{"ً":{"ٌ":30033,"ٍ":"الأحاديث الواردة في الابتلاء","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30033/ebtela.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأحاديث الواردة في الابتلاء جمعا ودراسة [بحث محكَّم]\nالمؤلف: أ. د. حسين بن غازي التويجري\nالناشر: (الناشر المتميز- الرياض)، (دار النصيحة - المدينة النبوية)\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٢ م\nعدد الصفحات: ٩٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2854,"ٕ":8,"ٖ":1770156148,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":3},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":6},{"title":"المبحث الأول: ويحتوي على ثلاثة مطالب","level":1,"page":8},{"title":"المطلب الأول: تعريف الابتلاء","level":2,"page":8},{"title":"المطلب الثاني: ذكر الابتلاء في القرآن","level":2,"page":8},{"title":"المطلب الثالث: من حكم الابتلاء","level":2,"page":14},{"title":"١ - اختبار للإيمان","level":3,"page":14},{"title":"٢ - تكفير السيئات لقوله ﷺ","level":3,"page":15},{"title":"٣ - رفعة الدرجات لقوله ﷺ","level":3,"page":15},{"title":"٤ - ولابن القيم ﵀ كلام قيم حول حكم الابتلاء","level":3,"page":15},{"title":"المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الابتلاء","level":1,"page":20},{"title":"المطلب الأول: الابتلاء على قدر الإيمان","level":2,"page":20},{"title":"المطلب الثاني: البلاء قد يكون سببا لتكفير السيئات","level":2,"page":26},{"title":"المطلب الثالث: السعيد من جنب الفتن، وإذا ابتلي صبر","level":2,"page":28},{"title":"المطلب الرابع: تعجيل العقوبة في الدنيا خير من المعاقبة عليها في الآخرة","level":2,"page":30},{"title":"المطلب الخامس: مشروعية الرضا بالبلاء وعدم التسخط","level":2,"page":30},{"title":"المطلب السادس: حال المؤمن عند الابتلاء بالسراء أو بالضراء","level":2,"page":33},{"title":"المطلب السابع: إذا أراد الله بأحد خيرا أصاب منه","level":2,"page":35},{"title":"فائدة","level":3,"page":36},{"title":"المطلب الثامن: مواصلة كتابة ثواب الأعمال عند توقفها بسبب الابتلاء","level":2,"page":38},{"title":"المطلب التاسع: تنوع البلاء للإنسان فقد يكون في نفسه، أو ماله، أو ولده","level":2,"page":40},{"title":"المطلب العاشر: قد يكون البلاء سببا في وصولك لدرجة عالية في الجنة لاتبلغها بعملك","level":2,"page":42},{"title":"المطلب الحادي عشر: الفرق بين بلاء المؤمن والكافر","level":2,"page":44},{"title":"المطلب الثاني عشر: مشروعية التعوذ من البلاء","level":2,"page":45},{"title":"المطلب الثالث عشر: كثرة الابتلاء في آخر الزمان، مع غلبة ضعف الإيمان","level":2,"page":48},{"title":"المطلب الرابع عشر: فضل الدعاء، وأثره على رد البلاء، أو تخفيفه","level":2,"page":53},{"title":"المطلب الخامس عشر: مشروعية الهرب من البلاء، وعدم التعرض له","level":2,"page":56},{"title":"المطلب السادس عشر: عظم جزاء المبتلين الصابرين يوم القيامة، وغبطة الناس لهم","level":2,"page":58},{"title":"المطلب السابع عشر: مشروعية سؤال الله العافية عند رؤية أصحاب البلاء","level":2,"page":61},{"title":"المطلب الثامن عشر: النهي الشديد عن استعجال البلاء","level":2,"page":64},{"title":"المطلب التاسع عشر: ذكر بعض البلايا وثواب من صبر عليها","level":2,"page":66},{"title":"أولا: فضل الصبر على الحمى","level":3,"page":66},{"title":"ثانيا: فضل الصبر على الصرع","level":3,"page":72},{"title":"الثالث: فضل الصبر على فقد الحبيب","level":3,"page":74},{"title":"الرابع: فضل الصبر على البنات وتربيتهن","level":3,"page":75},{"title":"الخامس: فضل الصبر على فقد البصر","level":3,"page":82},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":86}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88},"ٜ":{"1":[5,92]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"6":[3],"8":[4,5,6],"14":[7,8],"15":[9,10,11],"20":[12,13],"26":[14],"28":[15],"30":[16,17],"33":[18],"35":[19],"36":[20],"38":[21],"40":[22],"42":[23],"44":[24],"45":[25],"48":[26],"53":[27],"56":[28],"58":[29],"61":[30],"64":[31],"66":[32,33],"72":[34],"74":[35],"75":[36],"82":[37],"86":[38]},"ٟ":[],"numbers":{"1":20,"2":24,"3":26,"4":28,"5":30,"6":30,"7":33,"8":35,"9":38,"10":40,"11":42,"12":44,"13":45,"14":48,"15":53,"16":56,"17":58,"18":61,"19":64,"20":66,"21":68,"22":72,"23":74,"24":75,"25":82},"number_max":25,"number_pages":{"20":1,"24":2,"26":3,"28":4,"30":6,"33":7,"35":8,"38":9,"40":10,"42":11,"44":12,"45":13,"48":14,"53":15,"56":16,"58":17,"61":18,"64":19,"66":20,"68":21,"72":22,"74":23,"75":24,"82":25}},"pages":[{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة:</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١)\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢)\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٣)\nأما بعد:\nفالابتلاء سنة الله في هذه الحياة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ\n_________\n(^١) سورة آل عمران، (١٠٢).\n(^٢) سورة النساء، (١).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآيتان (٧٠ - ٧١).","vol":"1","page":5},{"text":"وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (^١)، والابتلاء تتعد صوره، وتتنوع أشكاله: فتارة يكون فيما يحبه الإنسان، وتارة أخرى فيما يكره، فمرة بالخير يكون الابتلاء، ومرة بالشر، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (^٢)، وقد شرع الرسول ﷺ لكل ابتلاء ما يناسبه، فالابتلاء بالخير والنعماء مما يحبه الإنسان يناسبه الشكر والثناء على الله ﷿، والابتلاء بالشر، وفيما يكره الإنسان من أمراض وحوادث مؤلمة ونحوها يناسبه الصبر واحتساب الأجر والثواب، وعدم التسخط على قضاء الله وقدره، فَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ\" (^٣)، ومن أجل هذا كله ينبغي للمسلم أن يوطن نفسه على هذا، وأنه منذُ جرى عليه قلم التكليف فهو مبتلى بالسراء والضراء، فيبتلى بنعمة الصحة ونعمة البصر والسمع واللسان ونحوها، مبتلى بوجود الوالدين والزوجة والأولاد وغيرها، ومبتلى بضدها من أمراض وفقد للحواس أو بعضها،\n_________\n(^١) سورة الملك (٢).\n(^٢) سورة الأنبياء (٣٥).\n(^٣) سيأتي تخريجه ح ٧","vol":"1","page":6},{"text":"وفقد للوالدين، والأودلاد وغيرها، ولأهمية هذا الموضوع حاولت أن أجمع الأحاديث الواردة في الابتلاء ودراستها، وشرحها، وقد اسميت البحث:\nالأحاديث الواردة في الابتلاء جمعًا ودراسةً\n\n<span data-type='title' id=toc-2>منهج البحث:</span>\nقسمت البحث إلى مقدمة، ومبحثين، وخاتمة:\nفالمقدمة ذكرت فيها أهمية هذا البحث، وخطة البحث، والمنهج الذي سرت عليه في جمع أحاديث الموضوع، وطريقة تخريج الأحاديث.\nوالمبحث الأول: يحتوي على مطالب ثلاثة:\nالمطلب الأول: تعريف الابتلاء.\nالمطلب الثاني: ذكر الابتلاء في القرآن الكريم.\nالمطلب الثالث: من حِكم الابتلاء.\nالمبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الابتلاء، ويحتوي على تسعة عشر مطلبًا:\nالمطلب الأول: الابتلاء على قدر الإيمان.\nالمطلب الثاني: البلاء قد يكون سببًا لتكفير السيئات.","vol":"1","page":7},{"text":"المطلب الثالث: السعيد من جنب الفتن، وإذا ابتلي صبر.\nالمطلب الرابع: تعجيل العقوبة في الدنيا خير من المعاقبة عليها في الآخرة.\nالمطلب الخامس: مشروعية الرضا بالبلاء وعدم التسخط.\nالمطلب السادس: حال المؤمن عند الابتلاء بالسراء أو بالضراء.\nالمطلب السابع: إذا أراد الله بأحد خيرًا أصاب منه.\nالمطلب الثامن: مواصلة كتابة ثواب الأعمال عند توقفها بسبب الابتلاء.\nالمطلب التاسع: تنوع البلاء للإنسان فقد يكون في نفسه، أو ماله، أو ولده.\nالمطلب العاشر: قد يكون البلاء سببًا في وصولك لدرجة عالية في الجنة لاتبلغها بعملك.\nالمطلب الحادي عشر: الفرق بين بلاء المؤمن والكافر.\nالمطلب الثاني عشر: مشروعية التعوذ من البلاء.\nالمطلب الثالث عشر: كثرة الابتلاء في آخر الزمان، مع غلبة ضعف الإيمان.","vol":"1","page":8},{"text":"المطلب الرابع عشر: فضل الدعاء، وأثره على رد البلاء، أو تخفيفه.\nالمطلب الخامس عشر: مشروعية الهرب من البلاء، وعدم التعرض له.\nالمطلب السادس عشر: عظم جزاء المبتلين يوم القيامة، وغبطة الناس لهم.\nالمطلب السابع عشر: مشروعية سؤال الله العافية عند رؤية أصحاب البلاء.\nالمطلب الثامن عشر: النهي الشديد عن استعجال البلاء.\nالمطلب التاسع عشر: ذكر بعض البلايا وثواب من صبر عليها:\nأولا: فضل الصبر على الحمى.\nثانيًا: فضل الصبر على الصرع.\nالثالث: فضل الصبر على فقد الحبيب.\nالرابع: فضل الصبر على البنات وتربيتهن.\nالخامس: فضل الصبر على فقد البصر.\nوالخاتمة: ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، ثم وضعت فهرسًا للمصادر والمراجع، وآخر","vol":"1","page":9},{"text":"للموضوعات.\n\n<span data-type='title' id=toc-3>خطة البحث:</span>\nأولًا: جمعت الأحاديث من مصادر السنة المسندة، على الطريقة التالية:\nفإن كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، اكتفيت بالعزو لهما، وربما عزوت إلى السنن الأربعة أو لغيرها من أجل فائدة إسنادية أو متنية.\nفإن لم يكن الحديث بالصحيحين أو أحدهما، عزوته لأصحاب السنن الأربعة، مع الحكم عليه، وربما عزوته لغير السنن من أجل فائدة في الإسناد، أو في المتن.\nفإن لم يكن في السنن الأربعة أو في أحدها خرجته من بقية الكتب مرتبًا في العزو على سنة الوفاة، مع الحكم عليه، بعد ذكر المتابعات والشواهد إن احتاج الأمر إلى ذلك، ولا أستوعب جميع من أخرج الحديث، طلبًا للاختصار.\nأذكر ما وقفت عليه من أحكام أهل العلم على الحديث من غير قصد الاستيعاب.\nإذا ثبت حديث الباب فلا أتوسع بذكر الشواهد.","vol":"1","page":10},{"text":"ثانيًا: الترجمة لرجال الإسناد ممن يقتضي المقام الترجمة لهم، على النحو التالي:\nأ-إذا كان الراوي من رجال الكتب الستة، فأكتفي بكلام الحافظ ابن حجر في التقريب، ما لم يظهر لي خلافه، فحينئذ أذكر بعضًا من كلام أئمة الجرح والتعديل في تأييد ما ظهر لي من حال هذا الراوي.\nب- إذا لم يكن الراوي من رجال التقريب، فإني أعرَّف به من مظانِّ ترجمته بإيجاز.\nثالثًا: بيان معاني الكلمات الغريبة.\nرابعًا: أذكر كلام شراح الحديث في بيان معنى الحديث، وتوجيههم له، وربما ذكرت بعض الفوائد المتعلقة بالحديث.\nخامسًا: ضبط الكلمات والأسماء المشكلة.\nسادسًا: الالتزام بعلامات الترقيم.\nوأسأل الله التوفيق والسداد، وأن يجعل أعمالنا صالحة، ولوجهه خالصة، وهذا وقت البدء بالمقصود، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المبحث الأول: ويحتوي على ثلاثة مطالب:</span>\n<span data-type='title' id=toc-5>المطلب الأول: تعريف الابتلاء:</span>\nقال ابن فارس: \"الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما إخلاق الشيء، والثاني نوع من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضًا\" (^١).\nوقال الفيومي: \"وبلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوًا وأبلاه بالألف وابتلاه ابتلاءً بمعنى امتحنه \" (^٢).\nقال ابن الأثير: \"والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان. \" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-6>المطلب الثاني: ذكر الابتلاء في القرآن </span>(^٤):\nقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٩٢).\n(^٢) المصباح المنير (١/ ٦٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث (١/ ١٥٥).\n(^٤) ذكرت أمثلة على ذلك ومن أراد الاستزادة فليراجع في ذلك كتاب الابتلاء في القرآن الكريم رسالة دكتوراة في جامعة أم القرى لمحمد عبد العزيز الرحالي، فقد أفاد في هذا الباب وأجاده جزاه الله خيرًا.","vol":"1","page":12},{"text":"وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (^١)\nقال السعدي: \"أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر، هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ من الأعداء ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك.\n﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك.\n﴿وَالأنْفُسِ﴾ أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها،\n_________\n(^١) سورة البقرة (١٥٥).","vol":"1","page":13},{"text":"والخضر ببرد، أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه.\nفهذه الأمور، لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.\nوأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولًا وفعلًا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقًا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب\" (^١).\nقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (^٢)\nقال ابن كثير: \"أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال\n_________\n(^١) التفسير ص ٧٥.\n(^٢) سورة آل عمران (١٤٢).","vol":"1","page":14},{"text":"والشدائد، … أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء\" (^١).\nوقال السعدي: \"هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تؤول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحًا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (^٣)\nقال ابن جرير الطبري: \"يقول تعالى ذكره: ونختبركم أيها الناس بالشر وهو الشدة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة العافية\n_________\n(^١) التفسير (٢/ ١٢٧).\n(^٢) التفسير ص ١٥٠.\n(^٣) سورة الأنبياء (٣٥).","vol":"1","page":15},{"text":"فنفتنكم به\" (^١).\nقال السعدي: \"قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى، وعمّر سنين، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن عملًا ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو، ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر\" (^٢).\nقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (^٣)\nقال السعدي: \"يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال \" إنه مؤمن \" وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في\n_________\n(^١) التفسير (١٨/ ٤٣٩).\n(^٢) التفسير ص ٥٣٥.\n(^٣) سورة العنكبوت (٢).","vol":"1","page":16},{"text":"الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.\nومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكًا وريبًا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.\nوالناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) التفسير ص ٦٢٦.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المطلب الثالث: من حِكَم الابتلاء:</span>\n<span data-type='title' id=toc-8>١ - اختبار للإيمان:</span> قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ (^١)\nقال السعدي: \"أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم\nتخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفًا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ أي: إن استمر رزقه رغدًا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه. فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ من حصول مكروه، أو زوال محبوب ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: ارتد عن دينه، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسًا لماله، وعوضًا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي:\n_________\n(^١) سورة الحج (١١).","vol":"1","page":18},{"text":"الواضح البين\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-9>٢ - تكفير السيئات لقوله ﷺ:</span> \" فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ\" (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-10>٣ - رفعة الدرجات لقوله ﷺ:</span> «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ حَتَّى يُبْتَلَى فِي جَسَدِهِ، فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ الْبَلَاءِ» (^٣).\nقال ابن القيم: \"إنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>٤ - ولابن القيم ﵀ كلام قيم حول حِكَم الابتلاء </span>فيقول: \" إن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التى لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر، وعلو\n_________\n(^١) التفسير ص ٥٣٤.\n(^٢) سيأتي تخريجه ح ١.\n(^٣) سيأتي تخريجه ح ١١.\n(^٤) زاد المعاد (٣/ ١٩٨).","vol":"1","page":19},{"text":"المنزلة … وما يصيب المؤمن فى هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، وأذاه له فى بعض الأحيان: أمر لازم، لابد منه، وهو كالحر الشديد، والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية فى هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين، فلو تجرد الخير فى هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، واللذة عن الألم، لكان ذلك عالمًا غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه النشأة، وكانت تفوت الحكمة التى مزج لأجلها بين الخير والشر، والألم واللذة، والنافع والضار، وإنما يكون تخليص هذا من هذا، وتمييزه فى دار أخرى، غير هذه الدار .. \" (^١).\nوقال - أيضًا -: \" أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد - من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب - ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما قيل:\n_________\n(^١) انظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٨٨).","vol":"1","page":20},{"text":"قد ينعم بالبلوى وإن عظمت … ويبتلي الله بعض القوم بالنعم\nفلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن، والابتلاء لطغوا، وبغوا وعتوا والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء، والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء، المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه .. \" (^١).\nوقال: \" فالابتلاء كير العبد محل إيمانه: فإما أن يخرج تبرًا أحمر، وإما أن يخرج زغلًا غضًا، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية، فلا يزال به البلاءُ حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا فلو علم العبد أن نعمة الله عليه فى البلاءِ ليست بدون نعمة الله عليه فى العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه، اللَّهم أعنِّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيض له ما يستخرج خبثه ونحاسه وصيره تبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظر إليه فى داره؟ فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته،\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ١٧٩).","vol":"1","page":21},{"text":"ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه\" (^١).\nوأخيرًا نختم بهذه القاعدة الذهبية، يقول ﵀: \" قاعدة\": إذا ابتلى الله عبده بشيء من أَنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به. والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجلّ عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائبًا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا.\nوكانت البلية فى حق هذا عين النعمة، وإن ساءَته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إِلى محبوبها سببًا ما مثله سبب وقوله تعالى فى ذلك هو الشفاءُ والعصمة: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَر لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، وإِن لم يرده ذلك البلاءُ إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه، فجاءت\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) سورة البقرة (٢١٦).","vol":"1","page":22},{"text":"طبيعته القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه فى الضراء فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص فى حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل. وبالله التوفيق\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ص ١٦٤","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الابتلاء:</span>\n<span data-type='title' id=toc-13>المطلب الأول: الابتلاء على قدر الإيمان:</span>\n١ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ\".\nأولًا: التخريج:\nأخرجه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢)، والنسائي في الكبرى (^٣)، كلهم من طريق حماد ابن زيد، وأبو داود الطيالسي (^٤) من طريق هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة، وشعبة، وأحمد (^٥) من طريق الثوري\n_________\n(^١) الجامع (٤/ ٦٠١، ٢٣٩٨).\n(^٢) السنن (٢/ ١٣٣٤، ٤٠٢٣).\n(^٣) السنن الكبرى) ٧/ ٤٦، ٧٤٣٩).\n(^٤) المسند (١/ ١٧٤، ٢١٢).\n(^٥) المسند (٣/ ٧٨، ١٤٨١).","vol":"1","page":24},{"text":"كلهم عن عاصم بن بهدلة.\nوأخرجه البزار (^١) والطحاوي (^٢) كلاهما من طريق شريك النخعي عن سماك بن حرب.\nوأخرجه البزار (^٣) من طريق عبد الرحمن المحاربي، عن العلاء بن المسيب، كلهم (عاصم بن بهدلة، وسماك، والعلاء بن المسيب) عن مصعب بن سعد، عن أبيه.\nوأخرجه ابن حبان (^٤) من طريق جرير بن عبد الحميد، والحاكم (^٥) من طريق خالد ابن عبد الله، والضياء (^٦) من طريق عبيدة بن حميد كلهم (جرير، وخالد، وعبيدة) عن العلاء بن المسيب عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص به، والمسيب بن رافع عن سعد مرسل (^٧).\n_________\n(^١) البحر الزخار (٣/ ٣٤٩، ١١٥٠).\n(^٢) مشكل الآثار (٥/ ٤٥٦، ٢٢٠٧).\n(^٣) البحر الزخار (٣/ ٣٥٣، ١١٥٥).\n(^٤) الصحيح (٧/ ١٨٣، ٢٩٢٠).\n(^٥) المستدرك (١/ ٤٠، ١٢٠).\n(^٦) المختارة (٣/ ٢٤٦، ١٠٥٣).\n(^٧) جامع التحصيل ص ٢٨٠.","vol":"1","page":25},{"text":"وقد اختلف على العلاء بن المسيب، فرواه جرير بن عبد الحميد، وخالد بن عبد الله، وعبيدة بن حميد عنه عن أبيه، وخالفهم عبد الرحمن بن محمد المحاربي فرواه عنه، عن مصعب بن سعد به، وقال ابن فضيل وهو الصواب (^١)، وقال عنه الترمذي: \" حسن صحيح\"، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأحمد شاكر (^٢)، والألباني (^٣).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ): قال النووي: \" قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدَّ بَلَاءً ثُمَّ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ أَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الصَّبْرِ وَصِحَّةِ الِاحْتِسَابِ وَمَعْرِفَةِ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِيَتِمَّ لَهُمُ الْخَيْرُ وَيُضَاعَفُ لَهُمُ الْأَجْرُ وَيَظْهَرُ صَبْرُهُمْ وَرِضَاهُمْ \" (^٤).\nقوله: (ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ): قال ابن حجر: \"وَالْأَمْثَلُ أَفْعَلُ مِنَ الْمَثَالَةِ وَالْجَمْعُ أَمَاثِلُ وَهُمُ الْفُضَلَاءُ … لَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ الْعُلَمَاءُ قَالَ ثُمَّ\n_________\n(^١) المصدر السابق رقم ٤.\n(^٢) في تعليقه على مسند أحمد (٢/ ٢٢٧، ١٤٨١).\n(^٣) الصحيحة (١٤٣).\n(^٤) المنهاج (١٦/ ١٢٩).","vol":"1","page":26},{"text":"مَنْ قَالَ الصَّالِحُونَ الْحَدِيثَ \" (^١).\nقوله: (يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ): أَيْ مِقْدَارِهِ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَنَقْصًا وَكَمَالًا (^٢).\nقوله: (فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ): صُلْبًا بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا، واشْتَدَّ أَيْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (^٣).\nقوله: (وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ): رِقَّةٌ أيّ ضَعْفًا وَلِينًا، ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ وَالْبَلَاءُ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ فَمَنْ كَانَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ فَبَلَاؤُهُ أَغْزَرُ (^٤).\nقوله: (فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ): أَيْ مَا يُفَارِقُ أَوْ مَا يُزَالُ، (وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) كِنَايَةً عَنْ خَلَاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَكَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا ثُمَّ أُطْلِقَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ يَمْشِي مَا عَلَيْهِ بَأْسٌ (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) الفتح (١٠/ ١١١)، وسيأتي تخريج الحديث بعده مباشرة.\n(^٢) مرقاة المفاتيح (٣/ ١١٤١).\n(^٣) انظر: التنوير شرح الجامع الصغير (٢/ ٣٨٢)، وتحفة الأحوذي (٧/ ٦٧).\n(^٤) انظر: المفاتيح شرح المصابيح (٢/ ٤٠٦)، وتحفة الأحوذي (٧/ ٦٧).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":27},{"text":"٢ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ مَوْعُوكٌ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَوَجَدَ حَرَارَتَهَا فَوْقَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مَا أَشَدَّ حَرَّ حُمَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْبَلَاءُ وَيُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً؟ قَالَ: \" الْأَنْبِيَاءُ \"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \" الْعُلَمَاءُ \"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \" ثُمَّ الصَّالِحُونَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يَلْبَسُهَا، وَيُبْتَلَى بِالْقُمَّلِ حَتَّى تَقْتُلَهُ، وَلَأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحًا بِالْبَلَاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ.\nالتخريج:\nأخرجه أحمد (^١)، وعبد بن حميد (^٢)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد به، ورجاله ثقات لكن فيه رجلًا لم يسم، وقد جاء مصرحًا به، أخرجه ابن ماجه (^٣)، والبخاري في الأدب المفرد (^٤)، وأبو يعلى (^٥)،\n_________\n(^١) المسند (١٨/ ٣٩١، ١١٨٩٣).\n(^٢) المنتخب من مسند عبد بن حميد (٢/ ١٠٩، ٩٥٨).\n(^٣) السنن (٢/ ١٣٣٤، ٤٠٢٤).\n(^٤) ح ٥١٠.\n(^٥) المسند (٢/ ٣١٢، ١٠٤٥).","vol":"1","page":28},{"text":"والطبراني (^١)، والحاكم (^٢)، والبيهقي (^٣) كلهم من طريق هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد به، وإسناده حسن، فيه هشام بن سعد، صدوق ربما وهم (^٤)، لكنه من أثبت الناس في زيد بن أسلم كما قال أبو داود (^٥)، ويشهد له حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم قبله، وحديث ابن مسعود بعده، والحديث صححه الحاكم، والبوصيري (^٦)، والألباني (^٧).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (وَهُوَ مَوْعُوكٌ): الْوَعْكُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ هِيَ الْحُمَّى، وَقِيلَ أَلَمُ الْحُمَّى، وَقِيلَ تَعَبُهَا، وَقِيلَ إِرْعَادُهَا الْمَوْعُوكَ وَتَحْرِيكُهَا إِيَّاهُ، وَمَوْعوكٌ: مَحْمُومٌ (^٨).\nقوله: (عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ): الْقَطِيفَةُ كِسَاءٌ مُخْمَلٌ (^٩).\n_________\n(^١) الأوسط (٩/ ٣١، ٩٠٤٧).\n(^٢) المستدرك (١/ ٤٠، ١١٩).\n(^٣) السنن الكبرى (٣/ ٣٧٢، ٦٧٧١).\n(^٤) التقريب (٧٢٩٤).\n(^٥) تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٠٨).\n(^٦) مصباح الزجاجة (٤/ ١٨٨، ٧١٤١).\n(^٧) الصحيحة (٢٠٤٧).\n(^٨) انظر: لسان العرب (٦/ ٤٨٧٥)، وفتح الباري (١٠/ ١١١).\n(^٩) المنهاج (١٨/ ٥٥).","vol":"1","page":29},{"text":"قوله: (وَلَأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحًا بِالْبَلَاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ): كَرَاهِيَةُ الْبَلَاءِ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، وَلَكُنَّ بِسَبَبِ قُوَّةِ إيمَانِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْإكْرَامِ وَالْإحْسَانِ صَيَّرَ ذَلِكَ مَحْبُوبًا عِنْدهُمْ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ كَلَمَّا قَوِيَتْ بِالْمُبْتَلَى هَانَ الْبَلَاءُ، وَلَا يُزَالُ يَرْتَقِي فِي الْمَقَامَاتِ حَتَّى يَلْتَذُّ بِالضَّرَّاءِ أَعْظُمُ مِنَ اِلْتِذَاذِهِ بِالسَّرَّاءِ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-14>المطلب الثاني: البلاء قد يكون سببًا لتكفير السيئات</span>\n٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَجَلْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا.\nالتخريج:\nأخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣).\n_________\n(^١) انظر: التنوير شرح الجامع الصغير (١/ ١٥٦)، (٢/ ٣٨٥).\n(^٢) الصحيح (٧/ ١١٥، ٥٦٤٨).\n(^٣) الصحيح (٤/ ١٩٩١، ٢٥٧١).","vol":"1","page":30},{"text":"ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا): جاء في بعض الروايات (^١): (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ عَلَى الْاِبْتِلَاَءِ، وقَوْلُهُ: (أَذًى شَوْكَةً) التَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّقْلِيلِ لَا لِلْجِنْسِ لِيَصِحَّ تَرَتُّبُ فَوْقِهَا وَدُونِهَا فِي الْعِظَمِ وَالْحَقَارَةِ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ فَوْقَهَا فِي الْعِظَمِ وَدُونَهَا فِي الْحَقَارَةِ وَعَكْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ كَمَا تَحُطُّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تُلْقِيهِ مُنْتَثِرًا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ الْمَرَضَ إِذَا اشْتَدَّ ضَاعَفَ الْأَجْرَ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَنْتَهِي إِلَى أَنْ تُحَطَّ السَّيِّئَاتُ كُلُّهَا أَوِ الْمَعْنَى قَالَ نَعَمْ شِدَّةُ الْمَرَضِ تَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَتَحُطُّ الْخَطِيئَاتِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧/ ١١٥، ٥٦٤٨).\n(^٢) انظر: الفتح (١٠/ ١١٢).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>المطلب الثالث: السعيد من جنب الفتن، وإذا ابتلي صبر:</span>\n٤ - عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: ايْمُ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه أبو داود (^١)، والبزار (^٢)، والطبراني (^٣) كلهم من طريق معاوية بن صالح (^٤) عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبيه، عن المقداد به، وإسناده صحيح، وحسن إسناده البزار، وصححه الألباني (^٥).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (ايْمُ اللهِ): ايْمُ اللَّهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ\n_________\n(^١) السنن (٤/ ١٠٢، ٤٢٦٣)\n(^٢) البحر الزخار (٦/ ٤٦، ٢١١٢).\n(^٣) المعجم الكبير (٢٠/ ٢٥٣، ٥٩٨).\n(^٤) اختلف فيه وأكثر الأئمة على توثيقه: وممن وثقه عبد الرحمن بن مهدي، وابن معين في قول، وأحمد، وأبو زرعة، والعجلي، والترمذي، والنسائي. انظر: الجرح والتعديل (٨/ ٣٨٢)، وتهذيب الكمال (٢٨/ ١٩٤)، وقال الترمذي في جامعه (٥/ ٣١، ٢٦٥٣): \"ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا تعلم أحدًا تكلم فيه غير يحيى بن سَعِيد القطان\".\n(^٥) الصحيحة (٩٧٥).","vol":"1","page":32},{"text":"أَصْلُهُ ايْمُنُ اللَّهِ وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا ثُمَّ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ تَخْفِيفًا وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةٌ وَلم يَجِيء كَذَلِكَ غَيْرُهَا وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي وَفِيهَا لُغَاتٌ .. مِنْهَا: أَيْمُنُ اللَّهِ مُثَلَّثَةُ النُّونِ، وَمُنُ اللَّهِ مُخْتَصَرَةٌ مِنَ الْأُولَى مُثَلَّثَةُ النُّونِ أَيْضًا، وَايْمُ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَمُ الله كَذَلِك بِكَسْر الْهمزَة أَيْضا، وَأم الله\" (^١).\nوسبب إقسام المقداد ﵁ ما جاء عند البزار والطبراني بقوله (عَجِبْتُ لِقَوْمٍ مَرَرْتُ بِهِمْ يَتَمَنَّوْنَ الْفِتَنَ يَزْعُمُونَ لَيُبْلِيَنَّهُمُ اللهُ فِيهَا مَا أَبْلَى رَسُولَهُ ﷺ، وَأَصْحَابَهُ ﵃ وَايْمُ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ).\nقوله: (إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ): (إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ): بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ لِلتَّأْكِيدِ فِي خَبَرِ إِنَّ، (جُنِّبَ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ بَعُد، وَالتَّكْرَارُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الْفِتَنِ وَآخِرِهَا (^٢).\nقوله: (وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا): اللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ: لَمَنِ امْتُحِنَ بِتِلْكَ الْفِتَنِ فَصَبَرَ، وقوله (فَوَاهًا): بِالتَّنْوِينِ اسْمُ صَوْتٍ\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (١/ ٤٥٣)، و(٦/ ٥٩٨).\n(^٢) عون المعبود (١١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":33},{"text":"وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، سَدَّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، مَعْنَاهُ التَّلَهُّفُ، وَقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْإِعْجَابِ بِالشَّيْءِ وَالْإَسْتِطَابَةِ لَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا أَيْ: مَا أَحْسَنَ وَمَا أَطْيَبَ صَبْرَ مَنْ صَبَرَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَطُوبَى لَهُ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-16>المطلب الرابع: تعجيل العقوبة في الدنيا خير من المعاقبة عليها في الآخرة:</span>\n٥ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\n\n<span data-type='title' id=toc-17>المطلب الخامس: مشروعية الرضا بالبلاء وعدم التسخط:</span>\n٦ - وَعَنْ أَنَسِ - أَيْضًا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ.\n_________\n(^١) انظر: معالم السنن (٤/ ٣٤٢)، وشرح المشكاة للطيبي (١١/ ٣٤١٨)، وشرح المصابيح لابن المَلَك الكرماني (٥/ ٥٠٩).","vol":"1","page":34},{"text":"أولًا: تخريج الحديثين:\nأخرج الحديث الأول الترمذي (^١)، وأبو يعلى (^٢)، والحاكم (^٣)، وأخرج الثاني الترمذي، وابن ماجه (^٤)، وأبو يعلى (^٥) كلهم من طريق سنان بن سعد (^٦) عن أنس به، وإسناده حسن فسعد بن سنان صدوق له أفراد (^٧)، وقال الترمذي: \" هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\"، وحسنه الألباني (^٨).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديثين:\nقوله: (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا):\n_________\n(^١) الجامع (٤/ ٦٠١، ٢٣٩٦).\n(^٢) المسند (٧/ ٢٤٧، ٤٢٥٤).\n(^٣) المستدرك (٤/ ٦٠٨، ٨٧٩٩).\n(^٤) السنن (٢/ ١٣٣٨، ٤٠٣١).\n(^٥) المسند (٧/ ٢٤٧، ٤٢٥٣).\n(^٦) اختلف في اسمه على ثلاثة أوجه، فقيل: سنان بن سعد وهو الأكثر، وقيل: سعد بن سنان، وقيل: سعيد بن سنان، وصحح الأول - سنان بن سعد - البخاري، وأبو سعيد بن يونس، وابن حبان، وانظر: العلل الكبير للترمذي ص ١٠٥، وتاريخ ابن يونس (١/ ٢٢٤)، والثقات (٤/ ٣٣٦)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٧١).\n(^٧) التقريب (٢٢٣٨).\n(^٨) الصحيحة (١٤٦، ١٢٢٠).","vol":"1","page":35},{"text":"عجّل بالتشديد، أي: أسرع (له العقوبة) أي الابتلاء بالمكاره (في الدنيا) ليخرج منها وليس عليه ذنب، ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به والمنة عليه (^١).\nقوله: (وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): (أمسك) أي: أخر (عنه) ما يستحقه من العقوبة (بذنبه) أي بسببه (حتى يوافي به يوم القيامة) أي حتى يأتي العبد بذنبه يوم القيامة (^٢). قال الطيبي: \"يعني لا يجازيه بذنبه حتى يجيء في الآخرة متوفر الذنوب وافيها، فيستوفي حقه من العقاب\" (^٣).\nقوله: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ)\nقوله: (إن عظم الجزاء) أي كثرته (مع عظم البلاء) بكسر المهملة، وفتح الظاء فيهما ويجوز ضمها مع سكون الظاء فمن ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم (ابتلاهم) أي اختبرهم بالمحن والرزايا (فمن رضي) بما ابتلاه به (فله الرضى) منه تعالى وجزيل\n_________\n(^١) انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٦٤)، وتحفة الأحوذي (٧/ ٦٥).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) شرح المشكاة (٤/ ١٣٥٠، ١٥٦٦).","vol":"1","page":36},{"text":"الثواب (ومن سخط) بكسر الخاء أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه (فله السخط) منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءا يجز به، والمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه للنهي عنه (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-18>المطلب السادس: حال المؤمن عند الابتلاء بالسراء أو بالضراء:</span>\n٧ - عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ.\nالتخريج: أخرجه مسلم (^٢).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ): أي: عجبت عجبًا لأمر المؤمن أي: لشأنه وما له في كل حاله (^٣).\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي (٧/ ٦٥).\n(^٢) الصحيح (٤/ ٢٢٩٥، ٢٩٩٩).\n(^٣) التنوير (٧/ ٢٠٤).","vol":"1","page":37},{"text":"قوله: (وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ): المؤمن هنا هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده، لأنه إن لم يكن كذلك لم يصبر على المصيبة ولم يحتسبها، بل يتضجر ويتسخط، فينضاف إلى مصيبته الدنيوية مصيبته في دينه، وكذلك لا يعرف النعمة ولا يقوم بحقها ولا يشكرها، فتنقلب النعمة نقمة والحسنة سيئة - نعوذ بالله من ذلك (^١).\nقوله: (إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ): أي: إن أصابته سراء من نعماء وسعة عيش ورخاء وتوفيق طاعة، شكر فكان شكره خيرًا له، وإن أصابته ضراء من فقر ومرض ومحنة وبلية صبر فكان صبره خيرًا له (^٢).\nوقال القرطبي: \"وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره، أو بما يسره، فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني، عرف نعمة الله عليه ومنته فيها، فشكرها وعمل بها، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة\" (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٦٣٠).\n(^٢) مرقاة المفاتيح (٨/ ٣٣١٧).\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٣٠).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المطلب السابع: إذا أراد الله بأحد خيرًا أصاب منه:</span>\n٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ.\nالتخريج: أخرجه البخاري (^١).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ): كذا للأكثر بكسر الصاد والفاعل الله، قال أبو عبيد الهروي: معناه يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها (^٢). وقال غيره: معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه. وقال ابن الجوزي: أكثر المحدثين يرويه بكسر الصاد، وسمعت ابن الخشاب يفتح الصاد، وهو أحسن وأليق (^٣). كذا قال، ولو عكس لكان أولى، والله أعلم (^٤).\nقال ابن عبد البر: \"هذا حديث صحيح ومعناه والحمد لله\n_________\n(^١) الصحيح (٧/ ١١٥، ٥٦٤٥).\n(^٢) الغريبين في القران والحديث (٤/ ١١٠١).\n(^٣) كشف مشكل الحديث (٣/ ٥٢٩).\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ١٠٨).","vol":"1","page":39},{"text":"واضح وذلك أن من أراد الله به خيرًا وخير الله في هذا الموضع رحمته ابتلاه بمرض في جسمه وبموت ولد يحزنه أو بذهاب مال يشق عليه فيأجره على ذلك كله ويكتب له إذا صبر واحتسب بكل شيء منه حسنات يجدها في ميزانه لم يعملها أو يجدها كفارة لذنوب قد عملها فذلك الخير المراد به في هذا الحديث والله أعلم\" (^١).\nوقال: \"وهذا يقتضي المصائب في المال وفي الجسم أيضًا وكل ذلك أجر ومحطة للوزر وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء - والحمد لله كثيرا\" (^٢).\nوقال ابن حجر: \"وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن، لأن الآدمي لا ينفك غالبا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام - بدنية كانت أو قلبية - تكفر ذنوب من تقع له (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>فائدة:</span>\nقال ابن رجب: \"هاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:\n_________\n(^١) التمهيد (١٣/ ١١٩).\n(^٢) الاستذكار (٨/ ٤٠٨).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ١٠٨).","vol":"1","page":40},{"text":"أحدهما: أن يرضى بذلك، وهي درجة عالية رفيعة جدًا\nقال الله ﷿ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) قال علقمة: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى ..، والدرجة الثانية: أن يصبر على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، فالرضا فضل مندوب إليه، مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير، فإن الله أمر به، ووعد عليه جزيل الأجر. قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ *﴾ (^٣)، قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن.\nوالفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن\n_________\n(^١) التغابن (١١).\n(^٢) الزمر (١٠).\n(^٣) البقرة (١٥٥ - ١٥٧).","vol":"1","page":41},{"text":"الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية .. \" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-21>المطلب الثامن: مواصلة كتابة ثواب الأعمال عند توقفها بسبب الابتلاء:</span>\n٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"مَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ إِلَّا أَمَرَ اللهُ ﷿ الْحَفَظَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مَا دَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي\".\nأولًا: التخريج:\nأخرجه أحمد (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، والحاكم (^٤)، وإسناده صحيح، وقد صححه الحاكم، والهيثمي (^٥)، والألباني (^٦).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٦ - ٤٨٨).\n(^٢) المسند (١/ ٤٢٢، ٦٨٣٥).\n(^٣) المصنف (٢/ ٤٤، ١٠٨٠٤).\n(^٤) المستدرك (١/ ٣٤٨، ١٢٨٧).\n(^٥) مجمع الزوائد (٣/ ٣٢، ٣٨٠٩).\n(^٦) إرواء الغليل (٢/ ٣٤٦).","vol":"1","page":42},{"text":"ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (مَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ): هكذا جاء مقيدًا بالمرض وقد ورد عامًا عند البخاري (^١) من حديث أبي موسى الأشعري قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا\".\nقوله: (إِلَّا أَمَرَ اللهُ ﷿ الْحَفَظَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ): أي الذين كانوا يكتبون طاعاته (^٢).\nقوله: (اكْتُبُوا لِعَبْدِي مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مَا دَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي): قال ابن بطال: \" وهذا كله في النوافل وأما صلاة الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض والله أعلم\" (^٣)، وقوله (محبوسًا في وثاقي): أي في قيدي والوثاق بالكسر القيد والحبل ونحوه، والمعنى ما دام يمنعه المرض عن أداء الأعمال الصالحة (^٤).\nفائدة: قال ابن بطال: (وليس هذا الحديث على العموم، وإنما\n_________\n(^١) (٤/ ٥٧، ٢٩٩٦).\n(^٢) التنوير (٩/ ٥٠٧).\n(^٣) انظر: شرحه على البخاري (٥/ ١٥٥)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٤) التيسير (٢/ ٣٦٨).","vol":"1","page":43},{"text":"هو لمن كانت له نوافل وعادة من عمل صالح فمنعه الله منها بالمرض أو السفر وكانت نيته لو كان صحيحًا أو مقيمًا أن يدوم عليها ولا يقطعها؛ فإن الله يتفضل عليه بأن يكتب له أجر ثوابها حين حبسه عنها، فأما من لم يكن له تنفل ولا عمل صالح فلا يدخل فى معنى الحديث؛ لأنه لم يمنعه مرضه من شيء فكيف يكتب له ما لم يكن يعمله؟) (^١).\nفائدة أخرى: قال الصنعاني: \"فيه حث للأصحاء على الإكثار من الأعمال الصالحات ليجري لهم أجرها إذا مرضوا فإنه ما من عبد إلا وهو معرض للأسقام وهي نازلة به\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-22>المطلب التاسع: تنوع البلاء للإنسان فقد يكون في نفسه، أو ماله، أو ولده:</span>\n١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.\n_________\n(^١) شرحه على البخاري (٥/ ١٥٤).\n(^٢) التنوير شارح الجامع الصغير (٧/ ٢٠٩).","vol":"1","page":44},{"text":"أولًا: التخريج:\nأخرجه الترمذي (^١)، وأحمد (^٢)، والبخاري في الأدب المفرد (^٣)، والحاكم (^٤) كلهم من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، وإسناده حسن، فيه محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي صدوق له أوهام (^٥)، والحديث قال عنه الترمذي: \"حسن صحيح، وصححه الحاكم، وحسنه إسناده الألباني (^٦)، وقد مضى ما يشهد له من حديث سعد بن أبي وقاص (^٧) بلفظ: \" فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ\":\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) أي ينزل بالمؤمن الكامل (والمؤمنة) الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير في نفسه وماله وولده .. (وولده) بفتح الواو واللام .. أي أولاده (حتى يلقى\n_________\n(^١) الجامع (٤/ ٦٠٢، ٢٣٩٩).\n(^٢) المسند (١٣/ ٢٤٨، ٧٨٥٩).\n(^٣) ح ٤٩٤.\n(^٤) المستدرك (١/ ٣٤٦، ١٢٧٩).\n(^٥) التقريب (٦١٨٨).\n(^٦) الصحيحة (٢٢٨٠).\n(^٧) تقدم ح ١.","vol":"1","page":45},{"text":"الله) أي يموت (وما عليه خطيئة) بالهمز والإدغام، أي: وليس عليه سيئة؛ لأنها زالت بسبب البلاء (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-23>المطلب العاشر: قد يكون البلاء سببًا في وصولك لدرجة عالية في الجنة لاتبلغها بعملك:</span>\n١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ حَتَّى يُبْتَلَى فِي جَسَدِهِ، فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ الْبَلَاءِ».\nأولًا: التخريج:\nأخرجه ابن أبي شيبة (^٢)، وهناد بن السري (^٣)، وإسحاق بن راهوية (^٤)، كلهم عن أبي معاوية محمد بن خازم، عن حجاج بن أرطأة، عن جَبَلة بن سحيم، عمن أخبره عن ابن مسعود، وإسناده فيه: حجاج بن أبي أرطأة ضعيف (^٥)، وجهالة من روى عن\n_________\n(^١) مرقاة المفاتيح (٣/ ١١٤٣، ١٥٦٧).\n(^٢) المسند (١/ ٢٧٠، ٤٠٥).\n(^٣) الزهد (١/ ٢٣٧، ٤٠٠).\n(^٤) كما في المطالب العالية (١١/ ٥٩، ٢٤٥٢)، وخالف إسحاق ابن أبي شيبة، وهنادًا فحذف الواسطة بين جبلة وابن مسعود.\n(^٥) التقريب (١١١٩).","vol":"1","page":46},{"text":"ابن مسعود (^١)، وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \" إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ، فَلَا يَزَالُ اللهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِيَّاهَا \"، أخرجه أبو يعلى (^٢)، وابن حبان (^٣)، والحاكم (^٤) من طريق يونس بن بكير عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو البجلي، عن أبي هريرة به، وإسناده حسن، فيه: يونس (^٥) ويحيى (^٦) صدوقان، والحديث صححه ابن حبان، والحاكم، والألباني (^٧).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ حَتَّى يُبْتَلَى فِي جَسَدِهِ، فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ الْبَلَاءِ) يعني: إذا قدر الله تعالى لعبد منزلة ودرجة رفيعة، ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح، أصابه الله تعالى ببلاء، ورزقه صبرًا على\n_________\n(^١) وكذا ضعفه البوصيري في إتحاف الخيرة (٤/ ٤١٢، ٣٨٥٠)، وابن حجر في المطالب العالية.\n(^٢) المسند (١٠/ ٤٨٢، ٦٠٩٥).\n(^٣) الصحيح (٧/ ١٦٩، ٢٩٠٨).\n(^٤) االمستدرك (١/ ٣٤٤، ١٢٧٤).\n(^٥) التقريب (٧٩٠٠).\n(^٦) التقريب (٧٥١٠).\n(^٧) الصحيحة (٢٥٩٩).","vol":"1","page":47},{"text":"ذلك البلاء حتى يبلغ تلك المنزلة بما حصل له من ثواب ذلك البلاء وصبْرٍ عليه (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-24>المطلب الحادي عشر: الفرق بين بلاء المؤمن والكافر:</span>\n١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ، لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ\".\nأولًا: التخريج:\nأخرجه البخاري (^٢) ومسلم (^٣)، وهذا لفظ مسلم.\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ): تميله: أي تقلبه الريح يمينًا وشمالًا\nقوله: (كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ): (الأرز) فبفتح الهمزة وراء ساكنة ثم زاي … وهو شجر معروف يشبه الصنوبر، وقيل هو الصنوبر.\n_________\n(^١) المفاتيح بشرح المصابيح (٢/ ٤٠٩، ١١٢٨).\n(^٢) الصحيح (٧/ ١١٥، ٥٦٤٤).\n(^٣) الصحيح (٤/ ٢١٦٣، ٢٨٠٩).","vol":"1","page":48},{"text":"قوله (لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ) (تستحصد) بفتح أوله وكسر الصاد، أي: لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة كالزرع الذي انتهى يبسه … ومعنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام في بدنه، أو أهله، أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته، ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليلها، وإن وقع به شيء لم يكفر شيئا من سيئاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة (^١).\nقال القرطبي: \" وهذا مثل للغالب من المؤمنين والغالب من الكافرين، وحكمة الله في ابتلاء المؤمنين في الدنيا أن يهديهم فيها، ويخلصهم من تبعاتها، \" وأن توفر أجورهم في الآخرة، وعكس ذلك في الكفار والمنافقين \" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-25>المطلب الثاني عشر: مشروعية التعوذ من البلاء:</span>\n١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \"كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ\"، قَالَ سُفْيَانُ: الْحَدِيثُ ثَلَاثٌ، زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً لَا أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ.\n_________\n(^١) انظر: المنهاج (١٧/ ١٥٣).\n(^٢) المفهم (٧/ ١٢٦).","vol":"1","page":49},{"text":"أولًا: التخريج:\nأخرجه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ): الجهد بفتح الجيم، وضمها، والفتح أشهر، وأفصح (^٣)، قَالَ ابن بطال: جهد البلاء: كل ما أصاب المرء منْ شدة مشقة، ومالا طاقة له بحمله، ولا يقدر عَلَى دفعه (^٤)، وقيل: المراد بجهد البلاء قلة المال وكثرة العيال، كذا جاء عن ابن عمر (^٥)، والحق أن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء، وقال غيره: هي الحال الشاقّة. (^٦).\nقوله: (وَدَرَكِ الشَّقَاءِ): بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز سكون الراء وهو الإدراك واللحاق والشقاء، بمعجمة ثم قاف هو الهلاك، ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك (^٧).\n_________\n(^١) الصحيح (٨/ ٧٥، ٦٣٤٧)،\n(^٢) الصحيح (٤/ ٢٠٨٠، ٢٧٠٧).\n(^٣) المنهاج (١٧/ ٣١).\n(^٤) شرحه على البخاري (١٠/ ١١٠).\n(^٥) حكاه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٥٢٤).\n(^٦) فتح الباري (١١/ ١٤٩).\n(^٧) فتح الباري (١١/ ١٤٩).","vol":"1","page":50},{"text":"قوله: (وَسُوءِ الْقَضَاءِ): عام في النفس والمال والأهل والولد والخاتمة والمعاد، قال: والمراد بالقضاء هنا المقضي؛ لأن حكم الله كله حسن لا سوء فيه (^١).\nقوله: (وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ): هي الحزن بفرح عدوه، والفرح بحزنه، وهو مما ينكأ في القلب، ويؤثر في النفس تأثيرًا شديدًا (^٢).\nقوله: (قَالَ سُفْيَانُ: الْحَدِيثُ ثَلَاثٌ، زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً لَا أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ): سفيان هو ابن عيينة، والحديث المرفوع المروي يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الأربع، والرابعة زادها سفيان من قبل نفسه، ثم خفي عليه تعيينها … وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان وبين أن الخصلة المزيدة هي: \" شماتة الأعداء \"، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق شجاع بن مخلد، عن سفيان مقتصرًا على الثلاثة دونها، وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة، ويجاب عن النظر بأن سفيان كان إذا حدث ميزها، ثم طال الأمر فطرقه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه قبل أن يطرقه السهو، ثم كان بعد أن خفي عليه تعيينها يذكر كونها مزيدة مع إبهامها، ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم يقع\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) عمدة القاري (٢٢/ ٣٠٤).","vol":"1","page":51},{"text":"تمييزها لا تعيينًا ولا إبهامًا، أن يكون ذهل عن ذلك، أو عيّن، أو ميّز، فذهل عنه بعض من سمع، ويترجح كون الخصلة المذكورة هي المزيدة بأنها تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة، ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة؛ فإن كل أمر يكره يلاحظ فيه جهة المبدأ، وهو \" سوء القضاء \" وجهة المعاد وهو \" درك الشقاء \"؛ لأن شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي، وجهة المعاش وهو \" جهد البلاء (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-26>المطلب الثالث عشر: كثرة الابتلاء في آخر الزمان، مع غلبة ضعف الإيمان:</span>\n١٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣) وهذا لفظ مسلم.\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ١٤٩).\n(^٢) الصحيح (٩/ ٥٨، ٧١١٥).\n(^٣) الصحيح (٤/ ٢٢٣١،","vol":"1","page":52},{"text":"ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا): أي: لا تفرغ ولا تنقضي.\nقوله: (حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ) فيتمرغ: أي: يتقلب الرجل على القبر.\nقوله: (وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ): أي: ميتًا.\nقوله: (وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ): الدين: بكسر الدال، وقوله (إلا البلاء): أي الحامل له على التمني ليس الدين بل البلاء وكثرة المحن والفتن وسائر الضراء (^١).\nقال ابن حجر: \"قال ابن بطال: \"تغبط أهل القبور، وتمني الموت عند ظهور الفتن، إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر … \" (^٢) انتهى. وليس هذا عامًا في حق كل أحد، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم، فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في\n_________\n(^١) انظر: مرقاة المفاتيح (٨/ ٣٤٣٢).\n(^٢) شرحه على البخاري (١٠/ ٥٨).","vol":"1","page":53},{"text":"ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم، عن أبي هريرة عند مسلم: \" لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ\" (^١). وذكر الرجل فيه للغالب، وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك، والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم أنه: \" يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده \"، وبهذا جزم القرطبي (^٢)، وذكره عياض احتمالًا (^٣)، وأغرب بعض شراح \" المصابيح \" (^٤) فقال: المراد بالدين هنا العبادة، والمعنى: أنه يتمرغ على القبر، ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته، وإنما الحامل عليه البلاء، وتعقبه الطيبي (^٥) بأن حمل الدين على حقيقته أولى، أي: ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين، بل من جهة الدنيا، وقال ابن عبد البر: \"ظن بعضهم أن هذا الحديث\n_________\n(^١) حديث الباب.\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٤٥).\n(^٣) إكمال المعلم (٨/ ٤٥١).\n(^٤) لعله يقصد المظهري صاحب المفاتيح في شرح المصابيح (٥/ ٣٩٦)، فقد ذكر ذلك.\n(^٥) الكاشف عن حقائق السنن (١١/ ٣٤٣٩).","vol":"1","page":54},{"text":"معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين، أو ضعفه، أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال\" (^١)، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا … وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت (^٢) معارضة؛ لأن النهي صريح، وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع. قلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: \" وليس به الدين إنما هو البلاء \"، فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف.\nقال النووي: \"لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب، وعيسى الغفاري، وعمر بن عبد العزيز\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ١١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨/ ٧٦، ٦٣٥١)، ومسلم (٤/ ٢٠٦٤، ٢٦٨٠) من حديث أنس بلفظ: \"لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي\"","vol":"1","page":55},{"text":"وغيرهم \" (^١). ثم قال القرطبي (^٢): \"كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة، كما أخرج مسلم (^٣) من حديث معقل بن يسار رفعه: \" الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ\"، ويؤخذ من قوله: \" حتى يمر الرجل بقبر الرجل \" أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مرادًا، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني، أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور، فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه، فإذا تمادى على ذلك دلَّ على تأكد أمر تلك الشدة عنده؛ حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت \" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: المنهاج (١٧/ ٨).\n(^٢) المفهم (٧/ ٢٤٦).\n(^٣) الصحيح (٤/ ٢٢٦٨، ٢٩٤٨).\n(^٤) فتح الباري (١٣/ ٧٥).","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المطلب الرابع عشر: فضل الدعاء، وأثره على رد البلاء، أو تخفيفه:</span>\n١٥ - عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: \" لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه البزار (^١)، والطبراني (^٢)، والحاكم (^٣) من طريق زكريا بن منصور، عن عطاف بن خالد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة به، وفي إسناده زكريا بن منظور الأنصاري ضعيف (^٤)، وله شاهد من حديث معاذ بلفظ \" لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللهِ\"، وفي إسناده شهر بن حوشب ضعيف (^٥)، ولم يسمع من معاذ (^٦)، وإسماعيل ابن عياش رواه عن غير أهل بلده (^٧)، وله شاهد - أيضًا- من حديث\n_________\n(^١) المسند (١/ ١١٩، ٧٢).\n(^٢) المعجم الأوسط (٣/ ٦٦، ٢٤٩٨).\n(^٣) المستدرك (١/ ٤٩٢، ١٨٠٩).\n(^٤) التقريب (٢٠٢٦).\n(^٥) التقريب (٢٨٣٠).\n(^٦) جامع التحصيل ص ١٩٧.\n(^٧) التقريب (٤٧٣).","vol":"1","page":57},{"text":"سلمان بلفظ \"لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ\"، أخرجه الترمذي (^١)، وفي إسناده أبو مودود البصري، واسمه فضة، كما نص عليه الترمذي (^٢)، فيه لين (^٣)، وبهذه الشواهد وغيرها يتقوى ويرتقي لدرجة الحسن لغيره (^٤).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ): أي لا يجدي إذ لا مفر من قضائه تعالى فهو واقع على كل حال والحذر بالتحريك الاستعداد والتأهب للشيء والقدر بالتحريك أيضا القضاء الذي يقدره الله تعالى (^٥).\nقوله: (وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ): هو إخبار أن الحذر لا ينفع، وأن الدعاء ينفع؛ إلا أن استعمال الأسباب التي أذن الله\n_________\n(^١) الجامع (٤/ ٤٤٨، ٢١٣٩).\n(^٢) وانظر: تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٦٨).\n(^٣) التقريب (٥٤٢٥).\n(^٤) وللاستزادة من الشواهد راجع تحقيق المطالب العالية (١٣/ ٩٠٣ - ٩٠٩، ٣٣٦٩) فقد توسع بذكرها.\n(^٥) فيض القدير (٥/ ٣٠٤، ٧٣٩٦).","vol":"1","page":58},{"text":"بها من الأدوية للأسقام، وغيرها من الأسباب كحمل السلاح، ولبس الدروع عند لقاء العدو وهو من الأقدار، فإنه تعالى ما أمر بالأسباب إلاَّ وقد قدرها دافعة لما شاء من المسببات، فيستعملها العبد لكونه أذن له بها، وأمر باتخاذها، ولا يتكل عليها، بل على مولاه الذي له في خلقه ما شاء، ويعلم أن أنفع الأدوية والأسباب هو الدعاء الدافع لكل بلاء فلا يعجز عنه (^١)، ومعنى يعتلجان أي يتصارعان، ويتدافعان (^٢).\nفائدة: قال ابن القيم ﵀: \"والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدفعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن .... وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات:\nأحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.\nالثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه، وإن كان ضعيفا.\nالثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه\" (^٣).\n_________\n(^١) التنوير (١١/ ١٨٦، ٩٩٥٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٨٦)، والإتحافات السنية ص ٣٢.\n(^٣) الجواب الكافي ص ١٠.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>المطلب الخامس عشر: مشروعية الهرب من البلاء، وعدم التعرض له:</span>\n١٦ - عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ\". قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢) من طريق علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب البجلي، عن حذيفة به، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف (^٣)، قال أبو حاتم: \" هذا حديث منكر\" (^٤)، وقال - أيضًا -: \"قد زاد في الإسناد جندبا، وليس بمحفوظ؛ حدثنا أبو سلمة، عن حماد، وليس فيه جندب\" (^٥)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\"، وفي تحفة الأشراف (^٦): \"حسن صحيح\"،\n_________\n(^١) الجامع (٤/ ٥٢٣، ٢٢٥٤).\n(^٢) السنن (٢/ ١٣٣٢، ٤٠١٦).\n(^٣) التقريب (٤٧٣٤).\n(^٤) علل الحديث لابن أبي حاتم (٥/ ١٨٧، ١٩٠٨).\n(^٥) المصدر السابق (٦/ ١٧٨، ٢٤٢٨).\n(^٦) تحفة الأشراف (٣/ ٢٢، ٣٣٠٥).","vol":"1","page":60},{"text":"وللحديث شواهد (^١) يتقوى بها، فمنها حديث ابن عمر باللفظ نفسه أخرجه الطبراني (^٢)، وإسناده حسن فيه ورقاء بن عمر اليشكري، صدوق (^٣)، وجوّد إسناده الهيثمي (^٤)، وصححه الألباني (^٥)، وشاهد آخر من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه أبو يعلى، وفي إسناده شيخ أبي يعلى قطن بن نُسير البصري صدوق يخطيء (^٦).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ) أي لايجوز، وقوله: (أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ\") بضم الياء وكسر الذال المعجمة من الإذلال. وقوله: (قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟): وَجه استبعادهم أن الإنسان مجبول على حب إعزاز نفسه، قاله القاري (^٧).\nقوله: (قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ): أي تصدى (من\n_________\n(^١) توسع الحافظ في المطالب العالية بذكرها (١٨/ ٣٢٣، ٤٤٧٨ وما بعده).\n(^٢) المعجم الكبير (١٢/ ٤٠٨، ١٣٥٠٧).\n(^٣) التقريب (٧٤٠٣).\n(^٤) مجمع الزوائد (٧/ ٥٣٩، ١٢١٦٩).\n(^٥) الصحيحة (٦١٣).\n(^٦) التقريب (٥٥٥٦).\n(^٧) مرقاة المفاتيح (٥/ ١٧٣٩، ٢٥٠٣).","vol":"1","page":61},{"text":"البلاء) إما بالدعاء على نفسه به أو بأن يأتي بأسبابه العادية، وهو بيان مقدم لقوله (لما لا يطيق) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-29>المطلب السادس عشر: عظم جزاء المبتلين الصابرين يوم القيامة، وغبطة الناس لهم:</span>\n١٧ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه الترمذي (^٢) من طريق عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن أبي الزبير، عن جابر به، وفي إسناده أبو الزبير مدلس ولم يصرح بالتحديث (^٣)، وعبد الرحمن بن مغراء أبو زهيرالكوفي صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش (^٤). قال الترمذي: \"وهذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا\n_________\n(^١) مرعاة المفاتيح (٨/ ٢٨٥ - ٢٨٦، ٢٥٧٧).\n(^٢) الجامع (٤/ ٦٠٣، ٢٤٠٢).\n(^٣) طبقات المدلسين ص ٤٥.\n(^٤) التقريب (٤٠١٣).","vol":"1","page":62},{"text":"الوجه \" وقد روى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن مسروق، قوله شيئا من هذا\"، وقال الدارقطني: \" يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن أبي الزبير، عن جابر، وخالفه أبو عبيدة بن معن، فرواه عن الأعمش، قال: سمعتهم يذكرون عن جابر مرسلًا، ولا يدفع قول ابن مغراء أن يكون حفظه عن الأعمش \" (^١).\nوله شاهد من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \" يُؤْتَى بِالشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، وَيُؤْتَى بِالْمُتَصَدِّقِ فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلاءِ وَلا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ، وَلا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأَجْرُ صَبًّا، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَافِيَةِ لَيَتَمَنَّوْنَ فِي الْمَوْقِفِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِ اللَّهِ لَهُمْ\"، أخرجه الطبراني (^٢) عن السري بن سهل، عن عبد الله بن رشيد، عن مجاعة بن الزبير، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس به، قال الهيثمي: \" رواه الطبراني في الكبير وفيه مجاعة بن الزبير وثقه أحمد وضعفه الدارقطني\" (^٣)، قلت: فيه السري بن سهل بن علقمة\n_________\n(^١) العلل (١٣/ ٣٤٨، ٣٢٢٩).\n(^٢) المعجم الكبير (١٢/ ١٨٢، ١٢٨٢٩).\n(^٣) مجمع الزوائد (٣/ ٣٤، ٣٨١٧).","vol":"1","page":63},{"text":"الجُنْدَيْسَابُوري، قال البيهقي: \"لا يحتج به ولا بشيخه\" (^١)، وفيه أيضًا عبد الله بن رشيد أبو عبد الرحمن الجند يسابوري، سبق قول البيهقي فيه بأنه لا يحتج به، ولكن قال أبو عوانة: \"وكان ثقة\" (^٢)، وقال ابن حبان: \" مستقيم الحديث\" (^٣)، والذي يظهر والله أعلم أنه في مرتبة صدوق، والحديث حسنه الألباني بشواهده (^٤).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله (يَوَدُّ): أي يتمنى (أَهْلُ الْعَافِيَةِ) أي في الدنيا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف يود (حِينَ يُعْطَى) على البناء للمفعول (الثَّوَابَ) مفعول ثان أي كثير أو بلا حساب لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٥)،\n(قُرِضَتْ) بالتخفيف ويحتمل التشديد للمبالغة والتأكيد أي قطعت (فِي الدُّنْيَا) قطعة قطعة (بِالْمَقَارِيضِ) جمع المقراض ليجدوا ثوابًا كما وجد أهل البلاء (^٦) \".\n* * *\n_________\n(^١) لسان الميزان (٤/ ٢٢).\n(^٢) المستخرج (٤/ ٣٨٦، ٧٠٤٤).\n(^٣) الثقات (٨/ ٣٤٣).\n(^٤) الصحيحة (٢٢٠٦).\n(^٥) الزمر آية (١٠).\n(^٦) مرعاة المفاتيح (٥/ ٢٦٣، ١٥٨٤).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>المطلب السابع عشر: مشروعية سؤال الله العافية عند رؤية أصحاب البلاء:</span>\n١٨ - عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَقَالَ: \"الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ\".\nأولًا: التخريج:\nأخرجه الترمذي (^١) من طريق عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن عمر به، وفي إسناده عمرو بن دينار البصري ضعيف (^٢)، قال الترمذي: \"هذا حديث غريب\"، قلت: قد اضطرب فيه، فتارة جعله من مسند عمر كما تقدم، وتارة يجعله من مسند ابن عمر، كما أخرجه ابن ماجه (^٣)، وهذا مما يؤكد ضعفه، ولعل الصحيح أنه من حديث ابن عمر ويدل على هذا ما أخرجه البزار (^٤) من طريق المغيرة بن مسلم، أيوب بن أبي تميمة، عن نافع، عن ابن عمر به، وإسناد حسن، فيه المغيرة بن مسلم\n_________\n(^١) الجامع (٥/ ٤٩٣، ٣٤٣١).\n(^٢) التقريب (٥٠٢٥).\n(^٣) السنن (٢/ ١٢٨١، ٣٨٩٢).\n(^٤) البحر الزخار (١٢/ ١٨٥، ٥٨٣٨).","vol":"1","page":65},{"text":"الأزدي صدوق (^١)، لكن قال الدارقطني: \"يرويه أيوب السختياني، واختلف عنه؛ فرواه مغيرة بن مسلم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ووهم فيه.\nورواه الثوري، عن أيوب، عن رجل، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ وهذا الرجل هو عمرو بن دينار، قهرمان آل الزبير، وهو أصح من حديث المغيرة\" (^٢). قلت: وله شواهد يتقوى بها منها:\nحديث أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \" مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ\"، أخرجه الترمذي (^٣) من طريق عبد الله بن عمر العمري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\"، قلت: في إسناده عبد الله بن عمر العمري، ضعيف (^٤)، وقد تابعه عبد الله بن جعفر السعدي المديني - كما أخرجه الطبراني (^٥) - وهو ضعيف (^٦) أيضًا، وهما يرويانه عن سهيل بن أبي صالح صدوق تغير\n_________\n(^١) التقريب (٦٨٥٠).\n(^٢) العلل (١٢/ ٣٤٤، ٢٧٧١).\n(^٣) الجامع (٥/ ٤٩٣، ٣٤٣٢).\n(^٤) التقريب (٣٤٨٩).\n(^٥) الدعاء ص ٢٥٤.\n(^٦) التقريب (٣٢٥٥).","vol":"1","page":66},{"text":"حفظه بأخرة (^١)، وقال الهيثمي: \"وإسناده حسن\" (^٢)، والحديث حسنه بشواهد الألباني في الصحيحة (^٣).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ): أي مبتلى في أمر بدني كبرص وقصر فاحش أو طول مفرط أو عمى أو عرج أو اعوجاج يد ونحوها، أو ديني بنحو فسق وظلم وبدعة وكفر وغيرها.\nقوله: (الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ): فإن العافية أوسع من البلية؛ لأنها مظنة الجزع والفتنة وحينئذ تكون محنة أي محنة، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.\nقوله: (وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا): أي في الدين والدنيا والقلب والقالب.\nقوله: (إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ): (كائنا ما كان) أي حال كون ذلك البلاء أي بلاء كان (ما عاش) أي مدة بقائه في الدنيا (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٦٧٥).\n(^٢) مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٩، ١٧١٣٨).\n(^٣) الصحيحة (٦٠٢).\n(^٤) مرقاة المفاتيح (٤/ ١٦٨٦، ٢٤٢٩).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>المطلب الثامن عشر: النهي الشديد عن استعجال البلاء:</span>\n١٩ - عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: رَأَى إِنْسَانًا بِهِ بَلَاءٌ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ سَأَلْتَهُ أَنْ يُعَجِّلَ لَكَ الْبَلَاءَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \" فَهَلَّا سَأَلْتَ اللهَ الْعَافِيَةَ، وَقُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ\nأولًا: التخريج:\nأخرجه الطبراني (^١) وفي إسناده شيخ الطبراني محمد بن زكريا أبو جعفر الغَلابي اتهمه بالوضع ابن معين، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي، وابن حجر (^٢)، وأما متن الحديث فهو ثابت من أحاديث أخر منها: حديث أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا فَقَالَ\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٦/ ١٧٧، ٦١١٨).\n(^٢) انظر: الضعفاء للدارقطني ص ٣٥٠، وشعب الإيمان (١/ ٤٢١، ٢٥٩)، والموضوعات (١/ ٣٨١)، والمغني في الضعفاء ص ٣٠٠، ولسان الميزان (٧/ ١٤٠)، وإتحاف المهرة (١١/ ٥١٠، ١٤٥٣٠)، وإرشاد القاصي والداني ص ٥٥١.","vol":"1","page":68},{"text":"رَسُولُ اللهِ ﷺ: سُبْحَانَ اللهِ لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُ فَشَفَاهُ. أخرجه مسلم (^١).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (أَنَّهُ: رَأَى إِنْسَانًا بِهِ بَلَاءٌ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ سَأَلْتَهُ أَنْ يُعَجِّلَ لَكَ الْبَلَاءَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \" فَهَلَّا سَأَلْتَ اللهَ الْعَافِيَةَ، وَقُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) قال النووي: \"وفي هذا الحديث: النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة. وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار … وفيه استحباب عيادة المريض، والدعاء له. وفيه كراهة تمني البلاء; لئلا يتضجر منه، ويسخطه، وربما شكا، وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة تعم الدنيا والآخرة \" (^٢).\nوقال - أيضًا-: \"وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العافية العامة\n_________\n(^١) الصحيح (٤/ ٢٠٦٨، ٢٦٨٨).\n(^٢) المنهاج (١٧/ ١٤).","vol":"1","page":69},{"text":"لي ولأحبائي ولجميع المسلمين\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-32>المطلب التاسع عشر: ذكر بعض البلايا وثواب من صبر عليها:</span>\n<span data-type='title' id=toc-33>أولا: فضل الصبر على الحمى:</span>\n٢٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ (^٢) فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتِ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه مسلم (^٣).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله (مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما، ويقال بضم التاء\n_________\n(^١) االمصدر السابق (١٢/ ٤٦).\n(^٢) أنصارية. انظر: الإصابة (٨/ ٣٩٨).\n(^٣) الصحيح (٤/ ١٩٩٣، ٢٥٧٥).","vol":"1","page":70},{"text":"وفتحها من الزفزفة، وهي صوت حفيف الريح. يقال: زفزفت الريح الحشيش: أي حركته، وزفزف النعام في طيرانه: أي: حرك جناحيه، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء، قال أبو مروان بن سراج: يقال: بالقاف وبالفاء بمعنى واحد، بمعنى ترعدين. قلت: ورواية الفاء (أعرف) رواية، وأصح معنى، وذلك أن الحمى تكون معها حركة ضعيفة، وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر.\nقوله (لَا تَسُبِّي الْحُمَّى): مع أنها لم تصرح بسب الحمى، وإنما دعت عليها بألا يبارك فيها، غير أن مثل هذا الدعاء تضمن تنقيص المدعو عليه وذمه، فصار ذلك كالتصريح بالذم والسب.\nقوله (فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ): هذا تعليل لمنع سب الحمى لما يكون عنها من الثواب، فيتعدى ذلك لكل مشقة، أو شدة يرتجى عليها ثواب، فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك، ولا يسب. وحكمة ذلك: أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر، وضعف الصبر، أو عدمه، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرم، مع أنه لا يفيد ذلك فائدة، ولا يخفف ألمًا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المفهم (٢١/ ٩١).","vol":"1","page":71},{"text":"٢١ - عَنْ أَنَسٍ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ، قَالَ: \"إِنَّ الْحُمَّى كُورٌ مِنْ كُؤُورِ جَهَنَّمَ، مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ \".\nأولًا: التخريج:\nأخرجه أبو يعلى (^١) من طريق أبي خلف، عن ثابت، والطبراني (^٢) من طريق سليمان ابن داود، عن عبيس بن ميمون، عن قتادة كلاهما عن أنس به، وأبو خلف الأعمى خادم أنس قيل اسمه حازم بن عطاء (^٣)، وسليمان بن داود الشاذكوني (^٤) متروكان، ولمتنه شاهد من حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا - وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - مِنْ وَعَكٍ (^٥) كَانَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ\"، أخرجه الترمذي (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وإسناده\n_________\n(^١) المسند (٦/ ١٧٥، ٣٤٥٧).\n(^٢) المعجم الأوسط (٧/ ٢٩٥، ٧٥٤٠).\n(^٣) التقريب (٨٠٨٣).\n(^٤) التقريب ص ٧٢٨.\n(^٥) وهو الحمى. وقيل: ألمها. وقد وعكه المرض وعكا. ووعك فهو موعوك. النهاية (٥/ ٢٠٧).\n(^٦) الجامع (٤/ ٤١٢، ٢٠٨٨).\n(^٧) السنن (٢/ ١١٤٩، ٣٤٧٠).","vol":"1","page":72},{"text":"حسن فيه أبو صالح الأشعري قال أبو حاتم: \"لا بأس به (^١)، وقال الذهبي: \"ثقة\" (^٢)، والحديث صححه الحاكم (^٣)، والألباني (^٤) ولكن قد اختلف على أبي صالح الأشعري فيه فرواه عنه أبو الحصين الفلسطيني وجعله من مسند أبي أمامة (^٥)، ورواه عنه إسماعيل بن عبيد الله فجعله من مسند أبي هريرة، وأبو الحصين مجهول (^٦)، وإسماعيل بن عبيد الله المخزومي مولاهم ثقة (^٧)، ولكنه قد اختلف عليه أيضًا فرواه عنه عبد الرحمن بن يزيد الأزدي (^٨) وجعله من حديث أبي هريرة، وخالفه سعيد بن عبد العزيز التنوخي (^٩) فجعله من قول كعب الأحبار، وكلاهما ثقة، ورجح الموقوف الدارقطني (^١٠)، وللحديث شواهد توسع بذكرها الألباني في الصحيحة (^١١).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل (٩/ ٣٩٢).\n(^٢) الكاشف (٦٦٨٤).\n(^٣) المستدرك (١/ ٣٤٥، ١٢٧٦).\n(^٤) الصحيحة (٥٥٧).\n(^٥) مسند أحمد (٣٦/ ٤٩٥، ٢٢١٦٥).\n(^٦) التقريب (٨٠٥٥).\n(^٧) التقريب (٤٦٦).\n(^٨) التقريب (٤٠٤١).\n(^٩) التقريب (٢٣٥٨).\n(^١٠) العلل (١٢/ ٢٧٠، ٢٧٠٥).\n(^١١) الصحيحة (١٨٢٢).","vol":"1","page":73},{"text":"ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (إِنَّ الْحُمَّى كُورٌ مِنْ كُؤُورِ جَهَنَّمَ) جاء في حديث أبي أمامة \" الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ\" (^١)، وجاء في حديث ابن عباس \" الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ \" (^٢)، والكير بالكسر: كير الحداد، وهو المبني من الطين. وقيل: الزق الذي ينفخ به النار، والمبني: الكور (^٣)، وجهنم: وهي لفظة أعجمية، وهو اسم لنار الآخرة. وقيل هي عربية. وسميت بها لبعد قعرها. ومنه ركية جهنام- بكسر الجيم والهاء والتشديد-: أي بعيدة القعر. وقيل تعريب كهنام بالعبراني (^٤). والفيح: سطوع الحر وفورانه، ويقال بالواو، وفاحت القدر تفيح وتفوح إذا غلت (^٥).\nقوله: (مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ) (حظه) أي: نصيبه بدلًا. (من النار): مما اقترف من الذنوب المجعولة له يوم القيامة، ويحتمل أنها نصيبه من الحتم المقضي عليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٦) .. وينبغي أن يقيد المؤمن بالكامل،\n_________\n(^١) مسند أحمد (٣٦/ ٤٩٥، ٢٢١٦٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٤/ ١٢٠، ٣٢٦١).\n(^٣) النهاية (٤/ ٢١٧).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ٣٢٢).\n(^٥) المصدر السابق (٣/ ٤٨٤).\n(^٦) مريم (٧١).","vol":"1","page":74},{"text":"لئلا يشكل بأن بعض العصاة من المؤمنين يعذبون بالنار (^١). وقال المناوي: \"أي نار جهنم فإذا ذاق لهيبها في الدنيا لا يذوق لهب جهنم في الأخرى، قال الزين العراقي: \"إنما جعلت حظه من النار لما فيها من الحر والبرد المغير للجسم وهذه صفة جهنم فهي تكفر الذنوب فتمنعه دخول النار\"، قال المصنف: \"هي طهور من الذنوب، وتذكرة للمؤمن بنار جهنم كي يتوب … لها منافع بدنية، ومآثر سنية، فإنها تنقي البدن، وتنقي عنه العفن، رب سقم أزلي ومرض عولج منه زمانا، وهو ممتلئ فلما طرأت عليه، أبرأته فإذا هو منجلي، وربما صحت الأجساد بالعلل .. وذكروا أنها تفتح كثيرًا من السدد، وتنضح من الأخلاط، والمواد ما فسد\". (^٢)\nفائدة: قال ابن القيم: \"وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببًا للشفاء\" (^٣).\n_________\n(^١) مرقاة المفاتيح (٣/ ١١٥١، ١٥٨٤).\n(^٢) فيض القدير (٣/ ٤٢٠، ٣٨٤١)، وانظر: زاد المعاد (٢٤ - ٢٨).\n(^٣) انظر: زاد المعاد (٤/ ٢٥).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>ثانيًا: فضل الصبر على الصرع:</span>\n٢٢ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ. فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه البخاري (^١)، ومسلم (^٢).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ): في رواية جعفر المستغفري في \" كتاب الصحابة \" وأخرجه أبو موسى في \" الذيل \" من طريقه ثم من رواية عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح في هذا الحديث \" فأراني حبشية صفراء عظيمة فقال: هذه سعيرة الأسدية.\nقوله: (إِنِّي أُصْرَعُ): الصرع هو: انحباس الريح في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف\n_________\n(^١) الصحيح (٧/ ١١٦، ٥٦٥٢).\n(^٢) الصحيح (٤/ ١٩٩٤، ٢٥٧٦).","vol":"1","page":76},{"text":"بالزبد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به.\nقوله: (وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ): بمثناة وتشديد المعجمة من التكشف، وبالنون الساكنة مخففا من الانكشاف، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر.\nقوله: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ): في الحديث فضل من يصرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل، والله أعلم (^١).\nقلت: وفي قولها: (فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ): رسالة لبنات\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ١١٥).","vol":"1","page":77},{"text":"المسلمين في المحافظة على الستر والعفاف حتى في حال فقدان الوعي فرضي الله عنها وأرضاها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-35>الثالث: فضل الصبر على فقد الحبيب:</span>\n٢٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه البخاري (^١).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ): أي ثواب.\nقوله: (إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا): صفيه بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتانية، وهو الحبيب المصافي كالولد والأخ وكل من يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت، وقوله (صَفِيَّهُ) يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك.\n_________\n(^١) الصحيح (٨/ ٩، ٦٤٢٤).","vol":"1","page":78},{"text":"قوله: (ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ): صبر على فقده راجيًا الأجر من الله على ذلك وأصل الحسبة بالكسر الأجرة والاحتساب طلب الأجر من الله - تعالى - خالصا … ووجه الدلالة من حديث الباب أن الصفي أعم من أن يكون ولدًا أم غيره وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-36>الرابع: فضل الصبر على البنات وتربيتهن:</span>\n٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا فَسَأَلَتْنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ.\nأولًا: التخريج: أخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٢٤٢، ٦٤٢٤)، و(٣/ ١١٩، ١٢٤٨).\n(^٢) الصحيح (٨/ ٧، ٥٩٩٥).\n(^٣) الصحيح (٤/ ٢٢٧، ٢٦٢٩).","vol":"1","page":79},{"text":"ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقَوْلُهُ: (جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا) لم أقف على أسمائهن (^١).\nقَوْلُهُ: (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا) وقع في رواية عراك ابن مالك عن عائشة: \"جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهن تمرة ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها فأعجبني شأنها\" الحديث أخرجه مسلم (^٢)، .. ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: \" فلم تجد عندي غير تمرة واحدة\" أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم يكن عندها في أول الحال سوى واحدة، فأعطتها، ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة (^٣)\nقَوْلُهُ: (مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ) قال ابن حجر: \"واختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو ابتلي بما يصدر منهن، وكذلك هل هو على العموم في البنات، أو المراد من اتصف منهن\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤٢٨).\n(^٢) المصدر السابق رقم ٢.\n(^٣) المصدر السابق رقم ٤.","vol":"1","page":80},{"text":"بالحاجة إلى ما يفعل به \"، قال النووي (^١) تبعًا لابن بطال (^٢): \" إنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في إبقائهن وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن وجاهد نفسه في الصبر عليهن\" (^٣).\nوقال العراقي: \" يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار، أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء، ولهذا قيده في حديث أبي سعيد (^٤) بالتقوى، فإن من لا يتقي الله لا يأمن أن يتضجر بمن وكله الله إليه، أو يقصر عما أمر بفعله، أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله وتحصيل ثوابه. والله أعلم\" (^٥).\nقَوْلُهُ: (مِنَ الْبَنَاتِ): تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهن، بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن\n_________\n(^١) المنهاج ١٦/ ١٧٩.\n(^٢) في شرحه على البخاري ٩/ ٢١٣.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٤٢٩.\n(^٤) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٣٢٠، ١٩١٦)، ولفظه «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الجَنَّةُ»، وفي إسناده سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل، مجهول الحال روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات ٦/ ٣٥١، والحديث ضعفه الألباني في الصحيحة (٢٩٤).\n(^٥) المصدر السابق رقم ٤.","vol":"1","page":81},{"text":"وجزالة الرأي وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال (^١).\nفائدة: قوله من البنات يشمل أيضًا الأخوات، وذوات القربى لما جاء في حديث أنس عند مسلم (^٢) بلفظ العموم: \" مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ \"، وحديث أم سلمة عند أحمد (^٣) بلفظ: \" مَنْ أَنْفَقَ عَلَى ابْنَتَيْنِ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ذَاتَيْ قَرَابَةٍ يَحْتَسِبُ عَلَيْهِمَا يَحْتَسِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يُغْنِيَهُمَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ﷿ أَوْ يَكْفِيَهُمَا كَانَتَا لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ\".\nقَوْلُهُ: (فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ): قال ابن حجر: \" الذي يقع في أكثر الروايات بلفظ الإحسان وفي رواية عبد المجيد (^٤) \" فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ \" (^٥)، ومثله في حديث عقبة بن عامر في \" الأدب\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) الصحيح (٤/ ٢٠٢٧، ٢٦٣١).\n(^٣) المسند (٤٤/ ١٣٥، ٢٦٥١٧)، وفي إسناده محمد بن أبي محمد الأنصاري الزرقي، ضعيف، التقريب (٥٨٣٦).\n(^٤) عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي روَّاد - بفتح الراء وتشديد الواو- صدوق يخطئ، التقريب (٤١٦٠).\n(^٥) جامع الترمذي (٤/ ٣١٩، ١٩١٣)، وفي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز صدوق يخطئ، والراوي عنه: العلاء بن مسلمة البغدادي متروك، التقريب (٥٢٥٦)، ولكن اللفظة ثابتة كما في الحديث التالي. قد جاء من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا عند ابن ماجه وأحمد (٢٨/ ٦٢٢، ١٧٤٠٣) بسند صحيح","vol":"1","page":82},{"text":"المفرد \" (^١)، وكذا وقع في ابن ماجه (^٢) وزاد \" فَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ \" وفي حديث ابن عباس عند الطبراني (^٣) \" فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَأَحْسَنَ أدَبَهُنَّ\"، وفي حديث جابر عند أحمد (^٤)، وفي الأدب المفرد (^٥) \" يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمُهُنَّ وَيَكْفُلُهُنَّ \" زاد الطبري فيه \" ويزوجهن \" (^٦) وله نحوه من حديث أبي هريرة في \" الأوسط (^٧) \"، وللترمذي (^٨)، وفي \" الأدب المفرد \" (^٩) من حديث أبي سعيد \" فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللهَ فِيهِنَّ \" وهذه الأوصاف يجمعها لفظ \" الإحسان \" الذي اقتصر عليه في حديث الباب، وقد اختلف في\n_________\n(^١) ح ٧٦.\n(^٢) السنن (٢/ ١٢١٠، ٣٦٦٩)، وإسناده صحيح.\n(^٣) المعجم الكبير (١١/ ٢١٦، ١١٥٤٢)، وفي إسناده الحسين بن قيس الرحبي، لقبه حَنَش، متروك. التقريب (١٣٤٢).\n(^٤) (٢٢/ ١٥٠، ١٤٢٤٧)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان التيمي ضعيف، التقريب (٤٧٣٤)، وقد تابعه سفيان بن الحسين الواسطي وهو ثقة، التقريب (٢٤٣٧)، أخرجه أبو يعلى في المسند (٤/ ١٤٧، ٢٢١٠).\n(^٥) ح ٧٨.\n(^٦) لم أقف عليه في مظانه، ولكن أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩٠، ٤٧٦٠).\n(^٧) (٦/ ٢٠٥، ٦١٩٩).\n(^٨) تقدم تخريجه قبل صفحتين.\n(^٩) ح ٧٩.","vol":"1","page":83},{"text":"المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب أو بما زاد عليه؟ والظاهر الثاني، فإن عائشة أعطت المرأة التمرة فآثرت بها ابنتيها فوصفها النبي ﷺ بالإحسان بما أشار إليه من الحكم المذكور، فدل على أن من فعل معروفًا لم يكن واجبًا عليه أو زاد على قدر الواجب عليه عد محسنًا، والذي يقتصر على الواجب وإن كان يوصف بكونه محسنًا لكن المراد من الوصف المذكور قدر زائد، وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث، والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله، وقد جاء أن الثواب المذكور يحصل لمن أحسن لواحدة فقط، ففي حديث ابن عباس المتقدم \" فقال رجل من الأعراب: أو اثنتين؟ فقال: أو اثنتين\"، وفي حديث عوف بن مالك عند الطبراني (^١) \" فقالت امرأة \"، وفي حديث جابر \" وقيل\" (^٢)، وفي حديث أبي هريرة \" قلنا\" (^٣)، وهذا يدل على تعدد السائلين،\n_________\n(^١) المعجم الكبير (١٨/ ٥٦، ١٠٢)، ولفظه \"فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَوِ اثْنَتَانِ؟ قَالَ: \" وَثِنْتَانِ. \"، وفي إسناده النهَّاس بن قَهْم القيسي، ضعيف، التقريب (٧١٩٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":84},{"text":"وزاد في حديث جابر \" فَرَأَى بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ لَوْ قَالُوا لَهُ: وَاحِدَةٌ؛ لَقَالَ: وَاحِدَةٌ \" (^١)، وفي حديث أبي هريرة \" قُلْنَا: وَثِنْتَيْنِ؟ قَالَ: \" وَثِنْتَيْنِ \"، قُلْنَا: وَوَاحِدَةً؟ قَالَ: \" وَوَاحِدَةً \" (^٢)، وشاهده حديث ابن مسعود رفعه \" مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَوْسَعَ عَلَيْهَا \" أخرجه الطبراني (^٣) بسند واه.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى في المسند (٤/ ١٤٧، ٢٢١٠)، وإسناده صحيح، وانظر: الصحيحة (٢٤٩٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦/ ٢٠٥، ٦١٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٨، ١٣٤٩٨): \" وفيه من لا أعرفهم\"، وقد أخرجه أحمد في المسند (١٤/ ١٤٨، ٨٤٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٢٢، ٢٥٤٤٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٧٦، ١٣٤٩٨)، كلهم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن عمر بن نبهان، عن أبي هريرة به، وابن جريح وأبو الزبير مدلسان ولم يصرحا بالتحديث، وعمر بن نبهان مجهول، التقريب (٤٩٧٦)، ويشهد له الأحاديث التي قبله، والله أعلم.\n(^٣) المعجم الكبير (١٠/ ١٩٧، ١٠٤٤٧)، وفيه طلحة بن زيد القرشي، متروك، التقريب (٣٠٢٠).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>الخامس: فضل الصبر على فقد البصر:</span>\n٢٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ.\nأولًا: التخريج:\nأخرجه البخاري (^١).\nثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:\nقوله: (إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ) بالتثنية، وقد فسرهما آخر الحديث بقوله \" يريد عينيه \" ولم يصرح بالذي فسرهما، والمراد بالحبيبتين المحبوبتان لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه، لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به، أو شر فيجتنبه (^٢).\nقوله: (فَصَبَرَ) زاد الترمذي (^٣) في روايته عن أنس\n_________\n(^١) الصحيح (٧/ ١١٦، ٥٦٥٣).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ١١٦).\n(^٣) الجامع (٤/ ٦٠٢، ٢٤٠٠)، بلفظ: \" إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْ عَبْدِي فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزَاءٌ عِنْدِي إِلَّا الجَنَّةَ\"، وليس فيها لفظ \"واحتسب\"، وإنما جاءت عند أحمد في المسند (٢٠/ ٥٠، ١٢٥٩٥)، من طريق النضر بن أنس، وأبو يعلى في المسند (٧/ ٢٦٨، ٤٢٨٥) من طريق أشعث الحداني كلاهما عن أنس به، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في التعليقات الحسان","vol":"1","page":86},{"text":"\"وَاحْتَسَبَ\" وكذا لابن حبان (^١) والترمذي (^٢) من حديث أبي هريرة، ولابن حبان (^٣) من حديث ابن عباس أيضًا، والمراد أنه يصبر مستحضرًا ما وعد الله به الصابر من الثواب، لا أن يصبر مجردًا عن ذلك، لأن الأعمال بالنيات، وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه، أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد، وإلا يصير كما جاء في حديث سلمان: \"أَنَّ مَرَضَ الْمُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا (^٤)، وَأَنَّ مَرَضَ الْفَاجِرِ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ \" أخرجه البخاري في \" الأدب المفرد \" (^٥) موقوفا (^٦).\n_________\n(^١) الصحيح (٧/ ١٩٤، ٢٩٣٢)، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في التعليقات الحسان بحاشية الصحيح.\n(^٢) الجامع (٤/ ٦٠٣، ٢٤٠١).\n(^٣) الصحيح (٧/ ١٩٣، ٢٩٣٠)، وقال الألباني في التعليقات الحسان: \"حسن صحيح\".\n(^٤) أي راجعا عن ذنوبه، طالبًا رضا ربه، وانظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ١٧٥).\n(^٥) ح ٤٩٣.\n(^٦) فتح الباري (١٠/ ١١٦).","vol":"1","page":87},{"text":"قوله: (عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ) وهذا أعظم العوض، لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها، وهو شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور. ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد آخر أخرجه البخاري في \" الأدب المفرد (^١) \" بلفظ: \"إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ\"، فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في أول وقوع البلاء فيفوض ويسلم، وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة ثم يئس فيصبر لا يكون حصل المقصود وقد مضى حديث أنس في الجنائزوقد مضى حديث أنس في الجنائز (^٢): \"إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأَوْلَى\" (^٣).\nفائدة: أن الصبر والاحتساب لايتعارض مع التداوي لعموم\n_________\n(^١) ح ٥٣٥، وأخرجه أحمد في المسند (٣٦/ ٥٦٢، ٢٢٢٢٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٥٠٩، ١٥٩٧) كلهم من طريق إسماعيل بن أبي عياش، عن ثابت بن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة به، وإسناده حسن، فيه الرواة الثلاثة على التوالي كل واحد منهم صدوق، وإسماعيل بن أبي عياش فهو من روايته عن أهل بلده، فشيخه هنا حمصي، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ح ١٢٩٨، وانظر: التقريب (٤٧٣، ٨٢٢، ٥٤٧٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٢/ ٧٩، ١٢٨٣).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ١١٦).","vol":"1","page":88},{"text":"قوله ﷺ: \" يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤/ ٣، ٣٨٥٥)، والترمذي (٤/ ٣٨٣، ٢٠٣٨)، وابن ماجه (٢/ ١١٣٧، ٣٤٣٦)، وإسناده صحيح، وللاستزادة راجع الأشفية في السنة النبوية ص ٧ - ٨.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>الخاتمة</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فسأجمل لك خلاصة ما توصلت إليه من هذا البحث في النقاط التالية:\n• الابتلاء على قدر الإيمان فيشتد مع قوته ويضعف مع رِقته.\n• أشد الناس ابتلاءً الأنبياء لكمال إيمانهم وقوة صبرهم.\n• تكفيرالابتلاء للسيئات لمن صبر عليه حتى يجعله يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة.\n• من أنواع البلاء: الحمى، والفقر، والقمل.\n• يضاعف البلاء للأنبياء عن بلاء رجلين من الأمة، ويضاعف لهم الأجر مرتين.\n• السعيد من جنب الفتن، ومن إذا ابتلي صبر.\n• تعجيل العقوبة في الدنيا خير من المعاقبة عليها في الآخرة.\n• إذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.\n• مشروعية الرضا والشكر لمن أصيب بالسراء، والصبر عند الابتلاء.","vol":"1","page":90},{"text":"• إذا أراد الله بعبد الخير أصاب منه.\n• مواصلة كتابة ثواب الأعمال عند توقفها بسبب الابتلاء.\n• تنوع البلاء للإنسان فقد يكون في نفسه، أو ماله، أو ولده.\n• قد يكون البلاء سببًا في وصولك لدرجة عالية في الجنة لاتبلغها بعملك.\n• كثرة البلاء للمؤمن في الدنيا، وقلتها أو عدمها للكافر ..\n• مشروعية التعوذ من البلاء.\n• كثرة الابتلاء في آخر الزمان، مع غلبة ضعف الإيمان.\n• فضل الدعاء، وأثره على رد البلاء، أو تخفيفه.\n• مشروعية الهرب من البلاء، وعدم التعرض له.\n• عظم جزاء المبتلين الصابرين يوم القيامة، وغبطة الناس لهم.\n• مشروعية سؤال الله العافية عند رؤية أصحاب البلاء، وأن من فعل ذلك عوفي منه فلم يصب.\n• النهي الشديد عن استعجال البلاء.\n• فضل الصبر على الحمى، وأنها تذهب الخطايا، وهي حظه من النار.\n• أن من صبر على فقد الأحبة، وعلى فقد البصر، وعلى الصرع","vol":"1","page":91},{"text":"دخل الجنة.\n• فضل تربية البنات، والصبر عليهن، وأنهن حجابًا من النار.\nوفي الختام أسأل الله الكريم الرحيم أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لكاتبه وقارئه في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا الصبر عند الابتلاء، واحتساب الأجر والثواب، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n* * *","vol":"1","page":92}]}