للتوزيع - ط. ٣ - سنة ١٤١٦.\n٥٥ - سنن الدارمي - عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - دار الكتاب العربي - بيروت - ط. ٢ - سنة ١٤١٧.\n٥٦ - سير أعلام النبلاء - شمس الدين الذهبي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط. ٣ - سنة ١٤٠٦.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>حرف الشين</span>\n٥٧ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - هبة الله اللالكائي - ت: أحمد سعد حمدان - دار طيبة - الرياض - ط. ٤ - سنة ١٤١٦.\n٥٨ - شرح السنة - للبغوي - ت: شعيب الأرناءوط - المكتب الإسلامي - بيروت.\n٥٩ - الشريعة - للآجري - ت: الوليد سيف النصر - مؤسسة قرطبة - المكتبة المكية - ط. ١ - سنة ١٤١٧.\n٦٠ - شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور - أبو عمر عبد الله بن محمد الحمادي - مكتبة الصحابة - ومكتبة التابعين - ط. ١ - سنة ١٤٢٠.","vol":"2","page":473},{"text":"٦١ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب - لابن العماد الحنبلي - ت: عبد القادر الأرناءوط - ومحمود الأرناءوط - دار ابن كثير - دمشق - ط. ١ - سنة ١٤٠٦.\nطبعة أخرى: دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٦٢ - شعب الإيمان - للحافظ البيهقي - ت: أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول - دار الكتب العلمية - ط. ١ - سنة ١٤١٠.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>حرف الصاد</span>\n٦٣ - صحيح البخاري ومعه فتح الباري - انظر «فتح الباري».\n٦٤ - صحيح مسلم بن الحجاج - بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.\n٦٥ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان - ت: شعيب الأرناءوط - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط. ٣ - سنة ١٤١٨.\n٦٦ - صحيح الجامع الصغير - محمد ناصر الدين الألباني - المكتب الإسلامي - بيروت - ط. ٣ - سنة ١٤٠٨.\n٦٧ - صحيح سنن ابن ماجه - محمد ناصر الدين الألباني - مكتب التربية العربي لدول الخليج - ط. ٣ - سنة ١٤٠٨.\n٦٨ - صحيح سنن الترمذي - محمد ناصر الدين الألباني - مكتب التربية العربي لدول الخليج - ط. ١ - سنة ١٤١١.\n٦٩ - صحيح سنن النسائي - محمد ناصر الدين الألباني - مكتب التربية العربي لدول الخليج - ط. ١ - سنة ١٤٠٨.\n٧٠ - صحيح سنن أبي داود - محمد ناصر الدين الألباني - مكتب التربية العربي لدول الخليج - ط. ١ - سنة ١٤٠٩.\n٧١ - صفة الجنة - للحافظ ابن كثير - ت: أيمن عارف الدمشقي - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١٤.\n٧٢ - صفة الصفوة - الحافظ ابن الجوزي - دار المعرفة - بيروت - ط. ٢ - سنة ١٤١٧.\n\n<span data-type='title' id=toc-575>حرف الضاد</span>\n٧٣ - ضعيف الجامع الصغير - محمد ناصر الدين الألباني - المكتب الإسلامي - ط. ٣ - سنة ١٤١٠.\n٧٤ - ضعيف سنن ابن ماجه - محمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف - الرياض - ط. ١ - سنة ١٤١٧.","vol":"2","page":474},{"text":"٧٥ - ضعيف سنن الترمذي - محمد ناصر الدين الألباني - مكتب التربية العربي - والمكتب الإسلامي - ط. ١ - سنة ١٤١١.\n٧٦ - ضعيف سنن النسائي - محمد ناصر الدين الألباني - مكتب التربية العربي - والمكتب الإسلامي - ط. ١ - سنة ١٤١١.\n٧٧ - ضعيف سنن أبي داود - محمد ناصر الدين الألباني - مكتب التربية العربي - والمكتب الإسلامي - ط. ١ - سنة ١٤١٢.\n٧٨ - ضلالات منكري السنة - طه الدسوقي حبيشي - بيت الحكمة للإعلام والنشر - القاهرة - ط. ١ - سنة ١٤١٧.\n\n<span data-type='title' id=toc-576>حرف العين</span>\n٧٩ - العظمة - لأبي الشيخ الأصبهاني - ت: رضاء الله بن محمد المباركفوري - دار العاصمة - الرياض - ط. ٢ - سنة ١٤١٩.\n٨٠ - العلو للعلي العظيم - شمس الدين الذهبي - ت: عبد الله بن صالح البراك - دار الوطن - الرياض - ط. ١ - سنة ١٤٢٠.\n\n<span data-type='title' id=toc-577>حرف الغين</span>\n٨١ - الغريبين في القرآن والحديث - أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي - ت: أحمد فريد المزيدي - مكتبة نزار الباز - مكة المكرمة - ط. ١ - سنة ١٤١٩.\n\n<span data-type='title' id=toc-578>حرف الفاء</span>\n٨٢ - فتح الباري شرح صحيح البخاري - الحافظ ابن حجر العسقلاني - دار الريان - القاهرة - ط. ٢ - سنة ١٤٠٧.\n٨٣ - فتح القدير الجامع بين فنّي الرواية والدراية في علم التفسير - محمد بن علي الشوكاني - ت: عبد الرحمن عميرة - دار الوفاء - المنصورة - ط. ٢ - سنة ١٤١٨.\n٨٤ - الفتن والملاحم - الحافظ ابن كثير - المكتب الثقافي - القاهرة.\n٨٥ - الفصل للوصل المدرج في النقل - الخطيب البغدادي - ت: عبد السميع محمد الأنيس - دار ابن الجوزي - الدمام - ط. ١ - سنة ١٤١٨.\n\n<span data-type='title' id=toc-579>حرف القاف</span>\n٨٦ - كتاب القبور - لابن أبي الدنيا - ت: طارق العمودي - مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية - ط. ١ - سنة ١٤٢٠.","vol":"2","page":475},{"text":"<span data-type='title' id=toc-580>حرف الكاف</span>\n٨٧ - كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة - نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي - ت: حبيب الرحمن الأعظمي - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٠٤.\n\n<span data-type='title' id=toc-581>حرف الميم</span>\n٨٨ - المجروحين - لابن حبان - ت: محمد إبراهيم الزائد - توزيع دار الباز بمكة المكرمة.\n٨٩ - مجمع البيان في تفسير القرآن - أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١٢.\n٩٠ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - نور الدين الهيثمي - دار الكتاب العربي.\n٩١ - المجالسة وجواهر العلم - أبو بكر الدينوري - ت: مشهور بن حسن آل سلمان - جمعية التربية الإسلامية ودار ابن حزم - ط. ١ - سنة ١٤١٩.\n٩٢ - مجمل اللغة - لأبي الحسين أحمد بن فارس - ت: زهير عبد المحسن سلطان - مؤسسة الرسالة - ط. ٢ - سنة ١٤٠٦.\n٩٣ - مجموعة الفتاوى - لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني - اعتنى بها وخرّج أحاديثها: عامر الجزّار وأنور الباز - دار الوفاء - المنصورة - ومكتبة العبيكان - الرياض - ط. ٢ - سنة ١٤١٩.\n٩٤ - المحصول في علم أصول الفقه - فخر الدين الرازي - ت: طه جابر فياض العلواني - مؤسسة الرسالة - بيروت - ط. ٣ - سنة ١٤١٨.\n٩٥ - المستدرك على الصحيحين - لأبي عبد الله الحاكم - ومعه التلخيص للحافظ الذهبي - دائرة المعارف الهندية.\n٩٦ - المسند - الإمام أحمد بن حنبل - ط. المكتب الإسلامي - مصورة عن الطبعة المنيرية.\nطبعة أخرى: دار المعارف بمصر - تعليق وشرح: أحمد محمد شاكر.\n٩٧ - مسند أبي داود الطيالسي - سليمان بن داود - دائرة المعارف النظامية بحيدرآباد - ط. ١ - سنة ١٣٨٢.\n٩٨ - المسند - للحميدي؛ عبد الله بن الزبير الأسدي - ت: حبيب الرحمن الأعظمي - عالم الكتب - بيروت - مصورة عن طبعة المجلس العليم بالهند - سنة ١٣٨٢.","vol":"2","page":476},{"text":"٩٩ - المسند - لأبي يعلى الموصلي - ت: حسين سليم أسد - دار المأمون - دمشق - ط. ١ - سنة ١٤٠٥.\n١٠٠ - المصنف - عبد الرزاق الصنعاني - المكتب الإسلامي - بيروت.\n١٠١ - المصنف - ابن أبي شيبة - المجمع العلمي بالهند. وطبعة دار الفكر ببيروت.\n١٠٢ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - للحافظ ابن حجر العسقلاني - تنسيق:\nد. سعد بن ناصر الشتري - دار العاصمة - الرياض - ط. ١ - سنة ١٤٢٠.\n١٠٣ - المعجم - لابن الأعرابي - ت: عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني - دار ابن الجوزي - الدمام - ط. ١ - سنة ١٤١٨.\n١٠٤ - المعجم الكبير - للطبراني - ت: حمدي عبد المجيد السلفي - دار إحياء التراث العربي ببيروت - مصورة عن مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.\n١٠٥ - المعجم الصغير - للطبراني - دار الكتب العلمية ببيروت.\n١٠٦ - المعرفة والتاريخ - للنسوي - ت: أكرم ضياء العمري - مطبعة الإرشاد ببغداد - سنة ١٣٩٤.\n١٠٧ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي - دار ابن كثير - دمشق - ط. ١ - ١٤١٧.\n١٠٨ - المنتخب من المسند - عبد بن حميد - ت: السامرائي والصعيدي - عالم الكتب - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٠٨.\n١٠٩ - من قصص الماضين - مشهور بن حسن آل سلمان - دار الهجرة - الرياض.\n١١٠ - الموضوعات - للحافظ ابن الجوزي - ت: نور الدين بن شكري بن علي بويا جيلار - أضواء السلف - مكتبة التدمرية - ط. ١ - سنة ١٤١٨.\n١١١ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال - للحافظ الذهبي - ت: علي البجاوي - دار المعرفة - بيروت.\n\n<span data-type='title' id=toc-582>حرف النون</span>\n١١٢ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - جمال الدين يوسف بن تغري بروي الأتابكي - ت: إبراهيم علي طرفان - الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر - سنة ١٣٩١.\n١١٣ - نفائس الأصول في شرح المحصول - شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي - ت: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض - مكتبة نزار الباز - مكة المكرمة - ط. ٣ - سنة ١٤٢٠.","vol":"2","page":477},{"text":"١١٤ - النهاية في غريب الحديث والأثر - ابن الأثير الجزري - ت: صلاح عويضة - دار الكتب العلمية - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤١٨.\n١١٥ - نهاية السئول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول - جمال الدين الإسنوي - ت: شعبان محمد إسماعيل - دار ابن حزم - بيروت - ط. ١ - سنة ١٤٢٠.\n١١٦ - نهاية الوصول في دراية الأصول - صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي - ت: صالح بن سليمان اليوسف وسعد بن سالم السويح - مكتبة نزار الباز - مكة المكرمة - ط. ٢ - سنة ١٤١٩.\n١١٧ - النهج الاسمي في شرح أسماء الله الحسنى - محمد الحمود النجدي - مكتبة الإمام الذهبي - الكويت - ط. ٢ - سنة ١٤١٧.","vol":"2","page":478}]}