{"ً":{"ٌ":30042,"ٍ":"بيان النظم في القرآن الكريم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["bynzm_1.pdf","bynzm_2.pdf","bynzm_3.pdf","bynzm_4.pdf"]},"ّ":"الكتاب: بيان النظم في القرآن الكريم\nالمؤلف: محمد فاروق فارس الزين\nالناشر: دار الفكر، دمشق - سوريا\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الأجزاء: ٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":2886,"ٕ":3,"ٖ":1770156167,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"الربع الأول","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة الربع الأول","level":2,"page":2},{"title":"مراجع الكتاب","level":2,"page":3},{"title":"مقدمة الربع الرابع","level":2,"page":4},{"title":"سورة الفاتحة - ١ - مكية","level":2,"page":12},{"title":"محور سورة الفاتحة","level":3,"page":12},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":3,"page":12},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٢]","level":3,"page":12},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٣]","level":3,"page":13},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٤]","level":3,"page":13},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٥]","level":3,"page":13},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٦]","level":3,"page":14},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٧]","level":3,"page":14},{"title":"سورة البقرة - ٢ - مدنية","level":2,"page":15},{"title":"مقدمة","level":3,"page":15},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":15},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":17},{"title":"محور سورة البقرة","level":3,"page":17},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١]","level":3,"page":18},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢]","level":3,"page":20},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣]","level":3,"page":20},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤]","level":3,"page":21},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥]","level":3,"page":22},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦]","level":3,"page":22},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧]","level":3,"page":22},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨]","level":3,"page":23},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩]","level":3,"page":23},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠]","level":3,"page":23},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١]","level":3,"page":24},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢]","level":3,"page":24},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣]","level":3,"page":24},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤]","level":3,"page":25},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥]","level":3,"page":25},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦]","level":3,"page":26},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧]","level":3,"page":26},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨]","level":3,"page":27},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩]","level":3,"page":27},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]","level":3,"page":27},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١]","level":3,"page":28},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]","level":3,"page":28},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣]","level":3,"page":29},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤]","level":3,"page":30},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]","level":3,"page":30},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]","level":3,"page":31},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]","level":3,"page":32},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]","level":3,"page":33},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]","level":3,"page":33},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]","level":3,"page":33},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣١]","level":3,"page":35},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]","level":3,"page":36},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]","level":3,"page":36},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]","level":3,"page":36},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]","level":3,"page":37},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]","level":3,"page":38},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]","level":3,"page":38},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]","level":3,"page":39},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]","level":3,"page":40},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]","level":3,"page":41},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤١]","level":3,"page":43},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]","level":3,"page":44},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]","level":3,"page":44},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]","level":3,"page":44},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]","level":3,"page":45},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]","level":3,"page":45},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]","level":3,"page":46},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]","level":3,"page":46},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]","level":3,"page":46},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]","level":3,"page":47},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥١]","level":3,"page":47},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٢]","level":3,"page":48},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٣]","level":3,"page":48},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]","level":3,"page":49},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]","level":3,"page":49},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٦]","level":3,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]","level":3,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]","level":3,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]","level":3,"page":51},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]","level":3,"page":52},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦١]","level":3,"page":53},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]","level":3,"page":54},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٣]","level":3,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٤]","level":3,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٥]","level":3,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٦]","level":3,"page":57},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]","level":3,"page":57},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٨]","level":3,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٩]","level":3,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٠]","level":3,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧١]","level":3,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٢]","level":3,"page":59},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٣]","level":3,"page":60},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]","level":3,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٥]","level":3,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٦]","level":3,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٧]","level":3,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٨]","level":3,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٩]","level":3,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]","level":3,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨١]","level":3,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٢]","level":3,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]","level":3,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٤]","level":3,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]","level":3,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]","level":3,"page":67},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]","level":3,"page":67},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]","level":3,"page":67},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]","level":3,"page":68},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]","level":3,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩١]","level":3,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٢]","level":3,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]","level":3,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٤]","level":3,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٥]","level":3,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]","level":3,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٧]","level":3,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٨]","level":3,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٩]","level":3,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٠]","level":3,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]","level":3,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]","level":3,"page":74},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]","level":3,"page":75},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]","level":3,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]","level":3,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٦]","level":3,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٧]","level":3,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]","level":3,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٩]","level":3,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٠]","level":3,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١١]","level":3,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٢]","level":3,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٣]","level":3,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]","level":3,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]","level":3,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]","level":3,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]","level":3,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]","level":3,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]","level":3,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٠]","level":3,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]","level":3,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٢]","level":3,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٣]","level":3,"page":89},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]","level":3,"page":89},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]","level":3,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٦]","level":3,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٧]","level":3,"page":91},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٨]","level":3,"page":91},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]","level":3,"page":91},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]","level":3,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣١]","level":3,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]","level":3,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]","level":3,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]","level":3,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]","level":3,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]","level":3,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]","level":3,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]","level":3,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]","level":3,"page":96},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]","level":3,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤١]","level":3,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]","level":3,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]","level":3,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":3,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]","level":3,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٦]","level":3,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٧]","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٩]","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٠]","level":3,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥١]","level":3,"page":103},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٢]","level":3,"page":103},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٣]","level":3,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٤]","level":3,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]","level":3,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٦]","level":3,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٧]","level":3,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":3,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]","level":3,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٠]","level":3,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦١]","level":3,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٢]","level":3,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]","level":3,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]","level":3,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]","level":3,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٦]","level":3,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٧]","level":3,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]","level":3,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]","level":3,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]","level":3,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]","level":3,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٢]","level":3,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]","level":3,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٤]","level":3,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٥]","level":3,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٦]","level":3,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]","level":3,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]","level":3,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]","level":3,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]","level":3,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨١]","level":3,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٢]","level":3,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]","level":3,"page":118},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]","level":3,"page":118},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]","level":3,"page":119},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]","level":3,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]","level":3,"page":121},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]","level":3,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]","level":3,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]","level":3,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]","level":3,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٢]","level":3,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٣]","level":3,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]","level":3,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]","level":3,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]","level":3,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]","level":3,"page":127},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]","level":3,"page":127},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]","level":3,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]","level":3,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠١]","level":3,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٢]","level":3,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]","level":3,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]","level":3,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٥]","level":3,"page":130},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٦]","level":3,"page":130},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]","level":3,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٨]","level":3,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٩]","level":3,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]","level":3,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]","level":3,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]","level":3,"page":133},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]","level":3,"page":133},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]","level":3,"page":134},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]","level":3,"page":135},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]","level":3,"page":135},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]","level":3,"page":136},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]","level":3,"page":136},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]","level":3,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]","level":3,"page":138},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]","level":3,"page":138},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]","level":3,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]","level":3,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]","level":3,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]","level":3,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٦]","level":3,"page":141},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٧]","level":3,"page":142},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]","level":3,"page":142},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]","level":3,"page":143},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]","level":3,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]","level":3,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]","level":3,"page":145},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]","level":3,"page":146},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]","level":3,"page":147},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]","level":3,"page":147},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]","level":3,"page":148},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]","level":3,"page":149},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]","level":3,"page":150},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]","level":3,"page":151},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]","level":3,"page":151},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤١]","level":3,"page":152},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٢]","level":3,"page":152},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]","level":3,"page":152},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٤]","level":3,"page":153},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٥]","level":3,"page":153},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]","level":3,"page":154},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]","level":3,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]","level":3,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]","level":3,"page":156},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٠]","level":3,"page":157},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥١]","level":3,"page":157},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]","level":3,"page":158},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]","level":3,"page":158},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]","level":3,"page":159},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]","level":3,"page":159},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]","level":3,"page":160},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]","level":3,"page":161},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]","level":3,"page":162},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]","level":3,"page":163},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":3,"page":165},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]","level":3,"page":166},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٢]","level":3,"page":166},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٣]","level":3,"page":167},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]","level":3,"page":167},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]","level":3,"page":168},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]","level":3,"page":168},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]","level":3,"page":169},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]","level":3,"page":170},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]","level":3,"page":170},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٠]","level":3,"page":171},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧١]","level":3,"page":171},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٢]","level":3,"page":172},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]","level":3,"page":172},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]","level":3,"page":173},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]","level":3,"page":173},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]","level":3,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٧]","level":3,"page":178},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٨]","level":3,"page":178},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٩]","level":3,"page":178},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٠]","level":3,"page":179},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨١]","level":3,"page":180},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":3,"page":180},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]","level":3,"page":182},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]","level":3,"page":183},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]","level":3,"page":184},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]","level":3,"page":184},{"title":"سورة آل عمران - ٣ - مدنية","level":2,"page":186},{"title":"مقدمة","level":3,"page":186},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":186},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":187},{"title":"محور سورة آل عمران","level":3,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١]","level":3,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢]","level":3,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣]","level":3,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤]","level":3,"page":192},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥]","level":3,"page":192},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦]","level":3,"page":193},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧]","level":3,"page":193},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨]","level":3,"page":195},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩]","level":3,"page":195},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠]","level":3,"page":195},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١]","level":3,"page":196},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢]","level":3,"page":196},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]","level":3,"page":197},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]","level":3,"page":197},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥]","level":3,"page":198},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦]","level":3,"page":199},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]","level":3,"page":199},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]","level":3,"page":199},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]","level":3,"page":200},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]","level":3,"page":200},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢١]","level":3,"page":201},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٢]","level":3,"page":202},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٣]","level":3,"page":202},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٤]","level":3,"page":203},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٥]","level":3,"page":203},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]","level":3,"page":203},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]","level":3,"page":204},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":3,"page":205},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٩]","level":3,"page":206},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]","level":3,"page":206},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣١]","level":3,"page":206},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٢]","level":3,"page":207},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٣]","level":3,"page":207},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٤]","level":3,"page":207},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٥]","level":3,"page":207},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٦]","level":3,"page":208},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]","level":3,"page":208},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٨]","level":3,"page":209},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٩]","level":3,"page":209},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]","level":3,"page":209},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]","level":3,"page":210},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٢]","level":3,"page":210},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٣]","level":3,"page":210},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]","level":3,"page":210},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٥]","level":3,"page":211},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٦]","level":3,"page":212},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]","level":3,"page":212},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٨]","level":3,"page":212},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٩]","level":3,"page":212},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٠]","level":3,"page":213},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥١]","level":3,"page":213},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٢]","level":3,"page":214},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٣]","level":3,"page":214},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٤]","level":3,"page":214},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]","level":3,"page":215},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٦]","level":3,"page":216},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٧]","level":3,"page":216},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]","level":3,"page":216},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٩]","level":3,"page":216},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٠]","level":3,"page":217},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]","level":3,"page":217},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٢]","level":3,"page":218},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٣]","level":3,"page":218},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]","level":3,"page":218},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]","level":3,"page":220},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]","level":3,"page":220},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٧]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٨]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٠]","level":3,"page":221},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧١]","level":3,"page":222},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٢]","level":3,"page":222},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٣]","level":3,"page":223},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٤]","level":3,"page":223},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]","level":3,"page":223},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٦]","level":3,"page":224},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]","level":3,"page":225},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]","level":3,"page":225},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]","level":3,"page":226},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]","level":3,"page":227},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨١]","level":3,"page":227},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٢]","level":3,"page":228},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٣]","level":3,"page":228},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]","level":3,"page":229},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]","level":3,"page":229},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]","level":3,"page":229},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٧]","level":3,"page":230},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٨]","level":3,"page":230},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٩]","level":3,"page":230},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]","level":3,"page":230},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]","level":3,"page":231},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]","level":3,"page":231},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٣]","level":3,"page":232},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٤]","level":3,"page":233},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٥]","level":3,"page":234},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]","level":3,"page":234},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]","level":3,"page":234},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٨]","level":3,"page":235},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٩]","level":3,"page":235},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٠]","level":3,"page":236},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠١]","level":3,"page":236},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]","level":3,"page":237},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]","level":3,"page":237},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]","level":3,"page":238},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]","level":3,"page":239},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٦]","level":3,"page":239},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٧]","level":3,"page":240},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٨]","level":3,"page":240},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٩]","level":3,"page":240},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]","level":3,"page":240},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]","level":3,"page":241},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]","level":3,"page":242},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٣]","level":3,"page":243},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٤]","level":3,"page":243},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٥]","level":3,"page":243},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٦]","level":3,"page":244},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٧]","level":3,"page":244},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]","level":3,"page":244},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]","level":3,"page":245},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]","level":3,"page":246},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]","level":3,"page":246},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]","level":3,"page":248},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٣]","level":3,"page":248},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٤]","level":3,"page":249},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٥]","level":3,"page":249},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٦]","level":3,"page":250},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٧]","level":3,"page":250},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٨]","level":3,"page":251},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٩]","level":3,"page":251},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٠]","level":3,"page":251},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣١]","level":3,"page":252},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٢]","level":3,"page":252},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٣]","level":3,"page":252},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٤]","level":3,"page":253},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٥]","level":3,"page":253},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٦]","level":3,"page":254},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٧]","level":3,"page":254},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٨]","level":3,"page":255},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]","level":3,"page":255},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]","level":3,"page":255},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤١]","level":3,"page":256},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٢]","level":3,"page":256},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٣]","level":3,"page":257},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]","level":3,"page":257},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]","level":3,"page":258},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]","level":3,"page":259},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٧]","level":3,"page":260},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٨]","level":3,"page":260},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٩]","level":3,"page":260},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٠]","level":3,"page":261},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]","level":3,"page":261},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]","level":3,"page":262},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٣]","level":3,"page":264},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٤]","level":3,"page":265},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]","level":3,"page":266},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]","level":3,"page":267},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٧]","level":3,"page":268},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٨]","level":3,"page":268},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]","level":3,"page":269},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]","level":3,"page":270},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]","level":3,"page":271},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٢]","level":3,"page":271},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٣]","level":3,"page":272},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]","level":3,"page":272},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]","level":3,"page":273},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٦]","level":3,"page":274},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٧]","level":3,"page":274},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]","level":3,"page":275},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٩]","level":3,"page":276},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٠]","level":3,"page":276},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧١]","level":3,"page":277},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]","level":3,"page":277},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]","level":3,"page":278},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٤]","level":3,"page":279},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٥]","level":3,"page":279},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٦]","level":3,"page":280},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٧]","level":3,"page":280},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٨]","level":3,"page":281},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]","level":3,"page":281},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]","level":3,"page":282},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨١]","level":3,"page":282},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٢]","level":3,"page":283},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]","level":3,"page":283},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]","level":3,"page":284},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]","level":3,"page":284},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]","level":3,"page":285},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]","level":3,"page":286},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]","level":3,"page":287},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٩]","level":3,"page":287},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٠]","level":3,"page":287},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩١]","level":3,"page":288},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٢]","level":3,"page":288},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]","level":3,"page":288},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]","level":3,"page":289},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]","level":3,"page":289},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٦]","level":3,"page":290},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٧]","level":3,"page":290},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]","level":3,"page":291},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]","level":3,"page":291},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]","level":3,"page":292},{"title":"محور سورتي (البقرة - آل عمران)","level":3,"page":293},{"title":"سورة النساء - ٤ - مدنية","level":2,"page":296},{"title":"مقدمة","level":3,"page":296},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":296},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":297},{"title":"محور سورة النساء","level":3,"page":299},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١]","level":3,"page":300},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢]","level":3,"page":301},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣]","level":3,"page":301},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤]","level":3,"page":304},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥]","level":3,"page":305},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦]","level":3,"page":305},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧]","level":3,"page":306},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨]","level":3,"page":307},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩]","level":3,"page":307},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠]","level":3,"page":308},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":3,"page":308},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢]","level":3,"page":310},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣]","level":3,"page":312},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤]","level":3,"page":312},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥]","level":3,"page":312},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦]","level":3,"page":313},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧]","level":3,"page":314},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٨]","level":3,"page":314},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٩]","level":3,"page":315},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٠]","level":3,"page":316},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢١]","level":3,"page":316},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٢]","level":3,"page":316},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٣]","level":3,"page":317},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٤]","level":3,"page":318},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٥]","level":3,"page":319},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٦]","level":3,"page":320},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٧]","level":3,"page":320},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٨]","level":3,"page":320},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٩]","level":3,"page":321},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٠]","level":3,"page":322},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣١]","level":3,"page":322},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٢]","level":3,"page":322},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٣]","level":3,"page":323},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٤]","level":3,"page":323},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٥]","level":3,"page":325},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٦]","level":3,"page":326},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٧]","level":3,"page":327},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٨]","level":3,"page":327},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٩]","level":3,"page":327},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٠]","level":3,"page":328},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤١]","level":3,"page":328},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٢]","level":3,"page":328},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":3,"page":329},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٤]","level":3,"page":330},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٥]","level":3,"page":331},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٦]","level":3,"page":331},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٧]","level":3,"page":332},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٨]","level":3,"page":333},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٩]","level":3,"page":333},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٠]","level":3,"page":334},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥١]","level":3,"page":334},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٢]","level":3,"page":335},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٣]","level":3,"page":335},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٤]","level":3,"page":335},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٥]","level":3,"page":336},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٦]","level":3,"page":336},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٧]","level":3,"page":336},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٨]","level":3,"page":337},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٩]","level":3,"page":338},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٠]","level":3,"page":339},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦١]","level":3,"page":340},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٢]","level":3,"page":340},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٣]","level":3,"page":340},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٤]","level":3,"page":341},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٥]","level":3,"page":341},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٦]","level":3,"page":341},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٧]","level":3,"page":342},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٨]","level":3,"page":342},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٩]","level":3,"page":342},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٠]","level":3,"page":343},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧١]","level":3,"page":343},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٢]","level":3,"page":343},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٣]","level":3,"page":344},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٤]","level":3,"page":344},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٥]","level":3,"page":344},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٦]","level":3,"page":345},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٧]","level":3,"page":346},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٨]","level":3,"page":346},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٩]","level":3,"page":347},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٠]","level":3,"page":347},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨١]","level":3,"page":348},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٢]","level":3,"page":348},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٣]","level":3,"page":349},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٤]","level":3,"page":350},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٥]","level":3,"page":351},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٦]","level":3,"page":351},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٧]","level":3,"page":352},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٨]","level":3,"page":352},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٩]","level":3,"page":353},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٠]","level":3,"page":353},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩١]","level":3,"page":354},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٢]","level":3,"page":355},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٣]","level":3,"page":356},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٤]","level":3,"page":356},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٥]","level":3,"page":357},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٦]","level":3,"page":358},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٧]","level":3,"page":358},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٨]","level":3,"page":359},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٩]","level":3,"page":359},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]","level":3,"page":359},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠١]","level":3,"page":360},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]","level":3,"page":361},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]","level":3,"page":362},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]","level":3,"page":362},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٥]","level":3,"page":363},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٦]","level":3,"page":363},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٧]","level":3,"page":363},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٨]","level":3,"page":363},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٩]","level":3,"page":364},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٠]","level":3,"page":364},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١١]","level":3,"page":364},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٢]","level":3,"page":364},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٣]","level":3,"page":365},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٤]","level":3,"page":365},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٥]","level":3,"page":366},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٦]","level":3,"page":366},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٧]","level":3,"page":367},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٨]","level":3,"page":367},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٩]","level":3,"page":367},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٠]","level":3,"page":368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢١]","level":3,"page":368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]","level":3,"page":368},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]","level":3,"page":369},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٤]","level":3,"page":369},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٥]","level":3,"page":370},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٦]","level":3,"page":370},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]","level":3,"page":370},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]","level":3,"page":371},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]","level":3,"page":372},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٠]","level":3,"page":372},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣١]","level":3,"page":373},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٢]","level":3,"page":373},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٣]","level":3,"page":373},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٤]","level":3,"page":374},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]","level":3,"page":374},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]","level":3,"page":375},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]","level":3,"page":376},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٨]","level":3,"page":376},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٩]","level":3,"page":376},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]","level":3,"page":377},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤١]","level":3,"page":377},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٢]","level":3,"page":378},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٣]","level":3,"page":379},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]","level":3,"page":379},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٥]","level":3,"page":379},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٦]","level":3,"page":380},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]","level":3,"page":380},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٨]","level":3,"page":380},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٩]","level":3,"page":381},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٠]","level":3,"page":381},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥١]","level":3,"page":382},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]","level":3,"page":382},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]","level":3,"page":382},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]","level":3,"page":383},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]","level":3,"page":384},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٦]","level":3,"page":384},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٧]","level":3,"page":384},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٨]","level":3,"page":385},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]","level":3,"page":386},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٠]","level":3,"page":386},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦١]","level":3,"page":387},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]","level":3,"page":388},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]","level":3,"page":388},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٤]","level":3,"page":389},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]","level":3,"page":390},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]","level":3,"page":390},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٧]","level":3,"page":390},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٨]","level":3,"page":391},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٩]","level":3,"page":391},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٠]","level":3,"page":391},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧١]","level":3,"page":392},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]","level":3,"page":393},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]","level":3,"page":393},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]","level":3,"page":394},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]","level":3,"page":394},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":3,"page":394},{"title":"سورة المائدة - ٥ - مدنية","level":2,"page":396},{"title":"مقدمة","level":3,"page":396},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":396},{"title":"محور سورة المائدة","level":3,"page":399},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١]","level":3,"page":400},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢]","level":3,"page":401},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣]","level":3,"page":402},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤]","level":3,"page":404},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥]","level":3,"page":404},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦]","level":3,"page":406},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧]","level":3,"page":407},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨]","level":3,"page":408},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩]","level":3,"page":408},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠]","level":3,"page":409},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١]","level":3,"page":409},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢]","level":3,"page":409},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٣]","level":3,"page":411},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٤]","level":3,"page":413},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٥]","level":3,"page":416},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٦]","level":3,"page":416},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٧]","level":3,"page":417},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٨]","level":3,"page":417},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٩]","level":3,"page":418},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٠]","level":3,"page":419},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢١]","level":3,"page":420},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٢]","level":3,"page":421},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]","level":3,"page":421},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٤]","level":3,"page":422},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٥]","level":3,"page":422},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]","level":3,"page":422},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٧]","level":3,"page":424},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٨]","level":3,"page":425},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٩]","level":3,"page":425},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٠]","level":3,"page":425},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣١]","level":3,"page":426},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]","level":3,"page":426},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]","level":3,"page":427},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٤]","level":3,"page":431},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٥]","level":3,"page":432},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٦]","level":3,"page":432},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٧]","level":3,"page":432},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٨]","level":3,"page":433},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٩]","level":3,"page":435},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٠]","level":3,"page":435},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤١]","level":3,"page":435},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]","level":3,"page":437},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٣]","level":3,"page":437},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]","level":3,"page":438},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]","level":3,"page":439},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٦]","level":3,"page":440},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٧]","level":3,"page":440},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]","level":3,"page":441},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]","level":3,"page":443},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]","level":3,"page":444},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥١]","level":3,"page":444},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٢]","level":3,"page":445},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٣]","level":3,"page":446},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]","level":3,"page":446},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٥]","level":3,"page":447},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٦]","level":3,"page":447},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]","level":3,"page":447},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٨]","level":3,"page":448},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]","level":3,"page":448},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]","level":3,"page":449},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦١]","level":3,"page":449},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٢]","level":3,"page":450},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٣]","level":3,"page":450},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]","level":3,"page":450},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٥]","level":3,"page":452},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٦]","level":3,"page":452},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]","level":3,"page":452},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٨]","level":3,"page":453},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]","level":3,"page":453},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٠]","level":3,"page":455},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧١]","level":3,"page":455},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]","level":3,"page":456},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٣]","level":3,"page":457},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٤]","level":3,"page":458},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٥]","level":3,"page":458},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٦]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٨]","level":3,"page":460},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٩]","level":3,"page":460},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٠]","level":3,"page":460},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨١]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]","level":3,"page":461},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]","level":3,"page":462},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]","level":3,"page":462},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٥]","level":3,"page":462},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٦]","level":3,"page":463},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٧]","level":3,"page":463},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٨]","level":3,"page":464},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]","level":3,"page":464},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]","level":3,"page":465},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩١]","level":3,"page":466},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٢]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٤]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٥]","level":3,"page":468},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]","level":3,"page":469},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]","level":3,"page":469},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٨]","level":3,"page":470},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٩]","level":3,"page":470},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٠]","level":3,"page":470},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠١]","level":3,"page":471},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٢]","level":3,"page":472},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٣]","level":3,"page":473},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٤]","level":3,"page":474},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]","level":3,"page":475},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٦]","level":3,"page":475},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٧]","level":3,"page":476},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٨]","level":3,"page":476},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]","level":3,"page":477},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]","level":3,"page":477},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١١]","level":3,"page":479},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٢]","level":3,"page":479},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٣]","level":3,"page":480},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٤]","level":3,"page":480},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]","level":3,"page":480},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]","level":3,"page":481},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٧]","level":3,"page":483},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٨]","level":3,"page":484},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٩]","level":3,"page":484},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢٠]","level":3,"page":484},{"title":"سورة الأنعام - ٦ - مكية","level":2,"page":485},{"title":"مقدمة","level":3,"page":485},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":485},{"title":"محور سورة الأنعام","level":3,"page":486},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١]","level":3,"page":488},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢]","level":3,"page":489},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣]","level":3,"page":489},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤]","level":3,"page":490},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥]","level":3,"page":490},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦]","level":3,"page":491},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧]","level":3,"page":491},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨]","level":3,"page":492},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩]","level":3,"page":492},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠]","level":3,"page":492},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١]","level":3,"page":493},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢]","level":3,"page":493},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣]","level":3,"page":494},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]","level":3,"page":494},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥]","level":3,"page":495},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦]","level":3,"page":495},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٧]","level":3,"page":495},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٨]","level":3,"page":496},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]","level":3,"page":496},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٠]","level":3,"page":497},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢١]","level":3,"page":497},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٢]","level":3,"page":498},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٣]","level":3,"page":498},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٤]","level":3,"page":498},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٥]","level":3,"page":498},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٦]","level":3,"page":499},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٧]","level":3,"page":500},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٨]","level":3,"page":500},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٩]","level":3,"page":500},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٠]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣١]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٢]","level":3,"page":501},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٣]","level":3,"page":502},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]","level":3,"page":502},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]","level":3,"page":503},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٦]","level":3,"page":503},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٧]","level":3,"page":504},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]","level":3,"page":504},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]","level":3,"page":505},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٠]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤١]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٢]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٣]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٤]","level":3,"page":507},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٥]","level":3,"page":507},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٦]","level":3,"page":507},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٧]","level":3,"page":508},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٨]","level":3,"page":508},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٩]","level":3,"page":508},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٠]","level":3,"page":509},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥١]","level":3,"page":509},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]","level":3,"page":510},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]","level":3,"page":511},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]","level":3,"page":512},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٥]","level":3,"page":512},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٦]","level":3,"page":513},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٧]","level":3,"page":513},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٨]","level":3,"page":514},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٩]","level":3,"page":514},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]","level":3,"page":515},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦١]","level":3,"page":515},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٢]","level":3,"page":515},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٣]","level":3,"page":516},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٤]","level":3,"page":516},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٥]","level":3,"page":516},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٦]","level":3,"page":517},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٧]","level":3,"page":517},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٨]","level":3,"page":517},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]","level":3,"page":518},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]","level":3,"page":518},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]","level":3,"page":519},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٢]","level":3,"page":520},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٣]","level":3,"page":520},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٤]","level":3,"page":521},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٥]","level":3,"page":522},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٦]","level":3,"page":524},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٧]","level":3,"page":524},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٨]","level":3,"page":525},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٩]","level":3,"page":525},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٠]","level":3,"page":525},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨١]","level":3,"page":526},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]","level":3,"page":527},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]","level":3,"page":527},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":3,"page":527},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٦]","level":3,"page":528},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٧]","level":3,"page":528},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٨]","level":3,"page":528},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٩]","level":3,"page":529},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]","level":3,"page":529},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]","level":3,"page":530},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]","level":3,"page":531},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]","level":3,"page":532},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]","level":3,"page":533},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]","level":3,"page":534},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]","level":3,"page":534},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٧]","level":3,"page":535},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٨]","level":3,"page":535},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]","level":3,"page":535},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]","level":3,"page":536},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]","level":3,"page":537},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٢]","level":3,"page":538},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٣]","level":3,"page":538},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٤]","level":3,"page":538},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٥]","level":3,"page":539},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٦]","level":3,"page":539},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٧]","level":3,"page":539},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]","level":3,"page":540},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٩]","level":3,"page":540},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٠]","level":3,"page":541},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]","level":3,"page":542},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٢]","level":3,"page":542},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٣]","level":3,"page":543},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]","level":3,"page":543},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]","level":3,"page":544},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]","level":3,"page":544},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]","level":3,"page":545},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٨]","level":3,"page":545},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٩]","level":3,"page":545},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٠]","level":3,"page":546},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]","level":3,"page":546},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]","level":3,"page":547},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]","level":3,"page":548},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٤]","level":3,"page":549},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]","level":3,"page":550},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٦]","level":3,"page":550},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٧]","level":3,"page":551},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]","level":3,"page":551},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٩]","level":3,"page":552},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]","level":3,"page":552},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣١]","level":3,"page":553},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٢]","level":3,"page":553},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٣]","level":3,"page":553},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٤]","level":3,"page":553},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]","level":3,"page":554},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]","level":3,"page":555},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]","level":3,"page":556},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]","level":3,"page":557},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]","level":3,"page":557},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]","level":3,"page":558},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]","level":3,"page":559},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٢]","level":3,"page":560},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٣]","level":3,"page":560},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٤]","level":3,"page":562},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":3,"page":562},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]","level":3,"page":563},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]","level":3,"page":565},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]","level":3,"page":565},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٩]","level":3,"page":566},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٠]","level":3,"page":566},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]","level":3,"page":567},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]","level":3,"page":569},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]","level":3,"page":570},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]","level":3,"page":570},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٥]","level":3,"page":571},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٦]","level":3,"page":571},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٧]","level":3,"page":571},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]","level":3,"page":572},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]","level":3,"page":573},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]","level":3,"page":574},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]","level":3,"page":574},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٢]","level":3,"page":575},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٣]","level":3,"page":575},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]","level":3,"page":575},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]","level":3,"page":576},{"title":"الربع الثاني","level":1,"page":578},{"title":"مقدمة الربع الثاني","level":2,"page":579},{"title":"مراجع الكتاب","level":2,"page":580},{"title":"مقدمة الربع الرابع","level":2,"page":581},{"title":"سورة الأعراف - ٧ - مكية","level":2,"page":589},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":589},{"title":"محور سورة الأعراف","level":3,"page":590},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١]","level":3,"page":593},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢]","level":3,"page":593},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣]","level":3,"page":594},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤]","level":3,"page":594},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥]","level":3,"page":595},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦]","level":3,"page":595},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧]","level":3,"page":595},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨]","level":3,"page":596},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩]","level":3,"page":596},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]","level":3,"page":596},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١]","level":3,"page":597},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]","level":3,"page":598},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣]","level":3,"page":598},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤]","level":3,"page":599},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥]","level":3,"page":599},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦]","level":3,"page":599},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧]","level":3,"page":599},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]","level":3,"page":600},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩]","level":3,"page":600},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠]","level":3,"page":601},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢١]","level":3,"page":601},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٢]","level":3,"page":601},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٣]","level":3,"page":602},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٤]","level":3,"page":602},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٥]","level":3,"page":603},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]","level":3,"page":603},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]","level":3,"page":603},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٨]","level":3,"page":604},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٩]","level":3,"page":605},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٠]","level":3,"page":605},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]","level":3,"page":606},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":3,"page":606},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]","level":3,"page":607},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٤]","level":3,"page":608},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٥]","level":3,"page":609},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٦]","level":3,"page":609},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]","level":3,"page":610},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٨]","level":3,"page":610},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٩]","level":3,"page":611},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٠]","level":3,"page":612},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤١]","level":3,"page":612},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٢]","level":3,"page":612},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]","level":3,"page":613},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٤]","level":3,"page":613},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٥]","level":3,"page":614},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٦]","level":3,"page":614},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٧]","level":3,"page":615},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٨]","level":3,"page":615},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٩]","level":3,"page":615},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]","level":3,"page":616},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥١]","level":3,"page":616},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٢]","level":3,"page":617},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٣]","level":3,"page":617},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]","level":3,"page":618},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٥]","level":3,"page":619},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]","level":3,"page":619},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]","level":3,"page":620},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]","level":3,"page":620},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٩]","level":3,"page":621},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٠]","level":3,"page":622},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦١]","level":3,"page":622},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٢]","level":3,"page":622},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٣]","level":3,"page":622},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٤]","level":3,"page":623},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٥]","level":3,"page":624},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٦]","level":3,"page":624},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٧]","level":3,"page":625},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٨]","level":3,"page":625},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٩]","level":3,"page":625},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٠]","level":3,"page":625},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧١]","level":3,"page":626},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٢]","level":3,"page":627},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]","level":3,"page":627},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٤]","level":3,"page":628},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٥]","level":3,"page":628},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٦]","level":3,"page":629},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٧]","level":3,"page":629},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٨]","level":3,"page":629},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٩]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٠]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨١]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٢]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٣]","level":3,"page":631},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٤]","level":3,"page":631},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]","level":3,"page":631},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٦]","level":3,"page":633},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٧]","level":3,"page":633},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٨]","level":3,"page":634},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٩]","level":3,"page":634},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٠]","level":3,"page":635},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩١]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٢]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٤]","level":3,"page":636},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٥]","level":3,"page":637},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٦]","level":3,"page":637},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٧]","level":3,"page":637},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٨]","level":3,"page":638},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٩]","level":3,"page":638},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]","level":3,"page":638},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠١]","level":3,"page":638},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٢]","level":3,"page":639},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٣]","level":3,"page":639},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٤]","level":3,"page":641},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٥]","level":3,"page":641},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٦]","level":3,"page":642},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٧]","level":3,"page":642},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٨]","level":3,"page":643},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٩]","level":3,"page":643},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٠]","level":3,"page":643},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١١]","level":3,"page":644},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٢]","level":3,"page":644},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٣]","level":3,"page":644},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٤]","level":3,"page":645},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٥]","level":3,"page":645},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٦]","level":3,"page":645},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٧]","level":3,"page":645},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٨]","level":3,"page":646},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٩]","level":3,"page":646},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٠]","level":3,"page":647},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢١]","level":3,"page":647},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٢]","level":3,"page":647},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٣]","level":3,"page":647},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٤]","level":3,"page":648},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٥]","level":3,"page":648},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٦]","level":3,"page":648},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]","level":3,"page":649},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٨]","level":3,"page":649},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٩]","level":3,"page":650},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٠]","level":3,"page":651},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣١]","level":3,"page":651},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٢]","level":3,"page":652},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٣]","level":3,"page":652},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٤]","level":3,"page":652},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٥]","level":3,"page":653},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٦]","level":3,"page":653},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٧]","level":3,"page":653},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٨]","level":3,"page":654},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٩]","level":3,"page":655},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٠]","level":3,"page":655},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤١]","level":3,"page":656},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٢]","level":3,"page":656},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]","level":3,"page":656},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٤]","level":3,"page":657},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٥]","level":3,"page":657},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٦]","level":3,"page":658},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٧]","level":3,"page":659},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٨]","level":3,"page":660},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٩]","level":3,"page":660},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٠]","level":3,"page":661},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥١]","level":3,"page":662},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٢]","level":3,"page":662},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٣]","level":3,"page":662},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]","level":3,"page":663},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]","level":3,"page":663},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]","level":3,"page":664},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]","level":3,"page":665},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]","level":3,"page":667},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]","level":3,"page":668},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٠]","level":3,"page":668},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦١]","level":3,"page":670},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٢]","level":3,"page":670},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]","level":3,"page":671},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]","level":3,"page":671},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٥]","level":3,"page":672},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٦]","level":3,"page":673},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٧]","level":3,"page":673},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٨]","level":3,"page":674},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٩]","level":3,"page":675},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٠]","level":3,"page":676},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]","level":3,"page":676},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٢]","level":3,"page":677},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٣]","level":3,"page":678},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٤]","level":3,"page":678},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]","level":3,"page":678},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٦]","level":3,"page":679},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٧]","level":3,"page":680},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]","level":3,"page":680},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]","level":3,"page":680},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]","level":3,"page":681},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]","level":3,"page":682},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٢]","level":3,"page":682},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٣]","level":3,"page":683},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٤]","level":3,"page":683},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]","level":3,"page":684},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]","level":3,"page":684},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]","level":3,"page":685},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]","level":3,"page":686},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]","level":3,"page":687},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٠]","level":3,"page":687},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩١]","level":3,"page":688},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٢]","level":3,"page":688},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٣]","level":3,"page":688},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٤]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٥]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٦]","level":3,"page":689},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٧]","level":3,"page":690},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٨]","level":3,"page":690},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٩]","level":3,"page":690},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٠]","level":3,"page":691},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠١]","level":3,"page":692},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٢]","level":3,"page":692},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]","level":3,"page":693},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]","level":3,"page":693},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٥]","level":3,"page":694},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٦]","level":3,"page":695},{"title":"سورة الأنفال - ٨ - مدنية","level":2,"page":696},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":696},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":700},{"title":"محور سورة الأنفال","level":3,"page":701},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":3,"page":701},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢]","level":3,"page":702},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣]","level":3,"page":703},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤]","level":3,"page":703},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥]","level":3,"page":703},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦]","level":3,"page":704},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧]","level":3,"page":704},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٨]","level":3,"page":705},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٩]","level":3,"page":705},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٠]","level":3,"page":705},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١١]","level":3,"page":706},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٢]","level":3,"page":706},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٣]","level":3,"page":708},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٤]","level":3,"page":708},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٥]","level":3,"page":709},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٦]","level":3,"page":709},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٧]","level":3,"page":710},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٨]","level":3,"page":711},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]","level":3,"page":711},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٠]","level":3,"page":711},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢١]","level":3,"page":712},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٢]","level":3,"page":712},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٣]","level":3,"page":712},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]","level":3,"page":712},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]","level":3,"page":713},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]","level":3,"page":713},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٧]","level":3,"page":714},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٨]","level":3,"page":714},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]","level":3,"page":714},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]","level":3,"page":715},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣١]","level":3,"page":715},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٢]","level":3,"page":716},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٣]","level":3,"page":716},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٤]","level":3,"page":716},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]","level":3,"page":717},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٦]","level":3,"page":717},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٧]","level":3,"page":718},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٨]","level":3,"page":718},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٩]","level":3,"page":718},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٠]","level":3,"page":719},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]","level":3,"page":719},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]","level":3,"page":720},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٣]","level":3,"page":721},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٤]","level":3,"page":722},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٥]","level":3,"page":722},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٦]","level":3,"page":722},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]","level":3,"page":723},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]","level":3,"page":723},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]","level":3,"page":724},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٠]","level":3,"page":725},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥١]","level":3,"page":725},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]","level":3,"page":726},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٣]","level":3,"page":726},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٤]","level":3,"page":726},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٥]","level":3,"page":727},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٦]","level":3,"page":727},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٧]","level":3,"page":729},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]","level":3,"page":730},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]","level":3,"page":730},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]","level":3,"page":730},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦١]","level":3,"page":731},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٢]","level":3,"page":731},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٣]","level":3,"page":732},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]","level":3,"page":732},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٥]","level":3,"page":733},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٦]","level":3,"page":734},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]","level":3,"page":734},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٨]","level":3,"page":737},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٩]","level":3,"page":737},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٠]","level":3,"page":738},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧١]","level":3,"page":738},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]","level":3,"page":739},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٣]","level":3,"page":740},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٤]","level":3,"page":740},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٥]","level":3,"page":741},{"title":"سورة التوبة - ٩ - مدنية","level":2,"page":742},{"title":"مقدمة","level":3,"page":742},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":743},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":745},{"title":"محور سورة التوبة","level":3,"page":746},{"title":"المواضيع الرئيسية في سورة التوبة","level":3,"page":747},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١]","level":3,"page":749},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢]","level":3,"page":749},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣]","level":3,"page":750},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤]","level":3,"page":751},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥]","level":3,"page":751},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦]","level":3,"page":753},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧]","level":3,"page":754},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨]","level":3,"page":754},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩]","level":3,"page":755},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠]","level":3,"page":755},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١]","level":3,"page":756},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢]","level":3,"page":756},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٣]","level":3,"page":757},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٤]","level":3,"page":757},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٥]","level":3,"page":757},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٦]","level":3,"page":757},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٧]","level":3,"page":758},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٨]","level":3,"page":759},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٩]","level":3,"page":759},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٠]","level":3,"page":760},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢١]","level":3,"page":760},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٢]","level":3,"page":760},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]","level":3,"page":761},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]","level":3,"page":761},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]","level":3,"page":762},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٦]","level":3,"page":763},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٧]","level":3,"page":763},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]","level":3,"page":764},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٩]","level":3,"page":765},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]","level":3,"page":767},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣١]","level":3,"page":768},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٢]","level":3,"page":769},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]","level":3,"page":769},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]","level":3,"page":770},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]","level":3,"page":771},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":3,"page":772},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]","level":3,"page":773},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٨]","level":3,"page":774},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٩]","level":3,"page":775},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]","level":3,"page":776},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤١]","level":3,"page":777},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]","level":3,"page":777},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٣]","level":3,"page":778},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٤]","level":3,"page":778},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٥]","level":3,"page":779},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٦]","level":3,"page":779},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٧]","level":3,"page":780},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٨]","level":3,"page":780},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]","level":3,"page":781},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٠]","level":3,"page":781},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥١]","level":3,"page":782},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٢]","level":3,"page":782},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٣]","level":3,"page":782},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٤]","level":3,"page":783},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٥]","level":3,"page":783},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٦]","level":3,"page":784},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٧]","level":3,"page":784},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٨]","level":3,"page":784},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٩]","level":3,"page":785},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":3,"page":785},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦١]","level":3,"page":786},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٢]","level":3,"page":787},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٣]","level":3,"page":787},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]","level":3,"page":788},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٥]","level":3,"page":788},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٦]","level":3,"page":789},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٧]","level":3,"page":789},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٨]","level":3,"page":789},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]","level":3,"page":790},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]","level":3,"page":790},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧١]","level":3,"page":791},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]","level":3,"page":792},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٣]","level":3,"page":793},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٤]","level":3,"page":793},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٥]","level":3,"page":794},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٦]","level":3,"page":794},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٧]","level":3,"page":795},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٨]","level":3,"page":795},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]","level":3,"page":795},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]","level":3,"page":796},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨١]","level":3,"page":797},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٢]","level":3,"page":798},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]","level":3,"page":798},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]","level":3,"page":798},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٥]","level":3,"page":799},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٦]","level":3,"page":799},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٧]","level":3,"page":800},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٨]","level":3,"page":800},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٩]","level":3,"page":800},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]","level":3,"page":800},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩١]","level":3,"page":801},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٢]","level":3,"page":802},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٣]","level":3,"page":803},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٤]","level":3,"page":803},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٥]","level":3,"page":804},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٦]","level":3,"page":804},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٧]","level":3,"page":804},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]","level":3,"page":805},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٩]","level":3,"page":805},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]","level":3,"page":806},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]","level":3,"page":807},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]","level":3,"page":808},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]","level":3,"page":809},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٤]","level":3,"page":810},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]","level":3,"page":810},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]","level":3,"page":811},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]","level":3,"page":812},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]","level":3,"page":813},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]","level":3,"page":814},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]","level":3,"page":815},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١١]","level":3,"page":815},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]","level":3,"page":816},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٣]","level":3,"page":816},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٤]","level":3,"page":817},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٥]","level":3,"page":817},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٦]","level":3,"page":819},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]","level":3,"page":819},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٨]","level":3,"page":820},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٩]","level":3,"page":821},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]","level":3,"page":821},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]","level":3,"page":822},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]","level":3,"page":822},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]","level":3,"page":824},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٤]","level":3,"page":825},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٥]","level":3,"page":825},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٦]","level":3,"page":825},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٧]","level":3,"page":826},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٨]","level":3,"page":826},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٩]","level":3,"page":827},{"title":"سورة يونس - ١٠ - مكية","level":2,"page":828},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":828},{"title":"محور سورة يونس","level":3,"page":829},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١]","level":3,"page":830},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢]","level":3,"page":831},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣]","level":3,"page":832},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤]","level":3,"page":833},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥]","level":3,"page":833},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦]","level":3,"page":834},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧]","level":3,"page":834},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨]","level":3,"page":835},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩]","level":3,"page":835},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠]","level":3,"page":835},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١١]","level":3,"page":836},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٢]","level":3,"page":837},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٣]","level":3,"page":837},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٤]","level":3,"page":838},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٥]","level":3,"page":838},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٦]","level":3,"page":839},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٧]","level":3,"page":840},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٨]","level":3,"page":840},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٩]","level":3,"page":840},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]","level":3,"page":841},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢١]","level":3,"page":841},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٢]","level":3,"page":842},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٣]","level":3,"page":843},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]","level":3,"page":843},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٥]","level":3,"page":844},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]","level":3,"page":845},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]","level":3,"page":845},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٨]","level":3,"page":845},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٩]","level":3,"page":846},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٠]","level":3,"page":846},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣١]","level":3,"page":847},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٢]","level":3,"page":847},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٣]","level":3,"page":847},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٤]","level":3,"page":848},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٥]","level":3,"page":848},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٦]","level":3,"page":849},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٧]","level":3,"page":849},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٨]","level":3,"page":850},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]","level":3,"page":851},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٠]","level":3,"page":852},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤١]","level":3,"page":852},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٢]","level":3,"page":852},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٣]","level":3,"page":853},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٤]","level":3,"page":853},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]","level":3,"page":853},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٦]","level":3,"page":854},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٧]","level":3,"page":854},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٨]","level":3,"page":855},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٩]","level":3,"page":855},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٠]","level":3,"page":855},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥١]","level":3,"page":856},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٢]","level":3,"page":856},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٣]","level":3,"page":856},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٤]","level":3,"page":857},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٥]","level":3,"page":857},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٦]","level":3,"page":858},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٧]","level":3,"page":858},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٨]","level":3,"page":858},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٩]","level":3,"page":859},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٠]","level":3,"page":859},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦١]","level":3,"page":860},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٢]","level":3,"page":861},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٣]","level":3,"page":862},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٤]","level":3,"page":862},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]","level":3,"page":862},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٦]","level":3,"page":863},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٧]","level":3,"page":863},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٨]","level":3,"page":864},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٩]","level":3,"page":864},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٠]","level":3,"page":864},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧١]","level":3,"page":865},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٢]","level":3,"page":866},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٣]","level":3,"page":866},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]","level":3,"page":867},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٥]","level":3,"page":867},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٦]","level":3,"page":868},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٧]","level":3,"page":868},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٨]","level":3,"page":868},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٩]","level":3,"page":869},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٠]","level":3,"page":869},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨١]","level":3,"page":869},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٢]","level":3,"page":869},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]","level":3,"page":870},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٤]","level":3,"page":870},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٥]","level":3,"page":870},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٦]","level":3,"page":871},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]","level":3,"page":871},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٨]","level":3,"page":871},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٩]","level":3,"page":872},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٠]","level":3,"page":872},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩١]","level":3,"page":873},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]","level":3,"page":873},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]","level":3,"page":873},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٤]","level":3,"page":874},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٥]","level":3,"page":874},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٦]","level":3,"page":874},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٧]","level":3,"page":875},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]","level":3,"page":875},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]","level":3,"page":875},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٠]","level":3,"page":876},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠١]","level":3,"page":876},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٢]","level":3,"page":877},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٣]","level":3,"page":877},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٤]","level":3,"page":877},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٥]","level":3,"page":877},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٦]","level":3,"page":878},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٧]","level":3,"page":878},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٨]","level":3,"page":878},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٩]","level":3,"page":879},{"title":"سورة هود - ١١ - مكية","level":2,"page":880},{"title":"مقدمة","level":3,"page":880},{"title":"خلفية تاريخية","level":3,"page":880},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":880},{"title":"محور السورة","level":3,"page":882},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١]","level":3,"page":883},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢]","level":3,"page":884},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣]","level":3,"page":884},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤]","level":3,"page":885},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥]","level":3,"page":885},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦]","level":3,"page":886},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧]","level":3,"page":887},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨]","level":3,"page":887},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩]","level":3,"page":888},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠]","level":3,"page":888},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١]","level":3,"page":889},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢]","level":3,"page":889},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٣]","level":3,"page":890},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٤]","level":3,"page":890},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٥]","level":3,"page":890},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٦]","level":3,"page":891},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٧]","level":3,"page":891},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٨]","level":3,"page":893},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٩]","level":3,"page":893},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٠]","level":3,"page":893},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢١]","level":3,"page":894},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٢]","level":3,"page":894},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٣]","level":3,"page":894},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٤]","level":3,"page":894},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٥]","level":3,"page":895},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٦]","level":3,"page":895},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٧]","level":3,"page":895},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٨]","level":3,"page":896},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٩]","level":3,"page":897},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٠]","level":3,"page":897},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣١]","level":3,"page":897},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٢]","level":3,"page":898},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٣]","level":3,"page":898},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٤]","level":3,"page":898},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٥]","level":3,"page":899},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٦]","level":3,"page":899},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٧]","level":3,"page":900},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٨]","level":3,"page":900},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٩]","level":3,"page":900},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٠]","level":3,"page":900},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤١]","level":3,"page":901},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٢]","level":3,"page":901},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٣]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٤]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٥]","level":3,"page":903},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٦]","level":3,"page":903},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٧]","level":3,"page":904},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٨]","level":3,"page":904},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٩]","level":3,"page":904},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٠]","level":3,"page":905},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥١]","level":3,"page":905},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٢]","level":3,"page":905},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٣]","level":3,"page":906},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٤]","level":3,"page":906},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٥]","level":3,"page":906},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٦]","level":3,"page":906},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٧]","level":3,"page":907},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٨]","level":3,"page":907},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٩]","level":3,"page":907},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٠]","level":3,"page":908},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦١]","level":3,"page":908},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٢]","level":3,"page":909},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٣]","level":3,"page":909},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٤]","level":3,"page":909},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٥]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٦]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٧]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٨]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٩]","level":3,"page":911},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٠]","level":3,"page":911},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧١]","level":3,"page":911},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٢]","level":3,"page":912},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٣]","level":3,"page":912},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٤]","level":3,"page":912},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٥]","level":3,"page":912},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٦]","level":3,"page":913},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٧]","level":3,"page":913},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٨]","level":3,"page":913},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٩]","level":3,"page":914},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٠]","level":3,"page":914},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨١]","level":3,"page":914},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٢]","level":3,"page":915},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٣]","level":3,"page":915},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٤]","level":3,"page":915},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٥]","level":3,"page":916},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٦]","level":3,"page":916},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٧]","level":3,"page":916},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٨]","level":3,"page":917},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٩]","level":3,"page":917},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٠]","level":3,"page":917},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩١]","level":3,"page":918},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٢]","level":3,"page":918},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٣]","level":3,"page":918},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٤]","level":3,"page":919},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٥]","level":3,"page":919},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٦]","level":3,"page":919},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٧]","level":3,"page":919},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٨]","level":3,"page":920},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٩]","level":3,"page":920},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٠]","level":3,"page":920},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠١]","level":3,"page":921},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٢]","level":3,"page":921},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٣]","level":3,"page":921},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٤]","level":3,"page":922},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٥]","level":3,"page":922},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٦]","level":3,"page":922},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٧]","level":3,"page":922},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٨]","level":3,"page":922},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٩]","level":3,"page":923},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٠]","level":3,"page":923},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١١]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٢]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٣]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٤]","level":3,"page":924},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٥]","level":3,"page":925},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٦]","level":3,"page":925},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٧]","level":3,"page":926},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٨]","level":3,"page":926},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٩]","level":3,"page":927},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٠]","level":3,"page":927},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢١]","level":3,"page":927},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٢]","level":3,"page":928},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٣]","level":3,"page":928},{"title":"سورة يوسف - ١٢ - مكية","level":2,"page":929},{"title":"المقدمة","level":3,"page":929},{"title":"نبذة تاريخية","level":3,"page":929},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":932},{"title":"محور السورة","level":3,"page":933},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١]","level":3,"page":934},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢]","level":3,"page":934},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣]","level":3,"page":934},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤]","level":3,"page":935},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥]","level":3,"page":936},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦]","level":3,"page":937},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧]","level":3,"page":938},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨]","level":3,"page":938},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩]","level":3,"page":939},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠]","level":3,"page":939},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١]","level":3,"page":940},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٢]","level":3,"page":940},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٣]","level":3,"page":940},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٤]","level":3,"page":941},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]","level":3,"page":941},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٦]","level":3,"page":942},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٧]","level":3,"page":942},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]","level":3,"page":942},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]","level":3,"page":943},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]","level":3,"page":944},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]","level":3,"page":944},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]","level":3,"page":945},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]","level":3,"page":945},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]","level":3,"page":946},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]","level":3,"page":946},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٦]","level":3,"page":947},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٧]","level":3,"page":947},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٨]","level":3,"page":947},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٩]","level":3,"page":947},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]","level":3,"page":948},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣١]","level":3,"page":948},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٢]","level":3,"page":949},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٣]","level":3,"page":950},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٤]","level":3,"page":950},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]","level":3,"page":950},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]","level":3,"page":951},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٧]","level":3,"page":951},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٨]","level":3,"page":952},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٩]","level":3,"page":953},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٠]","level":3,"page":953},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]","level":3,"page":953},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]","level":3,"page":954},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٣]","level":3,"page":954},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٤]","level":3,"page":955},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٥]","level":3,"page":955},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٦]","level":3,"page":956},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٧]","level":3,"page":956},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٨]","level":3,"page":956},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٩]","level":3,"page":957},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٠]","level":3,"page":957},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥١]","level":3,"page":958},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٢]","level":3,"page":958},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]","level":3,"page":959},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]","level":3,"page":960},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٥]","level":3,"page":960},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٦]","level":3,"page":961},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٧]","level":3,"page":961},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]","level":3,"page":961},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٩]","level":3,"page":962},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٠]","level":3,"page":962},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦١]","level":3,"page":962},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]","level":3,"page":962},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٣]","level":3,"page":963},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٤]","level":3,"page":963},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]","level":3,"page":963},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]","level":3,"page":964},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٧]","level":3,"page":964},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٨]","level":3,"page":964},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]","level":3,"page":965},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٠]","level":3,"page":965},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧١]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٢]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٣]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٤]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٥]","level":3,"page":966},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٦]","level":3,"page":967},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]","level":3,"page":967},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٨]","level":3,"page":968},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٩]","level":3,"page":968},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]","level":3,"page":968},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨١]","level":3,"page":969},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٢]","level":3,"page":969},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٣]","level":3,"page":969},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٤]","level":3,"page":970},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]","level":3,"page":970},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٦]","level":3,"page":970},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٧]","level":3,"page":971},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٨]","level":3,"page":971},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٩]","level":3,"page":971},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٠]","level":3,"page":972},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩١]","level":3,"page":972},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٢]","level":3,"page":972},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٣]","level":3,"page":972},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٤]","level":3,"page":973},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٥]","level":3,"page":973},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]","level":3,"page":973},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٧]","level":3,"page":974},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٨]","level":3,"page":974},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٩]","level":3,"page":974},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٠]","level":3,"page":974},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]","level":3,"page":975},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٢]","level":3,"page":975},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٣]","level":3,"page":976},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٤]","level":3,"page":976},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٥]","level":3,"page":977},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٦]","level":3,"page":977},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٧]","level":3,"page":977},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]","level":3,"page":977},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]","level":3,"page":978},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]","level":3,"page":978},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]","level":3,"page":978},{"title":"سورة الرعد - ١٣ - مختلف في كونها مكية أم مدنية","level":2,"page":980},{"title":"مقدمة","level":3,"page":980},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":980},{"title":"محور السورة","level":3,"page":981},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١]","level":3,"page":982},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢]","level":3,"page":982},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣]","level":3,"page":983},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤]","level":3,"page":984},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٥]","level":3,"page":984},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٦]","level":3,"page":985},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٧]","level":3,"page":985},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٨]","level":3,"page":986},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٩]","level":3,"page":986},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٠]","level":3,"page":987},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١١]","level":3,"page":987},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٢]","level":3,"page":988},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٣]","level":3,"page":988},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]","level":3,"page":989},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]","level":3,"page":989},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]","level":3,"page":990},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]","level":3,"page":991},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]","level":3,"page":992},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٩]","level":3,"page":992},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٠]","level":3,"page":992},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢١]","level":3,"page":993},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٢]","level":3,"page":993},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٣]","level":3,"page":993},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٤]","level":3,"page":994},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]","level":3,"page":994},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]","level":3,"page":995},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٧]","level":3,"page":995},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٨]","level":3,"page":996},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٩]","level":3,"page":996},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]","level":3,"page":996},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]","level":3,"page":997},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]","level":3,"page":997},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]","level":3,"page":998},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٤]","level":3,"page":998},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]","level":3,"page":999},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]","level":3,"page":999},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٧]","level":3,"page":999},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٨]","level":3,"page":1000},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٩]","level":3,"page":1000},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٠]","level":3,"page":1001},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤١]","level":3,"page":1001},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]","level":3,"page":1001},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]","level":3,"page":1002},{"title":"سورة إبراهيم - ١٤ - مكية","level":2,"page":1003},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1003},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1003},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1003},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]","level":3,"page":1004},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢]","level":3,"page":1005},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣]","level":3,"page":1005},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]","level":3,"page":1006},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]","level":3,"page":1006},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]","level":3,"page":1007},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٧]","level":3,"page":1007},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٨]","level":3,"page":1007},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]","level":3,"page":1008},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٠]","level":3,"page":1008},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١١]","level":3,"page":1009},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٢]","level":3,"page":1009},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٣]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٤]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٥]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٦]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٧]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٩]","level":3,"page":1011},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٠]","level":3,"page":1012},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]","level":3,"page":1012},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٢]","level":3,"page":1013},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٣]","level":3,"page":1013},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٤]","level":3,"page":1014},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٥]","level":3,"page":1014},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٦]","level":3,"page":1014},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٨]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٩]","level":3,"page":1016},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٠]","level":3,"page":1016},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]","level":3,"page":1016},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٢]","level":3,"page":1016},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٣]","level":3,"page":1017},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٤]","level":3,"page":1017},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٥]","level":3,"page":1017},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٦]","level":3,"page":1018},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]","level":3,"page":1018},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٨]","level":3,"page":1019},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٩]","level":3,"page":1019},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٠]","level":3,"page":1019},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤١]","level":3,"page":1020},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٢]","level":3,"page":1020},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٣]","level":3,"page":1020},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]","level":3,"page":1021},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٥]","level":3,"page":1021},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٦]","level":3,"page":1021},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]","level":3,"page":1022},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]","level":3,"page":1022},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٩]","level":3,"page":1022},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٠]","level":3,"page":1022},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥١]","level":3,"page":1022},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]","level":3,"page":1023},{"title":"سورة الحجر - ١٥ - مكية","level":2,"page":1024},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1024},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1024},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1025},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١]","level":3,"page":1026},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢]","level":3,"page":1026},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣]","level":3,"page":1026},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤]","level":3,"page":1027},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥]","level":3,"page":1027},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦]","level":3,"page":1027},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧]","level":3,"page":1027},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨]","level":3,"page":1027},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩]","level":3,"page":1027},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٠]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١١]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٢]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٣]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٤]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٥]","level":3,"page":1028},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٦]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٧]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٨]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٩]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٠]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]","level":3,"page":1030},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٢]","level":3,"page":1030},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٣]","level":3,"page":1030},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٤]","level":3,"page":1030},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٥]","level":3,"page":1030},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٦]","level":3,"page":1030},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٧]","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٨]","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٩]","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٠ إلى ٣٨]","level":3,"page":1031},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٩ إلى ٤٢]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٣]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٤]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٧]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٨]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":3,"page":1033},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥١]","level":3,"page":1033},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٢]","level":3,"page":1033},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٣]","level":3,"page":1033},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٤]","level":3,"page":1033},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٥]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٦]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٧]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٨]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٩]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٠]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦١]","level":3,"page":1034},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٢]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٣]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٤]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٥]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٦]","level":3,"page":1035},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٧]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٨]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٩]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٠]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧١]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٢]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٣]","level":3,"page":1036},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٤]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٥]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٦]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٧]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٨]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٩]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٠]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨١]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٢]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٣]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٤]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٥]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٦]","level":3,"page":1039},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٧]","level":3,"page":1039},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٨]","level":3,"page":1039},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٩]","level":3,"page":1039},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":3,"page":1039},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٢]","level":3,"page":1040},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٣]","level":3,"page":1040},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٤]","level":3,"page":1040},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٥]","level":3,"page":1040},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٦]","level":3,"page":1040},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٧]","level":3,"page":1041},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٨]","level":3,"page":1041},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٩]","level":3,"page":1041},{"title":"سورة النحل - ١٦ - مكية","level":2,"page":1042},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1042},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1043},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١]","level":3,"page":1045},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢]","level":3,"page":1045},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣]","level":3,"page":1046},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤]","level":3,"page":1046},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥]","level":3,"page":1046},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦]","level":3,"page":1046},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩]","level":3,"page":1047},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٣]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٤]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٥]","level":3,"page":1049},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٦]","level":3,"page":1049},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٧]","level":3,"page":1049},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٨]","level":3,"page":1049},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٩]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٠]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢١]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٢]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٣]","level":3,"page":1050},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٤]","level":3,"page":1051},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٥]","level":3,"page":1051},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٦]","level":3,"page":1051},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٧]","level":3,"page":1052},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٨]","level":3,"page":1052},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٩]","level":3,"page":1053},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]","level":3,"page":1053},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣١]","level":3,"page":1053},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٣]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٤]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٥]","level":3,"page":1055},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٦]","level":3,"page":1055},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٧]","level":3,"page":1056},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٨]","level":3,"page":1056},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٩]","level":3,"page":1056},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٠]","level":3,"page":1056},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤١]","level":3,"page":1057},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٢]","level":3,"page":1057},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٣]","level":3,"page":1057},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٤]","level":3,"page":1058},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٥]","level":3,"page":1058},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٦]","level":3,"page":1058},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٧]","level":3,"page":1058},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٨]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٩]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٠]","level":3,"page":1059},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥١]","level":3,"page":1060},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٢]","level":3,"page":1060},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٣]","level":3,"page":1060},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٤]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٥]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٦]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٧]","level":3,"page":1061},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٨]","level":3,"page":1062},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٩]","level":3,"page":1062},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٠]","level":3,"page":1062},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦١]","level":3,"page":1063},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]","level":3,"page":1063},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]","level":3,"page":1063},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٤]","level":3,"page":1064},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٥]","level":3,"page":1064},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]","level":3,"page":1065},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]","level":3,"page":1065},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٨]","level":3,"page":1065},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٩]","level":3,"page":1066},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]","level":3,"page":1066},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧١]","level":3,"page":1066},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]","level":3,"page":1067},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]","level":3,"page":1067},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٤]","level":3,"page":1068},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]","level":3,"page":1068},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]","level":3,"page":1068},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٧]","level":3,"page":1069},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٨]","level":3,"page":1069},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]","level":3,"page":1069},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٠]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨١]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٢]","level":3,"page":1070},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٣]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٥]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٦]","level":3,"page":1071},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٧]","level":3,"page":1072},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٨]","level":3,"page":1072},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]","level":3,"page":1072},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]","level":3,"page":1073},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩١]","level":3,"page":1073},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]","level":3,"page":1074},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٣]","level":3,"page":1074},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٤]","level":3,"page":1074},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٥]","level":3,"page":1075},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]","level":3,"page":1075},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]","level":3,"page":1075},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٨]","level":3,"page":1076},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٩]","level":3,"page":1076},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٠]","level":3,"page":1076},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠١]","level":3,"page":1076},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٢]","level":3,"page":1077},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]","level":3,"page":1077},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٤]","level":3,"page":1078},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٥]","level":3,"page":1078},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]","level":3,"page":1078},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٧]","level":3,"page":1079},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٨]","level":3,"page":1079},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٩]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٠]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١١]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]","level":3,"page":1080},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٣]","level":3,"page":1081},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٤]","level":3,"page":1081},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٥]","level":3,"page":1082},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٦]","level":3,"page":1082},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٧]","level":3,"page":1082},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٨]","level":3,"page":1082},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٩]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٠]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢١]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٢]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٣]","level":3,"page":1083},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]","level":3,"page":1084},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]","level":3,"page":1084},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٦]","level":3,"page":1085},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٧]","level":3,"page":1085},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٨]","level":3,"page":1085},{"title":"سورة الإسراء - ١٧ - مكية","level":2,"page":1086},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1086},{"title":"الإسراء والمعراج","level":3,"page":1086},{"title":"اتصال السورة بما قبلها","level":3,"page":1087},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1090},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١]","level":3,"page":1092},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢]","level":3,"page":1092},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣]","level":3,"page":1093},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤]","level":3,"page":1093},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥]","level":3,"page":1093},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]","level":3,"page":1094},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]","level":3,"page":1094},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]","level":3,"page":1095},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩]","level":3,"page":1096},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠]","level":3,"page":1096},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]","level":3,"page":1096},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]","level":3,"page":1097},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٣]","level":3,"page":1097},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٤]","level":3,"page":1098},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]","level":3,"page":1098},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]","level":3,"page":1098},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]","level":3,"page":1099},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٨]","level":3,"page":1099},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٩]","level":3,"page":1099},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٠]","level":3,"page":1099},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢١]","level":3,"page":1100},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]","level":3,"page":1100},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]","level":3,"page":1100},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٤]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٦]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٧]","level":3,"page":1101},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٩]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٠]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]","level":3,"page":1103},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]","level":3,"page":1103},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]","level":3,"page":1103},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٥]","level":3,"page":1104},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]","level":3,"page":1104},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٧]","level":3,"page":1104},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٨]","level":3,"page":1104},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٩]","level":3,"page":1105},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]","level":3,"page":1105},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤١]","level":3,"page":1105},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٢]","level":3,"page":1105},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٣]","level":3,"page":1106},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]","level":3,"page":1106},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٥]","level":3,"page":1106},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٦]","level":3,"page":1107},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]","level":3,"page":1107},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٨]","level":3,"page":1107},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٩]","level":3,"page":1107},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٠]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥١]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٤]","level":3,"page":1109},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٥]","level":3,"page":1109},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٦]","level":3,"page":1109},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٧]","level":3,"page":1109},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]","level":3,"page":1110},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]","level":3,"page":1110},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]","level":3,"page":1111},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦١]","level":3,"page":1111},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٢]","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٣]","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٤]","level":3,"page":1112},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]","level":3,"page":1113},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٦]","level":3,"page":1113},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]","level":3,"page":1113},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]","level":3,"page":1114},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]","level":3,"page":1114},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]","level":3,"page":1114},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]","level":3,"page":1115},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]","level":3,"page":1116},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]","level":3,"page":1116},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٤]","level":3,"page":1116},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٥]","level":3,"page":1116},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٦]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٧]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٩]","level":3,"page":1118},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٠]","level":3,"page":1118},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨١]","level":3,"page":1119},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]","level":3,"page":1119},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٣]","level":3,"page":1119},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٤]","level":3,"page":1120},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]","level":3,"page":1120},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٦]","level":3,"page":1120},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٧]","level":3,"page":1121},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٨]","level":3,"page":1121},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٩]","level":3,"page":1121},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٠]","level":3,"page":1121},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩١]","level":3,"page":1122},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٢]","level":3,"page":1122},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٣]","level":3,"page":1122},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٤]","level":3,"page":1122},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٥]","level":3,"page":1123},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]","level":3,"page":1123},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]","level":3,"page":1123},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٨]","level":3,"page":1124},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٩]","level":3,"page":1124},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]","level":3,"page":1124},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠١]","level":3,"page":1124},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٢]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٣]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٤]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٥]","level":3,"page":1126},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٦]","level":3,"page":1126},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٧]","level":3,"page":1126},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٨]","level":3,"page":1127},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٩]","level":3,"page":1127},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]","level":3,"page":1127},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]","level":3,"page":1127},{"title":"سورة الكهف - ١٨ - مكية","level":2,"page":1129},{"title":"المقدمة","level":3,"page":1129},{"title":"اتصال السورة بما قبلها","level":3,"page":1129},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1131},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١]","level":3,"page":1132},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦]","level":3,"page":1133},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٢]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٣]","level":3,"page":1135},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٤]","level":3,"page":1136},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٥]","level":3,"page":1136},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]","level":3,"page":1136},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]","level":3,"page":1137},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]","level":3,"page":1137},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٩]","level":3,"page":1138},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]","level":3,"page":1138},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٣]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٤]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٧]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٨]","level":3,"page":1140},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٠]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣١]","level":3,"page":1141},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٢]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٣]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٤]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٥]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٦]","level":3,"page":1143},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٧]","level":3,"page":1143},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٨]","level":3,"page":1143},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٩]","level":3,"page":1143},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٠]","level":3,"page":1143},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤١]","level":3,"page":1144},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٢]","level":3,"page":1144},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٣]","level":3,"page":1144},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]","level":3,"page":1144},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٦]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٧]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٨]","level":3,"page":1146},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٩]","level":3,"page":1146},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]","level":3,"page":1146},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]","level":3,"page":1147},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]","level":3,"page":1147},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٣]","level":3,"page":1147},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٤]","level":3,"page":1147},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]","level":3,"page":1147},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٧]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٨]","level":3,"page":1148},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]","level":3,"page":1149},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]","level":3,"page":1149},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦١]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٢]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٣]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٤]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٥]","level":3,"page":1150},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٦]","level":3,"page":1151},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٧]","level":3,"page":1151},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٨]","level":3,"page":1151},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٩]","level":3,"page":1151},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٠]","level":3,"page":1151},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧١]","level":3,"page":1152},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٢]","level":3,"page":1152},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]","level":3,"page":1152},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]","level":3,"page":1152},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٥]","level":3,"page":1152},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٦]","level":3,"page":1153},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]","level":3,"page":1153},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]","level":3,"page":1153},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]","level":3,"page":1153},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٠]","level":3,"page":1154},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨١]","level":3,"page":1154},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]","level":3,"page":1154},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٣]","level":3,"page":1154},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٤]","level":3,"page":1155},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٥]","level":3,"page":1155},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٦]","level":3,"page":1155},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٧]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٨]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٩]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٠]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩١]","level":3,"page":1157},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٢]","level":3,"page":1157},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٣]","level":3,"page":1157},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٤]","level":3,"page":1157},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٥]","level":3,"page":1157},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٦]","level":3,"page":1158},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٧]","level":3,"page":1158},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٨]","level":3,"page":1158},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٩]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٠]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠١]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٣]","level":3,"page":1159},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٤]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٥]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٦]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٧]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٨]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]","level":3,"page":1161},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]","level":3,"page":1161},{"title":"الربع الثالث","level":1,"page":1163},{"title":"مقدمة الربع الثالث","level":2,"page":1164},{"title":"مراجع الكتاب","level":2,"page":1165},{"title":"مقدمة الربع الرابع","level":2,"page":1166},{"title":"سورة مريم - ١٩ - مكية","level":2,"page":1174},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1174},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1174},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1175},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١]","level":3,"page":1177},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢]","level":3,"page":1177},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣]","level":3,"page":1177},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤]","level":3,"page":1177},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥]","level":3,"page":1177},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦]","level":3,"page":1178},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧]","level":3,"page":1178},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨]","level":3,"page":1178},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩]","level":3,"page":1178},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١١]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٢]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٣]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٤]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٥]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٦]","level":3,"page":1179},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٧]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٨]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٩]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٠]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢١]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]","level":3,"page":1181},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]","level":3,"page":1181},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]","level":3,"page":1181},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٥]","level":3,"page":1181},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٦]","level":3,"page":1182},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٧]","level":3,"page":1182},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٨]","level":3,"page":1182},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٩]","level":3,"page":1182},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٠]","level":3,"page":1182},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣١]","level":3,"page":1182},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٢]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٣]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٥]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٦]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٧]","level":3,"page":1183},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]","level":3,"page":1184},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٩]","level":3,"page":1184},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٠]","level":3,"page":1184},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤١]","level":3,"page":1184},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٢]","level":3,"page":1185},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٣]","level":3,"page":1185},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٤]","level":3,"page":1185},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٥]","level":3,"page":1185},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]","level":3,"page":1185},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٧]","level":3,"page":1185},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٨]","level":3,"page":1186},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٩]","level":3,"page":1186},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٠]","level":3,"page":1186},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":3,"page":1186},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٣]","level":3,"page":1187},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٧]","level":3,"page":1187},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]","level":3,"page":1187},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]","level":3,"page":1187},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٠]","level":3,"page":1188},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦١]","level":3,"page":1188},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٢]","level":3,"page":1188},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٣]","level":3,"page":1188},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]","level":3,"page":1188},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٦]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٧]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٩]","level":3,"page":1189},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٠]","level":3,"page":1190},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧١]","level":3,"page":1190},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٢]","level":3,"page":1190},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٣]","level":3,"page":1190},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٤]","level":3,"page":1191},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]","level":3,"page":1191},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]","level":3,"page":1191},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٧]","level":3,"page":1191},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٨]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٩]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٠]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨١]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٢]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٣]","level":3,"page":1193},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٤]","level":3,"page":1193},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٥]","level":3,"page":1193},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٦]","level":3,"page":1193},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٧]","level":3,"page":1193},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٨]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٩]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٠]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩١]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٢]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٣]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٤]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٥]","level":3,"page":1194},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٦]","level":3,"page":1195},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٧]","level":3,"page":1195},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]","level":3,"page":1195},{"title":"سورة طه - ٢٠ - مكية","level":2,"page":1196},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1196},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1196},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1197},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١]","level":3,"page":1198},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦]","level":3,"page":1199},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧]","level":3,"page":1200},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨]","level":3,"page":1200},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩]","level":3,"page":1200},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠]","level":3,"page":1200},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٤]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٥]","level":3,"page":1201},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٦]","level":3,"page":1202},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٧]","level":3,"page":1202},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٨]","level":3,"page":1202},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٩]","level":3,"page":1202},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٠]","level":3,"page":1202},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢١]","level":3,"page":1203},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٢]","level":3,"page":1203},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٣]","level":3,"page":1203},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٤]","level":3,"page":1203},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٥]","level":3,"page":1203},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٦]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٧]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٨]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٩]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٠]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣١]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٢]","level":3,"page":1204},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٣]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٤]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٥]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٦]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٧]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٨]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٩]","level":3,"page":1205},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤١]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٢]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٣]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٤]","level":3,"page":1207},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٥]","level":3,"page":1207},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٦]","level":3,"page":1207},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٧]","level":3,"page":1207},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٨]","level":3,"page":1207},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٩]","level":3,"page":1208},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٠]","level":3,"page":1208},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥١]","level":3,"page":1208},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٢]","level":3,"page":1208},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]","level":3,"page":1208},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٤]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٥]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٦]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٧]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٨]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]","level":3,"page":1209},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٠]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦١]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٢]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٣]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٤]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٥]","level":3,"page":1210},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٦]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٧]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٨]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٩]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٠]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧١]","level":3,"page":1212},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٢]","level":3,"page":1212},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٣]","level":3,"page":1212},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٤]","level":3,"page":1212},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٥]","level":3,"page":1213},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٦]","level":3,"page":1213},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٧]","level":3,"page":1213},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٨]","level":3,"page":1213},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٩]","level":3,"page":1213},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨١]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٢]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٣]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٤]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٥]","level":3,"page":1215},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٦]","level":3,"page":1215},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٧]","level":3,"page":1215},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٨]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٩]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٠]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩١]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٢]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٣]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٤]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٥]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٦]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]","level":3,"page":1217},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٠]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠١]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٢]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٣]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٤]","level":3,"page":1218},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٥]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٦]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٧]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٨]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٩]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٠]","level":3,"page":1219},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١١]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٢]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٣]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٤]","level":3,"page":1220},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٥]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٦]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٧]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٨]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٩]","level":3,"page":1221},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٠]","level":3,"page":1222},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢١]","level":3,"page":1222},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٢]","level":3,"page":1222},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٣]","level":3,"page":1222},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٤]","level":3,"page":1223},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٥]","level":3,"page":1223},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٦]","level":3,"page":1223},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٧]","level":3,"page":1223},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٨]","level":3,"page":1224},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٩]","level":3,"page":1224},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٠]","level":3,"page":1224},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]","level":3,"page":1225},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٢]","level":3,"page":1225},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٣]","level":3,"page":1225},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٤]","level":3,"page":1226},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٥]","level":3,"page":1226},{"title":"سورة الأنبياء - ٢١ - مكية","level":2,"page":1227},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1227},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1227},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1227},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦]","level":3,"page":1230},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧]","level":3,"page":1230},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨]","level":3,"page":1230},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩]","level":3,"page":1230},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠]","level":3,"page":1231},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١]","level":3,"page":1231},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٢]","level":3,"page":1231},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٣]","level":3,"page":1231},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٤]","level":3,"page":1231},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٥]","level":3,"page":1232},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٦]","level":3,"page":1232},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٧]","level":3,"page":1232},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]","level":3,"page":1232},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٩]","level":3,"page":1232},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٠]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢١]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٢]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٣]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٥]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٦]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٧]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٨]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٩]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]","level":3,"page":1234},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣١]","level":3,"page":1235},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٢]","level":3,"page":1235},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]","level":3,"page":1235},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٤]","level":3,"page":1235},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٥]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٦]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٧]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٨]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٩]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٠]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤١]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٢]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٣]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٤]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٥]","level":3,"page":1238},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٦]","level":3,"page":1238},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]","level":3,"page":1238},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٨]","level":3,"page":1238},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٩]","level":3,"page":1238},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٠]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥١]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٢]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٣]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٤]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٥]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٦]","level":3,"page":1239},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٧]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٨]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٩]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٠]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦١]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٢]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٣]","level":3,"page":1240},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٤]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٥]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٦]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٧]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٨]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٩]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٠]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧١]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٢]","level":3,"page":1242},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٣]","level":3,"page":1242},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٤]","level":3,"page":1242},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٥]","level":3,"page":1242},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٦]","level":3,"page":1242},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٧]","level":3,"page":1243},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٨]","level":3,"page":1243},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٩]","level":3,"page":1243},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٠]","level":3,"page":1244},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨١]","level":3,"page":1244},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٢]","level":3,"page":1245},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٣]","level":3,"page":1245},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٤]","level":3,"page":1245},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٥]","level":3,"page":1245},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٦]","level":3,"page":1245},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٧]","level":3,"page":1246},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٨]","level":3,"page":1246},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٩]","level":3,"page":1246},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٠]","level":3,"page":1246},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]","level":3,"page":1247},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٢]","level":3,"page":1247},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٣]","level":3,"page":1247},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٤]","level":3,"page":1247},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]","level":3,"page":1248},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٦]","level":3,"page":1248},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٧]","level":3,"page":1248},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]","level":3,"page":1249},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٩]","level":3,"page":1249},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٠]","level":3,"page":1249},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠١]","level":3,"page":1249},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٢]","level":3,"page":1249},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٣]","level":3,"page":1250},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]","level":3,"page":1250},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٥]","level":3,"page":1250},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٦]","level":3,"page":1250},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٧]","level":3,"page":1250},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٨]","level":3,"page":1251},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٩]","level":3,"page":1251},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٠]","level":3,"page":1251},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١١]","level":3,"page":1251},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]","level":3,"page":1252},{"title":"سورة الحج - ٢٢ - مكية وقيل مدنية","level":2,"page":1253},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1253},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1253},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1254},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١]","level":3,"page":1255},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢]","level":3,"page":1255},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٨]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٩]","level":3,"page":1257},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٠]","level":3,"page":1258},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١١]","level":3,"page":1258},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٢]","level":3,"page":1258},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٣]","level":3,"page":1258},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٤]","level":3,"page":1258},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٥]","level":3,"page":1259},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٦]","level":3,"page":1259},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]","level":3,"page":1259},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]","level":3,"page":1260},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٩]","level":3,"page":1260},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٠]","level":3,"page":1260},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢١]","level":3,"page":1260},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٢]","level":3,"page":1261},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٣]","level":3,"page":1261},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٤]","level":3,"page":1261},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]","level":3,"page":1261},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٦]","level":3,"page":1262},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٧]","level":3,"page":1262},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٨]","level":3,"page":1262},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٩]","level":3,"page":1263},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٠]","level":3,"page":1263},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣١]","level":3,"page":1263},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٢]","level":3,"page":1263},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٣]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٤]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٥]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":3,"page":1264},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]","level":3,"page":1265},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]","level":3,"page":1265},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]","level":3,"page":1265},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]","level":3,"page":1266},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]","level":3,"page":1266},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":3,"page":1266},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]","level":3,"page":1267},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٦]","level":3,"page":1267},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٧]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٨]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٩]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٠]","level":3,"page":1268},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥١]","level":3,"page":1269},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]","level":3,"page":1269},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٣]","level":3,"page":1270},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٤]","level":3,"page":1270},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٥]","level":3,"page":1270},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٦]","level":3,"page":1270},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٧]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٨]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٩]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٠]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦١]","level":3,"page":1271},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٢]","level":3,"page":1272},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٣]","level":3,"page":1272},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٤]","level":3,"page":1272},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٥]","level":3,"page":1272},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٦]","level":3,"page":1273},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٧]","level":3,"page":1273},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٨]","level":3,"page":1273},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٩]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٠]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧١]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]","level":3,"page":1274},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]","level":3,"page":1275},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٤]","level":3,"page":1275},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٥]","level":3,"page":1275},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٦]","level":3,"page":1276},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٧]","level":3,"page":1276},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]","level":3,"page":1276},{"title":"سورة المؤمنون - ٢٣ - مكية","level":2,"page":1278},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1278},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1278},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1279},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١]","level":3,"page":1280},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢]","level":3,"page":1280},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣]","level":3,"page":1280},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":1281},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ إلى ١٥]","level":3,"page":1282},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٦]","level":3,"page":1282},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٧]","level":3,"page":1282},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٨]","level":3,"page":1282},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٩]","level":3,"page":1282},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٠]","level":3,"page":1283},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢١]","level":3,"page":1283},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٢]","level":3,"page":1283},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٣]","level":3,"page":1283},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٤]","level":3,"page":1283},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٥]","level":3,"page":1284},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٦]","level":3,"page":1284},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٧]","level":3,"page":1284},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٨]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٩]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٠]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣١]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٢]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٣]","level":3,"page":1285},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٤]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٥]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٦]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٧]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٨]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٩]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٠]","level":3,"page":1286},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤١]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٢]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٣]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٤]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٥]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٦]","level":3,"page":1287},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٧]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٨]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٩]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٠]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٣]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٤]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٥]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٦]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٧]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٨]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٩]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٠]","level":3,"page":1289},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦١]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٢]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٣]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٤]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٥]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٦]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٧]","level":3,"page":1290},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٨]","level":3,"page":1291},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٩]","level":3,"page":1291},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٠]","level":3,"page":1291},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]","level":3,"page":1291},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٢]","level":3,"page":1291},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٣]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٤]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٥]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٦]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٧]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٨]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٩]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٠]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨١]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٢]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٣]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٤]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٥]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٦]","level":3,"page":1293},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٧]","level":3,"page":1294},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٨]","level":3,"page":1294},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨٩]","level":3,"page":1294},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٠]","level":3,"page":1294},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩١]","level":3,"page":1294},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٢]","level":3,"page":1294},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٣]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٤]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٥]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٦]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٧]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٨]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٩]","level":3,"page":1295},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٠]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠١]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٢]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٣]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٤]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٥]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٦]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٧]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٨]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٩]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٠]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١١]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٢]","level":3,"page":1297},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٣]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٤]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٥]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٦]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٧]","level":3,"page":1298},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]","level":3,"page":1298},{"title":"سورة النور - ٢٤ - مدنية","level":2,"page":1299},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1299},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1299},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1299},{"title":"خلاصة السورة","level":3,"page":1301},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١]","level":3,"page":1302},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢]","level":3,"page":1302},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣]","level":3,"page":1303},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤]","level":3,"page":1303},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥]","level":3,"page":1303},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٧]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٨]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٩]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٠]","level":3,"page":1304},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١١]","level":3,"page":1305},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٢]","level":3,"page":1305},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٣]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٤]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٥]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٦]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٧]","level":3,"page":1306},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٨]","level":3,"page":1307},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٩]","level":3,"page":1307},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٠]","level":3,"page":1307},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢١]","level":3,"page":1307},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]","level":3,"page":1308},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٣]","level":3,"page":1308},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٤]","level":3,"page":1308},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٥]","level":3,"page":1308},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٨]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٩]","level":3,"page":1310},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]","level":3,"page":1310},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣١]","level":3,"page":1310},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]","level":3,"page":1311},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]","level":3,"page":1311},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٤]","level":3,"page":1312},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]","level":3,"page":1312},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٦]","level":3,"page":1313},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٧]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٨]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]","level":3,"page":1314},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤١]","level":3,"page":1315},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٢]","level":3,"page":1315},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٣]","level":3,"page":1315},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٤]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٦]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٧]","level":3,"page":1316},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٨]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٩]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٠]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥١]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٢]","level":3,"page":1317},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٣]","level":3,"page":1318},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٤]","level":3,"page":1318},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]","level":3,"page":1318},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٦]","level":3,"page":1319},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٧]","level":3,"page":1319},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]","level":3,"page":1319},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٩]","level":3,"page":1320},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٠]","level":3,"page":1320},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦١]","level":3,"page":1321},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]","level":3,"page":1321},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]","level":3,"page":1322},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]","level":3,"page":1322},{"title":"سورة الفرقان - ٢٥ - مكية","level":2,"page":1323},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1323},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1323},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1323},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١]","level":3,"page":1325},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢]","level":3,"page":1325},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣]","level":3,"page":1325},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٨]","level":3,"page":1326},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٩]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٠]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١١]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٢]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٣]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٤]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٥]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٦]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٧]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٨]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٩]","level":3,"page":1328},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]","level":3,"page":1329},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢١]","level":3,"page":1329},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٢]","level":3,"page":1329},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٣]","level":3,"page":1329},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٥]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٦]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٧]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٨]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٩]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٠]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣١]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٢]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٣]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٤]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٥]","level":3,"page":1331},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٦]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٧]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٨]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٩]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٠]","level":3,"page":1332},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤١]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٢]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٣]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٤]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٥]","level":3,"page":1334},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٦]","level":3,"page":1334},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٧]","level":3,"page":1334},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٨]","level":3,"page":1334},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٩]","level":3,"page":1334},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٠]","level":3,"page":1335},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥١]","level":3,"page":1335},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٢]","level":3,"page":1335},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٣]","level":3,"page":1335},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٤]","level":3,"page":1335},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٥]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٦]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٧]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٨]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٩]","level":3,"page":1336},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٠]","level":3,"page":1337},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦١]","level":3,"page":1337},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]","level":3,"page":1337},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٣]","level":3,"page":1337},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٤]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٥]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٦]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٨]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٩]","level":3,"page":1338},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٠]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧١]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٢]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٣]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]","level":3,"page":1339},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٥]","level":3,"page":1340},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٦]","level":3,"page":1340},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]","level":3,"page":1340},{"title":"سورة الشعراء - ٢٦ - مكية","level":2,"page":1341},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1341},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1341},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1342},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥]","level":3,"page":1344},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢]","level":3,"page":1345},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠]","level":3,"page":1346},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٣]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٤]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٥]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٦]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٧]","level":3,"page":1347},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٨]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٩]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٠]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣١]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٢]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٣]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٤]","level":3,"page":1348},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٥]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٦]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٧]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٨]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٩]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٠]","level":3,"page":1349},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤١]","level":3,"page":1350},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٢]","level":3,"page":1350},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٣]","level":3,"page":1350},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٤]","level":3,"page":1350},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٥]","level":3,"page":1350},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٦]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٧]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٨]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٩]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٠]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥١]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٢]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٣]","level":3,"page":1352},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٤]","level":3,"page":1352},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٥]","level":3,"page":1352},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٦]","level":3,"page":1352},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٧]","level":3,"page":1352},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٨]","level":3,"page":1352},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٩]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٠]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦١]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٢]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٣]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٤]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٥]","level":3,"page":1353},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٦]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٧]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٨]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٩]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٠]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧١]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٢]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٣]","level":3,"page":1354},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٤]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٥]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٦]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٧]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٨]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٩]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٠]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨١]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٢]","level":3,"page":1355},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٣]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٤]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٥]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٦]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٧]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٨]","level":3,"page":1356},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٩]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٠]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩١]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٢]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٣]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٤]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٥]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٦]","level":3,"page":1357},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٧]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٨]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٩]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٠]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠١]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٢]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٣]","level":3,"page":1358},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٤]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٥]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٦]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٧]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٨]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٩]","level":3,"page":1359},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٠]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١١]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٢]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٣]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٤]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٥]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٦]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٧]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٨]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٩]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٠]","level":3,"page":1361},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢١]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٢]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٣]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٤]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٥]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٦]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٧]","level":3,"page":1362},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٨]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٩]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٠]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣١]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٢]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٣]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٤]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٥]","level":3,"page":1363},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٦]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٧]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٨]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٩]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٠]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤١]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٢]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٣]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٤]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٥]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٦]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٧]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٨]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٩]","level":3,"page":1365},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٠]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥١]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٢]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٣]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٤]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٥]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٦]","level":3,"page":1366},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٧]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٨]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٩]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٠]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦١]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٢]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٣]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٤]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٥]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٦]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٧]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٨]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٦٩]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٠]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧١]","level":3,"page":1368},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٢]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٣]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٤]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٥]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٦]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٧]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٨]","level":3,"page":1369},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٩]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٠]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨١]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٢]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٣]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٤]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٥]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٦]","level":3,"page":1370},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٧]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٨]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٩]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٠]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩١]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٢]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٣]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٤]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٥]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٦]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٧]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٨]","level":3,"page":1372},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٩]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٠]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠١]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٢]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٣]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٤]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٥]","level":3,"page":1373},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٦]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٧]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٨]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٩]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٠]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١١]","level":3,"page":1374},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٢]","level":3,"page":1375},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٣]","level":3,"page":1375},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٤]","level":3,"page":1375},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٥]","level":3,"page":1375},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٦]","level":3,"page":1375},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٧]","level":3,"page":1375},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٨]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٩]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٠]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢١]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٢]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٣]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢٤ إلى ٢٢٦]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٦]","level":3,"page":1376},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]","level":3,"page":1377},{"title":"سورة النمل - ٢٧ - مكية","level":2,"page":1378},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1378},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1378},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1379},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤]","level":3,"page":1382},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥]","level":3,"page":1382},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦]","level":3,"page":1382},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧]","level":3,"page":1382},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٠]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١١]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٣]","level":3,"page":1384},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٤]","level":3,"page":1384},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٥]","level":3,"page":1384},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٦]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٧]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٨]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٩]","level":3,"page":1386},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٠]","level":3,"page":1386},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢١]","level":3,"page":1386},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٢]","level":3,"page":1386},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٣]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٤]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٥]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٦]","level":3,"page":1387},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٧]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٨]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٩]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٠]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣١]","level":3,"page":1388},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٢]","level":3,"page":1389},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٣]","level":3,"page":1389},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٤]","level":3,"page":1389},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٥]","level":3,"page":1389},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٦]","level":3,"page":1389},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٧]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٨]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٩]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٠]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤١]","level":3,"page":1391},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٢]","level":3,"page":1391},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٣]","level":3,"page":1391},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٤]","level":3,"page":1392},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٥]","level":3,"page":1392},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٦]","level":3,"page":1392},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٧]","level":3,"page":1393},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٨]","level":3,"page":1393},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٩]","level":3,"page":1393},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٠]","level":3,"page":1393},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥١]","level":3,"page":1393},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٢]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٣]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٤]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٥]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٦]","level":3,"page":1394},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٧]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٨]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]","level":3,"page":1396},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٢]","level":3,"page":1396},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٣]","level":3,"page":1396},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]","level":3,"page":1396},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]","level":3,"page":1397},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٦]","level":3,"page":1397},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٧]","level":3,"page":1397},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٨]","level":3,"page":1397},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٩]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٠]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧١]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٢]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٣]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٤]","level":3,"page":1398},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٥]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٦]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٧]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٨]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧٩]","level":3,"page":1399},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٠]","level":3,"page":1400},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨١]","level":3,"page":1400},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]","level":3,"page":1400},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٣]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٤]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٥]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٦]","level":3,"page":1401},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٩]","level":3,"page":1402},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٠]","level":3,"page":1403},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩١]","level":3,"page":1403},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٢]","level":3,"page":1403},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]","level":3,"page":1403},{"title":"سورة القصص - ٢٨ - مكية","level":2,"page":1404},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1404},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1404},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1405},{"title":"خلاصة السورة","level":3,"page":1406},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١]","level":3,"page":1407},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢]","level":3,"page":1407},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣]","level":3,"page":1407},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤]","level":3,"page":1407},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥]","level":3,"page":1408},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦]","level":3,"page":1408},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧]","level":3,"page":1408},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٩]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٠]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١١]","level":3,"page":1409},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٢]","level":3,"page":1410},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٣]","level":3,"page":1410},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٤]","level":3,"page":1410},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٥]","level":3,"page":1410},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٦]","level":3,"page":1411},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٧]","level":3,"page":1411},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٨]","level":3,"page":1411},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٩]","level":3,"page":1411},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٠]","level":3,"page":1412},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢١]","level":3,"page":1412},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1412},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٣]","level":3,"page":1412},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٤]","level":3,"page":1413},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٥]","level":3,"page":1413},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٦]","level":3,"page":1413},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٧]","level":3,"page":1414},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٨]","level":3,"page":1414},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1414},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٠]","level":3,"page":1414},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣١]","level":3,"page":1415},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]","level":3,"page":1415},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٣]","level":3,"page":1415},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٤]","level":3,"page":1416},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٥]","level":3,"page":1416},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٦]","level":3,"page":1416},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٧]","level":3,"page":1416},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٨]","level":3,"page":1417},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٩]","level":3,"page":1417},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٠]","level":3,"page":1417},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤١]","level":3,"page":1417},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٢]","level":3,"page":1417},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٤]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٥]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٧]","level":3,"page":1419},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٨]","level":3,"page":1419},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٩]","level":3,"page":1419},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٠]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥١]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٢]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٣]","level":3,"page":1420},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٤]","level":3,"page":1421},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٥]","level":3,"page":1421},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٦]","level":3,"page":1421},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٧]","level":3,"page":1421},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٨]","level":3,"page":1422},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٩]","level":3,"page":1423},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٠]","level":3,"page":1423},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦١]","level":3,"page":1423},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٢]","level":3,"page":1423},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٣]","level":3,"page":1424},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٤]","level":3,"page":1424},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٥]","level":3,"page":1424},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٦]","level":3,"page":1424},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٧]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٨]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٩]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٠]","level":3,"page":1425},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧١]","level":3,"page":1426},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٢]","level":3,"page":1426},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٣]","level":3,"page":1426},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٤]","level":3,"page":1426},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٥]","level":3,"page":1427},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٦]","level":3,"page":1427},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٧]","level":3,"page":1427},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]","level":3,"page":1428},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٩]","level":3,"page":1428},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٠]","level":3,"page":1429},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨١]","level":3,"page":1429},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٢]","level":3,"page":1429},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٣]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٤]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٥]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٦]","level":3,"page":1431},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٧]","level":3,"page":1431},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]","level":3,"page":1431},{"title":"سورة العنكبوت - ٢٩ - مكية، وقيل مدنية","level":2,"page":1432},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1432},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1432},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1433},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١]","level":3,"page":1434},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢]","level":3,"page":1434},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٧]","level":3,"page":1435},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٨]","level":3,"page":1436},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٩]","level":3,"page":1436},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٠]","level":3,"page":1436},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١١]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٢]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٣]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٤]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٥]","level":3,"page":1438},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٦]","level":3,"page":1438},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٧]","level":3,"page":1438},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٨]","level":3,"page":1439},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٩]","level":3,"page":1439},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٠]","level":3,"page":1439},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢١]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٢]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٣]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]","level":3,"page":1441},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٥]","level":3,"page":1441},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٦]","level":3,"page":1441},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٧]","level":3,"page":1442},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٨]","level":3,"page":1442},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٩]","level":3,"page":1442},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٠]","level":3,"page":1443},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣١]","level":3,"page":1443},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٢]","level":3,"page":1443},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]","level":3,"page":1443},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٤]","level":3,"page":1444},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٥]","level":3,"page":1444},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٦]","level":3,"page":1444},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٧]","level":3,"page":1444},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٨]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٩]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٠]","level":3,"page":1445},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٢]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٣]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٤]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]","level":3,"page":1447},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]","level":3,"page":1447},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٧]","level":3,"page":1447},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٨]","level":3,"page":1448},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٩]","level":3,"page":1448},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٠]","level":3,"page":1448},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥١]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٢]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٣]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٤]","level":3,"page":1450},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٥]","level":3,"page":1450},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٦]","level":3,"page":1450},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٧]","level":3,"page":1450},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٨]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥٩]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٠]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦١]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٢]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٣]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٤]","level":3,"page":1452},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٥]","level":3,"page":1452},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٦]","level":3,"page":1452},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٧]","level":3,"page":1452},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٨]","level":3,"page":1453},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]","level":3,"page":1453},{"title":"سورة الروم - ٣٠ - مكية","level":2,"page":1454},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1454},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1455},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥]","level":3,"page":1456},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦]","level":3,"page":1457},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٧]","level":3,"page":1457},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٨]","level":3,"page":1457},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٩]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١١]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٢]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٣]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٤]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٥]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٦]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٧]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٨]","level":3,"page":1459},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٩]","level":3,"page":1460},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٠]","level":3,"page":1460},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢١]","level":3,"page":1460},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]","level":3,"page":1461},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٣]","level":3,"page":1461},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٤]","level":3,"page":1461},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٥]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٦]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٧]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٨]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٩]","level":3,"page":1463},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٠]","level":3,"page":1463},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣١]","level":3,"page":1464},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]","level":3,"page":1464},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٣]","level":3,"page":1464},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٤]","level":3,"page":1464},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٥]","level":3,"page":1464},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٦]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٧]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٩]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٠]","level":3,"page":1466},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤١]","level":3,"page":1467},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٢]","level":3,"page":1467},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]","level":3,"page":1468},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٤]","level":3,"page":1468},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٥]","level":3,"page":1468},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٦]","level":3,"page":1468},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]","level":3,"page":1469},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٨]","level":3,"page":1469},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٩]","level":3,"page":1469},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٠]","level":3,"page":1469},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]","level":3,"page":1470},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٢]","level":3,"page":1470},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٣]","level":3,"page":1470},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]","level":3,"page":1471},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٥]","level":3,"page":1471},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٦]","level":3,"page":1471},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٨]","level":3,"page":1472},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٩]","level":3,"page":1472},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦٠]","level":3,"page":1472},{"title":"سورة لقمان - ٣١ - مكية","level":2,"page":1473},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1473},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1473},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1473},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١]","level":3,"page":1474},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢]","level":3,"page":1474},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٤]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٥]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٦]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٧]","level":3,"page":1476},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٨]","level":3,"page":1476},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٩]","level":3,"page":1476},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٠]","level":3,"page":1476},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١١]","level":3,"page":1477},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]","level":3,"page":1477},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]","level":3,"page":1477},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٤]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٥]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]","level":3,"page":1479},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٨]","level":3,"page":1479},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٩]","level":3,"page":1479},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]","level":3,"page":1479},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢١]","level":3,"page":1480},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٢]","level":3,"page":1480},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٣]","level":3,"page":1481},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٤]","level":3,"page":1481},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٥]","level":3,"page":1481},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٦]","level":3,"page":1481},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]","level":3,"page":1481},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٨]","level":3,"page":1482},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٩]","level":3,"page":1482},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٠]","level":3,"page":1483},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣١]","level":3,"page":1483},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٢]","level":3,"page":1483},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]","level":3,"page":1484},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]","level":3,"page":1485},{"title":"سورة السجدة - ٣٢ - مكية","level":2,"page":1486},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1486},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1486},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1487},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١]","level":3,"page":1487},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٤]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٥]","level":3,"page":1488},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٦]","level":3,"page":1489},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٧]","level":3,"page":1489},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٨]","level":3,"page":1489},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٩]","level":3,"page":1489},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٠]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١١]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٣]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٤]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٥]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٦]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٨]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٩]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٠]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢١]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٢]","level":3,"page":1492},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٣]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٤]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٥]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٦]","level":3,"page":1493},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]","level":3,"page":1494},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٨]","level":3,"page":1494},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٩]","level":3,"page":1494},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]","level":3,"page":1494},{"title":"سورة الأحزاب - ٣٣ - مدنية","level":2,"page":1495},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1495},{"title":"ارتباط السورة بمجموعة السور المكية الأربع المتقدمة (العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة)","level":3,"page":1495},{"title":"الخلفية التاريخية للآيات (٩ - ٢٧)","level":3,"page":1497},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1498},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]","level":3,"page":1500},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]","level":3,"page":1501},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧]","level":3,"page":1501},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٨]","level":3,"page":1502},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]","level":3,"page":1502},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٠]","level":3,"page":1503},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١١]","level":3,"page":1503},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٢]","level":3,"page":1503},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٣]","level":3,"page":1504},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٤]","level":3,"page":1504},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٥]","level":3,"page":1504},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٦]","level":3,"page":1504},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٧]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٨]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٩]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]","level":3,"page":1506},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]","level":3,"page":1506},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]","level":3,"page":1506},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٣]","level":3,"page":1507},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٤]","level":3,"page":1507},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]","level":3,"page":1507},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٦]","level":3,"page":1508},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٧]","level":3,"page":1508},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٨]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٩]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٠]","level":3,"page":1509},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣١]","level":3,"page":1510},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]","level":3,"page":1510},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]","level":3,"page":1510},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٤]","level":3,"page":1511},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]","level":3,"page":1511},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]","level":3,"page":1511},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]","level":3,"page":1512},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]","level":3,"page":1513},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٩]","level":3,"page":1513},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]","level":3,"page":1513},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤١]","level":3,"page":1514},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٢]","level":3,"page":1514},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٣]","level":3,"page":1514},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٤]","level":3,"page":1514},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٥]","level":3,"page":1515},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٦]","level":3,"page":1515},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٧]","level":3,"page":1515},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٨]","level":3,"page":1515},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]","level":3,"page":1516},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]","level":3,"page":1516},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]","level":3,"page":1517},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]","level":3,"page":1517},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]","level":3,"page":1518},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٤]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٥]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]","level":3,"page":1519},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٧]","level":3,"page":1520},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٨]","level":3,"page":1520},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٩]","level":3,"page":1520},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٠]","level":3,"page":1520},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦١]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٢]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٣]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٤]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٥]","level":3,"page":1521},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٦]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٧]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٨]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٠]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧١]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]","level":3,"page":1523},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]","level":3,"page":1524},{"title":"سورة سبأ - ٣٤ - مكية","level":2,"page":1525},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1525},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1525},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1526},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١]","level":3,"page":1527},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢]","level":3,"page":1528},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣]","level":3,"page":1528},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤]","level":3,"page":1529},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٥]","level":3,"page":1529},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٦]","level":3,"page":1529},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٧]","level":3,"page":1530},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٨]","level":3,"page":1530},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٩]","level":3,"page":1531},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٠]","level":3,"page":1531},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١١]","level":3,"page":1532},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٢]","level":3,"page":1532},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٣]","level":3,"page":1532},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٤]","level":3,"page":1533},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٥]","level":3,"page":1533},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٦]","level":3,"page":1534},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٧]","level":3,"page":1534},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٨]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ١٩]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٠]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢١]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٢]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٣]","level":3,"page":1536},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٤]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٥]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٦]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٧]","level":3,"page":1537},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٨]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٢٩]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٠]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣١]","level":3,"page":1538},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٢]","level":3,"page":1539},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٣]","level":3,"page":1539},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٤]","level":3,"page":1539},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٥]","level":3,"page":1539},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٦]","level":3,"page":1539},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٧]","level":3,"page":1540},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٨]","level":3,"page":1540},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٣٩]","level":3,"page":1540},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٠]","level":3,"page":1540},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤١]","level":3,"page":1541},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٢]","level":3,"page":1541},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٣]","level":3,"page":1541},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٤]","level":3,"page":1542},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٥]","level":3,"page":1542},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٦]","level":3,"page":1542},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٧]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٨]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٤٩]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٥٠]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٥١]","level":3,"page":1543},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٥٢]","level":3,"page":1544},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٥٣]","level":3,"page":1544},{"title":"[سورة سبأ (٣٤): آية ٥٤]","level":3,"page":1544},{"title":"سورة فاطر - ٣٥ - مكية","level":2,"page":1545},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1545},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1545},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1546},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١]","level":3,"page":1547},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]","level":3,"page":1547},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]","level":3,"page":1548},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤]","level":3,"page":1548},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٥]","level":3,"page":1548},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٦]","level":3,"page":1549},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٧]","level":3,"page":1549},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٨]","level":3,"page":1549},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]","level":3,"page":1549},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]","level":3,"page":1550},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]","level":3,"page":1550},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]","level":3,"page":1550},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٣]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٤]","level":3,"page":1551},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٥]","level":3,"page":1552},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٦]","level":3,"page":1552},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٧]","level":3,"page":1552},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]","level":3,"page":1552},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٩]","level":3,"page":1553},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٠]","level":3,"page":1553},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢١]","level":3,"page":1553},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٢]","level":3,"page":1553},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٣]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٤]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٥]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٦]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٧]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٨]","level":3,"page":1555},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٩]","level":3,"page":1555},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٠]","level":3,"page":1555},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]","level":3,"page":1556},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]","level":3,"page":1556},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٣]","level":3,"page":1556},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٤]","level":3,"page":1556},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٥]","level":3,"page":1557},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٦]","level":3,"page":1557},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٧]","level":3,"page":1557},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٨]","level":3,"page":1558},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٩]","level":3,"page":1558},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]","level":3,"page":1558},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]","level":3,"page":1559},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٢]","level":3,"page":1559},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٣]","level":3,"page":1559},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٤]","level":3,"page":1560},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٥]","level":3,"page":1560},{"title":"سورة ياسين - ٣٦ - مكية","level":2,"page":1561},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1561},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1561},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1562},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١]","level":3,"page":1562},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢ إلى ٥]","level":3,"page":1563},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦]","level":3,"page":1563},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧]","level":3,"page":1563},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨]","level":3,"page":1564},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٩]","level":3,"page":1564},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٠]","level":3,"page":1564},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١١]","level":3,"page":1564},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٢]","level":3,"page":1565},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٣]","level":3,"page":1565},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٤]","level":3,"page":1565},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٥]","level":3,"page":1566},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٦]","level":3,"page":1566},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٧]","level":3,"page":1566},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٨]","level":3,"page":1566},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٩]","level":3,"page":1567},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٠]","level":3,"page":1567},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢١]","level":3,"page":1567},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٢]","level":3,"page":1567},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٣]","level":3,"page":1567},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٤]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٥]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٦]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٧]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٨]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٩]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٠]","level":3,"page":1568},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣١]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٢]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٣]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٤]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٥]","level":3,"page":1570},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٦]","level":3,"page":1570},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٧]","level":3,"page":1570},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٨]","level":3,"page":1570},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٩]","level":3,"page":1570},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٠]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤١]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٢]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٣]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٤]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٥]","level":3,"page":1571},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٦]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٧]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٨]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٩]","level":3,"page":1572},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٠]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥١]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٢]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٣]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٤]","level":3,"page":1573},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٥]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٦]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٧]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٨]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٩]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٠]","level":3,"page":1574},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦١]","level":3,"page":1575},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٢]","level":3,"page":1575},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٣]","level":3,"page":1575},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٤]","level":3,"page":1575},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٥]","level":3,"page":1575},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٦]","level":3,"page":1576},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٧]","level":3,"page":1576},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٨]","level":3,"page":1576},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٩]","level":3,"page":1577},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٠]","level":3,"page":1577},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧١]","level":3,"page":1577},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٢]","level":3,"page":1577},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٣]","level":3,"page":1578},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٤]","level":3,"page":1578},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٥]","level":3,"page":1578},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٦]","level":3,"page":1578},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٧]","level":3,"page":1578},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٨]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٩]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٠]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨١]","level":3,"page":1579},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]","level":3,"page":1580},{"title":"سورة الصافات - ٣٧ - مكية","level":2,"page":1581},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1581},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1581},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1582},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١]","level":3,"page":1583},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢]","level":3,"page":1583},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣]","level":3,"page":1583},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤]","level":3,"page":1584},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥]","level":3,"page":1584},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦]","level":3,"page":1584},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧]","level":3,"page":1584},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨]","level":3,"page":1584},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٨]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٩]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٠]","level":3,"page":1586},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢١]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٢]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٣]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٤]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٥]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٦]","level":3,"page":1587},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٧]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٨]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٩]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٠]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣١]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٢]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٣]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٤]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٥]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٦]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٧]","level":3,"page":1589},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٨]","level":3,"page":1590},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٩]","level":3,"page":1590},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٠]","level":3,"page":1590},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":3,"page":1590},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٦]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٧]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٨]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٩]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٠]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥١]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٢]","level":3,"page":1591},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٣]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٤]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٥]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٦]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٧]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٨]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٩]","level":3,"page":1592},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٠]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦١]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٢]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٣]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٤]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٥]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٦]","level":3,"page":1593},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٧]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٨]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٩]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٠]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧١]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٢]","level":3,"page":1594},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٣]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٤]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٥]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٦]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٧]","level":3,"page":1595},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٨]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٩]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٠]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨١]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٢]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٣]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٤]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٥]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٦]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٧]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٨]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٩]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٠]","level":3,"page":1597},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩١]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٢]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٣]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٤]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٥]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٦]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٧]","level":3,"page":1598},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٨]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٩]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٠]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠١]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٢]","level":3,"page":1599},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٣]","level":3,"page":1600},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٤]","level":3,"page":1600},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٥]","level":3,"page":1600},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٦]","level":3,"page":1600},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٧]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٨]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٩]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٠]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١١]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٢]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٣]","level":3,"page":1601},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٤]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٥]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٦]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٧]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٨]","level":3,"page":1602},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٩]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٢]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٣]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٤]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٥]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٦]","level":3,"page":1603},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٧]","level":3,"page":1604},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٨]","level":3,"page":1604},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٩]","level":3,"page":1604},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٢]","level":3,"page":1604},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٣]","level":3,"page":1604},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٤]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٥]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٦]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٧]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٨]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٩]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٠]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤١]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٢]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٣]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٤]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٥]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٦]","level":3,"page":1606},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٧]","level":3,"page":1607},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٨]","level":3,"page":1607},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٩]","level":3,"page":1607},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٠]","level":3,"page":1607},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٢]","level":3,"page":1608},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٥]","level":3,"page":1608},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٧]","level":3,"page":1608},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٨]","level":3,"page":1608},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٠]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦١]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٣]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٤]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٥]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٧]","level":3,"page":1610},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٩]","level":3,"page":1610},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٠]","level":3,"page":1610},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧١]","level":3,"page":1610},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٢]","level":3,"page":1610},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٣]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٤]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٥]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٦]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٧]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٨]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٩]","level":3,"page":1611},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٨٠]","level":3,"page":1612},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٨١]","level":3,"page":1612},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٨٢]","level":3,"page":1612},{"title":"سورة ص - ٣٨ - مكية","level":2,"page":1613},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1613},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1613},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1614},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١]","level":3,"page":1615},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢]","level":3,"page":1615},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣]","level":3,"page":1615},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤]","level":3,"page":1615},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨]","level":3,"page":1616},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٩]","level":3,"page":1617},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٠]","level":3,"page":1617},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١١]","level":3,"page":1617},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٢]","level":3,"page":1617},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٣]","level":3,"page":1617},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٤]","level":3,"page":1618},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٥]","level":3,"page":1618},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٦]","level":3,"page":1618},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٧]","level":3,"page":1618},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٨]","level":3,"page":1619},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٩]","level":3,"page":1619},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٠]","level":3,"page":1619},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢١]","level":3,"page":1619},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٢]","level":3,"page":1619},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٣]","level":3,"page":1620},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]","level":3,"page":1621},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٥]","level":3,"page":1621},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]","level":3,"page":1621},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٧]","level":3,"page":1622},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٨]","level":3,"page":1622},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٩]","level":3,"page":1622},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٠]","level":3,"page":1623},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣١]","level":3,"page":1623},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٢]","level":3,"page":1623},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٣]","level":3,"page":1623},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]","level":3,"page":1623},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]","level":3,"page":1624},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٦]","level":3,"page":1624},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٧]","level":3,"page":1624},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٨]","level":3,"page":1624},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٩]","level":3,"page":1624},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٠]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤١]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٢]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٣]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٤]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٥]","level":3,"page":1626},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٦]","level":3,"page":1626},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٧]","level":3,"page":1626},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٨]","level":3,"page":1626},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٩]","level":3,"page":1626},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٠ إلى ٥٥]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٨]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٩]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٠]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦١]","level":3,"page":1627},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٢]","level":3,"page":1628},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٣]","level":3,"page":1628},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٤]","level":3,"page":1628},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٥]","level":3,"page":1628},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٦]","level":3,"page":1628},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٧]","level":3,"page":1629},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٨]","level":3,"page":1629},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٩]","level":3,"page":1629},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٠]","level":3,"page":1629},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧١]","level":3,"page":1630},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٢]","level":3,"page":1630},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٣]","level":3,"page":1630},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٤]","level":3,"page":1630},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٥]","level":3,"page":1630},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٦]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٧]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٨]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٩]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٠]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨١]","level":3,"page":1631},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٢]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٣]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٤]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٥]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٦]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٧]","level":3,"page":1632},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٨]","level":3,"page":1633},{"title":"سورة الزمر - ٣٩ - مكية","level":2,"page":1634},{"title":"مقدمة","level":3,"page":1634},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1634},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1634},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١]","level":3,"page":1635},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢]","level":3,"page":1636},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]","level":3,"page":1636},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤]","level":3,"page":1637},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥]","level":3,"page":1637},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]","level":3,"page":1637},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]","level":3,"page":1638},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]","level":3,"page":1639},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]","level":3,"page":1639},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٠]","level":3,"page":1640},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١١]","level":3,"page":1640},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٢]","level":3,"page":1640},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٣]","level":3,"page":1641},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٤]","level":3,"page":1641},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٥]","level":3,"page":1641},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٦]","level":3,"page":1641},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٧]","level":3,"page":1642},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٨]","level":3,"page":1642},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٩]","level":3,"page":1642},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٠]","level":3,"page":1642},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]","level":3,"page":1643},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]","level":3,"page":1643},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]","level":3,"page":1644},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٤]","level":3,"page":1644},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٥]","level":3,"page":1645},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٦]","level":3,"page":1645},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٧]","level":3,"page":1645},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٨]","level":3,"page":1645},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]","level":3,"page":1646},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٠]","level":3,"page":1646},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣١]","level":3,"page":1646},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٢]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٣]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٤]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٥]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٦]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٧]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٩]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٠]","level":3,"page":1648},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤١]","level":3,"page":1649},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٢]","level":3,"page":1649},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٣]","level":3,"page":1650},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٤]","level":3,"page":1650},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]","level":3,"page":1650},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]","level":3,"page":1651},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٧]","level":3,"page":1651},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٨]","level":3,"page":1651},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٠]","level":3,"page":1652},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥١]","level":3,"page":1652},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٢]","level":3,"page":1652},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٣]","level":3,"page":1653},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٤]","level":3,"page":1653},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٥]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٦]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٧]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٨]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٩]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٠]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦١]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٢]","level":3,"page":1655},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٣]","level":3,"page":1656},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٤]","level":3,"page":1656},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٥]","level":3,"page":1656},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٦]","level":3,"page":1656},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]","level":3,"page":1656},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٨]","level":3,"page":1657},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٩]","level":3,"page":1657},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٠]","level":3,"page":1657},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧١]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٢]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٣]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٤]","level":3,"page":1659},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]","level":3,"page":1659},{"title":"الربع الرابع","level":1,"page":1660},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1661},{"title":"مراجع الكتاب","level":2,"page":1668},{"title":"سورة غافر - ٤٠ - مكية","level":2,"page":1669},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1669},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1670},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1671},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1671},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣]","level":4,"page":1672},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤]","level":4,"page":1672},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥]","level":4,"page":1672},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦]","level":4,"page":1672},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧ إلى ٩]","level":4,"page":1672},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":4,"page":1672},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":4,"page":1673},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٤]","level":4,"page":1673},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":4,"page":1673},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٠]","level":4,"page":1673},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢١]","level":4,"page":1673},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٢]","level":4,"page":1674},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":4,"page":1674},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٦]","level":4,"page":1674},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٧]","level":4,"page":1674},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]","level":4,"page":1674},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٩]","level":4,"page":1675},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":4,"page":1675},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]","level":4,"page":1675},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٥]","level":4,"page":1675},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":4,"page":1675},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":4,"page":1676},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٢ إلى ٤٦]","level":4,"page":1676},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":4,"page":1676},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":4,"page":1676},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":4,"page":1677},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٣]","level":4,"page":1677},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٤]","level":4,"page":1677},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]","level":4,"page":1677},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]","level":4,"page":1677},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٧]","level":4,"page":1677},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٨]","level":4,"page":1677},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٩]","level":4,"page":1678},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]","level":4,"page":1678},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":4,"page":1678},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٣]","level":4,"page":1678},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٤]","level":4,"page":1678},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":4,"page":1678},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":4,"page":1678},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٩]","level":4,"page":1679},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٠ إلى ٧٤]","level":4,"page":1679},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٥]","level":4,"page":1679},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٦]","level":4,"page":1679},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٧]","level":4,"page":1679},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٨]","level":4,"page":1680},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":4,"page":1680},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٢]","level":4,"page":1680},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٣]","level":4,"page":1680},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٤]","level":4,"page":1680},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٥]","level":4,"page":1681},{"title":"سورة فصلت - ٤١ - مكية","level":2,"page":1682},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1682},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1682},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1683},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1683},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣]","level":4,"page":1683},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤]","level":4,"page":1684},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥]","level":4,"page":1684},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":4,"page":1684},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٨]","level":4,"page":1684},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":4,"page":1684},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":4,"page":1685},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٧]","level":4,"page":1685},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٨]","level":4,"page":1685},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":4,"page":1685},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٣]","level":4,"page":1685},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٤]","level":4,"page":1686},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]","level":4,"page":1686},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٦]","level":4,"page":1686},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٧]","level":4,"page":1686},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٨]","level":4,"page":1687},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٩]","level":4,"page":1687},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":4,"page":1687},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":4,"page":1687},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٥]","level":4,"page":1687},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٦]","level":4,"page":1688},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":4,"page":1688},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٩]","level":4,"page":1688},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٠]","level":4,"page":1688},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤١]","level":4,"page":1688},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٢]","level":4,"page":1688},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٣]","level":4,"page":1689},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٤]","level":4,"page":1689},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٥]","level":4,"page":1689},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٦]","level":4,"page":1690},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٧]","level":4,"page":1690},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٨]","level":4,"page":1690},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٩]","level":4,"page":1690},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٠]","level":4,"page":1690},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥١]","level":4,"page":1691},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٢]","level":4,"page":1691},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٣]","level":4,"page":1691},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٤]","level":4,"page":1691},{"title":"سورة الشورى - ٤٢ - مكية","level":2,"page":1692},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1692},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1693},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1694},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":1694},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤]","level":4,"page":1694},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]","level":4,"page":1694},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٦]","level":4,"page":1694},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٧]","level":4,"page":1694},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٨]","level":4,"page":1695},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٩]","level":4,"page":1695},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٠]","level":4,"page":1695},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١١]","level":4,"page":1695},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٢]","level":4,"page":1695},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٣]","level":4,"page":1695},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٤]","level":4,"page":1696},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]","level":4,"page":1696},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٦]","level":4,"page":1696},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٧]","level":4,"page":1697},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٨]","level":4,"page":1697},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٩]","level":4,"page":1697},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٠]","level":4,"page":1697},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢١]","level":4,"page":1697},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٢]","level":4,"page":1697},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]","level":4,"page":1698},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٤]","level":4,"page":1698},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٥]","level":4,"page":1698},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٦]","level":4,"page":1698},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٧]","level":4,"page":1698},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٨]","level":4,"page":1698},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٩]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٠]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣١]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٢]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٣]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٤]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٥]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٦]","level":4,"page":1699},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":4,"page":1700},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٠]","level":4,"page":1700},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤١]","level":4,"page":1700},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٢]","level":4,"page":1700},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٣]","level":4,"page":1700},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٤]","level":4,"page":1700},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٥]","level":4,"page":1701},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٦]","level":4,"page":1701},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٧]","level":4,"page":1701},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٨]","level":4,"page":1701},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٨]","level":4,"page":1701},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":4,"page":1701},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]","level":4,"page":1702},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":4,"page":1702},{"title":"سورة الزخرف - ٤٣ - مكية","level":2,"page":1703},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1703},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1704},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤]","level":4,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]","level":4,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦]","level":4,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧]","level":4,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨]","level":4,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٩]","level":4,"page":1705},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":4,"page":1706},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]","level":4,"page":1706},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٦]","level":4,"page":1706},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٧]","level":4,"page":1706},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٨]","level":4,"page":1706},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٩]","level":4,"page":1706},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٠]","level":4,"page":1706},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢١]","level":4,"page":1707},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٢]","level":4,"page":1707},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٣]","level":4,"page":1707},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٤]","level":4,"page":1707},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٥]","level":4,"page":1707},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٦]","level":4,"page":1707},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٧]","level":4,"page":1708},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٨]","level":4,"page":1708},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٩]","level":4,"page":1708},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٠]","level":4,"page":1708},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣١]","level":4,"page":1708},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٢]","level":4,"page":1708},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":4,"page":1709},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٥]","level":4,"page":1709},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٦]","level":4,"page":1709},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٧]","level":4,"page":1709},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٨]","level":4,"page":1709},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٩]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٠]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤١]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٢]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٣]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٤]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٥]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٦]","level":4,"page":1710},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٧]","level":4,"page":1711},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٨]","level":4,"page":1711},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٩]","level":4,"page":1711},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٠]","level":4,"page":1711},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥١]","level":4,"page":1711},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٢]","level":4,"page":1711},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٣]","level":4,"page":1711},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٤]","level":4,"page":1712},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٥]","level":4,"page":1712},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٦]","level":4,"page":1712},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٧]","level":4,"page":1712},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":4,"page":1712},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٠]","level":4,"page":1712},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":4,"page":1712},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":4,"page":1713},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٥]","level":4,"page":1713},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٦]","level":4,"page":1713},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٧]","level":4,"page":1713},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٨ إلى ٧٣]","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٧]","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٨]","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٩]","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٠]","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨١]","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٢]","level":4,"page":1715},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٣]","level":4,"page":1715},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":4,"page":1715},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٦]","level":4,"page":1715},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٧]","level":4,"page":1715},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":4,"page":1715},{"title":"سورة الدخان - ٤٤ - مكية","level":2,"page":1716},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1716},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1717},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1717},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":1717},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٦]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٩]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٢]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":4,"page":1718},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":4,"page":1719},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٧]","level":4,"page":1719},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٨]","level":4,"page":1719},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٩]","level":4,"page":1719},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٠]","level":4,"page":1719},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢١]","level":4,"page":1719},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٢]","level":4,"page":1719},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٣]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٤]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٨]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٩]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٢]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٣]","level":4,"page":1720},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":4,"page":1721},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٧]","level":4,"page":1721},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":4,"page":1721},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٠]","level":4,"page":1721},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٢]","level":4,"page":1721},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٩]","level":4,"page":1721},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٠]","level":4,"page":1722},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":4,"page":1722},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٧]","level":4,"page":1722},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٨]","level":4,"page":1722},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٩]","level":4,"page":1722},{"title":"سورة الجاثية - ٤٥ - مكية","level":2,"page":1723},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1723},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1724},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1724},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1724},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣ إلى ٥]","level":4,"page":1725},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٦]","level":4,"page":1725},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1725},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٩]","level":4,"page":1725},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٠]","level":4,"page":1725},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١١]","level":4,"page":1726},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":4,"page":1726},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٤]","level":4,"page":1726},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٥]","level":4,"page":1726},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٦]","level":4,"page":1726},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٧]","level":4,"page":1727},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٨]","level":4,"page":1727},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٩]","level":4,"page":1727},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٠]","level":4,"page":1727},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢١]","level":4,"page":1727},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٢]","level":4,"page":1728},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٣]","level":4,"page":1728},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٤]","level":4,"page":1728},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٥]","level":4,"page":1728},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٦]","level":4,"page":1728},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٧]","level":4,"page":1728},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٨]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٩]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٠]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣١]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٢]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٣]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٤]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٥]","level":4,"page":1729},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":4,"page":1730},{"title":"سورة الأحقاف - ٤٦ - مكية","level":2,"page":1731},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1731},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1732},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1733},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1733},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣]","level":4,"page":1733},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]","level":4,"page":1733},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٥]","level":4,"page":1733},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٦]","level":4,"page":1733},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٧]","level":4,"page":1733},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٨]","level":4,"page":1734},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]","level":4,"page":1734},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٠]","level":4,"page":1734},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١١]","level":4,"page":1734},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٢]","level":4,"page":1734},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٣]","level":4,"page":1735},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٤]","level":4,"page":1735},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]","level":4,"page":1735},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٦]","level":4,"page":1735},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٧]","level":4,"page":1735},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":4,"page":1735},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]","level":4,"page":1736},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢١]","level":4,"page":1736},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٢]","level":4,"page":1736},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٣]","level":4,"page":1736},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٤]","level":4,"page":1736},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٥]","level":4,"page":1736},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]","level":4,"page":1737},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٧]","level":4,"page":1737},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٨]","level":4,"page":1737},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٩]","level":4,"page":1737},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٠]","level":4,"page":1738},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣١]","level":4,"page":1738},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٢]","level":4,"page":1738},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٣]","level":4,"page":1738},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٤]","level":4,"page":1738},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]","level":4,"page":1738},{"title":"سورة محمد - ٤٧ - مدنية","level":2,"page":1739},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1739},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1740},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1741},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١]","level":4,"page":1741},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢]","level":4,"page":1741},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣]","level":4,"page":1741},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٤]","level":4,"page":1742},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1742},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٧]","level":4,"page":1742},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٨]","level":4,"page":1742},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٩]","level":4,"page":1742},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٠]","level":4,"page":1743},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١١]","level":4,"page":1743},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٢]","level":4,"page":1743},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٣]","level":4,"page":1743},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٤]","level":4,"page":1743},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]","level":4,"page":1743},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٦]","level":4,"page":1744},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٧]","level":4,"page":1744},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٨]","level":4,"page":1744},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٩]","level":4,"page":1744},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":4,"page":1744},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٢]","level":4,"page":1745},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٣]","level":4,"page":1745},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٤]","level":4,"page":1745},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٥]","level":4,"page":1745},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٦]","level":4,"page":1745},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٧]","level":4,"page":1745},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٨]","level":4,"page":1745},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٩]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٠]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣١]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٢]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٣]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٤]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٥]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٦]","level":4,"page":1746},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٧]","level":4,"page":1747},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]","level":4,"page":1747},{"title":"سورة الفتح - ٤٨ - مدنية","level":2,"page":1748},{"title":"نبذة تاريخية","level":3,"page":1748},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1750},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1750},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1751},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١]","level":4,"page":1751},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢]","level":4,"page":1751},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٣]","level":4,"page":1751},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]","level":4,"page":1751},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٥]","level":4,"page":1751},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٦]","level":4,"page":1752},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٧]","level":4,"page":1752},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٨]","level":4,"page":1752},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٩]","level":4,"page":1752},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]","level":4,"page":1752},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]","level":4,"page":1752},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٢]","level":4,"page":1753},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٣]","level":4,"page":1753},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٤]","level":4,"page":1753},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]","level":4,"page":1753},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٦]","level":4,"page":1753},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٧]","level":4,"page":1754},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":4,"page":1754},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٠]","level":4,"page":1754},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢١]","level":4,"page":1754},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٢]","level":4,"page":1754},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٣]","level":4,"page":1754},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٤]","level":4,"page":1755},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٥]","level":4,"page":1755},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]","level":4,"page":1755},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٧]","level":4,"page":1755},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٨]","level":4,"page":1756},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]","level":4,"page":1756},{"title":"سورة الحجرات - ٤٩ - مدنية","level":2,"page":1757},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1757},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1757},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1758},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]","level":4,"page":1758},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٢]","level":4,"page":1758},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٣]","level":4,"page":1758},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":4,"page":1758},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]","level":4,"page":1758},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1759},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٩]","level":4,"page":1759},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٠]","level":4,"page":1759},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]","level":4,"page":1759},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]","level":4,"page":1759},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]","level":4,"page":1760},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":4,"page":1760},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٦]","level":4,"page":1760},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٧]","level":4,"page":1760},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٨]","level":4,"page":1760},{"title":"سورة ق - ٥٠ - مكية","level":2,"page":1761},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1761},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1761},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1762},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١]","level":4,"page":1762},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢]","level":4,"page":1762},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣]","level":4,"page":1762},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤]","level":4,"page":1762},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٥]","level":4,"page":1762},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٦ إلى ٨]","level":4,"page":1763},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٩ إلى ١١]","level":4,"page":1763},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":4,"page":1763},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٥]","level":4,"page":1763},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":4,"page":1763},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٩]","level":4,"page":1763},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":4,"page":1763},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٢]","level":4,"page":1764},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٣]","level":4,"page":1764},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":4,"page":1764},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٧]","level":4,"page":1764},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":4,"page":1764},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣١ إلى ٣٥]","level":4,"page":1764},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٧]","level":4,"page":1765},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٨]","level":4,"page":1765},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٠]","level":4,"page":1765},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":4,"page":1765},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٥]","level":4,"page":1765},{"title":"سورة الذاريات - ٥١ - مكية","level":2,"page":1766},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1766},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1766},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1767},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ إلى ٤]","level":4,"page":1767},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥]","level":4,"page":1767},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٦]","level":4,"page":1767},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٧]","level":4,"page":1767},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٨]","level":4,"page":1768},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٩]","level":4,"page":1768},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":4,"page":1768},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":4,"page":1768},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":4,"page":1768},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٩]","level":4,"page":1768},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":4,"page":1768},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٣]","level":4,"page":1769},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ إلى ٣٦]","level":4,"page":1769},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٧]","level":4,"page":1769},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":4,"page":1769},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":4,"page":1769},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٦]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٧]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٨]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٩]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٠]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥١]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":4,"page":1770},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":4,"page":1771},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٦]","level":4,"page":1771},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":4,"page":1771},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":4,"page":1771},{"title":"سورة الطور - ٥٢ - مكية","level":2,"page":1772},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1772},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1773},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1773},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١]","level":4,"page":1773},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢]","level":4,"page":1773},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣]","level":4,"page":1773},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤]","level":4,"page":1773},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٥]","level":4,"page":1773},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٦]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٥]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٦]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]","level":4,"page":1774},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":4,"page":1775},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":4,"page":1775},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٩]","level":4,"page":1775},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":4,"page":1775},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٢]","level":4,"page":1775},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٣]","level":4,"page":1775},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٤]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٩]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٠]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤١]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٢]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٣]","level":4,"page":1776},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٤]","level":4,"page":1777},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":4,"page":1777},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٧]","level":4,"page":1777},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":4,"page":1777},{"title":"سورة النجم - ٥٣ - مكية","level":2,"page":1778},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1778},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1779},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١]","level":4,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢]","level":4,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣]","level":4,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤]","level":4,"page":1780},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥]","level":4,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٦ إلى ٧]","level":4,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٠]","level":4,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١١]","level":4,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٢]","level":4,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":4,"page":1781},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٦]","level":4,"page":1782},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٧]","level":4,"page":1782},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٨]","level":4,"page":1782},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":4,"page":1782},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":4,"page":1782},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]","level":4,"page":1782},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٤]","level":4,"page":1782},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٥]","level":4,"page":1783},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٦]","level":4,"page":1783},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٧]","level":4,"page":1783},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٨]","level":4,"page":1783},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٩]","level":4,"page":1783},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٠]","level":4,"page":1783},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣١]","level":4,"page":1783},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٢]","level":4,"page":1784},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٣]","level":4,"page":1784},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٤]","level":4,"page":1784},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٥]","level":4,"page":1784},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":4,"page":1784},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٨]","level":4,"page":1784},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٢]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٣]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٤ إلى ٤٦]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٧]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٨]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٩]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":4,"page":1785},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٥]","level":4,"page":1786},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٦]","level":4,"page":1786},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٧]","level":4,"page":1786},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٨]","level":4,"page":1786},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٩]","level":4,"page":1786},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦٠]","level":4,"page":1786},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦١]","level":4,"page":1786},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦٢]","level":4,"page":1786},{"title":"سورة القمر - ٥٤ - مكية","level":2,"page":1787},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1787},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1788},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١]","level":4,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢]","level":4,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣]","level":4,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤]","level":4,"page":1789},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٦]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٩]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٠]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٣]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٤]","level":4,"page":1790},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٥]","level":4,"page":1791},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٦]","level":4,"page":1791},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٧]","level":4,"page":1791},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ إلى ٢٢]","level":4,"page":1791},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":4,"page":1791},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":4,"page":1791},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":4,"page":1791},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٢]","level":4,"page":1792},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٣]","level":4,"page":1792},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٩]","level":4,"page":1792},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٠]","level":4,"page":1792},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤١]","level":4,"page":1792},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٢]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٣]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٤]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٥]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٦]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٩]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٠]","level":4,"page":1793},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥١]","level":4,"page":1794},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٢]","level":4,"page":1794},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٣]","level":4,"page":1794},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":4,"page":1794},{"title":"سورة الرحمن - ٥٥ - مكية، وقيل مدنية، وقيل فيها مكي ومدني","level":2,"page":1795},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1795},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1796},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣ إلى ٤]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٩]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٠]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":4,"page":1797},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٣]","level":4,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":4,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٨]","level":4,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":4,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":4,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":4,"page":1798},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":4,"page":1799},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":4,"page":1800},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ إلى ٧٨]","level":4,"page":1800},{"title":"سورة الواقعة - ٥٦ - مكية","level":2,"page":1802},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1802},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1803},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤ إلى ٦]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":4,"page":1804},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٥ إلى ٢٣]","level":4,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٤]","level":4,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":4,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ إلى ٣٨]","level":4,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":4,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":4,"page":1805},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٥]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٦]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٩ إلى ٥٦]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٢]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":4,"page":1806},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٥ إلى ٦٧]","level":4,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":4,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٠]","level":4,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":4,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٣]","level":4,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٤]","level":4,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":4,"page":1807},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٩]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨٠]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨١]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨٢]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨٣]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨٤]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨٥]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":4,"page":1808},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ إلى ٩٤]","level":4,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٥]","level":4,"page":1809},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٦]","level":4,"page":1809},{"title":"سورة الحديد - ٥٧ - مدنية","level":2,"page":1810},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1810},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1812},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1813},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١]","level":4,"page":1813},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢]","level":4,"page":1814},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٣]","level":4,"page":1814},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٤]","level":4,"page":1814},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٥]","level":4,"page":1814},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٦]","level":4,"page":1814},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٧]","level":4,"page":1814},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٨]","level":4,"page":1814},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٩]","level":4,"page":1815},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٠]","level":4,"page":1815},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١١]","level":4,"page":1815},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٢]","level":4,"page":1815},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]","level":4,"page":1815},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٤]","level":4,"page":1816},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٥]","level":4,"page":1816},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]","level":4,"page":1816},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٧]","level":4,"page":1817},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٨]","level":4,"page":1817},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]","level":4,"page":1817},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]","level":4,"page":1817},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]","level":4,"page":1817},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٢]","level":4,"page":1818},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٣]","level":4,"page":1818},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٤]","level":4,"page":1818},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]","level":4,"page":1818},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٦]","level":4,"page":1819},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]","level":4,"page":1819},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]","level":4,"page":1819},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]","level":4,"page":1819},{"title":"سورة المجادلة - ٥٨ - مدنية","level":2,"page":1820},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1820},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1820},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1821},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]","level":4,"page":1821},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]","level":4,"page":1821},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]","level":4,"page":1822},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤]","level":4,"page":1822},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٥]","level":4,"page":1822},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٦]","level":4,"page":1822},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]","level":4,"page":1822},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]","level":4,"page":1822},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٩]","level":4,"page":1823},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٠]","level":4,"page":1823},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]","level":4,"page":1823},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٢]","level":4,"page":1823},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٣]","level":4,"page":1824},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":4,"page":1824},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٦]","level":4,"page":1824},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٧]","level":4,"page":1824},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٨]","level":4,"page":1824},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٩]","level":4,"page":1824},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٠]","level":4,"page":1825},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢١]","level":4,"page":1825},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]","level":4,"page":1825},{"title":"سورة الحشر - ٥٩ - مدنية","level":2,"page":1826},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":1826},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1828},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1828},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1829},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١]","level":4,"page":1829},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]","level":4,"page":1829},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٣]","level":4,"page":1830},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٤]","level":4,"page":1830},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]","level":4,"page":1830},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٦]","level":4,"page":1830},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٧]","level":4,"page":1830},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]","level":4,"page":1831},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٩]","level":4,"page":1831},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٠]","level":4,"page":1831},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١١]","level":4,"page":1831},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٢]","level":4,"page":1832},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٣]","level":4,"page":1832},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٤]","level":4,"page":1832},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٥]","level":4,"page":1832},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٦]","level":4,"page":1832},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٧]","level":4,"page":1833},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٨]","level":4,"page":1833},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٩]","level":4,"page":1833},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٠]","level":4,"page":1833},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢١]","level":4,"page":1833},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٢]","level":4,"page":1833},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":4,"page":1833},{"title":"سورة الممتحنة - ٦٠ - مدنية","level":2,"page":1834},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1834},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1835},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1835},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]","level":4,"page":1835},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٢]","level":4,"page":1836},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٣]","level":4,"page":1836},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٤]","level":4,"page":1836},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٥]","level":4,"page":1836},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٦]","level":4,"page":1836},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٧]","level":4,"page":1836},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٨]","level":4,"page":1837},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٩]","level":4,"page":1837},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]","level":4,"page":1837},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١١]","level":4,"page":1838},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]","level":4,"page":1838},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]","level":4,"page":1838},{"title":"سورة الصف - ٦١ - مدنية","level":2,"page":1839},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1839},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1840},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1840},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١]","level":4,"page":1840},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٢]","level":4,"page":1840},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٣]","level":4,"page":1840},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٤]","level":4,"page":1841},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٥]","level":4,"page":1841},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٦]","level":4,"page":1841},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٧]","level":4,"page":1842},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٨]","level":4,"page":1842},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٩]","level":4,"page":1842},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٠]","level":4,"page":1842},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١١]","level":4,"page":1842},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٢]","level":4,"page":1842},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٣]","level":4,"page":1843},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٤]","level":4,"page":1843},{"title":"سورة الجمعة - ٦٢ - مدنية","level":2,"page":1844},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1844},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1844},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1845},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١]","level":4,"page":1845},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٢]","level":4,"page":1845},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٣]","level":4,"page":1845},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٤]","level":4,"page":1845},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]","level":4,"page":1846},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٦]","level":4,"page":1846},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٧]","level":4,"page":1846},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٨]","level":4,"page":1846},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٩]","level":4,"page":1846},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١٠]","level":4,"page":1846},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]","level":4,"page":1847},{"title":"سورة المنافقون - ٦٣ - مدنية","level":2,"page":1848},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1848},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1849},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1849},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١]","level":4,"page":1849},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٢]","level":4,"page":1849},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]","level":4,"page":1849},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]","level":4,"page":1850},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٥]","level":4,"page":1850},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٦]","level":4,"page":1850},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٧]","level":4,"page":1850},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٨]","level":4,"page":1850},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٩]","level":4,"page":1850},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١٠]","level":4,"page":1851},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١١]","level":4,"page":1851},{"title":"سورة التغابن - ٦٤ - مدنية، وقيل مكية، وقيل بها مكي ومدني","level":2,"page":1852},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1852},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1852},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1853},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١]","level":4,"page":1853},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٢]","level":4,"page":1853},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٣]","level":4,"page":1853},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٤]","level":4,"page":1853},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٥]","level":4,"page":1853},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٦]","level":4,"page":1854},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٧]","level":4,"page":1854},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٨]","level":4,"page":1854},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٩]","level":4,"page":1854},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٠]","level":4,"page":1854},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١١]","level":4,"page":1854},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٢]","level":4,"page":1855},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٣]","level":4,"page":1855},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٤]","level":4,"page":1855},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٥]","level":4,"page":1855},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٦]","level":4,"page":1855},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٧]","level":4,"page":1855},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٨]","level":4,"page":1855},{"title":"سورة الطلاق - ٦٥ - مدنية","level":2,"page":1856},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1856},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1856},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1857},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]","level":4,"page":1857},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٢ إلى ٣]","level":4,"page":1857},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٤]","level":4,"page":1857},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٥]","level":4,"page":1858},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٦]","level":4,"page":1858},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٧]","level":4,"page":1858},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":4,"page":1858},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١١]","level":4,"page":1859},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]","level":4,"page":1859},{"title":"سورة التحريم - ٦٦ - مدنية","level":2,"page":1860},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1860},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1860},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1861},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١]","level":4,"page":1861},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٢]","level":4,"page":1861},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٣]","level":4,"page":1861},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٤]","level":4,"page":1861},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٥]","level":4,"page":1862},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٦]","level":4,"page":1862},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٧]","level":4,"page":1862},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]","level":4,"page":1862},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٩]","level":4,"page":1862},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٠]","level":4,"page":1863},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١١]","level":4,"page":1863},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٢]","level":4,"page":1863},{"title":"سورة الملك - ٦٧ - مكية","level":2,"page":1864},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1864},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1864},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1865},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١]","level":4,"page":1865},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢]","level":4,"page":1865},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٣]","level":4,"page":1865},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٤]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٥]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٨]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٩]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٠]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١١]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٢]","level":4,"page":1866},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٥]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٨]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٩]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٠]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢١]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٢]","level":4,"page":1867},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٣]","level":4,"page":1868},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٤]","level":4,"page":1868},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٥]","level":4,"page":1868},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٦]","level":4,"page":1868},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٧]","level":4,"page":1868},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٨]","level":4,"page":1868},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٩]","level":4,"page":1868},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٣٠]","level":4,"page":1868},{"title":"سورة القلم - ٦٨ - مكية","level":2,"page":1869},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1869},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1870},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1871},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١]","level":4,"page":1871},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢]","level":4,"page":1871},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣]","level":4,"page":1871},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤]","level":4,"page":1871},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1871},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٧]","level":4,"page":1871},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٨]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٩]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٠]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١١]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٢]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٣]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٤]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٥]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٦]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٧]","level":4,"page":1872},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٨]","level":4,"page":1873},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٩]","level":4,"page":1873},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٠]","level":4,"page":1873},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":4,"page":1873},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":4,"page":1873},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٦]","level":4,"page":1873},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٧]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٨]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٩]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٠]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٣]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٤]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٥]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٦]","level":4,"page":1874},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٩]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٠]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤١]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٢]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٣]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٤]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٥]","level":4,"page":1875},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٦]","level":4,"page":1876},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٧]","level":4,"page":1876},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٨]","level":4,"page":1876},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":4,"page":1876},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٥١]","level":4,"page":1876},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٥٢]","level":4,"page":1876},{"title":"سورة الحاقة - ٦٩ - مكية","level":2,"page":1877},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1877},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1878},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1878},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1878},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣]","level":4,"page":1878},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤]","level":4,"page":1878},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥]","level":4,"page":1879},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٦ إلى ٨]","level":4,"page":1879},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٩]","level":4,"page":1879},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٠]","level":4,"page":1879},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١١]","level":4,"page":1879},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٢]","level":4,"page":1879},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ إلى ١٧]","level":4,"page":1880},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٨]","level":4,"page":1880},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ إلى ٢٤]","level":4,"page":1880},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٥ إلى ٣٢]","level":4,"page":1880},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٣ إلى ٣٧]","level":4,"page":1880},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٨]","level":4,"page":1880},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٩]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٠]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٨]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٩]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥٠]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥١]","level":4,"page":1881},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥٢]","level":4,"page":1881},{"title":"سورة المعارج - ٧٠ - مكية","level":2,"page":1882},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1882},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1882},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1883},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١]","level":4,"page":1883},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢]","level":4,"page":1883},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣]","level":4,"page":1883},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤]","level":4,"page":1883},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٧]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٨]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٩]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١٠]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١٧]","level":4,"page":1884},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١٨]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١٩]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٠]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢١]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٦]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٧]","level":4,"page":1885},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٨]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٢]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٣]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٤]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٥]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٦]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٧]","level":4,"page":1886},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٨]","level":4,"page":1887},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٩ إلى ٤٢]","level":4,"page":1887},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":4,"page":1887},{"title":"سورة نوح - ٧١ - مكية","level":2,"page":1888},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1888},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1888},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1888},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١ إلى ٤]","level":4,"page":1888},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1889},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٧]","level":4,"page":1889},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":1889},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":4,"page":1889},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٣]","level":4,"page":1889},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٤]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٥]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٦]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٧]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٨]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٩]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٠]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢١]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٢]","level":4,"page":1890},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٣]","level":4,"page":1891},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٤]","level":4,"page":1891},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٥]","level":4,"page":1891},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٦]","level":4,"page":1891},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٧]","level":4,"page":1891},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٨]","level":4,"page":1891},{"title":"سورة الجن - ٧٢ - مكية","level":2,"page":1892},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":1892},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1892},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1893},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1894},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":1894},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٤]","level":4,"page":1894},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٥]","level":4,"page":1894},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٦]","level":4,"page":1894},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٧]","level":4,"page":1894},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":1895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٠]","level":4,"page":1895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١١]","level":4,"page":1895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٢]","level":4,"page":1895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٣]","level":4,"page":1895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٤]","level":4,"page":1895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٥]","level":4,"page":1895},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":4,"page":1896},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٨]","level":4,"page":1896},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٩]","level":4,"page":1896},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٠]","level":4,"page":1896},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢١]","level":4,"page":1896},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٢]","level":4,"page":1896},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٣]","level":4,"page":1896},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٤]","level":4,"page":1897},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٥]","level":4,"page":1897},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٦]","level":4,"page":1897},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٧]","level":4,"page":1897},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٨]","level":4,"page":1897},{"title":"سورة المزمل - ٧٣ - مكية","level":2,"page":1898},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1898},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1899},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1899},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١]","level":4,"page":1899},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢]","level":4,"page":1899},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٣]","level":4,"page":1899},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٤]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٥]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٦]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٧]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٨]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٩]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٠]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١١]","level":4,"page":1900},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":4,"page":1901},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٤]","level":4,"page":1901},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٥]","level":4,"page":1901},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٦]","level":4,"page":1901},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":4,"page":1901},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٩]","level":4,"page":1901},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]","level":4,"page":1901},{"title":"سورة المدثر - ٧٤ - مكية","level":2,"page":1903},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1903},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1903},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1904},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1904},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣]","level":4,"page":1904},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤]","level":4,"page":1904},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥]","level":4,"page":1904},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٦]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٧]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٨]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١١]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٢]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٣]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٤]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٥]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٦]","level":4,"page":1905},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٧]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٨]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢١]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٢]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٣]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٤]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٥]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٩]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٠]","level":4,"page":1906},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣١]","level":4,"page":1907},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":4,"page":1907},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":4,"page":1907},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٨]","level":4,"page":1907},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٩]","level":4,"page":1907},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":4,"page":1907},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٣]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٤]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٥]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٦]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٧]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٨]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٩]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٢]","level":4,"page":1908},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٣]","level":4,"page":1909},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":4,"page":1909},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٦]","level":4,"page":1909},{"title":"سورة القيامة - ٧٥ - مكية","level":2,"page":1910},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1910},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1911},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1911},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١]","level":4,"page":1911},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢]","level":4,"page":1911},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣]","level":4,"page":1911},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٤]","level":4,"page":1911},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1911},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٧]","level":4,"page":1911},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٠]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٣]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٤]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٥]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٨]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٩]","level":4,"page":1912},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٠]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢١]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٤]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٥]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٦]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٧]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٨]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٩]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٠]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٣]","level":4,"page":1913},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٥]","level":4,"page":1914},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٦]","level":4,"page":1914},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":4,"page":1914},{"title":"سورة الإنسان - ٧٦ - مدنية، وقيل مكية، وقيل بها مكي ومدني","level":2,"page":1915},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1915},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1916},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1916},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١]","level":4,"page":1916},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢]","level":4,"page":1916},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣]","level":4,"page":1916},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٤]","level":4,"page":1916},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1917},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٧]","level":4,"page":1917},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":4,"page":1917},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١١ إلى ٢١]","level":4,"page":1917},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٢]","level":4,"page":1917},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٣]","level":4,"page":1917},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٤]","level":4,"page":1918},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٥]","level":4,"page":1918},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٦]","level":4,"page":1918},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٧]","level":4,"page":1918},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٨]","level":4,"page":1918},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٩]","level":4,"page":1918},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣٠]","level":4,"page":1918},{"title":"سورة المرسلات - ٧٧ - مكية","level":2,"page":1919},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1919},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1919},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1920},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١]","level":4,"page":1920},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢]","level":4,"page":1920},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣]","level":4,"page":1920},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤]","level":4,"page":1920},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٥]","level":4,"page":1920},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٦]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٧]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١١]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٢]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٣]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٤]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٥]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٦]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٧]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":4,"page":1921},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٠]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٤]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٧]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٨]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٩]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٠]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣١]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٢]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٣]","level":4,"page":1922},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٤]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٥]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٦]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٧]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٨]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٥]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٦]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٧]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٨]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٩]","level":4,"page":1923},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٥٠]","level":4,"page":1923},{"title":"سورة النبأ - ٧٨ - مكية","level":2,"page":1924},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1924},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1925},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1925},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":1925},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٤ إلى ٥]","level":4,"page":1925},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٦]","level":4,"page":1925},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٧]","level":4,"page":1925},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٨]","level":4,"page":1925},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٩]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٠]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١١]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٢]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٣]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٩]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٠]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢١ إلى ٢٦]","level":4,"page":1926},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٩]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٠]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ إلى ٣٤]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٥]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٦]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٧]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٨]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٩]","level":4,"page":1927},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠]","level":4,"page":1928},{"title":"سورة النازعات - ٧٩ - مكية","level":2,"page":1929},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1929},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1929},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1930},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١]","level":4,"page":1930},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢]","level":4,"page":1930},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣]","level":4,"page":1930},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤]","level":4,"page":1930},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٥]","level":4,"page":1930},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":4,"page":1930},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٨]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٩]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٠]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١١]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٢]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٣]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٤]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٥]","level":4,"page":1931},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٦]","level":4,"page":1932},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٧]","level":4,"page":1932},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٨]","level":4,"page":1932},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٩]","level":4,"page":1932},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٠]","level":4,"page":1932},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":4,"page":1932},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٥]","level":4,"page":1932},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٦]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٩]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٦]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٢]","level":4,"page":1933},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٣]","level":4,"page":1934},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٤]","level":4,"page":1934},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٥]","level":4,"page":1934},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٦]","level":4,"page":1934},{"title":"سورة عبس - ٨٠ - مكية","level":2,"page":1935},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1935},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1935},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1936},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1936},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٣]","level":4,"page":1936},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٤]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٥]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٦]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٧]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١١]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١٢]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١٧]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١٨]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١٩]","level":4,"page":1937},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢٠]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢١]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢٢]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢٣]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢٤]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٥ إلى ٣٢]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٧]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":4,"page":1938},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":4,"page":1938},{"title":"سورة التكوير - ٨١ - مكية","level":2,"page":1939},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1939},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1939},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١]","level":4,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢]","level":4,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٣]","level":4,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٤]","level":4,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٥]","level":4,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٦]","level":4,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٧]","level":4,"page":1940},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١٠]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١١]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١٤]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":4,"page":1941},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٢]","level":4,"page":1942},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٣]","level":4,"page":1942},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٤]","level":4,"page":1942},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٥]","level":4,"page":1942},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٦]","level":4,"page":1942},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٧]","level":4,"page":1942},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٨]","level":4,"page":1942},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٩]","level":4,"page":1942},{"title":"سورة الانفطار - ٨٢ - مكية","level":2,"page":1943},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1943},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1943},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1944},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":1944},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٤]","level":4,"page":1944},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٥]","level":4,"page":1944},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٦]","level":4,"page":1944},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1944},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٩]","level":4,"page":1945},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":4,"page":1945},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٣]","level":4,"page":1945},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":4,"page":1945},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":4,"page":1945},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٩]","level":4,"page":1945},{"title":"سورة المطففين - ٨٣ - مختلف في كونها مكية أو مدنية، وقيل فيها مكي ومدني","level":2,"page":1946},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1946},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1946},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١]","level":4,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢ إلى ٣]","level":4,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٤ إلى ٦]","level":4,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٧]","level":4,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":4,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٢]","level":4,"page":1947},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٣]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٤]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٨]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٩]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٠]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢١]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٢ إلى ٢٨]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":4,"page":1948},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣١]","level":4,"page":1949},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٢]","level":4,"page":1949},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٣]","level":4,"page":1949},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":4,"page":1949},{"title":"سورة الانشقاق - ٨٤ - مكية","level":2,"page":1950},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1950},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1950},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٣]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٤]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٥]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٦]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٧]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٨]","level":4,"page":1951},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٩]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٠]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٣]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٤]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٥]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٩]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٠]","level":4,"page":1952},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢١]","level":4,"page":1953},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٢]","level":4,"page":1953},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٣]","level":4,"page":1953},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٤]","level":4,"page":1953},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٥]","level":4,"page":1953},{"title":"سورة البروج - ٨٥ - مكية","level":2,"page":1954},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1954},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1954},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1955},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1955},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٣]","level":4,"page":1955},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ إلى ٩]","level":4,"page":1955},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٠]","level":4,"page":1955},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١١]","level":4,"page":1955},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٢]","level":4,"page":1955},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٣]","level":4,"page":1956},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٤]","level":4,"page":1956},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٥]","level":4,"page":1956},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٦]","level":4,"page":1956},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":4,"page":1956},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٢١]","level":4,"page":1956},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٢٢]","level":4,"page":1956},{"title":"سورة الطارق - ٨٦ - مكية","level":2,"page":1957},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1957},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1957},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٤]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ إلى ٧]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٨]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٩]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٠]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١١]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٢]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٣]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٤]","level":4,"page":1958},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":4,"page":1959},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٧]","level":4,"page":1959},{"title":"سورة الأعلى - ٨٧ - مكية","level":2,"page":1960},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1960},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1960},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1961},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١]","level":4,"page":1961},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٢]","level":4,"page":1961},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٣]","level":4,"page":1961},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":4,"page":1961},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٦]","level":4,"page":1961},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٧]","level":4,"page":1961},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٨]","level":4,"page":1962},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٩]","level":4,"page":1962},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٠]","level":4,"page":1962},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١١]","level":4,"page":1962},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":4,"page":1962},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":4,"page":1962},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":4,"page":1962},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":4,"page":1962},{"title":"سورة الغاشية - ٨٨ - مكية","level":2,"page":1964},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1964},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1964},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1965},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١]","level":4,"page":1965},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢ إلى ٧]","level":4,"page":1965},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ إلى ١٦]","level":4,"page":1965},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٧]","level":4,"page":1965},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٨]","level":4,"page":1965},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":4,"page":1965},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":4,"page":1966},{"title":"سورة الفجر - ٨٩ - مكية","level":2,"page":1967},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1967},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1967},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1968},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1968},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٣]","level":4,"page":1968},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٤]","level":4,"page":1968},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٥]","level":4,"page":1968},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ إلى ٨]","level":4,"page":1968},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٩]","level":4,"page":1968},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٠]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٤]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٥]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٦]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٢]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":4,"page":1969},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٥]","level":4,"page":1970},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٦]","level":4,"page":1970},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":4,"page":1970},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":4,"page":1970},{"title":"سورة البلد - ٩٠ - مكية","level":2,"page":1971},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1971},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1971},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1972},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1972},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٣]","level":4,"page":1972},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٤]","level":4,"page":1972},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٥]","level":4,"page":1972},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٦]","level":4,"page":1972},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٧]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١٠]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١٣]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١٧]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١٨]","level":4,"page":1973},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":4,"page":1973},{"title":"سورة الشمس - ٩١ - مكية","level":2,"page":1974},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1974},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1974},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٢]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٣ إلى ٤]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٥]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٦]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٧]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٨]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٩]","level":4,"page":1975},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٠]","level":4,"page":1976},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١١]","level":4,"page":1976},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٢]","level":4,"page":1976},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٣]","level":4,"page":1976},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٤]","level":4,"page":1976},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٥]","level":4,"page":1976},{"title":"سورة الليل - ٩٢ - مكية","level":2,"page":1977},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1977},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1977},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٣]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٤]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٥]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٦]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٧]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٨]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٩]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٠]","level":4,"page":1978},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١١]","level":4,"page":1979},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٢]","level":4,"page":1979},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٣]","level":4,"page":1979},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":4,"page":1979},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":4,"page":1979},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":4,"page":1979},{"title":"سورة الضحى - ٩٣ - مكية","level":2,"page":1980},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":1980},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1981},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1981},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1981},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1981},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":4,"page":1982},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٥]","level":4,"page":1982},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٦]","level":4,"page":1982},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٧]","level":4,"page":1982},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٨]","level":4,"page":1982},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٩]","level":4,"page":1982},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ١٠]","level":4,"page":1982},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ١١]","level":4,"page":1982},{"title":"سورة الشرح - ٩٤ - مكية","level":2,"page":1983},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1983},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1983},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1984},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): آية ١]","level":4,"page":1984},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٢ إلى ٣]","level":4,"page":1984},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): آية ٤]","level":4,"page":1984},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":4,"page":1984},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1984},{"title":"سورة التين - ٩٥ - مكية","level":2,"page":1985},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1985},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1985},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1986},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":1986},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٣]","level":4,"page":1986},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٤]","level":4,"page":1986},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٥]","level":4,"page":1986},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٦]","level":4,"page":1986},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1986},{"title":"سورة العلق - ٩٦ - مكية","level":2,"page":1987},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1987},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1987},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1988},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١]","level":4,"page":1988},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٢]","level":4,"page":1988},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٣]","level":4,"page":1988},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٤ إلى ٥]","level":4,"page":1988},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ إلى ٧]","level":4,"page":1989},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٨]","level":4,"page":1989},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":4,"page":1989},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٣]","level":4,"page":1989},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٤]","level":4,"page":1989},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":4,"page":1989},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٧]","level":4,"page":1990},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٨]","level":4,"page":1990},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٩]","level":4,"page":1990},{"title":"سورة القدر - ٩٧ - مكية","level":2,"page":1991},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1991},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1991},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1992},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ١]","level":4,"page":1992},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٢]","level":4,"page":1992},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٣]","level":4,"page":1992},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٤]","level":4,"page":1992},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٥]","level":4,"page":1992},{"title":"سورة البينة - ٩٨ - مختلف في كونها مكية أم مدنية","level":2,"page":1993},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1993},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1993},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1994},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ١]","level":4,"page":1994},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٢ إلى ٣]","level":4,"page":1994},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٤]","level":4,"page":1994},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٥]","level":4,"page":1994},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٦]","level":4,"page":1994},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٧]","level":4,"page":1995},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٨]","level":4,"page":1995},{"title":"سورة الزلزلة - ٩٩ - مختلف في كونها مكية أم مدنية","level":2,"page":1996},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1996},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1996},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1997},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ١]","level":4,"page":1997},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٢]","level":4,"page":1997},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٣]","level":4,"page":1997},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":4,"page":1997},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٦]","level":4,"page":1997},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":4,"page":1997},{"title":"سورة العاديات - ١٠٠ - مكية","level":2,"page":1998},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":1998},{"title":"محور السورة","level":3,"page":1998},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":1999},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":4,"page":1999},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ٦]","level":4,"page":1999},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ٧]","level":4,"page":1999},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ٨]","level":4,"page":1999},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٩ إلى ١١]","level":4,"page":2000},{"title":"سورة القارعة - ١٠١ - مكية","level":2,"page":2001},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2001},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2001},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ٣]","level":4,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ٤]","level":4,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ٥]","level":4,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":4,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ١٠]","level":4,"page":2002},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ١١]","level":4,"page":2002},{"title":"سورة التكاثر - ١٠٢ - مكية","level":2,"page":2003},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2003},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2003},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2003},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): آية ١]","level":4,"page":2003},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): آية ٢]","level":4,"page":2004},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٣ إلى ٦]","level":4,"page":2004},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): آية ٧]","level":4,"page":2004},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): آية ٨]","level":4,"page":2004},{"title":"سورة العصر - ١٠٣ - مكية","level":2,"page":2005},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2005},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2005},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2005},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":2005},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): آية ٣]","level":4,"page":2006},{"title":"سورة الهمزة - ١٠٤ - مكية","level":2,"page":2007},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2007},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2007},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2008},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ١]","level":4,"page":2008},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٢]","level":4,"page":2008},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٣]","level":4,"page":2008},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٤ إلى ٧]","level":4,"page":2008},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٨ إلى ٩]","level":4,"page":2008},{"title":"سورة الفيل - ١٠٥ - مكية","level":2,"page":2009},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":2009},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2009},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2010},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2010},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ١]","level":4,"page":2010},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ٢]","level":4,"page":2010},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ٣ إلى ٥]","level":4,"page":2010},{"title":"سورة قريش - ١٠٦ - مكية","level":2,"page":2012},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2012},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2012},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2013},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): آية ١]","level":4,"page":2013},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): آية ٢]","level":4,"page":2013},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): آية ٣]","level":4,"page":2013},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): آية ٤]","level":4,"page":2013},{"title":"سورة الماعون - ١٠٧ - مختلف في كونها مكية أم مدنية","level":2,"page":2014},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2014},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2014},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2015},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ١]","level":4,"page":2015},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٢]","level":4,"page":2015},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٣]","level":4,"page":2015},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٥]","level":4,"page":2015},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":4,"page":2015},{"title":"سورة الكوثر - ١٠٨ - مكية وقيل مدنية","level":2,"page":2016},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2016},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2017},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2017},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): آية ١]","level":4,"page":2017},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): آية ٢]","level":4,"page":2017},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): آية ٣]","level":4,"page":2017},{"title":"سورة الكافرون - ١٠٩ - مكية","level":2,"page":2018},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2018},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2018},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2019},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":4,"page":2019},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): آية ٣]","level":4,"page":2019},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): آية ٤]","level":4,"page":2019},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): آية ٥]","level":4,"page":2019},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): آية ٦]","level":4,"page":2019},{"title":"سورة النصر - ١١٠ - مدنية","level":2,"page":2020},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2020},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2021},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2021},{"title":"[سورة النصر (١١٠): آية ١]","level":4,"page":2021},{"title":"[سورة النصر (١١٠): آية ٢]","level":4,"page":2021},{"title":"[سورة النصر (١١٠): آية ٣]","level":4,"page":2021},{"title":"سورة المسد - ١١١ - مكية","level":2,"page":2022},{"title":"الخلفية التاريخية","level":3,"page":2022},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2023},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2023},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2023},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ١]","level":4,"page":2023},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٢]","level":4,"page":2023},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٣]","level":4,"page":2023},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٤]","level":4,"page":2023},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٥]","level":4,"page":2024},{"title":"سورة الإخلاص - ١١٢ - مكية","level":2,"page":2025},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2025},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2025},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2025},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ١]","level":4,"page":2025},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٢]","level":4,"page":2026},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٣]","level":4,"page":2026},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٤]","level":4,"page":2026},{"title":"سورة الفلق - ١١٣ - مختلف في كونها مكية أو مدنية","level":2,"page":2027},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2027},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2027},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2027},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ١]","level":4,"page":2027},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٢]","level":4,"page":2028},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٣]","level":4,"page":2028},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٤]","level":4,"page":2028},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٥]","level":4,"page":2029},{"title":"سورة الناس - ١١٤ - مختلف في كونها مكية ام مدنية","level":2,"page":2030},{"title":"ارتباط السورة بما قبلها","level":3,"page":2030},{"title":"محور السورة","level":3,"page":2030},{"title":"النظم في السورة","level":3,"page":2030},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":4,"page":2030},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ٤ إلى ٦]","level":4,"page":2031}],"ٛ":{"1,5":1,"1,9":2,"1,10":3,"1,11":4,"1,12":5,"1,13":6,"1,14":7,"1,15":8,"1,16":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338,"1,346":339,"1,347":340,"1,348":341,"1,349":342,"1,350":343,"1,351":344,"1,352":345,"1,353":346,"1,354":347,"1,355":348,"1,356":349,"1,357":350,"1,358":351,"1,359":352,"1,360":353,"1,361":354,"1,362":355,"1,363":356,"1,364":357,"1,365":358,"1,366":359,"1,367":360,"1,368":361,"1,369":362,"1,370":363,"1,371":364,"1,372":365,"1,373":366,"1,374":367,"1,375":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,396":389,"1,397":390,"1,398":391,"1,399":392,"1,400":393,"1,401":394,"1,402":395,"1,403":396,"1,404":397,"1,405":398,"1,406":399,"1,407":400,"1,408":401,"1,409":402,"1,410":403,"1,411":404,"1,412":405,"1,413":406,"1,414":407,"1,415":408,"1,416":409,"1,417":410,"1,418":411,"1,419":412,"1,420":413,"1,421":414,"1,422":415,"1,423":416,"1,424":417,"1,425":418,"1,426":419,"1,427":420,"1,428":421,"1,429":422,"1,430":423,"1,431":424,"1,432":425,"1,433":426,"1,434":427,"1,435":428,"1,436":429,"1,437":430,"1,438":431,"1,439":432,"1,440":433,"1,441":434,"1,442":435,"1,443":436,"1,444":437,"1,445":438,"1,446":439,"1,447":440,"1,448":441,"1,449":442,"1,450":443,"1,451":444,"1,452":445,"1,453":446,"1,454":447,"1,455":448,"1,456":449,"1,457":450,"1,458":451,"1,459":452,"1,460":453,"1,461":454,"1,462":455,"1,463":456,"1,464":457,"1,465":458,"1,466":459,"1,467":460,"1,468":461,"1,469":462,"1,470":463,"1,471":464,"1,472":465,"1,473":466,"1,474":467,"1,475":468,"1,476":469,"1,477":470,"1,478":471,"1,479":472,"1,480":473,"1,481":474,"1,482":475,"1,483":476,"1,484":477,"1,485":478,"1,486":479,"1,487":480,"1,488":481,"1,489":482,"1,490":483,"1,491":484,"1,492":485,"1,493":486,"1,494":487,"1,495":488,"1,496":489,"1,497":490,"1,498":491,"1,499":492,"1,500":493,"1,501":494,"1,502":495,"1,503":496,"1,504":497,"1,505":498,"1,506":499,"1,507":500,"1,508":501,"1,509":502,"1,510":503,"1,511":504,"1,512":505,"1,513":506,"1,514":507,"1,515":508,"1,516":509,"1,517":510,"1,518":511,"1,519":512,"1,520":513,"1,521":514,"1,522":515,"1,523":516,"1,524":517,"1,525":518,"1,526":519,"1,527":520,"1,528":521,"1,529":522,"1,530":523,"1,531":524,"1,532":525,"1,533":526,"1,534":527,"1,535":528,"1,536":529,"1,537":530,"1,538":531,"1,539":532,"1,540":533,"1,541":534,"1,542":535,"1,543":536,"1,544":537,"1,545":538,"1,546":539,"1,547":540,"1,548":541,"1,549":542,"1,550":543,"1,551":544,"1,552":545,"1,553":546,"1,554":547,"1,555":548,"1,556":549,"1,557":550,"1,558":551,"1,559":552,"1,560":553,"1,561":554,"1,562":555,"1,563":556,"1,564":557,"1,565":558,"1,566":559,"1,567":560,"1,568":561,"1,569":562,"1,570":563,"1,571":564,"1,572":565,"1,573":566,"1,574":567,"1,575":568,"1,576":569,"1,577":570,"1,578":571,"1,579":572,"1,580":573,"1,581":574,"1,582":575,"1,583":576,"1,584":577,"2,5":578,"2,9":579,"2,10":580,"2,11":581,"2,12":582,"2,13":583,"2,14":584,"2,15":585,"2,16":586,"2,17":587,"2,18":588,"2,19":589,"2,20":590,"2,21":591,"2,22":592,"2,23":593,"2,24":594,"2,25":595,"2,26":596,"2,27":597,"2,28":598,"2,29":599,"2,30":600,"2,31":601,"2,32":602,"2,33":603,"2,34":604,"2,35":605,"2,36":606,"2,37":607,"2,38":608,"2,39":609,"2,40":610,"2,41":611,"2,42":612,"2,43":613,"2,44":614,"2,45":615,"2,46":616,"2,47":617,"2,48":618,"2,49":619,"2,50":620,"2,51":621,"2,52":622,"2,53":623,"2,54":624,"2,55":625,"2,56":626,"2,57":627,"2,58":628,"2,59":629,"2,60":630,"2,61":631,"2,62":632,"2,63":633,"2,64":634,"2,65":635,"2,66":636,"2,67":637,"2,68":638,"2,69":639,"2,70":640,"2,71":641,"2,72":642,"2,73":643,"2,74":644,"2,75":645,"2,76":646,"2,77":647,"2,78":648,"2,79":649,"2,80":650,"2,81":651,"2,82":652,"2,83":653,"2,84":654,"2,85":655,"2,86":656,"2,87":657,"2,88":658,"2,89":659,"2,90":660,"2,91":661,"2,92":662,"2,93":663,"2,94":664,"2,95":665,"2,96":666,"2,97":667,"2,98":668,"2,99":669,"2,100":670,"2,101":671,"2,102":672,"2,103":673,"2,104":674,"2,105":675,"2,106":676,"2,107":677,"2,108":678,"2,109":679,"2,110":680,"2,111":681,"2,112":682,"2,113":683,"2,114":684,"2,115":685,"2,116":686,"2,117":687,"2,118":688,"2,119":689,"2,120":690,"2,121":691,"2,122":692,"2,123":693,"2,124":694,"2,125":695,"2,126":696,"2,127":697,"2,128":698,"2,129":699,"2,130":700,"2,131":701,"2,132":702,"2,133":703,"2,134":704,"2,135":705,"2,136":706,"2,137":707,"2,138":708,"2,139":709,"2,140":710,"2,141":711,"2,142":712,"2,143":713,"2,144":714,"2,145":715,"2,146":716,"2,147":717,"2,148":718,"2,149":719,"2,150":720,"2,151":721,"2,152":722,"2,153":723,"2,154":724,"2,155":725,"2,156":726,"2,157":727,"2,158":728,"2,159":729,"2,160":730,"2,161":731,"2,162":732,"2,163":733,"2,164":734,"2,165":735,"2,166":736,"2,167":737,"2,168":738,"2,169":739,"2,170":740,"2,171":741,"2,172":742,"2,173":743,"2,174":744,"2,175":745,"2,176":746,"2,177":747,"2,178":748,"2,179":749,"2,180":750,"2,181":751,"2,182":752,"2,183":753,"2,184":754,"2,185":755,"2,186":756,"2,187":757,"2,188":758,"2,189":759,"2,190":760,"2,191":761,"2,192":762,"2,193":763,"2,194":764,"2,195":765,"2,196":766,"2,197":767,"2,198":768,"2,199":769,"2,200":770,"2,201":771,"2,202":772,"2,203":773,"2,204":774,"2,205":775,"2,206":776,"2,207":777,"2,208":778,"2,209":779,"2,210":780,"2,211":781,"2,212":782,"2,213":783,"2,214":784,"2,215":785,"2,216":786,"2,217":787,"2,218":788,"2,219":789,"2,220":790,"2,221":791,"2,222":792,"2,223":793,"2,224":794,"2,225":795,"2,226":796,"2,227":797,"2,228":798,"2,229":799,"2,230":800,"2,231":801,"2,232":802,"2,233":803,"2,234":804,"2,235":805,"2,236":806,"2,237":807,"2,238":808,"2,239":809,"2,240":810,"2,241":811,"2,242":812,"2,243":813,"2,244":814,"2,245":815,"2,246":816,"2,247":817,"2,248":818,"2,249":819,"2,250":820,"2,251":821,"2,252":822,"2,253":823,"2,254":824,"2,255":825,"2,256":826,"2,257":827,"2,258":828,"2,259":829,"2,260":830,"2,261":831,"2,262":832,"2,263":833,"2,264":834,"2,265":835,"2,266":836,"2,267":837,"2,268":838,"2,269":839,"2,270":840,"2,271":841,"2,272":842,"2,273":843,"2,274":844,"2,275":845,"2,276":846,"2,277":847,"2,278":848,"2,279":849,"2,280":850,"2,281":851,"2,282":852,"2,283":853,"2,284":854,"2,285":855,"2,286":856,"2,287":857,"2,288":858,"2,289":859,"2,290":860,"2,291":861,"2,292":862,"2,293":863,"2,294":864,"2,295":865,"2,296":866,"2,297":867,"2,298":868,"2,299":869,"2,300":870,"2,301":871,"2,302":872,"2,303":873,"2,304":874,"2,305":875,"2,306":876,"2,307":877,"2,308":878,"2,309":879,"2,310":880,"2,311":881,"2,312":882,"2,313":883,"2,314":884,"2,315":885,"2,316":886,"2,317":887,"2,318":888,"2,319":889,"2,320":890,"2,321":891,"2,322":892,"2,323":893,"2,324":894,"2,325":895,"2,326":896,"2,327":897,"2,328":898,"2,329":899,"2,330":900,"2,331":901,"2,332":902,"2,333":903,"2,334":904,"2,335":905,"2,336":906,"2,337":907,"2,338":908,"2,339":909,"2,340":910,"2,341":911,"2,342":912,"2,343":913,"2,344":914,"2,345":915,"2,346":916,"2,347":917,"2,348":918,"2,349":919,"2,350":920,"2,351":921,"2,352":922,"2,353":923,"2,354":924,"2,355":925,"2,356":926,"2,357":927,"2,358":928,"2,359":929,"2,360":930,"2,361":931,"2,362":932,"2,363":933,"2,364":934,"2,365":935,"2,366":936,"2,367":937,"2,368":938,"2,369":939,"2,370":940,"2,371":941,"2,372":942,"2,373":943,"2,374":944,"2,375":945,"2,376":946,"2,377":947,"2,378":948,"2,379":949,"2,380":950,"2,381":951,"2,382":952,"2,383":953,"2,384":954,"2,385":955,"2,386":956,"2,387":957,"2,388":958,"2,389":959,"2,390":960,"2,391":961,"2,392":962,"2,393":963,"2,394":964,"2,395":965,"2,396":966,"2,397":967,"2,398":968,"2,399":969,"2,400":970,"2,401":971,"2,402":972,"2,403":973,"2,404":974,"2,405":975,"2,406":976,"2,407":977,"2,408":978,"2,409":979,"2,410":980,"2,411":981,"2,412":982,"2,413":983,"2,414":984,"2,415":985,"2,416":986,"2,417":987,"2,418":988,"2,419":989,"2,420":990,"2,421":991,"2,422":992,"2,423":993,"2,424":994,"2,425":995,"2,426":996,"2,427":997,"2,428":998,"2,429":999,"2,430":1000,"2,431":1001,"2,432":1002,"2,433":1003,"2,434":1004,"2,435":1005,"2,436":1006,"2,437":1007,"2,438":1008,"2,439":1009,"2,440":1010,"2,441":1011,"2,442":1012,"2,443":1013,"2,444":1014,"2,445":1015,"2,446":1016,"2,447":1017,"2,448":1018,"2,449":1019,"2,450":1020,"2,451":1021,"2,452":1022,"2,453":1023,"2,454":1024,"2,455":1025,"2,456":1026,"2,457":1027,"2,458":1028,"2,459":1029,"2,460":1030,"2,461":1031,"2,462":1032,"2,463":1033,"2,464":1034,"2,465":1035,"2,466":1036,"2,467":1037,"2,468":1038,"2,469":1039,"2,470":1040,"2,471":1041,"2,472":1042,"2,473":1043,"2,474":1044,"2,475":1045,"2,476":1046,"2,477":1047,"2,478":1048,"2,479":1049,"2,480":1050,"2,481":1051,"2,482":1052,"2,483":1053,"2,484":1054,"2,485":1055,"2,486":1056,"2,487":1057,"2,488":1058,"2,489":1059,"2,490":1060,"2,491":1061,"2,492":1062,"2,493":1063,"2,494":1064,"2,495":1065,"2,496":1066,"2,497":1067,"2,498":1068,"2,499":1069,"2,500":1070,"2,501":1071,"2,502":1072,"2,503":1073,"2,504":1074,"2,505":1075,"2,506":1076,"2,507":1077,"2,508":1078,"2,509":1079,"2,510":1080,"2,511":1081,"2,512":1082,"2,513":1083,"2,514":1084,"2,515":1085,"2,516":1086,"2,517":1087,"2,518":1088,"2,519":1089,"2,520":1090,"2,521":1091,"2,522":1092,"2,523":1093,"2,524":1094,"2,525":1095,"2,526":1096,"2,527":1097,"2,528":1098,"2,529":1099,"2,530":1100,"2,531":1101,"2,532":1102,"2,533":1103,"2,534":1104,"2,535":1105,"2,536":1106,"2,537":1107,"2,538":1108,"2,539":1109,"2,540":1110,"2,541":1111,"2,542":1112,"2,543":1113,"2,544":1114,"2,545":1115,"2,546":1116,"2,547":1117,"2,548":1118,"2,549":1119,"2,550":1120,"2,551":1121,"2,552":1122,"2,553":1123,"2,554":1124,"2,555":1125,"2,556":1126,"2,557":1127,"2,558":1128,"2,559":1129,"2,560":1130,"2,561":1131,"2,562":1132,"2,563":1133,"2,564":1134,"2,565":1135,"2,566":1136,"2,567":1137,"2,568":1138,"2,569":1139,"2,570":1140,"2,571":1141,"2,572":1142,"2,573":1143,"2,574":1144,"2,575":1145,"2,576":1146,"2,577":1147,"2,578":1148,"2,579":1149,"2,580":1150,"2,581":1151,"2,582":1152,"2,583":1153,"2,584":1154,"2,585":1155,"2,586":1156,"2,587":1157,"2,588":1158,"2,589":1159,"2,590":1160,"2,591":1161,"2,592":1162,"3,5":1163,"3,9":1164,"3,10":1165,"3,11":1166,"3,12":1167,"3,13":1168,"3,14":1169,"3,15":1170,"3,16":1171,"3,17":1172,"3,18":1173,"3,19":1174,"3,20":1175,"3,21":1176,"3,22":1177,"3,23":1178,"3,24":1179,"3,25":1180,"3,26":1181,"3,27":1182,"3,28":1183,"3,29":1184,"3,30":1185,"3,31":1186,"3,32":1187,"3,33":1188,"3,34":1189,"3,35":1190,"3,36":1191,"3,37":1192,"3,38":1193,"3,39":1194,"3,40":1195,"3,41":1196,"3,42":1197,"3,43":1198,"3,44":1199,"3,45":1200,"3,46":1201,"3,47":1202,"3,48":1203,"3,49":1204,"3,50":1205,"3,51":1206,"3,52":1207,"3,53":1208,"3,54":1209,"3,55":1210,"3,56":1211,"3,57":1212,"3,58":1213,"3,59":1214,"3,60":1215,"3,61":1216,"3,62":1217,"3,63":1218,"3,64":1219,"3,65":1220,"3,66":1221,"3,67":1222,"3,68":1223,"3,69":1224,"3,70":1225,"3,71":1226,"3,72":1227,"3,73":1228,"3,74":1229,"3,75":1230,"3,76":1231,"3,77":1232,"3,78":1233,"3,79":1234,"3,80":1235,"3,81":1236,"3,82":1237,"3,83":1238,"3,84":1239,"3,85":1240,"3,86":1241,"3,87":1242,"3,88":1243,"3,89":1244,"3,90":1245,"3,91":1246,"3,92":1247,"3,93":1248,"3,94":1249,"3,95":1250,"3,96":1251,"3,97":1252,"3,98":1253,"3,99":1254,"3,100":1255,"3,101":1256,"3,102":1257,"3,103":1258,"3,104":1259,"3,105":1260,"3,106":1261,"3,107":1262,"3,108":1263,"3,109":1264,"3,110":1265,"3,111":1266,"3,112":1267,"3,113":1268,"3,114":1269,"3,115":1270,"3,116":1271,"3,117":1272,"3,118":1273,"3,119":1274,"3,120":1275,"3,121":1276,"3,122":1277,"3,123":1278,"3,124":1279,"3,125":1280,"3,126":1281,"3,127":1282,"3,128":1283,"3,129":1284,"3,130":1285,"3,131":1286,"3,132":1287,"3,133":1288,"3,134":1289,"3,135":1290,"3,136":1291,"3,137":1292,"3,138":1293,"3,139":1294,"3,140":1295,"3,141":1296,"3,142":1297,"3,143":1298,"3,144":1299,"3,145":1300,"3,146":1301,"3,147":1302,"3,148":1303,"3,149":1304,"3,150":1305,"3,151":1306,"3,152":1307,"3,153":1308,"3,154":1309,"3,155":1310,"3,156":1311,"3,157":1312,"3,158":1313,"3,159":1314,"3,160":1315,"3,161":1316,"3,162":1317,"3,163":1318,"3,164":1319,"3,165":1320,"3,166":1321,"3,167":1322,"3,168":1323,"3,169":1324,"3,170":1325,"3,171":1326,"3,172":1327,"3,173":1328,"3,174":1329,"3,175":1330,"3,176":1331,"3,177":1332,"3,178":1333,"3,179":1334,"3,180":1335,"3,181":1336,"3,182":1337,"3,183":1338,"3,184":1339,"3,185":1340,"3,186":1341,"3,187":1342,"3,188":1343,"3,189":1344,"3,190":1345,"3,191":1346,"3,192":1347,"3,193":1348,"3,194":1349,"3,195":1350,"3,196":1351,"3,197":1352,"3,198":1353,"3,199":1354,"3,200":1355,"3,201":1356,"3,202":1357,"3,203":1358,"3,204":1359,"3,205":1360,"3,206":1361,"3,207":1362,"3,208":1363,"3,209":1364,"3,210":1365,"3,211":1366,"3,212":1367,"3,213":1368,"3,214":1369,"3,215":1370,"3,216":1371,"3,217":1372,"3,218":1373,"3,219":1374,"3,220":1375,"3,221":1376,"3,222":1377,"3,223":1378,"3,224":1379,"3,225":1380,"3,226":1381,"3,227":1382,"3,228":1383,"3,229":1384,"3,230":1385,"3,231":1386,"3,232":1387,"3,233":1388,"3,234":1389,"3,235":1390,"3,236":1391,"3,237":1392,"3,238":1393,"3,239":1394,"3,240":1395,"3,241":1396,"3,242":1397,"3,243":1398,"3,244":1399,"3,245":1400,"3,246":1401,"3,247":1402,"3,248":1403,"3,249":1404,"3,250":1405,"3,251":1406,"3,252":1407,"3,253":1408,"3,254":1409,"3,255":1410,"3,256":1411,"3,257":1412,"3,258":1413,"3,259":1414,"3,260":1415,"3,261":1416,"3,262":1417,"3,263":1418,"3,264":1419,"3,265":1420,"3,266":1421,"3,267":1422,"3,268":1423,"3,269":1424,"3,270":1425,"3,271":1426,"3,272":1427,"3,273":1428,"3,274":1429,"3,275":1430,"3,276":1431,"3,277":1432,"3,278":1433,"3,279":1434,"3,280":1435,"3,281":1436,"3,282":1437,"3,283":1438,"3,284":1439,"3,285":1440,"3,286":1441,"3,287":1442,"3,288":1443,"3,289":1444,"3,290":1445,"3,291":1446,"3,292":1447,"3,293":1448,"3,294":1449,"3,295":1450,"3,296":1451,"3,297":1452,"3,298":1453,"3,299":1454,"3,300":1455,"3,301":1456,"3,302":1457,"3,303":1458,"3,304":1459,"3,305":1460,"3,306":1461,"3,307":1462,"3,308":1463,"3,309":1464,"3,310":1465,"3,311":1466,"3,312":1467,"3,313":1468,"3,314":1469,"3,315":1470,"3,316":1471,"3,317":1472,"3,318":1473,"3,319":1474,"3,320":1475,"3,321":1476,"3,322":1477,"3,323":1478,"3,324":1479,"3,325":1480,"3,326":1481,"3,327":1482,"3,328":1483,"3,329":1484,"3,330":1485,"3,331":1486,"3,332":1487,"3,333":1488,"3,334":1489,"3,335":1490,"3,336":1491,"3,337":1492,"3,338":1493,"3,339":1494,"3,340":1495,"3,341":1496,"3,342":1497,"3,343":1498,"3,344":1499,"3,345":1500,"3,346":1501,"3,347":1502,"3,348":1503,"3,349":1504,"3,350":1505,"3,351":1506,"3,352":1507,"3,353":1508,"3,354":1509,"3,355":1510,"3,356":1511,"3,357":1512,"3,358":1513,"3,359":1514,"3,360":1515,"3,361":1516,"3,362":1517,"3,363":1518,"3,364":1519,"3,365":1520,"3,366":1521,"3,367":1522,"3,368":1523,"3,369":1524,"3,370":1525,"3,371":1526,"3,372":1527,"3,373":1528,"3,374":1529,"3,375":1530,"3,376":1531,"3,377":1532,"3,378":1533,"3,379":1534,"3,380":1535,"3,381":1536,"3,382":1537,"3,383":1538,"3,384":1539,"3,385":1540,"3,386":1541,"3,387":1542,"3,388":1543,"3,389":1544,"3,390":1545,"3,391":1546,"3,392":1547,"3,393":1548,"3,394":1549,"3,395":1550,"3,396":1551,"3,397":1552,"3,398":1553,"3,399":1554,"3,400":1555,"3,401":1556,"3,402":1557,"3,403":1558,"3,404":1559,"3,405":1560,"3,406":1561,"3,407":1562,"3,408":1563,"3,409":1564,"3,410":1565,"3,411":1566,"3,412":1567,"3,413":1568,"3,414":1569,"3,415":1570,"3,416":1571,"3,417":1572,"3,418":1573,"3,419":1574,"3,420":1575,"3,421":1576,"3,422":1577,"3,423":1578,"3,424":1579,"3,425":1580,"3,426":1581,"3,427":1582,"3,428":1583,"3,429":1584,"3,430":1585,"3,431":1586,"3,432":1587,"3,433":1588,"3,434":1589,"3,435":1590,"3,436":1591,"3,437":1592,"3,438":1593,"3,439":1594,"3,440":1595,"3,441":1596,"3,442":1597,"3,443":1598,"3,444":1599,"3,445":1600,"3,446":1601,"3,447":1602,"3,448":1603,"3,449":1604,"3,450":1605,"3,451":1606,"3,452":1607,"3,453":1608,"3,454":1609,"3,455":1610,"3,456":1611,"3,457":1612,"3,458":1613,"3,459":1614,"3,460":1615,"3,461":1616,"3,462":1617,"3,463":1618,"3,464":1619,"3,465":1620,"3,466":1621,"3,467":1622,"3,468":1623,"3,469":1624,"3,470":1625,"3,471":1626,"3,472":1627,"3,473":1628,"3,474":1629,"3,475":1630,"3,476":1631,"3,477":1632,"3,478":1633,"3,479":1634,"3,480":1635,"3,481":1636,"3,482":1637,"3,483":1638,"3,484":1639,"3,485":1640,"3,486":1641,"3,487":1642,"3,488":1643,"3,489":1644,"3,490":1645,"3,491":1646,"3,492":1647,"3,493":1648,"3,494":1649,"3,495":1650,"3,496":1651,"3,497":1652,"3,498":1653,"3,499":1654,"3,500":1655,"3,501":1656,"3,502":1657,"3,503":1658,"3,504":1659,"4,5":1660,"4,9":1661,"4,10":1662,"4,11":1663,"4,12":1664,"4,13":1665,"4,14":1666,"4,15":1667,"4,16":1668,"4,17":1669,"4,18":1670,"4,19":1671,"4,20":1672,"4,21":1673,"4,22":1674,"4,23":1675,"4,24":1676,"4,25":1677,"4,26":1678,"4,27":1679,"4,28":1680,"4,29":1681,"4,30":1682,"4,31":1683,"4,32":1684,"4,33":1685,"4,34":1686,"4,35":1687,"4,36":1688,"4,37":1689,"4,38":1690,"4,39":1691,"4,40":1692,"4,41":1693,"4,42":1694,"4,43":1695,"4,44":1696,"4,45":1697,"4,46":1698,"4,47":1699,"4,48":1700,"4,49":1701,"4,50":1702,"4,51":1703,"4,52":1704,"4,53":1705,"4,54":1706,"4,55":1707,"4,56":1708,"4,57":1709,"4,58":1710,"4,59":1711,"4,60":1712,"4,61":1713,"4,62":1714,"4,63":1715,"4,64":1716,"4,65":1717,"4,66":1718,"4,67":1719,"4,68":1720,"4,69":1721,"4,70":1722,"4,71":1723,"4,72":1724,"4,73":1725,"4,74":1726,"4,75":1727,"4,76":1728,"4,77":1729,"4,78":1730,"4,79":1731,"4,80":1732,"4,81":1733,"4,82":1734,"4,83":1735,"4,84":1736,"4,85":1737,"4,86":1738,"4,87":1739,"4,88":1740,"4,89":1741,"4,90":1742,"4,91":1743,"4,92":1744,"4,93":1745,"4,94":1746,"4,95":1747,"4,96":1748,"4,97":1749,"4,98":1750,"4,99":1751,"4,100":1752,"4,101":1753,"4,102":1754,"4,103":1755,"4,104":1756,"4,105":1757,"4,106":1758,"4,107":1759,"4,108":1760,"4,109":1761,"4,110":1762,"4,111":1763,"4,112":1764,"4,113":1765,"4,114":1766,"4,115":1767,"4,116":1768,"4,117":1769,"4,118":1770,"4,119":1771,"4,120":1772,"4,121":1773,"4,122":1774,"4,123":1775,"4,124":1776,"4,125":1777,"4,126":1778,"4,127":1779,"4,128":1780,"4,129":1781,"4,130":1782,"4,131":1783,"4,132":1784,"4,133":1785,"4,134":1786,"4,135":1787,"4,136":1788,"4,137":1789,"4,138":1790,"4,139":1791,"4,140":1792,"4,141":1793,"4,142":1794,"4,143":1795,"4,144":1796,"4,145":1797,"4,146":1798,"4,147":1799,"4,148":1800,"4,149":1801,"4,150":1802,"4,151":1803,"4,152":1804,"4,153":1805,"4,154":1806,"4,155":1807,"4,156":1808,"4,157":1809,"4,158":1810,"4,159":1811,"4,160":1812,"4,161":1813,"4,162":1814,"4,163":1815,"4,164":1816,"4,165":1817,"4,166":1818,"4,167":1819,"4,168":1820,"4,169":1821,"4,170":1822,"4,171":1823,"4,172":1824,"4,173":1825,"4,174":1826,"4,175":1827,"4,176":1828,"4,177":1829,"4,178":1830,"4,179":1831,"4,180":1832,"4,181":1833,"4,182":1834,"4,183":1835,"4,184":1836,"4,185":1837,"4,186":1838,"4,187":1839,"4,188":1840,"4,189":1841,"4,190":1842,"4,191":1843,"4,192":1844,"4,193":1845,"4,194":1846,"4,195":1847,"4,196":1848,"4,197":1849,"4,198":1850,"4,199":1851,"4,200":1852,"4,201":1853,"4,202":1854,"4,203":1855,"4,204":1856,"4,205":1857,"4,206":1858,"4,207":1859,"4,208":1860,"4,209":1861,"4,210":1862,"4,211":1863,"4,212":1864,"4,213":1865,"4,214":1866,"4,215":1867,"4,216":1868,"4,217":1869,"4,218":1870,"4,219":1871,"4,220":1872,"4,221":1873,"4,222":1874,"4,223":1875,"4,224":1876,"4,225":1877,"4,226":1878,"4,227":1879,"4,228":1880,"4,229":1881,"4,230":1882,"4,231":1883,"4,232":1884,"4,233":1885,"4,234":1886,"4,235":1887,"4,236":1888,"4,237":1889,"4,238":1890,"4,239":1891,"4,240":1892,"4,241":1893,"4,242":1894,"4,243":1895,"4,244":1896,"4,245":1897,"4,246":1898,"4,247":1899,"4,248":1900,"4,249":1901,"4,250":1902,"4,251":1903,"4,252":1904,"4,253":1905,"4,254":1906,"4,255":1907,"4,256":1908,"4,257":1909,"4,258":1910,"4,259":1911,"4,260":1912,"4,261":1913,"4,262":1914,"4,263":1915,"4,264":1916,"4,265":1917,"4,266":1918,"4,267":1919,"4,268":1920,"4,269":1921,"4,270":1922,"4,271":1923,"4,272":1924,"4,273":1925,"4,274":1926,"4,275":1927,"4,276":1928,"4,277":1929,"4,278":1930,"4,279":1931,"4,280":1932,"4,281":1933,"4,282":1934,"4,283":1935,"4,284":1936,"4,285":1937,"4,286":1938,"4,287":1939,"4,288":1940,"4,289":1941,"4,290":1942,"4,291":1943,"4,292":1944,"4,293":1945,"4,294":1946,"4,295":1947,"4,296":1948,"4,297":1949,"4,298":1950,"4,299":1951,"4,300":1952,"4,301":1953,"4,302":1954,"4,303":1955,"4,304":1956,"4,305":1957,"4,306":1958,"4,307":1959,"4,308":1960,"4,309":1961,"4,310":1962,"4,311":1963,"4,312":1964,"4,313":1965,"4,314":1966,"4,315":1967,"4,316":1968,"4,317":1969,"4,318":1970,"4,319":1971,"4,320":1972,"4,321":1973,"4,322":1974,"4,323":1975,"4,324":1976,"4,325":1977,"4,326":1978,"4,327":1979,"4,328":1980,"4,329":1981,"4,330":1982,"4,331":1983,"4,332":1984,"4,333":1985,"4,334":1986,"4,335":1987,"4,336":1988,"4,337":1989,"4,338":1990,"4,339":1991,"4,340":1992,"4,341":1993,"4,342":1994,"4,343":1995,"4,344":1996,"4,345":1997,"4,346":1998,"4,347":1999,"4,348":2000,"4,349":2001,"4,350":2002,"4,351":2003,"4,352":2004,"4,353":2005,"4,354":2006,"4,355":2007,"4,356":2008,"4,357":2009,"4,358":2010,"4,359":2011,"4,360":2012,"4,361":2013,"4,362":2014,"4,363":2015,"4,364":2016,"4,365":2017,"4,366":2018,"4,367":2019,"4,368":2020,"4,369":2021,"4,370":2022,"4,371":2023,"4,372":2024,"4,373":2025,"4,374":2026,"4,375":2027,"4,376":2028,"4,377":2029,"4,378":2030,"4,379":2031},"ٜ":{"1":[5,584],"2":[5,592],"3":[5,504],"4":[5,379]},"ٝ":["1,5","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","2,5","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","3,5","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","4,5","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"12":[5,6,7,8],"13":[9,10,11],"14":[12,13],"15":[14,15,16],"17":[17,18],"18":[19],"20":[20,21],"21":[22],"22":[23,24,25],"23":[26,27,28],"24":[29,30,31],"25":[32,33],"26":[34,35],"27":[36,37,38],"28":[39,40],"29":[41],"30":[42,43],"31":[44],"32":[45],"33":[46,47,48],"35":[49],"36":[50,51,52],"37":[53],"38":[54,55],"39":[56],"40":[57],"41":[58],"43":[59],"44":[60,61,62],"45":[63,64],"46":[65,66,67],"47":[68,69],"48":[70,71],"49":[72,73],"50":[74,75,76],"51":[77],"52":[78],"53":[79],"54":[80],"56":[81,82,83],"57":[84,85],"58":[86,87,88,89],"59":[90],"60":[91],"61":[92,93],"62":[94,95,96],"63":[97],"64":[98,99,100],"65":[101,102],"66":[103],"67":[104,105,106],"68":[107],"69":[108,109],"70":[110,111],"71":[112,113,114,115],"72":[116],"73":[117,118,119],"74":[120],"75":[121],"76":[122,123],"77":[124],"80":[125],"81":[126,127],"82":[128,129],"83":[130,131,132],"84":[133,134],"85":[135,136,137],"86":[138,139],"87":[140],"89":[141,142],"90":[143,144],"91":[145,146,147],"92":[148,149,150],"93":[151,152],"94":[153],"95":[154,155,156],"96":[157],"97":[158,159],"98":[160,161],"100":[162,163],"101":[164],"102":[165,166,167,168],"103":[169,170],"104":[171,172,173],"105":[174,175,176],"106":[177],"107":[178,179,180,181],"108":[182,183,184],"109":[185,186],"110":[187,188,189],"111":[190,191,192],"112":[193,194,195],"114":[196],"116":[197,198],"117":[199,200],"118":[201,202],"119":[203],"120":[204],"121":[205],"122":[206,207],"123":[208],"124":[209,210,211,212],"125":[213,214],"127":[215,216],"128":[217,218,219],"129":[220,221,222],"130":[223,224],"131":[225,226,227],"132":[228,229],"133":[230,231],"134":[232],"135":[233,234],"136":[235,236],"137":[237],"138":[238,239],"139":[240],"140":[241,242,243],"141":[244],"142":[245,246],"143":[247],"144":[248,249],"145":[250],"146":[251],"147":[252,253],"148":[254],"149":[255],"150":[256],"151":[257,258],"152":[259,260,261],"153":[262,263],"154":[264],"155":[265,266],"156":[267],"157":[268,269],"158":[270,271],"159":[272,273],"160":[274],"161":[275],"162":[276],"163":[277],"165":[278],"166":[279,280],"167":[281,282],"168":[283,284],"169":[285],"170":[286,287],"171":[288,289],"172":[290,291],"173":[292,293],"176":[294],"178":[295,296,297],"179":[298],"180":[299,300],"182":[301],"183":[302],"184":[303,304],"186":[305,306,307],"187":[308],"188":[309],"190":[310,311,312],"192":[313,314],"193":[315,316],"195":[317,318,319],"196":[320,321],"197":[322,323],"198":[324],"199":[325,326,327],"200":[328,329],"201":[330],"202":[331,332],"203":[333,334,335],"204":[336],"205":[337],"206":[338,339,340],"207":[341,342,343,344],"208":[345,346],"209":[347,348,349],"210":[350,351,352,353],"211":[354],"212":[355,356,357,358],"213":[359,360],"214":[361,362,363],"215":[364],"216":[365,366,367,368],"217":[369,370],"218":[371,372,373],"220":[374,375],"221":[376,377,378,379],"222":[380,381],"223":[382,383,384],"224":[385],"225":[386,387],"226":[388],"227":[389,390],"228":[391,392],"229":[393,394,395],"230":[396,397,398,399],"231":[400,401],"232":[402],"233":[403],"234":[404,405,406],"235":[407,408],"236":[409,410],"237":[411,412],"238":[413],"239":[414,415],"240":[416,417,418,419],"241":[420],"242":[421],"243":[422,423,424],"244":[425,426,427],"245":[428],"246":[429,430],"248":[431,432],"249":[433,434],"250":[435,436],"251":[437,438,439],"252":[440,441,442],"253":[443,444],"254":[445,446],"255":[447,448,449],"256":[450,451],"257":[452,453],"258":[454],"259":[455],"260":[456,457,458],"261":[459,460],"262":[461],"264":[462],"265":[463],"266":[464],"267":[465],"268":[466,467],"269":[468],"270":[469],"271":[470,471],"272":[472,473],"273":[474],"274":[475,476],"275":[477],"276":[478,479],"277":[480,481],"278":[482],"279":[483,484],"280":[485,486],"281":[487,488],"282":[489,490],"283":[491,492],"284":[493,494],"285":[495],"286":[496],"287":[497,498,499],"288":[500,501,502],"289":[503,504],"290":[505,506],"291":[507,508],"292":[509],"293":[510],"296":[511,512,513],"297":[514],"299":[515],"300":[516],"301":[517,518],"304":[519],"305":[520,521],"306":[522],"307":[523,524],"308":[525,526],"310":[527],"312":[528,529,530],"313":[531],"314":[532,533],"315":[534],"316":[535,536,537],"317":[538],"318":[539],"319":[540],"320":[541,542,543],"321":[544],"322":[545,546,547],"323":[548,549],"325":[550],"326":[551],"327":[552,553,554],"328":[555,556,557],"329":[558],"330":[559],"331":[560,561],"332":[562],"333":[563,564],"334":[565,566],"335":[567,568,569],"336":[570,571,572],"337":[573],"338":[574],"339":[575],"340":[576,577,578],"341":[579,580,581],"342":[582,583,584],"343":[585,586,587],"344":[588,589,590],"345":[591],"346":[592,593],"347":[594,595],"348":[596,597],"349":[598],"350":[599],"351":[600,601],"352":[602,603],"353":[604,605],"354":[606],"355":[607],"356":[608,609],"357":[610],"358":[611,612],"359":[613,614,615],"360":[616],"361":[617],"362":[618,619],"363":[620,621,622,623],"364":[624,625,626,627],"365":[628,629],"366":[630,631],"367":[632,633,634],"368":[635,636,637],"369":[638,639],"370":[640,641,642],"371":[643],"372":[644,645],"373":[646,647,648],"374":[649,650],"375":[651],"376":[652,653,654],"377":[655,656],"378":[657],"379":[658,659,660],"380":[661,662,663],"381":[664,665],"382":[666,667,668],"383":[669],"384":[670,671,672],"385":[673],"386":[674,675],"387":[676],"388":[677,678],"389":[679],"390":[680,681,682],"391":[683,684,685],"392":[686],"393":[687,688],"394":[689,690,691],"396":[692,693,694],"399":[695],"400":[696],"401":[697],"402":[698],"404":[699,700],"406":[701],"407":[702],"408":[703,704],"409":[705,706,707],"411":[708],"413":[709],"416":[710,711],"417":[712,713],"418":[714],"419":[715],"420":[716],"421":[717,718],"422":[719,720,721],"424":[722],"425":[723,724,725],"426":[726,727],"427":[728],"431":[729],"432":[730,731,732],"433":[733],"435":[734,735,736],"437":[737,738],"438":[739],"439":[740],"440":[741,742],"441":[743],"443":[744],"444":[745,746],"445":[747],"446":[748,749],"447":[750,751,752],"448":[753,754],"449":[755,756],"450":[757,758,759],"452":[760,761,762],"453":[763,764],"455":[765,766],"456":[767],"457":[768],"458":[769,770],"459":[771,772],"460":[773,774,775],"461":[776,777],"462":[778,779,780],"463":[781,782],"464":[783,784],"465":[785],"466":[786],"467":[787,788,789],"468":[790],"469":[791,792],"470":[793,794,795],"471":[796],"472":[797],"473":[798],"474":[799],"475":[800,801],"476":[802,803],"477":[804,805],"479":[806,807],"480":[808,809,810],"481":[811],"483":[812],"484":[813,814,815],"485":[816,817,818],"486":[819],"488":[820],"489":[821,822],"490":[823,824],"491":[825,826],"492":[827,828,829],"493":[830,831],"494":[832,833],"495":[834,835,836],"496":[837,838],"497":[839,840],"498":[841,842,843,844],"499":[845],"500":[846,847,848],"501":[849,850,851],"502":[852,853],"503":[854,855],"504":[856,857],"505":[858],"506":[859,860,861,862],"507":[863,864,865],"508":[866,867,868],"509":[869,870],"510":[871],"511":[872],"512":[873,874],"513":[875,876],"514":[877,878],"515":[879,880,881],"516":[882,883,884],"517":[885,886,887],"518":[888,889],"519":[890],"520":[891,892],"521":[893],"522":[894],"524":[895,896],"525":[897,898,899],"526":[900],"527":[901,902,903],"528":[904,905,906],"529":[907,908],"530":[909],"531":[910],"532":[911],"533":[912],"534":[913,914],"535":[915,916,917],"536":[918],"537":[919],"538":[920,921,922],"539":[923,924,925],"540":[926,927],"541":[928],"542":[929,930],"543":[931,932],"544":[933,934],"545":[935,936,937],"546":[938,939],"547":[940],"548":[941],"549":[942],"550":[943,944],"551":[945,946],"552":[947,948],"553":[949,950,951,952],"554":[953],"555":[954],"556":[955],"557":[956,957],"558":[958],"559":[959],"560":[960,961],"562":[962,963],"563":[964],"565":[965,966],"566":[967,968],"567":[969],"569":[970],"570":[971,972],"571":[973,974,975],"572":[976],"573":[977],"574":[978,979],"575":[980,981,982],"576":[983],"578":[984],"579":[985],"580":[986],"581":[987],"589":[988,989],"590":[990],"593":[991,992],"594":[993,994],"595":[995,996,997],"596":[998,999,1000],"597":[1001],"598":[1002,1003],"599":[1004,1005,1006,1007],"600":[1008,1009],"601":[1010,1011,1012],"602":[1013,1014],"603":[1015,1016,1017],"604":[1018],"605":[1019,1020],"606":[1021,1022],"607":[1023],"608":[1024],"609":[1025,1026],"610":[1027,1028],"611":[1029],"612":[1030,1031,1032],"613":[1033,1034],"614":[1035,1036],"615":[1037,1038,1039],"616":[1040,1041],"617":[1042,1043],"618":[1044],"619":[1045,1046],"620":[1047,1048],"621":[1049],"622":[1050,1051,1052,1053],"623":[1054],"624":[1055,1056],"625":[1057,1058,1059,1060],"626":[1061],"627":[1062,1063],"628":[1064,1065],"629":[1066,1067,1068],"630":[1069,1070,1071,1072],"631":[1073,1074,1075],"633":[1076,1077],"634":[1078,1079],"635":[1080],"636":[1081,1082,1083,1084],"637":[1085,1086,1087],"638":[1088,1089,1090,1091],"639":[1092,1093],"641":[1094,1095],"642":[1096,1097],"643":[1098,1099,1100],"644":[1101,1102,1103],"645":[1104,1105,1106,1107],"646":[1108,1109],"647":[1110,1111,1112,1113],"648":[1114,1115,1116],"649":[1117,1118],"650":[1119],"651":[1120,1121],"652":[1122,1123,1124],"653":[1125,1126,1127],"654":[1128],"655":[1129,1130],"656":[1131,1132,1133],"657":[1134,1135],"658":[1136],"659":[1137],"660":[1138,1139],"661":[1140],"662":[1141,1142,1143],"663":[1144,1145],"664":[1146],"665":[1147],"667":[1148],"668":[1149,1150],"670":[1151,1152],"671":[1153,1154],"672":[1155],"673":[1156,1157],"674":[1158],"675":[1159],"676":[1160,1161],"677":[1162],"678":[1163,1164,1165],"679":[1166],"680":[1167,1168,1169],"681":[1170],"682":[1171,1172],"683":[1173,1174],"684":[1175,1176],"685":[1177],"686":[1178],"687":[1179,1180],"688":[1181,1182,1183],"689":[1184,1185,1186],"690":[1187,1188,1189],"691":[1190],"692":[1191,1192],"693":[1193,1194],"694":[1195],"695":[1196],"696":[1197,1198],"700":[1199],"701":[1200,1201],"702":[1202],"703":[1203,1204,1205],"704":[1206,1207],"705":[1208,1209,1210],"706":[1211,1212],"708":[1213,1214],"709":[1215,1216],"710":[1217],"711":[1218,1219,1220],"712":[1221,1222,1223,1224],"713":[1225,1226],"714":[1227,1228,1229],"715":[1230,1231],"716":[1232,1233,1234],"717":[1235,1236],"718":[1237,1238,1239],"719":[1240,1241],"720":[1242],"721":[1243],"722":[1244,1245,1246],"723":[1247,1248],"724":[1249],"725":[1250,1251],"726":[1252,1253,1254],"727":[1255,1256],"729":[1257],"730":[1258,1259,1260],"731":[1261,1262],"732":[1263,1264],"733":[1265],"734":[1266,1267],"737":[1268,1269],"738":[1270,1271],"739":[1272],"740":[1273,1274],"741":[1275],"742":[1276,1277],"743":[1278],"745":[1279],"746":[1280],"747":[1281],"749":[1282,1283],"750":[1284],"751":[1285,1286],"753":[1287],"754":[1288,1289],"755":[1290,1291],"756":[1292,1293],"757":[1294,1295,1296,1297],"758":[1298],"759":[1299,1300],"760":[1301,1302,1303],"761":[1304,1305],"762":[1306],"763":[1307,1308],"764":[1309],"765":[1310],"767":[1311],"768":[1312],"769":[1313,1314],"770":[1315],"771":[1316],"772":[1317],"773":[1318],"774":[1319],"775":[1320],"776":[1321],"777":[1322,1323],"778":[1324,1325],"779":[1326,1327],"780":[1328,1329],"781":[1330,1331],"782":[1332,1333,1334],"783":[1335,1336],"784":[1337,1338,1339],"785":[1340,1341],"786":[1342],"787":[1343,1344],"788":[1345,1346],"789":[1347,1348,1349],"790":[1350,1351],"791":[1352],"792":[1353],"793":[1354,1355],"794":[1356,1357],"795":[1358,1359,1360],"796":[1361],"797":[1362],"798":[1363,1364,1365],"799":[1366,1367],"800":[1368,1369,1370,1371],"801":[1372],"802":[1373],"803":[1374,1375],"804":[1376,1377,1378],"805":[1379,1380],"806":[1381],"807":[1382],"808":[1383],"809":[1384],"810":[1385,1386],"811":[1387],"812":[1388],"813":[1389],"814":[1390],"815":[1391,1392],"816":[1393,1394],"817":[1395,1396],"819":[1397,1398],"820":[1399],"821":[1400,1401],"822":[1402,1403],"824":[1404],"825":[1405,1406,1407],"826":[1408,1409],"827":[1410],"828":[1411,1412],"829":[1413],"830":[1414],"831":[1415],"832":[1416],"833":[1417,1418],"834":[1419,1420],"835":[1421,1422,1423],"836":[1424],"837":[1425,1426],"838":[1427,1428],"839":[1429],"840":[1430,1431,1432],"841":[1433,1434],"842":[1435],"843":[1436,1437],"844":[1438],"845":[1439,1440,1441],"846":[1442,1443],"847":[1444,1445,1446],"848":[1447,1448],"849":[1449,1450],"850":[1451],"851":[1452],"852":[1453,1454,1455],"853":[1456,1457,1458],"854":[1459,1460],"855":[1461,1462,1463],"856":[1464,1465,1466],"857":[1467,1468],"858":[1469,1470,1471],"859":[1472,1473],"860":[1474],"861":[1475],"862":[1476,1477,1478],"863":[1479,1480],"864":[1481,1482,1483],"865":[1484],"866":[1485,1486],"867":[1487,1488],"868":[1489,1490,1491],"869":[1492,1493,1494,1495],"870":[1496,1497,1498],"871":[1499,1500,1501],"872":[1502,1503],"873":[1504,1505,1506],"874":[1507,1508,1509],"875":[1510,1511,1512],"876":[1513,1514],"877":[1515,1516,1517,1518],"878":[1519,1520,1521],"879":[1522],"880":[1523,1524,1525,1526],"882":[1527],"883":[1528],"884":[1529,1530],"885":[1531,1532],"886":[1533],"887":[1534,1535],"888":[1536,1537],"889":[1538,1539],"890":[1540,1541,1542],"891":[1543,1544],"893":[1545,1546,1547],"894":[1548,1549,1550,1551],"895":[1552,1553,1554],"896":[1555],"897":[1556,1557,1558],"898":[1559,1560,1561],"899":[1562,1563],"900":[1564,1565,1566,1567],"901":[1568,1569],"902":[1570,1571],"903":[1572,1573],"904":[1574,1575,1576],"905":[1577,1578,1579],"906":[1580,1581,1582,1583],"907":[1584,1585,1586],"908":[1587,1588],"909":[1589,1590,1591],"910":[1592,1593,1594,1595],"911":[1596,1597,1598],"912":[1599,1600,1601,1602],"913":[1603,1604,1605],"914":[1606,1607,1608],"915":[1609,1610,1611],"916":[1612,1613,1614],"917":[1615,1616,1617],"918":[1618,1619,1620],"919":[1621,1622,1623,1624],"920":[1625,1626,1627],"921":[1628,1629,1630],"922":[1631,1632,1633,1634,1635],"923":[1636,1637],"924":[1638,1639,1640,1641],"925":[1642,1643],"926":[1644,1645],"927":[1646,1647,1648],"928":[1649,1650],"929":[1651,1652,1653],"932":[1654],"933":[1655],"934":[1656,1657,1658],"935":[1659],"936":[1660],"937":[1661],"938":[1662,1663],"939":[1664,1665],"940":[1666,1667,1668],"941":[1669,1670],"942":[1671,1672,1673],"943":[1674],"944":[1675,1676],"945":[1677,1678],"946":[1679,1680],"947":[1681,1682,1683,1684],"948":[1685,1686],"949":[1687],"950":[1688,1689,1690],"951":[1691,1692],"952":[1693],"953":[1694,1695,1696],"954":[1697,1698],"955":[1699,1700],"956":[1701,1702,1703],"957":[1704,1705],"958":[1706,1707],"959":[1708],"960":[1709,1710],"961":[1711,1712,1713],"962":[1714,1715,1716,1717],"963":[1718,1719,1720],"964":[1721,1722,1723],"965":[1724,1725],"966":[1726,1727,1728,1729,1730],"967":[1731,1732],"968":[1733,1734,1735],"969":[1736,1737,1738],"970":[1739,1740,1741],"971":[1742,1743,1744],"972":[1745,1746,1747,1748],"973":[1749,1750,1751],"974":[1752,1753,1754,1755],"975":[1756,1757],"976":[1758,1759],"977":[1760,1761,1762,1763],"978":[1764,1765,1766],"980":[1767,1768,1769],"981":[1770],"982":[1771,1772],"983":[1773],"984":[1774,1775],"985":[1776,1777],"986":[1778,1779],"987":[1780,1781],"988":[1782,1783],"989":[1784,1785],"990":[1786],"991":[1787],"992":[1788,1789,1790],"993":[1791,1792,1793],"994":[1794,1795],"995":[1796,1797],"996":[1798,1799,1800],"997":[1801,1802],"998":[1803,1804],"999":[1805,1806,1807],"1000":[1808,1809],"1001":[1810,1811,1812],"1002":[1813],"1003":[1814,1815,1816,1817],"1004":[1818],"1005":[1819,1820],"1006":[1821,1822],"1007":[1823,1824,1825],"1008":[1826,1827],"1009":[1828,1829],"1010":[1830,1831,1832],"1011":[1833,1834,1835,1836],"1012":[1837,1838],"1013":[1839,1840],"1014":[1841,1842,1843],"1015":[1844,1845],"1016":[1846,1847,1848,1849],"1017":[1850,1851,1852],"1018":[1853,1854],"1019":[1855,1856,1857],"1020":[1858,1859,1860],"1021":[1861,1862,1863],"1022":[1864,1865,1866,1867,1868],"1023":[1869],"1024":[1870,1871,1872],"1025":[1873],"1026":[1874,1875,1876],"1027":[1877,1878,1879,1880,1881,1882],"1028":[1883,1884,1885,1886,1887,1888],"1029":[1889,1890,1891,1892,1893],"1030":[1894,1895,1896,1897,1898,1899],"1031":[1900,1901,1902,1903],"1032":[1904,1905,1906,1907,1908,1909],"1033":[1910,1911,1912,1913,1914],"1034":[1915,1916,1917,1918,1919,1920,1921],"1035":[1922,1923,1924,1925,1926],"1036":[1927,1928,1929,1930,1931,1932,1933],"1037":[1934,1935,1936,1937,1938,1939,1940],"1038":[1941,1942,1943,1944,1945],"1039":[1946,1947,1948,1949,1950],"1040":[1951,1952,1953,1954,1955],"1041":[1956,1957,1958],"1042":[1959,1960],"1043":[1961],"1045":[1962,1963],"1046":[1964,1965,1966,1967],"1047":[1968,1969,1970],"1048":[1971,1972,1973,1974,1975],"1049":[1976,1977,1978,1979],"1050":[1980,1981,1982,1983,1984],"1051":[1985,1986,1987],"1052":[1988,1989],"1053":[1990,1991,1992],"1054":[1993,1994,1995],"1055":[1996,1997],"1056":[1998,1999,2000,2001],"1057":[2002,2003,2004],"1058":[2005,2006,2007,2008],"1059":[2009,2010,2011],"1060":[2012,2013,2014],"1061":[2015,2016,2017,2018],"1062":[2019,2020,2021],"1063":[2022,2023,2024],"1064":[2025,2026],"1065":[2027,2028,2029],"1066":[2030,2031,2032],"1067":[2033,2034],"1068":[2035,2036,2037],"1069":[2038,2039,2040],"1070":[2041,2042,2043],"1071":[2044,2045,2046,2047],"1072":[2048,2049,2050],"1073":[2051,2052],"1074":[2053,2054,2055],"1075":[2056,2057,2058],"1076":[2059,2060,2061,2062],"1077":[2063,2064],"1078":[2065,2066,2067],"1079":[2068,2069],"1080":[2070,2071,2072,2073],"1081":[2074,2075],"1082":[2076,2077,2078,2079],"1083":[2080,2081,2082,2083,2084],"1084":[2085,2086],"1085":[2087,2088,2089],"1086":[2090,2091,2092],"1087":[2093],"1090":[2094],"1092":[2095,2096],"1093":[2097,2098,2099],"1094":[2100,2101],"1095":[2102],"1096":[2103,2104,2105],"1097":[2106,2107],"1098":[2108,2109,2110],"1099":[2111,2112,2113,2114],"1100":[2115,2116,2117],"1101":[2118,2119,2120,2121],"1102":[2122,2123,2124,2125],"1103":[2126,2127,2128],"1104":[2129,2130,2131,2132],"1105":[2133,2134,2135,2136],"1106":[2137,2138,2139],"1107":[2140,2141,2142,2143],"1108":[2144,2145,2146,2147],"1109":[2148,2149,2150,2151],"1110":[2152,2153],"1111":[2154,2155],"1112":[2156,2157,2158],"1113":[2159,2160,2161],"1114":[2162,2163,2164],"1115":[2165],"1116":[2166,2167,2168,2169],"1117":[2170,2171,2172],"1118":[2173,2174],"1119":[2175,2176,2177],"1120":[2178,2179,2180],"1121":[2181,2182,2183,2184],"1122":[2185,2186,2187,2188],"1123":[2189,2190,2191],"1124":[2192,2193,2194,2195],"1125":[2196,2197,2198],"1126":[2199,2200,2201],"1127":[2202,2203,2204,2205],"1129":[2206,2207,2208],"1131":[2209],"1132":[2210],"1133":[2211,2212,2213,2214,2215],"1134":[2216,2217,2218],"1135":[2219,2220,2221,2222],"1136":[2223,2224,2225],"1137":[2226,2227],"1138":[2228,2229],"1139":[2230,2231,2232],"1140":[2233,2234,2235,2236],"1141":[2237,2238,2239],"1142":[2240,2241,2242,2243],"1143":[2244,2245,2246,2247,2248],"1144":[2249,2250,2251,2252],"1145":[2253,2254,2255],"1146":[2256,2257,2258],"1147":[2259,2260,2261,2262,2263],"1148":[2264,2265,2266],"1149":[2267,2268],"1150":[2269,2270,2271,2272,2273],"1151":[2274,2275,2276,2277,2278],"1152":[2279,2280,2281,2282,2283],"1153":[2284,2285,2286,2287],"1154":[2288,2289,2290,2291],"1155":[2292,2293,2294],"1156":[2295,2296,2297,2298],"1157":[2299,2300,2301,2302,2303],"1158":[2304,2305,2306],"1159":[2307,2308,2309,2310,2311],"1160":[2312,2313,2314,2315,2316],"1161":[2317,2318],"1163":[2319],"1164":[2320],"1165":[2321],"1166":[2322],"1174":[2323,2324,2325],"1175":[2326],"1177":[2327,2328,2329,2330,2331],"1178":[2332,2333,2334,2335],"1179":[2336,2337,2338,2339,2340,2341],"1180":[2342,2343,2344,2345,2346],"1181":[2347,2348,2349,2350],"1182":[2351,2352,2353,2354,2355,2356],"1183":[2357,2358,2359,2360,2361,2362],"1184":[2363,2364,2365,2366],"1185":[2367,2368,2369,2370,2371,2372],"1186":[2373,2374,2375,2376],"1187":[2377,2378,2379,2380],"1188":[2381,2382,2383,2384,2385],"1189":[2386,2387,2388,2389,2390],"1190":[2391,2392,2393,2394],"1191":[2395,2396,2397,2398],"1192":[2399,2400,2401,2402,2403],"1193":[2404,2405,2406,2407,2408],"1194":[2409,2410,2411,2412,2413,2414,2415,2416],"1195":[2417,2418,2419],"1196":[2420,2421,2422],"1197":[2423],"1198":[2424],"1199":[2425,2426,2427,2428,2429],"1200":[2430,2431,2432,2433],"1201":[2434,2435,2436,2437,2438],"1202":[2439,2440,2441,2442,2443],"1203":[2444,2445,2446,2447,2448],"1204":[2449,2450,2451,2452,2453,2454,2455],"1205":[2456,2457,2458,2459,2460,2461,2462],"1206":[2463,2464,2465,2466],"1207":[2467,2468,2469,2470,2471],"1208":[2472,2473,2474,2475,2476],"1209":[2477,2478,2479,2480,2481,2482],"1210":[2483,2484,2485,2486,2487,2488],"1211":[2489,2490,2491,2492,2493],"1212":[2494,2495,2496,2497],"1213":[2498,2499,2500,2501,2502],"1214":[2503,2504,2505,2506,2507],"1215":[2508,2509,2510],"1216":[2511,2512,2513,2514,2515],"1217":[2516,2517,2518,2519,2520,2521],"1218":[2522,2523,2524,2525,2526,2527],"1219":[2528,2529,2530,2531,2532,2533],"1220":[2534,2535,2536,2537],"1221":[2538,2539,2540,2541,2542],"1222":[2543,2544,2545,2546],"1223":[2547,2548,2549,2550],"1224":[2551,2552,2553],"1225":[2554,2555,2556],"1226":[2557,2558],"1227":[2559,2560,2561,2562],"1229":[2563,2564,2565,2566,2567],"1230":[2568,2569,2570,2571],"1231":[2572,2573,2574,2575,2576],"1232":[2577,2578,2579,2580,2581],"1233":[2582,2583,2584,2585,2586],"1234":[2587,2588,2589,2590,2591,2592],"1235":[2593,2594,2595,2596],"1236":[2597,2598,2599,2600,2601,2602],"1237":[2603,2604,2605,2606],"1238":[2607,2608,2609,2610,2611],"1239":[2612,2613,2614,2615,2616,2617,2618],"1240":[2619,2620,2621,2622,2623,2624,2625],"1241":[2626,2627,2628,2629,2630,2631,2632,2633],"1242":[2634,2635,2636,2637,2638],"1243":[2639,2640,2641],"1244":[2642,2643],"1245":[2644,2645,2646,2647,2648],"1246":[2649,2650,2651,2652],"1247":[2653,2654,2655,2656],"1248":[2657,2658,2659],"1249":[2660,2661,2662,2663,2664],"1250":[2665,2666,2667,2668,2669],"1251":[2670,2671,2672,2673],"1252":[2674],"1253":[2675,2676,2677],"1254":[2678],"1255":[2679,2680],"1256":[2681,2682,2683],"1257":[2684,2685,2686,2687],"1258":[2688,2689,2690,2691,2692],"1259":[2693,2694,2695],"1260":[2696,2697,2698,2699],"1261":[2700,2701,2702,2703],"1262":[2704,2705,2706],"1263":[2707,2708,2709,2710],"1264":[2711,2712,2713,2714],"1265":[2715,2716,2717],"1266":[2718,2719,2720],"1267":[2721,2722],"1268":[2723,2724,2725,2726],"1269":[2727,2728],"1270":[2729,2730,2731,2732],"1271":[2733,2734,2735,2736,2737],"1272":[2738,2739,2740,2741],"1273":[2742,2743,2744],"1274":[2745,2746,2747,2748],"1275":[2749,2750,2751],"1276":[2752,2753,2754],"1278":[2755,2756,2757],"1279":[2758],"1280":[2759,2760,2761],"1281":[2762,2763,2764,2765,2766,2767,2768],"1282":[2769,2770,2771,2772,2773],"1283":[2774,2775,2776,2777,2778],"1284":[2779,2780,2781],"1285":[2782,2783,2784,2785,2786,2787],"1286":[2788,2789,2790,2791,2792,2793,2794],"1287":[2795,2796,2797,2798,2799,2800],"1288":[2801,2802,2803,2804,2805,2806,2807],"1289":[2808,2809,2810,2811,2812,2813,2814],"1290":[2815,2816,2817,2818,2819,2820,2821],"1291":[2822,2823,2824,2825,2826],"1292":[2827,2828,2829,2830,2831,2832],"1293":[2833,2834,2835,2836,2837,2838,2839,2840],"1294":[2841,2842,2843,2844,2845,2846],"1295":[2847,2848,2849,2850,2851,2852,2853],"1296":[2854,2855,2856,2857,2858,2859],"1297":[2860,2861,2862,2863,2864,2865,2866],"1298":[2867,2868,2869,2870,2871,2872],"1299":[2873,2874,2875,2876],"1301":[2877],"1302":[2878,2879],"1303":[2880,2881,2882],"1304":[2883,2884,2885,2886,2887],"1305":[2888,2889],"1306":[2890,2891,2892,2893,2894],"1307":[2895,2896,2897,2898],"1308":[2899,2900,2901,2902],"1309":[2903,2904,2905],"1310":[2906,2907,2908],"1311":[2909,2910],"1312":[2911,2912],"1313":[2913],"1314":[2914,2915,2916,2917],"1315":[2918,2919,2920],"1316":[2921,2922,2923,2924],"1317":[2925,2926,2927,2928,2929],"1318":[2930,2931,2932],"1319":[2933,2934,2935],"1320":[2936,2937],"1321":[2938,2939],"1322":[2940,2941],"1323":[2942,2943,2944,2945],"1325":[2946,2947,2948],"1326":[2949,2950,2951,2952,2953],"1327":[2954,2955,2956,2957,2958,2959],"1328":[2960,2961,2962,2963,2964],"1329":[2965,2966,2967,2968],"1330":[2969,2970,2971,2972,2973,2974,2975],"1331":[2976,2977,2978,2979,2980],"1332":[2981,2982,2983,2984,2985],"1333":[2986,2987,2988,2989],"1334":[2990,2991,2992,2993,2994],"1335":[2995,2996,2997,2998,2999],"1336":[3000,3001,3002,3003,3004],"1337":[3005,3006,3007,3008],"1338":[3009,3010,3011,3012,3013,3014],"1339":[3015,3016,3017,3018,3019],"1340":[3020,3021,3022],"1341":[3023,3024,3025],"1342":[3026],"1344":[3027,3028,3029,3030,3031],"1345":[3032,3033,3034,3035,3036,3037,3038],"1346":[3039,3040,3041,3042,3043,3044,3045,3046],"1347":[3047,3048,3049,3050,3051,3052,3053],"1348":[3054,3055,3056,3057,3058,3059,3060],"1349":[3061,3062,3063,3064,3065,3066],"1350":[3067,3068,3069,3070,3071],"1351":[3072,3073,3074,3075,3076,3077,3078],"1352":[3079,3080,3081,3082,3083,3084],"1353":[3085,3086,3087,3088,3089,3090,3091],"1354":[3092,3093,3094,3095,3096,3097,3098,3099],"1355":[3100,3101,3102,3103,3104,3105,3106,3107,3108],"1356":[3109,3110,3111,3112,3113,3114],"1357":[3115,3116,3117,3118,3119,3120,3121,3122],"1358":[3123,3124,3125,3126,3127,3128,3129],"1359":[3130,3131,3132,3133,3134,3135],"1360":[3136,3137,3138,3139,3140],"1361":[3141,3142,3143,3144,3145,3146],"1362":[3147,3148,3149,3150,3151,3152,3153],"1363":[3154,3155,3156,3157,3158,3159,3160,3161],"1364":[3162,3163,3164,3165,3166,3167],"1365":[3168,3169,3170,3171,3172,3173,3174,3175],"1366":[3176,3177,3178,3179,3180,3181,3182],"1367":[3183,3184,3185,3186,3187,3188,3189,3190],"1368":[3191,3192,3193,3194,3195,3196,3197],"1369":[3198,3199,3200,3201,3202,3203,3204],"1370":[3205,3206,3207,3208,3209,3210,3211,3212],"1371":[3213,3214,3215,3216,3217,3218],"1372":[3219,3220,3221,3222,3223,3224],"1373":[3225,3226,3227,3228,3229,3230,3231],"1374":[3232,3233,3234,3235,3236,3237],"1375":[3238,3239,3240,3241,3242,3243],"1376":[3244,3245,3246,3247,3248,3249,3250,3251],"1377":[3252],"1378":[3253,3254,3255],"1379":[3256],"1381":[3257,3258,3259],"1382":[3260,3261,3262,3263],"1383":[3264,3265,3266,3267,3268],"1384":[3269,3270,3271],"1385":[3272,3273,3274],"1386":[3275,3276,3277,3278],"1387":[3279,3280,3281,3282],"1388":[3283,3284,3285,3286,3287],"1389":[3288,3289,3290,3291,3292],"1390":[3293,3294,3295,3296],"1391":[3297,3298,3299],"1392":[3300,3301,3302],"1393":[3303,3304,3305,3306,3307],"1394":[3308,3309,3310,3311,3312],"1395":[3313,3314,3315,3316],"1396":[3317,3318,3319,3320],"1397":[3321,3322,3323,3324],"1398":[3325,3326,3327,3328,3329,3330],"1399":[3331,3332,3333,3334,3335],"1400":[3336,3337,3338],"1401":[3339,3340,3341,3342],"1402":[3343,3344,3345],"1403":[3346,3347,3348,3349],"1404":[3350,3351,3352],"1405":[3353],"1406":[3354],"1407":[3355,3356,3357,3358],"1408":[3359,3360,3361],"1409":[3362,3363,3364,3365],"1410":[3366,3367,3368,3369],"1411":[3370,3371,3372,3373],"1412":[3374,3375,3376,3377],"1413":[3378,3379,3380],"1414":[3381,3382,3383,3384],"1415":[3385,3386,3387],"1416":[3388,3389,3390,3391],"1417":[3392,3393,3394,3395,3396],"1418":[3397,3398,3399,3400],"1419":[3401,3402,3403],"1420":[3404,3405,3406,3407],"1421":[3408,3409,3410,3411],"1422":[3412],"1423":[3413,3414,3415,3416],"1424":[3417,3418,3419,3420],"1425":[3421,3422,3423,3424],"1426":[3425,3426,3427,3428],"1427":[3429,3430,3431],"1428":[3432,3433],"1429":[3434,3435,3436],"1430":[3437,3438,3439],"1431":[3440,3441,3442],"1432":[3443,3444,3445],"1433":[3446],"1434":[3447,3448],"1435":[3449,3450,3451,3452,3453],"1436":[3454,3455,3456],"1437":[3457,3458,3459,3460],"1438":[3461,3462,3463],"1439":[3464,3465,3466],"1440":[3467,3468,3469],"1441":[3470,3471,3472],"1442":[3473,3474,3475],"1443":[3476,3477,3478,3479],"1444":[3480,3481,3482,3483],"1445":[3484,3485,3486],"1446":[3487,3488,3489,3490],"1447":[3491,3492,3493],"1448":[3494,3495,3496],"1449":[3497,3498,3499],"1450":[3500,3501,3502,3503],"1451":[3504,3505,3506,3507,3508,3509],"1452":[3510,3511,3512,3513],"1453":[3514,3515],"1454":[3516,3517],"1455":[3518],"1456":[3519,3520,3521,3522,3523],"1457":[3524,3525,3526],"1458":[3527,3528,3529,3530,3531],"1459":[3532,3533,3534,3535,3536],"1460":[3537,3538,3539],"1461":[3540,3541,3542],"1462":[3543,3544,3545,3546],"1463":[3547,3548],"1464":[3549,3550,3551,3552,3553],"1465":[3554,3555,3556,3557],"1466":[3558],"1467":[3559,3560],"1468":[3561,3562,3563,3564],"1469":[3565,3566,3567,3568],"1470":[3569,3570,3571],"1471":[3572,3573,3574],"1472":[3575,3576,3577],"1473":[3578,3579,3580,3581],"1474":[3582,3583],"1475":[3584,3585,3586,3587],"1476":[3588,3589,3590,3591],"1477":[3592,3593,3594],"1478":[3595,3596,3597],"1479":[3598,3599,3600,3601],"1480":[3602,3603],"1481":[3604,3605,3606,3607,3608],"1482":[3609,3610],"1483":[3611,3612,3613],"1484":[3614],"1485":[3615],"1486":[3616,3617,3618],"1487":[3619,3620],"1488":[3621,3622,3623,3624],"1489":[3625,3626,3627,3628],"1490":[3629,3630,3631,3632],"1491":[3633,3634,3635,3636],"1492":[3637,3638,3639,3640,3641],"1493":[3642,3643,3644,3645],"1494":[3646,3647,3648,3649],"1495":[3650,3651,3652],"1497":[3653],"1498":[3654],"1499":[3655,3656,3657,3658],"1500":[3659],"1501":[3660,3661],"1502":[3662,3663],"1503":[3664,3665,3666],"1504":[3667,3668,3669,3670],"1505":[3671,3672,3673],"1506":[3674,3675,3676],"1507":[3677,3678,3679],"1508":[3680,3681],"1509":[3682,3683,3684],"1510":[3685,3686,3687],"1511":[3688,3689,3690],"1512":[3691],"1513":[3692,3693,3694],"1514":[3695,3696,3697,3698],"1515":[3699,3700,3701,3702],"1516":[3703,3704],"1517":[3705,3706],"1518":[3707],"1519":[3708,3709,3710],"1520":[3711,3712,3713,3714],"1521":[3715,3716,3717,3718,3719],"1522":[3720,3721,3722,3723,3724,3725],"1523":[3726],"1524":[3727],"1525":[3728,3729,3730],"1526":[3731],"1527":[3732],"1528":[3733,3734],"1529":[3735,3736,3737],"1530":[3738,3739],"1531":[3740,3741],"1532":[3742,3743,3744],"1533":[3745,3746],"1534":[3747,3748],"1535":[3749,3750,3751],"1536":[3752,3753,3754],"1537":[3755,3756,3757,3758],"1538":[3759,3760,3761,3762],"1539":[3763,3764,3765,3766,3767],"1540":[3768,3769,3770,3771],"1541":[3772,3773,3774],"1542":[3775,3776,3777],"1543":[3778,3779,3780,3781,3782],"1544":[3783,3784,3785],"1545":[3786,3787,3788],"1546":[3789],"1547":[3790,3791],"1548":[3792,3793,3794],"1549":[3795,3796,3797,3798],"1550":[3799,3800,3801],"1551":[3802,3803],"1552":[3804,3805,3806,3807],"1553":[3808,3809,3810,3811],"1554":[3812,3813,3814,3815,3816],"1555":[3817,3818,3819],"1556":[3820,3821,3822,3823],"1557":[3824,3825,3826],"1558":[3827,3828,3829],"1559":[3830,3831,3832],"1560":[3833,3834],"1561":[3835,3836,3837],"1562":[3838,3839],"1563":[3840,3841,3842],"1564":[3843,3844,3845,3846],"1565":[3847,3848,3849],"1566":[3850,3851,3852,3853],"1567":[3854,3855,3856,3857,3858],"1568":[3859,3860,3861,3862,3863,3864,3865],"1569":[3866,3867,3868,3869],"1570":[3870,3871,3872,3873,3874],"1571":[3875,3876,3877,3878,3879,3880],"1572":[3881,3882,3883,3884],"1573":[3885,3886,3887,3888,3889],"1574":[3890,3891,3892,3893,3894,3895],"1575":[3896,3897,3898,3899,3900],"1576":[3901,3902,3903],"1577":[3904,3905,3906,3907],"1578":[3908,3909,3910,3911,3912],"1579":[3913,3914,3915,3916],"1580":[3917],"1581":[3918,3919,3920],"1582":[3921],"1583":[3922,3923,3924],"1584":[3925,3926,3927,3928,3929],"1585":[3930,3931,3932,3933,3934],"1586":[3935,3936,3937,3938,3939,3940,3941],"1587":[3942,3943,3944,3945,3946,3947],"1588":[3948,3949,3950,3951,3952],"1589":[3953,3954,3955,3956,3957,3958],"1590":[3959,3960,3961,3962],"1591":[3963,3964,3965,3966,3967,3968,3969,3970],"1592":[3971,3972,3973,3974,3975,3976,3977],"1593":[3978,3979,3980,3981,3982,3983,3984],"1594":[3985,3986,3987,3988,3989,3990],"1595":[3991,3992,3993,3994,3995],"1596":[3996,3997,3998,3999,4000,4001,4002,4003],"1597":[4004,4005,4006,4007,4008],"1598":[4009,4010,4011,4012,4013,4014,4015],"1599":[4016,4017,4018,4019,4020],"1600":[4021,4022,4023,4024],"1601":[4025,4026,4027,4028,4029,4030,4031],"1602":[4032,4033,4034,4035,4036],"1603":[4037,4038,4039,4040,4041,4042],"1604":[4043,4044,4045,4046,4047],"1605":[4048,4049,4050,4051,4052,4053,4054],"1606":[4055,4056,4057,4058,4059,4060],"1607":[4061,4062,4063,4064],"1608":[4065,4066,4067,4068],"1609":[4069,4070,4071,4072,4073],"1610":[4074,4075,4076,4077,4078],"1611":[4079,4080,4081,4082,4083,4084,4085],"1612":[4086,4087,4088],"1613":[4089,4090,4091],"1614":[4092],"1615":[4093,4094,4095,4096],"1616":[4097,4098,4099,4100],"1617":[4101,4102,4103,4104,4105],"1618":[4106,4107,4108,4109],"1619":[4110,4111,4112,4113,4114],"1620":[4115],"1621":[4116,4117,4118],"1622":[4119,4120,4121],"1623":[4122,4123,4124,4125,4126],"1624":[4127,4128,4129,4130,4131],"1625":[4132,4133,4134,4135,4136],"1626":[4137,4138,4139,4140,4141],"1627":[4142,4143,4144,4145,4146,4147],"1628":[4148,4149,4150,4151,4152],"1629":[4153,4154,4155,4156],"1630":[4157,4158,4159,4160,4161],"1631":[4162,4163,4164,4165,4166,4167],"1632":[4168,4169,4170,4171,4172,4173],"1633":[4174],"1634":[4175,4176,4177,4178],"1635":[4179],"1636":[4180,4181],"1637":[4182,4183,4184],"1638":[4185],"1639":[4186,4187],"1640":[4188,4189,4190],"1641":[4191,4192,4193,4194],"1642":[4195,4196,4197,4198],"1643":[4199,4200],"1644":[4201,4202],"1645":[4203,4204,4205,4206],"1646":[4207,4208,4209],"1647":[4210,4211,4212,4213,4214],"1648":[4215,4216,4217,4218],"1649":[4219,4220],"1650":[4221,4222,4223],"1651":[4224,4225,4226],"1652":[4227,4228,4229],"1653":[4230,4231],"1654":[4232,4233,4234,4235],"1655":[4236,4237,4238,4239],"1656":[4240,4241,4242,4243,4244],"1657":[4245,4246,4247],"1658":[4248,4249,4250],"1659":[4251,4252],"1660":[4253],"1661":[4254],"1668":[4255],"1669":[4256,4257],"1670":[4258],"1671":[4259,4260],"1672":[4261,4262,4263,4264,4265,4266],"1673":[4267,4268,4269,4270,4271],"1674":[4272,4273,4274,4275,4276],"1675":[4277,4278,4279,4280,4281],"1676":[4282,4283,4284,4285],"1677":[4286,4287,4288,4289,4290,4291,4292],"1678":[4293,4294,4295,4296,4297,4298,4299],"1679":[4300,4301,4302,4303,4304],"1680":[4305,4306,4307,4308,4309],"1681":[4310],"1682":[4311,4312,4313],"1683":[4314,4315,4316],"1684":[4317,4318,4319,4320,4321],"1685":[4322,4323,4324,4325,4326],"1686":[4327,4328,4329,4330],"1687":[4331,4332,4333,4334,4335],"1688":[4336,4337,4338,4339,4340,4341],"1689":[4342,4343,4344],"1690":[4345,4346,4347,4348,4349],"1691":[4350,4351,4352,4353],"1692":[4354,4355],"1693":[4356],"1694":[4357,4358,4359,4360,4361,4362],"1695":[4363,4364,4365,4366,4367,4368],"1696":[4369,4370,4371],"1697":[4372,4373,4374,4375,4376,4377],"1698":[4378,4379,4380,4381,4382,4383],"1699":[4384,4385,4386,4387,4388,4389,4390,4391],"1700":[4392,4393,4394,4395,4396,4397],"1701":[4398,4399,4400,4401,4402,4403],"1702":[4404,4405],"1703":[4406,4407],"1704":[4408],"1705":[4409,4410,4411,4412,4413,4414,4415,4416],"1706":[4417,4418,4419,4420,4421,4422,4423],"1707":[4424,4425,4426,4427,4428,4429],"1708":[4430,4431,4432,4433,4434,4435],"1709":[4436,4437,4438,4439,4440],"1710":[4441,4442,4443,4444,4445,4446,4447,4448],"1711":[4449,4450,4451,4452,4453,4454,4455],"1712":[4456,4457,4458,4459,4460,4461,4462],"1713":[4463,4464,4465,4466],"1714":[4467,4468,4469,4470,4471,4472,4473],"1715":[4474,4475,4476,4477,4478,4479],"1716":[4480,4481],"1717":[4482,4483,4484],"1718":[4485,4486,4487,4488,4489,4490,4491,4492],"1719":[4493,4494,4495,4496,4497,4498,4499],"1720":[4500,4501,4502,4503,4504,4505,4506,4507],"1721":[4508,4509,4510,4511,4512,4513],"1722":[4514,4515,4516,4517,4518],"1723":[4519,4520],"1724":[4521,4522,4523],"1725":[4524,4525,4526,4527,4528],"1726":[4529,4530,4531,4532,4533],"1727":[4534,4535,4536,4537,4538],"1728":[4539,4540,4541,4542,4543,4544],"1729":[4545,4546,4547,4548,4549,4550,4551,4552],"1730":[4553],"1731":[4554,4555],"1732":[4556],"1733":[4557,4558,4559,4560,4561,4562,4563],"1734":[4564,4565,4566,4567,4568],"1735":[4569,4570,4571,4572,4573,4574],"1736":[4575,4576,4577,4578,4579,4580],"1737":[4581,4582,4583,4584],"1738":[4585,4586,4587,4588,4589,4590],"1739":[4591,4592],"1740":[4593],"1741":[4594,4595,4596,4597],"1742":[4598,4599,4600,4601,4602],"1743":[4603,4604,4605,4606,4607,4608],"1744":[4609,4610,4611,4612,4613],"1745":[4614,4615,4616,4617,4618,4619,4620],"1746":[4621,4622,4623,4624,4625,4626,4627,4628],"1747":[4629,4630],"1748":[4631,4632],"1750":[4633,4634],"1751":[4635,4636,4637,4638,4639,4640],"1752":[4641,4642,4643,4644,4645,4646],"1753":[4647,4648,4649,4650,4651],"1754":[4652,4653,4654,4655,4656,4657],"1755":[4658,4659,4660,4661],"1756":[4662,4663],"1757":[4664,4665,4666],"1758":[4667,4668,4669,4670,4671,4672],"1759":[4673,4674,4675,4676,4677],"1760":[4678,4679,4680,4681,4682],"1761":[4683,4684,4685],"1762":[4686,4687,4688,4689,4690,4691],"1763":[4692,4693,4694,4695,4696,4697,4698],"1764":[4699,4700,4701,4702,4703,4704],"1765":[4705,4706,4707,4708,4709],"1766":[4710,4711,4712],"1767":[4713,4714,4715,4716,4717],"1768":[4718,4719,4720,4721,4722,4723,4724],"1769":[4725,4726,4727,4728,4729],"1770":[4730,4731,4732,4733,4734,4735,4736,4737],"1771":[4738,4739,4740,4741],"1772":[4742,4743],"1773":[4744,4745,4746,4747,4748,4749,4750],"1774":[4751,4752,4753,4754,4755,4756,4757,4758,4759],"1775":[4760,4761,4762,4763,4764,4765],"1776":[4766,4767,4768,4769,4770,4771,4772,4773],"1777":[4774,4775,4776,4777],"1778":[4778,4779],"1779":[4780],"1780":[4781,4782,4783,4784,4785],"1781":[4786,4787,4788,4789,4790,4791,4792],"1782":[4793,4794,4795,4796,4797,4798,4799],"1783":[4800,4801,4802,4803,4804,4805,4806],"1784":[4807,4808,4809,4810,4811,4812],"1785":[4813,4814,4815,4816,4817,4818,4819,4820,4821],"1786":[4822,4823,4824,4825,4826,4827,4828,4829],"1787":[4830,4831],"1788":[4832],"1789":[4833,4834,4835,4836,4837],"1790":[4838,4839,4840,4841,4842,4843,4844,4845],"1791":[4846,4847,4848,4849,4850,4851,4852],"1792":[4853,4854,4855,4856,4857],"1793":[4858,4859,4860,4861,4862,4863,4864,4865],"1794":[4866,4867,4868,4869],"1795":[4870,4871],"1796":[4872],"1797":[4873,4874,4875,4876,4877,4878,4879,4880,4881],"1798":[4882,4883,4884,4885,4886,4887],"1799":[4888,4889,4890,4891,4892,4893,4894,4895],"1800":[4896,4897],"1802":[4898,4899],"1803":[4900],"1804":[4901,4902,4903,4904,4905,4906,4907,4908,4909],"1805":[4910,4911,4912,4913,4914,4915],"1806":[4916,4917,4918,4919,4920,4921,4922,4923],"1807":[4924,4925,4926,4927,4928,4929,4930],"1808":[4931,4932,4933,4934,4935,4936,4937,4938],"1809":[4939,4940,4941],"1810":[4942,4943],"1812":[4944],"1813":[4945,4946],"1814":[4947,4948,4949,4950,4951,4952,4953],"1815":[4954,4955,4956,4957,4958],"1816":[4959,4960,4961],"1817":[4962,4963,4964,4965,4966],"1818":[4967,4968,4969,4970],"1819":[4971,4972,4973,4974],"1820":[4975,4976,4977],"1821":[4978,4979,4980],"1822":[4981,4982,4983,4984,4985,4986],"1823":[4987,4988,4989,4990],"1824":[4991,4992,4993,4994,4995,4996],"1825":[4997,4998,4999],"1826":[5000,5001],"1828":[5002,5003],"1829":[5004,5005,5006],"1830":[5007,5008,5009,5010,5011],"1831":[5012,5013,5014,5015],"1832":[5016,5017,5018,5019,5020],"1833":[5021,5022,5023,5024,5025,5026,5027],"1834":[5028,5029],"1835":[5030,5031,5032],"1836":[5033,5034,5035,5036,5037,5038],"1837":[5039,5040,5041],"1838":[5042,5043,5044],"1839":[5045,5046],"1840":[5047,5048,5049,5050,5051],"1841":[5052,5053,5054],"1842":[5055,5056,5057,5058,5059,5060],"1843":[5061,5062],"1844":[5063,5064,5065],"1845":[5066,5067,5068,5069,5070],"1846":[5071,5072,5073,5074,5075,5076],"1847":[5077],"1848":[5078,5079],"1849":[5080,5081,5082,5083,5084],"1850":[5085,5086,5087,5088,5089,5090],"1851":[5091,5092],"1852":[5093,5094,5095],"1853":[5096,5097,5098,5099,5100,5101],"1854":[5102,5103,5104,5105,5106,5107],"1855":[5108,5109,5110,5111,5112,5113,5114],"1856":[5115,5116,5117],"1857":[5118,5119,5120,5121],"1858":[5122,5123,5124,5125],"1859":[5126,5127],"1860":[5128,5129,5130],"1861":[5131,5132,5133,5134,5135],"1862":[5136,5137,5138,5139,5140],"1863":[5141,5142,5143],"1864":[5144,5145,5146],"1865":[5147,5148,5149,5150],"1866":[5151,5152,5153,5154,5155,5156,5157,5158],"1867":[5159,5160,5161,5162,5163,5164,5165,5166],"1868":[5167,5168,5169,5170,5171,5172,5173,5174],"1869":[5175,5176],"1870":[5177],"1871":[5178,5179,5180,5181,5182,5183,5184],"1872":[5185,5186,5187,5188,5189,5190,5191,5192,5193,5194],"1873":[5195,5196,5197,5198,5199,5200],"1874":[5201,5202,5203,5204,5205,5206,5207,5208,5209],"1875":[5210,5211,5212,5213,5214,5215,5216,5217],"1876":[5218,5219,5220,5221,5222,5223],"1877":[5224,5225],"1878":[5226,5227,5228,5229,5230],"1879":[5231,5232,5233,5234,5235,5236],"1880":[5237,5238,5239,5240,5241,5242],"1881":[5243,5244,5245,5246,5247,5248,5249,5250,5251],"1882":[5252,5253,5254],"1883":[5255,5256,5257,5258,5259],"1884":[5260,5261,5262,5263,5264,5265,5266,5267],"1885":[5268,5269,5270,5271,5272,5273,5274,5275],"1886":[5276,5277,5278,5279,5280,5281,5282,5283],"1887":[5284,5285,5286],"1888":[5287,5288,5289,5290,5291],"1889":[5292,5293,5294,5295,5296],"1890":[5297,5298,5299,5300,5301,5302,5303,5304,5305],"1891":[5306,5307,5308,5309,5310,5311],"1892":[5312,5313,5314],"1893":[5315],"1894":[5316,5317,5318,5319,5320,5321],"1895":[5322,5323,5324,5325,5326,5327,5328],"1896":[5329,5330,5331,5332,5333,5334,5335],"1897":[5336,5337,5338,5339,5340],"1898":[5341,5342],"1899":[5343,5344,5345,5346,5347],"1900":[5348,5349,5350,5351,5352,5353,5354,5355],"1901":[5356,5357,5358,5359,5360,5361,5362],"1903":[5363,5364,5365],"1904":[5366,5367,5368,5369,5370],"1905":[5371,5372,5373,5374,5375,5376,5377,5378,5379,5380],"1906":[5381,5382,5383,5384,5385,5386,5387,5388,5389,5390,5391],"1907":[5392,5393,5394,5395,5396,5397],"1908":[5398,5399,5400,5401,5402,5403,5404,5405,5406],"1909":[5407,5408,5409],"1910":[5410,5411],"1911":[5412,5413,5414,5415,5416,5417,5418,5419],"1912":[5420,5421,5422,5423,5424,5425,5426,5427,5428],"1913":[5429,5430,5431,5432,5433,5434,5435,5436,5437,5438,5439,5440],"1914":[5441,5442,5443],"1915":[5444,5445],"1916":[5446,5447,5448,5449,5450,5451],"1917":[5452,5453,5454,5455,5456,5457],"1918":[5458,5459,5460,5461,5462,5463,5464],"1919":[5465,5466,5467],"1920":[5468,5469,5470,5471,5472,5473],"1921":[5474,5475,5476,5477,5478,5479,5480,5481,5482,5483,5484],"1922":[5485,5486,5487,5488,5489,5490,5491,5492,5493,5494,5495],"1923":[5496,5497,5498,5499,5500,5501,5502,5503,5504,5505,5506,5507,5508],"1924":[5509,5510],"1925":[5511,5512,5513,5514,5515,5516,5517],"1926":[5518,5519,5520,5521,5522,5523,5524,5525,5526,5527],"1927":[5528,5529,5530,5531,5532,5533,5534,5535,5536],"1928":[5537],"1929":[5538,5539,5540],"1930":[5541,5542,5543,5544,5545,5546,5547],"1931":[5548,5549,5550,5551,5552,5553,5554,5555],"1932":[5556,5557,5558,5559,5560,5561,5562],"1933":[5563,5564,5565,5566,5567,5568,5569,5570,5571],"1934":[5572,5573,5574,5575],"1935":[5576,5577,5578],"1936":[5579,5580,5581],"1937":[5582,5583,5584,5585,5586,5587,5588,5589,5590,5591,5592],"1938":[5593,5594,5595,5596,5597,5598,5599,5600,5601],"1939":[5602,5603,5604],"1940":[5605,5606,5607,5608,5609,5610,5611,5612],"1941":[5613,5614,5615,5616,5617,5618,5619,5620],"1942":[5621,5622,5623,5624,5625,5626,5627,5628],"1943":[5629,5630,5631],"1944":[5632,5633,5634,5635,5636,5637],"1945":[5638,5639,5640,5641,5642,5643],"1946":[5644,5645,5646],"1947":[5647,5648,5649,5650,5651,5652,5653,5654],"1948":[5655,5656,5657,5658,5659,5660,5661,5662,5663],"1949":[5664,5665,5666,5667],"1950":[5668,5669,5670],"1951":[5671,5672,5673,5674,5675,5676,5677,5678,5679],"1952":[5680,5681,5682,5683,5684,5685,5686,5687,5688],"1953":[5689,5690,5691,5692,5693],"1954":[5694,5695,5696],"1955":[5697,5698,5699,5700,5701,5702,5703],"1956":[5704,5705,5706,5707,5708,5709,5710],"1957":[5711,5712,5713],"1958":[5714,5715,5716,5717,5718,5719,5720,5721,5722,5723,5724],"1959":[5725,5726],"1960":[5727,5728,5729],"1961":[5730,5731,5732,5733,5734,5735,5736],"1962":[5737,5738,5739,5740,5741,5742,5743,5744],"1964":[5745,5746,5747],"1965":[5748,5749,5750,5751,5752,5753,5754],"1966":[5755],"1967":[5756,5757,5758],"1968":[5759,5760,5761,5762,5763,5764,5765],"1969":[5766,5767,5768,5769,5770,5771,5772,5773],"1970":[5774,5775,5776,5777],"1971":[5778,5779,5780],"1972":[5781,5782,5783,5784,5785,5786],"1973":[5787,5788,5789,5790,5791,5792,5793,5794,5795],"1974":[5796,5797,5798],"1975":[5799,5800,5801,5802,5803,5804,5805,5806,5807],"1976":[5808,5809,5810,5811,5812,5813],"1977":[5814,5815,5816],"1978":[5817,5818,5819,5820,5821,5822,5823,5824,5825,5826],"1979":[5827,5828,5829,5830,5831,5832],"1980":[5833,5834],"1981":[5835,5836,5837,5838],"1982":[5839,5840,5841,5842,5843,5844,5845,5846],"1983":[5847,5848,5849],"1984":[5850,5851,5852,5853,5854,5855],"1985":[5856,5857,5858],"1986":[5859,5860,5861,5862,5863,5864,5865],"1987":[5866,5867,5868],"1988":[5869,5870,5871,5872,5873],"1989":[5874,5875,5876,5877,5878,5879],"1990":[5880,5881,5882],"1991":[5883,5884,5885],"1992":[5886,5887,5888,5889,5890,5891],"1993":[5892,5893,5894],"1994":[5895,5896,5897,5898,5899,5900],"1995":[5901,5902],"1996":[5903,5904,5905],"1997":[5906,5907,5908,5909,5910,5911,5912],"1998":[5913,5914,5915],"1999":[5916,5917,5918,5919,5920],"2000":[5921],"2001":[5922,5923,5924],"2002":[5925,5926,5927,5928,5929,5930,5931,5932,5933],"2003":[5934,5935,5936,5937,5938],"2004":[5939,5940,5941,5942],"2005":[5943,5944,5945,5946,5947],"2006":[5948],"2007":[5949,5950,5951],"2008":[5952,5953,5954,5955,5956,5957],"2009":[5958,5959,5960],"2010":[5961,5962,5963,5964,5965],"2012":[5966,5967,5968],"2013":[5969,5970,5971,5972,5973],"2014":[5974,5975,5976],"2015":[5977,5978,5979,5980,5981,5982],"2016":[5983,5984],"2017":[5985,5986,5987,5988,5989],"2018":[5990,5991,5992],"2019":[5993,5994,5995,5996,5997,5998],"2020":[5999,6000],"2021":[6001,6002,6003,6004,6005],"2022":[6006,6007],"2023":[6008,6009,6010,6011,6012,6013,6014],"2024":[6015],"2025":[6016,6017,6018,6019,6020],"2026":[6021,6022,6023],"2027":[6024,6025,6026,6027,6028],"2028":[6029,6030,6031],"2029":[6032],"2030":[6033,6034,6035,6036,6037],"2031":[6038]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\n﷽\n﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾\n[الحجر ١٥/ ٩٠ - ٩٣]","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>مقدّمة الربع الأول</span>\nالقرآن الكريم منظومة متسلسلة من أوله حتى آخره، وهذا التسلسل ينطبق على الآيات القرآنية في كل سورة على حدة، كما ينطبق على ترتيب السور جميعا من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وقد بدأ المؤلف في كتابه بيان النظم في القرآن الكريم بالربع الرابع منه، أي من سورة غافر (٤٠)، وحتى سورة الناس (١١٤)، ونشره في كتابه (بيان النظم في القرآن الكريم)، وفي هذا الكتاب بيان النظم في الربع الأول منه، أي من سورة الفاتحة (١)، حتى سورة الأنعام (٦)، والعمل جار في استكمال الربعين الثاني والثالث إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين،\n\nالمحرم ١٤٢٥ - شباط/فبراير ٢٠٠٤\n\nمحمد فاروق الزين\nالبريد الإلكتروني  faruk@zein.org","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>مراجع الكتاب:</span>\n١ - رسالة القرآن - محمد أسد  The Message of the Quran،Muhammad Asad\n٢ - تفسير المنار - الشيخ محمد رشيد رضا\n٣ - التفسير الكبير - الرازي\n٤ - الكشاف - الزمخشري\n٥ - روح المعاني - الألوسي\n٦ - تفهيم القرآن - سيد أبو الأعلى المودودي\n٧ - جامع أحكام القرآن - القرطبي\n٨ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي\n٩ - أنوار التنزيل - البيضاوي","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>مقدّمة الربع الرابع </span>[¬*]\n﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت ٤١/ ٤٤]\nتتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن البعض، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن حتى أنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم.\nوالمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم، الوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة وطبقا لمتطلباتها في كل مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب\n_________\n[¬*] (تعليق الشاملة): بدأ الكاتب بالربع الرابع من القرآن الكريم، ونشره أولا، ثم نشر الربع الأول ثم الثاني ثم الثالث، تباعًا\nلهذا جاءت مقدمة الربع الرابع مفصلة، فأعادها في بداية الأرباع الأخرى","vol":"1","page":11},{"text":"السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد أنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٧/ ١٠٦]، وما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة.\nفالوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى،\nفهنالك إذا نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما: الأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنالك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار أن يأتوا بسورة من مثله، والنقطة الثانية أن ترتيب","vol":"1","page":12},{"text":"السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب في بيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض.\nوإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ.\nوليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٨ م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٤ م) في تفسيره (روح المعاني) ذات المحاولة الجزئية، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا،\nوقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هـ/ ١٣٩٢ م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: «معرفة المناسبات بين الآيات» فكتب: «وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة»، وكتب أيضا: «قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ، وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له»، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: «أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه","vol":"1","page":13},{"text":"من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هـ/ ٩٣٦ م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قريء عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة» انتهى.\nوقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم ابن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هـ/ ١٤٨٠ م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: «هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه» فلم يخل من التصنّع والتكلّف.\nومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ [الإسراء ١٧/ ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الإسراء ١٧/ ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف ١٨/ ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الفرقان ٢٥/ ٥٠].","vol":"1","page":14},{"text":"وهنالك أيضا آيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أو سورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية.\nوتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم وبالتالي عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك.\nمعظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هـ/ ١٠٧٥ م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١٠ هـ/ ١٥٠٥ م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السيرة والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم - عدا الفاتحة -، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسما قليلا من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يعتبرها البعض ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!.\nواليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذا إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن البعض منها قد يناقض","vol":"1","page":15},{"text":"بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: \"نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها».\nوالنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشير الآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) - في نهاية الربع الرابع - الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص بها والتعامل معها بحذر شديد.\nكما يبين الملحق (ب) - في نهاية الربع الرابع - أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده.\nوقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه «إحياء علوم الدين» أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه،\nأولا: حين ينصرف همّ القارئ إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل له أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟.\nثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له.\nثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا.","vol":"1","page":16},{"text":"رابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة.\nومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني وبالتالي المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاث مواضيع:\n١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض.\n٢ - بيان موضوع كل سورة أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله.\n٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة.\nوفي العصر الحديث، وفي الباكستان بالذات، قام أحد علمائهم وهو مولانا أمين احسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا.\nوقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، مما يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عند ما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه\" نظم الدرر \"في كثير من الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف ١٨/ ٩٩]، فالواو في قوله:","vol":"1","page":17},{"text":"(وتركنا) واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.\nشوال ١٤٢٣ هـ - كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٢ م\nمحمد فاروق الزين\nالبريد الإلكتروني  faruk@zein.org\n***","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>سورة الفاتحة - ١ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية\n\n<span data-type='title' id=toc-6>محور سورة الفاتحة</span>\n\n<span id=\"aya-1\"></span>تبدأ السورة بآية البسملة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (١)، أي نبدأ باسم الله، ونظيره قوله تعالى على لسان نوح: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ [هود ١١/ ٤١]، وقوله تعالى على لسان سليمان: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل ٢٧/ ٣٠]، لأن الله تعالى هو القوة الوحيدة الحقيقية المهيمنة على كل شيء، فلذا وجب البدء باسمه، باعتباره تعالى مصدر التكوين والتشريع،\nويلاحظ أن آية البسملة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ في سورة الفاتحة جزء منها، بالمقارنة مع بقية سور القرآن الكريم التي تفتتح بالبسملة، سوى سورة التوبة التي لا تفتتح بها، لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، واستنتجوا من عدم بداية سورة التوبة بالبسملة دليلا آخر على أنها آية مستقلة بذاتها، لكون بعض الناس يتنازعون في كون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من القرآن الكريم أم لا.\n\n<span id=\"aya-2\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢)، الله تعالى مستحق الحمد على إيجاده لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ١٩/ ٩]، ولقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ٧٦/ ١]، كما هو مستحقّ الحمد على نعمائه، لقوله: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل ١٦/ ٥٣]، وهو غنيّ عن شكر الشاكرين وحمد الحامدين، غير أنّه مستحق الحمد","vol":"1","page":19},{"text":"لذاته سواء قدر العباد على الإتيان بالحمد أم لم يقدروا، وسواء حمده حامد أم لم يحمد، فكمال الحمد ملكه وحقّه،\nوأما كلمة الربّ في قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فتشمل امتزاج معنى الألوهية بمعنى التربية، وكلمة ﴿رَبِّ﴾ لا تطلق على غيره تعالى إلاّ مضافة إلى شيء، كقولهم ربّ الدار أو ربّ العائلة،\n\n<span id=\"aya-3\"></span>﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣)، الرحمن صفة ذاتية لله تعالى لقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ٧/ ١٥٦]، فرحمته تعالى من صفاته القديمة الأزلية التي قام بها أمر الكون، وهي عامّة لكل مخلوق، ولولاها لهلك فورا كل كافر وعاص عقب كفره ومعصيته دون إمهال،\nوالرحيم صفة فعل تدل على وصول الرحمة إلى الخلق، لقوله تعالى:\n﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ٧/ ١٥٦]، أما العذاب فليس من صفاته بل من أفعاله المرتبة على صفة العدل،\n\n<span id=\"aya-4\"></span>﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، وهو يوم البعث والجزاء الذي تتحقق فيه العدالة على أتم وجه لقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٥٣/ ٣١]، والدين من الديّان وهو صفة لله تعالى، لأن العباد صاروا مسؤولين بعد نزول الوحي عليهم، وفي الحديث: «كما تدين تدان»، والمعلوم أن المسؤولية قسمان: حقوق الله، وحقوق العباد، أمّا حقوق الله فمبنيّة على المسامحة لأن الله تعالى غنيّ عن العالمين، وأما حقوق العباد فغير ذلك،\nوبعد بدء السورة بالبسملة، والإقرار بالحمد، وبالربوبية لله تعالى، وبالمسؤولية الأخلاقية، تنتقل السورة إلى صيغة الدعاء بالجمع:\n\n<span id=\"aya-5\"></span>﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥)، ما يفيد حصر العبادة بالله تعالى وحده، والمعنى لا نعبد إلا الله، ولا نستعين بغيره، والآية دلالة على كلمة التوحيد المحض: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد ٤٧/ ١٩]، وصيغة الجمع في هذه الآية - حتى آخر السورة - توجيه","vol":"1","page":20},{"text":"للفرد أن يستذكر جماعة المسلمين في دعائه إذ لا بدّ أن يكون فيهم من يستحق الإجابة،\nأما مفهوم العبادة فواضح من قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥١/ ٥٦]، فمغزى خلق الجن والإنس هو العبادة، بمعنى معرفة الله ﷿، والإقرار بالتوحيد، والاستسلام لمشيئته تعالى في الخليقة المتمثلة في قبول الرسالات المتتالية التي نزلت على الأنبياء والرسل وختامها الإسلام، وتكييف الحياة والمعيشة وفق ذلك، فالعبادة تعود بالسعادة وبالنفع على العباد وحدهم، لأنه تعالى غنيّ عن العالمين لقوله: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥١/ ٥٧ - ٥٨].\n\n<span id=\"aya-6\"></span>﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦)، أي بيّن لنا الطريق المستقيم وثبّتنا عليه كي لا ننحرف عن الصواب، إذ بعدما حبى الله تعالى عباده هداية العقل، ثم هداية الرسل، لم يبق للعبد سوى الدعاء بالتوفيق واللطف الإلهي.\n\n<span id=\"aya-7\"></span>﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٧)، الذين استفادوا من نعمتي العقل وهدي الرسل، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين رغم أنهم عرفوا الرسالة وأيقنوا بها إلاّ أنهم يجحدونها من موقع الاستكبار، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ٢٧/ ١٤]، وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل ١٦/ ٨٣].\n﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧)، الذين لم تصلهم الرسالة السماوية، وفي حال أنها وصلتهم فقد وصلت إليهم بصورة مشوهة بحيث لم يفقهوا حقيقتها، أو أنها وصلتهم وهم متشبّثون بالتقليد مستسلمون للأفكار الموروثة في تجاهل واضح لدور العقل.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>سورة البقرة - ٢ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-15>مقدمة</span>\nسميت هذه السورة «البقرة» لأن قصة البقرة وردت فيها، (الآيات ٦٧ - ٧٣)، ولا يعني ذلك أن قصة البقرة هي موضوعها الرئيسي وإنما الاسم مجرّد تعريف أو عنوان للسورة.\nنزّلت هذه السورة بكاملها تقريبا خلال السنتين الأولى والثانية بعد الهجرة النبوية، والقليل الباقي منها نزل فيما بعد، وهكذا نرى في هذه السورة آيات تحريم الربا، (الآيات ٢٧٥ - ٢٨١)، التي نزلت في الأيام الأخيرة من حياة النبي ﷺ، وقيل إن (الآية ٢٨١) كانت آخر ما نزل من الوحي.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>الخلفية التاريخية</span>\nقبل الهجرة النبوية إلى المدينة كانت الرسالة الإسلامية منحصرة في مكة، وموجّهة بصورة رئيسية لمشركي الجزيرة العربية، ولكن بعد الهجرة، كان على الرسالة أن توجّه لليهود القاطنين في المدينة وما حولها، والمعروف أنّ عقيدة اليهود تدهورت كثيرا، عبر القرون، عن أصل الدين الذي نزل على موسى ﵇ قبل البعثة الإسلامية بحوالي ١٨ ثمانية عشر قرنا من الزمن، وكان اليهود قد غيّروا ما تبقّى لديهم من التوراة وخلطوا كلام البشر مع الوحي الإلهي، وابتكروا كثيرا من التفاصيل والدقائق الشرعية الفرعية وتعلّقوا بالشكليات وجعلوها عبئا على الشريعة، واستغرقوا بها حتى لم يبق عندهم من الدين سوى هيكلية مشوّهة من الطقوس، وشمل التدهور علماءهم وجهّالهم على السواء،","vol":"1","page":22},{"text":"وانحلّت مقاييسهم الأخلاقية، ومعاملاتهم اليومية، وخاصة مع غير اليهود، الأغيار حسب قولهم، لأن كتبهم «المقدسة» التي حرّرها الأحبار تحضّ على خداع الأغيار والغدر بهم، واعتبارهم بمنزلة الحيوانات، فطغى عليهم شعور العرق المتفوق، وصاروا على درجة من التمسك الشديد بضلالهم حتى صاروا يقاومون كل من يحاول إصلاحهم ويعتبرونه عدوّا لهم، والنتيجة أنهم حوّلوا دينهم إلى جنسية عنصرية عصبيّة لا غير، فلمّا وصل النبي ﷺ إلى المدينة نزل الوحي بسورة البقرة خلال العامين الأولين بعد الهجرة متضمنا دعوة اليهود للعودة إلى دينهم الأصلي الذي هو دين الأنبياء جميعا، وانتقدت السورة تاريخ اليهود الحافل بالجرائم، ومعاندتهم موسى، وقتلهم الأنبياء، وغرورهم في الدين، وضلالهم عن دين أنبيائهم، كما انتقدت حاضرهم المتمثّل بالتفسخ الأخلاقي والديني، وبيّنت أن العبرة ليست بالشكليات ولكن بالممارسة الصحيحة والإيمان الفعلي، (الآيات ٤٠ - ١٤١).\nومن جهة ثانية كان وصول النبي ﷺ إلى المدينة بداية لمرحلة جديدة تعتبر نواة تأسيس المجتمع الإسلامي الجديد والدولة الإسلامية، فنزل الوحي متضمنا أسس التشريع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني، (الآيات ١٥٣ - ٢٨١).\nومن جهة ثالثة واجه المسلمون بعد الهجرة صعوبات من نوع جديد، لم يعرفوها من قبل في مكة، منشؤها النفاق والمنافقين، فقد دخل بعض الناس الإسلام لمحاولة تخريبه من الداخل، ودخل بعضهم الإسلام للاستفادة من السيطرة السياسية الجديدة للمسلمين، وفي نفس الوقت حافظ المنافقون على علاقاتهم مع الكفار تحسّبا واحتياطا لتغيّر الظروف حسب زعمهم، وآخرون من الناس دخلوا الإسلام دون أن تكون لديهم الشجاعة الكافية والعزم على التضحية في سبيله، (الآيات ٨ - ٢٠).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>ارتباط السورة بما قبلها:</span>\nبعد أن ختمت سورة الفاتحة بدعاء الهداية: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ١/ ٦]، يستمر الخطاب في سورة البقرة بقوله تعالى مبينا طريق الهداية: ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ١ - ٢]، ثم قوله: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٥].\nوفي سورة الفاتحة قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ١/ ٧]، ثم تبين سورة البقرة أنّ من المغضوب عليهم اليهود: ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٩٠].\nوقد تكررت الإشارة إلى غضبه تعالى عليهم في سور أخرى كما في آيات [الأعراف: ٧/ ١٥٢]، و[طه: ٢٠/ ٨٦]، و[المجادلة: ٥٨/ ١٤]، و[الممتحنة: ٦٠/ ١٣]، وهنا تفصّل آيات [البقرة: ٢/ ٤٠ - ١٠٥] أحوال بني إسرائيل وجرائمهم وتدعوهم إلى الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>محور سورة البقرة:</span>\nتصف أحوال ثلاثة أصناف من الناس: المؤمنين، والمصرين على الكفر، والمنافقين (الآيات ١ - ٢٠)، وتحشد البراهين على صدق الوحي (الآيات ٢١ - ٢٩)، وتصف خلافة بني آدم في الأرض، وتفضيلهم بالعلم على سائر الخلق، وتقرر مكابدة الإنسان في الحياة الدنيا ضد عناصر الشر (الآيات ٣٠ - ٣٩).\nوتدعو بني إسرائيل إلى الإسلام وتسرد تاريخهم وجرائمهم وعنادهم، وتدعوهم إلى ترجيح الآخرة على الدنيا بعدم تفضيل الأدنى على الخير (الآيات ٤٠ - ١٠٥).\nوتنسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام (الآيات ١٠٦ - ١٠٧)، وتدحض عقائد اليهود والنصارى (الآيات ١٠٨ - ١٤١)، وتحذّر المسلمين بأنّ اليهود والنصارى لا يقبلون منهم بأقل من اتباع ملّتهم (الآية ١٢٠).","vol":"1","page":24},{"text":"وتقرر عودة القبلة إلى مكة كعلامة من علامات انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل بعد أن رفض بنو إسرائيل آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ (الآيات ١٤٢ - ١٥٢).\nوتحدد نواة وأسس بناء المجتمع الإسلامي الجديد والدولة الإسلامية، متضمنا أسس التشريع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني (الآيات ١٥٣ - ٢٨١).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-8\"></span>﴿الم﴾ (١)\n١ - ﴿الم﴾ تسعة وعشرون سورة من سور القرآن الكريم، كلها مكية عدا البقرة وآل عمران، تبدأ بما يسمّى بالحروف المقطّعات، ويلاحظ أنّ عدد هذه السور يساوي عدد حروف الهجاء، إذا اعتبرنا الألف والهمزة حرفين، وهي تقارب ربع مجموع سور القرآن الكريم، ولا شك أنّ فواتح السور هذه جزء لا يتجزأ من تلك السور، فقد تواترت الأخبار بقراءتها كما نزل بها الوحي على النبي ﷺ.\nويحتمل أنّ استخدام المقطعات كان شائعا زمن نزول الوحي من قبل الشعراء والخطباء كصور بلاغية ذات مغزى ويلاحظ ذلك في بعض الأمثلة التي وصلت إلينا من الأدب العربي الجاهلي، فيحتمل إذن أنّ معاني المقطّعات كانت واضحة للعرب وقت التنزيل، ولم تكن بالنسبة إليهم شيئا محيّرا، إذ لم يصل إلينا أثر عن استفسار الصحابة ﵃ فيما يتعلق بمعانيها، فالقرآن الكريم نزل بلغتهم، قال تعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ٢٦/ ١٩٥].\nوقد رأى الرازي أنّ تفسير ألفاظ المقطعات بناء على ما فيها من الحروف، كقولهم مثلا، ﴿الم،﴾ بمعنى أنا الله أعلم، أو قولهم أنّ ﴿المص﴾ بمعنى: ألم نشرح لك صدرك، وقولهم أن ﴿طسم﴾ تعني طور سيناء وموسى، وأنّ ﴿الر﴾","vol":"1","page":25},{"text":"تعني أنا الله أرى، … إلخ، بدون أن تكون تلك الألفاظ موضوعة في اللغة لذلك المعنى أصلا، ممّا يفتح الباب للباطنية على مصراعيه في تفسير ألفاظ القرآن الكريم بما يشاكل هذا الأسلوب، انظر الرازي في تفسيره آية [الأعراف: ٧/ ١]،\nوقد حاول الكثير من المفسرين استخراج معان لها بكثير من البراعة، فحروف المقطّعات مجموعها أربعة عشر حرفا، أي نصف حروف الأبجدية العربية إذا أهملنا الكسر، أو إذا اعتبرنا الألف والهمزة حرفا واحدا، وهي فوق ذلك تحوي من كل جنس من الحروف نصفه، راجع الزمخشري في الكشاف، وهي ترد في مجموعات مكونة من حرف واحد وهي (ص - ق - ن) وردت في سورة ص وسورة ق وسورة القلم، ومجموعات مكونة من حرفين وهي ﴿حِطَّةٌ﴾ - ﴿طس﴾ - ﴿يس﴾ وردت في سورة طه وسورة النمل وسورة يس، و﴿لَحْمَ﴾ وردت في سبع سور متتاليات وهي (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف)، ومجموعات مكونة من ثلاثة حروف وهي: ﴿الم﴾ - ﴿الر﴾ - ﴿طسم﴾ وردت ﴿الم﴾ في ستة سور، منها اثنتان متتاليتان هي: البقرة - آل عمران، وأربعة متتالية وهي العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة، ووردت ﴿الر﴾ في ستة سور متتالية هي يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، ووردت ﴿طسم﴾ في ثلاثة سور متتالية هي الشعراء - النمل - القصص غير أنها وردت بدون الميم في سورة النمل كما ذكر أعلاه، ومجموعات مكونة من أربعة حروف وهي ﴿المص﴾ - ﴿المر﴾ وردت الأولى في سورة الأعراف والثانية في سورة الرعد كما ذكر أعلاه، ومجموعات مكونة من خمسة حروف متصلة هي ﴿كهيعص﴾ وردت في سورة مريم، أو غير متصلة وهي ﴿حم * عسق﴾ وردت في سورة الشورى وسبق ذكرها أيضا مع مجموعات الثلاثة حروف ﴿لَحْمَ﴾ أعلاه، وجميع هذه السور مفتتحة بذكر الكتاب إلا أربعة منها هي: سور مريم، والعنكبوت، والروم، والقلم.","vol":"1","page":26},{"text":"وقد حاول البعض اشتقاق معان أو قيم عددية لكل من مجموعات الحروف المذكورة لتوافق بعض النبوءات والتصوّرات، وهنالك شطحات صوفية بعيدة في هذا المجال، كما حاول البعض إيجاد معان أو عناصر مشتركة بين السور ذات مجموعات الحروف المتشابهة، ورغم كلّ ذلك لا يوجد إجماع على معناها، فالله أعلم بمراده، وقيل أيضا أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، انظر آية [آل عمران ٣/ ٣].\n\n<span id=\"aya-9\"></span>﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ المعنى أن هذا الكتاب، أي القرآن، هو من الله بلا شكّ، إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿رَيْبَ،﴾ وهناك معنى آخر وهو أنه لا يتطرق الشك لأي من محتواه، إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿فِيهِ،﴾ لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢/ ٢٣]، لأنّ كتب البشر التي تتطرق الى الغيبيات مبنية على الظن، ولكن القرآن مبني على اليقين، لأنه من عند الله ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين ستذكر الآيات التالية أوصافهم، فالقرآن موجه للجميع إنما يستفيد منه ذوو صفات معينة فقط، وأول هذه الصفات التقوى، التي يترتب عليها أن يكون ذهن المرء منفتحا، راغبا في التوصل إلى الحقيقة وإلى التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، متحررا من التقليد، أما الذين ينغمسون في الحياة المادية ويلهثون وراء أهوائهم المهيمنة عليهم، والذين أغلقوا عقولهم على التقليد وقالوا قلوبنا غلف، فليس بمقدورهم الاستفادة من هدي القرآن، أما صفات المتقين فمبينة في الآيات التالية:\n\n<span id=\"aya-10\"></span>﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣)\n٣ - الصفة الأولى من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والغيب مجموعة الحقائق التي لا تدرك بالحواس، مثل وجود الله تعالى،","vol":"1","page":27},{"text":"والحياة الآخرة، وحقيقة الزمن، وعالم الملائكة والجن .. إلخ، لأن الحقيقة المطلقة ليست مقتصرة على الكون الذي «نلاحظه» بالحواس.\n﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ وهي الصفة الثانية للمتقين: لأنّ مجرد الإيمان النظري دون التطبيق العملي غير كاف للاستفادة من هدي القرآن، فالإسلام إيمان وعمل، والمقصود إقامة الصلاة على تمامها أي بما يترتب عليها من صالح الأعمال ومكارم الأخلاق وحسن المعاملة.\n﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ الصفة الثالثة للمتقين، فهم ليسوا أشحاء، ولا من عبدة المال والدنيا، بل مستعدون لإنفاق الزكاة والصدقات، ولا يتقاعسون عن التضحيات المادية في سبيل الإسلام، والرزق ليس الثروة فقط وإنّما هو العلم أيضا، فالانفاق بمعناه التجريدي يشمل التعليم ونشر المعرفة لمن رزقوا العلم والمعرفة، وفي الحديث: «تعلموا العلم وعلّموه الناس»، كما قد يكون الرزق نفوذا وسلطة وما يترتب عليهما من فرص يمكن أن تستخدم لخير المسلمين.\n\n<span id=\"aya-11\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤)\n٤ - الصفة الرابعة للمتقين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ والمغزى أنّ فهم القرآن والاستفادة من هديه متعذّر على من ينكر استمرارية الوحي الإلهي في هداية البشرية، فيمتنع الفهم عمّن يقتصر إيمانهم على أنبيائهم فقط رافضين الوحي الذي نزل خارج نطاق قومياتهم وعصبيتهم الضيقة ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وإن كان الإيمان بالغيب قد شملها، خصّها تعالى بالذكر لجحود الكفار بها، ومنهم أكثر بني إسرائيل، وهي الصفة الخامسة للمتقين: أي اليقين بالبعث والحساب بعد موت الجسد، واليقين يفيد الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه الشك بأن نجاح الإنسان أو فشله لا يقاس بالازدهار الذي قد يحققه في الحياة الدنيا فقط، وإنّما بعاقبته في الحياة الآخرة، كما في قوله تعالى على لسان الجاحد: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر ٨٩/ ٢٤]، أي لحياتي الآخرة.","vol":"1","page":28},{"text":"<span id=\"aya-12\"></span>﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿أُولئِكَ﴾ المتّصفين بالصفات المذكورة آنفا ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هم على الهدى التام، وهم المفلحون، والفلاح هو النجاح.\n\n<span id=\"aya-13\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)\n٦ - بالمقارنة مع المتقين هنالك المصمّمون على الكفر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين صمّموا على الكفر تصميما لا رجوع عنه ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يستوي إنذارهم وعدمه، والكافر في اللغة من يغطي الحقيقة وينكرها، والكافر أيضا الليل المظلم لأنه يستر ويغطي كل شيء، وهو أيضا المزارع لأنه يغطي البذور بالتربة كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد ٥٧/ ٢٠]، والكفر في الدين إنكار النعمة وجحودها، والآية التالية تبيّن أنّ الإصرار على إنكار الحقيقة يترتب عليه موت الملكات الروحية لدى الانسان فيمتنع عليه أي تأثير إيجابي خارجي.\n\n<span id=\"aya-14\"></span>﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٧)\n٧ - ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ هذه سنّة من سننه تعالى في الخلق، فإذا تمكنت من المرء اعتقادات خاطئة وتمسّك بها تعصّبا وانحيازا وتقليدا، انغلق ذهنه عن الحقيقة، كما لو أنه ختم على ملكاته العقلية فعلا، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب «الختم على القلوب «إلى ذاته العليّة، رغم أن ذلك نتيجة طبيعية لحرية خيار المرء وليس قسرا مفروضا عليه ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم، وفي تنكير كلمة العذاب إشارة إلى أنه عذاب مبهم مجهول عند أهل الدنيا، والمعنى أنّ الإعراض عن هدي الإسلام جزاؤه الضنك والتعاسة في الدنيا، وعذاب عظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٤].","vol":"1","page":29},{"text":"<span id=\"aya-15\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بعد أن ذكر تعالى في أول السورة فئة المؤمنين من الناس، ثم فئة الكفار منهم، ينتقل الخطاب هنا إلى فئة المنافقين والماديين، الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ويبطنون خلاف ما يظهرون، والإشارة المباشرة هي إلى المنافقين من أهل المدينة خلال السنوات الأولى بعد الهجرة النبوية، ولكن كما هي العادة في القرآن الكريم فإن مغزى الآيات لا يقتصر على الأحداث التي عاصرت نزول الوحي وإنما المغزى عام لكل العصور ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لأن إيمانهم مقتصر على الادّعاء والكلام ولا ينعكس إيجابا على سلوكهم، ونلاحظ أنه تعالى وصف الكفار في آيتين (٦ - ٧) في حين فصّل أحوال المنافقين في ثلاث عشرة آية (٨ - ٢٠) تنبيها على خطرهم، لأن المنافق ضمّ إلى سلوكه التلبيس والكذب المبطن، وهو بسبب تهالكه على الدنيا والسلطة والمادة بأي ثمن، في الوقت الذي يدّعي الإيمان والصلاح، يكوّن خطرا كبيرا على المجتمع.\n\n<span id=\"aya-16\"></span>﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصل الخداع الإخفاء، ولذا سميت الخزانة مخدع، والخداع الخلقي هو المخاتلة، ويخادعون الله مجازا أي يظنون أن أمورهم تخفى على الله ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ عاقبة الخداع تعود عليهم ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ بأنّ العاقبة تعود عليهم، إذ يحسبون أن نفاقهم يخفى على الناس، في حين أنّ أمرهم مكشوف، لما في شخصية المنافق من التناقض.\n\n<span id=\"aya-17\"></span>﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو مرض النفاق وحب الدنيا، وسمّي مرضا لأنه يحجب الحقيقة عن صاحبه، وقد يكون المرض هو الغم الذي في قلوبهم الناتج عن حسدهم وحقدهم على المؤمنين ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ لأنّ الله تعالى","vol":"1","page":30},{"text":"يمهلهم للتوبة ولا يبادرهم بالعقوبة، فتكون النتيجة أن يبتهجوا بالنجاح المؤقت لأحابيلهم ويزدادوا نفاقا إذ يعتقدون أن بامكانهم التوفيق بين الخطأ والصواب، والحصول على المنافع من الجانبين ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي بسبب تكذيبهم الرسالة، فالعذاب نتيجة مترتبة على التكذيب، ولازمة له.\n\n<span id=\"aya-18\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا تفسدوا في الأرض بإنكار الوحي ومعارضة الشريعة، لأن إنكار الوحي وعدم العمل به يؤدي إلى الفساد والإفساد ﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يتوهّمون أنّ لديهم مهمة جديرة يؤدونها، أو يتوهمون أنهم يتوصلون إلى الحقيقة والسلوك الصحيح بمعزل عن تعاليم الرسالة الإسلامية، وأن عقولهم في غنى عنها مع أن مفهوم الحق والباطل ملتبس عليهم.\n\n<span id=\"aya-19\"></span>﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ لأنهم يرفضون تنظيم الحياة العملية على أسس الإسلام، بل يحاولون استنباط الأنظمة والأفكار الوضعية فيساهمون في التخبط الأخلاقي والاجتماعي في المجتمع ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذ يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.\n\n<span id=\"aya-20\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أي كونوا مسلمين بصدق وإخلاص مثل الناس المخلصين في مجتمع المسلمين ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ لأنهم يعتقدون أنّ من يؤمن ويدخل الإسلام بصدق ويعيش حياة مستقيمة ويرجو الآخرة، يعتبر سفيها، أي ضعيف العقل، وهم ينظرون إلى ضعاف الناس الذين سبقوهم إلى الإيمان نظرة دونيّة، أما الوجهاء منهم فيعتبرون","vol":"1","page":31},{"text":"أنفسهم معذورين في التولّي عن الرسول، لأنهم لا يريدون مساواة أنفسهم بالفقراء ظنّا منهم أنهم أعلى قدرا وأسمى فكرا، كما يعتبرون استعداء الآخرين في سبيل الحق والإصلاح ضربا من الحماقة، أما الحكمة والنجابة عندهم فتكمن في الاهتمام بالمصالح المادية والدنيوية والشخصية ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ لأنهم ضعاف العقول حقا إذ جعلوا الدنيا منتهى أملهم وأهملوا الآخرة ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ اختلطت عليهم الأمور بسبب اتباع الهوى والحرص على الدنيا.\n\n<span id=\"aya-21\"></span>﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ يدّعون الإيمان نفاقا وهذا من جملة خداعهم ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ الشيطان في العربية بمعنى العنيد العاصي المتمرس في العناد، ويستعمل للانس والجنّ معا، وهو أيضا مشتق من قولهم تشيطن وشطن اذا ابتعد من الصلاح والخير، وفي هذه الآية بالذات تنصرف كلمة شياطينهم الى شياطين الإنس من أكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، وهم أكابر الكفار وأكابر المنافقين والماديين لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض، وأما أصاغرهم فلا.\n\n<span id=\"aya-22\"></span>﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي يجازيهم على استهزائهم، وسمّي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمّي جزاء السيئة سيئة ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الله تعالى يبقيهم ويلطف بهم ويمهلهم لعلهم يتوبون، فيأبون إلاّ التخبّط في ظلامهم، وفي حين أن العمى قد يكون في البصر أو الرأي، فإنّ العمه يكون في الرأي وهو التخبط والتحيّر.","vol":"1","page":32},{"text":"<span id=\"aya-23\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ اختاروا الضلالة وتخلّوا عن الهدى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ كأنّ رأس مالهم العقل الرشيد والفطرة السليمة فتخلّوا عنهما ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لم يبق لديهم ما يوصلهم إلى إدراك الحق والاهتداء إلى العقائد الصحيحة.\n\n<span id=\"aya-24\"></span>﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿مَثَلُهُمْ﴾ مثل المنافقين ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ نارًا﴾ وهو الباحث عن بغيته يريد أن يستنير ويبحث عن الطريق الصحيح ولكنه يتخبط في بحثه ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ﴾ أنوار الرسالة الإسلامية ﴿ما حَوْلَهُ﴾ وأصبح ممكنا تمييز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ لم يدرك المنافقون أهمية الهدي الإلهي، فلم يستفيدوا من نور الإسلام وهديه، واختاروا البقاء في ظلمة النفاق ظنّا منهم أن يأمنوا على أنفسهم من المؤمنين،\nوقد يكون المعنى أيضا أن حبل النفاق قصير، لأن المنافق إذا نجح بنتيجة نفاقه يكون كمن: ﴿اِسْتَوْقَدَ نارًا﴾ ثمّ سرعان ما ينكشف أمره بين الناس: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ فيتخبّط بلا جدوى.\nوالآية أيضا مثل لمن يبحث عن مغزى الحياة ليصل إلى هدفه منها فلمّا تبين له طريق الهدى أعرض عنه، أما قوله تعالى ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي ذهب بنور بصيرتهم، وخسروا نور الإيمان، فليس المعنى أنهم لم يكونوا مسؤولين عن بقائهم في الظلام، فقد اختاروا اتباع الأهواء الدنيوية، وأنكروا الحق فعميت بصيرتهم، فالله تعالى يمكّن الناس من اختيار ما يشاؤون، والقسر ينافي التكليف ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ في ظلمات الجهل والهوى والشرك والضلال ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة، بمحض اختيارهم.","vol":"1","page":33},{"text":"<span id=\"aya-25\"></span>﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ صمّ عن سماع الحق، بكم عن التعبير به، وعمي عن الإدراك السليم، ولذا لا يرجعون إلى الهدى الذي باعوه ولا عن الضلالة التي اشتروها.\n\n<span id=\"aya-26\"></span>﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ أو أنّ مثل المنافقين والماديين، كمثل من أصابه صيّب من السماء، وهو المطر الشديد، فلم يستفيدوا منه، وإنّما كان همّهم محصورا في تفادي الشدائد المرافقة له، والصيّب من السماء رمز إلى الإيمان والقرآن، وأمّا ظلمات الغيوم الداكنة والبرق والرعد فترمز إلى المحن والابتلاء والمشاقّ والتكليف، ووجوب التخلّي عن التقليد والأهواء، والانقياد للإسلام، كل ذلك ممّا هو شاق على المذبذبين ضعاف الإيمان، والآية تصوّر حالة القلق والفزع وعدم الاستقرار التي يعيشونها ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ يظنّون أن سلوكهم يجعلهم بمنجاة من سوء العاقبة، فكما أن صم الأذنين عن صوت الصواعق لا يفيد صاحبه فكذا النفاق والمسك بالدنيا يوقع أصحابها في عواقب عملهم ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ لا نجاة لهم إلا بالإسلام والإخلاص.\n\n<span id=\"aya-27\"></span>﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ لانبهارهم بالحق، ومع ذلك فإنهم يتخبطون في سبيل مصالحهم الدنيوية ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يتقدمون قليلا نحو الصواب عندما تبدو لهم الظروف ملائمة ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ عندما تظهر المشاقّ في الأفق، أو عندما يتوجب عليهم عمل ما يخالف أهواءهم","vol":"1","page":34},{"text":"فانهم يجمحون ويتوقفون، والآية تمثيل لشدة حيرتهم وفزعهم وترددهم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لو شاء الله لجعلهم في الحالة التي يجعلونها لأنفسهم، أي في الضلال، ولصاروا كالكفار المذكورين في الآية (٧) الذين على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ولكن الله تعالى يلطف بهم ويبقي سبيل الهداية والتوبة مفتوحا لهم، والواضح أن السمع والبصر كناية عن مقدرة الإنسان الفطرية على التفريق بين الحق والباطل.\n\n<span id=\"aya-28\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - بعد أن شرحت الآيات السابقة حال المؤمنين، والكفار، والمنافقين، ينتقل الخطاب لبيان الأدلة على التوحيد والنبوة والبعث: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ رسالة القرآن موجهة للناس جميعا، والآية تذكرهم بنعمته تعالى إذ خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا، فهم مدينون له بوجودهم، فلا أقل من أن يلتزم الإنسان في حياته بطاعة خالقه وعبادته، ويدخل في العبادة: التوحيد بالقلب، والخضوع بالنفس، والاستسلام للحكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهو معنى الخوف والرجاء من الله، فالإنسان يبذل جهده في الطاعات، والمعنى لعلكم تتّقون السلوك المنحرف والعواقب الوخيمة الناجمة عن العقائد الزائفة.\n\n<span id=\"aya-29\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وهذه أيضا من موجبات عبادته تعالى أنه سخّر الأرض ورزق الناس بالمطر والثمار، وفي الآية حثّ على التفكّر في مخلوقات الله ومعجزات الكون للثبات على التوحيد ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا﴾ عاجزون أن يفعلوا شيئا من ذلك، والآية دعوة لإبعاد الناس عن الشرك، فربّما","vol":"1","page":35},{"text":"اتخذ بعضهم من المخلوقات أندادا له، وقد يستعبدهم متسلط عليهم يتّبعونه كأنه خالقهم، وقد يستعبد المال بعض الناس فينسون خالقهم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي وأنتم تعلمون بطلان ذلك، لأن الإنسان يستطيع بفطرته أن يدرك معنى التوحيد، فيكون شركه، مع مقدرته على إدراك التوحيد، أكبر جرما وشناعة.\n\n<span id=\"aya-30\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - لما بيّن الخالق للكفار والمشركين ما يثبت الوحدانية ويبطل الشرك، وحثّ على التفكر في الدلائل، كخلق الناس من العدم، وخلق الأرض مستقرّا لهم، وخلق الكون بناء عجيبا، وإنزال المطر وإنبات الثمار، وهي كلها دلائل موصلة إلى التوحيد ومبطلة للشرك، لأن أحدا من المخلوقات لا يقدر على شيء من ذلك، أعطى تعالى البرهان الحاسم على إثبات نبوّة محمد ﷺ، وإعجاز الوحي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ فهذه طريقة لإزالة الريب من قلوبكم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وقبل ذلك تحدى القرآن المشركين في مكة أن يأتوا بأي شيء مماثل للقرآن في إعجازه إن كانوا يعتقدون أن القرآن من تأليف البشر، انظر آيات [يونس ١٠/ ٣٨] و[هود ١١/ ١٣] و[الإسراء ١٧/ ٨٨] و[الطور ٥٢/ ٣٣ - ٣٤]، ويلاحظ أن كلمة ﴿رَيْبٍ﴾ في الآية مرتبطة مع الآية (٢)﴾ من هذه السورة بأن الكتاب لا ريب فيه، ويحتمل عود الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ للنبي ﷺ، كما يحتمل عوده للقرآن، ومن المهم ملاحظة عبارة ﴿نَزَّلْنا﴾ بلفظ التنزيل دون الإنزال، وهو بمعنى النزول على مهل وتدرّج، لأنّهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله لم ينزّل هكذا نجوما، آية بعد آية وسورة بعد سورة ولنزل دفعة واحدة، غافلين عن تنزّله بما يناسب ظروف البعثة، فالجواب إن ارتبتم بهذا الذي نزّل على مهل فهاتوا أنتم سورة واحدة مثله ﴿وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ادعوا أكابركم وأعوانكم ومن ادّعيتم فيهم الألوهية ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾","vol":"1","page":36},{"text":"فيما زعمتم من قدرتكم على معارضة القرآن، لأنهم قالوا: ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال ٨/ ٣١]، والإعجاز في التنزيل نجوما أوضح وأعظم على مر العصور، لأن النبي ﷺ كان أمّيا لا يقرأ ولا يكتب، والآيات كانت تنزل عليه متفرقة، وترتيب النزول الزمني غير ترتيب القرآن الذي نعرفه، فكان يأمر بوضع الآيات في مواضعها المحكمة دون أن يكون أمامه كامل النصوص، فلا مراجعة ولا تنقيح ولا تعديل، وإنما وحي وتوقيف إلهي على مدى ثلاثة وعشرين عاما.\n\n<span id=\"aya-31\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ لأنّ ذلك ليس في طاقة المخلوقين، وهذا التحدّي من قبيل الإخبار بالغيب والجزم به سلفا ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ الاشارة ضمنية أن النار في الآخرة لن تكون من نصيب الكافرين فقط وانما سيجدون معهم في النار أصنامهم الحجرية ومعبوديهم من كل الأنواع التي سوف تكون من العجز وقلة الحيلة بمثابة الحجارة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٢١/ ٩٨].\n\n<span id=\"aya-32\"></span>﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تأكيد على وجوب اقتران الإيمان بالعمل الصالح، انظر آية [الأنعام ٦/ ١٥٨]، والبشارة أن إيمانهم وعملهم الصالح سوف يثمرا في الآخرة: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي من تحت أشجارها الأنهار، بحذف المضاف إليه ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ﴾","vol":"1","page":37},{"text":"﴿رِزْقًا﴾ أي من ثمرة أعمالهم، بحذف المضاف إليه وهو كثير في التنزيل، انظر إعراب القرآن للزجاج (الباب ٣٣) ﴿قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا الذي كتب لنا رزقه منذ قمنا بعملنا الصالح في الحياة الدنيا، فهم يرون في الآخرة ثمار أعمالهم الدنيوية أي ثوابها ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ يكون الثواب مشابها لما قدّموا من عمل صالح ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ كلمة أزواج في اللغة تنطبق على الزوجين الذكر والأنثى، فهي تعني الزوج أو الزوجة، فالرجل زوج المرأة كما المرأة زوج الرجل، كقوله تعالى مخاطبا آدم ﴿يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة ٢/ ٣٥]، وقوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [النجم ٥٣/ ٤٥]، والأزواج مطهّرة أي طاهرة النفس والسريرة.\n\n<span id=\"aya-33\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ أي لا يستبقي أن يضرب مثلا، كما هي الأمثال السابقة: مثل الذي استوقد نارا، ومثل الذي أصابه المطر، ومثل النار التي وقودها الناس والحجارة، ومثل الجنة التي وعد المتّقون، ومعنى يستحيي يستبقي، كقوله تعالى على لسان فرعون: ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ [الأعراف ٧/ ١٢٧] أي نستبقي نساءهم، فالقرآن الكريم يضرب الأمثال بالعنكبوت والذبابة والبعوضة ﴿بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ أي بالشيء الأصغر والأكبر،\nويعتبر ورود هذا المثل بعد آيات الجنة والنار لإبراز الطبيعة الرمزية لهذا التصوير ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ويفهمون المغزى منها ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا﴾ يتعامون عن الحقيقة ولا","vol":"1","page":38},{"text":"يهدفون للوصول إليها فيكون تعلقهم بتساؤلات واهية ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ الإضلال من الله تعالى بالتخلية وترك المنع بالقهر والجبر ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ من ينشد الحقيقة ويتّبع الإدراك الصحيح يتعمّق في هذه الأمثال ويستوعب جوهر الحكمة التي تجسّدها ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ الذين اختاروا الفسوق، وهو الخروج عن الطاعة والإصرار عليه، والآية التالية تعرّف الفاسقين، وهم عكس المتقين المشار إليهم بالآيات (٢ - ٥)،\n\n<span id=\"aya-34\"></span>﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ قالوا: إنّ عهود الله تعالى ثلاثة: عهد أخذه على ذرية بني آدم في الأصلاب أن يقروا بربوبيته، آية [الأعراف ٧/ ١٧٢]، وعهد مأخوذ بالرسل على الأمم، آية [الأحزاب ٣٣/ ٧]، وعهد خصّ به الذين أوتوا علم الكتاب أن يبينوا الحق ولا يكتموه، آية [آل عمران ١٨٧/ ٣]، ويبدو أن عدم ذكر أي شيء محدد قبل هذه الآية أو بعدها فيما يتعلق بالعهد مغزاه أنه متأصل في الإنسان بالفطرة، ولذا فالحجّة قائمة على كل من وهب نعمة العقل أن يفهم السنن الكونية ويتفكّر في هدي الرسل، أما نقض العهد فعبارة عن عدم استخدام تلك المواهب استعمالا صحيحا، وهو أيضا إنكار لبعث الرسل وعدم الاهتداء بهديهم ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يقطعون الأرحام ويعادون المؤمنين ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بتخريب العلاقات الاجتماعية التي أمر الله بإرسائها على أسس سليمة، والتي يتوقف عليها الصلاح الفردي والاجتماعي للبشر، وهذه الآية عامة تشمل أخلاقيات البشر وحياتهم الاجتماعية بكاملها أفرادا وجماعات ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم بعدم الاستفادة من هداية العقل وهداية الدين.","vol":"1","page":39},{"text":"<span id=\"aya-35\"></span>﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الخطاب متصل بما قبله لجهة بيان البرهان الحاسم للفاسقين، والمعنى: بأي دلالة تكفرون؟ وعلى أي شبهة تعتمدون؟ وحالكم في الموت والحياة تأبى ذلك! قارنوا إحياءكم من العدم الذي حصل، مع بعثكم بعد الموت الذي سيحصل، فإذا كان الإحياء الأول ممكنا فهو الدليل العقلي على الإحياء الثاني ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتحاسبون على عملكم.\n\n<span id=\"aya-36\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩)\n٢٩ - بعد أن بيّن تعالى بعض آياته في أنفسهم، ذكّرهم بآياته في الآفاق:\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فلا يجوز أن يستعبد الإنسان في سبيل المادة، ولا يجوز أن يعتبر أي شيء من الموجودات أهم من الإنسان، فهذا هو التصور المثالي لمنزلة الإنسان وقيمته ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ في اللغة العربية يستخدم العدد سبع لتكثير الآحاد بمعنى بضع، وفي العربية أيضا كل سماء هي سماء بالنسبة لما تحتها، وهكذا فإنّ سبع سماوات قد تفيد أنظمة كونية متعدّدة شاملة ملايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ في إحكام خلقه.\n\n<span id=\"aya-37\"></span>﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - قصة الخليقة والمغزى منها: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ قصة الخلق تتصل بصورة منطقية مع الآيات التي سبقتها، ويرى البعض فيها رمزا لإظهار الإنسان في أكمل صوره وبيان مقدرته على التفكير المجرّد، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في المنار أن هذه الآيات من المتشابهات [آل عمران ٣/ ٧] التي لا","vol":"1","page":40},{"text":"يمكن حملها على ظاهرها، لأنّ الله تعالى منزّه عن مشابهة المخلوقات فلا يليق به الحوار مع الملائكة كما نعرفه نحن فذلك محال عليه تعالى، ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي المقدّر المكتوب منذ الأزل، والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، وهو هنا من قبيل الاستعارة، فالله موجود في كل مكان، ولا حاجة لمن يخلفه، لكن المعنى أنه تعالى وكلّ الأرض للإنسان يعمل فيها بأمر ربه، فكأنه استخلفه عليها وعلى غيره من المخلوقات فيها، وقيل: إن الإنسان خليفة لمن سكن الأرض قبله،\nروى ابن بابويه في كتاب التوحيد عن النبي ﷺ أنه قال: «لعلّك ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم، بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أو أكثر أنتم في آخر أولئك الآدميين»، وفي كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر ﵇ أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، نقله الرازي في تفسير آية [الحجر ١٥/ ٢٦].\n﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ فهمت الملائكة من كلمة ﴿خَلِيفَةً﴾ أن سوف تكون على الأرض سلالة تتمتع ببعض السلطة والحرية، فلم تستوعب كيف يمكن لسلالة الخلق التي تتمتع بالسلطة مع حرية التصرف والاختيار، بالإضافة لتمتعها بالعاطفة التي يمكن أن تسمو بها، أو أن تهبط بها إلى الحضيض، كيف يمكن لهذه السلالة أن تنضبط وفق النظام الكوني العام المبني على الكمال وعلى الطاعة المطلقة لإرادة الخالق، وكيف يمكن أن تنضبط دون إفساد وسفك للدماء، وإن كان المفهوم من الخليفة أنه يخلف صنفا بائدا من الخلق سبق أن أفسد في الأرض وسفك الدماء، فتكون الملائكة قد استنبطت سؤالها بالمقارنة ما سبق، والنتيجة أن حكمته تعالى في خلقه تخفى أسرارها على كافة مخلوقاته، لا يستثنى منهم الملائكة، وقد يكون أن الملائكة أرادت أن تعلم ما أعدّه تعالى لصون الإنسان عن الفساد وسفك الدماء.","vol":"1","page":41},{"text":"﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ بلا غفلة ولا فتور ممّا قد لا يكون شأن الإنسان، والتسبيح له معنيان: المعنى الأول هو التنزيه، وسبّوح من أسماء الله تعالى، والمعنى الثاني هو تكريس النفس بحماس وهمّة، وأما التقديس فله معنيان أيضا: الأول هو التطهير، والقدس هو الطهر، وتقدّس معناها تطهّر، وقدّوس من أسماء الله تعالى، والمعنى الثاني هو إعلان القداسة وتمجيدها ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أعلم ما لا تعلمون من الحكمة في خلق الإنسان، فالحكمة الالهية اقتضت خلق سلالة على الأرض تخوّل بعض السلطة، وذات عاطفة، وتكون لها حرية الخيار، وأنّ الانسان يكون خليفة بالعلم، لأنّه يستطيع بالعلم أن ينتهي عن الإفساد وسفك الدماء.\n\n<span id=\"aya-38\"></span>﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ قد يكون المراد من الأسماء المسمّيات، لأنّ الاسم هو صورة المعلوم في الذهن، وأنّ تعليم آدم الأسماء كلّها يعني تزويده بالمفاهيم والمدركات، والمقدرة على المحاكمة والتفكير المجرّد واستنباط العلوم، أو الاستعداد لتحصيل علوم ومعارف لا حد لها كما نرى في عصرنا الحاضر، ومنها علوم الإنسان الروحية وإيمانه الفطري والفكري بعالم الغيب، وقد يكون المراد العلم الذي بواسطته ينتهي الإنسان عن الإفساد وسفك الدماء، جوابا على استفهام الملائكة عن الحكمة من خلق الإنسان، والواضح أنّ المقصود من آدم الجنس البشري بكامله لقول الملائكة: ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ،﴾ وهذه الآية دالة على فضل العلم، وتفضيل بني آدم بالعلم على غيرهم من المخلوقات، وأنّ الإنسان يستطيع بالعلم أن يصون نفسه عن الإفساد وسفك الدماء.\n﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم صادقين في أنّ دور الإنسان سيكون مقتصرا على الإفساد وسفك الدماء، في حين أنه بالعلم يستطيع أن يصون نفسه عن ذلك.","vol":"1","page":42},{"text":"<span id=\"aya-39\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ أي تنزيها لك وتعظيما أن يعلم الغيب أحد سواك، أو تنزيها لك وتعظيما أن يعترض على إرادتك، فلا علم لأحد بالأسرار المتعلقة بحكمة الله تعالى وخطّته في خلقه ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ لأن الله تعالى منبع العلم، وقد جعل في عباده القدرة على التعلم وعلى التفكير المجرد والمحاكمة، والفطرة السليمة والعقل، قال تعالى: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ [الرحمن ٥٥/ ١ - ٤].\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ العليم بشكل مطلق، الحكيم في خلقه وأفعاله.\n\n<span id=\"aya-40\"></span>﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا البرهان على مقدرة آدم المعرفية، ومقدرته على الخيار بين الخطأ والصواب، كان جوابا على الشكوك التي أبدتها الملائكة في البداية، مما جعلها تدرك أنّ الله تعالى قد خوّل الإنسان بعض السلطة والحرية كما وهبه المعرفة والعلوم أيضا، وأنّ احتمال الإفساد وسفك الدماء بنتيجة جعل الإنسان خليفة في الأرض ما هو الاّ جانب واحد من الموضوع، أمّا الجانب الآخر فهو إيجابي ويوازن احتمال الإفساد وسفك الدماء، إذا استفاد الإنسان من العلم، قال البيضاوي: هذه الآيات تدل على شرف الإنسان وفضل العلم على العبادة ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ما كنتم تكتمون من تعجبكم لجعل خليفة في الأرض.\n\n<span id=\"aya-41\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ كناية عن تكريم الإنسان وتفضيله على الملائكة بالعلم، لمعرفته الأسماء كلها، انظر آية [الأعراف","vol":"1","page":43},{"text":"٧/ ١١]، ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ﴾ كلمة إبليس في اللغة تعني المقهور أو المسحوق أو المخذول، وفي المصطلح الإسلامي تعني الجن الذي أعلن العصيان، وهو أيضا الشيطان الذي طلب من الله تعالى إمهاله فترة يحاول خلالها إغواء الإنسان نحو الشر والخطأ ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ كان في علم الله تعالى منذ الأزل أنه سيكفر ويكون من المصرّين على الكفر، إن قصة تمرد إبليس دعت بعض المفسرين للقول بأنه لم يكن من الملائكة، لأن الملائكة يفعلون ما يؤمرون، في حين قال آخرون أن الآية توضح أنه كان منهم، والنتيجة أن هذا التمرد ذو طابع رمزي، وكناية عن تعرض الإنسان للإغواء وعوامل الشر، كما أنّ إباء إبليس، واستكباره عن السجود لآدم، كناية أيضا عن عجز الانسان عن إخضاع روح الشر تماما، وعجزه عن إبطال خواطر السوء (المنار).\n\n<span id=\"aya-42\"></span>﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وهي جنة السموّ الروحي والتعالي عن المادة، والمغزى أنه تمّ إسكان آدم وحواء في الجنة أوّلا لاختبارهما قبل هبوط الإنسان إلى الأرض مجال خلافته، واختلفوا في المقصود بالجنة: هل هي الجنة الموعودة في الآخرة؟ أم هي جنة بالمعنى الأرضي؟ إذ قال بعضهم: إنها بستان أو غيضة من الغياض، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، وليس في قصة آدم التي تكررت في القرآن سبع مرات ما يؤكد أنها الجنة التي هي دار الجزاء على الأعمال، انظر شرح آية [الأعراف ٧/ ١١]، وحاصل القصة الرمزية أن الإنسان بجهله وتهالكه على المادة يهبط من المنزلة التي كرّمه تعالى بها، إلى منزلة الشقاء والسعي والكدّ وراء الدنيا الزائلة ﴿وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ تعبيرا عن إباحة الطيبات للإنسان، فالأصل في الأشياء الإباحة ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لا تبالغا في التهالك على المادة، وقد تمت الإشارة إلى هذه الشجرة في سورة طه بقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾","vol":"1","page":44},{"text":"﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٠]، زعم إبليس أنها شجرة الخلد وبما أن آدم وحواء لم يتوصلا إلى الخلود رغم تذوقهما تلك الشجرة تبين أن وساوس إبليس كانت، ولا تزال، مجرد خداع، ومن جهة ثانية فالقرآن لا يخبرنا عن طبيعة تلك الشجرة سوى إدعاء إبليس الكاذب بأنها شجرة الخلد، ويرى البعض أنها رمز للحدود التي وضعها الخالق ﷿ لشهوات ورغبات الانسان الجامحة والتي في حال تجاوزها يسيء المرء الى فطرته التي خلق عليها، وأن رغبة الانسان بالخلود على هذه الأرض تنطوي على رهبته من الموت وإنكاره للبعث والحياة الآخرة، وهذه الرغبة مرتبطة بوساوس الشيطان للإنسان بالحصول على ﴿مُلْكٍ لا يَبْلى﴾ وبعبارة أخرى أن يكون حرا من كل الحدود لدرجة إنكار الإيمان بالله، وعندئذ لا يبقى للحياة معنى ولا هدف حقيقي ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية.\n\n<span id=\"aya-43\"></span>﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ وسواس ﴿الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ بإغرائهما أن يذوقا من الشجرة المحرمة ﴿وَقُلْنَا اِهْبِطُوا﴾ اهبطوا من نعيم الجنة والخلد إلى عناء الدنيا وكدها، ويلاحظ انتقال الخطاب من المثنى إلى الجمع، لأن الخطاب وإن كان لآدم وزوجه فهما يرمزان لجنس البشر عامة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهو ما عليه الناس من العداوة والبغي والحسد والحقد بعضهم لبعض بسبب تنافسهم على الدنيا ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ أخرجهم الله تعالى من جنة الراحة إلى أرض العمل كي يستقروا ويعملوا فيها ويتمتعوا بخيراتها، دون الخلود فيها، فعبر عن ذلك بالمتاع إلى حين.\n\n<span id=\"aya-44\"></span>﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿فَتَلَقّى آدَمُ﴾ وبالتالي البشر قاطبة ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ أي ألهمه تعالى إيّاها فتاب إليه بها، وهي كما في سورة الأعراف: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا﴾","vol":"1","page":45},{"text":"﴿أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٧/ ٢٣]، ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أي قبل توبته، لأنّ التوبة في اللغة تعني العودة والرجوع، وتوبة الإنسان معناها تخليّه عن العصيان وعودته إلى طاعة الله، وعندما تنسب هذه الكلمة إلى الله تعالى فمعناها قبول توبة عبده التائب ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ المراد من وصفه تعالى بالتوّاب المبالغة في قبول التوبة، وفي ذلك نقض لاعتقاد المسيحية من أتباع بولس بما يسمونه «الخطيئة الأصلية» ومؤدّاها عندهم أنّ معصية آدم تلحق به وبذريته، ولذا فإنّ الإنسان بحاجة إلى مخلّص أسندوه إلى المسيح، وهو اعتقاد سطحي ينبذه العقل والفطرة السليمة.\n\n<span id=\"aya-45\"></span>﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا﴾ بصيغة الجمع كناية عن جنس البشر بكامله، انظر آية [الأعراف ٧/ ١١]، ومغزى التأكيد على هذه العبارة أنها جاءت بعد توبة آدم وقبولها، أي بعد زوال ما زعموه ربقة الخطيئة الأولى مما لا يبرر أن يكون هنالك فادي من الخطيئة كما تظن المسيحية، لكي يصلب كما اعتقدوا ويفدي البشرية منها، بل على النقيض من ذلك فإنه تعالى لم يكتف بقبول توبة عبده آدم، بل تجاوز خطيئته ومنحه الخلافة على الأرض، وإنّ تكرار الأمر الإلهي بمغادرة الجنة والهبوط في الأرض يهدف إلى توضيح نقطة هامّة، وهي أن الأرض ليست مكانا لعقاب البشر، فالعكس هو الصحيح، لأن الهبوط إلى الأرض كان تحقيقا للوعد الإلهي أصلا لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٢/ ٣٠]، ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ عن طريق الوحي والرسل ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من وساوس الشيطان والعقائد الفاسدة وما يعقبها من الشقاء والخسران ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على فوات مطلوب أو فقد محبوب.","vol":"1","page":46},{"text":"والآيات الدالّة على أن سعادة الدنيا مرتبطة بالاهتداء بالدين والعمل به كثيرة، وقد حجبها عن كثير من المسلمين قول بعضهم في الكفار: لهم الدنيا ولنا الآخرة وهي مغالطة رغم حجة القرآن عليهم، قال تعالى: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ [طه ٢٠/ ١٢٣ - ١٢٤]، وأما كون الدنيا لهم فقد جعل تعالى في الدنيا سننا وأسبابا ومسببات من أخذ بها وصل إليها، كافرا كان أو مؤمنا، ولو جعلها للمؤمنين خالصة دون غيرهم لبطل التكليف والإختيار والإختبار ولصار الإيمان قسرا.\n\n<span id=\"aya-46\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ آيات جمع آية وهي الإشارة أو العلامة أو الرمز، وفي القرآن الكريم لها عدة معان مختلفة بحسب سياق الكلام:\nفهي أحيانا تعني الرسالة السماوية، كقوله تعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤]، أو الإشارة أو العلامة كقوله تعالى على لسان فرعون مخاطبا موسى: ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ١٠٦]، وأحيانا أخرى تعني ظواهر الطبيعة وعجائب الخلق، لأنها تشير إلى الحقيقة الغيبية المحجوبة بالظاهر، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات ٥١/ ٢٠]، وهي أيضا معجزات الأنبياء، أي الإشارات الإلهية التي تؤيدهم، كقوله تعالى على لسان نبيّه صالح: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف ٧/ ٧٣]، كما أنّ عبارات القرآن الكريم تسمى أيضا آيات، كقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحج ٢٢/ ١٦]، لأنّها تشير إلى الحقيقة المطلقة ولأن أسلوبها وصياغتها ومضمونها وإعجازها كلّ ذلك يعتبر إشارات واضحة لمصدرها ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأنّ بصيرتهم عميت عن الحقيقة رغم كلّ الآيات الدالّة عليها.","vol":"1","page":47},{"text":"<span id=\"aya-47\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٤٠)\n٤٠ - يلاحظ ارتباط هذه الآية مع ما سبقها لجهة استمرارية الوحي الإلهي منذ بدء الخليقة، وخصّ بني إسرائيل بالذكر، لأنهم أوّل من نزل عليه الوحي من الأمم الباقية إلى اليوم، وتركيز القرآن الكريم على قصص بني إسرائيل يعتبر من قبيل الإخبار بالغيب، وذلك لأهمية الدور الكبير، وهو دور الكفر والفساد والإفساد، الذي لا يزالون يلعبونه في تاريخ البشرية حتى يومنا هذا.\nوهذه الآية والتي تليها تذكّر بني إسرائيل أنّ ما جاء به النبي ﷺ ليس جديدا أو غريبا، لكونه استمرار الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وناسخا له، انظر آية [البقرة ٢/ ١٠٦]، وأنه قد عهد الآن إلى قوم غير اليهود وهم العرب بحمل ونشر الرسالة التي فشل اليهود بحملها ونشرها، بل شوهوها وحوّلوها إلى مجرّد طقوس وعصبية وجنسية، والآيات التالية تكشف حقيقة التدهور في الحياة الدينية والأخلاقية لليهود، وتبيّن أن تقواهم التي زعموها ليست في حقيقتها سوى زيفا وتعصبا أعمى وغلوّا، كما ألغت هذه الآيات المكانة الدينية والأخلاقية لليهود أمام سكان المدينة ومشركي الجزيرة العربية وقوّضت معنويات اليهود إلى درجة لم يتمكنوا بعدها من معارضة الإسلام بعد أن انكشف زيفهم:\n﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث الأنبياء منكم، وإنزال الهداية عليكم، واختياركم بين كل الأمم لحمل الرسالة الإلهية، واسرائيل لقب يعقوب ابن اسحق ابن ابراهيم ﵈ وأطلق على ذريته لقب بنو اسرائيل،\n﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ عهده تعالى لهم أن يبعث نبيا من وسط إخوتهم أي من بني اسماعيل وأن يؤمنوا به، وهو مذكور في كتبهم (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، وهذه دلالة أنّ النبي ﷺ كما كان مبعوثا إلى العرب إبتداء فقد كان","vol":"1","page":48},{"text":"مبعوثا إليهم أيضا، هذا هو العهد الخاص لهم، وذلك عدا العهد الإلهي العام الذي أخذه تعالى على جميع البشر بمقتضى الفطرة [الأعراف ٧/ ١٧٢] بالتدبّر والتفكّر والنظر في الرسالات السماوية بميزان العقل والموضوعية لا بميزان الهوى والغرور [البقرة ٢/ ٢٧]، والنتيجة أن عليهم قبول الإسلام، وأما عهدهم فهو سعادة الدنيا والآخرة،\n﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ دون غيري، أي إن كنتم تخشون فوات المنافع الدنيوية وزوال الرئاسة عنكم إذا اتبعتم الحق ودخلتم الإسلام، فالأحرى أن تخافوا وترهبوا من بيده الخير كله.\nيلاحظ التركيز في القرآن الكريم على عقائد اليهود والنصارى، أكثر بكثير من التركيز على عقائد الوثنية التي لم ترد الإشارة إليها سوى مرات قلائل، ولم تذكر آلهة الوثنيين سوى مرة واحدة في سورة النجم [النجم ٥٣/ ١٩ - ٢٧]، رغم أن الهدف المباشر للنبي ﷺ كان إنقاذ الجزيرة العربية من الوثنية التي كانت العدو الأول للدعوة الإسلامية في ذلك الوقت، وقد يتوقع المرء أن يكون تركيز الوحي على دحض عقائد الوثنية بالدرجة الأولى، ولكن الأمر كان على العكس من ذلك إذ ركّز الوحي على عقائد أهل الكتاب منذ أوائل سني الدعوة في مكة، وقبل حدوث المواجهة بين المسلمين وبين يهود المدينة بوقت طويل، وحتى بعد إنهاء الخطر اليهودي في المدينة فقد استمر الوحي القرآني بالتركيز على انحرافات عقائد أهل الكتاب من يهود ونصارى وانتقادها، مع العلم أن عقائد أخرى في المنطقة كالزرادشتية والهندوسية والبوذية كانت شائعة حينئذ في فارس والهند اللتين كانتا على علاقات مباشرة مع العرب سياسيا وتجاريا، وقد يتوقع المرء أن يوجه القرآن في حينه بعض انتقاداته لهذه الديانات، ولكن تطور الأحداث بعد البعثة قد فسّر تماما توجهات القرآن الكريم، فمن وجهة نظر سياسية محضة من كان يتوقع أن تكون روما، وليس فارس، الجهة النهائية والأكبر التي قدر لها أن","vol":"1","page":49},{"text":"تواجه الدعوة الإسلامية وأن يواجه العالم الإسلامي تحدياتها؟ أضف إلى ذلك إلى التحدي اليهودي المعاصر! لقد كان ممكنا أن تضمحل أهمية الكثير من آيات القرآن الكريم المتعلقة بأهل الكتاب لو صادف أن الفرس أو الهند بقيا العدو الأكبر للإسلام، ولكن التاريخ أظهر أن الأمر لم يكن كذلك، لقد استطاع المسلمون بعد وفاة النبي ﷺ أن ينشروا الدعوة في فارس والهند والشام وشمال إفريقية والأندلس خلال قرن من الزمن، وبعد ذلك في آسية الصغرى وشرق أوروبة، في حين بقي الغرب المسيحي وحده عائقا مستمرا أمام انتشار الدعوة الإسلامية، ثم أصبح التحالف البروتستانتي/اليهودي في القرن السادس عشر القوة الأكبر التي تهدد العالم الإسلامي، ولا يزال اليوم محور المواجهة اليوم بين الثقافة الغربية والإسلامية، وهكذا نرى أن الأهمية الكبرى التي خصصها الوحي القرآني لعقائد اليهود والنصارى كانت مطابقة تماما للتطورات التاريخية التي تبعت نزوله.\n\n<span id=\"aya-48\"></span>﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ ادخلوا الإسلام وآمنوا بالقرآن، لأنه يصدّق ما تبقّى معكم من الوحي الصحيح، انظر شرح آية [آل عمران ٣/ ٣]، وبواسطته تستطيعون التمييز بين الصحيح والزيف في كتبكم المحرفة ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ لا تبادروا إلى الكفر بالقرآن وأنتم تعرفون صدقه قبل غيركم، فالأجدر بكم السبق إلى الإسلام، والمعنى أنهم كانوا أول المصرين على الكفر وقت البعثة النبوية، والكلام موجّه إلى اليهود في كل زمان ومكان ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ الثمن القليل هو الرئاسة والمصالح الدنيوية خافوا عليها الفوات لو دخلوا الإسلام، واعتقادهم الباطل أن فضل الله تعالى محصور بهم وأنّه لا يبعث نبي إلاّ منهم.","vol":"1","page":50},{"text":"<span id=\"aya-49\"></span>﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ الإشارة إلى تلاعب أحبارهم بكتبهم المقدسة ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ بإغفالهم المتعمّد لنصوص كتبهم مما لا يوافق هواهم ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحقّ، أو أنتم تعلمون أنكم على الباطل، فهم يتعمّدون تفسير كتبهم على نحو باطل، ومن ذلك النص الذي ورد في سفر (التثنية ١٨/ ١٨) مخاطبا موسى ﵇: «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه»، والواضح أن العرب هم المقصودين بكلمة «إخوتهم» وخاصة العرب المستعربة من ذرية إسماعيل، ومنهم قريش قبيلة النبي ﷺ، والنص يشير بوضوح إلى بعث النبي الموعود من سلالة إسماعيل، وقد كان العرب الأمّيون يطلبون المشورة من اليهود بشأن بعثة الرسول ﷺ لما توهّموه عن اليهود من إيمانهم بالأنبياء وخبرتهم بالكتب المقدسة، فكان اليهود يستغلّون هذه الأسئلة لإدخال الشكوك والهواجس والريبة في أذهان الناس، والافتراء على النبي ﷺ، واتّباع أسلوب المناقشات الجدلية حول مسائل فرعية افتراضية، كما هي عادتهم في التضليل والمراوغة حتى الآن.\n\n<span id=\"aya-50\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ بعد دعوة اليهود إلى الإسلام، دعاهم الى إقامة الصلاة على تمامها وإيتاء الزكاة، ولكن اليهود اعتادوا على صلاة بالشكل وليس بالروح، وأكلوا الربا بدلا من إيتاء الزكاة، والزكاة هي الصدقة المفروضة لتزكية المال وتزكية النفس من الأنانية ومنها اشتق الاسم، والصدقة تطلق على الفرض وعلى النفل ﴿وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أي اركعوا مع المسلمين في الصلاة، بمعنى صيروا مسلمين مثلهم.\n\n<span id=\"aya-51\"></span>﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤٤)","vol":"1","page":51},{"text":"٤٤ - ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فتتبعون معايير مزدوجة؟ لأن من الوصايا الموجودة في كتب اليهود النهي عن القتل وعن السرقة وعن الزنى وعن أكل الربا، ولكنهم كانوا يفهمون منها النهي عن قتل اليهودي أو سرقته أو الزنى والنهي عن أكل الربى فيما بينهم، في حين أنهم يحلّون، بل يحضّون، على تقتيل غير اليهود وإبادتهم وطردهم وسرقتهم والاحتيال عليهم وأكل الربا منهم، وينشرون الزنا بين الآخرين، الأغيار حسب تعبيرهم، بل يعتبرون كل امرأة من الأغيار مومسا، كل ذلك أدخله الأحبار في كتبهم التي يسمّونها مقدسة ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ يتلون الكتاب ويفسرونه على هواهم، بل يتلاعبون بمحتواه ويضيفون من عندهم الكثير، وقد فعل أحبارهم ذلك على مر العصور ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أن الناس كلهم عباد الله، وأنه لا يصح تقسيمهم إلى يهود وغير يهود، أغيار كما يسمّونهم، كما لا يصح أن يكون هناك ازدواجية في التعامل مع الناس، وأنه لا يوجد في دين الله عنصرية ولا تفرقة، والنتيجة: ألا تعقلون أنّ ممارساتكم ليست دينا وإنّما تقليدا أعمى لمنكرات مناقضة للمعقول.\n\n<span id=\"aya-52\"></span>﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ استعينوا على شرور نفوسكم وما تحبون من الدنيا بالصبر والصلاة الصحيحة لمن يوقنون بالآخرة ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ الصلاة ثقيلة وشاقة على من يتهالك على الدنيا ﴿إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ فهي قرة عين لهم، وراحة وطمأنينة.\n\n<span id=\"aya-53\"></span>﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ يظنون بمعنى يوقنون، فالظنّ هنا بمعنى اليقين، كما أنهم يظنّون الموت والرجوع إلى ربّهم في كلّ لحظة، فلا يفارق الخشوع قلوبهم.","vol":"1","page":52},{"text":"<span id=\"aya-54\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث الأنبياء منكم ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ ببعث الأنبياء منكم في وقت من الأوقات، إذ كان المطلوب منهم تقبّل الهدي الإلهي لصالحهم وصالح باقي الأمم، ممّا فشلوا فيه أشدّ الفشل، والمراد من الخطاب تنبيه العرب أيضا، لأنّ التفضيل لحقهم ببعث النبيّ ﷺ منهم بعد أن اقتضت الحكمة الإلهية انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل.\nوقصة بني إسرائيل وارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية مثال عن انحراف بني آدم عن هداية الوحي ومعاناتهم المريرة في التوصل إلى الهداية ومحاولة تجنب الضلال والشقاء.\n\n<span id=\"aya-55\"></span>﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا﴾ يوم الحساب ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ هذه إشارة إلى العقيدة المسيحية التي ابتدعها بولس، عن افتداء الخطيئة بالنيابة، وإلى اعتقاد اليهود أنهم الشعب المختار، وظنهم أنهم لا يحاسبون يوم القيامة، بل يغفر لهم بشفاعة أنبيائهم، والقرآن الكريم يدحض مثل هذه العقائد قطعيا.\n\n<span id=\"aya-56\"></span>﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ واذكروا إذ نجّيناكم من عذاب آل فرعون، لأنه عندما خاف الفراعنة مغبة النمو السكاني عند اليهود في مصر عملوا على انقراضهم بقتل المواليد الذكور منهم ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ ويستبقون نساءكم ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾","vol":"1","page":53},{"text":"﴿عَظِيمٌ﴾ البلاء هو المحنة إن كانت الإشارة إلى صنيع آل فرعون، ونعمة إن أشير به إلى نجاة اليهود، وأصل البلاء: الاختبار، ولمّا كان اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمحنة وتارة بالمنحة أطلق عليهما معا.\n\n<span id=\"aya-57\"></span>﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ واذكروا إذ فرقنا بكم البحر، وهي قصة نجاتهم من فرعون وغرق فرعون وجنوده في البحر، وهذه الآية وسابقتها تذكّرهم بعض نعمه تعالى عليهم، ورغم هذه المعجزة الباهرة وغيرها من المعجزات التي وقعت لبني إسرائيل كانوا يعودون إلى العصيان في كل مرة، فكان الجحود والعصيان سمة في أوائلهم، استمرت فيهم، ولا تزال في أواخرهم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فشاهدتم ذلك عيانا.\nوفلق البحر كان معجزة وقعت على يد موسى وقت كان الإنسان في مرحلة الطفولة الفكرية تجذبه دهشة الخوارق إلى الإيمان، ولا يمنع هذا الاعتقاد من الاهتداء بسنن الله تعالى في خلقه، والاعتقاد أنها لا تتحول ولا تتبدّل، وقد دخل الإنسان مرحلة الرشد الفكرية بنزول الرسالة الإسلامية حيث أرشده القرآن إلى استعمال العقل وتتبّع الدلائل في التوصّل إلى الإيمان وتصديق الوحي الذي نزل على الأنبياء.\n\n<span id=\"aya-58\"></span>﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ بعد خروج بني إسرائيل من مصر إلى سيناء نزل الوحي على موسى بالحضور إلى الجبل لمدة أربعين يوما وليلة كي يتعلم ثم يعلّم أمّته الشريعة والأخلاق [الأعراف ٧/ ١٤٢]، ﴿ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ اتخذتم العجل معبودا بغياب موسى، لأنّهم تشرّبوا في قلوبهم عبادة العجل التي كانت منتشرة في مصر، وقد حاولوا تقليد عجل معبد عزيريس  Osiris  في العاصمة المصرية ممفيس، لشدة تأثرهم بالوثنية المصرية، وكان التفسّخ","vol":"1","page":54},{"text":"والانحطاط الفكري لدى اليهود قد تغلغل فيهم بعد زمن يوسف ﵇ لدرجة أنهم اعتادوا على الممارسات الفاسدة التي كانت منتشرة بين حكامهم، بما فيها عبادة العجل ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ظالمون أنفسكم بهذه الوثنية التي ارتكستم إليها بعد أن عرفتم طريق الهداية الصحيح.\nوبعد حوالي قرنين من الزمن ارتكس اليهود مرة أخرى إلى عبادة العجول الذهبية، بعد وفاة سليمان وانقسام مملكته إلى جزئين، إذ قرر الملك يربعام، ملك الجزء الشمالي المسمّى إسرائيل، تكريس العبادة للعجل الذهبي في كل من المعبدين الملكيين دان وبيت إل، وأنشأ عجلا ذهبيا في كل منهما يفترض أنه كان يرمز إلى إله اليهود يهوه، ولكنه في نفس الوقت كان يرمز إلى بعل إله الكنعانيين، انظر سورة [الصافات ٣٧/ ١٢٥]، كل ذلك رغم ما خصّ الله به اليهود من الرسالة والمعجزات، وهو دليل على تشرّبهم الوثنية وعبادة المادة، ومنه قوله تعالى عنهم: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة ٧/ ٩٣].\n\n<span id=\"aya-59\"></span>﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أمهلهم تعالى لعلّهم يشكرون، ولفظ الشكر يتناول القيام بالطاعات قولا وعملا، وليس بالقول فقط، قال تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ٣٤/ ١٣].\n\n<span id=\"aya-60\"></span>﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ﴾ التوراة وفيها الفرقان، وقد يكون تقدير الخطاب أيضا: الكتاب، وهو الفرقان، وسمّي الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقيل أيضا: إن الفرقان هو مقدرة المؤمن على التفريق بين الحق والباطل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ [الأنفال ٨/ ٢٩]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ للتفريق بين الحق والباطل.","vol":"1","page":55},{"text":"<span id=\"aya-61\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ باتخاذكم العجل معبودا ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ﴾ الباريء هو الخالق ﷿ الذي جعل الخلق بريئا من التفاوت ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إن الأمر يقتضي أن يقتل اليهود أنفسهم، أو يقتلوا من بينهم أولئك الذين جعلوا العجل مستحقا للعبادة، ورووا الكثير من الإسرائيليات في ذلك ممّا لا يصحّ، والأصح أن القتل مجازي والمقصود به اقتلوا نفوسكم الشريرة الأمّارة بالسوء، وذلك بالإخلاص في العبادة وبالتوبة الصادقة، كما يقال قتل فلان نفسه ندما، والدليل أنه تعالى عفا عنهم بعد عبادتهم العجل (الآية ٥٢)، وبدليل توبتهم وتوبة الله عليهم بقوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-62\"></span>﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ وهي صورة أخرى من بلادتهم وعنادهم وماديتهم إلى أقصى الحدود، فبعد أن رأوا كل المعجزات الباهرات لم يقتنعوا، بل طلبوا أن يروا الله جهرة أي عيانا حتى يصدّقوا موسى، ممّا يدلّ على أنهم ماديون لا يؤمنون إلا بما تدركه حواسهم، دون عقولهم، والذين طلبوا ذلك هم سبعون رجلا اختارهم موسى من كبار القوم لميقات ربه [الأعراف ٧/ ١٥٥]، ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ ليس بالضرورة أن الصاعقة أماتتهم، والظاهر أنّه أخذهم ما ينظرون إليه لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فلو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إليها (الرازي).","vol":"1","page":56},{"text":"<span id=\"aya-63\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قيل هو الموت الفكري بمعنى ذهاب المقدرة على التفكير السليم، لأن من يطلب رؤية الله جهرة يكون فاقدا قواه العقلية، وقيل الموت بمعنى الغشيّ أي ذهاب الحواس كما في النوم، وقال بعضهم: هو الموت فعلا، وأنّهم بعثوا بعد الموت.\n\n<span id=\"aya-64\"></span>﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ بيان المزيد من نعمه تعالى عليهم والمعجزات التي خصّهم بها، سخّر تعالى السحاب كي يظلّهم في صحراء سيناء حيث لا يوجد ملجأ من حرارة الشمس، وعندما نذكر أعداهم الكبيرة التي هاجرت من مصر إلى فلسطين عبر الصحراء القاحلة، فلولا هذه النعمة لأهلكتهم شمس الصحراء الحارقة ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ وتلك معجزة أخرى استمرت خلال فترة أربعين عاما من التيه في سيناء، قالوا:\nإنّ المنّ يشبه بذور الكزبرة وكانت تنبت بعد هطول الندى على الأرض ليلا، والسلوى طيور السمّان كانت تأتيهم بكميات وفيرة أنقذتهم من المجاعة، وقيل:\nإنها كانت طيور مهاجرة من إفريقية، ولا سيّما مصر، تصل إلى سيناء تعبة فتقع على الأرض أو تسفّ فتؤخذ باليد ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بمعصيتهم وذنوبهم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ظلموا أنفسهم بأن كفروا هذه النعم، وضرر الكفر يعود عليهم.\n\n<span id=\"aya-65\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ومن نعمه تعالى عليهم أيضا أن كتب لهم دخول فلسطين، في ذلك الوقت، والاستمتاع بخيراتها بعد إخراجهم من عبودية الفراعنة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾","vol":"1","page":57},{"text":"﴿اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية في لغة القرآن هي المدينة أو المجتمع أو البلد، كقوله تعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٤٣/ ٣١] أي مكة والطائف، أو فارس والروم، والعرب تسمّى المدينة قرية، وفي هذه الآية يبدو أن الإشارة لفلسطين، وقيل بيت المقدس أو أريحا ﴿فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ تمتعوا من خيراتها ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ ادخلوا فلسطين متواضعين خاشعين لله تعالى، مستغفرين تائبين، ولا تدخلوها دخول الطغاة المحتلين، وكونوا قدوة لغيركم من الناس في المعاملة وحسن الدعوة، حتى يدخلوا في الدين أفواجا، مثلما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ومثلما دخل المسلمون البلدان المفتوحة بعد فجر الإسلام ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ كان المطلوب منهم دخول القرية تائبين مستغفرين طالبين من الله تعالى أن يحطّ عنهم خطاياهم، وتقدير الخطاب: حاجتنا حطّة، أي نرجو الله أن يحط عنا ذنوبنا حطّة ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أجرا وثوابا.\n\n<span id=\"aya-66\"></span>﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ بدّلوا رسالة الإيمان والدعوة إلى الخير والقدوة الحسنة بالطغيان والفساد، وقد دخلوا فلسطين دخول الطغاة على عكس ما طلب منهم من التواضع والخشوع، ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ بعد دخولهم فلسطين، بلغ التمرد والوحشية منهم مبلغا حتى سلط الله عليهم الرجز، وهو العذاب المشار إليه في آية [المائدة ٥/ ٣٣] وآية [الأعراف ٧/ ١٦٧]، وقصص دخول اليهود فلسطين بصورة وحشية مذكورة في كتبهم بالتفصيل، وهي الكتب التي حرّرها أحبارهم وجعلوها جزءا من كتابهم المقدس، وقد حفلت بفنون الغدر والمباغتة والفظائع الوحشية والأعمال الترويعية، وإشاعة الهلع والذعر بين السكان، وتقتيل الأطفال والشيوخ والنساء، وتقطيع الأشجار وردم الآبار، وحتى البقر والغنم والحمير لم تسلم منهم، انظر","vol":"1","page":58},{"text":"(سفر يشوع ٢/ ٤٢، ٨/ ٢٤ - ٢٦، ١٠/ ٢٨ - ٣٨، ١١/ ١١، ٢٤/ ٩ - ١١)، (سفر الملوك الثاني ٣/ ٢٥)، (سفر التثنية ٢/ ٣٣، ٣/ ٣ - ٦، ٧/ ١، ٢٢، ١٩/ ٢٥)، (سفر صموئيل ١٥/ ٣)، ولعل عبودية التسخير التي عاشوها تحت الفراعنة قرابة أربع مئة عام، وشعور الضعف ومعاناة التخلف والقهر، كل ذلك ترك في نفوسهم عقدة التذبيح والتقتيل والغدر بالآخرين ونكران الجميل، ولم ينفعهم نزول الرسالة السماوية عليهم، ولا شك أنّ هذه النفسية القبيحة استمرت في ذريتهم إلى يومنا هذا، ممّا يفسّر سبب تركيز الكثير من آيات القرآن الكريم عليهم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسوقهم، وهو خروجهم عن الحق.\n\n<span id=\"aya-67\"></span>﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ بيان آخر لنعمه تعالى على بني إسرائيل ومعجزاته لهم ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا بعدد قبائل بني إسرائيل، وتقدير الخطاب:\nفضرب فانفجرت، وحذف المعطوف عليه للإشارة لسرعة الامتثال، حتى كأنّ الإيحاء وضرب الحجر أمر واحد، وأن انفجار الماء بأمره تعالى، كأنّ فعل موسى لا دخل له فيه (الألوسي)، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كي لا يقتتلوا على الماء ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ﴾ استكمال بيان النعم في هذه الآية وما يليها، بعد الأمر بدخول فلسطين، لبيان شناعة معصيتهم وإفسادهم رغم كل هذه النعم والمعجزات لصالحهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ المقصود أنّ إباحة الرزق والنعم لهم كي يستمدّوا منها القوة للقيام بأعباء الرسالة والطاعات والأعمال الصالحة، لا أن تكون باعثا على الشر والعدوان والفساد في الأرض.","vol":"1","page":59},{"text":"<span id=\"aya-68\"></span>﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - بعد أن استسقوا موسى وشاهدوا بأعينهم معجزة انفجار الماء من الحجر، طلبوا منه تغيير أنواع طعامهم، وهو دليل على تفكيرهم بحاجاتهم المادية فقط: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ المنّ والسلوى ﴿فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾ لم يكتفوا بانفجار الماء من الحجر، ونزول المنّ والسلوى عليهم، بل يفرضون الشروط على نبيهم أن تنبت لهم الأرض مختلف أنواع الأطعمة، دون جدّ منهم ولا عمل ولا تعب ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ بدلا من التفكير والتركيز على الرسالة السامية التي أخرجوا من مصر لأجلها لم يزالوا يفكرون بعقلية مادية بحتة، تطغى عليهم غرائز الجسد، فلم يصبروا ولو مؤقتا على عدم وجود الأطعمة التي اعتادوا عليها في مصر، فيكون مغزى الآية:\nأتستبدلون المنافع الدنيوية بالرسالة السامية التي جئتم من أجلها؟ ويحتمل المعنى أيضا أن نفوس بعضهم تاقت لأسلوب العيش الذي تركوه في مصر، وعلى هذا يكون المعنى: أتستبدلون العبودية وأسلوب العيش الذي كنتم فيه، بالحرية التي أصبحتم فيها، وذلك بدليل تتمة الآية، ويلاحظ أيضا أنهم قالوا لموسى ﴿فَادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ ولم يقولوا «ربنا» وفيه جانب من وقاحتهم المعهودة،\n﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ ارجعوا إلى عبودية مصر إن شئتم فلكم فيها ما تطلبون من المادة، والعبرة من القصة أن اليهود لطول إقامتهم تحت قهر الفراعنة قد اعتادوا الذل والعادات والشعائر الوثنية، ثم إنهم في سيناء صاروا يتبرمون بموسى ويحمّلونه مسؤولية المشاق في الصحراء ويتحسّرون على أيامهم","vol":"1","page":60},{"text":"في مصر ويستبطئون وعد الله، وقبل ذلك قالوا له في مصر ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف ٧/ ١٢٩]، وكان موسى يحاول نزع ما في قلوبهم من الشرك، وما في نفوسهم من الذلّ الذي طبعوا عليه في مصر، وأن يدخل بهم فلسطين، ولكنهم عصوه فقالوا له ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة ٥/ ٢٤]،\n﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ بماديتهم لأنّ من يكون ماديا صرفا يكون ذليلا، انظر آية [الأعراف ٧/ ١٦٧]، ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ بتفضيلهم ماديّة الدنيا على سموّ الرسالة ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ كلمة ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الذلّة والمسكنة التي ضربت عليهم، وأنّ سببها كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، وهو ما حصل في حقبة لاحقة من التاريخ اليهودي وفعل ﴿كانُوا﴾ يتضمن معنى الاستمرارية ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي مع علمهم أنّهم على غير الحق بقتل الأنبياء ﴿ذلِكَ﴾ أي ضرب الذلة والمسكنة عليهم ﴿بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ بسبب عصيانهم وعدوانهم.\n\n<span id=\"aya-69\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - بعد أن أسهبت الآيات السابقة في بيان معاصي اليهود وخسّة نفوسهم وجرائمهم، حتى ليحسبهم المرء من الخاطئين جميعا، استثنت هذه الآية الصالحين منهم وطمأنتهم أنّ الله تعالى يحاسب الناس فرادى ولا يحاسبهم أقواما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الذين آمنوا برسالة النبي محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود، وقيل سمّوا يهودا لقول موسى: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ٧/ ١٥٦]، وقيل لنسبهم إلى يهوّذا ابن يعقوب ﴿وَالنَّصارى﴾ مشتقة من النصرة لأنّ عيسى ﵇ قال للحواريين ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ [آل عمران ٣/ ٥٢]، وهم الذين نصروا عيسى ﵇ وبقوا على النصرانية، ولم ينحرفوا عن رسالته كما فعل","vol":"1","page":61},{"text":"بولس وأتباعه من المسيحية ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ وفي اللغة الآرامية الصابغين وهم طائفة موحّدة، بين اليهود والنصارى أتباع يحيى ﵇، اشتق اسمهم من الكلمة الآرامية: صبغة، لأنهم كانوا يعمّدون أي يصبغون المعتنق الجديد لدينهم في نهر الاردن فصاروا يدعون الصابغة، ومنه قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ [البقرة ٢/ ١٣٨]، ولكن العرب في إحدى لهجاتها كانت تلفظ الغين همزة فصارت الصابئة، وأصلها الصابغة، وهم أتباع يحيى ﵇ وكان يسمى يحيى الصابغ أي المعمدان أي الذي يقوم بالتعميد وهو نوع من الوضوء بماء النهر (انظر عبد الأحد داود)، ويجب عدم الخلط بينهم وبين صابئة حرّان الذين انتحلوا الاسم لأنفسهم للاستفادة من تسامح الدولة الإسلامية مع أهل الكتاب ومع طوائف الموحّدين.\n﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ آمن بالبعث والحساب ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ اقترن إيمانه بالعمل الصالح ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يجب قراءة هذه الآية ضمن سياقها وهو الحديث عن بني إسرائيل، فيكون الهدف الأساسي منها دحض أوهام اليهود أنهم الشعب المختار، وأنهم يحتكرون ثواب الله ومغفرته من دون غيرهم من الأمم رغم عصيانهم وجرائمهم، فالآية تحدد أنّ المهم عند الله هو الإيمان به وحده لا شريك له والإيمان بالبعث والحساب والقيام بالعمل الصالح، وليس مجرد الانتساب إلى طائفة دينية معينة ولا أن يكون الدين جنسية كما يزعم اليهود، ويحتمل أن يكون المقصود بذلك اليهود والنصارى والصابئين قبل أن تبلغهم البعثة الإسلامية، وهو أيضا استثناء من قوله تعالى عن اليهود في الآية السابقة ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ،﴾ أي إنه تعالى استثنى منهم من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، والمعروف أنّ هنالك طائفة من اليهود تدعى السدوقيين لا تؤمن بالآخرة.","vol":"1","page":62},{"text":"<span id=\"aya-70\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، وهو الميثاق المشار له بالآيتين (٨٣ - ٨٤) ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ شاهدا عليكم، وهو جبل طور سيناء الواقع جنوب شبه جزيرة سيناء بين ذراعي البحر الأحمر، ويدعى الآن جبل موسى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين ٩٥/ ١ - ٢]، ويقال: إن بني إسرائيل خيّموا على سفوحه قرابة عام كامل ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي تمسّكوا بالكتاب بجدّ وعزيمة ﴿وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ احفظوا ما فيه واعملوا به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ المعاصي وعواقبها السيئة، إذا أتبعتم القول بالعمل.\n\n<span id=\"aya-71\"></span>﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الرسالة السماوية ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ بمعاصيكم وماديتكم وتلاعبكم بالتوراة وتحرير غيرها ونسبتها إلى الله ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإمهالكم، وعدم التعجيل عليكم بالعقوبة، وإعطائكم الفرص للتوبة ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فور ارتكابكم المعاصي بلا إمهال.\n\n<span id=\"aya-72\"></span>﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ فكان عليكم أن تعتبروا بهذه الحادثة وبعواقبها، وقد ورد تفصيل هذه الحادثة في آية [الأعراف ٧/ ١٦٣]، إذ كان المفروض أن يكرّس اليهود يوم السبت للعبادة والراحة والامتناع عن الأعمال الدنيوية، وكان هذا الأمر مشددا عندهم لدرجة أن كتبهم جعلت الموت عقاب المخالف، ولكن عندما شاع فيهم التفسخ الديني والاخلاقي انتهكوا شريعة السبت فصارت مدنهم تنشط باعمال الحرف والتجارة جهارا ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ قالوا إن التحول إلى قردة بالمعنى","vol":"1","page":63},{"text":"المجازي، وأنه تعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم على القلوب، أي صاروا كالقرود متجردين من السمو الروحي الذي يتمتع به البشر، متهالكين على المادة والدنيا فقط، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير (الآية ٦١)، وقد قال عنهم تعالى أيضا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة ٦٢/ ٥]، ولأنّ الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور البينات فالعرب تقول عنه مجازا: إنه حمار أو قرد، ويحتمل المعنى أيضا أن وجوه بعضهم صارت مشابهة للقرود كما نراهم اليوم ﴿خاسِئِينَ﴾ أي أذلاء مطرودين.\n\n<span id=\"aya-73\"></span>﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿فَجَعَلْناها﴾ أي تلك العقوبة ﴿نَكالًا﴾ أي عقوبة غليظة رادعة ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ عبرة للناس في زمانهم ﴿وَما خَلْفَها﴾ وعبرة للأجيال القادمة ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهذا من سنن الله تعالى أن من يفسق عن أمر ربّه ينزل عن مرتبة الانسان، الذي كرّمه الله، الى مرتبة الحيوانات، وتخلو حياته من أي هدف سام.\n\n<span id=\"aya-74\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ابتلي اليهود بفكرة تقديس البقرة (الآية ٥١) ولتحريرهم من ذلك أمروا بذبحها، وكان اختبارا قاسيا لهم ﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ حاولوا التملّص بانتحال أعذار عن نوع البقرة المطلوب ذبحها، وقد اقتبس اليهود فكرة تقديس البقرة من المصريين خلال فترة عبوديتهم، لأن المصريين كانوا يعبدون تمثالا لعجل ذهبي في معبد عزيريس  Osiris،  وهنالك أكثر من مغزى لهذه القصة كما سيرد ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ أي أعوذ بالله أن أقول عليه كذبا.","vol":"1","page":64},{"text":"<span id=\"aya-75\"></span>﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي إنها ليست كبيرة في السن وليست شابة، ولكن وسط بينهما ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ بلا جدال.\n\n<span id=\"aya-76\"></span>﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ زيادة في التنطع بالسؤال ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-77\"></span>﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ كلّما ألّحوا في طلب التفاصيل كانوا يضيقون الخناق على أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-78\"></span>﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي إنّها حرة من النير الذي يربط عادة في رقاب البقر المستخدمة للحرث ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ لا تستخدم في رفع المياه من الآبار للسقاية، فهي بقرة سائبة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سالمة من العيوب مطلقا ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ لونها الأصفر خالص غير موشّى بغيره أي غير ممتزج بسائر الألوان ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ جئتنا بكلّ المعلومات عنها ﴿فَذَبَحُوها﴾ بعد أن كان بإمكانهم أن يذبحوا أي بقرة كانت ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ كادوا أن لا يذبحوها لشدة تلكؤهم وإلحاحهم في طلب التفاصيل، ويلاحظ في طريقة الحوار سفاهة اليهود وقلة احترامهم لنبيهم وعدم الامتثال","vol":"1","page":65},{"text":"لأمره وإلحاحهم وخفتهم وتنطعهم في السؤال، وتكرار قولهم ﴿رَبَّكَ﴾ ولم يقولوا «ربنا».\nومغزى القصة يشير إلى نقطة فقهية هامة وهي كراهة طلب تفاصيل إضافية لشرع عامّ، لأن من شأن ذلك تعقيد الأمور على المجتمع، قال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ٥/ ١٠١]، وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإنّ قوما شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم»، وعن ابن عباس: لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم.\nومن ذلك أنّ نظرة السلف الأول الى الدين كانت بسيطة ومباشرة، فهموه بشكل فطري دون إشكالات ولا تعقيدات، ولكنّ بعض من جاؤوا بعدهم استغرقوا في استنباط التفاصيل، فجعلوا الشريعة عبئا ثقيلا على الناس بعكس ما هدف إليه القرآن والسنة، ويحتمل أن اختيار اسم البقرة لهذه السورة نابع من المغزى الهام الذي تنطوي عليه هذه القصة.\nومن جهة أخرى رأى البيضاوي أن ذبح البقرة كناية عن ذبح شهواتهم وأهوائهم، فيكون تقدير الآية: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أهوائكم، والمعنى أن تتخلصوا من ضلالكم، عدا أن ذبح البقرة قربى إلى الله تعالى رجاء الوصول إلى المبتغى.\n\n<span id=\"aya-79\"></span>﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - في شرع اليهود أنه إذا وجدت جثة قتيل لم يعرف قاتله فتذبح بقرة ويدعى كبار القوم في المنطقة فيغسلون أيديهم فوق البقرة الذبيحة قائلين أن لا علاقة لهم بالقتل، وأنهم لا يعرفون القاتل، وبذلك يخلون أنفسهم من المسؤولية ومن لا يفعل ذلك منهم يعرف أنه القاتل (سفر التثنية ٢١/ ١ - ٩)، وقد يكون في الآيات (٦٧ - ٧١) إشارة لذلك:","vol":"1","page":66},{"text":"﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أي فاختلفتم وتدافعتم في مسؤوليتها، والخطاب للجمع، وفيه إشارة للمسؤولية الجماعية ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ الله معلن ما كنتم تسرّونه عن القاتل.\n\n<span id=\"aya-80\"></span>﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - يرى بعض المفسرين أن المقصود هو ضرب جثة القتيل ببعض أجزاء البقرة الذبيحة ممّا أعاد الحياة مؤقتا إلى القتيل كي يشير إلى قاتله، ومع أنه لا يوجد لهذا التصور والتفصيل سند واضح في القرآن أو السنة، فلا يمنع أن تكون هذه الحادثة من جملة المعجزات الكثيرة التي خصّ تعالى بها بني إسرائيل، فبعث القتيل وقع بناء على أفعال أمرهم تعالى بها فنفذوها بأيديهم، وكلّها مما لا يحيي الموتى، فضرب قتيل بقتيل لا يولد حياة جديدة، لكن قدرة الله جعلت هذا الضرب مؤثرا في تلك الحالة، فقام القتيل مؤقتا ليخبر عن قاتله، وليشاهد اليهود عيانا إحياء الموتى، حتى يؤمنوا بالبعث، وليعلموا أنّ من أحيا قتيلا على هذه الصورة قادر على إحيائهم وحسابهم بعد الموت، فاليهود كانوا على مستوى من البلادة والطفولة الفكرية دون منطق العقل والفكر بكثير.\nومن وجهة نظر ثانية يحتمل أنّ كلمات الآية ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ لا تنطوي على ذلك، فمن جهة ليس من تطابق في الجنس بين ضمير المذكر في الهاء بكلمة ﴿اِضْرِبُوهُ﴾ وبين النفس القتيلة المشار لها بقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا،﴾ ومن جهة ثانية فان كلمة «ضرب» كثيرا ما تستخدم مجازا كقولهم «ضرب مثلا» و«ضرب في الأرض» أي تجوّل فيها، و«ضربت عليهم الذلة» .. الخ، ومن جهة فليس من المؤكد أن يعود ضمير المؤنث في ﴿بِبَعْضِها﴾ إلى البقرة المذكورة بالآية (٧١)﴾، وقد يكون أنّ ﴿اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ معناه:\nاضربوا مبدأ المسؤولية الجماعية ببعض حالات القتل المجهولة انظر محمد أسد، ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ أي يمنع سفك الدماء بمثل هذه الأحكام","vol":"1","page":67},{"text":"وهو شبيه بقوله تعالى ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة ٥/ ٣٢]، ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لعلكم تستخدموا ملكة العقل لديكم وتفقهوا الحكمة من الشريعة.\n\n<span id=\"aya-81\"></span>﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ من بعد كل هذه المعجزات والبيّنات والوحي، ارتكبتم من الجرائم والفساد، ليس في حق أنفسكم فقط، بل في حق الآخرين أيضا، وفشلتم في حمل الرسالة ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بمعنى أنّ قلوبهم مادية صرفة خالية من الروحانية، لا همّ لهم سوى الدنيا، وقد شبّه تعالى قلوبهم بالجمادات ولم يشبههم بالحيوانات لأن الحيوانات لا تأخذ من الدنيا إلا ما تقتضيه غريزتها للبقاء ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ﴾ حتى الحجارة تتأثر بجريان الماء قليلا أو كثيرا، أما قلوبهم فلا تتأثر بشيء ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ يتردّى من أعلى الجبل، وهو شبيه بقوله تعالى ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر ٥٩/ ٢١]، ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فسوف يجازيكم على قسوتكم ومعاصيكم.\n\n<span id=\"aya-82\"></span>﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المسلمون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الخطاب موجّه في الأصل إلى حديثي العهد بالإسلام من أهل المدينة، وإن كان موجها للمسلمين في كل العصور، إذ سبق أن أخبرهم اليهود أنّ نبيا على وشك الظهور، وأنّ أتباعه سوف يتغلّبون على باقي شعوب العالم، فكان ظنّ العرب أن يكون","vol":"1","page":68},{"text":"اليهود في طليعة من يدخل الإسلام، غير أن أملهم خاب بسبب اعتقاد اليهود أن النبي المنتظر يجب أن يكون منهم، فهم يعتبرون الدين والأنبياء حكرا لبني إسرائيل فقط دون غيرهم من الناس، وكانت النتيجة أن استغلّ المنافقون والمشركون موقف اليهود لبث الشكّ في النفوس، وزعموا أن لو كان محمد نبيا حقا لما أحجم اليهود وعلماؤهم عن الإيمان به ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ تحريف كلام الله هو تغييره، والفريق منهم هم الأحبار الذين كتبوا الأسفار اليهودية «المقدسة»، انظر شرح الآية (٧٩)، ﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ اقتنعوا به عقلانيا، ورفضته قلوبهم، وتغلبت عليهم أهواؤهم ومصالحهم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تمام العلم شناعة فعلهم.\n\n<span id=\"aya-83\"></span>﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ وهم المنافقون من اليهود ﴿وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ لشدة جهالتهم وعنصريتهم، إذا خلا الأحبار مع عوامهم قالوا لهم: أتحدثون المسلمين بما فتح الله عليكم من أوصاف النبي المنتظر ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ليكون لهم الحجة عليكم عند الله ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وهو قول الأحبار لأتباعهم إمعانا منهم في العنصرية والتضليل والاستغلال، وخوفا على مكاسبهم الدنيوية أن تزول.\n\n<span id=\"aya-84\"></span>﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ يظنّون أن إخفاء جرائمهم في الدنيا ينقذهم من عقاب الآخرة، كما يظنون أن الإله خاص بهم فقط، أي هو إله إسرائيل دون باقي الناس.\n\n<span id=\"aya-85\"></span>﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ من اليهود أمّيون لجهة جهلهم بكتابهم ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ﴾ أي كتابهم ﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ ومفردها أمنية، والمعنى أنهم لا يعلمون من","vol":"1","page":69},{"text":"كتابهم إلاّ ما تتمنّاه قلوبهم، يقبلون ما يقال لهم على علاّته، كزعمهم أن لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ ليس عندهم من العلم اليقيني سوى أنهم يقلّدون ويتّبعون الدين الذي ابتكره أحبارهم، وإن كان لا يمتّ إلى شرع موسى بأية صلة ممّا جعلهم يعيشون في فردوس خاص بهم مبني على الأوهام الخادعة بأنهم الشعب المختار، متعلّقين بالآمال الزائفة بشفاعة الأنبياء لهم.\n\n<span id=\"aya-86\"></span>﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ هم الأحبار الذين حرّروا الكتب اليهودية المقدسة وزعموا أنها كلام الله المنزل، والدليل أن العهد القديم ومن ضمنه التوراة التي بين أيدينا اليوم أكثرها من كتابتهم، بلا جدال، ويعود تاريخ تحريرها إلى عدة قرون من الزمن بعد موسى، وليس فيها من بقايا الوحي إلا القليل، وهذا ينطبق على جميع كتبهم وأسفارهم التي يزعمون أنها مقدّسة، وهي زاخرة بقصص الخرافات، والعنصرية البشعة، والمنكرات والموبقات، ممّا ينسبونه إلى أنبيائهم قبل عوامهم، ولا يعقل أن يكون وحيا، وأضافوا عليها قصص تاريخهم القومي، وتشريعات إباحية من عندهم ضد الأغيار، ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن القليل هو زعامتهم الدنيوية وأغراضهم المادية التي أرادوا الحفاظ عليها عن طريق غش الآخرين ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الزيف ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ ما يكسبون بنتيجة الزيف.\nوهذه الآية من قبيل إخبار النبي ﷺ والمسلمين بالغيب، لأنه لم يكن بوسع النبي ﷺ ولا المسلمين في عصره أن يعلموا من تلقاء أنفسهم أن كتب اليهود مزيفة.","vol":"1","page":70},{"text":"<span id=\"aya-87\"></span>﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وهذا من جملة غرورهم، لأنهم يتوهمون أنه بغض النظر عمّا يرتكبون من شرور، فعقابهم في الآخرة سيكون محدودا، لأنهم الشعب المختار بزعمهم، وهم غارقون في هذا الغرور والتبجّح، ممّا يدحضه القرآن بقوله تعالى ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي، أو أيها القارئ، أو السامع ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ بما تزعمون ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ فإنّ الله تعالى لم يعهد لكم بشيء من ذلك ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تمنّون أنفسكم بالباطل، وليس لكم به علم يقيني.\n\n<span id=\"aya-88\"></span>﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿بَلى﴾ خلافا لما يعتقدون، وهو جواب لقولهم لن تمسّنا النار إلاّ أياما معدودة، والفرق بين بلى ونعم: أنّ بلى جواب النفي، ونعم جواب الإيجاب ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وهي الذنوب التي يعذّب مرتكبها بالنار ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي خطيئاته، وأحاطت به أي استغرقت شعوره ووجدانه، ورانت على قلبه، فصار همّه مقتصرا على دنياه، وإرضاء شهواته على مرّ الليل والنهار، ولم يبق للدين سلطان عليه ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأنّ العمل السيّئ لم يدع للإيمان أثرا صالحا في نفس صاحبه، ولو كان معه شيء من الطاعات لما أحاطت به السيّئة من كلّ جانب.\n\n<span id=\"aya-89\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ استثناء الصالحين منهم كي لا يقنطوا من رحمة الله ويلاحظ أن آيات الوعيد مقترنة بآيات الوعد، كما أنّ الإيمان مرتبط بالعمل الصالح لا ينفك أحدهما عن الآخر، انظر آية [الأنعام ٦/ ١٥٨].","vol":"1","page":71},{"text":"<span id=\"aya-90\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ﴾ بعد أن بيّنت الآيات (٧٤ - ٨١) عناد بني إسرائيل وقسوة قلوبهم وجهلهم وغرورهم، تذكّرهم هذه الآية أن طريق التقوى قد بيّنت لهم بتشريعات سلوكية وأخلاقية يجب أن يلتزموا بها ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ عاملوا الناس معاملة حسنة، ولا تعاملوهم معاملة دونيّة، ولا تزعموا أنهم أغيار، ولا يكون هنالك ازدواجية في مقاييسكم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ التزموا بالعبادات والصدقات ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فلم تعملوا بشيء من ذلك ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ انصرفتم عن دعوة الحق متعمّدين غير مكترثين ولا عازمين على التوبة، إلاّ قلّة منهم.\nويلاحظ ترتيب الطاعات في الآية، بعد عبادته وحده سبحانه: الإحسان وحسن المعاملة بالفعل والقول، مع الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، خاصة، والناس عامة، ثم الصلاة والزكاة.\n\n<span id=\"aya-91\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة كانت قبائل اليهود في منطقة المدينة متحالفة بعضها مع الأوس وبعضها الآخر مع الخزرج، فعندما تنشب الحروب بينهما كانت كلّ من قبائل اليهود تقاتل إلى جانب حلفائها مما سبّب أن يقتل اليهود بعضهم بعضا نتيجة تحالفهم مع قبائل وثنية متنازعة وفي ذلك خرق للميثاق المذكور في كتبهم، والمشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ يلاحظ أن الخطاب","vol":"1","page":72},{"text":"للمجتمع بكامله وبشكل فيه تأكيد على وحدة الأمة إذ جعل سفك دم الفرد كأنه سفك دم الجميع، وإخراج الفرد من داره يعادل إخراج الجميع ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسكم بلزومه،\nوفي المعنى العام للآية أن اليهود أساؤوا التصرف وارتكبوا من الجرائم على مدى تاريخهم ما أدى إلى أن يصيبهم التقتيل والطرد من الديار، انظر آية [المائدة ٥/ ٣٣]، كما حدث لهم عام (٧٠) م وعام (١٣٥) م عندما نكّل الرومان بهم وطردوهم من القدس وفلسطين.\n\n<span id=\"aya-92\"></span>﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقتل بعضكم بعضا ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ كانوا يفتدون أسراهم، بحجة أنهم ينفذون تعاليم كتابهم، بعد أن كانوا قاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم، الأمر المشار اليه بقوله تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ يطبقون معايير دينية مزدوجة، ومن ذلك تنفيذ تعاليم الكتاب بافتداء الأسرى، ويتغاضون عنها عندما يقتل بعضهم بعضا، ويخرج بعضهم بعضا من ديارهم ﴿فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الخزي العاجل في الحياة الدنيا، انظر آية [المائدة ٥/ ٣٣]، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ﴾ أشدّ من الخزي الحاصل في الدنيا ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيحصي عليكم أعمالكم ليوم الحساب.","vol":"1","page":73},{"text":"<span id=\"aya-93\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ جعلوا الدنيا همّهم الوحيد ولم يكترثوا بالآخرة ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ارتباط العذاب مع التهالك على الدنيا، وهو ارتباط المسبب بالسبب، وهذه الآية قاعدة عامة في أمثالهم وغير مقتصرة عليهم.\n\n<span id=\"aya-94\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ التأكيد على تعاقب الرسل لدى اليهود، بعد موسى ﵇، مما لا يترك لديهم مجالا لادّعاء الجهل ﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ﴾ وهو آخر رسل بني إسرائيل، والآيات البينات هي براهين الحقيقة المفترض أن تقنع كل باحث موضوعي ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أيّدناه بالمعرفة عن طريق الوحي، وسمّي القدس لأنّ العلم بواسطته يكون مقدّسا، أو أنه يقدّس النفوس أي يطهرها، وقيل هو ملاك الوحي جبريل ﵇، انظر أيضا آية [المائدة ٥/ ١١٠] حيث تشرح التأييد بروح القدس، وفي آية [المجادلة ٥٨/ ٢٢] ورد أيضا تأييد الله تعالى للمؤمنين بروح منه ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ الانتقال في التعبير من الفعل الماضي ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ إلى الفعل المضارع ﴿تَقْتُلُونَ﴾ يوضح استمرارية النية المبيّتة لدى اليهود، عن عمد منهم، بتكرار قتل الأنبياء، حتى أنهم تآمروا على قتل النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-95\"></span>﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ فلا نحتاج إلى مزيد من الرسل، وغلف صمّ، ومن قرأ: غلف، بضمّ اللام، أراد جمع غلاف، أي قلوبنا أوعية ممتلئة بالعلم فلا","vol":"1","page":74},{"text":"حاجة لنا بغيره، والمعنى أنهم صامدون في ضلالهم لدرجة أنهم لن يغيروا من قناعاتهم مهما جاءهم من براهين، ومثل هذا القول سمة مشتركة لذوي التعصب الأعمى الذين يسيطر على عقولهم التحامل والتحيّز المسبق، وهو ما يتبجّحون بأنها قناعات يتمسّكون بها لمجرّد أنهم توارثوها، بغضّ النظر عن البراهين الحاسمة بزيفها، وهو المشار إليه بقوله تعالى ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي بسبب كفرهم، لأن الكفر هو التغطية، فهو يحجب الحقيقة عن صاحبه، ويمنعه من التفكير الموضوعي ويعمي بصيرته فيبتعد عن رحمة الله، وهو معنى اللعنة ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ قليلا ما يؤمنون بالصواب، لأنّ معتقداتهم متمحورة ومنغلقة حول أنفسهم، ويحتمل المعنى أيضا أنه لا يؤمن منهم بخاتم الأنبياء والرسل المذكور في كتبهم إلا القليل، فيظلّون بانتظار غيره أبد الدهر.\n\n<span id=\"aya-96\"></span>﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ لما تبقى معهم من الوحي انظر شرح الآية (٤١)﴾ وآية [آل عمران ٣/ ٣] وآية [المائدة ٥/ ١٣]، ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قبل بعثة النبي ﷺ كان اليهود يتوقعون ظهور النبي المنتظر، المذكور في كتبهم، بفارغ الصبر وكان يقول بعضهم لبعض: ليضطهدنا الناس الآن فعندما يأتي نبيّنا المنتظر سوف نسوّي حساباتنا معهم ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ كانوا ولا زالوا يعتقدون أن النبوة حكر عليهم، فلمّا جاءهم النبي المنتظر من بني إسماعيل محققا النبوءات المذكورة عندهم كفروا به، انظر كتاب «محمد في الكتاب المقدس «للبروفسور عبد الأحد داوود، سابقا كبير الكهنة الكلداني دافيد بنجامين، يفصل فيه نبوءات كتب اليهود والنصارى عن قدوم النبي الأحمد ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ الكافرين الذين يغطون الحقيقة عن أنفسهم، لأن هذا هو معنى الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾","vol":"1","page":75},{"text":"[الحديد ٥٧/ ٢٠] فها هنا الكافر بمعنى الزارع، لأنه يغطي البذور بالتربة، فالكفار تعمى بصيرتهم عن الحقيقة، ويبتعدون عن رحمة الله، وهو معنى اللعنة التي أوجبوها لأنفسهم، فارتباط اللعنة بالكفر، أي بتغطية الحقيقة، كارتباط المسبب بالسبب.\n\n<span id=\"aya-97\"></span>﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ بئس ذلك الكبرياء الزائف الذي من أجله خسروا أنفسهم، واشترى بمعنى باع، والمعنى بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق والكفر بالإيمان ﴿بَغْيًا﴾ حسدا للعرب ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ إذ قالوا: إنّما كانت الرسل من موسى إلى عيسى من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟ يريدون أن يكون الوحي حكرا عليهم دون غيرهم من الناس ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ استحقوا غضب الله مرة أخرى بكفرهم بالنبي الأحمد المنتظر، كما استحقّوه في السابق بعصيانهم موسى، وبكفرهم بعيسى ﵉ ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مترتّب على إنكارهم الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-98\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يدّعون الإيمان بما أنزل على أنبيائهم فقط ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ ينكرون الوحي الذي نزل على عيسى ومحمد ﵉ ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ مصدّقا لما تبقى معهم من الوحي الصحيح، والمعنى أنه لا يمكن تمييز الصحيح من الزيف في كتابهم إلا عبر النظر إليه من منظار إسلامي ﴿قُلْ فَلِمَ﴾ كنتم ﴿تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أسند القتل اليهم رغم أنه من فعل آبائهم، لأنهم راضون به","vol":"1","page":76},{"text":"وعازمون على تكراره ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين بكتابكم كما تزعمون، فليس فيه الأمر بقتل الأنبياء.\n\n<span id=\"aya-99\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ وهي المعجزات القاهرة كفلق البحر وغيره ﴿ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ معبودا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عبدتم العجل بعد أن ذهب موسى لميقات ربه في الطور، وبعد وفاة سليمان أيضا ارتكستم إلى الوثنية وإلى عبادة العجول الذهبية ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ لأنفسكم، والمعنى أنكم تدّعون الإيمان بما أنزل عليكم، مع أنكم عبدتم العجل رغم البينات التي جاءكم بها موسى.\n\n<span id=\"aya-100\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم عند جبل الطور ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاِسْمَعُوا﴾ تمسّكوا بالتوراة بجدّ وبعزيمة، واسمعوا ما فيها سماع تفكّر وتفهّم ﴿قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ سمعوه فتلقّوه بالعصيان، لأنّ أعمالهم التي تلت الميثاق تبرر هذا التعبير المجازي، فقد أضاعوا معظم التوراة وحرّروا بدلا عنها من عند أنفسهم وحسب أهوائهم، وكفروا بمن جاءهم من الأنبياء بعد موسى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾ حبّ ﴿الْعِجْلَ﴾ وتهالكوا على عبادة المادة التي رمز إليها بعبادة العجل الذهبي، انظر شرح الآية (٥١)﴾، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم وإنكارهم الحقيقة ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ﴾ لأنّ إيمانكم الذي تزعمون يأمركم بالشرور والآثام لا غير ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنكم غير مؤمنين حقيقة.","vol":"1","page":77},{"text":"<span id=\"aya-101\"></span>﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ إشارة إلى ادعائهم المذكور بقوله تعالى ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾ (١١١)، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم المذكورة.\n\n<span id=\"aya-102\"></span>﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ بل هم حريصون على الحياة الدنيا ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب ما قدّموا من المعاصي ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ بخبايا نفوسهم ونفاقهم.\n\n<span id=\"aya-103\"></span>﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ وهو سبب كل مصائبهم وضلالهم وإضلالهم، لا يبالون أن يعيشوا حياة نفاق ودجل ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ حرصهم على الدنيا أشد من حرص المشركين عليها ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ الألف سنة تعبير عن المبالغة في الكثرة، والمغزى أن اليهود يعلمون أنهم على ضلال ولذا يرون أن الدنيا ومنغصاتها خير لهم من الآخرة وما ينتظرهم فيها من العقاب ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبهم بأعمالهم.\n\n<span id=\"aya-104\"></span>﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الكلام متصل بما قبله من حيث تسلسل أعذار اليهود في عدم الإيمان بالنبي ﷺ، فقد","vol":"1","page":78},{"text":"زعموا أولا أنهم مؤمنون بكتاب ولا حاجة بهم إلى وحي جديد، ثم زعموا أنهم ناجون في الآخرة على كل حال، لأنهم شعب الله المختار، والآن يتعللّون بعذر أغرب مما سبق، فقد ورد في العديد من الروايات الصحيحة أنّ أحبار اليهود في المدينة كانوا يصفون جبريل ﵇ بأنه عدو الله لثلاثة أسباب:\nالأول: زعموا أن جميع المصائب التي لحقت بني إسرائيل في مطلع تاريخهم تكلّم بها جبريل، في حين أنّ ميكال كان يحمل إليهم الأنباء السارة فأصبح صديقهم بزعمهم،\nوالثاني: لأنّ القرآن نزل به جبريل على محمد ﷺ وهم أرادوا أن يكون النبي المنتظر منهم،\nوالثالث: أن القرآن يشتمل على النقد المرير لبني اسرائيل بسبب عصيانهم رسالة موسى،\nفأخبرهم تعالى إن جبريل يتنزّل بالوحي على محمد ﷺ بإذن الله وليس من عند نفسه ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مصدّقا لما تبقّى من الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وليس تصديق كتب اليهود والنصارى بوضعها الحالي ولا بالوضع الذي كانت عليه وقت نزول القرآن، لأنها خضعت لكثير من التحريف والتغيير عبر تاريخها، كما أنه ليس المقصود تصديق تشريعات اليهود والنصارى لأن القرآن نسخها، انظر الآية (١٠٦)، ولكن المقصود تصديق ما تبقى من الحقائق الأساسية في كتبهم وقت نزول القرآن ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لو قبل اليهود رسالة الإسلام لاستفادوا من هديه وتبشيره، ولكن استياءهم وغيظهم موجّه ضد الهداية الصحيحة.\n\n<span id=\"aya-105\"></span>﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ما دام ذلك سبب عدائهم لجبريل ﵇ فليعلموا أنه ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ عطف الخاص على العام ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ فيعاقبهم على عصيانهم وتعاميهم عن الحقيقة.","vol":"1","page":79},{"text":"<span id=\"aya-106\"></span>﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضحة لا لبس فيها ولا يسع العاقل إلا الإيمان بها ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ﴾ المصرّون على المعصية، الذين فضّلوا تقليد الآباء والأجداد والزعماء والعصبية على نور الفطرة والعقل.\n\n<span id=\"aya-107\"></span>﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ العهود التي عاهدوها ونبذوها كثيرة، ومنها المذكورة في آيات [البقرة ٢/ ٤٠، ٥٩، ٦٣، ٨٣، ٨٤، ٩٣]، عدا نقضهم العهود مع النبي ﷺ في المدينة، وهذا النقض لم يكن عفويا، بل اتباعا لما تنص عليه كتبهم المحرّفة من وجوب نقض العهود مع الأغيار، وهم يزعمون أنّ إلههم يهوه قال لهم: (لا تقطع لهم عهدا، ولا تشفق عليهم) (سفر التثنية ٧/ ٢)، حتى صار نقض العهود سمة متأصلة فيهم كما هي اليوم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بأصل الوحي الذي نزل عليهم، وإنما يصدقون كتابات الأحبار.\n\n<span id=\"aya-108\"></span>﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وهو النبي محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مصدّق لما تبقى معهم من الوحي الصحيح حتى يتمكنوا من التمييز بين الغث والسمين، وبين الزيف والحقيقة ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ الفريق هم أحبار اليهود ﴿كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ نبذوا ما يعلمون انه كتاب الله حقّا وهو القرآن الكريم، أما الأسفار المشوّهة التي حرّرها الأحبار فتمسّكوا بها ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، وكأنهم لا يعلمون أن النبي المنتظر الذي كانوا يتوقعونه سيكون من سلالة إسماعيل، كما هو واضح من كتابهم في سفر (التثنية ١٨/ ١٨).","vol":"1","page":80},{"text":"<span id=\"aya-109\"></span>﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي بدلا من اتباع النبي ﷺ للوصول إلى أعلا المراتب، اتبعوا أساليب السحر والشعوذة لاستعادة مجدهم، لأنهم ظنّوا أن مملكة سليمان كانت قائمة على ذلك:\n﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ أي ما كانت تتلوا الشياطين ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أي على زمن مملكة سليمان، وكلمة الشياطين في هذه الآية تنصرف إلى شياطين الإنس والجن معا، و﴿تَتْلُوا﴾ بمعنى تقول كذبا، والمعنى أنّ بني إسرائيل بدلا من اتّباع محمد ﷺ فقد اتّبعوا ما نسبته شياطين الإنس إلى ملك سليمان إذ كان بعضهم - شياطينهم - يشيع أنّ عظمة ملك سليمان ﵇ قامت على السحر والطلاسم، وأنهم لو توصّلوا لعلومها لاستعادوا ملكه، فاستحوذ ذلك على عقولهم وانهمكوا فيه بسبب انحطاطهم الفكري ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ أي إنّ السحر أو محاولته ليس سوى كفر، وأطلق اسم الشياطين على من يحاوله، وسليمان والأنبياء معصومون منه (البيضاوي)، وقد ذكر اليهود في كتبهم أنّ سليمان كان يشتغل بالسحر فيحرق البخور ويقدم القرابين للأوثان (سفر الملوك الأول ١١/ ١ - ١٠) وهذه الآية تدحض ذلك ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ أي اليهود - أو شياطينهم - يعلّمون الناس السحر ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ خلال وقوع اليهود في عبودية الأسر البابلي (٥٨٦ - ٥٣٧ ق. م) قيل إنّه نزل فيهم رجلان سمّيا ملكين - بفتح اللام - باعتبار وقارهما فشبّها بالملائكة، وقيل إنّ ﴿ما﴾","vol":"1","page":81},{"text":"نافية أي إنّ اليهود يعلّمون الناس السحر ويسندون ذلك إلى الملكين ببابل مع أنّه لم ينزل السحر على الملكين وإنّما اخترعاه من عند أنفسهما فكيف يعلّمونه الناس؟ (البيضاوي)، ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ يقولان إننا أو لو فتنة، وننصحك بعدم الكفر، ولعلهما يقولان ذلك لإيهام الناس بفضلهما وللمحافظة على حسن اعتقاد الناس بهما ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ليس في الآية ما يدل على أن ما يتعلمونه مؤثّر بذاته لسبب غيبي أو خارق للعادة ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ إذا صادف أن أصيب أحدهم بضرر من عملهم فهو بإذن الله، أي يكون عائدا لسبب من الأسباب التي ربطت بها المسبّبات، فليس هنالك قوة غيبية وراء عملهم ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ الضرر ناتج عن تركهم العمل الجاد، ولجوئهم إلى الشعوذة لمحاولة الوصول إلى المبتغى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ في الآية تحذير واضح من محاولة تغيير مجريات الأمور باتباع وسائل فوق طبيعية - في ذهن أصحابها على الأقل - وأن مثل هذه المحاولة تنفي نصيب صاحبها في الآخرة، روى أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى كاهنا أو عرّافا فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمد»، ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ كم هو بائس ما باعوا به أنفسهم، أي سيؤدي بهم إلى البؤس ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، ولكنهم متعلقون بالأوهام.\n\n<span id=\"aya-110\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ببعثة النبي ﷺ ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ الكفر والطغيان ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾ لكان خيرا لهم من محاولة أساليب السحر والشعوذة ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ العلم الصحيح، لكنهم يتّبعون الظنّ والخيال والعصبية، والآية التالية تحذّر المسلمين من تقليدهم ومن الوقوع في حبائلهم.","vol":"1","page":82},{"text":"<span id=\"aya-111\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا وَاِسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انتقال الخطاب إلى المسلمين فيما يخص أحابيل اليهود ﴿لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا اُنْظُرْنا﴾ لفت النظر إلى مثال من انحطاط تفكير اليهود وسفاهتهم، فعندما قدم النبي ﷺ ومعه المهاجرون إلى المدينة حاول اليهود إشغال المسلمين بقضايا جدلية فرعية لتلويث أفكارهم بأمراضهم الفكرية التي ابتلوا بها، فكان اليهود عندما يحادثون النبي ﷺ ينفثون نكايتهم وضغينتهم باستخدام تعابير مموّهة ذات معنى مزدوج، ظاهرها البراءة وباطنها السوء، والعبارة المشار لها في هذه الآية والتي أمر المؤمنون بتجنّبها ﴿راعِنا﴾ كان يستخدمها اليهود في حديثهم مع النبي ﷺ ليس بمعناها الظاهري، أي إصغ إلينا، بما تنطوي عليه من الوقاحة، ولكن لكونها تشبه كلمة في العبرية ذات مغزى سيء، ولذا أمر المسلمون بتجنب هذه الكلمة واستخدام عبارة ﴿اُنْظُرْنا﴾ بمعنى لطفا أعطنا انتباهك، أو لطفا أعطنا برهة لنتابع ما تقول ﴿وَاِسْمَعُوا﴾ أمروا بالإصغاء جيدا لحديث النبي، ومغزى الآية تنبيه المسلمين عموما كي لا يقعوا في أحابيل اليهود، وهي مقدمة للآية التالية أنهم لا يريدون الخير لهم ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ كنتيجة حتمية وطبيعية مترتبة على إنكار الحق والإصرار على الضلال والإضلال،\nوكما هي العادة في القرآن الكريم فإنّ مغزى الآية غير مقتصر على ظروفها التاريخية وإنّما يمتد لكل العصور لوجوب التزام المسلمين بتعليمات السنة النبوية وعدم تقديم رغباتهم الشخصية عليها.\n\n<span id=\"aya-112\"></span>﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرين على كفرهم بلا رجوع ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ اليهود ﴿وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ من مشركي العرب والمسيحية ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾","vol":"1","page":83},{"text":"﴿عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الخير المشار إليه هو الوحي، لأنّ الوحي هو الخير المطلق، بدليل تتمة الآية، وهم يبغضون أن ينزّل الوحي على المسلمين ﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ باختيار من يشاء من الأقوام لنزول الوحي، والآية إشارة واضحة إلى إنكار اليهود والمسيحية إمكانية نزول الوحي على غيرهم من الأمم، وغرورهم بالاعتقاد أن الوحي مقتصر عليهم ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فيختار لرسالته من يشاء وفق حكمته البالغة، انظر آية [آل عمران ٣/ ٧٣]، وآية [النساء ٤/ ٥٤] حيث وردت كلمة ﴿الْفَضْلِ﴾ بمعنى الوحي.\nكما وردت كلمة «الرحمة» بمعنى الوحي أيضا في آية [آل عمران ٣/ ٧٤] وآيات [هود ١١/ ٢٨، ٦٣]،\n\n<span id=\"aya-113\"></span>﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذه الآية استمرار مباشر لما سبقها، وهي إجابة على الشكوك التي حاول اليهود نشرها، إذ قالوا: ما دام القرآن والكتب السابقة منزّلة من الله فلماذا أبدل القرآن بعض النصوص والأحكام في الشرائع السابقة بأحكام جديدة؟ كما أبدوا استغرابهم من إدانة القرآن لهم لكونهم أضاعوا جزءا من كتبهم، فقد زعموا استحالة ضياع الوحي الإلهي من الكتب أو من ذاكرة البشر، وفي كل ذلك لم يكن هدفهم موضوعيا ولكن لإلقاء الشكوك حول أصالة القرآن، فالآية تقرر أنّ ما ينسخه تعالى من الشرائع السابقة وأحكامها، أو ما ينساه البشر أو يحرّفونه أو يضيعونه أو يبتكرون غيره - كما أضاعوا التوراة والإنجيل - ينزّل الله مثله أو خيرا منه في القرآن، وأنّ كل شريعة سابقة نزلت في وقتها لتناسب عصرها، إلى أن ختمت الرسالات السماوية ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ الذي أرسل رحمة للعالمين جميعا وليس لأمّة بعينها، والمعنى شبيه بقوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ﴾","vol":"1","page":84},{"text":"﴿الْكِتابِ﴾ [الرعد ١٣/ ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ١٦/ ١٠١]، بمعنى أنه تعالى نزّل الرسالات السماوية بالتدريج واحدة تلو الأخرى بحسب تطور الإنسان الفكري والاجتماعي، ولمّا ختمها برسالة القرآن اتهم أهل الكتاب النبيّ بالافتراء، وليس المعنى نسخ بعض الآيات القرآنية كما يظن بعض المفسرين، راجع أيضا شرح آية [المائدة ٥/ ٤٨]،\nوقد نسب تعالى الإنساء إلى ذاته العلية مع أنه من فعل البشر، فكل شيء في الكون يسير بتقدير من الله ولا يمنع ذلك أن الإنسان مختار لأعماله، قال تعالى عن اليهود ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ٥/ ١٣]، وقال عن المسيحية أيضا ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ٥/ ١٤]، وما ذكّروا به هو الذكر، أي الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وسمّي الوحي ذكرا لكونه يذكّر البشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، أنظر شرح آية [الأعراف ٧/ ١٧٢].\nوأما قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج ٢٢/ ٥٢] فقد يكون أنه نسخ الحديث الشريف بالقرآن، أو أنه النسخ لما يحاول الشيطان إلقاءه في روع الأنبياء من مطامع الدنيا، وليس في الآية ما يدل على غير هذا المعنى، وعلى أية حال فإن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ فيه استثناء للنبي ﷺ ويدل على أن الآية تشير لمن قبله فقط من الأنبياء.\nأما لو قبلنا رأي بعض المفسرين أنّ المقصود من هذه الآية نسخ بعض آيات القرآن الكريم، فعندئذ لا يستقيم المعنى ولا يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها أو بعدها علاقة ولا ارتباط، وينقطع النظم القرآني، ويحصل فساد في الترتيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، ولكن يستقيم النظم سابقا ولاحقا عند ما يكون المقصود نسخ الشرائع السابقة.","vol":"1","page":85},{"text":"وقد ذكر الرازي عن المفسر الشهير أبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني:\n«أنّ المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع القديمة من التوراة والإنجيل»، وأن «ليس في القرآن آية منسوخة»، و«أنّ النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بضرب من التخصيص أو التأويل»، ويعتمد الأصفهاني على التخصيص والتأويل لإبطال كل ما قاله بعض المفسرين عن نسخ بعض الآيات القرآنية، إذ ثبت في علم أصول الفقه أنّه إذا وقع التعارض بين النسخ والتخصيص كان التخصيص أولى، أي إنّ معنى الآية التي يقولون: إنّها منسوخة، ينصرف إلى إيضاح حالة خاصة، «أما قولهم بالنسخ فهو بعيد، فكأنهم شغفوا بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة، والحقّ ما قرره أصحاب أصول الفقه أن الأصل عدم النسخ، فوجب السعي بتقليله قدر الإمكان» (الرازي).\nكما ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ما يلي: «كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن، وإن كان علما بإبطال القرآن بادي الرأي، من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة، ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هيّنا وهو عند الله عظيم» (المنار ص ١٢١ /ج ٢).\nيضاف إلى ذلك أنه ليس لفكرة نسخ الآيات القرآنية أساس تاريخي أو سند صحيح في السنّة، وترجع في أصلها إلى:\nأولا: عجز المفسرين عن التوفيق بين بعض آيات القرآن الكريم وبعضها الآخر، فيتجاوزون هذه الصعوبة بمقولة النسخ بطريقة اعتباطية ليس فيها إجماع حتى بين مؤيدي مقولة النسخ أنفسهم،\nوثانيا: بسبب اعتبارهم كلمة (آية) بمعنى ضيّق فقط على أنها جملة من القرآن الكريم، مع أنها تحتمل عدة معان، انظر شرح الآية (٣٩).","vol":"1","page":86},{"text":"وثالثا: بسبب اعتبارهم آية النسخ هذه بمعزل عن سياق المعنى، مما يفسد النظم القرآني ولا يليق بكلامه تعالى،\nيضاف إلى كلّ ذلك أنه لا يوجد إجماع بينهم على الآيات التي يزعم أنها منسوخة، فالزهري (المتوفّى ٧٤٢ م، قرّر أنها ٤٢ آية)، ثم ازداد العدد بعده باطراد حتى زعم ابن سلامة (المتوفّى ١٠١٨ م) أن عددها ٢٤٨، وبعده عاد العدد للتناقص فقال السيوطي (المتوفّى ١٥٠٥ م) أن عددها ٢٠ فقط، ثم قال شاه ولي الله الهندي (المتوفى ١٧٦٢ م) أنها خمسة.\nومن ذلك مثلا آيات تحريم الخمر الواضح أنها ليست سوى تدرج في التشريع نحو التحريم:\n١ - ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل ١٦/ ٦٧]\n﴿٢ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة ٢/ ٢١٩]\n٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤/ ٤٣]\n٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٥/ ٩٠].\n\n<span id=\"aya-114\"></span>﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها الإنسان ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فينسخ من الشرائع السابقة ما يشاء بحسب حكمته البالغة ما قد يفوت إدراك البشر، وبحسب ارتقاء الفكر البشري من عصر لآخر، وأن من له ملك","vol":"1","page":87},{"text":"السماوات والأرض قادر على بعث النبوة في غيرهم من الأمم، وقد ختم الرسالات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فلا يغني عنهم شيئا أنهم كانوا من أتباع موسى وعيسى أو كونهم من سلالة الأنبياء السابقين إن لم يتبعوا الرسالة الإسلامية.\n\n<span id=\"aya-115\"></span>﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ أيها اليهود ﴿أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ لأنّه عندما أنزل تعالى جواز النسخ في شرائعهم دأبوا على الدخول مع النبي ﷺ في مناقشات جدلية، و﴿رَسُولَكُمْ﴾ هو الرسول محمد ﷺ الذي بعث للناس كافة، وسؤالهم موسى من قبل أن قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ (٢/ ٥٥)، وقولهم أيضا ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ (٢/ ١١٨)، ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ بدلا من فهم براهين الحق عقليا وتقويم رسالة القرآن الكريم من حيث جدارتها ممّا يؤدي إلى الإيمان بها، فهم إمّا مكابرون متعجرفون، أو مصرّون على براهين مادية حسية، وذلك هو الضلال عن الطريق القويم.\n\n<span id=\"aya-116\"></span>﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأن من شأن الحاسد أن يحاول أو يتمنّى سلب النعمة من محسوده، ولو لم تكن ضارة به، فكيف لو أدّت إلى سيادة المحسود، أو مساواته مع الحاسد؟ ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ تبينت لهم آيات النبوة، وانطبقت على البشارات المذكورة في كتبهم، واستيقتنها نفوسهم فجحدوا بها","vol":"1","page":88},{"text":"﴿فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا﴾ أيها المسلمون، والعفو ترك العقاب، والصفح هو الإعراض وترك اللوم، والمقصود توجيه المسلم ألا يغضب ولا يثور ولا يكون عدوانيا، بل يكون موضوعيا، لدى مناقشاته الدينية مع أهل الكتاب ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيأذن بنصرة دينه على من عاداه، عندما تأذن الحكمة الإلهية بذلك، وعندما يكون المؤمنون جديرين بالنصر بعملهم، كما سوف تبين الآية التالية، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ٥/ ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١/ ١١٨].\n\n<span id=\"aya-117\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ بعد أن أمر تعالى المؤمنين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب، أمرهم بإصلاح أنفسهم باقامة الصلاة على حقها والتوجّه إلى الله تعالى والانقطاع اليه، ليجدوا في ذلك السكينة، وليوقنوا أن أمر الله آت ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ لصلاح المجتمع ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ لأن عمل الخير يعود على أصحابه، وبارتقاء المجتمع، فيتحقق وعد الله لهم بحسب سنته تعالى في خلقه ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيثيبكم بحسب أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-118\"></span>﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿وَقالُوا﴾ وهم أهل الكتاب المشار إليهم بالآية (١٠٩)﴾، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى﴾ اليهود يعتقدون أن الهداية مقتصرة عليهم وانتهت بهم، والمسيحية من أتباع بولس مصرون على أن المسيح افتدى المؤمنين به من ربقة الخطيئة ﴿تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ﴾ ذلك من قبيل الأماني والتمنّي، حتى أقنعوا أنفسهم أنّ الوهم حقيقة ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ لأن البرهان على","vol":"1","page":89},{"text":"هذه الدعوى وغيرها لا يقوم إلا من الكتب التي نزل بها الوحي، وليس من الكتب التي حرّرها الأحبار والكتبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم.\n\n<span id=\"aya-119\"></span>﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿بَلى﴾ خلافا لما تزعمون ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ من أسلم نفسه بالكامل الى الله تعالى، وتوجّه إليه وحده دون سواه، وهو التعريف الحقيقي للمسلم، وبهذا المعنى يستخدم مصطلح المسلم والإسلام في القرآن الكريم ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا المبدأ القرآني بأن ثواب الآخرة ليس حكرا على ملّة معينة، بل هو مفتوح لكل من أسلم نفسه لله وقام بالعمل الصالح تطبيقا عمليا لإيمانه.\n\n<span id=\"aya-120\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ رفض اليهود الإيمان ببعثة المسيح ﵇ ﴿وَقالَتِ النَّصارى﴾ من أتباع المسيح ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ ما لم يؤمنوا بمبادئهم ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ ينسبون ذلك الاعتقاد إلى كتابهم، أو يعتقدونه رغم أنهم يقرؤون الكتاب ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ وهم مشركو الجزيرة العربية، وكل من يعتقد أن ثواب الله في الآخرة مقتصر عليه ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيؤكّد الصحيح من معتقداتهم، ويبيّن الزائف منها.\n\n<span id=\"aya-121\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١٤).","vol":"1","page":90},{"text":"١١٤ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ﴾ لأن اليهود كانوا يمنعون غيرهم من دخول معابدهم، وكان دخول معبد القدس من قبل غير اليهود يعدّ جريمة عقوبتها الموت، وبالعكس تعرض اليهود للاضطهادات الدينية من قبل النصارى في كثير من العصور ﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾ يخرّبون معابد بعضهم البعض بحجّة أن كلّ فريق منهم يعتقد ضلال الطرف الآخر، ومغزى الآية وجوب احترام أماكن العبادة التي يعبد فيها الله رغم الخلاف الديني مع أصحابها، انظر أيضا آية [الحج ٢٢/ ٤٠]، وقد استقبل النبي ﷺ وفد نصارى نجران في مسجده في السنة العاشرة من الهجرة وسمح لهم أن يمارسوا شعائرهم في مسجده رغم الخلاف الكبير بين العقيدتين الإسلامية والمسيحية ﴿أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ﴾ لا يحق لهم دخولها إلاّ خائفين من الله تعالى فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين؟ ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ لأنّ تعطيل المساجد وإنكار الدين يؤديان إلى الفواحش والمنكرات والشرور، وفساد وتفكك وانهيار المجتمع، فينالهم خزي الدنيا ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عدا ما لحق بهم من خزي الدنيا.\n\n<span id=\"aya-122\"></span>﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ المشرق والمغرب كناية عن الخلق بكامله ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الله ليس محدودا بالمكان، والآية استمرار لما قبلها بحرية التوجه إلى الله تعالى في الصلاة والمساجد، وفيها نهي ضمني عن الاضطهاد الديني والتزمّت والتعلّق بالشكل.\n\n<span id=\"aya-123\"></span>﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ وهي العقيدة المسيحية التي ابتكرها بولس بعد رفع المسيح وروّج لها بين الوثنيين الهلنستيين في الإمبراطورية البيزنطية ﴿سُبْحانَهُ﴾ أي تنزّه الله عن الصفات البشرية، لأنّ اتّخاذ الولد حتى بالمعنى","vol":"1","page":91},{"text":"المجازي يتضمّن عدم الكمال ﴿بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من كافة الخلق ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مطيعون، بمن فيهم المسيح بن مريم.\n\n<span id=\"aya-124\"></span>﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق ﴿وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكما هو مبدع السماوات والأرض فإنّما أمره لأي شيء آخر إذا قضاه هو كن فيكون، كخلق المسيح من غير أب.\n\n<span id=\"aya-125\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ورغم أنه تعالى مبدع السماوات والأرض فالجهّال يطلبون آية فأي آية أكبر من الخلق؟ ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أخفقوا في استيعاب الحقيقة فطلبوا أن يظهر الله تعالى لهم أو أن يشاهدوا «معجزة» تلمسها حواسّهم ليقتنعوا أنّ ما جاء به محمد ﷺ هو الحقيقة، ونظيره قوله تعالى ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدّثر ٧٤/ ٥٢].\n﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ مثل هذا القول قال الذين كفروا بالرسل من قبل، وبالذات اليهود ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في التعنّت والطغيان ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي إنّ الآيات المعجزات والإشارات موجودة في كل مكان، ولكنها لا تفيد سوى الذين يبصرون الحقيقة أما المصرّون على المكابرة فما الذي يفيدهم؟\n\n<span id=\"aya-126\"></span>﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ فما عليك الاّ البلاغ أيها الرسول ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ الذين وضعوا أنفسهم بمنزلة","vol":"1","page":92},{"text":"أصحاب الجحيم، فلست مسؤولا أيها النبي عن إنكار المنكرين المصرين على الكفر ولا يضرّك تكذيبهم.\n\n<span id=\"aya-127\"></span>﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وهو هدفهم النهائي، فهم ليسوا طلاّبا للحقيقة، والخطاب موجّه لكل مسلم في كل عصر، كي لا ينخدع بمظاهرهم، ولا شروطهم التعجيزية، فهي ليست سوى جهود لتفريق المسلمين وإضعافهم، والخطاب عنهم كأمم وجماعات وليس كأفراد، انظر الآية (٦٢)، ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي أو أيها القاريء أو السامع ﴿إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ الوحيد والحقيقي، وما عداه زيف وضلال ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ لأنّ ما يريدون هو اتباع الهوى ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ العلم اليقيني في القرآن ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ لأن اتباع الهوى ليس خروجا عن الدين فقط، بل خسارة للدنيا أيضا.\n\n<span id=\"aya-128\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿يَتْلُونَهُ﴾ ضمير الغائب يعود إلى العلم، المذكور في الآية السابقة وهو القرآن، أي إذا قرؤوا القرآن: ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي قراءة موضوعية بغية الفهم والتدبّر، ولتقويمه من حيث جدارته، لا باتخاذ موقف مسبق، ولا بعقل منغلق سلفا، فعندئذ يؤمنون به.\nويحتمل عود الضمير في قوله ﴿يَتْلُونَهُ﴾ إلى كتابهم أي لو قرؤوا كتابهم - بما فيه من تشويه - بفكر تحليلي ومستقل لانكشف لهم الزيف الذي أضافه الأحبار والرهبان ولآمنوا بالقرآن ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فعندئذ يؤمنون بالعلم الذي","vol":"1","page":93},{"text":"جاءك وهو القرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ من المعاندين والمقلدين والمكابرين والزعماء ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-129\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - بعد أن بيّن تعالى الحجج الدامغة على بني إسرائيل، دعاهم إلى ترك الغرور الذي يمنع الإيمان فقال عزّ شأنه: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ تفضيله تعالى لهم بأن بعث منهم الرسل والأنبياء، وصار هذا التفضيل حجّة عليهم لكثرة ما رفضوا الرسل والأنبياء وقتلوا منهم، وقد سبق تذكيرهم بنعمته عليهم بالآية (٤٧)، ثم بعد أن أقام الحجج عليهم تكرر هنا تمهيدا لما سوف يرد من انتقال الرسالة إلى غيرهم، وفي هذا المجال نسرد الخلفية التالية:\n(١) كان إبراهيم، بعد نوح، ﵉، النبي المبعوث لنشر رسالة الإسلام العالمية، وقد تجوّل إبراهيم لهذا الغرض لعدة سنوات من العراق إلى مصر ومن سورية وفلسطين إلى أجزاء من الجزيرة العربية داعيا الناس إلى الله، وقد أرسل ابن أخيه لوطا إلى شرق الاردن وابنه إسحاق إلى سورية وفلسطين وابنه الأكبر إسماعيل إلى الجزيرة العربية حيث بنى في مكّة الكعبة المشرّفة التي أصبحت فيما بعد قبلة المؤمنين.\n(٢)﴾ تفرعت ذرية إبراهيم إلى فرعين، أحدهما ذرية إسماعيل ممّن قطنوا الجزيرة العربية ومنهم قريش وبقية القبائل العربية بما فيها تلك القبائل التي لم تنحدر بالضرورة من ذريته، ولكنها اعتنقت دعوته وتعاليمه الدينية، والثانية ذرية إسحاق ومنهم نشأ أنبياء عديدون مثل يعقوب ويوسف وموسى وداوود وسليمان ويحيى وعيسى ﵈، وكان يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم يلقب إسرائيل فعرفت ذريته ببني إسرائيل وقد تبعهم أقوام آخرون لم يكونوا بالضرورة من ذرية إسرائيل، ولكن ممّن قبلوا دعوتهم الدينية.","vol":"1","page":94},{"text":"(٣) بعد وفاة إبراهيم استمرّ إسحاق ويعقوب وذريتهم الذين عرفوا ببني إسرائيل بالدعوة الدينية العالمية، وتلك هي النعمة التي يذكرها القرآن مرارا بتفضيلهم على العالمين، أي بتحميلهم عبء الرسالة في زمانهم، وفي زمن سليمان اتّخذ بنو إسرائيل القدس مركزا للدعوة وأصبحت القدس بذلك قبلة لهم يتجهون إليها في صلواتهم.\n(٤) المعروف أنّ اليهودية والمسيحية ليستا سوى تسميات متأخّرة جاءت بعد موسى وعيسى بزمن طويل ولم تكونا سوى تشويها لتعاليمهما الأصلية.\n(٥) أقامت الآيات الحجج على اليهود، وأوضحت حالة التفسّخ والانحطاط التي صاروا إليها حتى فقدوا كل إمكانية لاتباع الهدى، فضلا عن هداية غيرهم.\n(٦) لمّا تخلّى اليهود عن دعوة إبراهيم، وفقدوا كل إمكانية عملية للنهوض بها، أو كل تعالى المهمة الى غيرهم، انظر آية [الأنعام ٦/ ٨٩]،\n(٧) تشرح السورة بعثة النبي محمد ﷺ الذي صلّى لأجل قدومه كلّ من إبراهيم وإسماعيل وقت بناء الكعبة، الآية (١٢٩)، وتبيّن أن الدعوة التي بعث بها النبي ﷺ هي ذات الدعوة التي جاء بها الأنبياء السابقون إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب وغيرهم.\n(٨) انتقال الزعامة الدينية العالمية من بني إسرائيل الى بني إسماعيل، اقتضى تغيير وجهة القبلة إلى مكة المكرمة، وقد كان النبي ﷺ خلال وجوده في مكة يستقبل الكعبة والقدس معا في صلاته ثم بعد إقامته في المدينة نزل الوحي بتغيير القبلة نحو مكة المكرمة، ولم يكن بمقدور المشركين ولا حتى أهل الكتاب إنكار ذلك إلاّ تحاملا، فالكعبة بناها كل من إبراهيم وإسماعيل.\n(٩) بعد إعلان انتقال الزعامة الدينية العالمية إلى المسلمين زوّدتهم السورة، في الآيات (١٣٦ - ٢٨٦)، بالتوجيهات والتشريعات التي نسخت الأديان السابقة، انظر الآية (١٠٦).","vol":"1","page":95},{"text":"<span id=\"aya-130\"></span>﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿وَاِتَّقُوا﴾ أيها اليهود ﴿يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ الإشارة إلى اعتقاد اليهود أنّ نسبهم إلى إبراهيم سوف ينجيهم من الحساب والعقاب في الآخرة، وهو اعتقاد ينفيه القرآن مرارا وقد تقدّم ذلك في الآية (٤٨).\n\n<span id=\"aya-131\"></span>﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - استمرار الخطاب من الآيات السابقة لأن اليهود ينتسبون إلى جدهم إبراهيم لجهة إسحاق: ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ الكلمات هي الخبرات الصعبة التي مرّ بها إبراهيم في حياته وتجاوزها بنجاح ممّا أهّله للقيام بعبء البعثة، فقد كانت حياته منذ تبينت له الحقيقة حتى وفاته مسلسلا من التضحيات والمشاق، وعزم على التضحية بابنه إسماعيل، وتحمّل أقصى ما يستطيع البشر أن يتحمله من الصعاب في سبيل الدعوة ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ تجاوز إبراهيم كل المحن والابتلاء ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ بعد أن تجاوز إبراهيم تلك المحن بعثه تعالى إماما للناس، أي قدوة لهم كي يتبعوا رسالته ﴿قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ سأل إبراهيم ربّه إن كانت الإمامة سوف تطال بعض ذرّيته، ولعلّ في ذلك تعبير عن رغبة الإنسان أن ترث ذرّيته مناقبه وخصاله ومركزه ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ المعنى سوف أستجيب لطلبك وأجعل من ذريتك أئمة للناس، سوى أنّ الإمامة هي من حقّ الأتقياء منهم فقط ولا يصلح لها الفاسق، وهكذا لزم انتقال الإمامة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل لأن ظلم بني إسرائيل بلغ الذروة بكفرهم بآخر أنبيائهم عيسى ﵇، وهذه الآية تدحض ادّعاء بني إسرائيل أن الإمامة حق أبدي لهم لمجرد انتسابهم إلى","vol":"1","page":96},{"text":"إبراهيم، وتدحض ادعاءهم أنهم الشعب المختار تفضيلا على غيرهم من الناس، وهي أيضا إيضاح أن المشركين من ذرية إسماعيل لا حق لهم بالإمامة أيضا.\n\n<span id=\"aya-132\"></span>﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْنًا وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ الذي بناه إبراهيم وإسماعيل ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ أي مقصدا يرجعون إليه ﴿وَأَمْنًا﴾ أمانا وملاذا، لأن الحكمة والخطة الإلهية اقتضت انتقال عبء الرسالة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ مقام إبراهيم هو المكان الذي صلّى فيه إبراهيم، وقيل إنه الحرم بكامله أو مواقف الحج كلّها ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ من الشرك والوثنية ﴿لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الطواف حول الكعبة ومغزاه تذكير المؤمنين أن كل أعمال الإنسان ومساعيه يجب أن تتمحور حول الله ووحدانيته.\nأما البيت فيطلق على البيت الحرام أو البيت العتيق أو المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل وقد ارتبط اسمه عند العرب بإبراهيم حتى قبل البعثة الاسلامية.\n\n<span id=\"aya-133\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا﴾ محفوظا من الأعداء الذين يقصدونه بسوء ﴿وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ خصّ إبراهيم دعاءه بالمؤمنين فقط ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ أجابه تعالى إنّ النعم الدنيوية تعمّ المؤمن والكافر معا في الحياة الدنيا، وسمّى المتاع قليلا لكونه محدود الأجل في جنب الآخرة، ونظيره قوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾","vol":"1","page":97},{"text":"﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ [البقرة ٢/ ٣٦]، لأنه لو اختصّت النعم بالمؤمنين فقط لبطل الإختبار والتكليف ولصار الإيمان قسريا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذين يختارون الكفر بمحض إرادتهم، يقودهم ذلك الخيار إلى عذاب الآخرة اضطرارا، وهذه الآية تميّز بين من يشرّفهم الله تعالى بالقيادة الروحية وهداية الناس، وبين من يسبغ عليهم نعمه الدنيوية فقط.\n\n<span id=\"aya-134\"></span>﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ استوطن إسماعيل وأمه هاجر الحجاز، وتزوج فتاة قحطانية من قبيلة جرهم، وبذلك صار جدّا للعرب المستعربة، وأطلق عليهم هذا الاسم لكونهم من أب عبري وأم قحطانية، وخلال إحدى زيارات إبراهيم لابنه إسماعيل قام إبراهيم ببناء الكعبة يساعده إسماعيل، وكان استيطان إسماعيل في الحجاز بداية الخطّة الإلهية لنقل النبوة من سلالة إسحاق الى سلالة إسماعيل ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهو دعاؤهما بعد أن عهد لهما تعالى ببناء الكعبة.\n\n<span id=\"aya-135\"></span>﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - ﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ حتى نعبدك كما تريد ﴿وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ استجاب سبحانه لدعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأن جعل المسلمين من ذرية إسماعيل.\n\n<span id=\"aya-136\"></span>﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ﴾ في ذرية إبراهيم وإسماعيل ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وقد بعث فيهم النبي محمد ﷺ ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ تلاوة آيات الوحي، أي","vol":"1","page":98},{"text":"تعليمهم المنهج الذي ينبغي أن يسيروا عليه ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الأحكام التفصيلية التي جاء بها القرآن نظاما للفرد والمجتمع ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهّر أمّته من العقائد الفاسدة والعادات الخاطئة في حياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ومن استجابته تعالى لدعاء إبراهيم وإسماعيل أن نهضت الأمة الإسلامية نتيجة العمل بهذه النقاط الثلاث، بما أغنى عن فلسفات وأهواء البشر.\n\n<span id=\"aya-137\"></span>﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٣٠)\n١٣٠ - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ لا يترك ملّة إبراهيم إلاّ من كان ضعيف العقل، فكأنه يستخفّ بعقله وبنفسه، والمقصود من عبدوا الأوثان وجعلوا لله شركاء ﴿وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ أي اصطفينا إبراهيم لهداية الناس ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ كما سيرد في الآية التالية إذ استجاب لدعوة ربه وأسلم نفسه طائعا مختارا.\n\n<span id=\"aya-138\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٣١)\n١٣١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ المسلم من يسلم نفسه طائعا لله، ويعبده إلها واحدا جديرا وحده بالعبادة، ويسيّر حياته وفق هديه، ووفق هذا التعريف فإنّ جميع الأنبياء منذ بدء الخليقة كانوا مسلمين.\n\n<span id=\"aya-139\"></span>﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٢)\n١٣٢ - ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ كلّ من إبراهيم ويعقوب أوصوا أبناءهم بالإسلام، وخصّ يعقوب بالذكر دون الباقين لأنّ بني إسرائيل ذرّيته المباشرة ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وهو تتمة كلام إبراهيم ويعقوب لبنيه، أي إنّ الله تعالى اختار لكم","vol":"1","page":99},{"text":"الإسلام دينا فتمسّكوا به في كل لحظة من حياتكم لئلا تموتوا على غيره، والدين في المصطلح القرآني ليس مجرّد الملّة أو النحلة، وإنّما طريقة الحياة والسلوك وهو النظام الذي يحدد العقيدة والعمل.\n\n<span id=\"aya-140\"></span>﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٣)\n١٣٣ - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ الخطاب موجه إلى بني إسرائيل - بني يعقوب - ﴿إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ وهي وصية يعقوب لبنيه، وفي جوابهم له يلاحظ ذكر الآباء والأجداد كونهم انفردوا بعبادة الإله الواحد ودعوا الأمم إليه، وقد ذكر إسماعيل مع الآباء مجازا رغم أنه عمّ يعقوب ﴿إِلهًا واحِدًا﴾ لا نشرك به غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مستسلمون ومذعنون ومنقادون، والمغزى أنّ يعقوب - إسرائيل - قد وصّى بنيه بالاستسلام والإذعان لمشيئة الله، فما بال ذريته من اليهود يخالفون وصيته؟\n\n<span id=\"aya-141\"></span>﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ذهبت من الدنيا ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من أعمال تجزى بها ﴿وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ﴾ من أعمال تجزون بها ﴿وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية في الاسلام، وبه أيضا دحض لاعتقاد اليهود أنّهم الشعب المختار لمجرّد نسبهم إلى كبار الأنبياء رغم انحرافهم عن تعاليمهم وهديهم، والمعنى لا تدّعوا هؤلاء الأنبياء لكم، أيها اليهود، فسوف تحاسبون بأعمالكم وليس بأنسابكم.","vol":"1","page":100},{"text":"<span id=\"aya-142\"></span>﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٣٥)\n١٣٥ - ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ أي من دون حاجة لاتباع بعثة خاتم الأنبياء والرسل بزعمهم، مع أنّ الطقوس والأنظمة المعقدة التي تتصف بها اليهودية اليوم لم تظهر سوى في القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد أي بعد موسى ﵇ بحوالي ستة قرون، أما المسيحية بمعتقداتها ومبادئها اللاهوتية التي نعرفها اليوم فقد تجسّدت على يدي شخصين مختلفين في عصرين مختلفين، الأول بولس، حوالي الفترة ٥٥ - ٦٥ م، الذي ابتدع عقيدة جديدة نسبها للمسيح، والثاني الإمبراطور الوثني قسطنطين بعد عيسى المسيح بأكثر من ثلاثة قرون، وقد قرر ألوهية المسيح في المجمع المسكوني الأول عام ٣٢٥ م، ولذا ينشأ السؤال تلقائيا: لو كانت هداية الناس متوقفة على اتباع اليهودية أو المسيحية فماذا يمكن القول عن إبراهيم وباقي الأنبياء ﵈، الذين يعترف بهم اليهود والنصارى، وقد جاءوا قبل اليهودية والنصرانية بعدة قرون؟ والمغزى أنّ استقامة الإنسان لا تتوقف على كونه يهوديا أو نصرانيا حسب مصطلحهم، ولكنها تتوقف على اتباع الحقيقة الأزلية التي اهتدى بها الناس على مرّ العصور ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الحنيف من فعل حنف أي مال إلى الطريق الصحيح، وترك ما كان عليه أهل عصره من الضلال والشرك، وأطلق على إبراهيم لأنّ الناس في أيامه كانوا على طريقة واحدة هي الكفر فخالفهم، وهذه العبارة ذات دلالة توحيدية قبل البعثة النبوية إذ اتصف بها الأشخاص الذين زهدوا عن مادية الدنيا وانصرفوا عن عبادة الأصنام.","vol":"1","page":101},{"text":"<span id=\"aya-143\"></span>﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١٣٦)\n١٣٦ - ﴿قُولُوا﴾ أيها المسلمون ﴿آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ عدم التفريق بين الأنبياء يقتضي الإيمان أنهم كانوا جميعا على الحق، إذ يتلقون الوحي من منهل واحد ويدعون الناس إلى الحقيقة الواحدة، أما من يؤمنون بنبي ويكفرون بآخر فهم في الواقع يكفرون حتى بالنبي الذي يدّعون الإيمان به، لأنهم لا يستوعبون وحدة الرسالات السماوية، فدينهم ليس سوى تعصب وتقليد وجنسيّة توارثوها عن أجدادهم.\n\n<span id=\"aya-144\"></span>﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣٧)\n١٣٧ - ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ وهم أهل الكتاب وغيرهم ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وهو الإيمان بكافة الرسالات السماوية، وببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿فَقَدِ اِهْتَدَوْا﴾ تلك الهداية الصحيحة لا غير، ولا يوجد غيرها من الحلول الوسط، أو أنصاف المؤمنين ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان بكافة الأنبياء والرسل وبخاتمهم النبي الأحمد ﴿فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ﴾ كما هو واضح من تاريخهم القديم والحديث، تفرقوا شيعا ومذاهب وكنائس متعددة لا حصر لها، ولا تزال فرقهم في ازدياد ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ وعد للمؤمنين بالحفظ والنصرة على من عاداهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعقيدة ونوايا الطرفين.\n\n<span id=\"aya-145\"></span>﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ (١٣٨)\n١٣٨ - ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى: اتخذنا نحن المسلمون صبغة الله، فماذا يريد أهل الكتاب","vol":"1","page":102},{"text":"وغيرهم أحسن منها؟ فمن يؤمن بما أنزل على جميع الأنبياء كافة فقد اتّخذ صبغة الله، وفي كلمة (صبغة) إشارة إلى عادة اليهود وقت بعثة يحيى وعيسى ﵉ تغطيس المعتنق الجديد للدين في ماء النهر تعبيرا عن غسل خطاياه السابقة، واتخاذه صبغة جديدة في الحياة، ولذا أطلقوا على يحيى ﵇ لقب (يحيى الصابغ أي المعمدان)، ومنه قوله تعالى ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ (٦٢) أي الصابغين، وقد استمرت هذه العادة لدى النصارى وصار يطلق عليها «التعميد»، واستخدمت أيضا مع حديثي الولادة، أما مغزى الآية فهو كما يلي: ما فائدة التعميد أو التغطيس الشكلي بالماء؟ فالمهم اتخاذ صبغة الله ليس بالغسيل الظاهري للجسد، ولكن بتطهير الروح بواسطة الإيمان الصحيح والأعمال الصالحة ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ نحن المسلمون عابدون لله وحده، بلا شرك.\n\n<span id=\"aya-146\"></span>﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ (١٣٩)\n١٣٩ - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ أي إنّ ما جاء به محمد ﷺ لم يكن سوى الدعوة إلى عبادة الله وحده، وهو ربّ الجميع، وليس في ذلك ما يدعو إلى الجدل بين المؤمنين، ولكنّ الجدل ينتج عن اعتقاد اليهود أن النبوة من حقهم فقط دون غيرهم من الأمم، ثمّ اعتقاد المسيحية بألوهية المسيح، وكل منهم يعتقد أن النجاة في الآخرة من نصيبه فقط ﴿وَلَنا أَعْمالُنا﴾ نحاسب بها ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ تحاسبون بها، وهو تأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية في المعتقد والسلوك وحرية الخيار، فالمسلمون لن يكرهوا أحدا على اعتناق الإسلام ﴿وَنَحْنُ﴾ المسلمون ﴿لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فلا نعبد غيره.","vol":"1","page":103},{"text":"<span id=\"aya-147\"></span>﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٤٠)\n١٤٠ - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ الأسباط هم ذريّة يعقوب، والخطاب موجّه إلى جماهير اليهود والنصارى الذين اعتقدوا أن جميع الأنبياء كانوا على ديانتهم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ وهم أحبار اليهود ورهبان النصارى يعلمون تمام العلم أن اليهودية والنصرانية بمفاهيمها الحالية نشأت في وقت متأخر بعد الأنبياء، ومع ذلك تظاهروا بأنّ الحقيقة في متناول أيديهم فقط، وضلّلوا عامة الناس، ونشروا المفاهيم الخاطئة بأن نجاح الدنيا ونجاة الآخرة يكمن في اتباع المعتقدات والمؤسسات والنظم التي ابتكروها هم أنفسهم بعد ذهاب الأنبياء بوقت طويل، فلو سئل أحدهم: إلى أي من الديانات كان ينتسب كل من إبراهيم وإسحاق ويعقوب؟ لما جرؤوا على الادعاء بأن الأنبياء المذكورين ينتمون إلى ملّتهم أو طائفتهم، وفي الوقت ذاته لا ينفون ذلك صراحة، لأنهم لو فعلوا لكان نسفا لما يدعونه من احتكار الحقيقة ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ من إضلال عامّة الناس.\n\n<span id=\"aya-148\"></span>﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤١)\n١٤١ - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا تؤاخذون بسيئات من سبقوكم ولا تنفعكم حسناتهم، وتكرار هذه الآية في مجال افتخارهم بالأنبياء إشارة إلى أنّ السعادة والنجاة متعلقة بالمسؤولية الفردية، ولا علاقة لها بالآباء والشفعاء.","vol":"1","page":104},{"text":"<span id=\"aya-149\"></span>﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٤٢)\n١٤٢ - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ وهم اليهود ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ كان النبي ﷺ في مكة يصلّي تجاه الجدار الجنوبي للكعبة متجها شمالا، مستقبلا الكعبة وبيت المقدس معا، ولمّا هاجر إلى المدينة استمرّ في التوجه شمالا لحوالي ستة عشر شهرا حتى نزل الوحي بالتوجّه نحو الكعبة، فامتعض يهود المدينة، والآية تشير إليهم، فمن وجهة نظر قرآنية لم يكن هنالك تغيير لوجهة القبلة لأنّ الآية (١٤٤) هي أوّل ما نزل بتعيينها، وهنالك تسلسل بين الآية (١٤٢) والآيات التي سبقتها من حيث إنّ إبراهيم هو الذي بنى الكعبة ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ تنبيه لضعاف العقول والمغرضين الذين يعلّقون أهمية شكلية على جهة الصلاة، كما لو كان تعالى في جهة معينة فقط، في حين أنّ الذين يتقبّلون الهدي الإلهي من ذوي العقول الموضوعية يترفّعون عن الخوض في الشكليات لأنهم يفهمون جوهر الدين ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي يهدي من يشاء الهداية فيوفّقه إلى ذلك.\n\n<span id=\"aya-150\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٣)\n١٤٣ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ كذلك ببعث خاتم الأنبياء جعلناكم أمة وسطا، وكذلك جعلنا القبلة في مكة بدلا من القدس بعد إزاحة بني إسرائيل من القيادة الروحية للعالم وإحلال أمّة محمد ﷺ مكانهم ﴿جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ بأن يكون المسلمون أمّة تحافظ على الاتزان والاعتدال بين النقائض، في كل نواحي الحياة، فالأمة واقعية في نظرتها لطبيعة الإنسان والوفاء","vol":"1","page":105},{"text":"برغباته، وفي نفس الوقت ترفض الفسوق وعدم الالتزام المطلق، كما ترفض المبالغة في الزهد والتنسّك، والقرآن يحذّر المسلمين من المبالغة في التركيز على النواحي المادية في الحياة، ولكنه في الوقت ذاته يبيّن أن النزعات والرغبات البشرية للمرء طبيعية ويجب إرضاؤها وفق الشريعة، وأن ليس من تناقض بين الجسد والروح ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ الغرض من جعل المسلمين أمّة وسطا أن تكون الأمة قدوة للناس أجمعين في أعمالها وسلوكها فتحقق العقيدة الإسلامية قولا وعملا، بممارسات حياتية عملية تكون في ذاتها قدوة للناس، وبالتالي دعوة عملية إلى الإسلام، وتكون حياتهم شهادة فعلية لبيان الصواب من الخطأ ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ كما كان الرسول قدوة لكم بأعماله وسلوكه وأخلاقه ودعوته،\nإنّ هذا التكريم الذي حظي به المسلمون أن يكونوا شهداء على الناس، هو في الوقت ذاته مسؤولية ضخمة لقيادة العالم أجمع عن طريق القدوة بالأعمال الحسنة والخلق الصحيح قولا وعملا، وكما نقل الرسول ﷺ الرسالة إلى المسلمين فهم بدورهم يتحملّون مسؤولية نقلها إلى باقي الناس بالقدوة الحسنة، وإذا قصّروا في ذلك فإنّ الزعامة الروحية التي أو كلت إليهم تكون وبالا عليهم، كما كانت على بني إسرائيل، فهي ليست مجرّد زعامة معنوية وإنّما مسؤولية ثقيلة يحاسبون عليها ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أي التي كنت تتّبعها ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ لكي يتمّ، وفق سنن الأسباب والمسبّبات، فرز الذين سيطرت عليهم عصبيتهم القومية وغلو النسبّ من الذين تحرروا من هذه التوجهات الجاهلية وارتفعوا إلى المستوى الذي يمكّنهم من رؤية الحقيقة ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ كان اختبارا صعبا على الكثيرين ممّن سبق أن ربطوا التوجه نحو بيت المقدس برسالات الأنبياء السابقين، ولكنّ أقوياء الإيمان لم يجدوا صعوبة في قبول ذلك،","vol":"1","page":106},{"text":"لأنهم يعلمون أن إبراهيم ﵇ هو الذي بنى الكعبة رمزا للتوحيد ومركزا فكريا لوحدة المسلمين، ورغم أنها كانت تعج وقتئذ بأصنام المشركين ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ إيمان المؤمنين، لن يذهب سدى عند الله.\n\n<span id=\"aya-151\"></span>﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٤)\n١٤٤ - ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ الآية تدلّ على أنّ النبي ﷺ كان يتوقّع هذا الأمر، لشعوره أن الوقت قد حان لكي تعود الكعبة مركزا لدعوة إبراهيم ﵇ مع نهاية عصر الزعامة الروحية لبني إسرائيل ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ باتجاهه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لأنهم يعلمون أن بناة الكعبة هم إبراهيم وإسماعيل، وقد ذكر عبد الأحد داوود في كتابه «محمد في الكتاب المقدس» أنّ انتقال بيت المقدس إلى بلاد جنوبية مذكور في رؤيا إدريس  Enoch's Apocalypse  وأن بيت الله في الجنوب يكون أعظم وأكبر منزلة من سابقه، ويلاحظ أن المروة والصفا في مكة يحملان ذات الإسمين «موريا» و«زيون» للمرتفعين في القدس ولهما نفس المعنى ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ من تجاهل ذلك، فيحاسبهم عليه.\n\n<span id=\"aya-152\"></span>﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٥)\n١٤٥ - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، وبالتالي لأمة المسلمين في كل العصور، والمعنى","vol":"1","page":107},{"text":"أن الحقيقة مهما كانت ساطعة، والحجة مهما كانت باهرة، فإن التحامل والعناد والتقليد مسيطر على تفكير أهل الكتاب ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنهم منقسمون طوائف كثيرة، كل منها تدعي الحقيقة لنفسها في حين أنهم يتوجهون إلى قبلة أهوائهم وعصبياتهم ومصالحهم المادية والشخصية فلكل منهم وجهة هو مولّيها كما سيرد: ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ المعنى أنه لا يمكن الوصول إلى حل وسط معهم إلا باتباع أهوائهم، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ [آل عمران ٣/ ١٠٠]، والمغزى أيضا أنه لا عذر في التولّي لمن جاءه علم الكتاب.\n\n<span id=\"aya-153\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٤٦)\n١٤٦ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعرفون الرسول محمد ﷺ المشار إليه بالآية (١٢٩)﴾، ﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ كما يعرف أحدهم ابنه من بين أبناء الناس كلهم، وكانت العرب تضرب هذا المثل في صحّة الشيء، وأهل الكتاب أيضا يعرفون مكان القبلة الجديد القديم بداهة، وفي الكتاب اليهودي المقدس المسمّى العهد القديم (سفر التكوين ٢١/ ١٨) ورد صراحة أن ستنشأ أمة عظيمة من سلالة إسماعيل، وأن سيكون منها النبي المنتظر الشبيه بموسى (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ وهم العلماء من بينهم كما سيرد ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ لأنهم على علم أنّ إبراهيم هو الذي بنى الكعبة أصلا، وأنّ مسجد القدس بناه سليمان بعد ذلك بأكثر من عشرة قرون، فالكعبة كانت هي القبلة طيلة تلك الفترة، وتلك حقيقة تاريخية يعرفونها حقّ المعرفة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الحق، كما يعلمون أنهم على ضلال.","vol":"1","page":108},{"text":"<span id=\"aya-154\"></span>﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١٤٧)\n١٤٧ - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي هذه هي الحقيقة النهائية، والخطاب موجّه لكل مسلم في كلّ عصر أن لا يكون في شكّ من ذلك.\n\n<span id=\"aya-155\"></span>﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٤٨)\n١٤٨ - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ قال القرطبي أنّ الضمير المنفصل ﴿هُوَ﴾ يعود على لفظ ﴿وَلِكُلٍّ،﴾ أي هو - كل فرد من الأفراد - مولّي قبلته وجهه ونفسه، والمعنى لكلّ صاحب ملّة، قبلة يولّيها وجهه ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ الأهم هو التوجّه نحو الاستقامة والتقوى واستباق الخيرات التي تحضّ عليها الصلاة، أي التركيز يجب أن يكون على المضمون وليس فقط على الشكل، لأنّ المغزى من التوجه نحو القبلة يجب أن يكون في استباق الخيرات، وهذا المعنى شبيه بآية [المائدة ٥/ ٤٨]، ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ فيثيبكم أو يجازيكم على أعمالكم ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه شيء.\n\n<span id=\"aya-156\"></span>﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٤٩)\n١٤٩ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أعاد الأمر لبيان أنه شريعة عامة في كل زمان ومكان ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إعلان عن حقيقة وشريعة ثابتة ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ في قبولكم للحقيقة.\n\n<span id=\"aya-157\"></span>﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٠)\n١٥٠ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ جمع بين الخطاب للنبي ﷺ ولعامة المسلمين،","vol":"1","page":109},{"text":"وتعليل ذلك فيما يلي: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ بما أن القرآن يؤكد أن المسلمين هم أتباع إبراهيم لذا وجب أن يتّبعوا قبلته، فلو توجهوا في صلاتهم لغير الكعبة لاحتجّ الناس عليهم بذلك ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِي﴾ إنّ اتباع الكعبة لا يترك حجة للناس إلاّ الذين ظلموا منهم واستعمال الفعل الماضي بكلمة ﴿ظَلَمُوا﴾ يؤدّي معنى الإصرار على الإنكار والمكابرة والعدوان فلا يرجى منهم العودة إلى الصواب، كما في الآية (٦)، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بفتح مكة ودخول المسجد الحرام ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-158\"></span>﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (١٥١)\n١٥١ - ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ الخطاب متّصل بما قبله أي:\nولأتمّ نعمتي عليكم بفتح مكة ودخول المسجد الحرام، كما سبق أن أنعمت عليكم بإرسال الرسول منكم ﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا﴾ فيبين لكم منهاج الحياة الصحيح ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يطهّر نفوسكم من الوثنية والشرك ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الفقه والعلم والفهم ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ممّا لا طريق إلى معرفته إلاّ بالوحي، الآية (١٢٩).\n\n<span id=\"aya-159\"></span>﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (١٥٢)\n١٥٢ - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ في الحديث القدسي: «أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم»، والمعنى كما ذكرتم بفضلي فاذكروا ربّكم ﴿وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ وكما تعطفت عليكم بالنعم فاشكروها، وشكرها يكون بالقول والعمل.","vol":"1","page":110},{"text":"<span id=\"aya-160\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (١٥٣)\n١٥٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الآية استمرار لما قبلها من حيث أنّ جعل المسلمين أمة وسطا تدعو الناس إلى الإسلام، وكون الرسالة السماوية الأخيرة نزلت عليهم وظهر فيهم خاتم الأنبياء والرسل، فانتقلت إليهم الزعامة الروحية للعالم بعد بني إسرائيل، كل ذلك سيجعل اليهود والمسيحية يتهجّمون عليهم، فأمر تعالى المسلمين بالاستعانة على عداوة الناس بالصبر والصلاة، كما أنّ الآية توجيه لكل مسلم لمواجهة كل محنة بالصبر والصلاة لأن الإيمان، وما يترتب عليه من العمل، يصاحبه مشاق وعناء كما سيرد في الآية (١٥٥)، ولو كانت النعم الدنيوية ملازمة للإيمان لبطل الاختبار والتكليف ولصار الإيمان قسريا، انظر الآية (١٢٦).\n\n<span id=\"aya-161\"></span>﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (١٥٤)\n١٥٤ - ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ استمرار للخطاب السابق كأنه تعالى قال: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة الدين ومجاهدة عدوّكم، فإن حصل فيكم القتل فاعلموا أن قتلاكم أحياء عند الله، وأيضا استعينوا بالصبر والصلاة عند المصيبة، واعلموا أن قتلاكم أحياء عند الله.\n\n<span id=\"aya-162\"></span>﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ (١٥٥)\n١٥٥ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ﴾ استمرار الخطاب أي استعينوا بالصبر والصلاة عندما نبلوكم بالخوف والجوع، نتيجة محاربة الآخرين لكم، والابتلاء هو الاختبار وقلّله في قوله ﴿بِشَيْءٍ﴾ لأنّ كلّ بلاء أصاب الإنسان فهو أقلّ مما فوقه، وإنّما وعد الله عباده ذلك قبل وقوعه ليوطّنوا نفوسهم عليه (الزمخشري)، وقيل: إنّ","vol":"1","page":111},{"text":"نقص الثمرات هو موت الأولاد، وقد تكون فقد بعض الأعضاء والحواس كفقد النظر ومثله، غير أن نقص الثمرات قد لا يعني بالضرورة موت بعض الأولاد، وإنما فقدهم المعنوي، كأن يختار أحدهم طريق الضلال، والمغزى أنّ مجرّد الإيمان لا يقتضي سعة الرزق والنجاح وانتفاء المخاوف والأحزان، بل تجري الأمور بسنن الله تعالى في خلقه وفق الأسباب والمسبّبات، فلا بد من الصبر: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ بأنّ الفوز الأخير لهم.\n\n<span id=\"aya-163\"></span>﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (١٥٦)\n١٥٦ - ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ﴾ إقرار من العبد لخالقه بالملك ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقرار بالبعث والنشور، وليس القول باللسان فقط ولكن بالقلب أيضا، وهو الرضا بالقضاء وترك الجزع، قال ابن مسعود: لأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن.\n\n<span id=\"aya-164\"></span>﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١٥٧)\n١٥٧ - ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ صلوات الله على عباده هي المغفرة، والمعنى من صبر عند المصيبة، وقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، كتب له ثلاث خصال: المغفرة، والرحمة، وتحقيق سبل الهدى.\n\n<span id=\"aya-165\"></span>﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١٥٨)\n١٥٨ - وهذه الآية تتمة للموضوع من حيث إنها بشارة ضمنية للمسلمين أنّهم سوف يفتحون مكة ويدخلون المسجد الحرام ويقيمون فيه مناسك إبراهيم ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ أي علما من أعلام طاعة الله، وقد جعلهما الله تعالى كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل بعدما تركهما إبراهيم في مكة بوحي من الله، وإسماعيل في ذلك الوقت لم يزل طفلا، فلمّا اشتدّ بهما العطش وخافت هاجر على حياة ولدها أخذت تجري بين الصفا والمروة بحثا عن الماء","vol":"1","page":112},{"text":"حتى تفجّر ماء زمزم فأنقذهما، فصار السعي بين الصفا والمروة رمزا للابتلاء والإيمان المطلق برحمة الله والصبر على الشدائد، وهذا أيضا من علاقة الآية بما قبلها فهو تحقيق لما ذكر بالآية (١٥٥) من أنه تعالى يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وأنّ الله مع الصابرين (الرازي)، ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ كان الناس في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة تعظيما لصنمين كانا عليهما، ولذا تحرّج المسلمون من الطواف بينهما، فبيّنت الآية أنّ الصفا والمروة من شعائر الله ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ من تطوّع خيرا فاعتمر فإنّ الله شاكر لعمله، عليم به، فالحجّ فريضة، والعمرة تطوّع.\n\n<span id=\"aya-166\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (١٥٩)\n١٥٩ - في هذه الآية عودة إلى أصل السياق وهو عداوة اليهود للنبي ﷺ وإنكارهم مكان القبلة، وكتمانهم البشارات بقدوم النبيّ الأحمد، كما كتموا الدلائل على نبوّة المسيح من قبل:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ﴾ قالوا: إن المقصود بالكتاب هو كتاب اليهود والنصارى، فتكون الإشارة بهذه الآية لهم، لأن أحبارهم وعلماءهم كانوا يحتكرون علم الكتاب ولا ينشرونه بين عامة الناس، بل إنهم كتبوا غيره من عندهم، ولم يترجم كتابهم المقدس إلى اللغات الأوروبية إلاّ في القرن السادس عشر،\nويحتمل أن تكون العبرة بعموم اللفظ أي لا يجوز كتمان ما أنزل على الأنبياء من الكتب والوحي والعلم ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ أصل اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد وفي الشرع هو الإبعاد من رحمة الله ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون يسألون ربّهم أن يبعد الكفّار من رحمته، والمغزى أنّ جميع الكائنات تراهم جديرين بلعنة الله.","vol":"1","page":113},{"text":"<span id=\"aya-167\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٠)\n١٦٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ عن الكتمان ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم باتباع البيّنات والإسلام ﴿وَبَيَّنُوا﴾ جاهروا بعلمهم وعملهم وبيّنوه للناس ﴿فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقبل توبتهم، وقد أسند تعالى إلى ذاته العليّة فعل التوبة الذي أسنده إليهم ﴿وَأَنَا التَّوّابُ﴾ يصف ﷾ نفسه بكثرة الرجوع إلى العبد والتوبة عليه حتى لا ييأس العبد من رحمة ربّه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحمهم الله تعالى رغم التفريط العظيم منهم.\n\n<span id=\"aya-168\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٦١)\n١٦١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ أصرّوا على كفرهم حتى ماتوا، بالمقابلة مع الذين تابوا المذكورين في الآية السابقة ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ جميع من يعلم حالهم من الكائنات يراهم جديرين بلعنة الله وهي الحرمان من رحمته.\n\n<span id=\"aya-169\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١٦٢)\n١٦٢ - ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ كنتيجة طبيعية ولازمة لأعمالهم ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون، لأنّ الإمهال كان في الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-170\"></span>﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣)\n١٦٣ - ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ تنبيه للمشار إليهم في الآيات السابقة ممّن يكتمون البيّنات والمصرّين على ضلالهم وشركهم، أنّ الخير والرحمة بيد الله وحده، فلا رجاء من غيره، وهذه الآية أيضا هي أساس التوحيد.\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾","vol":"1","page":114},{"text":"<span id=\"aya-171\"></span>﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٦٤)\n١٦٤ - إثباتا لما ورد في الآية السابقة تشرح هذه الآية بعض الآيات الكونية الدالّة على التوحيد، وعلى رحمة الله، ومثيلاتها في القرآن الكريم كثيرة، وهي تحثّ الإنسان على استخدام العقل ودراسة العلوم والتفكير في العجائب اليومية للطبيعة، بما فيها الناتجة عن عبقرية الإنسان نفسه كالسفن التي تجري في البحر، وكلّها مؤشرات على وجود سلطة عليا مدبّرة للكون.\n\n<span id=\"aya-172\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ (١٦٥)\n١٦٥ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا﴾ أي رغم كل البراهين والدلائل الكونية القاطعة، ممّا هو مذكور في الآية السابقة، فمن الناس من يتّبع من دون الله أندادا، والندّ هو الذي يطلب منه ما لا يطلب إلاّ من الله ﷿، ومنهم الأحبار والأسياد والرؤساء والزعماء الذين يطيعهم البعض فيحلّون بطاعتهم ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، أو يعتمدون عليهم في دفع المضار وجلب المنافع متوهّمين فيهم السلطة الغيبية، أو يتّبعون رؤساهم لارتباط مصالحهم الدنيوية بهم في المادة والجاه ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ يحبّون الانقياد لهم والتقرب إليهم، كحبّ المؤمنين لله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ وليس للأنداد ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ﴾ وجواب (لو) محذوف: أي لعلموا أنّ أسيادهم عاجزة لا تنفعهم.\n\n<span id=\"aya-173\"></span>﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ (١٦٦)\n١٦٦ - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا﴾ تنصّل الزعماء من أتباعهم، كما هو مفصّل في آيات [الأعراف ٧/ ٣٨ - ٣٩]، ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ الذي نتج عن","vol":"1","page":115},{"text":"سوء عملهم ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ زالت العهود بينهم وما كانوا يتواصلون به من الضلال.\n\n<span id=\"aya-174\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (١٦٧)\n١٦٧ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ عودة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا﴾ وهم السذّج الذين استسلموا لخداع زعمائهم، والانتهازيين الذين تهالكوا على مصالحهم الشخصية في الحياة الدنيا فرجّحوا طاعة أسيادهم على طاعة الله ﴿كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ فالعذاب بنتيجة الحسرة على ما قدّموا من سييء الأعمال ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ لأن فترة الاختبار تكون وقتئذ قد انتهت، فليس من فرصة ثانية بالعودة إلى هذه الدنيا كما يتمنّون.\n\n<span id=\"aya-175\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٦٨)\n١٦٨ - يلاحظ اتصال الكلام بما قبله، لأنّ البعض يطيع الأنداد في التحليل والتحريم بلا أساس من الكتاب والسنّة، فيقرّون للأنداد بحق إصدار تشريعات ذات صفة دينية أو شبه دينية، إضافة إلى العادات الاجتماعية التي سوّغتها التقاليد، وهيمنت عليهم، فصارت ملزمة لهم أكثر من الشرع:\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا﴾ كلوا بطريق الحلال ﴿طَيِّبًا﴾ وصف الحلال وحده أنه طيب، وهو أمر بطرح المحرّمات المنبثقة عن الخرافات والعادات والتقاليد، لأنّ الأصل في الأمور الحلّ إلاّ ما نصّ على حرمته الكتاب والسنة ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لأنه يزيّن للناس ضلالهم ويزين لهم التحليل والتحريم من عند أنفسهم ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.","vol":"1","page":116},{"text":"<span id=\"aya-176\"></span>﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٦٩)\n١٦٩ - ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ﴾ الفحشاء المعاصي الكبيرة القبيحة ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ الإشارة إلى الشرائع الوضعية التي يبتدعها البشر من عند أنفسهم وينسبونها إلى الدين كما تفعل المجمعات المسكونية، وإلى التكاليف «الشرعية» التي يقرّها البعض من دون سند قطعي من القرآن والسنة الصحيحة ويجعلونها جزءا من العقيدة يلزمون به الناس.\n\n<span id=\"aya-177\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٧٠)\n١٧٠ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الكفار مصرّون على التقليد، ومبررهم الوحيد لاتّباع المعتقدات الخاطئة والمحرّمات أنهم توارثوها من التقاليد جيلا بعد جيل بلا تفكير، مفضّلين عقول آبائهم على عقولهم، ولذلك شبّههم تعالى بالبهائم في الآية التالية ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي لا يعقلون شيئا من الشرائع الإلهية، ولا يهتدون سبيلا إلى مصالحهم الدينية والدنيوية.\n\n<span id=\"aya-178\"></span>﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٧١)\n١٧١ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ شبّه تعالى الذين صمّموا على الكفر بالبهيمة التي تشعر بنداء المنادي - الراعي - فلا تفقه منه سوى أنّه مجرّد تصويت ونداء، ولا تفهم معناه، والمعنى أن الكفرة، لكونهم أسرى لأفكارهم أو لانهماكهم في التقليد، لا يفكرون فيما يتلى عليهم من الوعظ ولا يتأمّلون فيه ولا يستوعبونه ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ صمّ عن سماع الحق سماع الفهم والتفكّر، ولا يتكلمون به عن اعتقاد وعلم، ولا يبصرون آيات الله في الخلق ﴿فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ينقادون لغيرهم كما تتبع البهائم الراعي دون أن يفقهوا النداء.","vol":"1","page":117},{"text":"<span id=\"aya-179\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٧٢)\n١٧٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ توسيع الحلال وإباحة ما في الأرض، سوى ما حرّم عليهم كما هو مبين في الآية التالية، والمغزى عدم مشروعية المبالغة في الزهد بتعذيب النفس وتحقير الجسد وترك حاجاته الطبيعية، كما يفعل الرهبان وبعض المتصوّفة ﴿وَاُشْكُرُوا لِلّهِ﴾ بالقول والعمل ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فلا تتبعوا الآباء، ولا التقليد، في التحليل والتحريم (الآية ١٧٠)، بل اتبعوا القرآن.\n\n<span id=\"aya-180\"></span>﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٧٣)\n١٧٣ - ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وفي آية [المائدة ٥/ ٣] مزيد من التفصيل عن اللحوم المحرّمة ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ هو ما يذبح قرابين لآلهتهم أو أنصابهم أو قدّيسيهم ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ اضطرته الحاجة الشديدة وهو لا يبتغيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ ولا يتعدّى حاجته فيه ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تناوله عند الضرورة لأن إلقاء النفس إلى التهلكة أشد ضررا من أكله ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لما فعل ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرخصة فيه.\n\n<span id=\"aya-181\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٤)\n١٧٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ﴾ الكتاب اسم جنس لكل ما نزل من الوحي على الأنبياء ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كل ثمن يؤخذ عوضا عن الحق فهو قليل ﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ﴾ أي يأكلون في بطونهم الأغراض الدنيوية التي تهالكوا عليها فتكون سببا لدخولهم النار ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ كناية عن إعراضه تعالى عنهم وغضبه عليهم","vol":"1","page":118},{"text":"﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يطهّرهم من ذنوبهم بالمغفرة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ بنتيجة عملهم.\n\n<span id=\"aya-182\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ (١٧٥)\n١٧٥ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ كأنّ رأس مالهم الهدى فتخلوا عنه واختاروا عليه المآرب الدنيوية العاجلة ﴿وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ لأنّ المتهالك على الدنيا في عذاب دائم فهو دوما في طلب المزيد ولا يقنع بشيء، عدا عذاب الآخرة الذي ينتظره، فكأنّه فضّل العذاب على مغفرة الله ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ أي ما أجرأهم على العمل الذي يقرّبهم إلى النار.\n\n<span id=\"aya-183\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (١٧٦)\n١٧٦ - ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ ذلك تشير إلى الحكم المذكور بالآيتين السابقتين هو بسبب أنّ الوحي نزل متضمنا بيان الحق ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ﴾ الذين أنكروا الكتاب أو كتموا بعضه أو رفضوا بعضه الآخر ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ بعيدون جدا من الصواب، وفي خصام كبير فيما بينهم فتراهم فرقا وشيعا كل منهم يبتكر من أفكاره الخاصة ما يظنه بديلا عن الكتاب، ومصداق ذلك ما نشاهده اليوم من تفرق أهل الكتاب شيعا بالمئات، كل كنيسة وفرقة منهم ذات عقيدة مختلفة عن الأخرى.\n\n<span id=\"aya-184\"></span>﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.","vol":"1","page":119},{"text":"١٧٧ - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ المعنى أنّ مجرّد التقيد بالشكليات والمظاهر الخارجية لا يكفي للتقوى، والإشارة للآية (١٤٢) التي تتضمن اعتراض السفهاء على التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة، لأنّ البرّ هو ما ثبت في القلوب من الإيمان وما يظهر من أثره في النفوس من العمل وليس البرّ مجرّد الصلاة من دون عمل ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ذكر الإيمان باليوم الآخر بعد الإيمان بالله، لأن الإيمان باليوم الآخر يقتضي اليقين بتحقق العدالة في كل الأمور، وأن الحياة الآخرة ليست سوى استمرار للحياة الدنيا بشكل آخر، أو هي مرحلة مترتبة عليها ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ﴾ المراد بالكتاب اسم جنس وهو كل ما نزل من الوحي على الأنبياء، وذكر الملائكة لأنها متضمنة في الإيمان بالغيب الذي لا يدركه البشر بحواسّهم ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ بلا تفريق بينهم ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أي رغم حبّه للمال، أو لأجل حبّ الله، والمقصود بإيتاء المال غير الزكاة، لأنّ الزكاة وردت مستقلة في تتمة الآية، أخرج الترمذي والدارمي عن فاطمة بنت قيس أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «إنّ في المال حقّا سوى الزكاة» ثم تلا هذه الآية، وقد أجمعت الأمة أنه عند الضرورة ينفق المرء من ماله ما يدفع الضرر وإن كان أدّى الزكاة بكاملها (الرازي)، ﴿ذَوِي الْقُرْبى﴾ ذوو القربى أحق الناس بالنفقة والبر وصلة الرحم ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ﴾ والمساكين أي أهل السكون من الفقراء قعد بهم العجز عن كسب قوتهم فسكنت نفوسهم على ما هم عليه، لأنّ نفوسهم تأبى الاستجداء ﴿وَاِبْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر الذي انقطعت به سبل العيش بسبب ظروفه، واللاجئين، ومن في المنفى ﴿وَالسّائِلِينَ﴾ الذين تدفعهم الحاجة للسؤال ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ العتق من العبودية، لأن التخلص من الرق هو أحد الأهداف الاجتماعية في الإسلام، وكان يستحيل إلغاء الرق بصورة فورية وقت نزول القرآن لما يسببه من خلل في النظام الاقتصادي الشائع آنذاك ولذا هدف الإسلام","vol":"1","page":120},{"text":"إلى التخلّص منه تدريجيا، وفي آيات عديدة من القرآن أوجب تكفير الذنوب بإعتاق العبيد [النساء ٤/ ٩٢]، [المائدة ٥/ ٨٩]، [المجادلة ٥٨/ ٣] وكما في أحاديث شريفة عديدة أيضا ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ على أكمل وجه ﴿وَآتَى الزَّكاةَ﴾ قلّما تذكر الصلاة في القرآن إلاّ مقرونة بالزكاة لأنّها تصديق لها ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ وهنا انتقال من البر في العمل إلى البر في الأخلاق الحميدة والمعاملات والوفاء بالعهود ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ البأساء هي الفقر، والضراء ما يضر الإنسان من مرض أو فقد محبوب من أهل ومال، وكلمة ﴿الصّابِرِينَ﴾ مفعول به منصوب على المدح، تقديرها: وأمدح الصابرين، أو أخص بالذكر منهم الصابرين ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ البأس اشتداد الحرب، لأنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ صدقوا في الإيمان بأن قاموا بكل ما ذكرته الآية، وليس مجرّد الإيمان بأفواههم دون عمل ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ المتقون للأخطاء والمهالك وسوء الآخرة.\n\n<span id=\"aya-185\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٨)\n١٧٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى﴾ بعد أن حدّدت الآية السابقة أنّ التقوى ليست عبادات فقط بل هي عمل أيضا، انتقل البحث في هذه الآية إلى تطبيقات حياتية ذات علاقة بسلوك الإنسان، فكما أنّ التقوى لا تتمّ من دون الأعمال الصالحة، فكذلك الاستقامة الفردية لا تتمّ ما لم يكن هنالك اتّفاق في المجتمع على الحقوق والواجبات الاجتماعية، أي أن يكون هنالك قانون عملي يضبط سلوك الفرد تجاه المجتمع والعكس، ولذا فإنّ التشريع يشغل حيّزا كبيرا في النظام الإسلامي، ونرى الآيات التشريعية متداخلة مع الآيات الغيبية، وبما أن سورة البقرة كانت أول ما نزل من الوحي في المدينة","vol":"1","page":121},{"text":"بعدما أصبح للمجتمع الإسلامي في المدينة كيانا خاصا، وبما أن الحفاظ على حياة الإنسان هي أهم مشكلة تواجه أي مجتمع فقد لزم أن ينزل التشريع بذلك أولا،\nقال الرازي إن كلمة القصاص في اللغة تعني «التسوية»، فالقصاص عبارة عن تسوية، وقيل أيضا إن معنى القصاص هو مقاصّة ديّات بعض القتلى بديّات بعضهم الآخر، وقال عدنان الرفاعي بل هو قصّ أثر المجرم والقصاص منه دون غيره، فالآية تحدد بوضوح أن القصاص يجب أن يكون من القاتل فقط، وتنهى عن تجاوزه إلى غيره ممّن لم يقتل، لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ولا يزالون حتى في العصر الحاضر على العديد من المستويات، فكانوا في الجاهلية إذا قتل عبد من قبيلة سيدا من قبيلة أخرى لم يكن دم العبد كفؤا لدم السيد القتيل، فلا يكتفون بقتل العبد بل يقتلون أسيادا من قبيلة العبد ممّن لا علاقة لهم بالجريمة، وبالعكس إذا كان القتيل عبدا والقاتل سيدا فيقولون إن دم العبد أقل من دم السيد فلا يجوز قتل السيّد، لذا نصّت الآية أنّ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى﴾ الإعجاز في الآية واضح، فقد ضربت مثلا بهذه الحالات الثلاثة: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، لبيان مبدأ عدم التجاوز في القتل إلى غير القاتل، أي لا يقتل بالقتيل غير قاتله، مهما كانت المرتبة الاجتماعية لأيّ منهما، ولم تتطرق الآية إلى حالات أخرى مثل أن يقتل العبد حرّا أو العكس، أو أن يقتل رجل امرأة أو العكس، فيكون معنى الآية كما يلي: إذا ارتكب الحرّ جريمة قتل فيطبق عليه القصاص، وإذا ارتكب الجريمة عبد فيطبّق عليه القصاص … إلخ، أي يجب تطبيق القصاص على القاتل فقط، بغضّ النظر عن شخصيته ومركزه الاجتماعي، ولا يشترط أن يكون القصاص قتلا، وإنّما يتوقف على ظروف جريمة القتل إن كان قتل عمد، أو دفاع عن النفس، أو قتل خطأ .. الخ، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الإشارة في ضمير","vol":"1","page":122},{"text":"الغائب بكلمة «أخيه» تعود إلى القاتل، أما الأخ نفسه فهو القتيل، أو ولي أمره من عائلته، ويمكن أن يكون شخصية معنوية مجسّدة بالمجتمع في جهازه الإداري والقانوني، وهو المحامي العام، وبالتالي فإنّ عبارة ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ تشير إلى احتمال الظروف المخفّفة، إذا كان القتل خطأ أو بسبب استفزاز أو دفاع عن النفس … إلخ وفي مثل هذه الحالات لا يلزم قتل القاتل وإنّما يكتفى بتغريمه ديّة القتيل كما نصّت الآية (٩٢) من سورة النساء ﴿فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الظروف المخففة يجب أن تتبع بالمعروف، أو المطالبة تكون بالمعروف ﴿وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ﴾ تسديد الدية يجب أن يتمّ دون مماطلة، ثم إبراء ذمة القاتل من قبل وليّ المقتول ﴿ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ في هذه الحالات ﴿فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ من اعتدى بعد أن تتم التسوية فله عذاب أليم، في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا لقوله ﷺ: «لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية» أي إنّ ولي المقتول إذا أخذ الدية ثم قتل غريمه بعد ذلك فيطبّق عليه القصاص، وله عذاب أليم في الآخرة لقوله تعالى ﴿فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-186\"></span>﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧٩)\n١٧٩ - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ لأن خوف القصاص في ذاته رادع عن القتل فيكون في ذلك حياة الجميع، والمغزى أنّ القصد من القصاص ليس الانتقام وإنّما المحافظة على حياة الأفراد وأمن المجتمع ﴿يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ ذوي التفكير السليم والعقل الكامل ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعلكم تتقون الاعتداء وتكفّون عن سفك الدماء، وتتقون الفوضى الاجتماعية.\n\n<span id=\"aya-187\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١٨٠)\n١٨٠ - يلاحظ التسلسل المحكم في سياق الآيات بدءا من آية التوحيد (١٦٣)﴾ وما يتبعها من شرح له، وما يترتب عليه من أمور عملية كالبر والتقوى","vol":"1","page":123},{"text":"وعدم الاقتصار على الشكليات، ثمّ البحث في الأبعاد الاجتماعية لذلك حفاظا على الأرواح والممتلكات (تشريع القصاص في الآية السابقة)، وتشريع الوصية في هذه الآية حفاظا على توزيع المال بالشكل العادل:\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ المراد حضور علامات الموت كالمرض الشديد، وفي الحديث: «ما حقّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلاّ ووصيته مكتوبة عنده»، ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالوا إنّ لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو تأكيد على وجوب الوصية، وقد ورد وجوب الوصيّة أيضا في سورة المائدة [المائدة ٥/ ١٠٦]، وفي آية المواريث بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ٤/ ١٢]، وتنصرف الوصية إلى ما لا يزيد عن ثلث المال كما في الحديث الشريف، وهي أولا للوالدين بالإضافة لما نصّت عليه آية الإرث [النساء ٤/ ١١] أي في حال حاجتهم ووجود الخير الكثير في التركة، وثانيا الأقربين ممّن لا يرثون الشخص من أقاربه، وثالثا لأعمال الخير ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ التكليف بالوصية واجب على المتقين، فبالأحرى أن يعمّ المتقين وغيرهم،\n\n<span id=\"aya-188\"></span>﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٨١)\n١٨١ - ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ كلمة إنّما للحصر أي من بدّل محتوى الوصية أو بدّل ما سمعه أو علم به من الوصي فيتحمّل وحده إثم التبديل، ولا يأثم من استفاد من التبديل من دون علمه، لأنّه تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فهو تعالى سميع للوصية عليم بها، ولا يخفى عليه تبديلها.\n\n<span id=\"aya-189\"></span>﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٨٢).","vol":"1","page":124},{"text":"١٨٢ - ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ أصل الجنف الميل نحو الهوى، والفرق بين الجنف والإثم أنّ الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به، والإثم هو العمد ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ إذا لم يعدل الموصي في وصيته، سواء خطأ أو عمدا، فتنازع في ذلك الموصى لهم، أو تنازعوا مع الورثة، فدخل بينهم وسيط وأصلح الخطأ ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هذا التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق، وهو بخلاف المذكور في الآية السابقة، فالله تعالى أوجب الإثم على الذين يبدّلونه في الحالة الأولى، وأزاله عنهم في الثانية ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بالمصلح.\n\n<span id=\"aya-190\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٨٣)\n١٨٣. بعد تشريع القصاص في القتلى، وتشريع الوصية، ينتقل الخطاب إلى تشريع الصيام:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي أنّ الصوم عبادة قديمة فرضها تعالى على الأمم من قبل ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي لعلكم تتقون المعاصي.\n\n<span id=\"aya-191\"></span>﴿أَيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٤)\n١٨٤ - ﴿أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيام شهر رمضان ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ رخصة للمريض وللمسافر بالإفطار في رمضان، وصيام غيره من الأيام ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ يطيقونه بمشقة شديدة، أي يقدرون على الصوم مع المشقة الشديدة، فعليهم إطعام مسكين عن كل يوم فطر لا يصومونه، وأيضا في حال الإفطار لمرض أو","vol":"1","page":125},{"text":"لسفر يصوم أياما أخر، ويطعم المساكين إن كان ذلك في طاقته، فيعود الضمير في ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ إلى الإطعام ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ من تطوّع بزيادة الفدية بإطعام أكثر من مسكين واحد عن كل يوم فطر، أو من تطوّع بالصيام زيادة على الأيام المعدودات، أو بإطعام أكثر من مسكين، فذلك خير له ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لو أدركتم ما في الصوم من مغزى ومقاصد لعلمتم أنه خير عظيم لكم.\n\n<span id=\"aya-192\"></span>﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٨٥)\n١٨٥ - ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ تفسير للأيام المعدودات المشار إليها في الآية السابقة، أي هي أيام شهر رمضان ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وهي الحكمة في تخصيص هذا الشهر بالصيام، لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، والمقصود ابتداء التنزيل في ليلة القدر من شهر رمضان لقوله تعالى ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ٩٧/ ١]، ثمّ نزّل نجوما، أي متفرقا، خلال ثلاث وعشرين سنة، والآية تثبت أنّ بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة، فلمّا كان رمضان مختصّا ببدء نزول القرآن وجب أن يكون مختصّا بالصوم ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ القرآن هدى للناس أجمعين ﴿وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى﴾ فيه آيات واضحات تهدي إلى الحق ﴿وَالْفُرْقانِ﴾ فيه معايير التفريق بين الحق والباطل ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ من كان منكم حاضرا حلول الشهر فليصمه، وقد لاحظ الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار أنه تعالى قال ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ ولم يقل «فصوموه» وهذا من إعجاز القرآن، فكما أنّ القرآن لم يحدد مواعيد الصلاة فلنفس الحكمة خاطب الأفراد في الصوم ولم يخاطب الجماعة، لأن القرآن موجّه لجميع البشر في","vol":"1","page":126},{"text":"جميع أنحاء العالم، فمن البلاد كالمناطق القطبية ما لا شهور لها ولا أيام معتدلة المدة وقد يصل الأمر ببعض المناطق أن تكون السنة كلها يوما وليلة فترك تعالى لهم أن يقدروا لليوم قدره، وللشهر قدره، في تحديد مواعيد الصلاة والصوم ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ أعيد ذكر الرخصة لئلاّ يتوهّم البعض أنها غير محمودة في رمضان ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ تعليل لما قبله ولسائر ما يشرع من الأحكام أن يكون الدين يسرا تاما لا عسر فيه ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ وهي استيفاء صيام الأيام المعدودات ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ لتكبّروا الله عند انقضاء الشهر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لأنّه تعالى، مع جلاله وعزّته واستغنائه عن جميع المخلوقات، خصّ عبيده بهذه الهداية العظيمة فصار ذلك داعيا لشكره.\n\n<span id=\"aya-193\"></span>﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦)\n١٨٦ - ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ بعد أن أوجب تعالى الصوم على عباده وأمرهم بالتكبير الذي هو ذكر الله، بيّن أنه بلطفه ورحمته قريب من العباد لا واسطة بينه وبينهم ولا حجاب ولا شفيع ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ وفي الحديث: «الدعاء هو العبادة»، لأنّه الصلة بين الإنسان وخالقه، ويجب أن يقترن الدعاء بالعمل بأن يتّخذ المرء الأسباب الموضوعية بطرقها الصحيحة من العلم والعزيمة والجهد، ثمّ يكون الدعاء بطلب التوفيق من الله، وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤١] فجعل الاستجابة متعلقة بمشيئته تعالى، وفي الحديث: «ما من أحد يدعو الله إلاّ آتاه الله ما سأل، أو كفّ عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم».\n﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ بالطاعة وبالعمل ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إيمانا يقينيا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ حتى يستجيب تعالى لدعائهم.","vol":"1","page":127},{"text":"<span id=\"aya-194\"></span>﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَاِبْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١٨٧)\n١٨٧ - ثم توضح هذه الآية حل الجماع ليلة الصيام: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ الرفث هو الجماع، وكان المسلمون الأوائل يظنّون حرمة الجماع بعد صلاة العشاء في رمضان، فأزالت الآية هذا الظن ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ تشبيه الزوجين باللباس لأنهما عندما يعتنقان يصبح كلّ منهما للآخر كالثوب الذي يلبسه فسمّي كلّ منهما لباسا لصاحبه ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تختانون أنفسكم: بمعنى عدم الوفاء لأنفسكم بحاجتها، أي تنقصونها حاجتها بعدم الجماع ليلة الصوم ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ﴾ فلا يحملكم مشقة ذلك لأن الإسلام يسر وليس عسرا، والتوبة من الله على العبد الرجوع إليه بالرحمة والإحسان، وأمّا العفو فهو التجاوز عن العقوبة ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ لفظ المباشرة مشتق من تلاصق البشرتين عند الجماع ﴿وَاِبْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ من المباشرة، يعني ابتغوا هذه المباشرة التي كتبها الله لكم وكنتم تظنّونها محرّمة، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، لأنه ما دام الإنسان يفكر بطلب اللذة والشهوة فلا يمكنه التفرّغ للطاعة والتعبّد، فيكون معنى الآية: فالآن باشروهنّ حتّى تتخلّصوا من تلك الخواطر المانعة للتعبّد وبعدها ابتغوا ما كتب الله لكم من التعبّد والذكر والتسبيح (الرازي)، أو ابتغوا ما كتب الله لكم من المباشرة التي جعلها تعالى من طبيعة الحياة ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ كناية عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل وقت الفجر ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى غروب الشمس عندما يبدو سواد الليل في الأفق الشرقي ﴿وَلا﴾","vol":"1","page":128},{"text":"﴿تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ الاعتكاف هو المكوث في المسجد بعيدا عن مشاغل الدنيا بقصد التعبد والتأمّل ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي التي تحدد الأعمال ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ مجرّد الاقتراب منها، وهو إرشاد إلى الاحتياط في أمرها ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي.\n\n<span id=\"aya-195\"></span>﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٨)\n١٨٨ - بعد تشريع الصيام وأحكامه بالآيات (١٨٣ - ١٨٧)، تبين هذه الآية أن العبادة يجب أن تكون مشفوعة بالاستقامة:\n﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ حرّم الاستيلاء على المال دون وجه حق، سواء كان الاستيلاء عنوة أو بالغش أو الاحتيال أو بأكل الربا أو أكل الأجور، ولفظ ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ بالجمع، إشعارا بوحدة الأمة وتضامنها ولأنّ التعدّي على مال الآخرين يعرّض كل مال للضياع ﴿وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ أي لا ترشوا الحكام لتأكلوا أموال الناس ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وأنتم تعلمون أنكم على الباطل، ومن مغزى الآية أيضا تحريم استخدام الأحابيل - القانونية - للاستيلاء على حقوق الآخرين، أخرج ابن ماجه عن أبي ذر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من ادّعى ما ليس له، فليس منّا، وليتبوّأ مقعده من النار».\n\n<span id=\"aya-196\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٨٩)\n١٨٩ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الإشارة إلى الشهور القمرية التي بها يتحدد شهر الصوم وشهر الحج، وبحيث يدور شهر الصوم وموسم الحج على فصول السنة الشمسية، فيترتّب على ذلك تغيّر فترة الصيام قصرا وطولا بين الفجر والمغيب، وتغير حصول الصيام والحجّ بين فصول","vol":"1","page":129},{"text":"الحرّ والبرد، وزيادة سهولة كلّ منهما أو صعوبته مع الفصول، ودوران ذلك على الأماكن المتفرقة من أنحاء العالم ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ إتيان البيوت من ظهورها كناية عن الإنحراف، وأما إتيان البيوت من أبوابها فهو كناية عن اتباع الأساليب الصحيحة في الوصول إلى الأهداف ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى﴾ المعنى أنّ البر ليس مجرّد التمسك بالشكليات وبالمواقيت رغم أهميتها، ولكن البر هو التقوى، وإنّ مجرد القيام بالعبادات وحده غير كاف بل يجب أن يتعدّاه إلى العمل لأنّ التقوى عمل، ويجب أن يكون الباطن مطابقا للظاهر، انظر الآية (١٧٧) بهذا المعنى ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ هذه كناية معروفة في كلام العرب، والمعنى لكي تصلوا إلى مبتغاكم أطلبوا الأمور بطرقها الصحيحة وبأسبابها الموضوعية العلمية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي اتّقوا الله على الوجه الصحيح لعلكم تظفرون بالمراد.\n\n<span id=\"aya-197\"></span>﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١٩٠)\n١٩٠ - انتقال الآيات (١٩٠ - ١٩٥) لبيان شروط القتال وأحكامه خلال الأشهر الحرم:\n﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ الهدف الأساسي من الآية التأكيد على عدم استخدام القوة إلاّ عندما لا يكون هنالك مناص من استخدامها، فالقتال مشروع فقط لأغراض الدفاع، أي ضدّ من يقاتلون المسلمين، وهذا المبدأ واضح أيضا بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج ٢٢/ ٣٩]، وفي آية [الممتحنة: ٦٠/ ٨]، وآية [النساء: ٤/ ٩١]، أي إنه تعالى أمر بالجهاد بشرط إقدام الكفار على المقاتلة ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي لا تعتدوا بابتداء القتال، أو بقتال من نهيتم عنهم كالنساء والشيوخ والأطفال، أو بقتال من بينكم وبينهم عهد، أو بمباغتة من غير دعوة للقتال (الزمخشري).","vol":"1","page":130},{"text":"<span id=\"aya-198\"></span>﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ (١٩١)\n١٩١ - ﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ولهذا السبب أجلى رسول الله ﷺ كل مشرك من الحرم، ثم أجلاهم أيضا من المدينة، أخرج أحمد في مسنده ومالك في الموطّأ أنه ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الفتنة بمعنى الاضطهاد الديني ومنع حرية العبادة فهي في هذه الحالة سلب الحرية، فمبرر القتال أنه لضمان حرية العبادة وحرية العقيدة (الآية ١٩٣)، والقتل سلب الحياة، فجعل تعالى سلب الحرية أشد من سلب الحياة ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ الإذن بالقتال مشروط بأن يبدأ المشركون به.\n\n<span id=\"aya-199\"></span>﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٩٢)\n١٩٢ - ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إن تركوا قتال المسلمين فإنّ الله غفور لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، رحيم به في آخرته.\n\n<span id=\"aya-200\"></span>﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (١٩٣)\n١٩٣ - ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتّى يزول الاضطهاد الديني، وهو سبب الأمر بالقتال ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ تكون العبادة لله وحده ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ إن انتهوا لا يجوز قتالهم، ولا يعاقب منهم إلاّ من طغى وتجاوز كل الحدود في عداوته للمسلمين، انظر آية [الأنفال ٨/ ٣٩].\n\n<span id=\"aya-201\"></span>﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩٤).","vol":"1","page":131},{"text":"١٩٤ - ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ أي من قاتلكم من المشركين في الشهر الحرام فقاتلوه في الشهر الحرام، والأشهر الحرم منذ زمن ابراهيم ﵇ هي أشهر الحج: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر العمرة رجب، وقد تعارف العرب منذ القدم على حرمة القتال فيها ليتمكن الحجاج والمعتمرون من قضاء مناسكهم بسلام ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات إلاّ إذا انتهكها الخصم أوّلا فعندئذ يدافعون عن أنفسهم ﴿فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ مع أنه تعالى رخّص للمسلمين بالقتال، إذ بدأ الآخرون به، فقد أمرهم بمقابلة العدوان بالمثل فقط، دون زيادة ولا طغيان.\n\n<span id=\"aya-202\"></span>﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٩٥)\n١٩٥ - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المعنى لا تسببوا هلاككم بمنع النفقة في سبيل الله، وعن أبي أيوب الأنصاري أنّ التهلكة هي الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (الزمخشري)، وعن ابن عباس: ليست التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله ولكنها الامساك عن النفقة في سبيل الله (الطبري).\n\n<span id=\"aya-203\"></span>﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١٩٦)\n١٩٦ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ لوجه الله، وليس للرياء والسمعة ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ بمرض أو غيره، أي إذا بدأتم الحج أو العمرة ثمّ حبستم ومنعتم منهما","vol":"1","page":132},{"text":"بسبب خوف من عدوّ أو مرض أو علّة تمنع الوصول إلى البيت ﴿فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فانحروا ما استيسر من الهدي، ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله ﷿ تقرّبا إليه ويطعم للمساكين، فإذا نحر الهدي حلّ المحصر من الإحرام، فإن فاته الحجّ وكان قاصدا حجّة الفريضة فعليه قضاؤها، وإن كانت حجّة تطوّع أو عمرة فلا قضاء عليه، وقيل ليس عليه حجّ أو عمرة إلاّ أن يشاء ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ المحلّ هنا اسم للزمان الذي يحصل فيه النحر، والمعنى لا بدّ من النحر قبل التحلّل بحلق الرأس، والمحصر مأمور بنحر الهدي سواء كان في حرم مكة أو خارجه ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ فاضطر أن يحلق رأسه قبل الهدي ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إذا كان الحاجّ مريضا أو لحقه أذى في رأسه فيتداوى، وله أن يحلق قبل أن يحلّ من إحرامه، ثمّ يفدي بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وهذا الحكم عام في جميع محظورات الحجّ ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ من العدو، أو من سبب الإحصار ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كان الحاج المحصر يعتمر بعد زوال الخوف أو المرض ثم يحلّ من إحرامه منتظرا حج العام القادم، ولكن الآية تنطبق على الحاجّ سواء كان محصرا بسبب مرض أو خوف أو غير محصر، أي إذا أدّى العمرة وقت وصوله البيت ثمّ استمتع بإحلاله منها إلى أن يحرم ثانية للحجّ فعليه الهدي، وسمّي تمتّعا لأنّ الحاجّ بعد تحلله من العمرة يستمتع بمحظورات الإحرام قبل أن يحرم ثانية للحجّ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ من لم يستطع الهدي فيصوم عشرة أيام تعتبر كاملة في البدل عن الهدي وتقوم مقامه ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ ذلك: أي التمتّع بالعمرة إلى الحج مختص بحجّاج الآفاق فقط، وليس لأهل مكة، وفيه تيسير للقادمين من الأمصار إذ يجمعون الحجّة والعمرة في سفر واحد، وأمّا أهل مكة فلا متعة ولا قران لهم","vol":"1","page":133},{"text":"لأنهم مقيمون، وكان عمر ﵁ ينهى أهل مكة عن الاعتمار في موسم الحجّ ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيما فرض عليكم ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه.\n\n<span id=\"aya-204\"></span>﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٧)\n١٩٧ - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لأن نية الحجّ والإحرام لا تنعقد إلاّ فيها ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي أوجب على نفسه الحج في هذه الأشهر بالنية أو الإحرام ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ بمعنى النهي عنهما في الحجّ، والرفث ما يتعلّق بالجماع ويدخل تحته فحش القول، والفسوق هو المعاصي ﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ لا خلاف في مواعيد الحجّ ومناسكه، ولا نسيء، فقد استقام أمره الآن، والنسيء هو التلاعب بأوقات الأشهر الحرم، كانوا يفعلونه في الجاهلية ليناسب أغراضهم كالغزو في الأشهر الحرم وغيره، كما كانوا يختلفون في المناسك ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ كان بعضهم يتحرّج من التزوّد للحجّ بحجّة أنهم ضيوف الرحمن ثمّ يتطفّلون على الناس، فأمرهم تعالى بالتزوّد لسفر الدنيا، كما أرشدهم إلى زاد الآخرة الذي هو التقوى، وبيّن لهم أنّ زاد الآخرة خير من زاد الدنيا.\n\n<span id=\"aya-205\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ (١٩٨)\n١٩٨ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لا مانع من طلب الرزق وقت الحج بالتجارة ونحوها، فذلك مباح في أثناء الحجّ على ألا يسبّب نقصانا في العبادة، وعلى أن يكون المرء خلالها مستحضرا ذكر الله ﴿فَإِذا﴾","vol":"1","page":134},{"text":"﴿أَفَضْتُمْ﴾ أي تركتم عرفات مندفعين منها كما يفيض الماء - أي بسبب كثرتكم - ﴿مِنْ عَرَفاتٍ﴾ بعد مغيب التاسع من ذي الحجّة ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ بجمع صلاتي المغرب والعشاء بالمزدلفة ﴿وَاُذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ واذكروه على كل الأحوال بالدعاء والتسبيح والحمد، كما هداكم لدين الإسلام.\n\n<span id=\"aya-206\"></span>﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٩٩)\n١٩٩ - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ أمرهم بالنزول من عرفات وسلوك الطريق الذي سلكه قبلهم إبراهيم وإسماعيل ﵉ وأتباعهما، والمعنى أنّ الإفاضة من عرفات بهذا الطريق شرع قديم لم يتغير ولا خلاف فيه، ومغزى الآية تجاوز النوازع والفروقات الفردية والالتزام بجماعة المسلمين والمساواة بين الناس بلا تعصب بين الأجناس والطبقات والمراتب الاجتماعية، وكانت قريش تتخذ طريقا للإفاضة غير طريق عامة الناس من العرب ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الأحاديث كثيرة في فضل الاستغفار خاصة بعد قضاء العبادات.\n\n<span id=\"aya-207\"></span>﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ (٢٠٠)\n٢٠٠ - ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ كانوا في الجاهلية يذكرون آباءهم ويتفاخرون بهم، فالآية تحثّهم على ذكر الله كما كانوا يذكرون آبائهم أو أكثر من ذلك ﴿فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ من يجعل همّه الدنيا فيعمل لها ويدعو لها فقط فلا يكون له نصيب في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-208\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (٢٠١).","vol":"1","page":135},{"text":"٢٠١ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ يطلبون الدنيا ولا ينسون الآخرة ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أي احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار.\n\n<span id=\"aya-209\"></span>﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٢٠٢)\n٢٠٢ - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ وليس ممّا طلبوا بالضرورة - في الدعاء السابق - والمعنى أنهم ما داموا يطلبون الدنيا بواسطة الأسباب والسنن الكونية والسعي في الرزق، كما يسعون للآخرة سعيها بالعبادات والتقوى، فلهم نصيب من كسبهم في الدنيا والآخرة ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، وقد يرى الإنسان عاقبة عمله في الدنيا، وإن لم يكن فالآخرة قريبة لأنّ الحياة قصيرة الأمد، فسرعان ما ينقضي الأجل ويحين وقت الحساب.\n\n<span id=\"aya-210\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اِتَّقى وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٠٣)\n٢٠٣ - ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لا فرق أن ينفر الحاج من منى بعد يومين أو ثلاثة أيام من يوم النحر ليكون رحيل الحجاج وتخفيف الازدحام على مراحل ﴿لِمَنِ اِتَّقى﴾ المهم أن يكون من المتقين، قال تعالى ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٥/ ٢٧]، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ بعد الحجّ ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ المعنى أن المصرّ على الذنب لا ينفعه حجّه، وإن كان قد أدّى الفرض ظاهريا، ولعلّ هذه هي العلاقة بين هذه الآية والتي تليها.\n\n<span id=\"aya-211\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤)﴾.","vol":"1","page":136},{"text":"٢٠٤ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية عامة في كلّ من له آراء جذّابة ظاهريا في أمور الحياة الدنيا ويتمتع بالخلابة اللسانية ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ﴾ يدّعي الصدق وحسن النية، ورغبة في الصلاح العام، في حين أنّه طالب دنيا فقط، ويهدف لصالحه الذاتي ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ شديد الخصومة والجدل بالباطل، يفحم خصومه باستخدام حجج ظاهرها الصلاح وحقيقتها الضلال، ويدعو إلى «مباديء أخلاقية» من ابتكاره، وهنالك علاقة واضحة بين هذه الآية والآيات (٨ - ١٢) من هذه السورة.\n\n<span id=\"aya-212\"></span>﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (٢٠٥)\n٢٠٥ - ﴿وَإِذا تَوَلّى﴾ إذا تولّى بعض أمور الناس وحصلت له القيادة أو السيطرة بشكل كامل أو بشكل جزئي ﴿سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ الإفساد بسوء الخلق وعن طريق إدخال الشبهات في قلوب المسلمين والابتعاد عن الشرع، بغضّ النظر إن كان ذلك بنيّة مبيّتة ضد الدين، أم للصالح الشخصي فقط ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ الحرث هو الزرع أو نتاج الزرع وهو بمعنى المال، والمراد أنّه يخرّب النظام الاقتصادي، والحرث أيضا بمعنى النساء لقوله تعالى ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢/ ٢٢٣]، والنسل هو الذريّة، فيكون الإفساد بتخريب النظام الاقتصادي والنظام العائلي، وبالتالي تفتيت النسيج الاجتماعي بأكمله، لأنه حالما يتم القبول بالمعايير الفاسدة كأساس للسلوك الاجتماعي، يكون ذلك بداية حتمية لانتشار التفسخ الخلقي وتفكّك المجتمع.\n\n<span id=\"aya-213\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (٢٠٦)\n٢٠٦ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللهَ﴾ من قبل ناصح يحاول ردعه عن الغي ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أخذته الحميّة الجاهلية والكبر لما في قلبه من التكبر،","vol":"1","page":137},{"text":"والعناد، وعدم النظر في الدلائل القرآنية ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس المستقرّ الذي مهده لنفسه.\n\n<span id=\"aya-214\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠٧)\n٢٠٧ - ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ الذين هم على النقيض من الناس المذكورين في الآيات (٢٠٤ - ٢٠٦) ﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ يشري بمعنى يبيع كقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف ١٢/ ٢٠] أي باعوه، والمعنى أنّه من الناس من يضحّي بكافة مصالحه الشخصية ويبذل نفسه إذا اقتضت مرضاة الله ذلك، والآية تتمة لما قبلها لأنّ من ينصح الفاسق الذي حصلت له الولاية يكون مستعدّا لبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وقيل إنّ عمر ﵁ قرأ هذه الآية ثمّ قال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل» ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ فمن رأفته تعالى أنّه لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها.\n\n<span id=\"aya-215\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢٠٨)\n٢٠٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كونوا كالمذكورين في الآية (٢٠٧)، ولا تكونوا كالمذكورين في الآيات (٢٠٤ - ٢٠٦)، والسلم هو الإسلام، والخطاب للمؤمنين بأن يدخلوا في كافة شرائع الإسلام بشكل متكامل، وبحيث يكون سلوك المسلم ومعاملاته مع الناس وتطلّعاته ومساعيه كلّها وفق الإطار الإسلامي، بحيث يكون عمله مطابقا لقوله ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أي ما خالف شرائع الإسلام ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يوسوس لكم ويزّين لكم سوء أعمالكم، راجع آية [الأعراف ٧/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-216\"></span>﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٠٩)\n٢٠٩ - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ إن زللتم عن الإسلام إلى الباطل والشكوك ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ﴾ في القرآن ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في عقابه، فبعد أن أمر تعالى الناس بدخول شرائع الإسلام كافة، بيّن أنّه لا عذر لهم بعد أن","vol":"1","page":138},{"text":"جاءتهم الأنبياء بالرسالات والوحي والحقيقة الواضحة وأنذرته بالعواقب، ولا عذر لهم بالشك والإنكار واتباع الباطل، فعندئذ يوجبون العقاب على أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-217\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢١٠)\n٢١٠ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ هل ينتظرون؟ وهم المشار إليهم في الآية السابقة ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾ أمر ﴿اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي هل هم بانتظار ذلك حتى يكونوا على يقين من الحقيقة؟ والمغزى أنّ اختبار الإنسان يكمن في اختياره الحرّ بقبول الحقيقة المطلقة أو رفضها، رغم أنّه لا يستطيع تحقّقها بحواسّه الخارجية، ولكنه يستطيع الاستدلال عليها بالوحي الذي نزل على الأنبياء، وبالعقل والتفكّر بالمعجزات الكونية، ولكن الكفار ينتظرون أن يأتيهم أمر الله والملائكة حتى يؤمنوا، فلو حدث ذلك لقضي الأمر وفات الأوان ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الإيمان والتوبة لا يفيدان حينئذ، لأنّ الإيمان والطاعة لهما قيمة ما دامت الحقيقة بادية بشكل غير قسريّ، ممّا يمكّن الانسان من قبولها أو رفضها بخياره الحر، فإذا كشفت الحجب وظهرت الحقيقة سافرة، انتفى مجال الخيار وحرية الفكر والاختبار.\n\n<span id=\"aya-218\"></span>﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢١١)\n٢١١ - بعد بيان الآيات (٢٠٧ - ٢١٠)، ضرب تعالى مثلا ببني إسرائيل فقال عزّ ثناؤه: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ومع ذلك كفروا بها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ وهي الوحي الذي نزل على الأنبياء، وتبديلها بتحريف الكتب وتغييرها ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ والخطاب ينطبق على بني إسرائيل وغيرهم، أي إنّ العاقبة السيئة مصير من يبدّل نعمة الله بعدما جاءته، فهذا من سننه تعالى في الخلق وليس خاصا بالأمم الغابرة فقط.","vol":"1","page":139},{"text":"<span id=\"aya-219\"></span>﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢١٢)\n٢١٢ - بعد أن ذكر تعالى حال من يبدّل نعمة الله بعد ما جاءته، أتبعه بذكر السبب الذي لأجله فعلوا ذلك فقال ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ فانهمكوا بالجري خلفها دون حساب لما وراءها ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يسخرون منهم بأنّهم فوّتوا على أنفسهم لذّات الدنيا، لأنّ القول بالآخرة باطل عندهم ﴿وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يكون المتّقون فوق الكفار في الثواب والمنزلة ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ الله تعالى يرزق المؤمن والكافر في الحياة الدنيا، وقد جعل في الدنيا سننا وأسبابا ومسبّبات، من أخذ بها وصل إليها كافرا كان أو مؤمنا، ولو جعلها للمؤمنين خاصة لبطل التكليف والاختيار والاختبار، ولصار الإيمان قسرا، انظر شرح الآيات (٣٦، ١٢٦، ١٥٥).\n\n<span id=\"aya-220\"></span>﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢١٣)\n٢١٣ - ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي على الفطرة والتجانس في حياتهم البسيطة الأولى، كما كانوا أيضا أمة واحدة على الجهل والترقب والبحث عن الحقيقة، يحاولون الاهتداء بما يرشد إليه العقل والفطرة السليمة حتى بعث فيهم الأنبياء ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ مبشّرين بثواب الآخرة والجنة، ومنذرين بالعقاب والنار ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ﴾ أي مع الأنبياء ﴿الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ الكتاب بمعنى الوحي وليس كتابا بعينه، وهذا المعنى يتكرر في أماكن عديدة من القرآن الكريم ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يبيّن لهم الحق من الباطل فيما اختلفوا فيه من العقيدة والسلوك ﴿وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ﴾","vol":"1","page":140},{"text":"﴿ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ سبب الاختلاف هو البغي، أي التعدّي والاستطالة على الحق من قبل البعض ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ الذين كانوا يبحثون عن الحقيقة من منفتحي الذهن اهتدوا بهدي الله، بعد الاختلاف مع غيرهم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ الاختلاف بين أتباع الحق وأتباع الباطل بإذن الله، لأنه تعالى كرّم الإنسان بحرية الخيار، انظر آيات [هود/ ١١٨ - ١١٩]، فالخلاف من الطبيعة البشرية التي جبل الناس عليها، ولو شاء تعالى لخلقهم جميعا بلا هوى أو شهوة أو غواية، ولكنه بحكمته وتكريمه بني آدم قضى أن يكون الانسان موكولا إلى فكره وحرية خياره ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يوفق من يشاء الهداية إلى الطريق المستقيم.\n\n<span id=\"aya-221\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (٢١٤)\n٢١٤ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطاب استمرار لقوله تعالى إنّه يهدي من يشاء الهداية إلى صراط مستقيم، والآية تضيف أنّ الهداية ليست مجرّد قناعة معرفية تكفي صاحبها لدخول الجنة، بل يلزم أن يرافقها الاستعداد للتضحية وتحمّل المشاقّ في سبيلها، مثلما تحملها المؤمنون من الأمم الماضية ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ﴾ البأساء هي الشدّة التي تصيب الإنسان كخسارة المال والإخراج من الديار وتهديد الأمن، والضرّاء هي ما يصيبه من المرض أو الجرح أو القتل ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ اضطربوا اضطرابا شديدا بما أصابهم من الشدائد، حتى أشرفوا على الزلل ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ لشدة ما أصابهم الهول، وطول أمده، كادوا يفقدون الأمل فاستعجلوا الفرج بقولهم ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ فأجابهم تعالى","vol":"1","page":141},{"text":"﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ وكلمة ﴿الرَّسُولُ﴾ في الآية دالّة على الرسل بشكل عام، لأنّ الإشارة قبلها إلى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-222\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢١٥)\n٢١٥ - ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ استمرار الخطاب، لأن الإنفاق من جملة التضحيات المطلوبة لدخول الجنة ﴿قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ السؤال عن بيان ما ينفقون؟ وأجيبوا ببيان جهة الإنفاق للتأكيد على الأولوية في الإنفاق، ولأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلاّ أن تكون في جهة الاستحقاق، أخرج النسائي وأحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك وأباك وأختك وأخاك، ثمّ أدناك أدناك»، ثم تبيّن الآية (٢١٩) أن الإنفاق يكون بما يزيد عن الحاجة، بما لا يرهق المرء إذا تصدّق به ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيثيبكم عليه، وهو عليم بنواياكم في الإنفاق، إن كان عن إيمان ويقين، أو كمن ينفق ماله رياء الناس الآية (٢٦٤).\n\n<span id=\"aya-223\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢١٦)\n٢١٦ - استمرار الخطاب في التضحيات: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ روى مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من مات ولم يغز، ولم يحدّث نفسه بغزو، مات على شعبة من نفاق»، ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لقصور عقل الإنسان عن الإحاطة بكل شيء، من جهة، وكمال علمه تعالى من جهة ثانية، وهو سبحانه أعلم بالعواقب.","vol":"1","page":142},{"text":"<span id=\"aya-224\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢١٧)\n٢١٧ - بعد أن فرض تعالى القتال على المؤمنين بيّن مشروعية القتال في الشهر الحرام ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ أي هل يصح أن يكون فيه قتال ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الجواب أن القتال فيه ذنب كبير بسبب حرمة الأشهر الحرم، ولكن يجب أحيانا ارتكاب أخف الضررين إن لم يكن بدّ من أحدهما ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ فالكفر وصدّ الناس عن الإسلام وعن الحج والعمرة في المسجد الحرام وإخراج المسلمين منه، كل ذلك أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وهذه الآية تقرأ مع آيات [البقرة ٢/ ١٩٠ - ١٩٤] و[الحجّ ٢٢/ ٣٩]، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ الاضطهاد والظلم ومنع حرية العبادة أشنع من القتل ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطاعُوا﴾ هذا هو الهدف النهائي لهم مجتمعات، وليس أفرادا بالضرورة، والآية وإن نزلت في كفار قريش فهي ككلّ آيات القرآن الكريم ذات مغزى عام لكلّ الأزمنة، انظر آيات [البقرة ٢/ ١٠٥، ١٠٩ - ١٢٠]، ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ تبطل أعمال المرتد كأن لم يعمل خيرا في حياته قط، فلا يناله الثواب من أعماله في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وهو مصير المرتدين عن الإسلام.\n\n<span id=\"aya-225\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢١٨)\n٢١٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ هم في الأساس مسلمو مكة الذين هربوا من اضطهاد المشركين لهم، وهاجروا إلى المدينة كي يعيشوا فيها","vol":"1","page":143},{"text":"بحرية، ويقيموا شعائر الإسلام، ويؤخذ من سبب وجوب الهجرة في زمن البعثة، أنها تجب في كل زمان ومكان بمثل ذلك السبب، أي أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم في بلد لا يستطيع فيه إقامة شعائر الإسلام بحرية، ولا يستطيع التصريح بما يعتقده قولا وكتابة، مما يعرضه للأذى وللاضطهاد ﴿وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ مفهوم الجهاد أوسع من معنى القتال لأنه يشمل تكريس الفكر والنفس والمال لخدمة الدين ونشر الدعوة سواء بالقول أو الكتابة أو الجهد ﴿أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾ هم أجدر أن ينالوا ما يرجون من رحمة الله، لأنهم عملوا لها بكل ما استطاعوا، أما طلب المنافع ودفع المضار من غير عمل، فليس رجاء، بل تمنّيا وغرورا ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للتائبين المهاجرين المجاهدين.\n\n<span id=\"aya-226\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١٩)\n٢١٩ - انتقال الآيات (٢١٩ - ٢٤٥) إلى جوانب من التشريع متعددة:\n﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ ذكر تعالى الإثم أوّلا، والمنافع ثانيا، لرجحان إثم الخمر والميسر على منافعهما المادية، وهذه قاعدة فقهية هامة أن ما كان إثمه أكبر من نفعه فيجب الاجتهاد باجتنابه، كما يفهم منها أيضا أن الأحكام الاجتهادية التي لم تثبت بالنص القطعي لا تجعل تشريعا ملزما، لأن النبي ﷺ لم يلزم الأمّة بتحريم الخمر والميسر بعد نزول هذه الآية، إلى أن نزل النص القطعي بتحريمهما في سورة [المائدة ٥/ ٩٠ - ٩١]، ومن هنا يعرف سبب تساهل السلف في المسائل الخلافية، وعدم تكفير أحدهم لمخالفيه، لأنّ الاجتهاد يلتزم به فقط من ظهر له صحة دليله، ولا يعد شرعا يلزم به غيره من الناس (المنار)، ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ العفو هو الزيادة عن الحاجة الذي لا يرهق المرء إذا تصدّق به، وفي الحديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول»","vol":"1","page":144},{"text":"﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة كما سيرد في الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-227\"></span>﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٠)\n٢٢٠ - ﴿فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أي لعلّكم تتفكّرون في أمور الدنيا والآخرة معا ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أوصى تعالى بالعمل على مصلحة اليتيم بتربيته وتنمية ماله، وذلك خير للطرفين، الوصي واليتيم ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ مخالطة اليتامى مع المحافظة على أموالهم، فلا يحل للوصي إن كان غنيا أن يأكل من مال اليتيم، وإن كان الوصي فقيرا فله أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف ثم يعيد ما أخذ إن استطاع، وقد جاء تفصيل ذلك في آيات [النساء ٤/ ٢، ٦، ١٢٧]، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ في مال اليتيم، فيجازي كلا بعمله ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي لكلّفكم ما يشق عليكم، بتضييق التعامل مع اليتامى ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ في عقابه للمفسدين بأموال اليتامى ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يكلّف إلاّ ما يطاق.\n\n<span id=\"aya-228\"></span>﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٢١)\n٢٢١ - ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ليس معنى الأمة الرقيق بالضرورة، ولكن كما يقال أمة الله وعبد الله، وقد حرّمت الآية زواج المسلم من المشركة، وفي سورة المائدة ورد تحليل زواج المسلم من الكتابيات المحصنات بقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ﴾","vol":"1","page":145},{"text":"﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة ٥/ ٥] وفيه دليل أن الغرض من تحليل نكاح الكتابيات هو تألف قلوب أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام وتعريفهم بحقيقته عن طريق انتشاره بين أهل المرأة، انظر تفسير آية [المائدة ٥/ ٥]، أما من يتزوج الكتابية وهو يرى نفسه دونها ويحرص على تقليد قومها من النصارى ويسمح لها بتنصير أولاده فيكون قد خالف الغرض الذي هدف إليه الشارع من تحليل نكاح الكتابيات ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ تحريم زواج المسلمة من المشرك من أي أصناف الشرك، بمن فيهم الكتابي، وفي قول عمر ﵁: «المسلم يتزوّج النصرانية، ولا يتزوّج النصراني المسلمة»، وقد كره عمر مع ذلك زواج المسلم من الكتابيّة وأمر طلحة وحذيفة أن يطلّقا زوجتيهما الكتابيتين ﴿أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ المشركون والمشركات يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي بتوفيقه إلى العمل الذي يؤدّي بالإنسان إلى الجنّة والمغفرة، ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الله تعالى يبيّن للناس الحكمة من الشريعة، لعلهم يتّعظون ويستقيمون عليها.\n\n<span id=\"aya-229\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢٢٢)\n٢٢٢ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تعبير عن حرمة الجماع وقت الحيض ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ وهو تحريم الشذوذ ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ المراد منه التنزيه عن الذنوب، لأنّ الذنب نجاسة روحانية كما في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٩/ ٢٨]، ففي ترك الذنوب طهارة روحانية.","vol":"1","page":146},{"text":"<span id=\"aya-230\"></span>﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٢٣)\n٢٢٣ - ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي مزرع ومنبت الولد وذلك على سبيل التشبيه ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ فأتوا موضع الحرث من النساء كيفما شئتم ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن العلاقة الروحية بين الزوجين هي أساس العلاقة الجنسية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ روى مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «اتّقوا الله في النساء» ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ فيجازيكم بأعمالكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ العاملين بأحكام الشريعة، بسعادة الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-231\"></span>﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٤)\n٢٢٤ - ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ نهى تعالى عن الجرأة عليه بكثرة الحلف وهذا هو المعنى الأول للخطاب ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وهو المعنى الثاني أنّ العرضة هي العارض أي المانع، فيكون المقصود لا تجعلوا أيمانكم مانعا لعمل الخير كالبرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد»، والتمسّك باليمين، إن كان به ضرر، أكبر إثما على صاحبه من الخروج منه والتكفير عنه.\n\n<span id=\"aya-232\"></span>﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٢٥)\n٢٢٥ - ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ اللغو هو الكلام الذي لا يعتدّ به كالحلف في أثناء الكلام دون قصد، وقد جاء النهي عنه في الآية السابقة، ولا يوجب الكفّارة ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إذا تعمّدتم الحلف وأخلفتم، والمؤاخذة توجب الكفّارة لقوله تعالى في سورة المائدة:","vol":"1","page":147},{"text":"﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة ٥/ ٨٩]، روى البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك وأت الذي هو خير»، فالحنث باليمين العمد يوجب الكفّارة، وأما اليمين الغموس التي يحلف بها صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، قاصدا الخيانة أو الغش، فلا يكفّرها شيء، بل لا بد من أداء الحقوق والتوبة والاستقامة، وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال غيره، لقي الله وهو عليه غضبان» ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور بمعنى المبالغة في ستر الذنوب واسقاط عقوبتها، وحليم لأنّه تعالى لا يعاجل بالعقوبة بل يمهل، ويؤخّر، ويعطي الفرص لتوبة عبده.\n\n<span id=\"aya-233\"></span>﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢٦)\n٢٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الإيلاء في اللغة هو الحلف والقسم واليمين، كلّها بمعنى واحد، وفي عرف الشرع هو العزم على ترك الجماع، وهذه الآية استمرار للآيتين السابقتين ولكن بموضوع مخصّص وهو الحلف على ترك الجماع ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ من الواضح أن العلاقة الزوجية يجب أن تقوم على أساس من المودّة والانسجام، وفي بعض الحالات عندما تنشأ الخصومات ويحدث التوتر بين الزوجين، فإنّ الشرع يضع حدّا للفترة التي يبقى فيها الزوجان متنافرين من دون معاشرة زوجية، والتربّص هو الانتظار، وقد حددته الآية بأربعة أشهر، إمّا أن يتفق خلالها الزوجان، أو يقع الطلاق بنهايتها وتصبح المرأة حرّة في الزواج من جديد، وعند المالكية أنّ الفترة القصوى لهجران الرجل زوجته عن عمد، وهي أربعة أشهر، تسري بغضّ النظر إن كان حلف على ذلك أم لم يحلف، ونسب مثل هذا القول أيضا إلى ابن حنبل ﴿فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الفيء هو الرجوع، والمعنى إذا تمّ الصلح خلال مدّة أربعة الأشهر، وعادت العلاقة الزوجية إلى طبيعتها، فإنّ الله غفور لما سبق، رحيم بعباده، وقيل تجب على الزوج كفّارة.","vol":"1","page":148},{"text":"<span id=\"aya-234\"></span>﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٢٧)\n٢٢٧ - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ عند أبي حنيفة أنّ الطلاق يقع بمجرّد انقضاء الأشهر الأربعة، ويكون طلاقا بائنا، فلا يحق للزوج إعادة زوجته خلال فترة العدّة، غير أنّه يحقّ لهما الزواج بعد ذلك بعقد جديد، إذا اتّفقا، وعند الشافعي أنّه بعد مضيّ أربعة الأشهر تطالب المرأة زوجها بالصلح أو الطلاق، فإن امتنع الزوج طلّقها القاضي، ولا عدّة عليها ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع بالطلاق عليم بالإحسان والإساءة.\n\n<span id=\"aya-235\"></span>﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٢٨)\n٢٢٨ - ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ﴾ غير المشار إليهنّ بالآية السابقة ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أمر تعالى المطلّقة المدخول بها أن تنتظر ثلاثة قروء، ثمّ تتزوّج إن شاءت، والعرب تسمّي الحيض قرءا، والطهر قرءا، وتسمّي الطهر والحيض معا قرءا، ولذا اختلف الأئمّة فقال مالك والشافعي: إنّه إذا طلّق الرجل إمرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبريء منها، وقال أبو حنيفة:\nلا تنقضي العدّة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، وزاد آخرون: وتغتسل منها، وهو رأي عمر وعلي وابن مسعود ﵃ ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا يكتمن ما في أرحامهنّ من حيض أو حمل ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ لزوجها الحق أن يردّها إليه ما دامت في عدّتها ﴿فِي ذلِكَ﴾ أي في فترة العدّة ﴿إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا﴾ إذا كان مراد الزوج الإصلاح والخير، وذلك في الطلقة الأولى والطلقة الثانية فقط، أمّا في الطلقة الثالثة فيمتنع على الزوج ردّها كما سيرد، ولمّا كانت إرادة","vol":"1","page":149},{"text":"الإصلاح، بردّ الرجل امرأته في فترة العدة، لا تتحقق إلاّ بالمساواة بينهما بأن يقوم هو بحقوقها وتقوم هي بحقوقه، لذلك قال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ وهو مساواة المرأة بالرجل، إلاّ بدرجة سيأتي بيانها ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي إنّ المساواة بين الرجل والمرأة تكون بما هو معروف من المساواة بين الناس حسب الآداب والعادات في كل مجتمع وكل زمن، على أن لا يحلّ العرف حراما أو يحرّم حلالا ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وهي درجة القوامة المذكورة في آية [النساء ٤/ ٣٤]، وهي درجة الرعاية والحماية والقيام بمصالح العائلة ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه حكيم في شرعه.\n\n<span id=\"aya-236\"></span>﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٢٩)\n٢٢٩ - ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ إذا طلّقها الرجل مرّة أو اثنتين فله الخيار أن يردّها، ما دامت في العدّة، إن كان ينوي الإصلاح حسب الأسس المذكورة في الآية السابقة، أو أن يتركها حتّى تنقضي العدّة وتبين منه، فيتوجب عليه عندئذ أن يمتّعها ولا يظلمها من حقّها شيئا، ولا يضارّ بها، فإذا بانت منه بعد طلقة أو طلقتين يحقّ لهما الزواج بعقد جديد إن اتّفقا، أمّا إن طلّقها الثالثة فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، وفي جميع الأحوال يلزم أن يكون الطلاق في فترة طهر لم يحصل بها جماع، وقد كره الشرع أن يطلّق الرجل ثلاث مرّات في فترة طهر واحدة ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ ويدخل في ذلك المهر والهدايا وكل ما يعطيه الرجل لزوجته على سبيل التمليك، بالإضافة للمتعة لأنّ الآية (٢٤١)﴾ أوجبت المتعة للمطلّقة ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا﴾ أو يخاف أحدهما ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ وهي الحدود التي فرضها الله على الزوجين، كحسن المعاشرة والمماثلة في الحقوق مع","vol":"1","page":150},{"text":"ولاية الرجل والتعاون على القيام بأمر العائلة وعدم مضارة أحدهما للآخر ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين، والمعنيّون هم أولوا الأمر ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ﴾ وهو الفراق المبني على الإفتداء، ويسمّى في عرف الشرع بالخلع، وهو حقّ الزوجة في الطلاق مقابل تعويض تدفعه إلى الزوج، فعندئذ لا يكلّف الرجل خسارة زوجته وماله معا، والقاعدة أن لا يأخذ الزوج من المختلعة فوق ما أعطاها من المهر، وليس له أن يعيد المختلعة في عدّتها، بغير رضاها، لأنّها ملكت نفسها بما أعادت له من ماله، ولهما أن يتزوّجا بعد ذلك بعقد جديد، إن اتّفقا ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ لا تتجاوزها إلى غيرها وتتبعوا الهوى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الظالمون لأنفسهم ولغيرهم، فكل من الزوجين يضر بنفسه وبزوجه في حال التعدي.\n\n<span id=\"aya-237\"></span>﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٠)\n٢٣٠ - ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الطلقة الثالثة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ تحرم عليه حتّى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي الزوج الثاني، والمغزى أن رغبة الطلاق من قبل الزوج الثاني يلزم أن تكون حقيقية، وبمبادرة منه، وبعد الدخول بها، لأن المقصود دوما التقيد بروح النص، وليس بحرفيته ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا﴾ المرأة والزوج الأول ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ أي يتعاشرا بالمعروف كما هو مذكور آنفا ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مقاصد الشريعة، فإذا كان قصد الثاني أن يحلّها للأوّل، فقد وردت الأحاديث بذمّه ولعنه، ونكاحه باطل.\n\n<span id=\"aya-238\"></span>﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ﴾","vol":"1","page":151},{"text":"﴿هُزُوًا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٣١)\n٢٣١ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إذا قاربت عدّة المطلّقة الانتهاء ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فإمّا أن يردّها إليه ناويا عشرتها بالمعروف، أو يتركها حتّى تنقضي العدّة من غير شقاق ولا مخاصمة ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ فلا يعيد الرجل امرأته وهو ينوي إيذاءها أو ينوي طلاقها من جديد ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يعود وبال ظلمه عليه ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ بعدم الالتزام بها، أو بالالتزام بها شكلا فقط دون الجوهر ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ببعث محمد ﷺ وبيان أحكام الشريعة لكم ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ وهي الحكمة والأحكام المتضمنة في الكتاب ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ لما فيه صالحكم وصالح المجتمع ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أن ترتكبوا المحرمات ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عليم بالأفعال الظاهرة والنوايا الباطنة.\n\n<span id=\"aya-239\"></span>﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٢)\n٢٣٢ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ لا تعضلوهنّ، أي لا تضيّقوا عليهنّ أن يتزوجن من جديد، والخطاب موجّه للأزواج أن لا يعرقل الزوج مطلّقته أن تتزوّج غيره بعد انقضاء العدّة، ويمكن حمل الخطاب أن يكون لأقرباء المطلّقة أن لا يعضلوها إذا أرادت العودة إلى زوجها بنكاح جديد ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما وافق الشرع من العقد الحلال والمهر ﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المترتب عليه تحقق العدالة ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ في تزويج","vol":"1","page":152},{"text":"المطلّقات ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ مصالح عباده وما يستوجب دفع المفاسد ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الخيرة فيما تفعلون أو تتركون.\n\n<span id=\"aya-240\"></span>﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٣٣)\n٢٣٣ - ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ الإشارة إلى الوالدات بشكل عام، المطلّقات منهنّ وغير المطلّقات، وقد حددت الآية أقصى مدّة الإرضاع بسنتين كاملتين لقوله تعالى ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ أي هذا تمام مدّة الرضاعة، لمن شاء، وهي المدّة التي يعتدّ بها في التحريم، لما ورد في الحديث أن الرضاعة لا تحرّم إلا ما كان دون الحولين، وقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما هو معروف ومعتاد في المجتمع، ويلاحظ دقة التعبير في عبارة ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ مقابل كلمة ﴿الْوالِداتُ﴾ واختير للتنبيه على سبب وجوب النفقة على الزوج ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها﴾ الوسع ضد الضيق، وهو ما تتسع له القدرة، فلا يكون تجاوز لطاقة الأب ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ لا يسبّب الأب الضرر للأم فينزع منها الولد مع رغبتها فيه وشدّة محبّتها له ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ وأيضا لا تسبب المرأة الضرر للأب، كأن تلقي الولد إليه وتمتنع عن إرضاعه، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو أن لا يغيظ أحدهما الآخر عن طريق الولد ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ إذا توفّي أحد الأبوين فمن بقي منهما لا يضارّ بالولد، خاصة بعد أن يتزوّج الأب أو تتزوّج الأم من جديد ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ الفصال هو الفطام: فتدلّ الآية أنّ الفطام في أقلّ من حولين جائز برضا الوالدين، والفصال أيضا الانفصال: ممّا","vol":"1","page":153},{"text":"يدلّ أن الانفصال بين الأم والولد جائز برضا الطرفين، على أن لا يسبب ذلك ضررا للولد ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ أي لأولادكم، بحذف حرف الجر، وهو شائع في التنزيل راجع إعراب القرآن للزجاج ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا حرج أن تطلبوا المراضع لإرضاع أولادكم ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إذا سلّمتم الأجور إلى المرضعات، وإذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد لعذر من أحد الطرفين ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أن تعتدوا الحدود ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم بما تعملون.\n\n<span id=\"aya-241\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٣٤)\n٢٣٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الأزواج في الآية هنّ النساء، والعرب تسمّي الرجل زوجا والمرأة زوجا وربما ألحقوا بها الهاء، فالآية تحدّد أنّ المرأة التي يتوفّى عنها زوجها تنتظر أربعة أشهر وعشرة أيام قبل الزواج من آخر ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ وهي نهاية العدّة المشار إليها ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو النكاح الحلال ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وما جبلت عليه النفس البشرية من الرغبة.\n\n<span id=\"aya-242\"></span>﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢٣٥)\n٢٣٥ - ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ التعريض ضدّ التصريح والمقصود خطبة التي تكون في عدّة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضا لا","vol":"1","page":154},{"text":"تصريحا ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي أخفيتم في أنفسكم، والمراد الرغبة الداخلية في خطبتها بعد العدّة ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي تبوحون لهنّ بما في نفوسكم من الرغبة فيهن ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ نهي عن الارتباط بها سرّا، كأن يأخذ منها عهدا أن تلتزم به ولا تتزوج غيره، لأن المرأة قد لا تكون في حالة نفسية تمكنها من اتخاذ القرار المناسب خلال فترة العدة ﴿إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يجوز له أن يعدها في السرّ بالإحسان إليها والاهتمام بشأنها ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ لا تحقّقوا عقد الزواج إلاّ بعد انقضاء العدّة ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ مطّلع على الخبايا ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ فاحذروا عقابه ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ يستر ذنوب عباده ﴿حَلِيمٌ﴾ فلا يعاجلهم بالعقوبة.\n\n<span id=\"aya-243\"></span>﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦)\n٢٣٦ - ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ أباح تعالى طلاق النساء بعد العقد عليهنّ وقبل الدخول بهنّ ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ اللواتي لم تمسّوهنّ، والمسّ هو الجماع ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الفريضة هي الصداق أي المهر، والمعنى:\nأو تفرضوا لهنّ فريضة إذا أردتم الدخول بهنّ، والمقصود اللواتي لم يذكر صداقهنّ في العقد، فقد أباح تعالى طلاق المرأة التي لم يذكر صداقها ولم يتم الدخول بها، إذ المعلوم أنّ عقد النكاح يوجب الصداق للمرأة في كل الأحوال، غير أنّ الصداق قد يكون مذكورا أو غير مذكور سلفا، والمعنى أيضا أنّه لا يجوز مسّ المرأة إلاّ بعد أن يفرض لها الصداق ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي أعطوا المطلّقات من أموالكم ما يتمتّعن به، وأن يكون العطاء حسب أقداركم ومنازلكم من الغنى والإقتار، والمعنى أيضا أن المطلّقة غير الممسوسة تجب لها المتعة، كما هو واضح في آية","vol":"1","page":155},{"text":"[الأحزاب ٣٣/ ٤٩]، أي يعطيها الرجل من ماله ما تتمتع به، حتّى لو لم يكن قد فرض لها المهر سلفا ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أوجب تعالى متعة المطلّقات على المحسنين، وعلى المتقين (الآية ٢٤١)، ولمّا كان تعالى قد أمر جميع خلقه أن يكونوا من المحسنين والمتّقين، فالمتعة واجبة على الجميع سواء كانوا من أهل الإحسان والتقى أو غيرهم، والقيام بالواجب يوصف بالإحسان وقد ورد ذلك في آيات كثيرة، والمتعة واجبة لكلّ مطلّقة دون تخصيص لقوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢/ ٢٤١]، فلم يخصّص منهنّ بعضا دون بعض، والعبرة بظاهر اللفظ، وهو عام، ولا يوجد دلالة أنّه ما دام فرض للمطلّقة المهر بعد الدخول، أو نصف المهر قبل الدخول، أنّه يبطل عنها المتعة، إذ إنّ وجوب المهر، أو نصف المهر، لا ينفي حقّ المطلّقة بالمتعة، فاجتماعهما ليس محالا، والقرآن دلّ على وجوب ذلك [الأحزاب ٣٣/ ٤٩].\nوالنتيجة أن الآية أسقطت الحرج في تطليق النساء قبل الجماع، فلو قيل: هل من حرج لو طلّقها بعد الجماع؟ فالجواب بقوله ﷺ: «إنّ الله لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات»، وذلك يقتضي منع النكاح بنيّة الطلاق.\nومن معنى الآية أيضا إباحة تطليق المرأة قبل المسيس إطلاقا، في أي وقت، سواء كانت في الحيض أو الطهر، ولا عدّة عليها [الأحزاب ٣٣/ ٤٩]، وليس الأمر كذلك بعد المسيس، إذ ليس لزوجها أن يطلّقها إلاّ في طهر لم يجامعها فيه، وعليها العدّة.\n\n<span id=\"aya-244\"></span>﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٣٧)\n٢٣٧ - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أي نصف ما فرضتم لهنّ يسقط، وهو حكم المطلّقة غير","vol":"1","page":156},{"text":"الممسوسة، فلها نصف الصداق فقط، ولها المتعة، ولا عدّة عليها [الأحزاب ٣٣/ ٤٩]، ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ جعل تعالى العفو إليهنّ، إن شئن أخذن حقّهنّ، وإن شئن عفون ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزوج، وعفوه أن يعطيها الصداق كاملا ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ الخطاب للرجال والنساء معا، غير أنّ الغلبة في الخطاب للذكور إذا اجتمعوا مع الأناث، والمعنى إن تعفوا أيها المفارقون أزواجكم أقرب لكم إلى تقوى الله ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ للترغيب في العفو ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم بإحسانكم أو إساءتكم.\n\n<span id=\"aya-245\"></span>﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ (٢٣٨)\n٢٣٨ - نلاحظ في أسلوب القرآن الكريم أنّ الآيات المطوّلة المتعلّقة بالتشريع الاجتماعي يتخلّلها غالبا آيات الحثّ على التقوى والعبادة، وهكذا ترد هنا آيات الصلاة بين آيات شرع الزواج والطلاق، والمغزى من ذلك أن العبادة ليست مجرد شكليات وطقوس بل يجب أن يرافقها العمل بما ينص عليه الشرع ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ استدلّ البعض أنّ هذه الآية تدل بشكل غير مباشر على عدد الصلوات اليومية الخمسة، لأنّ كلمة صلوات تدلّ على الثلاثة حيث إنّ أقلّ الجمع ثلاثة ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ تدلّ على زيادة عن الثلاثة، وإلاّ كان في الكلام تكرار، والأصل عدم التكرار، ثمّ بعد الزيادة لا يكون المجموع أربعة، وإلاّ فليس للمجموع وسط، فأقلّ ذلك أن يكون العدد خمسة، وهذا الاستدلال مبني على أنّ الوسطى في العدد، وليس في الفضيلة، أمّا الآيات التي تشير إلى أوقات الصلاة فهي [الروم: ٣٠/ ١٧]، [الإسراء: ١٧/ ٧٨]، [طه: ٢٠/ ١٣٠]، [هود: ١١٤/ ١١]، أما قوله تعالى ﴿حافِظُوا﴾ ففي الحديث: «احفظ الله يحفظك» أي حافظ على طاعة الله يحفظك الله، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (١٥٢)﴾، وقوله ﷿: ﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ﴾ [المائدة ٥/ ١٢].","vol":"1","page":157},{"text":"واختلفوا في الصلاة الوسطى فقيل إنّها الصبح، وقيل الظهر، وقيل العصر، وقيل المغرب، وقيل العشاء (الرازي)، وقيل المراد من الوسطى الصلاة النابعة من القلب بحضور الذهن، واستحضار المعاني في أثناء القراءة (المنار)، وعلى هذا يكون تقدير الآية: حافظوا على الصلوات، بأن تكون صلواتكم وسطى، ولذا أتبعها تعالى بقوله ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ أي بخشوع وسكينة.\n\n<span id=\"aya-246\"></span>﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٩)\n٢٣٩ - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ سواء كان الخوف من عدوّ أو غيره ﴿فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا﴾ أي فصلّوا وأنتم راجلين مشاة أو راكبين في حالة الخوف، وقالوا إنّ الصلاة لا تتمّ إلاّ بثلاث: ١) النيّة بالقلب، ٢) والقراءة، ٣) وأعمال الجوارح وهي القيام والركوع والسجود باتجاه القبلة، ففي حال الخوف تبقى الأولى والثانية وتسقط الثالثة ويكتفى بالإيماء في أي اتجاه، وأمّا الوضوء فيجزيء عنه التيمّم ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ بزوال الخوف عنكم ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فأقيموا الصلاة على تمامها، واذكروا الله واشكروه على نعمته عليكم بما علّمكم.\n\n<span id=\"aya-247\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٤٠)\n٢٤٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ الحول هو السنة، وتقدير الآية: أنّ الذين يتوفّون منكم، بعد أن أوصوا وصيّة لأزواجهم بنفقة، وسكنى لمدة سنة في بيت الزوج ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ فإن خرجن من بيوت أزواجهنّ قبل إتمام السنة، وبعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا حرج عليهنّ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾","vol":"1","page":158},{"text":"﴿مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لأنه تعالى أباح لهنّ الخروج والزواج بعد إتمام العدّة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، فلا يلزمهنّ انتظار تمام السنة، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون تقدير الآية: وصية من الله لهنّ بإتمام السكنى لمدة سنة في بيوت أزواجهنّ، إن شئن، أي إنه تعالى جعل لهنّ الخيار والحق في ذلك، وأنّ على الرجال الوصية لأزواجهم بإتمام سكنى الحول في بيوتهم إن شئن.\n\n<span id=\"aya-248\"></span>﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١)\n٢٤١ - ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ هذا الحكم عام لكلّ المطلّقات، بايجاب المتعة لهنّ، ولم تحدد الآية مقدار المتعة لأنها تتوقف على مقدرة الزوج المالية لقوله تعالى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢٣٦)، أي أعطوا المطلّقات من أموالكم ما يتمتّعن به، وقال بعضهم المتعة هي النفقة، وهي ليست مقتصرة على ما هو واجب، بل ما هو مستحبّ أيضا لقوله تعالى ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢٣٧).\n\n<span id=\"aya-249\"></span>﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٤٢)\n٢٤٢ - ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أي بتشريع الحلال والحرام في الحياة الزوجية ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما هو صالح لكم.\n\n<span id=\"aya-250\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٢٤٣)\n٢٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ بعد تشريعات الحياة الزوجية ينتقل القرآن الكريم إلى موضوع آخر وهو الجهاد، مشيرا إلى أقوام خرجوا من ديارهم للنجاة بحياتهم وهربا من العدوان، ولم يشر القرآن الكريم، ولا السنّة الشريفة، من هم هؤلاء القوم؟ ولا يشترط أن تكون الآية لقصّة واقعة بعينها، وإنما هي مثل يتكرر في تاريخ الأمم ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ أي قضت سنة الله في خلقه أن يموتوا بما أتوه من أسباب الموت،","vol":"1","page":159},{"text":"كالجبن والتخاذل والتفكك والتخلّي عن الديار، ممّا يؤدّي إلى تنكيل العدو بهم، واستيلائه على ديارهم، فيموتون كمجتمع وكأمّة، ويتفرّق شملهم، فهذه دعوة للمؤمنين في كلّ الأوقات كي يكونوا مستعدّين متكاتفين، وتحذير لهم بعدم التقصير ﴿ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ أي أحيا أمّتهم بعد أن غيّروا ما بأنفسهم، فوحّدوا كلمتهم وبذلوا أنفسهم ومالهم لتدارك ما فاتهم، فحياة الأمم متوقّفة على الإيمان والعمل ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بما جعل في الحياة من هذه السنن، إذ جعل المصائب سببا لإحياء عزائم الأمم من جديد ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ وهي حال أكثر الناس في غفلتهم وجهلهم بحكمة ربهم، فلا يستفيدون من سنة الله في خلقه.\n\n<span id=\"aya-251\"></span>﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٤)\n٢٤٤ - ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ بعد أن حذّر تعالى المؤمنين في الآية السابقة من موتهم كأمة، أتبع تعالى ذلك بالحض على القتال في سبيل الله، دفاعا عن مجتمع المسلمين وعقيدة الإسلام ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لدعائكم عليم بعملكم.\n\n<span id=\"aya-252\"></span>﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٤٥)\n٢٤٥ - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ استمرار للآية السابقة، لأنّ القتال في سبيل الله يحتاج لبذل المال للتجهيز للقتال، ولحثّ المؤمنين عليه فقد جعل تعالى بذل المال بمثابة الإقراض له، وهو الغني عن العالمين، وفي التفسير المأثور لهذه الآية قول عمر ﵁: القرض الحسن هو المجاهدة والإنفاق في سبيل الله ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ أي فيضاعف ثوابه، والمضاعفة أيضا تنعكس على الأمة بعزتها وغناها وكثرة مرافقها وسعادتها ودوام النعمة على أفرادها ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ يحجب الرزق عن البعض لأنهم يجهلون سننه في","vol":"1","page":160},{"text":"خلقه أو يتساهلون في اتّباعها، ويبسطه للبعض بما يوفقه من الهداية إلى معرفة تلك السنن واتّباعها، فيفتح لهم الأبواب ويسهّل الأسباب ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيحاسبكم على ما قدّمتم ويوفّيكم أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-253\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٢٤٦)\n٢٤٦ - بعد الآيات الثلاث السابقة، ضرب تعالى مثلا بقصة طالوت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ الملأ هم أكابر القوم ﴿إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ بعد وفاة موسى ﵇ خلفه عدد من الأنبياء كان آخرهم صموئيل، وهو النبيّ المشار له في هذه الآية، وقد تعرّض اليهود خلال تلك الفترة للكثير من النكسات المادية والفكرية وانتشر فيهم الفساد، فطلبوا من نبيّهم أن يعيّن ملكا عليهم يقودهم لقتال الأقوام المجاورة التي كانت تهددهم، العام ١٠٢٠ ق. م ظنا منهم أن وجود القيادة الحازمة كاف لإخراجهم من أوضاعهم المتردية، غافلين عن سنته تعالى أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا﴾ لعلمه بفساد نفوسهم ﴿قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ أي اضطروا للخروج من مصر مع ذريتهم هربا من الاضطهاد ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بترك الجهاد.\nوالخطاب ذو علاقة بالآيات السابقة في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٢٤٣)، وقوله ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ (٢٤٤)﴾، فكأنّه تعالى أكّد وجوب الجهاد بأن ذكر قصة بني إسرائيل، وفي الخطاب حثّ للمسلمين على الجهاد ضد العدوان في كلّ زمان.","vol":"1","page":161},{"text":"<span id=\"aya-254\"></span>﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٤٧)\n٢٤٧ - ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا﴾ طالوت هو المسمّى شاؤول في كتب اليهود ﴿قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ كان كبار بني إسرائيل مدفوعين بأطماعهم الشخصية، كلّ منهم يريد أن يكون الملك له، لذا زعموا أنّ طالوت ليس من أهل الملك، واحتجّوا بأنّه لم يؤت سعة من المال إذ كان فقيرا ﴿قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ اصطفاه أي فضّله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للحكم ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي إن من طبيعة الأمور أن يكون ولي الأمر من العلماء الأقوياء، وقد بيّن تعالى أنّ طالوت كان أهلا للملك لسببين: أحدهما العلم، والثاني المقدرة، فالعلم والمقدرة لا يمكن سلبهما من الإنسان، بينما يمكن سلب الجاه والمال منه، كما أن العالم القادر يمكن الانتفاع به للحفاظ على مصلحة الأمة أكثر من العالم الضعيف، أو الغني صاحب النسب، وقد قدّم تعالى البسطة في العلم على البسطة في الجسم، لأنّ الميّزات الفكرية أعلى مرتبة من القوّة ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي إنّ له سنّة في الأسباب المؤدية للملك ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ في إسباغ الملك والنعم ﴿عَلِيمٌ﴾ يؤتي الملك من يشاء بحكمته.\n\n<span id=\"aya-255\"></span>﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٤٨)\n٢٤٨ - ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ آية ملكه هي الإشارة أو العلامة الدالّة على أنه تعالى قد بعث طالوت ملكا ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال البيضاوي إن التابوت هو القلب، أما السكينة فهي الأمن والثبات","vol":"1","page":162},{"text":"والسكون، كما في قوله تعالى ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح ٤٨/ ٢٦]، أي أنّ علامة ملكه تكون في نزول السكينة على قلب كلّ منهم ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ بما أنّ الأنبياء لا يورّثون سوى الدين والشريعة، فتكون البقية هي الدين والشرائع التي ورثها أجدادهم عن موسى وهارون، تتنزّل بها الملائكة عليهم، والمعنى أن تنتظم أمور دينهم وشرعهم بعدما ضلّوا عن شريعة موسى وهارون ودخلت فيهم العادات الوثنية، وانتشر فيهم الفساد ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تلك هي المعجزة الباهرة، إن كنتم مؤمنين بدلالتها، أمّا أقوال بعض المفسّرين عن كون التابوت صندوقا يحتوي على التوراة وعلى عصا موسى، فيرى محمد أسد أنها منبثقة من أساطير تلمودية لا تستند على أساس، والمعلوم أن الكثير من كتب اليهود التي بين أيدينا كتبت في وقت متأخر بعد وقوع الأحداث بزمن طويل، فالكثير منها كتب خلال فترة الأسر البابلي أي بعد داوود وسليمان بحوالي ست مئة عام، ومنها ما كتب بعد ذلك، والتلمود كتب بعد بعثة المسيح ﵇.\n\n<span id=\"aya-256\"></span>﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٢٤٩)\n٢٤٩ - ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ بعدما أذعنوا لملكهم الجديد غادر البلدة بهم للقاء العدو فقال ﴿قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ مبتليكم أي مختبركم، وابتلاء الناس يكون بظهور الشيء فالله تعالى لا يثيب ولا يعاقب الناس بعلمه المسبق عنهم، ولكن بظهور الأفعال منهم، وذلك لا يحصل إلاّ بالتكليف، ولذا سمّي التكليف ابتلاء ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ التكليف كان عدم الشرب من","vol":"1","page":163},{"text":"النهر، رغم العطش والمشقة، والمغزى أن الإيمان والثقة بعدالة القضية لا قيمة لهما إذا لم يرافقهما الانضباط والالتزام بالشرع، وعدم الاكتراث بالمصالح المادية الشخصية ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ بعد أن جاوز النهر مع القليل من المؤمنين معه أبدى الباقون أنهم لا يستطيعون مجابهة جالوت ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ لم يكن لدى الموقنين بالآخرة أي شك بالنتيجة النهائية ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الصابرين على صعوبة التكليف.\n\n<span id=\"aya-257\"></span>﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٢٥٠)\n٢٥٠ - ﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ عند اللقاء توجهّوا إلى الله تعالى بالدعاء قائلين: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ تعبيرا عن المبالغة في طلب الصبر تجاه أهوال الحرب ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ حتّى لا نضطر إلى الفرار ﴿وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال البيضاوي: في هذا الدعاء ترتيب بليغ إذ سألوا ربّهم الصبر، ثم الثبات، ثم النصر الذي يترتب على الصبر والثبات.\n\n<span id=\"aya-258\"></span>﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٢٥١)\n٢٥١ - ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بتوفيقه وتيسيره ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ كان داوود في جيش طالوت واستطاع أن يقتل جالوت ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ بعد موت طالوت، خلفه داوود في الملك ﴿وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ أي آتاه النبوة لقوله تعالى ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء ٤/ ١٦٣]، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ وهو شرح للكيفية التي يسير بها العالم وفق الخطة الالهية، وهو مغزى القصة، فالله تعالى يعطي السلطة والقوة لبعض","vol":"1","page":164},{"text":"الأمم ضمن حدود معينة، فإذا تجاوزت وفسدت جابهها بأمّة أخرى لتكبحها، ولو أنّه فسح المجال لأمة واحدة أن تسيطر وتطغى إلى الأبد لانتشر الفساد وعمّت الشرور ﴿وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ فمن فضله تعالى أنّه يضع حدّا للفساد والطغيان.\n\n<span id=\"aya-259\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٥٢)\n٢٥٢ - ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ بما فيها من العبر البليغة ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنّ النبي ﷺ عرف تاريخ الأقوام القديمة عن طريق الوحي، من غير تعلّم ولا دراسة، وفي ذلك إفحام لمن شكّك في نبوّته من أهل الكتاب، خاصة إذا عرفنا أن كتب اليهود والنصارى لم تكن مترجمة للعربية زمن البعثة النبوية، ولم تترجم للعربية حتى العام ١٠٦٠ م.\n\n<span id=\"aya-260\"></span>﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ (٢٥٣)\n٢٥٣ - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ وهو موسى ﵇ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ وهو محمد ﷺ كونه بعث للناس كافة، بخاتم الرسالات لكل العصور والأزمان ﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ورود عيسى ﵇ في هذا السياق للتأكيد على كونه نبيا ولدحض ادعاءات من اعتبروه إلها، ولمعنى التأييد بالروح القدس راجع آية [المائدة ٥/ ١١٠]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فطر تعالى الناس على حرية الرأي والاختلاف، ولو شاء تعالى لجعل سنته في خلقه أن يعذر المتخالفون بعضهم بعضا وأن يكون خلافهم في الرأي مقتصرا على النقاش فيدعم كل منهم رأيه بالحجة فقط، فلو","vol":"1","page":165},{"text":"كانت تلك سنته تعالى في الخلق لما اقتتلوا، ولكن جعلهم درجات في الفهم والفكر، فكان اختلافهم في الرأي والمصالح، مع عدم عذر بعضهم بعضا، مؤديا إلى الاقتتال بين بعضهم البعض.\n\n<span id=\"aya-261\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٥٤)\n٢٥٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ بعد قصّة داود وطالوت، يعود القرآن الكريم إلى موضوع الآية التي سبقت هذا الشرح ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٢٤٥)، ويلاحظ في قوله ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ أنّه لا يطلب من المؤمنين إلاّ بعض ما جعلهم مستخلفين فيه، والعبرة في الآية أنّ من اتّبعوا طريق الإيمان الصحيح يجب أن يكونوا مستعدّين للتضحية المالية في سبيل ذلك ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ حيث لا تقدرون يومئذ على ابتياع شيء بأموالكم ﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ الخلّة من الخليل وهو الصديق، والمعنى أن خليل المرء، إن كان ينفعه في الدنيا، فلا يقدر على شيء في الآخرة ﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ لا شافع يشفع لهم عند الله كما كان بعضهم يشفع لبعض في الدنيا ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الكافرون في هذا المجال هم الذين يعتبرون ممتلكاتهم الشخصية لديهم أعز من رضا الله، أو من يظنون أنهم رغم شحّهم وإحجامهم عن التضحية فسوف لن يحاسبوا على ذلك يوم القيامة فيغفر لهم بشفاعة غيرهم، والظلم والكفر يتواردان في القرآن على المعنى الواحد فيطلقان تارة على ما يتعلق بالعقيدة وتارة على ما يتعلق بالعمل.\n\n<span id=\"aya-262\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.","vol":"1","page":166},{"text":"٢٥٥ - بعد أن ذكّر تعالى في الآية السابقة بيوم القيامة، حيث لا ينفع المرء مال ولا خلة ولا شفاعة، أتبعها في هذه الآية بأن لا سلطة حقيقية في الوجود إلاّ لله وحده:\n﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية إلاّ الله، وبالتالي لا مستحقّ للعبادة سواه، والعبادة هي الطاعة، فالمعنى لا مستحق للطاعة المطلقة إلاّ الله تعالى ﴿الْحَيُّ﴾ له الحياة الدائمة وكل ما عداه فان والمخلوقات تحيا بإمداد منه ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بذاته والقيّم على كلّ شيء من خلقه ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ السنة هي النعاس، والمعنى لا يغيّره ما يغيّر غيره، ولا يزيله عمّا لم يزل عليه، والدائم على حال واحد لا يتغيّر ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ الجميع عبيده، وكلهم مقهور لسنّته في الكون ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ لأنهم ظنّوا أن لهم شفعاء عند الله انظر آية [يونس ١٠/ ١٨]، وآية [الزمر ٣٩/ ٣]، ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما هو ضمن ادراكهم، وما هو خارج ادراكهم ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ لا يعلمون من علم الغيب والمشاهدة إلاّ ما شاء أن يعلموه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ كرسيّه كناية عن علمه، أي إن علمه وسع كلّ شيء كما أخبر تعالى عن نفسه في دعاء الملائكة ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر ٤٠/ ٧]، وأصل «الكرسي» العلم ومنه «الكرّاسة» وهي الصحيفة التي كتب بها علم، ومنه يقال للعلماء «كراسي» ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ لا يشقّ عليه حفظ هذه العوالم، فهو العليّ عن النظير، وكل ما دونه صغير عن عظمته.\n\n<span id=\"aya-263\"></span>﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٥٦)\n٢٥٦ - في الآية السابقة أن الله تعالى هو القيوم على خلقه، لذا بعث إليهم الأنبياء والرسل، وختمهم بالنبي الأحمد ﷺ (الآية ٢٥٣) فتميّز الحق من الباطل:","vol":"1","page":167},{"text":"﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ بعد أن تميّز الحق من الباطل، لا يصحّ أن يكون الإيمان مبنيا على الإجبار والقسر، وإنّما على الحرية والاختيار، لأنّ القهر والإكراه ينافيان التكليف فيبطل معنى الاختبار.\nوالخطاب استمرار للآية (٢٥٣) إن الاختلاف سببه حرية الخيار التي كرّم بها تعالى خلقه، ونظير ذلك قوله تعالى ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ١٨/ ٢٩]، وقوله تعالى ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ١٠/ ٩٩]، وقوله تعالى ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء ٢٦/ ٤]،\n﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ الطاغوت كلّ رأس في الضلال كائنا ما كان، سواء كان معبودا بقهر منه لعابديه، أو بطاعة ممّن عبدوه، والعبادة بمعنى الطاعة المطلقة، وقدّمت الآية الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى، في إشارة أنّه لا يجتمع الإيمان بالله مع طاعة رؤوس الضلال ﴿فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها﴾ العروة الوثقى أي التي لا تنقطع، وهي ما يتعلّق به المرء للنجاة، ضربها تعالى مثلا لما يعتصم به المؤمن، وقيل هي الإسلام، ولا تنقطع لقوله تعالى ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال ٨/ ٥٣]، والاستمساك بالعروة الوثقى لا يتم إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان الصحيح وما يترتب عليهما ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع للقول عليم بالنوايا.\n\n<span id=\"aya-264\"></span>﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٥٧)\n٢٥٧ - ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي الذين اختاروا الإيمان، والمؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد عليه إلا الله تعالى ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾","vol":"1","page":168},{"text":"يخرجهم بتوفيقه من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وهذا بمثابة الدليل على منع الإكراه في الدين، لأن الولاية على العقول والقلوب هي لله وحده ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي الذين اختاروا الكفر وصمّموا عليه ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ لأنه لا سلطان على نفوسهم إلا الباطل ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾ من النور الذي منحوه بالفطرة وبالرسالات السماوية إلى الكفر والجهل والانهماك في المادة ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بما اكتسبوه لأنفسهم من الضلال.\n\n<span id=\"aya-265\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥٨)\n٢٥٨ - الآية تضرب مثلا لما قبلها بمعنى:\nانظروا إلى إبراهيم كيف اهتدى إلى الحجج القيّمة بولاية الله له، وإلى الذي حاجّ إبراهيم كيف تعامى عن نور الحجّة باستسلامه للطاغوت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ قيل هو ملك كلدان في العراق وقت بعثة إبراهيم ﵇ ﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ أي أنّ إيتاء الله تعالى الملك له حمله على الغرور والمحاجّة، فقد كان نظام حكمه قائما على التفرد والتسلط ﴿إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ حجّة إبراهيم شبيهة بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة ٢/ ٢٨]، ومغزى قول إبراهيم: أنّ الحياة إنما تكون بإمداد من الله وحده، والموت يكون بسحب هذا المدد منه، وبالتالي ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية إلاّ الله، ولا مستحقّ للطاعة المطلقة إلاّ هو، وبذلك نفى كل ادّعاء للألوهية أو الربوبية عن الملك وغيره، وقد يكون قصد إبراهيم من الإحياء معنى الهداية: كقوله تعالى ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام ٦/ ١٢٢] فيكون الكفر","vol":"1","page":169},{"text":"بمثابة الموت، والإيمان بمثابة الحياة، لأنّ إبراهيم كان بصدد دعوة الملك إلى الهدى،\n﴿قالَ﴾ الملك ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ لم يفهم الملك مغزى كلام إبراهيم إلاّ فهما سطحيا، بمعنى أن باستطاعة الملك قتل من يريد وترك من يريد حيّا، فلذلك انتقل إبراهيم من الإقناع المعنوي إلى الإقناع الحسّي فقال له: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ بهت أي صار مغلوبا لا يجد حجة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الظالم بهذا المعنى الإعراض عن النور الإلهي، وهو نور العقل الصحيح البريء من الأهواء الذي لم يستسلم للطواغيت، وينسب تعالى «الهداية» إلى مشيئته لأنّ سنن الطبيعة بأكملها من أسباب ونتائج تعود إليه، ومن ذلك أنّ الاهتداء نتيجة طبيعية لحرية الخيار الذي منحه تعالى لبني آدم، انظر شرح الآية (٦)، فالكافر لم يقرّ بالايمان رغم الدليل القاطع، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ١١١]، وقوله تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ٢٧/ ١٤].\n\n<span id=\"aya-266\"></span>﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٥٩)\n٢٥٩ - من المهم ملاحظة أنّ هذه الآية تتوسط الآية السابقة التي يقول فيها إبراهيم ﵇ للكافر: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ثم الآية التالية التي","vol":"1","page":170},{"text":"يطلب فيها إبراهيم من ربّه أن يريه إحياء الموتى، وفي هذه الآية يبيّن تعالى نسبيّة الزمن، ومعجزة الخلق الموجودة في كلّ شيء:\n﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ ليس في القرآن والسنة ما يدلّ على شخصية الذي مر على القرية أو مكانها، وليس من المهم معرفة من هو لأنّ العبرة بمغزى القصة ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالية من أهلها وقد انهارت سقوفها ﴿قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ قال ذلك تعجبا واستغرابا، أو استبعادا ﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ بعثه برهانا لقدرته تعالى على إحياء الموتى ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يتسنّه أي لم يؤثر عليه مرّ السنين، فبقي كما هو ﴿وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ﴾ معطوف على قوله ﴿فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ﴾ والمعنى أنّ الحمار أيضا لم يتسنّه، ولا زال حيا برهانا على قدرته تعالى على منح الحياة بلا أمد ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ لأنه عندما يخرج إلى الناس فسوف يجد أن الأجيال قد تغيرت وبقي هو على حاله، وهذه العبارة تتوسّط الكلام، بين المعجزات الخاصة بإحيائه وعدم تسنّه الطعام وإبقاء الحمار حيّا، وبين المعجزة العامة التي غفل عنها هذا المتعجّب وهي نشوز العظام من العدم:\n﴿وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ أي تفكّر في معجزة الخلق المستمرّة، وكيف يتطور الجنين وتتكوّن عظامه في الرحم وهذا منتهى الإعجاز، وهو شبيه بقوله تعالى ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون ٢٣/ ١٤]، فمن ينظر في ذلك لا يستغرب إحياء القرية بعد موتها، فالمعجزات موجودة في الخلق وفي كلّ وقت، والزمن نسبي، وللإنسان أن يتدبّر ذلك ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أدرك حقيقة الإعجاز فيما اعتاد أن ينظر إليه كمسلّمات من الأمور العاديّة.","vol":"1","page":171},{"text":"<span id=\"aya-267\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦٠)\n٢٦٠ - ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ أرني بعيني كيفية إحيائك الموتى، وهو سؤال بصيغة الإقرار إذ بدأه إبراهيم بإقرار الربوبية، ﴿قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ وهو سؤال بصيغة بيان الواقع، أي سبق وقد آمنت يا إبراهيم، والمعنى أنّ الإيمان بهذا السر الإلهي والتسليم به كاف، فذلك منتهى ما يطلب من البشر، ولا ينبغي لهم ولا يمكن لهم معرفة كنه القدرة الإلهية ممّا استأثر به تعالى في علمه، ﴿قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ طلبا للطمأنينة فيما تاقت إليه نفس إبراهيم من معرفة أسرار الربوبية، وقد يكون سؤال إبراهيم بمعنى: ربّ أرني كيف تهدي الكفار، لقوله تعالى ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام ٦/ ١٢٢]، ﴿قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي أملهنّ إليك، لأنّ صاره أو يصيره بمعنى أماله، والمقصود أن تألفه الطيور فتميل إليه، قال أبو مسلم الأصفهاني: هذا هو المشهور في اللغة، وأما التقطيع والذبح كما يقول البعض فليس في الآية ما يدلّ عليه، وثانيا: لو كان المقصود قطّعهنّ لما قال ﴿إِلَيْكَ﴾ وإنما يستقيم المعنى عندما يكون أملهنّ إليك، وثالثا: أنّ الضمير في ﴿اُدْعُهُنَّ﴾ عائد للطيور وكذلك الضمير في ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا،﴾ ﴿ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ جزء الأربعة هو الواحد أي اجعل على كل جبل منها واحدا (الرازي)، ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ مهما كانت الجبال بعيدة تأتيه الطيور بمجرد دعوتها، والمغزى أنّه كما أطاعت الطيور إبراهيم فأتت إليه بمجرد دعوتها، فكذلك يحيي الله الموتى، ويهدي الكفار بقوله كن فيكون، وذلك غاية ما يطمح البشر لمعرفته من سر الإحياء والهداية ﴿وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه حكيم في خلقه.","vol":"1","page":172},{"text":"<span id=\"aya-268\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦١)\n٢٦١ - بعد أن بيّن تعالى موضوع الإيمان في الآيتين السابقتين أتبع في هذه الآية بذكر الإنفاق، لأن الإيمان اليقيني والعمل الصالح لا ينفك أحدهما عن الآخر:\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الإنفاق في سبيل الله يشقّ على الكثير من النفوس، فعلّمهم تعالى أنّ ما ينفقونه في المصالح العامة مفيد لهم في دنياهم وآخرتهم، وقد ذكر في الآية (٢٤٥) أنّ الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى، ووعد بمضاعفته أضعافا كثيرة، ثم ذكر هنا سبع مئة ضعف تعبيرا عن الكثرة وليس تحديدا لها، ولذلك قال ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ فيزيده زيادة لا تقدّر ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ لا ينحصر فضله ولا حدود لعطائه ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق المضاعفة من المخلصين، ومن الواضح أنّ آثار النفقات تظهر آثارها مباشرة في قوة الدين وانتشاره، وسعادة المسلمين، وازدهار مؤسساتهم الدينية والإجتماعية والصحية.\n\n<span id=\"aya-269\"></span>﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٦٢)\n٢٦٢ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً﴾ المنّ في الأصل هو النقص لأنّه ينقص النعمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم ٦٨/ ٣] أي غير منقوص وغير مقطوع، ومنه سمّي الموت منونا لأنّه ينقص الأعمار، ظاهريا، أو يقطعها، والمعنى أنّ المنّ، وهو أن يذكر المحسن تفضّله على من أحسن إليهم، ينقص الأجر أو يبطله، وكذلك الأذى، وهو مباهاة المرء بإحسانه أمام الغير، لأنّ الإنفاق إن كان خالصا لوجه الله فلا معنى","vol":"1","page":173},{"text":"لمنّ المنفق على من أنفق عليه، لأنّ المعطي حقّا هو الله وليس العبد، فعليه أن يعتقد بأنّ الله قد أنعم عليه إذ وفّقه لهذا العمل ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم عند فراقهم الدنيا ولا من أهوال القيامة، ولا يحزنون على ما خلّفوا وراءهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-270\"></span>﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٢٦٣)\n٢٦٣ - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قول جميل، ودعاء الرجل للسائل ولو لم يعطه شيئا ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي ستر منه على السائل لما يعلمه من سوء حالته ﴿خَيْرٌ﴾ عند الله ﴿مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾ بالتفاخر أمام الناس أو سوء القول أو سوء المقابلة ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ﴾ عمّا يتصدّقون به ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجّل بالعقوبة على من يمنّ بالإنفاق على غيره ويؤذيه.\n\n<span id=\"aya-271\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦٤)\n٢٦٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المراد إبطال أجرها وثوابها بالمنّ والأذى، لأنّ المرائي لا يؤمن بالله واليوم الآخر إلا إيمانا ظاهرا، وهو ينفق كي يظهر أمام الناس، فبطلان أجره وثوابه لا شك فيه، كبطلان أجر وثواب المؤمن الذي يتبع صدقاته بالمنّ والأذى ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي المرائي ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ الصفوان هو الصفا أي الصخرة الملساء ﴿فَأَصابَهُ وابِلٌ﴾ من المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي صلبا أملس، وقد شبّه تعالى نفقة المرائي والمانّ والمؤذي، بالمطر ينزل على صخر عليه تراب قليل، فيذهب التراب وتبقى الصخور لا تستفيد من المطر ولا تنبت شيئا، والمعنى أنّ ثواب الإنفاق يبطل بسبب المن والأذى والرياء ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ المرائي والمانّ","vol":"1","page":174},{"text":"والمؤذي لا يكسبون ثواب ما أنفقوا ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ من يختار الكفر والنفاق لا يهتدي إلى الإخلاص بإنفاق المال على الوجه الصحيح.\n\n<span id=\"aya-272\"></span>﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢٦٥)\n٢٦٥ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ يريدون رضا الله وهو غايتهم الأولى من الإنفاق ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ تثبيتا من أنفسهم لهم على طاعة الله وهي الغاية الثانية، وقيل إنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، وقيل تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم في منازل الايمان ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أي بستان ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ الربوة هي المكان المرتفع عن السيل ﴿أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ أصابها المطر الغزير فضاعف ثمرها، فشبّه الإنفاق بالمطر الغزير ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ إن لم يصبها المطر يهبط عليها الندى أو الرذاذ أو المطر الخفيف وهو الإنفاق القليل بقدر المستطاع، ومعنى التشبيه أن المنفق ابتغاء مرضاة الله كالبستان الخصب إذا أصابه الخير الكثير، أي الإنفاق كالمطر المنهمر، وإن أصابه خير قليل أنفق منه بقدره كالندى، وفي الحالتين يناله ثواب عظيم وهو معنى قوله ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ،﴾ ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بصير بالإنفاق وبالنوايا.\n\n<span id=\"aya-273\"></span>﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٦٦)\n٢٦٦ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ الكلام لا يزال في الإنفاق، وقد ضرب تعالى مثلا بمن حصل على نعم الدنيا ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ وكان له فيها من كلّ مباهجها ﴿وَأَصابَهُ﴾","vol":"1","page":175},{"text":"﴿الْكِبَرُ﴾ وهو لا زال ممسكا عن الإنفاق، مفرّطا في طاعة الله، ولم يكن همّه إلاّ الدنيا ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ فنشأت ذريّته مثله، تعمل لدنياها ولا تعمل لآخرتها، وهذا منتهى الضعف ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ترك دنياه خلفه بعد موته فلا تفيده شيئا، كأنّما أصابها إعصار فاحترقت، والإعصار كناية عن الشحّ ومنع الإنفاق والتهالك على المادة، والمعنى أنّه بعد موته وجد نفسه صفر اليدين، بأشدّ الحاجة إلى عمل صالح لو كان فعله، روى مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ لعلّكم تتفكّرون في زوال الدنيا وإقبال الآخرة فتعملون لها قبل فوات الأوان، لأن الامتناع عن الإنفاق، أو الإنفاق رئاء الناس، كمن احترقت ثروته فلم يبق منها شيء، انظر الآية (٢٥٤).\n\n<span id=\"aya-274\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢٦٧)\n٢٦٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ طيبات ما كسبتم بمعنى أنّ الزكاة والصدقة يجب أن تكونا من المال الحلال، والمعنى أنّ الأصل في مال المؤمنين أن يكون حلالا ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ من نتاج الزراعة والمعادن والوقود ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ لا تقصدوا كسب المال الحرام ثمّ تنفقوا منه ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ لأنّ المال الحرام الذي تحصّل من الرشوة، وأكل مال الغير بالباطل، قد حلّله المرء لنفسه باختلاق أعذار واهية، فكأنه أغمض عينيه عن إثمه ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ غنيّ عن صدقاتكم كلّها، فكيف بالحرام منها؟ وحميد بما أعطاكم من النعم.","vol":"1","page":176},{"text":"<span id=\"aya-275\"></span>﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٦٨)\n٢٦٨ - ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ وسوسة الشيطان للنفس الأمّارة بالسوء تخوّف المرء من الفقر إذا أراد الإنفاق ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ عن طريق الوسواس السييء، والفحشاء البخل، لأن البخل عند العرب من أفحش الفواحش ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ بستر المعاصي وتكفير الذنوب ﴿وَفَضْلًا﴾ بأن يخلف على المنفق في الدنيا بتسهيل أسباب الرزق له، كما يرفع من شأنه في قلوب الناس، وهو الرزق المعنوي ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ واسع المغفرة والغنى ﴿عَلِيمٌ﴾ بالنفقات والغيب ومستقبل العباد.\n\n<span id=\"aya-276\"></span>﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٦٩)\n٢٦٩ - بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة أن الشيطان يعد الفقر، ويوسوس به، ويأمر بالفحشاء، وأنّ الرحمن يعد بالمغفرة والفضل، نبّه على أنّ الحكمة ترجّح وعد الرحمن، فقال تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ والحكيم هو المنفق ماله، بدليل أن الآية السابقة والآية التي تلي كلاهما في الإنفاق.\nومن تفسير الحكمة في القرآن الكريم أنّها العقل والعلم والعمل به كقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان ٣١/ ١٢]، وهي أيضا بمعنى الحكم القرآنية كقوله تعالى ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة ٢/ ٢٣١] ولذا قيل إن الحكمة هي القرآن والفقه به،\n﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ بالإنفاق حسب الآيات (٢٦١ - ٢٦٧)، ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لما يترتب عليها من المغفرة والفضل من الله، كما في الآية (٢٦٨)﴾، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ لأنّ أولي الألباب يعلمون الحكمة ويعملون بها،","vol":"1","page":177},{"text":"قال الرازي في تفسير دعاء إبراهيم ﵇ بآية [الشعراء ٢٦/ ٨٣]: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ أي الحكمة النظرية ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أي العمل بها،\n\n<span id=\"aya-277\"></span>﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٢٧٠)\n٢٧٠ - ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ سواء أخرجتم النفقة أو نذرتم انفاقها ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ يعلم ما أنفقتم ويعلم ما نذرتم فيجازيكم به بحسب نواياكم ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ الظالم بهذا المعنى من لا ينفق فهو بالنتيجة يظلم نفسه، انظر الآية (٢٦٦)، وإذا أنفق فهو ينفق لغير المستحق، فيظلم المستحقين.\n\n<span id=\"aya-278\"></span>﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٧١)\n٢٧١ - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ أي نعم ما هي أو نعم الشيء هي.\nوالصدقة تطلق على الفرض وعلى النفل، أمّا الزكاة فلا تطلق إلاّ على الفرض، قال تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة ٩/ ٦٠]، وقال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة ٩/ ١٠٣]، فسمّى الزكاة صدقة\n﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ﴾ اشترط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء، والمقصود حثّ المتصدّق على تحرّي موضع الصدقة فيعطيها للمستحقين ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قد يكون المعنى ترجيح الإخفاء على العلانية، وقد لا يكون ترجيحا، بمعنى أن الإخفاء وإيتاء الفقراء هو خير من الخيرات، والقاعدة إظهار الفرض وإخفاء التطوع، روي أنّه ﷺ كان أكثر صلاته في البيت، إلاّ المكتوبة، فكذا في الصدقات ما لم يكن مصلحة في خلاف ذلك، وفي الحديث أنّ السر أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الإقتداء به ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ التكفير في اللغة التغطية والستر، فالكفارة ستر لما حصل من الذنب، وقوله تعالى ﴿مِنْ﴾","vol":"1","page":178},{"text":"﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ يعني بعضها لكي يكون العبد بين الخوف والرجاء ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعلم صدقاتكم في السر والعلن.\n\n<span id=\"aya-279\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٢٧٢)\n٢٧٢ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ والمراد به هو وأمّته، والمقصود ليس عليك أن تلجئ غير المسلمين إلى الاهتداء بأن تمنع الصدقة عنهم، فمثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ فيكون الاهتداء بالتطوّع والاختيار ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ تعود لكم منفعته في الدنيا، وثوابه في الآخرة، ولا يضرّكم كفرهم ﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ إن كنتم مهتدين حقّا ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ يوفّ إليكم جزاء الإنفاق في الآخرة ولا ينقص منه شيئا، فمالكم تمنعون النفقة وتمنّون عليهم؟ إنّما النفقة لأنفسكم وابتغاء مرضاة الله، وقد أجمعوا أنّ صدقة التطوع تجوز للمسلم وغير المسلم، أما الزكاة فخاصة بالمسلمين فقط.\n\n<span id=\"aya-280\"></span>﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢٧٣)\n٢٧٣ - بعد أن بيّن تعالى أنّ صرف الصدقة يكون للفقراء بقوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ (٢٧١)﴾، بيّن في هذه الآية الفقراء الأشدّ استحقاقا، فقال جل ثناؤه:\n﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ المعنى أنفقوا للفقراء الذين حصروا أنفسهم أي وقفوها على الجهاد في سبيل الله، سواء كان هذا الجهاد بالقتال أو بالدعوة أو العمل لصالح الدين والمجتمع، وأيضا الذين تحمّلوا الأذى والضرر في","vol":"1","page":179},{"text":"سبيل ذلك ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ لا يستطيعون السفر في البلاد طلبا للرزق لأنهم كرّسوا أنفسهم وأوقاتهم للجهاد ممّا يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ الجاهل بحالهم يحسبهم أغنياء، لأنهم لا يسألون أحدا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ السمة هي العلامة، والمعنى أنّ أثر الجهد والفقر والحاجة ظاهر عليهم، لا يخفى على فراسة المؤمن ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾ السائل الملحف هو اللحوح الذي يستخرج المال من غيره بكثرة إلحاحه وتلطّفه، والمعنى أنهم لا يسألون الناس، وإذا سألوا عن ضروة لم يلحّوا، لأنّ السؤال محرّم لغير ضرورة ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيثيبكم عليه.\n\n<span id=\"aya-281\"></span>﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٤)\n٢٧٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه الآية عامة في الذين ينفقون الصدقات في جميع الأوقات وجميع الحالات، كلّما ظهرت لهم حاجة محتاج أنفقوا عليها دون انتظار موسم أو وقت معيّن ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم من أهوال القيامة ولا يحزنون لفراق الدنيا وما خلّفوه وراءهم.\n\n<span id=\"aya-282\"></span>﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٧٥)\n٢٧٥ - هنالك علاقة مباشرة بين موضوع الربا في هذه الآية، وموضوع الصدقات الذي سبق، لأنّ أحدهما نقيض الآخر، فالصدقة هي إنفاق المال دون توقّع أي مردود دنيوي، في حين أنّ الربا هدفه تحصيل المال دون بذل أي مجهود","vol":"1","page":180},{"text":"من قبل المقرض، كما أن أكلة الربا، على العكس من المنفقين تماما، يمتصون أموال الآخرين دون وجه حق: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ ويتهالكون على المادة ﴿لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ لأنّ الشيطان يدعو إلى طلب الدنيا واللّذات والشهوات، فينشغل الإنسان عن الذكر، وآكل الربا يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا عليها، فيصبح سلوكه كما لو أنّ به مسّ من الشيطان، وهذا تشبيه، لأن العرب زعمت أنّ الإنسان يتخبّط من مسّ الشيطان، والمسّ عندهم هو الجنون، وزعموا أيضا أن الجنّي يمسّ الرجل فيختلّ عقله، ولذا قالوا: جنّ الرجل، كما كانوا إذا أرادوا تقبيح شيء نسبوه إلى الشيطان، انظر الرازي، فخاطبهم القرآن على ما تعارفوا عليه، وقد يكون مسّ الشيطان أيضا وساوسه السيئة، وقيل المقصود وصف حالة أكلة الربا يوم الجزاء ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ كلمة ﴿ذلِكَ﴾ تشير إلى تخبطهم المذكور فيما تقدّم، أي إنّ حالتهم تلك سببها قولهم أنّ البيع مثل الربا ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ وذلك لعدّة وجوه منها:\nأ- الربا عبارة عن الاستيلاء على مال الغير بلا مقابل رغم أنّ المال له حرمة عظيمة، وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: «حرمة مال الإنسان كحرمة دمه»، فلذا يكون أخذ مال الغير من غير مقابل محرّما، فإن قيل: لم لا يكون هنالك مقابل لبقاء المال في يد المقترض، إذ لو بقي رأس المال في يد صاحبه لأمكنه أن يتّجر فيه ويستفيد ربحا في حين أن الربح استفاد منه المقترض، والجواب أنّ ربح المقترض المشار إليه أمر ظنّي قد يتحقق وقد لا يتحقق، في حين أن الربا الذي يقتصّه صاحب المال أمر مؤكّد فلا يجوز اقتصاص شيء مؤكّد مقابل شيء ظنّي، ولهذا السبب لا يدخل في الربا من يقرض آخر مالا يستثمره ويشاركه في ربحه أو خسارته إن حصل.","vol":"1","page":181},{"text":"ب - التعامل بين الناس يجب أن يكون بحيث يستفيد الواحد من الآخر مقابل عمل، وليس لأحد حق على الآخر من دون عمل.\nج - الاشتغال بالربا غير منتج، ينتفع صاحبه به دون مشقة، وهو يصرف الناس عن الانشغال بالإنتاج المفيد كالصناعة والتجارة والحرف والعمار وذلك يؤدي إلى البطالة والركود والإضرار بالمجتمع.\nد - لا معنى للاتّجار بالنقود مقابل النقود إلاّ اتّخاذها هدفا لذاتها، كالاتجار بالأوراق النقدية، وهذا ظلم فالنقود وجدت لتكون ميزانا لتقدير القيمة وتبادل السلع، فلو تبدّل ذلك وصارت النقود مقصودة لذاتها عن طريق الاتّجار بها لأدّى ذلك إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثرية الناس لتنحصر في أيدي من يقتصر عملهم على من يربحون المال بالمال، وبالنتيجة يبخس العاملون قيم أعمالهم لأنّ الربا يذهب بمعظم الربح فيهلك الفقراء.\nهـ - غالبا ما يكون المقرض غنيا والمقترض فقيرا فبواسطة الربا يأخذ الغني من الفقير مالا زائدا مؤكّدا دون أن يتحمّل أي عبء أو مخاطرة مع الفقير، إذ يحتفظ بحقه في رأس المال كاملا، وقد ينتهي الأمر بالحجز على أموال الفقير بكاملها.\nو- الربا استغلال محض يؤدّي إلى انقطاع المعروف والإحسان بين الناس.\n﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ له ما أكل من الربا قبل نزول الحكم وحسابه على الله، والمعنى عدم ملاحقة المرابين لاسترداد ما أخذوه في السابق لأنّ ذلك يؤدّي إلى نزاعات قضائية لا حدّ لها، فالتحريم لم يكن له مفعول رجعي كي لا يسبب اضطرابا في المعاملات الاقتصادية بين الناس، وليس معنى ذلك أن ما أخذه المرابون في السابق يعتبر حلالا ولكن حسابهم على الله، وفي ذلك حثّ للمرابين كي يعيدوا طواعية ما أخذوه من ربا سابق إلى أصحابه ﴿وَمَنْ عادَ﴾ من عاد إلى استحلال الربا","vol":"1","page":182},{"text":"والعمل به مدّعيا أن البيع مثل الربا صار كافرا: ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-283\"></span>﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٧٦)\n٢٧٦ - بعد أن شرح تعالى في الآيات المتقدّمة مواضيع الربا والصدقات بيّن في هذه الآية عاقبة كلّ منها وهي محق الربا وإرباء الصدقات، أما المحق فهو النقصان، والإرباء هو النموّ، ويتّضح معنى الآية بقوله ﷺ «الربا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلّ» رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود، فالبركة تزول عن مال المرابي لأنه يستغرق في حب الدنيا، ويتهالك عليها، ويصبح جمع المال شغله الشاغل، وهدفا نهائيا بذاته، فيختلّ تفكيره ويفقد توازنه ولا يهنأ بكسبه، وتعمى بصيرته عن الحقيقة وعن الآخرة، وتؤول عاقبته إلى العداوة والكراهية بينه وبين الناس.\nوتلاحظ العواقب الوخيمة للربا في الحياة الاقتصادية للأمّة على نطاق واسع: فالقروض الربوية منها الاستهلاكية التي يضطرّ لها الفقراء للوفاء باحتياجاتهم المعيشية اليومية، ومنها قروض الاستثمار التي قد يحتاجها بعض التجار والصناعيين والمزارعين لتأسيس أو تشغيل مشاريعهم.\nأمّا القروض الاستهلاكية فمن الواضح أنّها تؤدي إلى خراب المجتمع، لأنّ الفقير يقترض ما يحتاجه لسداد قوته اليومي، فيكون عبء الربا من الثقل بحيث لا يستطيع سداد الدين الأصلي، بل قد يحتاج للاقتراض من جديد لسداد الفوائد، وهكذا قد يدفع أضعاف الدين الأصلي ويبقى أصل المبلغ دون سداد، والنتيجة أن فئة قليلة من الناس تستغل الأكثرية بامتصاص مجهودها فينخفض الإنتاج على المدى الطويل وتتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية معا وتنمو بذور الاضطرابات ويتفكك المجتمع.","vol":"1","page":183},{"text":"أمّا قروض الاستثمار في المشاريع الإنتاجية فهي أيضا تسبب الضرر بالتثبيت المسبق لنسبة ربح فاحشة، كما يلاحظ في الأمثلة التالية:\n(١) المشاريع الضرورية للمجتمع التي قد يكون مردودها المادي أقل من معدلات الفائدة على الإقراض تبقى من دون تحقيق لأنها لا تجد من يمولها.\n(٢) لا يمكن لأحد أن يضمن سلفا أنّ مشروعه سوف يحقق ربحا أعلى من نسبة الفائدة على الإقراض أو يضمن أن يكون مشروعه رابحا أصلا ففي هذه الحال تبقي الجهة المقرضة ضامنة للربا الذي تستوفيه في حين يكون احتمال المخاطرة والخسارة على صاحب المشروع قائما.\n(٣) تعتبر فوائد الإقراض عبئا ماليا يضاف إلى كلف المشروع فينتج عنها انخفاض معدل الربح وقد تجعل المشروع غير مجد اقتصاديا، بل قد تجعله خاسرا إذا كان هامش الربح متواضعا، وفي جميع الأحوال تبقى عاملا سلبيا تهدد المشروع بالخسارة والحجز.\n(٤) بما أن اهتمام المؤسسات الربوية منصب فقط على تحصيل الربا بغضّ النظر عن نجاح المشاريع أو فشلها، فعند ظهور أقل مؤشر لركود الاقتصاد تبادر هذه المؤسسات لسحب أموالها من الأسواق ممّا يسبب تفاقم الركود وزيادة البطالة.\n(٥) كثيرا ما تتصرف المؤسسات الربوية بأموال المودعين بأن تقرضها بربا فاحش إلى جهات يشكّ في نجاحها الاقتصادي، فهي بذلك تغامر بأموال الآخرين مقابل الربا الفاحش الذي تتقاضاه.\nوعلى النقيض من كلّ ذلك فعندما تكون رؤوس الأموال شريكة في المشاريع، وليست مجرّد جهة خارجية مقرضة، فيتحمل أصحابها إمكانية الربح والخسارة، ويكون لهم مصلحة مشتركة في النجاح مع أصحاب المشاريع، وليس","vol":"1","page":184},{"text":"مجرّد استغلال حاجة الآخرين للتمويل، فعندئذ تنخفض كلف المشاريع، ويزداد احتمال الربح وتكون النتائج لصالح الطرفين وازدهار الاقتصاد وانخفاض البطالة.\nروي أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا وإنّ نبيّ الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها فدعوا الربا والريبة»، وفي حين أنّ الربا محرّم بلا جدال، فإنّ مشكلة الاقتصاد الحديث تكمن في المؤسسات الربوية التي تأخذ أموال المودعين مقابل فوائد أقل من نسبة التضخم، ثمّ تقرض هذه الأموال للآخرين مقابل الربا الفاحش.\n\n<span id=\"aya-284\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٧)\n٢٧٧ - بعد أن وصف تعالى في الآية (٢٧٥) أكلة الربا الذين جعلوا الدنيا وجمع المال شغلهم الشاغل وهدفهم النهائي، فاستولى ذلك على عقولهم، واختلّ تفكيرهم وفقدوا توازنهم، فاستهلكتهم رغبتهم العارمة في مشاهدة أموالهم تتضاعف، وعميت بصيرتهم عن الحقيقة، ونسوا الآخرة، ثمّ في هذه الآية يذكر تعالى الصنف الآخر من الناس، الذين استوعبوا حقيقة الدنيا وزوالها، فقدّموا العمل الصالح لآخرتهم، فبشّرهم تعالى بأن لا خوف عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على فراق الدنيا، روى أحمد في مسنده عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».\n\n<span id=\"aya-285\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٧٨)\n٢٧٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين بقلوبكم حقّا، أو إن كان إيمانكم شاملا لجميع ما جاءت به رسالة الاسلام.\n\n<span id=\"aya-286\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾.","vol":"1","page":185},{"text":"٢٧٩ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إن لم تتركوا الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلا يهنأ لكم عيش، ولا يطفئ ظمأكم للمادة شيء، وتجرون وراءها جري الوحوش، وفي زمن البعثة كانت مقاومة الرسول للمرابين بالحرب فعلا، أمّا في حاضرنا فنحن نرى أثر هذه الحرب في تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الربوية، كازياد حجم العجز في ميزانيات الدول الكبيرة والصغيرة، وبشكل تصاعدي حاد لا يرجى منه شفاء، لأنّ الميزانيات لا تكاد تكفي لسداد الفوائد على القروض الحكومية، وقد ترتّب على ذلك تقلص الخدمات الاجتماعية والصحية لمستحقيها، ونقص الدخل وارتفاع الأسعار وزيادة البطالة وارتفاع نسبة الجريمة، واتساع الهوة بين دخل الأغنياء وعامة الناس بسبب تركز الثروة لدى شريحة قليلة من الناس ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي إن تبتم من استحلال الربا ﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ فلا تظلمون الآخرين بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون بنقصان رأس مالكم.\n\n<span id=\"aya-287\"></span>﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨٠)\n٢٨٠ - ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ العسرة من الإعسار، وهو تعذّر وجود المال، والنظرة من الإنظار وهو الإمهال، أما الميسرة واليسر فهي الغنى، والمعنى إذا كان المدين معسرا فعليكم إمهاله وتأجيل الدين حتّى يصير في يسر ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن تصدّقتم بالدين على المعسر فهو خير لكم من الإمهال، والصدقة تكون على الفقير، وأمّا على الموسر فلا، وهكذا فإنّ إمهال المعسر واجب، والأخذ منه بعد الإمهال حلال، ويستحبّ التصدّق عليه بالدين إن كان فقيرا، انظر الطبري.","vol":"1","page":186},{"text":"<span id=\"aya-288\"></span>﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٨١)\n٢٨١ - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وهو يوم الحساب ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وتفصيل ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٩٩/ ٧ - ٨]، وقيل أنّ هذه الآية مع آيات الربا وآية الدين آخر ما نزل من القرآن.\n\n<span id=\"aya-289\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٢)\n٢٨٢ - في الآيات المتقدمة ذكر تعالى أحكام الإنفاق، ثمّ الربا، وفي هذه الآية يوصي تعالى بحفظ الأموال الحلال عن التلف والفساد، وذلك بالتنظيم والاحتياط في أمور التعامل بها:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ أوجب تعالى كتابة الدين والمعاملات المؤجّلة إلى أجل مسمّى، روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ الكتابة بالحق والإنصاف بحيث يضمن كل من الطرفين حقّه ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ لا يجوز للكاتب أن يمتنع عن الكتابة كما علّمه الله من الكتابة والأحكام","vol":"1","page":187},{"text":"والفقه وأصول المعاملات ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإملال والإملاء في اللغة واحد، فالذي عليه الحقّ وهو المدين يملي على الكاتب ليكون إملاله حجّة عليه من جهة، ومن جهة ثانية لكي لا يكون هنالك مجال لغش المدين من قبل الدائن ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ لا ينقص شيئا من الحق الذي عليه،\n﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ والمعنى أنّ الذي عليه الدين إذا لم يكن إقراره معتبرا فالمعتبر هو إقرار وليّه، والسفيه هو ضعيف العقل والرأي أو جاهل بالإملاء والمعاملات، أمّا الضعيف فقد يكون صغيرا أو عجوزا، وأمّا الذي لا يستطيع أن يملّ فقد يكون عاجزا عن الكلام أو غائبا لا يستطيع الحضور ﴿وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ من الذين يعتدّ بشهادتهم، إذ لا يصلح للشهادة أي كان ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ أي إذا أخطأت الواحدة فتذكّرها الثانية، لأن المرأة قد تحار أو يشتبه عليها الحق أحيانا بسبب اضطراب بعض أجهزتها الحيوية أو انحراف في مزاجها،\nوقيل إن هذا مختص بالشهادة في المداينات والمعاملات التجارية والصفقات، خاصة أن موضوع الشهادة ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع وهي:\n[البقرة: ٢/ ٢٨٢]، [النساء: ٤/ ٦، ١٥]، [المائدة: ٥/ ١٠٦ - ١٠٨]، [النور: ٢٤/ ٤ - ٩]، [الطلاق:\n٦٥/ ٢]، ولم تحدد فيها شهادة الامرأتين إلا في آية البقرة التي نحن بصددها،\n﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ لا يمتنع الشهود عن تحمّل الشهادة وقت المداينة، وأيضا لا يمتنعوا عن أداء الشهادة بعد ذلك إذا احتاجهم صاحب الحقّ ﴿وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ﴾ لا تملّوا من كتابته سواء كان الدين صغيرا أو كبيرا ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ الكتابة والإشهاد أعدل","vol":"1","page":188},{"text":"عند الله ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أي أثبت للشاهد إذا كتب بخطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أن ينساه لو لم يكتبه ﴿وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ منعا للريبة والشك في القيمة والأجل، فترجعون عند التنازع إلى الكتاب ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها﴾ عندما يكون الأجل قريبا والتجارة يومية فالكتابة ليست فرضا، ولكن لا مانع من الكتابة كما في المعاملات التجارية اليوم حيث يكتب إيصالا ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ أوجب تعالى الشهود على كلّ مبايعة غير المشار إليها في التجارة الحاضرة ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ أصل الكلمة (يضارر) وأدغمت، فإذا قرأت بفتح الراء الأولى يكون المعنى أنّه لا يجب مضايقة الكاتب أو الشهود أو إكراههما أو الضغط عليهما أو تحميلهما مسؤولية ما تمّ كتابته، وإن قرأت بكسر الراء الأولى يكون المعنى نهي الكاتب والشهود عن الانحياز إلى طرف والإضرار بالآخر ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي فإنّه فسوق كائن بكم، والمعنى يكون بكم إثم ومعصية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيما حذّر منه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ كيفية التعامل وحفظ الأموال ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده وغيرها.\n\n<span id=\"aya-290\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٣)\n٢٨٣ - في هذه الآية والتي قبلها جعل تعالى المعاملات على ثلاثة أقسام:\nالأولى بكتاب وشهود، والثانية برهان مقبوضة، والثالثة بالأمانة:\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي في يد صاحب الحق، واتّفقوا على أنّ الرهن يجوز في السفر والحضر، وفي حال وجود الكاتب أو عدمه، وإنّما ذكرته الآية في السفر على سبيل غالب الأحوال، وذلك شبيه بقصر الصلاة وقت الخوف، وليس الخوف شرطا لجواز القصر، ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾","vol":"1","page":189},{"text":"﴿بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ في هذه الحالة تكون المعاملة المؤجلة بلا كتابة ولا شهود ولا رهن لأن صاحب الحق لا يخاف خيانة غريمه، وفي حين أن الآية المتقدمة محمولة على الفرض والوجوب في الحالة العامة، فإن هذه الآية محمولة على الرخصة في حالة خاصة وهي الائتمان ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ وهو المدين الذي اؤتمن، عليه أن يؤدي الأمانة ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ على المدين أن يتّقي الله ولا يجحد ما عليه ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ كتمان الشهادة هنا أن ينكر المدين علمه بما عليه، وأيضا إن كان أحد من الناس عالما بما حدث فعليه أن يتقدّم للشهادة ولا يكتم علمه لقوله ﷺ: «خير الشهود من أدّى شهادته قبل أن يسألها» رواه أحمد وابن ماجه ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ من يكتم الشهادة فهو فاجر يتحمّل إثما، وعن ابن عباس أن أكبر الكبائر: الشرك بالله، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لأنّه تعالى عليم بالخفايا فيحاسب عليها فذلك تحذير من الكتمان.\n\n<span id=\"aya-291\"></span>﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٨٤)\n٢٨٤ - بعد أن جمع تعالى في هذه السورة من دلائل التوحيد والنبوة، ونسخ الشرائع السابقة بشرائع الإسلام خاتم الرسالات، وبيّن الشرائع والتكاليف في الحج والقصاص والوصية والصوم والجهاد والطلاق والخلع والحيض والعدّة والصداق والمتاع والرضاع والأرامل والصلاة وحرية العقيدة والزكاة والربا والمداينة والمبايعة، ختم تعالى السورة بهذه الآية الشاملة:\n﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ تعبير عن كمال الملك وكمال القدرة الإلهية، ثمّ أتبع تعالى بالتعبير عن كمال العلم الإلهي المحيط بالكليّات والجزئيات: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ الإشارة إلى الخصال السيّئة التي ثبتت في بعض النفوس كالنفاق والحسد والبغضاء والحقد","vol":"1","page":190},{"text":"وفساد النية وسوء القصد، وإبداء هذه الخصال يكون بإظهارها والعمل بها ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يغفر الذنوب لمن يشاء من عباده الذين قاموا بالأعمال الصالحة حتى غلب أثرها في نفوسهم، أو لمن لم تخرج أفكارهم السيئة إلى حيّز التنفيذ، وفي الحديث: «إنّ الله تعالى تجاوز عن أمّتي ما حدّثوا به أنفسهم ما لم يعملوا به أو يتكلّموا به»، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ من الكفار والمنافقين والعصاة والمجرمين عذابا مترتبا على العدل ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ باطلاعه على الخفايا والظاهر.\n\n<span id=\"aya-292\"></span>﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨٥)\n٢٨٥ - لمّا بيّن تعالى في الآية المتقدّمة كمال الملك وكمال العلم وكمال القدرة الإلهية، وفي ذلك كمال صفات الربوبية أتبع ذلك في هذه الآية بكون المؤمنين في منتهى الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى وذلك هو كمال العبودية:\n﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي لا يفرّقون بين أحد من الرسل فلا ينكرون نبوّة أيّ منهم، وقد أكمل بعضهم شرائع بعض، ونسخ بعضها الآخر ثمّ اكتملت الرسالات بشريعة محمد ﷺ خاتم الأنبياء والرسل ونسخت ما قبلها ﴿وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ لأنّ العبرة ليست بمعرفة الحقيقة فقط بل بالعمل بموجبها ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ يلتمس المؤمنون الغفران من الله فيما يخافون من تقصيرهم في عملهم ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إقرار المؤمنين بالمعاد إليه تعالى:\n\n<span id=\"aya-293\"></span>﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾.","vol":"1","page":191},{"text":"٢٨٦ - ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ وهذه استجابة منه تعالى لدعاء المؤمنين في قولهم ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ بأنّه تعالى لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من الثواب على أعمال الخير ﴿وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ من العقاب على ارتكاب الشرور، وهو مبدأ المسؤولية الفردية بأن المرء لا تنفعه حسنات الآخرين، كما لا تضره أخطاؤهم، فلا ينتفع المرء أو يلحقه الضرر إلاّ بأعماله ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ لا تؤاخذنا: أي لا تأخذنا بالعقوبة إن نسينا أو أخطأنا، وتقدير ذلك أن يكون الإنسان قد أخذ جانب العناية والحيطة والتفكّر سلفا، لا أن يكون الخطأ والنسيان ناتجين عن الإهمال والتساهل وعدم اتّخاذ الأسباب ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ الإصر في اللغة هو العبء الثقيل، ثمّ سمّي العهد إصرا لثقله، والمقصود من الدعاء أن لا يتعرض المؤمنون للمحن والابتلاء والمصائب التي تعرّض لها من قبلهم ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ لا تحمّلنا ما يشق علينا عمله، ووفّقنا لحمل ما فرضته علينا، كي لا نستحق بمقتضى سنّتك أن تحمّلنا ما لا نطيق من العقوبة ﴿وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا﴾ لأنّ العفو يسقط العقاب، والمغفرة تستر الخطيئة صونا للمؤمن من عذاب الخجل والفضيحة ﴿وَاِرْحَمْنا﴾ بالتوفيق إلى العمل وفق هديك ﴿أَنْتَ مَوْلانا﴾ دلالة على منتهى الخضوع والاستسلام ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ انصرنا عليهم في حربهم معنا، وفي مناظرتنا معهم بالحجج والحوار لكي يكون نصرنا على النفوس وليس على الأجساد فقط.\n***","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-305>سورة آل عمران - ٣ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-306>مقدمة</span>\nنزلت (آل عمران) في المدينة على مراحل ابتدأت بعد معركة بدر (رمضان عام ٢ للهجرة) واستمرت حتى معركة أحد (شوال عام ٣ للهجرة) وما بعدها، وقد ورد اسم (آل عمران) الذي يرمز إلى سلالة النبوة لموسى وعيسى ﵉ في (الآية ٣٣) ولذا رمز لها بهذا الاسم.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>الخلفية التاريخية</span>\nكان المسلمون وقت نزول السورة يتعرضون لمحن شديدة وابتلاء، وكانوا في حالة من القلق بعد أن أدّى انتصارهم في معركة بدر إلى تحفّز قريش وقبائل الجزيرة العربية ضدّهم، وقد تحمّلت المدينة المنوّرة بنتيجة معركة بدر عداوة الكثير من القبائل المجاورة والبعيدة حتى بدا للمسلمين في بعض الأوقات أنّ اجتياح المدينة من قبل أعدائهم أصبح وشيكا، يضاف إلى ذلك المصاعب الاقتصادية التي تحمّلتها المدينة، ليس أقلّها التكيف مع استيعاب المهاجرين الجدد من مكة، ثم إنّ قبائل اليهود حول المدينة كانت تعمل جاهدة للكيد بالمسلمين فبعد معركة بدر كان اليهود يحثّون قريشا علنا على الانتقام لهزيمتهم، ممّا اضطرّ النبيّ ﷺ لطرد أشدّهم عداوة وهم بنو قينقاع من ضواحي المدينة، ولكن الباقين منهم استمروا في الكيد للمسلمين بالتآمر مع منافقي المدينة ومشركي الحجاز، ولشدّة ألم قريش من هزيمتها في بدر كان تحريض اليهود لها بمثابة صب الزيت على النار، وما لبثت قريش أن حشدت قواها لمعركة أحد التي لعب المنافقون","vol":"1","page":193},{"text":"دورا كبيرا بها في محاولة شق صفوف المسلمين بعد أن خرجوا للقتال معهم ثم نكصوا على أعقابهم، وهكذا انكشف للمسلمين للمرة الأولى دور عدوهم الداخلي وبدت لهم نقاط ضعفهم، ومن المهم التمحيص في تحليل السورة لتلك المواقف، (الآيات ١٢١ - ١٧٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-308>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهنالك نوع من الترابط والتكامل بين سورة آل عمران وسورة البقرة، ففي سورة البقرة المتقدمة دعوة اليهود للإيمان بخاتم الرسالات: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة ٢/ ٤١]، وفي سورة آل عمران أن القرآن الكريم يصدّق فقط ما تبقى في كتبهم من الوحي الصحيح: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران ٣/ ٣]، وأن أهل الكتاب أوتوا فقط نصيبا من الكتاب أي ما تبقى بين أيديهم من الوحي، ثم تولّوا عن القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران ٣/ ٢٣].\nوفي سورة البقرة أن المصرّين على الكفر والمشركين كرهوا نزول الوحي على العرب من بني إسماعيل: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة ٢/ ١٠٥]، لأن رسالة الإسلام نسخت ما قبلها:\n﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢/ ١٠٦]، وفي سورة آل عمران بيان إيتاء الرسالة بني إسماعيل ونزعها من بني إسرائيل: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٣/ ٢٦]، وبيان ختم الرسالات بنزول الوحي على خاتم","vol":"1","page":194},{"text":"الأنبياء والرسل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران ٣/ ٧].\nومن جهة محاجّة أهل الكتاب من اليهود والنصارى: كان التركيز في سورة البقرة على بني إسرائيل [البقرة ٢/ ٤٠ - ١٠٥]، وفي آل عمران على اليهود والنصارى معا، وفي كل من السورتين أحكام متمّم بعضها بعضا، كفريضة الدعوة إلى الإسلام: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٦٤]، وفريضة الحج [آل عمران: ٣/ ٩٤ - ٩٧]، والنهي عن الربا [آل عمران: ٣/ ١٣٠]، والحض على الإنفاق [آل عمران:\n٣/ ١٣٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-309>محور سورة آل عمران</span>\nأن العقل البشري قاصر بالضرورة عن استيعاب الحقيقة المطلقة، أو حتى جوانب ضئيلة من الغيب، فلزم أن تكون بعض آيات القرآن الكريم ذات طابع رمزي تتضمن الكناية والمجاز، وهي الآيات المتشابهات: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ (٧)، لكنّ الناس ميّالون إلى متاع الدنيا ومادتها غافلون عن خيرات الآخرة: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١٤).\nوإن الحكمة الإلهية اقتضت نزع الرسالة من بني إسحاق بعد فساد اليهود المزمن وإيتاء الرسالة بني إسماعيل وختمها ببعثة النبي الأحمد: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦)، وأن الإسلام دين الأنبياء","vol":"1","page":195},{"text":"من الأزل: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦٧).\nوأنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب، فلا يكون بارّا صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٩٢)، وتفرض السورة على العلماء من المسلمين واجب الدعوة بالقدوة الحسنة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤).\nوتبين العبر من وقعة أحد، (الآيات ١٢١ - ١٧٥)، وتنهى عن أكل الربا:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠)، وتحض على الإنفاق: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣٤)، كل ذلك ما يوجب التضحية فالله تعالى يختبر الناس بظهور أفعالهم إلى العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (١٤١).\nوأن الكفار جاهدون في رد المسلمين عن دينهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (١٤٩)، وتبيّن وجوب الرفق واللين في الدعوة إلى الإسلام أسوة بالنبي ﷺ وتقرر مبدأ الشورى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١٥٩)، وأن الله تعالى لم يكن ليترك من لديه استعداد للإيمان ضائعا بين الكفار، ولكن يبعث الرسل كي يتّبعهم من يختار الإيمان من الناس: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ﴾","vol":"1","page":196},{"text":"﴿رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٩).\nوتتنبأ السورة بمعاناة المؤمنين من أذى أهل الكتاب والكفار، وتحضهم على الصبر والتقوى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٨٦)، وأن العبرة من العبادة تكمن في العمل والتضحية وليس فقط أداء الفرائض: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (١٩٥).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-294\"></span>﴿الم﴾ (١)\n١ - الله أعلم بمراده، انظر شرح الآية (١) في سورة البقرة.\n\n<span id=\"aya-295\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)\n٢ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تقرير لحقيقة التوحيد أي ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية إلاّ الله، ومن ثمّ لا مستحقّ للعبادة إلاّ هو، والعبادة هي الطاعة، فالمعنى لا مستحق للطاعة المطلقة إلاّ الله تعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ مصدر الحياة والإحياء وذو الحياة الدائمة ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بذاته والقيّم على كلّ المخلوقات.\n\n<span id=\"aya-296\"></span>﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ وهو القرآن الكريم نزّل على النبي ﷺ، ولفظ التنزيل بمعنى التكثير لأنّه نزّل بالتدريج نجوما متفرقة في ثلاث وعشرين سنة، ولا ينافي ذلك قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف","vol":"1","page":197},{"text":"١٨/ ١]، لأنّ التنزيل والإنزال فيهما إشعار بعلو مرتبة الوحي على الموحى إليه ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي متضمّنا الحقيقة ومبيّنا لها، وأيضا فيه ما يحقّق أنّه من عند الله تعالى:\n﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ليس المعنى تصديق الكتب الموجودة لدى اليهود والنصارى بعينها، فقد تعرّضت على مرّ العصور لكثير من التحريف والتغيير، وإنّما هو تصديق لما بقي في تلك الكتب من الحقيقة وهو معنى قوله ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ ومثال ذلك أنّ تصديقنا للنبي ﷺ في كل ما قاله لا يستلزم تصديق كل ما نسب إليه في كتب الحديث، بل ما ثبت منها فقط ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة في عرف القرآن هي الوحي الذي نزل على موسى ﵇، انظر شرح آية [المائدة: ٥/ ١٣]، والإنجيل هو الوحي الذي نزل على عيسى المسيح ﵇، انظر شرح آيات [المائدة: ٥/ ١٤، ٤٧]، أما كتبهم المقدّسة اليوم فليس بها من التوراة والإنجيل إلاّ القليل، لأنّ أصلها ضاع منذ القدم وأعيدت كتابتها من قبل المؤلّفين حتى صارت كتب اليهود، المسماة بالعهد القديم، تشتمل على تأريخ قومي للأحداث التي حصلت بعد موسى بزمن طويل، وهي إلى ذلك غاصة بمعتقدات وتشريعات باطلة ابتدعها أحبارهم.\nأما الكتب المسيحية، المسماة بالعهد الجديد، فليست سوى كتابات نسبوها لبعض الحواريين، يفترض أنها تؤرخ سيرة حياة المسيح ﵇، وقد كتبت باللغة اليونانية بعد الأحداث بزمن، ولم تكن تعتبر كتابات مقدسة في وقتها، وقد تكررت تراجم العهدين القديم والجديد وتنقيحهما مرارا، وعلى سبيل المثال فإنّ الطبعة الإنكليزية المعتمدة جرى تنقيحها وإعادة كتابتها ثماني مرات على الأقل منذ أول ترجمة لها في العام ١٥٣٦ حتى ١٩٩٣، وقد ورد في مقدّمة الطبعة المنقحة المعتمدة التي صدرت عام ١٩٥٢ أن سابقتها وهي طبعة الملك جيمس المعتمدة «اشتملت على أخطاء جسيمة وأن الأخطاء كانت من الكثرة بحيث لزم تعديلها»، كما ورد في طبعة العلماء  Scholar's Version  التي صدرت في أمريكا عام ١٩٩٣ م وشارك في إعدادها أكثر من مئتين من علماء","vol":"1","page":198},{"text":"المسيحية، وهم من دكاترة اللاهوت أساتذة الجامعات المتخصصين في أمريكا، ذكروا أنّ ما يزيد عن ٨٢% من الأقوال المنسوبة في الأسفار إلى عيسى المسيح غير صحيحة ولم يتكلّم بها، وأنّ مؤلّفي أسفار العهد الجديد وهم كثر كانوا ينسبون إلى عيسى المسيح من الأقوال ما يعتبرونه «مناسبا» كي يطابق أهواءهم ومعتقداتهم، وأنّ عيسى المسيح لم يكن مسيحيا بالمقارنة مع المسيحية الحالية، وأنّ المسيحية الحالية تنسب إلى مبتدعها وهو القديس بولس (كتاب «الأناجيل الخمسة»،  The Five Gospels  شركة مكميلان للنشر ١٩٩٣).\n\n<span id=\"aya-297\"></span>﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٤)\n٤ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ الفرقان هو الفارق بين الحق والباطل بما نزل من الوحي على جميع الأنبياء، وهو أيضا مقدرة المؤمن على التفريق بين الحق والباطل، قال تعالى:\n﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ [الأنفال ٨/ ٢٩]، فتميّزون بواسطته الصواب من الخطأ، لأنّ الملاحدة تزعم أنه لا يوجد خطأ أو صواب ولا صحيح أو قبيح وإنما تفكيرنا يجعل الأمور كذلك، والحقيقة أن الشيطان يزيّن لهم سوء أعمالهم قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤٣].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لأنّهم كفروا بالكتب المنزلة والآيات البينات رغم إنزال الفرقان، ورغم أن الله تعالى وهبهم العقل للتفريق بين الحق والباطل ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ الانتقام من النقمة وهي عقوبة المجرم وليست هنا بمعنى التشفّي بالعقوبة ممّا هو محال على الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-298\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٥)\n٥ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ من الجزئيات والكليّات في هذا العالم، أو في غيره من العوالم السماوية، أو من علوم الغيب.","vol":"1","page":199},{"text":"<span id=\"aya-299\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦)\n٦ - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دعوة للتفكّر في دلائل معجزات الخلق إذ يستحيل أن يكون تكوين الأجنّة في الأرحام وخلق الكون المحكم مجرّد مصادفة فمن تدبّر ذلك آمن وأذعن واعتمد في حياته على هداية خالقه الذي أنشأه من العدم وهو أعلم بخلقه، انظر شرح آية [الأعراف ٧/ ١١].\n\n<span id=\"aya-300\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٧)\n٧ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ الكتاب هنا هو القرآن، والمحكم هو ما لا يتطرق إليه الخلل وبهذا المعنى وصف القرآن بأنه محكم إطلاقا بقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود ١١/ ١]، لأنّه في منتهى الإحكام والإتقان، ووصف أيضا كلّه بالمتشابه بقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر ٣٩/ ٢٣]، أي متجانسا في المحتوى وسالما من التناقض والتفاوت والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٤/ ٨٢].\n﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ هي الآيات الواضحات ذات الدلالة المحددة، ولا تحتاج في فهم معناها إلى التأويل ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ فهذه الآيات هي لبّ الكتاب وجوهره لأنّها الأصول والقواعد وهي آيات الأحكام والمواعظ وأسس الإيمان والعبادة والأخلاق والواجبات والمحرمات ودحض المعتقدات الباطلة ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ المتشابه ما يشتبه من الأمور أي يلتبس فيقال اشتبهت الأمور وتشابهت إذا التبست، وإذا احتملت من المعاني وجوها عديدة، ولا","vol":"1","page":200},{"text":"يفهم معناها إلا بالتأويل، وهي تشمل المجاز والكناية كقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ٤/ ١٧١] والاستواء على العرش ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٢٠/ ٥] وقوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٦٩/ ٤٥] وتشمل ما لا سبيل إلى العلم به كالغيبيات مثل كيفية صفات الله تعالى، وقصّة خلق آدم والحوار مع الملائكة وعصيان إبليس، وحقيقة الجنة والنار، والجزاء على الأعمال، فمثلا ليست نار الآخرة مثل نار الدنيا وإنّما هي شيء آخر، وليس نعيم الجنة من الثمرات والأنهار واللبن والعسل المصفّى والحور ممّا نعهده في الدنيا، فكلّها تشبيهات وتصويرات للمعاني العقلية المجرّدة، عن طريق إبرازها في صور حسّية، ويتضح ذلك من قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ٣٢/ ١٧].\nأما الحكمة من وجود الآيات المتشابهات فهي ما تقتضيه الضرورة في مخاطبة البشر، لأنّ كثيرا منهم لا يستطيعون استيعاب المفاهيم والمعاني المجردة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الزيغ هو الميل عن الصواب والانحراف ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ يكون تركيزهم على المتشابهات بغية الدسّ والتنفير والشقاق والإنكار ﴿وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يريدون إرجاع المعاني إلى أهوائهم وأغراضهم فيصرفونها عن الصحيح ليخرجوا الناس من دينهم ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ التأويل بمعنى ما سيكون عليه المآل أي العاقبة والنتيجة، والتأويل أيضا بمعنى التفسير، ولذا اختلفوا في الوقف بعد لفظ الجلالة، ففي حال الوقف يكون المعنى أن علم تأويله عنده تعالى فقط، وتكون الواو في ﴿وَالرّاسِخُونَ﴾ للاستئناف، وكلمة ﴿الرّاسِخُونَ﴾ مبتدأ خبره ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ وهذا يصح إذا كان المراد بالتأويل العاقبة أو علم الغيب فذلك مختصّ بعلمه تعالى فقط، وفي هذه الحالة يكون سبب إيمان العلماء بالمتشابه هو رسوخهم في العلم وتواضعهم عن التطلع لمعرفة الغيب.","vol":"1","page":201},{"text":"أمّا في حال عدم الوقف بعد لفظ الجلالة فتكون الواو للعطف، فالراسخون في هذه الحالة يعلمون تأويله وهذا يصح عندما يكون المراد من التأويل التفسير ومعرفة المعاني، لأنّه تعالى أمر بتدبّر القرآن كلّه المحكم منه والمتشابه ولم يستثن منه شيئا، فوجب أن يكون القرآن كلّه مفهوما، ولو اشتبه منه شيء على بعض الناس علمه غيرهم، ولا يمنع ذلك من التفسير على عدة وجوه، وقد نقل عن أبي الدرداء قوله: «إنك لا تفقه القرآن كلّ الفقه حتى ترى للقرآن وجوها»، فالمتشابه قد يحتمل عدّة معان وينطبق على عدة حالات ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ لا يعقل ذلك ويفقه حكمته إلاّ أصحاب العقول النيّرة، ويلاحظ أيضا أن تعبير أولي الألباب ورد أيضا في آخر هذه السورة بالآية (١٩٠) بمعنى أن أولي الألباب المتفكّرين في خلق السماوات والأرض يتوصلون إلى الإيمان عن طريق العقل.\n\n<span id=\"aya-301\"></span>﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٨)\n٨ - ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ أولوا الألباب يخشون أن تميل قلوبهم عن الحق، فيدعون ربهم قائلين:\nربّنا لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق بأن نتأوّل الآيات المتشابهات على غير ما ترضى كما يفعل المذكورون في الآية السابقة من الذين في قلوبهم زيغ، ولا تبلينا بالمصائب فتزيغ قلوبنا.\n\n<span id=\"aya-302\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو يوم القيامة ونحن موقنون به لا نشك فيه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾.\n\n<span id=\"aya-303\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بكل ما سبق من الآيات البينات ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ الكفار","vol":"1","page":202},{"text":"يعتزّون بأموالهم وأولادهم دون غيرها فبيّن لهم تعالى أنها مهما كثرت لن تفيدهم شيئا وأنّ كفرهم سيكون سببا لوجود نار الآخرة لهم، مثلما الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به، ولا نبحث عن كيفية ذلك فهو من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.\n\n<span id=\"aya-304\"></span>﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١١)\n١١ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ دأب الكفار في اجتهادهم وعادتهم في كفرهم وتكذيب الأنبياء والكتب المنزلة كدأب آل فرعون مع موسى ﵇ ولذا فإنّ عاقبتهم ستكون كعاقبة آل فرعون ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فقد مضت سنّته تعالى بأن يكون العقاب أثرا لازما للكفر والذنوب.\n\n<span id=\"aya-305\"></span>﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والكفار هم مشركو قريش، والمعنى أخبرهم أيها النبي أنهم سيغلبون، فالآية إخبار بالغيب وقد غلبهم المؤمنون أوّلا يوم بدر، ثم كانت الغلبة النهائية عليهم يوم الفتح، وتنطبق الإشارة أيضا على اليهود فقد غلبهم المسلمون في المدينة وخيبر وأجلوهم عنها، ثمّ بعد ذلك بسنين قليلة تمّت هزيمة فارس وبيزنطة على يد المسلمين ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ﴾ سوف يتمّ الله وعده بهم في الآخرة فيحشرهم إلى جهنم ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس المهاد جهنم، وهي ما مهدوا لأنفسهم وأعدّوه بأعمالهم، والآية أيضا إخبار عن الغيب بشكل مطلق لأن الباطل لا يدوم، والمصير النهائي للكفار إلى الاضمحلال في الحياة الدنيا وجهنم في الآخرة.","vol":"1","page":203},{"text":"<span id=\"aya-306\"></span>﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣)\n١٣ - بعد أن ذكر تعالى أن الكفار سوف يغلبون في النتيجة، ضرب مثلا بأحداث بدر فقال عزّ من قائل: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ المعنى لا يغرنّكم كثرة المال والعدد ولا تحسبوا أنهما بذاتهما فقط سببا للنصر فقد كان نصر المسلمين في بدر آية، أي معجزة لأولي الأبصار بما اشتملت عليه من العبر، إذ خرج الكفّار متأهّبين للحرب متفوّقين بكثرة سلاحهم وخيلهم وعددهم وهم متمرّسون في الحرب والقتال وكانوا في حالة من الغرور والاستعلاء والاعتداد بالنفس، ومن جهة ثانية اتجه المسلمون إلى بدر وهم قلّة في العدد والسلاح والخيل ولكن في حالة من الانضباط والتواضع والدعاء والتقوى والتضرّع والذكر، ثمّ أحرز المؤمنون نصرا ساحقا على العدوّ المتفوّق، فكانت النتيجة معجزة بيّنة وصدمة مخزية وإذلالا لقريش بعد أن أتت بجبروتها وخيلائها فأصابتها الهزيمة الماحقة على أيدي مجموعة صغيرة من فلاّحي المدينة وقلّة من المستضعفين الهاربين من الاضطهاد في مكة ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ كان المشركون في بدر ثلاثة أضعاف المسلمين ولكنهم رأوا المسلمين بضعف عددهم الحقيقي ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ تلك هي المعجزة الباهرة فالنصر يحصل بتأييد الله لعباده الموقنين وأنّ كثرة العدد والشوكة والسلاح بذاتها لا تكفي ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ الذين يتأملون في الأمور وأسبابها وعواقبها.\n\n<span id=\"aya-307\"></span>﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١٤)\n١٤ - بعد أن وصف تعالى اغترار الكفار بأموالهم وأولادهم وأنها لن تغني عنهم شيئا وأنهم سيغلبون ويحشرون، ذكر السبب الذي من أجله يكفر بعض","vol":"1","page":204},{"text":"هؤلاء الناس لأنهم فطروا على حب الشهوات: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أنشأهم تعالى على هذه الفطرة من حب الشهوات فهي طبيعة في البشر لأنّها من أسباب المعيشة وبقاء النوع.\nوهي أيضا ابتلاء لقوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ١٨/ ٧]، واستنادا على هذه الفطرة يزيّن الشيطان للناس سوء أعمالهم، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٤٣]، وقال عزّ من قائل: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال:\n٨/ ٤٨]، وقال جلّ ثناؤه: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١٦/ ٦٣]، فتكون هذه الزينة وحب الشهوات سببا لكفر الكافرين منهم، وهو وجه اتصال الآية مع ما قبلها.\n﴿مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ القناطير المقنطرة تعبير عن الكثرة، والقنطار وحدة وزن ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الخيل الحسان ذات العلامة ﴿وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ﴾ المواشي والزرع ونتاجه ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ كلّ ذلك يستمتع به الناس في الحياة الدنيا، والمعنى لا يجب أن يكون المتاع كلّ همّهم ومنتهى آمالهم في القريب العاجل من الدنيا، فيصير شاغلا لهم عن الاستعداد للآخرة، لأنّ الله عنده أفضل من ذلك: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المرجع الحسن عنده.\n\n<span id=\"aya-308\"></span>﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ ما هو خير من الشهوات المذكورة، والمغزى أن تلك الشهوات ليست شرّا بذاتها، وإنّما هي خير لأنها من نعم الله تعالى على عباده، ولكنّ طغيان البشر وغرورهم هو الذي يقلبها إلى شر ﴿لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾","vol":"1","page":205},{"text":"يلاحظ أنّ الآية ميّزت بين الجنات وما فيها من نعيم وهو الثواب الحسّي، وبين رضوان الله: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾ وهو الثواب الروحاني ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ بصير بمن اتّقى حقّا.\n\n<span id=\"aya-309\"></span>﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ وهم أهل التقوى المشار إليهم في الآية السابقة تفيض ألسنتهم بهذا الدعاء لشدة تأثرهم، وهم الموصوفون في الآية التالية بالصبر والصدق والطاعة والإنفاق والقيام:\n\n<span id=\"aya-310\"></span>﴿الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿الصّابِرِينَ﴾ في أداء الواجبات وترك المحظورات، والصابرين في المحن والشدائد وهم راضون بقضاء الله ﴿وَالصّادِقِينَ﴾ في أقوالهم وفي عملهم بأن تكون أعمالهم مصداقا لأقوالهم ﴿وَالْقانِتِينَ﴾ المواظبين على الخشوع والدعاء أي على روح العبادة ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ في جميع الطرق المشروعة والواجبة والمستحبّة من الزكاة والصدقات والبر ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ دلالة على أنّهم يصلّون ويستغفرون وقت السحر أي في قلب الليل، وقيل إن السحر معناه الصدر أو القلب فيكون المقصود هو الاستغفار بالقلوب وليس باللسان فقط.\n\n<span id=\"aya-311\"></span>﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ شهادته تعالى من قبيل المجاز لأنّ ما أوجده من الدلائل في الخلق وفي الأنفس وما أنزل من الوحي على الرسل مؤيّدا بالبراهين كل ذلك يدلّ على التوحيد ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ أقرّوا بالوحدانية وشهدوا بها للأنبياء ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ أصحاب العلم أقرّوا وآمنوا إيمانا مقرونا بالدلائل والحجج ﴿قائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ القسط هو العدل، وهو ظاهر في السنن الكونية","vol":"1","page":206},{"text":"ودقّتها ونظامها، وفي البشر، وهذا من قبيل الدلائل الكونية على الوحدانية، لأنّ وحدة النظام تدلّ على وحدة واضعه، والقسط أيضا دليل على ضرورة الآخرة، فالحياة وحدة متكاملة تبدأ بالحياة الدنيا وتصير إلى الآخرة، وبعد تقرير صدق الشهادة يقينا لم يبق للإنسان إلاّ الإقرار بها قائلا: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لتفرّده تعالى بالألوهية وكمال المقدرة والحكمة.\nواتصال الآية بما قبلها أنه لم يبق للكفار حجة لكفرهم مع وجود كل هذه الدلائل ولم يعد لذي عقل منهم سوى الاستسلام والإذعان للهدي الإلهي الذي هو الإسلام كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-312\"></span>﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ الإسلام هو إسلام الأمر لله وحده، وهو أيضا الاستسلام لأمره، وهو بهذا المعنى يشمل جميع الأديان التي جاء بها الأنبياء، لأنّ أصلها التوحيد والاستسلام لله تعالى والانقياد لهداية الوحي ولو اختلفت بعض التكاليف وأحكام التشريع التي نسخت بعضها بعضا ﴿وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ خرجوا عن الإسلام الذي جاء به أنبياؤهم بسبب البغي وهو تهالكهم على الأغراض الدنيوية والزعامات والعصبية والحسد ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ التي تدلّ على وحدة الدين وحرمة الاختلاف والتفرق ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ قد يرى الإنسان عاقبة عمله في الدنيا، فإن لم يكن فالآخرة قريبة، لأنّ الحياة محدودة وقصيرة، والزمن الدنيوي نسبي فسرعان ما ينقضي الأجل ويحين وقت الحساب.\n\n<span id=\"aya-313\"></span>﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ وهم الكفار المشار لهم بالآيات (١٠ - ١٢)، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ﴾ أي قد بالغنا في إيضاح الدلائل والبراهين لكم","vol":"1","page":207},{"text":"فإن أبيتم إلاّ العصبية والتقليد والحسد فلا فائدة من المجادلة لأنها صارت لمحض العناد والشغب ولا نضيع الوقت معكم سدى أمّا نحن فمنقادون للحق مستسلمون له وحسابكم على الله ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ كاليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ وظيفة الرسول، وبالتالي كلّ مسلم، محصورة في التبليغ وأنّه ليس مسيطرا على الناس ولا جبّارا عليهم أو مكرها لهم على الإسلام ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ الله تعالى أعلم بالغيب، وبمن اهتدى، وبمن طمس قلبه وحصل اليأس من اهتدائه، وحساب الجميع على الله.\n\n<span id=\"aya-314\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي وهم على غير الحق، وهم اليهود وتشهد عليهم كتبهم بقتل الأنبياء قبل القرآن، إذ اعتادوا على الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء منذ زمن موسى ﵇ إلى زمن النبي ﷺ، وقد نسب إليهم قتل النبيين باعتبار تكافلهم كأمّة، وليس كأفراد، ولجريان لاحقيهم على خطا سابقيهم، وقد تآمروا على قتل عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، واستخدام الفعل المضارع دليل على استمرار كفرهم وعنادهم وإصرارهم على جرائمهم، وقد سجّل بنو إسرائيل جرائمهم بالتفصيل في كتبهم التي يزعمون أنها مقدسة،\n﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ الذين يأمرون بالقسط هم الحكماء الذين يدعون إلى العدالة في الأفكار والأخلاق والتطبيق ولذا قيل إنّ منزلة هؤلاء تلي منزلة الأنبياء، وأمّا الأنبياء فدعوتهم بأساليب ثلاثة ذكرها تعالى بقوله: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٦/ ١٢٥] فأسلوب الحكمة في الدعوة وهو طريق العقل","vol":"1","page":208},{"text":"والفكر يكون موجّها إلى الحكماء والعقلاء والمفكّرين، والموعظة هي أسلوب العوام السذّج، والمجادلة بالتي هي أحسن للمتوسّطين بينهم ممّن لم يرتق لطلب الحكمة ولا ينقاد للموعظة بسهولة، فلا بدّ من الحسنى في مخاطبتهم على قدر عقولهم، وهكذا فإنّ جميع أصناف الناس تنتفع بهدي الأنبياء كل صنف بمقدار استعداده، وأمّا الحكماء وهم الخاصّة من الناس المستعدّون لتلقّي الحكمة فالطريقة في دعوتهم واحدة لا ينتفع بها غيرهم، والآية تدلّ على أنّ قتل هؤلاء دليل على كبت الفكر والعقل وإزاحة العدالة جانبا، أمّا قوله تعالى: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ فهو إشعار بقلّة عددهم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ لفظ التبشير مشتق من البشرة لأن الإنسان يتغير لون بشرته إذا وصله خبر سعيد أو أليم، وإن كان غلب استعمال اللفظ عند البعض على البشارة الحسنة.\n\n<span id=\"aya-315\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿أُولئِكَ﴾ اليهود ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ لأنّهم بذلوا طاقتهم ومساعيهم في أعمال تؤدي بهم إلى الكارثة في دنياهم وآخرتهم ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ليس هنالك من سلطة تستطيع إنقاذهم.\n\n<span id=\"aya-316\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ﴾ وهم اليهود والنصارى وغيرهم، والنصيب هو الجزء، وهو ما تبقّى عندهم من الوحي الذي نزل على أنبيائهم، انظر شرح الآية (٣)﴾، وقد يكون الكتاب بمعنى مجمل الوحي الذي نزل على كل الأنبياء فيكون ما نزل على أنبيائهم هو النصيب أو الجزء المشار إليه ﴿يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ دعوا إلى القرآن لأنه كتاب الله بلا منازع، كما دعوا إلى الإقرار بدلائل نبوّة خاتم الأنبياء والرسل الموجودة","vol":"1","page":209},{"text":"فيما تبقّى من كتبهم ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أعرض زعماؤهم عن الإقرار بما عرفوه في كتبهم من الدلائل فأعرض أتباعهم عن الإسلام.\n\n<span id=\"aya-317\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿ذلِكَ﴾ أي تولّيهم وإعراضهم سببهما الغرور والافتراء ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ يظنّون أنّهم ناجون في الآخرة بشفاعة أنبيائهم لأنّ الدين عندهم عبارة عن جنسية ينجو صاحبها من العقاب لمجرّد الانتساب إليها بغض النظر عما يرتكبون من جرائم، والعقوبة محدودة بزعمهم ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ افتروا الأباطيل في كتبهم ثم اغترّوا بها إذ يقولون على الله ما لا يعلمون.\n\n<span id=\"aya-318\"></span>﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يوم الجزاء لا ريب في مجيئه ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ فيكون الجزاء بقدر العمل.\n\n<span id=\"aya-319\"></span>﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ وهذا القول إشارة إلى غرورهم المشار إليه بالآية (٢٤)﴾، وتأكيد أن الرسالة نزعت منهم كونهم لم يعودوا جديرين بها، والملك إشارة إلى ملك النبوة والرسالة كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤/ ٥٤]، فسلطان النبوة يمتد إلى الأرواح والأجساد معا، واتصال الآية بما قبلها أنّ بني إسرائيل كانوا يعتقدون أنّ النبوة محصورة بهم دون غيرهم من الناس، فهنا أخبروا أنّ النبوة نزعت منهم، وأوكلت إلى العرب","vol":"1","page":210},{"text":"من بني إسماعيل، وللآية أيضا مغزى عامّ فإنه تعالى يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء وفق السنن المطّردة التي وضعها في خلقه فالعدل والإصلاح وحسن السياسة كلها تؤدي إلى نشوء واستمرار الملك في حين أن الفساد والظلم يؤديان إلى زوال الملك وانهيار الدول ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنّ كل أفعاله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله.\n\n<span id=\"aya-320\"></span>﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ وذلك من دلائل قدرته تعالى في التصرّف بخلقه كيف يشاء، وتعبير إيلاج الليل في النهار وبالعكس من إعجاز القرآن، لأنه يستوجب كروية الأرض، فالليل والنهار يزحفان حول الأرض باستمرار يدخل أحدهما في الآخر، فمن جهة يكون النهار داخلا في الليل ومن جهة أخرى يكون العكس ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي المؤمن من الكافر، والصالح من الطالح ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الكافر من المؤمن، والشرّير من الصالح، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٢٢] أي كافرا فهديناه، فجعل تعالى الكفر موتا والإيمان حياة، فبمقتضى سننه الكونية أخرج تعالى العرب الأميين من الموت إلى الحياة، كما أخرج أشرارا مفسدين من اليهود من سلالة كبار الأنبياء والصدّيقين، ولا يمتنع أيضا تفسير الآية على ظاهرها كخروج النبات من الأرض الميتة ثم موت النبات، أو كإحياء الانسان من العدم ثم موته ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ليس من يدري الحكمة والمصلحة في توزيع الرزق على الناس، والمغزى أن لو كان الرزق مقتصرا على المؤمنين لبطل الاختبار والتكليف في الدنيا ولضار الإيمان قسريا وانتفت حرية الخيار لبني آدم، انظر آيات [البقرة ٢/ ٣٦، ١٢٦].","vol":"1","page":211},{"text":"<span id=\"aya-321\"></span>﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨)\n٢٨ - بعد أن أخبر تعالى في الآيات السابقة أن النبوة نزعت من بني إسرائيل وانتقلت إلى بني إسماعيل، بيّن للمؤمنين كيف يجب أن تكون العلاقة بينهما، فقال عزّ من قائل:\n﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين حلفاء لهم حيث تقدّم مصلحة الكافرين على مصلحة المؤمنين ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ فيتخذ الكفار أولياء وأنصارا حيث يجعل لمصالحهم الأولوية على مصالح المؤمنين ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ تنقطع صلة الايمان بينه وبين الله تعالى فيكون من الكافرين ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ أي في حال الخوف من الكفار في شيء يلحق الضرر بالمؤمنين، ففي هذه الحالة يجوز للمؤمنين موالاة الكفار ظاهريّا بالقدر الكافي لرفع الضرر عنهم، كما تجوز موالاة الكفار أيضا لجلب المنفعة، لأنّه إذا جازت موالاتهم لرفع الضرر فالأولى أن تجوز أيضا لجلب المنفعة على أن لا يسبب ذلك ضررا للمسلمين في بلاد أخرى.\nوقد استدلّ البعض من الآية على جواز التقية للمحافظة على النفس والعرض والمال، كما تجوز المداراة والكياسة واللياقة معهم فيما لا يهدم حقّا ولا يبني باطلا، كما يجوز برّهم والإحسان إليهم لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٦٠/ ٨].\n﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ لكونه تعالى محيطا بعلم كل شيء من الظاهر والباطن ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازي كل عامل بعمله، انظر أيضا آيات [المجادلة ٥٨/ ١٤ - ١٥].","vol":"1","page":212},{"text":"<span id=\"aya-322\"></span>﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تحذير من كون الباطن موافقا للظاهر وقت التقية، فإن كانت موالاة الكفار بميل إلى الكفر جازاكم عليه، وإن كانت القلوب مطمئنة بالإيمان غفر لكم ولم يؤاخذكم ما دام ذلك لم يسبب ذلك ضررا ولا إيذاء للمسلمين.\n\n<span id=\"aya-323\"></span>﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ يوم تعرض أعمال المرء عليه فيغتبط بما عمل من خير ويصاب بالذعر لما عمل من شر ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ فمن رأفته بهم أن حذّرهم يوم الحساب، وأن جعل الفطرة سليمة بطبعها ميالة إلى الخير، ومن رأفته تعالى أن أمهل عباده للتوبة.\n\n<span id=\"aya-324\"></span>﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالوا إنّ الآية نزلت على النبي ﷺ ليخاطب بها وفد نصارى نجران، لأنّهم ادّعوا كما يدّعي جميع النصارى أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، ومع ذلك فالخطاب عام، وهو حجّة على كل من يدّعي ذلك في كل الأزمنة، لأنّ الادّعاء يجب أن يصدّقه العمل باتّباع ما جاء به النبي ﷺ من الوحي والسنّة، ومحبة الله للناس من قبيل الاستعارة وتعني رضا الله وكشف الحجب عن القلوب لمن تحبّب إليه واتبع سنة نبيّه.","vol":"1","page":213},{"text":"<span id=\"aya-325\"></span>﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ﴾ باتباع كتابه ﴿وَالرَّسُولَ﴾ باتباع سنّته ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ بدعوى أنهم أبناء الله وأحبّاؤه ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ الذين تصرفهم أهواؤهم عن النظر في آيات الله وما أنزل على رسوله.\n\n<span id=\"aya-326\"></span>﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بعد أن ذكر تعالى أنّ محبته منوطة باتباع الرسول، أتبع ذلك بذكر من اصطفاهم من الرسل الذين بيّنوا للناس طريق محبّته، وتعبير اصطفاهم على العالمين بمعنى اختارهم وجعلهم صفوة البشر بأن جعل فيهم النبوة والرسالة ابتداء من بدء الخليقة ونوح وأنبياء كثيرون حتى ظهور إبراهيم ﵇ وتتابع الأنبياء من آله وآل عمران إلى أن ختمت النبوة بمحمد ﷺ من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵈، وقد ابتدأت الآية بذكر آدم لأنه رمز الجنس البشري، وأما عمران فهو أبو موسى وهارون.\n\n<span id=\"aya-327\"></span>﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ ليس فقط في السلالة وإنما في الدين والتوحيد والتناصر والمؤازرة في الإسلام ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لدعاء امرأة عمران وعليم بنيّتها كما في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-328\"></span>﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ أي هي امرأة من آل عمران، وهي والدة مريم ﵍، والمقصود أنها من سلالة عمران أبي موسى وهارون، وقد يكون عمران المذكور في هذه الآية هو أبو مريم لقوله تعالى في سورة التحريم ﴿وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ﴾ [التحريم: ٦٦/ ١٢]، فبذلك تكون إمرأة عمران زوجته","vol":"1","page":214},{"text":"﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي محرّرا من مشاغل الدنيا ومكرّسا للعبادة وخدمة المعبد ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-329\"></span>﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾ قالت ذلك على سبيل الحسرة والاعتذار، لأنّ الأنثى لن تقوى على الانقطاع لخدمة بيت الله، قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ فهو أعلم بمنزلة هذه الأنثى وأنها خير من كثير من الذكور ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾ الذي كانت ترجوه ﴿كَالْأُنْثى﴾ التي أنجبتها لأنها أفضل بكثير من الذكر الذي كانت تتمناه، قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ الرجيم هو المطرود من الخير والاستعاذة بالله من الشيطان من قبيل الدعاء والرجاء لنفي وساوس الشيطان عنها.\n\n<span id=\"aya-330\"></span>﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ لكي تكون مكرّسة للعبادة وخدمة بيت الله وفاء لنذرها ﴿وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ كناية عن سموّ تربيتها الأخلاقية والروحية ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ جعل زكريّا كافلا لها وكان من كهنة المعبد وهو أبو يحيى ﵇ ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ من جملة ما ذكره الطبري أنّ نجّارا تطوّع بأن يأتيها بالرزق خلال أزمة مرّت ببني إسرائيل، ومن جملة ما ذكره الرازي أيضا أن الآية لا تنص بالضرورة على خوارق الأمور، ولكن المعنى أن الله تعالى رزقها على أيدي المؤمنين من عباده الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على أمثالها من الزاهدات العابدات، وكان","vol":"1","page":215},{"text":"زكريا عندما يرى ذلك الرزق يسألها عن مصدره ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ المعنى أنّه تعالى يرزق الناس بتسخير بعضهم لبعض، وإسناد الأمر إليه تعالى واضح لأنه مسبّب الأسباب وذلك معروف بسنّة الله في خلقه ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وبغير توقّع من المرزوق وليس من يعلم الحكمة النهائية في ذلك.\n\n<span id=\"aya-331\"></span>﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لما رأى زكريا صلاح مريم وحسن حالها وكمال إيمانها واعتقادها بأنّ المسخّر لها هو من يرزق بغير حساب، وتأمّل ذلك، تمنّى لو كان عنده ولد صالح مثلها، فنطق بهذا الدعاء مستغرقا ومستشعرا كمال وفضل الألوهية حتى أذن له باستجابة ندائه:\n\n<span id=\"aya-332\"></span>﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أي مصدّقا بعيسى المسيح ﵇ الذي ولد بكلمة من الله وهي: (كن فيكون) أي بغير السنّة العامة في توالد البشر، وقد ولد يحيى قبل عيسى بستة شهور وتزامنت بعثتاهما ﵉ إلى أن استشهد يحيى في السجن إذ قتله هيرود ملك اليهود في الجليل ﴿وَسَيِّدًا﴾ في الفقه والدين ﴿وَحَصُورًا﴾ معصوما من الذنوب ومبالغا في حبس نفسه عن الشهوات ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهي البشارة الثانية بنبوة يحيى بعد البشارة الأولى بولادته.\n\n<span id=\"aya-333\"></span>﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ سأل زكريا ربه عن كيفية الاستجابة رغم كبر سنّه وعقر زوجته وعلى غير ما هي","vol":"1","page":216},{"text":"سنن الكون ﴿قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي عليك تفويض الأمر إليه في هذه الكيفية ولا يحول دون مشيئته شيء.\n\n<span id=\"aya-334\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أراد أن يطمئن قلبه إذ غلبت عليه الطبيعة البشرية فطلب علامة تدل على تحقق تلك المنحة الإلهية ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزًا﴾ تصير مأمورا بأن لا تتكلم مع الناس ثلاثة أيام بلياليها تنشغل خلالها بالذكر والتسبيح (الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني)، وليس كما هو مذكور في العهد الجديد (لوقا ١/ ٢٠ - ٢٢) أنه أصابه البكم، فالإشارة روحية محضة ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ أمره بالمداومة على الذكر والتسبيح.\n\n<span id=\"aya-335\"></span>﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ﴾ اختارك لخدمة المعبد وكان ذلك مختصا بالرجال ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من مسيس الرجال ومن قبائح العادات والأفعال ﴿وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ بإنجاب عيسى المسيح ﵇ من غير أب.\n\n<span id=\"aya-336\"></span>﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ اعبديه واخشعي له ﴿وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أي كوني منهم.\n\n<span id=\"aya-337\"></span>﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿ذلِكَ﴾ الذي قصصناه عليك من أخبار مريم وزكريا ويحيى ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ لم تشهده ولم يشهده قومك ولم تطلع على شيء منه ﴿نُوحِيهِ﴾","vol":"1","page":217},{"text":"﴿إِلَيْكَ﴾ لا تعلمه إلاّ عن طريق الوحي ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ اختصم الكهنة على كفالة مريم فلم يتفقوا على كفالة زكريا لها إلاّ بعد القرعة، ومن العبر في القصة أنّ أمّيا نشأ بين أميين يخبر اليهود والنصارى عن أخبار الغيب من قصة مريم وزكريا ويحيى مما لم يكن ممكنا له ولا لقومه أن يعلموه، وقد سمع كفار قريش بهذه القصة فلم يقل أحد منهم أنه على علم بها.\nإنّ قصص الأنبياء تعتبر من دلائل النبوّة التي اشتمل عليها القرآن الكريم مع كون النبي أميا لم يتعلم، فهذه القصص دليل على صحة نفسها، وأمّا ما جاء فيها مخالفا لما في الكتب السابقة فيعتبر مصحّحا للأخطاء والتحريف والحذف مما دخل عليها، وهنالك عبرة أخرى موجهة للنصارى ممن يعتقدون بألوهية المسيح بسبب ولادته المعجزة، وهي أن الولادة المعجزة لم تقتصر على المسيح وإنما ولادة يحيى كانت أيضا بمعجزة.\n\n<span id=\"aya-338\"></span>﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ تقدير الخطاب: «يبشّرك بمولود يولد بكلمة منه» وهو تفسير قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ (٣٩)﴾، والكلمة هي (كن) كما في قوله ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٣٦/ ٨٢]، ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ وهو لقب الملوك عند اليهود لأنّ الكهنة كانوا يمسحونهم بالزيت عند تكريسهم لمناصبهم ﴿عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبه تعالى إلى مريم إعلاما لها على ولادته من غير أب ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ وجاهته في الدنيا بسبب بعثته النبوية ومنزلته العظيمة في نفوس المؤمنين في كل العصور، وفي الآخرة ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:\n٥٦/ ١٠ - ١١].","vol":"1","page":218},{"text":"<span id=\"aya-339\"></span>﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يكلمهم بوحي الله الذي يوحيه إليه في صغره، كما في كهولته ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-340\"></span>﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي كيف يولد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولست عازمة على الزواج ولست بغيّا، فأجابها الملك عن الله ﷿ ﴿قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي يخلقه من العدم، ولم يقل «يفعل» كما في قصة زكريا بل نصّ على أنه يخلق لإبطال أي شبهة ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ و«القول» لتقريب الفهم إلى أذهان السامعين إذ هو كناية عن مقدرته تعالى المطلقة بلا حدود.\n\n<span id=\"aya-341\"></span>﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب هو مجمل الوحي الذي نزل على جميع الأنبياء، والحكمة هي العلم الصحيح الباعث على العمل النافع، والتوراة كتاب موسى، والإنجيل ما أوحي إلى عيسى خاصة.\n\n<span id=\"aya-342\"></span>﴿وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ تتمة الخطاب إلى مريم، أي ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل خاصة فيقول لهم ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية المعجزة أو العلامة وهي: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ﴾ لأنّ الخلق والروح من الله، وتأكيد عيسى عليه إزالة","vol":"1","page":219},{"text":"للشبهة، وتنبيها على أنه إذا عمل الطين كهيئة الطير فإنّ بعث الحياة في الطين يكون من الله تعالى ولمجرّد إظهار المعجزات على أيدي الرسل ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ﴾ الأكمه هو الذي يولد أعمى، وكرّر قوله بإذن الله لإزالة أوهام من قد يعتقد فيه الألوهية ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وهو من قبيل اطلاع الأنبياء على بعض الغيب ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ويلاحظ من لفظ الآية أنّه تعالى جعل هذه المقدرة في عيسى ﵇ ليتحدّى بها بني إسرائيل، لأنهم لطفولتهم العقلية، اعتادوا على طلب المعجزات الحسية من زمن موسى ﵇.\n\n<span id=\"aya-343\"></span>﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ مؤكّدا ما بقي بين يديّ أو الصحيح الذي بقي منها، انظر شرح الآية (٣) أعلاه ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وهو ما اشتملت عليه الخرافات التي أدخلها أحبارهم على الشريعة وتمسّك بها عوامّهم فنفاها عنهم، لأنّ المسيح ﵇ لم يأت لليهود بشريعة جديدة، ولكن جاءهم بما يخلّصهم من الجمود والتعلق بالظواهر والشكليات والشوائب التي تراكمت على الشريعة، وليعود بهم إلى جوهر الدين وحقيقته، انظر شرح الآية (٩٣)، ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ دلالة على صدقي ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾.\n\n<span id=\"aya-344\"></span>﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ نفى عيسى الألوهية عن نفسه، وأفهمهم أن الله تعالى ربّ الجميع، إزالة لأي التباس أو سوء فهم، وقد ورد مثل هذا القول حرفيا في كتب المسيحية على لسان عيسى (سفر يوحنا ٢٠/ ١٧)، ومع ذلك كذّبوه وأصروا على تأليهه ﴿فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا هو الطريق الصحيح.","vol":"1","page":220},{"text":"<span id=\"aya-345\"></span>﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ﴾ أي من اليهود ﴿الْكُفْرَ﴾ يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب الذي انفرد به القرآن الكريم أن انتقل من البشارة بعيسى والآيات التي جاء بها إلى النتيجة التي وصل إليها مع قومه بعد طول الدعوة والمعاناة، وقد وجد عيسى في بني إسرائيل العناد والمكابرة ورفض تحكيم العقل والمقاومة ونية الإيذاء، فتوجّه باحثا عن أهل النصرة من المؤمنين: ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من ينصرني في الدعوة إلى دين الله ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي نحن أنصار الدعوة إلى دين الله.\nوالحواريون هم خاصّة عيسى من الأتباع والتلاميذ، وقيل إنهم كانوا ينتمون إلى طائفة من يهود فلسطين تدعى  Essene Brotherhood  اتسمت بالاستقامة والتصوف وكانوا يرتدون الملابس البيضاء دلالة على مذهبهم، وقيل إن عيسى ﵇ كان منهم فاشتق اسم الحور وهو البياض من لون ردائهم، فقالوا:\n﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ مخلصون له منقادون لأمره ﴿وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ قد أسلمنا أمرنا إلى الله، فنحن مسلمون له، مستسلمين لإرادته، وهو دليل على أن الإسلام - بهذا المعنى - دين الأنبياء جميعا وإن اختلفت بعض أحكامه.\n\n<span id=\"aya-346\"></span>﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ﴾ آمن الحواريون بالوحي الذي نزل على عيسى ﴿وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ وهو عيسى ﵇، ويلاحظ في الآية تتابع الإيمان ثم العمل بإتّباع، لأن الايمان بلا عمل يكون ناقصا، فاتّباعهم الرسول يفيد أن إيمانهم لم يكن بلا أثر، إذ بلغ مرتبة اليقين المسيطر على النفس والموجّه لها ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ على الحق.\n\n<span id=\"aya-347\"></span>﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)﴾.","vol":"1","page":221},{"text":"٥٤ - ﴿وَمَكَرُوا﴾ وهم اليهود الذين أحسّ عيسى منهم الكفر، قاموا بالتخطيط لقتله عن طريق اتهامه لدى الحاكم الروماني «بيلاطس» بالكفر والتحريض على الشغب ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ بالتدبير الخفي المؤدّي بهم إلى ما لا يحتسبون ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ بتدبيره الذي يخفى على عباده.\n\n<span id=\"aya-348\"></span>﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مستوفي أجلك في هذه الدنيا، لأنّ أصل التوفي في اللغة هو أخذ الشيء وافيا، ثم استعمل بمعنى الموت، انظر آية [الزمر: ٣٩/ ٤٢]، ﴿وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ كانت فرصة بني إسرائيل الأخيرة أن بعث لهم تعالى نبيّن في وقت واحد، وهما عيسى ويحيى ﵉، فقتلوا يحيى كما قتلوا غيره من الأنبياء من قبل، انظر شرح الآية (٢١)﴾، ثم تآمروا على قتل عيسى المسيح ﵇ فرفعه تعالى إليه، والرفع بمعنى الاستدعاء، كما تستدعي الدول سفراءها عندما تنتهي مهمتهم، أو عندما تصبح المهمة التي بعثوا من أجلها غير ذات جدوى، والمعنى أن فرصة بني إسرائيل في التوبة والإصلاح والتصديق بالمسيح فاتتهم بسبب عنادهم، فرفع تعالى المسيح إليه ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي من وجودهم، بعد أن لم يعد هنالك فائدة ترجى من وجود المسيح فيهم ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وهم المسلمون لأنهم الأتباع الحقيقيون لعيسى ابن مريم، وهذه نبوءة بالغيب، أي إن عقيدة المسلمين ظاهرة فوق غيرها إلى يوم القيامة، بالحجة والإقناع، وليس بالقهر والسيطرة ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وهو الاختلاف بين المسلمين وبين المسيحية الذين ابتدعوا ألوهية المسيح، وبين اليهود الذين كفروا ببعثة المسيح كليّة ثم أنكروا بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، فيتبيّن للجميع يوم القيامة الحق من الباطل.","vol":"1","page":222},{"text":"<span id=\"aya-349\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ وقد حصل ذلك في الدنيا بتشتيت اليهود وتسليط الأمم عليهم منذ طردهم الروم من فلسطين والقدس عام ٧٠ ميلادية، فكان ذلك بداية عصر الشتات لهم، انظر الآية (١١٢)، ثم عذاب الآخرة أخزى لهم من عذاب الدنيا.\n\n<span id=\"aya-350\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ إما في الدنيا، وهذا الأمر مطّرد في الأمم وليس بالضرورة في الأفراد، وإما في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي الظالمين لأنفسهم بالخروج عن الفطرة وبالكفر بالأنبياء.\n\n<span id=\"aya-351\"></span>﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿ذلِكَ﴾ أي ما تقدم من نبأ عيسى ويحيى وزكريا وغيرهم ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ﴾ آيات القرآن وهي العلامات المبرهنة على الرسالة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الحكيم لكون القرآن ينطق بالحكمة، وأيضا بمعنى المحكم، لأنّ فعيل بمعنى مفعل وهو شائع في اللغة، أي في منتهى الإحكام والإتقان.\n\n<span id=\"aya-352\"></span>﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ الآية جواب على ادعاء ألوهية عيسى عند المسيحية والمعنى أنّ خلق عيسى على غير المعهود من اتصال الذكر بالأنثى لا يستلزم كونه إلها لأنّ آدم، والمقصود به الجنس البشري خلق من تراب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣/ ١٢ - ١٣].\n﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ «القول» لتقريب الفهم إلى أذهان السامعين وهو كناية عن مقدرته تعالى بلا حدود، واستعمال الفعل المضارع في كلمة (يكون) إشارة إلى استمرار معجزة الخلق في الإنسان.","vol":"1","page":223},{"text":"قال تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ١٨/ ٣٧]، وقال عزّ من قائل ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [غافر: ٤٠/ ٦٧]، لأنّ الإنسان مخلوق من مواد عضوية وغير عضوية موجودة في التراب، وهذه معجزة مستمرّة وقائمة بذاتها، وأنّ خالق القوانين والسنن يفعل ما يشاء.\n\n<span id=\"aya-353\"></span>﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ هذا هو الحق من ربك فلا يكن عندك شك، والخطاب وإن كان ظاهره للنبي ﷺ إلاّ أنه - كما هي العادة في القرآن الكريم - موجّه للأمّة.\n\n<span id=\"aya-354\"></span>﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي في حقيقة عيسى ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وأصبحت على يقين من الحقيقة ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ وذلك قصارى ما في الأمر، أي لا نكرهكم على ما نحن عليه من العقيدة والإيمان، بل نترك لكم حرية الخيار، وتسمّى هذه الآية آية المباهلة، والمباهلة هي الملاعنة، أمّا الابتهال فهو الاجتهاد في الدعاء، وقد ورد أن النبي ﷺ دعا وفد نصارى نجران حين قدومهم عليه في المدينة إلى المباهلة بشأن دعواهم في ألوهية عيسى وذلك بأن يجتمع المجادلون في عيسى من أهل الكتاب رجالا ونساء وأطفالا، ويجتمع النبي مع المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا ثمّ يبتهل الطرفان إلى الله تعالى أن يلعن الكاذب منهما فيما يقال عن عيسى المسيح ﵇، وهذا الطلب دالّ على قوة اليقين والثقة لدى صاحبه بما يقول ويعتقد، وقد امتنع نصارى نجران عن المباهلة بسبب عدم ثقتهم بما يقولون، ولكونهم على","vol":"1","page":224},{"text":"غير بيّنة ولا يقين مستند على العقل في أمر المسيح، وإنّما كانت محاجّتهم عنادا وعصبية وتقليدا لما ورثوه عن آبائهم من المعتقدات، وحفاظا على مراكزهم في الكنيسة، ويلاحظ أيضا أنّ عبارة (تعالوا) في الآية تتضمن معنى التعالي والمعنى:\nأدعوكم يا أهل الكتاب إلى التعالي عن السفاسف وعن الشكليات والالتزام بأصل العقيدة فقط.\n\n<span id=\"aya-355\"></span>﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ في شأن المسيح ﵇ ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ المتفرّد بالألوهية ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هو وحده العزيز الغالب على أمره والحكيم العالم بالعواقب والنهايات، ولم يكن عيسى كذلك حتّى يدّعوا فيه الألوهية.\n\n<span id=\"aya-356\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ولم يجيبوا دعوتك إلى المباهلة ولم يستجيبوا للحقيقة فيؤمنوا ﴿فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ المعنى فوّض أمرهم إلى الله فهو أعلم بإفسادهم وحسابهم عليه تعالى، فتركهم النبي ﷺ وأعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وضمن لهم حقوقهم وحرية ممارسة شعائرهم الدينية وفرض عليهم الجزية.\n\n<span id=\"aya-357\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ ظاهر اللفظ يدل على أن المخاطبين هم اليهود والنصارى عامة، والخطاب وإن كان في الأصل للنبي ﷺ، فهو موجّه للمسلمين في كل الأمكنة والأزمنة بدليل تغيير الخطاب من المفرد إلى الجمع في تتمة الآية، والمطلوب دعوة أهل الكتاب والحوار معهم: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا﴾","vol":"1","page":225},{"text":"﴿وَبَيْنَكُمْ﴾ الكلمة تطلق على الجملة المفيدة، والسواء هو العدل، أي لنتفق على مبدأ عادل ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ المطلوب هو الإقرار بوحدانية الألوهية وأن السلطة الغيبية لله وحده لا شريك له ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الربّ من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلاّ بالإضافة، وهو هنا بمعنى من له حق التشريع والتحليل والتحريم، فاليهود رغم أنهم موحّدون إلاّ أنهم يتّبعون أحبارهم فيما يبتكرون من أحكام وتشريعات من عندهم فيجعلونها بمنزلة الوحي،\nوالآية تشير أوّلا: إلى ربوبية أحبارهم وكهنتهم من هذا المنطلق، وثانيا: فقد جرى النصارى أيضا على هذا المنوال وزادوا عليه ما ابتكروه من تأليه المسيح والروح القدس والتثليث وتسمية المسيح ابن الله، وإطلاق لقب «والدة الإله» على السيدة مريم، وابتكار فكرة الخطيئة الأصلية، وغفران الخطايا، كل ذلك بموجب القرارات التي أصدرتها المجامع المسكونية، وجعلوا لهذه القرارات مرتبة الوحي المنزل.\nوكان قد عقد أول مجمع مسكوني عام ٣٢٥ م في نيقية في آسية الصغرى برعاية امبراطور بيزنطة قسطنطين الأول حيث أقرّ مبدأ التثليث وألوهية المسيح بمرسوم أمبراطوري وبحضور ٣١٨ فقط من أصل ١٨٠٠ من رجال الدين في الأمبراطورية، والباقون ممّن لم يسمح لهم بالحضور كانوا من أتباع أريوس وهم المعارضون لهذه الأفكار والمصرّون على التوحيد وعلى الاعتقاد أن عيسى مجرّد بشر، وبعد هذا المؤتمر تعرّض الأريسيّون - نسبة إلى أريوس - إلى اضطهادات مريرة على أيدي الجيوش الرومانية فأحرقت كتبهم وكنائسهم وقد استغرق استئصال شأفتهم من أنحاء الامبراطورية حوالي ثلاثة قرون، والجدير بالذكر أنّ أريوس وأتباعه هم المشار لهم في رسالة النبي ﷺ إلى هرقل امبراطور الروم حين دعاه إلى الإسلام فكتب له: «أسلم تسلم وإن أبيت فإنّما عليك إثم الأريسيين»،","vol":"1","page":226},{"text":"﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ فإن أصرّوا على ما هم عليه من عبادة بعضهم بعضا أظهروا أنّكم على عبادة الله مستسلمين له وحده فقط، ولستم ملزمين بحمل غيركم على ما أنتم عليه من العقيدة.\n\n<span id=\"aya-358\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ﴾ فهو لم يكن على شيء من معتقداتكم ولا تقاليدكم ممّا ابتكرتم ووضعتم في كتبكم فكيف تدّعون أنكم على ديانته ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي إذا كان الدين الحق هو ما جاءت به التوراة فقط كما يقول اليهود، ولا يتجاوز ما جاء به الإنجيل كما يقول النصارى، فكيف كان إبراهيم على الحق؟ واستوجب ثناء اليهود والنصارى معا؟ مع أنه سبق التوراة والإنجيل بعدة قرون؟ فإن قيل إنّ المسلمين يقولون مثل ذلك في إبراهيم مع أنّ الإسلام نزل بعد إبراهيم بوقت طويل، فالجواب أنّ القرآن أخبر أنّ إبراهيم كان حنيفا مسلما، وليس في التوراة والإنجيل أنّ إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، كما أنه ليس المراد أن إبراهيم كان مسلما على ما أوتي النبي ﷺ، وإنما كان مسلما بالمعنى العام، وهو إسلام الأمر لله وحده، والاستسلام والإذعان والانقياد التام لإرادة الله وحده دون غيره، والإخلاص والإحسان، فالإسلام بذلك دين الأنبياء جميعا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران ٣/ ١٩].\nوالآيات (٦٥ - ٦٨) من إعجاز القرآن، لأنها تخبر بالغيب بما كان عليه إبراهيم ﵇، وزعم اليهود والنصارى أنهم على ملّته.\n\n<span id=\"aya-359\"></span>﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ بما تبقّى لديكم من التوراة والإنجيل ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ بالادّعاء أنّ إبراهيم","vol":"1","page":227},{"text":"كان على ملّتكم مع أنّ ذلك غير مذكور في كتبكم، وأنّ اليهودية والمسيحية بأشكالها الحالية لم تظهرا للوجود إلا بعد كل من عيسى وموسى ﵈ بوقت طويل ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-360\"></span>﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا﴾ بالمعنى الذي أنتم عليه ﴿وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلا الى الطريق الصحيح وتاركا ما كان عليه الناس من الضلال والشرك ﴿مُسْلِمًا﴾ منقادا إلى الله تعالى وحده مثل موسى وعيسى وجميع الأنبياء ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إشارة لشرك النصارى.\n\n<span id=\"aya-361\"></span>﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ أجدر الناس به هم الذين ساروا على طريقه ومنهجه فكانوا حنفاء مسلمين ﴿وَهذَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الذين صدّقوا برسالة النبي ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو ناصرهم على مخالفيهم.\n\n<span id=\"aya-362\"></span>﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ كانوا ولا زالوا شديدي الحرص على إضلال المؤمنين وردّهم عن الإسلام بإلقاء الشكوك في نفوسهم ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ لأنّهم بانشغالهم وانهماكهم في أحابيل إضلال غيرهم انصرفوا عن النظر والتفكّر والتأمّل برسالة محمد ﷺ فضلّت عقولهم عن الفطرة السليمة والتفكير السليم من حيث لا يشعرون.\n\n<span id=\"aya-363\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ الكفر هو ستر الحقيقة وإنكارها فقد كانوا ينكرون الدلائل الواضحة على نبوّة محمد ﷺ وهي القرآن","vol":"1","page":228},{"text":"وما جاء في كتبهم من البشارة بالنبي ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ قلوبهم شهدت بصحة الآيات والقرآن ولكن غلبت عليهم العصبية والتكبّر وتقليد الآباء والأجداد، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ٢٧/ ١٤].\n\n<span id=\"aya-364\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ أدخلتم النظريات والآراء والأحكام الباطلة في دينكم حتى صار دينا آخر غير ما جاء به أنبياؤكم، ولا تزالون تفعلون ذلك بالقرارات الوضعية التي تتّخذها مجالسكم ومجمعاتكم المسكونية من وقت لآخر ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تكتمون الحقيقة وأنتم على علم ووعي بما تقومون به من ابتكار ديانة وضعية لا علاقة لها بما نزل على الأنبياء، وأيضا أنتم أصحاب علم ومعرفة، لا أصحاب جهل وخرافات، فكيف تقبلون بهذه المعتقدات الزائفة؟\n\n<span id=\"aya-365\"></span>﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهم بعض أحبار اليهود قالوا لأتباعهم ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم المسلمون ﴿وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وجه النهار أي أوّله، والمقصود أنّ الأحبار أمروا أتباعهم بالنفاق للمسلمين والتظاهر بتصديق بعض الوحي بداية ثم تكذيب بعضه الآخر والنكوص على أعقابهم، والهدف من ذلك إيقاع البلبلة في نفوس الضعفاء من المسلمين الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان فيرتدّوا، أو على الأقل يتزعزع إيمانهم فيقولوا لأنفسهم: لولا أن ظهر لهؤلاء اليهود بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه وعرفوه، وقد ذكر الشيخ رشيد رضا في المنار أن النبي ﷺ ما أمر بقتل المرتدّ عن الإسلام إلاّ لتخويف الذين كانوا يدبّرون المكائد عن طريق","vol":"1","page":229},{"text":"الدخول في الإسلام ثم النكوص عنه، فبذلك لا يدخل في الإسلام إلاّ من كان مؤمنا حقّا وبهذا يتفق الحديث الشريف مع آية منع الإكراه في الدين.\n\n<span id=\"aya-366\"></span>﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي لا تأمنوا ولا تصدّقوا إلاّ اليهود أمثالكم، وهذا تتمة كلام أحبار اليهود لأتباعهم، وردّا عليه أمر تعالى رسوله أن يقول لهم ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ من الوحي، فالهداية من الله للناس جميعا وليست حكرا عليكم أو على شعب معين، فالله تعالى يؤتي من يشاء من الناس مثلما ما أوتيتم من الهدى والوحي ﴿أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بما نزل من الوحي على المسلمين ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ يجعل النبوة والوحي فيمن يشاء من عباده، وذلك هو الفضل المطلق، أنظر آية [النساء: ٤/ ٥٤]، ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فكيف حصرتم بزعمكم هذا الفضل الواسع لبني إسرائيل وحدهم، مع أن الله أعلم بمصالح العباد.\n\n<span id=\"aya-367\"></span>﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أي بالنبوة والوحي، انظر آيات [البقرة: ٢/ ١٠٥] و[هود: ١١/ ٦٣، ٢٨] حيث وردت الرحمة بمعنى الوحي ﴿مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ لأن النبوة والوحي أعظم فضل من الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-368\"></span>﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فيهم من هو في غاية الأمانة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾","vol":"1","page":230},{"text":"ومنهم من هو في غاية الخيانة فلا يؤدّي لك الأمانة إلاّ بعد الإلحاح والخصومة واللجوء إلى القاضي، والآية تحذير للمسلمين أن لا يأتمنوهم على أموالهم ولا يغترّوا بهم لأن الكثير منهم يستحل أموال الغير بدعوى أنهم على غير دينهم، واليهود يسمّون من هم على غير دينهم - الأغيار  Gentiles -  وتنص كتبهم المقدسة، التي غيّروا وبدّلوا فيها، على مقاييس مزدوجة في التعامل مع الناس بحسب إن كانوا يهودا أم لا، فبالنسبة للربا يقولون: «يحل لك أن تقرض الأغيار بالربا ولكن يحرم عليك إقراض اليهود بالربا» (سفر التثنية ٢٣/ ٢٠)، وعندهم قاعدة شبيهة في التزام القروض تميّز بين اليهودي وغيره (سفر التثنية ١٥/ ٣)، وهذه الازدواجية في التعامل غير مقتصرة عندهم على الربا، وإنما تتعداها إلى القتل والسرقة والزنا، فهي محرمة فيما بينهم، في حين أنهم يأمرون بقتل وسرقة وغدر الأغيار، ويشجعون الفواحش بينهم، انظر شرح آية [البقرة:\n٢/ ٥٩]، ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ذلك الاستحلال والخيانة ناتج عن زعمهم أن لا حرج عليهم ولا تبعة ولا ذنب في أموال الآخرين، وهذا من غرورهم وزعمهم أنهم شعب الله الخاص ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي إنّ ما نصّوا عليه في كتبهم من استحلال أموال الآخرين، ونسبوه إلى الله، ليس سوى كذبا، فهو دليل على التلاعب في كتبهم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون أن الخيانة محرّمة، ويعلمون أن المذكور في كتبهم ليس سوى افتراء من الأحبار، ولكن عمليات التضليل وغسيل الدماغ استشرت عبر أجيالهم وذرياتهم.\n\n<span id=\"aya-369\"></span>﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ هذه الآية لإثبات ما نفوه، والمعنى: بلى عليكم سبيل فيما زعمتم من استحلال أموال الآخرين، لأنّ المفروض عليكم هو الوفاء بالعهد والتقوى، والآية دالّة على","vol":"1","page":231},{"text":"تعظيم أمر الوفاء بالعهد، لأن الطاعات مشتملة على أمرين: تعظيم شعائر الله، وحسن المعاملة مع الناس، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا.\n\n<span id=\"aya-370\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عهد الله يشمل ما عهده تعالى إلى الناس في كتبه المنزلة أن يلتزموا الصدق والوفاء بما يتعاهدون ويتعاقدون عليه وأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ولما كان الناكث بالعهد لا ينكث إلاّ لمنفعة دنيوية فقد عبّر تعالى عن ذلك بالشراء، أي أنّ الناكث بالعهد يشتري المنفعة الدنيوية، وهي قليلة مهما عظمت، لأنّ كل متاع الدنيا قليل بالمقابلة مع عهد الله ﴿أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ لا نصيب لهم من خيراتها ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ لأن الخيانة والنكث بالعهود يترتّب عليهما فساد التعامل بين الناس وفساد مصالحهم وإفساد المجتمع، روى أحمد في مسنده عن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»، والعلاقة واضحة بين هذه الآية وما قبلها من ادّعاء اليهود بأن لا حرج عليهم في غش الناس من غير اليهود.\n\n<span id=\"aya-371\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ﴾ الإشارة غير مقتصرة على اليهود وإنما تشير إلى النصارى أيضا بدليل الآيتين التاليتين، واللّيّ عبارة عن جعل الاستقامة اعوجاجا، وهو هنا بمعنى إعطاء الكلام معنى آخر غير المقصود به، فمثلا استخدم العهد القديم تعبير أبناء الله وابن الله مجازا فجاء النصارى في","vol":"1","page":232},{"text":"وقت متأخر ليقولوا إنّ المسيح ابن الله حرفيا، وقد ابتدعوا أيضا ألوهية المسيح والتثليث ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ﴾ لأنهم يفسرون الألفاظ على غير معناها، ومن ذلك أيضا ما قامت به الكنيسة مؤخرا بإصدار طبعة من كتابها المقدس باللغة العربية حاولت أن تجعله على نسق القرآن الكريم شكلا ورسما لإيهام العوام وضعاف العقول في إفريقية أنه قرآن كريم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ينسبون آراءهم وأهواءهم إلى الله ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ لأنهم تعمّدوا التزوير مع سوء النية بهدف حرف الدين عن مجراه الصحيح، وهو ما حدث بالنصرانية التي جاء بها عيسى المسيح ﵇ فانحرفت إلى المسيحية التي ابتدعها بولس وأقرّها المجمع المسكوني الأول في نيقية عام ٣٢٥ م بمرسوم أصدره الإمبراطور قسطنطين الأول، انظر شرح الآية (٦٤)، حتى أنّ الغربيين ينسبون المسيحية التي نعرفها اليوم إلى بولس فيقولون: «مسيحية بولس»  Pauline Christianity .\n\n<span id=\"aya-372\"></span>﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الكتاب هو الوحي، والحكم هو العلم والتفقّه بالوحي، انظر آية [مريم: ١٩/ ١٢]، ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ استمرار الكلام من الآية السابقة، والإشارة واضحة لعيسى ﵇، وهي تبرئة حاسمة له من قول الكنيسة، لأنّهم زعموا أنّه ادّعى الألوهية، ﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ ذكر الرازي عن سيبويه أن الربّاني منسوب إلى الربّ لأنّه عالم بالله ومواظب على طاعته ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي إنّ المرء يكون ربّانيّا بنشر علم الكتاب ودراسته.","vol":"1","page":233},{"text":"<span id=\"aya-373\"></span>﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا﴾ بأن تنسبوا إليهم صفات الألوهية، فالمسيح لم يأمر أحدا بعبادته، ولا عبادة أو تقديس أو تأليه الملائكة والبشر، كما فعلت الكنيسة بعده بتأليه الروح القدس وإسباغ صفة القدسية على الكثير من البشر الذين تسميهم الكنيسة قدّيسين ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لأن اليهود الذين بعث عيسى إليهم كانوا في الأصل موحّدين على شريعة موسى، كما أنهم مسلمون بمقتضى الفطرة لأنّ الإسلام دين الفطرة.\n\n<span id=\"aya-374\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الأنبياء ﵈ كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنّه إذا بعث محمد ﷺ فعليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه، فيكون تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين الذي أخذوه على أممهم، وقد أضاف تعالى أخذ الميثاق إلى ذاته العليّة وإن كان النبيون أخذوه على الأمم، ويمكن أن يكون تقدير الآية أيضا: وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين - بحذف المضاف - فيكون المعنى أن على هذه الأمم الإيمان ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي لأجل ما آتيتكم أيّها الأمم من الكتب، والحكمة التي هي سنّة أنبيائكم ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أخذ الأنبياء على أممهم عهدا أن يؤمنوا بخاتم الأنبياء والرسل وينصروه وقت مجيئه، فيكون مجيء الرسول تصديقا لما قي كتبهم من البشارة بقدومه، ومن ذلك ما ورد في كتب اليهود أنه تعالى خاطب موسى قائلا:","vol":"1","page":234},{"text":"«سوف أبعث لهم - أي لقومك - نبيّا من وسط إخوتهم - أي من بني إسماعيل -، مثلك، وأضع كلامي - أي كلام الوحي - في فمه وسوف يكلمهم بكل ما آمره، وسوف يكون أن من لا يستجيب لكلامي - أي القرآن - الذي سوف يقوله باسمي فسوف أحمّله عاقبة عمله» (سفر التثنية ١٨/ ١٨ - ١٩)، والنبواءات عن قدوم النبي الأحمد كثيرة في كتبهم، انظر كتاب البروفسور عبد الأحد داوود «محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى».\n﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي قال كل نبي لأمّته أأقررتم، وقد أضاف تعالى طلب الإقرار إلى ذاته العلية - كما في أخذ الميثاق - وإن كان وقع من الأنبياء ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي قبلتم عهدي ﴿قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض، وأنا معكم شهيد.\n\n<span id=\"aya-375\"></span>﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ﴾ من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول، بعد مجيئه، وبعدما تقدّم من الدلائل ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن الحق،\n\n<span id=\"aya-376\"></span>﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ بعد أن بيّن تعالى في الآية السابقة أن من واجب الأمم الإيمان بالنبيّ ﷺ، أتبع في هذه الآية استفهاما على سبيل الإنكار، بمعنى أنّ كل من لم يتّبع النبي يكون على غير دين الله، ومغزى ذلك واضح لأن الوحي الإلهي بمجمله اكتمل وختم بالبعثة الإسلامية ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ انقاد لله مستسلما مذعنا ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ لأنّ الجميع خاضع للسنن الكونية التي لا يمكن الانفلات منها، بمن فيهم الكفار ينقادون خاضعين للموت وللمرض وللقضاء والقدر مما لا يستطيعون دفعه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ فيحاسبهم تعالى بأعمالهم.","vol":"1","page":235},{"text":"<span id=\"aya-377\"></span>﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وهو القرآن الكريم بالدرجة الأولى، لأنّه المقياس الوحيد الذي على ضوئه يمكن تمحيص سائر الكتب المنزلة الأخرى التي سيرد ذكرها، ومعرفة الصحيح من الخطأ فيها بعد ما بدّل فيها أصحابها وأدخلوا عليها ﴿وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ نقرّ أنهم كانوا على دين واحد تمّم بعضه بعضا، وأن مصدر الدين واحد وهو الوحي الإلهي، انظر آيات [البقرة: ٢/ ١٣٦] و[المائدة: ٤/ ١٥٠] ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مسلمون أمرنا لله، ومستسلمون لأمره الذي نزل وحيا على جميع أنبيائه، ومؤمنون بخاتم الرسالات التي اكتملت بها الأديان السابقة، انظر آية [المائدة: ٥/ ٣] في إكمال الدين.\n\n<span id=\"aya-378\"></span>﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ لأنّ الإسلام ليس مجرّد ملّة أو نحلة أو مذهب، وإنّما هو التوحيد والاستسلام لله والإيمان بكل الوحي الذي نزل على الأنبياء على النحو المذكور في الآيات السابقة، فالدين عند الله واحد، والحقيقة التي جاء بها الأنبياء واحدة متكاملة، فلا يصح التسليم بقسم منها وإنكار بعضها الآخر، كما أنّ الأنبياء بهذا المعنى مسلمون جميعا ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنّه رفض استيعاب الحقيقة أو تعامى عنها.\n\n<span id=\"aya-379\"></span>﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ وهم اليهود والنصارى والمعنى أن الله تعالى لن يجبرهم على الإيمان قسرا، لأن كلمته سبقت بأن أعطى","vol":"1","page":236},{"text":"بني آدم حرية الخيار، انظر آية [الشعراء: ٢٦/ ٤]، ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ بعد إيمانهم بالرسل أنكروا بعثة محمد ﷺ مكابرة وعنادا، رغم أنّهم شهداء على ما ورد في كتبهم من البشارات بقدومه، وبعد أن ظهرت لهم الدلائل البيّنة على بعثته، انظر أيضا الآيات (٧٠ و٨١) أعلاه ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لا يجبرهم على الهداية، والظلم بمعنى العدول عن الطريق الصحيح، وقد مضت سنته تعالى بأنّ الظالم لنفسه لا يهتدي إلى الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-380\"></span>﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾ لعنة الله هي الإقصاء والبعد ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لعنة الملائكة والناس هي دعاؤهم على الكافرين، والمقصود بالناس المؤمنون منهم في الحياة الدنيا، ثمّ في الآخرة يلعن الكفار بعضهم بعضا لقوله تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف ٧/ ٣٨].\n\n<span id=\"aya-381\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي في اللعنة ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ فما تكيّفت به نفوسهم الظالمة لا يفارقهم ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون، والإنظار والإمهال بالمعنى نفسه.\n\n<span id=\"aya-382\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أصلحوا أي قاموا بصالح الأعمال، أو أصلحوا نفوسهم بالأعمال الصالحة، وقد عطف تعالى العمل الصالح على التوبة لأنّ التوبة لا قيمة لها إن لم يكن لها أثر في العمل.\n\n<span id=\"aya-383\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠)﴾.","vol":"1","page":237},{"text":"٩٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ كفروا ببعثة محمد ﷺ بعد أن آمنوا بمن قبله من الرسل ﴿ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا﴾ بمقاومة الحق، والإمعان في الكيد للمسلمين ومحاربتهم، والتشكيك بالإسلام، حتى تمكّن الكفر منهم لكثرة ما عملوا بمقتضاه ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عند الموت أو في الآخرة، بدليل الآية التالية ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ راسخون في الضلال.\n\n<span id=\"aya-384\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ كفروا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وماتوا على الكفر بلا توبة ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ المعنى لو كان قد تصدّق به في الدنيا فلن يقبل منه في الآخرة، لأنّ الكفر أحبط عمله ﴿وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ﴾ لا وسيلة للافتداء في الآخرة، أي لن تقبل معاذيرهم ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ لأنهم تعمّدوا إنكار الحقّ.\n\n<span id=\"aya-385\"></span>﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ البرّ هو الإيمان الصادق، ويقال برّ الرجل يمينه أي صدق بها، أنظر آية [المطففين: ٨٣/ ٢٢]، والخطاب استمرار لما قبله، فبعد أن أخبر تعالى أنّ إنفاق الكفار على أعمال الخير مهما بلغ في الدنيا لن يجديهم شيئا في الآخرة، فبالمقابل تخبر هذه الآية أن إنفاق المؤمنين مما يحبون هو الكفيل بنيلهم البر، فالإنفاق يصدّق الإيمان.\nوالإنفاق لا يقتصر على المال إذ يمكن أن يشمل بذل الجهد والطاقة والمركز والسمعة والنفوذ والتعليم وتكريس النفس للعمل في سبيل الله، والمعنى أنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب فلا يكون صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة، انظر آية [البقرة ٢/ ١٧٧].","vol":"1","page":238},{"text":"﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم به.\n\n<span id=\"aya-386\"></span>﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - وهنا تعود السورة للحديث عن بني إسرائيل موضوع الآيات (٢١ - ٢٧) والآيات (٦٤ - ٨٣)، وإذ لم يجد أحبار اليهود مبررات جوهرية للطعن في بعثة محمد ﷺ من حيث جدارتها وسمّوها، فتوجّهوا للاعتراض على التفاصيل والشكليات، فقد زعموا أنّ النبي ﷺ قد حلّل أطعمة كانت محرّمة عندهم،\nقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٥]، أي كل شيء عدا هذه الأصناف الأربعة فهو حلال.\nوقد أجابهم تعالى على دعواهم تحريم ما لم يحرّمه الله بقوله جلّ ثناؤه: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ إسرائيل هو يعقوب ابن اسحاق ابن إبراهيم ﵈، وما حرّمه إسرائيل على نفسه من الطعام قد يكون من قبيل الاجتهاد أو الذوق الشخصي أو لسبب مرضي، ويحتمل أنّ من بعده ألزموا أنفسهم بذلك فتكون النتيجة هي ما حرّمه بنو إسرائيل على أنفسهم بحكم العادات والتقليد ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ لأنّ التوراة نزلت على موسى بعد زمن يعقوب بحوالي سبع مئة عام ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي هاتوا التوراة الأصلية التي نزلت على موسى، فليست العبرة بالكتب المشتملة على البدع ممّا كتبه أحباركم.\nوقد ورد هذا الموضوع أيضا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام:\n٦/ ١٤٦]، والذي يبدو من سياق هذه الآية أن التحريم المذكور في كتب اليهود","vol":"1","page":239},{"text":"فرضه الأحبار لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام حتى اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١]، فاليهود كانوا يعتمدون أقوال الأحبار والرهبان من أحكام التحريم والتحليل ولو كان في أصل الكتاب ما يخالفها، حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، ولذا كانت عقوبته تعالى لهم، وهي معنى قوله ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ،﴾ والجزاء من سنن الله في خلقه، بأنه من يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب التحريم وما يترتب عليه من معاناة إلى ذاته العليّة، أما قوله تعالى في سورة النساء ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ١٦٠]، فالدليل من سياق الآيات أن تحريم الطيبات لم يكن في أصل التوراة وإنما أحدثوه بعد محاولتهم قتل المسيح ﵇، وقد جاء المسيح ليحلّ لهم بعض ما حرّموه على أنفسهم، قال تعالى على لسان عيسى ﵇ مخاطبا بني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٠]، وقد ذكر محمد أسد أيضا أن تحريم الطيبات عليهم ليس مقتصرا على الطعام وإنما هو كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا يحيى وتآمروا على قتل عيسى المسيح ﵉، ثم تآمروا أيضا على قتل النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-387\"></span>﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي بعد نزول التوراة ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ادّعى اليهود أنّ ما ابتكروه من تحريم بعض الأطعمة ليس إلاّ قانونا سماويا أزليا، ولكنه في حقيقته لم يكن سوى افتراء الكذب على الله، والمفترون عادة ينهمكون في الجزئيات وصغائر الأمور والتفاصيل والتفاهات والشكليات، إما ليصرفوا الناس عن دينهم، وإما لغايات شخصية في نفوسهم،","vol":"1","page":240},{"text":"وإما عن جهل وضيق أفق ومحدودية تفكير، فأولئك هم الظالمون، لأنهم نسوا أو تناسوا روح الدين وجوهره ومقاصده الحقيقية.\n\n<span id=\"aya-388\"></span>﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ أي صدق الله وحده فيما كتبه على البشر من المحرّمات وكذبتم ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ التي مال بها عن سبل الضلال وأقام على حقيقة الدين بلا شوائب ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلم يتخذ أربابا من دون الله يحلّلون ويحرّمون حسب أهوائهم.\n\n<span id=\"aya-389\"></span>﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - زعم اليهود أيضا بطلان انتقال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، واتّخذوا ذلك حجّة لإنكار نبوة محمد ﷺ فقالوا ما باله قد حوّل القبلة إلى الكعبة؟ وهو يزعم أنّه جاء مصدّقا لما قبله من الرسل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ والمعروف أنّ بناء الكعبة في مكة على يد إبراهيم وإسماعيل ﵉ تمّ قبل بناء المسجد الأقصى الذي بناه سليمان في بيت المقدس بأكثر من ألف عام، فلا جدال في أقدمية الكعبة على بيت المقدس، والنقطة الثانية أن توجّه المسلمين نحو قبلتهم في الكعبة لا يمكن اعتباره خرقا لملّة ابراهيم ﵇، بل على العكس فهو استمرارية لها، وبما أن كتب اليهود والنصارى تقرّ ملّة إبراهيم فليس هنالك من معنى لاعتراضهم، انظر شرح آيات [البقرة ٢/ ١٤٢ - ١٤٤]، أمّا لفظي بكّة ومكّة فهما مترادفان، وكانت العرب تلفظ حرفي الباء والميم أحدهما مكان الآخر.\n\n<span id=\"aya-390\"></span>﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ ومنها الكعبة المشرفة التي ترمز إلى التوحيد، وإلى استمرارية الوحي الإلهي منذ بدء الخليقة باعتبارها أول بيت وضع للناس، كما","vol":"1","page":241},{"text":"ترمز إلى الأخوّة بين المؤمنين باعتبارهم يتجهون إليها جميعا في الصلاة أينما كانوا ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ ومن ضمنها أيضا مقام إبراهيم أي مكان قيامه للصلاة والعبادة، وقيل الحرم بكامله مقام إبراهيم ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وهذا أيضا من جملة الدلائل، فالأمن فيه معنوي ومادّي، من يدخله يشعر بالطمأنينة والسكينة، كما أنّ منطقة الحرم وما حولها تمتعت بالأمن حتى في أيام الجاهلية وفي الوقت الذي كانت فيه باقي الجزيرة العربية تعاني من الفوضى والاضطراب والاقتتال بين القبائل، وكان الفرد في الجاهلية يرى خصمه اللدود في الحرم فيتركه بسلام، كما كانت الجزيرة العربية بأكملها تتمتع بالأمن سنويا خلال أربعة شهور حرم لا يجرؤ أحد على خرقها، ومن الدلائل التي شهدها العرب أيضا هزيمة أبرهة الأشرم عام الفيل حين جاء ليهدم الكعبة فانقلب مهزوما دون قتال ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وهذا دليل آخر في معرض تعظيم البيت ورد بصيغة الفرض، فالعرب ما زالوا يحجّون إليه من زمن إبراهيم ﵇ فذلك دليل متواتر على نسبة البيت إليه، وهو ردّ على اليهود، وبرهان أن النبي على ملّة إبراهيم ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ من كفر بأن هذا البيت أول بيت وضعه إبراهيم للعبادة، رغم كل هذه الدلائل، ولم يذعن لما فرضه تعالى من الحج، فعاقبة الكفر تعود عليه، لأنّ الله تعالى غنيّ عن عباده.\n\n<span id=\"aya-391\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - بعد أن أزال تعالى شبهات أهل الكتاب فيما ادّعوه من حرمة بعض الأطعمة، واتجاه القبلة، خاطبهم بقوله ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ مع علمكم بأنّها صحيحة ﴿وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ فكيف تجرؤون على ذلك؟\n\n<span id=\"aya-392\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.","vol":"1","page":242},{"text":"٩٩ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ﴾ كانوا وما زالوا يحاولون صدّ ضعاف العقول عن الإسلام بشتى الافتراءات، والبعثات التنصيرية التي يبثونها اليوم في بلاد المسلمين في آسية وإفريقية خير شاهد على ذلك ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يريدون ادخال الشبهات على الإسلام بمحاولة اظهاره معوجّا عن الحق ﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ على صحة ما أوتيه النبي ﷺ وبشهادة كتبكم، انظر شرح الآية (٨١) ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم.\n\n<span id=\"aya-393\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - بعد أن عاب تعالى على أهل الكتاب كفرهم بآياته، بل سعيهم في حثّ الآخرين على الكفر بالصدّ عن الإسلام، انتقل تعالى إلى مخاطبة المؤمنين:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ المصرّون على الكفر والعدوان من اليهود والمسيحية يريدون بكم السوء، فإن استجبتم لهم وأطعتموهم باتباع أهوائهم وأهوائكم، أوقعوا بينكم الفتنة والعداوة والاقتتال، فتصبحوا بذلك كافرين.\n\n<span id=\"aya-394\"></span>﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ بأن تطيعوهم ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ عندكم القرآن فيه هدايتكم ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ وعندكم سنّة رسول الله ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ بكتاب الله، والاعتصام بالشيء هو التمسّك به لمنع الوقوع في مصيبة، والمقصود حث المسلمين على الوحدة والتمسك بهدي القرآن بعد تحذيرهم في الآية السابقة من طاعة أهل الكتاب ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى الطريق الصحيح، وقد استخدم الفعل الماضي في جواب الشرط لتأكيد تحقق الهدى لمن يعتصم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.","vol":"1","page":243},{"text":"<span id=\"aya-395\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ بتنفيذ ما ورد في الآيتين (١٠٠ - ١٠١)، قال الزمخشري: إنّ المعنى بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:\n٦٤/ ١٦]، غير أنّ بعضهم حمل معنى الآية على التوحيد، لأنه الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، فمن لا يؤمن بوحدانية الله لا تقبل أعماله، والتوحيد عمل يستطيع كل مكلف القيام به على تمامه ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أقيموا على الإسلام وأعماله على الدوام ولا تضلوا عنه حتى إذا أتاكم الموت بغتة كنتم عليه، فإذا عاش المرء على التقوى واليقين مات عليهما.\n\n<span id=\"aya-396\"></span>﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ روى الدارمي عن النبي ﷺ أنه قال:\n«اعتصموا بحبل الله فإنّ حبل الله القرآن»، وهو تشبيه لحالة المسلمين إذا تعاضدوا وتكاتفوا على التمسك بهدي القرآن وحده دون غيره ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ لا تتفرقوا باتباع المذاهب والعقائد الوضعية، ولا تتفرقوا بإحداث الشيع والفرق الدينية ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا﴾ الإشارة إلى ما كان عليه العرب في الجاهلية من العداوة والحروب وسفك الدماء فيما بينهم فأصبحوا بنعمة الإسلام إخوانا، كما هي إشارة إلى عداوة الناس بعضهم لبعض بقوله ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:\n٢/ ٣٦]. ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ كناية عن العذاب الحتمي الذي ينتج عن الجهل الروحاني ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ كنتم في جاهليتكم ووثنيتكم وشرككم بالله تعالى على حافة الهلاك من جحيم الاقتتال فيما بينكم، وبعد","vol":"1","page":244},{"text":"ذلك تلقون عذاب الآخرة ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ المطلوب أن تفكّروا في المعجزة القرآنية كيف أنقذكم بها تعالى من العصبية الجاهلية والبغضاء والحروب الأهلية والموت على الجهالة وعذاب الدنيا والآخرة فلعلكم تتمسكون بنعمة الإسلام وتهتدون إلى طريق النجاة.\n\n<span id=\"aya-397\"></span>﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة تكون أهلا لذلك ﴿يَدْعُونَ إِلَى﴾ عمل ﴿الْخَيْرِ﴾ وهو كل ما فيه صلاح للناس دينيا ودنيويا، والخير أيضا بمعناه العام هو الإسلام، ودعوة الغير إلى الإسلام والتبشير به في كافة أنحاء الأرض مطلوبة من كل مسلم، ويرى البعض أن كلمة ﴿مِنْكُمْ﴾ تعني بعض المسلمين فقط وهم العلماء والمتفقهين في الدين، وبذلك تكون الدعوة فرض كفاية، غير أنه يفترض أن يكون كل مسلم عالما بأمور دينه وبالقرآن والسنة، ولا يعتبر جهل المسلم عذرا، لأن عليه أن يتدارك جهله بالعلم، وإن لم يصل إلى درجة العلماء والمتفقهين في الدين، إلا أن يكون من العوام، وفي جميع الأحوال لا يصحّ أن يتصدى للدعوة إلا من كان أهلا لها ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وذلك بحكم كون المسلمين أمة وسطا وشهداء على الناس [البقرة: ٢/ ١٤٣] فهم قدوة حسنة للآخرين، كما هم قدوة بعضهم لبعض في سلوكهم ومعاملاتهم، فالمطلوب من الأمة أن تكون قدوة حسنة للناس أجمعين في أعمالها وسلوكها فتحقق العقيدة الإسلامية قولا وعملا بممارسات حياتية فعلية تكون في ذاتها دعوة عملية للناس إلى الإسلام، وتكون حياة المسلمين شهادة فعلية لبيان الصواب من الخطأ، وليس بالمجابهة، ولا بالكلام فقط ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأنهم ينجحون في الدنيا والآخرة، وإذا تخلّوا عن ذلك كانت الأمة من الخاسرين في الدنيا قبل الآخرة.","vol":"1","page":245},{"text":"أما قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ١٠٥]، فمعناه لا يكن قصارى همّكم تقصّي عيوب الآخرين، بل انظروا في إصلاح أنفسكم أوّلا، وأيضا لا يضرّكم ضلال الآخرين بعد أن قمتم بواجبكم بدعوتهم إلى الإسلام، لأن الحساب على الله.\n\n<span id=\"aya-398\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ نور ﴿الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ الإشارة لليهود والنصارى لكونهم ابتعدوا عن أصل الوحي وابتكروا في الدين من المذاهب والعقائد الوضعية ما لم يكن فيه، وأيضا الذين غاب عن تفكيرهم جوهر الدين وتفرقوا شيعا وفرقا دينية بسبب تعلقهم بالشكليات والأمور السطحية والمصالح الخاصة، والآية تحذير للمؤمنين ألاّ يكونوا مثلهم.\n\n<span id=\"aya-399\"></span>﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى: أولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، وابيضاض الوجوه كناية عن السرور، واسوداد الوجوه كناية عن شدّة الحزن والغم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ يقال للذين اسودّت وجوههم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ بعد أن فطركم الله على الإيمان، أو بعد أن جاءتكم الرسل بالآيات البيّنات وعرفتموها وآمنتم بها، فكيف كفرتم بعد ذلك بأن حرفتم الدين عن مقاصده الصحيحة؟ وارتددتم وتركتموه وراء ظهوركم، وذلك ينطبق على كفّار أهل الكتاب وغيرهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فكأنهم اختاروا العذاب لأنفسهم كونه نتيجة طبيعية لسوء اختيارهم في الحياة الدنيا.","vol":"1","page":246},{"text":"<span id=\"aya-400\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ بما قدّموه من الإيمان والعمل الصالح ﴿فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-401\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ المشتملة على المواعظ والعبر والدالّة على الصراط المستقيم ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ متضمنة الحق، لبيان حقيقة الحياة والخلق والعواقب ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ الله تعالى قد بيّن الحقيقة لعباده فمن ضلّ عن الطريق الصحيح يكون ظالما لنفسه.\nوذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٣١] أي أنّه تعالى لا يهلك المجتمعات بظلم وضلال منها، ما لم تكن الرسالة السماوية قد وصلتها أوّلا، فعرفت بها الصواب من الخطأ.\n\n<span id=\"aya-402\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى أنه تعالى قادر على منع الظلم والضلال في هذه الدنيا بالجبر والقهر ولكنه ترك لعباده أن يختاروا الهداية ويتركوا المعصية طواعية ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فهو المحيط بالحكمة من كل شيء، والمتصرف بشؤون خلقه وتدبيرهم، وإليه يرجعون فيحاسبهم على ما عملوا.\n\n<span id=\"aya-403\"></span>﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿كُنْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أي خير أمة أخرجت لأجل الناس ومنفعتهم، لأنّ الإرادة الإلهية اقتضت أن يكون الإسلام خاتمة للأديان السابقة، وإكمالا لها دينا عالميا غير عنصري، لكل البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم بلا تحيّز، فلم يعد هنالك حاجة لبعث المزيد من","vol":"1","page":247},{"text":"الأنبياء والرسل إلى البشر، ومن معجزات الوحي الإلهي أنه نزل عبر العرب رسالة صالحة لكافة الأمم الأخرى في كافة العصور، وعليه لا يكفي المسلم أن يتعلم ما فهمه أسلافنا المسلمون من القرآن والسنة في وقتهم، بل من الواجب تكييف هذا الفهم وتطويره بما يوافق متطلبات العصر الذي نعيشه حتى يمكن نقل الرسالة الإسلامية إلى الغير عبر سلوكنا الفعلي الظاهر وممارساتنا الحياتية العملية اليومية، ولكي يكون الإسلام تطبيقا ممكنا وليس نظرية في الكتب وكلاما، وأي شيء أقل من ذلك يعد تجاهلا بل إنكارا لعالمية الإسلام وإمكانية تطبيقه في كل الأوقات ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو مبرر الخيرية المذكورة آنفا، ولا يكون ذلك بمجرد الأمر والنهي باللسان، وإنما يقتضي أن يكون المسلمون قدوة حسنة لغيرهم حتى يكون أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر نابعا من ممارسة حياتية صحيحة وصادقة ومطابقا لها، وخلافا لذلك تكون النتيجة إنكارا لعالمية الوحي القرآني وابتعادا عنها ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ لا تشركون بعبادته أحدا ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ بمثل ما آمنتم به أي بدعوتكم لهم إلى المعروف ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأن الإسلام جاء لخير البشرية جمعاء ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ القلّة منهم تحكّم العقل والتفكير الموضوعي فتدخل الإسلام، قال تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٤/ ١٦٢]، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الأكثرية منهم فسقوا عن حقيقة دينهم ولم يبق عندهم من الدين سوى المراسم والتقليد، والتعصب للآباء والأجداد، وقد سيطر عليهم التحامل والهوى والغرور والاعتداد بالذات، وهيمنت عليهم المصالح الدنيوية والزعامات والمراكز.\n\n<span id=\"aya-404\"></span>﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١١١)\n١١١ - فالمصرّون على الفسق منهم لن يضرّوكم: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ أي بكفرهم وتكذيبهم ﴿إِلاّ أَذىً﴾ أي أذى تسمعونه منهم كالطعن في الدين والذم","vol":"1","page":248},{"text":"والقدح والافتراء والتهديد، وهو ما يسمعه المسلمون منهم حتى اليوم ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ وهذه بشارة بالغيب تحققت بهزيمة يهود قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر وغيرهم ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهي أيضا بشارة مطلقة بالغيب ومرتبطة بالآية السابقة، أي ما دمتم خير أمة أخرجت للناس، بحرصكم أن تكونوا قدوة مثلى للبشر في طريقة حياتكم ومعيشتكم حسب تعاليم القرآن، فإن قاتلوكم لا ينصرون ويكون النصر محققا لكم، وهو شبيه بقوله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٤٧/ ٧].\n\n<span id=\"aya-405\"></span>﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ استمرار الخطاب عن الفاسقين من أهل الكتاب، والإشارة خاصة إلى بني إسرائيل بدليل ما سيأتي من قتلهم الأنبياء ﴿أَيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ أينما وجدوا ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ أي بعهد من الله وهو أن يكونوا مؤمنين بالله رب العالمين مع التخلّي عن عنصريتهم وتعصبهم واعتقادهم أنهم فوق البشر، وأنّهم ما زالوا الشعب المختار مع أن هذه الصفة الأخيرة زالت عنهم بعد أن كفروا بآخر أنبيائهم عيسى ﵇ ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ يلاحظ أنه في كل العصور والبلدان التي عاش فيها اليهود بسلام وأمان، رغم عنصريتهم، كان ذلك ناتجا عن تسامح وحسن نية الشعوب التي استضافتهم وليس لقوة ذاتية فيهم، وقد عاشوا بأمان في كنف الدولة الإسلامية على مر العهود الأموية والعباسية والعثمانية وفي الأندلس وغيرها، وفي كنف غير المسلمين أحيانا، وإن كانت نشأت لهم دولة مستقلة مؤخرا فبقوّة غيرهم من الأمم التي تدعمهم وليس بقوتهم الذاتية ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ المسكنة هي السكون الناتج عن الضعف والحاجة، وهو ما","vol":"1","page":249},{"text":"يتظاهر به اليهود دوما استدرارا لعطف الأمم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي ذلك الذي تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم سببه كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء انظر شرح الآية (٢١) من هذه السورة، والآية (٦١) من سورة البقرة ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تجرّؤوا على الكفر وقتل الأنبياء بسبب إصرارهم على المعاصي وتعديهم على حدود الشرع، حتى صار ذلك خلقا لهم وطبعا يتوارثونه.\n\n<span id=\"aya-406\"></span>﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ليس أهل الكتاب متساوين فيما ذكرته الآية عنهم من الأوصاف والأعمال القبيحة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ منهم جماعة ثابتة على التمسك بحقيقة الدين، ولذلك دخلوا الإسلام ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يدعون ربّهم ويقرّون بوحدانيته،\n\n<span id=\"aya-407\"></span>﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم الجماعة المشار إليها بالآية السابقة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالتوحيد ونبوّة محمد ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي عن الشرك، وهم ذوو التفكير الموضوعي والعقول النيّرة، بعيدون عن التعصب الأعمى ﴿وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ يبادرون إلى أعمال الخير قبل فوات الأوان ﴿وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-408\"></span>﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ مما هو مذكور أعلاه ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ لن يحرموا ثوابه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ فيثيبهم بحسب أعمالهم.","vol":"1","page":250},{"text":"<span id=\"aya-409\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١١٦)\n١١٦ - بعد أن ذكر تعالى الصالحين من أهل الكتاب وأنهم لن يحرموا ثواب ما يعملون من خيرات أتبعه في هذه الآية بذكر عاقبة المصرّين منهم على الكفر فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ لن تفيدهم شيئا ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأن طبيعة نفوسهم اقتضت أن يكونوا بهذه المنزلة.\n\n<span id=\"aya-410\"></span>﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ الصرّ هو الصقيع، والحرث هو الزرع، وقد ضرب تعالى مثلا بالريح ذات الصقيع التي تهلك الزرع - والمعروف أن هبوب الريح في الأوقات الباردة يسبب المزيد من الصقيع -، فالريح هي المال الذي يبذّره الكافرون على الدنيا وعلى الجاه والضلال، والصقيع بمثابة الكفر الذي يهلك العقل والفكر السليم، أي إن الغنى وتكاثر الأموال والأنفس أصاب عقولهم بالثمالة، فكما أن الريح مع الصقيع تهلك الزرع فكذلك الإنفاق مع الكفر يهلك العقل السليم والفكر الصحيح، لأنه يصرف العقول عن الحقيقة وعن التفكر في عواقب الأمور ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأن كثرة الأموال والنسل لم تفد الكفار شيئا سوى الضلال وفساد العقل، وقد ظلموا أنفسهم باختيار الكفر.\n\n<span id=\"aya-411\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.","vol":"1","page":251},{"text":"١١٨ - بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة أن بذخ الكفار ذهب بمقدرتهم على التفكير السليم، حذّر المؤمنين أن يتّخذوهم بطانة لهم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ بطانة المرء هم الذين يخصّهم بمزيد من التقريب ويشاورهم في خصوصياته فيعرفون بواطن أموره ويدخلون فيها وشبّهوا ببطانة الثوب لقربها من البدن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي من الذين عرفتم فيهم الكراهية والغش للإسلام والمسلمين مما هو ظاهر من أفعالهم وأقوالهم، بدليل تتمة الآية ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا﴾ الخبال هو الفساد، والمعنى لا يقصّرون ولا يدعون أي جهد في إفسادكم ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ العنت هو المشقة وشدة الضرر وهو ما يودّونه للمسلمين ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ يصرّحون ببغضكم علنا، أو يظهر ذلك في كلامهم ضمنيا ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ما تخفي صدورهم من بغضكم أكبر مما يبدونه بأقوالهم ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ بيّنا لكم العلامات، ومن يصحّ أن يتخذ بطانة ومن لا يصح ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كنتم مدركين لمصالحكم، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (٢٨) والآية (١٠٠).\nغير أن هذه الآية لا تقتضي منع مصاحبة الكفار إطلاقا لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٦٠/ ٨ - ٩]، ولو قيل كيف الجمع بينهما؟ فالجواب أن الخاص مقدّم على العام، أي إن الحالة الخاصة مقدّمة على المبدأ العام.\n\n<span id=\"aya-412\"></span>﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ وهو دليل على أثر الإسلام في نفوس المسلمين لأن الإسلام دين رحمة وتساهل وتسامح ﴿وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بل","vol":"1","page":252},{"text":"يبغضونكم ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب اسم جنس للوحي الإلهي بكامله، أي تؤمنون بكل الكتب وهم لا يؤمنون بالقرآن ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ بالله مثلما تؤمنون ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ هم في غاية الغيظ بسبب إسلامكم ويتحسّبون من اجتماع كلمة المسلمين واشتداد شوكتهم ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ بمعنى الدعاء عليهم بحصول زيادة ما يغيظهم من عز الإسلام وقوة المسلمين ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لا يخفى عليه ما تسرّونه في خلواتكم.\n\n<span id=\"aya-413\"></span>﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ مجرّد مسّ الحسنة لكم مهما كانت قليلة تسؤهم، والحسنة هي المنفعة قد تكون مادية أو تكون معنوية كانتشار الإسلام ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ يفرحوا بتمام إصابتكم بالسيئة ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أمر تعالى المؤمنين الاستعانة على كيد العدوّ بالصبر والتقوى، ولم يأمرهم بمقابلة السيئة بمثلها، وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصّلت: ٤١/ ٣٤] ﴿إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أحاطت قدرته بكيد الكافرين، وهو كاف عباده الصابرين على المصاعب في طاعته، والمتقين ما نهى عنه.\n\n<span id=\"aya-414\"></span>﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٢١)\n١٢١ - هذه الآية وإن كانت بداية لخطاب جديد نزل بعد وقعة أحد فهنالك وجه اتصال بما قبلها، وهو أنه تعالى بعد أن نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة لهم من أعدائهم، وأنّ المؤمنين إن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيد عدوّهم شيئا، ضرب تعالى مثلا بأحداث وقعة أحد، والمعنى أن المؤمنين إن لم يصبروا ولم يتقوا يحلّ بهم ما حل بالمسلمين في أحد، إذ غدا النبي ﷺ يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال:","vol":"1","page":253},{"text":"﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ أيها النبي ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ بالمدينة، وذلك بعد أن نزل المشركون في أحد يوم الأربعاء ١٢ شوال من السنة الثالثة للهجرة في ثلاثة آلاف رجل من مقاتليهم، من ضمنهم مائتي فارس، يريدون الانتقام لهزيمتهم في بدر بالعام الفائت، فكان رأي النبي ﷺ أن يتحصن وأصحابه في المدينة فيدافعوا عنها، اتباعا منه ﷺ لقاعدة ارتكاب أخف الضررين، وأبعدهما عن العدوان، ورحمة بالناس، وإيثارا للسلام، خاصة لتفوق قوة المشركين في الفرسان والعدد، فقد كانت حروبه ﷺ كلها دفاعية، واستشار ﷺ أصحابه في ذلك فوافقه جمع من أكابر المهاجرين والأنصار وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ولكن أكثر الناس ممّن فاتتهم وقعة بدر وغيرهم رأوا الخروج إلى المشركين وقتالهم في أحد، وألحوّا على النبي ﷺ في ذلك حتى وافقهم على مضض فدخل منزله ولبس لأمته - وهي الدرع - بعد صلاة الجمعة، وكان قد أوصاهم في الخطبة، ووعدهم أن النصر لهم ما صبروا، ثم خرج عليهم فرآهم وقد ندم بعضهم، وقالوا: لعلّنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، فقالوا له: إن شئت أن نمكث، فقال: ما كان لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها من الضعف، وبداية الفشل، وسوء الأسوة، وكان النبي ﷺ قد عمل برأي الجمهور من أصحابه تثبيتا لقاعدة الشورى المذكورة بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٤٢/ ٣٨]، ثم إنه خرج بهم بعد صلاة الجمعة، وأصبح في الوادي بأحد يوم السبت منتصف شوال ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ التبوئة هي اتخاذ الموضع، والمعنى أنه ﷺ كان يحدد للمؤمنين أماكنهم للمعركة، ويهيئ صفوفهم، بحيث جعل ظهورهم لجبل أحد، ووضع الرماة خلفهم على المرتفع، وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنّا لن نزل غالبين ما ثبتّم مكانكم»، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لدعائكم وعليم بنيّاتكم.","vol":"1","page":254},{"text":"<span id=\"aya-415\"></span>﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ والطائفتان كلاهما من الأنصار، وهم بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وقد خرج الرسول ﷺ من المدينة في ألف من أصحابه وقيل في تسع مئة وخمسين، فانخذل عنه في الطريق عبد الله بن أبيّ بثلث الجيش، فهمّت الطائفتان المذكورتان بالرجوع، وحدّثوا أنفسهم بذلك جبنا منهم، من غير شك في الإسلام ولا نفاق ولكن لما أصابهم من الهلع بعد انصراف عبد الله ابن أبيّ بمن معه، فثبّتهم تعالى وعصمهم من الفشل فمضوا مع النبيّ ﷺ ﴿أَنْ تَفْشَلا﴾ الفشل هنا بمعنى التخاذل والجبن من لقاء العدو ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ أي هو ناصرهما ومتولّي أمرهما، فما لهما تهمّان بالفشل ولا تتوكلان على الله؟ ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ من كان به ضعف من المؤمنين أو خوف فليتوكل على الله، وذلك بعد أن يتخذ كل أسباب النجاح في الاستعداد والتأهب والحيطة تطبيقا لسنن الله في خلقه إذ جعل الأسباب مؤدية إلى النتائج، وروي أن النبي ﷺ كان يقول وقت بدء القتال: «اللهم بك أجول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل»،\nوقد رأى المهندس عدنان الرفاعي أن هنالك تفسيرا مطلقا للآيات (١٢١ - ١٢٦) خارج إطار الزمان والمكان لمعركة أحد، أنظر كتابه: (الحكمة المطلقة - نظرية قرآنية في إطلاق النص القرآني) صفحة ١٨٠.\n\n<span id=\"aya-416\"></span>﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وهو تذكير للمؤمنين كيف نصرهم الله يوم بدر رغم حالهم يومئذ من قلة العدد والسلاح والمال والخيل إذ كان عددهم ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا ومعهم سبعون ناقة وفرسان، في حين كان المشركون حوالي ألف مقاتل يركبون سبع مئة ناقة ومئة فرس ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ بطاعته والثبات مع رسوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فتكون تقواكم هي شكر ما أنعم عليكم بنصره.","vol":"1","page":255},{"text":"<span id=\"aya-417\"></span>﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ عندما رأى المؤمنون أن عدد المشركين زهاء ثلاثة آلاف ومعهم مئتا فرس، وقد انخذل عنهم عبد الله بن أبيّ بثلث الناس فبقوا أقل من سبع مئة وفيهم خمسون فارسا فقط، فطمأنهم النبي ﷺ بهذا الوعد أن تنزل عليهم الملائكة بعدد جيش المشركين.\n\n<span id=\"aya-418\"></span>﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ اشترط الصبر والتقوى كي يتم المدد الإلهي ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا﴾ أي إذا أتوكم المشركون على الفور ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فإن تحققت هذه الشروط يأتيكم المدد الإلهي بخمسة آلاف من الملائكة مرسلين، ويبدو أن عدد الملائكة وهو في وقعة بدر ألف، وفي أحد الوعد بثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف كناية عن مقدرته تعالى على عون المؤمنين بلا حدود، فإن قيل كيف طمأنهم ثم لم يحصل المدد الإلهي بالملائكة؟ فالجواب أن النبي ﷺ قال ذلك مع اشتراط الصبر والتقوى، وتلك هي العبرة من القصة، وبالفعل فقد أمدّ تعالى المؤمنين بعونه حتى انهزم المشركون، وذلك واضح من الآية (١٥٣)﴾، ثم عندما لم يصبروا ونزل الرماة من مراكزهم في الجبل واشتغلوا بالغنائم، ولم يتقوا، وخالفوا أمر الرسول ﷺ، ودبّت الفوضى في صفوفهم، انقلب النصر هزيمة، ولئلا يتكرر منهم مخالفة الرسول أراد تعالى أن يشاهدوا فعليا أن نصرهم إنما يكون بطاعة الله ورسوله، وبتكاتفهم وانتظامهم وانضباطهم.","vol":"1","page":256},{"text":"وقد اختلفوا في كيفية الإمداد بالملائكة، قال الرازي: هي بتثبيت قلوب المؤمنين والربط عليها، وفي تفسير المنار أن الملائكة أرواح تلابس النفوس فتمدّها بالإلهامات الصالحة التي تثبتها وتقوي عزيمتها.\n\n<span id=\"aya-419\"></span>﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي إن وعد الإمداد بالملائكة هو لتقوية قلوب المؤمنين كي يعزموا على الثبات (الزمخشري)، وضمير الغائب في ﴿جَعَلَهُ﴾ عائد لقول النبي ﷺ أي: ما جعل الله قول النبي (ألن يكفيكم) إلا بشرى لكم، لأن الآيتين السابقتين ليستا وعدا من الله تعالى وإنما هما إخبار عما قاله النبي ﷺ لأصحابه، وقد يكون ضمير الغائب عائدا لوعد الإمداد بالملائكة، فيكون المعنى: وما جعل الله وعد الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كل شيء بتقديره تعالى، فمن جهة لا يجب على المرء أن يكون متعجرفا فيظن أن مصادره الدنيوية وحدها كافية بذاتها من دون توفيق من الله، ومن جهة ثانية عليه اتخاذ كافة الأسباب الدنيوية لتحقيق النجاح مع الإيمان والثقة بالعون والتوفيق الإلهي ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمِ﴾ مصدر الحكمة بشكل مطلق، لأن التدبير الإلهي يفوق مقدرة الإنسان على الإحاطة به، فلا يدري المرء ما الحكمة في كثير من الأمور، ولا يعرف من الحكمة الإلهية إلا أقل القليل.\n\n<span id=\"aya-420\"></span>﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والكلام متعلق بما قبله أي الغرض من التوفيق الإلهي، وتثبيتكم بعون الملائكة، ليقطع طرفا من الذين كفروا، ومعنى قطع الطرف إهلاك جماعة منهم، والإشارة إلى أنه تعالى لا يهلك جميع الكفار ولا يستأصلهم، فهو يمهل الباقين منهم ويترك مجال التوبة مفتوحا أمامهم","vol":"1","page":257},{"text":"في الحياة الدنيا ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ يخزي جماعة أخرى منهم فلا يحققوا هدفهم، ويتوب على جماعة، ويعذب جماعة، كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-421\"></span>﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ أيها النبي ﴿مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ بل الأمر كله الله ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن أسلموا ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ إن أصرّوا على الكفر ﴿فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ مستحقّون للعقاب، وجملة ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ معترضة بين الآية السابقة وتتمة هذه الآية، والمعنى: ليقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء أيها النبي، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم، ولا يعرف العبد من أسرار الحكمة والخطة الإلهية إلا أقل القليل في أحسن الأحوال، فكل الأمور تسير وفق التدبير الإلهي المحكم، وقيل إن النبي ﷺ لما كسرت سنّه وشجّ رأسه وسال الدم على وجهه يوم أحد دعا على المشركين أو همّ بأن يدعو عليهم، فنزلت الآية.\n\n<span id=\"aya-422\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ المعنى ليس لك أيها النبي من الأمر شيء، وإنما لله ما في السماوات وما في الأرض يحكم فيهما ما يشاء ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه عيوبه، ورحيم في الإمهال وعدم تعجيل العقوبة.\n\n<span id=\"aya-423\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠)\n١٣٠ - ورد في تفسير المنار شرح لترتيب الآيات كما يلي: بعد أن نهى تعالى المؤمنين عن اتخاذ بطانة لهم من اليهود وأمثالهم، وبيّن لهم كيف يتّقون شرور عدوّهم بالصبر وتقوى الله، وذكّرهم بما يدل على تحقق ذلك إيجابا وسلبا","vol":"1","page":258},{"text":"مما حدث في وقعتي بدر وأحد، نهاهم تعالى في هذه الآية عن شرّ آخر من شرور اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين: وهو أكل الربا أضعافا مضاعفة، فقال عزّ من قائل:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وهذا أول ما نزل في تحريم الربا، ثمّ آيات [البقرة: ٢/ ٢٧٥ - ٢٨١] في الربا نزلت بعدها، بل كانت آخر آيات الأحكام نزولا، والمراد من الربا أضعافا مضاعفة: تضاعف أصل القرض مع مرور الزمن بسبب الربا الفاحش، وهو ما يحدث في عصرنا بتطبيق الربا المركّب على المدين، وكانوا يسمّونه في الجاهلية ربا النسيئة، وهو أنه إذا عجز المدين عن سداد دينه وقت حلول الأجل فلصاحب المال أن يوافق على تأخير السداد لعام أو أعوام قادمة مقابل تضعيف أصل القرض، وهكذا فقد يستهلك المقرض ما يفوق إمكانات المدين بكثير فيؤدي به إلى الدمار ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ في المحتاجين، فلا تحمّلوهم ما يؤدي بهم إلى الخراب ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي تفلحون في دنياكم بالتراحم والتعاون والمحبة.\n\n<span id=\"aya-424\"></span>﴿وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (١٣١)\n١٣١ - ﴿وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ كونوا متّقين في أمر تحريم الربا فلا تأكلوه، ويلاحظ أن هذه الآية جعلت أكل الربا قريبا من الكفر.\n\n<span id=\"aya-425\"></span>﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٣٢)\n١٣٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تأكيد على وجوب الطاعة لله والرسول، بعدما حدث في وقعة أحد من مخالفة الرماة لأوامر الرسول ﷺ.\n\n<span id=\"aya-426\"></span>﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٣)\n١٣٣ - ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي بادروا إلى أسباب المغفرة مثل التوبة عن الآثام كالربا، والإقبال على البر كالصدقات، والمسارعة إلى ذلك أي","vol":"1","page":259},{"text":"قبل حضور الأجل حيث يفوت الأوان ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ كناية عن اتساعها بلا حدود ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الموصوفين في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-427\"></span>﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ السرّاء من السرور والضرّاء من الضرر، والمعنى الذين ينفقون في حالة الرخاء واليسر، وفي حالة الضيق والشدة والعسر، وقد بدأ تعالى بذكر الإنفاق الذي هو نقيض الربا، وجعله أول صفة من صفات المتقين، لأن الإنفاق شاقّ على النفوس، وهو في نفس الوقت أنفع للبشر من سائر الصفات والأعمال، وإذا كان الإنفاق مطلوبا حتى من المعسرين لما فيه من تطهير النفوس من الخسة والرذائل، حتى جعله تعالى علامة التقوى المطلوبة لدخول الجنة، فكيف بحال الموسرين الذين يبخلون بأموالهم عن الخير ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ وهذه صفة ثانية من صفات المتقين وهي كظم الغيظ، أي كبحه حتى لا يظهر أثره على المرء لا بقول ولا بفعل، وذلك من مزايا الصبر والحلم، لأن من أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ وهي مرتبة في ضبط النفس وكرم المعاملة فوق مرتبة كظم الغيظ، فقد يكظم المرء غيظه ويبقى في قلبه الحقد والضغينة ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهي مرتبة أعلى أن يحسن المرء لغيره بعد أن يكظم غيظه ويعفو عنه.\n\n<span id=\"aya-428\"></span>﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٣٥)\n١٣٥ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ وهي العمل الشديد القبح الذي يخرج عن الحد ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ظلم النفس يطلق على كل ذنب ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ أي ذكروا ما يترتب على الفحش والذنوب من مؤاخذة الله،","vol":"1","page":260},{"text":"وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف ٧/ ٢٠١].\n﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ والاستغفار يجب أن يصدّقه العمل، فيكون بمعنى التوبة والندم على الذنوب والعزم على تركها، أما الاستغفار باللسان فقط دون عزم فلا أثر له ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ فلا تطلب المغفرة إلا منه ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ لم يصرّوا على ذنوبهم وهم يعلمون قبحها.\n\n<span id=\"aya-429\"></span>﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (١٣٦)\n١٣٦ - ﴿أُولئِكَ﴾ أي المتقون الموصوفون بما ذكر في الآيتين السابقتين ﴿جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بستر معاصيهم وتكفير ذنوبهم ﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ وهي مكافأة لهم فوق المغفرة ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ فهذا تمام ما يطمح الإنسان إليه! فليعمل الناس بعمل هؤلاء العاملين.\n\n<span id=\"aya-430\"></span>﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٣٧)\n١٣٧ - بعد ما ورد في الآيات السابقات من أخبار وقعة أحد، والتذكير بوقعة بدر، وبعض العبر الحاصلة بهما، يذكر تعالى سننه في الخلق والعبر في ذلك ويعلّم المؤمنين من علم الاجتماع ما لا يعلمون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ خلت أي مضت، والسنن مفردها سنّة وهي الطريق المستقيمة، وهي أيضا المثال المتّبع أو السيرة، ومنه سنّة النبي ﷺ: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ انظروا في تاريخ من قبلكم من الأمم وكيف أن مشيئة الله في خلقه تسير وفق سنن حكيمة لا تتبدّل، والصراع بين الحق والباطل مستمر منذ الأزل، ويحصل بأسباب مطّردة وأنماط متكررة، والمؤمنون الصادقون أجدر من غيرهم بمعرفة سننه تعالى في خلقه واتباع ما يلزم لتحقيق أسباب النصر فلا يتواكلون ﴿فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ لأنّ من سننه تعالى أنّ الباطل يزول وإن طال أمره.","vol":"1","page":261},{"text":"<span id=\"aya-431\"></span>﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨)\n١٣٨ - ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ لكلّ ذي عقل أن يتفكر ويعتبر بسنن الله في خلقه وفي الأمم التي مضت، وأن كل من يتبع تلك السنن يصل إلى غايتها إن خيرا فخير، أو شرا فشر ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ المتقين وحدهم من دون باقي الناس هم الذين يهتدون ويتعظون ويعملون على إحقاق الحق وإبطال الباطل.\n\n<span id=\"aya-432\"></span>﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٩)\n١٣٩ - ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ الوهن هو الضعف، والمعنى لا تضعفوا في الجهاد ولا تحزنوا بسبب ما أصابكم في أحد فقد كان تربية لكم على مخالفة قائدكم الرسول ﷺ، ومخالفة القيادة خروج عن سنّة الله في أسباب الظفر ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين وموقنين بوعد الله فأنتم الأعلون في العاقبة، كما في آية [محمد: ٤٧/ ٧]، وهذا الوعد منه تعالى بالنصر عام لكل المناسبات والعصور وليس مقتصرا على أحداث وقعة أحد وهو مشروط بقوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مؤمنين بهدي القرآن والسنّة، وعاملين بموجبها، وبموجب سننه تعالى في خلقه بالوصول إلى النتائج عن طريق الأسباب، فحينئذ يكون التوفيق الإلهي في جانبكم فلا تهنوا ولا تحزنوا.\n\n<span id=\"aya-433\"></span>﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٠)\n١٤٠ - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ يمسسكم أي يصبكم، والقرح هو الألم الناتج عن الجرح، والمقصود ما أصيب به المسلمون يوم أحد، وأن المشركين أصيبوا يوم أحد بمثل ما أصيب به المؤمنون، كما أصيب المشركون يوم بدر ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ الأيام تنتقل من قوم إلى آخرين، فيقال الأيام دول أو الدنيا دول، ويقال أيضا تداولته الأيدي أي","vol":"1","page":262},{"text":"تناقلته، والمعنى أن أيام الدنيا تتبدل بين الناس فلا تدوم المسرّات ولا المضارّ، وقد يشدد تعالى المحنة على الكفار تارة وعلى المؤمنين تارة أخرى وفق سننه الكونية، ولو أنه تعالى شدد المحنة على الكفار في جميع الأحوال، وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات، لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، فيحصل ما يشبه القسر ويبطل التكليف والثواب والعقاب، كما أن تشديد المحنة على المؤمنين في بعض الأوقات يكون تأديبا لهم وتعليما، وأما تشديد المحنة على الكفار فيكون غضبا منه تعالى عليهم، ولذّات الدنيا فانية على أية حال، ولا يدري الإنسان الحكمة من الخطة الإلهية ولا يحيط إلا بجوانب طفيفة منها في أحسن الأحوال، ولا بدّ أنّ ظفر الكفار المؤقت يحمل في طيّاته بذور هلاكهم ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي لإظهار علمه تعالى واقعا من عباده، لأن الثواب والعقاب هو على الواقع، وليس على المعلوم الذي لم يقع ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ يكرم بعضكم بالشهادة، أو يكون ذلك كقوله تعالى:\n﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٤٣]، فيكون المعنى أن يختار منكم من يكون قدوة للناس ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي إن استشهاد بعضكم ليس معناه أن الله يحب الظالمين، ولكن لحب الله لكم.\n\n<span id=\"aya-434\"></span>﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (١٤١)\n١٤١ - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المحص في اللغة هو التنقية، فالمقصود هو تطهير المؤمنين من ذنوبهم ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ المحق هو النقصان والإبطال والمحو، ويقال محقه الله أي ذهب ببركته، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ [البقرة:\n٢/ ٢٧٦]، فيكون المعنى أنّه تعالى يمحق سلطان الكافرين، وذلك أنهم إذا ظفروا وبغوا وأفسدوا واشتدّ اعتدادهم بأنفسهم كان في ذلك بذور هلاكهم، وهو معنى قوله تعالى في الآية السابقة أن الأيام دول.\n\n<span id=\"aya-435\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢)﴾.","vol":"1","page":263},{"text":"١٤٢ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ الإيمان يجب أن يصدّقه العمل، فلن تدخلوا الجنة بمجرّد تصديقكم الرسول بالكلام، وقبل أن يبتليكم تعالى بالمحن وبالجهاد بالأموال والأنفس، وحيث إنّ علمه تعالى محيط بالغيب كما هو محيط بكل شيء، فالمعنى أنه تعالى لا يحاسب الناس بحسب علمه بالغيب منهم، وإنما بتحقق وظهور أفعالهم إلى حيز الوجود.\n\n<span id=\"aya-436\"></span>﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١٤٣)\n١٤٣ - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ كنتم تتمنّون القتال في سبيل الله كما تتمنّون الموت في القتال لتنالوا الشهادة ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فقد شاهدتم الحرب ورأيتم استشهاد غيركم رأي العين، والمعنى أنّ التمنّي يجب أن يكون قابلا للتحقّق بالعمل، ولا يعتدّ بالكلام فقط، والإشارة المباشرة إلى وقعة أحد عند ما ألحّ جماعة من الشبان ممّن لم يشهدوا وقعة بدر على الرسول ﷺ بالخروج من المدينة ومناجزة المشركين في معسكرهم بأحد، انظر شرح الآية (١٢١) أعلاه.\n\n<span id=\"aya-437\"></span>﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤)\n١٤٤ - ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ خلت أي مضت، والمعنى أن النبي بشر كما كان الأنبياء من قبله يخضعون جميعا لسنن الله ونظامه في الخلق ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أفإن مات كما مات إبراهيم وموسى وعيسى، أو قتل كما قتل يحيى وغيره، تنقلبون على أعقابكم، وقد حدث أنه لما فرّق خالد بن الوليد جمع المسلمين في أحد بعد أن خالف الرماة أمر النبي ﷺ وتركوا مراكزهم في الجبل فأشيع أن النبي ﷺ قتل، وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى أصحابكم ودين آبائكم،","vol":"1","page":264},{"text":"وأراد البعض من ضعاف النفوس أن يبعثوا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لهم أمانا من أبي سفيان ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا﴾ من ينكص عن دينه يضر نفسه فقط لأن الإسلام ليس بحاجة لأحد من الناس أو لطائفة منهم، ولكن العكس هو الصحيح فالبشرية هي التي بأمس الحاجة للإسلام، وقد تعهّد تعالى بحفظ دينه وإنجاز وعده فلا يحول دون ذلك ارتداد بعض الضعفاء والمنافقين ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ وهم الصابرون في المحن، وسمّاهم تعالى شاكرين لأنهم بفعلهم شكروا الله على نعمة الإسلام، وقد كان لهذه الآية أثرها في توطين نفوس المسلمين وإعدادها لما وقع بعد ذلك بعشر سنين، فقد ذكروا أن توبيخ المنقلبين على أعقابهم بهذه الآية قد ظهر أثره يوم وفاة النبي ﷺ إذ ارتد يومئذ البعض من الناس وثبت الصادقون على دينهم حتى كانت العاقبة لهم، كما كان لهذه الآية أثرها في تثبيت قلوب المسلمين عند ما قال لهم أبو بكر:\nمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا الآية.\n\n<span id=\"aya-438\"></span>﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥)\n١٤٥ - شاع يوم أحد أن محمدا ﷺ قتل، فالله تعالى يقول ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فلا تموت النفس إلا بإذن الله وبقضائه وقدره، فرغم الأهوال وأسباب الهلاك التي واجهت النبي ﷺ في المعركة كان الله تعالى حافظا له وناصرا ولم تصل إليه أسباب الموت ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ كتب تعالى آجال النفوس منذ الأزل فلا تموت نفس إلا بأجل محدود في علم الله، وهو توبيخ لضعاف المسلمين بأن الحذر لا يمنع المقدّر، ولا ينافي ذلك أن كل شيء يجري بأسباب وفق السنن الكونية، وأنّ الكتاب المؤجّل كناية عن علم الله المسبق لكل شيء ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ أي","vol":"1","page":265},{"text":"إن هنالك سننا لنيل منافع الدنيا، وسننا لنيل منافع الآخرة، من سار على كلّ منها وصل لما يريد، ومن أراد بأعماله المنافع الدنيوية فقط فالله تعالى لا يمنعه من ذلك، ولكن ليس هذا ما يدعو إليه الإسلام، فالمسلم يعمل للدنيا وهو ينظر للآخرة، ومن هدي الإسلام أن يطلب الإنسان خير الدنيا وخير الآخرة معا، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٠١].\n﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ وهم الشاكرون لنعمة الإسلام الذي جعل الحقيقة بيّنة للناس، وأن الحياة ليست مقتصرة على ما نشاهده ونعرفه في حياتنا الدنيا فقط فمن الغيب ما لا نحيط بعلمه، والمؤمن الشاكر يتمتع بسعة الأفق بحيث أن أعماله يريد بها الدنيا والآخرة معا، أما الجاحد فهو من ضيق الأفق بحيث يسعى إلى المنافع الدنيوية فقط ويعتبرها هدفا نهائيا بذاتها فتكون وبالا عليه، والشكر ليس باللسان فقط وإنما بالقول والعمل معا.\n\n<span id=\"aya-439\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اِسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ (١٤٦)\n١٤٦ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ ضرب تعالى مثلا بكثير من الأنبياء في الماضي، والمعنى كم من نبيّ قاتل معهم المؤمنون من أتباعهم، فصبروا على ما أصابهم في سبيل الله ولم يضعفوا ولم يستكينوا ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ربيّون أي الذين يعبدون الرب بمعنى المؤمنين الأتقياء ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الوهن هو ضعف القلب فيكون المعنى: لم يغيّرهم ما أصابهم في سبيل الله، فلم تضعف عقيدتهم ولم يصبهم الهلع والجزع ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ لم تختل قوتهم وعزيمتهم على القتال ﴿وَمَا اِسْتَكانُوا﴾ لم يذلّوا لعدوّهم ولم يخشعوا له بالمداهنة رغم ضعف وسائلهم ومنزلتهم ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ الذين لا يصيبهم الهلع والجزع والضعف والاستكانة، ويصبرون على الشدائد في سبيل الله، فإن الله يحبهم.","vol":"1","page":266},{"text":"<span id=\"aya-440\"></span>﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (١٤٧)\n١٤٧ - ﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا﴾ دعوا ربهم أوّلا أن يغفر ذنوبهم وغلوّهم في تجاوز الحدود، أي طلبوا غفران الذنوب الصغيرة والكبيرة، لكي ترفع الشدّة عنهم، وأضافوا الذنوب والغلوّ إلى أنفسهم مع أنهم كانوا ربّانيين ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ طلبوا الثبات بأن تنزل السكينة على قلوبهم حتى يصبروا ولا يصابوا بالذعر فيضطروا للهزيمة ﴿وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ بعد الاستغفار ورجاء الثبات دعوا الله أن ينصرهم بمقتضى سننه في الكون.\n\n<span id=\"aya-441\"></span>﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤٨)\n١٤٨ - ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ وهو الظفر والسيادة في الأرض ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ أي ثواب الآخرة أحسن من ثواب الدنيا ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الآية التالية تحذير للمؤمنين من الاستكانة للكفار:\n\n<span id=\"aya-442\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (١٤٩)\n١٤٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ يحذّر تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين في أمور دنياهم ودينهم لأنه يترتب على ذلك أن يعمل المؤمنون بما يخالف دينهم، وقصارى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة ٢/ ١٢٠]، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ تنقلبوا من الفلاح إلى الخسران، فتكونوا خاسرين في الآخرة، كما تخسرون الدنيا بالوقوع تحت سيطرتهم، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (٢٨) و(١٠٠) و(١١٨)﴾، وفي هذه الآية أيضا مقابلة للمعنى المذكور","vol":"1","page":267},{"text":"في الآيات السابقة (١٤٦ - ١٤٨) إذ تتضمن تحذيرا إلى ضعاف النفوس والمنافقين أن طاعة الكفار لن تجدي في تأمين الحماية لهم.\n\n<span id=\"aya-443\"></span>﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ (١٥٠)\n١٥٠ - ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ الله تعالى ناصر عباده المؤمنين الذين لا يضعفون ولا يهنون ولا يستكينون للعدو، فهم ليسوا بحاجة لطلب النصرة والتأييد من الكفار لأن اعتمادهم على الله وحده.\n\n<span id=\"aya-444\"></span>﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ (١٥١)\n١٥١ - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ بعد أن تحققت الغلبة للمشركين يوم أحد، وتشتّتت قوة المسلمين فانهزم بعضهم إلى المدينة وتفرق بعضهم الآخر في بطن الوادي والجبل، انسحب المشركون إلى مكة من غير سبب وهم غالبون قاهرون وقوتهم تكاد لم تتأثر بنتيجة المعركة، ويعتبر ذلك لغزا محيّرا، إذ لم يكن ما يمنعهم من الإجهاز على فلول المسلمين ثم دخول المدينة حيث كان سيستقبلهم المنافقون واليهود، ولكن بدلا من ذلك فرّوا وتركوا المدينة إذ ألقى تعالى الرعب في قلوبهم، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل ونادى: أفيكم محمد؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فأجابه عمر ودار بينهما حوار، فما تجاسر أبو سفيان ومن معه على الذهاب إليهم ومنازلتهم، وليس صحيحا تبرير بعض المستشرقين بأن العرب اعتادت في غزواتها أن لا تجهز على الخصم بعد هزيمته كما لو كانت المعارك نوعا من المباريات الرياضية، فالأمر هاهنا كان مختلفا والحرب بين المسلمين والمشركين لم تكن من هذا النوع، إذ كانت قريش مصممة على استئصال المسلمين والقضاء على النبي ﷺ، والنبي ما خرج من مكة وهاجر إلى المدينة وأذن للمسلمين بالهجرة إلاّ بعد أن عزم المشركون على قتله واستئصال أصحابه، ولا أدلّ على","vol":"1","page":268},{"text":"ذلك أن المشركين بعد أن صاروا في طريق عودتهم إلى مكة، أفاقوا من ذهولهم وندموا على انسحابهم فقال بعضهم لبعض: ما صنعنا شيئا، تركناهم ونحن الغالبون، ارجعوا حتى نستأصلهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم وصرفهم عن الرجوع، روى البخاري وأحمد عن النبي ﷺ أنه قال:\n«نصرت بالرعب مسيرة شهر».\n﴿بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ السلطان بمعنى الحجّة والبرهان، أي إن سبب إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا هو أنهم أشركوا بالله معبودات لا يقوم لها برهان من العقل ولا من الوحي ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ وهو مصيرهم في الآخرة،\nوإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا ليس مقتصرا على ما وقع في أحد، فهو عام لكل المناسبات والأوقات لأن العبر القرآنية منطبقة على كل الأزمان والأحوال، وهذه الآية استمرار لما قبلها بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ * بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ فيكون إلقاء الرعب في قلوب ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مرتبطا بتحقيق المعنى الفعلي للفظ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي الذين آمنوا إيمانا يقينيا ليس باللسان فقط، ولكن بما يترتب على ذلك من العمل وبذل الجهد والنفس والمال، ثم ضرب تعالى للمؤمنين مثلا بأحداث وقعة أحد فقال عزّ من قائل:\n\n<span id=\"aya-445\"></span>﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥٢)\n١٥٢ - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ بالنصر على عدوكم ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ تحسّونهم أي تقتلونهم قتلا كثيرا وذلك في بداية المعركة، وحسّه أي ذهب بحسّه من القتل، وقد صدق تعالى المؤمنين وعده الذي جاء على لسان نبيّه","vol":"1","page":269},{"text":"بالآية (١٢٥)، وذلك بعدما تعبّأ الرسول ﷺ للقتال في سبع مئة رجل، منهم خمسون فارسا، فجعل ظهورهم لأحد وقال لهم: «لا يقاتلنّ أحد حتى نأمر بالقتال»، إحكاما للخطة، وما كانت العرب تراعي ذلك دوما، لا سيّما إذا حدث ما يثير حميّتها، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وأمّر على الخيل الزبير بن العوّام والمقداد بن الأسود الكندي، وجعل الرماة خمسين رجلا خلف العسكر على مرتفع في مواجهة خيل المشركين وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، ومن جملة ما قاله لابن جبير: «انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت مكانك لا نؤتينّ من قبلك»، وتعبّأت قريش للقتال بقيادة أبي سفيان في ثلاثة آلاف رجل، منهم مئتا فارس، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، ثم خرج طلحة بن عثمان حامل لواء المشركين يطلب المبارزة فقتله علي بن أبي طالب ﵁، فأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزّى، فأرسل النبي ﷺ إلى الزبير أن يقاتل فحمل على خالد بن الوليد حتى هزمه ومن معه، واقتتل الجانبان، فأنزل تعالى نصره على المؤمنين وصدقهم وعده ما صبروا واتقوا، فحسّوا المشركين بالسيوف حتى كانت الهزيمة للمشركين لا شكّ فيها، إلى أن خالف أكثر الرماة أمر النبي ﷺ واشتغلوا بطلب الغنائم ولم تثبت سوى قلّة منهم ﴿حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فشلتم بمعنى تخاذلتم، وتنازعتم في الأمر أي اختلفتم في أمر نبيّكم، إذ قال بعض الرماة: ما فائدة بقائنا هنا والمشركون قد انهزموا؟ وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ عصى أكثر الرماة أمر النبي ﷺ، وقد أمرهم الثبات في مراكزكم لحماية مؤخرة المسلمين ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ﴾ وهو النصر ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وهم الذين طمعوا في الغنائم ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وهم الرماة الذين ثبتوا في مراكزهم مع عبد الله بن جبير وكانوا أقل من عشرة، وآخرون ثبتوا مع النبي ﷺ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ أسند تعالى صرف المؤمنين عن","vol":"1","page":270},{"text":"المشركين إلى ذاته العليّة باعتبار أنهم خالفوا سننه الكونية في الوصول إلى النتائج عن طريق الأسباب، وباعتبار الغاية الحميدة من ذلك في تربيتهم وتمحيصهم وإعدادهم للنصر الشامل ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليجعل ذلك محنة لكم واختبارا، وقد قتل يومئذ سبعون من أكابر المسلمين ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ بأنّه تعالى لم يهلككم في ذلك اليوم، وأنّه ألقى الرعب في قلوب المشركين فانصرفوا عنهم وعن المدينة وهم في حالة من الارتباك والحيرة بعد أن صارت الغلبة لهم، ولو أرادوا لصارت المدينة في قبضتهم ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو يعاقبهم في الدنيا ببعض ذنوبهم تربية لهم وتمحيصا، ولا يستأصلهم رحمة بهم ولما فيهم من الإيمان، والعبرة من هذه الآية عامة لكل الأزمان والأحوال، أي أنه تعالى يصدق المؤمنين وعده ما لم يتنازعوا ويتخاذلوا ويتهالكوا على الدنيا.\n\n<span id=\"aya-446\"></span>﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٥٣)\n١٥٣ - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ تذهبون نحو أعلى الوادي، وهو من الإصعاد، وقيل تصعدون الجبل ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ لا يلتفت بعضكم لبعض من شدة الهرب، وأصله من لوى يلوي عنقه كي يلتفت ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ﴾ عندما تعرّض المسلمون إلى هجوم المشركين من خلفهم، بالإضافة إلى مواجهتهم، لاذوا بالفرار فمنهم من توجّه إلى المدينة، ومنهم من اتّجه إلى الجبل أو أصعد في الوادي، وبقي الرسول وحده ثابتا مع قلّة من صحابته قيل إنّ عددهم أربعة عشر فكان ينادي المنهزمين وهو في مؤخرتهم،\n﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي جازاكم الله غمّا متّصلا بغمّ، فالغموم يومئذ كانت كثيرة فمنها غمّ المسلمين بسبب فوت النصر الذي أوشك أن يكون لهم، وغمّهم لمّا شاع مقتل النبي ﷺ، وغمّهم بمقتل العديد من أصحابهم، وغمّهم بما قد يحدث لعائلاتهم التي خلّفوها وراءهم في المدينة، فقد كان محتملا أن يدخل","vol":"1","page":271},{"text":"المشركون المدينة بعد أن صارت بلا مدافعين، وقد يكون المعنى أيضا جازاكم الله غمّا بسبب الغمّ الذي أصاب الرسول ﷺ من عصيانكم وهزيمتكم، والغمّ هو ضيق الصدر من أمر يسوء المرء، وإن لم يتبين حقيقة سببه، لأنّ الكلمة تتضمّن معنى الخفاء، فيقال غمّ الشيء إذا خفي، كما يقال: غمّ الهلال إذا لم يظهر، ويحتمل أيضا أن الغم الذي أصابهم ناتج عن الشعور بالخجل من سلوكهم في الهزيمة مما كان أكثر إيلاما لهم من فوات النصر ومن مقتل أصحابهم ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ لكيلا يكون حزنكم على فوت الغنيمة، إذ هنالك ما هو أهم منها ﴿وَلا ما أَصابَكُمْ﴾ من القتل والجراح والهزيمة ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها لأنه تعالى محيط بنفوسكم لا يخفى عليه شيء منها.\n\n<span id=\"aya-447\"></span>﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤)\n١٥٤ - بعد أن هدأ القتال في أحد وصعد أبو سفيان الجبل وأشرف على المسلمين في شعب الوادي ودار حوار بينه وبين عمر، كان المسلمون في حالة من الإنهاك والجراح والقلق خائفين أن يجهز المشركون عليهم أو يدخلوا المدينة، فأنزل تعالى سكينته على طائفة منهم فأمنوا:\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا﴾ الأمنة من الأمن، أي نزلت السكينة على قلوبهم فأزالت عنهم الخوف، وانصرف المشركون عائدون إلى مكة ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ وهم المؤمنون يقينا والمستسلمون لما اقتضته الحكمة الإلهية من العاقبة، نزلت السكينة عليهم وغفلوا عن الخطر المحيط بهم وغلبهم","vol":"1","page":272},{"text":"النعاس تثبيتا منه تعالى لهم وليستردّوا قوّتهم ونشاطهم ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ وهم ضعاف الإيمان زعزعتهم نتيجة المعركة، وكان همّهم مصالحهم القريبة فقط ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ نسوا أن الدنيا دار امتحان وابتلاء، وظنّوا بعد وقعة بدر أن الدين والنصر متلازمان دوما فأذهلهم ما حدث، وفاتهم أنّ كمال الحكمة من الخطة الإلهية لا يعلمها إلاّ الله تعالى: ﴿ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ أي ظنّ أهل الجاهلية، وفي المعنى العام نرى أنّ العقلية الجاهلية ليست مقتصرة على الفترة الزمنية التي سبقت البعثة الإسلامية، وإنما هي عقلية المصلحة القريبة والمنفعة المباشرة التي يسير البعض على أساسها في كل زمان بلا أي اعتبار للقيم الدينية والأخلاقية ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي هل لنا شيء ممّا كان يعدنا به النبي من النصر والقوة ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ كل الأمور تجري وفق سنته تعالى في خلقه،\n﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ بعد أن ضعضعتهم الهزيمة يخفون شكوكهم في الإسلام وفي تحقيق وعد الله لعباده ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ فقد غفلوا عن كون الآجال محددة في علم الله المسبق ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ﴾ الحذر لا يمنع المقدّر فالذين كتب عليهم القتل في علم الله المسبق لا بدّ أن يقتلوا على جميع التقديرات ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ﴾ يختبركم حتى يظهر لكم ما تنطوي عليه نفوسكم من الضعف أو قوة الإيمان فتظهر من الخفاء إلى العلن ﴿وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يطهّرها من الوساوس والشكوك ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ الله تعالى غنيّ عن اختباركم فهو عليم بما تسرّون في صدوركم سلفا، ولكن ليظهر لكم ما في أنفسكم.\n\n<span id=\"aya-448\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾.","vol":"1","page":273},{"text":"١٥٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ الذين تركوا مراكزهم في القتال يوم أحد، وهم بعض الرماة، وآخرون انهزموا عندما فاجأهم المشركون من خلفهم، فمنهم من دخل المدينة ومنهم من أصعد في شعب الوادي، والأكثرون منهم نزلوا عند الجبل ﴿إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ بعض ما كسبوا هو الفرار عن القتال، فذلك الزلل الذي وقع منهم، والمعنى أن الزلل هو نتيجة ما كسب الإنسان من عمل، أي إنّ استزلال الشيطان للإنسان هو نتيجة للخيار الحرّ الذي يتّخذه المرء عندما يواجه أزمة أخلاقية معينة، فيختار ما يبدو له الأسهل أو الأنفع أو الأقرب وصولا إلى اللذة، بدلا من اختيار الأصلح ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ عفا تعالى عن عقوبتهم في الآخرة بعدما عاقبهم في الدنيا بالهزيمة تربية لهم وتمحيصا ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور للتائبين، وحليم لا يعجّل بالعقوبة.\n\n<span id=\"aya-449\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦)\n١٥٦ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ ضربوا في الأرض أي خرجوا لسفر بعيد، والغزّى هم الغزاة القاصدين قتال العدوّ، والمقصود بإخوانهم أي إخوانهم في النسب أو القربى أو الجنس، والمعنى أنّ البعض قالوا عن إخوانهم الذين خرجوا لسفر بعيد أو للغزو: لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا، مما يدلّ أنّ إخوانهم كانوا ميتين أو مقتولين وقت هذا القول، فقرن تعالى هذا القول بالكفر كونه لا يجب أن يصدر عن مؤمن، لأن الإيمان ليس مجرّد الإقرار باللسان، وقد أرشدت هذه السورة بالآية (١٤٥)﴾ أنّ الآجال محددة، كما أنّ قول (لو) عبث لا طائل منه والحسرة على ما فات لا تفيد، ويحتمل المعنى أيضا أنّ الكفار كانوا يقولون للمؤمنين، أو لبعضهم بعضا،","vol":"1","page":274},{"text":"عن إخوانهم الذين خرجوا لسفر بعيد أو للغزو لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فنهى تعالى المؤمنين أن يكونوا مثل الكفار في قولهم واعتقادهم ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنّ الكافر يعتقد أنه لو بالغ في منع أخيه من الخروج للسفر أو للغزو لبقي حيّا، وبالتالي يعتبر نفسه ملوما على موته فتكون تلك حسرة في قلبه، في حين أن المسلم يعلم أن الحياة والموت بتقدير الله فلا يشعر بهذا النوع من الحسرة، ومن جهة ثانية فإنّ اطمئنان المؤمنين وتسليمهم بقضاء الله حسرة في قلوب الكفار ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يحيي من يشاء بمقتضى سننه في بقاء أسباب الحياة، وإن سافر المرء أو قاتل، ويميت من يشاء بمقتضى سننه في الموت، وإن بقي المرء في بيته أو اتّخذ جانب الحيطة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء من أعمال الكفار والمؤمنين ونواياهم.\n\n<span id=\"aya-450\"></span>﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (١٥٧)\n١٥٧ - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ﴾ وهذا سبب آخر لاطمئنان المؤمن إذا قتل بعض إخوانه في سبيل الله أو ماتوا، لأن المقتولين والذين ماتوا فازوا بمغفرة الله ورحمته ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ من أموال الدنيا، وخير من الحظوظ الدنيوية الفانية، فلا يليق بالمؤمن أن يتحسّر على من يقتل أو يموت في سبيل الله لأنه يفوز بما هو أهم بكثير.\n\n<span id=\"aya-451\"></span>﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١٥٨)\n١٥٨ - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ الآية السابقة قدّمت ذكر القتل على الموت لأنه يكون أكثر عند القتال في سبيل الله، وفي الحالتين هما خير وسيلة لنيل مغفرة الله ورحمته.\nوهذه الآية قدّمت ذكر الموت لأنه أكثر من القتل في الحالة العامة، وأن من يموت أو يقتل مصيره إلى الحشر والحساب فيجازي كل بحسب عمله.","vol":"1","page":275},{"text":"<span id=\"aya-452\"></span>﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١٥٩)\n١٥٩ - ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ المعنى فبرحمة من الله لنت لهم، أو فبأيّ رحمة من الله لنت لهم، أو فبسبب رحمة من الله، أي كنت ليّنا مع قومك رغم كلّ ما بدر منهم في وقعة أحد، والخطاب للرسول ﷺ ونظيره قوله تعالى:\n﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٦٨/ ٤]، ومن ذلك أنه لمّا انهزم الناس عن النبي ﷺ في أحد وأصيب في المعركة، ثم بعد أن عادوا إليه لم يخاطبهم بالتعنيف والتغليظ وإنما عاملهم بالرفق، وكانت تلك سياسته مع الناس رحيما كريما يتجاوز عن الذنب ويعفو عن الإساءة ويبرّ الضعفاء ويشفق عليهم:\n﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الفظاظة قسوة الخلق، أما غليظ القلب فمن لا يتأثر قلبه بشيء، فلو كان النبي ﷺ فظّا غليظ القلب لانفضّ الناس من حوله وفات المقصود من البعثة والرسالة، وهذه الآية قاعدة أساسية للذين يدعون إلى الإسلام في كل الأزمان أن يكون لهم في أخلاق رسول الله ﷺ أسوة حسنة في تعاملهم مع الناس ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ العفو فيما يتعلق بحقوق النبي ﷺ ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما يتعلق بحقوق الله تعالى:\n﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ضمير الغائب في ﴿شاوِرْهُمْ﴾ عائد لجماعة المسلمين، والأمر هو أمر المسلمين العام في السلم والحرب كما هو مذكور بقوله تعالى:\n﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٢/ ٣٨]، والمقصود شؤونهم الدنيوية بما فيها شؤون الحكم، ولا يدخل في ذلك أمور الدين المحض كالعبادات والعقائد والحلال والحرام لأنها لو خضعت للمشاورة لصار الدين من وضع البشر،\nوالخطاب وإن كان موجّها للنبي ﷺ إلاّ أنّ اللفظ عام وينطبق على جماعة المسلمين وأولياء أمورهم في كل الأزمان، وقد كانت الشورى من سنة الرسول","vol":"1","page":276},{"text":"ﷺ، فمن ذلك أنه استشار الناس يوم بدر لما علم بخروج قريش لحربه، ولم يبرم الأمر حتى صرّح المهاجرون ثم الأنصار بالموافقة، ثم شاورهم في مكان نزول العسكر في بدر، كما استشارهم يوم أحد ونزل على رأي الأكثرية في الخروج من المدينة، وشاورهم يوم الحديبية، ومن سنته أيضا أن جعل قرار الأكثرية ملزما للحاكم، إذ ألزم نفسه ﷺ برغبة الأكثرية في الخروج إلى أحد رغم أن رأيه الشخصي كان التحصن في المدينة والدفاع عنها.\n﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ إذا عزمت بعد المشاورة على تنفيذ القرار فتوكل على الله راجيا معونته وتوفيقه بعد أن تكون أعددت لكل شيء عدته، والآية صريحة في وجوب المضيّ بتنفيذ العزيمة بعد الشورى لما في فسخ العزيمة من مظاهر الضعف والتردّد ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ الذين يتوكلون على حول الله وقوته بعد أن يعدّوا للأمور عدّتها، ولا يصيبهم الغرور والإعجاب بالنفس لما اتخذوه من أسباب.\n\n<span id=\"aya-453\"></span>﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٦٠)\n١٦٠ - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ كما نصركم في بدر ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ استئناف الكلام من الآية السابقة، والمعنى إن ينصركم الله بعملكم الجاد وفق سننه الكونية، واتخاذكم الأسباب بالاستعداد والتأهب والمشاورة وعملكم للآخرة، وتوكّلكم على معونته وتوفيقه، فلا غالب لكم،\n﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إن يخذلكم كما في وقعة أحد بما كسبته أيديكم من التفرق والتخاذل والعصيان والتهالك على الغنائم، والاعتداد بالذات، فمن يستطيع نصركم؟ ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي توكلوا على الله وحده دون غيره من مخلوقاته، والواضح أن التوكل يكون مع الأخذ بالأسباب الدنيوية، لأنّ ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلاّ عن","vol":"1","page":277},{"text":"جهل بالشرع أو فساد في العقل، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٨/ ٦٠].\n\n<span id=\"aya-454\"></span>﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٦١)\n١٦١ - أرجف ضعاف النفوس في أحد بإشاعة مقتل النبي ﷺ وداخلتهم الشكوك في نبوّته، وقالوا: لو كان نبيّا ما قتل، فقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي على النقيض ممّا يقوله المنافقون والكفار يستحيل على نبيّ أن يغلّ، والغلول هو الخيانة على سبيل الخفية، وتغلغل الشيء في الشيء إذا انتشر في باطنه خفية، والمعنى أنّ الأنبياء منزّهون عن الغلول ومعصومون عنه، فلا ينبغي لأحد أن يرتاب بهم ولا يظن بهم شيئا من الخيانة، لأنهم لا يكتمون من وحي الله شيئا، كما أنهم لا ينسبون كلامهم الشخصي إلى الله تعالى فيزعمون أنه وحي، وهذا الادعاء على سقمه شائع بين الكفار في كل الأزمنة، ومن الغلول أيضا أخذ الشيء خفية كالسرقة، والغلّ الحقد الكامن في الصدر ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي من يغلل من الناس يأت بوزر غلّه يوم القيامة ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ تجازى كل نفس جزاء ما كسبت من الغلّ.\n\n<span id=\"aya-455\"></span>﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٦٢)\n١٦٢ - ﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ وهم ذوو الإيمان اليقيني والمتّبعون للنبي ﷺ وسنّته ﴿كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ هم المنافقون والكفار احتملوا سخط الله ورجعوا به ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ بسبب سوء ظنّهم بالنبي والأنبياء، أي ليسوا سواء، والكلام استمرار لما سبقه في الآية المتقدمة.\nويحتمل المعنى أيضا أنّ من اتبعوا رضوان الله هم الأنبياء لأنهم منزّهون عن الغلول وقد أدّوا الرسالات السماوية على تمامها، وأما غيرهم ممّن شوّهوا","vol":"1","page":278},{"text":"الرسالات السماوية وحرّفوها وابتدعوا فيها فقد باؤوا بسخط من الله، وبذلك يستقيم المعنى أيضا مع الآية المتقدمة.\n\n<span id=\"aya-456\"></span>﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٣)\n١٦٣ - ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ لأنّ درجات أهل الثواب ممن اتبعوا رضوان الله متفاوتة، ودرجات أهل العقاب ممن باؤوا بسخطه متفاوتة أيضا على حسب تفاوت أعمال كل منهم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٩٩/ ٧ - ٨]، ومعنى عند الله أي في علمه وحكمه ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فهو تعالى بصير بالدقائق والتفاصيل من أعمالهم فيترتب على ذلك لكل منهم درجات حسبما عملوا.\n\n<span id=\"aya-457\"></span>﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١٦٤)\n١٦٤ - وعلى النقيض ممّا يفكر به ويقوله المرجفون من اتهام النبي ﷺ بالغلول الذي نزّهه تعالى ونزّه الأنبياء عنه، فإن الله تعالى قد منّ على المؤمنين ببعث الرسول فيهم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ والمنّ بهذا المعنى هو كل ما ينعم به تعالى على عباده ممّا لا تعب فيه ولا نصب، ثم بيّن تعالى أسباب ذلك وهي أوّلا: أنّ الرسول من أنفسهم ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي لم يكن غريبا عنهم فقد عرفوا حقيقته ومعدنه منذ نشأته، عرفوه حسن الخلق، راجح العقل، صادقا عفيفا غير متهالك على الدنيا، أمينا حتى صار ذلك لقبه فلقّبوه الأمين، فكيف يعقل بعد كل ذلك وصفه بالغلول، وهو أيضا من أنفسهم أي من بين ظهرانيهم بما في ذلك من الشرف وعلو القدر لهم أن نزلت خاتم الرسالات على نبي منهم فكانوا أول المهتدين بالقرآن، وهو أيضا من أنفسهم أي بشر مثلهم.","vol":"1","page":279},{"text":"﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يتلو عليهم الوحي القرآني ويرشدهم إلى الآيات الكونية كي يتفكروا في معجزة الخلق ووحدانية الخالق ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهّرهم من العقائد الفاسدة، لأنهم كانوا يعبدون الأوثان ويئدون البنات ويقتلون ويستغلون بعضهم بعضا، ويرتكبون المنكرات كما لو كان في عقولهم لوثة، فطهرهم من كل ذلك ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ وهو القرآن وعن طريقه تعلموا الكتابة، لأنه أمرهم بذلك ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ التفقه في الأحكام القرآنية والعمل بها، وهي السنة كما بيّنها الرسول ﷺ قولا وعملا ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يتخبطون وفق أهوائهم في جاهلية عمياء.\n\n<span id=\"aya-458\"></span>﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٦٥)\n١٦٥ - حمل الرسالة السماوية يتطلّب التضحية والإعداد من قبل المؤمنين:\n﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يوم أحد حيث قتل سبعون من أكابر المسلمين ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يوم بدر حيث قتل سبعون مشركا وأسر سبعون آخرون ﴿قُلْتُمْ أَنّى هذا﴾ أي كيف حصل هذا؟ فقد كانوا يظنون أن مجرد كونهم مؤمنين خرجوا في سبيل الله، أو مجرد وجودهم مع النبي ﷺ، كاف لإحراز النصر ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي إنكم لم تتّبعوا أسباب النصر، فقد تخاذل الرماة وتنازعوا أمرهم وعصوا أمر قائدهم النبي ﷺ وتركوا مراكزهم، ثم لمّا باغت العدو جيش المسلمين من الخلف لم يثبت مع الرسول ﷺ إلاّ قلّة منهم، وانهزم الباقون لا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم، والعبرة من ذلك باقية لجميع المسلمين في جميع العصور أن الإيمان يجب أن يكون مقرونا باتخاذ الأسباب والسنن الدنيوية في الاستعداد والتخطيط والعمل والصبر واتقاء المعصية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ٣/ ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ﴾","vol":"1","page":280},{"text":"﴿قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٨/ ٦٠]، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو قدير على نصركم لو ثبّتم وأطعتم أمر الرسول ﷺ، وقدير على التخلية وترككم لنتيجة أعمالكم لأن العقوبات آثار طبيعية للأعمال.\n\n<span id=\"aya-459\"></span>﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٦٦)\n١٦٦ - ﴿وَما أَصابَكُمْ﴾ من القتل ﴿يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ يوم أحد ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ وهو إرادته الأزلية وقضاؤه السابق بأن تكون السنن العامة في الأسباب والنتائج مطّردة، فكل عسكر لا يتخذ الأسباب الدنيوية ويخطئ الرأي ويعصى القيادة ويخلي بين العدو وظهره يصيبه ما أصابكم أو أشد ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ليظهر علمه تعالى بذلك، ولكي يتم فرزهم أمام أنفسهم وأمام الناس فيعلموا قوة إيمانهم من ضعفه ويمتازوا عن المنافقين، وليستفيدوا من نتيجة المصيبة.\nفالآية تشرح سبب المصيبة بقوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ وتبيّن الحكمة منها بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-460\"></span>﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ (١٦٧)\n١٦٧ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة، أي ليظهر علمه تعالى بنفاقهم ويتم فرزهم أمام الناس، ويلاحظ أنه تعالى لم يقل: المنافقين، بل قال الذين نافقوا، أي بدر منهم النفاق، ويحتمل أن النفاق لم يكن راسخا فيهم أو في كامل المجموعة منهم، فمنهم من تاب بعد ذلك وصدق في إيمانه ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي قاتلوا دفاعا عن الدين والحق والمسلمين وابتغاء مرضاة الله ﴿أَوِ اِدْفَعُوا﴾ ادفعوا الضرر عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم ومدينتكم، يعني كونوا إما أهل دين، أو أهل دنيا.","vol":"1","page":281},{"text":"﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أي لو كان ما سيقع قتالا متوازنا لاتبعناكم ولكنها معركة خاسرة وأنتم تلقون أنفسكم في التهلكة، وفي كل الأحوال لا نظن أنه سيكون قتال، والإشارة إلى عبد الله بن أبيّ ومجموعته من أهل النفاق والشك، إذ لمّا انخذلوا عن جيش النبي ﷺ وهو في طريقه للقاء المشركين في أحد أتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري يقول لهم: «أذكّركم الله أن تخذلوا نبيّكم وقومكم عند حضور العدوّ»، وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ فقال بعضهم: لو نعلم أنه سيكون قتال ما تركناكم، ولكنا نرى أن الأمر سينتهي بلا قتال، قالوا ذلك تلبيسا أو استهزاء، وهم يعلمون أن المشركين جاؤوا من مكة متحرقين لقتال المسلمين والقضاء عليهم، فلما استعصوا وأبوا إلاّ الانصراف قال لهم عبد الله بن عمرو: «أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم»، ومضى رسول الله ﷺ.\n﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ رغم علمه تعالى بهم أنهم كانوا يبطنون الكفر، لأن نكوصهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر، فإنه لم يقل أنهم كفار لكونهم يظهرون القول بالشهادتين، فكانت إشارته تعالى لسلوكهم نوعا من التأديب لهم، ومنعا للناس من الجرأة على تكفير الغير وللنظر في احتمال العذر والتأويل ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي لا يتجاوز إيمانهم ما ينطقون بأفواههم ولا تعي قلوبهم منه شيئا، وهذا تصوير لنفاقهم بأن الإيمان موجود في الأفواه فقط ومعدوم في القلوب ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ من النفاق والكيد والبغض للمسلمين.\n\n<span id=\"aya-461\"></span>﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٦٨)\n١٦٨ - ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ هم المنافقون قعدوا عن القتال وقالوا عن إخوانهم، بعد انتهاء القتال في أحد، لو أطاعونا في","vol":"1","page":282},{"text":"القعود عن القتال كما قعدنا نحن لما قتلوا، ويحتمل المعنى أيضا أن المنافقين قالوا هذا القول لبعضهم البعض، أو قالوه لمن عاد من المسلمين من أحد، أو لغيرهم من المسلمين تثبيطا لهم، فقالوا لهم أنه لو أطاع شهداء أحد المنافقين في القعود كما قعدوا هم عن الجهاد لما قتلوا، وقد لاحظ الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار أنه تعالى ذكر قول المنافقين قبل أن يذكر قعودهم، مع أن القعود سبق القول، والسبب أنّ قولهم كان أقبح من قعودهم لما فيه من الخبث وتثبيط همم باقي المسلمين عن القتال في المستقبل، في حين أنّ القعود عن القتال وإن كان إثما فهو محصور بمن قعد لا يتعدّاه إلى غيره ﴿قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إن كنتم صادقين في قولكم ادفعوا الموت عن أنفسكم، والمعنى أنّ القعود عن القتال لا يضمن لكم النجاة من الموت، وقد يموت القاعد عن القتال كما قد ينجو المقاتل، إذ هنالك أسباب كثيرة للموت والنجاة منه ليست مقتصرة على القتال أو القعود عنه.\n\n<span id=\"aya-462\"></span>﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١٦٩)\n١٦٩ - ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا﴾ الخطاب متصل بما قبله وموجّه للمسلمين بعد وقعة أحد وفي كل زمن، فبعد أن بيّن تعالى بطلان ادّعاء المنافقين أن المجاهدين لو قعدوا لما قتلوا، فهو تعالى يقول أنهم حتى لو قتلوا في الجهاد فهذا شيء مستحب لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون: ﴿بَلْ أَحْياءٌ﴾ تقديرها بل هم أحياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وهذا شبيه بقوله تعالى:\n﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٢/ ١٥٤] أي لا نشعر بطبيعة حياتهم الغيبية.\n\n<span id=\"aya-463\"></span>﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾.","vol":"1","page":283},{"text":"١٧٠ - ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بأن وفّقهم للشهادة وما يترتّب عليها من الكرامة والتفضيل والدرجات ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يستبشرون بأن حال من خلفهم من المؤمنين ستكون جيدة بعد الموت بعدما رأوه من نعيم الآخرة، بدليل الآية (١٧١) ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الذين بقوا بعدهم ﴿أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا خوف عليهم من أهوال القيامة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم في الدنيا، والمشار لهم هم الذين لم يلحقوا بهم ممّن قاتل ولم يقتل.\n\n<span id=\"aya-464\"></span>﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٧١)\n١٧١ - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ لمن لم يلحق بهم ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الشهداء منهم وغير الشهداء.\n\n<span id=\"aya-465\"></span>﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٢)\n١٧٢ - ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ بعدما أصابتهم الجراح، وهم إخوان أولئك الشهداء الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، إذ دعاهم الرسول ﷺ للخروج من المدينة لمطاردة المشركين بعد وقعة أحد، ذلك أن أبا سفيان لمّا انصرف من أحد مع المشركين وقطعوا أشواطا في طريقهم إلى مكة، ندموا وقال بعضهم لبعض لم نفعل شيئا إذ لم نستأصل محمدا وأصحابه فعزموا على الرجوع، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فاستنفر أصحابه للخروج لملاقاتهم، وقال لهم لا يخرجنّ معي إلاّ من شارك في قتال أحد، فخرج معه جمع منهم من يتحامل على جراحه، حتى بلغوا موقعا يقال له حمراء الأسد على مسيرة ثمانية أميال من المدينة، فلما علم المشركون بذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم فانهزموا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هم المؤمنون الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد متحاملين على أنفسهم وعلى جراحهم، وأحسنوا لأن الإحسان أن يقوم الإنسان بعمله على أحسن وجه، واتقوا التقصير ومعصية النبي ﷺ.","vol":"1","page":284},{"text":"<span id=\"aya-466\"></span>﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣)\n١٧٣ - ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ منافقو المدينة قالوا، تخويفا وترهيبا، للذين استجابوا لله والرسول وخرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد، قالوا لهم: ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أي أبو سفيان وصحبه من المشركين جمعوا لكم جموعهم، لأنهم بعد أن كانوا في طريقهم إلى مكة ندموا على انصرافهم وعزموا على الرجوع يريدون استئصال المسلمين.\nوفي رواية أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى إذ روي أن أبا سفيان، قبل انصرافه من أحد إلى مكة، نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر فنقتتل بها إن شئت، فقال النبي ﷺ لعمر: «قل له بيننا وبينك ذلك الأجل إن شاء الله تعالى»، فلمّا كان الأجل في العام القابل، وهو شعبان سنة أربع للهجرة موسم تجارة بدر في الجاهلية، خرج أبو سفيان من مكة في نحو ألفين من المشركين حتى بلغ عسفان على مسافة يومين من مكة، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، ولكن كي ينقذ ماء وجهه بعث إلى المدينة أعوانا له يثبّطون همم المسلمين عن الخروج إليه في الموعد ويخوّفونهم من قوة المشركين، فقالوا للمسلمين: إن المشركين جمعوا جموعهم لقتالكم ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ أي خافوا منهم وارهبوهم ولا تخرجوا إلى موعدكم معهم في بدر فسيكون في ذلك القضاء عليكم ﴿فَزادَهُمْ إِيمانًا﴾ أي إن المسلمين لمّا سمعوا كلام الذين دسّهم أبو سفيان لم يعيروه اهتماما ولم يقيموا له وزنا بل زادهم ذلك الكلام إيمانا وتصميما على محاربة الكفار ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي يكفينا الله ونعم الكافي والوكيل، ثم خرج النبي ﷺ في ألف وخمس مئة من أصحابه إلى بدر الثانية أو الصغرى، وقيل كانوا أقل من ذلك، فأقاموا بها ينتظرون ثمانية أيام فلم يلقوا أحدا، لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة.","vol":"1","page":285},{"text":"<span id=\"aya-467\"></span>﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١٧٤)\n١٧٤ - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ خرجوا إلى لقاء المشركين ثم عادوا بنعمة من الله وهي السلامة والعافية وخوف العدو منهم ﴿وَفَضْلٍ﴾ وهو فضل معنوي إذ علمت العرب أن قريشا جبنت عن لقاء النبيّ ﷺ فازدادت مهابة المسلمين عند العرب، وهو أيضا الربح الذي أصابوه بتجارتهم في موسم بدر في أثناء انتظارهم أبي سفيان ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ لم يمسسهم ما يسوءهم من كيد العدو ﴿وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ﴾ بعزمهم على لقاء عدوّهم ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ بأن تفضّل عليهم بالتوفيق وصرف عنهم كيد المشركين إذ ألقى الرعب في قلوبهم.\n\n<span id=\"aya-468\"></span>﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٥)\n١٧٥ - ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ وهو من شياطين الإنس، لقوله تعالى:\n﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ٦/ ١١٢]، واختلفوا في تعيينه فقالوا هو أبو سفيان، وقيل غيره من أعوانه الذين حاولوا تثبيط المسلمين عن الجهاد، وسمّي شيطانا لعتوّه وتمرّده، وقيل بل المقصود إبليس يخوّف الناس بالوسوسة ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ يخوّفكم أيها المسلمون بأوليائه، أي بأنصاره من المشركين فيوهمكم أنهم جمع عظيم لا طاقة لكم بهم، أو أنه يخوّف أولياءه أي الذين يصدقونه ويطيعونه، أما أولياء الله فلا سلطان للشيطان عليهم إذ لا يخافونه ولا ينقادون لأمره ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أي لا تخافوا أولياء الشيطان من المشركين ﴿وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ المعنى أن من يرجح خوفه من أولياء الشيطان على خوفه من الله يكون مشكوكا في إيمانه.\nوالواضح أنّ مغزى الآية عام بما فيها من العبر للمسلمين في كل الأزمنة وليس مقتصرا على أحداث بعينها.","vol":"1","page":286},{"text":"<span id=\"aya-469\"></span>﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٦)\n١٧٦ - ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الخطاب وإن كان في الأصل للنبي ﷺ فهو أيضا موجّه لكل مسلم في كل عصر ألاّ يستسلم للحزن من كيد الكافرين للإسلام، وهو استمرار الخطاب من الآية السابقة بعدم الخوف من أولياء الشيطان، ومنهم الذين يسارعون في الكفر ويبشرون به، ووينشطون في الكيد للمسلمين وبث الشكوك عنهم وفيما بينهم، والمعنيّون بذلك زمن البعثة النبوية هم عتاة قريش ممّن قاوموا الإسلام والمسلمين، ثم بعد ذلك هم الصليبيون واليهود والمنافقون ودعاة المادية الذين حاربوا ويحاربون الإسلام على مرّ الأزمان حتى عصرنا هذا سواء بالسلاح أو بترويج الدعايات المغرضة عن المسلمين ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ لأنهم لن يتمكنوا من إبطال الإسلام وإزالة شريعته بل مصيرهم إلى الاضمحلال ﴿يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ بسبب فساد فطرتهم ممّا اقتضى ألاّ يكون لهم نصيب من خيرات الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ بسبب إصرارهم على إنكار الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-470\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٧)\n١٧٧ - بعد أن نهى تعالى عن الاستسلام للحزن بسبب كيد الكافرين، يبين تعالى في هذه الآية سبب مسارعة الكفار في الكفر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ معنى الشراء يقتضي أنّ الكفار المذكورين متهالكون على الدنيا فتكون معارضتهم للإسلام لا علاقة لها بالقناعات الفكرية وإنما لمجرد الخوف على مصالحهم الدنيوية ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ لأن الإسلام ليس بحاجة لهم، وإنّما البشرية هي التي بحاجة لنور الإسلام وحقيقته ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ باختيارهم المصالح الدنيوية على الآخرة.","vol":"1","page":287},{"text":"<span id=\"aya-471\"></span>﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٧٨)\n١٧٨ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، ونملي لهم أي نمهلهم ونؤخّرهم، فبعد أن بيّن الله تعالى الحقيقة للناس من خلال الأنبياء والوحي وأعطاهم حرية الخيار كي يعمل كلّ إنسان ما يشاء بحسب استعداده، أمهلهم كي تكون لهم فرصة التوبة، فلا يحسب من أصرّ على الكفر أن الإمهال خير له وتأييد لضلاله، إلاّ إذا اغتنم فرصة التوبة: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا﴾ أي تكون نتيجة إمهال المصرّين على الكفر أنهم يرتكبون المزيد من الآثام، فلا يتوبون ولا يبصرون الحقيقة ولا يذعنون لها ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لإصرارهم على الكفر.\n\n<span id=\"aya-472\"></span>﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٩)\n١٧٩ - ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ المعنى لم يكن الله ليدع المؤمنين - أو من لديه استعداد للإيمان - على ما هم عليه من الضلالة والشرك ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ حتى يبعث الله الرسل فيظهر من عنده استعداد للإيمان منكم فينقذه من الضلال ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فلا ينزّل الوحي على كلّ فرد منكم ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ يختار من يشاء من رسله فيطلعهم على بعض الغيب ويوحي إلى الناس عن طريقهم ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فالمطلوب منكم أن تؤمنوا بالله ورسله لأن الوحي يأتي عن طريقهم ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ إن تؤمنوا بالوحي الذي نزل على الرسل ﴿وَتَتَّقُوا﴾ وتتقوا المعصية ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو غاية ما يطمح إليه العاقل باعتبار هذه الحياة الفانية.","vol":"1","page":288},{"text":"<span id=\"aya-473\"></span>﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٨٠)\n١٨٠ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم، أو لا يحسبنّ أحد بخل الذين يبخلون خيرا لهم، وارتباط الآية المباشر بسابقتها لأن البخل سمة الكفار المخاطبين بها من حيث أن المادة في الدنيا هي معبودهم وهدفهم الوحيد، وهذه الآية أيضا متسلسلة مع آيات الحث على الجهاد وبذل النفس فهي الآن تحث المؤمنين على عدم البخل بالمال وبالعلم ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ سيلزمون إثم بخلهم في الآخرة كما يحيط الطوق بالعنق، والتطويق من باب الاستعارة كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٣]، ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له ما يتوارثه الناس من الأموال، لأنهم يمتلكون المال مرحليا، وفي النهاية يفنى أهل السماوات والأرض ويبطل ملك المالكين ولا يبقى مالك إلا الله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيكون الجزاء بمقدار العمل.\n\n<span id=\"aya-474\"></span>﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (١٨١)\n١٨١ - بعد أن حثّت الآية السابقة على إنفاق المال في سبيل الله، تذكر هذه الآية كلام اليهود بالطعن في ذلك ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ كان يهود المدينة يقولون ذلك تهكّما واستهزاء بالقرآن ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ما قالوا من التهكّم والاستهزاء، يجازيهم الله عليه وعلى قتلهم الأنبياء، ونسب قتل الأنبياء إليهم لأن اليهود راضون بما فعله أجدادهم، وباعتبار تكافلهم كأمّة إذ قتلوا يحيى وغيره من","vol":"1","page":289},{"text":"الأنبياء، وهمّوا بقتل المسيح والنبيّ ﵉، انظر شرح الآية (٢١)، ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-475\"></span>﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٨٢)\n١٨٢ - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ذلك العذاب سببه ما كان منكم، أيها اليهود، من الكفر والفسوق والمعصية ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لأن ما يصيبهم من العذاب هو نتيجة طبيعية لأعمالهم.\n\n<span id=\"aya-476\"></span>﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٨٣)\n١٨٣ - ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ وهو قول اليهود ﴿إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ أي ما لم يكن متبعا للشريعة الموسوية، فيقبل بحرق القرابين كجزء من الطقوس الدينية عندهم، انظر (سفر اللاويين ١/ ٧ - ٩)، ومع أن اليهود عطّلوا هذه الطقوس بعد الخراب الثاني لمعبد سليمان على يد الرومان عام ٧٠ م، فقد بقي يهود ما بعد التلمود على قناعة بأن المسيح، أو خاتم الأنبياء المنتظر، سوف يعيد إقامة شريعة موسى على تمامها، وعلى هذا رفضوا الاقتناع بنبوة من لا يقيم شعائرهم بكلّ تفاصيلها ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي إن رسلكم ممن جاؤوكم بالبينات قبلي كانوا يقبلون بحرق القرابين كما قلتم ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قبل الخراب الثاني لمعبد سليمان كانت شعيرة حرق القرابين شائعة لديهم يقومون بها يوميا، وقت بعثة يحيى وعيسى ﵉، ومع ذلك فقد قتلوا يحيى وغيره، وحاولوا قتل عيسى المسيح ﵈، ولا زالت شعيرة حرق القرابين شائعة حتى اليوم في مدينة نابلس عند طائفة السامريين من اليهود  Samaritans .","vol":"1","page":290},{"text":"<span id=\"aya-477\"></span>﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (١٨٤)\n١٨٤ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيها النبي ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كذّب نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ﵈ ﴿جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ جاؤوا بالدلائل البينة على الحقيقة وبالكتب السماوية والوحي المنير بوضوحه، والمعنى أن الناس درجوا على تكذيب الأنبياء منذ القوم واليهود أغرقوا في ذلك، فلا تأس عليهم أيها النبي، ولا تحزن لكفرهم، ولا تعجب من فسادهم، فتلك سنة الله في البشر من حيث إنه تعالى أعطاهم ملكة العقل والفكر وحرية الخيار فمنهم من يستخدم هذه الملكة على الوجه الصحيح، ومنهم الجاهل، ومنهم الممعن في ضلاله، ثم مصيرهم إلى الموت والحساب كما سيرد.\n\n<span id=\"aya-478\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥)\n١٨٥ - استمرار للخطاب من الآية (١٧٦)﴾ التي تنهى عن الحزن على المسارعين في الكفر، وما بعدها من الآيات التي تصف جحود الكفار واليهود وإنكارهم الرسل ومعاندتهم للمؤمنين، والمغزى لا يضجر ولا يتزعزع المؤمن من كلّ ذلك لأن الموت ملاق الجميع، وعندها لا يجد الكفار نصيبا لهم في الآخرة بل لهم عذاب عظيم:\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ كلّ حيّ مصيره إلى الموت ثمّ يحاسب بعمله ﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تكون توفية الأجور على تمامها في الآخرة، لأنّ بعضها قد يوفّى في الدنيا من ثواب وعقاب ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ وهو المؤمن، والزحزحة بمعنى الإبعاد ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ المتاع هو ما يتمتع به المرء، ويقال للآنية متاع، والغرور بضم","vol":"1","page":291},{"text":"الغين ما يغترّ به من متاع الدنيا أي يخدع به، فتكون الحياة الدنيا كالآنية التي يخدع المرء بالتمتع بها، ووصفت الحياة بالدنيا بمعنى السفلى، أو القريبة أي حياتنا هذه، فهي متاع المغرق بالانشغال بها، لأنّ المزيد من المتاع يغريه بالمزيد من الإسراف في الطلب بلا نهاية، ولا غاية، حتى تكون المادة هي الغاية النهائية، تغريه وتصرفه عن تحصيل المعارف الحقيقية السامية التي يرقى بها الفكر، كما تصرفه عن العمل الصالح الذي ينفعه وينفع غيره من الناس، ومنهم من تكون غايته مجرد اللهو فيفنى عمره في التسلية واللعب وقتل الوقت بما يضر ولا ينفع.\n\n<span id=\"aya-479\"></span>﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٨٦)\n١٨٦ - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي لتختبرنّ بالمصائب في أموالكم، وبموت من تحبّونهم، وليس ذلك مقتصرا على ما وقع لكم في أحد، والمعنى أنّ المسلمين معرّضين لسنن الله في خلقه مثل غيرهم من الناس، فعليهم الأخذ بالأسباب، والاستعداد والتضحية وبذل الأموال والأنفس، ولا يظنّوا أن مجرّد كونهم على دين الإسلام يضمن لهم السلامة والنصر، ما لم يرافقه العمل والتنظيم والتضحيات ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهم اليهود والمسيحية ﴿أَذىً كَثِيرًا﴾ أي كثيرا من الهجاء والتجريح والافتراء والطعن في الإسلام، كما هو حاصل إلى يومنا هذا، وفي ذلك إخبار بالغيب ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إن تصبروا على المصائب في الأموال والأنفس وعلى ما تسمعونه من أذى اليهود والنصارى، وتتقوا كل ذلك بالتخطيط والاستعداد والصبر، واتقاء المعاصي ﴿فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ هي من الأمور التي أوجبها الله عليكم.","vol":"1","page":292},{"text":"<span id=\"aya-480\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (١٨٧)\n١٨٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ الخطاب متعلق بما ورد في الآيتين (١٨٣ - ١٨٤) حيث اختلق اليهود الأعذار لتكذيب اليهود للنبي ﷺ، والمقصود أنه تعالى أخذ الميثاق الذي أخذه أنبياؤهم عليهم أن يبيّنوا الكتاب للناس، بما فيه النبوءات عن قدوم النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل، ولكنهم لم يكتفوا بعدم بيانه للناس بل كتموه عنهم ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ لم يعيروه انتباها ولم يلتفتوا إليه بل أضاعوا قسما كبيرا منه وأضافوا عليه وحرفوه ﴿وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن القليل هو ظنّ اليهود أنهم شعب الله المختار دائما وأبدا، وهو أيضا زعم المسيحية أن عيسى المسيح ﵇ قد افتدى خطاياهم بالنيابة عنهم سلفا، وقد يكون الثمن القليل أيضا تهالكهم على الزعامات والمصالح الدنيوية المؤقتة التي قد تفوتهم لو اتبعوا الرسالة الإسلامية ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ لأنّ ما يتمسكون من هذه الظنون والمزاعم والمصالح المادية ستكون وبالا عليهم في الآخرة.\nوفي تفسير المنار أن هذه الآية عامة في جميع من أوتوا الكتاب بمن فيهم المسلمين، لأن الكتاب اسم جنس لكل الوحي الذي نزل على الأنبياء، وأن المسلمين وإن لم يكتموا شيئا من القرآن فإنهم مقصّرون في بيانه للناس، وأنهم فقدوا هدايته حتى شاع الفساد، وشاعت الخيانة بينهم، وتمسكوا بالفروع وغابت عنهم الأصول، وأن الكثير من المفسرين الذين تصدوا لتبيين القرآن في الكتب غلب عليهم عدم الاستقلال التام في الفهم، لأنهم افتتنوا بالروايات الكثيرة - وخاصة الإسرائيليات - وقيدوا أنفسهم بالاصطلاحات الفنية في الكلام، وأن تبيين القرآن يجب أن يكون على نوعين أحدهما لغير المؤمنين بغرض دعوتهم للإسلام، والثاني للمؤمنين لإرشادهم بشرح ما فيه.","vol":"1","page":293},{"text":"<span id=\"aya-481\"></span>﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٨٨)\n١٨٨ - ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا﴾ يفرحون بما فعلوا من أنواع الخبث والغش والنفاق والدجل والجري وراء المادة ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والبر والتقوى والصدق، وهم المنافقون في كل الأيام والعصور، وينطبق هذا الوصف أيضا على اليهود والنصارى الذين حرفوا كتبهم ويفسرونها على وجوه باطلة ويرجونها على الناس من ضعاف العقول والجهلة - ويعتبرون أنفسهم مبشّرين -، والفرح المشار إليه هو فرح الغرور المبني على الخداع، وليس فرح السعادة الحقيقية للنفس الصادقة ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ لا تحسبنّ أيها المؤمن أنهم بمنجاة من العذاب الدنيوي الذي يصيب الأفراد والأمم إذا ابتلوا بالنفاق والخداع والفساد فيحلّ بهم التدهور الاجتماعي والأخلاقي والمادي ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-482\"></span>﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٨٩)\n١٨٩ - ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تتمة للخطاب من الآية (١٨٦) والآيات التي تلتها، والمغزى أن المؤمنين لا يجب أن يصابوا باليأس أو الحزن، لأن الأمور بيد الله، والباطل لا يدوم، فسرعان ما تتغير الأمور من حال إلى حال.\n\n<span id=\"aya-483\"></span>﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٠)\n١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ هذه الآية، ومثيلاتها في القرآن الكريم كثيرة، دعوة لأولي الألباب من الناس للتفكر في معجزة الخلق والظواهر الطبيعية التي تدل على وجود الخالق ووحدانيته، ونلاحظ أن تعبير أولي الألباب ورد أيضا في أول هذه","vol":"1","page":294},{"text":"السورة بالآية (٧)، بأنهم يؤمنون بمحكم القرآن ومتشابهه، واللب هو قلب الشيء وجوهره، وهو في الإنسان بمعنى العقل والفكر والفهم والمحاكمة العقلية.\n\n<span id=\"aya-484\"></span>﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (١٩١)\n١٩١ - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ يواظبون على ذكر الله في كل الحالات بلا فتور ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيكون الذكر ليس باللسان فقط ولكن بالقلب والفكر معا، وبالمقابل فإنّ الفكر وحده لا يكتمل ولا يكون نافعا إلاّ مع ذكر الله لأنّ هذا هو الغرض منه، أي إن التفكر في الخلق والمخلوقات يوصل إلى معرفة الحقيقة وإلى الإيمان، فيقول المؤمنون: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا﴾ المعنى أن الخلق والمخلوقات لم توجد عبثا أو مصادفة فهنالك حكمة بالغة من خلقها وإن عجزت العقول عن معرفتها ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها له تعالى عن العبث، وإقرارا بعجز العقول عن الإحاطة بالحكمة الإلهية من الخلق ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أي لا تجعلنا من الكافرين أو الغافلين أو الضالين عن الحقيقة فيكون عقابنا نتيجة طبيعية لذلك.\n\n<span id=\"aya-485\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (١٩٢)\n١٩٢ - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ استمرار دعاء المؤمنين والمعنى أنّ من لم يرشده عقله وتفكيره إلى الحقيقة والإيمان فقد استحق الخزي بضلال فكره ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ لأنّه لا حكم إلاّ لله، والظالم إطلاقا هو الكافر، لقوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٤]، لأنهم ظلموا أنفسهم بإنكار الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-486\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)﴾.","vol":"1","page":295},{"text":"١٩٣ - ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الرسول ﷺ فمن عاصره ولقيه فقد سمعه، والباقون قرؤوا القرآن فكأنهم سمعوه يناديهم إلى الإيمان ﴿فَآمَنّا﴾ أي إنهم استجابوا للأنبياء وللهدي الإلهي، بعد أن تفكّروا في خلق السماوات والأرض، وأرشدتهم عقولهم إلى الحقيقة، فطلبوا المغفرة بقولهم: ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لا تعاقبنا بسبب خطيئاتنا وتقصيرنا في العبادات ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ حطّها عنّا ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أمتنا على مثل ما ماتوا عليه من اليقين والأعمال الصالحات.\n\n<span id=\"aya-487\"></span>﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (١٩٤)\n١٩٤ - ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ ما وعدتنا على لسان رسلك، أو ما وعدتنا منزّلا على رسلك، أو ما وعدتنا ثوابا لنا على تصديقنا رسلك، والمعنى ثبّتنا على الإيمان ووفّقنا للقيام بصالح الأعمال حتى نستحق الثواب الذي وعدتنا على لسان رسلك، أو عجّل لنا نصرك الذي وعدتنا على لسان رسلك ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ اجنبنا الضلال كي لا نستحق به الخزي يوم القيامة ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ وهو ثناء على الله تعالى ختم به الدعاء، لأنّ الوعد متحقق لا محالة إذا قام المؤمنون بما يجب عليهم.\n\n<span id=\"aya-488\"></span>﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (١٩٥)\n١٩٥ - ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ استجاب تعالى لدعاء المؤمنين الذين وصفهم في الآيات السابقة بأنهم مواظبون على الذكر والتفكّر في الخلق والعبادة بعد أن أرشدتهم عقولهم السليمة إلى الحقيقة والإيمان ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أخبرهم تعالى أنه لا يضيع ثواب العمل، وأن استجابته تعالى","vol":"1","page":296},{"text":"لدعائهم مرتبطة بعملهم، والمغزى أن العبرة من العبادة هي بالعمل، وليس فقط أداء الفرائض، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٩٩/ ٧]، أي النتيجة على قدر العمل.\n﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ هم متساوون عند الله في ثواب أعمالهم ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ كلّهم عباد الله ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ اختاروا الهجرة من أوطانهم ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ اضطرّهم الكفار قسرا للخروج من ديارهم ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ لحقهم الأذى بسبب إيمانهم وعملهم لأجله ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ في سبيل الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ يمحو تعالى سيئاتهم، وفوق ذلك يدخلهم الجنة ﴿ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ الثواب من ثاب أي رجع، فيكون الثواب ما يرجع إلى المرء نتيجة لعمله ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ حسن الثواب الذي يلازم العمل الصالح.\n\n<span id=\"aya-489\"></span>﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ (١٩٦)\n١٩٦ - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ كان الكلام في الآيات السابقة عن أولي الألباب من المؤمنين المواظبين على ذكر الله، وعلى التفكر في مخلوقاته، واستغفارهم لذنوبهم، وطلبهم الهداية واستعجالهم نصر الله، وقد أخبرهم تعالى أن العبرة بالعمل، وأنه يستجيب لأعمالهم فلا يضيع عمل عامل منهم، وفي هذه الآية يحذرهم تعالى من الانخداع بالنعم التي يتمتع بها الكفار -\n\n<span id=\"aya-490\"></span>﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٩٧)\n١٩٧ - ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ متاع الكفار قليل من حيث إنهم يتمتعون بنعيم زائل غير قائم على أسس سليمة، وهو في عمر التاريخ والأمم غير ذي بال، كما أن نعمهم مادية ظاهرية، ولا تنطوي على أي قدر من السعادة، ومترافقة بكثير من المنغصات في حقيقتها، وتحمل في ذاتها بذور زوالها وخراب أصحابها ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وفوق ذلك كله فإن ما هم عليه من النعيم المبني على الباطل","vol":"1","page":297},{"text":"سيؤدي بهم إلى الهاوية في آخرتهم ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس ما يمهدون لأنفسهم ولآخرتهم.\n\n<span id=\"aya-491\"></span>﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ (١٩٨)\n١٩٨ - ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ عرفوه فاتقوا معصيته ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ وهو النعيم الحقيقي الدائم.\n\n<span id=\"aya-492\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩٩)\n١٩٩ - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ بعد أن ذكر تعالى تقلب الذين كفروا في البلاد، وأن مصيرهم إلى العقاب، بيّن في هذه الآية أن من أهل الكتاب من يؤمن بما أنزل على النبي ﷺ، ويؤمن بما أنزل على الأنبياء من قبله، وهم الخاشعون منهم لأنّ خشوعهم يمنعهم من المعاندة والمكابرة كما لا يمنّون أنفسهم بالتوهّم أنّ هنالك من تحمّل عنهم خطاياهم سلفا بالنيابة عنهم، انظر شرح الآية (١٨٧)، ولذلك فإنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فلا تقف في طريقهم المصالح والزعامات الدنيوية، ولا يهيمن على فكرهم الشعور بالعصبية والتقليد، وهم أيضا من أولي الألباب الذين تقدم ذكرهم في الآية (١٩٠)﴾ فنراهم من خيار أهل الكتاب علما وبصيرة، ولعل ذلك سبب قلّتهم، وقد دخل الكثير منهم الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام وغيرها، ولا يزالون في كل زمان ومكان وهذا من قبيل إخبار الآية بالغيب ﴿أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لأن الموت أسرع وأقرب بعيد، وليس بين المرء والحساب إلا أن يموت، فإذا مات لم يجد أمامه إلا عمله فيحاسب به.","vol":"1","page":298},{"text":"<span id=\"aya-493\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢٠٠)\n٢٠٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ذكر الرازي أن هذه الآية مشتملة على جميع الآداب، منها ما يتعلق بالإنسان وحده ممّا يحتاج إلى الصبر، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ممّا يحتاج إلى المصابرة، فمن الأمور المتعلقة بالإنسان وحده، الصبر على شدائد الدنيا ومصائبها، والصبر على أداء الطاعات، والصبر في العلم وتحصيله.\nومن الأمور المشتركة مع الآخرين، تحمل المكاره منهم، أي تحمل ما يصدر عن الناس من سوء المعاملة، والعفو وترك الانتقام، ومن ثمّ يحتاج الإنسان للتغلب على الغضب وعلى الشهوة وعلى الحرص، فما لم يكن مشتغلا بمجاهدة هذه الخصال الذميمة لا يستطيع الصبر والمصابرة وهو معنى قوله ﴿وَرابِطُوا﴾ والغرض من كل ذلك هو التقوى لنيل الفلاح.\nوقيل أيضا إن المصابرة والمرابطة هي منافسة الأعداء في الصبر، والاستعداد والتعلم والدفاع عن دار الإسلام، وأن لا يكون العدوّ أصبر من المسلمين.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-510>محور سورتي (البقرة - آل عمران)</span>\nسورتي البقرة وآل عمران متكاملتان تتمّم إحداهما الأخرى، فبعدما تبدأ سورة البقرة بوصف أصناف ثلاثة من الناس: المؤمنين، والمصرين على الكفر، والمنافقين، آيات [البقرة ٢/ ١ - ٢٠]، وتصف خلافة بني آدم في الأرض، وتفضيلهم بالعلم، وأنّ الإنسان في صراع ضد عناصر الشر، آيات [البقرة: ٢/ ٣٠ - ٣٩]، وبعد أن تدعو بني إسرائيل إلى الإسلام وتسرد تاريخهم وارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية، آيات [البقرة: ٢/ ٤٠ - ١٠٥]، تكمل سورة آل عمران بتعداد جرائم اليهود وعنادهم وقتلهم الأنبياء وغرورهم، ثم تذكر انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، آيات [آل عمران: ٣/ ٢١ - ٢٧].\nوتنسخ سورة البقرة الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، وتدحض عقائد اليهود والنصارى، آيات [البقرة: ٢/ ١٠٦ - ١٤١]، وتقرر عودة القبلة إلى مكة، علامة من علامات انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل بعد أن رفض بنو إسرائيل آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇، آيات [البقرة: ٢/ ١٤٢ - ١٥٢]، وتشرح شعائر الحج، آيات [البقرة: ٢/ ١٩٦ - ٢٠٣]، ثم توضح سورة آل عمران أن أول بيت وضع للناس هو الكعبة المشرّفة، وتفرض الحج إليه، آيات [آل عمران: ٩٤/ ٣ - ٩٧].\nوتوضح سورة آل عمران أن الحكمة الإلهية اقتضت نزع الرسالة من بني إسحاق بعد فساد اليهود المزمن وإيتاء الرسالة بني إسماعيل وختمها ببعثة النبي الأحمد: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢٦]، وأن الإسلام دين الأنبياء من الأزل: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٦٧].","vol":"1","page":300},{"text":"وتحذّر سورة البقرة المسلمين بأنّ اليهود والنصارى لا يقبلون منهم بأقل من اتّباع ملّتهم، آية [البقرة: ٢/ ١٢٠]، ثم توضح سورة آل عمران أنّ أهل الكتاب لا يكتفون بالكفر، بل يحاولون أيضا صدّ المؤمنين عن سبيل الله، ومن ثمّ فإنّ طاعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى تؤدي إلى وقوع الفتنة بين المسلمين فيصبحون بذلك كافرين، آيات [آل عمران: ٣/ ٩٨ - ١٠١]، لذا تحرّم سورة آل عمران على المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء، آيات [آل عمران: ٣/ ٢٨ - ٣٢]، كما تنهاهم عن اتخاذ الكافرين بطانة، وتكشف لهم ما في صدور أهل الكتاب من البغضاء والكيد، آيات [آل عمران: ٣/ ١١٨ - ١٢٠].\nوتحدد سورة البقرة ثواب الإنفاق في سبيل الله، وتحدد أحكامه ووجوهه، آيات [البقرة: ٢/ ٢٦١ - ٢٧٤]، ثم تحض سورة آل عمران على الإنفاق: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٣٤]، وتبين أنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب، فلا يكون بارّا صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ٩٢].\nوفي حين تحرّم سورة البقرة الربا، آيات [البقرة ٢/ ٢٧٥ - ٢٨١]، تنهى آل عمران عن أكل الربا أضعافا مضاعفة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٣٠].\nكما تنص سورة البقرة أن لا إكراه في الدين، آية [البقرة: ٢/ ٢٥٦]، وتقرر مشروعية القتال للدفاع عن دار الإسلام ولتأمين حرية الدين ومنع الاضطهاد الديني، آيات [البقرة: ٢/ ١٩٠ - ١٩٥]، ثم تفرض سورة آل عمران على المسلمين واجب الدعوة بالقدوة الحسنة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:","vol":"1","page":301},{"text":"٣/ ١٠٤]، وتنصّ أن الرسول، وكل مسلم، مكلّف بالبلاغ فقط، وحساب الناس على الله، آية [آل عمران: ٣/ ٢٠]، وتبيّن وجوب الرفق واللين في الدعوة إلى الإسلام، أسوة بالنبي ﷺ، آية [آل عمران: ٣/ ١٥٩]، وتنهى عن تكفير الآخر استنادا إلى العلامات والقرائن، آية [آل عمران: ٣/ ١٦٧]، ثم تدعو سورة آل عمران أهل الكتاب إلى الإسلام وتبدي لهم الحجج الباهرة، وتذكر الميثاق الذي أخذه الأنبياء على أقوامهم بتصديق خاتم النبيين، آيات [آل عمران: ٣/ ٦٤ - ٨٣].\n***","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-511>سورة النساء - ٤ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-512>مقدمة</span>\nأطلق على هذه السورة اسم سورة النساء، لأنها اشتملت في العديد من آياتها على تشريع حقوق النساء، كما اشتملت، من ضمن أمور عديدة أخرى، على تشريعات لها علاقة بالأسرة والحياة العائلية والزواج والصداق والإرث واليتامى وصلة الأرحام.\nوالسورة مدنية بكاملها، نزلت منذ أواخر السنة الثالثة من الهجرة وحتى نهاية السنة الرابعة من الهجرة، وإن كان بعض آياتها قد نزل قبل ذلك، وبعضها الآخر نزل بعدها، كالآية ١٧٦ في الكلالة، والتي قيل إنها كانت من آخر ما نزل من الوحي.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>الخلفية التاريخية</span>\nكانت مهمة النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة ذات ثلاثة أبعاد، أولا: تنظيم المجتمع الإسلامي الجديد والحكومة الإسلامية وفق تعاليم الإسلام والتخلص من بقايا الجاهلية وعاداتها وتقاليدها، ثانيا: الوقوف في وجه تحالف اليهود والمشركين والمنافقين في حملتهم الشرسة ضد الإسلام والمسلمين، ثالثا: نشر الرسالة الإسلامية في كامل جزيرة العرب في وجه العداء الذي كان يواجهه المسلمون من اليهود والمشركين والمنافقين، فكانت هذه السورة، مع ما سبقها من سورتي البقرة وآل عمران، تفي بهذه الأغراض جميعا.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-514>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي أواخر سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩٥]، ثم تفتتح سورة النساء بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ [النساء: ٤/ ١]،\nوفي سورة آل عمران أن طاعة أهل الكتاب تؤدي بالمسلمين إلى الردة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٠٠]، وكذا طاعة الكفار: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران:\n٣/ ١٤٩]، ثم في سورة النساء أن أهل الكتاب جاهدون في إضلال غيرهم من المسلمين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤/ ٤٤]، أنظر أيضا آيات [المائدة: ٥/ ٥١ و٥٧].\nوفي سورة آل عمران أن اليهود والنصارى أوتوا نصيبا من الكتاب فقط:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢٣]، وأنهم بعد تشويه التوراة والإنجيل يزعمون أنهما من عند الله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٨]، ثم في سورة النساء أن اليهود شوّهوا ويشوّهون التوراة: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤/ ٤٦].\nوفي سورة آل عمران أن الإسلام دين الأنبياء جميعا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩]، وأنه لا يقبل من يبتغ غير الإسلام دينا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٣/ ٨٥]، لذا تأمر سورة النساء أهل","vol":"1","page":304},{"text":"الكتاب أن يؤمنوا بالإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤/ ٤٧]، وكذا آية [النساء: ٤/ ١٣٦]، إذ ليس شيء أحسن من إسلام الوجه لله، مع إحسان العمل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:\n٤/ ١٢٥].\nوفي سورة آل عمران أن ليس من صفات المؤمنين اتخاذ الكفار أولياء لهم:\n﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢٨]، ونهي عن اتخاذهم بطانة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا﴾ [آل عمران: ٣/ ١١٨]، ثم في سورة النساء نهي صريح عن موالاتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٤/ ١٤٤].\nوفي سورة آل عمران أن اليهود حرّموا على أنفسهم بحكم العادات والتقاليد: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران:\n٣/ ٩٣]، ثم في سورة النساء أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار إذ اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، فالمغزى أنهمّ شدّدوا على أنفسهم فكانت عقوبته تعالى لهم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ١٦٠]، انظر أيضا آية [الأنعام: ٦/ ١٤٦].\nوتحض سورة آل عمران على الإيمان بالقرآن وبالرسل وعدم التفريق بينهم:\n﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ﴾","vol":"1","page":305},{"text":"﴿أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٨٤]، ثم تبين سورة النساء تسلسل النبوات: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ٤/ ١٦٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-515>محور سورة النساء</span>\nتبدأ السورة ببيان أحكام تنظيم الأسرة الإسلامية والعلاقات العائلية، ومنها أحكام الإرث، ثم تنتقل إلى مواضيع الحكومة الإسلامية، وعلاقات المؤمنين بالكفار، وأمور السلامة العامة، وتبحث وحدة الرسالات السماوية إلى البشرية جمعاء، وتختم بإتمام أحكام الإرث.\nومن نظم السورة نلاحظ تداخل آيات الأحكام والتشريع الإسلامي والتطبيق الحياتي مع آيات التوحيد والإيمان والأخلاق، في إشارة لأن حياة الإنسان وحدة متكاملة ممّا يستلزم ارتباط الحياة الروحية للمسلم مع حياته العملية المعاشية بلا فصل بينهما.\nومن لطائف السورة أنّ ما يصيب الإنسان من حسنات أو سيئات يتم بحسب سننه تعالى في الخلق وفق نظام الأسباب والمسببات وبنتيجة حرية الخيار التي كرّم بها تعالى بني آدم، فما بالهم لا يفقهون سننه تعالى في خلقه؟ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٧٨)، فمن يتّبع سبل الخير يصل إليها، لأن الإنسان مخيّر في اتباع الطرق التي تؤدي به إلى الصواب أو الخطأ، والخير أو الشر، فيكون ما أصابه من السيئة لعدم فهمه الوحي، وعدم اتباعه السنن التي أوجدها تعالى في الخلق: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ (٧٩).","vol":"1","page":306},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-494\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١)\n١ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ خلق تعالى الناس كلّهم فذلك مدعاة لتقواه من قبل المخلوقين ومدعاة لتجنب عصيانه في التشريعات التي سوف يرد ذكرها في هذه السورة وغيرها ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ البشر كلهم مخلوقون من أنفس متماثلة فهي بالتالي نفس واحدة وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً،﴾ ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ الزوج في اللغة يطلق على الجنسين فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والمعنى أنه تعالى خلق زوجها من جنسها، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ذكره الرازي، وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ [النحل: ١٦/ ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٣٠/ ٢٠]، فالجميع مخلوقون من التراب الذي تتحلل إليه كافة المواد العضوية.\n﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً﴾ نشر تعالى الخلق من الذكر والأنثى، واختصّ تعالى الرجال والنساء والزوج أو الزوجة بالذكر لأن محور السورة يدور حول التشريع العائلي ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ﴾ لأن العرب كانوا يسأل بعضهم بعضا باسم الله، كقول أحدهم لغيره: أسألك بالله أن تعطيني حقّي ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ أي واتقوا حقوق الأرحام فأعطوها ولا تقطعوها، وذلك بأن يكون المرء بارّا مع أرحامه محسنا إليهم، وفي الحديث: «أسرع الخير ثوابا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم»، أخرجه ابن ماجه عن","vol":"1","page":307},{"text":"أم المؤمنين عائشة، وفي مسند أحمد عن أم المؤمنين عائشة قالت قال رسول الله ﷺ: «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار»، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي كان منذ الأزل وما زال مشرفا على أعمالكم على الدوام وعالما بها.\nونلاحظ أن السورة افتتحت بتذكير الناس بالقرابات، وأنّ الله تعالى خلقهم من ذكر وأنثى من نفس واحدة، وأمرهم ببرّ الأرحام، تمهيدا لما سيرد في السورة من تنظيم العلاقات العائلية في تشريع الزواج والإرث وعلاقات ذوي القربى واليتامى.\n\n<span id=\"aya-495\"></span>﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٢)\n٢ - ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ اليتامى الذين بكفالتكم، والمقصود تسليم أموالهم لهم بعد وصولهم سنّ البلوغ والرشد، كما سيرد في الآية (٦)، والمقصود أيضا الإنفاق عليهم من أموالهم قبل ذلك ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ المعنى لا تختاروا العمل الخبيث وهو أكل أموال اليتامى، بدلا من العمل الطيب وهو المحافظة عليها، والمعنى أيضا لا تبادروا بأكل أموال اليتامى على أمل تسديدها فيما بعد، أي لا تأخذوا عاجلا بآجل، وأيضا لا تأخذوا الجيد من أملاكهم وتضعوا مكانه الأقل جودة كأخذ العقار الجيد ووضع العقار الأقل قيمة مكانه ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ لا تأكلوا أموالهم فتضمّوها إلى أموالكم لدرجة عدم التفريق بينهما في الإنفاق ﴿إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ إنّ أكلكم أموال اليتامى إثم كبير.\n\n<span id=\"aya-496\"></span>﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣)﴾.","vol":"1","page":308},{"text":"٣ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي﴾ نكاح ﴿الْيَتامى﴾ لأن الخطاب ينصرف إلى اليتيمات، والإقساط: العدل كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٤٩/ ٩]، فيقال أقسط الرجل إذا عدل، أمّا قسط فمعناها جار إذ يقال: قسط الرجل إذا ظلم صاحبه في قسطه أو نصيبه الذي يستحقه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ٧٢/ ١٥].\n﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ الكلام لا يزال في اليتامى، فقد كان من عادة البعض في الجاهلية أن يتزوج من النساء اليتيمات اللواتي بكفالته إمّا طمعا بمالهنّ، وإما لكي يقرر لهنّ من الصداق ما هو أقل ممّا يجب لأمثالهنّ، أو يتجاوز على حقوقهنّ في المعاملة لأن اليتيمة لا تجد من يحميها، فنهاهم تعالى عن ذلك وأمرهم في هذه الحالة أن يتزوجوا من النساء الغرائب، أي من غير اليتيمات اللواتي بكفالتهم، إن خافوا عدم العدل في حقوقهنّ، وفي هذه الحالة ينصرف تعبير اليتامى في الآية إلى «أناثهنّ» أي اليتيمات، وينصرف تعبير «النساء» إلى النساء الغرائب من غير اليتيمات، فكأنه تعالى قال دع هؤلاء اليتيمات وتزوج ما أحلّ لك من غيرهنّ من الحرائر أو من ملك اليمين، فيكون تقدير الخطاب كما يلي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ - في نكاح يتامى النساء اللواتي بكفالتكم - ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ - من غيرهن - بدليل قوله تعالى في الآية (١٢٧): ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.\nوقالوا أيضا في معاني الآية: إن خفتم ألاّ تعدلوا في أموال اليتامى التي ورد النص فيها بالآية السابقة وكنتم متحرّجين في هذه الأموال حريصين على العدل فيها والمحافظة عليها، فكذلك يجب أن تتحرّجوا في النساء وأن تخافوا الظلم في حقوقهنّ التي أوجبها الله عليكم، ولكم أن تتزوّجوا منهنّ ثنتين أو ثلاثا أو أربعا","vol":"1","page":309},{"text":"فقط، ولا تزيدوا على ذلك، فإن خفتم الظلم فيهنّ فواحدة تكفي ﴿أَوْ﴾ انكحوا من ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ والنكاح بمعنى العقد الشرعي بين الرجل والمرأة الذي يسبق الدخول، بدليل آية [الأحزاب: ٣٣/ ٤٩]، فملك اليمين لا يعني ملك الوطء دون عقد نكاح، فيكون تقدير الآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ﴾ - فانكحوا مثنى وثلاث ورباع من - ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وفق الشروط المذكورة في الآية (٢٥).\n﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي إن خفتم ألاّ تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباع فتزوجتم واحدة، أو تزوجتم ملك أيمانكم، فذلك أدنى أي أقرب ألاّ تعولوا، أي أن لا تجوروا ولا تميلوا عن الحق.\nوقيل أيضا من معاني الآية أنه إذا خاف المرء عدم الإقساط في اليتامى الذين واللواتي بكفالته فله أن ينكح أمّهات هؤلاء اليتامى اثنتين أو ثلاثا أو أربعا شريطة تحقيق العدالة.\nلكن عدنان الرفاعي قرأ النص القرآني على إطلاقه بحيث يكون المعنى:\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى﴾ أي في النساء المنفردات الفائضات اللاتي لا يجدن أزواجا ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ لأنّ من مقتضيات عدم الجور فيهنّ هو الزواج منهنّ ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي وإن كانت إحداهنّ الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة لكي لا يكون هنالك نساء فائضات منفردات في المجتمع، فهنّ يتيمات بهذا المعنى.\nوالواضح أن أمر النكاح في الآية يدور حول العدل، ويرتبط به ارتباطا وثيقا مع تقليل عدد الزوجات إلى ما لا يتجاوز الأربع، والواضح أيضا أنه لا يمكن قبول تعدد الزوجات بمعزل عن العدل سواء كان عدد الزوجات أربعا أو أقل، وقد يحاول البعض ممّن انضبع فكره بالتقاليد الغربية والعادات السائدة، أن يبرهن أن القرآن قد هدف إلى إلغاء تعدد الزوجات، رغم أن الآية صريحة في السماح","vol":"1","page":310},{"text":"به، وقد كان التعدد شائعا في صدر الإسلام وباقي العصور الإسلامية ضمن حدود العدالة المفروضة عليه، وقد يزعم البعض أنّ تعدد الزوجات سيئ بحد ذاته وفي هذا الزعم خلط بين الشرع وبين التطبيق السييء، والتعدد في بعض الحالات يكون ضروريا ومرغوبا به من وجهتي النظر الأخلاقية والاجتماعية، ولا يحق لمعارضي التعدد أن ينسبوا رأيهم الشخصي إلى القرآن الكريم لمجرّد وقوع سوء في التطبيق، إذ لو تربّى النساء والرجال تربية دينية صحيحة بحيث يكون الدين هو الموجّه الحقيقي للنفوس لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، بل لتحققت منه الفوائد التي هدف إليها الشرع.\nوفي جميع الأحوال فإن الزواج لا يتم بالإكراه وتستطيع أي كارهة للتعدد أن ترفضه، كما تستطيع المرأة التي تخشى من زوجها التعدد أن تشترط في عقد النكاح أن لا يكون لها ضرّة، وعلى الزوج أن يفي بالشرط وإلاّ طلّقت.\n\n<span id=\"aya-497\"></span>﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ بعد أن أباح تعالى الزواج حتى الأربعة أوجب لهنّ الصداق، وصدقاتهنّ هي مهورهنّ وهي جمع «صداق» أي ما يصدق به النكاح، ونحلة معناها فريضة لأن النحلة في اللغة هي الديانة والملّة والشرعة والمذهب، فيكون المعنى إنّ إعطاء النساء مهورهنّ يعتبر شريعة مفروضة، ومعنى النحلة أيضا هي العطيّة عن طيب خاطر من غير مطالبة ولا مخاصمة من الطرف الآخر ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أي إن وهبن لكم شيئا من المهر عن طيبة نفس من غير أن يكون سبب ذلك سوء العشرة أو المشاكسة من الزوج فكلوه وأنفقوه، وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ للمرأة أن تعود عن هبتها وتأخذها من الزوج إن رغبت ولو بعد حين (ذكره الزمخشري).","vol":"1","page":311},{"text":"<span id=\"aya-498\"></span>﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامًا وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيامًا﴾ بعد أن أمر تعالى إيتاء اليتامى أموالهم، اشترط في هذه الآية أن يكونوا غير سفهاء أي غير ضعاف العقول ذوي الاضطراب في الرأي والفكر أو الأخلاق، والآية ذات مغزى عام من حيث إن الثروة هي قوام الفرد والمجتمع فلا يجب أن تترك بتصرف السفهاء لأن إساءة استخدامها قد يؤدي إلى خراب الحياة الاجتماعية والاقتصادية وخراب الأسس الأخلاقية للمجتمع، والمعنى أنّ الحق بالتملك ليس مطلقا إذا كان الشخص غير قادر على ممارسة حقه بالشكل المناسب أو إذا كان تصرفه بالمال يسبب أذى للمجتمع نتيجة استهتاره وتبذيره ونزواته ﴿وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ﴾ في هذه الحالة يتم تزويد السفهاء بحاجياتهم المعيشية الكافية دون إطلاق يدهم في التصرف بالمال، والخطاب في الآية ليس مقتصرا على أوصياء اليتامى بل عام للجميع بأن من يريد أن يهب بعض ماله أو يضعه بتصرف غيره يلزم أن يكون متأكدا من حكمة وعقلانية واتّزان الآخرين أوّلا،\n﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو النصح والإرشاد والتعليم والتأديب حتى تتحسن حالهم، لأن السفه قد لا يكون فطريا وإنما أمرا عارضا يزول بالتعليم.\n\n<span id=\"aya-499\"></span>﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ في هذه الآية تفصيل شروط إيتاء اليتامى أموالهم وتحديد أوان الإيتاء وكيفيته، فالشروط أن يبلغ اليتيم الحلم وأن يكون راشدا، والابتلاء هو الاختبار، فيكون ابتلاء اليتامى اختبارهم، والمعنى اختبروهم إلى ابتداء الوقت","vol":"1","page":312},{"text":"الذي يبلغون فيه سن النكاح فإن وجدتم منهم رشدا بعد البلوغ فادفعوا إليهم أموالهم، وإلاّ فاستمرّوا في اختبارهم إلى أن تجدوا منهم رشدا، ويلاحظ تنكير كلمة الرشد في الآية، وقيل المقصود من ذلك إيناس شيء من الرشد ينافي هدر المال، والمعنى إن آنستم منهم رشدا ما، وفيه تحقيق لما ورد بالآية السابقة ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ لا تأكلوها مسرفين إسرافا، ولا تبادروا بدارا لأكلها قبل أن يكبروا، قائلين لأنفسكم ننفق منها كما نشتهي قبل أن يكبروا فينتزعوها من أيدينا ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ لأن الغني غير محتاج لمال اليتيم فعليه أن يعف ويترفع عن الأكل منه ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ للفقير المحتاج أن يأكل بالمعروف أي بما يسد الضرورة من حاجته ويكون ذلك بمثابة القرض إذا أيسر قضاه وإن مات ولم يقدر على السداد فلا شيء عليه ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ الإشهاد تحقيقا لوقوع الدفع ومنعا لاحتمال الخصومة والمقاضاة ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ أي إنّ الإشهاد وإن حصل بحيث يسقط الدعوى عند القاضي فهو لا يسقط الحق عند الله إن كان ولي اليتيم خائنا.\n\n<span id=\"aya-500\"></span>﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٧)\n٧ - ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ تبيّن هذه الآية عدة مباديء أولا: أن النساء ترث كما يرث الرجال، وثانيا: أنّ الإرث وإن كان قليلا فيجب توزيعه على الورثة من ذكور وإناث، وثالثا: أن الإرث يشمل جميع ما تركه الوالدان والأقربون من مال وعقار وزراعة وصناعة وغيرها، ورابعا: أنّ حقوق الميراث تجب بمجرد وفاة المورّث بلا انتظار، وخامسا: أن لكلّ من الورثة نصيب مفروض أي حق معيّن لا جدال فيه، كما سيرد تفصيله، والكلام","vol":"1","page":313},{"text":"في هذه الآية لا يزال متصلا بما قبله من حيث حقوق اليتامى والنساء وتحريم الظلم الذي قد يلحق بهم.\n\n<span id=\"aya-501\"></span>﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي قسمة التركة ﴿أُولُوا الْقُرْبى﴾ ممّن لا يرث ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي ارزقوهم، أيها الورثة، ممّا ترك الوالدان والأقربون كما ذكر في الآية السابقة، والمقصود أن هذا المال قد وصل إلى الورثة من غير جهد ولا مشقة فلا ينبغي أن يبخلوا بشيء منه على المحتاجين ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ لتكن أعطيتكم لهم بلا تكبّر أو تبرّم بل يرافقها القول الحسن كي تطيب نفوس المحتاجين، ولا يكون العطاء ثقيلا عليهم.\nويحتمل أيضا أن يكون المراد من الآية ما يلي: إذا أراد صاحب المال أن يقسم تركته بوصية وكان هنالك من أولي قرابته من المحتاجين ممّن لا يرث فليوصي لهم ولليتامى والمساكين بشيء، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٨٠].\n\n<span id=\"aya-502\"></span>﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الكلام من البداية هو في إيتاء اليتامى أموالهم ووجوب المحافظة عليها وعدم الإسراف في إنفاقها ولا المبادرة إلى أكلها قبل أن يكبر أصحابها، فعلى هذا يكون الخطاب موجّها إلى أولياء اليتامى لحثّهمّ على الحرص في أموال الذين بوصايتهم وأن يخافوا يوما قد يتركون خلفهم ذرية","vol":"1","page":314},{"text":"ضعفاء يكونون فيه تحت وصاية غيرهم من الناس، فأمرهم تعالى بالتقوى وأن يقولوا لليتامى السديد من القول أي العدل والصواب، هذا في الإجمال العام للمعنى.\nويحتمل المعنى أيضا من جهة ترابط الآية المباشر مع سابقتها أنه عند قسمة التركة فعليا من قبل الورثة أن يعطوا شيئا لليتامى والمساكين وأن يخشوا يوما قد يتركون خلفهم ذرية ضعافا قد لا يكون لهم سند، ويحتمل أيضا إذا كان المقصود قسمة المال وقت الوصية أن لا يوصي صاحب المال للغير بأكثر من الثلث لقوله ﷺ «الثلث والثلث كثير».\n\n<span id=\"aya-503\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا﴾ وهم غير الذين يأكلون بالمعروف بسبب حاجتهم كما ورد في الآية ٦ سابقا ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا﴾ أي كمن يأكل النار في بطنه بسبب العاقبة التي يؤولون إليها ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وهو عذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-504\"></span>﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١١)\n١١ - بعد أن بيّنت الآيات (٢ - ١٠) الحكم في أموال اليتامى وواجب الأوصياء فيها، وبعد أن أوجبت الإرث للرجال والنساء معا بشكل مجمل (الآية ٧)، تفصّل الآيات التالية كيفية وصول الميراث للورثة ولليتامى:","vol":"1","page":315},{"text":"﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أي في ميراث أولادكم، واتفقوا أن أولاد الذكور يقومون مقام آبائهم عند فقد الآباء ولا يرثون مع وجودهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الذكر ملزم بالإنفاق على نفسه وعلى زوجه فله سهمان، والأنثى تنفق على نفسها فقط وبعد الزواج تصير نفقتها على زوجها فلها سهم واحد ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ أي الوارثات ﴿نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ إن كان الورثة نساء فقط يزيد عددهن عن الاثنتين فلهن جميعا ثلثا ما ترك الوالد أو تركت الوالدة، وأما حكم الثنتين من النساء فهو كحكم الجمع ثلاث الأناث أو أكثر، لعدة أسباب ذكروها، منها قول أبي مسلم أن الذكر مع الأنثى الواحدة يرث الثلثين فيلزم أن يكون حظ الأنثيين معا يساوي الثلثين أي مساويا لنصيب الذكر الواحد، وأيضا نصيب البنت هو الثلث إذا اجتمعت مع الولد الذكر فمن باب أولى أن يكون نصيبها الثلث إذا اجتمعت مع الأنثى ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ لها النصف مما ترك الوالد أو الوالدة، والباقي لسائر الورثة حسب النص.\n﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إن كان للمتوفّى أو المتوفاة ولد أو أكثر فيأخذ كل من أبويه السدس ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ بما في ذلك أولاد الابن ﴿وَوَرِثَهُ أَبَواهُ﴾ فقط ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مما ترك، والباقي لأبيه، وفي حال وجود زوج للمتوفى فيأخذ الزوج نصيبه، ثم تأخذ الأم ثلث ما بقي، ويأخذ الأب الباقي ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ إن كان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورا أم أناثا ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ هؤلاء الإخوة أو الأخوات يحجبون حصة الأم من الثلث إلى السدس، والجمهور على أن الأخوة والأخوات لا يرثون شيئا، ويأخذ الأب خمسة أسداس.\n﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها﴾ أي يكون قد أوصى بها الميت ولا تكون في أكثر من ثلث المال ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ أول ما يخرج من التركة ديون المتوفّى ولو","vol":"1","page":316},{"text":"استهلكتها بالكامل فلم يبق للورثة شيء، فإن فضل بعد الدين شيء أخرجت الوصية من ثلث ما بقي إن كان للميت وصية، وما بقي بعد ذلك يوزع على الورثة حسب النص، وقد وردت الوصية في الآية قبل الدين، لأنه ليس كل ميت يكون مديونا بالضرورة، وبالمقابل يستحب لكل مسلم أن يوصي قبل موته وفي الحديث «ما حق امريء مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة»، والوصية تنصرف إلى ما لا يزيد عن ثلث المال وتكون لصالح من لا يرثون الشخص من أقاربه أولا ثم لأعمال الخير ثانيا ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ لأن العقول البشرية عاجزة عن الإحاطة بالمصلحة والحكمة من تقدير المواريث، وقد يستحسن المرء ما هو في غير صالحه، والعكس ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي إن ما تقدم من أحكام الميراث قد فرض عليكم فريضة ﴿إِنَّ اللهَ كانَ﴾ كان منذ الأزل ولم يزل، فهو تعالى منزّه عن الزمان ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عليما محيطا بمصالح عباده حكيما فيما يفرضه عليهم.\n\n<span id=\"aya-505\"></span>﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (١٢)\n١٢ - بعد بيان إرث القرابة، ينتقل الخطاب لبيان إرث المصاهرة:\n﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ﴾ أي زوجاتكم اللواتي دخلتم بهنّ ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ لا ذكر ولا أنثى ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم، واتفقوا أنه لا فرق بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ للزوج في هذه الحالة ربع تركة زوجته بعد قضاء دينها أولا، ثم إنفاذ وصيتها في ما لا","vol":"1","page":317},{"text":"يزيد عن ثلث المال الباقي إن كان لها وصية ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ لا ذكر ولا أنثى ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ ذكر أو أنثى، واحدا أو أكثر ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ سواء كانت زوجة واحدة أو أكثر، يشتركن جميعا بالتساوي في الربع أو الثمن ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ بعد قضاء دين الرجل ثم إنفاذ وصيته كما ذكر في شرح الآية (١١)، وليس لوارث شيء إلا مما يفضل عنهما، والجمهور على أن حقوق الزوجية مقدمة على غيرها، أي إن الزوج أو الزوجة يأخذ أحدهما نصيبه والباقي يوزع على الأولاد والوالدين.\nثم بيان إرث الكلالة:\n﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ﴾ إن كان الميت ذا كلالة أو كانت المتوفاة ذات كلالة أي ليس له أو لها ولد ولا والد، والكلالة تطلق على ذوي القربى المحيطين بالميت من غير الأصول والفروع، لأن الإخوة والأخوات لا يرثون في حال وجود الأولاد أو الوالد، وتطلق الكلالة أيضا على المورّث نفسه إن لم يكن له ولد ولا والد ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ المقصود هو الأخ أو الأخت من الأم فقط، لأنهم استحقوا السدس أو الثلث فقط وهو حصة الأم فيما لو كانت موجودة، وأما الأخ أو الأخت من أب، أو أب وأم معا، فقد ورد حكمهما بالآية (١٧٦) في آخر السورة ﴿فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ لا فرق بين الأخوة والأخوات ذكورهم وأناثهم لأنهم جميعا حلوا محل الأم فاستحقوا الثلث بالتساوي، وهو نصيب الأم لو كانت موجودة، وقيل إنهم لا يرثون شيئا مع وجود الأم أو الجدّة أو البنت أو بنت الإبن.\n﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته، وقد ورد الإضرار في وصية إرث الكلالة دون ما قبله لكونه أكثر","vol":"1","page":318},{"text":"احتمالا إذ قلما يعمد المرء إلى مضارة الوالدين أو الأولاد أو الأزواج ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ أي يوصيكم الله تعالى بذلك وصية، ووصيته تعالى فرض ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ عليم بمصالح عباده محيط بها مما لا يحيط به العقل البشري، وعليم بمن ظلم في الوصية أو عدل بها ﴿حَلِيمٌ﴾ حليم على الظالم لا يعاجله بالعقوبة بل يترك له فرصة التوبة.\n\n<span id=\"aya-506\"></span>﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ في أحكام المواريث خاصة، وفي جميع الأحكام المذكورة من بداية السورة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-507\"></span>﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ في الحدود المذكورة سابقا أو بشكل عام ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-508\"></span>﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١٥)\n١٥ - ذكر الرازي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه بعد أن أمر تعالى بالإحسان إلى النساء، وبيّن حقوقهنّ، أضاف تعالى إلى ذلك بيان ما عليهن من العقاب إذا أتين الفاحشة فقال عزّ من قائل:\n﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ اللاتي واللواتي جمع التي، ونسائكم أي زوجاتكم، وأجمعوا أن المقصود بالفاحشة هنا الزنا ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ لأنه إذا اتهمت المرأة بالزنا فلا تثبت عليها التهمة ولا يقام عليها الحد إلا بأن يشهد على الفعل أربعة من المسلمين ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ تحبس المرأة في البيت إذا شهدوا عليها بالزنا، وقالوا إن هذا دليل على","vol":"1","page":319},{"text":"تحريم إمساكهن في البيوت ومنعهن من الخروج لغير هذا السبب إطلاقا، أي لمجرد الغيرة مثلا، أو لمجرد التحكم بهن كما يفعل البعض ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ كي لا يتكرر ذلك منهن إذا خرجن من البيوت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ أن يجعل الله لها نصيبا في الزواج بعد التوبة.\nوقيل بالجلد كما ورد في سورة النور [النور: ٢٤/ ٢]، لقوله تعالى بالآية (٢٥) في عقاب المحصنات: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ بالزواج ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ وهي الزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ﴾ المسلمات ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ أي عقاب الكتابيات المتزوجات نصف عقاب المسلمات المتزوجات، فعذاب المحصنات المسلمات مائة جلدة، وهو السبيل الذي جعله لهنّ الله في هذه الحالة.\n\n<span id=\"aya-509\"></span>﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ (١٦)\n١٦ - بعد أن ذكرت الآية المتقدمة حالة اللواتي يرتكبن الفاحشة من الثيّبات والمحصنات بالأزواج، تنتقل هذه الآية إلى حالة الرجل والمرأة اللذين يرتكبانها:\n﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ﴾ الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة، وقيل هما البكران اللذان لم يحصنا، وقد ذكر الطبري أن العرب إذا أرادت الوعيد للاثنين لا تقول: اللذان يفعلان كذا فعليهما كذا إلا أن يكون فعلا لا يحدث سوى من جنسين مختلفين أي الذكر والأنثى، أما الوعيد للإثنين من الجنس الواحد فيدخل في الجمع كقولهم: الذين يفعلون كذا فعليهم كذا ﴿فَآذُوهُما﴾ أي بالجلد، كما ورد في آية [النور: ٢٤/ ٢]، ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ لا يجوز التعرض لهما بعد ذلك إن تابا وأصلحا أعمالهما ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ لأن الله تعالى رحيم يقبل التوبة من عباده.\nوأما ما ذكره البعض من أن الآية تشير لحالة الشذوذ بين الذكور فينقضه كلام الطبري من جهة، ومن جهة ثانية لأنّ عقوبة اللواط أشد من ذلك بكثير.","vol":"1","page":320},{"text":"<span id=\"aya-510\"></span>﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ المعنى أنّ الهداية إلى التوبة والإرشاد إليها والإعانة عليها كل ذلك على الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ في حق من يرتكب الذنب على سبيل الجهالة، وقد وردت كلمة السوء بصيغة المفرد، والمغزى أن عمل السوء ليس متكررا من صاحبه، وقالوا أيضا أن كل من عصى الله سمّي جاهلا وسمّي فعله جهالة كما في قوله تعالى على لسان يوسف ﵇ ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٣٣].\n﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ورد في تفسير المنار أن هذه الآية بيّنت الوقت الذي تقبل فيه توبة المذنب، والآية التالية بيّنت وقت فوات التوبة، أما بين الوقتين فقد سكت القرآن عنه فهو بين الرجاء والخوف، فكلما قرب وقت التوبة من وقت ارتكاب الذنب كان الرجاء أقوى، وكلما بعد الوقت بالاصرار وعدم المبالاة والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح، ولا ينافي ذلك ما ورد في الحديث «أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» فإن المقصود من ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يقنط من رحمة الله وييأس من التوبة ما دام حيا، وليس المقصود أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب حتى ما قبل الموت ولو بساعة فذلك مخالف لهدي القرآن ﴿فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ الذين يتوبون من قريب ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لأنه تعالى عليم بشؤون عباده حكيم في قبول التوبة منهم.\n\n<span id=\"aya-511\"></span>﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ لاحظ صاحب المنار أن «السوء» في الآية السابقة","vol":"1","page":321},{"text":"ورد بصيغة المفرد وفي هذه الآية وردت «السيئات» بصيغة الجمع، والمعنى أنّ من كانت حياته كلها سيئات لا تقبل توبته إذا حضره الموت ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ الذين يعملون السيئات ويسوّفون توبتهم إلى حضور الموت هم مثل الكفار الذين يموتون على الكفر لأن كل واحد منهما يكون قد تجاوز أوان التكليف وفاته الاختبار وقت حضور الموت ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-512\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١٩)\n١٩ - استمرار الخطاب في حقوق النساء: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ حرّم تعالى وراثة نكاح النساء، وهو ما كان عليه الناس في الجاهلية، فكان الرجل منهم إذا مات وترك امرأة ورثها بعض أقاربه كما يورث المتاع يتصرّفون بهن كيف يشاؤون يتزوجها الوارث أو يزوّجها غيره، ولفظ كرها، بمعنى الإكراه أو الكره، ليس قيدا أو شرطا وإنما هو بيان للواقع الذي كانوا عليه، والمعنى أيضا لا يحل لكم أن ترثوا أموال النساء بأن تمسكوهنّ ضرارا على كره منهنّ حتى يمتن فترثوهنّ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ العضل هو التضييق والمنع والشدة، ومنه الداء العضال، فيكون العضل في هذه الحالة أن يلجأ الزوج إلى الإضرار بزوجته إذا كرهها فيحبسها ويشدد عليها حتى تفتدي نفسها منه بأن تدفع له من مهرها أو ممّا قد يكون أعطاها ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الفاحشة في هذا المعنى هي الزنا، وقيل أيضا النشوز وسوء العشرة، كأن تستعصي المرأة على زوجها وتبغضه وتفحش له القول فيحق للرجل عندئذ أن يطلب منها الخلع حتى يأخذ منها ما أعطاها من المهر ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الإحسان في عشرة النساء ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ لعيب أو سبب ما ممّا لا يعتبر ذنبا لهنّ فاصبروا ولا تعجلوا","vol":"1","page":322},{"text":"بمفارقتهنّ ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لأن الإنسان لا يعرف على وجه اليقين أين يكون الخير.\n\n<span id=\"aya-513\"></span>﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ وهي لم تأت بفاحشة مبينة ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ أي مالا كثيرا ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ بل يجب أن يبقى المال بكامله لصاحبته لأن ترك الزوجة كان بناء على رغبة الرجل دون ذنب منها، والاستبدال مبني على غالب الأحوال وهو لذلك ليس شرطا لعدم أخذ شيء من المال من الزوجة، إذ حتى لو طلقها الرجل دون أن يتزوج غيرها فلا يحل له أخذ شيء منها ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ البهتان هو الباطل أو الكذب الذي لشدّته يدهش المرء ويسكت متحيرا منه، فيكون البهتان هو أخذ المال منها دون وجه حق أو اتهامها بالفاحشة كذبا كي يأخذ المال منها.\n\n<span id=\"aya-514\"></span>﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ لأي سبب وأي مبرر تأخذون منها المال؟ وقد حصل منتهى الاتصال بينكم بالجماع وحصلت الألفة بينكم ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ لأن المرأة عندما تترك أهلها وتقدم على الزواج تكون على قناعة بأن عشرتها الجديدة وصلتها بالرجل سوف تكون أقوى من أي رابطة أخرى ومعيشتها معه سوف تكون أفضل من أي معيشة، فذلك هو الميثاق الفطري الذي يعتبر من أشد المواثيق بين مخلوقين (المنار).\n\n<span id=\"aya-515\"></span>﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾.","vol":"1","page":323},{"text":"٢٢ - ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ لأنّ الرجل منهم في الجاهلية كان إذا توفي عن امرأته صار ابنه أحق بها فينكحها إذا شاء إن لم تكن أمه ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ما قد سلف منكم في الجاهلية لا تؤاخذون عليه إن تركتموه في الإسلام ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ شديد القبح ﴿وَمَقْتًا﴾ أي ممقوتا مقتا شديدا وهو أشد البغض عند ذوي الطباع والفطرة السليمة ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾ أي ساء طريقا ذلك النكاح الذي اعتادوه في الجاهلية.\n\n<span id=\"aya-516\"></span>﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أن تنكحوهنّ بمن في ذلك الجدّات من جهة الأب أو الأم، وهو تحريم نكاح الأصول ﴿وَبَناتُكُمْ﴾ وتشمل بنات الأولاد وبنات البنات، وهو تحريم نكاح الفروع ﴿وَأَخَواتُكُمْ﴾ سواء كنّ شقيقات لكم أو كنّ من جهة الأب وحده أو الأم وحدها ﴿وَعَمّاتُكُمْ﴾ أخوات الآباء والأجداد ﴿وَخالاتُكُمْ﴾ أخوات الأمهات والجدّات ﴿وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ﴾ من جهة أحد الأبوين أو كليهما، بمن فيهنّ بناتهما ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ سمّى تعالى المرضعة أمّا للرضيع وبنتها أختا له، واتفقوا أيضا أن زوج المرضعة يعتبر أبا للرضيع فتحرم عليه أصول وفروع الرضيع - ولو من غير المرضعة - ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ تشمل أم الزوجة وجدّاتها ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الربائب جمع ربيبة وهنّ بنات زوجاتكم من زوج سابق ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح بناتهنّ إن فسختم عقد الزواج قبل الدخول ﴿وَحَلائِلُ﴾ زوجات ﴿أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ بخلاف أبنائكم","vol":"1","page":324},{"text":"بالتبني ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نكاح الأختين معا وإن كانتا أختين من الرضاعة، واتفقوا أيضا على حرمة الجمع بين البنت وخالتها أو عمتها ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ منكم في الجاهلية قبل النهي ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فلا تؤاخذون عليه إن تركتموه في الإسلام.\nويلاحظ في الآية أنه تعالى ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه، فدخل في الأمهات الجدّات، وفي البنات بناتهنّ وبنات الأولاد إلخ.\n\n<span id=\"aya-517\"></span>﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ تتمة الخطاب، أي وحرّم عليكم نكاح المحصنات من النساء أي ذوات الأزواج، ويقال أحصنت المرأة إذا تزوجت، والمعنى تكون في حصن الرجل وحمايته، وقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ أي إطلاقا، لأن عقد الزوجية محترم مطلقا لا فرق فيه بين المؤمنات والكافرات، والحرائر والإماء، فيحرم نكاحهنّ إن كنّ متزوجات ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ بعقد نكاح شرعي ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ كتب الله عليكم تحريم الأنواع المذكورة من النساء كتابا مؤكدا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ سوى المحرّمات المذكورات ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ بأن تدفعوا مهر الزوجة ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي متزوجين متعففين عن الزنا ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين ﴿فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي بالزواج منهنّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ المهر فريضة ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ لا حرج عليكم في زيادة أو نقصان المهر بعد ذلك إذا تم بالتراضي بين الطرفين ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بمصالح عباده ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيرها.","vol":"1","page":325},{"text":"<span id=\"aya-518\"></span>﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ في حال تعذّر الإمكانية ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ ذكر المودودي أن إحصان المرأة على درجتين فالمرأة تكون محصنة أوّلا من قبل عائلتها، ثم بعد أن تتزوج تصبح محصنة أيضا من قبل زوجها، وذكر عدنان الرفاعي أن الإحصان بالنسبة لغير المسلمة أن تدخل الإسلام وتعمل بأحكامه، وفي هذه الحالة ينصرف المعنى إلى المحصنات بالإسلام ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي إن تعذّر نكاح المسلمة فلينكح من الفتيات المؤمنات من أهل الكتاب الواقعات تحت ولايته، لأن نكاح المشركات غير جائز، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٢١]، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ المسألة متعلقة بالعقيدة، والله تعالى أعلم بالسرائر ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لأن الجميع خلق الله ويفضل بعضهم على بعض بالتقوى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ بعقد نكاح شرعي ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهي مهورهنّ تعطى لهنّ بالمعروف أي بغير إضرار ولا مماطلة ولا نقصان ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أي محصنات لكم ولأنفسهنّ، غير مستأجرات للبغاء جهرا ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ لا تكونوا لهنّ أخلاّء سرّا، وكل ذلك تأكيد أن الوطء لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي مهما كانت منزلة المرأة، مسلمة أو غير مسلمة، حرّة أو أمة،\n﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ بالزواج ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ وهي الزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ﴾ المسلمات ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ عقاب الكتابيات المتزوجات نصف عقاب المسلمات المتزوجات، أي نصف الحدّ المذكور في الآية (٢)﴾ من","vol":"1","page":326},{"text":"سورة النور ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي ذلك الترخيص بنكاح الكتابيات هو لمن خشي المشقة والشدّة والوقوع في الإثم في حال تعذّر نكاح المسلمة ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المعنى عدم التشجيع على نكاح الكتابيات ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للضرورات التي سبق بيانها، هي من باب المغفرة والرحمة منه تعالى.\n\n<span id=\"aya-519\"></span>﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي يريد الله ذلك التحليل والتحريم لأجل أن يبين لكم ما فيه مصلحتكم وسلامة فطرتكم ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن الشرع الذي نزل على جميع الأنبياء يتضمن التوازن بين الحاجات الجسدية والروحية للإنسان ولا مجال فيه للتطرف كالرهبنة والزهد عن النساء، ولا للغلو في إشباع الغرائز الجسدية فقط ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ فيما سلف منكم في الجاهلية خلاف ذلك ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ علمه محيط بمصالح عباده وأحكامه مطابقة لها.\n\n<span id=\"aya-520\"></span>﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يقبل توبتكم إذا تخليتم عن المعاصي ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ يودّ أعداء الدين إفسادكم بأن تميلوا وتنحرفوا عن الفطرة السليمة وتتبعوا الشهوة الحيوانية بلا مبالاة ولا قيود ويكون غرضكم من الحياة التمتع بالشهوات الحيوانية والمادية فقط، انظر آية [آل عمران: ٣/ ١٤٩].\n\n<span id=\"aya-521\"></span>﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ إذ لم يجعل لكم في الدين من حرج، وشرع لكم من الأحكام بحيث يكون هنالك توافق وانسجام بين متطلبات","vol":"1","page":327},{"text":"الجسد والغريزة وبين متطلبات النفس والروح، بلا تناقض ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ من حيث ميله إلى الشهوات الدنيوية فلا يحتمل التضييق عليه في الاستمتاع بها.\n\n<span id=\"aya-522\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢٩)\n٢٩ - بعد أن بيّنت السورة كيفية التصرف بأموال اليتامى، ونهت عن إيتاء المال للسفهاء لوجوب استخدامه على الوجه السليم وبما لا يضر المجتمع، وحدّدت تداول المال بالإرث، وأوضحت أن الإنسان خلق ضعيفا يميل إلى الشهوات وإلى متاع الدنيا، تنتقل هذه الآية إلى النهي عن تداول المال بالباطل:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ لا تستولوا على أموال الغير بلا وجه حق سواء بالقوة أو بوسائل أخرى كالغش أو التدليس أو الخيانة أو الميسر أو السرقة أو الربا، وقد أضاف تعالى الأموال إلى الجميع فلم يقل لا يأكل بعضكم أموال بعض بل قال أموالكم وذلك تنبيها على تكافل الأمة في الحقوق والمصالح، وبمعنى أنه إذا استباح أحدكم أكل مال الآخرين بالباطل فكأنه أباح للغير أكل ماله بالباطل أيضا، فكما يدين يدان ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ فعندئذ يكون أكل المال بالحلال، وقيل أيضا إنّ (إلاّ) بمعنى (ولا) فيكون المعنى لا يحل لكم أن تأكلوا أموال الغير بالباطل حتى لو كان ذلك بموافقة الغير وهو الطرف الضعيف، وسوف يرد بالآية (٣٢)﴾ النهي عن تمنّي أموال الآخرين بما قد يؤدي للقتل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا وهو تحريم القتل والاقتتال بين المسلمين، وإضافة الأنفس إلى الجميع من قبيل التعبير عن تكافل مجموع الأمة ووحدتها قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٥/ ٣٢]، كما أنّ قتل الإنسان لغيره يؤدي إلى قتله قصاصا أو ثأرا فكأنّما قتل نفسه ﴿أَنْ﴾","vol":"1","page":328},{"text":"﴿اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فمن رحمته تعالى أن جعل إتلاف الأموال والأنفس بالباطل محرما.\n\n<span id=\"aya-523\"></span>﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا﴾ لا خطأ ولا اقتصاصا ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ فلا ينجو من عقاب الله في الآخرة، وإن لم يعاجله بعقوبة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-524\"></span>﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ بعد أن نهى تعالى عن أكل الأموال بالباطل وعن قتل الأنفس، وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، نهى أيضا عن سائر الكبائر وهي المعاصي الكبيرة، والأحاديث الصحيحة في عددها متنوعة، ومنها الشرك بالله، وقتل النفس، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي من الزحف، وقذف المحصنات، وشهادة وقول الزور، واليمين الغموس، وكان النبي ﷺ يذكر في كل مقام ما تدعو إليه الحاجة منها، فلم يكن قوله للحصر ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ وهي الذنوب الصغيرة لا نؤاخذكم عليها ما اجتنبتم الكبائر، وفي تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر نقرأ قوله تعالى: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف:\n١٨/ ٤٩]،\n﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ بضم الميم، أي تدخلون عالم البرزخ أو الدار الآخرة مكرّمين.\n\n<span id=\"aya-525\"></span>﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي بالأرزاق الدنيوية، والآية متصلة بقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾","vol":"1","page":329},{"text":"لأن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل يتطلب عدم تمني أموال الآخرين والطمع فيها وحسد أصحابها، وتفضيل بعض الناس على بعضهم الآخر بالكسب الدنيوي على سبيل الابتلاء ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا﴾ أي ممّا اكتسبوا من الفضل بجهودهم أو بالميراث، ولأن الفضل ينال بالجهد وليس بالتمني ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ﴾ بجهودهنّ أو بالميراث، والتمييز بين الرجال والنساء عائد لخصوصية ووظائف كل منهما الفطرية ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لأنه مهما كانت براعة الإنسان في طلب الرزق الكسبي فهو يحتاج للتوفيق الإلهي بما هو خارج عن الإرادة البشرية ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هو العالم بتوزيع الأرزاق على عباده، والحكمة منها.\n\n<span id=\"aya-526\"></span>﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (٣٣)\n٣٣ - تتمة الخطاب في المواريث: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الموالي هم الورثة أي الذين لهم الولاية على الإرث ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ هم الزوج والزوجة لأن النكاح يسمّى عقدا قال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٣٥]، وهنا ذكر تعالى الوالدين والأقربين والزوج والزوجة جميعا، والمعنى لكلّ مال جعلنا موالي، أي ورثة يلون الوالدين والأقربين والزوج والزوجة في حيازة المال، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون الوالدان والأقربون والأزواج هم الورثة فيكون تقدير الآية: ولكلّ امريء جعلنا ورثة يرثون ماله، والورثة هم الوالدان والأقربون والزوج أو الزوجة، وعندها يلزم الوقف بعد كلمة ﴿تَرَكَ،﴾ ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الإرث حسبما نصّ عليه الشرع ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ فيحاسبكم على عملكم.\n\n<span id=\"aya-527\"></span>﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾","vol":"1","page":330},{"text":"﴿فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٣٤)\n٣٤ - تتمة الخطاب من الآية (٣٢)، وقد ذكر الزمخشري أن قوامة الرجل على المرأة إنما تستحق بالفضل، وهو مفهوم الآية، وليس بالتغلب والقهر والاستطالة: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ تقدير الخطاب: الرجال قوّامون على رعاية النساء - بحذف المضاف - وحذف المضاف شائع في التنزيل كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩٤] أي على لسان رسلك، وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٦١] أي على مرأى أعين الناس، والمعنى أن الرجال يقومون على النساء بالرعاية والإنفاق والحماية والولاية، وهذه القوامة هي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٢٨].\n﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي سبب هذه القوامة أنه تعالى فضّل الرجال على النساء ببعض الأمور الفطرية وبالميراث، وفي تفسير المنار أنّ قوله تعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ ذو مغزى إذ لم يقل بما فضّلهم عليهنّ ومعنى ذلك أن الرجل والمرأة أحدهما من الآخر أي هما بمنزلة الأعضاء من جسد الشخص الواحد وبحيث يكون الرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة باقي الجسد، وهذه القوامة هي للرجل في بيته وداخل أسرته فقط، وأيضا فإنّ التفضيل عام أي لجنس الرجال على جنس النساء وليس تفضيلا لكل رجل على كل امرأة، إذ هنالك الكثير من النساء اللواتي يتفوّقن على الرجال في العلم والعمل والكسب ﴿وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ لمهر الزوجة وبما يجب عليهم من النفقة على الزوجة والأولاد ﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ أي إنّ الصالحات منهنّ مطيعات لله ولأزواجهنّ بالمعروف ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يحفظن حرمة وأسرار الزوجية ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ لأن الله أمر بحفظها.","vol":"1","page":331},{"text":"﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ بعد أن ذكر تعالى الصالحات منهنّ ذكر الآن غير الصالحات، والنشوز في الأصل هو الارتفاع فتكون الناشز هي التي تسيء السلوك مع زوجها وتسيء معاملته مترفّعة عليه، فعلى الزوج أن يبدأ معها بالموعظة الحسنة ﴿وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ﴾ وأجمعوا أنّ الضرب يكون رمزيّا فهو بالسواك أو بمنديل، ويراعى فيه التخفيف على أبلغ الوجوه، ولا يكون على الوجه، وكلّما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به (الرازي)، وفي كل الأحوال فإن الضرب لا يكون إلا لسبب جوهري، وليس ناتجا عن نزوة الزوج ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي إن أطعنكم بإحدى هذه الأساليب فلا تبغوا بالتجاوز إلى غيرها، والمفهوم أن جميع هذه الأساليب خاصة بالناشز فقط، وأما الصالحات القانتات فلا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح، فضلا عن الهجر والضرب (المنار)، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فسلطانه عليكم أعلى من سلطانكم على نسائكم، والمقصود زجر الرجال عن ظلم النساء.\n\n<span id=\"aya-528\"></span>﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ فيما يتعلق بالناشز أو بالقوامة، وتقدير الخطاب: إن خفتم شقاقا بينهما أي بين الزوجين ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها﴾ والخطاب عام يدخل فيه الزوجان وذوو القربى والجيران والمعارف ممن يريد السعي للإصلاح، وكون الحكمين من أهله وأهلها على سبيل التفضيل لأنهما قد يكونا أدرى بظروف الزوجين الشخصية، ولا يشترط أن يكونا من الأهل ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ إن كانت النيات حسنة وصحّت إرادة الإصلاح لدى الحكمين أو الزوجين فالتوفيق كائن بإذن الله ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي عليم بمصالح الزوجين وخبير بالنوايا.","vol":"1","page":332},{"text":"<span id=\"aya-529\"></span>﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ (٣٦)\n٣٦ - استمرار الخطاب في تنظيم المجتمع، وبيان صلة الأرحام والإحسان:\n﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ﴾ والعبادة تكون بالطاعات، كما أن إخلاص النية يجعل من الأعمال العادية عبادات فالعامل والزارع وغيره إذا أتقنوا أعمالهم بأمانة وبقصد إعالة من يعتمد عليهم من الأهل ولمساعدة المحتاجين ولإفادة الصالح العام فيكون عملهم من أفضل العبادات ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ النهي عن الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن الكونية المعروفة، وأيضا عدم الخضوع الأعمى لسلطة بشرية ممّا فيه معصية الخالق ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهو أن يكون المرء في غاية الأدب مع الوالدين قولا وعملا وأن يكفيهما ما يحتاجان وفق استطاعته، دون أن يؤثر ذلك على حريته واستقلاله الشخصي عنهما ﴿وَبِذِي الْقُرْبى﴾ وأحسنوا إلى ذوي القربى، وفي الحديث:\n«أمك وأباك وأختك وأخاك ثمّ أدناك أدناك»، ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ الجار ذي القربى هو الجار القريب أي من نفس القوم أو الجماعة، وليس المعنى أنه قريب بالنسب لأن ذوو القربى سبق ذكرهم، أما الجار الجنب فهو الجار الغريب بمن فيه من هو على غير الاسلام لأنه ﷺ عاد جاره اليهودي، وفي الحديث «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ وهو الصاحب الملازم له في السفر أو في العمل، وقيل أيضا هو الزوج أو الزوجة ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر الذي انقطع في السفر واللاجيء واللقيط ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ بالزواج، وقيل هم العبيد والإماء، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ حين حضره الموت أوصى قائلا:\n«الصلاة وما ملكت أيمانكم»، والإحسان إلى العبيد يكون بتحريرهم ﴿إِنَّ اللهَ﴾","vol":"1","page":333},{"text":"﴿لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ وهو المتكبر المتطاول على أقاربه وجيرانه وأصحابه.\n\n<span id=\"aya-530\"></span>﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ استمرار الكلام من الآية السابقة والمعنى أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، ولا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يضنّوا به على الناس ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ لأنهم كفروا النعمة، أي كتموها، لأنّ الكفران في الأصل هو التغطية.\n\n<span id=\"aya-531\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ﴾ لأن قصد المرائي من الإنفاق هو مجرد التطاول والكبرياء على الآخرين، والآية معطوفة على ما قبلها أي إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا البخلاء الآمرين بالبخل ولا الذين ينفقون أموالهم رياء ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المرائي ينفق لأغراض ومطامع دنيوية فهو لا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ لأن وسوسة الشيطان تؤدي بصاحبها إلى البخل والرياء، لقوله تعالى:\n﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦٨].\n\n<span id=\"aya-532\"></span>﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ أي إن إنفاقهم بلا إيمان ولمجرد المراءاة هو مثار لتعجب الناس من سلوكهم لأن المرائين غالبا ما يخسرون الدنيا، وقطعا الآخرة ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ علمه تعالى بإنفاق عبيده يغني عن معرفة الغير بذلك.","vol":"1","page":334},{"text":"<span id=\"aya-533\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ فلا يفوت المحسن من ثوابه شيء، وجزاء السيئة بمثلها ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ تزيد أضعافا ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ بما يغني عن مطامع الدنيا.\n\n<span id=\"aya-534\"></span>﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (٤١)\n٤١ - فبعد كل ما تقدّم لا عذر لأحد بادّعاء الجهل: ﴿فَكَيْفَ﴾ أي كيف يكون حال الخاطئين العصاة يوم الحساب حيث لا يفوت من حسابهم مثقال ذرة ﴿إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ وهم الأنبياء السابقون الذين بعثوا إلى أممهم يشهدون أن الرسالة وصلت إلى تلك الأمم فتحاسب عليها، قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٥]، وقال عزّ من قائل ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٥/ ٢٤]، وقوله ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٦/ ٢٠٨].\n﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ أي جئنا بك يا محمد لتشهد على أمّة الإسلام، لأن الرسول ﷺ بسنته المعتدلة وبسيرته الحميدة العالية يكون حجة على المفرطين.\n\n<span id=\"aya-535\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ في تجاهل واضح للوحي ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ وهم الكفار المشار إليهم سابقا يودّون لو كانوا ترابا تسوّى بهم الأرض، والرسول قد يكون اسم جنس لكافة الرسل فتنطبق الآية على جميع من عصوا الرسل ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ ينكشف ضلالهم ويفتضح أمرهم ويحملون أوزارهم فلا يكتم من أمورهم شيء.","vol":"1","page":335},{"text":"<span id=\"aya-536\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤٣)\n٤٣ - الإشارة إلى الصلاة في هذه الآية تنشأ من ذكر يوم الحساب في الآيات السابقة، لأنّه وقتئذ يواجه المرء خالقه فلا يفوت من حسابه مثقال ذرة، وقالوا:\nأوّل ما يسأل عنه الصلاة، وفي الحياة الدنيا يواجه المرء خالقه في الصلاة، فكان تذكيره ببعض شروطها:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أي لا تصلّوا، ولا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، وأنتم في حالة السكر، والمراد النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر عند قرب وقت الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر وهو وقت القرب من الصلاة لا يدل على نفي الحكم في باقي الأوقات، وقد ينتج السكر أيضا عن تعاطي أي شيء يخل بالعقل، غير مقتصر على الخمر، وقد يشمل سكر النعاس أي غلبة النوم على المرء، والسكر الناتج عن تعاطي بعض العقاقير، وكلّ ما يخل بالاتزان الفكري ﴿وَلا جُنُبًا إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ للجنب عابر السبيل المسافر، أن يصلّي دون الاغتسال، مكتفيا بالتيمم كما سيرد ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وهو حكم الجنب المقيم أن يغتسل قبل الصلاة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ الغائط هو المنخفض من الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث الأصغر، لأنهم كانوا في البادية يتسترون بالمكان المنخفض لقضاء الحاجة ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ كناية عن الجماع، وقيل هو على معناه الظاهر أي حقيقة اللمس المشترك بين الرجل والمرأة ولو باليد ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ويجوز للمريض أن يتيمّم سواء وجد الماء أم فقد، لأن فقدان الماء يبيح التيمم للجميع فلا معنى لضمّه إلى المرض، وإنما يعود قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إلى المسافر والمذكورين بعده، أي إن حكم المسافر","vol":"1","page":336},{"text":"إذا أراد الصلاة مماثل الحكم المتغوّط الموجب للوضوء، أو المجامع الموجب للغسل، فبإمكان كل هؤلاء التيمّم عند فقدان الماء، والجمهور على أنه يجوز التيمم لهؤلاء إن كان وجود الماء مع تعذر استعماله، بسبب حرج كالمرض أو المشقة أو الضرر أو ندرة وجود الماء، مما يجعله كالمفقود ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الصعيد هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره والطيب هو النظيف الطاهر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ تفصيل لكيفية التيمم وهو أمر تعبدّي محض الحكمة منه إبداء إذعان المرء وخضوعه لأمره تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فمن عفوه تعالى أن أسقط وجوب الوضوء والغسل عن المريض وعن المسافر وعن المقيم في حال المشقة، وأباح لهم التيمّم تيسيرا.\n\n<span id=\"aya-537\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - بعد كل ما تقدم من توجيهات تنظيم الإسرة والمجتمع، تعود الآيات إلى الموضوع الرئيسي في القرآن الكريم وهو مسؤولية الإنسان عن أعماله، وبالذات مسؤوليته في التجاوب تجاه الهدي الإلهي الذي نزل على الأنبياء، لأن من سبق من الأمم، كاليهود، اكتفوا من الدين بالظواهر والمراسم، وتركوا الجوهر والهدف:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ومن ثمّ لأمّته جمعاء، والذين أوتوا نصيبا من الكتاب هم في هذه الآية اليهود بدليل ما سيرد، والنصيب من الكتاب معناه أنهم لم يحفظوه بل أضاعوا ونسوا قسما منه، ثم إنهم لم يعملوا بالنصيب الذي بقي لديهم، انظر شرح الآية (٣)﴾ من سورة آل عمران ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ يشترون الزعامة الدنيوية ودنيا المادة ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ يخطّطون ويعملون لإضلال الآخرين، والسبب مذكور في آيات [البقرة: ٢/ ١٠٥، ١٠٩]، كان المسلمون شديدي الحرص على تألّف اليهود لكونهم","vol":"1","page":337},{"text":"من أصحاب الوحي الأول، فكانوا لذلك يتوقعون من اليهود الانضمام إليهم في الصراع الذي وقع بين الإسلام والوثنية، غير أن اليهود كانوا عند أسوأ الظن، فجابهوا الإسلام بكل ما استطاعوا من إساءة.\n\n<span id=\"aya-538\"></span>﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ﴾ الله تعالى أعلم منكم بما في نفوس أعدائكم من النفاق والكيد والخديعة في الخفاء والعلن، مع إظهارهم الرغبة في نصيحتكم وموالاتكم ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا﴾ فهو يتولّى أموركم وإرشادكم إلى ما فيه خيركم ﴿وَكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ فيوفقكم للعمل بما فيه أسباب النصر، فلا تغترّوا بغيره ولا تطلبوا النصر من سواه، وعليكم اتباع سننه في الأسباب وهدايته في القرآن.\n\n<span id=\"aya-539\"></span>﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الذين هادوا هم اليهود يتلاعبون بالألفاظ والمعاني، وهو دأبهم قديما وحديثا، ومنهم من تعمّد الحذف والزيادة في كتبهم، وهم الأحبار ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ كأن اليهود يحدّثون أنفسهم قائلين سمعنا الرسالات السماوية وعصيناها، وعصيانهم ينطبق على كل الوحي الذي نزل على موسى ومن بعده من الأنبياء ولا يقتصر على معصية النبي ﷺ، ومن الأعذار الواهية التي يبررون بها معصيتهم زعمهم أنهم شعب الله المختار أبد الدهر رغم ذنوبهم وجرائمهم ﴿وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي يقول بعضهم لبعض: اسمع شيئا لا يستحق السمع، تهكما على كلام النبي ﷺ ﴿وَراعِنا﴾ خطابهم للنبي ﷺ بمعنى أعرنا سمعك، أو أصغ إلينا، والمغزى أنهم ليسوا بحاجة لتعلم شيء من النبي، بل العكس عليه أن يتعلم منهم بزعمهم، وذلك شبيه بقولهم: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٨]، يزعمون أن","vol":"1","page":338},{"text":"قلوبهم مكتفية بما لديها من الدين والعلم ولا يحتاجون للتعلم من غيرهم ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ لا يقصدون بالكلام معناه الظاهر، بل كلمات عبرية مشابهة مبطنة بالشتيمة والتشكيك بالوحي ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا﴾ أي اسمع رأينا، وأمهلنا أيها النبي حتى نفقه حديثك ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ من الإصرار على ضلالهم وتعنتهم ﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن الكفر يحجب الحقيقة عن صاحبه إذ يمنعه من التفكير الموضوعي ويعمي بصيرته فتكون النتيجة أن يحرم صاحبه من رحمة الله، انظر آية [البقرة:\n٢/ ٨٨]، ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ قليلا ما يؤمنون بالصواب، لأن معتقداتهم تمحورت حول ذاتهم وظنّهم أنهم يمتازون عند الله على غيرهم من البشر، ويحتمل المعنى أيضا أنه لا يؤمن بخاتم الأنبياء والرسل ﷺ المذكور في كتبهم إلا القليل منهم.\n\n<span id=\"aya-540\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ المخاطبون هم اليهود، وفي الآية (٤٥)﴾ وصفوا بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب فقط والمعنى أنهم بعد أن أوتوا الكتاب بأكمله وأصبحوا ملزمين به، أضاعوا منه الكثير، فكان خطابهم بأنهم أوتوا نصيبا منه تعبيرا عن عدم تحملهم المسؤولية ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ أي مصدّقا لما تبقي معكم من الصحيح من مبادئ الدين وأركانه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ الطمس هو المحو، والوجوه هو التوجه، بمعنى ما يتوجه إليه المرء من المقاصد، فيكون المعنى آمنوا بما نزّلنا مصدّقا لما معكم من قبل أن نمحو توجهاتكم في الكيد للإسلام، ونردّها عليكم بنصر الإسلام وخذلانكم، أو قبل أن نخلّي بينكم وبين نفوسكم فتتخبطون في الضلال ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ﴾ بموجب الشريعة الموسوية كان المفروض أن يكرّس اليهود يوم السبت للعبادة والراحة والامتناع عن الأعمال","vol":"1","page":339},{"text":"الدنيوية، وكانت الشريعة مشددة عليهم كنوع من التربية الدينية، غير أنهم كانوا ينتهكون الشريعة تهالكا على المصالح الدنيوية، ومع أن الشريعة الموسوية قد نسخت فإن القرآن يشير إليها لبيان العصيان المتكرر لبني إسرائيل مما صار سمة لازمة لهم، انظر آيات [الأعراف: ٧/ ١٦٣] و[البقرة: ٢/ ٦٥]، فيكون معنى الآية دعوة اليهود إلى الإيمان قبل أن يصابوا بالخذلان في الدنيا، أو باللعنة التي أصيب بها أصحاب السبت، وهي حرمانهم من السمو الروحي الذي يتمتع به البشر، وانزلاقهم إلى عبادة المادة فيصيرون بمثابة الحيوانات والقردة، وقد تحقق فيهم العقاب الإلهي وطردوا من الحجاز ومحا الله وجودهم فيه ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ لا رادّ لمشيئته، ولا لسنّته في خلقه.\n\n<span id=\"aya-541\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ تركيز القرآن الكريم على التوحيد غايته تحرير النفس الإنسانية من العبودية ومن التذلل والطاعة لأي نفوذ أو سلطة بشرية أو مادية أو غيبية غير الله تعالى، فتكون سعادة الإنسان بأن يسمو روحانيا، ويكون طليقا عزيزا حرا من عبادة الطواغيت ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ أي أوجد ذنبا عظيما يعود وباله عليه وحده بأن يشقي في الدنيا بعبوديته وخضوعه للوهم، وفي الآخرة باستحقاقه تبعات عمله.\n\n<span id=\"aya-542\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الذين يزكون أنفسهم هم اليهود والنصارى، لأن اليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار إلى الأبد، مهما ارتكبوا من جرائم، ومهما أمعنوا في الضلال، والنصارى يعتقدون أنهم مطهّرون سلفا من الخطايا مهما بلغت، بزعمهم، لأن المسيح ﵇ قد افتدى خطاياهم سلفا على الصليب بالنيابة عنهم وإلى أبد الزمن، والعلاقة واضحة بين هذه الآية","vol":"1","page":340},{"text":"والإشارة إلى الشرك في الآية السابقة، لأن المسيحية جعلت المسيح إلها متجسدا، وأسبغت من صفات الألوهية على قديسيها، ولأن اليهود من جهة ثانية اعترفوا لأحبارهم بسلطة التشريع لدرجة أن أحكامهم صارت تهيمن على الشريعة، انظر آية [التوبة: ٩/ ٣١]، ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ بأن يبعث الرسل إلى البشر فيهدي من يشاء الهداية بأن يوفقه إلى الإيمان والعمل الصالح ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ فيحاسب كل إنسان بعمله فقط، ولا يسأل عن عمل غيره، ولا يشفع له غير ذلك.\n\n<span id=\"aya-543\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وبالتالي لأمته والناس أجمعين، أي تفكروا كيف يختلق هؤلاء لأنفسهم أفكارا وأعذارا ومفاهيم مخالفة لسنة الله الطبيعية في الخلق ﴿وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ وهو إثم الغرور والتبجّح والمكابرة والتعصب بالدين والجنس، إذ حوّلوا الدين إلى جنسية بحتة.\n\n<span id=\"aya-544\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ﴾ اليهود والنصارى، انظر شرح الآيات [٤٤ - ٤٥]، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ الجبت هو الدجل والأوهام والخرافات مما لا أساس له، كأوهام اليهود أنهم أحبّاء الله وشعبه المختار، وأوهام النصارى أن عيسى المسيح افتدى خطاياهم مسبقا بالنيابة عنهم، والطاغوت من المبالغة في الطغيان، وهو كلّ رأس في الضلال سواء كان كاهنا أو زعيما، وسواء كان معبودا بقهر منه لعابديه أو بطاعة ممّن عبدوه، والعبادة بمعنى الطاعة المطلقة للطواغيت مما يكون سببا للطغيان والخروج عن الحق ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ يقولون عن","vol":"1","page":341},{"text":"المشركين عبدة الأوثان: إنهم أهدى من المسلمين، كيدا للإسلام ومكابرة وعنادا وتعصبا.\n\n<span id=\"aya-545\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ اقتضت سنته تعالى في خلقه أن يكون المذكورون في الآية السابقة ملعونين، أي بعيدين عن موجبات رحمته ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ لأنه لا سبيل لتغيير سنته تعالى في الخلق، أنظر آية [الأحزاب: ٣٣/ ٦٢]، فيكون الخذلان نصيب الذين آمنوا بالطغيان والباطل والخرافات.\n\n<span id=\"aya-546\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ المعنى أن اليهود ليس لهم نصيب من الملك، ولو كان لهم فإنهم في منتهى الشح ويرفضون أقل قدر من المنفعة المادية أو الدينية أو الروحية لغيرهم، ولو كان لهم نصيب في الملك لبخلوا على غيرهم بأقل القليل، فهم يستأثرون لأنفسهم بالمال لبخلهم، ويستأثرون بالدين لاعتقادهم بأنهم شعب الله المختار، كما أن الدين بنظرهم دين عنصري حوّلوه إلى مجرد جنسية قومية خاصة بهم، والملك أيضا قد يكون ما يسعون إليه لإعادة ما يظنون أنه ملكهم في فلسطين وبيت المقدس فحينئذ يستأثرون بكل شيء ويضيقون الخناق على غيرهم من أصحاب البلاد.\n\n<span id=\"aya-547\"></span>﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الفضل هنا بمعنى الوحي، والناس هنا هم العرب، وهو من قبيل إطلاق العام على الخاص، أي كيف يحسدون العرب من ذرية اسماعيل على انتقال النبوة إليهم؟ ونظيره قوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾","vol":"1","page":342},{"text":"﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٣ - ٧٤]،\nوفي الآية اشارة واضحة إلى حسد اليهودية والمسيحية للمسلمين بسبب نزول الوحي على النبي ﷺ، ولاعتقادهم باقتصار الوحي على أنبيائهم فقط ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي قد سبق أن آتينا النبوة لإبراهيم وذريته من بني إسرائيل، فكيف يستغربون أن تصير النبوة لذريته من سلالة اسماعيل، انظر شرح آية [البقرة: ٢/ ١٢٢].\nوفي تفسير المنار أنه بعد انتقال النبوة لذرية إبراهيم من إسماعيل، والعرب منهم، فتكون الآية مبشّرة لهم بالملك الذي تبع نبوة النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-548\"></span>﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ من اليهود من آمن برسالة إبراهيم ورسالات ذريته من إسحاق وإسماعيل ومنهم من عصى ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ للعصاة منهم.\n\n<span id=\"aya-549\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ بعد أن بلغتهم وصارت واضحة لهم ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ كناية عن العذاب المقيم لمن أدرك الآيات وكفر بها ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فمن حكمته تعالى أن جعل الكفر والمعاصي سببا للعذاب، وجعل سنته في ربط الأسباب بالمسببات مطردة فهو عزيز غالب على أمره.\n\n<span id=\"aya-550\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا (٥٧)﴾.","vol":"1","page":343},{"text":"٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ فمن حكمته تعالى أن جعل العمل الصالح لازما للإيمان وسببا في تزكية النفس وإعدادها للنعيم المقيم ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ كلمة أزواج في اللغة تنطبق على الزوجين الذكر والأنثى، فهي تعني الزوج أو الزوجة، فالرجل هو زوج المرأة كما أن المرأة هي زوج الرجل، وأزواج مطهّرة أي طاهرة النفس والسريرة، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٥]، ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ لأن الظل عند العرب كان من أعظم أسباب الراحة فصار كناية عنها، والظليل كناية عن المبالغة العظيمة بها، والسعادة الغامرة.\n\n<span id=\"aya-551\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ اتصال الآية بما قبلها أن اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ويؤمنون بالجبت والطاغوت، الآية (٥١)﴾، يزعمون في كتبهم أن غش غير اليهود جائز، وقد قال تعالى عنهم:\n﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٥]، والأمانة قد تكون مادية حسية وقد تكون معنوية، والأمانات هنا تتضمن معنى الرسالات السماوية والتي ينبغي على من نزلت إليهم أن يؤدوها إلى أهلها أي يبلغوها للناس في كل العصور والأمكنة.\nإذ بعد أن شرح تعالى عن أهل الكتاب أنهم يشترون الضلالة ويريدون إضلال المؤمنين، وأنهم يفترون على الله الكذب، وأنهم قالوا عن الكفار إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا، قال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، أي الواجب أن تبلغوا حقائق الوحي إلى الناس ولا تكتموها، ومن باب أولى فإن هذا الأمر ينطبق على المسلمين بعد أن نزل القرآن عليهم فمن واجبهم نشر الرسالة الإسلامية، ولا يمنع انطباق المعنى أيضا على الأمانات المادية وعلى","vol":"1","page":344},{"text":"الوعود والعهود والمسؤوليات المعنوية الشخصية والعامة بما فيها مسؤولية أولي الأمر من المسلمين كونهم مؤتمنين على أمور رعيتهم كما سيرد في تتمة الآية:\n﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والحكم ليس بمعنى الحكومة الإسلامية فقط أو بالمعنى القضائي المجرد، بل هو أيضا بمضمونه العام شاملا حكم الفرد على الآخرين وتقييمه لأعمالهم ودوافعهم وسلوكهم ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو ما تقدم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فلا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم ونياتكم.\n\n<span id=\"aya-552\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥٩)\n٥٩ - بعد أن ذكرت الآيات المتقدمة سلوك الكفار من اليهود وسوء مآلهم، تبين هذه الآية للمؤمنين ما يجب عليهم اتباعه لتجنب ذلك المآل، وقد قال الرازي أن هذه الآية مشتملة على أكثر أصول الفقه لأنهم قالوا إن أصول الشريعة أربع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والآية قررت هذه الأصول الأربعة بالترتيب:\nفالكتاب يشير إليه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ﴾ أي الكتاب ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي السنة.\nوالإجماع يشير إليه قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي أهل الحل والعقد من الأمة بإجماعهم على أمر من الأمور مما ليس في الكتاب والسنة، وهؤلاء غير الأمراء والحكّام لأن أمر المؤمنين بالطاعة جاء في الآية غير مشروط، ممّا يدل أن الطاعة العمياء للأمراء والسلاطين محرّمة، لأنهم قد يأمرون بالظلم، فتكون طاعتهم واجبة فقط إذا اتبعوا الكتاب والسنة، ويحتمل أيضا أن يكون المقصود بأولي الأمر الذين تم اختيارهم بالشورى لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾","vol":"1","page":345},{"text":"[الشورى ٤٢/ ٣٨]، وقيل إن أولي الأمر هم الأمراء والعلماء معا أي مجتمعين، والأمر أمانة في أعناقهم، وهو تعلق الآية بما قبلها.\nأما القياس فيشير إليه قوله: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إن اختلفتم في شيء لا نصّ فيه، أي حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة، فردّوه إلى ما يشبهه في الكتاب والسنة، وهذا القياس هو ما يتعلق فقط بأحكام المعاملات القضائية والسياسية والإدارية، ولا علاقة له بأمور العبادات والحلال والحرام، إذ لا يجوز إضافة عبادة بالقياس أو تحريم شيء لا يدل النص على تحريمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إيمانا حقيقيا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ التأويل هو المآل أي ما تؤول إليه الأمور، فيكون المعنى أن اتباع هذا الأمر هو خير للمؤمنين وأحسن عاقبة لهم.\nوقد رأى الزمخشري أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ موجه إلى الحكام والمحكومين بأن يرجعوا إلى الكتاب والسنة فيما يختلفون فيه.\n\n<span id=\"aya-553\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ السؤال تعجبي موجّه للنبي ﷺ ومن ثمّ إلى أمّته من بعده، والمشار إليهم هم المنافقون بدليل المذكور في الآية التالية ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الطاغوت ما يؤدي إلى الطغيان، والمعنى أنهم يريدون الخضوع لأهوائهم أو أهواء زعمائهم لأغراض دنيوية بحتة، على النقيض ممّا تأمر به الآية المتقدّمة ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ باتباع الأحكام الوضعية.","vol":"1","page":346},{"text":"<span id=\"aya-554\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي احتكموا في أسلوب حياتكم إلى الكتاب والسنة ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ يصدّون عن الطريقة الإسلامية لأن المنافقين يكتفون من الإسلام بالاسم فقط دون العمل به، والأمر ليس مقتصرا على منافقي المدينة المنورة زمن البعثة النبوية، وإنما يشمل المنافقين في كل العصور، لأنّ من لا يملك القناعة التامة والإيمان الكامل بالوحي وبعالم الغيب، أي بوجود حقيقة تخرج عن نطاق الإدراك المادي فإنه يحاول تبرير مواقفه الدنيوية - الطاغوتية - بإلصاق قيمة أخلاقية أو مبرر أخلاقي أو «موضوعي» لكل ما يميل إليه الهوى.\n\n<span id=\"aya-555\"></span>﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كيف يكون حالهم إذا نزلت فيهم المصائب؟ وهي النتيجة الطبيعية لمن يفضّل حكم الطاغوت على حكم القرآن والسنّة، فيكون نزول المصائب بهم بنتيجة كسب أيديهم بحسب سنته تعالى في الأسباب والمسببات ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا﴾ يدّعون أن هدفهم التوفيق بين القرآن وبين نظرتهم الدنيوية المادية للحياة.\nونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١١].\n\n<span id=\"aya-556\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الله وحده مطّلع على ما في قلوبهم من الكيد للإسلام أو الإعراض عنه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إن كانوا مصرّين","vol":"1","page":347},{"text":"على الكفر، لأن ما على الرسول إلا البلاغ، انظر الآية (٨٠)، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ إن كانت الموعظة تفيدهم ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ قولا لعله يبلغ نفوسهم ويؤثر بها.\n\n<span id=\"aya-557\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ المعنى أن الغرض من إرسال الرسل هو أن يلتزم البشر بالشرائع التي نزلت عليهم وليس مجرد الاتباع الظاهري للدين، ثم ابتداع واتباع القوانين الوضعية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ أيها النبي تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الرسول إشارة لجميع الرسل كما في قوله ﴿مِنْ رَسُولٍ،﴾ ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أي يقبل توبتهم ويرحمهم.\n\n<span id=\"aya-558\"></span>﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الكلام عن جملة المكلّفين والمنافقين ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما بينهم من الخلاف ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ أي لا تضيق صدورهم بقضاء الرسول، بل يحصل عندهم القبول والرضا التامّين ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وينقادوا مستسلمين مذعنين لحكمه بلا نزاع، والمغزى أن اتباع السنة النبوية - الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك - واجب على كل مسلم وعلى مر العصور بلا جدال، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٥٦] أي استسلموا لحكم النبي وسنّته الصحيحة مذعنين بلا جدال.\n\n<span id=\"aya-559\"></span>﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾.","vol":"1","page":348},{"text":"٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي كونوا على استعداد للتضحية بأنفسكم في سبيل الله، ولا يقتصر ذلك على القتال وإنما يتجاوزه إلى تكريس النفس لخدمة الدين بالدعوة وبشتى الوسائل، وقد يكون معنى قتل النفس قتل النوازع الشريرة بها ﴿أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ﴾ هاجروا من دياركم في سبيل الله ﴿ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وهو دليل على ضعف جملة المكلّفين من الناس، لأنّ القلّة منهم فقط على استعداد للتضحية بالنفس والديار، ويحتمل أن الكلام في المنافقين فقط، أو المترددين الذين يكتفون من الإسلام بالاسم، ويجبنون ويبخلون عن تقديم التضحيات ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في مصالحهم الدنيوية ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لهم في إيمانهم ودينهم.\n\n<span id=\"aya-560\"></span>﴿وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ كما في الحديث: «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».\n\n<span id=\"aya-561\"></span>﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ بإنقاذهم من قلق التردد والخوف على الدنيا وانشغال الذهن بالتوافه.\n\n<span id=\"aya-562\"></span>﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي الكتاب والسنة كما هو مذكور بالآيات (٥٩) و(٦٥)﴾ ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ الصدّيقين الذين يغلب عليهم الصدق وسلامة الفطرة والسريرة والتمييز بين الحق والباطل، والشهداء بهذا المعنى هم غير المقتولين في سبيل الله، بل الذين يشهدون على صحة الدين بالحجة","vol":"1","page":349},{"text":"والبرهان، وبالقدوة الحسنة بالعدل والإنصاف والقول والعمل والسيرة والأخلاق، كقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٤٣].\n﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ أي إن رفقة هذه الأصناف من الناس هي مما يطمح إليه العاقل.\n\n<span id=\"aya-563\"></span>﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ ذلك الجزاء المذكور للأبرار هو الفضل الأسمى الذي لا يقارن معه فضل آخر ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ بالنوايا والسرائر فيجازي بها.\n\n<span id=\"aya-564\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بأن تكونوا دوما على استعداد للدفاع عن دار الإسلام وبالتحضير لذلك سلفا، وهذه النقطة تتبع بالضرورة من نشوء الدولة الإسلامية المشار لها بالآية (٥٩)، لأنه عندما ينظّم المسلمون أنفسهم في كيان سياسي اجتماعي وفق الأسس القرآنية فيلزم بالضرورة أن يتوقعوا عداوة الأمم والجماعات المعادية للنظرة الإسلامية كسلوك حياتي ونظام اجتماعي عالمي وهذه بالتالي سوف تحاول تدمير الكيان الإسلامي أو إجهاضه، وهكذا فإن مفهوم الجهاد في الإسلام - وهو تعبير عن الحرب الدفاعية المحضة - يلعب دورا أساسيا في المخطط الإسلامي الاجتماعي السياسي ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ ثبات مفردها ثبة وهي الجماعة فيكون المعنى انفروا جماعات وسرايا على قدر الحاجة ﴿أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي نفيرا عاما إذا دخل العدو أرضكم.\n\n<span id=\"aya-565\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وهم المنافقون وضعاف النفوس والجبناء يبطئون أو يتخلفون عن الجهاد ﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ﴾","vol":"1","page":350},{"text":"﴿لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ يكون شكره لله على عدم شهوده الحرب دليلا على ضعف إيمانه.\n\n<span id=\"aya-566\"></span>﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ وهو النصر والغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ لأن المنافقين يفرحون وقت نكبة المسلمين، ويحزنون عند فوزهم، فليس بينهم وبين المؤمنين مودة ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي بالغنيمة، فهم يندمون على فوات الغنيمة التي يعتبرونها فوزا عظيما، غير فرحين بالنصر الذي أحرزه إخوانهم.\n\n<span id=\"aya-567\"></span>﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ دفاعا عن الإسلام ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ أي الذين يبيعون الحياة الدنيا مقابل الآخرة، لأن شرى يشري بمعنى باع يبيع، كما في قوله تعالى في قصة يوسف ﵇ ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ١٢/ ٢٠] أي باعوه، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٠٧] أي يبيعها، وأما اشترى يشتري فهي بمعنى ابتاع يبتاع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ٩/ ١١١]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٣١/ ٦].\n﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لأن قتاله كان في سبيل الله، وليس لأجل الحظوظ الدنيوية أو الحميّة العصبية.\n\n<span id=\"aya-568\"></span>﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾.","vol":"1","page":351},{"text":"٧٥ - ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ أي لأي سبب أو عذر - غير دنيوي - تتركون القتال في سبيل الله وقد بلغ حال المستضعفين من إخوانكم، الواقعين تحت ظلم الكفار، ما بلغ من الضعف وتحمل الاضطهاد، والمعنى لا عذر لكم، والمغزى أيضا أن الهدف من قتالكم هو لضمان حرية العقيدة الدينية للمستضعفين من الناس ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ التي يظلمنا أهلها ﴿وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ اجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، أي كن أنت لنا وليّا ونصيرا، ويحتمل الدعاء أيضا أن يجعل تعالى عليهم رجلا من المؤمنين يواليهم وينصرهم ويحفظ عليهم دينهم.\n\n<span id=\"aya-569\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وهو تعالى مصدر قوتهم بعد أن يتخذوا أهبتهم حسب السنن الدنيوية التي سخرها لهم فيوفقهم للنصر كونهم أصحاب حق ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ الطاغوت من المبالغة في الطغيان، فهم يمنعون حرية الدين ويقاتلون أصحاب الحق، وذلك مصدر ضعفهم مهما كانت قوتهم المادية، ولا يمنع ذلك أن تكون أحيانا بعض الأمم التي لا تدين بالقرآن أقرب إلى أحكامه ممّن يدّعون اتّباعه، فتكون الغلبة لمن يكون أقرب إلى هداية القرآن بالفعل، على من يكون أبعد من الهداية القرآنية وإن انتسب إليها بالاسم ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ بمعنى أن الشرور والمعصية ناتجة من كسب الإنسان وخياره الحر، فكيد الشيطان ليس له من وجود حقيقي سوى أن الإنسان قد يقع ضحية لسوء اختياره.","vol":"1","page":352},{"text":"<span id=\"aya-570\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن الاعتداء على الآخرين، وبعضكم عن بعض، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، وكما يفعلون في كل زمن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ وتحلّوا بالأخلاق الإسلامية من الرحمة والعطف ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾ لسبب مشروع وهو القتال الدفاعي في سبيل الله كما هو مذكور في الآية السابقة ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وهم المنافقون وضعاف النفوس ممّن غلب عليهم حبّ الدنيا يخافون قتال العدو أكثر من خوفهم من الله ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقولون ذلك على سبيل التمني وبغرض التسويف والتهرب من القتال ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ لأنه مهما كان كثيرا فسرعان ما يحين الأجل ويترك المرء متاع الدنيا خلفه ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ من متاع الدنيا ﴿لِمَنِ اِتَّقى﴾ وفي الحديث الشريف «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ فلا ينقص من آجالكم أدنى مقدار، ولا ينقص من أجوركم شيئا مهما قلّ.\n\n<span id=\"aya-571\"></span>﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ الخطاب للمتثاقلين عن القتال المذكورين في الآية السابقة، والمغزى لا مفر من الموت وأسباب الموت في أي مكان ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يقولون: إنه تعالى أكرمهم بها لجدارتهم بها، ظنّا منهم أنهم يستحقونها ﴿وَإِنْ﴾","vol":"1","page":353},{"text":"﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يلقون اللوم على غيرهم لما يصيبهم من السيئات والشرور، ولا يلومون أنفسهم، مع أنهم مخيّرون في اتخاذ القرارات التي تؤدي بهم إلى الخير أو الشر ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ لأن حدوث الحسنات والسيئات يتم وفق سننه تعالى في الخلق وفق نظام الأسباب والمسببات، ولحرية الخيار التي كرّم بها تعالى بني آدم، كما هو موضح في الآية التالية ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ فكيف أنهم لا يفهمون سننه تعالى في خلقه؟\n\n<span id=\"aya-572\"></span>﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أيها الإنسان ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ لأن الخير كله بيده تعالى فينعم به، وفق سننه الكونية، على من يشاء من عباده، المؤمن منهم والكافر، والمستحق ومن لا يستحق، ومن يتّبع سبل الخير يصل إليها ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ لأن الإنسان مخيّر في اتباع الطرق التي تؤدي به إلى الخير أو الشر فيكون ما أصابه من السيئة لعدم فهمه، وعدم اتباعه السنن التي أوجدها تعالى في الخلق ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ أي أرسلناك أيها النبي محمّد إلى الناس كافة، وليس للعرب فقط، لتبين للجميع طريق الخير والحسنات، وليختاروا ما هو في صالحهم إن شاؤوا، وما على الرسول إلا البلاغ ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ على ذلك.\n\n<span id=\"aya-573\"></span>﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ أي من يطع الرسول فيما يبلّغه من الوحي عن ربّه، وما يبيّنه في ذلك، فقد أطاع الله، لقوله تعالى مخاطبا رسوله: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٦/ ٤٤]، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (٥٩ و٦٤ و٦٥ و٦٩) ﴿وَمَنْ تَوَلّى فَما﴾","vol":"1","page":354},{"text":"﴿أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي ليس من شأن الرسالة الإسلامية إكراه الناس عليها، وإنما يؤمن الإنسان باختياره بعد أن تبلغه الرسالة.\n\n<span id=\"aya-574\"></span>﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ وهم المنافقون أو ضعاف النفوس وضعاف الإيمان كانوا يقولون للنبي ﷺ: أمرك طاعة، وذلك غير مقتصر على معاصري النبي فقط، بل يشمل جميع المنافقين وضعاف النفوس في كل العصور من المسلمين بالاسم فقط، ممّن يدّعون طاعة القرآن والسنّة ثم يبطنون غير ما يظهرون ﴿فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي خرجوا من عندك أيها النبيّ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي بيّتوا في نفوسهم أمورا غير ما ادّعوه من طاعتك - وحذفت تاء التأنيث من «بيّت» لتخفيف التقاء التائين مع الطاء - ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ في صحائف أعمالهم فحسابهم على الله، ويبيّن لك أيها الرسول سوء نواياهم بمثل هذه الآيات ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيها النبي، فلا يجوز قتالهم لأنهم يظهرون الإسلام، وإن كانوا يبطنون الكفر ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ فوّض أمرك إليه تعالى فهو محيط بظاهر أعمالهم وباطنها، وهو ناصرك عليهم.\n\n<span id=\"aya-575\"></span>﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي كيف لا ينظرون في القرآن ويتفكروا فيه ويفهموه، والخطاب يشير إلى المنافقين وضعاف الإيمان المذكورين في الآيات السابقة، ومع ذلك فالآية ذات مغزى عام لكل العصور كما هي جميع آيات القرآن الكريم، وهي تدلّ أن تدبّر القرآن فرض على جميع المسلمين كلّ بحسب طاقته، وبالتالي فإن إتقان لغة القرآن واجب على كل مسلم، ويترتّب على ذلك بطلان التقليد الأعمى ووجوب النظر والاستدلال، ولا يمنع ذلك أن يختص أولوا الأمر من المسلمين باستنباط الأحكام العامة في السياسة والقضاء والإدارة كما","vol":"1","page":355},{"text":"سيرد في الآية التالية ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ لأن القرآن نزل منجّما خلال ثلاث وعشرين سنة، وهي فترة النبوة التي حفلت بالأحداث الجسيمة والمتغيرات الاجتماعية والتنظيمية والحروب، والمعروف أن ترتيب النزول الزمني هو غير ترتيب القرآن فقد كان النبي ﷺ، بوحي من جبريل ﵇، يأمر عند نزول كل آية بوضعها في مكانها المحدد من كل سورة، وهو لا يقرأ ما سبق أن كتب في الصحف وإنما يحفظه حفظا، ومن المحال على أي بشر مهما بلغ، إذا كان يأتي بالكلام من عند نفسه، أن يتذكّر تفاصيل ما قاله منذ سنوات ويرتب الكلام في أماكنه الصحيحة، كما أن الصحابة كانوا يحفظون الآيات في صدورهم والكتبة يكتبونها في الصحف فلم يكن هنالك مجال للتنقيح والتغيير والتحرير لو افترض، ومع ذلك نرى القرآن خاليا من التناقض بل في غاية الإعجاز والتماسك والترابط ممّا هو كاف لإقناع المشكّكين، في كل الأزمنة، بأن القرآن لم يكن من تأليف النبي كما يدّعون أو يميلون إلى الاعتقاد، فلا بد إذن أنه كان من مصدر فوق طاقة البشر، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٣٢] أي ورتّبناه ترتيبا محكما.\n\n<span id=\"aya-576\"></span>﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٨٣)\n٨٣ - الخطاب متعلق بالآية (٥٩) لوجوب طاعة القرآن والسنة وأولي الأمر، وبالآية (٧١)﴾ وما تلاها من الآيات بخصوص الجهاد:\n﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ﴾ أي إذا وصل إلى علمهم شيء من خطط المسلمين السرّية تجاه عدوّهم أذاعوه فيبلغ الخبر العدو فيعود","vol":"1","page":356},{"text":"ضرره عليهم، أو إذا سمعوا إشاعات من العدو أو من المنافقين نشروها فيعود الضرر على المسلمين أيضا، والكلام عن المنافقين وجمهرة من المسلمين قليلي الخبرة يذيعون ما يسمعون ويجهلون عواقب عملهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستنبطونه أي يستخرجونه، والمعنى أنهم لو كتموا ما يسمعون من أخبار وإشاعات وأخبروا بها الرسول أو المسؤولين عنهم لكان الأحرى أن يستنبط الرسول أو المسؤولون طريقة التعامل الصحيحة مع هذه الأخبار.\nويحتمل المعنى أيضا أن يعود الضمير في ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ إلى الأعداء ويعود الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ إلى الرسول وأولي الأمر، فيكون المعنى أنه إذا حصل الكتمان من قبل الجمهور وردّت الأخبار إلى الرسول وأولي الأمر فقط، فإنّ الذين يتسقّطون الأخبار ويتجسّسون على المسلمين لن يكون في وسعهم استنباط شيء من المعلومات إلا ما يريد الرسول والمسؤولون إبداءه لمصلحة المسلمين ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، وهديكم إلى طريق الصواب ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ بالبقاء على الضلال والكفر ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ منكم يهتدون بالفطرة.\nوقد يكون المعنى أنه لولا إنعام الله عليكم بالنصر المتتابع لحصل الشك عندكم واتبعتم الشيطان، إلا قليلا منكم من ذوي البصيرة النافذة والإيمان القوي الذين يعلمون أن حصول الدولة والسلطة في الدنيا ليس دليلا أن أصحابها على الحق، كما أن تواتر الهزيمة والانكسار ليس دليلا أن أصحابها على الباطل (ذكره الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني).\n\n<span id=\"aya-577\"></span>﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ الخطاب في الأصل للنبي ﷺ، ومن ثمّ لكل مسلم في كل وقت، والإشارة إلى حرب قائمة أو دفاعية،","vol":"1","page":357},{"text":"وليست تحريضا على المبادرة بالحرب أو العدوان، وقد امتثل النبي ﷺ لأمره تعالى بالثبات وحده في وقعة أحد حين انهزم عنه الناس، وصمد وحده في وقعة حنين حين أعجبت المسلمين كثرتهم ثم انهزموا عنه، والمعنى أيضا دع المنافقين وشأنهم إن لم يقاتلوا معك وحرض المؤمنين فقط ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ما عليك سوى تحريضهم فحسب، لا تعنيفهم، كي يخرجوا للقتال بدافع الإيمان ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذلك بأن تستعدوا وتتهيؤوا لقتالهم ﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ لأن سنّته تعالى سبقت بأن تكون العاقبة لأهل الحق، إذا اتقوا أسباب الخذلان، واتخذوا أسباب الدفاع مع الصبر والثبات، لا أن ينصرهم تعالى وهم قاعدون ومقصّرون.\n\n<span id=\"aya-578\"></span>﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها﴾ الشفاعة من الشفع - وهي عكس الوتر أي الفرد - ومعناها أن ينضم المرء لصاحب الحاجة يريد مساعدته فيصير شفيعا له، وفي الآية السابقة حثّ تعالى نبيّه على القتال بمفرده إذا لزم، وفي هذه الآية أنّ من يشفع النبي أو غيره من المؤمنين بالقتال في سبيل الله يكن له نصيب من الأجر والثواب ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ والشفاعة السيئة هي أن يشفع المرء للكفار بإعانتهم على قتال أهل الحق فيكتسب بذلك نصيبه من الوزر والإثم - وهو الكفل -، ويحتمل المعنى أيضا الحالة العامة أي الشفاعة مع الآخرين على عمل الخير، وعكسها وهو إعانة الآخرين على الشر ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أي حافظا أو شاهدا أو مقتدرا، و﴿كانَ﴾ معناها أنه تعالى كان على ذلك منذ الأزل، ولم يزل، ولا يزال.\n\n<span id=\"aya-579\"></span>﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾.","vol":"1","page":358},{"text":"٨٦ - ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ لأن المقصود هو الحفاظ على الألفة وحسن الأدب بين المسلمين بعضهم البعض، وبين المسلمين وغيرهم.\nكما أنّ تحية المسلمين هي السلام، فيكون المعنى أيضا أن إلقاء السلام من طرف على آخر هو بمثابة أمان للطرفين، ولذلك أمر تعالى باحترام هذا الأمان وتوعّد بالمحاسبة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ ونظير ذلك في الآية (٩٤)، والآية استمرار لما قبلها من جهة بيان آداب القتال والمسالمة والأمان وعدم التعرض للمسالمين غير المقاتلين من العدو.\n\n<span id=\"aya-580\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تأكيد لحقيقة التوحيد أي لا مستحق للعبادة إلاّ الله تعالى، والعبادة هي الطاعة المطلقة فتكون عبادته تعالى تحريرا للإنسان من العبودية ومن الخضوع والتذلل لبشر، فلا يخشى الإنسان ولا يخاف غير الله، وتكون علاقة الآية بما قبلها التأكيد على وجوب طاعته تعالى فيما سبق من أحكام ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لإحقاق العدالة فيما سبق منكم في الحياة الدنيا ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ المعنى لا ريب في جمع الناس إلى يوم القيامة إذ لا شيء أصدق من القرآن بدليل إعجازه.\n\n<span id=\"aya-581\"></span>﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي بعد كل ما بيّناه لكم عنهم، لأن الآيات من (٦٠ إلى ٨٧) أكثرها في المنافقين، ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أي كيف تتفرقون أو كيف تترددون في شأن المنافقين في حين أنهم ارتدّوا عن الصواب بما كسبوا من السيئات، فهم يتباطؤون عن القتال، ويحتكمون إلى","vol":"1","page":359},{"text":"الطاغوت، ويظهرون الطاعة ويبيّتون غير ذلك، ويذيعون أخبار المسلمين وينشرون الشائعات، وقد نسب تعالى فعل الإركاس إلى ذاته العليّة لأنه نتيجة سنّته تعالى في حرية اختيار الناس لأعمالهم ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ المعنى ليس بإمكانكم تغيير سنة الله في خلقه، ولا تستطيعون إكراه الآخرين على الهدى، فقد أعطى تعالى حرية الخيار للناس بحيث يهتدي منهم من يختار الهداية ويضل منهم من يختار الضلال ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي لا سبيل إلى هداية من جحد نعمة العقل، ولم يستفد منها، خاصة أنّ القرآن خاطب العقول، ودلّ على البراهين التي تشير إلى وحدانية الخالق، ومن يتركه الله تعالى لحرية خياره في اتباع الضلال والتعامي عن الدلائل العقلية لا سبيل لردّه إلى الصواب.\n\n<span id=\"aya-582\"></span>﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ كاد المنافقون أن يكونوا كفارا، أو هم كفروا فعلا ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ بلغ من تعصبهم في الكفر درجة يتمنون معها أن تصيروا كفارا مثلهم ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ﴾ أي حلفاء أو أعوانا ﴿حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ حتى يهاجروا لنصرة الإسلام تصديقا لما يزعمون من إيمان ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان وعن الهجرة ﴿فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ وذلك إذا ظهر منهم الغدر، وجاهروكم بالعداوة السافرة، لأن هذا هو المقصود، إذ لم يعرف عن النبي ﷺ أنه قتل أحدا من المنافقين ما لم يبادر بالغدر والعدوان، وذلك واضح أيضا من الآية التالية التي تنهى عن قتل من كان معاهدا، أو تاركا القتال.\n\n<span id=\"aya-583\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾.","vol":"1","page":360},{"text":"٩٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ يصلون إليهم ويدخلون في العهد الذي بينكم وبين هؤلاء القوم ويرضون بحكمهم ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم عن القتال فلا يريدون قتال المسلمين ولا يريدون قتال الكفار لأنهم أقاربهم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ المغزى أنّ ضعفهم هو المانع لهم من قتال المسلمين، وليس نتيجة حسن نية من جانبهم ﴿فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ يمتنع قتالهم إن لم يبدؤوكم بالقتال، وأيضا وفقا لما هو مذكور في الآية (٨٦)، وفي قوله تعالى أيضا: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢/ ١٩٠].\n\n<span id=\"aya-584\"></span>﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ يريدون السلامة من الطرفين ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ هم مذبذبون يظهرون الإسلام ليأمنوا جانب المسلمين، ثم يغريهم كفار قومهم بالتحالف معهم ضدكم فيغدرون بكم ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ لم يقفوا على الحياد، ولم يسالموكم ويعرضوا عليكم الصلح ﴿فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ إن لم يبق مناص من قتالهم فخذوهم واقتلوهم حيثما تمكنتم منهم ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ السلطان بمعنى الحجّة، أي في هذه الحالة جعلنا لكم حجّة واضحة في السماح لكم بالقتال دفاعا لا عدوانا، والمعنى أنهم إذا اعتزلوا القتال وعرضوا الصلح فلا يجوز قتلهم ولا قتالهم.","vol":"1","page":361},{"text":"<span id=\"aya-585\"></span>﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٩٢)\n٩٢ - بعد أن بيّنت السورة أحكام قتال وقتل المنافقين، تنتقل لبيان أحكام من يحرم قتله من المؤمنين والمعاهدين وأهل الذمة:\n﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاّ خَطَأً﴾ لأن قتل المؤمن مناف للإيمان، وقيل في تقدير الآية: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمّدا فيبقى مؤمنا، إلاّ أن يقتله خطأ فيبقى في تلك الحالة مؤمنا، والآية (٩٣)﴾ تعزز هذا المعنى، وفي الحديث «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امريء مسلم».\n﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ عليه كفارة عتق رقبة من أهل الإيمان، وهي حق الله ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ وهي حق ورثة القتيل ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ بأن يعفوا عنها ويسقطوها باختيارهم.\n﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولا تجب الدية بهذه الحالة لأن أهل القتيل أعداء محاربون فلا يعانون بأموال المسلمين.\n﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ المشركون والكفار في حالة سلم معكم، ويدخل فيهم أهل الذمة، فإن كان القتيل منهم، أي غير مؤمن، وجبت ديته بالإضافة لعتق رقبة مؤمنة ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كما هي الحال في قتل المؤمن، ويلاحظ أنه تم ذكر الدية قبل عتق الرقبة، وعكس ذلك في حق المؤمن، إشعارا بأن حق الله تعالى في معاملة المؤمنين مقدّم على حقوق الناس، كما أنه استثنى هنالك في أمر الدية بقوله ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ترغيبا لهم بالعفو والسماح، وليس ذلك من شأن المعاهدين.","vol":"1","page":362},{"text":"﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي من لم يجد الرقبة التي يعتقها كأن انقطع الرقيق كما هو مقصد الإسلام - وهذه العبارة تشعر بهذا المقصد - أو لم يجد مالا يشتري به رقيقا يحرره، وحذف المفعول به يدل على الأمرين معا ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ عليه صيام شهرين قمريين متتابعين بلا انقطاع ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي شرع لكم تعالى ما ذكر كي تتوبوا ويقبل توبتكم، وهو عليم بأحوالكم وحكيم فيما يشرع لكم.\n\n<span id=\"aya-586\"></span>﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ نقل الزمخشري عن ابن عباس أن قاتل العمد لا توبة له.\n\n<span id=\"aya-587\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي إذا سرتم جهادا في سبيل الله كونوا على بيّنة من الذين تقاتلونهم وتجنّبوا قتل الخطأ المشار إليه في الآية السابقة، ولا تعجلوا فتقتلوا من كان مسالما أو التبس عليكم أمره، إلا من علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله.\n﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ نهى تعالى عن إنكار إسلام من يدّعي الإسلام أو من ينطق بالشهادتين، فكل من أظهر الإسلام يقبل منه ويعتبر مسلما، ولا يبحث عن الباعث له على ذلك، ولا يتّهم في صدقه وإخلاصه، ولا يحمل إسلامه على أنه مخادعة حتى يتبين خلاف ذلك.","vol":"1","page":363},{"text":"ويفهم من معاني الآية أيضا أن إلقاء السلام قد يكون إلقاء للسلم وإيذانا بعدم الحرب وقد تبين من الآيات (٨٦، ٩٠، ٩١) النهي عن قتل الذين يعتزلون القتال ويكفّون أيديهم ويلقون السلم إلى المسلمين، أي إن كفرهم وحده ليس موجبا لقتلهم وقتالهم إذا سالموا، وفي السنة النبوية نلاحظ أنّ حروب النبي ﷺ كانت كلها دفاعية في أهدافها ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ لا ينبغي أن يكون قتالكم لأطماع دنيوية، ولا يصح استخدام الدين ذريعة لنهب غير المسلمين ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ وهو ما يجب أن يكون هدفكم من ثواب الله ورزقه وفضله ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل الإسلام كنتم كفارا مثلهم، أو كنتم طلاب دنيا تطمعون بها فقط ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهداية إلى الإسلام ﴿فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ كونوا على بيّنة من الأمر، ولا تبنوا على الظن، فالله تعالى خبير بنياتكم وأعمالكم.\n\n<span id=\"aya-588\"></span>﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٩٥)\n٩٥ - بعد أن حثّت الآية (٨٤)﴾ على القتال دفاعا عن حرية الدين، وبيّنت الآيات التي تلتها آداب القتال وأحكامه، تنتقل هذه الآية لبيان من يعذر عن الجهاد: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم ذوو المواقف السلبية، القاعدون عن الجهاد بمعناه العام ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ غير العجزة عن الجهاد كالمريض والأعمى والمقعد ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ القاعدون عن الجهاد بلا عذر ليسوا متساوين بالفضل عند الله مع المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فضّلهم بدرجة العمل لأن الإيمان يجب أن يرافقه العمل ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ الله تعالى وعد الحسنى للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم","vol":"1","page":364},{"text":"وأنفسهم، وأيضا للقاعدين عن الجهاد بسبب العجز المالي أو الجسمي، لأنهم يتمنّون لو كانوا قادرين على الجهاد لقاموا به، ويحتمل المعنى أيضا أنه وعد بالحسنى لعموم القاعدين من المؤمنين بحسب نيّاتهم، لأنّ الجهاد فرض كفاية ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ﴾ بلا عذر ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو ما سيلي بيانه.\n\n<span id=\"aya-589\"></span>﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وهي درجات تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين بلا عذر.\n\n<span id=\"aya-590\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي الذين يدركهم الموت وهم لا يزالون يظلمون أنفسهم بالمعاصي، أو الذين لم يزالوا يتركون الجهاد - بمعناه الواسع - في سبيل الله بلا عذر، أو الذين لم يهجروا الشر ويتوجهوا إلى الله، لأن الهجرة ليست مكانية فقط بالضرورة، أو الذين لم يهاجروا من أماكن الاضطهاد الديني إلى أماكن الحرية الدينية لكي يتمكنوا من إقامة شعائر دينهم بحرية ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ سألتهم ملائكة الموت: ما كان خطبكم في الحياة الدنيا؟ وذلك توبيخا لهم على سابق حالهم ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أجابوهم معتذرين بأنهم كانوا معرضين للاضطهاد فلم يستطيعوا القيام بشيء من أمر دينهم ﴿قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أي كان عليكم أن تهاجروا لكي تحرروا أنفسكم من ذل العبودية والاضطهاد بدلا من انصرافكم وانصراف ذريتكم عن الإسلام وذوبانكم وذوبان الذرية في مجتمع الكفر، فهنالك الكثير من البلدان - إسلامية وغير","vol":"1","page":365},{"text":"إسلامية - مما يتوفر فيها حرية الدين، فكان عليكم الهجرة إليها ﴿فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ المعنى أن الهجرة فرض عين إن كانت ضرورية لتمتع المسلم بحريته الدينية، أو إذا ترتب على المقيم زوال المرء وذريته عن دينه بسبب الاضطهاد الديني الذي يتعرض له، أو إذا تعرض مجتمع إسلامي أو دولة إسلامية إلى العدوان فصار يخشى عليها من الفناء عندئذ يصبح من واجب المسلمين الهجرة إليها للدفاع عنها وشدّ أزرها، كما أنه على المسلم أن يهاجر إلى حيث يتلقى العلم والدين إذا اقتضى الأمر ذلك، أما المقيم في دار الكفر مع استطاعته وذريته التمسك بدينه والتمتع بحريته الدينية فلا تلزمه الهجرة، بل ربما كانت إقامته فيها سببا لإظهار محاسن الإسلام وانتشاره والدعوة إليه بالعمل وبالقدوة الحسنة.\n\n<span id=\"aya-591\"></span>﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ استثنى تعالى الضعفاء من الرجال والنساء والولدان ممّن لا يطيقون الهجرة المكانية ولا يملكون وسائلها ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ بسبب حيرتهم واختلاط الأمور عليهم، أو لأنهم لم يستوعبوا رسالة الإسلام.\n\n<span id=\"aya-592\"></span>﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وعدهم تعالى بالعفو والمغفرة، وقيل إنّ ﴿عَسَى﴾ دلالة على التشديد في موضوع الهجرة بالنسبة إلى المستطيعين.\n\n<span id=\"aya-593\"></span>﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾.","vol":"1","page":366},{"text":"١٠٠ - ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ مراغما مشتقة من الرّغام وهو التراب، أي إن المسلم بهجرته يرغم أنوف أعدائه الذين كانوا يضطهدونه، لأنه يحصل على مأوى يمارس فيه حريته الدينية، ويجد فيه متسعا من العيش والرزق، ويدعو فيه إلى الإسلام في أرض الله الواسعة ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي قد وجب أجره على الله ولو لم يتحقق له مراده، لأنه يكفي حصول نية الهجرة مع الإخلاص فيها ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي كان تعالى جلّ شأنه منذ الأزل، وما زال، غفورا لأمثال هؤلاء المهاجرين يغفر ما كان من ذنوبهم وقعودهم إلى أن هاجروا، ويرحمهم بإكمال أجرهم.\n\n<span id=\"aya-594\"></span>﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (١٠١)\n١٠١ - انتقال الخطاب لبيان أحكام الصلاة خلال السفر، سواء كان الغرض من السفر الهجرة أو القتال أو غيره: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي إذا كنتم على سفر، مهما كان الغرض منه، وليس بالضرورة للجهاد في سبيل الله، إذ لم يقل تعالى: «إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ» كما في الآية (٩٤)﴾، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ أباح تعالى قصر الصلاة في السفر ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بالهجوم المفاجيء عليكم، وقد بينت السنة الشريفة قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين لمجرد السفر دون الخوف، أما شرط الخوف فليس مقتصرا بالضرورة على زمن الحرب بل تقصر الصلاة أيضا إذا كان الخوف من قطاع الطرق وأمثالهم ﴿إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ لا تفوتهم فرصة للإيقاع بكم، فإذا اجتمع الخوف والسفر معا أباح تعالى قصر أركان الصلاة، فيكتفى بالإيماء عن الركوع والسجود، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٣٩]، وقد أباح تعالى قصر عدد الركعات كما سيرد في الآية التالية.","vol":"1","page":367},{"text":"<span id=\"aya-595\"></span>﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - قال أبو حنيفة: إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة خلف الإمام فصلى بهذه الطائفة ركعة وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت الطائفة التي معه إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية فصلّى الإمام بهم ركعة وسجدتين وتشهّد وسلّم، ولم يسلّم القوم وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الاولى فأتمّوا فرادى ركعة وسجدتين بلا قراءة ولا تشهّد ومضوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية فأتمّوا ركعة وسجدتين بقراءة وتشهّد وسلّموا، وتفصيل ذلك في الآية كما يلي: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ أيها النبي، أو الإمام ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ في حال الخوف، والقتال لم يبدأ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ بركعة واحدة ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وهم الطائفة الثانية الذين انصرفوا إلى مواجهة العدو ولم يصلّوا معك، لأن الضمير عائد إليهم وليس للطائفة المأمورة بالصلاة ﴿فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ﴾ يعني الطائفة التي صلّت ركعة واحدة تقوم تجاه العدو بعد فراغها من ركعة وسجدتين، لأن الفاء في قوله ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ للتعقيب، ومعنى فليكونوا من ورائكم أي يقوموا بحمايتكم وليس بالضرورة أن يكونوا ورائهم مكانيا، وبالتعبير العسكري يقوموا بتغطيتكم ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أي الركعة الثانية تصلّيها الطائفة الثانية التي كانت إزاء العدو ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ تقدير الخطاب: وليأخذ الباقون حذرهم وأسلحتهم وهم الطائفة القائمة تجاه العدو غير المأمورة بالصلاة مع الإمام «الزجاج»، ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ﴾","vol":"1","page":368},{"text":"﴿عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً﴾ أي يقومون بهجوم مفاجيء ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ﴾ بحيث يلحق الضرر بالسلاح، أو إن كان يشق على المصلين حمل السلاح بهذه الحالة، وقد يكون المطر كناية عن الصعوبة ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ ترخيص للمرضى وللجرحى من المقاتلين بوضع أسلحتهم ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي أن وضع السلاح للمرخّص لهم يجب أن يكون بطريقة تضمن الحذر من العدو ﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ الله تعالى يعذبهم بما هداكم إليه من أسباب النصر، كالاستعداد والحذر والصبر.\n\n<span id=\"aya-596\"></span>﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ اذكروا الله في جميع أحوالكم ﴿فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إذا اطمأنت أنفسكم بالأمن، وزوال الخوف، فأقيموا الصلاة على تمامها وبأركانها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ كتابا بمعنى مكتوبا أي كانت فرضا مكتوبا عليكم، وكتابا موقوتا بمعنى محدد الأوقات، حتى أنه يلزم إقامتها في وقتها مع القصر، وفي حال الخوف رجالا أو ركبانا، باستقبال القبلة أو عدم استقبالها مع الإيماء بالركوع والسجود، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٣٩]، وذلك خير من تأخيرها وأدائها كاملة فيما بعد.\n\n<span id=\"aya-597\"></span>﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ بعد الفراغ من الصلاة ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ أنتم وهم سواء في مشاق الحرب وآلامها، غير أنهم طلاب دنيا ومدافعون عن الباطل، في حين أنكم تدافعون عن الحق وترجون ثواب الله ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾","vol":"1","page":369},{"text":"كان علمه المحيط منذ الأزل، وحكمته تعالى أن يكون النصر للمؤمنين على الكفار، إذا اتخذوا الأسباب، وأعدّوا للأمر عدته وفق السنن الكونية الثابتة.\n\n<span id=\"aya-598\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - عودة الخطاب لموضوع الآية (٨٨) لبيان أحوال الخائنين والمنافقين:\n﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ أي متضمّنا الحق ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ بما في القرآن الكريم من الحكمة ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لا تتهاون بتحري الحق ولا تغتر بافتراءات الخائنين، ولا تكن لهم خصيما أي تخاصم عنهم وتتورط بالدفاع عنهم بغير وجه حق، والخطاب ليس موجها للنبي ﷺ خاصة، وإنما هو عام لكل من يحكم بين الناس كما هو واضح من الآية (١٠٩) حيث الخطاب بلهجة الجمع.\n\n<span id=\"aya-599\"></span>﴿وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لأن الإنسان قد يميل باعتقاده الشخصي أو بسبب صلة القربى أو الدين وغيرها لأحد الطرفين، فهذه الآيات تأمر بالمساواة بين الخصمين في القضاء، فلو مال الحاكم إلى أحد الخصمين بسبب حسن الظن به سلفا فقد يكون خصيما ومدافعا عن المذنب، وهو ما نهت الآية عنه فوجب الاستغفار منه.\n\n<span id=\"aya-600\"></span>﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّانًا أَثِيمًا﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وهم المنافقون والمترددون بين الكفر والإيمان، لا تجد الأعذار لهم فهم غير صادقين مع أنفسهم ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّانًا أَثِيمًا﴾ فقد ظلموا أنفسهم باعتيادهم الخيانة والإثم.\n\n<span id=\"aya-601\"></span>﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾.","vol":"1","page":370},{"text":"١٠٨ - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ يخافون الناس ولا يخافون العقاب الإلهي ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾ الله تعالى شاهد على ما يبيّتون في الليل من الأفكار والمعتقدات الباطلة ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ كان وما زال محيطا بأفكارهم وأعمالهم.\n\n<span id=\"aya-602\"></span>﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الخطاب للمؤمنين، والكلام عن المنافقين ﴿فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي من يكون وكيلا بالخصومة عنهم في الآخرة كما كنتم عنهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-603\"></span>﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بارتكاب الذنوب ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بالشرك والنفاق ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ ليس بالكلام فقط، وإنما بالتوبة الصحيحة والإيمان الصحيح والعمل الصالح ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-604\"></span>﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أي إن نفعه، إن كان منه نفع مؤقّت، يعود وباله عليه ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-605\"></span>﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ قيل أن الخطيئة هي الذنب الذي يرتكبه صاحبه خطأ، والإثم هو الذنب المتعمد، أو الذي يصدر عن صاحبه وهو على علم أنه مخطئ، وقد يكون ارتكاب الذنوب متأصّلا في طبعه دون أن","vol":"1","page":371},{"text":"يتأمل فيها إن كانت خطأ أو صوابا ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ المعنى أن من يرتكب الخطيئة أو الإثم فيبرئ نفسه من أي منهما، ويتهم بهما بريئا، كما هي حال المنافقين، فهو يحتمل وزر هذا البهتان، كما يحتمل وزر الإثم الذي ارتكبه، والبهتان هو الكذب الذي يندهش منه المكذوب عليه ويتحير منه.\n\n<span id=\"aya-606\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ﴾ أيها النبي بأن نزّل عليك الوحي، وهو الفضل المطلق، أنظر آيات [البقرة: ٢/ ١٠٥] و[النساء: ٤/ ٥٤]، وأيها المسلم المتفقّه العامل بالقرآن ﴿وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ وهم الذين اعتادوا الخيانة المشار إليهم في الآيات السابقة يكذبون على الآخرين وعلى أنفسهم ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ لأن الخائنين غير صادقين مع أنفسهم فيقتصر ضرر عملهم عليهم فقط، خاصة أنه تعالى أنزل عليك أيها النبي القرآن، وعلّمك ما لم تكن تعلم من الوحي والحكمة وعلوم القرآن، وأيها المسلم بأن علّمك القرآن ﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ أيها النبي بأن اصطفاك خاتما للأنبياء والرسل، وأرسلك بشيرا ونذيرا للناس كافة، وأيها المسلم بأن هداك إلى القرآن ودين الإسلام.\n\n<span id=\"aya-607\"></span>﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ﴾ وهم المذبذبين أنصاف المؤمنين، والنجوى: حديث السرّ بين الناس، فلا خير في الكثير من نجواهم لأن الغالب أن","vol":"1","page":372},{"text":"تكون أحاديث السر بينهم لا تستهدف الخير ﴿إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ استثنى تعالى نجوى المؤمنين، ما كان منها لأعمال الخير، وهي المتعلقة بالصدقات، لأن الجهر بها قد يؤذي مشاعر المستفيدين منها، والمتعلق منها بالمعروف وهو عام في كل جميل، والمتعلق منها بالإصلاح بين الناس كمفاوضات الصلح السرية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ وليس للرياء والسمعة والتفاخر ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لأن الأجر مرتبط بسلامة النية، وفي الحديث «إنما الأعمال بالنيات».\n\n<span id=\"aya-608\"></span>﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي من ينشقّ عنه وعن سنّته ﷺ ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى﴾ بعد ما تبين له صحة دين الإسلام، والواضح أن الكلام عن المنافقين وضعاف الإيمان ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ غير سبيل الإسلام ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أي إنه تعالى جلّ شأنه يتركه لحرية خياره، وهو تأكيد على حرية اختيار الإنسان لأعماله، فالإيمان لا يكون قسرا ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ فيكون هو الجاني على نفسه إذا اختار الضلال بعد أن تبين له الهدى، لأن سنة الله اقتضت أن يتحمل الإنسان عاقبة خياره الحر،\nوأمثال هؤلاء يكونون من المغضوب عليهم، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ١/ ٧] لكون الهدى قد تبيّن لهم، بخلاف الضالّين ممّن لم تبلغهم الرسالة، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ١/ ٧].\n\n<span id=\"aya-609\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (١١٦)\n١١٦ - بعد أن أوضحت الآيات (١٠٥ - ١١٥) أحوال الخائنين والمنافقين، تنتقل السورة لبيان أحوال المشركين:","vol":"1","page":373},{"text":"﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ أي من يشرك بالله أحدا فيدعوه معه، ويستغيث به، ويذكر اسم الله مع إسمه - كدعاء البعض للأنبياء والأولياء والأئمّة وغيرهم - فذلك من أقوى أنواع الشرك، وفي الحديث الشريف: «الدعاء هو العبادة» أي هو الركن الهام في العبادة، فيكون دعاء الشركاء المزعومين والتوسل بهم أو إليهم بمثابة عبادتهم.\n\n<span id=\"aya-610\"></span>﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثًا﴾ كاللات والعزّى ومناة، آلهتهم في الجاهلية، أطلقوا عليها أسماء مؤنثة ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ أي شيطانا تمرد عن الطاعة واستكبر، واعتاد الإغواء والإضلال إذ يوسوس في صدر الإنسان ويعده ويمنّيه، وقد يكون من شياطين الإنس المدّعين للزعامات ما يقارب ادّعاء الألوهية.\n\n<span id=\"aya-611\"></span>﴿لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾ وهو الشيطان الذي يدعونه، أبعده تعالى من رحمته لقوله: ﴿وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ النصيب المفروض هو الاستعداد للشر الموجود في نفس الإنسان، سواء قلّ أو كثر لقوله تعالى:\n﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٩٠/ ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [الشمس: ٩١/ ٨]، فكل إنسان يشعر بوسوسة الشيطان غير أنه ليس للشيطان سلطان على عباد الله المخلصين، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [الحجر: ١٥/ ٤٢].\n\n<span id=\"aya-612\"></span>﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحق، أي الغاوين منهم ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ بإلقاء الأماني الخادعة في قلوبهم، كطول الأعمار وبلوغ الآمال، فينهمكون باللذات","vol":"1","page":374},{"text":"الدنيوية والمطالب الشهوانية والمادية، ويسوّفون التوبة والأعمال الصالحة، ويستمرون في غيّهم، ويرجون رحمة الله بلا توبة ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ﴾ لأنهم كانوا في الجاهلية يقطعون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ثمّ يطلقونها محرّمين على أنفسهم الانتفاع بها بعد ذلك، والآية تعبير عن العادات والميول الوثنية عموما ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ وهو أي شيء من شأنه تشويه أو تعطيل ما خلقت الأشياء لأجلها، كتلاعب بعض العلماء بالجينات وبالأجنة لأغراض غير سليمة، أو تعطيل وتبديل ما خلقت الطبائع لأجلها، ومثل ذلك الشذوذ الجنسي واتباع أساليب حياتية شاذة غير طبيعية ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ أي من يتّبع وساوس الشيطان ويعمل بمقتضاها، ويترك أوامر الرحمن، صار بمثابة من اتّخذ الشيطان سيدا له، فنتيجته الخسران المبين إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة.\n\n<span id=\"aya-613\"></span>﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ بوسواس السوء ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ أي ما يعدهم إلاّ ضلالا في أذهانهم وباطلا يغترّون به، والنتيجة أنهم يستغرقون في الملذات الدنيوية، ولولا وعود الشيطان لما تهالكوا على الزعامات والجاه والمال، وقد يعتقدون أن لا حدود لأهداف الإنسان وما يستطيع أن يحققه من إنجازات في دنياه.\n\n<span id=\"aya-614\"></span>﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أي لا يجدون عنها مفرّا، لأنهم انجذبوا إليها بطبعهم حتى يتهافتون فيها بأنفسهم كما يتهافت الفراش في النار (المنار).\n\n<span id=\"aya-615\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا (١٢٢)﴾.","vol":"1","page":375},{"text":"١٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ مقابلة مصير المؤمنين الذين يعملون الصالحات مع مصير الذين اتّبعوا وساوس الشيطان ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ في حين أن ما يعدهم الشيطان هو الباطل ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ أي لا أصدق من قوله تعالى.\n\n<span id=\"aya-616\"></span>﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - بعد الكلام عن المشركين بالآيات (١١٦ - ١٢١) ينتقل الخطاب إلى أحوال أهل الكتاب، لأنهم مشركون أيضا:\n﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ﴾ أيها المشركون عموما ﴿وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهذا الأماني من جملة ما يعدهم الشيطان كما ورد في الآيات السابقة، فالغرور يسري في أهل الأديان، وليس مقتصرا على الكفار: اليهود يدّعون أنهم أبناء الله وأحباؤه ويزعمون أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، والنصارى يزعمون أن المسيح افتدى خطاياهم سلفا نيابة عنهم، لأنهم آمنوا أن المسيح هو ابن الله، لذا أخبرهم تعالى أن الإنسان يحاسب بعمله، وأن الدين ليس جنسية يكتفى منه بالاسم فقط ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ لأن الجزاء نتيجة طبيعية للعمل لا يتخلف عنه، وتلك سنّته تعالى في خلقه ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ فلا تنفعه الشفاعات والأوهام والتفاخر بالدين.\n\n<span id=\"aya-617\"></span>﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - بعد الخطاب في المنافقين، والمشركين، وأهل الكتاب، بالآيات (١٠٥ - ١٢٣)، ينتقل خطاب السورة إلى بيان السبيل القويم والدين الصحيح:\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أي ما يستطيع عمله من الصالحات ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ بعد أن","vol":"1","page":376},{"text":"أوضح تعالى بطلان الأماني، بيّن في هذه الآية أن الأمر كله معقود بالعمل فلا يفوز إلا من أقبل على العمل الصالح وهو مؤمن.\n\n<span id=\"aya-618\"></span>﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي لا يوجد أحسن من هذا الدين فهو مبني على أمرين: العقيدة والعمل، أما العقيدة فالإشارة لها بقوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ فالوجه يمثل جوارح الإنسان بكاملها، والإسلام هو الإنقياد الكامل والخضوع لله وحده دون غيره، وأما العمل فالإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي يفعل الحسنات ويترك السيئات، والمعنى أيضا إحسان العمل ﴿وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ حنيفا أي مائلا عن الباطل لأن كل ما سوى الإسلام باطل، والمعنى أحسن الأديان: الميل عن كل ما هو باطل ﴿وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ كناية عن المحبة التي اختصه الله بها بعد أن ابتلاه بالمحن فاجتازها، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٢٤].\n\n<span id=\"aya-619\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ فهذا هو السبب كي يسلم الإنسان وجهه بالكامل لله وحده، دون غيره من المخلوقات التي لا تملك شيئا ولا تحيط إلا بالجزئيات.\n\n<span id=\"aya-620\"></span>﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - جريا على عادة القرآن الكريم من تداخل آيات الرسالة والأخلاق مع آيات التشريع إظهارا للعلاقة الأكيدة بين حياة الإنسان الروحية وبين سلوكه الاجتماعي، ينتقل الخطاب إلى بيان بعض أحكام اليتامى والزواج، وفيه عودة لمواضيع الآيات (٣ - ٣٥):","vol":"1","page":377},{"text":"﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿فِي النِّساءِ﴾ أي في شؤون النساء كأحكام الزواج والميراث ويتامى النساء وغير ذلك من أحوالهنّ ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ فهو تعالى مصدر التشريع ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ أي إن الفتوى هي ما يتلى عليكم في القرآن، كما ورد في أول هذه السورة عن أحكام اليتامى وتعدد الزوجات ومواريث النساء، وكما سيرد في هذه الآية والآيات التي تليها عن يتامى النساء والولدان، والنشوز، والعدل بين الزوجات، وشروط الفرقة بين الزوجين: ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ﴾ المستضعفات ﴿اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أي لا تعطونهنّ استحقاقهنّ من الميراث أو الصداق لأنهنّ تحت كفالتكم وسيطرتكم وليس من مدافع عنهنّ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ تحتمل معنيين:\nترغبون في نكاحهنّ كونهنّ جميلات، فتستولون على حقوقهنّ وتغبنونهنّ في المهر، أو: ترغبون عن نكاحهنّ كونهنّ دميمات، وفي نفس الوقت تطمعون في أموالهنّ.\n﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ﴾ أي ويفتيكم تعالى أيضا في أحوال المستضعفين من الولدان الذين بكفالتكم أو تحت إشرافكم ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ﴾ ويفتيكم أن تكونوا عادلين في تعاملكم مع النساء والولدان المستضعفين فلا تطمعوا بأموالهم ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ما تفعلوا من خير في تعاملكم مع المستضعفين من النساء والولدان، فالله تعالى يعلمه ويثيبكم عليه، ولا يضيع من أجوركم عنده شيء.\n\n<span id=\"aya-621\"></span>﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - هذه الآية وحتى الآية (١٣٠)﴾ من جملة ما أخبر تعالى أنه يفتيهم فيه من أحوال النساء:","vol":"1","page":378},{"text":"﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا﴾ أي إذا ظهرت لها من زوجها علائم الكراهة وسوء العشرة، وأصل النشوز الارتفاع لأن النشز هو المرتفع من الأرض، فكأنما الزوج يترفع ويتكبر عليها ميلا إلى غيرها ﴿أَوْ إِعْراضًا﴾ بالإهمال والترك ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ بحلول وسط تكون مقبولة للطرفين بحيث يتنازل كل طرف عن بعض حقوقه ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفراق ومن النشوز والإعراض ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ الأنفس مطبوعة على الأنانية فهي تشحّ بحقوقها ولا تود التنازل عن شيء منها كي تصل إلى حل وسط ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ بإمساك نسائكم، وإن كرهتموهنّ وأحببتم غيرهنّ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيثيبكم عليه.\n\n<span id=\"aya-622\"></span>﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بعد أن أخبر تعالى عن نشوز الرجل بسبب ميله إلى زوجة أخرى، أو رغبته بالزواج من أخرى، وبعد أن حثّ على الصلح والحلول الوسط، ولمّا كان تعدد الزوجات مرتبطا ارتباطا وثيقا بالعدل بينهن، الآية (٣)، وحيث إن الرجل التقي قد يشعر بالإثم إذا أحب إحدى زوجاته أكثر من غيرها، فهذه الآية تبين أن مشاعر الرجل خارج نطاق سيطرته فيبقى أن يكون العدل بين الزوجات في المعاملة والإنفاق والسلوك الخارجي تجاههنّ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ بعواطفكم نحو الزوجة المفضّلة ﴿فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وهي الزوجة الأقل محبة عند الزوج، فتتركوها كما لو كانت غير متزوجة، وهي في نفس الوقت ليست مطلّقة ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ في معاملة النساء ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ظلمهنّ ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-623\"></span>﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾.","vol":"1","page":379},{"text":"١٣٠ - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا﴾ أي الزوجان إذا رغبا في الفراق، ورجّحا الطلاق، بعد أن أخفقا في استرضاء أحدهما الآخر ﴿يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ يغني تعالى كلاّ منهما عن صاحبه بعد الطلاق، أو يغني كلاّ منهما بزوج خير من زوجه السابق ﴿وَكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ أي كان منذ الأزل ولا يزال واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم بمصالح مخلوقاته وبكل شيء.\n\n<span id=\"aya-624\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (١٣١)\n١٣١ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ بعد أن أمر تعالى بالإحسان إلى يتامى النساء، والمستضعفين من الولدان، بيّن أنه ما أمر بذلك لاحتياجه لأعمال العباد فهو مالك السماوات والأرض، وإنما أمر بذلك رعاية لمصالح عباده ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ﴾ فهذه الأوامر في جميع الشرائع والأديان من قبل لم يلحقها نسخ ولا تبديل ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ الله تعالى غني عن الجميع، منزّه عن طاعات المطيعين وذنوب المذنبين، فلا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات.\n\n<span id=\"aya-625\"></span>﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (١٣٢)\n١٣٢ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ على عباده كما سيرد في الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-626\"></span>﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾.","vol":"1","page":380},{"text":"١٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا﴾ تنبيها للناس إلى التأمل في سننه تعالى بحياة الأمم، ونهوضها وانهيارها، وتعلق الأسباب بالمسببات، وكون هذه السنن متعلقة بمشيئته فلا تبديل لها.\n\n<span id=\"aya-627\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ أي من يكدح ويتعب في هذه الدنيا لأجل المال والجاه والرياسة، فليعلم أن الله عنده ثواب الدارين الدنيا والآخرة معا: ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ من كان عاقلا متفكرا في مغزى الخلق يطلب الدنيا واضعا نصب عينيه الآخرة، ولا يقتصر على طلب الدنيا فقط ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ سميعا لأقوال عباده بصيرا بأهدافهم ومبتغاهم.\n\n<span id=\"aya-628\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١٣٥)\n١٣٥ - بعد أن شدّدت الآيات (١٢٧)﴾ والتي تلتها على موضوع العدل بين الزوجات، تنهى هذه الآية عن محاباة الأقرباء بغير الحق:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي عليكم أن تقوموا بالقسط وهو العدل، وقوّامين بالقسط معناها المبالغة في أمر القيام بالعدل ﴿شُهَداءَ لِلّهِ﴾ أي اشهدوا بالحق لوجه الله ولا تشهدوا بالباطل ابتغاء منفعة دنيوية ﴿وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ حتى لو كانت الشهادة مخالفة لما تظنون أنه مصلحة لكم أو لوالديكم أو أقربائكم ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ أي المشهود له ﴿فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ لستم أرحم بالفقير من ربه، فلا تميلوا بالشهادة عن الحق رحمة بالفقير بزعمكم ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ في شهاداتكم ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ كراهة أن تعدلوا ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ ألسنتكم بالشهادة فتشهدوا بغير الحق ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾","vol":"1","page":381},{"text":"عن الشهادة هربا منها ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم بأعمالكم.\n\n<span id=\"aya-629\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (١٣٦)\n١٣٦ - هذه الآية دعوة للإيمان بالشرائع السماوية ككل وعدم التفريق بينها، لأن اليهود والنصارى لا يؤمنون ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (١٢٣ - ١٢٦):\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل الخطاب لليهود والنصارى لأنهم آمنوا بالكتب السابقة فقط، فأمرتهم الآية أن يؤمنوا بخاتم الأنبياء والرسل،\nويحتمل المعنى أن يكون الخطاب للمسلمين مطلقا، أمرهم تعالى أن يجمعوا بين الإيمان به، وبخاتم الأنبياء والرسل، وبالقرآن الذي نزّل عليه، وبين الإيمان بجنس الكتب التي أنزلها تعالى على رسله من قبل، وأنه تعالى لم يترك عباده محرومين من الهداية في الأزمان الماضية:\n﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ وهو القرآن الكريم نزّل نجوما مفرّقا خلال ثلاث وعشرين سنة ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الكتاب إسم جنس للكتب المنزلة من قبل، والمقصود الإيمان بحقيقة نزول الوحي على الأنبياء من قبل، وليس الإيمان بكتب اليهود والنصارى بوضعها الراهن لأنه قد دخل عليها التبديل والتحريف ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ لمّا أمر تعالى بالإيمان بكل ما ذكر، توعّد على الكفر بأي جزء منه.\nفالإيمان بالله هو الركن الأول، والإيمان بجنس الملائكة الذين يحملون الوحي إلى الرسل هو الركن الثاني، والإيمان بجنس الكتب التي نزل بها الملائكة على","vol":"1","page":382},{"text":"الرسل هو الركن الثالث، والإيمان بالرسل أنفسهم هو الركن الرابع، والإيمان باليوم الآخر الذي يوفّى فيه الناس أعمالهم هو الركن الخامس.\nوأما من يفرق بين كتب الله ورسله فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، كاليهود والنصارى، فلا يعتدّ بإيمانه لأنه متّبع للهوى والتقليد، وقد وصفه تعالى بأنه قد ضلّ ضلالا بعيدا لا ترجى هدايته، أما من يضل عن الشيء وهو يبحث عن حقيقته حتى يصل إليه ويؤمن به فيكون ضلاله قريبا (المنار).\n\n<span id=\"aya-630\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (١٣٧)\n١٣٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا﴾ قيل هم المنافقون، بدليل الآية التالية، يظهرون الإيمان ثم يكفرون، مذبذبون بين الإيمان والكفر حسبما تقتضي مصالحهم الدنيوية ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لأنهم بلغوا حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام ليس بقولهم فقط، بل بأعمالهم، وذلك من أعظم درجات الكفر ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ يتركهم تعالى وما اختاروا لأنفسهم فيحرمهم من توفيقه وهدايته، وفي هذ الآية عودة لموضوع المنافقين بالآيات (١٠٥ - ١٢٣).\n\n<span id=\"aya-631\"></span>﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٣٨)\n١٣٨ - ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ جزاء لهم على تذبذبهم بين الإيمان والكفر، واستهزائهم بالدين حرصا على مصالحهم الدنيوية.\n\n<span id=\"aya-632\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ (١٣٩)\n١٣٩ - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتحالفون مع الكفار ضد المؤمنين، ويتخذون منهم أنصارا لاعتقادهم أن السيطرة والمستقبل سيكونان لهم، واتخاذهم الكفار أنصارا وحلفاء لا يقتصر على التحالف","vol":"1","page":383},{"text":"السياسي أو العسكري معهم فقط، بل يتجاوز ذلك إلى التحالف المعنوي معهم عن طريق اتباع أساليب حياتهم وعاداتهم الاجتماعية والمعيشية على أمل أن يصيروا مقبولين لديهم ومساوين لهم في نظرهم، وهذا مما يؤدي إلى التخلي تدريجيا عن القيم والمبادئ الإسلامية ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ يتوهمون أنهم يدركون العزة والشرف باتباع الكفار في حين أن الكفار لا يقيمون لأمثالهم وزنا ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ يؤتيها المسلمين إذا اتبعوا هدايته وساروا بحسب سننه في خلقه.\n\n<span id=\"aya-633\"></span>﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (١٤٠)\n١٤٠ - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ في القرآن الكريم ﴿أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ إذا سمعتم الكفار أو المنافقين أو المشكّكين يتكلمون بالسخرية والإستهزاء عن آيات الله ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يحرم الجلوس إليهم والاستماع لهم ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ من يرضى بالاستماع للكفر يكون كافرا مثلهم، فإن كان الجالس راضيا بذلك الجلوس فإقرار الكفر بالاختيار يعتبر كفرا، أما إن كان الجالس ساخطا لقولهم، وإنما جلس بسبب التقية والخوف فلا يكون مثلهم (الرازي)، ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يجمعهم في جهنم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله، وقدّم تعالى ذكر المنافقين على الكفار لكونهم أخسّ منهم.\n\n<span id=\"aya-634\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾.","vol":"1","page":384},{"text":"١٤١ - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ وهم المنافقون الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يترقّبون ما يحدث لكم من خير أو شر ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي نحن نستحق المشاركة في نعمتكم ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي نصيب من الظفر لأن الحرب سجال ﴿قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا للكفار ألم نحميكم من المسلمين بعد أن كادوا يسيطرون عليكم ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ بين المؤمنين والمنافقين ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ المعنى أن الكافرين من حيث هم كفار، لا يكون لهم سبيل على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الإيمان قولا وفعلا، فالنصر مضمون للمؤمنين بشرط القيام بحقوق الإيمان واتباع سنته في خلقه، أما غلبة الكافرين على المسلمين في بعض العصور فليست من حيث إنهم كفار، ولكن من حيث إنهم صاروا أعلم من المسلمين بسنن الله في خلقه وأحكم عملا بها، والمسلمون قد تركوا ذلك أو جهلوه (المنار).\n\n<span id=\"aya-635\"></span>﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (١٤٢)\n١٤٢ - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ﴾ بخداع أنفسهم إذ يتحايلون على الشرع فيبررون لأنفسهم نفاقهم وكذبهم وغشهم، ويتعامون عن الحق، ويقنعون أنفسهم بأنهم على الصواب جريا وراء مصالحهم الدنيوية، وقد يتظاهرون بالتدين عمدا لخداع الناس ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ بتخليتهم لأنفسهم وبتوفيق المؤمنين، فعاقبة الخداع لا تعود إلاّ عليهم، ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، وإن نالوا مبتغاهم في الدنيا لا يفوتهم عقاب الآخرة ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ﴾ يقصدون من الصلاة المراءاة أي أن يراهم الناس يصلّون حتى يشهد لهم بالتقوى الغفلة من الناس ممّن يغترون بظواهر","vol":"1","page":385},{"text":"الأمور ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ لأنهم يراؤون الناس بالصلاة فليس لهم منها إلا المراسم الظاهرية دون المضمون من الخشوع والعمل بما تقتضيه حقيقة الصلاة.\n\n<span id=\"aya-636\"></span>﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (١٤٣)\n١٤٣ - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ بين الكفر والإيمان ﴿لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ لا يخلصون في الانتساب لأحد الفريقين: المؤمنين والكفار، وإنما إخلاصهم لأنفسهم ومصالحهم فقط ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ يتركهم تعالى لما اختاروا لأنفسهم من الضلال.\n\n<span id=\"aya-637\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ (١٤٤)\n١٤٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حذّر تعالى المؤمنين أن يكونوا كالمنافقين، الذين سبق وصفهم، بأن لا يتّخذوا الكافرين أولياء وأنصارا، يرجون منهم المنفعة ويبتغون بهم العزة، ولو ظنوا أنه لا ضرر في ذلك لإخوانهم المؤمنين ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ السلطان بمعنى الحجّة والبرهان، أي أتريدون أن يكون لله عليكم حجة بيّنة يوم القيامة؟ لأن هذا عمل سافر من أعمال النفاق، انظر بهذا المعنى أيضا آيات: [آل عمران: ٣/ ٢٨، ١١٨] و[النساء: ٤/ ١٣٨ - ١٣٩] و[المائدة: ٥/ ٥١، ٥٧]، و[المجادلة: ٥٨/ ١٤] و[الحشر: ٥٩/ ١١] و[الممتحنة: ٦٠/ ١، ١٣].\n\n<span id=\"aya-638\"></span>﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١٤٥)\n١٤٥ - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ لأنهم أسوأ من الكفار، فقد جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الله والمؤمنين والاستهزاء بالإسلام، فهم أخس وأسفل النفوس.","vol":"1","page":386},{"text":"<span id=\"aya-639\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١٤٦)\n١٤٦ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ عن النفاق والغيبة والنميمة والكذب والافتراء والخيانة والمراءاة وتولي الكفار من دون المؤمنين، وفي الحديث: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ سرائرهم، وقاموا بصالح الأعمال ﴿وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ أي تمسّكوا بهدي كتاب الله ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ فتكون أعمالهم خالصة لله وحده طلبا لمرضاته لا لمرضاة العباد ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إذا قاموا بالشروط الأربعة المذكورة فيلحقهم تعالى بالمؤمنين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n\n<span id=\"aya-640\"></span>﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ (١٤٧)\n١٤٧ - ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ فليس هذا هو المقصود من خلق الإنسان ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ وهو الشكر بمعناه العام الذي يتبعه الإيمان، لأن من يشعر بوجوب الشكر على نعمة الوجود والحياة والروح لا بد أن يتوصل إلى نتيجة لازمة، وهي أن نعمة الحياة ليست مصادفة، وبالتالي أن الخلق ليس عبثا ﴿وَكانَ اللهُ شاكِرًا﴾ موفيا أجوركم مثيبكم عليها ﴿عَلِيمًا﴾ بحق شكركم وإيمانكم.\n\n<span id=\"aya-641\"></span>﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (١٤٨)\n١٤٨ - بعد أن ذكر تعالى مثالب المنافقين، أتبعه بإيضاح الجهر بالسوء في أمثالهم:\n﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ أي إنه تعالى لا يحب إظهار فضائح وقبائح الناس، فلا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكتومة، منعا لانتشار الرذائل والغيبة، ووقوع البعض في الريبة، إلا في حق من وضح ضرره واشتدّ كيده ومكره، فعندئذ يجوز إظهار فضائحه، لأن المظلوم في هذه الحالة لا","vol":"1","page":387},{"text":"يكون فردا واحدا أو أفرادا بعينهم بل المجتمع بأسره إذا استمر في التستر عليه، وفي الحديث: «اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس».\nويحتمل المعنى: إلا جهر من وقع عليه الظلم لكي يدافع عن نفسه، والمعروف أن الجهر بالسوء يساعد على انتشاره بين الناس يقتدي بعضهم ببعض، والعوام تقلد الخواص، ويتجرأ الناس على ارتكاب الفواحش والمنكرات إن علموا أنّ لهم قدوة سابقة فيها، فيقل استبشاعها واستغرابها في النفوس ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ فلا يجوز المبالغة في الجهر المسموح به (الرازي).\n\n<span id=\"aya-642\"></span>﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (١٤٩)\n١٤٩ - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ بعد أن بيّن تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول بغير عذر الظلم، بيّن حكم إبداء الخير وإخفائه، وحكم العفو عن السوء، وهو أن فاعلي الخيرات قولا وعملا، جهرا أو سرّا، والعافين عن المسيئين إليهم، يجزيهم تعالى من جنس أعمالهم فيتجاوز عن سيئاتهم ويثيبهم على عمل الخير فهو تعالى عفوّ قدير.\n\n<span id=\"aya-643\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ (١٥٠)\n١٥٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ لأن إنكار الوحي الذي نزل على الأنبياء هو كفر بالله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يدّعون الإيمان بالله تعالى ويكفرون برسله وينكرون الوحي ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ كالمشار لهم بالآية (١٣٦)﴾، فاليهود يكفرون بالمسيح ومحمد ﵉، والمسيحية تكفر بمحمد ﷺ ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ أي يتخذون طريقا بين الإيمان بالله، والإيمان برسله، بفصل أحدهما عن الآخر، أو الإيمان ببعض الرسل دون غيرهم، فهم ينكرون أن النبوات قد نزلت على البشرية وتسلسلت بشكل منطقي حتى انتهت بخاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، وفي ذلك عودة إلى موضوع المنافقين والكافرين المشار لهما آنفا.","vol":"1","page":388},{"text":"<span id=\"aya-644\"></span>﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ (١٥١)\n١٥١ - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ وهم المفرّقون بين الله ورسله، اكتمل كفرهم بذلك إذ لا فرق بين من لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله ويكفر برسله، أو يؤمن بالله وبعض الرسل ويكفر بالرسل الآخرين ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ من أمثالهم ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ لأن العقاب من جنس العمل.\n\n<span id=\"aya-645\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١٥٢)\n١٥٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ المؤمنون بالله ورسله دون التفريق بين أحد منهم، سوف يؤتيهم أجورهم على أعمالهم الصالحة، لأن الإيمان يجب أن يرافقه العمل، والمعنى أن أمثال هؤلاء المؤمنين لا تذهب أعمالهم هباء ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لأمثال هؤلاء المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-646\"></span>﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ (١٥٣)\n١٥٣ - ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ المشار إليهم آنفا أنهم يفرقون بين الرسل يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ وهم اليهود طلبوا من النبي ﷺ أن ينزّل عليهم كتابا من السماء يلمسونه بأيديهم، وهذا الطلب على سبيل التعنّت والتعجيز، لا طلبا للحجة والإقناع، قال تعالى:\n﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٦/ ٧]، وقد يكون أنهم طلبوا نزول الوحي عليهم مباشرة لاعتقادهم أن الوحي الإلهي حكر عليهم.","vol":"1","page":389},{"text":"وإن تعجب أيها الرسول لطلبهم هذا: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ لأنّ أجدادهم سألوا موسى أكبر من ذلك السؤال، ﴿فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ بسبب تكبّرهم وتعنتهم ظنّوا أن أبصارهم يمكن أن تحيط بالله، سبحانه وتعالى عمّا يصفون علوّا كبيرا، أنظر آية [البقرة: ٢/ ٥٥]، ﴿ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ معبودا، انظر آية [البقرة: ٢/ ٥١] ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ جاءتهم البينات كنزول الوحي على موسى، ونجاتهم من فرعون، وانفلاق البحر، وتظليل الغمام عليهم، ونزول المنّ والسلوى عليهم في سيناء ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ فلم يستأصلهم تعالى بل أعطاهم المزيد من فرص التوبة ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ وبهذا السلطان نصره تعالى على كفارهم بالرغم من عنادهم وتعنتهم ومشاقتهم موسى ﵇.\nوالمغزى أن ذرية أولئك المتعنتين يسيرون على خطى أجدادهم في الكفر ومشاقّة الرسل.\n\n<span id=\"aya-647\"></span>﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ (١٥٤)\n١٥٤ - ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ أي كان جبل طور سيناء شاهدا على ميثاقهم الذي قطعه نقباؤهم الذين اصطحبهم موسى إلى الطور ﴿وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ كما ورد في آية [البقرة: ٢/ ٥٨]، أي ادخلوا فلسطين دخول التقاة المتواضعين، كما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ولا تدخلوها دخول الطغاة المتجبرين ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ لا تعتدوا وتنتهكوا شريعة يوم السبت، انظر آية [البقرة: ٢/ ٦٥]، ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ميثاقا مؤكدا غاية التوكيد، وهو المذكور بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ..﴾. [البقرة: ٢/ ٨٣].","vol":"1","page":390},{"text":"<span id=\"aya-648\"></span>﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (١٥٥)\n١٥٥ - ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي بنتيجة نقضهم ميثاقهم المشار إليه آنفا استحقّ اليهود غضب الله، والميثاق مذكور تفصيله في آية [المائدة: ٥/ ١٢]، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ وهذه سمة عامة في جميع المتعصبين، والمتحيزين، والذين توارثوا التقاليد والعادات، أنه مهما وضحت الحقيقة يقولون أن قلوبهم مغلقة عنها وليس لديهم أي استعداد للتفكير الموضوعي، لأن قلوبهم مشتملة على ما يكفيهم من العلم بزعمهم ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ الكفر يحجب الحقيقة عن صاحبه إذ يمنعه من التفكير الموضوعي، ويعمي بصيرته ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ قليلا ما يؤمنون بالصواب، لأنّ معتقداتهم متمحورة ومنغلقة حول أنفسهم، ويحتمل المعنى أيضا أنه لا يؤمن منهم بخاتم الأنبياء والرسل إلا القليل، فيظلّ الباقون منهم بانتظار غيره أبد الدهر، انظر آية [البقرة: ٢/ ٨٨].\n\n<span id=\"aya-649\"></span>﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ (١٥٦)\n١٥٦ - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ بعيسى ﵇، والمعنى أنهم استحقوا غضب الله بسبب كل ما ذكر في الآية السابقة، وأيضا بسبب كفرهم بعيسى ﵇ كما هو واضح من سياق الآية ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ بسبب قولهم على مريم بهتانا عظيما، لأنهم اتهموا مريم ﵍ بالفاحشة، والبهتان هو الباطل أو الكذب الذي لشدّته يصاب سامعه بالدهشة ويسكت متحيرا منه.\n\n<span id=\"aya-650\"></span>﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾.","vol":"1","page":391},{"text":"١٥٧ - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ إتمام الخطاب من الآيات السابقة، والمعنى أنّ الله تعالى غضب عليهم ولعنهم لأنهم تفاخروا وزعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم، لأنه بزعمهم ادعى أنه رسول الله، فلم يؤمنوا به وحرّضوا الحاكم الروماني في فلسطين على قتله، وقد يكون المعنى أنهم تفاخروا بقتله مع أنه رسول الله، أو مع علمهم أنه رسول الله ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ﴾ نفي قاطع لقتل أو صلب المسيح ﵇ ﴿وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي خيّل لهم قتل المسيح واشتبه عليهم موضوع القتل ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ﴾ والاختلاف في قتل المسيح ﵇ واقع بين المسيحية أنفسهم لا يجمعون على خبر يقيني، فمنهم من يعتقد أن المصلوب كان شخصا غيره في الوقت الذي كان المسيح واقفا في مكان قريب يضحك من ضلالهم، ومنهم من يعتقد أن المصلوب كان عيسى نفسه غير أنه لم يمت على الصليب بل كان حيا حين أنزل منه، ومنهم من يقول إنه مات على الصليب غير أنه عاد إلى الحياة وتحدث إلى تلاميذه عدة مرات، وروايات عديدة أخرى ليس لهم بها من اليقين شيء، فهم يتّبعون الظن والتخمين ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي لم يقتلوه على وجه اليقين، والمعنى أنهم كانوا شاكّين فيما إن كانوا قتلوه أم لا؟ وفي فصل (الصلب) من كتاب (المسيحية والإسلام والاستشراق) للكاتب المزيد من التفصيل عن هذا الموضوع،\n\n<span id=\"aya-651\"></span>﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١٥٨)\n١٥٨ - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي مستوفي أجلك في هذه الدنيا لأنّ أصل التوفي في اللغة هو أخذ الشيء وافيا، ثم استعمل بمعنى الموت، راجع تفسير [آل عمران: ٣/ ٥٥]، والرفع ذو معنيين فمن جهة هو تشريف الله ﷾ للمسيح ﵇ برفعه إليه، ومن جهة ثانية أن كيد الماكرين الذين تآمروا على قتل المسيح لم يكن ذا بال لأنه تعالى رفعه إليه","vol":"1","page":392},{"text":"فلم يحققوا مرادهم، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٤].\n﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فمن عزته تعالى أنه رفع المسيح إليه فلم يقتلوه ولم يصلبوه، ومن حكمته أنه أحبط كيدهم.\n\n<span id=\"aya-652\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١٥٩)\n١٥٩ - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كلّ واحد من أهل الكتاب من اليهود والنصارى عندما يدركه الموت، سيؤمن بعيسى ﵇، فاليهودي سيؤمن أن عيسى لم يكن مدّعيا أو كاذبا بل كان رسول الله حقا، والمسيحي سيؤمن به رسولا، وليس إلها أو ابن إله أو مصلوبا كما كانوا يزعمون في حياتهم، والمعنى من إخباره تعالى بذلك أن الإيمان عند معاينة الموت لا ينفع صاحبه، فالأولى أن يؤمن أهل الكتاب قبل موتهم (الزمخشري)، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ يشهد عليهم المسيح يوم القيامة بالحقيقة، وبأنهم كذّبوه أو شوّهوا رسالته أو جعلوه مصلوبا أو إلها أو ابن إله.\nوفي حين أن مسألة الصلب بذاتها قد لا تكون بالأمر الذي يهتم القرآن الكريم بنفيه لولا أن المسيحية جعلتها أساس العقائد والدين، ثم إنه كبر عليهم نفي القرآن الكريم لقتل المسيح وصلبه، وهم لذلك يوردون الشبهات على القرآن والإسلام.\n\n<span id=\"aya-653\"></span>﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ (١٦٠)\n١٦٠ - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ الواضح من سياق الآيات أن تحريم الطيبات لم يكن في أصل التوراة وإنما أحدثوه بعد تحريضهم على قتل المسيح ﵇، أي أنهم ظلموا أنفسهم بهذا التحريم وبصدّهم عن سبيل الله، وقد ذكر محمد أسد أيضا","vol":"1","page":393},{"text":"أن تحريم الطيبات عليهم كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض، ومعاناتهم، بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا يحيى وتآمروا على قتل المسيح ﵉، كل ذلك من جملة غضبه تعالى عليهم، واللعنة التي حلّت بهم بسبب نقضهم الميثاق، وكفرهم، وقتلهم الأنبياء، وتفاخرهم بقتل المسيح ﵇.\nوقد ورد موضوع التحريم أيضا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام:\n٦/ ١٤٦]، والذي يبدو من سياق هذه الآية أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار أنفسهم لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام، حتى أنّهم اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، واليهود يتّبعون أحبارهم فيما يدخلون على الكتب من أحكام وتشريعات حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، فالمغزى أنهمّ شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، وهو معنى قوله تعالى:\n﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي إنّها كانت حلالا في الأصل فحرّمها أحبارهم، وقوله: ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ فالجزاء من سنن الله في خلقه، ومن يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الكون بأكمله فهو ينسب التحريم، وما يترتب عليه من معاناة، إلى ذاته العليّة.\n\n<span id=\"aya-654\"></span>﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٦١)\n١٦١ - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ لأن كتبهم المحرّفة تسمح لهم بأخذ الربا من الأغيار - أي غير اليهود - وتنهى عن أخذ الربا من اليهود (سفر تثنية الإشتراع ٢٣/ ٢٠)، ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ بالخيانة والخداع والغش","vol":"1","page":394},{"text":"﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ أي الذين كفروا بالرسل، وخاصة كفرهم بالمسيح والنبي عليهما الصلاة والسلام.\n\n<span id=\"aya-655\"></span>﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١٦٢)\n١٦٢ - ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الذين لا يقتصر تديّنهم على المراسم الدينية والطقوس الخارجية، ولا يعتبرون دينهم مجرد جنسية تقليدا وتعصبا لآبائهم، بل يتعمقون في معنى الوحي لأنه أصل العلم، ويأخذون بالدلائل، ويتفكرون في مغزى الإيمان وجوهره ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إذ لا يمكن الفصل بين سلسلة الوحي التي نزلت على الأنبياء من بدايتها حتى اختتامها برسالة النبي ﷺ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ خصّ تعالى منهم المقيمين الصلاة - والمقيمين مفعول به منصوب على الاختصاص أو على المدح - فيكون تقدير الآية: وأخص بالذكر منهم المقيمين الصلاة ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في هذه الآية جرى تقديم الزكاة على الإيمان بالله واليوم الآخر لبيان أن العبرة بالدين هي بالعمل به، وليس الانتماء إليه فقط، لأن هذا هو مغزى الآية.\n\n<span id=\"aya-656\"></span>﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ (١٦٣)\n١٦٣ - ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أيها النبيّ ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ المغزى أن أمر النبي ﷺ كأمر سائر الأنبياء ﵈، وأن سلسلة الوحي التي بدأت بالنزول على البشر منذ القدم قد ختمت بالوحي المنزّل على النبي ﷺ، فما وجه اعتراض الكفار على ذلك؟ والكلام متعلق بما ورد قبله بالآية","vol":"1","page":395},{"text":"(١٥٠) بأن الكفار يفرّقون بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ثم سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وقد بيّن تعالى أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، ثم نقضوا الميثاق، وكفروا بعيسى، وافتروا على أمه مريم، ثم تآمروا على قتله وصلبه، والخلاصة أن تصرفاتهم منشؤها الكفر والعناد والتعنت، وليس طلب الدلائل والإسترشاد والهداية ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ يعقوب هو ابن اسحق ابن ابراهيم ولقبه إسرائيل، وجاء من ذريته سائر أنبياء أهل الكتاب، ثم انتقلت النبوة إلى محمد ﷺ وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، انظر تفسير آية [البقرة: / ١٢٢]، ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ مفردها سبط بمعنى ولد الولد، وأسباط بني إسرائيل اثنا عشر، والمقصود أن الوحي نزل في الأنبياء الذين بعثوا فيهم، وليس أن الوحي نزل بالضرورة على كلّ من أولاد يعقوب خاصة، ومن الخطأ تخصيص لفظ الأسباط بأولاد يعقوب من صلبه فقط ﴿وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ الزبور في اللغة هو الكتاب، وفي الأصل كلّ كتاب زبور، ثم اختصّ هذا الاسم بكتاب داوود ﵇.\n\n<span id=\"aya-657\"></span>﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ (١٦٤)\n١٦٤ - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وأوحينا إلى رسل آخرين أخبرناك عنهم قبل هذه السورة ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ بعثناهم إلى سائر أنحاء الدنيا لا علم لك بهم ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ أي إنه تعالى اختصّ موسى بطريقة خاصة من الوحي، ولا نخوض في حقيقتها وطبيعتها، وهي كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:\n٤٢/ ٥١].","vol":"1","page":396},{"text":"<span id=\"aya-658\"></span>﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١٦٥)\n١٦٥ - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ مبشّرين الناس بالنعيم المقيم في الحياة الآخرة لمن آمن منهم وعمل صالحا، ومنذرين الكفار والمجرمين بعذاب الآخرة ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ كي لا يدّعوا الجهل أو يقولوا إنهم كفروا لعدم وجود من ينقذهم من غفلتهم عن التفكر في الآيات الكونية والدلائل المؤدية للهداية، أو يدّعوا الانحراف عن الفطرة تقليدا لآبائهم ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ عزيزا في تطبيق أحكامه، حكمته بيّنة في الخلق.\n\n<span id=\"aya-659\"></span>﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ (١٦٦)\n١٦٦ - ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ إن كان الكفار بعد كل هذه الدلائل المتقدمة لا يشهدون بما أنزل إليك من الوحي ولا يؤمنون به، فإن الله تعالى شاهد على ذلك، وشهادته تعالى من حيث إن القرآن عجز عن معارضته الأولون والآخرون بما تضمنه من الحكمة والبلاغة وعلوم الغيب والكون وعلوم الأنبياء والرسل، وكون الآيات والسور محكمة النظم مع أنها نزلت على مدى (٢٣) عاما بترتيب مختلف عن ترتيب المصحف ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ متضمنا من علمه ومن حكمته تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ بنزول الوحي الذي حملوه إلى الرسل ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ فأي شهادة أعظم مما ذكر، ونظيره قوله تعالى:\n﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨].\n\n<span id=\"aya-660\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (١٦٧)\n١٦٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على كفرهم، واستغرقوا فيه، وماتوا عليه ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ صدّوا عن الإيمان ببعثة النبي ﷺ، وجحدوا بها","vol":"1","page":397},{"text":"لاعتقادهم أن النبوة لا تكون إلاّ في ذرية بني إسرائيل وأن الرسالات السابقة لا يمكن أن تنسخ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ لأن أشد الناس ضلالا من يكون ضالاّ ويعتقد أنه على حق، ويحاول إلقاء غيره في مثل ضلاله.\n\n<span id=\"aya-661\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ (١٦٨)\n١٦٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾ كفروا بعثة النبي ﷺ، وظلموا أنفسهم وغيرهم بضلالهم وإضلالهم ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ لأنهم ساروا على طريق الضلال بمحض اختيارهم وإصرارهم، فمن يسير على طريق يصل إلى منتهاه، والمعنى أن انتظار المغفرة من قبل هؤلاء كانتظار النقيض من النقيض، والضد من الضد، أو انتظار إبدال نظام العالم وسنته تعالى وحكمته في خلقه.\n\n<span id=\"aya-662\"></span>﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (١٦٩)\n١٦٩ - ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ وهي منتهى طريق الضلال والإضلال ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ فلا يستعصي على قدرته تعالى وهو مقتضى حكمته وسنته.\n\n<span id=\"aya-663\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١٧٠)\n١٧٠ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ خطاب إلى الناس كافة ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الرسول مع أل التعريف هو النبي محمد ﷺ بالذات، جاءهم بالحق وهو القرآن الكريم، وهو النبي الموعود والمذكور صراحة في كتب اليهود والنصارى، وقد كانوا بانتظاره فلما جاءهم من ذرية إسماعيل رفضوه ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأن خير الإيمان يعود على صاحبه في الدنيا والآخرة، وأنّ الله تعالى غنيّ عن عباده وعن العالمين ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عليما محيطا بشؤون عباده من المؤمنين والكفار لا يخفى عليه شيء من إيمانهم وكفرهم، حكيما في عاقبة أعمالهم وفي سننه فيهم.","vol":"1","page":398},{"text":"<span id=\"aya-664\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (١٧١)\n١٧١ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ المقصود بهم النصارى بدليل تتمة الآية ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح ورفعه إلى درجة الألوهية، فاليهود من جهة كفروا بالمسيح، والمسيحية من جهة ثانية جعلوا منه إلها، وكلا النقيضين كفر، وهذا الغلوّ في الدين أدخله في دين النصارى بولس أولا، والمجمعات الكنسية ثانيا، ابتداء من مجمع نيقية الذي انعقد عام ٣٢٥ برعاية قسطنطين الكبير إمبراطور بيزنطة، انظر تفسير آيات [آل عمران: ٣/ ٣] و[المائدة:\n٥/ ١٣ - ١٤، ٤٧]، ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ لا تدّعوا أنّه حلّ في جسد بشر، ولا أن له ولدا أو شريكا، سبحانه وتعالى عما يصفون علوّا كبيرا ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ بعثه تعالى إلى بني إسرائيل لينقذهم من الأوهام والخرافات والضلالات التي أضافها أحبارهم إلى رسالة موسى وجعلوها في كتبهم، حتى صار دينهم مجرد عصبية وجنسية، كما بعثه تعالى كي ينهاهم عن عبادة الجبت والطاغوت والمادة، ويبشرهم بقدوم خاتم الأنبياء والرسل، لقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦١/ ٦].\n﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ هو مصداق كلمته، وتحقيق وعده تعالى إلى مريم، والكلمة هي البشارة بميلاد عيسى، انظر آيات [مريم: ١٩/ ١٩] و[آل عمران:\n٣/ ٤٥]، ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ المسيح مثل سائر البشر خلق بنفخة الروح أو بروح من الله، لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٣٢/ ٧ - ٩].\n﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ لأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ لا تقولوا أيها النصارى: آلهتنا ثلاثة، وهو مذهب التثليث المعروف عندهم، وهم يدّعون الجمع بين التثليث والتوحيد في","vol":"1","page":399},{"text":"آن واحد، وهو تناقض يستحيل على العقول والأفهام ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي تنزّه تعالى عن مشابهة البشر في أن يكون له ولد، وفي كتب اليهود تكرر استخدام تعبير ابن الله بالمعنى المجازي، كما يقال الخلق كلهم عيال الله، ولكن النصارى أساؤوا استخدام التعبير، ولذلك أدانه القرآن الكريم ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ والمسيح من جملتها ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي به الكفاية لمن عرفه، وعرف سننه في خلقه، ووكّل إليه أمره.\n\n<span id=\"aya-665\"></span>﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (١٧٢)\n١٧٢ - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يستنكف أي يمتنع أنفة، والمعنى أن الملائكة المقرّبين لا يمتنعون أن يكونوا عبيدا لله، فكيف بالمسيح ابن مريم؟ ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ جميع الخلق محشورون إليه تعالى في كل الأحوال، فيجازي كلاّ بعمله.\n\n<span id=\"aya-666\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (١٧٣)\n١٧٣ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على إيمانهم وقيامهم بصالح الأعمال ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أضعافا مضاعفة فوق ما يستحقون ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ المعنى أنه تعالى يجازي المحسن بالعدل والفضل، وأما المسيء فيجازيه بالعدل فقط لأن رحمته تعالى سبقت غضبه ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ لا يجدون من يتولّى أمورهم يوم القيامة غيره تعالى، ولا نصيرا يدفع عنهم العذاب.","vol":"1","page":400},{"text":"<span id=\"aya-667\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (١٧٤)\n١٧٤ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي دلائل العقل والآيات الكونية، وقد تكون الفطرة السليمة، وقيل البرهان هو النبي ﷺ ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ وهو القرآن الكريم، لأنه ينير طريق الحق، وفيه بيان الأحكام والحقيقة.\n\n<span id=\"aya-668\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١٧٥)\n١٧٥ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ﴾ آمنوا بالله، وتمسّكوا بالقرآن، لأنه يعصمهم ويحفظهم ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ ينالون ثواب الله برحمة منه، ويزيدهم من فضله ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي يوفقهم ويثبتهم على طريق الإسلام.\n\n<span id=\"aya-669\"></span>﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٧٦)\n١٧٦ - هذه الآية تختم تشريع المواريث الذي سبق أن ورد في أوائل السورة، ويلاحظ فيها انتقال - في ظاهره مفاجيء - من آيات الإيمان، والكفر، والأنبياء، إلى موضوع من صميم التشريع الإجتماعي، وذلك انسجاما مع أسلوب القرآن الكريم الذي يتعمّد ربط آيات التشريع الاجتماعي والتطبيق الحياتي، مع آيات التوحيد والإيمان والأخلاق، والسبب أنّ حياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية سواء للفرد أو المجتمع، فيلزم لذلك اعتبار كلا الناحيتين في آن واحد:\n﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الكلالة اسم قد يطلق على الورثة أو على المورّث، فمن جهة: الكلالة هم ذوو القربى المحيطون بالميت من غير","vol":"1","page":401},{"text":"الأصول والفروع، فهم كالإكليل المحيط بالرأس، ومن جهة ثانية: الكلالة هو المورّث الذي ليس له ولد ولا والد، لأن الأخوة والأخوات لا يرثون في حال وجود أولاد للميت، أو وجود الوالد، والخطاب في هذه الآية عن الأخوة والأخوات من أب:\n﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ولا والد، والآية لم تذكر الوالد من قبيل الإيجاز البليغ، لأنه كتحصيل الحاصل، ولأن الأخوة والأخوات لا يرثون بوجود الوالد بالإجماع، وقد سبق بيان ذلك في الآية (١٢)، ولم تشترط الآية عدم وجود زوج، أو زوجة، لأن العرب تطلق الكلالة على النسب دون الصهر، ولأن الزوج، أو الزوجة، يرث كالأصول والفروع ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ واحدة من أب، شقيقة كانت أم لا ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ والشرط أن لا يكون للميت ابن ذكر، أمّا إن كان له بنت فتستحق النصف كما ورد في الآية (١١)، ويكون النصف الثاني للأخت ﴿وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ﴾ أي إن لم يكن لها ولد ذكر ولا والد، فيرث الأخ كامل ميراث الأخت، أما إن كان لها بنت فتستحق نصيبها ولا تحجب الأخ ﴿فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ بالتساوي، وإن اختلفتا كان للشقيقة النصف، والتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين، والباقي لمن يوجد من العصبة، إن لم يكن هنالك أحد من أصحاب الفروض كالزوجة، وإلاّ استحق كلّ ذي فرض فرضه أوّلا ﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلاّ الأخوة لأم فقط، فهم شركاء في ثلث أمهم بالتساوي، لأنهم حلّوا محلّها (الآية ١٢)، ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي يبيّن الله لكم الأحكام كراهة أن تضلّوا عن الطريق السوي ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو تعالى عليم بمصالح عباده في الحياة والممات.\n***","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-692>سورة المائدة - ٥ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-693>مقدمة</span>\nاشتق اسم هذه السورة من الآية (١١٢) التي تذكر طلب الحواريين من عيسى المسيح ﵇ تنزيل مائدة عليهم من السماء، وكما هي الحال في باقي سور القرآن الكريم فإن اسم السورة لا يمثل بالضرورة موضوعها الرئيسي، وإنما هو مجرد عنوان أو إشارة للسورة، والجمهور على أنها نزلت في العام العاشر من الهجرة خلال فترة حجة الوداع، وأنها من آخر ما نزل من القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-694>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتبين هذه السورة الكثير من الأحكام الشرعية المتممة لما سبق نزوله في سور (البقرة - آل عمران - النساء)، كما تبحث مزيدا من أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وموقف الإسلام منهم، وفي ترتيب السورة القرآني - التوقيفي - على هذا النحو ما فيه من إعجاز القرآن بالنظر لاستكمال سورة المائدة لمواضيع سور (البقرة - آل عمران - النساء) المتقدمة، مع أنها نزلت بعدها بحوالي سبع إلى ثماني سنوات.\nفبعد أن ختمت سورة النساء ببيان حكم إرث الكلالة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ٤/ ١٧٦]، تفتتح سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ٥/ ١] لأنّ من العقود ما يتضمن إقرار العباد بعبوديتهم لله تعالى والعمل بشرعه كما في آية [المائدة: ٥/ ٧]، غير أن","vol":"1","page":403},{"text":"اليهود ينقضون المواثيق ولا يوفون بالعقود، لا الإلهية منها ولا مع الناس، كما سيرد:\nففي سورة النساء أن اليهود يعصون الشرائع: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [النساء: ٤/ ٤٦]، وفي سورة المائدة - كما في آية [النساء: ٤/ ١٥٥]- أنهم ينقضون المواثيق ويخونون العهد: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٥/ ١٣].\nوفي سورة النساء أن لم يتبقّ لدى أهل الكتاب سوى نصيب - أي جزء - من الوحي الصحيح ومع ذلك هم مصرّون على الضلال والإضلال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤/ ٤٤]، وفي سورة المائدة بيان لهم بما يخفون من الكتاب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ٥/ ١٥].\nوفي سورة النساء أن غلوّ النصارى أدّى بهم إلى تأليه المسيح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ٤/ ١٧١]، وفي سورة المائدة أن ذلك كفر:\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٥/ ١٧].\nوفي سورة النساء أن اليهود بالغوا في معاندة موسى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ٤/ ١٥٣]، وفي سورة المائدة أنهم قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٥/ ٢٤].\nوفي سورة النساء أن اليهود أمروا بدخول الباب سجّدا أي متواضعين:\n﴿وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ٤/ ١٥٤]، وفي سورة المائدة أن المقصود","vol":"1","page":404},{"text":"دخول الأرض المقدسة: ﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥/ ٢١].\nوفي سورة النساء إنذار اليهود بسوء عاقبتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤/ ٤٧]، وفي سورة المائدة بيان لمآلهم: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:\n٥/ ٣٣]، وأيضا: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٥/ ٦٠].\nوفي سورة النساء زعم اليهود أن الكفار أهدى من المؤمنين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٤/ ٥١]، وفي سورة المائدة أن اليهود سمّاعون لأجل الكذب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة:\n٥/ ٤١].\nوفي سورة النساء أن أهل الكتاب جاهدون في إضلال المسلمين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤/ ٤٤]، وفي سورة المائدة نهي صريح عن اتخاذهم أولياء: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥/ ٥١]، أنظر أيضا [المائدة:\n٥/ ٥٧].\nوفي سورة النساء أن غلوّ النصارى أدى بهم إلى الاعتقاد بالتثليث: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ٤/ ١٧١]، ثم في سورة","vol":"1","page":405},{"text":"المائدة أن القول بالتثليث كفر: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٥/ ٧٣]، ونهي لهم عن الغلو: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٥/ ٧٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-695>محور سورة المائدة</span>\nيدور محور السورة حول المواضيع التالية بالترتيب:\n١ - الآيات (١ - ١١) في العقود، ومن ذلك بيان المحرّمات والطيبات، وأحكام الوضوء والصلاة، والشهادة.\n٢ - الآيات (١٢ - ٨٦) في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ودحض عقائدهم، لكونهم أضاعوا - نسوا - جزءا كبيرا من كتبهم، وتبين الآيات ضلال اليهود عن رسالة موسى وتمردهم، وإفسادهم في الأرض وما يترتب عليهم جزاء محاربتهم الله ورسوله، وسوء سرائرهم، ورفضهم إنجيل عيسى، وأن القرآن الكريم مهيمن على ما تبقى من كتب اليهود والنصارى بحيث أصبح معيارا لمعرفة الغث من السمين منها، الآية (٤٨)، لذا تنهى السورة المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وتفصّل في ضلال اليهود والنصارى وتبين كفرهم، لكنّ المؤمنين منهم دخلوا الإسلام.\n٣ - الآيات (٨٧ - ١٠٨) عودة الخطاب إلى أول السورة في العقود، وحكم اللغو في الأيمان، وحكم الأيمان المعقدة، وتحريم الخمر، وحكم الصيد في الحرم، والنهي عن التنطع في سؤال ما عفت عنه الشريعة، وتوجب الوصية وشهادتها،\n٤ - الآيات (١٠٩ - ١٢٠) ختام السورة في عيسى المسيح، وإيمان الحواريين والنصارى به، في حين ضلّت المسيحية عنه وجعلته وأمّه إلهين.\nوتبلغ السورة أوجها بأن القرآن الكريم يصدّق فقط ما تبقى بين يديه من الوحي الصحيح في كتب اليهود والنصارى، ويغربل الصحيح منها من الزائف:","vol":"1","page":406},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٥/ ٤٨].\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-670\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ (١)\n١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أمر تعالى بالوفاء بجميع العقود إطلاقا، ومن العقود ما يتضمن إقرار العباد بعبوديتهم لله تعالى كما في آية [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، والخطاب من الآية (١) حتى الآية (٧) في العقود التي أوجبها تعالى على المؤمنين وختمها بتذكيرهم بالميثاق، الآية (٧)، ومن العقود أيضا التي يتعاقد عليها العباد فيما بينهم في جميع معاملاتهم الدنيوية المدنية والشخصية، وإطلاق كلمة العقود يعتبر كل عقد بين الناس جائزا ويجب الوفاء به، ما دام لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وفيما عدا ذلك فقد أو كل تعالى تفصيل العقود بين الناس إلى عرفهم ومصالحهم التي تختلف باختلاف الأحوال دون تقييد، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشرع الإسلامي، لأنه بنتيجتها تنتظم المجتمعات، وتزدهر الأحوال المعيشية والاقتصادية ويستتب الأمن،\n﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ الأنعام هي الضأن والماعز والإبل والبقر، انظر آية [الأنعام: ٦/ ١٤٣ - ١٤٤]، وبهيمة الأنعام ذات معنى أوسع من الحيوانات الأهلية فقط، فهي تشمل حيوانات البر المشابهة لها، كحيوانات الرعي غير ذات الأنياب، التي تعيش على النباتات ولا تأكل اللحوم، ومن ثمّ فإن لحوم الحيوانات التي من أكلة اللحوم، وكذا الطيور الجوارح، تعتبر محرّمة ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلاّ ما يتلى عليكم تحريمه، كما سيرد في الآية (٣)﴾، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حرّم تعالى الصيد على المحرمين بالحج أو العمرة أو كليهما،","vol":"1","page":407},{"text":"كما حرّم الصيد لمن كان داخلا في أرض الحرم ولو لم يكن محرما ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ما يراه صالحا للعباد، بحسب علمه المحيط، وحكمته البالغة.\n\n<span id=\"aya-671\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢)\n٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ لا تجعلوها حلالا، والشعائر جمع شعيرة وهي ما جعل شعارا ومعلما لمناسك الحج والدين والفرائض ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ لا تجعلوه حلالا، وهو شهر الحج، وقيل الشهر الحرام اسم جنس للشهور الحرم الأربعة، ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، أنظر آية [التوبة: ٩/ ٣٦]، ﴿وَلا الْهَدْيَ﴾ وهي الأضاحي التي تهدى إلى بيت الله الحرام، لا تتعرضوا لها ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ مفردها قلادة، وكانوا يعلقونها في عنق الناقة أو البقرة أو الشاة، علامة على أنها هدي لبيت الله، كي لا يتعرض لها أحد حتى تبلغ البيت الحرام، والمعنى لا تنزعوا هذه القلائد من رقاب الهدي، كي لا يتعرض لها أحد بسبب الجهل أو بالغصب أو السرقة أو الحبس ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ ولا تحلّوا قتال قاصدي البيت الحرام للعمرة أو الحج، ولا تتعرضوا لهم، ولا تمنعوهم من قصدهم، ولا تقطعوا الطرق عليهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا﴾ أي هؤلاء القاصدين البيت الحرام يبتغون الفضل من ربهم وهو الثواب، وقيل الفضل هو التجارة المباحة لهم في الحج والعمرة، كما يبتغون رضا الله بحجهم أو عمرتهم ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ يباح لكم الصيد خارج الحرم بعد حلّكم من الإحرام ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الشنآن هو البغض، وجرم أي اكتسب جرما، والمعنى لا يكون بغضكم لقوم منعوكم أو يمنعونكم من الوصول إلى المسجد الحرام، لا يكون سببا لأن تعتدوا فتكسبوا جرما، والمنع من الوصول إلى المسجد الحرام قد","vol":"1","page":408},{"text":"يشمل في معناه الواسع منع المسلم من ممارسة واجباته الدينية وفرائضه الإسلامية وشعائره، فلا يجب أن يكون ذلك سببا للمسلم أن يعتدي ويتجاوز الحدّ، لأن الباطل لا يبرر العدوان ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ البرّ هو ما ثبت في القلوب من الإيمان، وما يظهر من أثره في العمل، واتقاء ما يضر صاحبه في الدين والدنيا، وليس مجرّد الصلاة من دون عمل، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٧٧]، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي اتقوا الله باتباع ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه، لأن من سننه تعالى في خلقه أنّ من يخالف ذلك يقع في العقاب الشديد.\n\n<span id=\"aya-672\"></span>﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)\n٣ - في هذه الآية بيان للمحرمات من البهائم المشار إليها في الآية الأولى، وفيها تفصيل ما ورد تحريمه في آيات [البقرة: ٢/ ١٧٣] و[الأنعام: ٦/ ١٤٥] و[النحل:\n١٦/ ١١٥]، والمحرّمات أربعة بالإجمال، وعشرة بالتفصيل، كما يلي:\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي البهيمة التي ماتت حتف أنفها ﴿وَالدَّمُ﴾ وهو الدم المسفوح وإن كان جامدا لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٥]، ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ هذه الأصناف الثلاثة حرّمت لأسباب صحيحة، ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ محرّم أكله لأسباب دينية، والمقصود تحريم ذكر اسم غير الله على الذبيحة كقولهم باسم اللات والعزّى وما شابه.","vol":"1","page":409},{"text":"﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ البهيمة التي ماتت خنقا ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ التي ماتت ضربا أو بضربة ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي تموت نتيجة سقوطها من مكان مرتفع أو غير مرتفع ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ التي افترسها الوحش، كلها محرمة لأسباب صحية ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ما أدركتم بالذبح قبل أن يفارق الحياة من أصناف المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع.\n﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ما يذبح تقربا للأوثان وأشباهها، محرمة لأسباب دينية، والنصب والأنصاب حجارة أو أوثان كانوا يذبحون عليها تقرّبا لأصنامهم وآلهتهم بزعمهم.\n﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ وهي محاولة معرفة ما قسم لهم من الغيب عن طريق السهام كالقرعة، وهي كناية عن كل محاولة لمعرفة المستقبل ﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ خروج عن طاعة الله،\n﴿الْيَوْمَ﴾ يوم عرفة من حجة الوداع بالسنة العاشرة من الهجرة ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ يئسوا من ردّكم عن دينكم بعد أن تمكّن الإسلام في نفوسكم واكتملت الرسالة ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ في اتباع دينكم، ولا تمالئوهم وتتزلفوا إليهم ﴿وَاِخْشَوْنِ﴾ بإتباع الإسلام ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فلم ينزل بعد هذه الآية تشريع من حلال أو حرام ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ قيل إن رسول الله ﷺ لم يعمّر بعد هذه الآية إلاّ واحدا وثمانين يوما، وقيل إثنين وثمانين يوما، والآية أيضا من قبيل الإخبار بالغيب بقرب وفاته ﷺ ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي من اضطر في المجاعة أو ظروف قاهرة لأكل بعض هذه المحرّمات المذكورة ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ غير مائل لأكلها ولا متعمّد ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الله تعالى يغفر أكل المحرّمات عند الضرورة، ومنه قال الفقهاء: الضرورات تبيح المحظورات.","vol":"1","page":410},{"text":"<span id=\"aya-673\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٤)\n٤ - ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ المعنى أن ما نصّ القرآن على تحريمه لا يندرج تحت صنف الطيبات، لأنّ المحرّمات، من أشياء وأفعال، تضر بالإنسان جسديا ومعنويا واجتماعيا، والنقطة الثانية أنّ ما لم ينصّ على تحريمه فهو حلال، وذلك واضح من صيغة الحصر في آيات [البقرة: ٢/ ١٧٣] و[الأنعام: ٦/ ١٤٥] و[النحل: ١٦/ ١١٥]،\n﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ﴾ عطف على الطيبات، أي وأحلّ لكم أكل ما تصطاده لكم الجوارح المدرّبة ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي كونكم مكلّبين لها، ومفردها مكلّب وهو الذي يدرّب الجوارح على الصيد، واشتقت من الكلب لأنّ أكثر ما يكون التدريب على الصيد في الكلاب ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ تعلّمون الجوارح، مثل العقاب والباز وغيرها، من التدريب على الصيد، ولأنّ أصل العلم كله من الله ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ المعنى كلوا ما تصيده الجوارح لأجلكم، ما لم تأكل منه، وهو معنى تمسك الصيد عليكم، أي تجعله موقوفا لكم ﴿وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ عند الأكل أو عند الذبح أو عند الصيد ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ باتباع أوامره والاكتفاء بالطيبات التي أحلّت لكم، واجتناب ما حرّم عليكم ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، وقد يرى الإنسان عاقبة عمله في الدنيا، وإن لم يكن فالآخرة قريبة، والموت أقرب بعيد، فسرعان ما يحين الأجل والحساب.\n\n<span id=\"aya-674\"></span>﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾.","vol":"1","page":411},{"text":"٥ - ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ أي الأصل في الأمور الحلّ، وكلّ ما نصّ القرآن على تحريمه لا يندرج تحت صنف الطيبات ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المحصنات بمعنى العفيفات منهنّ، راجع شرح آية [النساء: ٤/ ٢٥]، وقد ورد في تفسير المنار أنّ الحكمة في تحليل مؤاكلة أهل الكتاب وتحليل الزواج من نسائهم هي تألف قلوبهم ولتعريفهم بحقيقة الإسلام فيكون ذلك سببا في انتشاره بين أهل المرأة، أما من يتزوج الكتابية وهو يرى نفسه دونها ويحرص على تقليد قومها من النصارى، ويسمح لها بتنصير أولاده، فليس له من الإسلام إلا الجنسية، ويكون قد خالف الغرض الذي هدف إليه الشارع من تحليل نكاح الكتابيات، وقد حذّر الشيخ محمد رشيد رضا من التزوج بالكتابية إذا خاف الرجل أن تجذبه المرأة إلى دينها بسبب علمها وجمالها، أو بسبب جهله وضعف أخلاقه.\nوأما مؤاكلة أهل الكتاب فهي بالطبع لا تشمل أكل المحرمات المذكورة في الآية (٣)، علما أن هذه المحرّمات محرّمة أيضا في الشريعة الموسوية، وأن بعثة عيسى المسيح لم تنقض شريعة موسى ﵉، ولم تغير منها شيئا لقول المسيح ﵇ أنه لم يأت لنقض الشريعة بل لإكمالها (سفر متّى ٥/ ١٧)، ولا يوجد في الأسفار المسيحية ما يدلّ أن المسيح ألغى تلك المحرّمات.\nوأما الحكمة من السماح للمسلم بتزوج الكتابية في الوقت الذي تمنع المسلمة من التزوج بالكتابي فلأن المسلم يؤمن بجميع الأنبياء والرسل في حين أن النصارى لا يؤمنون بمحمد، واليهود لا يؤمنون بمحمد وعيسى معا، ففي بيت الزوجية يكون احترام جميع الأنبياء مؤكدا إذا كان الزوج مسلما، وفي ذلك ضمان لتماسك الزواج واحترام شعور المرأة، وليست الحال كذلك إذا كان الزوج غير مسلم ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهنّ، وهو شرط وجوب","vol":"1","page":412},{"text":"المهر لصحة الزواج ﴿مُحْصِنِينَ﴾ عفيفين متزوّجين ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ وهو الزنا المعلن ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ الزنا سرا، كلاهما محرّمان ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ تذهب أعماله الصالحة هباء إن رفض الإيمان بحلّ ما أحلّه الله وتحريم ما حرّمه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ يخسر نفسه، لقوله تعالى:\n﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٢٠].\n\n<span id=\"aya-675\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦)\n٦ - تتمة الخطاب من الآية (١)﴾ في العقود التي تلزم المسلم:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي إذا أردتم أداء الصلاة ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهو الوضوء فصّلته السنّة الشريفة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ الغائط هو المنخفض من الأرض، والمجيء منه كناية عن قضاء الحاجة، لأنهم كانوا في البادية يتسترون بالمكان المنخفض لقضاء الحاجة، وملامسة النساء كناية عن الجماع، وقيل هي على معناها الظاهر، أي مجرّد اللمس المشترك بين الرجل والمرأة، واشترط بعضهم اللمس بشهوة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ويجوز للمريض أن يتيمّم سواء وجد الماء أم فقد، لأن فقدان الماء يبيح التيمم للجميع فلا معنى لضمّه إلى المرض، وإنما يعود قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إلى المسافر، أي إن حكم المسافر إذا أراد الصلاة مماثل لحكم المتغوّط الموجب للوضوء، أو المجامع الموجب للغسل، فبإمكان كل هؤلاء التيمّم عند فقدان الماء، وقالوا إنه يجوز التيمم إذا كان وجود الماء مع تعذر استعماله،","vol":"1","page":413},{"text":"بسبب حرج كالمرض أو المشقة أو الضرر، أو ندرة وجود الماء ما يجعله كالمفقود ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الصعيد هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره، والطيب هو النظيف الطاهر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ تفصيل لكيفية التيمم وهو أمر تعبدّي محض، الحكمة منه إبداء إذعان المرء وخضوعه لله تعالى، وقد ورد أيضا في آية [النساء: ٤/ ٤٣]، ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي فيما شرعه لكم من أحكام الطهارة وغيرها من الأحكام، والحرج هو الضيق والمشقة فيما ضرره أكبر وأرجح من نفعه، مثل وضوء المريض إن كان الماء يضرّه، وإلقاء النفس إلى التهلكة بسبب الامتناع عن سد الرمق بطعام محرّم، وقد رأى الشيخ محمد رشيد رضا أن ربط كل ما لا نصّ فيه بآراء الفقهاء يوقع المسلمين بأشد الحرج والعسر في أمور دينهم حتى صار ذلك مبررا للكثيرين منهم للابتعاد عن حظيرة الدين.\n﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ بالتيمم، وحيث إن التيمم لا يفيد شيئا في النظافة الجسمية فيكون المقصود طهارة القلب بالامتثال لأوامر الله وطاعته، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تعتبر طهارة جسمية، فكذلك إزالة العقائد والأخلاق الفاسدة تعتبر طهارة نفسية، ولأن الكفر والمعاصي نجاسة للنفوس، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٩/ ٢٨]، ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بتشريع ما فيه مصلحتكم، وبالتيسير عليكم في أمور الدين ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لأن الشكر هو لمنفعة العبد، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ٣١/ ١٢].\n\n<span id=\"aya-676\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧)\n٧ - استمرار الخطاب في العقود:\n﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ إذ هداكم إلى الإسلام، فعليكم بالتالي لزوم شرعه ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ الميثاق أخذه الرسول","vol":"1","page":414},{"text":"على قومه، لأنّ قبول دعوة الرسول والدخول في الدين بمثابة عهد وميثاق بالسمع والطاعة، وقد نسب تعالى الميثاق إلى ذاته العلية كونه أخذ عن طريق رسوله، وهذا الميثاق عام لكل من دخل في الإسلام أو نشأ فيه، وهو أيضا العهد الذي أخذه تعالى على بني آدم حين أخرجهم من ظهور آبائهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا، انظر آية [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، وهو أيضا الدلائل العقلية على التوحيد والشرائع ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ بالوفاء بهذا الميثاق ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ خبير بالنوايا.\n\n<span id=\"aya-677\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٨)\n٨ - بعد أن بيّنت الآيات السابقة بعضا من جوانب العقود المشار إليها بالآية (١)، كأحكام الحلال والحرام، والوضوء والتيمم، ينتقل الخطاب إلى الأمر بالعدل:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ﴾ أي قوموا بأوامر الله ﴿شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ اشهدوا بالعدل لوجه الله تعالى، ولا تشهدوا بالباطل ابتغاء منفعة دنيوية ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أي لا يحملنّكم بغضكم للمشركين أو الكفار أو غيرهم على أن لا تعدلوا فتكسبوا بذلك جرما، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤوا إليكم، ولا تقابلوا الإساءة بمثلها، ولا تعتدوا ولا تتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن، وفي ذلك عودة وتأكيد لما في الآية (٢)، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء من أحوالكم.\n\n<span id=\"aya-678\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بعد أن شرّع تعالى في الآيات السابقة من الأحكام، وذكّر الخلق بميثاقه الذي","vol":"1","page":415},{"text":"واثقهم به، وأمرهم بالعدل، وعد الذين آمنوا منهم وقاموا بالأعمال الصالحة بالمغفرة، وهي ستر الذنوب وتكفيرها، وبالأجر العظيم وهو الثواب والجنة.\n\n<span id=\"aya-679\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ وهم الذين كفروا بالله ورسله، أو آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، أنظر آية [النساء:\n٤/ ١٥٠]، لا ينفعهم عمل مع الكفر والتكذيب.\n\n<span id=\"aya-680\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي بالبطش والقتل والغصب ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ المقصود تذكير المؤمنين الذين كانوا مستضعفين في بداية الدعوة بأنه تعالى كفّ أيدي الكفار عنهم، ومنعهم من الوصول إلى مبتغاهم إلى أن قوي الإسلام وصارت له السيطرة، والآية من ثمّ تشير إلى ضعف الجماعات الإسلامية في بداية نشوئها، في كل العصور وفي كل المجتمعات، حينما تهمّ قوى الشر بالبطش بها ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أيها المؤمنون حتى يكون التوفيق الإلهي معكم، وحتى يكفّ تعالى أيدي الكفار عنكم ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر تعالى المؤمنين بالتقوى ثم بالتوكل، والتقوى تكون بالطاعة وبذل الجهد في الوقاية من السوء.\n\n<span id=\"aya-681\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٢)\n١٢ - بعد أن أوجبت السورة الوفاء بالعقود إجمالا، الآيات (١ - ١١)، تنتقل هنا إلى بيان ميثاق بني إسرائيل المأخوذ عليهم وعدم وفائهم به، ونقضهم العهود:","vol":"1","page":416},{"text":"﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهو الميثاق الذي أخذه موسى على قومه، انظر آية [النساء: ٤/ ١٥٤]، نسبه تعالى إلى ذاته العلية كونه أخذ عن طريق رسوله موسى، وهو شبيه بالميثاق المذكور في آية [المائدة: ٥/ ٧]، الذي أخذه تعالى على المسلمين عن طريق نبيّه محمد ﷺ ﴿وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ التغيير في الضمائر من الغائب إلى المتكلم، ثم إلى الغائب، الغرض منه بيان أنه تعالى ليس كالبشر، بل ليس كمثله شيء، فلا يمكن التعبير عنه بضمائر الأشخاص، أمّا النقيب فهو الذي ينقّب عن الأسرار ويتحرّى أحوال الناس ويستخبر عنها، وهو أيضا العريف الذي يرأس الجماعة ويكون مسؤولا عنها وعن مصالحها، والاثنا عشر نقيبا: واحد من كل سبط من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر، وهي القبائل التي انحدرت من سلالة يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم ﵈، وقد اختار موسى نقيبا من كل سبط يرعى مصالح قبيلته ويشرف على تربيتها الدينية والتزامها بالشريعة ﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل، وقد وعدهم تعالى بالنصر والتوفيق بشرط التزامهم بالصلاة والزكاة، والإيمان بالرسل جميعا، بمن فيهم النبي محمد ﷺ المذكور صفته ومجيئه في كتبهم، وعزرتموهم: أي نصرتموهم ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اشترط عليهم الإنفاق في سبيل الله والقيام بالعمل الصالح، وهو غير الزكاة التي سبق ذكرها، روى الترمذي عن فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ في المال حقا سوى الزكاة» ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ فيزول تأثير سيئاتكم الماضية ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ ثوابا لكم ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي الطريق الصحيح، لأن الكافر يخطيء الهداية الإلهية، وهي طريق الاعتدال والتوازن في حياة الفرد والمجتمع، فيتّبع بدلا منها ما تمليه عليه أهواؤه ورغباته المادية المحضة.","vol":"1","page":417},{"text":"<span id=\"aya-682\"></span>﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ أي بسبب نقضهم الميثاق المذكور في الآية السابقة أخرجهم تعالى من رحمته، ومن نقضهم الميثاق أنهم عاندوا موسى وعصوه، انظر الآيات (٢٢ - ٢٤)، وعبدوا العجل، ودخلوا فلسطين طغاة متجبرين بدلا من الدخول دعاة متواضعين، انظر آية [الأعراف: ٧/ ١٦٢] ونشروا الفساد، وفي العموم فشلوا في حمل الرسالة الإلهية، وكذّبوا الرسل وقتلوا منهم العديد، ثم كفروا ببعثتي عيسى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ أي صارت قلوبهم بعيدة عن قبول الحق والإذعان للدلائل، وهذه من سنن الله تعالى في الخلق بأنّ الأعمال السيئة والتمسك بالاعتقادات الخاطئة تؤثر في نفوس أصحابها سلبا، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو تعالى ينسب «جعل القلوب قاسية» إلى ذاته العلية، مع أنّ القسوة نتيجة خيار حر من بعض البشر، وليست جبرا مفروضا عليهم، ولو كان تعالى قد خلقها في قلوبهم ابتداء لاستحال أن يعاقبهم عليها، ونظيره قوله تعالى:\n﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٢/ ٧].\n﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الكلم جمع كلمة، والمعنى أن أحبار اليهود تلاعبوا ويتلاعبون بكلام الوحي الذي نزل على موسى، وحرّفوه ويحرّفونه لفظا ومعنى، ويكتبون من عندهم وينسبون كتاباتهم إلى الوحي، وذلك واضح من تاريخ كتبهم المقدسة:\nيطلق على مجموعة الكتب المقدسة عند اليهود اسم «العهد القديم» وهي مكوّنة من ٣٩ سفرا، كما يطلق على الأسفار الخمسة الأولى منها اسم  Pentateuch  أي «الأسفار الخمسة» اختصارا، وهم يسمونها التوراة مجازا رغم","vol":"1","page":418},{"text":"أنه ليس لها علاقة بالتوراة الحقيقية باستثناء نصوص وعبارات مبعثرة بقيت من الأصل، ومن المعروف أن أسفار «العهد القديم» هذه كتبت بعد موسى ﵇ على فترات امتدّت عدّة مئات من السنين، والأسفار الخمسة كتبها الأحبار في أثناء فترة السبي البابلي (٥٨٦ ق م - ٥٣٧ ق م)، وكثير منها عبارة عن تأريخ قومي للشعب اليهودي، أما مؤلفوها فليسوا بالضرورة الأنبياء الذين تنسب إليهم الأسفار فلا يعدو ذلك مجرّد التخمين أو التمنّي، وقد ترجم العهد القديم إلى اليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد في الإسكندرية أيام الإسكندر الكبير وبعده، وتسمّى الترجمة اليونانية: السبعينية، وهي الترجمة التي هيمنت فيما بعد على مؤلفي كتب النصارى التي يسمونها «العهد الجديد»، انظر أيضا تفسير آية [آل عمران: ٣/ ٣]، وتعتبر الآية التي نحن بصددها، وغيرها من الآيات التي تشير إلى تحريف - تغيير - اليهود لكتابهم، من معجزات القرآن الكريم، لأن النبي ﷺ لم يكن مطلعا على كتب اليهود، ولم يكن بإمكانه أن يعرف أنها محرفة أو أنه قد طرأ عليها التغيير وأنه ضاع جزء كبير منها،\n﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الحظّ في اللغة هو النصيب أي الجزء، وما ذكّروا به هو التوراة، والقرآن يطلق كلمة الذكر على الوحي، لأنه تذكير للبشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، انظر [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، والمعنى أنهم أضاعوا قسما من توراتهم ولم يعملوا بالقليل الذي بقي عندهم منها، بل غيّروه وفسروه حسب هواهم، والنسيان هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ [البقرة:\n٢/ ١٠٦].\n﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ خائنة بمعنى خيانة، أي لا تزال أيها الرسول، وأيها المسلم، تطّلع على خيانة منهم، أو على أعمال ذات خيانة منهم، فلا تحسبنّ أنك بمعاهدتهم تأمن مكرهم وخداعهم، فإنهم قوم لا يؤمن جانبهم، لا وفاء لهم ولا عهد ولا أمان، وقد أوصى النبي ﷺ بإجلائهم عن جزيرة","vol":"1","page":419},{"text":"العرب، أخرج مالك في الموطّأ عن مالك عن ابن شهاب أنه ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، وأخرج أحمد في مسنده أنّ آخر ما عهد به النبي ﷺ أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان»، ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ أقلية مؤمنة منهم ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ﴾ الإشارة إلى الأقلية المؤمنة منهم، أو الباقية على العهد فلا يؤخذوا بذنوب غيرهم ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنّ الذي يعفو يكون محسنا فيكون قريبا من الله.\n\n<span id=\"aya-683\"></span>﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ اشتقت كلمة النصارى في القرآن الكريم من النصرة، وقد جاء على لسان عيسى المسيح قوله تعالى: ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٢]، أجابه الحواريون أنهم أنصار الدعوة إلى دين الله، وقد شرّفهم القرآن بهذه الصفة التي ادّعاها الحواريون لأنفسهم فسمّاهم نصارى، وإن كان من بعدهم - من أتباع كنيسة بولس - لم يلتزموا بنصرة دين المسيح، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ أي نسبوا أنفسهم إلى نصرة المسيح، حسب قولهم، وتكرر هذا الوصف في الآية (٨٢)﴾.\nومن المعروف أن عيسى المسيح لم يفوض أتباعه أن يسموا أنفسهم مسيحيين - نسبة إليه - كما لم يبتدع اسما خاصا لهم، ولا للتعاليم التي جاء بها، لأنه لم يأت ليؤسس دينا جديدا مخالفا لشريعة موسى، وإنما جاء لإصلاح اليهود وإحياء شريعة موسى الأصلية، وهو نفسه كان يهوديا يحترم الشريعة الموسوية ويتقيد بها، باستثناء ما وضعه عن اليهود من الأمور التي ابتدعوها وجعلوها عبئا على الدين، لقوله تعالى على لسان عيسى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٠]، وقد نقلوا عنه في","vol":"1","page":420},{"text":"الأسفار قوله إنه لم يأت لينقض الناموس أي شريعة موسى لكن ليتممه، وكان أتباعه الأوائل يصلّون جنبا إلى جنب مع اليهود في معبد القدس لأنهم لم يعتبروا أنفسهم طائفة مستقلة عنهم (سفر أعمال الرسل ٣/ ١ - ١٠، ٢١/ ١٤ - ٢١)، غير أن التباعد والانفصال بين الطرفين جاء تدريجيا بعد عيسى، فمن جهة أعلن بولس، الذي كان قبل ذلك عدوا لدودا للمسيح، انفصاله عن اليهودية وادعى أن مجرّد الإيمان بعيسى كاف للخلاص، ومن جهة ثانية أعلن أحبار اليهود أن أتباع المسيح هراطقة مرتدّون، وكان يطلق عليهم لقب النصارى  Nazarenes (أعمال الرسل ٢٤/ ٥).\nومن معجزات القرآن الكريم أنه استخدم كلمة (النصارى) من جديد بعد أن كانت قد اضمحلّت وطغت عليها تسمية «المسيحية»، ولم يكن بوسع النبي ﷺ أن يعلم ذلك، لأن لقب النصارى كان قد اضمحل منذ القرن الأول بعد المسيح، ثم استعمل لقب «المسيحيين» للمرة الأولى سنة ٤٣ - ٤٤ م في أنطاكية خلال زيارة بولس لها حيث كان يدعو الناس إلى دينه (أعمال الرسل ١١/ ٢٦) وكان معه الحواري برنابا قبل أن يختصما في حقيقة تعاليم المسيح وقبل أن ينفك أحدهما عن الآخر، وهكذا فإن المسيح ﵇ لم يكن المسيحي الأول بمعنى المسيحية الحالية، وإنما كان «النصراني» الأول، أما «المسيحي» الأول فهو بولس، بلا جدال.\n﴿أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ وهو كالميثاق الذي أخذه تعالى على المسلمين عن طريق نبيه محمد ﷺ الآية ٧ -، وكالميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل عن طريق موسى ﵇ الآية ١٢ -، ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الحظ في اللغة هو النصيب أي الجزء، وما ذكّروا به الإنجيل، والقرآن يطلق كلمة الذكر على الوحي لأنه تذكير للبشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، والمعنى أنهم أضاعوا قسما من إنجيلهم ولم يعملوا بالقليل الذي بقي عندهم منه،","vol":"1","page":421},{"text":"وسبب ذلك أن الإنجيل الحقيقي الذي نزل على المسيح ﵇ لم يدوّن في زمنه، ولذا ظهر بعده عدد كبير من الأسفار يزيد عن العشرين وقيل أكثر من ذلك بكثير، كلّ منها يروي سيرة حياة المسيح وأقواله حسبما وصل إلى علم الكاتب أو المؤلف كما سمعه شفاهة من غيره، بلا تحقيق، والملاحظ أن هذه الأسفار كتبت باللغة اليونانية، وليس بالآرامية التي نطق بها عيسى المسيح وحواريّوه ﵈، ورغم أن هذه الأسفار بدأت كتابتها خلال فترة تتراوح ما بين ٤٥ - ٩٥ عاما بعد المسيح فإن أقدم المخطوطات اليونانية عن هذه الكتابات الموجودة بين أيدينا اليوم يعود تاريخها إلى العام ٢٠٠ بعد الميلاد، ثمّ في عام ٣٢٥ للميلاد انعقد في نيقية في آسية الصغرى المجمع المسكوني الأول برعاية إمبراطور روما قسطنطين الكبير الذي دخل المسيحية وجعلها الدين الرسمي للدولة، وأدخل فيها من العقائد الإغريقية الوثنية التي كانت مهيمنة على فكره، وعلى فكر بولس من قبله، وقد تقرّر في ذلك المجمع اعتماد أربعة أسفار فقط من مجموع الأسفار الكثيرة التي كانت متداولة وقتئذ، وأطلقوا عليها لقب الأسفار القانونية أو المعتمدة  Canonical Gospels  وأحرقت الأسفار الباقية واضطهد أتباعها،\n﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ كان نسيان حظ كبير من كتابهم سببا لاتباعهم الهوى، وتفرقهم طوائف كثيرة جدا يعادي ويبغض بعضها بعضا، حتى سفكت دماء كثيرة في الحروب الدينية بينهم، ومن ذلك أيضا انقسامهم إلى طوائف وكنائس كثيرة لا يزال يتزايد عددها إلى اليوم تزايدا هندسيا، وقد أسند تعالى إغراء العداوة والبغضاء بينهم إلى ذاته العلية مع كونه من أعمالهم الاختيارية بمقتضى سننه في خلقه من أسباب ومسببات ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ينبئهم يوم القيامة بحقيقة ضلالهم، ويحاسبهم عليه.","vol":"1","page":422},{"text":"<span id=\"aya-684\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ (١٥)\n١٥ - بعد بيان ضلال اليهود والنصارى عن كتبهم، تدعوهم هذه الآية إلى الإسلام:\n﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ وهم اليهود والنصارى، والكتاب اسم جنس للوحي ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا﴾ محمد خاتم الأنبياء والرسل ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ﴾ إخفاء الكتاب أنهم أضاعوا الجزء الأكبر منه، وتعاموا عن الباقي الذي يخالف أهواءهم، واتبعوا دعوة بولس ونسبوها إلى المسيح في حين أهملوا رسالة المسيح، فجاء القرآن يبيّن لهم الشريعة على حقيقتها ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ يترك الرسول الكثير ممّا نسخ من شرائعهم، كما يقال عفا عليها الزمن، ويعفيهم من الكثير الذي أضافه الكتبة والكهنة على كتبهم، ويعفيهم من الرهبانية، ومن الكثير من التحريم الذي ابتدعوه ولم يكتبه الله عليهم ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ النور الذي جاءهم من الله هو نور الإسلام أضاء لهم الحقيقة وميّزها عن الضلال الذي هاموا ويهيمون فيه، والكتاب المبين هو القرآن، لأنه ظاهر الإعجاز لغير المكابر.\n\n<span id=\"aya-685\"></span>﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ أي بالقرآن ﴿مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ أي من كان مبتغاه من طلب الدين التوصل إلى الدين الذي يرضاه الله تعالى فيهديه إلى سبل السلام ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي الطرق المؤدية إلى الإسلام وما يرافق ذلك من السلام الذي هو السكينة والاطمئنان الروحي والمادي ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ من ظلمات الكفر والخرافات والأوهام، والعبودية للرؤساء والزعماء،","vol":"1","page":423},{"text":"إلى نور الإيمان، والتوحيد الخالص، والتحرر من عبودية الدنيا ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يوفّقهم ويثبّتهم على طريق الإسلام.\n\n<span id=\"aya-686\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)\n١٧ - بعد أن بيّن تعالى أخذ ميثاق الذين قالوا إنهم نصارى، ونسيانهم حظّا من ذكرهم، وتفرقهم طوائف كثيرة، تبين هذه الآية سبب انحرافهم عن النصرانية:\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ وهم أتباع كنيسة بولس، والكفر في اللغة هو تغطية الشيء، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٥٧/ ٢٠]، فقد زعم بعضهم أن المسيح هو الإله المتجسد، وزعم بعضهم الآخر أنه ابن الله، وأنه الشخص الثالث في ثالوثهم الذي ابتدعته المجمّعات المسكونية، وهم في كل هذه الأقوال ينكرون الحقيقة.\n﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي من يقدر أن يدفع عنهم قضاء الله وقدره إن أراد هلاكهم ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ يحكم فيها ما يريد بحكمته ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن معجزات عيسى العديدة، وخلقه من غير أب، ليس موجبا لتأليهه، لأن خالق الكون والسنن والأسباب والمسببات يخلق ما يشاء ولا يستعصي على قدرته شيء.\n\n<span id=\"aya-687\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ إدعاء اليهود بذلك مذكور في أسفارهم، انظر (سفر الخروج ٤/ ٢٢) و(سفر جرميا","vol":"1","page":424},{"text":"٣١/ ٩)، وتكرّر ادعاء النصارى به في بعض أسفار العهد الجديد، وقد استخدم اليهود تعبير أبناء الله مجازا، بمعنى أحبائه، غير أنّ النصارى استخدموا التعبير على أنه حقيقة بالنسبة للمسيح ﵇ تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا - ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ إن كنتم أبناء الله كما تدّعون فلم يعذّبكم بذنوبكم؟ فانظروا ما حدث لكم من العذاب والقتل والتشريد والفتن في تاريخكم، وكيف يتكرر هذا العذاب في كل زمان عندما يحصل سببه، فلستم معصومين منه في الدنيا، عدا ما ينتظركم من عذاب الآخرة ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ تنطبق عليكم سننه تعالى وتتحملون عواقب أعمالكم كغيركم من البشر ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يغفر ذنوب من يشاء من أهل طاعته ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ يعذّب من يشاء تعذيبه من أهل معصيته ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ يحكم فيها ما يريد بحكمته ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ تؤول إليه أمور خلقه دون غيره، فيعذبهم في الآخرة على كفرهم وغرورهم، وعلى ادعائهم الباطل أنهم أبناء الله وأحباؤه.\n\n<span id=\"aya-688\"></span>﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ من اليهود والنصارى ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا﴾ النبي المنتظر المذكور في كتبكم، والذي كنتم تتطلعون إلى قدومه، انظر مثلا (سفر متّى ١١/ ٣) و(سفر يوحنا ١/ ١٩ - ٢٥)، ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ يبين لكم الشرائع والدين الصحيح، ويبين التغيير ويصحح التحريف الذي طرأ على كتبكم منذ بعث أنبيائكم، ويحرركم من الوهم بأنكم شعب الله المختار أبد الدهر، أو أنكم أبناء الله وأحباؤه، ويحرركم من العقائد الفاسدة، التي دخلت على دينكم ممّا لم يأت بها موسى ولا عيسى المسيح ﵉ ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ بعد انقطاع من الرسل، يقال فتر الشيء فتورا إذا نقصت حدّته، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور العمل بشرائعهم، وقد جاءت بعثة خاتم الأنبياء والرسل","vol":"1","page":425},{"text":"بعد بعثة المسيح آخر أنبياء بني إسرائيل بأكثر من ستة قرون، وكانت الرسل قبله تترى في بني إسرائيل ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ أي كراهة أن تعتذروا فتقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير يعيدنا إلى الطريق القويم، لأنهم كانوا بانتظار قدوم النبي المنتظر، المخلّص من الضلال، فلمّا جاءهم لم يؤمنوا به ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ ليبين لكم أن الأمر ليس منوطا بالأماني والأوهام، ولكن بالإيمان والعمل، فبطلت حجّتكم ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو قادر على الاستجابة لحاجات خلقه ونصرة دينه بأن بعث فيهم خاتم الأنبياء والرسل.\n\n<span id=\"aya-689\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - في هذه الآية يعود الخطاب لموضوع الآيات (١٢ - ١٣) عن بني إسرائيل خاصة، وما يليها عن النصارى وأهل الكتاب عامة:\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ المعنى اذكر أيها النبي لبني إسرائيل ولغيرهم من الناس، ما قاله موسى لهم مذكّرا إيّاهم بنعم الله عليهم ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ﴾ بعث في بني إسرائيل الكثير من الأنبياء المذكورين في كتبهم، فمن جهة شرّفهم تعالى بكثرة بعث الأنبياء فيهم، وهو من جهة ثانية دليل على ارتكاسهم المتكرر نحو الوثنية والضلال ممّا استدعى تقويمهم باستمرار، إلى أن بعث فيهم آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ فرفضوه، ثمّ رفضوا خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، وما زالوا إلى اليوم ينتظرون قدوم المسيح وقدوم النبي المنتظر ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ لأنّ بني إسرائيل، بعد تحررهم من عبودية فرعون، صاروا ملوك أنفسهم، وقضى تعالى أن يكون منهم الملوك الأنبياء كداود وسليمان ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي في زمانهم، آتاهم تعالى الوحي الذي نزل على موسى ﵇، كما آتاهم الكثير من المعجزات في زمن موسى كانفلاق البحر، ونزول المن والسلوى،","vol":"1","page":426},{"text":"وتظليل الغمام عليهم في صحراء التيه، وانفجار الماء من الصخر باثنتي عشرة عينا.\n\n<span id=\"aya-690\"></span>﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿يا قَوْمِ﴾ استمرار خطاب موسى لهم ﴿اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ وهي فلسطين، وسمّيت مقدسة لكثرة ما بعث فيها من الأنبياء ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أي كتب الله لكم دخولها والدعوة إلى دين الله فيها، وليس في الآية ما يدل على اختصاص فلسطين بهم وحدهم دون غيرهم من الناس، ولا امتلاكها أبد الدهر فذلك مخالف للواقع التاريخي، كما أن وعد فلسطين لهم مرتبط ومشروط بحمل الدعوة والرسالة الإلهية لغيرهم من الأمم، وفشلوا في ذلك أشدّ الفشل، وقد ساكنهم في فلسطين، منذ أن دخلوها، غيرهم من الأمم كالكنعانيين والآشور والكلدان واليونان والرومان، ولم تحصل لليهود الدولة الدنيوية في جزء من فلسطين سوى حوالي أربع مئة عام وهي ما بين ملك طالوت (شاؤل) عام ١٠٢٠ ق. م وحتى سقوط القدس بيد نبو خذنصّر عام ٥٨٦ ق. م.، فقد حكمهم الفرس ثم اليونان ثم الرومان، إلى أن أجلاهم الرومان عن فلسطين نهائيا عام ٧٠ م فكان بداية عصر الشتات لهم الذي استمر قرابة ألفي عام، وقد دخل المسلمون القدس عام ٦٣٨ م في خلافة عمر، وكان من شروط الفتح التي وضعها بطرك القدس أن لا يدخلها اليهود كما هو مدوّن في العهدة العمرية، انظر شرح الآية (٣٣)﴾ حيث عاقبهم تعالى بالنفي من أرض فلسطين نهائيا، وأن إقامتهم فيها لا تكون دائمة ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي لا تنكصوا إلى الوثنية والضلال، كما كان دأبكم، فتخسروا دينكم ودنياكم.","vol":"1","page":427},{"text":"<span id=\"aya-691\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ ذوي قوة شديدة وبطش، وهو ما بلغهم عن طريق النقباء المذكورين في الآية (١٢) الذين تجسسوا لهم عن أحوال الأرض المقدسة وعادوا لهم بهذه المعلومات ﴿وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ جبنوا عن دخول الأرض المقدسة حين تبيّن لهم أمر الجبّارين وشدة بطشهم، كأنهم أرادوا أن تكون مهمتهم بقوة الخوارق والمعجزات التي اعتادوا عليها، دون عمل ولا تضحيات من جانبهم، ويبدو أنهم اعتادوا العبودية والجبن والضعف طيلة إقامتهم في مصر حتى أن بعضهم أراد العودة إلى العبودية في مصر خوفا من تحمل المسؤولية والتضحية، وقد أشار تعالى لذلك بقوله على لسان موسى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي اهبطوا مصر إن شئتم، انظر شرح آية [البقرة: ٢/ ٦١]، ومن جهة ثانية فأي فائدة تكون في إخراج الجبارين من سكان فلسطين - الكنعانيين -، فالمقصود من الرسالة هداية الناس، كما فعل المسلمون في البلاد المفتوحة، وليس إخراجهم من بلادهم، وقد يكون المقصود بالجبارين ملوك كنعان فتكون مهمة بني إسرائيل تحرير السكان من الملوك الطغاة وهدايتهم إلى الدين الجديد.\n\n<span id=\"aya-692\"></span>﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أي يخافون الله، وقيل هما اثنان من النقباء الاثني عشر ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالهداية والتوفيق ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ أي بمواجهة أمامية دون غدر ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ لأن الله وعدكم النصر، الآية (٢١)﴾، ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مؤمنين يقينا بنبوة موسى وبوعد الله لكم.","vol":"1","page":428},{"text":"<span id=\"aya-693\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أصرّوا أن يكون دخولهم الأرض المقدسة عن طريق الخوارق، وليس عن طريق العمل والتضحية واتباع سنن الله في خلقه، ولم تنفع فيهم موعظة الرجلين، فكان منهم هذا الجواب الخارج عن حدود الأدب حتى أنهم قالوا ﴿رَبُّكَ﴾ ولم يقولوا: ربّنا.\n\n<span id=\"aya-694\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ شكى موسى أمره إلى الله تعالى معتذرا إنه لا يملك إلاّ أمر نفسه وأمر أخيه هارون، ولا يستطيع أن يحمل الباقين على طاعته بمن فيهم النقيبين، إذ يبدو أنّ الأقلية لم تجرؤ على الإقدام بعد أن تخاذل الناس ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي فاقض بيني وأخي والأقلية التي معنا من جهة، وباقي القوم الفاسقين من جهة ثانية، وهم الخارجون عن الطاعة.\n\n<span id=\"aya-695\"></span>﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي إن فلسطين الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء القوم الذين معك ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتاهوا في أرض سيناء أربعين سنة حتى فنوا، ونشأ في التيه الجيل الثاني منهم الذي دخل الأرض المقدسة بعدهم، والآية تفيد معنيين:\n١) أنها محرمة عليهم تحريما نهائيا إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ والدليل على ذلك الآية (٣٣)﴾، ولا يمنع ذلك أن يقيموا فيها مؤقتا في بعض الأوقات لفترات محدودة،","vol":"1","page":429},{"text":"٢) وهي أيضا محرمة عليهم، في زمن موسى، أربعين سنة إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿سَنَةً﴾ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي لا تحزن يا موسى على هؤلاء العصاة.\nوفي تفسير المنار أن الشعوب التي تنشأ في الاستبداد وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها وتذل نفوسها ويذهب بأسها وتألف الخضوع وتأنس بالمهانة والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق مكتسبة موروثة حتى تصبح كالغرائز الفطرية والطبائع الخلقية، فإذا أخرج صاحبها من بيئته وجدته ينزع بطبعه إليها، وقد أفسد ظلم الفراعنة في مصر فطرة بني إسرائيل وطبعهم بالذل والمهانة، حتى بعث تعالى موسى فيهم وأراهم الكثير من المعجزات والآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وعلى صدق نبوة موسى، وأخرجهم من الذل والعبودية في مصر إلى الحرية والاستقلال والنعيم، ومع كل ذلك كانوا يتململون من موسى ويتطيرون منه ويعصونه ويذكّرونه بمصر، ويلومونه لأنه أخرجهم منها ويحنّون إلى العودة إليها رغم ما فيها من العبودية، انظر آية [البقرة: ٢/ ٦١]، ولما غاب موسى عنهم أياما لمناجاة ربه، اتخذوا عجلا لهم من حليّهم وعبدوه لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين، وإعظام معبودهم العجل، وقد سبق علمه تعالى أنّ نفوسهم الذليلة لا تطيعهم على دخول أرض الجبّارين، وأن الوعد الذي أعطاه لأجدادهم إنما يتم وفق سننه في طبيعة المجتمع البشري، فلزم أن يهلك ذلك الجيل الذي نشأ في العبودية والوثنية، وينشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة وعدل الشريعة ونور الآيات الإلهية، وما كان تعالى ليهلك قوما بذنوبهم حتى يبيّن لهم حجته عليهم ليعلموا أنهم أنفسهم يظلمون، انظر آيات [هود: ١١/ ١١٧] و[الأنعام: ٦/ ١٣١]، وقد أمرهم تعالى دخول الأرض المقدسة بعد أن أراهم عجائب تأييده، فأبوا واستكبروا وجبنوا فأخذهم بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم قوما آخرين.","vol":"1","page":430},{"text":"<span id=\"aya-696\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي على بني إسرائيل، فالكلام لا يزال عنهم ﴿نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ﴾ أي خبرهما، والخطاب متعلق بالآية (١٥)، وقوله تعالى: ﴿اِبْنَيْ آدَمَ﴾ مجازا، أي هما من بني آدم، وليسا بالضرورة ابني آدم من صلبه، والعرب تقول بني آدم عن جنس البشر، انظر آيات [الحجر: ١٥/ ٢٨ - ٤٢]، ولأن الكلام لا يزال عن بني إسرائيل، فيحتمل أنهما رجلان منهم، بدليل قوله تعالى في آخر القصة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ (٣٢)﴾.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ أي أخبرهم بحقيقة القصة، وبالغرض المقصود منها وهو تقبيح الحسد وعاقبته السيئة، لأن علاقة الآية بما قبلها هو موضوع الحسد بالذات، وأن الحسد قديم في بني آدم كما في بني إسرائيل بالذات، ومن ذلك أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كفروا بالبعثة الإسلامية لحسدهم محمدا ﷺ فيما آتاه الله من الدين الحق، ولأنهم ظنّوا أنّ النبوة لا تكون إلا فيهم ولا تخرج عنهم، فعتوا واستكبروا.\n﴿إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ القربان هو ما يتقرّب به إلى الله تعالى، كالأضحية أو الصدقة، ولم تذكر الآية كيف علما أنّ القربان تقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، ولعلّهما علما ذلك من نبيّ في زمانهما، وأما قول البعض أن النار كانت تنزل من السماء فتأكل الذبيحة أو القربان المقبول فذلك من الإسرائيليات، وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨٣]، فلأن اليهود كانوا يحرقون القرابين بالنار بحسب شريعتهم، ولا تزال طائفة السامريين منهم تحرق القرابين في نابلس بفلسطين إلى اليوم.\n﴿قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي قاله الذي لم يتقبّل قربانه لأخيه متوعّدا إياه، فأجابه:\n﴿قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ بيّن له أخوه سبب قبول قربانه: وهو","vol":"1","page":431},{"text":"التقوى، والمعنى: عليك يا أخي بالتقوى، فإنّه تعالى لا يقبل الأضاحي والصدقات إلاّ من المتّقين، ثمّ تابع قوله واعظا أخيه:\n\n<span id=\"aya-697\"></span>﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي لا يمكن أن أكون قاتلا، فهذا مناف للتقوى ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ بأن أصبح قاتلا، فهو يعظ أخاه ليثنيه عن محاولة القتل، وليس في الآية ما يفيد عدم دفاعه عن نفسه، وإنما هي موعظة لأخيه وتأكيد عدم إقدامه على القتل، وفي الحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال كان حريصا على قتل صاحبه».\n\n<span id=\"aya-698\"></span>﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ وهي تتمة موعظة الرجل لأخيه، وقد ذكر الزجّاج أن تقدير الآية: إني أريد - أن تكفّ عن قتلي كراهة - أن تبوء بإثم قتلي، وإثم فعلك الذي من أجله لم يتقبّل قربانك.\nوهذا الحذف أو الإضمار - قبل حرف أن - شائع في التنزيل، كقوله تعالى:\n﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ٤/ ١٧٦]، أي كراهة أن تضلوا أو لئلاّ تضلّوا، وقوله ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٦/ ١٥] أي كراهة أن تميد بكم، وغير ذلك من إضمار الجمل أو إضمار المضاف كثير،\n﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ المعنى: أخاف عليك يا أخي أن تكون عاقبتك في النار، فهي جزاء الظالمين لا محالة.\n\n<span id=\"aya-699\"></span>﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ رغم كل المواعظ من أخيه فإنّ نفسه الأمارة بالسوء ذللت له أمر القتل فأطاعها ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ خسر أخاه، وخسر نفسه في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":432},{"text":"<span id=\"aya-700\"></span>﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ السوأة هي ما يسوء ظهوره أو يسوء مظهره، ورؤية جسد الميت، ولا سيما القتيل ممّا يسوء الناظرين إليه، والمعنى أن القاتل إضافة إلى جريمته ترك جثة أخيه في العراء بلا دفن، حتى بعث الله غرابا يحفر في الأرض بحثا عن الطعام، ممّا أوحى إلى القاتل أن يحفر حفرة لدفن أخيه القتيل: ﴿قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ قالها متحسرا بعد أن اكتشف فظاعة الواقع الذي انتهى إليه ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ صدمته فكرة دفن جثة أخيه تحت الأرض، وأحسّ بفظاعة الجرم الذي اقترفه.\n\n<span id=\"aya-701\"></span>﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ أي من أجل مثل هذه الجرائم التي يقتل فيها الأبرياء ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي شرّعه تعالى عليهم، ولا يمنع أن ينطبق هذا التشريع على الناس جميعا في كلّ الأزمنة والأمكنة، وإنّما خصّ بني إسرائيل بالذكر لكون الحديث عنهم، والإفساد فيهم أكثر من غيرهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي بغير سبب القصاص الذي شرعه تعالى: ﴿أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لإفساد في الأرض، وقد أضمر حرف الجر ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ لأن الفوضى تعم ويصبح كل إنسان عندئذ معرضّا للقتل، والإشارة إلى تكافل المجتمع وتضامنه، وهو ما يشار إليه في التعبير الحديث بالحق العام ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعًا﴾ إذا امتنع كل فرد عن القتل يكون الجميع آمنين على أنفسهم في المجتمع ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ﴾ بعث في بني إسرائيل الكثير","vol":"1","page":433},{"text":"من الرسل يبيّنون لهم طريق الحق ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ مسرفون في المعاصي، وخاصة القتل، رغم مجيء رسلهم لهم بالبيّنات - وفي الآية التالية بيان جزائهم على ذلك -، وكانوا يقتلون الرسل قبل غيرهم من الناس.\nوشبيه بذلك قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢١].\n\n<span id=\"aya-702\"></span>﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣٣)\n٣٣ - استمرار الخطاب، فبعد أن ذكر تعالى عصيان بني إسرائيل ونقضهم الميثاق وخيانتهم وتمردهم على موسى ﵇، وحسدهم النبي ﷺ ومحاربتهم له، وإسرافهم في قتل الأنبياء، بيّن تعالى في الآية التالية ما حلّ ويحلّ بهم من التقتيل والتنكيل في الحياة الدنيا جزاء لهم على ذلك، بموجب سننه تعالى في خلقه، فقال جلّ شأنه:\n﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ المقصود الذين يحاربون الله ورسله، لأنّ الرسول في هذه الحالة اسم جنس للرسل ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ وهم اليهود، لأن الكلام من الآية (٢٠) حتى الآية (٣٤)﴾ متصل، وهو عنهم، ولقوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ،﴾ وجزاؤهم: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الواضح أن الآية لا تهدف إلى تشريع القتل أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من جهات مختلفة لمن يحاربون الله ورسله، وإنما تكنّي الآية عن واقعهم","vol":"1","page":434},{"text":"الذي يصيرون إليه فعلا في الحياة الدنيا، بموجب نظام الأسباب والمسببات، جزاء على ما ارتكبوه من شرور عبر العصور، وهو معنى قوله ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ أي من خلافهم، ومخالفتهم الرسل، حتى صار خلافهم الرسل سمة متأصلة فيهم، وأما الصلب فكناية عن العذاب - قال الألوسي في تفسيره آية [الأعراف: ٧/ ١٢٤]:\nالتصليب مأخوذ من الصلب وشاع في تعليق الشخص بحبل في عنقه ليموت وهو المتعارف اليوم -، كما يحتمل أن تقطيع الأيدي والأرجل كناية عن زوال المقدرة،\n﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا﴾ تكررت الإشارة إلى خزي اليهود في الدنيا في آيات [البقرة: ٢/ ١١٤، ٨٥]، وآية [المائدة: ٥/ ٤١]، عدا هذه الآية، ومن هذا الخزي الذي حلّ بهم تاريخيا:\nأولا: سقوط مملكة إسرائيل بعاصمتها شكّيم (نابلس) بيد ملك آشور سرجون الثاني عام ٧٢١ ق. م ونفي وتشتيت قبائل إسرائيل العشرة إلى غير رجعة، ثم سقوط مملكة يهوذا بعاصمتها القدس بيد ملك الكلدانيين نبو خذنصّر عام ٥٨٦ ق. م. ثمّ نفي ما بقي من اليهود إلى بابل، ثم معاناتهم المريرة والمستمرة مئات السنين تحت حكم الفرس واليونان والرومان بعد عودتهم من النفي، وبعد أن رفضوا آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ وحاولوا قتله، تم إجلاؤهم عن فلسطين عام ٧٠ م على يد تيطس إمبراطور روما، ثم تمّ تخريب معالم القدس والهيكل تماما وقتل وتشريد من بقي من اليهود على يد القائد الروماني أدريانوس عام ١٣٥ م، فكان في ذلك نفيهم وشتاتهم نهائيا في أنحاء العالم، ثم كان نفيهم من جزيرة العرب بعدما حاربوا النبي ﷺ وتآمروا عليه، ثم اضطهاد المسيحية لهم في أوروبة منذ ذلك الحين حتى العصر الحديث على يد النازيين، كل هذا الواقع يعتبر أيضا مصداقا لما جاء في آيات [الإسراء: ١٧/ ٤ - ٨]، ومصداقا لقوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ١٣] أي أبعدهم","vol":"1","page":435},{"text":"تعالى من رحمته، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ٧/ ١٦٧ - ١٦٨]، وقد حلّ فيهم التقتيل والتعذيب والتقطيع، من خلافهم أي مخالفتهم الرسل، كما حلّ فيهم النفي من الأرض أي من فلسطين، وتشتّتوا في أنحاء العالم، ولا عبرة بإنشاء دولتهم ولمّ شمل عدد كبير منهم في فلسطين في العصر الحاضر إذ لا شكّ أنه سيتكرر مصيرهم الذي تشير إليه هذه الآية عند ما يغيّر المسلمون ما بأنفسهم.\nومن جهة ثانية: فإنّ لفظ كلمات الآية ﴿يُقَتَّلُوا﴾ بتشديد التاء وليس (يقتلوا)، و﴿يُصَلَّبُوا﴾ بتشديد اللام وليس (يصلبوا) يدل على التكثير والتدريج، فالتقتيل والتصليب غير القتل والصلب، وهو لذلك ينصرف إلى أعداد كبيرة منهم وليس إلى أفراد محدودي العدد، ويعزّز ذلك أنّ الخطاب في الآية هو بالجمع: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وليس بالمفرد، بالمقارنة مع قوله تعالى في آية حدّ السرقة:\n﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٥/ ٣٨] فاستخدم المفرد.\nومن جهة ثالثة: فإن سياق الكلام واتصال الآية بما سبقها يقتضي أن يكون الكلام عن عقاب بني إسرائيل بالذات، فالكلام عنهم وعن محاربتهم الله ورسله ورسوله محمد ﷺ بالذات، والسياق ليس في معرض تشريع العقاب ضد أفراد من الناس.\nومن جهة رابعة: فإن الآية تتحدث عن: (١) الذين يحاربون الله ورسوله:\nوهي المرة الوحيدة في القرآن الكريم التي يرد فيها هذا التعبير، وهو شبيه بقوله تعالى عن اليهود ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ (٦٤)، بسبب كفرهم المتكرر برسالات الله وبرسله وقتلهم الأنبياء وهم قد كفروا بنبوة عيسى المسيح ثم بنبوة محمد عليهما الصلاة والسلام وتآمروا على قتلهما، وترصّدوا ويترصّدون بالمسلمين شرّا ويكيدون لهم، و(٢) ويسعون في الأرض فسادا:","vol":"1","page":436},{"text":"دأب اليهود على إفساد المجتمعات واستغلال البشرية والتحكم بها، ونشر الشذوذ والأمراض الاجتماعية والعضوية فيها، والدليل أن اليهود بالذات هم المقصودون واضح من الآيات (٥٩ - ٦٤)، وفي الآية (٦٤) تكرّر وصفهم بأنهم ﴿يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا،﴾ وهي المرة الوحيدة في القرآن الكريم التي يرد فيها هذا الوصف حرفيا سوى الآية التي نحن بصددها، وأيضا قوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣٢)، فالكلام في هذه الآية استمرار لما سبقها، وأيضا قوله تعالى لهم على لسان موسى ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:\n٢/ ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٨]، أي إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى عقابكم، والمعروف أن اليهود يعتقدون منذ القدم أن البشر قسمان: اليهود، والأغيار حسب تعبيرهم، والأغيار من ليسوا على دينهم، وأنه من واجبهم إفساد من ليس على دينهم كي تبقى لهم السيطرة (انظر كتاب إسرائيل شاحاك/تاريخ الديانة اليهودية)، ودينهم دين عنصري لا يريدون من غيرهم الدخول فيه بل هو مختص بهم فقط حسبما يعتقدون.\n﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ كل عذاب الدنيا المذكور آنفا هو بالإضافة لما ينتظرهم من العذاب العظيم في الآخرة، وهذه الآية من درر سورة المائدة وفيها كشف عن الغيب وتشخيص لأحوال اليهود وطبائعهم على المدى القصير والطويل، وهم قد بذلوا قصارى جهدهم لمحاربة الإسلام على المستويين الديني والسياسي، فمن جهة أدخلوا الكثير من الإسرائيليات في التفسير القرآني وفي الحديث الشريف لكي يفسدوا على المسلمين دينهم، كما سبق أن أفسدوا اليهودية والنصرانية، ومن جهة ثانية فإن التحدي اليهودي للإسلام على المستوى الديني والسياسي والعسكري قد بلغ ذروته بتفكيك الدولة العثمانية، ثم باحتلال اليهود لفلسطين والقدس.","vol":"1","page":437},{"text":"وأما القول إنّ الآية عبارة عن تشريع لعقوبة قطاع الطرق والخارجين على الحكومة الإسلامية، فعدا أنّ هذا المعنى ضيّق وبعيد جدّا ولا يستقيم مع النظم القرآني، فإن أصحاب هذا القول لم يتفقوا على تحديد أي من العقوبات، القتل أم الصلب أم التقطيع أم النفي، تنطبق على المجرمين ولأي ذنب من الذنوب؟ وهم قد حاروا في تحديد معنى النفي من الأرض؟ إذ لا يعقل نفي المجرم من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي آخر لينقل جرائمه إليه، كما لا يعقل نفيه إلى بلد غير إسلامي، وفسّر بعضهم ذلك بالسجن في زنزانة تحت الأرض، وهو لا يكاد يفي بالمعنى، عدا كون بعض هذه العقوبات مطابقة لعقوبة فرعون لمخالفيه، قال تعالى على لسان فرعون: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٢٤]، فلا يليق أن تكون عقوبة الطاغية فرعون للمؤمنين كعقوبته تعالى لمن يحاربون الله ورسوله.\n\n<span id=\"aya-703\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي تابوا عن محاربة الله ورسله، وتابوا عن الإفساد في الأرض، وكانت توبتهم قبل أن ينتشر الإسلام وقبل أن تصبح السيطرة للدولة الإسلامية وتكون لها اليد العليا، لأن توبتهم بعد ذلك لا يكون لها قيمة حقيقية أو دينية أو أخلاقية، سوى أنها مسايرة للأوضاع السائدة، فلا تكون - على الأغلب - عن قناعة منهم، والمعنى أنه ما لم تكن توبتهم صادقة فإنهم يستمرون في المعاناة من العذاب المشار إليه في الآية السابقة، وقد تاب بعضهم، وأظهر بعضهم الآخر الدخول في الإسلام أيام الدولة الأموية والعباسية وفي الأندلس وفي الدولة العثمانية ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي إنّ الله تعالى يغفر ذنوب الذين يتوبون منهم قبل ذلك، فينجيهم من العذاب العظيم في الآخرة، المشار له في آخر الآية السابقة.","vol":"1","page":438},{"text":"<span id=\"aya-704\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ﴾ اتصال المعنى بما قبله ذو مغزى، أي لا تكونوا أيها المؤمنون كاليهود الذين يحاربون الله ورسله ويسعون في الأرض فسادا، ويحفزهم الحسد، ويغترّون بدينهم ويزعمون أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، فحوّلوا دينهم إلى جنسية عصبية، فاعتبروا بعاقبة اليهود من قبلكم، وعليكم بتقوى الله ﴿وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ الوسيلة ما يتوسّل به إلى المقصود، والمعنى توسّلوا إلى مرضاته تعالى بالعلم والعبادة والعمل واتباع مقاصد الشريعة ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الجهاد من الجهد وهو المشقة والتعب، والمعنى أن التقوى وابتغاء الوسيلة إلى مرضاته تعالى تحتاج أن يجاهد المرء نفسه، عدا عن مجاهدته أعداء الدين بالحجة والإقناع، والدفاع عن دار الإسلام.\n\n<span id=\"aya-705\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإشارة إلى اليهود وغيرهم ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ بعد أن حثّ تعالى المؤمنين على التقوى وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله، أوضح لهم في هذه الآية أن لا يغتروا بما عند الكفار من الغنى وأملاك الدنيا، لأنها على كثرتها لن تنفعهم في الآخرة ﴿ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ لأنّ فترة الاختبار والتكليف في الحياة الدنيا قد فاتتهم، بعد أن كان لهم فيها حرية الخيار، فبعد أن تكشف الحجب يوم القيامة، وتظهر الحقيقة جليّة، لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا ما خلّفوا في دنياهم من المادة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ النتيجة الطبيعية لمنكري الحقيقة ومعاندي الفطرة.\n\n<span id=\"aya-706\"></span>﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.","vol":"1","page":439},{"text":"٣٧ - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي أنهم يريدون التوبة بعد أن أيقنوا بالحقيقة التي سبق أن ضلّوا عنها، ويودّون لو أنّ لهم فرصة أخرى للاختبار بعد أن فات الأوان، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٨].\n\n<span id=\"aya-707\"></span>﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣٨)\n٣٨ - قد يلاحظ في هذه الآية انتقال - في ظاهره مفاجئ - من آيات الإيمان والكفر والأنبياء، إلى موضوع التشريع العملي، غير أنّ أسلوب القرآن الكريم يتعمّد، في كثير من المواضع، ربط آيات التشريع الاجتماعي والتطبيق الحياتي مع آيات التوحيد والإيمان والأخلاق، والسبب أنّ حياة الإنسان وحدة متكاملة لا تنفصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية.\nومن جهة ثانية، يحتمل أن يكون ارتباط المعنى بما قبله أنّ أكثر أموال الكفار من اليهود وغيرهم - المشار إليها بالآية ٣٦ - قد جمعوها بالسرقة وبطرق غير شرعية، فبيّن تعالى جزاءهم:\n﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ الخطاب موجّه للإمام أو الحكومة، وقد أجمعوا أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة، وينظر إلى حدّ السرقة في الإسلام ضمن المبدأ الإسلامي: أن لا تكليف على المسلم - ولا عقوبة - إلاّ أن يكون له حقّ بالمقابل، فمن حقوق أي شخص في المجتمع الإسلامي أن يتمتّع بحماية المجتمع، بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، وعلى المجتمع أيضا أن يضمن لكلّ شخص مستوى أدنى من الحياة المعيشية بما يتناسب مع مقدرة المجتمع وموارده الاقتصادية، لأنّ المجتمع الإسلامي لا يكتفي بتزويد المرء بحاجاته الروحية فقط بل يضمن حاجاته المادية أيضا، ويحقق له فرص العمل","vol":"1","page":440},{"text":"بما يضمن الحد الأدنى من رفاهية الحياة التي من دونها لا يمكن أن يكون هنالك كرامة، ولا حرية فكر، ولا حرية اختيار للمرء، ومن الواضح استحالة وجود مجتمع فاضل ومتناسق وقوي ما دام بعض أفراده محرومين، في حين يتمتع بعضهم الآخر بما يفوق حاجاتهم بكثير، فعندما تكون موارد المجتمع موزّعة على الناس بصورة شاذة بحيث يعيش البعض في تبذير وبحبوحة فاحشة، ويعيش الباقون في ضيق وضنك، ولا يجدون فرصا للعمل، فعندئذ يكون المجتمع بأكمله في خطر، وقد يختل الأمن، وقد يدفع الوضع بالمجتمع إلى أحضان المادية الملحدة، وفي الحديث: «كاد الفقر أن يكون كفرا»، ففي حال ضمن المجتمع الإسلامي العدالة الاقتصادية - الاجتماعية لجميع الناس، ووفّر الحماية والأمن لهم، فعندئذ لا يمكن التساهل مع السارق لأن ضرره لا يقتصر على أفراد محدودين، وإنما يتعداه إلى المجتمع بأكمله.\nولو أهمل المجتمع حقوق الأفراد لأصبح الإغراء على السرقة لدى بعض المحرومين لا يقاوم، بسبب الحاجة والفقر المدقع، وعندئذ يمتنع تطبيق حد السرقة حسب النص، لأن المجتمع يجب أن يقوم بواجباته تجاه الأفراد أولا، حتى يمكن بالمقابل تطبيق الحدّ المنصوص على السارق، وفي حال تقصير المجتمع يجب الاكتفاء بعقوبات على السرقة أخف من نصّ الآية، ولعل هذا هو السبب أنّ عمر بن الخطاب ﵁ أوقف حد السرقة في عام المجاعة، لأن الدولة عجزت عن تأمين أسباب العيش الكريم للجميع، ومن العجيب الطريف في هذا العصر أن بعض الدول الإسلامية تظن أن تطبيق الشريعة الإسلامية يبدأ بتطبيق الحدود، في حين أن تطبيقها لا يتأتّى إلا بعد ضمان رفاهية العيش أولا، وفي جميع الأحوال فقد اشترطوا عدة شروط في قطع اليد، منها أن يكون الشيء المسروق في الحرز، أي لا يكون معرّضا، كما اشترطوا حدّا أدنى للقيمة المسروقة وإن اختلفوا فيها، كما اتفقوا أن لا قطع في سرقة الطعام.","vol":"1","page":441},{"text":"﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ أي ذلك الجزاء على ما اكتسب السارق أو السارقة من الإثم ﴿نَكالًا مِنَ اللهِ﴾ ليكون ردعا أو عبرة للغير ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه، حكيم في شرعه.\n\n<span id=\"aya-708\"></span>﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي من تاب عن السرقة بعد أن ظلم غيره بسرقة مال الغير، وظلم نفسه بهذه المعصية، ثم أصلح أعماله بعد توبته فإنه تعالى يقبل توبته، وقالوا يسقط عنه قطع اليد إذا تاب قبل أن يصل أمره إلى الحاكم، وفي جميع الأحوال لا يسقط حق صاحب المال فلا بدّ من إعادة المسروقات إلى أصحابها حتى تصحّ التوبة.\n\n<span id=\"aya-709\"></span>﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أي بعد كل ما تقدّم، والخطاب موجّه لكل مسلم، أو لكلّ من يقرأ القرآن ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فتجري الأمور فيهما وفق سنة الخالق في خلقه ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ من الكفار والعصاة المجرمين، ويمهل الباقين منهم، ولولا ذلك لهلك كل كافر وعاص عقب كفره ومعصيته دون إمهال ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ من التائبين ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من ثواب وعقاب.\n\n<span id=\"aya-710\"></span>﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾.","vol":"1","page":442},{"text":"٤١ - استمرار الخطاب من الآيات (٢٠ - ٣٧)، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ، غير أنه يخصّ كلّ مؤمن بالقرآن في كل عصر، والآية كما تتحدث عن المنافقين واليهود في زمن البعثة النبوية، فهي تشير أيضا إلى جميع المغرضين والمتحيّزين ضدّ الإسلام في كلّ العصور، الذين لا يبالون أن يأخذوا معلوماتهم عن الإسلام من أي جهة كانت، بدلا من الرجوع إلى القرآن نفسه إن كانوا يريدون الاستنارة حقا:\n﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي لا تحزن إذا ظهر منهم الكيد للإسلام والتآمر مع الكفار، فما عليك إلاّ البلاغ ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود وقيل سمّوا يهودا حين تابوا من عبادة العجل فقالوا: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٦]، وقيل لنسبهم إلى يهوّذا ابن يعقوب.\n﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي يسمعون منك لأجل الكذب عليك، وليس لغرض التعلم منك، فكانوا يمزجون كلام النبي بالزيادة والنقصان والتبديل والتشويه، وهذا الكذب على النبي ﷺ لم يقتصر على زمن البعثة النبوية، بل تعداه إلى قرون متأخرة بعد ذلك، حيث دسّ اليهود القصص الإسرائيلية في التفسير والحديث ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ هم جواسيس لقوم آخرين لم يحضروا إلى عندك، أي أنهم سمّاعون من الرسول لأجل قوم آخرين من اليهود أرسلوهم ليكونوا جواسيس لهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ يحرّفون ما يسمعون من الكلام، كما سبق أن حرّف أحبارهم نصوص التوراة، وتقدير الخطاب: يحرفون الكلم من بعد وضعه في مواضعه ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ يريدون إقناع أنفسهم أنهم مؤمنون بالوحي، ومع ذلك فإنهم ينتقون من الوحي ما يلائم أهواءهم ورغباتهم وشهواتهم فقط، ويتركون ما عدا ذلك ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ الفتنة هنا بمعنى الضلال لأن هذا","vol":"1","page":443},{"text":"هو محور الآية ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ لأن سنته تعالى في خلقه اقتضت أن يتمتع الإنسان بحرية الخيار ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ لأن من يختار الضلال فإنه تعالى لا يجبره على الهدى، وإلا بطل التكليف وصار الإيمان قسرا ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ وهو المصير الذي يلاقيه المنافقون واليهود في الحياة الدنيا ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ جزاء لهم على ما اختاروه من الضلال، بعد أن بعث لهم تعالى خاتم الأنبياء والرسل ليبين لهم الحقيقة ويصحح معتقداتهم.\n\n<span id=\"aya-711\"></span>﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي إنهم، من أجل الكيد للإسلام ولتشويه سمعته، مستعدّون لتلقّي الكذب من أي جهة لأجل نشره، ويقال فلان سمع الكذب أي قبله ﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ السحت هو المال الحرام، وهو أيضا الاستئصال لأن الحرام يستأصل صاحبه، قال تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ [طه:\n٢٠/ ٦١]، ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ احكم بينهم إن جاؤوك مخلصين في طلب الحكم والقضاء ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إن كان هدفهم مجرّد التشويش والشغب أو البحث عن حكم يطابق هواهم ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ لأنك على الحق، ولقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (٦٧)، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل وفق المبادئ الإسلامية التي جاء بها القرآن، وليس وفق رغباتهم ونزواتهم ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الذين يحكّمون العدل.\n\n<span id=\"aya-712\"></span>﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾.","vol":"1","page":444},{"text":"٤٣ - ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ كيف يحكّمونك؟ ولم يسبق لهم أن احتكموا إلى التوراة الصحيحة! وفيها أحكام شريعتهم كما نزلت على موسى ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ فقد تولّوا عن التوراة بعد أن نزلت عليهم، فكانوا وأجدادهم يحرّفون الكلم من بعد مواضعه فيما لا يطابق أهواءهم ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فلو كانوا مؤمنين حقا لقبلوا التوراة الصحيحة بكاملها، ولكنهم تلاعبوا ويتلاعبون بالوحي الذي نزل عليهم، ويكتبون من عندهم، ويرفضون الوحي الذي نزل على غيرهم، لأنهم لا يريدون الإيمان إلاّ بما يطابق هواهم، فقد اختاروا الضلال على علم منهم، وليس عن جهل.\n\n<span id=\"aya-713\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ ذكر الرازي أن الهدى هو بيان الأحكام والتكاليف والشريعة الكاملة، والنور هو بيان التوحيد والنبوّات والآخرة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ هم أنبياء بني إسرائيل ابتداء بموسى ومن بعده من أنبيائهم - وهم كثر - حتى بعثة عيسى المسيح ﵈، وأسلموا بالمعنى العام لأن جميع الأنبياء كانوا مسلمين، أي أسلموا وانقادوا وأذعنوا لله على ملة إبراهيم ﵇، ولأنّ أنبياءهم لم يكونوا موصوفين باليهودية أو المسيحية أصلا، وإنما جاءت هذه الأوصاف بعدهم، انظر شرح الآيات (١٣ - ١٤).\n﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ وهم اليهود، والمعنى أن أنبياء بني إسرائيل كانوا يحكمون لليهود بما في التوراة، لأن شريعة التوراة خاصة بهم دون غيرهم ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ﴾","vol":"1","page":445},{"text":"﴿وَالْأَحْبارُ﴾ ويحكم بالتوراة أيضا الربّانيّون والأحبار، أما الربّانيّون فالمقصود بهم المنسوبون إلى الربّ لأنهم متعمقون في معاني الوحي وملتزمون به، والأحبارهم علماء اليهود ﴿بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ﴾ كتاب الله هو التوراة المفترض أن يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار بأحسن فهم لها، لقوله تعالى مخاطبا موسى ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ [الأعراف: ٧/ ١٤٥].\n﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ المعنى أن أنبياء اليهود والربّانيون والأحبار، وعوا المعنى الحقيقي للكتاب وأيقنوا به، فكأنهم شهود على صحته ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ﴾ الخطاب موجه إلى الربانيين والأحبار اليهود زمن البعثة الإسلامية، والمعنى احكموا بالصحيح من كتابكم ولا تخشوا قومكم، وخاصة فيما عرفتموه عن مجيء خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن القليل هو الزعامة الدنيوية والدينية التي كان اليهود يخافون فواتها لو تبعوا النبي ﷺ، فقد رسخ فيهم الوهم أنهم شعب الله المختار، وأن النبوة محصورة فيهم إلى الأبد ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ لأنهم فضّلوا أحكامهم الظنية وأهواءهم على حكم الله.\n\n<span id=\"aya-714\"></span>﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي النفس تقتل بالنفس قصاصا ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وردت هذه العقوبات المشددة عند اليهود في كتابهم (سفر الخروج ٢١/ ٢٣ - ٢٥)، غير أنّ المقصود منها المماثلة والمساواة في العقوبة، وعدم التجاوز والتعدّي، والنهي عن التشفّي والانتقام، وهو معنى القصاص لغة ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ أي إن العفو، من قبل وليّ المقتول أو من قبل الجريح،","vol":"1","page":446},{"text":"يكفّر من ذنوب القتيل أو الجريح، ويحتمل أن هذا التخفيف كان في شريعة اليهود أيضا فتركوه لشدة تعصبهم وتعنتهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ بوجوب التسوية، وتحريم الغلوّ والتعدي في العقاب ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المغالون في العقوبة يظلمون غيرهم وأنفسهم، راجع أيضا شرح آية [البقرة:\n٢/ ١٧٨].\n\n<span id=\"aya-715\"></span>﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ أي أرسلنا عيسى بن مريم على آثار أنبياء بني إسرائيل المشار إليهم في الآية السابقة ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ مصدّقا ما تبقّى بين يديه من صحيح التوراة وقت بعثته، بعد أن حرّف اليهود بعضها وأضاعوا بعضها الآخر وأضافوا إليها ما شاءوا، انظر شرح آيات [المائدة: ٥/ ١٣] و[آل عمران: ٣/ ٣]، ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ تصحيحا لانحراف اليهود ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الإنجيل أيضا، وقت نزوله، كان مصدّقا لما تبقى من صحيح التوراة في ذلك الوقت.\n\n<span id=\"aya-716\"></span>﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ أي بموجب الوحي الذي نزل على عيسى المسيح، لأن الواقع أنهم لم يلتزموا برسالة المسيح ولم يحكموا بها، وإنما اتبعوا الديانة التي ابتدعها بعده بولس، ثم أقرها رسميا المجمع المسكوني الأول في نيقية عام ٣٢٥ م برعاية قسطنطين الكبير إمبراطور بيزنطة، ولذلك يسمّون هذه الديانة اليوم مسيحية بولس  Pauline Christianity  بما اشتملت عليه من إقرار ألوهية المسيح، أو جعله ابن إله، مما لم يكن معروفا للمسيح ولا لأتباعه، وبولس المذكور لم يكن من تلاميذ المسيح كما أنه لم يلتق به في حياته،","vol":"1","page":447},{"text":"وكان قد قاوم بعثة المسيح وأنصاره مقاومة مريرة واستعدى الرومان عليهم، ثم بعد رفع المسيح ﵇، ادّعى بولس النصرانية بعد أن كان في طريقه إلى والي دمشق للوشاية ببعض النصارى.\nكان بولس متشربا للثقافة اليونانية «الهلنستية» الغاصة بقصص آلهة اليونان وسلالاتها الخرافية فاستساغ إدخالها على عقيدة المسيح، وأكثر كتابات العهد الجديد من تأليفه، وقد لاقت أفكاره هوى لدى قسطنطين الكبير إمبراطور بيزنطة لأنه كان هو نفسه وثنيا هلنستيا يوناني الثقافة، وكان يخشى وقوع الحروب الأهلية بين الطوائف المسيحية في بلاده، فادّعى النصرانية وقرر جمع مملكته على مبدأ بولس، ولهذا الغرض عقد مؤتمر نيقية تحت إشرافه عام ٣٢٥ م وجمع فيه مختلف رجال الدين المسيحي من كل الفئات، وأصدر مرسوما إمبراطوريا بإعلان ديانة بولس ديانة رسمية للدولة، ولم يوافقه على ذلك سوى أقلية من رجال الدين المجتمعين في نيقية، ثم حدثت الاضطهادات الرهيبة في الإمبراطورية ضد الموحدين بزعامة أريوس أسقف الإسكندرية الذي رفض ألوهية المسيح واعتبره بشرا كباقي الناس، وأريوس هو الذي وردت الإشارة إليه في رسالة النبي ﷺ إلى هرقل إمبراطور بيزنطة عند ما كتب له: «أسلم تسلم فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين»، انظر أيضا شرح آيات [آل عمران: ٣/ ٣]، [النساء: ٤/ ١٧١]، [المائدة: ٥/ ١٣].\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ المعنى أن أهل الإنجيل لم يحكموا بالإنجيل، وإنما حكموا ويحكتمون إلى أفكار ومبادئ بولس الدخيلة ممّا لم ينزل به الوحي، فاؤلئك هم الفاسقون بالمعصية والخروج عن أصل الشريعة.\n\n<span id=\"aya-717\"></span>﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾.","vol":"1","page":448},{"text":"٤٨ - هذه الآية استمرار الخطاب، الذي بدأ بالآية (٤١)، للرسول ﷺ، فبعد أن وجّهت الرسول لكيفية التعامل مع اليهود والمنافقين، وذكرت نزول التوراة على بني إسرائيل وأنهم لم يحافظوا عليها ولم يقوموا بمقصدها، ثم نزل الإنجيل على عيسى المسيح ﵇ كي يرشد اليهود من ضلالهم إلى جادة الصواب فكفروا به، ثمّ إنّ النصارى أنفسهم لم يتمسّكوا بإنجيل عيسى ولم يحافظوا عليه، وإنما ضلّوا عنه إلى ديانة بولس، وفي هذه الآية يكمل تعالى الخطاب لرسوله، فقال جلّ ثناؤه:\n﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ الكتاب هنا بمثابة اسم علم للقرآن لأنه تعالى ذكره تخصيصا بعد التوراة والإنجيل، والمعنى: أنزلنا، إليك أيها الرسول، القرآن متضمنا ومبيّنا الحق في كل الأمور التي ضلّ عنها أتباع الرسالات السابقة بعد أن حرّفوا وبدّلوا وأضافوا في كتبهم ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس للكتب السابقة التي نزلت على الأنبياء، والمعنى أن القرآن يصدّق الصحيح مما تبقّى في كتبهم - وهو معنى قوله ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي ما بقي من الكتاب الصحيح، وليس ما أضافوه أو حرّفوه ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ لأن القرآن ختم الرسالات السابقة فأتى بشرائع وتكاليف جديدة، ونسخ من التكاليف والشرائع السابقة، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٠٦]، وهو أيضا المعيار الذي به يعرف صدق، ما تبقى من الوحي السابق من زيفه، بعد أن اختلط كلام البشر بالكتب المنزلة ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي احكم في أمور العقيدة لديهم بموجب هذا المعيار - وهو القرآن - ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ التي أضلتهم، فقالوا بالتثليث، ونسبوا الألوهية إلى المسيح، أو جعلوه ابن إله ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ لا تميل عما جاءك من الحق، لأنه تصحيح لانحرافاتهم.\n﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ الشرعة هي ما يشرع به أو يبدأ به، والمنهاج هو الطريق الواضح السهل الموصل إلى الهدف، والمعنى أنه تعالى جعل","vol":"1","page":449},{"text":"لكل أمة، عبر العصور، مبدأ وطريقا يوصلها إلى السلامة الدنيوية والروحية، ومتناسبا مع ظروفها وعصرها ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ بأن أجبركم على مبدأ وطريق واحد منذ بدء الخليقة ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ فمنحكم حرية الخيار تكريما لبني آدم، حتى يكون اختياركم الحق من الضلال عن طريق الاقتناع، باستعمال الفكر والعقل، وليس بالقسر والإكراه ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ أي تنافسوا باستخدام العقل والفكر للوصول إلى الخير والتفاهم، وليس العداوات ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ في الآخرة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي يخبركم يوم القيامة ما كنتم عليه من الحق أو الضلال، فيجازيكم عليه من ثواب أو عقاب.\n\n<span id=\"aya-718\"></span>﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ التكرار في التوجيه الإلهي تمهيد للتحذير الذي يليه، وهو في نفس الوقت ذو دلالة عامة، أي إن الحكم بين الناس يجب أن يكون بموجب الشرع الذي قرره الوحي وليس بموجب الأهواء، أي الأحكام الوضعية ﴿وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ احذرهم أيها النبي، والدلالة احذرهم أيها المسلم في كل الأزمنة والعصور، أن يفتنوك أي يذهبوا بعقلك، لأن الفتنة بهذا المعنى ذهاب العقل، والمعنى أنّ من يميل إلى تصديقهم في بعض ما يقولون كالتثليث وتأليه المسيح وغيره من الضلالات، فكأنما ذهب عقله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ إن تولّوا عن الحكم بمعيار القرآن في أمور عقيدتهم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وليس بجميع ذنوبهم، لأنه لو أصابهم بها جميعا لهلكوا على الفور، والمعنى العام أيضا أن التولي المتعمّد عن تعاليم القرآن يحمل في طياته بذور","vol":"1","page":450},{"text":"النزاعات الداخلية وتفسخ وهلاك المجتمعات ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ عاصون، خارجون عن الشرعة التي جعلها الله لهم.\n\n<span id=\"aya-719\"></span>﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ اليهود والمسيحية يريدون حكم الجاهلية، بعد أن تولّوا عن القرآن ولم يقبلوا بحكمه، وليس المقصود الجاهلية بمعناها الضيق التي سبقت الإسلام في الجزيرة العربية، وإنما هي تعبير عن كل مجتمع في أي مكان وأي عصر يبني نظامه على أحكام وضعيّة مخالفة للشريعة، طبقا لما يراه الناس أو الأفراد مناسبا لهم، أو مطابقا للذّاتهم، أو مفيدا لمصالحهم الاقتصادية، ولو على المدى القصير، بغض النظر عن دواعي العقل والأخلاق والدين، وفي الآية أيضا تحذير ضمني للمسلمين في كل العصور من تحويل مجتمعاتهم إلى مجتمعات جاهلية - الآية ٥٤ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الذين لديهم إيمان بالله يوقنون أنّ الشرع الذي أنزله الوحي أفضل لمصالح البشر من الأحكام الوضعية.\n\n<span id=\"aya-720\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥١)\n٥١ - بعد أن ذكر تعالى أنه أنزل التوراة على بني إسرائيل فلم يعملوا بها، ثم أنزل الإنجيل فلم يعمل به النصارى، فقد أنزل القرآن مهيمنا على كتبهم جميعا، معيارا مبينا الصحيح من الزيف، فيما تبقى منها، ثمّ حذّر المؤمنين أن يفتتنوا بهم، وهنا ينتقل الخطاب إلى النهي الصريح عن التحالف معهم ضد باقي المؤمنين:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الكلام عن اليهود والنصارى كمجتمعات ودول، وليس كأفراد، وفيه نهي صريح عن اتخاذ اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء ضد أهل الإسلام، كما هو نهي صريح عن تقليدهم","vol":"1","page":451},{"text":"كمجتمعات جاهلية لأن الخطاب استمرار للآية المتقدمة ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي أن اليهود أولياء بعضهم البعض، والنصارى أيضا أنصار لبعضهم البعض، كما أن مجتمعات اليهود والنصارى قد تتحالف معا ضد الإسلام، وفي ذلك إخبار بالغيب لأن اليهود والنصارى كانوا أعداء بعضهم لبعض، قبل الإسلام وحتى عهد قريب، ولم يتحالفوا معا ضد المسلمين إلا بعد ثورة البروتستانت ونشوء التحالف البروتستانتي - اليهودي واستمراره إلى اليوم، وما صار يعرف بالمسيحية الغربية المتصهينة، أو الأصولية المسيحية، أو اليمين المسيحي المتطرف، ومغزى الآية أيضا أن يكون المسلمون أنصارا وحلفاء بعضهم لبعض ضد التحالف المسيحي - اليهودي ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ من يكون من المسلمين حليفا معهم ضد إخوانه، يكون كالخارج عن دينه، ولا يمنع ذلك مودة المسالمين منهم والإحسان إليهم، انظر آيات [الممتحنة ٦٠/ ٨ - ٩]، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ المسلمون الذين يخالفون التوجيه الإلهي المذكور في هذه الآية فيتحالفون مع مجتمعات اليهود أو النصارى ضد بني دينهم، ويقيمون مجتمعاتهم على الجاهلية اليهودية أو النصرانية، أمثال هؤلاء يختارون طريق الضلال فيحرمهم تعالى من توفيقه وهديه.\n\n<span id=\"aya-721\"></span>﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المنافقون ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ يسارعون في التحالف مع دول اليهود والنصارى، وتقليدهم، حرصا على مصالحهم المادية، خاصة عند ما يكون اليهود والنصارى ذوي قوة عسكرية، وهيمنة اقتصادية وسياسية ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ المنافقون يخافون أن تدور الدائرة في المستقبل، لصالح دول اليهود والنصارى ضد المسلمين، فهم يريدون اتخاذ الحيطة سلفا، حفاظا على مصالحهم الآنيّة ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ﴾","vol":"1","page":452},{"text":"﴿بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قد يفتح الله تعالى على المسلمين بالنصر المباشر، أو غير المباشر ممّا لم يكن في الحسبان، فيكون ذلك مدعاة لحسرة وندم المنافقين ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-722\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعضهم لبعض، تعجبا من أمر المنافقين:\n﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ لأنّ المنافقين سبق أن أقسموا أغلظ الأيمان أنهم مع المؤمنين، ثم تبيّن كذبهم بانكشاف حلفهم مع اليهود والنصارى ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ وهو مغزى الآيات (٥١ - ٥٣) لأنّ أعمال المنافقين بنتيجة تحالفهم مع مجتمعات اليهود والنصارى ضد المؤمنين، وتقليدهم، لا تعود عليهم إلا بالفضيحة والخذلان، فيخسرون دنياهم وآخرتهم.\n\n<span id=\"aya-723\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الخطاب استمرار لما سبقه، والمعنى أنّ المسلمين الذين يريدون إنشاء مجتمعات جاهلية، الآية (٥٠)، أو الذين يتخذون اليهود والنصارى أولياء فيتحالفون معهم ضد إخوانهم المسلمين، الآية (٥١)﴾، في أي عصر من العصور، وفي أي مجتمع من المجتمعات، يكونون كمن ارتدّ عن دينه، وبالتالي فإنّ مصير دولتهم إلى الزوال كما هو مذكور في تتمة الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فتزول دولة المرتدين - المتحالفين مع دول اليهود والنصارى ضد إخوانهم المسلمين، أو المقيمين مجتمعاتهم على أسس جاهلية - ويحل محلّهم أقوام يقيمون مجتمعهم على","vol":"1","page":453},{"text":"الإسلام ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ يتحمّلون التضحيات، على النقيض ممّن في قلوبهم مرض - الآية ٥٢ - ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ وهو الجهاد وصفاء القلوب من النفاق ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الله تعالى واسع المقدرة، غالب على أمره، عليم بالعواقب.\n\n<span id=\"aya-724\"></span>﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ﴾ الخطاب استمرار لما سبق، والولاية بمعنى النصرة، والمغزى أن لا فائدة من المسارعة باتخاذ مجتمعات اليهود والنصارى أنصارا لبعضكم ضدّ بعض، لأن ذلك كالردّة عن الدين، وإنّما الذي ينصر المؤمنين فعلا هو الله، باتباعكم كتابه ﴿وَرَسُولُهُ﴾ باتباعكم سنّته، واتّباع الذين آمنوا المتصفين بالخشوع: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ المراد من الركوع هو الخضوع والخشوع، والمعنى أن المسلمين المقيمين لأركان الإسلام، عن خضوع وخشوع لله تعالى، هم الذين يرجو منهم المسلم أن يكونوا أنصارا له.\n\n<span id=\"aya-725\"></span>﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ بعد أن نهى تعالى المؤمنين أن يتولّوا مجتمعات اليهود والنصارى، وأخبرهم أنّ أولياءهم الحقيقيين هو الله، ورسوله، والمؤمنون الخاشعون، فهذه الآية تؤكد لهم أن الذين يعتمدون في نصرتهم على الله ورسوله، وعلى المؤمنين الخاشعين، فإن الغلبة النهائية تكون لهم، وقد شرّفهم تعالى بلقب حزب الله.\n\n<span id=\"aya-726\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.","vol":"1","page":454},{"text":"٥٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾ أعاد تعالى النهي عن اتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء للمؤمنين، وعلّل هذا النهي بأن أهل الكتاب والكفار قد جعلوا من دين الإسلام هزوا ولعبا، فكيف يجوز التحالف معهم؟ وكيف يؤمن جانبهم؟ فإنهم إن تحالفوا مع طرف من المسلمين فهو للكيد للإسلام وأهله، وليس حبا بهم أو حرصا على صالحهم ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي من تقوى الله أن لا تتخذوا مجتمعات اليهود والنصارى والكفار أولياء لكم، ومن لا يتّق الله في ذلك، لا يكون مؤمنا، بل يكون كمن ارتدّ عن دينه (الآية ٥٤).\n\n<span id=\"aya-727\"></span>﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يسخرون من الأذان ومن الصلاة، ويحاولون إظهار الإسلام على غير حقيقته السامية، بقصد التأثير سلبا في ضعاف العقول، وهو ما يسمى في عصرنا الحاضر تسخير وسائل الإعلام لإضلال البشر ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي إن سبب سلوكهم ذلك، هو أن ملكة العقل لديهم أضلّتهم، بدلا من أن تدلّهم على الطريق الصحيح.\n\n<span id=\"aya-728\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ المعنى ما مبرر نقمتكم علينا يا أهل الكتاب؟ وما مبرر تآمركم علينا؟ وما مبرر محاولاتكم إظهار الإسلام على غير حقيقته؟ فنحن نؤمن بالله، ونؤمن بالقرآن، ونؤمن بالكتب السماوية التي نزلت قبله، والعقل يدلّ أنها جميعا من مصدر واحد هو الله تعالى، فكيف تنقمون منّا الإيمان بالله وحده الذي أنزل الكتب على عباده، فهذا أمر لا يستحق النقمة","vol":"1","page":455},{"text":"وإنما يستحق التأييد والمديح، ولكن السبب ليس فقط قلّة إنصافكم، بل كون أكثركم فاسقين، أي خارجين عن أديانكم أصلا، اليهود عاندوا موسى وعصوه وعاندوا غيره من أنبيائهم وقتلوهم، وتلاعبوا بالتوراة، والنصارى أيضا تخلوا عن دين المسيح واتبعوا ديانة بولس، وأضاعوا الإنجيل، وكتبوا أسفارا من عندهم، فلا غرابة أن أكثرهم لا يؤمنون بالقرآن، انظر شرح الآيات (١٣، ١٤، ٣٣، ٤٣، ٤٧، ٤٨).\n\n<span id=\"aya-729\"></span>﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ الأدهى من نقمتكم علينا، التي ليس لها مبرر، هو الجزاء الذي سوف تلقونه من الله تعالى، فهو قد أبعدكم من رحمته، وغضب عليكم، وجعلكم بمثابة القردة في نزواتكم، وكالخنازير في اتباع غرائزكم وشهواتكم ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ وقد عبدتم الطاغوت، أي من يطغى عن الحد وهو كلّ رأس في الضلال، والعبادة بمعنى الطاعة المطلقة، فقد ارتكس اليهود إلى عبادة آلهة الوثنية مرارا وتكرارا في تاريخهم ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ بعيدين جدا عن الطريق الصحيح.\n\n<span id=\"aya-730\"></span>﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ وهم أهل الكتاب، قد يدّعون الإيمان نفاقا، أو اعتقادا منهم أن ما يؤمنون به من الضلال هو الإيمان الصحيح ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جاؤوكم بنيّة سيئة سلفا، وبفكر منغلق من البداية، لا بفكر منفتح باحث عن الحقيقة، ومن يجيء بهذه العقلية لا يستفيد من الحوار، ولا يستنير بالهدي ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ لا تعلمون ما جاءوا به من المكر والخداع والكيد والنفاق.","vol":"1","page":456},{"text":"<span id=\"aya-731\"></span>﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ الكيد للمسلمين شغلهم الشاغل، فيعطونه الأولوية في نشاطهم وأهدافهم، وقد كان هذا دأبهم عبر التاريخ كما تشهد بذلك الحروب الصليبية التي أشعلوها ولا تزال مستمرة بشكل أو بآخر بعد أن أقاموا إسرائيل ودعموها ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وهو المال الحرام، وسمّي سحتا لأنه يستأصل صاحبه ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تقبيح لحربهم ضد الإسلام، أي هو عمل يعود عليهم بالبؤس في الدنيا والآخرة، وقد يسبب البؤس لغيرهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-732\"></span>﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ كان الأجدر بالربانيين، أو الذين يظنون أنفسهم ربانيين، وهم كبار رجال الدين عندهم، وجدير بأحبارهم، أن يرشدوهم ويبيّنوا لهم ما هم عليه من الضلال، وبالتالي أن يأمروهم بالكف عن التآمر والكيد للمسلمين ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وهو المال الحرام الذي يبتزّونه وينهبونه من الناس ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الصنع إتقان العمل، والمغزى: تقبيح ما يتقنه الربانيون والأحبار، من تزيين الباطل لأتباعهم حفاظا على مؤسساتهم الدينية ومناصبهم ومصالحهم.\n\n<span id=\"aya-733\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وهو تعبير مجازي قصد منه اليهود تعبير المسلمين في بداية البعثة النبوية والانتقاص من مصداقيتهم، والمعنى: إن كنتم تدّعون نزول الوحي الإلهي عليكم، فكيف يترككم الله ضعافا فقراء","vol":"1","page":457},{"text":"مضطهدين من قبل الناس؟ وهذا القول يعبّر عن عقلية منتشرة لدى الكثير من الناس في كلّ العصور ممّن يظنون أن الغنى الدنيوي دليل على كون صاحبه على الطريق الصحيح، وهذا الاعتقاد تنفيه الآية في تتمة الخطاب ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ وهو دعاء على اليهود تحقّق فيهم، لأنهم أكثر أقوام الدنيا حبّا للمادة وتهالكا على تحصيلها، بشتى الوسائل غير الشرعية، ليس أقلها الربا الفاحش والفساد والإفساد ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ اليدان تعبير مجازي عن السلطة والغنى، والمعنى أن إغداق المال على الأفراد أو المجتمعات، في وقت من الأوقات، لا يفيد بالضرورة كونهم على الصراط المستقيم، أو أنهم مؤيّدون من الله ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ اليهود ازدادوا طغيانا وكفرا بسبب نزول الوحي على النبي ﷺ، لأنهم كانوا - وما زالوا - يظنّون أن النبوات يجب أن تكون محصورة فيهم، وأن النبي الموعود يجب أن يكون من بني إسحاق وليس من بني إسماعيل، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٠٥]، فكانت محاربتهم النبي ﷺ من قبيل الحسد والعصبية وخوف زوال امتياز الزعامة الذي كان لهم بين عرب الحجاز الذين كانوا ينظرون إليهم على أنهم أهل كتاب وعلم.\n﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ بعث عيسى المسيح ﵇ إلى بني إسرائيل فرفضه أكثرهم، وتبعته أقلية منهم، فالعداوة والبغضاء هي بين اليهود وبين الذين اتبعوا عيسى، وقد تكون أيضا العداوة والبغضاء بينهم وبين باقي الناس ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٨]، والخطاب عن اليهود، دأبوا على محاربة الرسل عبر تاريخهم، انظر شرح آية [آل عمران: ٣/ ٢١]، فقد عاندوا موسى ﵇ وعصوه وعبدوا العجل، ثمّ عصوا من جاء بعده من أنبياء بني إسرائيل وحاربوهم، ثم كفروا ببعثة عيسى المسيح ﵇ وحاولوا قتله، وأخيرا كفروا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ وتآمروا عليه وحاربوه،","vol":"1","page":458},{"text":"ولذلك قال تعالى عنهم ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:\n٥/ ٣٣].\n﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ كما في آية [المائدة: ٥/ ٣٣]، ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلا يصلون إلى مبتغاهم من السعادة الدنيوية، وينالهم عقاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-734\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا﴾ برسالة خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ أتبعوا إيمانهم بالعمل الصالح ممّا فيه تقوى الله ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ نتيجة إيمانهم ﴿وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ بنتيجة تقواهم.\n\n<span id=\"aya-735\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ على صورتها الصحيحة التي نزلت بها، ولم يحرّفوها ويضيفوا إليها ويحذفوا منها ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي لنعموا بخيرات السماء الروحية ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وخيرات الأرض المادية ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ معتدلة في أمور الدين بلا مغالاة ولا تطرف ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ الكثير منهم يضمرون الحقد ضد الإسلام والمسلمين ويكيدون لهم.\n\n<span id=\"aya-736\"></span>﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - بعد أن ذكرت الآية المتقدمة أنّ أهل الكتاب لم يقيموا التوراة والإنجيل، تبيّن هذه الآية أنّ رسالة القرآن نزلت لهدايتهم، بدليل تتمة الخطاب في الآية (٦٨)﴾ الذي ينص أن عليهم إقامة التوراة والإنجيل والقرآن:\n﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأهل الكتاب، وللبشرية قاطبة، والمعنى جميع ما أنزل إليك، والخطاب وإن كان في الأصل للرسول فهو","vol":"1","page":459},{"text":"بالتالي تكليف لجميع المسلمين بنشر الدعوة الإسلامية، وضرورته واضحة من ضلال أهل الكتاب الذي سبق تفصيله ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ إن لم تبلّغ جميع ما أنزل إليك للناس عامة فلا تكون قد بلّغت الرسالة، لأن الرسالة عامة ومتكاملة لا تتجزّأ ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فيمنع أذاهم عنك، وقيل هي العصمة من القتل، وفيه تنبيه أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء، لشدة تكليف الأنبياء ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي ما على الرسول إلا البلاغ، أما ما صمّموا على الكفر فالله لا يجبرهم على الهدى.\n\n<span id=\"aya-737\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي لستم على شيء يعتدّ به من الإيمان ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ على أصلها، وعلى وجهها الصحيح، وفيها الكثير من النبوءات عن مبعث النبي الأحمد ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن - بدليل تتمة الآية - لأنّ فيه تصحيح معتقدات اليهود والنصارى ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ إذ حوّلوا دينهم إلى جنسية عصبية، وابتكروا من المعتقدات ما ألصقوه بدينهم، وهذا ممّا يزيد في طغيانهم وكفرهم بالوحي الذي نزل على النبي ﷺ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ لأن المطلوب منك هو البلاغ فقط، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (٤١).\n\n<span id=\"aya-738\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي الذين آمنوا برسالة النبي محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ أي اليهود وقيل سمّوا يهودا حين تابوا من عبادة العجل فقالوا ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٦]، وقيل لنسبهم إلى يهوّذا ابن يعقوب ﴿وَالصّابِئُونَ﴾","vol":"1","page":460},{"text":"وفي اللغة الآرامية الصابغون، وهم طائفة موحّدة بين اليهود والنصارى اشتق اسمهم من الكلمة الآرامية: صبغة، لأنهم كانوا يعمّدون أي يصبغون المعتنق الجديد لدينهم في نهر الأردن، فصاروا يدعون الصابغة، وهذا شبيه بقوله تعالى:\n﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٣٨]، وكانت العرب في إحدى لهجاتها تلفظ الغين همزة فصارت الصابئة، وهم أتباع يحيى ﵇ (انظر عبد الأحد داود)، ويجب عدم الخلط بينهم وبين صابئة حرّان الذين انتحلوا الاسم لأنفسهم للاستفادة من تسامح الدولة الإسلامية مع أهل الكتاب ومع طوائف الموحّدين، وقد ذكر تعالى الصابئين قبل النصارى لأن بعثة يحيى سبقت بعثة عيسى ﵉ (والنّصارى) اشتق اسمهم من النصرة، لأنهم نصروا عيسى ﵇، كما في قوله تعالى على لسان عيسى ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٢].\n﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ آمن بالبعث والحساب ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ اقترن إيمانه بالعمل الصالح ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يجب قراءة هذه الآية ضمن سياقها، فالآية التي قبلها تؤكد أن أهل الكتاب ليسوا على شيء من الحق ما لم يقيموا التوراة والإنجيل - على وجههما الصحيح - وما أنزل إليهم من ربهم وهو القرآن، والآيات التي بعدها تبيّن إصرار اليهود على المعصية وتقرر كفر من ألّهوا المسيح واعتنقوا التثليث، فهذه الآية تستثني من أهل الكتاب من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، لأن كل إنسان يحاسب بعمله، ولا يسأل عن غيره، والواضح أن هذه الآية لا تهدف إلى تفصيل جميع أسس الإيمان والعبادات فذلك مفصّل في آيات أخرى من القرآن الكريم.\nوقد تكرر ورود هذا المعنى في آية [البقرة: ٢/ ٦٢]، غير أنه في هذه الآية وردت كلمة ﴿وَالصّابِئُونَ﴾ بالرفع، ومن وجوه إعرابها أنها مبتدأ خبره محذوف، وتقدير الكلام - والصابئون كذلك -.","vol":"1","page":461},{"text":"<span id=\"aya-739\"></span>﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهو الميثاق المذكور في الآية (١٢)، ﴿وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ بعث لهم تعالى الكثير من الرسل بعد موسى ﵇، وتلك حجة عليهم لكثرة ارتكاسهم إلى الوثنية والمادية، وتكرر الحاجة إلى إعادة تقويمهم، فقتلوا الكثير من الرسل، انظر آية [آل عمران: ٣/ ٢١]، وقتلوا يحيى ﵇، ولما جاءهم المسيح المنتظر عيسى ﵇ حاولوا قتله، وكذلك عندما جاءهم النبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ المذكور بشارته في كتبهم (سفر التكوين ٤٩/ ١٠، سفر التثنية ١٨/ ١٨، سفر حجّي ٢/ ٧) كفروا به وتآمروا على قتله، ويلاحظ الانتقال في التعبير من الفعل الماضي ﴿كَذَّبُوا﴾ إلى الفعل المضارع ﴿يَقْتُلُونَ﴾ لإيضاح استمرارية النية المبيّتة لدى اليهود بتكرار قتل بعض الأنبياء أو محاولة قتل بعضهم الآخر.\nوهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٧].\n\n<span id=\"aya-740\"></span>﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي إن تكذيبهم وقتلهم الرسل كان بناء على حسبانهم أن لن يقع عليهم عقاب، لظنهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، الآية (١٨)﴾، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عميت بصيرتهم عن الحقيقة، وصمّوا آذانهم عن سماع الحق، فأصابهم الله بذنوبهم ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ بتوبتهم، فأمهلهم ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ تكرر ارتكاسهم إلى الوثنية، وتكرر بعث الرسل إليهم وعصيانهم، ونزول الكوارث بهم ثمّ توبتهم ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ الأكثرية منهم على","vol":"1","page":462},{"text":"هذا المنوال، والعبرة بالأكثرية، لأن القليل النادر لا تأثير له في الصلاح أو الفساد العام ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم عليه، كما في الآية (٣٣)، وأيضا قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٨] أي إن عدتم إلى الإفساد، أو إن عدتم عن التوبة، عدنا إلى عقابكم، وهو مغزى التكرار في قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾.\n\n<span id=\"aya-741\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٧٢)\n٧٢ - استمرار الخطاب عن بني إسرائيل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ وهم أتباع بولس الذي ابتكر هذه العقيدة ابتداء، ثم فرضها قسطنطين الكبير إمبراطور روما بمرسوم إمبراطوري، في المؤتمر المسكوني الأول يوم ٢٠ مايو ٣٢٥ م، الذي انعقد في نيقية - حاليا إزنيق في تركية - على مسافة ١٩٥ كم جنوب بيزنطة - حاليا إستانبول -، انظر شرح الآيات (١٤ و٤٧)، والنص الإمبراطوري الذي فرضه قسطنطين - الذي كان وثنيا لتاريخه - هو التالي: - أن عيسى المسيح بصفته ابن الله هو الله نفسه، ليس مخلوقا ولكن ناشئا عن الله الأب، ومتحدا معه في الجوهر - وقد تم فرض هذا المبدأ على أنحاء الإمبراطورية بقوة الجيش والاضطهاد.\n﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل لسببين: أولا أنه كان مبعوثا إليهم ابتداء، وثانيا أن اليهود هم الذين ابتكروا بعده تأليه المسيح، ونشروا هذه العقيدة المسيحية، وطمسوا تعاليم عيسى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ وقد بقي قول المسيح بعبادة الله الأحد في أسفار النصارى شاهدا على الحقيقة لم يلحقه الحذف والتشويه (سفر متّى ٤/ ١٠)، (سفر لوقا ٤/ ٨)، (سفر","vol":"1","page":463},{"text":"يوحنا ٢٠/ ١٧)، وقد ذكرت الموسوعة البريطانية  Encyclopaedia Britannica،  الطبعة ١٤، ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - إنّ كتابات الأسفار الثلاثة الأولى من العهد الجديد تؤكد عقيدة مؤلفيها بأن المسيح لم يكن سوى بشر، ولا يوجد في الأسفار ما يبرر الاعتقاد أن المسيح ابن الله، كما ليس في أقوال المسيح وقت العشاء الأخير ما يبرر المعاني التي استخلصت منها فيما بعد، كما لا يوجد أي تلميح من قريب أو بعيد عن أية علاقة بين وفاة المسيح وبين مفهوم الخطيئة الأصلية أو الفداء -.\n\n<span id=\"aya-742\"></span>﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ تطورت فكرة الثالوث عند أتباع بولس منذ المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية، وحصل جدل مرير بين فلاسفتهم عن ماهية الشخص الثالث الذي قالوا إنه الروح القدس، ثم في المجمع المسكوني في القسطنطينية عام ٣٨١ م أصدروا قرارا بتعريفه أنه منبثق عن الأب والابن، وهو ما تندد به هذه الآية الكريمة بأنه كفر صريح، ومع أنهم قرروا هذه الفكرة في العام ٣٨١ م إلا أنها لم تعمم في الكنائس حتى القرن الحادي العشر، وقد انتقدها فوتيوس أسقف القسطنطينية بشدة، ولم تقبل الكنيسة الشرقية هذه العقيدة إلا بعد المؤتمر الكنسي الثالث المنعقد في القسطنطينية عام ٦٨٠ م ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ هو الله وحده، والجميع مخلوقاته ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ عن مثل هذه الافتراءات التي يبتكرونها من عندهم، وليس لهم بها علم من المسيح أو الوحي، وإنما هي من تأثير الثقافة الوثنية اليونانية المحضة التي هيمنت على أفكارهم، وعلى فكر بولس من قبلهم ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ والجدير بالذكر أنه لم يرد في كتاب النصارى، المسمّى بالعهد الجديد، سوى إشارة واحدة فقط عن التثليث، وردت","vol":"1","page":464},{"text":"في رسالة يوحنا الأولى بالفقرة ٧ من الفصل ٥، وقد تم حذف هذه الفقرة من الطبعة المنقحة المعتمدة  RSV  التي صدرت عام ١٩٧١، والتي شارك بإعدادها ٣٢ عالما من كبار علماء النصارى تدعمهم لجنة استشارية تمثل خمسين من طوائفهم المتعاونة بعضها مع بعض، ويبدو أن عموم النصارى لم يلقوا لذلك اهتماما.\n\n<span id=\"aya-743\"></span>﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ فيعودون عن أفكار الكفر، التي جعلوها مبادئ دينية يصدرون بها المراسيم من عندهم، من مؤتمر لآخر، حتى اخترعوا دينا جديدا نسبوه إلى عيسى المسيح ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في حال توبتهم.\n\n<span id=\"aya-744\"></span>﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ ذكرت الموسوعة البريطانية  Encyclopaedia Britannica،  الطبعة ١٤، عن هذا الموضوع ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - من الواضح أن المسيح صنّف نفسه بين الأنبياء إذ قال: لا يليق بنبي أن يهلك خارجا من القدس (لوقا ١٣/ ٣٣)، وقال عنه بطرس يوم عيد الحصاد: إنه رجل مرسل من الله (أعمال ٢/ ٢٢)، ولم تترك الأسفار أي مجال للشك بأنه كان بشرا يجوع ويشعر بالعطش وبالتعب والنعاس، وينام مثل غيره، ويفاجأ بالأحداث -، ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ انظر أيها الرسول، أو أيها القارئ: كيف نبيّن لهم البراهين والعلامات، ومع ذلك ينصرفون عن الحق.","vol":"1","page":465},{"text":"<span id=\"aya-745\"></span>﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ كيف تعبدون المسيح وتدعونه، وهو لم يملك أن يدفع الضرر عن نفسه ضد اليهود الذين كانوا يقصدونه بسوء، كما لم يملك إيصال النفع إلى صحابته أو أن يدفع عنهم ضرر الكائدين، فمن باب أولى أنه لا يستطيع إيصال الضرر أو النفع إلى أحد منكم، فكيف يكون إلها يعبد من لا يسمع دعاءكم ولا يعلم حالكم ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ولكن الله وحده هو الذي يسمع دعاء المستغيثين، فيرفع عنهم الضرّ إن شاء، لأنه العليم بأحوال عباده.\n\n<span id=\"aya-746\"></span>﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ لا تبتدعوا في دينكم من العقائد، كتأليه المسيح والتثليث، مما سبق ذكره بالآيات (٧٢ - ٧٣)، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ القوم الذين ضلّوا من قبل، هم اليهود الهلنستيون الذين تبنّوا مسيحية بولس وقد انضبعوا بالفلسفة اليونانية، وأداروا ظهورهم للنصرانية، وعلى رأس هؤلاء بولس الذي كان يهوديا ثم صارت المسيحية الحالية تنسب إليه، فيقولون مسيحية بولس  Pauline Christianity  لأنه مؤسسها الحقيقي، ولأن المسيحية الحالية لم يعد لها علاقة ببعثة وتعاليم المسيح سوى أنهم جعلوا المسيح رمزا لها، ومن هؤلاء أيضا الإمبراطور قسطنطين الذي كان وثنيا يوناني التفكير هلنستي الثقافة، انظر شرح الآيات (١٤ و٤٧)، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من الناس، إما بالأوهام كما فعل بولس، وإما بالاضطهاد وقوة الجيش كما فعل قسطنطين، وهم أيضا يضلون الناس كثيرا بحملات التبشير التي تنفق عليها الكنيسة إلى اليوم مبالغ طائلة في كافة أنحاء العالم ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا هو الضلال الثاني، أي بعد أن ضلّ اليهود","vol":"1","page":466},{"text":"من قبل عن تعاليم المسيح، ضلّوا أيضا عن تعاليم البعثة الإسلامية، لأن الإسلام هو سواء السبيل، أي السبيل المعتدل الوسط، الذي لا غلوّ فيه ولا تفريط.\n\n<span id=\"aya-747\"></span>﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ وهذا اللعن مذكور في كتبهم، انظر مزامير داود (٧٨/ ٢١ - ٢٢، ٣١ - ٣٣)، ﴿وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ انظر (سفر متّى ١٢/ ٣٤ و٢٣/ ٣٣ - ٣٥)، والآية استمرار الخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: لا تتبعوا أهواء القوم الذين ضلّوا من قبل فهم قد لعنوا على لسان داود وعيسى ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ سبب لعنهم هو عصيانهم الأنبياء، وعدوانهم على الشريعة بما أدخلوه عليها من الغلوّ، ثم بيّن تعالى ما أدّى بهم إلى المعصية والعدوان بقوله:\n\n<span id=\"aya-748\"></span>﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كانوا وما زالوا يشهدون الضلال ويسكتون عنه، بل يقرّون به ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فسوف يلحق البؤس بهم، لأن الضلال والفساد في الأمّة يبدأ عادة بأقلية محدودة، فإذا لم يقف الرأي العام في وجه الأقلية المفسدة، واكتفى بموقف المتفرج، سرعان ما يستشري ويلحق ضرره بالمجتمع ككلّ.\n\n<span id=\"aya-749\"></span>﴿تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأنّ اليهود بعد أن عصوا داود وعيسى ﵉، تحالفوا مع الوثنية اليونانية - الهلنستية - ضد النصرانية، ثم تكرر ذلك منهم وقت البعثة الإسلامية إذ تحالفوا مع مشركي العرب ضدّ خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، ولا يزال يتكرر ذلك منهم عبر","vol":"1","page":467},{"text":"التاريخ إلى اليوم حيث يتحالفون مع الكفر ضد الإسلام ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ساء ما قدّموا لآخرتهم من المعصية والعدوان إذ كانت نتيجته غضب الله عليهم: ﴿أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-750\"></span>﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ﴾ لو كان اليهود يؤمنون بالله، وبالنبيّ موسى ﵇، ويؤمنون حقّا بما أنزل على موسى من التوراة، لقبلوا رسالة عيسى ورسالة الإسلام، ولما تحالفوا مع الوثنية والشرك ضدّهما ﴿وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ لأن مجيء خاتم الأنبياء والرسل مذكور في كتبهم وكانوا بانتظار بعثته، فكان المفروض أن يكونوا أول من يسارع إلى الإيمان به، ولكن بدلا من ذلك أنكروه وتحالفوا مع المشركين ضدّه.\n\n<span id=\"aya-751\"></span>﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ لأن اليهود يعتقدون أنهم مميّزون من غيرهم من البشر لظنهم أن الله اختصهم بالوحي دون غيرهم من الناس، وهم لذلك يصنّفون البشر قسمين: اليهود، والأغيار حسب تعبيرهم، والأغيار من ليسوا على دينهم، ويعتبرون دينهم عنصريا لا ينبغي للأغيار الدخول فيه، ومن ثمّ كانت شدة عداوتهم لمن ليسوا على دينهم، فلم يدخل منهم في الإسلام منذ البعثة النبوية إلاّ القليل ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المشركون أيضا شديدو العداوة لمن يعتقد بالتوحيد، ومنهم المسيحية المنشقين عن النصارى وقد ابتدعوا تأليه المسيح وعقيدة الثالوث، وغيرهم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ﴾","vol":"1","page":468},{"text":"﴿آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ والمقصود بهم النصارى على ديانة المسيح فعلا، وليس على ديانة بولس ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الذين بقوا منهم على حقيقة النصرانية، ولا يحفزهم الغرور على التكبّر والاعتقاد أن الدين قد ختم بهم، أو أنه مقتصر عليهم دون غيرهم من البشر.\n\n<span id=\"aya-752\"></span>﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ لأنهم كانوا يترقبون بعثة النبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل المذكور في كتبهم (سفر يوحنا ١/ ٢٠ - ٢١)، فلما جاءهم عرفوه وأيقنوا بالوحي الذي نزل عليه، فكان من شأن أكثرية النصارى، من سكان بلاد الشام والعراق ومصر، أن دخلوا الإسلام طواعية بعد الفتوحات الإسلامية، وهذه الآية من قبيل الإعلام بالغيب إذ تنبأت بدخول النصارى في الإسلام ولمّا تتحقق الفتوحات الإسلامية بعد ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي الشاهدين على الحق.\n\n<span id=\"aya-753\"></span>﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ﴾ ليس هنالك مبرر لعدم الإيمان بعد أن جاءنا الحق، أو قد يكون المعنى: كيف نبقى على عدم الإيمان بالله وبالحق الذي جاءنا؟ وفي الوقت نفسه نطمع بدخول الجنة: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-754\"></span>﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾.","vol":"1","page":469},{"text":"٨٥ - ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا﴾ أثابهم الله بما اعتقدوا وآمنوا من الإسلام، بعد قولهم المشار إليه آنفا ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-755\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهي آيات الله الدالّة على الوحدانية وعلى صدق نبوّة النبيّ ﷺ ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ كلّ فرد يثاب ويعاقب بحسب ما اختار من التصديق أو التكذيب.\n\n<span id=\"aya-756\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - بعد انتهاء الخطاب عن أهل الكتاب الذي استمر من الآية (١٢) حتى الآية (٨٦)، يعود الخطاب بهذه الآية (٨٧) وحتى الآية (١٠٨)﴾ إلى موضوع أول السورة عن العقود والطيبات والمحرمات:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ بعد أن ذكر تعالى إيمان القسيسين والرهبان من المتعمقين في النصرانية، ومدحهم بأنهم لا يستكبرون لأنّ الغرور لا يحفزهم على الاعتقاد أن الدين قد ختم بهم أو أنه مقتصر عليهم دون غيرهم من البشر، ولمّا كان الرهبان قد اشتهروا بالتقشف والزهد ظنّا منهم أنّ ذلك يقربهم إلى الله زلفى، ولكي لا يقع الناس في هذا الالتباس الذي وقع فيه بعض الزهّاد والمتصوّفة، نهى تعالى المؤمنين أن يحرّموا ما أحلّ الله من الطيبات ممّا تتمتع به وتستسيغه الفطرة السليمة المعتدلة، لأن الإسلام ينشد التوازن والاعتدال في متطلبات الروح والجسد، وينشد الوفاء في كل منهما، والمسلمون في ذلك أمة وسط، وقدوة للناس، انظر آية [البقرة:\n٢/ ١٤٣]، ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا تعتدوا بتجاوز الطيبات الحلال إلى الخبائث المحرّمة، ومن جهة ثانية لا تعتدوا بالإسراف في التمتع بالطيبات واللذّات بحيث يكون ذلك أكبر همّكم.","vol":"1","page":470},{"text":"<span id=\"aya-757\"></span>﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ كلوا من الحلال الذي لم يحرمه الله - كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، الآية (٣) - وكلوا من المال الذي كسبتموه بالحلال، ولا تأكلوا من مال السحت كالربا أو الغصب أو السرقة ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فلا تحرّموا الحلال ولا تحلّوا الحرام.\n\n<span id=\"aya-758\"></span>﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - علاقة الآية بما قبلها أنه لما كان بعض المبالغين في النسك والزهد قد حلفوا على ترك بعض الطيبات بيّن لهم تعالى كفّارة الأيمان:\n﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ اللغو هو الكلام الذي لا يعتدّ به، كالحلف في أثناء الكلام دون قصد ولا عمد، فليس له كفّارة [البقرة: ٢/ ٢٢٥]، ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ أي بما صمّمتم عليه من اليمين عن قصد ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الحنث باليمين العمد يوجب الكفّارة، والكفّارة صفة مبالغة من الكفر وهو في الأصل: الستر والتغطية، والكافر هو من يغطي الحقيقة وينكرها، والكافر أيضا بمعنى الليل المظلم، لأنه يستر ويغطي كل شيء، وهو أيضا المزارع لأنه يغطي البذور بالتربة كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد ٥٧/ ٢٠]، وهنالك أيضا كفران النعمة أي تغطيتها بمعنى إنكارها وجحودها، فيكون معنى الكفّارة أنها تغطي الذنوب وتسترها حتى لا يكون لها أثر في الدنيا والآخرة، فالذي يريد أن يكفّر عقد اليمين عليه إطعام عشرة مساكين من متوسط ما يأكل أهله، أو كسوتهم، أو عتق رقبة","vol":"1","page":471},{"text":"﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾ إن لم يستطع إطعام المساكين أو كسوتهم أو أن يعتق رقبة ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ وحنثتم باليمين العمد ﴿وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ حفظ الأيمان ذو ثلاثة وجوه: فمن جهة لا تكثروا من حلف الأيمان بلا مبرر، ومن جهة ثانية إذا حلفتم حافظوا على يمينكم ولا تحنثوا، ومن جهة ثالثة إذا حنثتم باليمين العمد فالتزموا بالكفّارة، وفي الحديث:\n«إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفّر عن يمينك، وأت الذي هو خير»، وأما اليمين الغموس فهي التي يحلف صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، قاصدا الخيانة أو الغش أو أكل حقوق الآخرين، فلا يكفّرها شيء، بل لا بد من أداء الحقوق لقوله تعالى في أول السورة: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ولا بدّ من التوبة والاستقامة، وفي الحديث الشريف: «من حلف على يمين، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال غيره، لقي الله وهو عليه غضبان»، ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ من الحكمة والتشريع ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي بأن أحلّكم من الأيمان المعقّدة فجعل لها كفّارة.\n\n<span id=\"aya-759\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - بعد أن نهى تعالى عن تحريم الطيبات، ومنعا للالتباس بأن يعتبر البعض الخمر والميسر من الطيبات، فقد بيّن تعالى حرمتها بقوله:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ ومن حكمته تعالى أن جعل تحريم الخمر تدريجيا بسبب تعلق الناس بها في الجاهلية، فلو نزل التحريم مرة واحدة لكان صارفا للكثيرين منهم عن الإسلام، وأول ما نزل من تحريم الخمر آية [البقرة: ٢/ ٢١٩] وهو تحريم ظنّي كان متروكا لاجتهاد المجتهدين، ثم نزل في آية [النساء: ٤/ ٤٣] وهو تحريم قطعي في الأوقات القريبة من الصلاة، ثم كان التحريم القطعي في كل الأوقات بهذه","vol":"1","page":472},{"text":"الآية، والخمر ليس مقتصرا على المشروبات الكحولية بل كلّ ما شأنه أن يعطّل الفكر، وفي الحديث: «كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام».\nوأمّا الميسر فهو القمار، والأنصاب هي الحجارة أو الأوثان التي نصبوها للعبادة، وكانوا يذبحون القرابين عندها ظنّا منهم أنها تقربهم إلى الله تعالى، ويدخل في ذلك كل الممارسات الوثنية كتقديس الأضرحة والأولياء ودعاؤهم والاعتقاد بمقدرتهم.\nوالأزلام هي السهام كانوا يقترعون بها تفاؤلا أو تشاؤما كي يختاروا ما عليهم عمله، وكل هذه الأمور رجس، أي إنها عمل شيطاني مستقبح ماديا ومعنويا.\n﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي فاجتنبوا هذا الرجس، وقالوا إن الأمر بالاجتناب أبلغ من الأمر بالترك، لأنّ الاجتناب يفيد بالإضافة إلى الترك، البعد عن المتروك، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ [النجم: ٥٣/ ٣٢]، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقد أضاف تعالى الفلاح لمن يجتنب هذه الأشياء.\n\n<span id=\"aya-760\"></span>﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ لأنه عند ما يثمل المرء يفقد عقله وتستولي عليه الشهوة، ويسارع إليه الانفعال، وقد تحصل المشاحنة بينه وبين غيره، وكذلك في الميسر عندما يخسر ماله، فالخمر والميسر سببان من أسباب خراب النظام العائلي والمجتمع ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ لأنه في الحالتين يستغرق المرء فيما هو فيه من الثمالة أو الانهماك في الميسر ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهو استفهام يتضمن الأمر بالانتهاء، قال الزمخشري هو من أبلغ ما ينهى به، لأنه تعالى عدّد ما ينطوي عليه الخمر والميسر من الرجس ومن عمل الشيطان، وقرنها بالأنصاب","vol":"1","page":473},{"text":"والأزلام، وأنها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فيكون المعنى: ألا تنتهون عنها بعد أن عرفتم لها كل هذه المفاسد؟\n\n<span id=\"aya-761\"></span>﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أطيعوا الله تعالى فيما نهاكم عنه من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وأطيعوا الرسول فيما بيّنه لكم عن ذلك ﴿وَاِحْذَرُوا﴾ مخالفة ما نهيتم عنه لما فيها من سوء العاقبة لكم في الدنيا والآخرة ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ إن عصيتم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ الحجّة قد صارت بيّنة عليكم، والرسول أدّى واجبه من البلاغ، ولن يكون هنالك إكراه، وإنّما يتحمل كل إنسان عاقبة خياره بعد أن صار على بيّنة من الأمر.\n\n<span id=\"aya-762\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أي من المحرّمات عند الضرورة، كما في الآية (٣)، ﴿إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لأن العبرة بالتقوى والإيمان والعمل الصالح والإحسان، وليست العبرة مجرّد الامتناع الشكلي عن المحرّمات من طعام وشراب فقط ﴿ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ المقصود مداومتهم على التقوى والإيمان والإحسان ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾،\n\n<span id=\"aya-763\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩٤)\n٩٤ - هذه الآية استمرار لبيان المحرّمات، وهي أيضا عودة بالخطاب إلى تحريم الصيد خلال الإحرام (الآية ١)، والإعادة هنا لبيان الجزاء:","vol":"1","page":474},{"text":"﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ﴾ أي إن الله تعالى يختبر طاعتكم من معصيتكم، في أثناء إحرامكم، بأن يجعل الصيد في متناول أيديكم وأسلحتكم فيكون وفيرا سهل الأخذ ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ ليظهر تعالى الذين يخافونه ﴿فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ من اعتدى بالصيد خلال الإحرام، بعد هذا البيان، يلقى عاقبة عمله.\n\n<span id=\"aya-764\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ واتفقوا أنه لا يدخل في ذلك الحيوانات المؤذية أو الضارة أو الضارية ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ الجزاء لمن قتل الصيد متعمدا أن يذبح من النّعم، في المنطقة الحرام - وهو المقصود بالكعبة - ما يكافئ الصيد ويتصدق بلحومه على الفقراء، ويحكم ذوا عدل بتحديد الأضحية المكافئة ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ لمن كان فقيرا لا يستطيع شراء النعم المكافئ للصيد ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾ لمن كان فقره لا يسمح له بإطعام المساكين ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ﴾ فيتحمل عاقبة عمله، وهذا الجزاء أو الكفارة هو عن الصيد العمد في المرة الأولى، لأنه قد يكون بسبب الجهل بالتحريم، أو بسبب النسيان ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ في المرة الأولى، فالكفارة في الدنيا تمنع عقاب الآخرة ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ في حال الصيد العمد مع التكرار والإصرار، فيستحق صاحبه عقاب الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":475},{"text":"<span id=\"aya-765\"></span>﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ تتمتعون به ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ السيّارة بهذا المعنى هم المحرمون بدليل تتمة الآية، والمعنى أن صيد البحر وطعامه حلال للمحرم وغير المحرم ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بالنسبة إلى المحرم اقتصر التحريم على صيد البر فقط ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على عملكم.\n\n<span id=\"aya-766\"></span>﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ تقوم بها حياتهم الروحية والاقتصادية والاجتماعية، فهي فائدة لهم في دينهم ودنياهم ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ ينعمون بالأمن خلال الشهور الحرم، وفي الحرم على مدار العام، والمقصود بالناس عرب الجزيرة، فقد كان اجتماعهم في الحرم كلّ عام سببا لتقاربهم ولنشوء العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتهادن بينهم، والشهر الحرام اسم جنس للأشهر الحرم الأربعة ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، وقد تواطأت العرب على تحريم القتال فيها، فيهادن بعضها بعضا على ما قد يكون بينهم من خصومات، يلتقون ويحجّون ويعتمرون ويتاجرون، فيأمن الناس بعضهم بعضا خلال هذه الأشهر كما يأمنون في الحرم، انظر آية [العنكبوت ٢٩/ ٦٧].\n﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ القلائد كانوا يعلقونها في رقبة الأنعام المهداة إلى الكعبة يعرفها الناس بقلائدها فتمر بسلام مع القوافل، وتنحر في الحرم، وتوزّع لحومها على الفقراء، وتقدير الخطاب: والشهر الحرام والهدي والقلائد أيضا جعلناها قياما للناس، فهي معطوفة على البيت الحرام.","vol":"1","page":476},{"text":"﴿ذلِكَ﴾ الإشارة إلى نعمه تعالى من جعل الحرم آمنا، زمانا ومكانا، حتى الصيد حرّمه تعالى على المحرمين ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي هذه النعم من جعل الحرم آمنا، زمانا ومكانا، وفوائده المذكورة، دليل على علمه تعالى بخفايا الأمور وبمصالح عباده، فقد ألقى في قلوب العرب من التعظيم والمهابة للحرم وللأشهر الحرم بما يقوم من معايشهم ومصالحهم، رغم ما كانوا عليه من طباع الغلظة والحروب الأهلية وحب الاقتتال والإغارة والغزو والسلب والنهب، ولولا هذه الهدنة السنوية التي تمتد على الثلث من كل عام لاستمر اقتتالهم على مدار العام دون هوادة، ولانهارت أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية إلى الحضيض، فمن علمه تعالى بحالهم أن منّ عليهم بالحرم والأشهر الحرم ﴿وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بالدقائق والتفاصيل والخفايا.\n\n<span id=\"aya-767\"></span>﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩٨)\n٩٨ - بعد أن ذكر تعالى من أنواع رحمته بالناس، بيّن هنا أنه شديد العقاب لمن عصاه ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن انتهك المحارم ﴿وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن حافظ عليها.\n\n<span id=\"aya-768\"></span>﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ أي إن مهمة الرسول - وبالتالي مهمة كل مسلم كفؤ - محصورة في البلاغ، ويتحمل الناس مسؤولية أعمالهم، انظر آية [فصّلت: ٤١/ ٤٦]، وحسابهم من ثواب وعقاب على الله ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ محيط بعلانيتكم ونواياكم فيحاسبكم على أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-769\"></span>﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - قال الرازي: بعد أن زجر تعالى عن المعصية، ورغّب في الطاعة (الآية ٩٨)، ثم أتبع ذلك بالتكليف، وبأن ما على الرسول إلا البلاغ، وأنه","vol":"1","page":477},{"text":"يحاسب الناس بأعمالهم ولا يخفى عليه شيء منها (الآية ٩٩)، أتبع ذلك بإرشاد الناس أن الخبيث والطيب لا يستويان:\n﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي لا يغرّنك أيها السامع كثرة الخبيث، لدى الكثير من الناس، من المال الحرام والسحت، ومن الربا والرشوة والغلول والخيانة وأكل مال الآخرين بلا حق، والجاه الزائف والزعامات الزائلة التي تقوم على الظلم أو الضلال، وظنّ البعض أنّ ذلك دليل على رضا الله عن أصحابها، فلا يغرّنك كل ذلك، لأن عاقبة الخبيث وإن كثر ليست كعاقبة الطيّب من المال الحلال والأعمال الصالحة ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفكّروا في ذلك يا أصحاب العقول الراجحة لتتقوا سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-770\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٠١)\n١٠١ - هذه الآية تقرأ مع قوله تعالى: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (٩٩)، فالرسول قد أدى ما عليه من وظيفة البلاغ الذي كمل به الإسلام، لقوله تعالى:\n﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (٣)﴾:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ لا ينبغي للمؤمنين الإكثار من الأسئلة عن الأحكام الشرعية ودقائق التكاليف ممّا لم يتنزّل به الوحي ولم يخبر عنه الرسول، لئلاّ يكون ذلك سببا لزيادة التكاليف وتشديدها فيشقّ على الأمّة احتمالها، والأولى بالعاقل أن يسكت عمّا لا تكليف فيه، لأنّ الله تعالى أعلم بمصالح العباد من أنفسهم ﴿وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ إن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن ولم تفهموها فالرسول يبديها لكم ويبيّنها لكم، وإن تسألوا عن أمور لم ينزّلها القرآن، فإنّ بيانها قد يسدّ في وجوهكم باب الاجتهاد الذي فوّضه تعالى إليكم، وقد يقيّدكم بقيود","vol":"1","page":478},{"text":"أنتم في غنى عنها، وفي الحديث: «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته»، ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ من قبيل العفو لم يذكر تعالى هذه الأمور في كتابه، فاسكتوا عنها، وفي الحديث: «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإن قوما شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم»، وفي الحديث أيضا أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: «أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجّوا، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال ﷺ: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل الناس بالعقوبة، بل يترك لهم فرصة التوبة.\n\n<span id=\"aya-771\"></span>﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الذين أكثروا السؤال عن تفصيل الأحكام التشريعية من الأمم قبلكم لم يعملوا بما ظهر لهم منها، بل تركوها استثقالا لها، والخطاب عن الأمور الدينية المحضة، وأما المصالح المدنية والسياسية والحربية فهي شورى.\nوقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ما يلي: «العبرة من هذه الآية أن كثيرا من الفقهاء وسّعوا بأقيستهم دائرة التكاليف، وأكثروا من استنباط الفروع الكثيرة في العبادات والمعاملات، وانتهوا بها إلى العسر وإلى الحرج المرفوع بالنص القاطع، وقد افتتنت بعض الجماهير بالكتب الفقهية الملأى بالفروع التي نهى الشرع عن الخوض فيها، وأجمع السلف على ذم الاشتغال بها، ثم جمدت بعض الجماهير على التقليد، فكان أن تركت جماهير أخرى من المسلمين - وحكوماتهم - الشريعة جملة، وفتحت لهم أبواب انتقادها والاعتراض عليها، مع أن كل ما في الفقه من التشديد والتقييد هو من اجتهاد الفقهاء، ولا سيّما المصنّفين منهم الذين جاؤوا بعد الصحابة والتابعين».","vol":"1","page":479},{"text":"<span id=\"aya-772\"></span>﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وهي أربعة أنواع من البهائم كانوا في الجاهلية يحرّمونها على أنفسهم ويتركونها لطواغيتهم، فالبحيرة هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، كانوا يشقّون أذنها ثم يمتنعون من الانتفاع بها ويتركونها لآلهتهم بزعمهم، والسائبة بمنزلة البحيرة وهي البهيمة يسيبونها أي يتركونها لأصنامهم، والوصيلة هي الشاة التي تصل أنثى بأنثى في الولادة ثم بعد سبعة أبطن يحرمون على أنفسهم الانتفاع بها، والحامي فحل الإبل يتركونه بعد عشر سنين، وقال المفسرون نحو ذلك في شرح هذه الأنواع الأربعة.\nومعنى الآية أنّ الله تعالى لم يشرّع لهم تحريم هذه البهائم، وهو استمرار الخطاب من الآيات السابقة، فبعد أن نهى تعالى عن تحريم الحلال، ونهى المؤمنين أن يكونوا، بكثرة أسئلتهم، سببا في تحريم شيء لم يكن محرّما من قبل، ضرب لهم مثلا في هذه الآية عن ضلال الناس في الجاهلية إذ حرّموا ما لم يحرّمه الله ﴿وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ لأنهم كانوا ينسبون التحريم إلى الله تعالى، ولو بشكل غير مباشر، إذ يقولون ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٨]، وهم بقولهم هذا كأنهم يدّعون الجبر مع أنه تعالى أعطى الإنسان حرية الخيار، فعدم إجباره لهم على الفعل أو الترك ليس دليلا على رضاه تعالى عمّا اختاروه لأنفسهم من الضلال،\n﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يستخدمون العقل - بل يتّبعون التقليد كما سيرد في الآية التالية -، والآية وإن كانت خاصة في ممارسات الجاهلية إلاّ أن مغزاها عام ينطبق على كل الناس في كل العصور، فقد يزعم البعض أنهم يتقربون إلى","vol":"1","page":480},{"text":"الله تعالى بأعمال وممارسات ابتدعوها ما أنزل الله بها سلطانا، في حين أنه تعالى لا يعبد إلاّ بما شرعه في القرآن أو على لسان رسوله ﷺ فلا عبادة ولا تحريم إلاّ بنص، وليس لأحد أن يزيد أو ينقص في العبادات أو في التحريم.\n\n<span id=\"aya-773\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - استمرار الخطاب من الآية السابقة بأن أكثرهم لا يستخدمون العقل:\n﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ هم ملتزمون بتقليد آبائهم، ومغزى الآية واضح في النهي عن التقليد الأعمى، ووجوب إعمال الفكر واستخدام ملكة العقل، وقد وردت آية مشابهة لها في سورة البقرة [البقرة: ٢/ ١٧٠]، ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي هل يغني تقليد الآباء والأجداد عن اتّباع الحق؟ حتى لو كان الآباء والأجداد لا يعلمون شيئا من الحقيقة ولا يهتدون إليها؟\nوقد ذكر الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) ما يلي: اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية: هل يجوز التقليد فيها أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم أنه لا يجوز مطلقا، قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد، وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد، ونقل عن مالك قوله: «أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وما لم يوافق فاتركوه»، وبهذا نعلم أن منع التقليد مذهب الجمهور، ولا خلاف أن رأي المجتهد، عند عدم الدليل، إنما هو رخصة له، يجوز له العمل بها، ولا يجوز لغيره أن يعمل بها بأي حال، ولذلك نهى كبار الأئمة عن تقليدهم وتقليد غيرهم، ومن زعم أنه يجب على الناس التمسك برأي المجتهد والعمل به فقد جعل هذا المجتهد صاحب شرع، ولم يجعل الله ذلك لأحد من الأمة بعد النبي ﷺ، وأما سؤال الجاهل للعالم فيما","vol":"1","page":481},{"text":"يعرض له من مسائل فهو سؤال عن الشرع، وليس سؤالا عن رأي خاص أو اجتهاد محض، (المنار).\n\n<span id=\"aya-774\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - استمرار الخطاب لما قبله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ أي لا عليكم أيها المؤمنون من هؤلاء المقلّدين - المذكورين في الآية السابقة - إذا قمتم بواجباتكم من العبادات والعمل، وقمتم بواجبكم في الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تؤاخذون بضلال غيركم، حتى لو أصر الآخرون على المعصية، وليس عليكم إكراه الآخرين على الهدى ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ مصيركم إلى الله أنتم ومن خالفكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كل إنسان بعمله.\n\n<span id=\"aya-775\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - انتقال الخطاب إلى التشريع: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أي شهادة ما بينكم من المنازعة أو الخصومة التي قد تنشأ عن الوصية ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إذا شارف أحدكم على الموت، بظهور إمارات قربه من الموت، كالعجز أو المرض أو غيره ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يشهد على وصيته اثنان من الشهود العدول أي المعروفين بالعدل والاستقامة، وهذا المعنى دليل على وجوب الوصية وتأكيد أهميتها، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٨٠]، وضرورة الإشهاد عليها، وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ معناه شاهدان من دينكم ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير دينكم، إذا كان أحدكم على سفر ولم يجد","vol":"1","page":482},{"text":"شاهدين مسلمين ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ كنتم على سفر ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ شارف أحدكم على الموت بالمرض أو غيره ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ﴾ إن كان لديكم شك في شهادة الشاهدين فتوقفوهما بعد الصلاة حتى يقسمان على صحة ما شهدا به ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وهو فحوى قسم الشاهدين ومعناه: لا نشتري بيمين الله ثمنا دنيويا، ولو كان المستفيد من أقاربنا ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وهو تتمة قسم الشاهدين، أي لا يكتمان الشهادة التي أمر الله أن تذكر على حقيقتها، فهما يشهدان على نفسيهما بالإثم إن قالا زورا، وهذه العبارة نظير قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٨٣].\n\n<span id=\"aya-776\"></span>﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْمًا﴾ لأنّ الإثم يترتب على شهادة الزور، فإن ظهر لدى أولياء الميت كذب الشاهدين بعد أن أقسما ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ بدلا ﴿مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ الأوليان الشاهدان اللذان حلفا اليمين أولا، استحقّ عليهم الإثم فتردّ أيمانهم لأنهما استحقّا أموال المتوفّى ظلما، فيقوم مقامهما اثنان من أولياء الميت أو ورثته يقسمان بردّ يمين الشاهدين ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما﴾ وهو مضمون اليمين الثانية بأن يمين الشاهدين باطلة، وبأنهما كاذبان، وبأن الميت ما كان ليوصي بذلك، فيردّان بأيمانهما اليمين الأولى، ويشهدان على أنفسهما بعدم الظلم والتعدّي: ﴿وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-777\"></span>﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)﴾.","vol":"1","page":483},{"text":"١٠٨ - ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها﴾ ذلك أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها الصحيح، لأنه إذا علم الشاهدان سلفا احتمال ردّ كذبهما، بيمين أولياء الميت، كانا أحرص على قول الحقيقة ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ في هذه الحالة يخافان أن تردّ الأيمان التي يحلفوها، بأيمان أولياء الميت، والضمير في ﴿أَيْمانِهِمْ﴾ عائد إلى أولياء الميت ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ اتقوا معصية الله واستجيبوا له طواعية، لأن سنته تعالى قد مضت بأن الهداية تكون بحرية الاختيار، وأنه تعالى لا يقسر العصاة على الهداية، وشبيه به قوله تعالى: ﴿وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٩٢).\n\n<span id=\"aya-778\"></span>﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - بعد أن فصّلت الآيات (١ - ١١) والآيات (٨٧ - ١٠٨) مواضيع العقود والطيبات والمحرمات والأحكام، كما بيّنت الآيات (١٢ - ٨٦) أحوال أهل الكتاب، وعدم استجابتهم للوحي، وهيمنة القرآن على كتبهم، تختم السورة بشهادة الرسل عليهم، وبالذات شهادة عيسى المسيح ﵇:\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ المغزى أن الناس سوف يحاسبون بحسب استجابتهم للرسل، فما على الرسل إلاّ البلاغ، والحساب على الله وحده، وأن الإحاطة بالعلوم من الظاهر والباطن والغيب خاص بعلاّم الغيوب، وذلك مغزى قول الرسل: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ،﴾ ونظيره الآية (١١٧)، ومن مغزى الآية أيضا توبيخ الكفار بسؤال الرسل عن استجابة الكفرة لهم، لأن الرسالة وصلتهم فلم يستجيبوا.\n\n<span id=\"aya-779\"></span>﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾","vol":"1","page":484},{"text":"﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ انظر التأييد بروح القدس أيضا في آية [البقرة: ٢/ ٨٧]، وقيل إنّ روح القدس هو جبريل ﵇، الروح جبريل، والقدس هو الله تعالى، كأنه أضافه تعالى إلى نفسه تعظيما له ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ كلام عيسى في المهد هو قوله ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم ١٩/ ٣٠]، ثمّ تكلم في الكهولة بما نزل عليه من الوحي بعد بعثه نبيا، والمعنى أن كلامه في المهد وفي الكهولة كلاهما معجز.\n﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تقدير الخطاب: علّمتك الكتاب بما اشتمل من الحكمة والتوراة والإنجيل، لأن المقصود بالكتاب جنس الكتب التي نزلت على الأنبياء، والحكمة هي العلم الصحيح الذي يبعث على العمل النافع، وقد بعث عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل خاصة فأوتي الفقه في التوراة، والإنجيل الوحي الذي نزل عليه ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ وردت هذه المعجزة أيضا في آية [آل عمران: ٣/ ٤٩] ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ الأكمه المولود أعمى ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي﴾ ويلاحظ تكرار كلمة بإذني، للتأكيد على أن ذلك يتم بقدرته تعالى، وليس بمقدرة عيسى ﵇ ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بعد أن جئت بني إسرائيل بالبينات من الوحي، ومن المعجزات الحسية التي اعتاد بنو إسرائيل وقوعها منذ بعثة موسى ﵇، فمنعتهم من الوصول إليك بأذى ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فسّروا معجزات عيسى بالسحر، بسبب تصميمهم على الكفر وانغلاق فكرهم سلفا.","vol":"1","page":485},{"text":"<span id=\"aya-780\"></span>﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ المعنى أنه تعالى ألهم الحواريين أن يؤمنوا بالمسيح بعد ما طلبوا منه معجزة خارقة، وهي إنزال مائدة من السماء - الآية التالية - وذلك من تتمة نعمه تعالى على عيسى ﵇ المذكورة في الآية السابقة، والإيحاء إلى الحواريين بمعنى الإلهام كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:\n١٦/ ٦٨]، والحواريون مفردها حواري وهو من خلص لصاحبه، وأصله في اللغة الأبيض خالص النقاء والبياض.\n\n<span id=\"aya-781\"></span>﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ هذا السؤال من الحواريين لعيسى ﵇ يبيّن بوضوح إيمان الحواريين بأن عيسى مجرد بشر، وأن عيسى نفسه لم يدّع غير ذلك، وأن لم تكن عنده أي مقدرة على عمل الخوارق من تلقاء نفسه، وأن الخوارق إذا حصلت فمن الله ﴿قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي كيف تطلبون المعجزات الخارقة، وأنتم مؤمنون؟ والمغزى أن المؤمن يجب أن يتقي عاقبة مثل هذا الطلب، لأنه بعد نزول المعجزة الخارقة يتضاءل ثواب الإيمان بالغيب، أو ينتفي بالكامل، فمن جهة، يكون نزول المعجزة نوعا من الإجبار على الإيمان، ولا يليق ذلك إلاّ بمن هم في طفولة عقلية - كمثل بني إسرائيل - إذ فشلوا في استخدام ملكاتهم العقلية للوصول إلى الإيمان، ومن جهة ثانية قد يتعرض طالب المعجزة للعقاب الشديد لأقل هفوة يرتكبها بعد أن يكون قد لمس خوارق الإعجاز لمس اليد، فلم يعد لديه عذر في المعصية والانحراف عن الطريق السوي.","vol":"1","page":486},{"text":"<span id=\"aya-782\"></span>﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وهو شبيه بقول إبراهيم ﵇ ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦٠]، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ نريد أن نضيف إلى إيماننا بالغيب علم مشاهدة المعجزة رأي العين.\n\n<span id=\"aya-783\"></span>﴿قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا﴾ استجاب عيسى ﵇ لطلب الحواريين، فدعا ربّه بأن تكون هذه المعجزة الخارقة عيدا للفرح والسرور والعبادة، عيدا خاصا بالمؤمنين أوّلهم الحواريون، وآخرهم كل من آمن بعدهم على مرّ الزمن ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي تكون علامة منه تعالى لكي يزداد الحواريون طمأنينة ﴿وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ دعاء بطلب الرزق عامة، المادي منه، وغير المادي.\n\n<span id=\"aya-784\"></span>﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ليس في الآية ما يفيد أن المعجزة التي طلبها الحواريون قد حدثت بالفعل، ولذا اختلف المفسّرون فمنهم من قال إن الحواريين تراجعوا عن طلبهم بعد هذا الوعيد الشديد، ومنهم من قال بنزول المائدة فعلا، والذي يؤيد أن المائدة لم تنزل قوله تعالى في معرض تعداد نعمه على عيسى ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أي آمنوا إطلاقا بلا معجزة خارقة ﴿قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾، وقد ذكروا أن المائدة بلغة العرب معناها عطيّة، وهي أيضا معطية، والعرب تقول","vol":"1","page":487},{"text":"مادني فلان أي أحسن إليّ (الرازي)، فإذا أخذنا بالاعتبار أنّ لفظ ﴿مُنَزِّلُها﴾ بالتشديد - كما هي قراءة الجمهور - ممّا يفيد التكرار والكثرة، فيحتمل المعنى أنه تعالى أجابهم بأنّه ينزّل الرزق على عباده دوما وباستمرار، سواء كان رزقا ماديا كالطعام والشراب، أو رزقا معنويا كالوحي الذي يتنزّل على جملة الأنبياء والرسل، وهذه كلّها دلائل عقلانية كافية بحد ذاتها، لغير المكابر ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ فمن يكفر بعد ذلك بالوحي الذي يتنزّل على الأنبياء والرسل، أو يكفر نعمه تعالى التي لا تحصى من طعام وشراب وغيره، فهو معرّض لعذاب شديد لا يتعرّض لمثله أحد غيره.\n\n<span id=\"aya-785\"></span>﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ﴾ وهو خطابه تعالى لعيسى يوم يجمع الله الرسل (الآية ١٠٩) أو بعد رفعه كما سيرد في (الآية ١١٧).\n﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي معبودين كائنين من دون الله، سواء كانت هذه العبادة على اعتقاد الألوهية بعيسى ووالدته، أو على اعتقاد وساطتهما عند الله، لقوله تعالى على لسان المشركين ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣٩/ ٣]، وهذا الاستفهام منه تعالى لتثبيت النفي والإنكار ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ بدأ عيسى جوابه بالتسبيح، تنزيها لله تعالى عما لا يليق به من الشرك، وأضاف أن لم يكن له أدنى حق أن يقول ما قالت المسيحية عنه ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فوّض عيسى الجواب بالكلّية إلى علم الله تعالى المحيط بكل شيء، وذلك مبالغة منه في إظهار الأدب، كي لا يقول: كلا لم أقله ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ أي تعلم ما في غيبي، ولا أعلم ما عندك من","vol":"1","page":488},{"text":"الغيب ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ المغزى أن عيسى لم يسمع بادعاء الألوهية له ولوالدته أثناء وجوده على الأرض، وأن المسيحية ابتكرت هذا الاختلاق بعد رفع المسيح، وأن علاّم الغيوب يعلم ذلك، في حين لم يعلمه عيسى، بدليل تتمة الخطاب بالآية (١١٧).\nوالملاحظ أنه لا يوجد في الكتاب المقدس  The Bible  عند النصارى أي إشارة إلى تأليه أو تقديس السيدة مريم، كما أنه خلال ثلاثة قرون بعد المسيح كانت فكرة تأليه أو تقديس السيدة مريم غريبة على المعتقد المسيحي، ولكن نحو نهاية القرن الثالث الميلادي بدأ رجال الكهنوت في الإسكندرية يستخدمون تعبير - والدة الإله - كناية عن مريم، ومن ثم بدأت تنتشر فكرة تقديسها، رغم أن الكنيسة في ذلك الوقت كانت تصم بالهرطقة كل من ينسب أي طابع قدسي أو إلهي للسيدة مريم، واستمر الأمر على هذا النحو حتى انعقاد المجمع الكنسي في إفسس  Ephesus -  غرب تركية - عام ٤٣١ م حيث تقرر رسميا إضفاء لقب - والدة الإله - على السيدة مريم، وبعدها انتشرت فكرة تقديسها لدى الكنائس حتى طغت أحيانا على - الأب - فكثرت تماثيلها وصاروا يصلّون لها، واعتقدوا أنها تستجيب لدعائهم وتهبّ لنجدتهم ومساعدتهم، وقد أعلن الإمبراطور جستينيان في مقدمة دستوره أن مريم هي حامية الإمبراطورية، وكان قواده يطلبون معونتها في ساحات القتال، وكان هرقل الذي عاصر النبي ﷺ يرفع صورة السيدة مريم على رايته، وكان واثقا أنه لن يخذل ما استعان بها، ولكن البروتستنت - في حركة الإصلاح الديني - نبذوا فكرة عبادة مريم أو تقديسها، في حين أن الكاثوليك استمروا في هذا المعتقد إلى اليوم -\nيقول البروفسور روبرت فنك - مؤلف كتاب «الأسفار الخمسة»،  The five Gospels  ومؤسس «ندوة عيسى» الشهيرة - يقول في كتابه «الأمانة تجاه عيسى Honest to Jesus،Harper،San Francisco ٦٩٩١»:","vol":"1","page":489},{"text":"أنظر حولي وأشعر بالأسى على الذين استعبدتهم شخصية مسيح مبتكرة فرضت عليهم بنتيجة تراث ضيق وصارم (ص ١٩)، نحن نسعى للتوصل إلى إنجيل عيسى ذاته، نبحث عن المسيحية الحقيقية في شكلها البسيط النقي (ص ٢٠)، نسعى إلى تحرير المسيح من القيود التي فرضت على شخصه، وعندئذ قد نكتشف المسيح الذي ينسف مفاهيمنا المتوارثة، ثم نقع في حرج ممّا اكتشفناه، وممّا نحن عليه الآن من العقائد، فلو أطلقنا المسيح من زنزانة عقائدنا الحالية فقد يحتج على الألقاب التي ألصقناها به، وعلى الكنيسة التي أسّسناها باسمه، ويحتج على البابا ورجال الدين والوعّاظ، ويحتمل حينئذ أننا لن نقبل بالمسيح الحقيقي في نطاق مسيحيتنا الحالية (ص ٢٢)، إن المسيحية الحالية لم تبدأ بعيسى، وهو لم يكن المسيحي الأول، فعندما نتكلم عن مؤسس المسيحية الحالية يجب أن نلتفت إلى بولس، لقد رأى بولس، اليهودي المثقف الذي لم يلتق عيسى قط، رأي في شخص عيسى الإله المخلّص من الطراز الهلنستي الأسطوري، الإله الذي يموت ثم ينهض من الموت، لقد رفعوا عيسى تدريجيا خلال القرنين الثاني والثالث الميلادي إلى مرتبة الألوهية، إلى أن بدأت المسيحية تأخذ شكلها المحدد بقرارات إمبراطورية وكنسية (ص ٣١ - ٣٥)، إنها عقلية العالم الروماني/اليوناني في ذلك الوقت، فبالنسبة للثقافة اليونانية كانت عقيدة الآلهة المتعددة وحكاياتها الأسطورية مرافقة للحياة اليومية، وفي ذلك الوسط نشأت المسيحية الهلنستية، لقد تحوّل عيسى محطّم الرموز إلى مجرّد رمز (ص ٤٤).\n\n<span id=\"aya-786\"></span>﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وهي رسالة التوحيد خالية من الشرك ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ فقط","vol":"1","page":490},{"text":"﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي استوفيت مدة بقائي على الأرض ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المعنى أنه تعالى وحده الرقيب على عباده، في حين أن مهمة الرسل هي البلاغ فقط.\n\n<span id=\"aya-787\"></span>﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إقرار من عيسى ﵇ بأنه لا يملك لمن عبدوه في الحياة الدنيا ضرّا ولا نفعا، وأن الحساب على الله وحده.\n\n<span id=\"aya-788\"></span>﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قال الله بصيغة الماضي، والمقصود المستقبل، لتأكيد أنّ ذلك واقع لا محالة، فكأنه وقع فعلا، واليوم المشار إليه هو يوم القيامة، حيث لا ينجو فيه إلاّ من كان صادقا مع نفسه في الحياة الدنيا ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ثواب الصادقين.\n\n<span id=\"aya-789\"></span>﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ﴾ أي له وحده، دون غيره، ممّن اتخذوهم آلهة للعبادة ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيحاسب العباد بأعمالهم يوم القيامة.\n***","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-816>سورة الأنعام - ٦ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-817>مقدمة</span>\nنزلت هذه السورة في أواخر فترة إقامة النبي ﷺ في مكة، وعلى الأغلب في السنة الأخيرة التي سبقت هجرته إلى المدينة، بعد أن كان قد أمضى حوالي اثني عشر عاما وهو يدعو الناس إلى الإسلام في مكة، وقد اشتق اسم السورة من الإشارة في الآية (١٣٦)، والآيات التي تليها، إلى عادة مشركي العرب في الجاهلية تكريس بعض الأنعام لأصنامهم، والتوسل بها إلى الله تعالى، وهذا المغزى غير مقتصر على مشركي الجاهلية، بل فيه إشارة إلى ميل بعض البشر، في كل العصور، إلى التوسل بأموات وبأضرحة، وإلى إسباغ قدرات شبه إلهية على مخلوقات ومعبودات وأولياء، وتكريس الذبائح لها، وأحيانا طاعة بعض المخلوقات في الباطل وفي التشريع والتحليل والتحريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-818>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة المائدة بالإشارة لشرك النصارى وتأليههم عيسى المسيح وأمّه، ثم افتتحت سورة الأنعام بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١]، إذ رغم المعجزات الباهرة من خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، فالكفار يعدلون بالله غيره، أي يجعلون غيره عدلا له مساويا له في العبادة.","vol":"1","page":492},{"text":"وفي سورة المائدة أن القرآن الكريم يصدّق فقط ما تبقى من الوحي الصحيح في كتب اليهود والنصارى ويهيمن عليها فيغربل الصحيح منها من الزائف:\n﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٥/ ٤٨]، وفي هذه السورة أن لا شيء أكبر من شهادة القرآن: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٩]، وأن رسالته عالمية للناس كافة: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٩٢]، مما يوجب اتباعه لكثرة خيراته: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٥].\nوفي سورة المائدة أن اليهود يحرفون التوراة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٥/ ٤١]، وفي سورة الأنعام أنهم جعلوا التوراة مجرد أوراق يتلاعبون بها:\n﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٦/ ٩١].\nوقد فصّلت سورة المائدة في الآيات [٥/ ١٢ - ٨٦] والآيات [٥/ ١١٠ - ١٢٠] بعض أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ثم تشير هذه السورة إليهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-819>محور سورة الأنعام</span>\nإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة في الخلق، ولكن فريقا خسروا أنفسهم بالتهالك على الحياة الدنيا، فهم لذلك لا يؤمنون: ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾","vol":"1","page":493},{"text":"﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)، وإن أهل الكتاب يعرفون النبي محمد ﷺ الموصوف في كتبهم - كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم خسروا أنفسهم بسبب خوفهم فوات الزعامة والمكاسب الدنيوية: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠)،\nوتضرب مثالا ببعثة إبراهيم، ﵇، وطريقة حواره مع قومه وتسلسل النبوات من بعده، وأنه تعالى يوكل بالرسالة من الأمم، على مرّ العصور، من هي جديرة بحملها: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ (٨٩).\nوأن المطلوب من الإنسان الإيمان باستخدام العقل والدلائل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٩).\nوأنّ من سنن الاجتماع البشري أن يصبح بعض المجرمين أكابر في بعض المجتمعات، بحيث يكون إجرامهم سبب كونهم أكابر، أي يبلغون مراتب الزعامة بالمكر والخداع والغدر: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (١٢٣)، وأنه تعالى لا يهلك المجتمعات الظالمة ولا يعاقبها على ظلمها قبل أن يبعث الرسل ويبين الحق من الباطل: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ (١٣١).\nوإن القول بالجبرية باطل، وعلم الله القديم هو من صفات الألوهية، ولا يناقض الحرية التي منحها تعالى للبشر: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨)، وأن مجرّد الإيمان بلا عمل صالح لا ينفع صاحبه: ﴿هَلْ﴾","vol":"1","page":494},{"text":"﴿يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٥٨)، وأن مسؤولية كلّ مكلّف من الناس متناسبة مع ما آتاه الله من درجات العلم والعقل والرزق والزعامة والجاه:\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٥).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-790\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١)\n١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ العبارة مذكورة بصيغة الخبر، فهي تفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده حامد أم لم يحمد، وهي أيضا تنحو منحى الأمر ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ السماوات بصيغة الجمع لأنها إشارة إلى الكون بكامله شاملا بلايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له، والأرض بصيغة المفرد وهي الكرة الأرضية التي نعيش عليها، ولا يمنع ذلك أنّ الأرضين كثيرة بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٦٥/ ١٢]، وسبب ذكرها بالمفرد لأن باقي الأرضين مشمولة في تعبير السماوات ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ وتحتمل معنيين الأول على ظاهره، والثاني مجازي بدليل الآية (١٢٢)﴾، فالظلمات قد تكون كناية عن ظلمات الجهل والهوى والشرك والنفاق والضلال والكفر، والنور قد يكون كناية عن نور الهداية والإيمان، وقد وردت الظلمات بصيغة الجمع، والنور بصيغة المفرد، لأن الباطل كثير والحق واحد، ويرجّح المعنى المجازي لأن موضوع السورة بأكملها يدور حول الهداية والضلال ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي رغم هذه المعجزات الباهرة من خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، فإن الكفار يعدلون بالله غيره، أي يجعلون","vol":"1","page":495},{"text":"غيره عدلا له مساويا له في العبادة، - وفي هذه الحالة يكون تعلق الجار والمجرور بفعل يعدلون، أي يعدلون بربهم.\nومعنى يعدلون أيضا ينحرفون، فيضلّون عن الحق - فيكون تعلق الجار والمجرور بفعل كفروا -، ومغزى الآية تأكيد لحقيقة التوحيد لأن الله وحده - لا شريك له - خالق السماوات والأرض، وجاعل الظلمات والنور.\n\n<span id=\"aya-791\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ قال الرازي: المشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وأن آدم كان مخلوقا من طين، وعندي - والكلام للرازي - أن الإنسان مخلوق من الأغذية التي تعود في منشئها إلى النبات، والنبات أصله من الطين، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين - انتهى - وكلام الرازي قريب من النظريات العلمية الحديثة التي تقول بنشأة الإنسان من الطين، قال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣/ ١٢]، ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ الأجل هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، والمقصود به أجل الموت أو القيامة أو كلاهما، فيكون تقدير الآية: ثم قضى أجلا، وهو أجل معروف عنده فقط ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ الامتراء هو الشك، والخطاب للكفار، أي بعد هذه البراهين الباهرة من خلق الإنسان من طين كيف تشكّون في البعث والخلق من جديد، ومن مغزى الآية تأكيد على حقيقة البعث، لأن الله الذي خلق الإنسان من سلالة من طين قادر على أن يبعث الإنسان من الطين مرة أخرى.\n\n<span id=\"aya-792\"></span>﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ أي هو الله - وحده - ربّ السماوات والأرض ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ متّصف بكمال العلم الباطن والظاهر ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ يعلم ما تستحقون من الثواب أو العقاب على أعمالكم.","vol":"1","page":496},{"text":"<span id=\"aya-793\"></span>﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٤)\n٤ - رغم الآيات الباهرات المذكورة آنفا كخلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلق الإنسان من الطين، فالكفار ما زالوا معرضين عن الإيمان وعن التفكّر: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ قد تكون الآيات بالمعنى العام وهي الرسالات السماوية التي نزلت على الأنبياء، أو قد تكون بمعنى الآيات القرآنية، أو قد تكون بمعنى المعجزات والدلائل الكونية، راجع شرح آية [البقرة: ٢/ ٣٩]، ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ صمّم الكفار على الإعراض عما يأتيهم من آيات الوحي عن طريق الرسل، كما دأبوا على الإعراض عن التفكر في المعجزات الكونية والدلائل التي توجب الإيمان والتوحيد،\nوقد رأى الرازي أنّ في هذه الآية دلالة على بطلان التقليد، وتأكيد أن التأمل والتفكر في الدلائل واجب، لأن الإسلام مبني على أساس الدليل والبرهان، وقد تكررت الإشارة لذلك في آيات [البقرة: ٢/ ١٧٠] و[المائدة: ٥/ ١٠٤].\n\n<span id=\"aya-794\"></span>﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ لم يكتف الكفار بالإعراض عن التفكّر بالآيات والدلائل، أو كونهم غافلين عنها، بل تجاوزوا ذلك إلى تكذيب الرسل والوحي والقرآن لمّا جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ولم يكتفوا بالتكذيب بل تجاوزوه إلى الاستهزاء، فهذا تأكيد على أنهم سوف يعلمون عواقب تكذيبهم واستهزائهم، إن في الحياة الدنيا بظهور معجزات القرآن لهم، أو بالبعث بعد الموت، هذا في المعنى العام.\nأما في المعنى الخاص فقد تكون الإشارة إلى الهجرة النبوية - التي حدثت بعد نزول هذه السورة مباشرة - ثم الانتصارات الباهرة للإسلام التي تلت ذلك ممّا لم يكن يتوقعه أحد من كفار مكة.","vol":"1","page":497},{"text":"<span id=\"aya-795\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ألم ير مشركو مكة خاصة، والكفار عموما، كم أهلك تعالى من الأجيال والحضارات من قبلهم، من الذين مكّنهم تعالى في الأرض فجعل لهم فيها ملء التصرف والاستقلال، وسخّر لهم من وسائل العلم والعيش والنعم والرفاه ما لم يعطه تعالى لمشركي مكة وللكفار من غيرهم، وتغيير الخطاب من الغائب إلى المخاطب لأن المعنيين ليسوا كفار قريش فقط بل الكفار في كل عصر ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ المطر الغزير ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ لأن الماء هو أساس حياتهم وحضارتهم ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فكان الهلاك عاقبة لذنوبهم، ومترتّبا عليها، ونتيجة طبيعية لها، كما هي سنته تعالى في خلقه، والمغزى فليعتبر المشركون والكفار بهلاك أمثالهم من الأمم قبلهم ولا يغترّوا بمقدرتهم وبعلومهم وبالنعم التي يرفلون فيها، فلكلّ شيء عاقبة ونتيجة ترتبط به ارتباط السبب بالمسبّب ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ حلّت مكانهم مجتمعات وحضارات أخرى، التاريخ حافل بأمثلتها.\n\n<span id=\"aya-796\"></span>﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بعد أن بيّن تعالى حقيقة التوحيد (الآية ١)، وبرهان البعث من جديد (الآية ٢)، وأظهر كمال علمه بالباطن والظاهر (الآية ٣)، ونهى عن التقليد، وأوجب النظر في الدلائل (الآية ٤)، وأن الناس مع ذلك بين مكذّب ومستهزئ (الآية ٥)، وحضّ الناس على الاعتبار بمصير الأمم من قبلهم","vol":"1","page":498},{"text":"(الآية ٦)، بيّن تعالى في هذه الآية أن الحجة مهما تكن باهرة، والشبهة مهما تكن واهية، فذلك لا يستلزم إيمان الجميع، إلا من كان من الناس منفتح الذهن،\nأما من كان على العكس، منغلق الذهن، معجبا بنفسه وبرأيه، متكبرا معاندا متمسكا بالتقليد، فقد أقفل على نفسه باب النظر والبصيرة، لا تنفع معه المعجزات، حتى لو نزل القرآن على النبي ﷺ مكتوبا في كتاب فلمسوه لمس اليد، والبشرية غاصّة بأمثال هؤلاء المكابرين، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥/ ١٤ - ١٥].\n\n<span id=\"aya-797\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ استمرار المعاندة والمكابرة من قبل الكفار الذين لطفولتهم العقلية - أو للتعجيز - يطلبون، كي يؤمنوا، حدوث الخوارق كنزول ملك على النبي ﷺ يشاهدونه عيانا، فأجابهم تعالى أن نزول الملك، يقتضي الإلجاء والإجبار فيزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون بعد ذلك فيكون هلاكهم، بانتهاء فترة الاختبار لهم.\n\n<span id=\"aya-798\"></span>﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ لأنهم كانوا يقولون: ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٧]، فأجابهم تعالى أن لو جعل رسوله ملكا لأنزله في صورة بشر لاستحالة أن يشاهد الإنسان، أو أن يستوعب رؤية الملائكة ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ وحينئذ يلتبس ويختلط الأمر عليهم كما يخلطون على أنفسهم بهذا النوع من التفكير.\n\n<span id=\"aya-799\"></span>﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾.","vol":"1","page":499},{"text":"١٠ - ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والمعنى أن استهزاء البعض بالرسل يحيط بهم في النهاية، أي يعود عليهم وبالا، ليس فقط في الحياة الآخرة، وإنما أيضا في الحياة الدنيا، لأن استمرار الأكثرية في تكذيب الوحي يسلب المجتمعات أسسها المعنوية والخلقية، وبالتالي يذهب بسعادتها الدنيوية، وفي النهاية يؤدي إلى هلاكها كما هو واضح من الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-800\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ اعتبروا بما تعلمون من تفسخ وتدهور وانحلال الأمم من المكذّبين قبلكم، ولا تغفلوا عن سبب زوالها، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٤٥ - ٤٦]، والمعنى أن سنن الله لا تبدّل لها، والإنسان مكلّف بالبحث عن تلك السنن بدراسة التاريخ والآثار وعلوم الاجتماع والحضارات ومعرفة أسباب نهوض الأمم وزوالها.\n\n<span id=\"aya-801\"></span>﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ﴾ الله تعالى وحده المتفرّد والمتصرف بخلق السماوات والأرض ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كتب على نفسه الرحمة في خلقه، فمن رحمته إفاضة نعمه على مخلوقاته ظاهرة وباطنة، انظر الآية (٥٤)﴾، وأيضا آية الأعراف: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:\n٧/ ١٥٦]، وفي الحديث: «قال الله تعالى: سبقت رحمتي غضبي»، ومن رحمته تعالى أنه يمهل ولا يعاجل بالعقوبة، ويؤخّر إلى يوم الحساب كما في تتمة الآية:","vol":"1","page":500},{"text":"﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ومن رحمته تعالى أنه يجمع الناس إلى المحشر يوم القيامة ليقيم الميزان فيثيب المحسن ويجازي المسيء ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ومن رحمته تعالى أن جعل عباده على بيّنة من الحشر كي لا يرتابوا فيه، ممّا ينفي الظلم والفوضى والإهمال في الحياة الدنيا ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هم الذين خسروا أنفسهم بخداعها، وبالمكابرة والعناد وبالجحود والعصبية والتقليد وإنكار القرآن، فهم لذلك لا يؤمنون، وأيضا الذين خسروا أنفسهم بالتهالك على الحياة الدنيا فهم لا يؤمنون حقيقة، وإنما إيمانهم مجرد طقوس وعبادات لا يتجاوزونها إلى الأعمال.\n\n<span id=\"aya-802\"></span>﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ﴾ من المخلوقات ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وهو عطف على الآية السابقة أي له ما في السماوات والأرض، وله ما سكن في الليل والنهار ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يسمع دعاء عباده، ويعلم أحوالهم، فهو وحده المستحق للعبادة، وفي الحديث: «الدعاء هو العبادة».\n\n<span id=\"aya-803\"></span>﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أي معبودا - في هذا المعنى - ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، والفطر هو الشقّ، فيقال فطره فانفطر أي انشقّ، وتفطّر أي تشقّق، والفطر أيضا الابتداء والابتداع، ونظرية العلماء اليوم أن الكون انفطر من كتلة صغيرة جدا كحجم الذرة، ذات كثافة لا متناهية، فكانت بداية الكون بما يسمونه الانفطار الكبير - الانفجار الكبير -  Big Bang  الذي لا يزال الكون بنتيجته يتسع حتى الآن ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ المغزى أن الذين تتخذونهم أولياء من دون الله، كالزعماء والطواغيت، يعتمدون عليكم في رزقهم، ومعاشهم من كدّكم وشقائكم، في حين أن خالق السماوات والأرض هو وحده الذي يطعمكم ويرزقكم، ولا يحتاج إليكم.","vol":"1","page":501},{"text":"وفي قراءة ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ فيعود الضمير في كليهما إلى المذكور بقوله ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾.\nوفي قراءة أيضا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ فيعود الضمير الأول إلى الله تعالى، والضمير الثاني إلى المذكور بقوله ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾، وكل هذه القراءات تؤدي المعنى نفسه.\n﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ استمرار الخطاب للنبي ﷺ، فهو أول من أسلم من أمّته، وهو أيضا أول المسلمين قاطبة لأنه أكملهم إيمانا وعملا، وهو معلّمهم وقدوتهم وسيّدهم ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ المطلوب الجمع بين الإسلام وبين البراءة من الشرك بكافة أشكاله.\n\n<span id=\"aya-804\"></span>﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لأنه ﷺ أكمل المسلمين وأوّلهم إيمانا وعملا - الآية السابقة -، وهو أيضا قدوتهم، فالخوف من عاقبة المعصية - وهو معصوم عن الذنوب - ومن ثمّ إتقاؤها، موجود عنده كما يجب أن يكون عند كل مؤمن.\n\n<span id=\"aya-805\"></span>﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم فقد رحمه تعالى الرحمة الكبرى ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ وهو النجاة من عذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-806\"></span>﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الضرّ هو سوء الحال، والمعنى أن الله تعالى يكشف","vol":"1","page":502},{"text":"عن عباده الضر الذي توصّلوا إليه بأنفسهم واستحقوه بأعمالهم، كنتيجة طبيعية لسنته تعالى في خلقه، كما هو قادر على إيصال الخير إليهم إذا اتبعوا السبل المؤدية إليه، وذلك بمعنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١٣/ ١١].\n\n<span id=\"aya-807\"></span>﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ قاهر عباده من المؤمنين والكفار، وكبار القوم وصغارهم على السواء، كلهم خاضع للسنن التي أوجدها تعالى في الكون لا يخرج عنها، ولكلّ منهم أجل لا ينفك منه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ في خلقه وتدبيره.\n\n<span id=\"aya-808\"></span>﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ لأن شهادة الله تعالى أكبر الشهادات إطلاقا - وشهادته تعالى من قبيل المجاز - لأنّ ما أنزل من معجزة القرآن ومن الوحي على الرسل مؤيّدا بالبراهين يدلّ على التوحيد، وما أوجد من الدلائل في الخلق وفي الأنفس وفي العقول، وكل ما هو ظاهر من السنن الكونية ودقّتها ونظامها هي من قبيل الدلائل الكونية على الوحدانية، لأنّ وحدة النظام تدلّ على وحدة واضعه ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي ومن بلغه هذا القرآن، والمعنى عموم بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ إلى الناس أجمعين من عرب وعجم في كل الأزمنة والأمكنة، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٦٢/ ٣].\n﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ رغم أن هذا القرآن قد بلغكم؟ والخطاب للمشركين عامة ولأهل الكتاب خاصة، بدليل الآية التالية، فكيف","vol":"1","page":503},{"text":"تزعمون أن الله ثالث ثلاثة بعد كل هذه البراهين الساطعة ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ لا أخالف الوحي والعقل والدلائل ﴿قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ الوحي والدلائل والعقل كلها تفرض هذه الحقيقة ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أبرّئ نفسي من أن أشرك بالله ما لم ينزّل به سلطانا من العلم اليقيني والعقل والبرهان والدلائل.\n\n<span id=\"aya-809\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ﴾ الخطاب استمرار لما سبق والضمير في (يعرفونه) يعود إلى النبي ﷺ لأن الآية السابقة تشهد على نبوّته بأن الله شهيد بينه وبين الناس، والمعنى أن أهل الكتاب كانوا يتوقعون وينتظرون رسالة خاتم الأنبياء والرسل كما هو مذكور تكرارا في كتبهم، ويعرفونه تمام المعرفة، انظر آية [البقرة: ٢/ ٨٩]، نظر أيضا كتاب عبد الأحد داود: «محمد في الكتاب المقدس» ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الذين خسروا أنفسهم بسبب تمسكهم بالزعامات والمناصب والجاه، وبسبب المكابرة والعناد والعصبية والتقليد، فهم بالتالي لا يؤمنون، وهذا المعنى منطبق على أهل الكتاب زمن البعثة النبوية كما هو منطبق عليهم الآن.\n\n<span id=\"aya-810\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ استمرار الخطاب، والكلام لا يزال عن أهل الكتاب، لأنهم افتروا على الله الكذب فشهدوا أنه ثالث ثلاثة، وأشركوا به المسيح والروح القدس، انظر الآية (٧٣)﴾، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كذّبوا بالقرآن والآيات الكونية والدلائل المؤيدة له ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ الذين افتروا الكذب، ويدخل فيهم الذين أدخلوا على التفسير القرآني وعلى الحديث الشريف من الإسرائيليات والخرافات ما تغص به الكتب، انظر كتاب «الإسرائيليات في التفسير والحديث»، محمد الذهبي، ويدخل فيهم من يزيد في دين الله من عنده من التحريم والتحليل والعبادات.","vol":"1","page":504},{"text":"<span id=\"aya-811\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ جميع البشر، بمن فيهم المشركون الذين افتروا على الله الكذب، المشار إليهم في الآيات السابقة ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أين آلهتكم، أو أولياؤكم، أو وسطاؤكم، أو شفعاؤكم، أو طواغيتكم، أو قدّيسوكم ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تزعمونهم شركاء؟ - بحذف المفعولين -.\n\n<span id=\"aya-812\"></span>﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ التقدير لم تكن عاقبة فتنتهم - بحذف المضاف وهو شائع في التنزيل - والفتنة هنا بمعنى الغواية والضلال وذهاب العقل، لأن من يشرك بالله يكون فاقد التفكير السليم، والفتنة أيضا الاختبار ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ تبرؤوا ممّا كانوا عليه من الضلال في الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-813\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ بأن استبعدوا الفهم والعقل وعبدوا أهواءهم ورغباتهم، كما سيرد بقوله تعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٢٨).\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ افتراؤهم في الدنيا لم ينفعهم في الآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٢٨] والمعنى أن الأوهام زالت عنهم في الآخرة بعد كشف الحجب.\n\n<span id=\"aya-814\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يستمعون إلى النبي ﷺ استماع مكابرة وعناد، أو استماع بلادة وانحطاط في الفكر ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ﴾","vol":"1","page":505},{"text":"﴿يَفْقَهُوهُ﴾ أي القرآن ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾ الأكنّة جمع كنان وهي ما تقي الشيء وتستره، والوقر هو الصمم، والمعنى أن الكفار أغلقوا عقولهم عن الفهم، وصمّوا آذانهم عن سماع الحق، وقد نسب تعالى الفعل إلى ذاته العلية لما مضت به سنته في طباع البشر بأن يكون التقليد الذي يختاره المرء لنفسه مانعا له من التفكر والاستدلال والبحث عن الحقيقة، انظر آية [البقرة: ٢/ ٧]، فالمقلّد لا يستمع بهدف الفهم أو البحث عن الحقيقة، بل هو يخشى من تأثير الأفكار الجديدة على عقله، وكذا المكابر والمعاند ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لأنهم عزموا على التمسك سلفا بما هم عليه من العقائد والأفكار الموروثة، وغير الموروثة ﴿حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ﴾ بفكر منغلق لمجرّد الجدال ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين صمموا على الكفر ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ لا يعقلون من قصص القرآن إلاّ أنها حكايات وخرافات من أساطير الأولين، وهذا شأن من يعالج الأمور بمنظار مسبق، أو ينظر إليها نظرة سطحية، فلا يحاول التعمق في دراسة القرآن، ولا تقويم الرسالة من حيث جدارتها، وهذه الفئة من الناس موجودة في كل الأزمنة والأمكنة.\n\n<span id=\"aya-815\"></span>﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ من جهود الكفار في محاربة الإسلام أنهم ينهون الناس عن الاستماع للقرآن وعن دراسته لكي لا يقفوا على حقيقة الإسلام فيؤمنوا به، وهم أيضا ينأون عنه فكريا إذ يبتعدون عن دراسته بذهن منفتح، وكان هذا شأن مشركي قريش وقت البعثة النبوية، كما هو شأن الكثير من الناس ممّن يسمّون أنفسهم اليوم بالعلمانيين، وهو أيضا شأن بعثات المبشّرين والصليبيين في كل العصور، ومن هؤلاء من يترجم القرآن إلى لغات أخرى بأسلوب الدسّ، ومنهم من يكتب المؤلفات في التهجم على الإسلام بطريقة خفية أو ظاهرة، أو يركّز على سلبيات المسلمين ويلصقها بالإسلام ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ غرضهم هو زوال الإسلام، لكنهم في الواقع","vol":"1","page":506},{"text":"يهلكون مجتمعاتهم، لأن البشرية أحوج ما تكون إلى القيم الإسلامية الحقيقية ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أن الضرر مقتصر عليهم.\n\n<span id=\"aya-816\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ﴾ فأيقنوا بالحق ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ إلى الحياة الدنيا حتى تكون لنا فرصة أخرى للاختبار ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا التمنّي بعد كشف الحجب ومعاينة العاقبة.\n\n<span id=\"aya-817\"></span>﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ على أنفسهم، فظهر لهم ما كانوا ينكرون ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في حياتهم الدنيا حيث الحقيقة كانت ساطعة أمامهم فعميت عنها بصيرتهم ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ لخبث طينتهم وسوء استعدادهم، ولأن نفوسهم اعتادت على ما كانت عليه فهم يعلمون الحق، ولا يعملون به، وهم قد علموا بعثة النبي ﷺ والقرآن، وتبينت لهم العبر فلم ينتفعوا بها، وأكثر البشر عبيد لعاداتهم على علمهم بضررها ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ الكذب على أنفسهم متأصّل فيهم، أنكروا البعث والنشور وزعموا أن الحياة مقتصرة على هذه الدنيا فقط كما سيرد في الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-818\"></span>﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة أي لو ردّوا بعد المشاهدة لعادوا لما نهوا عنه وإلى القول بالكفر وعدم النشور، وذلك بعطف (قالوا) على (عادوا)، ويحتمل المعنى أيضا أن ذلك كان قولهم وكذبهم في حياتهم الدنيا.","vol":"1","page":507},{"text":"<span id=\"aya-819\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ يوم الحساب، فيقول لهم تعالى:\n﴿قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ إشارة إلى البعث والحياة الآخرة، لأنهم زعموا أن الحياة الآخرة ليست سوى وهما، وكانوا يقولون ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ الآية السابقة ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ شهدوا على أنفسهم أن الحياة الآخرة هي الحق ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي بنتيجة كفركم، وهي النتيجة الطبيعية لارتباط العلاقة بين إنكار البعث وعذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-820\"></span>﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ استمر تكذيبهم بالبعث والحساب إلى أن فاجأتهم ساعة الموت، فخسروا، والسبب أنهم لم يغتنموا فرصة التوبة والصلاح قبل الفوات، فأفنوا دنياهم في العبث، وانحصر همّهم في تحصيل اللذات المؤقتة والسعادة الفانية، ولم يعملوا في دنياهم على تحصيل المعارف الحقيقية والأعمال الصالحة ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ نداء للحسرة وهي شدة الندم على ما قصّروا وضيّعوا في حياتهم الدنيا من البحث عن الحقيقة والإيمان والأعمال الصالحة ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ جاؤوا بأثقال ذنوبهم بها من حياتهم الدنيا، لأن الوزر هو الثقل، وحمله على الظهر مجازا، لأن الذنوب ترهق النفوس كما الأثقال ترهق الأجساد التي تحملها ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ لأن أسوأ الأثقال أثقال الذنوب، فما أسوأ هذه الأثقال التي جاؤوا يحملونها.\n\n<span id=\"aya-821\"></span>﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ هي لعب ولهو لمنكري البعث لقولهم إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (الآية ٢٩)، لأنهم لا يعقلون أن","vol":"1","page":508},{"text":"الدنيا ليست سوى دار مرور وليست دار قرار، وهي أيضا لعب ولهو بالنسبة إلى الغافلين الذي يهدرون أوقاتهم بلا طائل ولا فائدة، أو يهدرونها في أعمال باطلة، كمن يجعل همّه محصورا في الدنيا فقط، وفي الجري وراء الجاه والرئاسة والعلو في الأرض ولو بالباطل، أو الاستغراق في الملذات الجسمية كالبهائم، أو تلبية الأهواء النفسية الشريرة كالشياطين في الكيد والترصد والإيقاع بالآخرين ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الذين يتقون العبث واللهو في دنياهم، ويدركون أنّ الدنيا ليست غاية في ذاتها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حث على استخدام العقل لاستيعاب هذه الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-822\"></span>﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وهو قول الكفار بإنكار البعث والحساب، أو قولهم بتكذيب الوحي القرآني ممّا كان يسبب الحزن للنبي ﷺ ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ التكذيب في الحقيقة لم يكن للنبي ﷺ، ولا للدعاة من بعده، وإنما كان جحودا للحقيقة، لأن مشركي قريش كانوا يعلمون أمانة وصدق النبي ﷺ ولكنهم كانوا يكابرون فيزعمون أنه ساحر أو كاهن أو شاعر أو مجنون ﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ الجحود هو الإنكار مع العلم، والمعنى أن الكفار ينكرون من آيات الله ما أيقنت به قلوبهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ٢٧/ ١٤]، فسبب الجحود هو المكابرة والاستكبار والاستعلاء، والتمسك بالنظم الاجتماعية القائمة والمناصب، وإنكار المسؤولية.\n\n<span id=\"aya-823\"></span>﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كان هذا دأب البشر في تكذيب الرسل منذ القدم ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا﴾ وهو","vol":"1","page":509},{"text":"أيضا دأب الرسل في الصبر على التكذيب والأذى حتى يأتي نصر الله ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ وعد الله بنصر رسله لا يمكن أن يتطرق إليه الخلف والتبديل، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ١٧١ - ١٧٢]، وقوله عزّ شأنه ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٥٨/ ٢١].\n﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي ولقد جاءك يا محمد بعض أنباء المرسلين في هذا القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٤٠/ ٧٨]، وقوله عزّ شأنه ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٥/ ٢٤]، وهو تأكيد لسنته تعالى في نصر الرسل، والعبرة أيضا أن الله تعالى وعد المؤمنين، في كل زمن، ما وعد المرسلين به من النصر.\n\n<span id=\"aya-824\"></span>﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ﴾ أيها الرسول - وينطبق على كل داعية - إن عظم عندك وشقّ عليك رفضهم الرسالة ﴿فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي معجزة خارقة - غير القرآن - لكي يؤمنوا، والمعنى أنك لن تستطيع وما اقتضت مشيئة الله ذلك، وأي آية أكبر من القرآن؟ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ لألجأهم إلى الإيمان إلجاء، أو لجعلهم كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولكن ذلك ينافي التكليف المبني على حرية الخيار ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ بسنّته تعالى في خلقه.\n\n<span id=\"aya-825\"></span>﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾.","vol":"1","page":510},{"text":"٣٦ - بعد أن ذكر تعالى في الآيات السابقة إصرار المكذّبين على الكفر، بيّن السبب الذي من أجله يجحدون: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ وهم منفتحو الذهن الذين يستخدمون العقل استخداما سليما فيكون سماعهم للقرآن ولحقائق الإسلام سماع تفكّر وتأمّل، وهو سماع من ينشد الحقيقة، لا سماع المكابرة والمكر السيئ ﴿وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ وهم الكفار المصرّون على التقليد والجحود والمكابرة، شبّههم تعالى بالموتى لأنهم عطّلوا عقولهم عن التفكير السليم، والمعنى أن موتى القلوب - الكفار - عندما يبعثهم الله في الآخرة، فحينئذ يسمعون، أما قبل ذلك فلا سبيل إلى سماعهم، وهو كقوله عزّ شأنه ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:\n٢٧/ ٨٠]، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ للحساب، أي الحساب على الله وحده.\n\n<span id=\"aya-826\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ طلب الكفار إنزال معجزة على النبي ﷺ شرطا لإيمانهم، لأنّهم لا يعملون عقولهم، وإنّما يتصرفون بطفولة فكرية يريدون مشاهدة الخوارق العجيبة ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ المعنى أنّ طلبهم من قبيل المكابرة أو الجهل، لأنّ الآيات موجودة حولهم ولكنّهم لا يعلمون، فمن جهة معجزة القرآن التي تحدّاهم بها، ومن جهة معجزات الخلق التي لا حصر لها، كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-827\"></span>﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، فالكفار يطلبون الخوارق مع أنّ عجائب","vol":"1","page":511},{"text":"الخلق، مما يبهر العقول، محيطة بهم، وضرب تعالى مثلا بخلق الدواب والطيور، فلو لم يكن الكفار من المكابرين أو الجاهلين لتوصّلوا إلى الإيمان ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ كلّ شيء مكتوب ومشمول بالعلم الإلهي منذ خلق الله السماوات والأرض، ومنه قوله ﷺ: «جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»، فيكون الكتاب هو المشار إليه بالآية (٥٩).\nويحتمل المعنى أيضا أنّ الكتاب هو القرآن، لأن الله تعالى ضمّنه كل ما هو ضروري لهداية البشر، ومن ثمّ صارت الحجة بيّنة على الناس ولا عذر لهم بالجهل أو الغفلة ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ليوم الحساب، والضمير عائد للكفار الذين قالوا لولا نزّل عليه آية من ربه، وقال بعضهم بل يعود إلى الأقرب وهي أمم الدواب والطيور.\n\n<span id=\"aya-828\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ﴾ رغم كل ما سبق بيانه من معجزات الخلق والأكوان ترى الكفار مصرين على التكذيب، فهم كمن يتخبط في الظلمات لأنه أغمض عينيه عن الحق، والظلمات هي ظلمات الكفر، وظلمات الجهل، وظلمة العناد، وظلمة التقليد في الباطل، وهم أيضا كالصم، لأنهم لا يسمعون الآيات سماع تفهم وتفكر لتوهمهم أنهم بغنى عنها سلفا، وكالبكم لأنهم لا ينطقون بما استيقتنه قلوبهم من الحق بل يتكتموا عليه ويجحدوه ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ أي يتركه لما اختار من الضلال بحسب استعداده، ولا يمنعه من الضلال قهرا وجبرا، والآيات في ذلك كثيرة ومنها قوله عزّ شأنه ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦] أي الذين اختاروا الفسوق وأصروا عليه ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ من يختار الهداية يوفقه تعالى لاستخدام عقله استخداما يعرف به الحق ويقرّ به ويعمل بموجبه.","vol":"1","page":512},{"text":"<span id=\"aya-829\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ بمعنى أخبروني ﴿إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ﴾ في الدنيا، كالمرض والشدائد ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أتتكم ساعة الموت أو ساعة القيامة ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم صادقين في جحودكم وكفركم؟ أو إن كنتم صادقين أنّ الشركاء أو الآلهة التي تدعونها قادرة على جلب المنفعة ودفع الضرر؟ فهل تخصّون تلك الشركاء والآلهة بالدعاء عند الشدائد؟\n\n<span id=\"aya-830\"></span>﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ﴾ لأن المعتاد في الشدائد أن يلهج الإنسان بدعاء الله تعالى فقط ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ جعل الاستجابة متعلقة بالمشيئة الإلهية ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ من الشركاء المزعومين.\n\n<span id=\"aya-831\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فكفرت الأمم بالرسل وبالرسالات ﴿فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ عالجهم تعالى بالبؤس والضر ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ لعلهم يثوبون إلى رشدهم فيخشعوا ويستقيموا، والخطاب استئناف لما قبله لبيان أنّ من الكفار والمشركين، بسبب تماديهم في الضلال، من لا يدعو الله تعالى حتى عند مجيء العذاب، فهم لا يتأثرون بزواجر العذاب الدنيوي، كما لم تنفعهم زواجر الوحي من قبل.\n\n<span id=\"aya-832\"></span>﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ ثابوا إلى رشدهم فآمنوا وابتهلوا ﴿وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قساوة القلوب منعتهم من الإيمان والدعاء والتضرع ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو سبب قساوة القلوب لأنّ","vol":"1","page":513},{"text":"الشيطان زيّن لهم ما كانوا يعملون من الكفر والفسوق، فغاب عنهم أن العقاب الذي حلّ بهم كان بنتيجة كفرهم.\n\n<span id=\"aya-833\"></span>﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أصرّوا على تجاهل دعوة الرسل والوحي - الذكر -، ولم يتّعظوا بما أصابهم من البأساء والضرّاء، وانهمكوا في الدنيا ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الرخاء والخيرات والرزق ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ اغترّوا وبطروا وظنّوا أن ذلك باستحقاقهم وجدارتهم وذكائهم، فلم يتوبوا ولم يشكروا النعم ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ بالعقاب ﴿فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ يائسون، والإبلاس الحسرة والإنكسار واليأس الذي يأتي بعد فوات الفرص.\n\n<span id=\"aya-834\"></span>﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تم استئصال شأفتهم ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بأن أراح الناس من شرورهم وعقائدهم الفاسدة، وهي ظاهرة تاريخية تكررت وتتكرر في الأمم التي تفقد البعد الروحي من حياتها، وتنغمس في المادة والترف، فيؤول أمرها إلى المادية والطغيان والتفسخ والإنحطاط ثم إلى الزوال.\n\n<span id=\"aya-835\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ﴾ السمع والبصر بالمعنى الحرفي وبالمعنى المجازي ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فأصبحتم كالبهائم [البقرة: ٢/ ٧]، كما حصل للأمم التي قطع دابرها من قبل، نتيجة قساوة قلوبها وإصرارها على الكفر ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ ما يكون شأنكم مع آلهتكم التي تشركون؟","vol":"1","page":514},{"text":"هل تعيد لكم شيئا منها؟ والضمير في (به) راجع إلى أحد المذكورات، أي لا أحد غيره تعالى يستطيع أن يأتيكم حتى بواحد منها ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ كيف ننوّع الحجج والبيّنات ونكررها على وجوه عديدة ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون عنها، ويتجنّبون التأمل فيها.\n\n<span id=\"aya-836\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ شيئا فشيئا بحيث يكون واضحا لكم غير خفيّ ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ من أمثالكم وأمثال الأمم التي قطع دابرها من قبل، ثم تكون العاقبة للمتقين، لقوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٢٨]، [القصص: ٢٨/ ٨٣]، وحتى لو عانى بعض المتّقين من العذاب الجسدي فإنهم في حقيقتهم وعاقبتهم ينعمون بالصفاء والنعيم الروحاني.\n\n<span id=\"aya-837\"></span>﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ﴾ بالنجاة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من عصاهم بمصير الأمم التي قطع دابرها قبلهم، أي إن مهمة الرسل مقتصرة على البلاغ، وليس عليهم الإكراه ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ كان إيمانه مقترنا بالعمل الصالح ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم من العذاب الذي أنذر به الرسل، ولا يحزنون لأنهم ينالون البشرى التي جاء بها الرسل.\n\n<span id=\"aya-838\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بما أي نتيجة طبيعية ولازمة ومرتبطة بالتكذيب والفسوق كارتباط السبب بالمسبب، والإشارة إلى نموذج الأمم المشار إليها بالآيات (٤٢ - ٤٥).","vol":"1","page":515},{"text":"<span id=\"aya-839\"></span>﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ لأن ضعاف العقول من أهل مكة، وغيرهم من الكفار والمشاغبين في كلّ وقت، توهّموا أن الرجل من البشر لا يكون رسولا إلاّ أن تكون له من خصائص الألوهية أو تكون له قدرات خارقة لا يستطيعها البشر، ويحتمل أنهم تكلموا على سبيل التعجيز، فأجابهم أن التصرف المطلق في الأمور هو لله القادر على كل شيء، فليس من موضوع النبوة أن يكون الرسول قادرا على التصرف بالمخلوقات وتغيير الأسباب والمسببات، ولا أن يكون مطّلعا على مطلق الغيب مما اختص به تعالى في علمه ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ بل أنا بشر مثلكم، والحاصل أن النبي ﷺ لم يدّع من صفات الألوهية، كما لم يدّع كونه ملكا، فكيف يطلب منه ما هو في قدرته تعالى وفي قدرة الملائكة فقط؟ وهو لم يقل سوى أنه عبد الله ورسوله؟ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ وظيفتي ليست سوى طاعة الله، والبلاغ عن الوحي ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ شبّه الضال بالأعمى إذ عميت بصيرته، والمعنى أن من يتوقع مثل هذه الأمور من الرسول فهو أعمى البصيرة، فهل يستطيع أعمى البصيرة أن يسلك طريقه في الحياة الدنيا بالمقارنة مع الذي يتمتع بالرؤية الذهنية الروحية الحقة؟ ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ لأن الذي يفكّر ويستخدم العقل يقوّم رسالة النبي من حيث جدارتها، وليس بحسب ما يطلبون من خوارق.\nوالمغزى في هذه الآية أيضا النهي عن تأليه الرسول، وإيضاح أن جميع الرسل من قبله كانوا رجالا بشرا.\n\n<span id=\"aya-840\"></span>﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ أي بالقرآن، والخطاب للنبي ﷺ ومن ثمّ لكل داعية في كل زمن - ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ الذين يتوقع أن يكون","vol":"1","page":516},{"text":"لديهم أدنى خوف من الحشر يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ لكي يعلموا أنّ نجاة الإنسان إنّما تكون بإيمانه وعمله الصالح، وليس بالاعتماد على الشفاعة، أو توهّم الانتفاع بصلاح الغير ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-841\"></span>﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ أي إنهم مواظبون على الصلاة، يريدون وجه الله فقط لا لغرض دنيوي، والإشارة إلى نوعين من الناس:\nأولا: ضعاف المؤمنين وفقرائهم، والمعنى لا تطردهم أيها الرسول - أو أيها المسلم - ولو كره المترفون، ولو كان وجهاء المشركين يحتقرون الفقراء وينظرون إلى ضعاف الناس الذين سبقوهم إلى الإيمان نظرة دونيّة، فالوجهاء يعتبرون أنفسهم معذورين في التولّي عن الرسول، لأنهم لا يريدون مساواة أنفسهم بالفقراء، ظنّا منهم أنهم أعلى قدرا وأسمى فكرا، فعندما دعاهم الرسول إلى الإيمان: ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ٢/ ١٣]، وقد كان هذا دأب المترفين مع رسلهم من قبل، قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤/ ٣٤].\nثانيا: بما أن الآية استمرار لما قبلها، والكلام على الذين لديهم أدنى خوف من الحشر إلى ربهم من مسلمين وغير مسلمين، فيكون معنى الآية أيضا النهي عن إقصاء أي مؤمن بالله مواظب على الدعاء - حتى لو لم تكن عقائده وأفكاره مطابقة للقرآن تماما - بل على العكس من ذلك يجب استيعاب أمثال هؤلاء والحوار معهم، ومساعدتهم وشرح الحقائق القرآنية لهم بدلا من نبذهم واستعدائهم، وهذا المعنى يصح بغض النظر عمّا يقال من مناسبة النزول، لأن","vol":"1","page":517},{"text":"التوجيهات والتعاليم القرآنية عامّة وصالحة لكل العصور وليست خاصة بالأحداث التي رافقت نزول الوحي فقط، ويؤيد ذلك ما ذكره الرازي عند تفسيره للآية (٥٤) إذ قال: إن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات هذه السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه؟ وقد ذكر الطبري أيضا في تفسيره للآية (١٤١) أن الآية كانت تنزل على الرسول ﷺ بسبب خاص من الأمور، ثم يكون الحكم بها على العام، بل عامّة آي القرآن كذلك:\n﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأن حساب الجميع على الله، وقد استدل الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار أن مغزى الآية نفي الرئاسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى كأن يكون لرؤساء الدين حق محاسبة الناس على عقائدهم، أو أن يكون لهم حق حرمان بعضهم من المغفرة بزعمهم، وحق طردهم من الدين كما تفعل الكنيسة، وإذا كان تعالى لم يجعل لنبيه حق محاسبة الآخرين على عقائدهم وعلى عباداتهم - ناهيك عن طردهم من الدين - فمن باب أولى أن لا يحق ذلك لأحد غيره من الناس، وهذا المعنى ينطبق اليوم بين طوائف المسلمين من سنة وشيعة ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ من يطرد أمثال هؤلاء أو يقصيهم يكون من الظالمين، وعلى العكس من ذلك فقد كان من هدي النبي ﷺ تألّف قلوب ضعاف الإيمان واستيعابهم وإرشادهم، كما كان يعامل المنافقين بما يقتضيه ظاهر إسلامهم فالأحكام تبنى على الظاهر، والله تعالى يتولّى السرائر.\n\n<span id=\"aya-842\"></span>﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الأغنياء بالفقراء، والكفار بالمؤمنين، ومعنى الفتنة الاختبار والمعنى أنه تعالى اختبر بني آدم بأن أعطاهم المقدرة على","vol":"1","page":518},{"text":"التفكير والاختيار والمنطق، مما أدى بهم إلى تنوع العقائد والأفكار ﴿لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي بالإيمان وفهم القرآن، وهو قول الساخرين منهم، والمتعالين على غيرهم، يستبعدون أن يكون تعالى قد أنزل هدايته على من هم دونهم منزلة بزعمهم، وهذا القول لا يزال يصدر إلى اليوم عن كثير من غير المسلمين من المتحاملين المغرضين، الذين بسبب هيمنة خلفيتهم الثقافية والتاريخية عليهم، يتهكمون على المسلمين، ويرفضون الإقرار بنزول الهداية القرآنية على غيرهم ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ لإحاطة علمه تعالى بالحكمة على أكمل وجه.\n\n<span id=\"aya-843\"></span>﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَإِذا جاءَكَ﴾ أيها النبي ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ الذين يؤمنون بآيات القرآن، يستوضحون منك عن حسابهم وذنوبهم وهل تقبل توبتهم - بدليل تتمة الآية - ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهو إخبار منه تعالى بسلامتهم وأمنهم من عقابه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بشارة لهم بالمغفرة وبالرحمة ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ من عمل السوء منساقا مع الأماني واللذات العاجلة، واغترارا منه بتأوّل النصوص، يكون جاهلا، قال المفسّرون إن كل من عصى الله يسمّى جاهلا ويسمّى فعله جهالة، كما في قوله تعالى على لسان يوسف ﵇ ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٣٣]، وقد ورد هذا المعنى في آية [النساء: ٤/ ١٧]، ﴿ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أتبع التوبة بالعمل الصالح ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور بإزالة العقاب، ورحيم بإيصال الثواب الذي هو الرحمة.\n\n<span id=\"aya-844\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَكَذلِكَ﴾ إشارة للخطاب من الآية (٣٧) حتى الآية (٥٤)﴾، لأنهم قالوا: لولا نزّل عليه آية من ربه ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي نفصّل الرسالات لبيان الحق","vol":"1","page":519},{"text":"﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ليظهر طريق وسلوك المجرمين - المصرّين على المعصية - واضحا للجميع، بالمقارنة طريق وسلوك المؤمنين التائبين المذكورين في الآية السابقة.\n\n<span id=\"aya-845\"></span>﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي - وأيها المسلم -: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ﴾ المعنى: إنكم تعبدون ما تعبدون من دون الله، لأنكم تتّبعون الأهواء وتقلّدون الآباء والأجداد والزعماء، وليس بناء على الحجة والبرهان والعقل ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ إن اتّبعت أهواءكم أكون ضالا مثلكم ولا أكون من المهتدين، والمعنى إنكم ضالّون غير مهتدين.\n\n<span id=\"aya-846\"></span>﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ لأنني اتّبعت البيّنة والبرهان وليس الأهواء والتقليد ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي كذّبتم بالقرآن الذي هو البيّنة الكبرى ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب فذلك ليس بطاقتي ولا أقدر عليه، لأن الكفار يعتقدون أن عدم نزول العذاب الفوري بهم دليل على صواب عباداتهم وشركهم وضلالهم، فكانوا يقولون ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٨/ ٣٢]، والمراد أن الله ينزل العذاب في الوقت الذي يريد، بناء على حكمته المحيطة بكل شيء، كإمهال العباد وإعطائهم فرصة للتوبة، وليس بناء على استعجال الكفار أو تحدّيهم ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ النبي يتبرّأ من أي مقدرة له على تقديم العذاب أو تأخيره ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ تقدير الخطاب: يقصّ الحكم الحق، فيفصل به بين الحق والباطل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ بين الحق والباطل.","vol":"1","page":520},{"text":"<span id=\"aya-847\"></span>﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ في قدرتي وإمكاني ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من الغيب - كما سيرد في الآية التالية -، أو من العذاب الذي تستعجلون، كالأمراض والشدائد والمصائب تنزل بكم حتى توقنوا ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي لأقررتم أنني رسول الله حقا، ولكن إقراركم سيكون إلجاء فلا تكون له قيمة حقيقية، وطلبكم جدير بمن هم في طفولة عقلية، في حين أن الإسلام مبني على الحجة والبرهان والعقل، والقرآن معجزة الإسلام الخالدة لكل الناس بكل العصور، فما الفائدة من معجزة مؤقتة تقتنع بها قريش في وقت من الأوقات؟ ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ من حيث إمهالهم لما فيه من الحكمة ومصلحة العباد، أو من حيث توقيت العقاب الذي ينزل بهم بحسب سننه تعالى في خلقه.\n\n<span id=\"aya-848\"></span>﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي: ما عندي ما تستعجلون به والله أعلم بالظالمين، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو، أي إنّ النبي وغيره من البشر لا يعلمون الغيب من حيث عقاب الظالمين وتوقيت العقاب والحكمة من إمهال الكفار وما يترتب عليها، والغيب لا يعلمه إلاّ الله أما الإنسان فلا يستطيع إدراكه ولا إدراك كنهه ولا الحكمة من الكثير من الأمور ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ من علم الشهادة - المقابل لعلم الغيب المذكور آنفا - ولو أن الكثير من عالم الشهادة غائب عن علم أكثر الخلق ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كناية عن علمه القديم المحيط بالمجملات وبالدقائق.","vol":"1","page":521},{"text":"<span id=\"aya-849\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أطلق التوفّي على النوم مجازا، لأن النائم تذهب معظم حواسه فهو كالميت، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٣٩/ ٤٢]، وذكر الليل لأن النوم غالبا ما يكون بالليل ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال في النهار الذي سبق الليل، وذكر النهار لأن العمل غالبا يكون فيه، وجرحتم نسبة إلى الجوارح وهي الأعضاء العاملة ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي في النهار الذي يلي الليل، والبعث هنا اليقظة، والمغزى أن القادر على بعثكم من توفّي النوم قادر على بعثكم من توفي الموت ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يوقظكم ويرسلكم في أعمالكم إلى أن يقضى وينتهي الأجل المسمى في علمه لكل فرد منكم، وهو أجل الموت ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يكون رجوعكم إليه وحده عند انتهاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبكم عليه.\n\n<span id=\"aya-850\"></span>﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فلا يعجزه أحد منهم ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ من الملائكة ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ عندما يحين الأجل ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ فلا يفوتهم أحد من الخلق، كلّ في أجله.\n\n<span id=\"aya-851\"></span>﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي ردّوا إلى قضاء الله وحكمه وجزائه، واستخدام الفعل الماضي لإفادة تحقق الوقوع لا محالة ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ سيّدهم الحق، وقد زال ما كان من ولاية غيره الباطلة الواهمة - من الزعماء والرؤساء - بزوال عالم الدنيا، وبقي المولى الحق، والحق في اللغة هو الثابت المتحقق، بعكس","vol":"1","page":522},{"text":"الوهم الزائل ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ حصرا وليس لأحد غيره، ولا شريك له ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ لأن حساب الإنسان يجيء معه، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٣ - ١٤].\n\n<span id=\"aya-852\"></span>﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي من الأهوال والمخاطر والشدائد، وسمّيت ظلمات مجازا، و﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ بالتشديد لتكرار ذلك المرة بعد المرة ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ خلال الشدّة تدعون الله تضرّعا أي مبالغين في الدعاء والخضوع والذل لله تعالى، تارة جهرا وتارة سرّا بعيدا عن الرياء ﴿لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عند الشدائد تقرّ الفطرة السليمة بأنه لا ملجأ إلاّ الله.\n\n<span id=\"aya-853\"></span>﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ من كل شدّة ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ لأن الإنسان بعد سلامته ونجاته إلى الأمن والرفاهية يحيل أسباب ذلك إلى مهارته وإلى حوله وقوّته، أو إلى الظروف والصدف.\n\n<span id=\"aya-854\"></span>﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ﴾ وحده ﴿عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي بأي وسيلة من الوسائل كالأعاصير والزلازل، وإبهام العذاب مراد لأجل الشمول، وحكمته أنه ينطبق على كل الظروف والحالات التي قد تكون خافية على الناس في وقت من الأوقات، وفي هذا العصر يأتي","vol":"1","page":523},{"text":"العذاب مثلا من القصف الجوي والقنابل الذرية والغازات السامة والألغام، وفسروه أيضا على المجاز بأن العذاب الذي يأتي من فوق هو من ظلم وقهر السلطان ومن تحت أنه من الرعاع وأراذل الناس ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ الشيع هي الفرق كل منها تجتمع على أمر معين، والمعنى يجعلكم فرقا يكيد بعضها لبعض، فتلتبس الأمور وتختلط عليكم وتظن كل شيعة أنها على الحق ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ فتصل الأمور بينهم إلى درجة الاقتتال، ويسود الخوف والعنف والطغيان بنتيجة تخلّي المجتمع عن القيم الروحية ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي انظر أيها النبي - وبالتالي كل مخاطب بالقرآن - كيف نقلّب الدلائل لهم من جميع الوجوه لعلهم يفقهون الحقيقة ولا يغترّون بالأوهام.\n\n<span id=\"aya-855\"></span>﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ كذّب معظمهم بالقرآن - في أول البعثة -، وكذّبوا بالعذاب ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ لا بد من تحققه ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ المعنى أن الرسول ليس سوى منذر، ليس موكولا بإجبارهم على الهدى، ولا يستطيع أن يمنعهم من التكذيب، والله تعالى هو الوكيل [الأنعام: ٦/ ١٠٢] والمسيطر والمجازي.\n\n<span id=\"aya-856\"></span>﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ من أنباء الله تعالى بالبشارات والثواب والعقاب ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقت استقرار وحصول لا محالة، فيثبت لكم عندئذ حقّه ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند حصول كل نبأ من أنباء القرآن الكريم وتحققه وثبوته، ومنها نصر الله لرسوله ودينه وتحقق معجزات القرآن في الدنيا، وعند كشف الحجب في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-857\"></span>﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨)﴾.","vol":"1","page":524},{"text":"٦٨ - ﴿وَإِذا رَأَيْتَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وهو أيضا لكل مسلم - ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ يندفعون في الحديث عنها بالطعن والعبث واللعب، وانتصارا للمذاهب والطوائف واتباعا للأهواء، ويلاحظ قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ﴾ ولم يقل سمعت، والمعنى وجوب اجتناب مجالس الخائضين أصلا لمجرد رؤيتها ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ انصرف عنهم حتى لا يكون جلوسك معهم بمثابة إقرار لهم على الخوض أو رضا عنه، أو مشاركة به، أو إغراء لهم على التمادي فيه ﴿حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ لأن القرآن أجلّ وأسمى من أن يخوض فيه الخائضون، وإن كان دأبهم الخوض في الأحاديث فليكن في غير القرآن، حتى إذا امتنعوا عن الطعن والعبث والتهجم فيمكن عندئذ الجلوس إليهم للنقاش والحوار العقلاني ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بوسوسته ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أي بعد التذكّر ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين وضعوا التكذيب والطعن والتهكم موضع التصديق والدراسة الجدّية.\n\n<span id=\"aya-858\"></span>﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ المطلوب من المتقين الإعراض عن الخائضين في آيات الله، وليس حسابهم، لأن الحساب على الله ﴿وَلكِنْ ذِكْرى﴾ على المتقين تذكيرهم بالصواب قبل الإعراض عنهم، أو قد يكون الإعراض في حد ذاته بمثابة تذكير لهم بقبح أقوالهم وأفعالهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لعل الخائضين يجتنبون الخوض والعبث، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٨٨/ ٢١ - ٢٢].\n\n<span id=\"aya-859\"></span>﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.","vol":"1","page":525},{"text":"٧٠ - ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ دع معاشرتهم وملاطفتهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا تقم لهم وزنا، وليس المراد ترك تذكيرهم ومحاجّتهم، بدليل قوله ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ في تتمة الآية، ومعنى اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنهم يستغلون الدين أو يتسترون به للتوصل إلى مآربهم الدنيوية من مال وجاه وزعامة، أو كأن اللعب واللهو صار دينا لهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ وذلك سبب إعراضهم عن حقيقة الدين، بل اتخاذه وسيلة للوصول إلى مآربهم الدنيوية ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي بالدين أو بالقرآن، أو بالميثاق الفطري [الأعراف:\n٧/ ١٧٢]، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ كراهة أن تصبح النفس في الآخرة، رهينة بما كسبت من الإثم في الدنيا ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ يوم الحساب ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ مهما تابت بعد فوات الأوان لا تقبل منها توبتها، أو تودّ لو تعود إلى الدنيا فتفتدي لخلاصها بكل ما يمكن، فلا يقبل منها ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ صاروا رهينة لما كسبوا من الآثام، فصارت سبل الخلاص مسدودة عليهم ﴿لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ «بما» تفيد التلازم والارتباط بين الكفر وعذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-860\"></span>﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧١)\n٧١ - الآيات (٧١ - ٧٣) تشرح كيف يكون التذكير المشار إليه في الآية السابقة:\n﴿قُلْ﴾ أيها النبي - وأيها المسلم - للمشركين والكفار الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا - المشار إليهم آنفا - ﴿أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا﴾ كالأصنام والأولياء والأضرحة والزعماء والرؤساء، وحيث الدعاء هو العبادة،","vol":"1","page":526},{"text":"فالمعنى كيف يمكن أن نعبد هذه الأشياء التي ليس لها مقدرة على شيء ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ﴾ كيف نرتد إلى الجهل والجاهلية والشرك وعبادة الزعماء بعد أن ظهر العلم الحقيقي، وهدانا الله بالقرآن والرسول ﴿كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ كمثل من هوت به الشياطين من قمم الهداية إلى حضيض الجهالة بسبب اتّباعه الأهواء والوساوس، وأيضا استهوته بمعنى ذهبت بهواه وعقله، أو زيّنت له هواه، وتشمل شياطين الإنس من الزعماء ورفاق السوء ﴿حَيْرانَ﴾ متردّد ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا﴾ هو ممزّق بين وساوس الشيطان ورفاق السوء، وبين فكر الهداية ودعوة أصحابه المهتدين يقولون: له تعال معنا، فلا يبتّ بقبول الهداية، ولا يتخلّص من الضلال والجري وراء المادة، بل يبقى هائما مضطربا في حيرته ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ وما غيره من الأفكار والنظم الوضعية هو الضلال ﴿وَأُمِرْنا﴾ نحن وأنتم ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فنتبع هديه وحده، ولا نسلم أنفسنا لغيره، ولا نشرك معه غيره في الدعاء، فاقتدوا بنا أيها المشركون والمادّيون.\n\n<span id=\"aya-861\"></span>﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ﴾ بعد المحاجّة الفكرية مع المشركين ودعوتهم إلى الإسلام في الآية السابقة، أمرهم أن يقتدوا بالمسلمين لجهة إقامة الصلاة والالتزام بالتقوى، لأن الإيمان والإسلام ليس مجرد قناعة فكرية، بل يترتب عليه عبادات وممارسات عملية حياتية في نطاق التقوى ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ليوم الحساب، فالحساب على الله، وليس على العباد، وما علينا إلا البلاغ.\n\n<span id=\"aya-862\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.","vol":"1","page":527},{"text":"٧٣ - بعد الدعوة الفكرية والعملية في الآيتين (٧٠ - ٧١) ختمها ببيان أن الخلق ليس عبثا:\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي لتحقيق غرض محدد متوافق مع آياته وسننه المطّردة وحكمته البالغة، فكل شيء في الخلق ذو مغزى ومعنى، ولا يوجد شيء عبثا أو نتيجة الصدفة، ونظيره قوله تعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩١]، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي قوله الحق يوم يقول للشيء كن فيكون، لا مردّ لقوله وأمره، فتتحقق مشيئته على أحسن نظام وعدل، فلا يكون في الإمكان أبدع ممّا كان ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فيحاسب الناس بأعمالهم، حيث يكون له الملك وحده دون غيره يوم القيامة، ويزول ملك الناس الباطل الذي كان في الدنيا ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ عالم بما غاب عن حس البشر وأذهانهم، كما هو عالم بما هو ضمن المشاهد والمدركات ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ حكيم فيما خلق، خبير فيه.\n\n<span id=\"aya-863\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٧٤)\n٧٤ - بعد أن أمرت الآية (٧٠)﴾ النبي ﷺ خاصة - والمسلمين عموما - تذكير الكفار والمشركين، وبيّنت لهم كيف يكون ذلك: (الآيات ٧١ - ٧٣)، ضرب تعالى مثلا بطريقة إبراهيم في تذكير أبيه وتذكير قومه ومحاجتهم:\n﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ولد إبراهيم في مدينة أور في بابل - منتصف المسافة تقريبا بين بغداد والبصرة اليوم - وبدأت بعثته على الأغلب خلال الفترة ما بين عامي ٢١٠٠ - ٢٠٠٠ ق. م. وهي الحقبة الأخيرة من حكم السومريين في بلاد ما بين النهرين، أي قبل بداية عصر حمورابي والحكم البابلي بحوالي ٣٠٠ عام، وقد دخل إبراهيم المعبد ذات مرة وحطم الأصنام، وبذلك كان النموذج الأول لحفيده","vol":"1","page":528},{"text":"محمد ﷺ، ثم اضطر بعد ذلك إلى مغادرة أور مع ابن أخيه لوط هربا من اضطهاد قومه، وبوحي من الله انطلق برحلة طويلة نحو كنعان ثم إلى مصر ثم إلى شبه الجزيرة العربية، كان يدعو خلالها الناس إلى نبذ الشرك وعبادة الله الواحد، وقد ولد له ابنه البكر إسماعيل ﵇ من زوجته المصرية هاجر وهو في السادسة والثمانين من عمره، ثم ابنه اسحاق من زوجته سارة وكان عمره مئة عام، انظر (هود/ ٧١ - ٧٢)، واستوطن ابنه إسماعيل مكة المكرمة وتزوج فيها، وكان بذلك جدّا للعرب المستعربة، وبنى مع أبيه الكعبة المشرفة، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٢٧].\nوفي الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى ورد اسم أبي إبراهيم على أنه تارح  Tarah،  وذكر محمد أسد في تفسيره «رسالة القرآن» أن الاسم ورد في التلمود اليهودي على أنه زاره  Zarah،  غير أن مؤرخ الكنيسة يوزيبيوس  Eusebius (٢٦٠ - ٣٣٩  م) أورد الإسم على أنه آذر  Athar،  ومع أن كل هذه المصادر لا يعتدّ بها في تفسير القرآن الكريم، غير أنه يحتمل أن كان لآزر اسمان كما لكثير من الناس، أو قد يكون أحد الاسمين لقبا له، وفي قراءة:\n﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً﴾ أي أتتخذهم عضدا وقوّة؟\n\n<span id=\"aya-864\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الملكوت هو الملك العظيم، والمعنى كما أرينا إبراهيم ضلال من يتخذ الأصنام آلهة، كذلك أريناه، رؤية البصيرة والعقل، دلائل وبراهين وحجج ملكوت السماوات والأرض - بدليل الحوار الذي سيلي مع قومه - ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ بنتيجة إبصاره الدلائل ليصبح من الراسخين في اليقين.\nظهر من التنقيب عن آثار مدينة أور في أوائل القرن العشرين أنه كان لدولة سومر، التي استمرّ حكمها بين النهرين حتى حوالي العام ٢٠٠٠ ق. م، ما لا","vol":"1","page":529},{"text":"يقل عن خمسة آلاف من الآلهة، كما كان لكل مدينة من المدن ما يسمّونه كبير الآلهة، وكان كبير الآلهة في مدينة أور يدعى نانّر  Nannar  أي إله القمر، وهو السبب الذي من أجله سمّيت مدينة أور أيضا، قمرينا  Kamarina  نسبة لإله القمر، وأما مدينة لارسا كبرى المدن المنافسة لزعامة أور فكانت تدين لكبير الآلهة المسمّى، شمش  Shamash  أي إله الشمس، وكبيري الآلهة هذين هما اللذين تشير لهما الآيات التالية (٧٧ - ٧٨) في حوار إبراهيم مع قومه، ويلاحظ تشابه ألفاظ القمر والشمس مع نفس المسميات في اللغة العربية كونها جميعا منبثقة من الأصل السامي، وتحت إلهي القمر والشمس كان لديهم مئات الآلهة الأخرى التي ترمز للكواكب والنجوم، وكانوا ينحتون لها أشكالا وأصناما، ولا شك أن الآيتين (٧٧ - ٧٨) من معجزات القرآن الكريم الباهرة، إذ لم يكن بوسع النبي ﷺ أن يعلم في حينه عن آلهة سومر وعبادة السومريين للقمر والشمس بالذات، الأمر الذي لم يتم اكتشافه إلا من تنقيبات الآثار في أوائل هذا القرن، ويبدو أيضا أن كبير الآلهة في أور المسمّى نانّر، إله القمر، هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٦٣].\nوقد تعرضت الدولة السومرية - ومدينة أور بالذات - للعديد من الكوارث بعد بعثة إبراهيم ﵇ بحوالي قرن من الزمن، إذ استولى عليها الإلميون  Elamites  وأخذوا ملكها أسيرا ودمّروا المدينة تدميرا تامّا، ثم أعيد بناؤها مرة ثانية إلى أن استولى البابليون عليها بقيادة حمورابي وأنهوا حكم السومريين لبلاد ما بين النهرين إلى غير رجعة، وهذا من مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٦]، غير أن التراث السومري بقي واضحا لدى البابليين، إذ تصوّر إحدى الرسوم، التي تم اكتشافها في موقع أور، الملك حمورابي وهو يتلقّى قانونه","vol":"1","page":530},{"text":"الشهير، المسمى بإسمه، من إله الشمس «شمس»، ويبدو أن بعثة إبراهيم ﵇ عاصرت حكم ملك السومريين المسمّى أور - نّمو  Ur-Nammu  ومنه اشتق اسم النمرود في اللغة العربية.\nوقد بلغت أور ذروة ازدهارها وقت بعثة إبراهيم ﵇ حتى أصبحت أغنى مدن ما بين النهرين، وكان نظام الحياة الدينية فيها وتعدد الآلهة ذا ارتباط وثيق بالنظام السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ثم كانت بعثة التوحيد التي جاء بها إبراهيم ﵇ ذات أبعاد كثيرة لم تقتصر على الدين، إذ شكلت تهديدا لطبقة الحكام والكهنة وزعزعت مكانتهم تجاه العوام، وكانت تنذر بالقضاء على النظام الاقتصادي الذي كانت طبقة الكهنة والحكام المستفيد الأول منه، مما يفسر العداوة الشديدة التي قوبل بها إبراهيم واضطهاده ثم طرده.\n\n<span id=\"aya-865\"></span>﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي ستره الليل بظلامه، لأن أصل الجن الستر عن الحواس، وقيل سمّيت الجنّ بذلك لأنها لا ترى ﴿رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي﴾ قاله على سبيل المناظرة والمحاجّة مع قومه، أو على سبيل الاستنكار أو التهكم مثل: أهذا ربّي بزعمكم؟ لأن قومه كانوا يعبدون الكواكب وينحتون أصناما لها، والخطاب موجّه لقومه بدليل قوله ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية (٧٨)، ﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قاله لمّا غرب الكوكب واختفى، ويقال فلان أفل نجمه أي زال سلطانه، والمعنى أن الكوكب غير جدير بالربوبية، لأن الرب موجود لا يحتجب ولا يغيب ولا يزول سلطانه.\n\n<span id=\"aya-866\"></span>﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا﴾ أي مشرقا، وقاله تعريضا بإله القمر عندهم المسمّى نانّر  Nannar،  انظر شرح الآية (٧٥)﴾، ﴿قالَ هذا رَبِّي﴾ لتكرار حجّته","vol":"1","page":531},{"text":"على قومه ﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ قاله على مسمع من قومه، وفي ذلك تعريض بضلالهم أشد من التلميح في الآية السابقة، وأضاف إليه أن هداية البشر متوقفة على الوحي الإلهي لا غير.\n\n<span id=\"aya-867\"></span>﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ﴾ قاله أيضا مخاطبا قومه ليقيم الحجة عليهم، أي إن الشمس تظهر أكبر من غيرها فيجب أن تكون أكثر جدارة بالربوبية بزعمكم، وهو بذلك يعرّض بإله الشمس عندهم المسمّى شمش  Shamash،  انظر شرح الآية (٧٥)، ﴿فَلَمّا أَفَلَتْ﴾ أي غابت واختفت ﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ انتقل إبراهيم من التلميح بضلال قومه (الآية ٧٦)، إلى التعريض بهم (الآية ٧٧)، إلى التبرؤ من شركهم بعبادة الكواكب والأصنام.\n\n<span id=\"aya-868\"></span>﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ قلبي وعقلي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهو كقوله تعالى مخاطبا النبي ﷺ ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١٤).\n﴿حَنِيفًا﴾ أي مائلا عن كل ما أنتم عليه من الضلال والعوج، ومائلا عن معبوداتكم الباطلة إلى الاستقامة وإلى عبادة المعبود الحقيقي فاطر السماوات والأرض ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي وإضافة إلى ذلك فأنا أعبد الخالق وحده، ولا أشرك بعبادته المخلوقات من كواكب وأصنام وغيرها ممّا يظنّ أنها تقرب إلى الله زلفى.\n\n<span id=\"aya-869\"></span>﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾.","vol":"1","page":532},{"text":"٨٠ - ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ جادلوه بالحجج الواهية بعد أن أظهر لهم حجته الباهرة، ومجادلة الكفار دوما من قبيل التمسك بالتقليد وعدم ترك ما كان عليه آباؤهم، ومن شأن الكفار غالبا أن يجحدوا الحقيقة ولو استيقنتها أنفسهم ﴿قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ﴾ أي ما قيمة حججكم الباطلة أمام الهدي الإلهي واليقين الناتج عن الدليل ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ لأنهم اعتقدوا أن لمعبوداتهم قوى غيبية تقدر على إيصال الضرر أو النفع لهم أو لغيرهم فخوّفوه بها ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ إلا أن يشاء ربي نزول الضرر بي بحسب علمه المحيط القديم، لا بقدرة معبوداتكم ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أنّ ما أقوله ثابت في عقولكم، وأنكم مقرّون به ضمنا وإنّما تحتاجون للتذكير، راجع آية [الأعراف: ٧/ ١٧٢].\n\n<span id=\"aya-870\"></span>﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ﴾ من معبوداتكم التي لا تضر ولا تنفع ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ لأن الشرك هو الأكثر جدارة بأن يكون مصدر خوف لصاحبه ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا﴾ الشرك ليس عندكم فيه من الله برهان، لا بالوحي ولا بالعقل، فكيف يعقل أن يكون هنالك شركاء له تعالى في الخلق والتدبير، أو في الوساطة أو الشفاعة أو التأثير ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ من أحق بالأمان والاطمئنان؟ فريق الموحّدين الحنفاء الذين يعبدون الله وحده ولا يخافون ولا يرجون غيره، ويعلمون أنه مسبب الأسباب وواضع السنن، أم فريق المشركين الواهمين الذين انضبعوا بتأثير بعض الأسباب والسنن الكونية التي وضعها الله في خلقه فنسبوها إلى الأصنام والكواكب من مخلوقاته ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كنتم تعلمون الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، أو إن كنتم من أهل العلم والبصيرة حقّا.","vol":"1","page":533},{"text":"<span id=\"aya-871\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ جواب على السؤال في الآية السابقة، أي إن الذين يستحقون الأمن هم المؤمنون الذين، من جهة لم يخلطوا إيمانهم بشرك، لقوله تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١٠٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ٣١/ ١٣]، ومن جهة ثانية فإن الظلم تعبير عن المعصية والفسوق، فالإيمان إذا لم يرافقه العمل الصالح لا ينفع صاحبه، والآيات كثيرة في وجوب ارتباط العمل الصالح مع الإيمان، انظر مثلا الآية (١٥٨)، ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ الأمان والسكينة والاطمئنان ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحق، وغيرهم في ضلال.\n\n<span id=\"aya-872\"></span>﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وهي الحجة المشار لها في الآيات (٧٥ - ٨٢)، حجة البصيرة والعقل، أرشده تعالى إليها ليثني قومه عن الشرك وعن عبادة الكواكب والأصنام ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ بالنبوّة وبالعلم وبالحكمة ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم بتدبير خلقه وبعث من يشاء من رسله، ومن إنعامه تعالى على إبراهيم أيضا أن جعل من النبوّات في ذريته:\n\n<span id=\"aya-873\"></span>\n\n<span id=\"aya-874\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٨٤ - ٨٥).\n٨٤ - ٨٥ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى أن الهداية طالت أجداده وذريته معا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي هدينا أيضا من ذريته ﴿داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ وقد ذكر الرازي من ضمن شرحه لذكر الرسل والأنبياء على هذا الترتيب ما يلي: أولا","vol":"1","page":534},{"text":"أنه تعالى بدأ بذكر أنبياء بني إسرائيل - يعقوب - في هذه الآية، ولذا لم يذكر إسماعيل معهم، إذ لم يخرج من صلب إسماعيل من الأنبياء إلاّ محمد ﷺ، ولأن سلالة النبوة انتقلت من بني إسحاق إلى بني إسماعيل، وأما ذكر نوح فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم من جهة أجداده أيضا، وليس من جهة ذريته فقط ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ من ذريته ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-875\"></span>﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ هدينا ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بأن جعلناهم هداة مهتدين.\n\n<span id=\"aya-876\"></span>﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ﴾ أي وفضّلنا أيضا بعض آبائهم وبعض ذرياتهم وبعض إخوانهم، بأن كانوا أئمة للهداية ﴿وَاِجْتَبَيْناهُمْ﴾ اخترناهم واصطفيناهم بالنبوة والرسالة واخترنا منهم الصدّيقين والشهداء ﴿وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في القيام بدعوتهم، فاتبعوا أسلوب الحجة والإقناع والحوار والعقلانية والعلم والترغيب، ولم يتبعوا أسلوب القسر والإكراه والتنفير والتعنيف.\n\n<span id=\"aya-877\"></span>﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ وهو الهدي المشار له في مجمل الآيات (٧١ - ٨٧) ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا ينفع مع الشرك شيء من الأعمال الصالحة مهما بلغ فضل أصحابها.","vol":"1","page":535},{"text":"<span id=\"aya-878\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿أُولئِكَ﴾ الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدّم ذكرهم، مع أممهم، لأنه ذكر مع الأنبياء آبائهم وذرّياتهم وإخوانهم، ثم قال يهدي به من يشاء من عباده، أي أن الأمم أوتيت الكتاب والحكم والنبوّة بظهور الأنبياء فيها ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الكتاب إسم جنس للوحي الإلهي، والحكم هو الحكمة الناتجة عن معرفة وفهم ما في الوحي من الأحكام والعمل بمقتضاه ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ من كفار قريش، أو غيرهم من العرب، أو أهل الكتاب، أو الكفار في كل العصور والأمكنة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ (أي بالرسالة) ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهم المسلمون في كل الأزمنة، لأن الله تعالى يوكّل بالرسالة أقواما آخرين يستحيل أن يكفروا بها، بل يتمسكوا بها ويعملوا بمقتضاها، فهنالك دوما من هو جدير بحمل راية الدين، وهؤلاء الأقوام موجودون في الدنيا على مرّ العصور وليسوا مقتصرين على جنس معين، وقد يتتابعون في حمل راية الإسلام من قوم إلى قوم آخرين فيشرّفهم تعالى بحمل رسالته، وهذه الآية إخبار بالغيب، واستخدام الفعل الماضي للدلالة أنّ نصره تعالى لدينه واقع لا محالة.\nويحتمل المعنى أيضا أنه بعد كفر أهل الكتاب من بني إسرائيل، ثم رفضهم آخر أنبيائهم المسيح ﵇، ثم انحراف المسيحية نحو ديانة بولس، فقد وكلّ تعالى الرسالة السماوية إلى المسلمين من ذرية إسماعيل.\n\n<span id=\"aya-879\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ هم الموكل إليهم حمل الرسالة والدعوة إليها، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ لأن الكلام استمرار مباشر لما قبله.","vol":"1","page":536},{"text":"﴿فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ﴾ أيها المسلم، أو أيها السامع، اتّبعهم، وليكونوا قدوة لك في الإيمان الصحيح والتوحيد والعمل الصالح ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ لأن تبليغ الدعوة من واجب المسلم لكون القرآن ذكرى للعالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ القرآن تذكير بالحق للناس أجمعين، وليس لقوم أو أقوام دون آخرين.\n\n<span id=\"aya-880\"></span>﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وهم منكرو النبوّة - بدليل تتمة الآية - في مقابلة الذين هدى الله المشار إليهم في الآية السابقة، لم يعرفوا الله تعالى حق المعرفة بإنكارهم تسلسل النبوات ونزول الوحي على بني آدم، فاليهود أنكروا نبوة كلّ من عيسى المسيح والنبي عليهما الصلاة والسلام، والمسيحية أنكرت بعثة النبي ﷺ ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قالوه تهكّما وإنكارا للوحي الذي نزل على النبي ﷺ، فهم يزعمون أن الهداية مقتصرة عليهم ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنّاسِ﴾ إن زعموا استحالة نزول الوحي على بشر فكيف بتصديقهم نزول الوحي على موسى؟ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ بدلا من أن تكون التوراة نورا وهدى في حياتكم العملية، فقد جعلتم منها مجرّد أوراق وشكليات وللتبرك فقط، وجعلتم الدين جنسية وعصبية، ولم يترتّب على التوراة شيء إيجابي في سلوككم، إذ تعملون بالقليل منها، وتظهرون هذا القليل للتستر بالدين، وكذريعة لتبرير مآربكم وأفعالكم، وتتجاهلون وتخفون عن أنفسكم الكثير الباقي ممّا لا يناسب أهواءكم وأطماعكم المادية الدنيوية، عدا عن تلاعبكم بالتوراة وتحريفها","vol":"1","page":537},{"text":"والحذف منها والإضافة عليها ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ عن طريق الوحي المتتابع ببعث الأنبياء والرسل عبر العصور ﴿قُلِ اللهُ﴾ فما الغرابة في كون منزّل التوراة والإنجيل قد أنزل القرآن على رسوله ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ دعهم، أيها المسلم، في باطلهم إذا لم تنفع الحجة معهم، والمغزى أن الغاية هو الحوار والإقناع بالحجة والبرهان، وليس بالقسر والإكراه، لأنّ الحساب على الله.\n\n<span id=\"aya-881\"></span>﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ وهو القرآن الكريم، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (١٩)﴾، وكون القرآن مباركا لكثرة خيراته ومنافعه وأنه ثابت ومحفوظ لا يتطرق إليه النسخ ولا التحريف ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مصدّق ما تقدّمه من الوحي الذي نزل على الأنبياء، ولا يصدّق بالضرورة كتب اليهود والنصارى بوضعها الحالي المشوّه والمحرّف، ولا حتى بالوضع الذي كانت عليه وقت نزول القرآن، فمن المعلوم أن كتبهم قد خضعت لكثير من التحريف والتغيير عبر تاريخها، كما أنه ليس المقصود تأكيد تشريعات اليهود والنصارى لأن القرآن قد نسخها [البقرة: ٢/ ١٠٦]، ولكن المقصود تأكيد ما تبقى من الحقائق الأساسية في كتبهم وقت نزول القرآن، وهو معنى تعبير - الذي بين يديه -، انظر شرح آيات [آل عمران: ٣/ ٣] و[المائدة: ٥/ ١٣ - ١٤].\n﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ أي لتنذر أهل أم القرى - بحذف المضاف -، وأم القرى هي مكة المكرمة، سمّيت كذلك لأن فيها الكعبة أول بيت وضع للناس ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ إشارة للبشرية جمعاء، لأن دعوة الإسلام عالمية من جهة، ومن جهة ثانية فنحن نعلم الآن علم اليقين أن المسلمين في كافة أنحاء العالم يصلّون متوجهين إلى مكة فهذا مصداق حرفي لكونهم من حولها ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾","vol":"1","page":538},{"text":"﴿بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ المؤمنون بالآخرة حقا ويقينا يؤمنون بالضرورة بهذا الكتاب المبارك ﴿وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يؤدونها بحقها وخشوعها، ملتزمين بمعناها وهدفها الحقيقي وما يترتب عليها من الالتزام، ولا يؤدونها طقوسا شكلية فارغة المحتوى، ولا كالذين هم عن صلاتهم ساهون المشار إليهم بآية [الماعون ١٠٧/ ٥].\nويلاحظ أن هذه الآية قد ذكرت أربعة خصائص للقرآن الكريم:\n١) أنه كتاب مبارك.\n٢) أنه مصدق ما بقي من الوحي الذي نزل على الأنبياء من قبل.\n٣) أنه موجه للبشرية جمعاء.\n٤) أن الذين يؤمنون بالآخرة إيمانا يقينيا ويحافظون على الهدف والمغزى من الصلاة لا بد أن يكونوا من المؤمنين به إذا اطلعوا عليه.\n\n<span id=\"aya-882\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بأن قال ما أنزل الله على بشر من شيء، وأنكر النبوات ﴿أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ بادعاء النبوة، كما ادعاها بولس مؤسس المسيحية ﴿وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ إما مدعيا النبوة، أو معتقدا أن القوانين الوضعية يمكن أن تحل محل الشريعة، أو يكتب من عنده وينسبه إلى الله تعالى، كما هي الحال في كتب اليهود والمسيحية، أو زاعما على سبيل التهكم أن القرآن من عند محمد.\n﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، ولكل من سمع وقرأ، وغمرات الموت هي سكراته وشدته","vol":"1","page":539},{"text":"واستعيرت من غمر الماء كناية عن الشدة الغالبة ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ من العذاب إن استطعتم، وقيل هي بمعنى أخرجوا أنفسكم من أجسامكم إزهاقا وتشديدا بلا إمهال، قال الرازي: قال المفسرون: إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء الله، ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج، وهو معنى الحديث: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»،\n﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ﴾ العذاب مقترنا بالشعور بالهوان، وهو جزاء الاستكبار كما سيرد: ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ بإنكار بعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل، وافتراء كتب من عندكم ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ واستكباركم عن دراسة وتفهم الوحي.\n\n<span id=\"aya-883\"></span>﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ منفردين عن أهلكم وإخوانكم وأنصاركم وأعوانكم ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في بطون أمهاتكم ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما خولناكم من المال والجاه والزعامة - لأنكم كنتم مفوضين بها غير مالكين لها - فأصبحتم يوم القيامة عاجزين عن الانتفاع بها لأنكم لم تقدموا منها لآخرتكم ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ كالأصنام والأولياء والزعماء وأصحاب القبور والقديسين ورجال الدين ومدعي النبوة الذين كنتم تدعوهم ليشفعوا لكم عند الله بزعمكم ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ تقطع ما كان بينكم من الوصل بزعمكم ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ضل عنكم الشفعاء المزعومون، وضلت عنكم أوهامكم التي كنتم تركنون إليها، ولم يبق أمامكم إلا مواجهة الحقيقة.","vol":"1","page":540},{"text":"<span id=\"aya-884\"></span>﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿إِنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ بخلاف الشركائء الذين زعمتم فلا يستطيعون من ذلك شيئا، والحب والنوى هي حبوب النبات، ونوى الثمار، والخطاب استئناف للآيات (٩١ - ٩٤) لأنهم زعموا الشفعاء والشركائء، والآيات (٩٥ - ١٠٣) تشير للقدرة الإلهية التي لم يقدروها حق قدرها ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ عندما تنشق تحت التربة فيخرج منها النبات الحي بعد أن كانت حبا ونوى ميتا ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ عطف على فالق الحب والنوى، أي هذا الجسم الحي للبشر أو الحيوان أو النبات يتحول إلى جسد لا حراك فيه إذا فارقته الروح ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ مصدر الإعجاز في الحياة والموت ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ كيف تصرفون إلى عبادة غيره، أو تشركون معه من لا يستطيع إحياء حبة صغيرة ولا بذرة واحدة، ولا إنبات نبتة ولا وريقة خضراء، ومن لا يستطيع إعادة الروح إلى الجسد الميت.\n\n<span id=\"aya-885\"></span>﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ وهو انشقاق الصبح من ظلمة الليل، والإصباح بدء الصبح ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ فلق الإصباح بعد أن جعل الليل سكنا، يحصل فيه السكون للبشر والحيوان ويحصل فيه الاطمئنان والهدوء الجسمي والنفسي بعد دوامة العمل في النهار ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا﴾ جعل فيهما وسيلة لحساب الزمن والأوقات، من دوران الأرض حول الشمس للتقويم الشمسي، ودوران القمر حول الأرض للتقويم القمري الهجري ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ العزيز الذي قدر النجوم والكواكب وفق تواقيت معينة لا تحيد عنها، العليم بخلق النظام الفلكي والكوني وتدبيره.","vol":"1","page":541},{"text":"<span id=\"aya-886\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ جعل لكم من علم الفلك وسيلة لمعرفة الاتجاهات في البر، وللملاحة في البحر في ظلمة الليل ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الإشارة لآيات القرآن الكريم وإلى الآيات الكونية المعجزة، والمعنى أنه لا يقدر الإعجاز فيها إلا أهل العلم.\n\n<span id=\"aya-887\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ البشر كلهم مخلوقون من أنفس متماثلة، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ٤/ ١]، وقوله عز من قائل ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ [النحل: ١٦/ ٧٢]، وقوله جل ثناؤه ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٦٤].\n﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى أن يحين الأجل الذي يصل إليه المرء فيستقر فيه، فهو نهاية المطاف في دنياه، والمستودع يكون في حياته الآخرة لا يستطيع التحول عنه بعد موته، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦/ ٦٧] أي وقت حصول لا محالة، وقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ١١/ ٦]، فالله تعالى يرزقها إلى أن يحين أجلها - مستقرها -، ويعلم ما تصير إليه في آخرتها - مستودعها -، ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ وهو تفصيل الإعجاز في الأنفس، وما تصير إليه، مما لا يدرك معناه ومغزاه إلا المتعمق في الفهم - الفقه -.\n\n<span id=\"aya-888\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ﴾","vol":"1","page":542},{"text":"﴿مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ بالماء ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من كل الأصناف والأنواع والفصائل، مع أن السبب واحد وهو الماء ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ﴾ من النبات - والالتفات في الكلام من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم لبيان أنه تعالى ليس كالبشر وليس كمثله شيء وأن الإشارة إليه بضمائر البشر للتقريب إلى الأذهان، ولهذا فإن تغيير الضمائر عن الله تعالى كثير في التنزيل - ﴿خَضِرًا﴾ سوقا خضراء غضة عندما يبدأ الإنبات ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ من السوق الخضراء ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ كما في سنابل القمح والحبوب ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ وهي عناقيد الرطب والتمر، ودانية قريبة في متناول يد القاطف ﴿وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ﴾ أي وأخرجنا جنات من أعناب، وهي كروم العنب ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ﴾ معطوفة على نبات، أي فأخرجنا به نبات كل شيء والزيتون والرمان، وهو عطف الخاص على العام، واختص تعالى هاتين الشجرتين بالذكر لكونها عزيزة عندهم ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ تشتبه الثمار على الناظر بأنها متماثلة، ومع ذلك فهي مختلفة في الطعم والنكهة، فيكون تقدير الآية: والزيتون مشتبها وغير متشابه، والرمان كذلك مشتبها وغير متشابه، ويحتمل المعنى أيضا أنها مشتبهة لكونها جميعا من عناصر الماء والمواد العضوية، ومع ذلك فالشجر والثمار غير متشابه إطلاقا ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ عند تكون الثمار تدريجيا ﴿وَيَنْعِهِ﴾ وانظروا إلى نضوجه ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ هذا الإعجاز بين لمن عنده استعداد للتفكير الموضوعي والإيمان، أما المكابرين المصرين على الكفر فلهم شأن آخر، ومنهم من سيلي ذكره في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-889\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.","vol":"1","page":543},{"text":"١٠٠ - ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ رغم كل الآيات الباهرات المشار إليها في الآيات السابقة (٩٥ - ٩٩) فقد جعلوا الجن شركاء الله، هكذا من عندهم، لمجرد التخمين بلا برهان، وهم نوع آخر من المشركين اعتقدوا بشرك الجن معه تعالى، وإعراب ﴿شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ مفعولان به لجعلوا ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ جعلوهم شركاء رغم أنه تعالى خالق الجن فكيف تعبد المخلوقات، ويحتمل المعنى أيضا عود الضمير في ﴿خَلَقَهُمْ﴾ إلى المشركين، أي أنهم يعلمون أنه تعالى وحده خالقهم، ومع ذلك لم يمنعهم علمهم أن يتخذوا من لا يخلق شريكا للخالق ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ﴾ اخترعوا له بنين وبنات، خرقا لكل منطق وتفكير سليم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغير علم يقيني، ولا تحقق منه، فمن جهة تقول المسيحية: إن المسيح ابن الله، ومن جهة ثانية كانت العرب في الجاهلية تقول: إن الملائكة بنات الله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيه له عن كل ما لا يليق به ﴿وَتَعالى﴾ عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد، فهو بعيد كل البعد عن النقصان والعيب الذي تضمنه قولهم بنسب الذرية والشركائء إليه، قال الرازي: التسبيح يعود إلى أقوال المسبحين، والتعالي يعود إلى صفاته الذاتية التي لا تحصل لغيره ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ لأن أي محاولة لوصفه تعالى، أو لتحديد صفاته، ليست سوى استحالة منطقية، وأما صفاته تعالى المذكورة في القرآن الكريم فلا يقصد منها الإحاطة بحقيقته، وإنما بيان أثر هذه الصفات في الخلق وفي الكون من حولنا.\n\n<span id=\"aya-890\"></span>﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما وخالقهما على غير مثال سابق، انظر شرح الآية (١)﴾، ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ فمن أبدع السماوات والأرض لا يستحيل عليه خلق عيسى المسيح من أم بلا أب، فلا يكون ذلك مبررا لجعل المسيح ابن الله، وقصارى ما في الأمر أن يكون ذلك","vol":"1","page":544},{"text":"إبداعا منه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما من شيء إلا هو خالقه والعالم به، وليس الأمر مقتصرا على خلقه المسيح من غير أب.\n\n<span id=\"aya-891\"></span>﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ القادر على كل شيء، كما ورد في الآيات (٩٥ - ١٠١) ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وغيره لا يقدر على شيء من الخلق ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحده، لأن من انفرد بهذه الصفات كان وحده الجدير بالعبادة ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ مالك الأرزاق، لا مدبر إلا هو، الموكل بأمور عباده والرقيب عليها، وبيده الآجال، غير أن هذا العالم عالم الأسباب، قال الرازي: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب.\n\n<span id=\"aya-892\"></span>﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ لا تحيط به أبصار عباده ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ وهو محيط بأبصارهم وبصائرهم ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ هو وحده اللطيف من حيث أن العقل والفهم والخيال البشري كلها لا تستطيع الإحاطة به، وبالمقابل فهو وحده الخبير المحيط بأمور مخلوقاته.\n\n<span id=\"aya-893\"></span>﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي آيات القرآن الكريم، لأنه تحصل بها البصيرة عند من اختار الإيمان، والبصيرة إدراك القلب ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ من يختار الإبصار يعود بالنفع لنفسه ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ ومن اختار عمى القلب يعود بالضرر على نفسه ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ وهو قول الرسول لهم، وقول كل داعية مسلم، أي لا أقوم بحفظ أعمالكم، ولا أحصيها عليكم، ولا أجازيكم بها، إنما أنا نذير، والله هو الحفيظ عليكم.","vol":"1","page":545},{"text":"<span id=\"aya-894\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ يوضحاها تعالى من كل الوجوه ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ فيقول الخصوم أن النبي ﷺ أشبعها دراسة كي تظهر بهذا الإعجاز ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تصريف الآيات وإيضاحها من كل الوجوه هو لغرض بيان القرآن لأهل العلم من ذوي الذهن المنفتح، الذين لا يعارضون القرآن تقليدا ولا عنادا، ولا قبل أن يقرؤه ويتفكروا في معانيه، وأما زعم البعض أنه ﷺ دارس بالقرآن اليهود وغيرهم من أهل الكتاب فينقضه أن هذه السورة مكية نزلت قبل أن يتصل بهم في المدينة، ولو تلقى عنهم القرآن بالمدارسة لما سكت اليهود عن بيان ذلك للمشركين حين أرسلوا إليهم يسئلونهم أكثر من مرة، وعلى شدة تشوق اليهود لتكذيب النبي ﷺ فإنهم لم يقولوا بهذا الزعم، يضاف إلى ذلك أن القرآن مهيمن على كتبهم، انظر آية [المائدة: ٥/ ٤٨]، وقد نسخ منها ما نسخ [البقرة: ٢/ ١٠٦]، وأظهر تحريف وتلاعب الأحبار بها، وكون أكثرها من تأليفهم، انظر شرح آيات [آل عمران: ٣/ ٣] و[النساء: ٤/ ٤٦] و[المائدة: / ١٣ - ١٤].\n\n<span id=\"aya-895\"></span>﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا تبال، أيها الرسول، ولا تلتفت إلى سفاهات الكفار كقولهم درست، فالحق يعلو بنفسه ويظهر بقول وعمل وإخلاص أصحابه ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ بعد إبلاغهم.\n\n<span id=\"aya-896\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا﴾ فلا يثقل عليك كفرهم أيها النبي، إذ لو شاء الله لخلقهم كالملائكة، فيكونوا طائعين مؤمنين بلا خيار، ولكن مضت سنته تعالى أن يكون للبشر حرية الخيار فلا يجبرهم تعالى على الإيمان والطاعة","vol":"1","page":546},{"text":"﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لأن الله تعالى وحده الحفيظ والوكيل على عباده، وهذه الآية وأمثالها تأكيد على حرية الدين والعقيدة.\n\n<span id=\"aya-897\"></span>﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لا تسبوا الكفار أو المشركين الذين يدعون أصناما أو معبودات من دون الله، وأيضا لا تسبوا معبوداتهم التي يدعونها من دون الله - لأن اسم الإشارة يمكن أن يعود على المشركين كما يمكن أن يعود على معبوداتهم - وتعلق المعنى بما قبله أن الله تعالى لم يجعل رسوله حفيظا ولا وكيلا على العباد، فمن باب أولى أن يمتنع المؤمنون عن سب الكفار وسب معبوداتهم ﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا﴾ عدوانا وظلما ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عن جهالة ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ لأن الأفراد يستحسنون ما اعتادوا عليه في مجتمعاتهم، وما ورثوه عن آبائهم، من عقائد الإيمان أو الكفر أو التسامح أو التعصب، فالغالبية منهم على التقليد أو الجهل، والأقلية فقط تعمل العقل والفكر الموضوعي بحثا عن الحقيقة، والنتيجة أن الكثير من الناس قلما يستفيدون، بشكل إيجابي، من حرية الخيار التي وهبها الله لعباده ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر، وحق أو باطل، فيحاسبهم عليه.\n\n<span id=\"aya-898\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ بعد أن صرّف الله تعالى للكفار الآيات الباهرة في القرآن الكريم كالآيات (٩٥ - ١٠٤)، وبعد أن زعموا أن النبي ﷺ أشبع آيات القرآن دراسة كي تبدو بهذا","vol":"1","page":547},{"text":"الإعجاز، وهم قد صمّموا على أية حال أنّ القرآن ليس من جنس المعجزات التي يريدونها، وقد يكون ذلك لطفولتهم العقلية، أو للتعجيز، لذا أقسموا الأيمان المؤكدة أن سيؤمنون لو جاءتهم معجزة خارقة، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (٧)، ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ قل لهم أيها الرسول: إنّ الآيات الخوارق تتم بقدرته تعالى فقط، وليس لي مقدرة على ما تطلبون، ولا أدّعي ذلك، وعلى أية حال فالله تعالى لا ينزّل الآيات الخوارق ولا يبديها إلاّ لحكمة ومصلحة للعباد، وليس بناء على معاندة الكفار وتعسفهم وتوقيتهم، ويحتمل المعنى أيضا أن آيات الله محيطة بكم من كل جانب، في خلقكم وفي أنفسكم وفي خلق الحياة والكون من حولكم ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي ما يدريكم أيها الناس كيف يكون سلوك الكفار لو جاءت المعجزات الخوارق التي يطلبون؟ فمن لا يؤمن ولا يتفكّر بكل معجزات الخلق المحيطة به لا ينفعه نزول الخوارق الخاصة، وأمثال هؤلاء الناس لا يؤمنون على أية حال، وتفصيل ذلك بيّنته الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-899\"></span>﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ فيصبحون محتارين مذهولين، يختلقون مختلف الأعذار، وقد يدّعون أن ما شاهدوه ليس سوى سحر أو خداع، وقد يظنّون أن المسّ أصاب عقولهم، أو أن عيونهم وحواسهم أصابتها آفة، أو يستمرون بالإصرار والمكابرة في جميع الأحوال، وقد نسب تعالى تقليب أفئدتهم وأبصارهم إلى ذاته العلية لأن كل شيء في العالم يجري بحسب سننه في خلقه ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما لم يؤمنوا بالقرآن قبل ذلك، لأن المكابر الذي لا يستخدم عقله لدراسة القرآن ولمعرفة جدارته الذاتية من حيث إنه كتاب منزل، يتشبّث بالمكابرة عند مشاهدة الآيات الحسية، وقد حدث","vol":"1","page":548},{"text":"ذلك لليهود وقت بعثة موسى ﵇ فلم تنفعهم الخوارق المذهلة كانفلاق البحر، وتظليل الغمام عليهم في الصحراء، ونزول المن والسلوى، وتفجّر الماء اثنتي عشرة عينا في الصحراء، بل تقننوا في كفرهم وتمردهم على موسى ﵇ ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتركهم تعالى لحرية خيارهم فيستمروا في التخبط والطغيان.\n\n<span id=\"aya-900\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١١١)\n١١١ - تتمة الخطاب من الآية السابقة: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ لو أنه تعالى لم يقتصر فقط على إنزال ما طلبوه من الخوارق، بل لو نزّل عليهم الملائكة تباعا، وجها لوجه ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ فأخبروهم بحقيقة الحياة الآخرة بعد الموت ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ كل ما يمكن حشده، وجها لوجه، من براهين الحقيقة ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ ما كان لديهم الاستعداد أن يؤمنوا ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ لأن كل شيء يجري في الكون بموجب سننه تعالى في خلقه، فمن فقد الاستعداد للإيمان وأصرّ على الضلال لا يؤمن، ولو شاء تعالى لكان غير ذلك ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ يجهلون سننه تعالى في الخلق، ويجهلون كيفية انطباقها على الأفراد والمجتمعات.\n\n<span id=\"aya-901\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ كما جعلنا هؤلاء الكفار والمشركين والمكابرين - المشار إليهم في الآيات السابقة - أعداء لك أيها النبي، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء على شاكلتهم، وهم شياطين الإنس والجن - والشيطان في اللغة هو كل عات متمرد، والعدوّ يطلق على المفرد والجمع - والمعنى أن من سنة الله تعالى في خلقه أن يكون كل عات متمرد","vol":"1","page":549},{"text":"متكبّرا لا ينقاد إلى الحق، يناصب الأنبياء والرسالات السماوية والدعاة وأنصارهم العداء، ويؤذيهم بالقول والفعل، وغالبا ما يكون هؤلاء الشياطين العتاة من الزعماء والمترفين، ومن قساة القلوب المفسدين في الأرض، كالمشار لهم في آيات [البقرة: ٢/ ٦ - ٢٠] ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ يقول بعضهم لبعض أقوالا معسولة مموّهة مبطّنة، مستخدمين أساليب ونظريات فاسدة خادعة، كزعمهم أن الإيمان غرور، وأن لا حياة بعد الموت، وأن الكون أوجد نفسه بالصدفة، وأن لا خالق ولا وحي، فيغترّون بذلك ﴿غُرُورًا﴾ خداعا وباطلا وأخذا على غرّة، كقوله تعالى: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٦٤].\n﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ لأن مشيئته تعالى اقتضت أن يكون لديهم استعداد للخير والشر، وأن يكونوا مختارين في سلوكهم لا مجبرين ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ فإنما عليك البلاغ، والحساب على الله.\n\n<span id=\"aya-902\"></span>﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾ تميل إلى زخرف القول والغرور، لأن الصغو في اللغة معناه الميل، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٦٦/ ٤]، ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ تميل قلوبهم إلى تصديق زخرف القول وتصاب بالغرور ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ يقبلون بزخرف القول، ويصبحون راضين عنه دون بحث أو تحقق أو تأكد من صحته ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ فيرتكبوا من الآثام والخطايا بنتيجة رضاهم وقبولهم كلام الخداع والباطل، واغترارهم به.\n\n<span id=\"aya-903\"></span>﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾.","vol":"1","page":550},{"text":"١١٤ - قل لهم أيها النبي، أو أيها القارئ، أو أيها السامع: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ إن كنتم مكابرين ومصدّقين لزخرف القول وراضين به، فالله تعالى يحكم بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ فصّل كل الحجج والبراهين العقلية والعلمية، وفصّل الحق من الباطل، وفصّل الأحكام الشرعية ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ فهم ﴿الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وهو برهان آخر على صدق نبوته ﷺ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ لا تكوننّ أيها السامع، أو القارئ، أو من بلغته هذه الرسالة، من الشاكّين.\n\n<span id=\"aya-904\"></span>﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بتنزّل القرآن على خاتم الأنبياء والرسل، الذي أتمّ به الوحي الذي نزل على الأنبياء من قبل، فالكلمة بمعنى الوحي، فيكون إتمام الكلمة هو ختم الوحي، والكلمة أيضا بمعنى القضاء، أي تم قضاؤه تعالى منذ الأزل بما قضى وقدّر، وهي أيضا بمعنى الوعد، وإتمامها تحقيق الوعد المذكور في كتب اليهود والنصارى ﴿صِدْقًا﴾ تصديقا لوعده في التوراة والإنجيل ببعث النبي محمد ﷺ ﴿وَعَدْلًا﴾ لأن القرآن يبشر المؤمنين، وينذر الكافرين، بتحقيق العدالة إن في الدنيا أو في الآخرة ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ مطابقة لما سبق علمه، ولا بدّ من تحقق وعده، والمعنى أيضا أن القرآن محفوظ من كل تحريف وتبديل ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الجدير بالعبادة لكونه يسمع دعاءكم ويعلم حالكم.\n\n<span id=\"aya-905\"></span>﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿وَإِنْ تُطِعْ﴾ أيها المؤمن، أو أيها السامع، أو القارئ ﴿أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ لأن أكثرية الناس في غالب الأحوال يتبعون","vol":"1","page":551},{"text":"أهواءهم، ولا عبرة بالأكثرية إن كانت على الضلال ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ فيما يتعلق بحقيقة الخلق، والحياة بعد الموت، والأخلاق، والخير والشر، والعبادات، وقواعد السلوك البشري ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون بنتيجة الظنّ.\n\n<span id=\"aya-906\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الذين يحلّون ويحرّمون من عند أنفسهم، كما سيرد في الآيات التالية ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بعدما تبيّن الحق من الباطل، وبعد ما قام الرسول والدعاة بواجبهم، فلم يبق إلاّ تفويض أمر الناس إلى الله، لأنه تعالى أعلم بمن يهتدي منهم، ومن يضلّ، وحسابهم عليه.\n\n<span id=\"aya-907\"></span>﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - الجاهلية لم تكن مقتصرة على العرب قبل الإسلام، فهنالك جاهلية تمارس في كل العصور والأمكنة: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ وحده، لأنّ المشركين في الجاهلية، وفي كل وقت، يتعبدون بتقديم الذبائح إلى أوثانهم وآلهتهم ويذكرون اسم آلهتهم أو أوثانهم عليها، فنهاهم تعالى عن ذلك وأمرهم أن يذكروا اسم الله وحده عليها ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لأن الشرك بالله والإيمان لا يجتمعان، والخطاب استمرار للآية (١١٦) بالنهي عن طاعة الأكثرية الضالة.\n\n<span id=\"aya-908\"></span>﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ الكلام لا يزال في التوحيد ونفي الشرك، وتقدير الخطاب: وأيّ شيء ثبت لكم من الفائدة - أيها المشركون - في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه وحده؟ أو: ما يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وحده؟ والحال أنكم تأكلون من الذبائح ما أهلّ به","vol":"1","page":552},{"text":"لغير الله من أوثانكم وآلهتكم؟ وهو استفهام إنكار ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن المحرّمات قد فصّلها تعالى لكم، فما بال بعضكم يجعل الحلال حراما، وبعضكم يجعل الحرام حلالا؟ - وتفصيل التحريم مذكور في الآية (١٤٥) من هذه السورة - ﴿إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ بسبب شدة الجوع، فحينئذ يزول التحريم ويجوز لكم الأكل من الطعام المحرّم، انظر الآية (١٤٥)، وآية [المائدة: ٥/ ٣]، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ﴾ أي بموجب أهوائهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، فيحرّمون الحلال ويحلّون الحرام على هواهم، والإشارة عامة وغير مقتصرة على المأكل والمشرب - وقد استنتج الرازي منها أن القول في الدين بناء على التقليد حرام، لأن التقليد والعصبية عبارة عن اتباع الهوى، ممّا ينفي دور العقل، وقد حرّمته الآية - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ الذين يتجاوزون حدود الشرع، ويبتدعون حدودا وتشريعات من عند أنفسهم، ولأن من يحرّم ما أحلّ الله، كمن يحلّ ما حرّمه الله، لا فرق بينهما.\n\n<span id=\"aya-909\"></span>﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ ما أعلنتم منه وما أسررتم، فلا يكون لديكم مقاييس أخلاقية مزدوجة، مختلفة في العلن عمّا هي في السر، وفي الحديث: «اليسير من الرياء شرك»، وفي الحديث أيضا: «ما تضعضع امرؤ لآخر يريد به عرض الدنيا إلاّ ذهب ثلثا دينه»، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ بأفعالهم الظاهرة، أو بالدسائس الخافية والمكر السيء والخداع والتمويه ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي بنتيجة ما كانوا يقترفون من الإثم، وهو الارتباط بين السبب والمسبّب، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٩٩/ ٨].\n\n<span id=\"aya-910\"></span>﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.","vol":"1","page":553},{"text":"١٢١ - ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ كالذبائح التي تذبح للأوثان والأصنام والطواغيت ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والحال أنها - أي الذبائح - فسق، أهلّ بها لغير الله، لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (١٤٥)، فيكون النهي في الآية مختصّا بالفسق فقط، أي ما أهلّ لغير الله به، ولقوله ﷺ: «ذكر الله على قلب كل مؤمن من سمّى أو لم يسمّ».\n﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ﴾ من شياطين الإنس والجن ﴿لَيُوحُونَ﴾ يوسوسون ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ من المشركين ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ في الحلال والحرام ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال الحرام وتحليل الحرام، وفي إحلال القوانين الوضعية محل الشرائع الدينية ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأن من يفضل قوانين البشر على شرع الله يثبت حاكما غير الله تعالى فيصير مشركا، كما أنّ من يرضى بالذبائح التي ذبحت على الأصنام والأوثان فقد رضي بزعم ألوهيتها ممّا يوجب الشرك، ومثال ذلك كثير.\n\n<span id=\"aya-911\"></span>﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ﴾ شرح للآية السابقة، وقد شبّه تعالى الكافر بالميت، والهداية بالإحياء، لأن مدارك الكافر محدودة إما بسبب طغيان المادة عليه، أو لضيق أفقه، أو لجهله، أو لإعجابه برأيه، أو لغفلته، أو لكل ذلك معا، فهو أسير هواه، والحقيقة غائبة عن وعيه، لأنه حجر عقله على الجمود والتقليد، فإذا اهتدى صار حيّا، متفتح الذهن، عقلانيا، وصار على بيّنة من حقيقة الدنيا والآخرة ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾ وهو نور القرآن الكريم، يهتدي به، فتطمئن به نفسه، ويكون واثقا منها، فيهدي به غيره ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ بالمقارنة مع الذين يتخبطون في ظلمات الجهالة، وقد فسدت فطرتهم، وعقولهم قاصرة عن إدراك الحقيقة","vol":"1","page":554},{"text":"والاقتناع بها، وإذا توصلوا إليها فهم يجحدونها من قبيل التكبر والعصبية والتقليد الأعمى وإتباع الأكثرية المسيطرة وحب الدنيا ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهي إقرار حقيقة واقعة، بأن عقول أمثال هؤلاء الكافرين بعد أن طغت عليها العصبية والتقليد الأعمى وحب الدنيا، قد زيّن لهم ضلالهم حتى يكون أحدهم من أذكى الناس ثم يبرر لنفسه السفاهة والحماقة والخرافة التي يعتقد بها، ويوجه سلوكه الظاهر والباطن بموجبها.\n\n<span id=\"aya-912\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - استمرار الخطاب من الآية السابقة ومعطوف على قوله ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾:\n﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ القرية - بلغة القرآن - هي المجتمع أو الشعب أو الأمّة، أو المدينة الكبرى التي يقيم بها أولو الحل والربط، والمعنى استمرار من الآية السابقة، أي كما زيّن للكافرين عملهم وتخبطهم في ظلمات الجهالة والتقليد والتعصب وحب الدنيا، كذلك فإنه من سنن الاجتماع البشري أن يصبح بعض المجرمين من هؤلاء أكابر في بعض المجتمعات، بحيث يكون إجرامهم سبب كونهم أكابر، أي يبلغون مراتب الزعامة بمكرهم وخداعهم وتدليسهم وغدرهم، ويصدق فيهم قوله تعالى:\n﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥]، وقد ينكرون الوحي والرسل لكي يحكموا الناس على هواهم، وقد يدّعون العلمانية بزعم التحرر، ويكثر ذلك في الأمم التي تنتشر فيها المطامع والتنافس على الزعامات، وتزداد عند ما تكون الشعوب جاهلة ومتخلفة ومغلوبة على أمرها.","vol":"1","page":555},{"text":"ويحتمل أيضا أن الأكابر تحوّلوا إلى مجرمين، لأنهم جعلوا أنفسهم فوق القانون، وفوق المعايير الأخلاقية، وفوق عامة الناس، فصاروا يرفضون الانتقاد الموجّه إليهم، ولا يحاسبون أنفسهم إذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فيصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ والضمير في أنفسهم يعود لأكابر المجرمين وأشياعهم، لأن المجتمعات التي تمكّن مجرميها من التحكم فيها والسيطرة عليها، سواء كان ذلك نتيجة تخلفها وجهلها، أو سوء أخلاقها وانتشار الفساد فيها، تؤول في نهاية المطاف إلى الدمار مصداقا لقوله تعالى:\n﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥/ ٤٣]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٦]، أي إنه تعالى يأمر الأكابر المترفين بالإصلاح والطاعة، فلا يستجيبون، ويكون التفسخ والانحطاط والانهيار عاقبة أمرهم.\n\n<span id=\"aya-913\"></span>﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ وهم الأكابر المشار إليهم سابقا، أي جاءهم وحي من السماء عن طريق الرسول ﷺ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ لا يصدّقون الرسل، ويريدون أن ينزّل الوحي عليهم مباشرة، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر ٧٤/ ٥٢].\n﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ الله أعلم بحكمته من يصطفي من الرسل والأنبياء ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ﴾ وهم منكرو الوحي سيصيبهم الهوان والذل، بعد التكبر والعظمة ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ إن في الدنيا أو في الآخرة أو كلاهما معا ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ بسبب مكرهم، وبنتيجته.","vol":"1","page":556},{"text":"<span id=\"aya-914\"></span>﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ يشرح الله تعالى صدر من حافظ على سلامة فطرته، وابتعد عن الكبرياء والحسد، وحافظ على استقلال الفكر، ورفض التقليد والعصبية، عندما يدرس الإسلام دراسة موضوعية يجد فيه الحقيقة التي يبحث عنها فينشرح صدره للإسلام، ويشعر بالسرور والقبول تجاهه ويفيض علم القرآن ونوره في قلبه وعقله ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وهو الشخص المصر على الكفر، الذي أفسد فطرته بالأفكار الشاذة التي تربّى عليها وقبلها، وضاق تفكيره بما لا يطابق ما اعتاد عليه من عقيدة أهله وقومه، حتى لا يكاد يستطيع الإطلاع على غيرها من العقائد، ناهيك عن دراستها دراسة جدية موضوعية، وهو إلى كل ذلك متكبر معجب برأيه وبما هو عليه من الضلال، وهو في نفس الوقت حسود لأنه يرى نفسه وقومه أحق من الآخرين بالمعرفة الحقيقية، فينفي سلفا إمكانية صواب غيره ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ وهو تشبيه علمي، لأن من يرتقي في طبقات الجو العليا يضيق صدره لقلة كثافة الهواء كلما ازداد صعودا، فيصعب تنفسه ويشعر بثقل وضغط كبير على صدره - وهو من إعجاز القرآن العلمي - وذلك مثل الجاحد المصر على الكفر عندما تعرض عليه الرسالة الإسلامية يضيق صدره عنها ويتبرم بها ويعرض عنها ﴿كَذلِكَ﴾ أي على ذلك النحو المذكور ﴿يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ المصرّون على الكفر، فيخلّي بينهم وبين أنفسهم، ويحصل لديهم الخواء والشعور الرهيب بعدم جدوى الحياة وأن لا معنى لها ولا غاية، والرجس الخبث، المعنوي والحسّي، وهو هنا بمعنى العذاب الروحاني، راجع شرح آية [الأعراف: ٧/ ٧١].\n\n<span id=\"aya-915\"></span>﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿وَهذا﴾ الذي جاء به القرآن ودين الإسلام ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ طريقه الذي ارتضاه لعباده، وطريقته التي اقتضتها حكمته ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عادلا مطّردا لا","vol":"1","page":557},{"text":"تغيير في سننه، مطابقا للفطرة السليمة، لا إفراط ولا تفريط ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ أظهرنا الحجج وجعلناها واضحة مفصّلة ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ لذوي العقول المبصرة والفطرة السليمة، يذّكرون المعارف والحقائق المغروسة في استعدادهم، فتطيب حياتهم بها.\n\n<span id=\"aya-916\"></span>﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - ﴿لَهُمْ﴾ أي للمتذكرين الذين اتبعوا الصراط المستقيم ﴿دارُ السَّلامِ﴾ السلام من أسمائه تعالى، ودار السلام الجنة تنسب إليه جلّ شأنه، كما أنهم ينعمون بالسلام الروحاني في حياتهم الدنيا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وعدا عليه حقا ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ متولّ أمورهم وكافيهم وموفّقهم في كل ما يعنيهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما أي بسبب أعمالهم الصالحة التي قدّموها في حياتهم الدنيا، وقد ركّزت الآية على ذلك كي لا ينقطع الإنسان عن العمل والجهد، والإيمان وحده لا يكفي، فلا بدّ من العمل لأنّ السنن الكونية قائمة عليه، والآية أيضا نافية للجبر فهي صريحة بربط الجزاء بالعمل.\n\n<span id=\"aya-917\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - في هذه الآية عودة لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (١٢١)﴾:\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ المعشر: الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا، ومعشر الرجل أهله، والمعنى أنه يقال يوم الحشر للذين كانوا يعاشرون عناصر الشر ﴿قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي أضللتم وأغويتم كثيرا من الناس وجعلتموهم أتباعا لكم فحشروا معكم ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الذين أطاعوهم وكانوا لهم أنصارا وأعوانا ﴿رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ استمتع","vol":"1","page":558},{"text":"بعضنا بصحبة بعض، لأن المصالح الدنيوية كانت متبادلة بينهم ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا﴾ وهو يوم البعث والجزاء، قالوا ذلك معترفين بذنوبهم، مظهرين الحسرة والندامة ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ مقامكم ومصيركم كنتيجة طبيعية لما قدّمتم في حياتكم الدنيا، فلا ينفع الندم بعد الفوات ﴿خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم بما تتعلق به مشيئته، وعليم بما يستحق المجرمون من عقاب، فمشيئته تعالى مترتبة على الحكمة والعلم.\n\n<span id=\"aya-918\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ وهم الذين كانوا يعاشرون عناصر الشر، يكونون أولياء وأنصارا بعضهم لبعض، لأنهم على شاكلة واحدة في الخبث والفساد ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بنتيجة اشتراكهم في عمل السيئات وهو سبب تقاربهم وتناصرهم.\n\n<span id=\"aya-919\"></span>﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (١٣٠)\n١٣٠ - ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾ يتلون عليكم آياتي التي أوحيتها إلى الرسل ويأمرونكم بالإيمان ومكارم الأخلاق وصالح الأعمال ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ وهو يوم البعث والحساب ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ بأن الرسل قد بلّغت الرسالة وأن ليس من عذر بالغفلة - الآية التالية -، وإنّما غلبتهم الحياة الدنيا على صالح أمرهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ بكثرة المال، واتباع الشهوات، والتطلع إلى الجاه الزائف والتسلط على الناس ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ أقرّوا أنهم لم يؤمنوا بما جاء به الرسل، أو أنهم لم يعملوا بما يترتب على الإيمان من العمل الصالح والإذعان للرسالة السماوية.","vol":"1","page":559},{"text":"<span id=\"aya-920\"></span>﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ (١٣١)\n١٣١ - ﴿ذلِكَ﴾ وهو ما تقدّم من بعثة الرسل وإنذارهم الناس بسوء العاقبة إن لم يؤمنوا ويعملوا صالحا ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ﴾ أي بظلم منها ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ عن الحقيقة، فلا يترك لها عذرا بالجهل أو الغفلة، أي الله تعالى لا يهلك المجتمعات الظالمة ولا يعاقبها على ظلمها وإفسادها، قبل أن يبعث إليها الرسل ويبيّن لها الخطأ من الصواب، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٥].\n\n<span id=\"aya-921\"></span>﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٢)\n١٣٢ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ فيكون حساب كلّ فرد بحسب عمله الذي قام به واعيا مختارا، لأن الثواب والعقاب مترتّبان على سلوك المرء مختارا في الحياة الدنيا، ودرجات عمله من خير أو شر ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبهم بما يختارون من السلوك والعمل.\n\n<span id=\"aya-922\"></span>﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (١٣٣)\n١٣٣ - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ غنيّ عن عباده وعن طاعتهم وأعمالهم ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ وهو في نفس الوقت رحيم في تكليف العباد وفي ثوابهم وعقابهم، وفي إمهالهم على المعاصي إلى ما شاء ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ كما أهلك الأمم من قبلكم، وهي سنته تعالى بأن تندثر الأمم التي تتفسخ ويستشري فيها الفساد ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ من الأمم فيكونوا خيرا منكم ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ نشأتم على أنقاضهم.\n\n<span id=\"aya-923\"></span>﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ الذي توعدونه من البعث والحساب، والثواب والعقاب في الآخرة، واقع لا محالة، وذلك غير الهلاك والعذاب الدنيوي","vol":"1","page":560},{"text":"واستبدال أمم أخرى بهم - الآية السابقة - ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا تستطيعون الخروج عن قدرته تعالى، ولا عن سنته في الخلق والعباد.\n\n<span id=\"aya-924\"></span>﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (١٣٥)\n١٣٥ - ﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ بمواجهة كفار قومه، وأن يظهر لهم منتهى الثقة بأمره، وعدم المبالاة بهم، فيتحداهم بأن يعملوا غاية ما بإمكانهم واستطاعتهم من المعاندة والعداوة لأن ذلك لن يجديهم شيئا في نهاية المطاف ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على مكانتي في مصابرتكم وفي الدعوة إلى الإسلام ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ عاقبة دار الحياة الدنيا، والمعنى سوف تعلمون أن الظفر والعاقبة الحسنى ستكون للإسلام لا محالة، وأن الدائرة سوف تدور عليكم ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ فلا يظفروا بغايتهم، وهذا الأمر وإن كان موجها في الأصل إلى النبي ﷺ فهو - كما في كل آيات القرآن الكريم - أمر لكل مسلم وداعية في الثبات على عقيدته في كل زمن.\nوقد يقول قائل: ما بال المسلمين إذن قد ضعفت شوكتهم واستعلت عليهم الأمم واستهانت بهم وتلاعبت بهم واستغلتهم، ما دام تعالى قد وعدهم بالنصر وأن تكون لهم عاقبة الدار؟ والجواب أنه تعالى لم يعد بنصر الذين يدّعون الإسلام اسما كيفما اتفق، وإنما وعد بنصر من يقيم الإسلام على حقيقته عن فهم، أما عندما يكون حظ المسلمين من دينهم كحظ من سبقهم من اليهود والمسيحية الذين حوّلوا دينهم إلى مجرد جنسية وعصبية لا غير، فعندئذ لا يكون لهم ميزة دينية على غيرهم تستدعي نصر الله لهم، بل تقتصر أسباب النصر في سائر الأسباب المادية والفنية والمعنوية، كإقامة العدل والنظام والشورى والعمل والصبر والثبات.","vol":"1","page":561},{"text":"<span id=\"aya-925\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (١٣٦)\n١٣٦ - رغم بعث الرسل الذين أتوهم يقصّون عليهم آيات الله، وينذرونهم لقاء الآخرة، فإنهم استغرقوا في ممارسات الجاهلية مما سيلي وصفه، وفيه عودة إلى موضوع الآيات (١١٨ - ١٢١):\n﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ﴾ ممّا خلق - ومنه الذرية - ﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا﴾ الكفار والمشركين جعلوا وكرّسوا لله تعالى نصيبا - فقط - من خلقه كنتاج الزرع والمواشي التي يخصصونها للتبرع، فيتصدقون بهذا النصيب - الجزء - للفقراء والمساكين، والنصيب الآخر ينفقونه على أوثانهم وكهنتهم وسدنة معابدهم ﴿فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ نتقرب لله بنصيبه فقط، حسب زعمهم، والباقي يتقربون به للشركاء المزعومين إذ قالوا: ﴿وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ يتقربون به لمن يزعمون أنهم شركاء لله تعالى، كائنين ما كانوا، وإضافة الشركاء إليهم لأنهم اتّخذوها لأنفسهم ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ﴾ لا يكون له علاقة بالصدقات والمساكين، بل ينصرف إلى الكهنة والسدنة وصيانة الأوثان ومعابدها ﴿وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ﴾ لأن النصيب الذي يكرّسونه لله تعالى يضر بعقيدتهم إذ يعزز عندهم الاعتقاد بالشرك وبأنصاف الآلهة، أو بقوى وهمية، أو بوسطاء وهميين، فهو بالتالي يصل إلى هؤلاء الشركاء لجهة إفساد عقيدتهم ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ كم هو سيئ هذا الحكم الذي يخترع قدرات وهمية وشبه إلهية لمخلوقات لا حول لها ولا قوة، والمغزى غير مقتصر على سلوك المشركين في الجاهلية، بل فيه إشارة إلى سلوك المشركين في كل العصور كونهم يسبغون قدرات شبه إلهية على مخلوقات وأموات وأضرحة ومعبودات عاجزة.","vol":"1","page":562},{"text":"<span id=\"aya-926\"></span>﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٧)\n١٣٧ - ﴿وَكَذلِكَ﴾ عطف على ما قبله، أي كما قسموا القرابين بين الله تعالى وبين الشركاء المزعومين، وكان ذلك مستحسنا في عقولهم، كذلك استحسنوا قتل أولادهم ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الشركاء المزعومون زيّنوا للمشركين قتل أولادهم حتى صار ذلك مستحسنا عندهم، والشركاء هم الكهنة وسدنة المعابد الوثنية، وقيل هم الجن والشياطين يوسوسون لهم، وسمّوا شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يدفنون البنات على قيد الحياة، خشية أن تسبى في الغزوات وخشية العار، أو يقتلون الأولاد خشية الفقر، أو يقتلونهم نذرا لبعض آلهتهم ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ الشركاء زيّنوا لهم هذه المنكرات ليردوهم، أي ليهلكوهم عن طريق إغوائهم وإفساد فطرتهم وجعل قلوبهم قاسية خالية من عاطفة الأبوّة والرأفة والرحمة، ويكون الهلاك بهذا المعنى معنويا بالإضافة للإرداء الحسّي وهو قتل الأولاد ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ليخلطوا عليهم حقيقة الدين، وهو دين آبائهم ملّة إبراهيم وإسماعيل، حتى اعتقدوا أن ما يقومون به ضروري للتقرب للآلهة، وفي الآية معنى عام لا يقتصر على عادات الجاهلية قبل الإسلام، بل يشمل عادات بعض البشر - في كل الأزمنة - الذين ينسبون صفات شبه إلهية لمخلوقات عاجزة أو لقوى وهمية، يسترضونها ويستعطفونها بارتكاب أفعال وطقوس وحشية وقاسية، عدا كونها سخيفة ومنافية للعقل، والنتيجة هي الإرداء - الهلاك - المعنوي، لما فيه من العبودية لهذه القوى الوهمية وبالتالي فقدان الحرية الروحانية والتفكير السليم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾ الله تعالى أراد منهم استخدام عقولهم وفطرتهم ومنطقهم السليم، وأراد منهم استخدام حرية الخيار - التي منحها لهم - استخداما صحيحا بعد أن بيّن لهم الحق من الباطل، والصواب","vol":"1","page":563},{"text":"من الخطأ، ولو شاء لغيّر سننه في بني آدم بأن جعلهم مجبرين غير مختارين، كجنس الملائكة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ دعهم وما يختلقون من الكذب على أنفسهم، وما عليك أيها الرسول إلا البلاغ، ولله تعالى سنن في الهداية لا تتغير، وحسابهم على الله.\n\n<span id=\"aya-927\"></span>﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٨)\n١٣٨ - ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ وهذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة، أولها أن جعلوا لغير الله نصيبا من الحرث والأنعام (الآية ١٣٦)، وثانيها أنهم كانوا يقتلون أولادهم (الآية ١٣٧)، والثالث أن حرّموا على البعض أكل بعض الأنعام والزروع التي خصّصوها لآلهتهم بزعمهم، والحجر بمعنى المحجور أي الممنوع أو المحرّم التصرف به ﴿لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ لا يأكلها - أي الأنعام والحرث التي حجروها - إلاّ خدم الأوثان، والرجال منهم فقط دون النساء، حسب زعمهم ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ أي حرّموا ركوبها ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ بل يذكرون عليها أسماء أوثانهم وآلهتهم عند التضحية بها ﴿اِفْتِراءً عَلَيْهِ﴾ كذبا على الله تعالى، لأنه لم يأمرهم بذلك ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ سوف يلاقوا جزاءهم بما كانوا يفترون الكذب على الله.\n\n<span id=\"aya-928\"></span>﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١٣٩)\n١٣٩ - ﴿وَقالُوا﴾ وهو نوع رابع من فنون كفرهم، وأحكامهم السخيفة في التحريم والتحليل ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾ التي حرّموها ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ ما في بطون الأنعام من اللبن أو الأجنّة خصّصوه للذكور","vol":"1","page":564},{"text":"منهم فقط، وحرّموه على الإناث ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ﴾ إن ولد الجنين ميتا يأكلون منه جميعا، الذكور منهم والإناث ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ سيجزيهم وصفهم الكذب على الله تعالى، أي التحريم والتحليل من عندهم، وهو كقوله جلّ ثناؤه ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١٦/ ٦٢]، أي في إطلاق الأحكام بغير علم ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم وحده في تشريع الحلال والحرام، فلا يجوز لغيره أن يتخذ لنفسه هذه السلطة، وهو عليم بصالحهم.\nوقد ذكر الألوسي في روح المعاني استدلال البعض من الآية أنه لا يجوز الوقف على الأولاد الذكور دون الإناث، وأن مثل ذلك الوقف يفسخ ولو بعد موت الواقف لأنه من فعل الجاهلية، واستدل بعض المالكية على مثل ذلك في الهبة، وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده، إن هذا إلا كما قال تعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾.\n\n<span id=\"aya-929\"></span>﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٤٠)\n١٤٠ - هذه الآية تبين نتيجة من يحلّون ويحرّمون من عندهم، ويقتلون أولادهم، والنتيجة هي الخسران، والضلال، وعدم إمكان الاهتداء: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ كانوا يقتلون الأولاد ويئدون البنات (الآية ١٣٧) خوف السبي والعار أو الفقر، والخسارة كبيرة فهي تشمل خسارة الأولاد أنفسهم، وخسارة لعاطفة الأبوة والأمومة، وخسارة الدين وسوء العاقبة ﴿سَفَهًا﴾ لخفة عقلهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغير علم يقيني يبرر فعلتهم ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ من الأنعام المذكورة آنفا ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ﴾ ابتدعوا التحريم من عندهم ونسبوه إلى الله ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عن الطريق السوي، في الدين والدنيا ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحق والصواب، وما كان لهم أن يهتدوا إلى الصواب ما بقوا على هذه الحال من التمسّك بالجهالة، ومبتدعين للأحكام الفاسدة ومعجبين بها.","vol":"1","page":565},{"text":"<span id=\"aya-930\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٤١)\n١٤١ - افترى المشركون الكذب على الله، بالشرك، وقتل الأولاد والبنات، وفي التشريع والتحليل والتحريم سفها بغير علم، زاعمين أن الله تعالى أمرهم بها، كل ذلك رغم معجزات ودلائل الخلق حولهم والنظام الكوني البديع الذي يبهر ذوي العقول، مما يدلّ على وحدانية الخالق، ومنها نشوء الزروع والبساتين - الجنّات -:\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ المعروشات نباتات الأرياف والعمران من زراعة الإنسان، وغير معروشات من النباتات التي تنمو في البراري، والمعروشات أيضا التي تحتاج للتسلق على العرائش أو على غيرها من النباتات، وغير المعروشات ممّا ينبت على سوقه دون التسلق على غيره ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ وأنشأ أيضا النخل والزرع مختلفا في الهيئة والكيفية وفي الثمار ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ﴾ أنشأهما أيضا، وخصّهما تعالى مع النخل بالذكر لكونها عزيزة عندهم ﴿مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أي أن أكله، وهو الثمار، قد يكون متشابها في المنظر وغير متشابه في الطعم والنكهة، أو أن الزرع متشابه في أصله لكونه من مواد عضوية واحدة، أو متشابه لنشوئه من الماء والبذور المتشابهة، أو متشابه في شكله عندما ينبت صغيرا، وغير متشابه عندما يكبر ويثمر ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وهو زكاة الزروع، فصّلتها السنة الشريفة بأنّ ما سقته السماء، أو العين السائحة، أو سقاه الطلّ - الندى -، أو كان بعلا، ففيه العشر، وما سقته القرب، أي بمجهود كالضخّ، ففيه نصف العشر، ويوم حصاده أي يوم كيله، وقيل إن زكاة الزروع صدقة غير الزكاة المفروضة ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ لا تسرفوا في","vol":"1","page":566},{"text":"الصدقة لدرجة الإجحاف بصاحب المال، وأيضا لا تمنعوا الصدقة، فالمراد من الإسراف هو مجاوزة الحدّ سواء في كثرة الإنفاق، أو كثرة التقتير والبخل، لأنه تعالى لا يحبّ المسرفين.\n\n<span id=\"aya-931\"></span>﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٤٢)\n١٤٢ - ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة، والتقدير: وهو الذي أنشأ جنّات، وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما يفرش للذبح، أو يركب، أو ما ينسج الفرش من وبره وصوفه، والحمولة أيضا الأنعام التي صارت في سن الحمل، والفرش صغارها التي لصغر أجسامها تمشي دانية من الأرض، - وأمّا الحمولة بضمّ الحاء فهي الأحمال، وهي غير الحمولة أي التي تحمل - ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ من لحوم الأنعام ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في التحريم والتحليل من عند أنفسكم، تارة تحرّمون ظهورها للركوب أو الحمل، وتارة تحرّمون أكل لحومها أو ما في بطونها من الحمل ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ عداوته بيّنة لبني آدم، لقوله ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٦٢].\n\n<span id=\"aya-932\"></span>﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٤٣)\n١٤٣ - استمرار الخطاب ممّا قبله، والكلام ما زال في عادات الجاهلية، وتحريمهم ركوب بعض الأنعام وأكل لحوم بعضها، وتقدير الخطاب: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ثمانية أزواج، فيكون ﴿ثَمانِيَةَ﴾ بدل من قوله ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا،﴾ والمقصود تبكيت لهم على تحريم ركوب بعضها، أو الحمل عليها، أو تحريم الحمل الذي في بطونها، وقد يكون تقدير الخطاب أيضا: كلوا ممّا رزقكم","vol":"1","page":567},{"text":"الله ثمانية أزواج -.، وهو تبكيت لهم على تحريم أكل بعض لحومها أو تحريم أكل ما في بطون بعضها من اللبن أو الأجنّة:\n﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ الواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا اجتمع معه غيره من جنسه سمّي كل فرد منهما زوجا، فالزوج ضد الفرد، وكلّ واحد من القرينين الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة يسمّى زوجا وهما زوجان، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [النجم: ٥٣/ ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [هود: ١١/ ٤٠]، وقوله جلّ ثناؤه ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ ثم فسّرها بقوله - من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فالمجموع ثمانية، وقد يطلق الزوج أيضا على مجموع الزوجين ولكنه غير مراد في هذه الآية وإلاّ كانت أربعة أزواج، وعلى هذا تكون كلمة (اثنين) صفة كما في قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [النحل: ١٦/ ٥١]، والزوج أيضا القرين لقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٢] أي وقرناءهم.\n﴿مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ﴾ يعني الذكر والأنثى: الكبش والنعجة ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ﴾ التيس والعنز، ومفردها ماعز ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: أحرّم الله الذكرين الكبش والتيس، أم حرّم الأنثيين النعجة والعنز، أم حرّم الأجنّة التي اشتملت عليها أرحام الأنثيين؟ والاستفهام للإنكار، أي إنه تعالى لم يحرم شيئا من هذه الثلاثة، ومغزى الآية إبراز التناقض والغموض في خرافاتهم التي يفرضونها على أنفسهم وعلى غيرهم ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ يقيني، وليس بالظن أو التخمين أو التقليد ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم بالتحليل والتحريم، والمعنى أنكم لا تقرّون بشريعة سماوية، فكيف تحكمون بأن هذا حلال وهذا حرام، وشريعة أي نبي هذه التي تحرّمون وتحلّون بموجبها؟ والمغزى من كل ذلك أن الأصل في الأمور الحلّ إلاّ ما حرّمه تعالى بالوحي صراحة.","vol":"1","page":568},{"text":"<span id=\"aya-933\"></span>﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٤)\n١٤٤ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ﴾ الجمل والناقة - معطوف على قوله سبحانه ﴿مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ﴾ - ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ﴾ الثور والبقرة ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ الجمل والثور ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الناقة والبقرة ﴿أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا﴾ أية شريعة سماوية هذه التي تستندون عليها؟ لأن العبرة ليست بقولكم أو قول الرهبان والكهنة والسدنة، وإنما العبرة بالعلم اليقيني الذي تنزّل به الوحي ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بأن أطلق أحكاما ونسبها إليه تعالى: ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فينتج عن إطلاق مثل هذه الأحكام إضلال الناس لأن الأحكام التي أطلقوها، بالتحليل والتحريم وغيره، لا تستند على علم، وإنما هي من الافتراء أو التخمين أو التقليد أو الظن ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى طريق الحق، لأن الظلم يصد الناس عن استخدام عقولهم فيما يهديهم إلى الصواب.\n\n<span id=\"aya-934\"></span>﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٥)\n١٤٥ - بعد أن بيّن تعالى فساد أحكام الجاهلية في التحليل والتحريم، أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الموضوع: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ المعنى أنّ التحريم لا يكون إلا بطريق الوحي الذي نزل على النبيّ ﷺ، وأن الأصل في الأشياء هو الحلّ، ولا يحرّم على العباد إلاّ ربّهم، ومن يحرّم ويحلل من عنده فهو مفتر معتد على مقام الربوبية، ومن أطاعه فقد اتخذه شريكا لله في ربوبيته ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي على آكل يأكله ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك","vol":"1","page":569},{"text":"الطعام ﴿مَيْتَةً﴾ وهو ما لم يذبح شرعيا ومنه المنخنقة وغيرها المذكورة في آية [المائدة: ٥/ ٣]، ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ مصبوبا سائلا، ثمّ لا بأس بالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي نجس - قذر -، ويحتمل أن يعود الضمير في (إنه) إلى جميع الأصناف الثلاثة المذكورة آنفا ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ وهو ما ذبح على اسم الأوثان أو الأنصاب أو الآلهة أو الشركاء المزعومين، وأصل الفسق الخروج عن أمر الله، وسمّي الذبح لغير الله فسقا لشناعته، والمعنى أن المحرمات من الطعام هي في هذه الأصناف الأربعة حصرا، انظر أيضا آية [النحل: ١٦/ ١١٥] و[البقرة: ٢/ ١٧٣] و[المائدة: ٥/ ٣]، ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ﴾ في مجاعة، أو تفاديا للهلاك ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ لا يبغي الطعام المحرم ولا يشتهيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ ولا يتعدّى حاجته منه بما يقيه الهلاك ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ممّا يفيد الرخصة للعباد عند الضرورة، ومنه قولهم:\nالضرورات تبيح المحظورات، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في المنار أنّ ما صحّ من الأحاديث في النهي عن طعام غير الأنواع الأربعة المذكورة فهو إما للكراهة وإما لعلة مؤقتة.\n\n<span id=\"aya-935\"></span>﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦)\n١٤٦ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا﴾ وهم اليهود ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهي الطيور والبهائم من ذوات الأظفار والمخالب حرّمت بكاملها، وهو تحريم مختص باليهود فقط لأن الآية صريحة في ذلك، ولأن المحرمات على المسلمين محصورة في الأصناف الأربعة المذكورة آنفا، وأمّا ما روي من الحديث أنه ﷺ حرّم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور، فقد ذكر الرازي أنه ضعيف رغم روايته في الصحيحين، لأنه خبر آحاد مخالف لكتاب الله تعالى","vol":"1","page":570},{"text":"فوجب ألاّ يكون مقبولا، أي إنه ضعّفه من جهة المتن، ولأن ما ورد فيه من لفظ التحريم قد يكون مرويّا بالمعنى لا بلفظ الرسول ﷺ، وقد يكون اللفظ هو الكراهة، وقد قالوا: إن من علامة وضع الحديث مخالفته للقرآن ولكل ما هو قطعي، وخاصة عندما يتعذر الجمع بين الحديث الظني وبين القرآن، وفي هذه الحالة يمكن الجمع بينهما بحمل النهي في الحديث على الكراهة وليس التحريم (المنار)،\n﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لم يحرّم على اليهود من البقر والغنم سوى الشحوم الخالصة التي تنزع منها بسهولة ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ الشحوم التي تشوب الظهر والأمعاء والعظم استثنيت من التحريم ﴿ذلِكَ﴾ الجزاء أو التحريم ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي هذا الجزاء بنتيجة بغيهم وظلمهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ١٦٠]، ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي صدق الله وحده فيما كتبه على البشر من المحرّمات، وكذب اليهود في افترائهم التحليل والتحريم من عند أنفسهم.\nويبدو أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار من عند أنفسهم، انظر سفر (اللاويين ٧/ ٢٣)، لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام حتى اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، ودليل ذلك قوله جلّ ثناؤه ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:\n٣/ ٩٣]، ثمّ جاء المسيح ﵇ ليحلّ لليهود بعض ما حرّموه على أنفسهم:\n﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٠]، لأن اليهود كانوا يتّبعون أحبارهم فيما يدخلون على الشريعة من أحكام وتشريعات حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١]، فكانوا يأخذون بأقوال الأحبار والرهبان فيما يتعلق","vol":"1","page":571},{"text":"بالتحريم والتحليل ولو كان في أصل الشريعة ما يخالفها، وهو سبب عقوبته تعالى لهم، وهي معنى قوله ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ والجزاء من سنن الله في خلقه بأنه من يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أن الله تعالى سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب التحريم وما يترتب عليه من معاناتهم إلى ذاته العليّة، وقد ذكر محمد أسد في (رسالة القرآن) أن تحريم الطيبات على اليهود ليس مقتصرا على الطعام وإنما كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا الأنبياء وتآمروا على قتل المسيح، ثم تآمروا على قتل النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-936\"></span>﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٤٧)\n١٤٧ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي المشركون أو اليهود إن كذّبوك في النبوة، وفي التحليل والتحريم ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ فلا يعجل عليكم بالعقوبة، ويمهلكم لحصول التوبة ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ المصرّين على المعصية، فالعذاب واقع بهم لا محالة.\n\n<span id=\"aya-937\"></span>﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨)\n١٤٨ - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ يدّعون الجبرية، وهذه هي الحجة الأخيرة - ذكرها تعالى بصيغة المستقبل - التي يلوذ بها المصرّون على الشرك، والمكابرون في إنكار النبوّة، والذين يحكمون في الدين بغير حجة ولا دليل، ويحرّمون ويحلّون ويبتدعون الشرائع من عند أنفسهم، فإذا تبيّن لهم الحق وأيقنوا أنهم على الباطل لم يذعنوا ولم يقرّوا، بل يزعمون أنهم مجبرون، مسيّرون وفق المشيئة الإلهية، وأنه تعالى لو لم يكن راضيا بما هم عليه من العقيدة لما تركهم على ما هم عليه ﴿وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي لو شاء الله ما","vol":"1","page":572},{"text":"أشركنا ولا أشرك آباؤنا، ولا حرّمنا من الحرث والأنعام ما نحرّم، ولا شرّعنا ما نشرّع، كأنهم غير مخيّرين في استخدام ملكاتهم العقلية، وقد أجابهم تعالى بقوله ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أي إن مثل هذا القول كذب، سبقكم إليه أقوام من قبلكم وأصرّوا عليه، حتى استوجبوا لأنفسهم العذاب ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أي هل عندكم من علم يقيني فتظهروه لنا؟ بأن الله قد أمركم بتعطيل عقولكم؟ أو للبرهان على ما تدّعونه من الجبرية، وأن ما تقومون به مقدّر ومحتّم عليكم؟ ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ والظن لا يغني عن العلم ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ أي تكذبون الكذب المبني على الحزر والتخمين.\n\n<span id=\"aya-938\"></span>﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤٩)\n١٤٩ - ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ أي أنّ حجّتكم بالجبرية باطلة، لأن الله تعالى أزال الأعذار والموانع عنكم، وأعطاكم العقول والأفهام، وأمكنكم من حرية الخيار، وأقدركم على الخير والشر، فإن شئتم عملتم صالحا، وإن شئتم عملتم بالمعاصي والمنكرات، وأمّا علم الله القديم بما هو كائن وما سوف يكون، وبالتالي أن لا مفر ممّا هو مقدّر، والذي هو من صفات الألوهية، فليس من الجبرية ولا يناقض الحرية التي منحها تعالى للبشر ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي لو كان هنالك جبرية لكانت في حملكم على الإيمان والطاعة وليس العكس، ولكن الإجبار على الإيمان، والإكراه على الطاعة يبطلان الحكمة من التكليف ويجرّدان الأخلاق والفضيلة من معناها.\n\n<span id=\"aya-939\"></span>﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١٥٠)\n١٥٠ - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا﴾ المطلوب إحضار جماعة من أهل العلم، أو كتب سماوية غير محرّفة، تشهد بصحة ما","vol":"1","page":573},{"text":"يدّعون من التحريم، وفي ذلك عودة واستكمال للآية (١١٨)، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ لأن الشهداء في هذه الحالة متحاملون متحيّزون، وكتبهم محرّفة طرأ عليها التبديل والتشويه، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ فالمراد به عامة المسلمين ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ نهي عن اتباع الكفار، كالذين يسمّون أنفسهم علمانيين، لأن أفكارهم مبنية على:\n١) اتباع الهوى وتكذيب الآيات.\n٢) إنكار البعث والحساب.\n٣) أنهم يعدلون بربّهم قوى غامضة، كادّعائهم أن الكون قد أوجد نفسه بنفسه، أو وجد بطريق الصدفة، وغير ذلك من نظرياتهم «العلمية».\n\n<span id=\"aya-940\"></span>﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٥١)\n١٥١ - بعد أن بيّن تعالى فساد ما ابتدعه ويبتدعه المشركون من عند أنفسهم في التحريم والتحليل، وتمسكهم بطقوس شكلية سخيفة كتحريم لحوم بعض الأنعام، وتحريم ركوب بعضها الآخر، وتخصيص ما في بطون بعضها للذكور دون الإناث وغيره، في حين أنهم يتساهلون في أمور جوهرية عظيمة كالشرك بالله، وقتل الأولاد والبنات، أتبع في الآيات التالية بيان الأشياء الجوهرية التي حرّمها الوحي، والتي لا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إلا بتجنبها ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.\n﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ عليكم ألاّ تشركوا بالله شيئا، كالأصنام والأوثان والكواكب والجن والأولياء والقبور والشفعاء والبنين والبنات، وبما أنه تعالى غنيّ عن العالمين فإن تحريم الشرك لا يفيد سوى العباد لأنه يحررهم من وهم","vol":"1","page":574},{"text":"الخرافات، ومن العبودية لأشخاص وأشياء لا تضر ولا تنفع، وبذلك يحافظ الإنسان على كرامته.\n﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ حرّم عليكم الإساءة إلى الوالدين، بل أمركم بالإحسان إليهما إحسانا، وقد تكرر في القرآن الأمر بالإحسان للوالدين، بعد الأمر بعبادة الله وحده.\n﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أي من فقر، كما كانوا يفعلون في الجاهلية ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ التحريم غير مقتصر على وأد البنات وقتل الأولاد في الجاهلية، فقد يتعدّاه إلى تحريم الإجهاض،\n﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ الفواحش جمع فاحشة، وهي كل ما جاوز الحد مما تستقبحه الفطرة السليمة والعقل الراجح، والمقصود بها المعصية الكبيرة، وكانوا يطلقونها على الزنا واللواط وشدة البخل والربا الفاحش والقذف بالفحشاء والبذاءة المتناهية وغيرها، والآية تنهى عن الفواحش الظاهر منها والباطن، والمعنى لا يكون لديكم مقاييس أخلاقية مزدوجة، إذ لا يخفف من الفاحشة كونها سرّا، بل قد يكون ذلك سببا لانخداع الناس بمرتكبيها، ولا يمنع ذلك أن الجهر بالفواحش في حد ذاته يعد فحشا لأنه يشجع الفساد في المجتمع، ويفسد الأفراد من ذوي الفطرة السليمة.\n﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ قتل النفس وإن كان داخلا في جملة الفواحش، فقد أفرده تعالى بالذكر تعظيما له ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ يجوز قتل النفس لجرم يصدر منها كقتل القاتل عمدا بشرطه، أو القتل دفاعا عن النفس، أو القتل في حرب عادلة دفاعية، والأصل في قتل النفس، مسلم أو غير مسلم، هو الحرمة، وحلّه يحتاج لدليل منفصل.\n﴿ذلِكُمْ﴾ إشارة إلى كل المحرّمات المذكورة، ولا يخفى الإعجاز في ترتيبها على هذا النحو ﴿وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وصّاكم بعدم انتهاك حرمتها، لعلكم تستعملون عقولكم في معرفة فوائد هذه الوصايا وتطبيقها.","vol":"1","page":575},{"text":"<span id=\"aya-941\"></span>﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١٥٢)\n١٥٢ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ تتمة المحرّمات من الآية السابقة، حرّم تعالى على وليّ اليتيم أن يأخذ من مال مكفوله إلاّ بالتي هي أحسن، كالسعي في تنمية المال لصالح اليتيم، وإن كان الوليّ فقيرا يأكل من المال بالمعروف، وإن كان غنيا يعفّ عنه [النساء: ٤/ ٦]، ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي حافظوا على مال اليتيم حتى يبلغ سن الرشد ثم ادفعوه إليه، انظر [البقرة: ٢/ ٢٢٠] و[النساء: ٤/ ٦].\n﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ وهو تحريم الغش والاحتيال، وتشمل جميع المعاملات بين الناس أن تكون بالقسط - العدل -، وليس فقط معاملات البيع والشراء والتجارة ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ وهي قاعدة اليسر ونفي العسر، وحصر التكليف بما في الوسع، ورفع الحرج فيما عدا ذلك، حتى لا يتحمل الناس ما يشق عليهم كالدقة الشديدة في الوزن والحساب.\n﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وهو تحريم شهادة الزور وتحريم النفاق، ووجوب العدل في الشهادة، وفي إبداء الرأي، وفي التحكيم، وعدم محاباة الأقرباء على حساب العدالة.\n﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ وهو تحريم الغدر والنكث بالعقود، ووجوب الوفاء بالعهد الذي قطعه الإنسان مع خالقه [البقرة: ٢/ ٢٧]، والوفاء بالعهد الذي يبرمه الإنسان مع غيره من الناس [الإسراء: ١٧/ ٣٤]، ﴿ذلِكُمْ﴾ وهي المحرّمات المشار إليها في هذه الآية ﴿وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أمركم بتذكّرها وباجتناب مخالفتها.","vol":"1","page":576},{"text":"<span id=\"aya-942\"></span>﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٥٣)\n١٥٣ - ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي وقل لهم أيها النبي: إن هذا صراطي، أي صراط الإسلام، أو هو القرآن الكريم، مستقيما أي قويما لا اعوجاج به عن الحق ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأخرى، أي الطرق الأخرى، من ديانات شوّهها أو ابتكرها أصحابها، ومن عقائد وضعية ابتكرها البشر ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لأن كل هذه السبل تفرّقكم عن سبيل الإسلام فرقا متشعبة ﴿ذلِكُمْ﴾ التمسك بالإسلام وترك السبل الأخرى ﴿وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعلكم بالتمسك بطريق الإسلام تتقون تفكك المجتمعات وتدهورها، أي تتقون الضرر العام الذي يلحق بالأمة، والضرر الخاص الذي يلحق بالفرد.\n\n<span id=\"aya-943\"></span>﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٤)\n١٥٤ - استمرار الخطاب من الآية (١٤٦)﴾، فبعد أن ذكر تعالى المحرمات على بني إسرائيل بنتيجة بغيهم، أتبعها بنزول التوراة على موسى إتماما لنعمته عليهم وتفصيلا لشريعتهم، وقالوا أيضا ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف بمعنى الواو، ونظيره كثير في التنزيل، انظر إعراب القرآن للزجاج الباب الثالث، والآية أيضا استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى هذا صراط القرآن ومن قبله كتاب موسى، وقد يكون التقدير أيضا: ثم قل أيها النبي للمشركين أنّا ﴿آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي آتينا موسى التوراة لإتمام نعمتنا تماما على من أحسن باتباع موسى والاهتداء به ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أمور الشريعة والمعاملات والعبادات في وقته ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ هدى لهم من التخبط في الضلال، ورحمة لهم في دنياهم وآخرتهم ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لعلّ اليهود بعد نزول التوراة يؤمنون بالآخرة، فيشعرون بالمسؤولية ويستعدّون للحساب.","vol":"1","page":577},{"text":"<span id=\"aya-944\"></span>﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٥٥)\n١٥٥ - ﴿وَهذا كِتابٌ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ كثير الخيرات والمنافع، لا يدخل عليه التحريف والتغيير ولا النسخ ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ اتّبعوا ما هداكم إليه ﴿وَاِتَّقُوا﴾ إتّباع غيره ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لعلكم - باتباعه - ترحمون، بالعيش الرغد في الحياة الدنيا، وبثواب الآخرة، وفي هذه الآية تأكيد واستكمال للآيات (١٩) و(٩٢) و(١١٥).\n\n<span id=\"aya-945\"></span>﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ (١٥٦)\n١٥٦ - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي كراهة أن تقولوا، أو لئلاّ تقولوا، أن الوحي نزل من قبلنا على اليهود والنصارى ولم ينزل علينا، والمعنى أنه تعالى لم يترك للناس عذرا بادعاء الجهل بعد بعث النبي محمد ﷺ وبعد إنزال القرآن للعالمين كافة ﴿وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ لأنّ موسى وعيسى ﵉ بعثا إلى بني إسرائيل خاصة، فكنّا غافلين عن دراسة رسالتهما.\n\n<span id=\"aya-946\"></span>﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ (١٥٧)\n١٥٧ - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ﴾ مع أن الخطاب موجّه لمشركي الجزيرة العربية وقت البعثة النبوية، لكنه غير مقتصر عليهم وينطبق على المشركين والكفار، في كل الأوقات، ممّن يرفض الإيمان بالوحي ما لم يكن قد تنزّل عليهم خاصّة ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم طلاّب حقيقة، فقد جاءكم القرآن الكريم يبيّن لكم الحق من الباطل ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ﴾ بعدما","vol":"1","page":578},{"text":"جاءته البيّنة وعرف صحتها وصدقها، أو كانت عنده الإمكانية لمعرفة صحتها وصدقها ﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ أعرض عنها بلا تفكّر، أو أعرض عنها وصرف الناس عنها ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ العذاب سيكون نتيجة طبيعية لإعراضهم عن الآيات، وعدم تفكّرهم بها، وصرفهم الناس عنها.\n\n<span id=\"aya-947\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٥٨)\n١٥٨ - وهنا تعود السورة لموضوع الآية (١٢٤)﴾: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي ماذا ينتظر هؤلاء المعرضون بعد بعثة النبي ﷺ وبعد نزول القرآن رحمة للعالمين إذا لم يؤمنوا، فليس بعد ذلك إلا أحد ثلاث: ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ملائكة العذاب ساعة الموت ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يوم القيامة، بمعنى يأتي أمر ربّك بالعذاب - بحذف المضاف - ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أي من آياته القاهرة، أو من علامات الساعة ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾ لأنه بعد ظهور علامات الساعة، وكشف الحجب عن الغيب، يكون فات أوان التكليف والاختبار، ولأن الآيات إذا شوهدت يحصل العلم الاضطراري، وينتفي الإيمان بالغيب، وهو المكلف به الإنسان، فيكون الإيمان وقتها كالإيمان عند الغرغرة، فحينئذ لا ينفع الإيمان نفسا ما آمنت قبل ذلك، وما كسبت في إيمانها خيرا قبل ذلك.\nوقد أوجب تعالى العمل الصالح مقرونا بالإيمان في الكثير من الآيات، وقد رأى الزمخشري أنه تعالى لم يفرّق بين النفس الكافرة إذا آمنت بعد الفوات، وبين النفس التي آمنت قبل الفوات ولم تكسب خيرا، ليعلم أنّ قوله - الذين آمنوا وعملوا الصالحات - هو جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفكّ إحداهما عن","vol":"1","page":579},{"text":"الأخرى، وفي الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها كلمة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».\n﴿قُلِ اِنْتَظِرُوا﴾ أوهامكم بلا طائل ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تحقق وعد ربّنا لنا ولكم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ [محمد: ٤٧/ ١٨].\n\n<span id=\"aya-948\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١٥٩)\n١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا﴾ الذين فرّقوا - أو فارقوا - دينهم فجعلوه فرقا وطوائفا، فلم يكسبوا في إيمانهم خيرا - لأن الخطاب استمرار لما قبله -، كل فرقة تتشيّع لمذهبها، وتبتدع من عندها وعلى هواها ما ليس في الدين، وهذا المعنى ينصرف بشكل رئيسي إلى اليهود والمسيحية لأنهم ابتدعوا لأنفسهم ديانات جديدة منحرفة، ليس لها من بعثة موسى وعيسى ﵉ إلا الإسم، ثم افترقوا مئات الطوائف، انظر تفسير [آل عمران: ٣/ ٣] و[المائدة: ٥/ ١٣ - ١٤، ٤٧].\nومن ناحية أخرى فإنّ هذه الآية متمّمة لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٣]، فهي بالتالي تحذّر المسلمين من البدع والأهواء، ومن التشرذم إلى طوائف متعصبة كل طائفة منها تظنّ وتدّعي أن الدين الصحيح حكر عليها فقط، وتعادي من ليسوا على رأيها.\n﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أنت منهم ومن بدعهم ومن ادّعاءاتهم ومن ضيق أفقهم ومن تفرّقهم، أيها النبي، بريء ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ﴾ يتولّى أمر جزائهم بمقتضى سننه في المجتمع البشري من ضعف المتفرقين وإخفاقهم وتسلط الأقوياء عليهم، فيلبسهم شيعا يذيق بعضهم بأس بعض، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [محمد ٤٧/ ٢٢].","vol":"1","page":580},{"text":"﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فيبين لهم الصحيح من الخطأ، ويحاسب عليه كما في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-949\"></span>﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٦٠)\n١٦٠ - ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة بأن من يتجنّب الفرقة والبدع والتشيّع والتعصب لطائفة بذاتها ويحافظ على استقلال الفكر وينهل فقط من القرآن والسنة الصحيحة فيكون محسنا ويثاب أضعاف إحسانه، ومن كان ضيق الأفق مبتدعا متعصبا لرأيه معجبا به، تبعا لطائفة معينة يتشيّع لها، ويعتقد أن الحقيقة حكرا عليها، أو طلبا لمطمع دنيوي، فيكون مسيئا ويجزى بسيئته، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لأن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة، الآية (١٢).\n\n<span id=\"aya-950\"></span>﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٦١)\n١٦١ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام، والآية تتمة المعنى من الآية (١٥٩) والآية (١٥٣) وهو قوله تعالى:\n﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١٥٣)، كما فيها عودة لقصة إبراهيم الآية (٧٤)﴾.\n﴿دِينًا قِيَمًا﴾ فهو منظومة من القيم السامية، قال تعالى: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البيّنة: ٩٨/ ٥]، لا تعقيد فيه ولا عسر ولا شرك، وهو دين العقل والعلم والبرهان.\n﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ حنيفا أي مائلا عن الأديان الباطلة، بعيدا عن البدع والخرافات والشرك، والإشارة إلى ملّة إبراهيم دون غيره من الرسل لأن اليهود","vol":"1","page":581},{"text":"والنصارى ومشركي العرب جميعا كانوا يقرّون بنبوته ويدّعون أنهم أتباعه ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لأنهم كانوا يدّعون أنهم على ملّته ﵇، وهو لم يكن مشركا.\n\n<span id=\"aya-951\"></span>﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٢)\n١٦٢ - ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وهو بيان إجمالي لتوحيد الألوهية بالعمل، بعد بيان أصل التوحيد المجرّد بالإيمان في الآية السابقة، وأصل النسك العبادة، وقد يخصص ليكون بمعنى ذبيحة الحج أو العمرة أو ذبيحة الفدية كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ٢/ ١٩٦]، والجمع بين الصلاة والنسك مذكور بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٧٤/ ٢]، وقد يكون النسك بمعنى الحج لاشتماله على الهدي.\nوكون المحيا والممات لله بمعنى أنّ الأعمال الصالحة التي يقوم بها في حياته ويموت عليها وعلى الإيمان، كلّها خالصة لله تعالى، وليست لأغراض دنيوية محضة.\n\n<span id=\"aya-952\"></span>﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٦٣)\n١٦٣ - ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في ربوبيته، ولا في عبادتي، ولا في نسكي له ﴿وَبِذلِكَ أُمِرْتُ﴾ أي بإخلاص العقيدة والعبادة والعمل لوجهه فقط - الآية السابقة - ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي إنه ﷺ أكمل المؤمنين إسلاما، في الإيمان والصلاة والنسك والمحيا والممات.\n\n<span id=\"aya-953\"></span>﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾.","vol":"1","page":582},{"text":"١٦٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فكيف تفوتكم هذه البديهية؟ لأن الله هو ربّ كل شيء، فكيف أتخذ ربّا غيره؟ ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها﴾ الشرك والباطل الذي تؤمنون به يعود بالضرر على صاحبه وحده، ولا يضيرني شيئا ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الوزر هو الحمل الثقيل، وهو أيضا الإثم لأنه يثقل صاحبه، والمعنى أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى، أو لا تأثم آثمة بإثم أخرى، وهو مبدأ المسؤولية الفردية في الإسلام بأن لا يحمل أحد ذنب غيره، لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن أوثانهم ترفع عنهم الضرر وتحمل عنهم أوزارهم فلا يعاقبهم الله تعالى عليها، أو أن بعضهم يستطيع أن يحمل إثم بعض، ومن جهة ثانية فقد اخترعت المسيحية فكرة «الخطيئة الأصلية» وابتدعوا أن المسيح افتدى واحتمل خطاياهم سلفا نيابة عنهم ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ فيحاسبكم كلاّ بعمله، وليس بعمل غيره ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ كتهافت إدعاء حمل الخطيئة نيابة عن الآخرين.\n\n<span id=\"aya-954\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٥)\n١٦٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ تخلفون بعضكم بعضا في الأرض على مرّ العصور، فلا تدوم أمة على حالها ولا مجتمع ولا فرد، فتكون الأيام بينكم دولا، وترتفع أمم وتهبط أمم، وتندثر أمم ومجتمعات، كل ذلك بحسب السنن التي وضعها تعالى في خلقه ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالرزق والعلم والعقل والجاه وغيرها ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ الابتلاء هو الاختبار، فتكون مسؤولية كلّ مكلّف بحسب ما آتاه الله من درجات العلم أو الغنى أو المقدرة أو السلطة ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن كفر النعمة، فيلاقي","vol":"1","page":583},{"text":"كلّ إنسان نتيجة عمله، ووصف العقاب بالسرعة لأن الموت أقرب بعيد، وكل آت قريب ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر الذنوب، ويمهل العباد، ويستر الذنوب.\n***","vol":"1","page":584},{"text":"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\n﷽\n﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾\n[الحجر ٩٠/ ١٥ - ٩٣]","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-985>مقدّمة الربع الثاني</span>\nالقرآن الكريم منظومة متسلسلة من أوله حتى آخره، وهذا التسلسل ينطبق على الآيات القرآنية في كل سورة على حدة، كما ينطبق على ترتيب السور جميعا من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وقد بدأ المؤلف في كتابه بيان النظم في القرآن الكريم بالربع الرابع منه، أي من سورة غافر (٤٠)، وحتى سورة الناس (١١٤)، ونشره في كتابه (بيان النظم في القرآن الكريم)، ثم صدر بيان النظم في الربع الأول منه، أي من سورة الفاتحة (١)، حتى سورة الأنعام (٦)،\nوفي هذا الكتاب بيان النظم في الربع الثاني منه، أي سورة الأعراف (٧)، حتى سورة الكهف (١٨)، وسوف يتبعه صدور الربع الثالث منه، إن شاء الله تعالى.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين\n\nجماد أول ١٤٢٥ - تموز/يوليو ٢٠٠٤\nمحمد فاروق الزين\nالبريد الإلكتروني  faruk@zein.org","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-986>مراجع الكتاب:</span>\n١ - رسالة القرآن - محمد أسد  The Message of the Quran،Muhammad Asad\n٢ - تفسير المنار - الشيخ محمد رشيد رضا.\n٣ - التفسير الكبير - الرازي.\n٤ - الكشاف - الزمخشري.\n٥ - روح المعاني - الألوسي.\n٦ - تفهيم القرآن - سيد أبو الأعلى المودودي.\n٧ - جامع أحكام القرآن - القرطبي.\n٨ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي.\n٩ - أنوار التنزيل - البيضاوي.\n***","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-987>مقدّمة الربع الرابع </span>[¬*]\n﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت ٤٤/ ٤١]\nتتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن البعض، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن حتى أنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم.\nوالمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم، الوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة وطبقا لمتطلباتها في كل مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب\n_________\n[¬*] (تعليق الشاملة): بدأ الكاتب بالربع الرابع من القرآن الكريم، ونشره أولا، ثم نشر الربع الأول ثم الثاني ثم الثالث، تباعًا\nلهذا جاءت مقدمة الربع الرابع مفصلة، فأعادها في بداية الأرباع الأخرى","vol":"2","page":11},{"text":"السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد فإنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦/ ١٧]، وما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة.\nفالوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى،\nفهنالك إذن نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما: الأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنالك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار أن يأتوا بسورة من مثله، والنقطة الثانية أن ترتيب","vol":"2","page":12},{"text":"السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب في بيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض.\nوإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ.\nوليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هـ ١٢٠٨ / م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هـ ١٨٥٤ / م) في تفسيره (روح المعاني) ذات المحاولة الجزئية، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا،\nوقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هـ ١٣٩٢ / م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: «معرفة المناسبات بين الآيات» فكتب:؟ «وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة»، وكتب أيضا: «قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ، وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له»، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: «أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه","vol":"2","page":13},{"text":"من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هـ ٩٣٦ / م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قريء عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة» انتهى.\nوقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم ابن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هـ ١٤٨٠ / م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: «هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه» فلم يخل من التصنّع والتكلّف.\nومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ٤٦/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام ٦٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٠٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ [الإسراء ٤١/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الإسراء ٨٩/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف ٥٤/ ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠/ ٢٥].","vol":"2","page":14},{"text":"وهنالك أيضا آيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أو سورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية.\nوتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم وبالتالي عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك.\nمعظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هـ ١٠٧٥ / م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١٠ هـ ١٥٠٥ / م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السيرة والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم - عدا الفاتحة -، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسم قليل من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يعتبرها البعض ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!.\nواليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذا إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن البعض منها قد يناقض","vol":"2","page":15},{"text":"بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: \"نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها».\nوالنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشير الآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) - في نهاية الربع الرابع - الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص بها والتعامل معها بحذر شديد.\nكما يبين الملحق (ب) - في نهاية الربع الرابع - أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده.\nوقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه «إحياء علوم الدين» أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه،\nأولا: حين ينصرف همّ القارئ إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل إليه أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟.\nثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له.\nثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا.","vol":"2","page":16},{"text":"رابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة.\nومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني وبالتالي المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاث مواضيع:\n١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض.\n٢ - بيان موضوع كل سورة أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله.\n٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة.\nوفي العصر الحديث، وفي الباكستان تحديدا، قام أحد علمائها وهو مولانا أمين احسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا.\nوقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، مما يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عندما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه \"نظم الدرر\" في كثير من الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف ٩٩/ ١٨]، فالواو في قوله:","vol":"2","page":17},{"text":"(وتركنا) واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.\n\nشوال ١٤٢٣ هـ - كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٢ م\nمحمد فاروق الزين\nالبريد الإلكتروني  faruk@zein.org\n***","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-988>سورة الأعراف - ٧ - مكية</span>\nيعود اسم هذه السورة لعبارة - الأعراف - التي وردت في الآيتين (٤٦) و(٤٨)، وهنالك شبه إجماع أن السورة مكية بكاملها، وقد نزلت الأعراف قبل سورة الأنعام مباشرة، أي في السنة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، قبل هجرته إلى المدينة، وأما سبب تأخير نزول الأنعام فهو مبني على ما هو معلوم من التدريج في تلقين الدين ومراعاة استعداد المخاطبين فيه، وفي الأعراف قصص النبيين الذين بعثوا إلى الأمم البائدة، وقصة موسى مع قومه، وإظهار العبر منها بما يدور حول محور السورة، والفرق ظاهر بين ما يراعى من الترتيب في دعوة المشركين وقت البعثة، وما يراعى في تلاوة المؤمنين للقرآن بعد ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-989>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي أواخر سورة الأنعام المتقدمة قرأنا قوله تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام ١٥٥/ ٦]، وتفتتح سورة الأعراف أن القرآن ذكرى للمؤمنين، وإنذار للكفار: ﴿المص * كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف ١/ ٧ - ٢]، وفيه تفصيل كل ما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين والعقائد، ومشتمل على العلم اليقيني لعالم الشهادة والغيب: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ٥٢/ ٧]،\nوقد ختمت سورة الأنعام أن الله تعالى رفع بعض الناس فوق بعضهم درجات ليختبرهم فيما آتاهم من العلم أو الغنى أو المقدرة أو السلطة: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦]، وتبدأ سورة","vol":"2","page":19},{"text":"الأعراف بأنهم مسؤولون عن ذلك: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ٧]،\nوفي سورة الأنعام قرأنا نفي الجبرية وذم التقليد بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام ١٤٨/ ٦]، وفي هذه السورة أنهم يعتذرون عن ارتكاب الفواحش بالتقليد: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٨/ ٧]،\nوفي سورة الأنعام بيان ما يحرم أكله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦]، وفي هذه السورة تحريم الفواحش عموما: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣/ ٧]،\n\n<span data-type='title' id=toc-990>محور سورة الأعراف</span>\nتركيز السورة على موضوع الدعوة إلى الإسلام وطريقتها وأسلوبها ومسؤوليتها، وخاصة لمن هم على معرفة - أصحاب الأعراف -، وأن حرية الفكر والقدوة الحسنة تمهد الطريق لها، وأن الإيمان مغروس في بني آدم بالفطرة، سوى أن الاستكبار والإعجاب بالنفس يفسد الفطرة، ويؤدي إلى التكذيب، انظر الآيات (٢٠٦، ١٤٦، ٨٨، ٧٦، ٧٥، ٤٨، ٤٠، ٣٦، ١٣) في ذمّ الاستكبار.","vol":"2","page":20},{"text":"وأنه بعد نزول القرآن الكريم صار المسلمون في موقع المسؤولية للعمل بالقرآن: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦)، كما صار العلماء والدعاة في موقع المسؤولية ليس فقط للعمل بالقرآن، بل أيضا لإنذار المشركين وتذكير المؤمنين (الآية ١ - ٢)، وأنّ أصل معصية بني آدم تكمن في الاستكبار والاعتداد بالنفس كما هي حال إبليس: ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ في حين الاستكبار يؤدي بصاحبه إلى نقيضه من الذلّ والصّغار: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (١٣)، وأن وساوس إبليس من هذا القبيل تعمل في بني آدم بكل وسيلة: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (١٧)، فإذا اجتمع التكذيب بالآيات مع الاستكبار كانت النتيجة حبوط العمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤٠)،\nوأن هنالك من الناس من هم على مستوى عال من المعرفة - على الأعراف -، يستطيعون التمييز جيدا بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، والإيمان والكفر، ولكنهم غير ملتزمين ولا مكترثين للعمل الصالح فلم يتحمّلوا مسؤولياتهم، غير أنهم في الوقت نفسه لم يصدّوا عن سبيل الله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (٤٦)،\nوأن دأب المؤمنين الحرص على حرية الرأي بما يهيئ المناخ الفكري لانتشار الدعوة بالقناعة وبالقدوة الحسنة: ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٧)، على النقيض من الكفار الذين يخشون الحرية الفكرية خوفا من انتشار الدعوة: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ (٨٨)،","vol":"2","page":21},{"text":"وأن حمل الرسالة السماوية مسؤولية تتطلب من التضحيات (٦)، لكن بني إسرائيل ظنّوا الرسالة استعلاء وتمييزا لهم على غيرهم من الأمم فاستكبروا حتى لاقى موسى منهم أشد العنت: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٩)، فمن شأن الاستكبار أن يصرف أصحابه عن بلوغ الحقيقة وسلوك الرشد: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٤٦)،\nولكن الله تعالى يمهل الناس لأنّ رحمته وسعت كل شيء وهي تنال خاصة من اتّبع رسالة خاتم الأنبياء والرسل: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٦ - ١٥٧)،\nوأن الإيمان مغروس في بني آدم بالفطرة، فمن تفسد فطرته بالركون إلى الدنيا يغفل وينحرف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٧٢ - ١٧٤)، وأن الوحي الذي نزل على الأنبياء ليس سوى تذكرة بهذا الميثاق الفطري، ولذا سمّي الوحي ذكرا، انظر الآيات (٦٣) و(٦٩)،","vol":"2","page":22},{"text":"ثم تبين السورة خلاصة جامعة لمكارم الأخلاق في طريقة الدعوة، وفي حسن التعامل مع الناس وفي التيسير وترك التشدد ونفي الحرج والرفق واللطف والتسامح وترك الغلظة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (١٩٩)،\nومن آداب الدعوة، الاستماع لما في القرآن من الحجج البيّنات، استماع تفهّم وتفكّر واستيعاب، وفي ذلك عودة إلى الآية (٣) من السورة: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤)، ثم تعود للتذكير أن الاستكبار والإيمان لا يجتمعان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢٠٦)،\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-955\"></span>﴿المص﴾ (١)\n١ - الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-956\"></span>﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ الكتاب هو القرآن، والحرج هو ضيق الصدر، وأصله من الحرج ذي الشجر الكثيف الذي يضيق المرور فيه، والمعنى لا يضيق صدرك - أيها النبي، أو أيها الداعية - عن إنذار الكافرين بالقرآن، وتذكير المؤمنين، والذين لديهم قابلية للإيمان، وقالوا أيضا إن الحرج هو الشك، لأن الشاكّ يكون ضيّق الصدر، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ فهو أيضا عام لجميع المؤمنين في كل العصور، والواضح أنّ الحرج أو الشك ليس في كون القرآن منزلا منه تعالى، فذلك ليس موضع حرج ولا شك من النبي ﷺ ولا من المؤمنين، فالضمير في ﴿مِنْهُ﴾ غير عائد للكتاب، وإنما الحرج المنهي عنه هو في الإنذار والتذكير، لأنّ الهدف الذي تنص عليه الآية ذو شقّين.","vol":"2","page":23},{"text":"أولا: بلاغ وإنذار الكفار الذين يرفضون الوحي القرآني، لقوله ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي بالكتاب المنزل.\nوثانيا: تذكير المؤمنين كي يهتدوا بهداه، لقوله ﴿وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ليكون القرآن ذكرى للمؤمنين، وهكذا يعود الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ إلى الإنذار والتذكير،\nفيكون تقدير الخطاب: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وليكون ذكرى للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج من الإنذار والتذكير، أما سبب تقديم النهي عن الحرج، على الإنذار والتذكير، فقد ذكر الرازي أن الإنذار والتذكير لا يتم إلا إذا انتفى الحرج من الصدر أوّلا، والمعنى لا يضيق صدرك من تكذيب المكذبين، ومن المهم ملاحظة وصف القرآن بأنه ذكرى، من حيث إنه تذكير بالميثاق المأخوذ على بني آدم، المذكور في الآية (١٧٢) من هذه السورة،\n\n<span id=\"aya-957\"></span>﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)\n٣ - انتقال الخطاب من الرسول والدعاة، إلى الناس عامة: ﴿اِتَّبِعُوا﴾ أيها الناس ﴿ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ من الوحي القرآني ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ من البشر فتولّوهم أموركم وتطيعوهم بحسب هواهم، وفي التحليل والتحريم وفي الابتداع، ولا تتخذوا من البشر آلهة ولا قدّيسين ولا باباوات كما فعل النصارى، ولا تتخذوا منهم أولياء متوهمين أنهم بصلاحهم يقربونكم إلى الله زلفى، ولا تعتقدوا، أيها المؤمنون، أنّ آراء العلماء ملزمة للناس فتلتزموا بها كما لو كانت قرآنا منزلا أو سنّة نبوية، فالعلماء والأمراء لا يتّبعون لذواتهم وآرائهم، ولكنّ الاتّباع هو للقرآن والسنة حسب علمهم وتفسيرهم وشرحهم، وما على العلماء إلاّ بيان ما أنزل الله وتبليغه وإرشاد الناس لفهمه ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي ما أقل تذكّركم لهذه الحقيقة، وما أكثر اتخاذكم أولياء من دون الله،\n\n<span id=\"aya-958\"></span>﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ (٤)\n٤ - فعندما تغفل المجتمعات عن الوحي الإلهي، وتغتر بالرخاء المادي، وبالأمن","vol":"2","page":24},{"text":"والسلطة التي قد تتمتع بها، وتظن أن ذلك علامة على استحقاقها، وتشعر أنها في منتهى الاطمئنان والتحكم في دنياها، مستبعدة العاقبة والحساب، تكون نتيجتها الطبيعية إلى زوال: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ القرية في عرف القرآن هي المجتمع، ومجيء البأس بياتا بمعنى ليلا والناس نائمون مطمئنون، أو هم قائلون أي خلال فترة القيلولة، والمغزى أنهم في منتهى الغفلة، والأمثلة على ذلك كثيرة كما سوف يرد بالتفصيل بالآيات (٥٩ - ١٧١)،\n\n<span id=\"aya-959\"></span>﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ما كان قولهم إلاّ الندم والحسرة والمعذرة بعد فوات الأوان، وهي الأمم والمجتمعات التي غفلت، ثم تدهورت وأصابها الانحلال والفساد والاضمحلال، والأمم قلّما تشعر بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة، ولا ينفعها بعد ذلك قول العارفين أنّهم كانوا ظالمين،\n\n<span id=\"aya-960\"></span>﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ المسؤولية متحققة بعد نزول الرسالات السماوية، ولا يفيد الأمم والمجتمعات الندم أو ادّعاء الجهل، فهي مسؤولة عن أعمالها بعد أن جاءتها الأنبياء والرسل بالنذر والذكرى ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ فما على الرسل إلاّ البلاغ، انظر شرح آية [المائدة ١٠٩/ ٥].\n\n<span id=\"aya-961\"></span>﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أصل القصّ تتبع الأثر، والمقصود يعرض على الناس سجل أعمالهم المحفوظ عليهم، يحاسبون به وقت البعث ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ عمّا كانوا يعملون في الحياة الدنيا، انظر آية [الإسراء ١٣/ ١٧ - ١٤]، وآية [القيامة ١٤/ ٧٥ - ١٥]،","vol":"2","page":25},{"text":"<span id=\"aya-962\"></span>﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ أي العدل الحقّ يكون يومئذ، فتسوّى مظالم الدنيا يوم الحساب ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ثقلت موازين أعماله، بالإيمان والأعمال الصالحة ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والنعيم المقيم.\n\n<span id=\"aya-963\"></span>﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ خفّت موازين أعماله، لأن الباطل خفيف لا قرار له ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتهالكهم على الدنيا والمادة والجاه والزعامة فلم يتورعوا عن شيء في سبيلها ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ يظلمون أنفسهم نتيجة كفرهم بالآيات، وإنكارهم الحساب والآخرة،\nونظيره قوله تعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٢/ ٦]، وقوله تعالى ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥/ ١٨] أي لا تكون قيمة لأعمالهم.\n\n<span id=\"aya-964\"></span>﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - خلاصة الآيات المتقدمة (٢ - ٩) في نزول القرآن والإنذار والتذكير به، ووجوب اتباعه دون غيره، والتذكير بهلاك المجتمعات السابقة التي كفرت بالوحي واطمأنّت إلى الرخاء والدعة، وعدم جدوى ندمها وحسرتها في العاقبة، ومسؤولية الناس عن أعمالهم، وأن العدل يوم الحساب يقتضي محاسبة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولمّا كان افتتان الناس بالرخاء المادّي هو سبب فسادهم وانهماكهم في الشهوات، فهذه الآية تبين قلّة الشاكرين من الناس رغم النعم التي يرفلون بها:\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بأن منحهم تعالى العقول كي يتعلّموا ويعملوا، ويتمكنوا من ثروات الأرض ويسخّروها لمعيشتهم ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾ فقد جعل تعالى في الأرض وسائل المعيشة ابتداء ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾","vol":"2","page":26},{"text":"الأكثرية لا تقرّ بالنعم ولا تؤدي حقها، لأنّها تظن أنّما حصلت على هذه النعم باستحقاقها وجدارتها لا غير، والشكر يكون بالعبادة والعمل معا، ومن الشكر استخدام النعم باعتدال وتعقل، بما لا ينعكس سلبا على الإنسان وعلى بيئته.\n\n<span id=\"aya-965\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (١١)\n١١ - هذه الآية بداية لقصة الخلق تأتي بعد مقدمة الآيات (١ - ١٠)، لبيان استعداد الإنسان للخير والشر، وقد تكررت قصة الخلق في القرآن الكريم في سبع سور هي: (البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص)، في كل سورة منها تعرض القصة من زاوية مختلفة، وتبدي حكمة أو حكم معينة، ومغزى جديد أو أكثر، وفي هذه السورة تأتي القصة بعد بيان نعمه تعالى على البشر: كإنزال الوحي، ومسؤولية الإنسان، وجعل أسباب المعيشة والتمكين له في الأرض، ومع ذلك فالأكثرية لا تشكر النعم، لأنّ وساوس الشيطان تحرفها عن الصراط (الآية ١٦)، ومن تمام نعمه تعالى على الإنسان أن علّمه الأسماء كلها [البقرة ٣١/ ٢] وأسجد له الملائكة، وكرّمه بالحرية والعقل، وأمكنه من الخيار بين الخير والشر:\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يلاحظ الترتيب في الخطاب: الخلق ثم التصوير، يشير من جهة إلى خلق الجنس البشري عامّة وتطوره أولا من سلالة من طين، لقوله جلّ ثناؤه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥] أي من الطين المتولّد من الطين الأسود المتغيّر على مرّ السنين، وقوله عزّ من قائل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، وثانيا نلاحظ الإشارة إلى تطور خلق الإنسان الفرد، عندما يخلق نطفة في رحم أمّه ثم يتطوّر إلى صورته الكاملة: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤/ ٢٣]،","vol":"2","page":27},{"text":"﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ تأخير الكلام عن آدم إلى ما بعد الإشارة إلى خلق الجنس البشري دلالة أنّ آدم بهذا المعنى رمز للجنس البشري بأكمله، فالمراد به نوع الإنسان، والسجود ليس لشخص آدم وإنما لجنس البشر، أما مغزى سجود الملائكة فلأن الله تعالى جعل العلم أشرف من العبادة (البيضاوي)، وقد علّم آدم الأسماء كلّها في حين جهلتها الملائكة، وأما استكبار إبليس ومعصيته فكناية عن عجز الإنسان عن إخضاع روح الشر تماما، وعجزه عن إبطال خواطر السوء من أفكاره، انظر شرح آية [البقرة ٣٤/ ٢].\n\n<span id=\"aya-966\"></span>﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢)\n١٢ - (قال) تعالى ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ حسد إبليس آدم على تكريمه بسجود الملائكة له، وظنّ أنه أفضل من آدم بالخلق، في حين لم يقدّر أفضلية الإنسان بالعلم والمعرفة بعد أن تعلّم الأسماء كلّها [البقرة ٣١/ ٢]، وقول الشيطان: أنا خير منه، شائع في دنيا الناس يقولها كثير منهم، ويتجلّى بهذا القول مرض الإعجاب بالنفس، والاستكبار والتكبر، ورفع النفس إلى درجة لا تستحقها، وينتج عنه الحقد على الآخرين، ويصيب العقل بالغفلة.\n\n<span id=\"aya-967\"></span>﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها﴾ وهو هبوطه من المنزلة التي كان عليها في الملكوت الأعلى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ لأن أهل السماوات متواضعون خاشعون ﴿فَاخْرُجْ﴾ من الجنة ﴿إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الذليلين، فجعله تعالى على نقيض ما أراد من التكبر، والآية تبين أن الاستكبار سبب للمعصية، وسيرد بيان ذلك بتفصيل في الآيات (١٤٦، ٨٨، ٧٦، ٧٥، ٤٨، ٤٠، ٣٦، ١٣)،","vol":"2","page":28},{"text":"<span id=\"aya-968\"></span>﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ الإنظار هو التأخير، والمعنى أنّ إبليس طلب إمهاله في الحياة إلى يوم البعث، والانظار ليس فقط في الزمن، وإنما في إعطائه الفرصة كي يستمر في تمرده ومحاولته إغواء البشر، والمحصّلة من تمرد إبليس كون الإنسان على استعداد للشر، إلى جانب استعداده للخير.\n\n<span id=\"aya-969\"></span>﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أجابه تعالى إلى طلبه، وفي سورة الحجر حدد تعالى المهلة: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر ٣٨/ ١٥]، والمغزى من إنظار إبليس أن يكابد الإنسان وساوسه، فيتمكن من حرية اتخاذ القرار، وما في ذلك من تكريم له، ورفعه إلى مستوى المخلوقات الأدبية،\n\n<span id=\"aya-970\"></span>﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١٦)\n١٦ - (قال) إبليس ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ بسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدنّ في إغوائهم، ونسب الإغواء إليه تعالى لأنّ من سننه أن يكون الغيّ نتيجة لازمة للمعصية، والغيّ هو الخيبة أو الضلال أو الفساد ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ خاب إبليس وأحبط بنتيجة معصيته، انظر الآية (١٣)، وهو في النتيجة سيقعد بالمرصاد لإضلال من يستطيع من الناس،\n\n<span id=\"aya-971\"></span>﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ بأساليب واضحة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ وبأساليب خفيّة ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ لأجتهدنّ في إضلالهم من كل الجهات الممكنة، وهي جهات معنوية، وبجميع الوسائل الممكنة، فمغريات الشر محيطة بالناس من كل جانب ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ أكثرية الناس على الجحود، لا تشكر الله ولا تؤدي حق النعم، وقد أعطى الله تعالى البشر إرادة","vol":"2","page":29},{"text":"واختيارا حرّا يصعدون بهما إلى مصاف الملائكة إن شاؤوا، أو يهبطون بهما إلى درك الشياطين، وذلك مغزى عصيان إبليس ومحاولته غواية الناس، والوسوسة الشيطانية لهم،\n\n<span id=\"aya-972\"></span>﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٨)\n١٨ - (قال) تعالى ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا﴾ اخرج من منزلتك محقورا ﴿مَدْحُورًا﴾ مطرودا مبعدا ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ وهم الذين يتّبعون وساوس إبليس فيضلّون ويضلّون ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ من الشياطين وتابعيهم.\n\n<span id=\"aya-973\"></span>﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الجنة دار الاختبار المؤقت للإنسان لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢]، فلم تكن سوى مرحلة سبقت هبوط الإنسان إلى الأرض، مجال خلافته، سواء كان الهبوط ماديا أو معنويا،\n﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾ لأنّ الأصل في الأمور الحلّ ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ النهي عن الاقتراب من الشجرة كناية عن جعل الإنسان حرّا في الاختيار بين الصواب والخطأ، انظر شرح آية [البقرة ٣٥/ ٢].\nومن جهة ثانية، ليس في القرآن، كما في كتب اليهود، أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وما روي في هذا المعنى مأخوذ من الإسرائيليات، وحديث أبي هريرة في الصحيحين «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» ليس سوى كناية، كقوله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧/ ٢١]، بدليل تتمة الحديث «فإن ذهبت تقوّمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء» والمغزى لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة، انظر تفسير المنار،","vol":"2","page":30},{"text":"<span id=\"aya-974\"></span>﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أصل الوسواس الهمس الخفي، ووسوسة الشيطان للبشر هي ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزّين لهم القبيح ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما﴾ أي ليبدي لهما طريق المعصية، لأنه كان موارى عنهما قبل ذلك، والسوأة ما يسوء الإنسان ظهوره، فهي بهذا المعنى نتيجة معصيتهما، وإذا أضيفت السوأة إلى الإنسان فقد يراد بها العورة الفاحشة، لأنه يسوءه ظهورها بالفطرة، ما لم تفسد فطرته، وقد يراد بها المنظر الذي يسوء ناظره كقوله تعالى ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة ٣١/ ٥] أي منظر أخيه المقتول، وقال الرازي أيضا أن بدوّ السوأة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه عن المرء، وقال الألوسي إنها كناية عن إبداء الأمور الرذيلة لدى المرء، المعتبرة عورات عقلا ﴿وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ تكونا بمنزلة الملائكة ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ يكون لكما الخلود إن أكلتما من شجرة الخلد والملك، لقوله ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ١٢٠/ ٢٠].\n\n<span id=\"aya-975\"></span>﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أقسم لهما إنه من الناصحين، وقيل المعنى أنه أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، ويلاحظ أن ليس في الآيات ما يشير إلى أن حواء هي التي أغرت آدم بالمعصية بل الواضح من صريح الآية أنّ إبليس أغراهما معا، وما يروج خلاف ذلك فمن الإسرائيليات المذكورة في كتب اليهود بقصد الحطّ من منزلة المرأة.\n\n<span id=\"aya-976\"></span>﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾","vol":"2","page":31},{"text":"٢٢ - ﴿فَدَلاّهُما﴾ في المعصية، ودلّى الشيء تدلية أي أهبطه شيئا فشيئا، وهو من دلّى الدلو في البئر، والمعنى ما زال إبليس يخدعهما بالوساوس لترغيبهما بالأكل من الشجرة، ثم أقسم إنه ناصح لهما، حتى أسقطهما في المعصية، وحطّهما عمّا كانا عليه من البراءة وسلامة الفطرة ﴿بِغُرُورٍ﴾ الغرور ما يغترّ به، والمعنى أنه خدعهما بالباطل ﴿فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ بنتيجة المعصية، لأن بدوّ السوأة، أي الخيبة والضلال والفساد والبؤس، نتيجة طبيعية ولازمة للاختيار الخاطئ - المعصية -، والعوام تقول \"فلان انكشف\" أي انكشفت رذائله ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يجعلان ورقة على ورقة لستر السوأة ﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما﴾ بما أودعت في عقولكم من التفكير والمحاكمة وإدراك المعقولات ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ في روح المعاني أنها شجرة الهوى، ويحتمل أنها رمز للحدود التي وضعها الخالق، ﷿، تجاه شهوات ورغبات الإنسان الجامحة، ممّا يمكّن الإنسان من اختيار طريق الخير أو الشر ﴿وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بالوساوس السيئة التي يدخلها في عقولكم.\n\n<span id=\"aya-977\"></span>﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ بطاعة وساوس الشيطان ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ بعد أن عرفنا ضعفنا وعجزنا ﴿وَتَرْحَمْنا﴾ بتوفيقنا وهدايتنا والتوبة علينا بعد أن تبنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنفسنا، والمغزى أن التوبة لبني آدم مفتوحة، وأنّ الإقرار بالذنب والاستغفار وطلب الرحمة من الله والتوبة واجبة كلمّا وقع الإنسان في الذنب.\n\n<span id=\"aya-978\"></span>﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿قالَ اِهْبِطُوا﴾ إلى الأرض من المنزلة التي كنتم عليها في الجنة، ويلاحظ أنّ الهبوط لم يكن عقابا لأنه تعالى قبل توبة عبده آدم قبل ذلك [البقرة ٣٧/ ٢]، وأنّ سكنى آدم وزوجه في الجنة مؤقت أصلا لقوله ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي﴾","vol":"2","page":32},{"text":"﴿الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢]، ومن جهة ثانية يلاحظ عودة الخطاب من صيغة المثنّى إلى الجمع، فيتصل الخطاب مع الآية (١٠) وأوّل الآية (١١) من هذه السورة، لكون آدم وزوجه رمز للبشرية جمعاء ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهي العداوة في ذرية آدم، وقيل بل العداوة بين الشيطان وبني آدم ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ لكم استقرار في الأرض ومتاع تتمتعون به في حياتكم إلى حين تنتهي أعماركم، وهنالك إشارة ثانية لهذا المعنى بالآية (٣٤).\n\n<span id=\"aya-979\"></span>﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ﴾ في الأرض ﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ إلى البعث والحساب يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-980\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خطاب للناس كافة ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ما يستر العورة، والمراد بالإنزال أنه تعالى خلق لهم مادته من صوف وحرير وقطن وغيره، وعلمهم الزراعة والنسج والخياطة، وفي روح المعاني أنه كناية عن لباس الشريعة، ويواري السوآت بمعنى أنه يمنعهم من ارتكاب القبائح والفواحش ﴿وَرِيشًا﴾ وهو لباس الزينة، وسمّي ريشا استعارة من ريش الطيور، وقيل أيضا أنّ الريش والرياش هو المال والمتاع والخصب والمعاش، ومنه تريّش الرجل أي تموّل ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ أي الورع وخشية الله، وسمّاه لباس مجازا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ لباس التقوى خير لصاحبه ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ إنزال اللباس والمتاع ووسائل العيش من ضمن آيات الله الكثيرة ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلهم يذّكرون نعمه تعالى عليهم فيتّعظون، ويشكرون بالقول والعمل.\n\n<span id=\"aya-981\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾","vol":"2","page":33},{"text":"٢٧ - ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ لا يوقعنّكم في الفتنة بما يمنعكم من دخول الجنة، والفتنة هنا هي الاستمالة بالشهوات، عن طريق الوساوس والإغراء، والمراد لا تغفلوا عن وساوس الشيطان فتنخدعون وتقعون في المعاصي، والنتيجة أن وساوس الشيطان تمكّن الإنسان أن يكون مختارا لعمله الصالح أو الطالح ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ فسّر بعضهم هذا اللباس معنويا بمعنى ينزع عنهما لباس التقوى ليوقعهما في المعاصي، وجعله بعضهم الآخر حسّيا ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيوسوس لكم من حيث لا تشعرون، وقبيله بمعنى جماعته ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي خلّينا بينهم وبين العمل بوساوس الشياطين، كونهم لا يؤمنون إيمانا حقيقيا، إذ يتّبعون الأهواء، ويتمسّكون بالتقليد وبالعصبية، ثم يحاولون إيجاد المبررات لضلالهم، كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-982\"></span>﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الكلام عن غير المؤمنين الذين اتخذوا الشياطين أولياء، المشار إليهم في الآية السابقة، والفاحشة الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، ممّا تنكره الشرائع والفطرة السليمة، انظر شرح الآية (٣٣)﴾، ﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ يعتذرون بالتقليد وأنهم نشؤوا على ذلك، مع أنه تعالى نهى عن التقليد، وأمر بالتفكر بالحجج والدلائل واستخدام العقل ﴿وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾ يعتذرون بالجبرية، ويزعمون أن لو شاء الله تعالى ما اقترفوها، وقد تكون الإشارة إلى اليهود، من ضمن غيرهم من الأمم، لأن اليهود يتّبعون كتبهم التي يسمونها مقدسة، ويزعمون أنها وحي، مع أنها من تحرير الأحبار، فهي تحض على القتل والسرقة والغدر وأكل الربا من غير اليهود، وتقرّ بأفظع الفواحش والموبقات والمنكرات وشتى أنواع الزنى والعهر وعمليات الغدر والخداع بالأغيار، أي غير اليهود، وتبرّرها، انظر شرح آية [البقرة ٥٩/ ٢]، وآية [آل عمران ٧٥/ ٣]، ﴿قُلْ﴾ لهم","vol":"2","page":34},{"text":"أيها النبي، أو أيها المسلم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ وهذا القول تكذيب لاعتقادهم عقلا ونقلا، فالعاقل لا يصح أن يصدق ذلك، ولا ينسبه إلى الوحي ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تكتبون من عندكم وتنسبونه إلى الله؟ أم تعتذرون بالجبرية، أم تقليد الآباء؟\n\n<span id=\"aya-983\"></span>﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ قل لهم أيها النبي، أو أيها المؤمن، إنه على النقيض ممّا تدّعون فإنه تعالى قد أمر بالاعتدال والعدل بين الناس كافة بلا تفريق ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقل لهم أيضا أن يتوجهوا له تعالى وحده دون غيره، عند كل صلاة وكل دعاء، وليكن التوجه إلى الله تعالى بحضور القلب وصرف الشواغل الدنيوية وطرد وساوس الشيطان، ويحتمل المعنى أيضا تفسير التوجه بشكل حسّي، فيكون الأمر بالتوجه نحو القبلة وقت كل صلاة حيثما كان المرء ﴿وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، فيجب أن يكون الدعاء مع الإخلاص ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ اعلموا، وكونوا على يقين، أنه كما بدأكم بالخلق، فلا بدّ من المعاد إليه للحساب، وهذا أدعى إلى الإخلاص في الدعاء.\n\n<span id=\"aya-984\"></span>﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - كما بدأكم بالخلق، فلا بد من عودتكم إليه يوم الحشر، وعندئذ تكونون فريقين: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ وهو الفريق الذي تقبل الهدي الإلهي وما جاءت به الرسل، وعمل به ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وهو الفريق الذي اختار الضلال وكذّب بالآيات والرسل، أو صدّقها ولم يعمل بها ﴿إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهو السبب الذي من أجله حقّ عليهم الضلالة أنهم قبلوا وساوس الشياطين وعملوا بها، فكأنهم ولّوا الشياطين أمورهم من","vol":"2","page":35},{"text":"دون الله، فلم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل، وفي ذلك إشارة للآية (٣) في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾،\n﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ هم فوق ذلك معجبون بأنفسهم، ويحسبون أنهم مهتدون بالتقليد لأقوامهم، وبما توسوس لهم الشياطين، كما يحسب أتباع الديانات السابقة أنهم مهتدون دونما حاجة لبعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل.\n\n<span id=\"aya-985\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - بعد أن أوجزت الآيات (١١ - ٣٠) قصة الخلق وبيان ما يترتب على الإنسان من الضلال والغواية بنتيجة قبوله وساوس إبليس في التقليد وارتكاب الفواحش، تنتقل السورة لبيان أن الأصل في الأمور الحلّ إلا ما خصّه الدليل من المحرّمات: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي وقت كل صلاة، وأخذ الزينة ستر العورة واللبس اللائق والنظافة، على النقيض من الفواحش المشار لها بالآية (٢٨)، ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا﴾ من الطيبات المباحة بقدر الحاجة ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ نهي عن تناول مقدار كثير يضر المرء ولا يحتاج إليه، ونهي عن الإسراف في الإنفاق، وحضّ على الاعتدال ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ لا يحب المسرفين في كل شيء، لأن الإسراف يخالف الفطرة، ويجلب الضرر في الأبدان والنفوس والأموال.\n\n<span id=\"aya-986\"></span>﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ لأنّ الأصل في المنافع الحلّ، وجميع أنواع الزينة والطيبات من الرزق مباحة إلا ما خصّه الدليل، وقالوا إن المراد بالزينة جميع أنواعها، ويدخل تحتها اللباس والنظافة، وما يشتهى من أنواع المأكل والمشرب، والطيب والحليّ والمركب","vol":"2","page":36},{"text":"والمسكن، بلا إسراف ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تكون لهم وحدهم يوم القيامة دون غيرهم، أما في الحياة الدنيا فتكون لهم ولغيرهم من الناس، لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ١٢٦/ ٢]،\n﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لقوم يعلمون الحكمة منها، ويعلمون طبائع البشر، ومصالحهم، والفطرة التي فطر الناس عليها.\n\n<span id=\"aya-987\"></span>﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ على النقيض ممّا يزعمون من تحريم الزينة والطيبات التي أخرج لعباده، فإن المحرّم حقّا هو الفواحش من أعمال الناس الكسبية، لا من هباته ونعمه تعالى الخلقية عليهم، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (٢٨)﴾، والفواحش جمع فاحشة، وهي كل ما جاوز الحد مما تستقبحه الفطرة السليمة والعقل الراجح، والمقصود بها المعاصي الكبيرة، ومنها الزنا واللواط وشدة البخل والربا الفاحش والقذف بالفحشاء والبذاءة المتناهية والغش وأكل مال الآخرين والصد عن سبيل الله، والآية تنهى عن الفواحش الظاهر منها والباطن، والمعنى لا يكون لديكم مقاييس أخلاقية مزدوجة، فلا يخفف من الفاحشة كونها سرّا، بل قد يكون ذلك سببا لانخداع الناس بمرتكبيها، كما أنّ الجهر بالفواحش في حد ذاته يعد فحشا لأنه يشجع الفساد في المجتمع، ويفسد الأفراد من ذوي الفطرة السليمة،\n﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ حرّمهما، والإثم المعصية التي تضر بصاحبها، والبغي ما يضر بحقوق غيره ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مما لا يبرره الحق،\n﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ كأن يجعلوا له شركاء من الأوثان أو الأنبياء أو الأولياء، وكابتداع التثليث عند المسيحية، مما لا تقوم عليه حجة بينة من الوحي، ولا من العقل السليم،","vol":"2","page":37},{"text":"﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كابتداع البدع، والقول في الدين بالرأي والظن، وإسناد الرأي الاجتهادي إلى الله تعالى وادّعاء أنه حكم الله، وافتراء الكذب على الله، وعلى أنبيائه، كما فعل أحبار اليهود في كتبهم بالعهد القديم، المحشوة بمختلف أنواع الفواحش والمنكرات التي ينسبونها إلى أنبيائهم لكي يبرروا لأنفسهم ارتكابها، ويسمون كتبهم مقدسة، ويوهمون الناس أنها كلام الله، انظر شرح آيات [الأعراف ١٦٩/ ٧] و[آل عمران ٧٥/ ٣، ٣].\nثمّ ذكر تعالى في الآية التالية النتيجة التي تؤول إليها الأمم التي ترتكب هذه المحرّمات، وهي مجيء أجلها بغتة أو خفية.\n\n<span id=\"aya-988\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ فمن الأمم السالفة مثلا من انتهى أجلها وهلكت بغتة بتكذيبها ومعاندتها الرسل، كهلاك أقوام نوح وعاد وثمود ولوط ومدين وغيرهم، وكان هلاكها بعد مهلة محددة نتيجة إصرارها على المكابرة والجحود، والاستهزاء بالرسل والتحدي، وطلب الآيات الخارقة، وهذا النوع من الإهلاك انتهى ببعثة النبي الأحمد ﷺ الذي لم يبعث لقومه خاصة وإنّما بعث رحمة للعالمين،\nوهنالك من الأمم الأخرى من ينتهي أجلها بدخول عوامل التفسخ والانحطاط فيها، وانتشار الظلم والشرور والموبقات والاغترار بالترف والمادة، والتاريخ مليء بنهوض وارتفاع أمثال هذه الأمم ثم انهيارها ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بالنسبة للنوع الأول من الأمم البائدة فقد جاءها أجلها بغتة، دون تقديم ولا تأخير، بعد انتهاء مهلتها كما هو مذكور من قصصهم في القرآن الكريم، والنوع الثاني منها يجيء أجلها وفقا لسنن الاجتماع البشري، فالأمم تمر بمراحل النمو والرشد والشيخوخة، حتى إذا نخرتها الأمراض الاجتماعية، وفق سنن الأسباب والمسببات، حان أجلها وانهارت كما حدث للاتحاد السوفيتي وغيره في العصر الحديث،","vol":"2","page":38},{"text":"ومعنى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أنه عندما يستشري الفساد والضعف والتفسخ، ويفوت أوان الإصلاح، تصبح النهاية محتومة فلا يمكن تأخيرها، ومعنى ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أن النهاية لا تجيء مبكرة طالما هنالك أمل يرجى في الأمّة، وفي الصلاح والإصلاح، أما الساعة المذكورة في الآية فلا يقصد بها الساعة المعروفة بمعنى جزء من أربعة وعشرين من اليوم، وإنما هي إشارة إلى جزء صغير من الزمن المطلق،\n\n<span id=\"aya-989\"></span>﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ اتصال الخطاب مع الآية (٢٤)، والمعنى أن الله تعالى بعد أن جعل خليفة في الأرض من ذرية آدم، بعث لهم الرسل من أنفسهم ليكون ذلك أدعى لاستجابتهم، والخطاب أيضا متصل مع الآية السابقة لكونه وعظ في اتباع الرسل قبل مجيء الأجل بغتة أو خفية ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾ يبلّغون الناس الوحي الذي نزل عليهم ﴿فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ اتّقى المعصية وقام بصالح الأعمال ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سعادة الدنيا - والآخرة - مرتبطة بالاهتداء بالدين وبالعمل به، انظر آيات [طه ١٢٣/ ٢٠ - ١٢٤]، وأما كون الدنيا للكفار أيضا - في بعض الأزمنة - فلأنه تعالى جعل فيها سننا وأسبابا ومسببات من أخذ بها وصل إلى مبتغاه منها، ولو مؤقتا، كافرا كان أو مؤمنا، ولو جعلها للمؤمنين خالصة دون غيرهم لبطل التكليف والاختيار والاختبار، ولصار الإيمان قسرا.\n\n<span id=\"aya-990\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ الذين كذّبوا بالآيات المنزلة على الأنبياء والرسل، أو كذّبوا بعض الرسل أو أحدهم، واستكبروا عن اتباع الآيات التي جاءت الرسل بها، وعن اتباع النبي ﷺ، حسدا له على الرئاسة - كما يفعل اليهود - وتفضيلا لأنفسهم","vol":"2","page":39},{"text":"عليه وعلى قومه، فأولئك أصحاب النار يخلدون فيها، ولا نزال نرى اليوم الكثير من الشعوب تأبى الاهتداء بالإسلام استكبارا وعلوّا، كما استكبر اليهود وأحبارهم عن اتباع النبي ﷺ لأنه عربي، ولأنهم يرون أن النبوة يجب أن تكون محصورة بهم، والاستكبار متكرر عند المكذّبين منذ معصية إبليس وتكبره، الآية (١٣)، وكما سوف تبين الآيات (٢٠٦، ١٤٦، ٨٨، ٧٦، ٧٥، ٤٨، ٤٠).\n\n<span id=\"aya-991\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ إشارة إلى الذين كذّبوا بالآيات واستكبروا عنها راجع أيضا شرح آيات [الأنعام ٢١/-٢٤]، ﴿أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، والمغزى أنهم ينالون نصيبهم المكتوب لهم في الحياة الدنيا من الأرزاق والأعمار، كما في الآية (٣٢)، رغم ظلمهم وافترائهم، لا يحرمون منها، تفضّلا منه تعالى، ولإعطائهم الفرصة كي يتوبوا ويصلحوا ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ وهم ملائكة الموت الموكّلون بقبض أرواحهم ﴿قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لم يتوبوا ولم يصلحوا في حياتهم، رغم الفرص التي أتيحت لهم، والنعم التي أغدقت عليهم، فيقال لهم توبيخا وتقريعا: أين الذين كنتم تدعونهم غير الله لقضاء الحاجات ودفع المضرّات؟ ادعوهم لينجوكم الآن ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أي غابوا عنّا ولا نرجو منهم أي منفعة ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ اعترفوا على أنفسهم أنهم كانوا يعبدون المادة، ويلهثون وراء الدنيا، ويدعون ما لا يستحق الدعاء، من شركاء وآلهة مزعومين وزعماء وأوثان وقدّيسين وأموات وأضرحة.\n\n<span id=\"aya-992\"></span>﴿قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾","vol":"2","page":40},{"text":"٣٨ - ﴿قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ﴾ يقول لهم تعالى ادخلوا في النار مع الأمم التي بادت من قبلكم بنتيجة تكذيبها الآيات واستكبارها عن الحق وافترائها الكذب على الله ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ التي ضلّت بسبب الاقتداء بها، فيلعن الأتباع قادتهم الذين أضلّوهم، واللعن الدعاء بالإبعاد من الرحمة ﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أي أدرك بعضهم بعضا في النار واستقرّوا بها جميعا ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ المتأخرين منهم منزلة، وهم الأتباع والرعاع، قالوا عن أولاهم منزلة، وهم القادة والزعماء والرؤوس، ويحتمل المعنى أيضا أنّ أولاهم الذين تقدّموهم في الزمن، فاقتدى بهم أخراهم الذين جاؤوا في أزمان لاحقة، واتّبعوا سنن من سبقوهم في الضلال ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا﴾ دعونا إلى الضلال وأمرونا به، والمعنى أنهم اعتذروا بالانصياع لغيرهم وبالتقليد، مع أن التقليد وإهمال دور العقل باطل، وقد نهى عنه القرآن في آيات كثيرة، أمّا الانصياع لأوامر الرؤوس في معصية الله فليس سوى عبودية وإذلال وتحقير للإنسان الذي كرّمه تعالى بحرية الخيار ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لكلّ منهم عذاب مضاعف بسبب ضلالهم، وإضلال غيرهم من الناس، من حيث كانوا قدوة لغيرهم.\n\n<span id=\"aya-993\"></span>﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ يتنصّل القادة والزعماء من الذين قلّدوهم واتّبعوهم، كما يتنصّل السابقون من اللاحقين، فيقولون لهم ضللتم، كما ضللنا، بمحض اختياركم فتحملون المسؤولية كما نحملها ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ لأن العذاب هو النتيجة الحتمية لما كسبتم من الأعمال، فهو من كسب أيديكم، والمسؤولية فردية، ولا يعذركم أنكم ضللتم بسبب غيركم، ولا يحملون المسؤولية عنكم.","vol":"2","page":41},{"text":"<span id=\"aya-994\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ استكبروا عن الإيمان بها، وهم المشار إليهم في الآية (٣٦)، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ لا تقبل أعمالهم الصالحة ولا ترفع، ولا يقبل دعاؤهم، لأن التكذيب والاستكبار قد أحبطاها ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ كناية عن استحالة دخولهم الجنة، وقرئت الجمّل، أي الحبل الغليظ، لاستحالة دخوله ثقب الإبرة ﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ إذ توصلوا لهذه النتيجة بإجرامهم.\n\n<span id=\"aya-995\"></span>﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ فراش من تحتهم ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ جمع غاشية وهي ما يغشى الشيء أي يغطّيه، والمعنى أنّ جهنم محيطة بهم، وهي كقوله تعالى ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة ٨/ ١٠٤]، ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ لأنهم جمعوا بين التكذيب بالآيات والاستكبار عنها.\n\n<span id=\"aya-996\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ تأكيد على يسر الدين وسهولته، لأن الوسع ما يقدر عليه الإنسان في حال السعة والسهولة، وأما أقصى الطاقة فيسمّى جهدا لا وسعا، قال الرازي: \"غلط من ظنّ أنّ الوسع بذل المجهود\" ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ النتيجة الطبيعية لمن آمن وعمل صالحا بما في الوسع بلا جهد.","vol":"2","page":42},{"text":"<span id=\"aya-997\"></span>﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ وهم أصحاب الجنة المشار إليهم آنفا، والغلّ هو الحقد والحسد، لأنه يتغلغل في القلب، وإزالة الأحقاد من قلوبهم من تمام السعادة الروحية والراحة النفسية وصفاء القلوب في الجنة، لأن السعادة مع الحقد والحسد لا يجتمعان ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ تكون كل النعم في متناولهم ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ الحمد لله الذي هدانا ببعث رسله، ووفّقنا لهديه، والمعنى أن الإنسان لا يمكنه التوصل إلى الهداية إلا باتباع الرسل والوحي ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ والحقيقة لا يمكن التوصل إليها إلاّ عن طريقهم ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بنتيجة ما كنتم تعملون من العمل الصالح في الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-998\"></span>﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ التعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لجعل المستقبل في تأكيد وقوعه كالذي وقع بالفعل ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ لأنّ ربّنا وعدنا الجنة فوجدناها حقّا، فهل وجدتم وعد ربّكم للناس حقّا؟ ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ أقرّ أهل النار بالحق بعد فوات الأوان ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ التأذين في اللغة النداء بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها، والمعنى أن أعقب ذلك الحوار إعلام بأن الظالمين مبعدون من رحمة الله، وهم الموصوفون في الآية التالية:","vol":"2","page":43},{"text":"<span id=\"aya-999\"></span>﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - الظالمون كانوا في الحياة الدنيا على ثلاثة أنواع: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يصدّون الناس عن قبول الدين الحق، ويحاولون صرفهم عنه، سواء بالقسر والإكراه، أو بالترغيب والإضلال بالدعاية الباطلة والوسائل المقنّعة، وهي أكبر المحرّمات، لأنها أول ما وصف بها تعالى أصحاب النار، فهؤلاء الناس لا يكتفون أنهم ضالّون بل يعملون جاهدين على إضلال غيرهم ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يبغون سبيل الله، أي الطريق إليه، معوجّة، لأنهم يريدون إفساد الدين الصحيح بالشرك، وبالتشكيك، وبالتضليل بالوسائل السافرة والباطنية ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ ومن هؤلاء الظالمين، الضالين المضلّين، من يكون كافرا بالآخرة، ينكر البعث والحساب،\n\n<span id=\"aya-1000\"></span>﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ بين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجاب، والحجاب قد يكون حسّيا أو معنويا، وأمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ﴾ الأعراف، بصيغة الجمع، تطلق على أعالي الأشياء، ومفردها عرف، ومنه عرف الديك وعرف الفرس، ويسمّى المرتفع من الأرض عرفا لأن الواقف عليه يستطلع ما دونه فيصير على معرفة به، أو لأنه يمكن تمييز المرتفع ومعرفته من بعد، ومنه المعرفة، والعرف ضدّ النكر، والمعرفة هي منبت العرف، فيقال فلان على معرفة أي على علم، ورجال على الأعراف يعرفون كلاّ بسيماهم، أي أنهم على معرفة وبصيرة وحسن تمييز بين أهل الجنة وأهل النار، - وهو قول الحسن البصري والزجّاج، ذكره الرازي - والواضح أنهم فريق ثالث غير أصحاب الجنة، وأصحاب النار، فهؤلاء الناس كانوا في حياتهم على مستوى عال من المعرفة، يستطيعون التمييز جيدا بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، والإيمان والكفر، ومع ذلك كانوا غير مكترثين، لم","vol":"2","page":44},{"text":"يميلوا بشكل جازم نحو الحق أو نحو الباطل، ولكنهم في الوقت نفسه لم يصدّوا عن سبيل الله، ولم يقفوا في طريق الخير، فاستوت حسناتهم وسيئاتهم ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ لأن أصحاب الأعراف، رغم معرفتهم مسبقا بالنعيم الذي يؤول إليه أصحاب الجنة فإنهم لم يعملوا بالعمل المؤدي إليها، لكنهم يطمعون بدخولها رغم تقصيرهم السابق، والمقصود من قوله تعالى ﴿رِجالٌ﴾ أنهم أشخاص قد يكونوا من الجنسين، وليسوا رجالا بالتحديد دون النساء، بدليل قوله سبحانه في الآية (٤٨):\n﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا﴾ أي أشخاصا من أصحاب النار.\n\n<span id=\"aya-1001\"></span>﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ﴾ لكي يعاينوا مصير أصحاب النار ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بعد أن فاتتهم الأعمال التي تبعد العذاب عنهم.\n\n<span id=\"aya-1002\"></span>﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ أصحاب الأعراف ينادون أفرادا من أصحاب النار يعرفونهم بسيماهم، أي يعرفون أنهم قاموا بالأعمال التي أدّت بهم إلى النار، فيقولون لهم: ﴿قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي ما أغنى عنكم جمعكم للمال، ولا أغنى عنكم جمعكم الكبير وكثرتكم ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وما أفادكم استكباركم عن قبول الحق، ولا استكباركم على الناس.\n\n<span id=\"aya-1003\"></span>﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ تتمة كلام أصحاب الأعراف إلى أصحاب النار، وهم يشيرون إلى أصحاب الجنة ممّن كان أصحاب","vol":"2","page":45},{"text":"النار يستكبرون عليهم في الدنيا، ويأنفون من مشاركتهم في الدين، وربما هزئوا بهم، ممّا ينمّ عن منتهى الضلال الذي كانوا فيه ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فقد قيل لهؤلاء الناس ادخلوا الجنة، والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف في الدنيا على العمل بعمل أصحاب الجنة واللحاق بمنزلتهم، وأن الجزاء على قدر الأعمال، والتقدم والتأخر على حسبها، وأن أحدا لا يسبق أحدا عند الله إلاّ بسبقه في العمل، ولا يتخلف إلاّ بتخلفه في العمل.\n\n<span id=\"aya-1004\"></span>﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ الإفاضة من الفيض أو من الفائض، أو من فيضان النعيم الذي يعيش فيه أصحاب الجنة، وفيه معنى الكثرة ﴿قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ لإفادة الخيبة التامة لأمثالهم في الآخرة، ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكافرين بقوله:\n\n<span id=\"aya-1005\"></span>﴿الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ جعلوا اللهو واللعب دينا لهم، لكثرة ما أضاعوا الأوقات فيما لا طائل منه ولا فائدة، ويحتمل المعنى أيضا أنهم جعلوا من الدين أضحوكة فيلهون ويلعبون بالهزء منه وبالسخرية من معتنقيه ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ طمعا في كثرة المال ورغد العيش وعلوّ الجاه وطول العمر، حتى صاروا محجوبين عن الدين، مستغرقين في طلب الدنيا ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ كان من عاقبة نسيانهم اليوم الآخر، وجحودهم الآيات، ألاّ يستجيب تعالى لدعائهم في الآخرة، والجحود هو الإنكار مع العلم، فكأنهم، بغلبة الدنيا عليهم، أنكروا الدين والآيات مع علمهم بصحتها.","vol":"2","page":46},{"text":"<span id=\"aya-1006\"></span>﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ﴾ وهو القرآن ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ فيه تفصيل كل ما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين والعقائد، والكتاب على علم، أي مشتمل على العلم اليقيني لعالم الشهادة والغيب، وليس علم الظن والتخمين ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فهو هدى ورحمة للذين لديهم استعداد للإيمان، وفي ذلك عودة الخطاب لأول السورة.\n\n<span id=\"aya-1007\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ ينظرون أي ينتظرون، والتأويل هو المآل أو عاقبة الأمر، والمعنى ماذا ينتظرون حتى يؤمنوا بالقرآن؟ هل ينتظرون ما تؤول إليه الأمور؟ أي تحقق ما وعدوا به، والمآل يكون تدريجيا في تحقق ما أخبر به القرآن عن الغيب، وقد يكون موتهم، ثم يكون التأويل النهائي يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ يومئذ تزول كل شبهة لدى الذين نسوه أي لم يلقوا إليه اهتماما، وما اهتدوا به ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ يتمنّون شفاعة الشفعاء لأن ضلالهم في الدنيا زيّن لهم شفاعة من يعبدون من دون الله ﴿أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ أيقنوا بعد فوات الأوان أنّ النجاة والسعادة لا يكونان إلا بالإيمان المقترن بالعمل الصالح، وليس بالاعتماد على شفاعة الشفعاء ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وأي شيء أكبر من خسارة النفس ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ تبيّن لهم ضلال ما كانوا يفترون من شفاعة من يعتقدون من الشفعاء، كالأولياء والأحبار والقديسين وكبار رجال الدين، والمسيح الذي افتدى خطاياهم سلفا بزعمهم، فركنوا إلى ذلك في حياتهم الدنيا.","vol":"2","page":47},{"text":"<span id=\"aya-1008\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - بعد أن ذكر تعالى حال الكفرة وشركهم، احتجّ عليهم بقدرته بلا حدود وبمخلوقاته، ودلّهم بذلك على أن لا معبود سواه، فقال عزّ شأنه:\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ السماوات بصيغة الجمع لأنها إشارة إلى الكون بكامله شاملا بلايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له، والأرض بصيغة المفرد وهي الكرة الأرضية التي نعيش عليها، ولا يمنع ذلك أنّ الأرضين كثيرة بدليل قوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]، وسبب ذكر الأرض بالمفرد لأن باقي الأرضين مشمولة في تعبير السماوات، انظر آية [الأنعام ١/ ٦]، ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ الأيام بمعنى الحقب الزمنية، وليست أيام أرضنا المكونة من ٢٤ ساعة، وفي العربية يشير تعبير اليوم لحقبة زمنية طالت أم قصرت، كقوله تعالى ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤/ ٧٠]،\n﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة، وحرف ﴿ثُمَّ﴾ لا يعني الترتيب الزمني بالضرورة، فقد يفيد معنى العطف، راجع إعراب القرآن للزجاج، ونلاحظ أن الاستواء على العرش تكرر في القرآن سبع مرات في كل مرة يذكر فيها خلق الكون، وهي [الأعراف ٥٤/ ٧]، [يونس ٣/ ١٠]، [الرعد ٢/ ١٣]، [طه ٥/ ٢٠]، [الفرقان ٥٩/ ٢٥]، [السجدة ٤/ ٣٢]، [الحديد ٤/ ٥٧]،\n﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، والمعنى أن الليل يزحف على النهار فيغطيه تدريجيا في إحدى جهات الكرة الأرضية، في الوقت الذي يكون النهار زاحفا على الليل فيغطيه تدريجيا في الجهات الأخرى، واللفظ يحتمل الحالتين معا، وفيه دليل على كروية الأرض ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ الحث هو الإعجال، والمعنى أن الليل والنهار يتابع أحدهما الآخر باستمرار وعجلة، حتى يعود أحدهما إلى موقعه السابق كل ٢٤ ساعة ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾","vol":"2","page":48},{"text":"﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ خلق جميع الأكوان منقادة خاضعة لأمره ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فهو تعالى الخالق، والمدبّر المتصرّف بخلقه ﴿تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ قال الرازي: للبركة تفسيران: أحدهما البقاء والثبات، والثاني كثرة الخيرات والآثار الفاضلة، وكلاهما لا يليق إلاّ بالحق سبحانه.\n\n<span id=\"aya-1009\"></span>﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - بعد أن بيّن تعالى التوحيد، وأنه المتفرّد بالخلق والأمر، أمر عباده أن يدعوه مخلصين متذللين فقال عزّ شأنه: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ﴾ المراد من الدعاء السؤال والطلب، والدعاء العبادة لقوله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، أي هو الركن الأعظم في العبادة، على نحو \"الحج عرفة\"، لأن الداعي يكون مدركا ضعفه وعجزه ونقصه، ويعلم أنه تعالى متصف بالقدرة والكمال وأنه يسمع الدعاء ويستجيب، فالدعاء لذلك من أعظم العبادات ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ التضرّع الابتهال وقيل هو الخشوع والاستكانة، وخفية أي في السر، والمعنى ادعوا ربّكم متضرعين مبتهلين، ومسرّين في الخفاء، والأولى بالعبادة إخفاؤها صونا لصاحبها عن الرياء، وحفظا لعمله من البطلان، وقيل إذا بلغ صاحبها درجة من الصفاء وقوة اليقين بحيث يأمن على نفسه من الرياء كان الأولى إظهارها لتحصل فائدة إقتداء الغير به ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء، والمعنى تحريم دعاء غير الله تعالى، ومن دعا غير الله فقد أشرك، وقالوا أيضا إن رفع الصوت بالدعاء وترك التضرع، من الاعتداء المنهي عنه في الآية.\n\n<span id=\"aya-1010\"></span>﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ أي بعد أن كانت صالحة كما خلقها تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة ٧/ ٣٢]، وإصلاحها الأعظم كان ببعث الرسل وختمهم بالنبي ﷺ لهداية الناس وإصلاح عقائدهم وأخلاقهم وانحرافاتهم، فلا تفسدوا في الأرض بالتخريب وبالظلم وبالخروج","vol":"2","page":49},{"text":"والانحراف عن الدين، وابتكار الشرائع الوضعية ﴿وَاُدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ليكن دعاؤكم بين الخوف والرجاء، ولا تقطعوا أنكم إذا اجتهدتم فقد أدّيتم حق ربّكم، ويحتمل المعنى أيضا أن من لا يدعو ربّه تضرّعا وخفية، وخوفا وطمعا، يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي إنّ أثر رحمة الله - بحذف المضاف - قريب من الذين يدعون ربهم، وهم محسنون في عبادتهم وأعمالهم.\n\n<span id=\"aya-1011\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - تتمة الخطاب من الآية (٥٤)، والمعنى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يرسل الرياح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قالوا إنّ الرحمة بهذا المعنى هي المطر، لأنه تعالى جعل من الماء كل شيء حي، فالرياح تسوق السحاب وتبشر بهطول المطر ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ عندما تحمل الرياح السحاب المثقل بالرطوبة - لأنّ الإقلال حمل الشيء، واشتقاقه من القلة لأن الحامل يستقل ما يحمله أي يعدّه قليلا، ومنه قولهم: جهد المقلّ أي الحامل - ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ لأجل بلد ميت من شدة العطش، أو إلى بلد ميت، والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ من كل أنواعها ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ وهو مغزى الآية، لأنّ القادر على إحياء الأرض الميتة وإخراج النبات والثمار منها، قادر أيضا على إحياء الموتى يوم الحساب ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ التشابه بين الحالتين، والمعنى كيف تذهلون عن معجزة إحياء الأرض الميتة؟ وأنتم تنكرون البعث؟\n\n<span id=\"aya-1012\"></span>﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾","vol":"2","page":50},{"text":"٥٨ - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى أن المطر إذا نزل على الأرض الطيبة نبتت فيها الخيرات ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِدًا﴾ البلد الذي خبثت أرضه، كالأرض السبخة، لا يخرج نباته إلا نكدا، أي شحيحا عسرا قليل الخير، وقد لا يخرج إلا الأشواك والأعشاب الضارة ﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ بمثل هذا الشرح وضرب الأمثال نبيّن الآيات للناس الذين يقدّرون نعمة الهداية حق قدرها، وقيل إن هذا مثل ضربه تعالى للمؤمن والكافر، وقد شبّه نزول القرآن على البشرية بنزول المطر، وشبّه ذوي العقول المنفتحة والصدور التي تتقبل الحق، بالأرض الخصبة، وشبّه ذوي الأفق الضيق والعصبية بالأرض القاحلة السبخة، لأنهم صممّوا على التقليد والكفر، ولا يرغبون البحث الجدّي والموضوعي عن الحقيقة، فالهدي الإلهي لا يفيدهم مثلما لا تفيد المطر الأرض السبخة.\nوالآيات التالية (٥٩ - ١٧١) توضح هذه النقطة بقصص تاريخية من النبوّات التي نزلت على خمس من الأمم البائدة وهم قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط، وشعيب، بالإضافة لبني إسرائيل، وهي في الوقت ذاته تأكيد على موضوع الآيات السابقة لجهة التكليف وتوحيد الألوهية، ووجوب النظر في الدلائل، كما هي تأكيد على موضوع الآيات (٤ - ٥) و(٣٤ - ٣٦) إن آجال الأمم، بغتة أو جهرة، مرتبطة باتّباع هدي الرسل:\n\n<span id=\"aya-1013\"></span>﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ كلّفهم بالعبادة وأمرهم بالتوحيد، ويحتمل من الخطاب أن قوم نوح لم يكونوا منكرين لوجود الله ولا جاهلين به، ولا معارضين لفكرة عبادة الله، ولكنهم ابتلوا بالشرك، فنشأ عندهم العديد من الآلهة المزيفة اعتبروها إما مستحقة للعبادة بذاتها كما يعبدون الله، أو أن هذه الآلهة وسطاء وشفعاء لهم","vol":"2","page":51},{"text":"عند الله ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، وما يسبقه من عذاب يوم الطوفان.\n\n<span id=\"aya-1014\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الملأ هم كبار القوم، قيل لأنهم يملؤون صدور المجالس، وتمتلئ العيون من تكرار رؤيتهم، كما قد تمتلئ القلوب منهم هيبة ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ كما هي العادة، يرى الملأ في الأنبياء خطرا على زعاماتهم ومصالحهم الاقتصادية والسياسية، إضافة أنهم نشأؤوا على التقليد، فاتهموا نوحا بالضلال المبين، ثمّ عابوا عليه أن جميع من تبعوه من ضعاف القوم وصغارهم، انظر آيات [هود ٢٧/ ١١] و[الشعراء ١١١/ ٢٦]، ويحتمل أنهم اتهموه بالضلال المبين بعد أن رأوه يعمل في إعداد سفينته على اليابسة، مع عدم وجود أي أثر للماء في المنطقة.\n\n<span id=\"aya-1015\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي على النقيض من كوني ضالاّ فإني على الطريق الصحيح، لأني رسول من ربّ العالمين، والمعنى أن الضلال بكم، ووظيفتي هدايتكم.\n\n<span id=\"aya-1016\"></span>﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾ وما على الرسول إلاّ البلاغ ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ ما هو في صالحكم، ولا أكرهكم على شيء، ولست عليكم بحفيظ ولا وكيل ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لأن الإنسان لا يتوصّل إلى العلم الصحيح فيما يتعلق بالدين، وعالم الغيب، والآخرة، إلا عن طريق الوحي الإلهي، لا عن طريق الظن والتخمين والنظريات.\n\n<span id=\"aya-1017\"></span>﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾","vol":"2","page":52},{"text":"٦٣ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ ما وجه العجب أن يأتيكم الوحي والعلم على لسان رجل منكم، مع معرفتكم مسبقا بصدقي وأمانتي منذ زمن طويل؟ وقد لبثت معكم ألف سنة إلاّ خمسين عاما [العنكبوت ١٤/ ٢٩]، وسمّى الوحي ذكرا لأنه تذكير للناس بالعهد الذي أخذه تعالى على بني آدم عندما أخذهم من ظهور آبائهم وأشهدهم على ربوبيته، انظر الآية (١٧٢)، ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا﴾ لينذركم حساب يوم القيامة وعاقبة الكفر والشرك، ولتتقوا عذاب الدنيا والآخرة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فتعرفون طريق السعادة وتنالون رحمة الله بدخول الجنة.\n\n<span id=\"aya-1018\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كان من نتيجة تكذيبهم أن أغرقهم تعالى بالطوفان، وأنجى نوحا والمؤمنين معه، والواضح من الآية - خلافا لكتب اليهود - أن الطوفان لم يكن عاما بل اقتصر على الذين أصروا على التكذيب بالآيات ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ وهو سبب تكذيبهم: أنّ التقليد وحب الدنيا أعميا بصائرهم عن رؤية الحقيقة، ثم حقّ عليهم العذاب لما انقطع منهم الرجاء.\nيلاحظ أن قصة نوح - وغيره من قصص الأنبياء - تكررت في القرآن بعدّة مواضع، والسبب أنّ القصص القرآنية ليست مقصودة لذاتها، فهي ليست لمجرّد التأريخ وسرد الحوادث، ولكن القصد منها العظة والحكمة، ومن ثمّ عندما تتكرر القصة في عدة سور فإنها في كل مرة ترد ضمن سياق ومغزى جديد يتناسب مع موضوع السورة، فيظهر جانب جديد منها، وتبدي حكمة أو حكما معينة لم تكن في باقي السور، وفي كل مرة يكون التركيز على الجانب من القصة ذي العلاقة بمحور السورة مع إيجاز جوانبها الأخرى وترك بعضها الآخر، فمثلا في قصة نوح المذكورة أعلاه نلاحظ الإيجاز الشديد في بيان","vol":"2","page":53},{"text":"مراحل بعثة نوح: فالآية (٥٩) تلخص بعثة نوح ودعوته، والآية (٦٠) تبيّن رأي قومه في الدعوة وتكذيبهم إياه، والآيات (٦١ - ٦٣) تلخص حجج نوح على قومه، وأخيرا تبين الآية (٦٤) إصرار الكفار على موقفهم وعاقبة تكذيبهم، وهو المغزى المقصود، أما معاناة نوح الطويلة مع قومه فقد وردت في سورة هود، ويلاحظ التشابه الكبير بين بعث الرسل ﵈ وبين بعثة النبي ﷺ، فالرسل جميعا تلقوا الرفض والاضطهاد، وتحمّلوا المعاناة من أقوامهم، كما تشابهت الاعتراضات ضدّهم، وصبروا جميعا حتى كانت العاقبة بهلاك الكفار ونصر الرسل على أعدائهم.\n\n<span id=\"aya-1019\"></span>﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا﴾ أي وأرسلنا إلى قوم عاد نبيّهم هود - وهذه القصة الثانية - والمقصود من كونه أخاهم أنه منهم، والعرب تسمّي رجل القوم أخاهم، كقولهم أخا العرب، وقوم عاد سكنوا الأحقاف وهي الواقعة بين حضرموت وعمان، وانتشر سلطانهم على البلاد من حولهم حتى بلغ الخليج الفارسي شرقا والبحر الأحمر غربا، وقيل امتد سلطانهم شمالا حتى الشام، وقيل حتى العراق، وبلغت حضارتهم في وقتها مبلغا عظيما حتى وصفها تعالى بقوله:\n﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٨/ ٨٩]، ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ كلّفهم بالعبادة وأمرهم بالتوحيد، وهي كدعوة نوح وبقية الرسل لأقوامهم ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عواقب الشرك والفساد، وهي الهلاك العاجل أو الآجل.\n\n<span id=\"aya-1020\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي المصرّون على الكفر منهم، وسيرد في الآية (٧١)﴾ أنهم لن يؤمنوا في المستقبل ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ﴾ اتهموه بضعف العقل لأنه نهاهم عن عبادة آلهتهم وأوثانهم ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ وأضافوا عليه ظنّ الكذب لادعائه أنه رسول من الله.","vol":"2","page":54},{"text":"<span id=\"aya-1021\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي على النقيض مما تظنون بي من ضعف العقل وضحالة الفكر، فإن الموضوع في منتهى الجدية لأني رسول من ربّ العالمين.\n\n<span id=\"aya-1022\"></span>﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ﴾ مهمة الرسول هي البلاغ، وهو مجرّد ناصح أمين لهم، غير مسيطر.\n\n<span id=\"aya-1023\"></span>﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ سمّى الوحي ذكرا لأنه تذكير لهم بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، راجع [الأعراف ١٧٢/ ٧]، ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ما وجه العجب أن يبعث تعالى رجلا منكم ليدعوكم إلى عبادته وحده؟ ولينذركم عواقب الضلال ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ فاعتبروا بعاقبة تكذيب الرسل ﴿وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ﴾ بسطة وقد زادكم تعالى من بين مخلوقاته قوة ومنعة ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ فاذكروا نعم الله بالشكر والطاعة والعمل الصالح ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الفلاح هو الفوز والبقاء والنجاة، والتوصل إلى الفلاح يكون عن طريق الشكر والعمل.\n\n<span id=\"aya-1024\"></span>﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ وهو تأكيد أنهم مؤمنون بالله، ولكن يعتقدون أن له شركاء يشفعون لهم عنده، وهم أيضا مصرون على التمسك بالشركاء المزعومين تقليدا لآبائهم، والنتيجة أنهم يفضّلون التقليد على المعقول ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ رفضوا","vol":"2","page":55},{"text":"مهلة التوبة التي منحها تعالى لهم كي ينظروا في العلم والدلائل قبل انقضاء الأجل.\n\n<span id=\"aya-1025\"></span>﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ الرجس هو القبيح المستقذر حسّيا أو معنويا، والمعنى أن عبادتكم الآلهة المزعومة وإصراركم على الشرك قد لوّث نفوسكم بالخبث والقذارة الروحية، وقوله ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ يفيد تحقق الرجس على أصحابه نتيجة حتمية للإصرار على الشرك وتحدي الرسول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة ٩٥/ ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠] أي الذين لا يستخدمون عقولهم، وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٢٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]، فيكون الرجس والنجس بمعنى واحد، غير أن الزمخشري فسّر الرجس بالعذاب، لأنهم رفضوا الإمهال الذي يمنحه تعالى لعباده للتوبة فلم يبق إلا وقوع العذاب بهم ﴿وَغَضَبٌ﴾ أي ما يترتب على غضبه تعالى من العذاب، واستخدام الفعل الماضي في وقوع الرجس والغضب يفيد أن لا مردّ له بانتهاء مهلة التوبة ﴿أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ هذه الأسماء والمسمّيات من الأوثان والآلهة التي ابتكرها آباؤكم وقلدتموهم فيها، كيف تجادلون بصحتها مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ﴿ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ ما أنزل الله عليكم فيها حجة ولا برهان بل هي من اختراعكم، وما جعل تعالى بها من حول ولا قوة وليس فيها أي معنى للألوهية ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام والآلهة المزعومة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ننتظر معا عدم استمهالكم ونتيجة طلبكم وقوع العذاب بكم بقولكم ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾.","vol":"2","page":56},{"text":"<span id=\"aya-1026\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أي لمّا جاء أمره تعالى أنجى برحمته هودا ومن كان معه من المؤمنين ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ قطع دابرهم، هو استئصالهم عن آخرهم، لأن دابر الشيء آخره، قال جلّ شأنه:\n﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٦/ ٦٩ - ٧]،\n﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على قوله ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ والمعنى أنهم كذّبوا بآياته تعالى وما كانوا ليؤمنوا لو بقوا، وذلك من شدة إصرارهم على الضلال، ونظير ذلك قوله عزّ شأنه: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ [الكافرون ٥/ ١٠٩] أي في المستقبل.\n\n<span id=\"aya-1027\"></span>﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا﴾ أي وأرسلنا إلى ثمود نبيّهم صالحا - وهذه القصة الثالثة - وتعبير أخاهم لكونه منهم ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ أمرهم بعبادة الله وحده كما هي دعوة جميع الرسل لأقوامهم ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ليتبيّن لكم الحق من الباطل، والبيّنة هي الوحي الذي نزل عليه والدلائل على صحة التوحيد والنبوّة التي جاءهم بها، والمعنى أن التقليد ليس عذرا ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ آية بمعنى علامة أو معجزة، وقوله ناقة الله بمعنى أن الخلق كله لله كما يقال عبد الله وأرض الله، وقيل لأنه لم يكن للناقة مالك من الناس ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ وهي الآية أو العلامة التي أشار إليها: أن يتركوا ناقة الله تأكل من أرض الله الواسعة ولا يتعرضوا لها بسوء، وأن يكون شرب الماء قسمة بينهم وبينها، انظر آية [القمر ٢٨/ ٥٤]، وأنذرهم العذاب الأليم في حال خلافهم.","vol":"2","page":57},{"text":"<span id=\"aya-1028\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ﴾ خلفتم عاد في الحضارة والعمران والقوة، وكانت العرب تطلق على ثمود اسم عاد الثانية، وكانت في زمنها من أعظم البلاد وأكثرها تقدّما وحضارة، وامتدت أراضيها من شمال الحجاز - الحجر - حتى الشام، وقد اكتشفت نقوش آشورية تعود إلى عهد سرجون الثاني ملك آشور (٧١٥ ق. م) تذكر أنهم خضعوا لسلطة الآشوريين لفترة من الزمن، ويبدو أن مدينة البتراء الصخرية المكتشفة في الأردن منذ عهد قريب تعود إليهم، أي إنهم النبطيون الذين اصطدموا مع أنتيجوني الأول أحد خلفاء الاسكندر عام ٣١٢ ق. م، ثمّ في عام ٨٥ ق. م. وصلت دولتهم إلى دمشق تحت حكم ملكهم الحارثة، وتكرر ذلك عام ٣٦ ميلادية أيام ملكهم الحارثة الرابع، ثم هزمتهم روما في عهد الإمبراطور تراجان عام ١٠٥ ميلادية ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سكنتم وتمكنتم فيها ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا﴾ كانوا يبنون القلاع في السهول وينحتون البيوت في الجبال، ولا تزال بيوتهم المنحوتة في الجبال في مدائن صالح - شمال الحجاز - وفي البتراء في الأردن موجودة إلى اليوم مزينة بالنقوش والكتابات شاهدة لهم على مستوى الحضارة التي وصلوها ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ اذكروا نعم الله عليكم أن وصلتم إلى هذه المرحلة من الحضارة والتمكن في الأرض، والذكر يكون بقبول الهداية الإلهية والعمل بمقتضاها ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأن الإفساد في الأرض نقيض ذكر النعم الإلهية.\n\n<span id=\"aya-1029\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بعض المستضعفين آمن بالنبي صالح، في حين أن الملأ من ثمود استكبروا، وهذه الظاهرة تكررت في تاريخ بعث الرسل، لأن كبار القوم ينظرون عادة إلى","vol":"2","page":58},{"text":"بعثة الرسول على أنها تهديد لزعاماتهم ولمصالحهم السياسية والاقتصادية ولعاداتهم الاجتماعية كالرقيق واستعباد الناس، وحتى لو أيقنت نفوسهم ضمنيا برسالة النبي فإنهم يجحدونها خوفا على مراكزهم ودنياهم ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قالوها تهكما، أي هل تعلمون ذلك علم اليقين؟ والمغزى أنهم لا يقوّمون دعوة صالح من حيث صلاحها وسموّ أهدافها، ممّا لا يستطيعون إنكاره، ولكنهم يطلبون البرهان المادي على تلقيه الوحي؟ وهذه الحجة يلجأ إليها الماديّون في كل الأزمنة ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ بما معناه أن العقل والدلائل - لغير المكابر - كافية للإيمان.\n\n<span id=\"aya-1030\"></span>﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ تعبير عن إصرارهم وإغلاق بصيرتهم، وأنهم يعملون بما يمليه عليهم الإصرار على الكفر، وهو عقر الناقة كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1031\"></span>﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ كناية عن ذبحها، لأن العقر هو قطع قوائمها، وكانوا قبل الإسلام يتبعون هذا الأسلوب الوحشي في نحر الناقة فيقطعون قوائمها قبل نحرها لتموت في مكانها ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ العتوّ هو التمرد، والمعنى تحدّيهم الآية التي جاءهم بها نبيهم ﴿وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رفضوا مهلة التوبة والنظر في الرسالة والعلم والدلائل.\n\n<span id=\"aya-1032\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ يبدو أن الرجفة التي أخذتهم كانت زلزلة أرضية، ويحتمل أنه تبعها انفجار البراكين وسيلان الحمم البركانية فطغت على ديارهم، ولا تزال بقايا الحمم - اللافا - منتشرة شمال الحجاز إلى اليوم ولا سيما على مقربة من مدائن صالح، ويطلقون عليها اليوم اسم الحرّة، وهي الأراضي","vol":"2","page":59},{"text":"المغطاة بالحمم البركانية المتصلبة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ خامدين موتى بلا حراك.\n\n<span id=\"aya-1033\"></span>﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وهي العبرة من القصة أن ما على الرسول إلاّ البلاغ والنصيحة، وهم لا يحبون الناصحين وليسوا طلاب حقيقة، بل يغلقون بصائرهم عنها ولو أتتهم.\n\n<span id=\"aya-1034\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَلُوطًا﴾ أي وأرسلنا لوطا - وهذه القصة الرابعة - وقد وردت بمزيد من التفصيل في سورة هود الآيات [هود ٦٩/ ١١ - ٨٣]، ولوط ابن أخي إبراهيم ﵇، ولد مثله في أور كلدان، أنظر شرح [الأنعام ٧٤/ ٦]، ثم استقر لوط بعد هجرته في شرق الأردن وبعث فيها ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ والفاحشة هي اللواط اشتق العرب لها اسما من لوط، ﵇، لأنه نها قومه عنها، وكانوا يقطنون شرق الأردن على مقربة من البحر الميت، ويسمى أيضا بحيرة لوط، والخطاب مرتبط بالآيات (٢٨ - ٣٣)، ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ لأنها منافية للفطرة التي فطر الناس عليها.\n\n<span id=\"aya-1035\"></span>﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي تجاوزتم حدود الفطرة وحدود الشريعة، وحتى البهائم لا تقوم بهذا العمل، فالإسراف هنا بمعنى الهبوط تحت البهيمية.\n\n<span id=\"aya-1036\"></span>﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ قالوا ذلك تكبرا وتعنتا، أي أخرجوهم من مجتمعكم، لأن القرية بمعنى المجتمع، وقد","vol":"2","page":60},{"text":"أرادوا إخراج من نهاهم عن هذه الفاحشة، أي لوط والمؤمنين به، للسبب المذكور في تتمة الآية: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ وهو إقرار منهم أن هذا العمل ينفي عن صاحبه الطهارة المعنوية والحسية، وأنه على أية حال قد غلبت عليهم شهوتهم دون - البهيمية، ولا يريدون الاستماع للتوبيخ أو النصيحة، ويحتمل أيضا أن يكون قولهم على سبيل التهكم.\n\n<span id=\"aya-1037\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ بعد إصرار القوم على المعصية حقّ عليهم العذاب، انظر آيات [هود ٧٧/-٨٣]، أنجاه تعالى مع المؤمنين به، ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ لم تؤمن به امرأته، وقررت البقاء مع قومها الشواذ، ولذا كانت من الغابرين، أي من الهالكين معهم.\n\n<span id=\"aya-1038\"></span>﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو مطر الإهلاك نزل بهم لقوله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢/ ١١]، وقد تكون الحجارة التي قذفت بها البراكين ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهي العبرة من القصة في عاقبة الأمم التي تشيع فيها الفواحش المناقضة للفطرة والشريعة، وقد قال تعالى فيهم: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣].\n\n<span id=\"aya-1039\"></span>﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا - وهي القصة الخامسة - وأخاهم بمعنى أنه منهم، أمّا منطقة مدين فتمتدّ من شمال غرب الحجاز نحو جنوب فلسطين على شاطئ البحر الأحمر وحتى البحر الميت، وغربا لتشمل جزءا كبيرا من شبه جزيرة سيناء، وقيل إن نفوذهم امتد شرقا في بعض","vol":"2","page":61},{"text":"الأوقات حتى الفرات، ومدين المدينة تقع بين معان وخليج العقبة، وهي على ملتقى طرق القوافل التجارية التي كانت تتنقل بين الحجاز ومصر، وبين العراق ومصر، وقيل إن أهاليها، وهم أصحاب الأيكة، من سلالة مدين وهو ابن إبراهيم ﵇ من زوجته الثالثة قيتورا، ولذا سميت المدينة والقبيلة باسمه، وتجار مدين هم الذين وجدوا يوسف - بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ في البئر ثم باعوه عبدا في مصر (سورة يوسف)، والظاهر من القصص الخمسة السابقة أن نوحا ثم هودا ثم صالحا ثم لوطا ثم شعيبا بعثوا بهذا الترتيب التاريخي، والواضح أيضا أن شعيبا جاء بعد إبراهيم - الذي كان عمّ لوط -، وقد شكّك عبد الله يوسف علي أن يكون شعيب هو حمو موسى ﵇ أو أن يكون معاصرا له كما هو شائع في التراث، فالمعروف أن بين بعثة إبراهيم وبعثة موسى حوالي ثمانية قرون من الزمن، في حين أن بعثة شعيب لم تتأخر بعد إبراهيم ولوط بأكثر من قرن أو قرنين من الزمن، أما الحروب التي قيل إنها نشبت بين قبائل مدين وبين بني إسرائيل، بعد دخول بني إسرائيل إلى سيناء وفلسطين، فيبدو أن الذين اشتركوا فيها من بقايا القبائل الرحل الذين قطنوا مناطق مدين بعد هلاك قوم شعيب بزمن طويل ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ دعاهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي التي أيّد بها تعالى نبيّه شعيبا، وقد تكون الوحي الذي نزل عليه والدلائل على صحة التوحيد والنبوّة التي جاءهم بها ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ بناء على ما جاءكم من البينة من ربّكم انتهوا عن أكل حقوق الناس، فالإيمان يجب أن يترتب عليه العدالة في المعاملة، والظاهر أن الغش والاحتيال في المعاملات الاقتصادية والتجارية وبخس الحقوق كان فاشيا بينهم، وأن نظامهم الاقتصادي كان قائما على ذلك، مع تغليفه بمسميات قانونية وعملية، فكان أول ما نهاهم شعيب عن ذلك، بعد أن نهاهم عن الشرك ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ لا تفسدوا في الأرض بتخريب الأحوال المعيشية الطبيعية وبالظلم والعدوان ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ بعد أن بعث الله","vol":"2","page":62},{"text":"الرسل وأمر بمكارم الأخلاق، وسخر لكم الطبيعة وجعلها لكم في أحسن تكوين، وفي عصرنا الحاضر يشمل المعنى أيضا النهي عن تلويث البيئة وتخريبها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارة إلى كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، ويتلخص في أمرين: التوحيد، وحسن المعاملة وترك الإيذاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إي إن كنتم مؤمنين حقا كما تدّعون، لأنه سبق بعث الرسل فيهم منذ زمن إبراهيم ﵇، ولأنه مع الكفر والشرك لا ينفع شيء.\n\n<span id=\"aya-1040\"></span>﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب، فالظاهر أنه بعدما أمر شعيب قومه بالتوحيد وأظهر لهم البيّنة ونهاهم عن أكل الحقوق واستغلال الآخرين وأمرهم بكف الأذى، آمن بعض الناس برسالته، فتآمر الملأ من كبار القوم خوفا على مكاسبهم من الضياع وعلى نظامهم الفاسد من الانهيار، وصاروا يتوعّدون المؤمنين بكل السبل ويصدّون الناس عن شعيب، فوجّه شعيب خطابه إلى الملأ قائلا: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي تتوعّدون المؤمنين بالتهديد وتصدّونهم عن شريعة الله ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تخترعون لشريعة الله اعوجاجا بإلقاء الشبهات عليها واختراع العيوب والنواقص، وتشويه الدين في أعين الناس ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ اذكروا نعم الله عليكم إذ جعلكم كثيري العدد والمال، وزادكم قوة بعد أن نشأتم من ضعف وقلّة ﴿وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ اعتبروا بالأمم البائدة من حولكم كأقوام نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وفيه أيضا إشارة لمضمون الآية (٣٤) بمجيء أجال الأمم المفسدة في وقتها.\n\n<span id=\"aya-1041\"></span>﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا﴾ الكلام استمرار لخطاب شعيب إلى الملأ المستكبرين من قومه، وفي","vol":"2","page":63},{"text":"هذه الحال يكون معنى ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي دعوا المؤمنين على حالهم، ولا تكرهوا غيركم على عقيدتكم، واتركوا الناس أحرارا تختار ما تراه صالحا لأن الأصل في الأمور حرية العقيدة، وإن كنتم تعتقدون أنكم على حق فإنه لا يصح إلا الصحيح.\nويحتمل المعنى أيضا أن شعيبا التفت بالخطاب إلى القلة المؤمنين من أتباعه فنصحهم بالصبر وتحمل التضحيات والمشاق حتى يجيء أمر الله ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ وحكم الله قد يجيء في زمانهم، أو بعدهم بجيل أو بأجيال، بتطور منطق الأحداث، وحكمه تعالى يكون بحسب سننه في خلقه بأن ينصر من الناس من هم أقرب إلى العدل والإصلاح في الأرض، وهو خير الحاكمين لأن حكمه الحق.\n\n<span id=\"aya-1042\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ على النقيض من حرية العقيدة التي دعاهم إليها شعيب في الآية السابقة فإنهم مصرّون على الإكراه، والنتيجة أن الدعوة والنصح والنقاش الموضوعي والمنطق الحسن لم ينفع مع المستكبرين من كبار القوم، ولم يقبلوا هذا الأسلوب، فبدلا من الاستجابة لعرض التسامح وحرية الفكر الذي قدّمه شعيب لهم، هدّدوه بإخراجه ومن معه من مجتمعهم إن لم يلتزموا بالملّة التي ورثوها عن آبائهم وهي الشرك ﴿قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي كيف يجوز إكراه البشر على ملّة أو عقيدة لا يؤمنون بها؟ فإنّ الله تعالى قد خصّ بني آدم بالتكريم لجهة حرية الفكر والخيار.\n\n<span id=\"aya-1043\"></span>﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)﴾","vol":"2","page":64},{"text":"٨٩ - ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ المعنى أن الدخول في ملّتكم يقتضي منّا أن نكذب على أنفسنا ونشرك بالله ما لم ينزّل به سلطانا ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها﴾ بعد أن أوضح لنا تعالى بطلان ملّتكم، وأنزل علينا الوحي والبيّنات والدلائل ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها﴾ إن كنّا صادقين مع أنفسنا، بعد كل هذه الدلائل، وفي ذلك إشارة للآية (٣٧)، ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ بعد النفي القاطع لاحتمال دخوله ومن معه في ملّتهم، ردّ الأمر إلى المشيئة الإلهية وهي في علم الغيب، وليس المعنى أنه تعالى قد يشاء أو يريد ذلك منه، وإنما ذلك تواضع من شعيب وإقرار بضعف الإنسان تجاه المشيئة المطلقة ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تمجيد له تعالى لانفراده بعلم الغيب ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ بعد أن استنفد شعيب كل الأسباب في إقناع قومه، وبعد إصرارهم على الكفر، وتهديدهم له وللمؤمنين معه بالإخراج أو العودة في ملتهم، كان التوكل على الله الملاذ الأخير لشعيب والمؤمنين معه ﴿رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ إعراض تام عن مفاوضتهم بعدما ظهر له من مكابرتهم وجحودهم، والاستفتاح هو الاستنصار، فهو يرجو الفتح من الله كي يظهر الحق من الباطل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ تمجيد له تعالى.\n\n<span id=\"aya-1044\"></span>﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ بعد أن يئس الملأ من استجابة شعيب لهم، التفتوا بالخطاب إلى المؤمنين من جماعته، فأنذروهم أنهم سيخسرون مكانتهم ومعيشتهم وأرزاقهم في المجتمع إن هم أصرّوا على اتّباع شعيب، والمعنى أنهم لم يكتفوا بإصرارهم على الضلال، بل تجاوزوه لمحاولة إضلال المؤمنين وحرمان شعيب من مؤيديه، وهو السهم الأخير الذي حاولوه، ويفيد انقطاع الرجاء والأمل من إيمانهم بشعيب، وانتهاء فترة الإمهال والتوبة لهم، ويلاحظ روعة الإيجاز وتسلسل الحوار الفكري بين شعيب ومناوئيه.","vol":"2","page":65},{"text":"<span id=\"aya-1045\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الأرضية، ولا تزال بقايا الحمم البركانية في أراضي الحرّة ماثلة إلى اليوم شاهدة على ذلك، وفي آية [الشعراء ١٨٩/ ٢٦] أنه أخذهم عذاب يوم الظلة ويبدو أن الرماد البركاني انتشر في الجو كالضباب حاجبا عنهم الشمس ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك.\n\n<span id=\"aya-1046\"></span>﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ اختص الهلاك بالذين كذّبوا شعيبا، ويبدو أن شعيبا والمؤمنين معه غادروا المنطقة قبل وقوع العذاب لقوله في الآية التالية أنه تولّى عنهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ هم وحدهم كانوا الخاسرين، خسروا دنياهم وآخرتهم وهو الخسران العظيم، وتبيّن ضلال زعمهم للمؤمنين عندما قالوا لهم: ﴿لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ (٩٠).\n\n<span id=\"aya-1047\"></span>﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ قبل هلاكهم بعد أن يئس من استجابتهم ﴿وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾ فقد أمرتكم بالتوحيد ونهيتكم عن الشرك والفساد ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ ما هو في صالحكم ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لأنهم أصروا على الكفر وأهلكوا أنفسهم بالتعامي والاستعلاء عن الرسالة، ولم يستفيدوا من فرصة الإمهال والتوبة قبل نزول العذاب.\n\n<span id=\"aya-1048\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - بعث الرسل، والتكذيب، تكرر في كثير من الأمم، ولم يقتصر على الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وأنه بعد التكذيب، أخذهم تعالى بالبأساء والضراء:\n﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ فكذّبوا به، ولا يشترط أن يكون التكذيب مقتصرا على العصر الذي بعث فيه الأنبياء، وإنما قد يحصل التكذيب بعدهم أيضا، أي في الأزمنة التي تلي بعثتهم ﴿إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾","vol":"2","page":66},{"text":"البأساء: البؤس والفقر، والضراء: الضرر والمرض، وتقدير الخطاب أنه تعالى ما أرسل من نبيّ، فكذّب به قومه، إلاّ أخذهم بالبأساء والضراء ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي كان الغرض من أخذهم بالبأساء والضراء أن يتضرعوا لله، بمعنى يبتهلوا ويخشعوا ويتواضعوا ويذعنوا لرسالاته.\n\n<span id=\"aya-1049\"></span>﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة ما يستحسنه، والمعنى أنه تعالى جعل لهم الرخاء مكان البأساء والضراء، لعلهم يشكرون النعم ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ حتى كثروا وتكاثرت أموالهم ﴿وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ﴾ اعتبروا تعاقب الشدائد والرخاء أمرا طبيعيا لا علاقة له بعواقب أعمالهم وذكراهم ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ بعد أن انقضت مهلتهم ولم تنفع معهم رسالات الرسل، ولم يذكّرهم تعاقب المحن والرخاء بشيء ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ دون أن يخطر ببالهم أي شيء من المكروه، لشدة غفلتهم عمّا جاء به الرسل.\n\n<span id=\"aya-1050\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا﴾ بما جاءت به الرسل ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ الكفر والشرك وسوء الأخلاق ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ليسّرنا عليهم الخيرات والرخاء والصحة من كل جانب ﴿وَلكِنْ كَذَّبُوا﴾ الرسل والوحي ﴿فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كانوا يكسبون من أعمال الشر.\n\n<span id=\"aya-1051\"></span>﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ﴾ ماذا يتوقعون بعد تكذيبهم الرسل؟ هل يأمنون مجيء العذاب وهم غافلون عمّا ذكّروا به؟ في إشارة واضحة لمصير الأمم البائدة من قبلهم.","vol":"2","page":67},{"text":"<span id=\"aya-1052\"></span>﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - العذاب جهارا وهم منهمكون بالجري وراء الدنيا فيما لا طائل منه؟ أو يلهون بأمور الدنيا لأنها لعب ولهو لأمثالهم؟ وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (٤ - ٥)،\n\n<span id=\"aya-1053\"></span>﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ اطمأنّوا لأنفسهم وأمنوا تدبيره الخفي المؤدّي بهم إلى ما لا يحتسبون ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ الذين يظنون أنهم في مأمن من التدبير الإلهي والخطة الإلهية التي هي سنة الله في مخلوقاته، فيعتمدون على حولهم وقوتهم لا غير، ويطمئنون لأنفسهم، ولا يعرفون خالقهم، فيترتب على ذلك بالضرورة أن يكونوا من الخاسرين.\n\n<span id=\"aya-1054\"></span>﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها﴾ هذه هي العبرة من قصص الأقوام السالفة، والمعنى أو لم نبيّن للذين يرثون الأرض، وهم الذين بقوا بعد هلاك من سبقهم من الأمم، واستخدام الفعل المضارع في ﴿يَرِثُونَ﴾ دلالة على التكرار في نمط الأمم السالفة، وهو من السنن الكونية ﴿أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي يصيبهم من العذاب، بسبب ذنوبهم، كما أصاب الأمم من قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وهي النتيجة الحتمية الطبيعية التي تلحق بهم بسبب إصرارهم على الذنوب، فتشغلهم الدنيا ويغفلون عن الحقيقة ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ وتكون النتيجة أنهم لا يسمعون القرآن والمواعظ سماع تفهّم وتفكّر واعتبار، انظر الآية (٢٠٤)، والآية التالية تفيد مزيدا من إيضاح ذلك،\n\n<span id=\"aya-1055\"></span>﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)﴾","vol":"2","page":68},{"text":"١٠١ - ﴿تِلْكَ الْقُرى﴾ أي تلك الأمم والمجتمعات ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها﴾ وقد قصصنا عليك منها خمسا، قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، ومدين ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بآيات واضحات ومعجزات ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ما كان لديهم الاستعداد للإيمان بما كذّبوا به قبل مجيء الرسل، إذ اعتادت نفوسهم على ما هم عليه من التقليد والعصبية والمعصية ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾ أي بسبب إصرار الكفار على كفرهم، تغفل عقولهم عن الحقيقة، وتعمى بصيرتهم، وكما هو أسلوب القرآن في العديد من الآيات فإن الله تعالى ينسب الطبع على القلوب إلى ذاته العليّة، مع أن ذلك من كسب الناس أنفسهم وفق سننه تعالى في خلقه.\n\n<span id=\"aya-1056\"></span>﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ أكثرهم لا يتّبعون ما جبلت عليه الفطرة من توحيد الخالق وطاعته، ولا ينظرون في الدلائل والحجج والآيات، وقد تكون الإشارة للعهد المشار له في الآية (١٧٢)، ﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ خارجين عن الطاعة.\n\n<span id=\"aya-1057\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد الأنبياء الذين جرى ذكرهم ﴿مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ - وهذه القصة السادسة - وفي حين أنّ القصص السابقة ركزت على بعث الرسل لمناهضة الشرك والفساد في أقوامهم، وأن كلّ تلك الأقوام قد بادت، فإن قصة موسى تختلف من حيث أنه بعث لدعوة الفراعنة إلى عبادة الله من جهة، ولتحرير وهداية بني إسرائيل من جهة ثانية، وتتضمن القصة أيضا ضياع بني إسرائيل في صحراء التيه بسيناء، وضياعهم الأسوأ عن تعاليم موسى وعن فحوى بعثته، وفشلهم المتكرر، وإثبات عدم جدارتهم بحمل الرسالة الإلهية، ضياع بني إسرائيل وفسادهم وإفسادهم الذي لا يزال مستمرا","vol":"2","page":69},{"text":"إلى اليوم، بعد أن رفضوا آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇، ثم رفضوا بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظلموا أنفسهم على علمهم بها، أي بالآيات، أو ظلموا بكفرهم بها، لأن الكفر ليس إلا تخريب للنفس، ولا يضر إلاّ صاحبه ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ انظر أيها القارئ، أو أيها السامع، عاقبة الفراعنة وأمثالهم من المفسدين من بني إسرائيل، والمغزى أن الإفساد والفساد نتيجة حتمية للكفر الذي هو ظلم للنفس، ويلاحظ أنه في آية واحدة تم إجمال بعثة موسى من بدايتها حتى نتيجتها، لبيان العبرة الرئيسية منها قبل الدخول في التفصيل.\nويشمل معنى ﴿عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ بني إسرائيل أنفسهم، وليس فرعون فقط، لأن سيرة بني إسرائيل غاصة بأمثلة من عنادهم وإفسادهم، كالتذمر من رسالة موسى (الآية ١٢٩)، وطلبهم منه أن يجعل لهم آلهة أصناما (الآية ١٣٨)، وعبادة العجل الذهبي (الآية ١٤٨)، وطلبهم أن يروا الله جهرة [النساء: ١٥٣/ ٤]، وقولهم لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة ٢٤/ ٥]، وإفسادهم في فلسطين (الآية ١٦٣)، والعدوان على شريعة السبت (الآية ١٦٣)، وافتراء الكذب على الله وإضاعة التوراة الوحي، وتحرير غيرها من عندهم (الآية ١٦٩)، وارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية ممّا هو موثّق في كتبهم قبل غيرهم، وعبادتهم آلهة بعل الكنعانية، انظر آية [الصافات ١٢٥/ ٣٧]، ومن عواقب عملهم أنهم صاروا كأمثال القردة الخاسئين (الآية ١٦٦)، والناس تسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة (الآية ١٦٧)، وتشريدهم في الأرض أمما مبعثرة (الآية ١٦٨).\nومن المهم ملاحظة الإسهاب في قصة موسى وبني إسرائيل، الآيات (١٠٣ - ١٧١) أي ٦٨ آية، في حين أن قصص الأقوام الخمسة من قبلهم وصفها تعالى جميعا بالآيات (٥٩ - ٩٣) أي ٣٤ آية، والسبب أن الأقوام الخمسة الأولى قد انقرضت، وقد بيّن لنا تعالى العبر من عاقبة سلوكها وهلاكها، في حين أن إفساد بني إسرائيل لا يزال باقيا على مر الأيام حتى عصرنا الحديث، وهذا من","vol":"2","page":70},{"text":"إعجاز القرآن وكشفه عن الغيب، ومن العبر الكثيرة في قصة بني إسرائيل تعريف المسلمين بطبيعة عدوهم وخبث نفوسهم وغدرهم وحقدهم وافترائهم على الحق، وعدم إقامة أي وزن لعهودهم مع الغير، وهي عبر فائقة القيمة يلزم أن يستوعبها المسلمون في التعامل مع عدوهم اليوم.\n\n<span id=\"aya-1058\"></span>﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ كان المصريون زمن الفراعنة يعبدون الشمس، وكانت في لغتهم تسمّى \"رع\"، وكانوا يعتبرون فرعون تجسيدا للإله - الشمس، وممثله على الأرض، لأن لقب فرعون يعني ابن الإله - الشمس، وهو لقب كان يطلق على كل ملك من ملوك مصر - كما كان لقب كسرى يطلق على كل من ملوك الفرس -، وقد عاصر موسى فرعونين: الأول هو رمسيس الثاني ويلقّب فرعون الاضطهاد، لشدة اضطهاده اليهود في مصر، وهو الذي كان يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم (الآية ١٢٧)، وقد ولد موسى في عهده وتربّى في قصره، والثاني: منفتاح ابن رمسيس الثاني الذي بعث موسى في عهده، ويسمى فرعون الخروج، لأنّ بني إسرائيل خرجوا من مصر في عهده، وهو الذي غرق في البحر الأحمر أثناء مطاردته بني إسرائيل، وكان حكم هذين الفرعونين خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وفي هذه الآية (١٠٤) يقول موسى لفرعون أنه رسول من ربّ العالمين، والمعنى أن لهذا الكون ربّا، وهو ربّ العالمين جميعا، بمن فيهم فرعون مدّعي الألوهية، وأن ربّ العالمين وحده يستحق العبادة.\n\n<span id=\"aya-1059\"></span>﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ يترتّب على كوني رسول من ربّ العالمين أني لا أقول عنه إلا الحق، فلا أفتري عليه الكذب، ولا مجال للزعم بأني ساحر، ولا طالب زعامة، وهذه مقدمة لإقناع فرعون بما","vol":"2","page":71},{"text":"سوف يقوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بمعجزة قاهرة برهانا على ما أقول، والخطاب صار بصيغة الجمع لأنه موجّه إلى فرعون ومن معه من الملأ، وهم الوجهاء وكبار القوم ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهي النتيجة الثانية التي أراد موسى أن يصل إليها، بعد أن شرح لفرعون أن لهذا الكون ربّا، والمراد إطلاق بني إسرائيل من العبودية حتى يذهبوا مع موسى إلى الأرض المقدسة، وقد كانت الفترة بين دخول يوسف ﵇ مصر ودخول موسى ﵇ حوالي أربعة قرون، لأن يوسف دخلها خلال القرن السابع عشر قبل الميلاد خلال حكم الهكسوس، ودخلها موسى خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد.\n\n<span id=\"aya-1060\"></span>﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ أي بعلامة أو معجزة ﴿فَأْتِ بِها﴾ وهو تشكيك من فرعون بمجيء الآية ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ومزيد من التشكيك في صدق موسى، كما أن هذا القول، في مجمله، ينم عن سخرية فرعون من إدعاء موسى واستخفاف به.\n\n<span id=\"aya-1061\"></span>﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ثعبان مبين أي ظاهر واضح في كونه ثعبانا حقيقيا تراه الأعين من غير أن يسحرها ساحر فيخيل إليها خيالا، وقد لعب الثعبان دورا كبيرا في أساطير قدامى المصريين، فقد كان عندهم رمزا للظلام والرعب، إذ زعموا أن رع - الشمس الإله - حقق نصرا على الثعبان أبوفيس  Apophis،  في إشارة إلى انتصار نور الشمس على الظلام، وهكذا فقد كان لتحول عصا موسى إلى ثعبان تأثيره الكبير في عقلية المشاهدين، لأن موسى تمكن من السيطرة على الثعبان وإعادته عصا، الثعبان الذي بصعوبة تمكن إلههم رع من هزيمته، وقد أورد بعض المفسرين قصصا إسرائيلية غريبة عن حجم الثعبان وضخامته، والألوف الذين قتلهم، وردود فعل فرعون تجاهه، ولا شك أن مثل هذه القصص من روايات الزنادقة أو الإسرائيليات،","vol":"2","page":72},{"text":"<span id=\"aya-1062\"></span>﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه ﴿فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أي بيضاء بياضا نورانيا مضيئا ساطعا، وقد تكون رمزا لنور نبوّته، وهي الآية الثانية التي جاءهم بها موسى فأذهلتهم، فلو كان الثعبان قد أثار عندهم أي ريبة أو توجس بالشر أو شعورا بالرعب، فهذا النور قد دحض أط ريبة من هذا القبيل لأنه معاكس لما يرمز إليه الثعبان عندهم.\n\n<span id=\"aya-1063\"></span>﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ كان للآيتين اللتين جاء بهما موسى تأثيرهما الكبير على فرعون وملئه، كما سوف يظهر من تتمة الآيات، ولكنهم مالوا إلى المكابرة وقرروا تفسيرهما من منظار السحر الذي اعتادوا بوساطته أن يتلاعبوا بعقلية الجماهير، ويلاحظ أن هذا القول منسوب إلى الملأ من قوم فرعون، لأن الملأ في مثل هذه الأحوال يداهنون كبيرهم، وقلّما يخلصون له النصيحة، وفي سورة الشعراء أن فرعون قال ذلك أيضا، ويحتمل أنه قاله ابتداء، ثم وافقه عليه كبار القوم كما هي عادة الحاشية من موافقة الطغاة.\n\n<span id=\"aya-1064\"></span>﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ (١١٠)\n١١٠ - أتمّ فرعون كلام الملأ، وادعائهم أن موسى ساحر عليم، بقوله:\n﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بعد أن نسبوا السحر إلى موسى، أضاف فرعون زعمه أن موسى جاء طالبا الملك والزعامة، ولا يوجد سبب واضح لذلك سوى أن موسى ادعى النبوة وطلب منهم تحرير بني إسرائيل وإطلاقهم من مصر، وقد رأى فرعون أنه لو قبل نبوّة موسى لترتّب عليها نسف نظامه الاجتماعي والسياسي من أساسه، لأن فرعون لم يكن حاكما سياسيا فحسب، بل جمع لنفسه ادعاء الألوهية، كما أن تحرير بني إسرائيل قد يزعزع نظام العبودية عنده، وقد يشجع باقي العبيد على التمرد والثورة، وقد تكون النتيجة","vol":"2","page":73},{"text":"إخراج الطبقة الحاكمة من مصر، وهو ما تخوّف منه، والنتيجة أنّ فرعون وملأه لم يحاولوا فهم وتقويم دعوة موسى من حيث جدارتها وقيمتها الحقيقية، بل فكّروا بمنظار الحكم والاستبداد، فلم يروا في دعوة موسى سوى تهديد لزعاماتهم ومراكزهم ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فرعون وملأه تشاوروا وقالوا لبعضهم البعض ماذا تشيرون؟ قال الزمخشري: تآمر القوم وأتمروا مثل تشاوروا، ويحتمل أن يكون هذا قول فرعون لحاشيته بمعنى ماذا تشيرون عليّ؟ وبعد أن توصل الجمع إلى الرأي وجهوا اقتراحهم إلى فرعون قائلين:\n\n<span id=\"aya-1065\"></span>﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ أي أرجئه، وأرجئ أخاه، والإرجاء هو التأخير، فالمعنى أخّر أمرهما ولا تفصل به الآن ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أرسل من أعوانك في مدائن ملكك، يجمعون لك من السحرة.\n\n<span id=\"aya-1066\"></span>﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ممّا يدل أن السحرة في ذلك الزمن كانوا كثيرين، وأن فرعون كان يعتمد عليهم في تضليل الجماهير، وقد أراد أن يحشر تجاه موسى كل ساحر عليم بلا استثناء ليضمن أن تكون له الغلبة، وقد ورد الكثير من الإسرائيليات عن عدد السحرة الفعلي مما هو واضح بطلانه، ولا جدوى ولا فائدة من تتبعه ولا معرفته.\n\n<span id=\"aya-1067\"></span>﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بعد أن تم جمعهم وحشرهم عنده ﴿قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ وهو دليل أن فرعون وملأه كانوا في حالة من الذعر والارتباك جعلت السحرة يتجرؤون ويفرضون شروطهم في طلب الأجر في حال تمكنوا من التغلب على موسى، وتفيد الآية من جهة ثانية أن السحر ليس سوى تمويه واحتيال ولا ينطوي على أي فعل حقيقي، فلو لم يكن","vol":"2","page":74},{"text":"كذلك لما كان السحرة بحاجة إلى فرعون وأمواله، ولتمكنوا بسحرهم من الحصول على مبتغاهم دونما حاجة للغير.\n\n<span id=\"aya-1068\"></span>﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ لم يكن فرعون في حالة تسمح له بالمساومة والتعجرف، فقد وجد في موسى تهديدا حقيقيا، ولذا أضاف إلى موافقته بإجزال الأجر للسحرة أن وعدهم بمناصب عالية في ملكه، وأن يجعلهم من المقربين إليه إن تغلبوا على موسى، فلما اطمأنوا لذلك خاطبوا موسى قائلين:\n\n<span id=\"aya-1069\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ تركوا الخيار لموسى، ربّما لشدة ثقتهم بمقدرتهم على التغلب عليه، فقد ظنوا أنه مجرد ساحر مشعوذ على شاكلتهم.\n\n<span id=\"aya-1070\"></span>﴿قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿قالَ أَلْقُوا﴾ أراد موسى منهم أن يبدؤوا بإظهار قصارى مقدرتهم وسحرهم لكي يقوم بإبطاله بعد أن يكون الناس قد انضبعوا لما رأوه من فائق مقدرتهم ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ أي خيّلوا لهم خلاف الحقيقة قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه ٦٦/ ٢٠]، ﴿وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أوقعوا الرهبة في نفوسهم ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ بأن جعلوا الناس تعتقد بصحة ما أرادوه من تحول حبالهم إلى ثعابين.\n\n<span id=\"aya-1071\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ أي ألهمناه إلقاء العصا ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ الإفك اسم لما يؤفك أي يصرف ويحوّل عن شيء إلى غيره، فهو قلب الشيء عن وجهه، ويستعمل في التلبيس وقلب الحقائق، ومنه","vol":"2","page":75},{"text":"قيل للكذب إفك، لأنه مقلوب عن وجهه، وقوله ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أي ما يصرفون الأمور عن حقيقتها، وهو أن السحرة جعلوا الناس يتخيلون الحبال والعصيّ أنها تتحرك وتسعى، أما العصا فهي ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي تتناوله وتزيله بسرعة وتظهر بطلانه، وقد ذكر الشيخ رشيد رضا في المنار عن الشيخ محي الدين بن عربي أنه ترتب على إلقاء عصا موسى أن رأى الناس تلك الحبال والعصيّ على حقيقتها لا تسعى ولا تتحرك، ولو أنها ابتلعتها - كما يظن البعض - لبقي الأمر ملتبسا على الناس، ولكان قصارى ما في الأمر أن كلاّ من السحرة وموسى قد أظهر أمرا غريبا كان أحدهما أقوى من الآخر فأخفاه على وجه غير معلوم، ولكن عصا موسى أزالت أحابيل السحرة بسرعة وهو معنى اللقف، والخلاصة أن السحر العظيم الذي جاء به السحرة لم يكن سوى إفكا، أي خيالا وكذبا ليس من الحقيقة في شيء، وقد نصّت الآية أنّ عصا موسى قد لقفت الإفك وأبطلته - ولم تلقف الحبال والعصي -، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٨١/ ١٠].\n\n<span id=\"aya-1072\"></span>﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر الحق وتبيّن ووقع مكان الباطل فأزاحه ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر، لأنّ السحر في حقيقته باطل غير ذي فعل حقيقي.\n\n<span id=\"aya-1073\"></span>﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿فَغُلِبُوا﴾ والكلام عن فرعون والملأ الذين معه، لأن موقف السحرة كان مختلفا كما سوف يرد في الآية التالية، ولم يقل غلبهم موسى، لأن ذلك لم يكن من صنع موسى أو حذاقته وإنما كان من الله تعالى، وقوله ﴿هُنالِكَ﴾ أي في ذلك المجمع العظيم الذي ضمّ كبار القوم وغيرهم من الناس الذين حشروا ضحى في يوم عيد لهم وزينة من مواسمهم، حيث ضرب لهم موسى موعدا في","vol":"2","page":76},{"text":"ذلك اليوم، كما هو مذكور في سورة طه ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه ٥٩/ ٢٠]، ﴿وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ أي انقلب فرعون وملؤه من مستكبرين إلى صغار أذلاء في نفوسهم، بعد أن كانوا مستعلين واثقين من أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-1074\"></span>﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لأن السحرة كانوا أدرى من غيرهم بحقيقة ما حدث، فقد أيقنوا أن ما شاهدوه لم يكن تخيلا ولا خداعا مما اعتادوا أن يحتالوا به على الناس، وعرفوا أن ما قام به موسى معجزة حقيقية من عند الله لا يقدر السحرة ولا غيرهم على مثلها، ولذلك لم يبق في نفوسهم أدنى مكانة لفرعون ولعظمته الدنيوية، ولم يتمالكوا أنفسهم أن وقعوا ساجدين مؤمنين بنبوّة موسى لما تبين لهم من ظهور الحق بالمقابلة مع تفاهة السحر، وهو مغزى تجهيل الفاعل في قوله ﴿وَأُلْقِيَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1075\"></span>﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ إشارة لقول موسى في الآية (١٠٤) إنه رسول من ربّ العالمين.\n\n<span id=\"aya-1076\"></span>﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ رب العالمين الذي دعا إلى الإيمان به موسى وهارون.\n\n<span id=\"aya-1077\"></span>﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قبل أن آمركم ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أنتم وموسى تآمرتم وتواطأتم على هذه الخطة وعلى هذه النتيجة سلفا ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ وهو ما كانوا اتهموا به","vol":"2","page":77},{"text":"موسى من قبل (الآية ١١٠)، أي إن غرضكم، أنتم وموسى، إخراج المصريين من مصر لكي يكون لكم فيها الملك والحكم مع بني إسرائيل، ويبدو أن اختلاق هذا الاتهام من قبل فرعون كان موجها للاستهلاك المحلي لكي يحشد لنفسه تأييد عامة المصريين ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد بما سوف ينزله في السحرة من العقاب والتعذيب، كما هو مذكور في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1078\"></span>﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يبدو أن عدد السحرة كان كبيرا (الآية ١١٢)، ويحتمل أيضا أنّ عددا كبيرا من المصريين انضم إليهم، لأن تعبير ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ بتشديد حرف الطاء و﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ بتشديد حرف اللام يشير لوجود أعداد كبيرة منهم، فالتقتيل غير القتل، والتقطيع غير القطع، والتصليب غير الصلب، إذ تدلّ على التكثير، وقد استخدم التعبير نفسه بالآية (١٢٧)، وقوله ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ أي لأجل خلافكم ومعاندتكم رأيي وأمري، انظر آية [المائدة ٣٣/ ٥].\n\n<span id=\"aya-1079\"></span>﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿قالُوا﴾ أي السحرة ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ المعنى أنهم غير مبالين بما يحل بهم في هذه الحياة الدنيا من انتقام فرعون ما داموا على الحق، كما يحتمل أن يكون ضمير الجمع في قوله ﴿إِنّا﴾ للسحرة وفرعون معا، فيكون معنى قولهم أن الحكم الفصل بينهم وبين فرعون لله وحده، وفي ذلك تعريض بفرعون وادعائه الربوبية.\n\n<span id=\"aya-1080\"></span>﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - تتمة خطاب السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ ما تعيب علينا، ولا تكره منّا، سوى الإيمان بالله، وهذا هو ذنبنا عندك، ولكن كوننا على الحق لا يوجب النقمة والانتقام، بل يقتضي العكس:","vol":"2","page":78},{"text":"أن يحذو فرعون حذوهم، ولهذا فقد التفتوا، بعد أن يئسوا من استجابة فرعون، إلى التضرع إلى ربهم قائلين: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ وهو تضرّع بإنزال كامل الصبر عليهم استعدادا لما يتوقعونه من المحنة والبلاء، كما لو كان الصبر في إناء فيفرغ بكامله عليهم ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ دعاء بتثبيتهم على الإيمان، مستسلمين لله، مذعنين له وحده دون غيره.\n\n<span id=\"aya-1081\"></span>﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - بعد أن تبيّن للجميع أن السحرة غير عابئين بتهديد فرعون، بادر كبار القوم إلى تحريضه على موسى وعلى أتباعه، نفاقا وخوفا على مراكزهم، فقالوا له: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أتتركهم ليفسدوا عليك حكمك في مصر؟ إما بإدخال المصريين في دينهم، أو بجعلهم تحت سلطتهم يأتمرون بأمرهم، وفي الحالتين تكون النتيجة زوال الحكم الفرعوني ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ويتركك ويترك آلهتك هو وقومه ﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ أي سنعمل على إفناء بني إسرائيل بتقتيل أبنائهم، وتعبير التقتيل هنا أيضا يدل على التكثير والتدريج، أي حتى ينقرضوا ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ نستبقي نساءهم أحياء يتزوجهنّ المصريون ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ بهذه الطريقة نقهرهم ونسيطر عليهم، والواضح أن فرعون قرر ترك موسى وعدم إيذائه تجنبا لاستفزاز من والاه من المصريين.\n\n<span id=\"aya-1082\"></span>﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - علم موسى بما دار بين فرعون وملئه من الكيد لبني إسرائيل، أو أنه توقع هذا الكيد بعد أن خلّى فرعون سبيله، فقال لقومه: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا﴾ على ما يحل بكم من المحن، وما سوف يحل بكم نتيجة الثبات على عقيدتكم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ وليست","vol":"2","page":79},{"text":"لفرعون فقط، والدنيا دول ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ العاقبة الحسنة تكون للذين يتقون الله بمراعاة سننه في أسباب إرث الأرض، كالاتحاد، والعمل، والعدل، والتزام الحق، والصبر على الشدائد، والاستعانة بالله، وإقامة شرعه، والمغزى إذا سرتم على هذه الأسس وفق نظام سننه تعالى في خلقه كانت العاقبة الحسنى لكم.\n\n<span id=\"aya-1083\"></span>﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - كان توهّم بني إسرائيل أن الظفر على فرعون يتم بلا عمل ومن دون تضحيات، وأنّ مجرّد بعث النبي موسى بينهم يضمن النصر لهم، فقالوا لموسى:\n﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ أي لم نستفد شيئا من بعثتك، فقد كنّا نتحمّل أذى فرعون قبل مجيئك، ثمّ تفاقم هذا الأذى بعد مجيئك، وفي هذا القول نوع من الوقاحة من جانب بني إسرائيل، وهو في الوقت نفسه مقدّمة لما سوف يلقاه موسى من العنت والمعاندة منهم، وقد قالوا له بعد ذلك في سيناء: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤/ ٥]، انظر أيضا آيات [البقرة ٦١/ ٢، ٢٤]، وآيات [المائدة ١٢/ ٥ - ٣٢]،\n﴿قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي نرجو الله تعالى أن يهلك عدوكم فرعون، ويجعلكم خلفاء في فلسطين، والمقصود من تعبير ﴿عَسى﴾ إفهامهم أنه يلزمهم التقوى والعمل الجاد وتحمل المشاق كي يصلوا إلى مبتغاهم ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي إنه تعالى يحكم عليكم وفق أعمالكم، هل تشكرون النعمة أم تكفرونها؟ وهل تقيمون العدل أم تظلمون؟ وهل تصلحون في الأرض أم تفسدون؟ وهل تكونون صالحين لحمل الرسالة إلى غيركم؟ وهل تكونون قدوة لغيركم؟ والنتيجة أنه تعالى يحكم عليهم وفق ما يعملون، وليس وفق ما يعلمه بالغيب منهم.","vol":"2","page":80},{"text":"<span id=\"aya-1084\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٣٠)\n١٣٠ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ السنين جمع سنة، وهي السنة التي يحصل فيها القحط، وهي أيضا بمعنى السنة الزمنية، وآل فرعون المقصود بهم قومه بمن فيهم كبار القوم وعامتهم، أي أهل مصر في عهده، وهم مؤاخذون بظلمه وطغيانه لأن قوته المالية والعسكرية منهم، وقد خلقهم تعالى أحرارا وكرمهم بالعقل والفطرة التي تميل بالغريزة إلى الحرية والكرامة، فكان حقا عليهم ألاّ يقبلوا استعباده لهم، وأن يرفضوا جعلهم آلة لطغيانه ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ كناية عن شدة الضيق، أي إنّ القحط الذي أخذهم به تعالى لم يقتصر على الحبوب فقط ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلهم يذّكرون ضعفهم واعتمادهم على القدرة الإلهية، ويذكرون عجز فرعون وعجز آلهتهم الوهمية.\n\n<span id=\"aya-1085\"></span>﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣١)\n١٣١ - ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ﴾ وهو قول آل فرعون، أي هي نتيجة استحقاقنا لا غير، ونحن جديرون بها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه، لأن التطيّر هو التشاؤم، فيقولون أصابتنا هذه السيئة بسببه، لأنهم قوم اعتادوا الخرافات ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي حظهم عند الله، وعبّر عنه بالطائر لأن العرب كانت تتوقع الخير والشر مما تراه من حركة الطير، فإذا طارت من جهة اليمين تيمّنت وتوقعت الخير، وإذا طارت من جهة الشمال تشاءمت وتوقعت الشر، ثم إنهم سمّوا الشؤم طيرا وطائرا، وسمّوا التشاؤم تطيّرا، ولذا قال تعالى في دحض خرافتهم أنّ طائرهم عند الله، أي إنه تعالى جعل لكل شيء قدرا، بمعنى أنه وضع للكون سننا وقوانين تكون فيها المسبّبات على قدر الأسباب ونتيجة لها، وقد بيّن ﷺ أن طيرتهم باطلة فقال: «لا طيرة ولا هام»، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثرهم لا يعلمون أن","vol":"2","page":81},{"text":"التشاؤم والطيرة باطلة، وأن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره.\n\n<span id=\"aya-1086\"></span>﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٢)\n١٣٢ - ﴿وَقالُوا﴾ وهو قول آل فرعون لموسى ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إن تجئنا بكل نوع من أنواع المعجزات فلن نصدقك، ولن نتبع رسالتك، وقولهم لتسحرنا بها من قبيل المكابرة والمعاندة، والمعنى أنهم مصرون على اعتبار الآيات القاهرة نوعا فائقا من أنواع السحر.\n\n<span id=\"aya-1087\"></span>﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ (١٣٣)\n١٣٣ - ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عقوبة لكفرهم وذنوبهم ﴿الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ﴾ طوفان النيل، ثم الجراد يأكل محاصيلهم، ثم القمّل وهو السوس يأكل الحنطة والحبوب، ثم الضفادع بكثرة طاغية، ثم الدم وفسّره بعضهم بالرعاف، وقال آخرون بل انتشر الدم في مياه الأنهار والينابيع ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي مبيّنات ظاهرات، ومفصّلات أيضا بمعنى وجود فاصل زمني فيما بينها الواحدة تلو الأخرى، لإعطائهم الفرصة لقبول الحجة والدلائل والإعراض عن الخلاف والتقليد، وفي ذلك عودة لما هو مذكور بالآية (٩٤)، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإذعان للحق ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ مصرّين على الإجرام والذنوب،\n\n<span id=\"aya-1088\"></span>﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ شعر آل فرعون بشدة العذاب ﴿قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ من النبوّة ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي في كلّ مرة يقع عليهم نوع من","vol":"2","page":82},{"text":"أنواع العذاب يستنجدون بموسى، ويطلبون منه الدعاء لكشف العذاب عنهم، ويؤكدون له أنهم سوف يؤمنون برسالته من جهة، وسوف يطلقون بني إسرائيل من جهة أخرى.\n\n<span id=\"aya-1089\"></span>﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (١٣٥)\n١٣٥ - ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ مرّة بعد مرّة ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ﴾ أي إلى أجل يمكنّهم من الوفاء بوعودهم بالإيمان وإطلاق بني إسرائيل ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ بوعودهم في كلّ مرة، وهذا دأب الخاطئين في كل الأزمنة.\n\n<span id=\"aya-1090\"></span>﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٣٦)\n١٣٦ - ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ بعد إعطائهم كل الفرص لرؤية الحقيقة وإمهالهم للتوبة ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ وهو غرق فرعون وجنوده في البحر الأحمر، في أثناء مطاردتهم موسى وبني إسرائيل ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بسبب تكذيبهم بالآيات وكفرهم برسالة موسى ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ قبل بعثة موسى وبعده، غفلوا عنها إطلاقا قبل بعثته، ثم غفلوا عن صحتها وعن معناها بعمى قلوبهم رغم تذكيرهم بها.\n\n<span id=\"aya-1091\"></span>﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١٣٧)\n١٣٧ - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل، كانوا مستضعفين في عبودية فرعون لهم، ولأن فرعون كان يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي أرض فلسطين، بارك تعالى فيها بكثرة بعث الأنبياء بها، أورثهم مشارقها ومغاربها، وليس معنى ذلك أنها صارت ميراثا أبديا لهم فذلك مخالف للواقع التاريخي، وللمذكور في تتمة هذه السورة (الآيات ١٦٦ - ١٦٨)، راجع أيضا شرح آية [المائدة ٢١/ ٥]، وقد عاقبهم تعالى بالنفي من فلسطين بعد أن عاثوا فيها الفساد، ولم يدم ملكهم","vol":"2","page":83},{"text":"فيها سوى أربعة قرون، من بداية ملك طالوت حتى سقوط القدس بيد نبو خذنصرّ، راجع شرح آية [المائدة ٣٣/ ٥]،\nوقوله ﴿الْأَرْضِ﴾ لا يعني أكثر من فلسطين، وهو شبيه بقوله تعالى على لسان يوسف ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف ٥٥/ ١٢] وقصد بها مصر، وقوله تعالى مخاطبا نبيّه ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ [الإسراء ١٣٧/ ١٧] وقصد بها مكة،\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهي تحريرهم من فرعون بعد بعث موسى فيهم ونزول الرسالة السماوية عليهم ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي بنتيجة صبرهم، والمغزى تذكير بفائدة الصبر ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ كان الدمار في مصر لكثرة المصائب التي حلت بهم (الآية ١٣٣)، وبنتيجة تحرير بني إسرائيل من عبوديتهم، ثم غرق فرعون وجيشه في البحر.\n\n<span id=\"aya-1092\"></span>﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١٣٨)\nتسرد الآيات (١٣٨) وحتى الآية (١٧١) قصة موسى وبني إسرائيل في صحراء التيه:\n١٣٨ - ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ وهو البحر الأحمر عند خليج السويس، ما بين السويس والإسماعيلية، جاوزوه إلى شبه جزيرة سيناء، وقيل إنّ العبور كان عند البحيرات المرّة، والملاحظ أن موسى بعد عبور البحر لم يتجه مباشرة نحو فلسطين، وإنما اتخذ مع قومه مسارا نحو الجنوب محاذيا شاطئ خليج السويس، لأن موسى كان يعرف حق المعرفة أن قومه لم يكونوا وقتئذ على مستوى من النضوج الفكري، والإيمان اليقيني، والاستعداد النفسي، والسمو الروحي، ما يمكنّهم من دخول الأرض المقدسة، وذلك واضح من خطابهم له في الآية (١٢٩)﴾، فأراد أن تنقضي عليهم مدة من الزمن في سيناء قبل بلوغ هدفهم","vol":"2","page":84},{"text":"﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ يعكفون من الاعتكاف، أي كانوا مواظبين على عبادة أصنامهم، وقيل أن هؤلاء القوم من المصريين العاملين في مناجم النحاس، وقيل إنهم العماليق المذكورين في كتب اليهود العنصرية \"المقدسة\" التي ابتكروها والتي تحضّهم على إبادة الأغيار، كزعمهم أن الرب قال لهم \"امحوا ذكرى العماليق من تحت السماء\" (سفر التثنية ١٩/ ٢٥)، وزعمهم أنه قال لهم أيضا \"اذهبوا وابطشوا بالعماليق ودمّروا تدميرا تاما كل ما يملكون، ولا تبقوا منهم أحياء، بل اذبحوا الرجال والنساء والأطفال والرضّع والبقر والخراف والجمال والحمير\" (سفر صموئيل الأول ٣/ ١٥)،\n﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ تاقت نفوس بني إسرائيل إلى تقليدهم، لشدة ما اعتادوا على وثنية المصريين خلال مدة عبوديتهم حتى انحطّ مستواهم الفكري، وهذه بادرة الارتكاس الثانية منهم بعدما قالوا لموسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا بالآية (١٢٩)، ﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ جئتكم بالحقيقة وبرسالة التوحيد والآيات البيّنات، وتصرّون على الزيف والوهم،\n\n<span id=\"aya-1093\"></span>﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٩)\n١٣٩ - ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ العاكفين على الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ التبار الهلاك، والتتبير الإهلاك، والمعنى أن طريقة هؤلاء مقضي عليها بالهلاك، وسوف تقودهم إليه لا محالة ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كانوا وما زالوا، عملهم زائف لا يمت إلى الحقيقة، فهو أيضا زائل ومضمحل تماما، وهذه الآية تبين قاعدة عامة عن مآل جميع المشركين والمبطلين في كل العصور.\n\n<span id=\"aya-1094\"></span>﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٤٠)\n١٤٠ - ﴿قالَ﴾ لهم موسى ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا﴾ أطلب لكم معبودا غير الله تعالى؟ وهو رب العالمين! ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بأن أنزل عليكم هدايته، واختاركم لحمل رسالته، والواضح أن التفضيل لم يكن مطلقا، وإنما بتحميلهم مسؤولية أثبتوا عدم جدارتهم بها.","vol":"2","page":85},{"text":"<span id=\"aya-1095\"></span>﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١٤١)\n١٤١ - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ واذكروا إذ أنجيناكم من آل فرعون، فكيف تنكصون إلى الوثنية؟ ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ عذاب العبودية ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ تقتيل الأبناء الذكور وترك الإناث، تمهيدا لإفنائهم ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ البلاء هو النعمة أو المحنة، وأصله الاختبار، ولمّا كان اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمحنة، وتارة بالمنحة أطلق عليهما معا.\n\n<span id=\"aya-1096\"></span>﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤٢)\n١٤٢ - ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ المراد بالليلة في كلام العرب ما يشمل الليل والنهار معا، فهي بمعنى يوم وليلة، ويحتمل أن تفصيل الميقات بثلاثين ليلة مضافا إليها عشرا، أن موسى أمضى الثلاثين يوما الأولى في التهيؤ الروحي بالاعتكاف والصيام والتعبّد بحيث كان مستعدّا لتلقي الوحي في الأيام العشرة التي تلتها ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لأنه سبق لموسى أن رأى ميلا من قومه إلى عبادة الأصنام، راجع الآية (١٣٨).\n\n<span id=\"aya-1097\"></span>﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣)\n١٤٣ - ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ رأى","vol":"2","page":86},{"text":"موسى ما حلّ بالجبل فخرّ صعقا، والصعق بمعنى الغشيّ وليس الموت، لأنه بعد ذلك أفاق ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تأكيد على أن طلبه الرؤية لم يكن نابعا من عدم إيمانه وقوله ﴿أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بمعنى أكثرهم إيمانا وأولهم من قومه.\n\n<span id=\"aya-1098\"></span>﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤)\n١٤٤ - ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ اختاره الله تعالى وفضله على الناس، لأن الصفوة هي النخبة، وقد اختصّه تعالى من دون الناس بأمرين: الرسالة، والتكليم بلا واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ من الوحي، أي تمسّك به واعمل به ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ بالقيام بما يتطلبه ذلك، من العلم والعمل.\n\n<span id=\"aya-1099\"></span>﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ (١٤٥)\n١٤٥ - ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ موعظة من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في أمور دينهم، من المواعظ من جهة، وتفصيل أحكام الشريعة من جهة ثانية، ولعل الحكمة من كتابة الوحي في الألواح أن بني إسرائيل كانوا قوما بدائيين لا يؤمنون إلا بمشاهدة العين، ولم يكونوا ذوي رقيّ فكري أو روحاني، ولذلك كانت المعجزات المادية العديدة على يد موسى كفلق البحر وغيره مما تلمسه الحواس، ورغم ذلك فقد لقي موسى ﵇ منهم أشد العنت ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ تمسّك بما كتبنا فيها، واعمل بها بعزيمة ونية صادقة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ بعد أن ذكر تعالى أنه كتب لهم في الألواح من كل شيء، أمرهم أن يأخذوا ويعملوا بأحسن ما يستطيعون فهمه من معناها البديهي، بحسن نية وبلا تنطع، ولا تتبع للدقائق الصغيرة مما اشتهر به بنو إسرائيل، وبما يمنع المخادعة والفتاوى الملتوية واستخدام الحيل الشرعية مما اشتهر به أحبارهم وذوو النوايا السيئة منهم إلى اليوم، فإن الله","vol":"2","page":87},{"text":"لا يكلف نفسا إلا وسعها ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ سوف تشاهدون عاقبة العصاة الذين لا يتّبعون الوحي ولا يعملون به، بل يكذّبونه ويتكبرون عنه، كما سوف يلي تفصيله في الآية التالية، وقد يكون في ذلك كشف عن الغيب، أي إنه تعالى سوف يريهم المآل الذي ينتهون إليه بسبب فسوقهم، ويحتمل المعنى أيضا أنه تعالى سيكشف لهم أحوال الفاسقين الداخلية، والتعاسة والمصاعب التي يعيشونها، والمآل الذي ينتهون إليه، فلا ينبغي أن يغترّ المؤمنون بظواهرهم الخارجية من الترف والرفاه.\n\n<span id=\"aya-1100\"></span>﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٤٦)\n١٤٦ - تتمة الخطاب من الآية السابقة، بعد نزول الوحي على موسى:\n﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ كالذين يظنّون أنهم الشعب المختار، وقد طغت عليهم مشاعر العرق المتفوق والعنصرية المنغلقة والاستعلاء على بقية البشر، وتصنيف الناس إلى صنفين: يهود وأغيار أي غير يهود، ويبيحون لأنفسهم استعباد الأغيار أبد الدهر، انظر (سفر لاويين ٣٩/ ٢٥ - ٤٦)، ويأمرون بتقتيلهم وإبادتهم، انظر (سفر صموئيل ٣/ ١٥) و(سفر التثنية ٢٠/ ٢٥، ١٦/ ١٩)، والحاخامات يقولون: أفضل الأغيار اقتله، ويعتبرون كل نساء الأغيار بغايا، ولحومهم كلحوم الحمير، وعقوبة الاتصال الجنسي معهم كعقوبة خطيئة الوصال مع الحيوانات، وشهادة الأغيار غير مقبولة في المحاكم الحاخامية لأنهم كذبة بالفطرة، ويعتبرون أنّ تقاضي أكبر قدر من الربا منهم واجب ملزم، ويبيحون الغش والخداع والاحتيال في التعامل معهم، بل وسلب ممتلكاتهم، ويحرّمون إقامة الأغيار في أرضهم أو مد يد العون لهم، وغير ذلك كثير (الموسوعة التلمودية، ميشناه توراة، انظر إسرائيل شاحاك)، وهذه الوصايا من ضمن ٦١٣ واجبا دينيا ملزما عندهم صدرت في كتاب سمّوه: \"كتاب التربية\" طبع مرات عديدة بدعم مالي من","vol":"2","page":88},{"text":"الحكومة الإسرائيلية، وهو الكتاب الأكثر شعبية في إسرائيل من هذا النوع في الوقت الحاضر.\nفمن سننه تعالى في خلقه أنّ من شأن مثل هذا الكبر والضلال، بل أقل منه بكثير، أن يصرف أصحابه عن النظر في الحق والآيات، ولمّا كان تعالى قد سنّ قوانين الكون بكاملها فإنه ينسب الصرف عن الآيات إلى ذاته العلية، وإن كان ذلك نتيجة طبيعية لسلوك الإنسان وخياره الحر، وذلك مكرر في العديد من آيات القرآن الكريم، انظر شرح آية [البقرة ٧/ ٢]، والآية استمرار لما سبقها بمعنى أن مآل الفاسقين الموصوفين في الآية السابقة، هو الضلال عن الآيات ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ تعمى بصائرهم عن الحقيقة، وقد رأى بنو إسرائيل منذ خروجهم من مصر الكثير من الآيات، كفلق البحر، وتظليل الغمام عليهم في سيناء، ونزول المن والسلوى ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ وهو ما جاءهم به موسى ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ كاتباع ما يزعم أحبارهم أنه وحي، والإشارة أيضا عامة لمن يعتقدون أن الفكر هو المقياس الوحيد للحق والباطل، وللخير والشر، وللصحيح والخطأ، ويرفضون الخضوع للمقياس الأخلاقي المطلق، وهو مقياس الوحي ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ ذلك الصرف عن الآيات وعدم الإيمان بها، وعدم اتخاذ سبيل الرشد، واتخاذ سبيل الغيّ، كل ذلك بسبب اختيارهم التكذيب بالآيات على التصديق بها، وبسبب كونهم غافلين عن حقيقتها، وتركيزهم على المادة والأهواء والشهوات، فاجتمع عندهم التكذيب والغفلة معا، وهذه الآية قاعدة اجتماعية عامة ليست مقتصرة على بني إسرائيل، ثم بيّن تعالى في الآية التالية عاقبة أمثالهم:\n\n<span id=\"aya-1101\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٧)\n١٤٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ الملاحظ أن كتب اليهود، أي العهد القديم ومن ضمنه ما يزعم أنه التوراة التي حررها","vol":"2","page":89},{"text":"أحبارهم ليس بها أي ذكر للآخرة باستثناء سفر دانيال، ومن شأن هذا الإنكار أن تحبط أعمالهم، أي يبطل ثوابها، فهي بلا جدوى ولا يستفيدون منها ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاؤهم مرتبط بأعمالهم.\n\n<span id=\"aya-1102\"></span>﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ (١٤٨)\n١٤٨ - ﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد ذهاب موسى لميقات ربّه ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وردت الإشارة لعبادة العجل الذهبي في آية [البقرة ٥١/ ٢]، كما وردت بمزيد من التفصيل في سورة طه [٨٣/ ٢٠ - ٩٧]، ويلاحظ أنه في كل مرة تذكر فيها القصة لا يتم إيراد سوى النقطة أو النقاط الملائمة للموضوع، ولإظهار العبرة أو العبر المناسبة للسياق، وهو ما يلاحظ في جميع القصص في القرآن، لأنّ القصص في القرآن الكريم لا ترد لمجرد التأريخ أو الرواية، وفي هذه الآية نلاحظ المفارقة الحادة بين اعتكاف موسى على الجبل وروحانيته المتناهية وابتهاله إلى الله، وبين فساد قومه وماديتهم وعبادتهم العجل الذهبي في غيابه، وقد كانوا صهروا بعض الحليّ التي أحضروها معهم من مصر وصنعوا منها عجلا ذهبيا اتّخذوه معبودا، ويبدو أن الخوار، وهو صوت العجل، كان يصدر عند هبوب الرياح من خلال جسد العجل المفرّغ، وقد حاولوا بذلك تقليد العجل إبيس  Apis  في معبد الإله المصري عزيريس  Osiris  في العاصمة المصرية ممفيس، لشدة تأثرهم بالوثنية المصرية، وقد رأى الألوسي في روح المعاني أنّ كثيرا من الناس اليوم عبيد للذهب والدينار والدرهم، فهي العجل المعنوي لهم، وإن لم يسجدوا لها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ فلا يستجيب العجل لعبادتهم، ولا يبيّن لهم الحق من الباطل ﴿اِتَّخَذُوهُ﴾ معبودا ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ لأنفسهم، لأن عاقبة الضلال تعود عليهم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-1103\"></span>﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)﴾","vol":"2","page":90},{"text":"١٤٩ - ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي لمّا اشتد ندمهم على ما فعلوا، وهي النتيجة الطبيعية للضلال، ويقال للنادم المتحير سقط في يده مجازا، بمعنى سقط الندم في يده ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ اعتراف منهم بأنه لا يسعهم بعد الضلال سوى رحمة ربهم.\n\n<span id=\"aya-1104\"></span>﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (١٥٠)\n١٥٠ - ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا﴾ غضبان على أخيه هارون لما رأى من ضعفه مع قومه وعدم ضبطه لهم، وأسفا حزينا على ما بدر من قومه من الكفر والشرك ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ الخطاب بالجمع: لأخيه هارون لضعفه مع القوم، ولقومه بسبب كفرهم ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل معنيين: الأول: أجعلتم من أمر ربّكم عجلا يعبد؟ والثاني: استعجلتم وأشركتم ولمّا يأتكم أمر ربّكم؟ أو استعجلتم وأشركتم بعدما لقّنتكم التوحيد ونهيتكم عن الشرك؟ أو استعجلتم واستوجبتم غضب ربّكم بهذا الكفر؟ ومنه قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء ٣٧/ ٢١]،\n﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ ذهل عنها من شدة الغضب، وعمّا فيها من الأمر بالحلم عند الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ من شدة غضبه وحزنه، ظنّا منه أنه قصّر في كفّ القوم عن عبادة العجل ﴿قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ اعتذر هارون بالضعف وخوف القتل، وفي آية أخرى اعتذر بالخشية من وقوع النزاع والفرقة بين قومه [طه ٩٤/ ٢٠]، ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ فيزداد موقفي سوءا ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تسوّيني بهم، لأن ما فعلوه كان رغما عني ولم أقبل به.","vol":"2","page":91},{"text":"<span id=\"aya-1105\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (١٥١)\n١٥١ - ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي﴾ إلقاء الألواح، وما بدر منّي في غضبي ﴿وَلِأَخِي﴾ لضعفه وعدم ضبطه قومه ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾ التي وسعت كلّ شيء ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1106\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (١٥٢)\n١٥٢ - تتمة الخطاب من الآيات (١٤٦ - ١٤٧): ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ معبودا، وأصرّوا عليه، أو أصرّوا على الضلال، لأن حكم التائبين مذكور في الآية التالية (١٥٣)، ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بالقهر والتشتت ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الذين يفترون على الله الكذب بإضفاء الألوهية على مخلوقات مادية أو أشياء وهمية، أو بابتداع أفكار ومبادئ ينسبونها إلى الله تعالى، والإشارة في الآية غير مقتصرة على قوم موسى وقتئذ، وإنما تشمل بني إسرائيل من بعده لقوله تعالى ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ للمستقبل، ولأن الأحبار افتروا الكذب على الله بتأليف كتب من عند أنفسهم وزعموا أنها التوراة ونسبوها إلى الله تعالى، وافتروا فيها أبشع أنواع الكذب على أنبيائهم، ثم افتروا بعدها الكذب على عيسى المسيح، وعلى النبي عليهما الصلاة والسلام، ولا يزالون يفترون جميع أنواع الكذب حتى عصرنا هذا، وقد نالهم من الذلة في الحياة الدنيا عبر العصور ما هو معروف، وقد نصّت آية [المائدة ٣٣/ ٥] على جزائهم.\n\n<span id=\"aya-1107\"></span>﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٥٣)\n١٥٣ - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا﴾ تابوا وآمنوا بعد عمل السيئات ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ من بعد التوبة والإيمان ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالإيمان والتوبة عن السيئات يستوجبان المغفرة.","vol":"2","page":92},{"text":"<span id=\"aya-1108\"></span>﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (١٥٤)\n١٥٤ - ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ زال عنه الغضب وعاد ساكنا ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ يزعم اليهود في كتبهم المقدسة التي ابتدعوها أن الألواح تكسّرت عندما ألقاها موسى في غضبه (سفر الخروج ١٩/ ٣٢)، وقد يكون في هذا الزعم محاولة تبرير من قبلهم لكونهم أضاعوا التوراة وتلاعبوا بها، والقرآن لا يذكر شيئا عن تكسّر الألواح، والمعنى أنّها بقيت سالمة ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ أي في الكتابة المنسوخة عليها، والنسخ بمعنى الكتابة ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ هدى من الضلال، ورحمة من الشقاء ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي إنّ الهدى والرحمة مختصة بالذين يخافون ربهم يقينا.\n\n<span id=\"aya-1109\"></span>﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ (١٥٥)\n١٥٥ - ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أي اختار من قومه سبعين رجلا، - بحذف حرف الجرّ وهو شائع في القرآن، انظر إعراب القرآن للزجاج، الباب الرابع - ويحتمل أيضا أن يكون تقدير الكلام: اختار موسى قومه لميقاتنا، بأن يكون المراد من قومه المعتبرين منهم فقط، فيكون قوله ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ بيانا لعددهم، أي اختارهم من نجباء القوم، أهل الاستعداد والصفاء والإرادة، والمعنى أنّ موسى خرج بهؤلاء السبعين لميقات ربّه، ويبدو أنه الميقات المشار إليه في آية [البقرة ٥٥/ ٢]، ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي سورة البقرة أن الصاعقة أصابتهم عندما طلبوا أن يروا الله جهرة، ويحتمل أنها أصابتهم بالرجفة حتى أغمي عليهم، وقال الألوسي إنها رجفة البدن واقشعرار الجسد وارتعاده لشدة الرهبة ﴿قالَ﴾ بمعنى الدعاء ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ من قبل، أي عندما وافقوا قومهم على عبادة العجل، أو عندما تحدّوا موسى وطلبوا أن يروا الله جهرة ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ ما فعلوه من عبادة العجل","vol":"2","page":93},{"text":"والمعاندة ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ الفتنة هي الاختبار المقصود منه إظهار حقيقة المفتونين أو لتصفيتهم وتمحيصهم، والخطاب اعتذار من موسى عمّا وقع من قومه، بمعنى أنّ الحياة الدنيا اختبار وابتلاء للعباد ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ بنتيجة الفتنة يضلّ تعالى من خلقه من يشاء الضلال، فيتركه لخياره ولنفسه، ويهدي منهم من يشاء الهداية، فيحيطه بتوفيقه ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ القائم بأمورنا في الدنيا والآخرة، لا أحد غيرك ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا، لا تؤاخذنا عليها ﴿وَاِرْحَمْنا﴾ بفضلك وإحسانك ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ لأنه تعالى يغفر لعباده بمحض الكرم والتفضّل.\n\n<span id=\"aya-1110\"></span>﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٦)\n١٥٦ - ﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وهو تتمة دعاء موسى ﵇، فبعد الإقرار أنه تعالى وحده القائم بأمور خلقه، طلب موسى المغفرة والرحمة، ثم أضاف عليها طلب حياة حسنة في هذه الدنيا، من العافية وبسط الرزق، والتوفيق للطاعة، وعز الاستقلال والملك، ومثوبة حسنة في الآخرة بدخول الجنة ونيل الرضوان ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ وقد يكون أنهم سمّوا يهودا لهذا السبب، أي تبنا ورجعنا إليك، بعد تفريط سفهائنا من طلب الآلهة وعبادة العجل، وتقصير خيارنا في الإنكار عليهم، وطلب الرؤية، وتمرد المغرورين ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ أي كان من سبق رحمتي غضبي أن أجعل عذابي خاصا أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة المجرمين ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ رحمتي فقد وسعت كل شيء في العالمين، فهي من صفاتي القديمة الأزلية التي قام بها أمر الكون، والعذاب ليس من صفاتي بل من أفعالي المرتبة على صفة العدل، ورحمتي عامة لكل مخلوق، ولولاها لهلك كل كافر وعاص عقب كفره ومعصيته دون إمهال ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾ خاصة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفر والمعاصي والفجور والفساد والتمرد ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لأنها دلالة على","vol":"2","page":94},{"text":"عدم استيلاء الدنيا عليهم، وهي أيضا دلالة على ترجمة عقيدتهم إلى أعمال، وفي الآية تعريض بشدة حب اليهود للدنيا، وتهالكهم على جمع المال بشتى الوسائل ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه من دون الإيمان تحبط الأعمال ولا تنفع صاحبها شيئا، والإيمان لا يكون مقتصرا على الإيمان بالوحي الذي نزل على رسول دون غيره، وإنما الإيمان بكامل الوحي الذي نزل على الأنبياء والرسل، وخاصة الإيمان بالآيات التي نزلت على خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ بالنسبة إلى من أدرك بعثته، كما هو مبيّن في الآية التالية، وفي الآيات (١٥٧ - ١٥٨) إحدى العبر الرئيسة في هذه السورة من قصة موسى مع بني إسرائيل:\n\n<span id=\"aya-1111\"></span>﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧)\n١٥٧ - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ استئناف الخطاب من الآية السابقة، والمعنى سأكتب رحمتي للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين يؤمنون بالآيات، وهم المتصفون باتباع هدي خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، وفي ذلك حث لبني إسرائيل على اتباعه شرطا لقبول توبتهم المشار إليها بقول موسى ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾،\n﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وقيل هذه الصفة نسبة إلى العرب، لأن الأميّة كانت غالبة فيهم، وفي هذا الوصف تنبيه على إعجاز الرسالة، لأن الوحي نزل مشتملا على المعجز من علوم الدنيا والآخرة، وعلى الأخبار الصحيحة عن الرسل والأقوام الغابرة التي كانت قبل الرسول ﷺ، في حين لم يكن بمقدوره ﷺ أن يطّلع على كتب اليهود والنصارى ولا غيرها، بل إنّ الوحي نزل بتصحيح ما ورد فيها من انحرافات ومتناقضات، فهذه الصفة هي صفة مديح بالنسبة إليه ﷺ، وأما بالنسبة إلى غيره فلا ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾","vol":"2","page":95},{"text":"﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ورد الكثير من البشارات في كتب اليهود والنصارى عن قدوم النبي الأحمد، ومع أن كتبهم التي بين أيدينا مشحونة بالمتناقضات والمغالطات التي أدخلها الأحبار والكهنة والكتبة، فإنها لا تزال تشتمل على شذرات من الحقيقة، ومنها النبوءات الكثيرة عن النبي الخاتم، وقد ورد تفصيل هذه النبوءات في كتاب الأستاذ عبد الأحد داود (محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى)، وإحدى هذه النبوءات الكثيرة ما ورد في سفر (يوحنا ١٩/ ١ - ٢٥) أنّ اليهود كانوا بانتظار قدوم ثلاثة أنبياء وهم: إيليا، والمسيح، والنبي المنتظر، ثم إنّ اليهود رفضوا المسيح والنبي المنتظر معا بعد ظهورهما، ولا يزالون ينتظرون، أما المسيحية فقد أقرّت بالمسيح مجرد رمز لها، ورفضت النبي الأحمد المنتظر،\n﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي ما تعرف العقول والفطرة السليمة صوابه، كعبادة الله وحده ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره العقول السليمة والفطرة، كالشرك وعبادة الأوثان ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ التي يستطيبها الطبع، لأن الأصل في الطيّبات الحل، إلاّ بدليل منفصل ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ التي اخترعوا في كتبهم كل المبررات لارتكابها حتى أنهم نسبوها إلى أنبيائهم، والخبائث كل ما يستخبثه الطبع ويكون في تعاطيه المضرّة للنفس وللمجتمع، فالأصل فيه الحرمة، إلا بدليل منفصل ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يخفف عن اليهود ما كلّفوا به، أو كلّفوا أنفسهم به من التكاليف الشاقة عن طريق الأحبار، انظر شرح آية [آل عمران ٩٣/ ٣]، وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك، والأغلال جمع غلّ وهي القيد الحديدي الذي يجمع يدي الأسير إلى عنقه، واستعمالها في الآية من قبيل الاستعارة لبيان ما كان بنو إسرائيل يرزحون تحته من تعسف الشرع الذي ابتدعه أحبارهم ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بالنبي محمد ﷺ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ منعوا العدو منه، حتى لا يقوى عليه عدوّ ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على أعدائه ﴿وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ هو القرآن الكريم، وعبّر عنه بالنور","vol":"2","page":96},{"text":"لظهوره بنفسه في إعجازه وصدقه، فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه، والمظهر لغيره ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون الفائزون.\n\n<span id=\"aya-1112\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٨)\n١٥٨ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ بمن فيهم اليهود، وهذا الخطاب المعترض ضمن قصة موسى قصد منه التوضيح ومقارنة بعثة النبي ﷺ مع ما سبق من بعث الأنبياء الذين بعثوا إلى أقوامهم خاصة لمعالجة أوضاع اجتماعية معينة لدى تلك الأقوام، بما في ذلك بعثة موسى وعيسى ﵉، في حين أن النبي ﷺ بعث للناس كافة، ورسالته تتخطى الأقوام والثقافات، إلى كل الشعوب والثقافات في الدنيا، وهي أيضا رسالة صالحة ومقصودة لكل العصور، لكونه ﷺ خاتم الأنبياء والرسل،\n﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبعث النبي ﷺ إلى الناس كافة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ المتفرد والمتصرف بملكه، والمدبّر لخلقه، فلا مستحق للعبادة سواه ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ قادر على الإحياء والإعادة والحشر ثم الحساب ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لأنه بعد هذه الحجج لم يبق للعاقل المنصف إلاّ الإيمان بالله وبرسوله، إذ لن يكون بعده رسول، والخطاب موجّه للناس عامة بمن فيهم اليهود ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ تكرار الإشارة لأمّيته تأكيدا على الإعجاز، فالرسول لم يكن على خلفية بأي من الثقافات العالمية التي كانت في زمنه أو قبله، كما لم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ولا التعلم منهم، لأن مكة لم تكن بلدا للعلماء، وما غاب الرسول عن مكة غيبة طويلة حتى يقال إنه في تلك المدة تعلم العلوم الكثيرة، فكان ظهور هذه العلوم السماوية عليه من أعظم المعجزات ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ تأكيد على وحدة الرسالات والوحي، فهو يؤمن بما أنزل عليه وما أنزل على من سبقه من الرسل ﴿وَاِتَّبِعُوهُ﴾ اتباع تصديق وقبول وإذعان وعمل ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة إذا أعملتم العقل والتفكير.","vol":"2","page":97},{"text":"<span id=\"aya-1113\"></span>﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١٥٩)\n١٥٩ - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي يهدون الناس بالحق، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي المشار إليه في الآيتين السابقتين ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التعامل مع الناس، وفي آيات [آل عمران ١١٣/ ٣ - ١١٤] توجد إشارة إلى أمثال هؤلاء الناس أيضا، والمقصود أنه مهما كانت الغالبية من القوم على درجة من العصيان والتعصب والضلال، ممّا طبع تاريخ اليهود بشكل خاص على مر العصور، فإنه يوجد دوما من الناس الأتقياء بينهم، مهما قلّ عددهم، من يهتدي بهدي الرسل ويدخل الإسلام، ويعمل بموجبه، وفي الآية إشارة أيضا أنه تعالى يحاسب الناس فرادى، ولا يأخذهم بجريرة قومهم.\nوفي تفسير (أمّة) هنا خرافات إسرائيلية نقلها الطبري عن ابن جريج، قال هم سبط من بني إسرائيل ساروا في نفق من الأرض فخرجوا من وراء الصين إلخ ..\nقال الشيخ رشيد رضا: وابن جريج على سعة علمه وروايته وعبادته شر المدلّسين تدليسا، وأئمة الجرح والتعديل لا يعتدّون بشيء يرويه، ونقل هذه الخرافة كثيرون وبحثوا فيها مباحث لا يستحق شيء منها أن يحكى (المنار).\n\n<span id=\"aya-1114\"></span>﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٠)\n١٦٠ - ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا﴾ من نعمه تعالى على بني إسرائيل أن جعلهم فرقا متميّزة بعدد أسباط يعقوب الاثني عشر، لكي ينتظموا ولا تقع فيهم الفوضى والهرج والمرج، انظر شرح آية [المائدة ١٢/ ٥] عن بعث النقباء الاثني عشر فيهم ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط، وهي نعمة ثانية من نعمه تعالى عليهم في الصحراء القاحلة،","vol":"2","page":98},{"text":"وتقدير الخطاب: فضرب فانبجست، وحذف المعطوف عليه للإشارة لسرعة الامتثال، حتى كأنّ الإيحاء وضرب الحجر أمر واحد، وأن الانبجاس بأمره تعالى، كأنّ فعل موسى لا دخل له فيه (الألوسي)، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كي لا يقتتلوا على الماء ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ﴾ وهي نعمة ثالثة، لأن بني إسرائيل قضوا أكثر من أربعين عاما في صحراء سيناء، حيث لا شجر ولا ظل يقيهم أشعة الشمس الحارقة، وقد جاؤوا سيناء بأعداد كبيرة بلا استعداد، فلولا معجزة الماء وتظليل الغمام عليهم لهلكوا ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ طعاما لهم يقيهم المجاعة في الصحراء، وهي النعمة الرابعة المذكورة في هذه الآية، قال بعضهم إنّ المنّ كان يشبه بذور الكزبرة وكانت تنبت بعد هطول الندى على الأرض ليلا، وبرحمة الله توافرت لهم أيضا السلوى، وهي طيور السمّان بكميات وفيرة أنقذتهم من المجاعة، وقيل إنها كانت طيورا مهاجرة من إفريقية ولا سيّما مصر، تصل إلى سيناء متعبة فتقع على الأرض أو تسفّ فتؤخذ باليد ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ رزقا إلهيا بلا تعب ولا عمل ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بكفران كل هذه النعم المذكورة وغيرها من النعم الكثيرة ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ظلموا أنفسهم بمعصيتهم وذنوبهم، وأنّ عاقبة معصيتهم مقتصرة عليهم لا غير، وضرر الكفر يعود عليهم، راجع أيضا آية [البقرة ٥٧/ ٢]، ويلاحظ الإعجاز في تحقق هذه النعم التنظيمية والمعاشية لبني إسرائيل في ظروف مناخية شديدة الصعوبة، ومن يزور صحراء سيناء اليوم يدرك ضخامة هذا الإعجاز، إذ حتى في ظروف الحضارة الراهنة يعتبر من الصعوبة البالغة تنظيم وتزويد أعداد كبيرة من البشر بالطعام والشراب والمأوى في بيئة سيناء القاسية لسنين طويلة، أضف إلى ذلك أن اليهود جاؤوا إلى سيناء من غير استعداد ولا تحضير مسبق، ثم إنهم كانوا محاطين بالأعداء من كل جانب، فكانوا محط العناية الإلهية، كل ذلك ممّا يزيد من فداحة ظلمهم الذي تشير إليه الآية، بسبب كفرانهم كل هذه النعم الإلهية.","vol":"2","page":99},{"text":"<span id=\"aya-1115\"></span>﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٦١)\n١٦١ - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية هي المدينة أو المجتمع أو البلد، والعرب تسمّي المدينة أو المجتمع قرية، قال تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] أي مكة والطائف، أو فارس والروم، وفي هذه الآية يبدو أن الإشارة لفلسطين، والسكن من السكون، فيكون الأمر بالسكنى متضمنا معنى المسالمة والموادعة والمساكنة مع باقي الناس ﴿وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي تمتّعوا من خيراتها، وهي نعمة خامسة بعد النعم الأربعة المذكورة في الآية السابقة ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي استغفروا ربّكم، وادعوه أن يحطّ عنكم خطاياكم، وتقدير الخطاب: حاجتنا حطّة ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ ادخلوا فلسطين متواضعين خاشعين لله تعالى، مستغفرين تائبين، وكونوا قدوة لغيركم من الناس حتى يدخلوا في الدين أفواجا، مثلما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ومثلما فعل المسلمون عندما دخلوا البلدان المفتوحة بعد فجر الإسلام ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ نتجاوز عنها ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي نزيدهم إحسانا وأجرا وثوابا.\n\n<span id=\"aya-1116\"></span>﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٢)\n١٦٢ - بعد تعداد بعض نعمه تعالى عليهم في الآيتين السابقتين، تبيّن الآيات (١٦٢ - ١٦٩) جحود بني إسرائيل بالإنعام وعقوبتهم عليه ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ عصوا ما أمروا به قولا وفعلا، فبدلا من دخول فلسطين متواضعين مستغفرين تائبين جديرين بحمل الرسالة الإلهية، انظر آيات [البقرة ٥٨/ ٢ - ٥٩]، فقد عاثوا فيها الفساد، وأعملوا في أهلها التقتيل، وارتكبوا من الفظائع والأعمال الوحشية واستخدموا من فنون الغدر والإرهاب في ترويع السكان الآمنين، كل ذلك ممّا هو مدوّن في كتبهم التي سطّرها أحبارهم،","vol":"2","page":100},{"text":"وأطلقوا عليها اسم العهد القديم، ومن ضمنها ما يزعمون أنه التوراة، بعد أن درسوا ما فيها أي تعلّموه ثم درسوه أي محوه (الآية: ١٦٩)، ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ عقابا لهم، والرجز هو العذاب، وهو التشريد والتقتيل والاضطهاد الذي لحق بهم على مر العصور انظر [المائدة ٣٣/ ٥]، ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي بسبب ظلمهم، لأنه تعالى شرّفهم بحمل الرسالة الإلهية فطغوا وتجبّروا.\n\n<span id=\"aya-1117\"></span>﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٣)\n١٦٣ - ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ والخطاب للنبي ﷺ، أي واسأل اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع وتقرير أنّه سبق لأجدادهم تجاوز شريعتهم، وهم قد درجوا على طريقة أسلافهم في المعصية، والقرية حاضرة البحر بمعنى الواقعة على شاطئه، وقيل إنها أيلة - العقبة اليوم - أو طبريّة ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يعتدون أيام السبت بالقيام بصيد الأسماك، وكانت الشريعة الموسوية متشددة في تحريم العمل يوم السبت ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ الحيتان هي الأسماك، كبيرة كانت أم صغيرة، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة، ويبدو أن الأسماك اعتادت ألاّ يتعرض أحد لصيدها أيام السبت فأمنت وصارت تبدو فيها بشكل ظاهر، فلمّا رأوا ظهورها وكثرتها أيام السبت أغراهم ذلك بصيدها ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ لا تأتيهم يوم ينتهكون حرمة السبت ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم لتظهر معصيتهم ظهور فعل ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كي يكون الجزاء مترتّبا على ظهور معصيتهم وأفعالهم.\n\n<span id=\"aya-1118\"></span>﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾","vol":"2","page":101},{"text":"١٦٤ - ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ وهي طائفة منهم يبدو أنها لم تشترك في انتهاك حرمة السبت، ولكنها في نفس الوقت لم تعترض ولم تلم الآخرين عليه، وخطابها موجّه إلى طائفة أخرى من الصالحين الذين ألزموا أنفسهم بالوقوف في وجه الخطأ والوعظ ضدّه، وقد سبقت الإشارة إلى أمثال هؤلاء في الآية (١٥٩)، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أي ما الجدوى من الوعظ لأمثال هؤلاء الناس المصمّمين على المعصية، فإن مصيرهم الهلاك، والوعظ لا ينفع فيهم ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ لتماديهم في الشرّ ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي حتى نعتذر إلى ربّنا بأننا لم نسكت على المنكر، وهو جواب الطائفة الأخرى، والسكوت على المنكر يقارب القبول به، ويلحظ أنه في إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع من التعريض بالسائلين ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ سوء العاقبة، أي لعلّ الذكرى تفيدهم أو تفيد بعضهم، فإنّنا نطمع في ذلك ولا نقطع الأمل منه، وهذه الآية ذات مغزى خاص لكل المؤمنين في كل الأزمنة.\n\n<span id=\"aya-1119\"></span>﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٥)\n١٦٥ - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ما ذكّرهم به صلحاؤهم، لأن النسيان بهذا المعنى مجاز عن الترك ويشمل عدم المبالاة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أي أنجينا الذين ينهون عن العمل الذي تسوء عاقبته ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد يسبب البؤس ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم المستمر، ولم تذكر الآية مصير الذين تساءلوا عن جدوى الوعظ والتذكير والنهي عن السوء، وسكتوا عن الخطأ، ولعلهم من أصحاب الأعراف المشار إليهم في الآية (٤٦)﴾، إذ كانوا على معرفة بالحق والباطل فلم يفعلوا شيئا للنهي عن الفساد.","vol":"2","page":102},{"text":"<span id=\"aya-1120\"></span>﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (١٦٦)\n١٦٦ - ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ لمّا تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، رغم العذاب الشديد الذي نزل بهم، ولم يزدهم العذاب إلاّ إصرارا على الكفر والفسوق ﴿قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ وردت الإشارة لذلك أيضا في آية [البقرة ٦٥/ ٢]، قال بعض المفسرين إن أشكالهم صارت تشبه القردة، وقيل بل التحول إلى قردة بالمعنى المجازي، أي صاروا كالقرود مجرّدين من السمو الروحي الذي يتمتع به البشر، وأنه تعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم، فلم يوفّقوا لفهم الحق، وليس أنه مسخ صورهم، وهو شبيه بقوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢]، ولأنّ الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور البينات فالعرب تقول عنه مجازا أنه حمار أو قرد ﴿خاسِئِينَ﴾ أي ذليلين مطرودين، وهذا العقاب ليس لانتهاكم حرمة السبت فقط وإنما بنتيجة معاصيهم المستمرة، والدليل على كونهم قردة خاسئين أنّ سلوكهم عبر التاريخ وتجاه غيرهم من الأمم لا يخلو من السمو الروحي فحسب، بل هو سلوك العنصرية المقيتة المحضة، فهم يسمّون باقي البشر أغيارا ويعتبرونهم صنفا دونيّا من الناس، ونصّوا على استعبادهم واستغلالهم في كتبهم التلمودية وفي توراتهم وفي كتب العهد القديم التي يسمّونها مقدسة والتي حرّرها أحبارهم.\n\n<span id=\"aya-1121\"></span>﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٧)\n١٦٧ - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ تأذّن أي جعل معلوما، وذلك بعد نزول العذاب البئيس بالذين ظلموا منهم، وبعد مسخهم قردة خاسئين ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ أي ليسلطنّ على الذين بقوا مصرّين على المعصية منهم، من يعذّبهم في الدنيا إلى يوم القيامة، وقد تكررت الإشارة إلى ذلك في آية [المائدة ٣٣/ ٥]، وهذه الآية من قبيل الإخبار بالماضي والمستقبل، ومن سوء العذاب الذي حلّ باليهود تاريخيا: أولا: سقوط مملكة إسرائيل بعاصمتها","vol":"2","page":103},{"text":"شكّيم (نابلس) بيد ملك آشور سرجون الثاني عام ٧٢١ ق. م، ثم سقوط مملكة يهوذا بعاصمتها القدس بيد ملك الكلدانيين نبوخذ نصّر عام ٥٨٦ ق. م، ثمّ نفي اليهود إلى بابل الذي استمر قرابة خمسين عاما، ثم معاناتهم المريرة مئات السنين تحت حكم الفرس واليونان والرومان بعد عودتهم من النفي، ثم بعد أن رفضوا آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ وحاولوا قتله تمّ إجلائهم عن فلسطين عام ٧٠ م على يد القائد الروماني تيطس قبل أن يصبح إمبراطورا، ثم تمّ تخريب معالم القدس والهيكل تماما وقتل وشرد من بقي من اليهود على يد إمبراطور روما هادريان عام ١٣٥ م، فكان ذلك بداية نفيهم وشتاتهم في أنحاء العالم، ثم كان نفيهم من جزيرة العرب بعدما حاربوا النبي ﷺ وتآمروا عليه، ثم كانت معاناتهم قهر الأمم واضطهاد المسيحية لهم في أوروبة منذ ذلك الحين حتى العصر الحديث على يد النازيين، كل هذا الواقع يعتبر أيضا مصداقا لما جاء في [آيات [الإسراء ٤/ ١٧ - ٨]، ومصداقا لقوله تعالى ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣/ ٥] أي أبعدهم تعالى من رحمته، ولا عبرة بإنشاء دولتهم ولّم شمل عدد كبير منهم في فلسطين في العصر الحاضر فإن عذاب الله محيط بهم ما داموا على كفرهم ومعصيتهم، والعبرة أن يغير المسلمون ما بأنفسهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ للأمم التي تفسق عن أمره وتفسد في الأرض ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن وعمل صالحا.\n\n<span id=\"aya-1122\"></span>﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٦٨)\n١٦٨ - ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ أي فرقّناهم تفريقا شديدا، فهم مبعثرون في أنحاء الدنيا ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ﴾ كالمشار لهم في الآية (١٥٩)﴾ فلا يأخذهم تعالى بجريرة قومهم ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ دون منزلة الصلاح، ومنهم المغالون في الكفر بالأنبياء وفي الضلال والتعصب ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ أي إنه تعالى اختبرهم بالحسنات من مختلف النعم ترغيبا لهم، وبالسيئات من الشدائد للترهيب ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى الصواب فيتوبون.","vol":"2","page":104},{"text":"<span id=\"aya-1123\"></span>﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٦٩)\n١٦٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ من الأجيال التي جاءت بعدهم ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ أي التوراة، يعلمونها على حقيقتها ولا يعملون بها ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ يفضّلون حطام الدنيا مهما خالفوا الشريعة في سبيل الوصول إليها، والأدنى هي الدنيا لدنوّها أي قربها منهم ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ المعنى سيغفر لنا ما نرتكبه من الشرور والآثام والخطايا، مهما تهالكنا على الحياة الدنيا ومتاعها، وهذا القول ناتج عن اعتقادهم أنهم الشعب المختار وأنهم العرق المتفوق المستعلي على البشر، وأن المغفرة مضمونة لهم لمجرد كونهم من سلالة إبراهيم ﵇ ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ يصرّون على الذنوب ويعودون إلى مثلها غير تائبين عنها في الوقت الذي يرجون المغفرة ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ليس في التوراة ما يؤيد اعتقادهم أن ذنوبهم مغفورة مهما بالغوا في المعاصي، فكيف يتخذون من معتقداتهم التي ابتكرها الأحبار مبررا شرعيا لتصنيف البشر إلى يهود وأغيار؟ ويبتدعون معايير أخلاقية - غير أخلاقية - مزدوجة، واحدة لهم والأخرى للأغيار؟ ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ درسوا كتاب التوراة وعلموا ما فيه ولم يعملوا به، وأيضا درسوا ما فيه أي محوه وأضاعوه حتى اندرس، كقولهم درسته الريح أي محته، وقولهم درس الأثر أي زال، وهذا المعنى أقرب لواقع اليهود الفعلي، فالموجود من كتبهم بين أيدينا اليوم معظمه من تحرير الأحبار وافترائهم، وهو غاص بروايات الفحش والمنكرات والتعصب والاستخفاف بالقيم والأخلاق من كتاباتهم، انظر شرح [الأعراف ١٢٩/ ٧] و[آل عمران ٣/ ٣] و[المائدة ١٣/ ٥]، والخلاصة أنهم في آن واحد درسوا ما في الكتاب أي تعلموه، ثم درسوه أي محوه وكتبوا غيره ﴿وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي إنهم قد علموا أن ما أعدّه تعالى","vol":"2","page":105},{"text":"من النعيم في الدار الآخرة، للذين يتقون المعاصي، خير من حطام الدنيا الذي يحصلون عليه بالغش والخداع والباطل والربا والرشوة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حث على استخدام العقل، لأن العاقل لا يخدع نفسه بظنّ التوفيق بين الكفر والمعاصي وبين المغفرة، كما لا يرجّح الحطام العاجل الزائل على النعيم الدائم.\n\n<span id=\"aya-1124\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (١٧٠)\n١٧٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ الذين يتمسّكون بالعمل بما في حقيقة التوراة، وليس كتابات الأحبار، ولا يتمسكون بأوهامهم وتمنياتهم التي تخوّل لهم عمل ما يريدون من الباطل ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ يقيمون العبادات بالإضافة للعمل الصالح المذكور آنفا ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فهؤلاء يلقون ثواب أعمالهم ولا تذهب أعمالهم سدى، وهم المشار إليهم في الآية (١٥٩).\n\n<span id=\"aya-1125\"></span>﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧١)\n١٧١ - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ النتق هو الزعزعة، فيكون المعنى أن الجبل تزلزل بهم، انظر آيتي [البقرة ٩٣/ ٢، ٦٣]، وآية [النساء ١٥٤/ ٤]، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ لشدة زلزلته واضطرابه ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي متمسكين بالكتاب عازمين على تحمل ما فيه من التكاليف ﴿وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ من الحكمة والعلم والثواب والعقاب ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الضلال والمعاصي وعواقبها، والدلالة المستفادة من هذه الآية هي عتو بني إسرائيل وتمردهم على موسى حتى أنه لزمهم معجزة نتق الجبل، وغيرها من المعجزات الحسية كثير، حتى آمنوا.\nوبهذه الآية تنتهي قصة بني إسرائيل في هذه السورة، ويلاحظ أن العبر المستخلصة منها تنطبق على بني إسرائيل إلى يومنا هذا، من حيث سلوكهم وإفسادهم، رغم كل المعجزات المادية والبينات الفكرية التي جاءتهم، ولذا فإن","vol":"2","page":106},{"text":"المقطع التالي من السورة ينتقل من العهد الخاص المأخوذ على بني إسرائيل، إلى العهد العام المأخوذ على البشرية قاطبة:\n\n<span id=\"aya-1126\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (١٧٢)\n١٧٢ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي واذكر أيها الرسول ما أخذه الله تعالى من ميثاق الفطرة على الناس عامة، إذ يأخذ الذريّة من الأصلاب قبل ولادتها ويودع فيها فطرة الإسلام وغريزة الإيمان، فجعل ذلك من المدارك الضرورية في عقول البشر ابتداء ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ المعنى أنه تعالى أوجد في النفوس فطرة الإيمان، وأنّ الإقرار لله تعالى بالربوبية وبالتوحيد مغروس في الاستعداد والفطرة مسبقا ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ أي أوجدنا فيكم هذا الاستعداد المسبق للتوحيد، منعا لاعتذاركم يوم القيامة أنكم كنتم غافلين عن التوحيد وعن الربوبية، والمعنى أن الاعتذار بالجهل لا يكون مقبولا يوم القيامة، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» وهو مطابق لهذه الآية، والآية أيضا تفيد حرية الخيار لبني آدم في اتباع الفطرة أو مخالفتها.\nوفي ذلك يقول الكاتب السويسري الشهير فريذهوف شون  Frithhof Schuon \"  إن الحقيقة منقوشة منذ الأزل في ذواتنا، وما يفعله الوحي أنه يبلور أو ينشّط بدرجات متفاوتة حسب الحالة، نواة من المفاهيم اليقينية الكامنة في جوهر الفرد، كما هي كامنة في كل مجموعة عرقية، وفي كل مجتمع في التاريخ، وفي الجنس البشري ككل\".\nولهذا السبب سمّي القرآن ذكرا لأنه يذكّر الإنسان بالعهد الفطري المأخوذ عليه، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧/ ٥٤]، وكذا كل وحي نزل على الأنبياء كما في الآيات (٦٣ و٦٩).","vol":"2","page":107},{"text":"<span id=\"aya-1127\"></span>﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١٧٣)\n١٧٣ - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ كي لا تقولوا إنّا كنّا جاهلين أن شرك الآباء والأجداد باطل ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وكي لا تقولوا نشأنا على ما كانوا عليه وقلّدناهم ﴿أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ الاعتذار بالجهل، وبتقليد الآباء والأجداد لا يقبل، بعدما أقام تعالى عليهم حجة الفطرة ونعمة العقل والبصائر، فعلى الإنسان إدراك التوحيد بعقله، والآية نص واضح ببطلان التقليد.\n\n<span id=\"aya-1128\"></span>﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٧٤)\n١٧٤ - ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي مثل هذا التفصيل والإيضاح البليغ، نبيّن لهم الحقيقة ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لعلّهم يستعملون عقولهم فيرجعون عن الانقياد للجهل، وعن تقليد ما توارثوه من معتقدات خاطئة، والآيات (١٧٢ - ١٧٤) دالّة على أنّ من لم تبلغه بعثة رسول لا يعذر يوم القيامة إن كان مشركا، أو مرتكبا للفواحش التي تنبذها الفطرة السليمة وتدرك العقول فسادها، وإنما يعذر بترك ما جاء به الرسل فيما شأنه ألاّ يعرف إلاّ منهم، وهو أكثر العبادات التفصيلية (المنار).\n\n<span id=\"aya-1129\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (١٧٥)\n١٧٥ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ هذه الآية تضرب مثلا على ما سبق من أخذ الميثاق على ذرية آدم وإقرارهم بالربوبية والتوحيد سلفا، والمعنى أتل عليهم أيها النبي مثل من أوتي الفطرة السليمة والبصيرة النافذة والعقل، وكانت لديه القناعة الداخلية والمعرفة التامة بصحة الآيات والكتب والوحي، ومع ذلك انسلخ عنها، أي أنكرها لشدة تعلقه بالعصبية والتقليد، أو قبلها ولم يعمل بموجبها، بل كان عمله مخالفا لعلمه، بسبب خداع النفس","vol":"2","page":108},{"text":"والتهالك على الدنيا ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ كان من نتيجة انسلاخه عن العلم واليقين الذي هو عليه أنّ أدركه الشيطان بالوسواس السيئ (الآية ١٧) ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ من الضالين المفسدين الخائبين، والواضح أن الآية لا تشير لشخص معين من الناس، وإنما لكلّ من يتجاهل الآيات وينسلخ عنها.\n\n<span id=\"aya-1130\"></span>﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٧٦)\n١٧٦ - ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ أي لرفعناه بالآيات التي علمها واستوعبها، بأن ألزمناه اتباعها طوعا أو كرها، ولكن ذلك مخالف لسنتنا في أن يكون لبني آدم حرية الخيار ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ اختار أن يميل إلى الدنيا وإلى المادة ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ مفضّلا الدنيا والهوى على الالتزام، وعلى تحقيق الذات والسمو الروحي، أو مفضّلا العصبية والتقليد على الإقرار بالحقيقة ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ سواء عليه إن جاءته الآيات فصار عالما موقنا بها، أم لم تأته الآيات فبقي جاهلا، فالنتيجة العملية واحدة بالنسبة إلى أمثاله، لأنه في جميع الأحوال يلهث جريا وراء المادة ووراء نزواته ورغباته الدنيوية المباشرة، مثل الكلب الذي يلهث في حالة الراحة أو التعب، أو في حالة الشبع أو الجوع، أو في حالة الشرب أو العطش ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم بنو إسرائيل، جاءتهم الرسالة الإلهية والآيات المعجزات فلم يستفيدوا منها ولم يعتبروا بها، سواء عليهم جاءتهم أم لم تجئهم ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي فاقصص، أيها الرسول للناس مثل هذه القصص البليغة لعلهم يأخذون العبر منها، ولعلهم يراجعون الفكر والعقل فيما ينبغي أن يختاروا من سبيل في حياتهم، ولعلهم يتفكّرون فيما فطروا عليه من الفطرة السليمة، وترجيح الفكر السليم على الهوى، ولعلهم يتفكّرون في التعامل مع بني إسرائيل، ولعلّ بني إسرائيل يرجعون عن غيّهم.","vol":"2","page":109},{"text":"<span id=\"aya-1131\"></span>﴿ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٧٧)\n١٧٧ - ﴿ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي ساء مثلا مثل المكذّبين بالآيات، لأن من أسوأ الأمور التكذيب بالآيات بعد أن استيقنتها النفوس، انظر [آية النمل ١٤/ ٢٧]، ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أسوأ ما في الأمر أنهم بالتكذيب بالآيات يظلمون أنفسهم قبل غيرهم، والأسوأ أنهم على علم بصحتها، أو لديهم المقدرة على إدراك صحتها.\n\n<span id=\"aya-1132\"></span>﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٧٨)\n١٧٨ - ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ هذه الآية نتيجة منطقية لما سبق من الآيات (١٧٢ - ١٧٧)، بأن من يختار اتباع الفطرة والآيات فهو المستفيد من الهدي الإلهي، وأما من يختار مناقضة الفطرة والمكابرة وتجاهل الآيات، كما هو مبين في الآية التالية، فيضلّ عن السبيل وتؤول عاقبته إلى الخسران في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1133\"></span>﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٧٩)\n١٧٩ - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ أي نشرنا لجهنم لأن معنى الذرء: النشر والبث، ومنه الذاريات أي الرياح، انظر آية [الكهف ٤٥/ ١٨]، ﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي بنتيجة انسلاخهم عن الآيات (١٧٥)﴾، اختاروا ظلم أنفسهم بالتكذيب بها، مصيرهم إلى جهنم، وهم ذوو الصفات التالية: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ لا يستفيدون من ملكة الفكر في فهم الحقيقة والدلائل والآيات وسنن الله تعالى في خلقه، فهم لا يفقهون ما تصلح به نفوسهم من التوحيد والابتعاد عن الخرافات والأوهام، ولا يفقهون ترك الشرور والمنكرات والحرص على الفضائل وأعمال الخير، ولا يفقهون أسباب النصر على الأعداء من معنوية وأخلاقية واجتماعية ومادية ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ لا يبصرون إبصار","vol":"2","page":110},{"text":"اعتبار ﴿وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ لا يسمعون الآيات والمواعظ سماع تأمّل وتفكّر موضوعي، بل يسمعون سماع جهل أو تعصب وتحيز مسبق، أو يسمعون مجرّد سماع حسّي بلا فهم، والخلاصة أنهم لا يستخدمون ملكاتهم العقلية فيما يفيدهم ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ لأن الأنعام تجري وراء الغرائز والحاجات الطبيعية فقط، وليست في خيار أخلاقي بين الخير والشر، والصواب والخطأ ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن لدى الإنسان من المقدرة على التفكير المجرد، والتمييز بين الخير والشر، ما ليس للحيوانات ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة، أو المستحقون حقّا لصفة الغفلة، لأنهم غافلون عن الحقيقة رغم مقدرتهم على الإحاطة بها والعمل بموجبها، وغافلون عن ذكر الله تعالى وعن دعائه بأسمائه الحسنى، وذلك من فساد الفطرة وإهمال مواهبها من العقل والحواس، بل إن بعضهم يلحد في أسمائه تعالى كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1134\"></span>﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٨٠)\n١٨٠ - ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ الحسنى مؤنث أحسن، ومعنى الآية يفيد الحصر، أي إن الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى فقط وليست لغيره، وهي جميع الأسماء الدالّة على الكمال وأحسن المعاني والصفات، وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"إن لله تسعة وتسعين إسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة\"، وفي سرد الأسماء اختلاف في الروايات، وقد اختلف في هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء الحسنى أو أنها أكثر من ذلك، والجمهور على أنه ليس في الحديث ما يدل على أنه ليس لله تعالى إلا هذه الأسماء، وإنما معنى الحديث أن من أحصاها دخل الجنة، والمتبادر أن ليس المقصود مجرد الإحصاء العددي لها، وإنما التفكر بمدلولاتها وعدم الغفلة عنها بما يؤدي إلى الإيمان والعمل ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ نادوه بها، في الذكر والثناء والدعاء، كي لا تكونوا من الغافلين المذكورين آنفا ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ دعوهم ولا تبالوا بهم، ومعنى الإلحاد في اللغة الميل والانحراف عن","vol":"2","page":111},{"text":"الحق والاستقامة، ومن ذلك إطلاق أسماء الله تعالى على الأوثان مثل اللات والعزى ومناة، اشتقوها من الله والعزيز والمنّان، ومن ذلك أيضا تسميته تعالى بما لا يجوز كزعمهم أنه الأب أو الإبن ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دعوا الذين يلحدون في أسماء الله فإنهم سوف يلقون جزاءهم إن في الدنيا أو في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1135\"></span>﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١٨١)\n١٨١ - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يهدون الناس بالحق ﴿وَبِهِ﴾ بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التعامل مع الناس، وهذه الآية عطف على آية: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وكلتاهما تفصيل لقوله تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٧٨)، وقد تقدم مثل هذه الآية في الكلام على قوم موسى (الآية ١٥٩)، وهذه الآية أعمّ إذ تشمل الناس قاطبة في كل الأزمنة والمجتمعات، وبعد البعثة الإسلامية تشمل الذين استجابوا لدعوة الإسلام وعملوا بموجبها.\n\n<span id=\"aya-1136\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٢)\n١٨٢ - بعد أن ذكر تعالى حال الأمّة الهادية العادلة، أعاد ذكر المكذّبين المذكورين آنفا في الآيات (١٧٦ - ١٧٧) لتفصيل كيفية إصرارهم على التكذيب: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولم تنفعهم هداية الهادين ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون عاقبة أمرهم، والمعنى أنه تعالى يمهلهم لكي يتوبوا، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وقد يغدق عليهم نعم الدنيا فيغترّوا بها وتلهيهم عن شكر المنعم، مع أن النعم مدعاة لشكره تعالى، ولكنهم يغفلون ويظنّون أن النعم محض استحقاق لهم بجدارتهم لا غير، ويسترسلون في ضلالهم من حيث لا يدرون عاقبة أمرهم، بسبب جهلهم سنن الله تعالى التي مضت في خلقه أن الحق يدمغ الباطل، والاستدراج بمعنى النزول درجة درجة، حتى إذا أخلدت الأمة، أو المرء، إلى الأرض واستغرقت في المعاصي صارت أسفل سافلين فيزول","vol":"2","page":112},{"text":"سلطانها ودولتها، وأما الأفراد فقد يتأخر عذابهم ويرجأ إلى الآخرة، وقد ينالهم في الدنيا قبل الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1137\"></span>﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١٨٣)\n١٨٣ - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي أبقيهم مع إصرارهم على التكذيب، ولا أعاجلهم بالعقوبة، وأطيل مدّة أعمارهم لعلّهم يعودون بالتوبة، لأن الإملاء في اللغة هو الإمهال وإطالة الأمد، ونقيضه الإعجال، والمليّ زمان طويل من الدهر، ومنه قوله تعالى ﴿وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦/ ١٩]، أي طويلا ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الكيد كالمكر وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره، ممّا يخدع المكيد له إن لم يكن فطنا، فلا يقلع عن المعاصي، وأكثر الكيد احتيال مذموم، ومنه المحمود الذي يقصد به المصلحة، وفي الحديث: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».\n\n<span id=\"aya-1138\"></span>﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١٨٤)\n١٨٤ - بعد أن ذكر تعالى الميثاق الذي أخذه على ذرية آدم وما أودعهم من الفطرة، وهيّأ لهم سبل الهداية، ورغم ذلك فإن بعضهم أخلد إلى الأرض وكذّب بالآيات، وأنه تعالى يستدرجهم ويملي لهم ويمهلهم، عاد إلى الجواب على شبهاتهم: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ والكلام عن مشركي مكة أولا، وعن الكفار عامة، والمعنى ما عليهم سوى أن يتفكّروا بصورة موضوعية في سيرة النبي ﷺ حتى يوقنوا أن دعوته الناس إلى الإسلام لا تنطوي على أي نوع من أنواع الجنون، وأن مخالفة أسلوب تفكيرهم وعباداتهم ليست جنونا، وقوله ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ يوجب ألاّ يكون به أي نوع من أنواع الجنون كما زعموا، وصاحبهم هو النبي ﷺ، والتأكيد على كونه صاحبهم لأنه معروف منذ نشأته في قومه وعرفوا أخلاقه وطباعه وأمانته ممّا يستحيل أن يكون موضع شك، وهو في الوقت نفسه تأكيد على كونه بشرا لئلا ينزلق أتباعه في رفعه فوق منزلة البشر كما سيرد تأكيده في الآية (١٨٨)﴾، ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ نذير لهم","vol":"2","page":113},{"text":"عما كانوا غافلين عنه، مبيّنا لهم بالآيات ما عميت بصائرهم أو تعامت عن رؤيته.\n\n<span id=\"aya-1139\"></span>﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٥)\n١٨٥ - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليتفكّروا في معجزة العوا لم والأفلاك التي لا نهاية لها، مع أن العقل لا يدرك منها إلا الشيء المحدود ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وليتفكّروا في مخلوقات الله على اختلاف أنواعها والإعجاز فيها، فكل هذه الأفلاك والمخلوقات لها مسبّب، وكان لها بداية، ومن ثمّ لا بد أن يكون لها نهاية، فهي ليست أزلية، ويستحيل أن تكون أوجدت نفسها من العدم، لأن فكرة العدم لا تنطوي على حقيقة، ولا بدّ أن يكون هنالك خالق ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ لعلّ آجالهم اقتربت فيموتون على الكفر والتكذيب، وينتهون إلى الحساب والعذاب، فلينظروا في ذلك ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ لا عذر لهم بعدم الإيمان، بعد هذا القرآن المعجز، فالضمير في ﴿بَعْدَهُ﴾ يعود إلى القرآن، وقد يعود الضمير في ﴿بَعْدَهُ﴾ إلى أجلهم فيكون المعنى أن إيمانهم بالقرآن لا ينفعهم بعد حلول الأجل.\n\n<span id=\"aya-1140\"></span>﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٨٦)\n١٨٦ - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ أي إنّ من يختر الضلال ويصر عليه بعد الإمهال وطول العمر، ولا ينظر في آيات الوحي المعجزة، ولا يتفكّر في دلائل ملكوت السماوات والأفلاك والمخلوقات، ولا يستفيد من ملكة الفكر والعقل، فقد أضلّه الله، لأن سنته تعالى في خلقه اقتضت ارتباط المسبّبات بالأسباب، فإذا كان الأمر كذلك، فمن يهديه بعد الله؟ والنتيجة أن الإضلال ليس جبرا، وإنّما سببه الخيار الحر لمن يتعمد إهمال دواعي فطرته ومقدرته المعرفية، راجع شرح الآية (١٧٨)﴾ وآية [البقرة ٦/ ٢ - ٧]، ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتركهم تعالى لخيارهم ولا يجبرهم على الهداية جبرا، ومعنى يعمهون","vol":"2","page":114},{"text":"أنهم يترددون في الضلال والحيرة ويبتكرون لأنفسهم من النظريات وأفكار الضلال، وتفيد الآية أيضا أن هذه النتيجة مترتّبة على طغيانهم في الباطل وفي الكفر والشرور.\n\n<span id=\"aya-1141\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٧)\n١٨٧ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ وهذا من جملة طغيانهم المشار إليه آنفا أنهم يسألون عن موعد قيام الساعة، ضلالا أو تشكيكا بها ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ أي متى تثبت القيامة وتحدث؟ لأن الإرساء هو الثبات، ومنه إرساء السفينة ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ علمها لا ينال الرسل والمخلوقات، ولا يقدر على إظهار وقتها المحدد إلاّ الله تعالى ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقعها ثقيل على أهل السماوات والأرض لأن فيها هلاكهم وحسابهم، وهو ثقيل على القلوب، ولو علموا موعدها سلفا لاضطربت أمورهم ولكان علمها ثقيلا عليهم ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ فلا تمهل، ويفوت أوان التوبة والإصلاح ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها، لأن الإحفاء هو الإلحاح والإلحاف في السؤال ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ وحده، لاقتضاء الحكمة ذلك ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون الحكمة من إخفائها، أو يتخبطون في طلب موعدها، أو حسابه بزعمهم.\nوهذه الآية نافية للروايات عن الفتن وأشراط الساعة وإماراتها، وما في تلك الروايات من المشكلات والتعارض، فالآية تحدد أن الساعة لا تأتي إلاّ بغتة، وأنهم يسألون الرسول كأنه حفيّ عنها، في حين أن الأشراط الكبرى الخارقة للعادة المذكورة في الروايات تضع الناس في مأمن من قيام الساعة بغتة قبل حدوث الأشراط كلها، فهم ينتظرون قبلها ظهور المسيح الدجال، والمهدي،","vol":"2","page":115},{"text":"ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة إلخ ..، وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظة ولا خشية، ولا استعدادا لذلك اليوم فما فائدة العلم به إذن؟ وهل كان النبي ﷺ يريد بالإخبار بها تأمين الناس من قيام الساعة قرون عديدة إلى أن تظهر هذه الأشراط؟ أم كان يتوقع ظهورها في قرنه أو ما يقرب منه بدليل ما زعموا من تجويزه ظهور الدجال في زمنه؟ (المنار).\nوفي قوله تعالى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ [محمد ١٨/ ٤٧]، ﴿فَقَدْ﴾ للتحقيق قبل الفعل الماضي، ما يفيد أن أشراط الساعة قد جاءت وانتهت بنزول القرآن الكريم وببعث خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ وهي الأشراط المقصودة، لأن الساعة لا تقوم قبل بعث الرسول إلى البشرية كافة وهو مغزى بعثته ﷺ، فلم يبق بعد البعثة الإسلامية إلا انتظار الساعة أن تأتي بغتة وهو معنى الآية بدليل قوله تعالى بعدها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧]، فلا نبيّ بعده ﷺ، وقد تكرر معنى مجيء الساعة بغتة ثماني مرات في القرآن الكريم.\n\n<span id=\"aya-1142\"></span>﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٨)\n١٨٨ - ﴿قُلْ﴾ أيها النبي لمن يسألونك عن الساعة ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ تأكيد على أن النبي ﷺ بشر، وأن النفع والضرر يكون بمشيئة الله، وليس بمشيئة البشر من رسل وغيرهم ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ علم الغيب عند الله وحده، وليس لمخلوق أن يكون له نصيب مهما كان في الصفات والمقدرة التي اختص بها الخالق ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وهي وظيفة الرسول الوحيدة أن يكون نذيرا بالعواقب وبشيرا لمن لديه استعداد للإيمان، وليس من شأنه معرفة الغيب، ولا جلب المنافع ودفع الضرر إلا بموجب ما تقتضيه سنن الله في خلقه.","vol":"2","page":116},{"text":"<span id=\"aya-1143\"></span>﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٨٩)\n١٨٩ - وهنا تعود السورة للموضوع الذي بدأت منه بالآيات (١١ - ٣٠) عن خلق البشر واستعدادهم للخير والشر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ خلق تعالى البشر كلّ هم من أنفس متماثلة فهي من ثمّ نفس واحدة، أي من جنس واحد ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ الزوج في اللغة يطلق على الجنسين فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والمعنى أنه تعالى خلق زوجها من جنسها، فالزوجين من جنس واحد، انظر شرح الآية (١٩) وآية [النساء ١/ ٤] ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ سكونا زوجيا، ينتج عنه الاطمئنان والميل والمحبة والأنس ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ كناية نزيهة عن أداء الوظيفة الزوجية، أي لمّا تغشى الزوج الذي هو الذكر، الزوج التي هي الأنثى ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ في أول الحمل لا تكاد المرأة تشعر به ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ ثقل حملها وقارب وقت الوضع ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أي ولدا صالحا تام الخلق والخلق ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إن آتيتنا ولدا صالحا نقوم لك بحق الشكر قولا وعملا واعتقادا وإخلاصا، والكلام عام عن جنس الرجل والمرأة، وليس مختصا بآدم وحواء، وذلك واضح من الآية التالية بأنهما جعلا لله شركاء فيما آتاهما، ومن الآيات التي تليها عن إصرار أمثال هؤلاء على الشرك.\n\n<span id=\"aya-1144\"></span>﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٩٠)\n١٩٠ - ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا﴾ فلمّا آتاهما ولدا صالحا ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ جعلا لله شركاء فيما آتاهما من الذرية الصالحة، إذ سرعان ما ينسى الأبوان هذه الهبة والمعجزة الإلهية الباهرة التي نتج عنها خلق الحياة في المولود الجديد، وبدلا من التفكر في هذا الإعجاز الإلهي وشكره تعالى قولا وعملا على هذه النعمة، فإنهما يعتادان على المولود الجديد، ويعتبران خلقه أمرا عاديا بديهيا مسلّما به، وبدلا من اعتبار هذه المعجزة دليلا آخر على وحدانية","vol":"2","page":117},{"text":"الخالق فإنهما ينصّران الولد أو يهوّدانه أو يمجسّانه، كما ورد في الحديث، أو يؤمنان ببعض الخرافات والطقوس، أو ينسبان صحة المولود والولادة لأنفسهما وجدارتهما، أو ينسبان ذلك لبعض الأولياء والصالحين أو القديسين، أو يسميان الولد أسماء مثل: عبد الرسول، أو عبد اللات، أو عبد شمس، أو عبد المسيح ..\n﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزّه شأنه تعالى، وارتفع مجده، عمّا يشركون شركا ظاهرا بيّنا، أو شركا باطنا خفيّا، واستخدام ضمير الجمع هنا بعد ضمير التثنية في الأفعال قبله دليل على أنّ المراد بالزوجين جنس الرجل والمرأة، وليس فردين بعينهما.\n\n<span id=\"aya-1145\"></span>﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١٩١)\n١٩١ - ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ بعد أن استجاب تعالى لدعائهم وخلق لهم الذرية الصالحة، فكيف يشركون به ما يعجز عن الخلق، بل لا يملك لنفسه جلب المنفعة ودفع الضرر، وهو تنبيه على سخافة تفكيرهم.\n\n<span id=\"aya-1146\"></span>﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (١٩٢)\n١٩٢ - ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ لا يستطيعون نصر عبدتهم، ممّن يستنصرون بهم، لأنهم من اختلاقهم أصلا فهم أعجز منهم ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ولا يستطيعون نصر أنفسهم ضد أعدائهم، بل إن عبدتهم هم الذين يدافعون عن المعبودين ويحاولون حمايتهم، سواء كانوا من الأفراد المؤلهين، أو الأولياء والأضرحة أو القديسين أو الأوثان.\n\n<span id=\"aya-1147\"></span>﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ (١٩٣)\n١٩٣ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى﴾ إن تطلبوا منهم الهداية والرشاد، وتقدير الخطاب: إن تدعوهم ليهدوكم إلى الهدى ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم، ولا يستجيبوا لكم، ولا يهدوكم إلى شيء ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ﴾","vol":"2","page":118},{"text":"﴿صامِتُونَ﴾ الأمر يستوي، سواء طلبتم منهم الهداية، أم بقيتم على صمتكم دون أي دعاء لهم.\n\n<span id=\"aya-1148\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٩٤)\n١٩٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ ذلك قصارى ما في الأمر أنهم عباد أمثالكم، خاضعون لسننه تعالى في الخلق مثلكم، سواء كانوا من الآلهة المزيفة، أو من الأفراد المؤلهين، أو قد يكونوا أقل من ذلك: جمادات أو أوثانا وأصناما تزعمون فيهم المقدرة على جلب المنافع ودفع المضار ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم صادقين في زعمكم أنّ لهم مقدرة على ما لا تقدرون عليه بقواكم البشرية.\n\n<span id=\"aya-1149\"></span>﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ (١٩٥)\n١٩٥ - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ إشارة إلى الأوثان أو الأضرحة والأموات الذين يدعونهم ويظنّون فيهم من خواص الألوهية ﴿قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ قل لهم أليها الرسول، ادعوا شركاءكم الذين تزعمون أنهم شركاء في الألوهية ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ تعاونوا جميعا على الكيد لي، ولا تمهلوني، والمعنى أنّ الذين تزعمون أنهم شركاء في الألوهية لا يقدرون على شيء، وفي ذلك إشارة أيضا إلى الذين اتخذوا العجل معبودا (الآية ١٥٢).\n\n<span id=\"aya-1150\"></span>﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (١٩٦)\n١٩٦ - تتمة خطاب النبي ﷺ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ وحده لا أشرك به شيئا، فهو المتصرف في الأمور والقادر على كل شيء، وأما الذين تدعون من دونه فلا يقدرون على شيء ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ فبيّن به الحق الذي أنا عليه، من","vol":"2","page":119},{"text":"الباطل الذي أنتم عليه ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ المؤمنين العاملين بموجب كتابه، فيتولّى أمورهم ويهديهم ويستجيب لدعائهم.\n\n<span id=\"aya-1151\"></span>﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (١٩٧)\n١٩٧ - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ استمرار الخطاب، والمعنى أنّ وليّ الله الذي نزّل القرآن، فلا أبالي بشركائكم الذين تدعون من دونه، فهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، فضلا عن نصركم.\n\n<span id=\"aya-1152\"></span>﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٩٨)\n١٩٨ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ إن تدعوهم ليهدوكم إلى الهدى لا يسمعوا دعاءكم ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنهم جمادات من أصنام وتماثيل، أو هم بمثابتها إن كانوا أفرادا مؤلّهين، والمعنى كيف يهدونكم وهم غير مهتدين؟ فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه، فإنهم أقرب إلى الإضلال واستغلال الآخرين.\nويحتمل المعنى أيضا أن يكون ضمير الغائب عائدا على المشركين والكفار الذين صممّوا على الكفر، أي إن تعرض عليهم الهداية لا يقبلوا، وترى المشركين والكفار ناظرين إليك في الوقت الذي فقدوا بصيرتهم، فلا يفقهون الحجج، غير أن هذا الاحتمال لا يستقيم مع النظم.\n\n<span id=\"aya-1153\"></span>﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (١٩٩)\n١٩٩ - هذه هي الخلاصة في طريقة الدعوة، والتعامل مع الناس، وهي جامعة لمكارم الأخلاق: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي خذ الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص منهم، قال الزمخشري العفو ضد الجهد، والأخذ مجاز عن القبول والرضا، أي إرض من الناس ما تيسّر من أفعالهم وأخلاقهم، وما أتى منهم، وتسهّل من غير كلفة ولا تداقّهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم، حتى لا ينفروا،","vol":"2","page":120},{"text":"كقوله ﷺ: «يسّروا ولا تعسّروا»، والمقصود ترك التشدد ونفي الحرج في التكليف، والرفق واللطف في الدعوة وفي المعاملة، والتخلق مع الناس بالخلق الحسن، والتسامح وترك الغلظة والفظاظة ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهو المعروف الجميل من الأفعال الذي تعارفه الناس من الخير، أي ما يستحسن في العقل فعله ولا تنكره العقول الصحيحة، وهو العرف غير المعارض بالنص، ويختلف باختلاف الشعوب والبلاد والأزمنة ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ فلا تقابل السفهاء بمثل سفاهتهم، وكن حليما معهم وغضّ ما يسوؤك منهم، وارتباط الآية بما قبلها يفيد أنه يجب معاملة الناس بأسلوب العفو واليسر والإعراض عن الجاهلين، بمن في ذلك المشركين.\n\n<span id=\"aya-1154\"></span>﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٠٠)\n٢٠٠ - ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النزغ تملّك الغضب بالإنسان إذا استفزّه الجاهلون، المشار إليهم آنفا، بما يثير الغيظ والغضب، وفي تلك الحالة ينزغه الشيطان ويحثّه على فعل ما لا ينبغي، والنزغ في الأصل إدخال الإبرة أو طرف العصا أو ما شابه في الجلد، وهو مجاز أطلق على وسوسة الشيطان، حيث شبّه الوسوسة والإغراء بغرز السائق في جلد من يسوقه، كأنه الحث على الجهل والمعاصي ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ وهو علاج نزغ الشيطان، بأن يلجأ المرء إلى الله تعالى ويستجير به، فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مستحضرا معناها في قلبه، وفي معنى الآية تحذير من الغضب، ولذا كرر ﷺ النهي عن الغضب كما جاء في الحديث أنه ﷺ قال لرجل طلب أن يوصيه: \"لا تغضب\" فردّد مرارا، فقال \"لا تغضب\" ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الله تعالى يسمع الاستعاذة ويعلم ما في الضمير، وهو دليل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلاّ إذا استحضر المرء معناها الحقيقي في القلب.","vol":"2","page":121},{"text":"<span id=\"aya-1155\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢٠١)\n٢٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ الجهالة والغضب ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ مسّتهم وسوسة من الشيطان تغريهم بالحمية الجاهلية وبالغضب وبالمعصية، - والطائف اسم فاعل من طاف بالشيء إذا دار حوله - والآية جعلت الوسوسة طائفا للإشعار بأنها وإن مسّت المتقين فإنها لا تؤثر فيهم، فكأنها طافت حولهم ولم تصل إليهم، وفي ذلك عودة إلى موضوع الآية (١٧)، ﴿تَذَكَّرُوا﴾ تذكّروا ما أمر الله به وما نهى عنه، أو تذكّروا أنّ الطائف من وسوسة الشيطان، أو تذكّروا الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ مبصرون لمواقع الخطأ، مبصرون غير غافلين، يحاسبون أنفسهم، فتزول عنهم وساوس الشيطان، وقد ذكر الرازي أن الطائف من الشيطان يطلق أيضا على الغضب، وقالوا إن الطيف في كلام العرب الجنون، ثم قيل للغضب طيف، لأن الغضبان يشبه المجنون، وأنه إذا تذكّر الاستعاذة يحصل له الاستبصار والانكشاف والتجلّي، ويتخلّص من وسوسة الشيطان، فيعمل بما أمر الله به من ترك إمضاء الغضب، وترك الإيذاء والانتقام، واختيار العفو،\n\n<span id=\"aya-1156\"></span>﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ (٢٠٢)\n٢٠٢ - ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي إخوان الشياطين، وهم غير المتقين، بالمقابلة مع المتقين المذكورين آنفا، وتسميتهم إخوان الشياطين مجاز لأنهم مثلهم ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ الشياطين يمدّون غير المتقين، أي يكونون مددا لهم بتقوية الوسواس والحض على الجهالة ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الشياطين لا يكفّون عن الوسوسة وإضلال غير المتقين حتى يصرّوا ولا يرجعوا، وفي الوقت نفسه فإن غير المتقين لا يكفّون عن العمل بالمعاصي، أي يزداد المغوي إضلالا، ويزداد الغاوي ضلالا.\nويحتمل أيضا أن يكون معنى إخوانهم: الإخوان الجاهلين غير المتقين، فهم يريدون الدخول مع المتقين في جدل ومناقشات عقيمة، وقد يستفزونهم إلى الغضب ولعمل ما لا ينبغي، ويحاولون استدراجهم إلى الخطأ والمعصية، فالذين","vol":"2","page":122},{"text":"اتقوا، إذا مسّهم مثل هذا الطائف من شياطين الإنس والجن، تذكّروا فإذا هم مبصرون غير غافلين عن مواطن الخطأ، فلا يستجيبون للاستفزاز ولا يغضبون، ولا يقصرون عن عمل الخير في كل الأحوال، وهذا واجب المسلمين عامة والدعاة خاصة، فيكون تقدير الخطاب: ومع أن إخوانهم يمدونهم في الغي فهم لا يقصرون في عمل الخير، وقوله ﴿ثُمَّ﴾ أي بعد أن صاروا مبصرين.\n\n<span id=\"aya-1157\"></span>﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠٣)\n٢٠٣ - ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ إن لم تأت لهم، أيها الرسول، بالمعجزات المادية الخارقة التي يطلبون، أو لم تأت لهم بآيات من الوحي، حسبما يقترحون، وفي الوقت الذي يريدون ﴿قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها﴾ قالوا لم لا يجيء بها إن كان رسولا حقّا، وهو قول المشكّكين في الرسالة، وقد يكون هذا قولهم مدة فتور الوحي الذي استمر ثلاث سنوات، وهذا من جملة إمداد الشياطين لهم بالغيّ كما هو مذكور آنفا ﴿قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي أنني مجرد بشر عاجز مثلكم، وإنّما أبلّغكم الوحي عن ربّي، وليس لي أن أبدّله أو أجتبيه من تلقاء نفسي ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هذا القرآن المعجز بمنزلة بصائر للعقول، وحجج بيّنة لمن يستخدم ملكة الفكر والعقل، وفي الآية إشارة أنّ ذوي العقلية البدائية في جميع الأزمنة - يصرّون لإثبات النبوّة على مشاهدة معجزات مادية يلمسونها بحواسّهم، عوضا عن تقويم الرسالة من حيث مضمونها وجدارتها ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ القرآن هدى ورحمة للذين يختارون الإيمان.\n\n<span id=\"aya-1158\"></span>﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤)\n٢٠٤ - ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي بما أن القرآن بصائر للعقول، وهدى ورحمة للمؤمنين، فاستمعوا لما فيه من الحجج البيّنات، استماع تفهّم وتفكّر، واعملوا بموجبها، فالاستماع بهذا المعنى يكون مجازا، أي ليس مجرّد السماع الحسّي بالأذنين، والخطاب","vol":"2","page":123},{"text":"موجّه للذين يطلبون المعجزات المذكورين آنفا كما هو موجه للمؤمنين ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ لكي تمعنوا الفكر بمعانيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي لعلكم تعملون بما يوجب الرحمة، إذا كان استماعكم عن تفهم واستيعاب وتفكّر وقبول وعمل، وفي تفسير المنار أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلاّ بكثرة قراءة القرآن واستماعه، وأنه ما آمن أكثر العرب في أول البعثة إلاّ بكثرة الاستماع إليه وفهمه.\nوقد ذكر الرازي أن ليس المقصود حمل الآية على ظاهرها بمعنى وجوب الاستماع والإنصات في أي موضع قرئ القرآن، لما في ذلك من حرج كبير للمكلّفين، وفي روح المعاني أنه إذا كان رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارئ، ولو قرأ على السطح في الليل جهرا والناس نيام يأثم، وهذا ينطبق على القراءة من المآذن في هذه الأيام، والنتيجة أنّ الأمر بالاستماع والإنصات لغرض التفكر والتدبّر وإعمال العقل، بعدما جاءت الآية السابقة تقرر أن القرآن بصائر للعقول، وفي هذه الآية أيضا عودة إلى أول السورة (الآية ٣).\n\n<span id=\"aya-1159\"></span>﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ (٢٠٥)\n٢٠٥ - ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ وهو عطف على الاستماع للقرآن بغرض الفهم، والمراد أن يكون الذاكر عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضرا إياها في قلبه، لأن الذكر باللسان وحده بمعزل عن استحضار المعاني يكون عديم الفائدة، مثل سماع القرآن دون التفكّر بمعانيه، وقالوا أيضا إن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلا ﴿تَضَرُّعًا﴾ أي متضرّعا، والتضرّع الابتهال ﴿وَخِيفَةً﴾ يكون المتضرّع بين الرجاء والخوف ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الجهر رفع الصوت المفرط، ودون الجهر أن يكون التضرع بين الجهر والمخافتة، وقيل بقدر ما يسمع المتضرّع نفسه ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ صباحا مساء ﴿وَلا﴾","vol":"2","page":124},{"text":"﴿تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى، ولا مستغرقا في أمور الدنيا فتلهيك عن ذكر الله.\n\n<span id=\"aya-1160\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢٠٦)\n٢٠٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ المقربون منه، وقيل هم الملائكة ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ مقرّون له بالعبودية بكل ما في معناها، لا يستكبرون عن عبادته على نقيض الكفار والمشركين، لأنّ الاستكبار يصرف عن الآيات ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ تنزيها لله تعالى عمّا لا يليق به ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يسجدون له وحده، لا يدعون غيره، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (١٣ و٣٦ و٤٠ و٤٨ و٧٥ و٧٦ و٨٨ و١٤٦).\n***","vol":"2","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1197>سورة الأنفال - ٨ - مدنية</span>\nنزلت سورة الأنفال في السنة الثانية من الهجرة بعد وقعة بدر، روي عن ابن عباس قوله إنها نزلت في بدر، وفي لفظ: تلك سورة بدر، فقد اشتملت على تحليل كامل لأول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الإسلام وقوى الكفر، كما وضعت أسس الجهاد الإسلامي التي بموجبها انتشرت دولة المسلمين ودعوتهم - خلال أقل من قرن من الزمن - من أقصى العالم القديم في الصين، إلى أقصاه في الأندلس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1198>الخلفية التاريخية</span>\nخلال شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة وصل إلى علم المسلمين في المدينة أن القافلة التجارية الكبرى التي سبق أن توجهت إلى الشام بقيادة أبي سفيان سوف تبدأ رحلة العودة، وأنها بالتالي سوف تمر بمنطقة المدينة خلال أسابيع، وبالنظر لحالة الحرب التي كانت قائمة بين قريش وبين المسلمين، فقد أخبر النبي ﷺ أتباعه أنه ينوي مهاجمة القافلة لدى اقترابها من منطقة المدينة، ومن ثمّ تسربت إشاعات هذه الخطة فوصلت أبا سفيان، وهو لم يزل في الشام، فاستفاد من ذلك بأن بعث مراسلا سريعا إلى مكة يطلب النجدة من قريش، إذ كانت قافلته المكونة من حوالي ألف جمل محملة بأنفس البضائع لا يرافقها سوى حراسة خفيفة من حوالي أربعين رجلا، فلمّا أحيطت قريش بالخبر حشدت جيشا كبيرا قاده أبو جهل، ألد أعداء النبي ﷺ وانطلق بالجيش شمالا يريد حماية القافلة من جهة، ومن جهة ثانية يريد ضرب مسلمي المدينة ضربة قاصمة بزعمه، ومن جهة ثالثة يرهب قبائل العرب بخروجه بهذا الجيش ويظهر أمامها هيبة قريش","vol":"2","page":126},{"text":"وبأسها، وكان أبو سفيان في هذه الأثناء قد أخذ جانب الحيطة فاتخذ مسارا لقافلته عائدا بحذاء ساحل البحر، على أبعد مسافة ممكنة من المدينة.\nولما كانت عادة النبي ﷺ في جميع غزواته وسراياه كتمان خططه المسبقة حتى ساعة التنفيذ، وحتى بعد الخروج بأصحابه من المدينة، وأنه كان أحيانا يخرج بأصحابه من المدينة في اتجاه مغاير لهدفه الحقيقي إمعانا في تضليل الجواسيس من الكفار والمنافقين، فإن إعلانه العزم على مهاجمة القافلة، وهي لم تزل في الشام، وقبل عدة أسابيع من اقترابها المدينة، ممّا يدل أن كلام الهجوم على القافلة لم يكن سوى تغطية، وأن الهدف الحقيقي من بث الخبر كان استدراج قريش إلى مواجهة عسكرية حاسمة تنهي حالة الخوف والترقب التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي في المدينة.\nكان المسلمون بعد الهجرة يشعرون بتهديد قريش المستمر لهم ويخشون من احتمال اجتياحها المدينة بمساعدة بعض قبائل العرب، وكانت قريش تبعث الحملات للإغارة على المسلمين من وقت لآخر، ومن ضمن ذلك غارة المشركين بقيادة كرز بن جابر الفهري التي وصل بها أطراف المدينة وسلب بنتيجتها من مواشي المسلمين ومتاعهم، ومن جهة أخرى كانت قريش تحرض القبائل المتحالفة مع النبي ﷺ على النكوص ونقض العهود، فلم يكن بوسع النبي ﷺ أن يتخذ موقفا سلبيا، ولا أن يقف موقف المستضعف تجاه هذا الوضع القلق، وكان يرد على تحدي قريش بتهديد قوافلها التجارية والتعرض لها، ليس بغرض السلب أو النهب ولا بغرض إهراق الدماء، وإنما لإنذار قريش أنه بإمكان المسلمين إلحاق الضرر بتجارتها واقتصادها، وكان يخشى لو اتخذ موقفا سلبيا أن يتعاظم أمر قريش بتكتل القبائل معها، وتأليب القبائل المتحالفة معه، فأراد أخذ زمام المبادرة بين يديه.","vol":"2","page":127},{"text":"ولو كان النبي ﷺ يريد مهاجمة قافلة أبي سفيان ونهبها، كما قد يظنّ، لكان كمن لها فجاءة بطريق عودتها من الشام، دون إعلان مسبق، فلا تكون لأبي سفيان الفرصة في طلب النجدة من مكة، ولا في تغيير مسيره نحو ساحل البحر، ولكن إعلان النبي قبل أسابيع من وصول أبي سفيان لمنطقة المدينة أعطاه الفرصة لطلب النجدة من كفار مكة ومن ثمّ حشد قوة كبيرة من قريش.\nوفيما كان أبو سفيان مسرعا بقافلته جنوبا، كان أبو جهل يتجه شمالا بجيش مؤلف من حوالي ألف رجل كاملي الدروع والسلاح، يمتطون حوالي سبعمئة ناقة وأكثر من مئة فرس، حتى وصل بهم إلى وادي بدر، على قرابة مئة وخمسين كيلومترا غرب المدينة جنوبا، متوقعا لقاء أبي سفيان على طريقه المعتاد، ولم يكن يعلم أن أبا سفيان قد اتخذ مسارا بحذاء البحر.\nوكان النبي ﷺ يتقصّى الأخبار كعادته، فلما علم بخروج جيش قريش، كما كان يتوقع، جمع الناس واستشارهم، وحثّهم على الخروج للقاء عدوهم، وأخبرهم أن الله تعالى قد وعدهم إحدى الطائفتين (الآية ٧): العير أو النفير:\nأي قافلة أبي سفيان، أو جيش المشركين، فأبدى عدد منهم رغبتهم في الهجوم على القافلة، فتأثّر النبي ﷺ من رغبتهم لأن خطته كانت غير ذلك، فردّد عليهم وقال لهم: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا:\nيا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فظهر الغضب على وجه النبي ﷺ، وقام أبو بكر وعمر يحثّان الناس على مجابهة قريش، ثم تكلم سعد بن عبادة عن الأنصار، والمقداد بن عمرو عن المهاجرين، وسعد بن معاذ عن الأنصار أيضا، كلّ منهم مبديا استعداد أصحابه للمضي فيما يراه النبي ﷺ، فسرّ النبي ﷺ بكلامهم ودعا لهم بخير، وخرج بالناس من المدينة وفريق منهم كاره لذلك لا يريد القتال (الآية ٥)، وقد جادلوا النبي ﷺ كأنما يساقون إلى الموت وهم ناظرون إليه (الآية ٦)، وتخلف عن الانضمام إلى المسلمين منافقو المدينة والذين في قلوبهم مرض من الأوس والخزرج قائلين: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ (الآية ٤٩)","vol":"2","page":128},{"text":"ساخرين من خروج المسلمين لمجابهة جبروت قريش، ومستخفّين بهم لقلّة عددهم وضعف عدّتهم.\nكان خروج النبي ﷺ من المدينة على رأس حوالي ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، خفيفي السلاح، قليلي العدة، ستون منهم فقط يحملون دروعا، ومعهم ما لا يزيد عن سبعين ناقة وفرسان فقط يتناوبون الركوب عليها، واتجه بهم نحو الجنوب الغربي، ولو كان خروج النبي ﷺ بهم لغزو قافلة أبي سفيان، كما ظن البعض، لما احتاج إلى هذا العدد من المحاربين وهو يعلم أن حامية القافلة لا تزيد عن أربعين رجلا، ولو كان يريد القافلة لاتجه نحو الشمال الغربي ولم يتجه نحو الجنوب الغربي لملاقاة قريش،\nوفي يوم ١٧ رمضان وصل النبي ﷺ ومن معه إلى بدر ليفاجؤوا بجيش المشركين يفوقهم في العدّة كثيرا، ويفوقهم في العدد ثلاثة أضعاف، ولو تواعدوا لاختلفوا في الميعاد (الآية ٤٢)، وتلت ذلك اللقاء المواجهة العسكرية الكبرى الأولى بين مسلمي المدينة ومشركي قريش وبنتيجتها انهزم المشركون هزيمة ساحقة، وقتل سبعون من أكابرهم من بينهم قائدهم أبو جهل، واستولى المسلمون على غنائمهم.\nكان من أثر هذه النتيجة الحاسمة أن أيقن المشركون بعدها أن بعثة النبي ﷺ لم تكن حلما عابرا سرعان ما يزول، وإنما هي بداية لقوة سياسية جديدة، وعصر جديد لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل، فقد تحققت مخاوف قريش على نحو حاسم لم يكونوا يتوقعونه، ومع أن وقعة بدر لم تقض نهائيا على قوى الشرك في جزيرة العرب إلاّ أنها شكّلت تحوّلا مهمّا جدّا في مجريات الأمور، إذ اتضح بعدها أن قوى الشرك في جزيرة العرب سائرة إلى زوال لا محالة.\nكما شكلت بدر نقطة تحول هامة في تفكير المسلمين أيضا، فيبدو أنه حتى ذلك الوقت لم يكن سوى القليل منهم يدرك المغزى والمضمون السياسي للنظام الإسلامي الجديد، أما بعد معركة بدر فصار بيّنا حتى لدى بسطاء المسلمين","vol":"2","page":129},{"text":"أنهم مقبلون على نظام اجتماعي جديد، وأن مبدأ المقاومة السلبية الذي ميّز السنين الأولى للدعوة قد حلّ محلّه مبدأ أخذ زمام المبادرة والعمل، هذا المبدأ الذي ميّز التاريخ الإسلامي فيما بعد وكان له أكبر الأثر في انتشار الدعوة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1199>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن بينت سورة الأعراف الطريقة المثلى في الدعوة إلى الإسلام بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [١٩٩/ ٧]، تبين سورة الأنفال أن الدعوة تستدعي الجهاد، بمعناه الشامل، للدفاع عن العقيدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٢٤/ ٨] أي إذا دعاكم إلى الجهاد بمعناه الأشمل.\nوفي سورة الأعراف المتقدمة أنّ من يغلق عقله سلفا بالتقليد ينسلخ عن الآيات ويتّبع وساوس الشيطان: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [١٧٥/ ٧]، ثم في سورة الأنفال أنّ أمثاله كالدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [٢٢/ ٨]،\nوفي سورة الأعراف أن الشيطان يوسوس لبني آدم بشتى الوسائل [١٧/ ٧]، حتى يصير وليا للكفار: ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [٢٧/ ٧]، فيحسب الضالون أنهم مهتدون: ﴿إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [٣٠/ ٧]، ثم في سورة الأنفال أن الشيطان زيّن لكفار قريش أعمالهم: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [٤٨/ ٨]،\nوفي سورة الأعراف أنّ اليهود سينالهم غضب من ربهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [١٥٢/ ٧]، وكذا في آية الأعراف [١٦٧/ ٧]، ثم في سورة الأنفال أن اليهود كالدواب، وأنهم لا يحفظون عهودهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ﴾","vol":"2","page":130},{"text":"﴿كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [٥٥/ ٨ - ٥٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-1200>محور سورة الأنفال</span>\nيدور محور السورة حول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)، أي إذا دعاكم إلى الجهاد بمعناه الواسع، لأنّ حياة المؤمنين الحقيقية في الجهاد، والمعنى لا تكونوا كالصمّ البكم الذين لا يعقلون، المشار إليهم بالآية (٢٢)، ولأن الله يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من طول الأجل وأمنيات الدنيا، فالأجل يحول دون الأمل، والموضوع ملحّ جدا لا يحتمل التأجيل والتسويف، فلتكن استجابتكم أيها المؤمنون، لله وللرسول قبل أن يحول الأجل بينكم وبينها ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على مقدار استجابتكم،\nوتنهى السورة المسلمين أن يكون جهادهم لأغراض دنيوية مادية محضة:\n﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [٤٧]، وأن الله تعالى يغير أحوال الأقوام سلبا أو إيجابا بقدر ما يغيّروا ما بنفوسهم من العقيدة والأخلاق والعمل: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [٥٣].\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1161\"></span>﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)\n١ - ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ جمع نفل وهي الغنيمة، لمن هي؟ وكيف يكون توزيعها؟ والسؤال كان بعد غزوة بدر، والنفل في أصل اللغة الزيادة عن الواجب، ومنه صلاة النفل، كقوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً﴾","vol":"2","page":131},{"text":"﴿لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩/ ١٧]، أو الزيادة عن الاستحقاق كقوله تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء ٧٢/ ٢١]، وهنالك مغزى من استعمال تعبير \"الأنفال\" في هذه الآية بدلا من تعبير \"الغنائم\" الذي سوف يرد في الآية (٤١)، وهو أن المسلم لا يحارب لأجل الغنائم، وإن حصلت غنيمة فتكون نافلة، أي زيادة عن الغرض الذي تم القتال من أجله، فهي نتيجة للحرب وليست هدفا لها، ولولا تأييده تعالى لعباده بالنصر لما كانت أنفال، والنتيجة أنّ السؤال عن حصصهم من الأنفال لا موجب له أصلا، فما بال هؤلاء الناس يسألون؟ ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي قل لهم أيها الرسول إن الأنفال لله يقرر حكمها كما سيرد في الآية (٤١)، وللرسول يقسمها بحسب حكمه تعالى، وهي ليست بتصرف المقاتلين، ولم تكن في الأصل هدفا للحرب، وإنّ من يحارب لأجل الغنائم فهو مخطئ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ اتقوا عقاب الله ولا تختصموا بشأن الأنفال، وليكن قتالكم في سبيل الله فقط دون متاع الدنيا ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أصلحوا حال ما بينكم حتى تعم بينكم الألفة والمحبة والاتفاق، وانتهوا عن الخصومة والشقاق ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم كاملي الإيمان ينصبّ هدفكم من الحرب بكامله على إعلاء شأن الدين.\n\n<span id=\"aya-1162\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ حقا ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الوجل الشعور بالخوف والرهبة، والمعنى أن المؤمن إذا ذكر الله في الصلاة أو في القلب وغيره، فإنه يستحضر في نفسه عظمة الله وكبرياءه فيقشعر جلده ويحصل الخشوع في قلبه ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ زادتهم يقينا واطمئنانا إذ يدركون بيانها وإعجازها ومدلولاتها ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ وحده دون غيره، ومغزى قوله ﴿رَبِّهِمْ﴾ أنه هو متولي شؤونهم ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ لا يفوّضون أمورهم إلى غير ربهم، ولا يخشون ولا يرجون إلاّ إيّاه، ولا يبقى لهم اعتماد في أمر من أمور الدنيا، بعد اتخاذ الأسباب، إلاّ على الله.","vol":"2","page":132},{"text":"<span id=\"aya-1163\"></span>﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣)\n٣ - قال الرازي بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة ثلاثة من صفات المؤمنين:\nالخشية، واليقين، والتوكل، وهي من صفات القلوب والبواطن، أتبع في هذه الآية من صفات المؤمنين المتجلية في الأفعال، وهي رأس الطاعات الظاهرة:\nالصلاة، والزكاة ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ على تمامها، في صورتها وفي أركانها الظاهرة، وفي معناها وروحها من خشوع القلب وحضور معاني التلاوة ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ينفقون على وجوه البر بعض ما رزقهم تعالى، من زكاة، وصدقات، وصلة أرحام، وإنفاق على الجهاد، لأن تعبير الإنفاق أعم من تعبير الزكاة، ونظير الآيتين (٢ - ٣) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ٣/ ٢].\n\n<span id=\"aya-1164\"></span>﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤)\n٤ - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ هم المؤمنون إيمانا حقّا، أو هم المؤمنون بالحقيقة ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بحسب استعدادهم وإيمانهم وأعمالهم، فالله تعالى خلق الناس متفاوتين في الاستعداد والعقول والأعمال والإمكانات، فيكون حسابهم وتكون درجاتهم ومكانتهم عند ربّهم وفق ذلك، ونظيره قوله تعالى:\n﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦]، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ يتجاوز الله عن سيئاتهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في نعيم الجنة.\n\n<span id=\"aya-1165\"></span>﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ أي من المدينة لأنها سكن النبي ﷺ فهي بيته ﴿بِالْحَقِّ﴾ الخروج لقتال قريش كان موصوفا بالحق، أي لإحقاق الحق ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ هم الفريق الطامع في سلب قافلة أبي سفيان كرهوا الخروج لقتال قريش، وقد رأى المودودي أن هذه الآية نافية لما ورد في قصص السيرة والمغازي من أن النبي ﷺ وأصحابه خرجوا في الأصل للاستيلاء على قافلة أبي سفيان، مع أنّ الآية في غاية الوضوح أن خروج","vol":"2","page":133},{"text":"النبي ﷺ وأصحابه من المدينة كان لحسم النزاع مع قريش بمجابهة مباشرة مع جيش أبي جهل، والواضح من الآية أنّ الخيار بين الهجوم على القافلة وبين الاشتباك مع جيش المشركين، حسم قبل الخروج من المدينة راجع الخلفية التاريخية، ومن الطريف أن الألوسي في روح المعاني تفادى هذا المعنى بطريقة مصطنعة، إذ قال إن جملة ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في موضع الحال، وهي حال مقدّرة لأن الكراهية وقعت بعد الخروج! فاضطر نفسه إلى تقدير الحال للمستقبل لكي يطابق التوهّم الشائع أن خروج النبي ﷺ وأصحابه من المدينة كان مستهدفا قافلة أبي سفيان.\nأمّا معنى التشبيه في قوله ﴿كَما﴾، أي كما جادل فريق منهم النبي ﷺ في قسمة الأنفال المشار إليها آنفا، فقد جادلوه أيضا في الخروج من المدينة، إذ أرادوا سلب قافلة أبي سفيان وهم كارهون لقتال قريش، والمعنى أنّ تفكيرهم في الحالتين كان منصبّا على الغنائم!\n\n<span id=\"aya-1166\"></span>﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ وهم الفريق الذي كان راغبا في قافلة أبي سفيان ﴿فِي الْحَقِّ﴾ أي في قتال المشركين، وأشارت له الآية بالحق، لأنه كان مقدرا له أن يحق الحق ويبطل الباطل ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ بعدما تبيّن لهم الحق، أي بعد ما تبين لهذا الفريق أن حشد جيش المسلمين كان لغرض قتال المشركين وليس لسلب القافلة ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ في خروجهم من المدينة ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ كانوا يخشون من قلة عددهم وقلة سلاحهم وضعف وسائلهم تجاه قوة قريش وجبروتها واستعدادها، وكانوا بالتالي يرون احتمالات الظفر لصالح قريش، فكأنما يساقون إلى الموت المؤكد.\n\n<span id=\"aya-1167\"></span>﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)﴾","vol":"2","page":134},{"text":"٧ - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ إحدى الطائفتين: عير أبي سفيان، أو نفير قريش ﴿أَنَّها لَكُمْ﴾ وعدهم تعالى، على لسان نبيّه، الغلبة على الطائفة التي يستقر خيارهم عليها: العير، أو النفير ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ غير ذات الشوكة قافلة أبي سفيان، إذ لم يكن معها سوى حوالي أربعين مسلحا، فهي الطائفة التي لا شوكة لها ولا حدة ولا شدة، وهي ما كان يودّه فريق من المؤمنين عندما استشارهم النبي ﷺ قبل الخروج من المدينة ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ بهذه الآية التي أنزلها على نبيّه، ليثبت الإسلام ويظهر كونه حقّا، وهو الهدف الذي من أجله يكون القتال، وليس للمادة الزائلة، أو الفائدة العاجلة التي كان يرجوها فريق من المؤمنين ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ يستأصلهم، فكانت هزيمة المشركين في بدر بداية لاستئصالهم.\n\n<span id=\"aya-1168\"></span>﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ وهي الحكمة الداعية لاختيار ذات الشوكة ونصر المؤمنين عليها رغم إرادتهم غيرها ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون.\n\n<span id=\"aya-1169\"></span>﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بعد أن استقر العزم على الخروج لملاقاة ذات الشوكة، أي جيش قريش، ثم التقى الجيشان في بدر وجها لوجه، ورأى المسلمون رأي العين تفوق قريش في العدد والعدة، وأصابهم الفزع، استغاث المسلمون ربّهم بدعاء النبي ﷺ ودعائهم ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ استجاب لهم تعالى على لسان النبي ﷺ أنه يمدّهم بألف من الملائكة متتابعين، ثم قرأ النبي ﷺ على أصحابه قوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥/ ٥٤]، وقال لهم \"كأني أنظر إلى مصارع القوم\".\n\n<span id=\"aya-1170\"></span>﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾","vol":"2","page":135},{"text":"١٠ - ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ أي إن خبر الإمداد بالملائكة لم يكن سوى بشرى تطمئن بها القلوب، فتشعر بالمدد الإلهي الروحاني ويزول الخوف، وظاهر النص القرآني أن الإمداد بالملائكة فائدته التثبيت المعنوي، ولا يفيد اشتراك الملائكة في القتال ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فلا تفيد العدو كثرته وعدّته، إذا صحت النية والإخلاص واتخاذ الأسباب لدى المؤمنين ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في قمع جبروت الكفار، حكيم في نصر من يستحق النصرة.\n\n<span id=\"aya-1171\"></span>﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ وهذا من جملة استجابته تعالى لاستغاثة المسلمين، إذ غشّاهم النعاس فأمنت نفوسهم وسكنت، وزال عنهم شعور الخوف، وذهلوا عن الخطر وتفوق العدو ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وهي نعمة ثالثة في استجابته تعالى للمؤمنين، فقد سبقهم أبو جهل وجيشه إلى وادي بدر واستولى على موضع الماء، في حين وصل المؤمنون بعده وهم على درجة كبيرة من العطش، وأعوزهم الماء للشرب والوضوء، وأصابهم الخوف على قلّتهم إذا استمر الوضع على تلك الحال والقتال لمّا يبدأ بعد، فأغاثهم تعالى بالمطر دليلا على تأييده لهم، فحفروا في الأرض أحواضا سالت إليها المياه فشربوا واغتسلوا وتوضؤوا للصلاة ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ نزول المطر وشربهم واغتسالهم ووضوئهم أذهب عنهم وسواس الشيطان لهم بأنهم الفريق الأضعف ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فيثبتها ويوطّنها على الصبر ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ لأن هطول المطر على الرمل جعله أكثر ثباتا لأقدام مشاة المسلمين في مقابلة فرسان المشركين.\n\n<span id=\"aya-1172\"></span>﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)﴾","vol":"2","page":136},{"text":"١٢ - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أوحى تعالى إلى الملائكة أنه مع المؤمنين، والضمير في معكم عائد للمؤمنين، لأنهم الطرف الذي كان يخاف الكفار، أما الملائكة فلا مجال لخوفهم من الكفار أو من غيرهم، وإنما الخائف هم المسلمون، وعبارة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ استمرار الخطاب الموجه إلى المؤمنين الذي بدأ في الآية (٧)، فيكون تقدير الخطاب: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم - أيها المؤمنون -، أو: إذ يوحي ربك إلى الملائكة - أن ألهموا المؤمنين - أني معكم ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بإعلامهم أنه تعالى معهم ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وهو مزيد من التثبيت للمؤمنين، فمن جهة، ألقت الملائكة في روع المؤمنين أن الله تعالى معهم، ومن جهة ثانية أنه ألقى الرعب في قلوب الكفار ﴿فَاضْرِبُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ البنان هي الأصابع، والمعنى اضربوا، الرؤوس والأعناق والأيدي والأرجل، فلا يكون الضرب على الدروع التي كان يلبسها المشركون، وهو استمرار الخطاب للمؤمنين من الآيات السابقة، وقد يكون إلهاما من الملائكة للمؤمنين، لأن الملائكة لم تشترك في القتال كما هو واضح من الآية (١٠)، قال الرازي: \"هذا الأمر للمؤمنين، لأنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة، واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر، فعندئذ أمرهم بالقتال\".\nومغزى الضرب فوق الأعناق وضرب البنان أن الكفار كانوا يرتدون الدروع، فعند هجوم الفارس من الكفار كان على الراجل من المسلمين أن يبادره بقطع يده أو يضربه على العنق أو فوق العنق قبل أن يبتدره الفارس بالضرب.\nوقد ذكر الشيخ رشيد رضا في المنار في معرض نفيه روايات اشتراك الملائكة في القتال يوم بدر ما يلي \"فإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالأمور الروحانية التي تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كإنزال المطر وفوائده","vol":"2","page":137},{"text":"العديدة المعنوية والحسية وإلقائه الرعب في قلوب الكفار لم يكن كافيا لنصرهم على المشركين بقتل سبعين منهم وأسر سبعين حتى كان ألف من الملائكة يقاتلون معهم، فأي مزية لأهل بدر فضّلوا بها على سائر المؤمنين، وكيف تعارض البينات النقلية والعقلية؟ وكيف يقال إنّ السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلاّ باجتماع ألف من الملائكة مع المسلمين الذين خصهم الله بأسباب النصر المتعددة؟ إن في هذا تعظيم شأن المشركين وتصغير شأن أفضل الصحابة وأشجعهم بما لا يصدر عن عاقل\" (المنار)، وقال الرازي:\nالملائكة لم تشترك في القتال وإنما كانوا يثبتون المؤمنين، وإلاّ فملك واحد كاف في إهلاك الدنيا كلها، والدليل على صحة أن الملائكة لم تشترك في القتال قوله تعالى ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى﴾ فالضمير عائد إلى الإرداف، والتقدير: ما جعل الله الإرداف بالملائكة إلاّ بشرى، وذلك ينفي إقدامهم على القتال.\n\n<span id=\"aya-1173\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿ذلِكَ﴾ ذلك الضرب للكفرة فوق الأعناق، وضرب كل بنان، وهزيمتهم ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بسبب أنهم فارقوا أمر الله ورسوله وعصوهما، والشقاق بمعنى أنهم صاروا في شق غير شق المؤمنين، والمشاقة أيضا العداوة، لأن كلاّ من المتعادين يكون في شق غير الآخر ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ في الدنيا، كعقاب المشركين يوم بدر، وذلك غير عذاب الآخرة للمصرّين على الكفر، كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1174\"></span>﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿ذلِكُمْ﴾ وهو المعجّل من القتل والأسر والهزيمة والخزي في الدنيا ﴿فَذُوقُوهُ﴾ سمّته الآية ذوقا لكونه يسيرا قياسا بالخزي العظيم في الآخرة ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر ﴿عَذابَ النّارِ﴾ في الآخرة.","vol":"2","page":138},{"text":"<span id=\"aya-1175\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ إذا لقيتم الكفار يزحفون زحفا لقتالكم، ومعنى زحف الجيش زحفا أي مشى بثقل لكثرته، والزحف أيضا الجيش الكثيف الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي يدبّ دبيبا لأنه يرى جسما واحدا متصلا، فتظهر حركته الكلية بطيئة ولو كانت في الواقع في غاية السرعة ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ المعنى إذا لقيتم الكفار يزحفون لقتالكم، وهم كثر وأنتم قلّة، فلا تفرّوا منهم، والآية استمرار لما قبلها من الآيات، وقد تكون من جملة ما ألقته الملائكة في روع المؤمنين يوم بدر، غير أن حكمها عام لكل الأوقات والأحوال لأنهم قالوا إن \"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب\"، فهذه هي القاعدة الأولى في القتال، ويفهم من الآية أيضا أنه إذا كان التزاحف من الطرفين، أو كان الزحف من طرف المؤمنين، وهم أكثر عددا وعدّة من الكفار، أو متساوون معهم، فتحريم الهزيمة والفرار أولى، ومغزى التحريم أنه تعالى يهييء للمؤمنين، الذين اتخذوا للأمور عدتها، أسباب النصر والتأييد فلا مبرر للفرار، حتى لو كان الكفار عشرة أمثال المؤمنين كما سيرد في الآية (٦٥)، أو مثليهم على سبيل الرخصة الآية (٦٦)، وهذه القاعدة القرآنية مهّدت السبيل فيما بعد للفتوحات الإسلامية، التي امتدت خلال أقل من قرن من أقصى العالم القديم إلى أقصاه، على قلة أعداد المسلمين الذين انطلقوا من الجزيرة العربية، بالمقارنة مع جيوش فارس والروم وبالمقارنة مع عدد سكان البلاد المفتوحة وجيوشها.\n\n<span id=\"aya-1176\"></span>﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ تولية الدبر كناية عن الفرار، لأن الفار يدير ظهره للطرف الآخر، ومعنى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القتال ﴿إِلاّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ تنفيذا لمناورة عسكرية أو خدعة ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ﴾ منضمّا إلى","vol":"2","page":139},{"text":"جماعة أخرى من المؤمنين ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي من ينهزم من القتال إلاّ لأحد الغرضين المذكورين، فإنه يرجع بغضب من الله ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ بدلا من أن يأوي إلى السلامة والأمان كما يظن، يكون قد أوى إلى جهنم، والآية دليل على أن الفرار من الزحف يعتبر من الكبائر، وقد وردت الأحاديث الشريفة بذلك.\n\n<span id=\"aya-1177\"></span>﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٧)\n١٧ - بعد أن نهى تعالى المؤمنين عن الفرار من الزحف، بيّن لهم في هذه الآية أنهم إن ثبتوا يؤيّدهم بتوفيقه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ يوم بدر ﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ لأن قتل الكفار تيسّر بمعونة الله ونصره وتأييده وتوفيقه، فلا مجال لفخر المؤمنين بذلك، خاصة بعدما ظهر من فريق منهم الفزع وكراهة الخروج للقاء العدو ومجادلتهم النبي ﷺ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فلو بقوا على تلك الحال من ضعف المعنويات على قلة عددهم وعدّتهم لكانت هزيمتهم محققة ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ والخطاب للنبي ﷺ، ذكرت روايات عديدة أن النبي ﷺ تناول قبل المعركة قبضة من الحصباء أو التراب ورماها تجاه المشركين قائلا \"شاهت الوجوه\" أي قبحت، فكان ذلك إيذانا ببدء القتال وهزيمة الكفار، قال القرطبي إن تقدير الخطاب: وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى، فقد كان ذلك بنصر الله وتوفيقه، وقد تكون الإشارة لاشتراك النبي ﷺ في القتال فعليا، ورميه الكفار بالنبال ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ﴾ تعالى ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ أي نعمة عظيمة، لأنّ البلاء هو الاختبار، واختباره تعالى لعباده يكون تارة بالمحن وتارة بالنعم، ففي وقعة بدر ابتلى تعالى المؤمنين بنعمة النصر العظيمة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لدعاء المؤمنين ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالهم.","vol":"2","page":140},{"text":"<span id=\"aya-1178\"></span>﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿ذلِكُمْ﴾ البلاء الحسن ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ بالإضافة للبلاء الحسن فإنه تعالى يضعف كيد الكافرين ومكرهم ومحاولتهم القضاء على دعوة الإسلام.\n\n<span id=\"aya-1179\"></span>﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٩)\n١٩ - وهي خلاصة العبرة من معركة بدر، والآية استمرار مباشر لما سبقها:\n﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أيها المؤمنون بالدعاء وطلب النصرة من الله ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ بأن استجاب الله لدعائكم ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن التكاسل والقعود وعن معصية النبي ﷺ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من كل شيء ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى التكاسل والمعصية وإلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿نَعُدْ﴾ عن نصرتكم، ونخلّي بينكم وبين عدوّكم، لأن الوعد بالنصرة ليس مطلقا، بل مشروطا بالطاعة والعمل وترك الخلاف والمخالفة ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ إذا فاتكم تأييد الله ونصره، فالعبرة ليست بكثرة العدد أو قلّته ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يرفقون القول بالعمل، فهو يستجيب لدعائهم ويهيئ لهم أسباب النصر والتوفيق، ويلاحظ أن هذا التوجيه الربّاني، وإن كان خاصّا لوقعة بدر، إلا أنّ مغزاه عام لكل الأوقات، وقيل إن الخطاب في الآية للكفار لكنّ ذلك لا يستقيم مع النظم القرآني، فالآيات من الآية ٧ حتى الآية ٢٩ كلها في خطاب المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-1180\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهي تتمة العبرة السابقة، وتأكيد على لزوم الطاعة وما يترتب عليها من عمل ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ عن النبي ﷺ، والمعنى لا تعرضوا عما جاء به من الإسلام وتعاليمه ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ دعاءه لكم إلى جهاد عدوّكم، أو، وأنتم تسمعون القرآن وقد صرتم على بيّنة من الأمر، ولم يعد لديكم عذر بالجهل.","vol":"2","page":141},{"text":"<span id=\"aya-1181\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ بمعنى القبول ظاهرا ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ لأنهم قبلوا الرسالة بالكلام فقط، دون استيعاب لمعناها، ودون القيام بما يترتب عليها من عمل، أو أنهم قالوا ذلك نفاقا.\n\n<span id=\"aya-1182\"></span>﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ﴾ شرّ من يدبّ على الأرض عند الله ﴿الصُّمُّ﴾ شبههم تعالى بالصمّ، لأنهم لا يريدون سماع الرسالة سماع فهم وتفكّر، بل يسمعون للشغب والتشويش، وقد اتخذوا منها مواقف مسبقة ﴿الْبُكْمُ﴾ لأنهم لا يقرّون بالحقيقة، أو هم غير قادرين على الإقرار بها ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فلم تعمل عقولهم للاستفادة من حواسهم، وهو سبب وصفهم بالدواب.\n\n<span id=\"aya-1183\"></span>﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ استعدادا صالحا ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ ولكنهم أفسدوا نفوسهم بالبهيمية وسوء القدوة والعصبية والمكابرة والتكبّر، فلم يتركوا لأنفسهم أي إمكانية خير فانتفت إمكانية سماعهم، ولو كان لديهم قليل من الاستعداد للتفكر والنظر، لدخل فهم القرآن في قلوبهم، ولسمعوه سماع تفقّه وتعقّل، ثم سماع اعتبار وعمل ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ وهم في هذه الحال التي جعلوا أنفسهم فيها من انغلاق الفكر ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ لارتدّوا ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن القبول، لأنهم اختاروا الإعراض عن الحق، وأداروا ظهورهم للدلائل، فلا يقبلون الحق ولا ينتفعون به البتة مهما عرض عليهم.\n\n<span id=\"aya-1184\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ إذا دعاكم إلى الإسلام، أو إلى الجهاد بمعناه العام، لأنّ فيهما حياتكم الحقيقية،","vol":"2","page":142},{"text":"فلا تكونوا كالصمّ البكم الذين لا يعقلون، المشار لهم آنفا ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي ما في قلبه من الأماني، فيحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من طول الأجل وأمنيات الدنيا، فالأجل يحول دون الأمل، والمعنى:\nأن الموضوع ملحّ جدا لا يحتمل التأجيل والتسويف، فلتكن استجابتكم أيها المؤمنون، لله وللرسول قبل أن يحول الأجل بينكم وبينها، ولا تتكلوا على ما في قلوبكم من الأماني وتوقع طول البقاء، فذلك غير مؤكّد ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على مقدار استجابتكم.\n\n<span id=\"aya-1185\"></span>﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً﴾ الفتنة الاختبار والامتحان بما يشق على المرء فعله أو تركه، أو قبوله أو إنكاره [البقرة ١٠٢/ ٢]، [التوبة ٤٩/ ٩]، [طه ٤٠/ ٢٠]، ومنها فتنة المال والأولاد [الأنفال ٢٨/ ٨]، والفتنة أيضا المحنة والمعاناة، والاضطهاد الديني [البقرة ١٩٣/ ٢، ١٩١]، [الأنفال ٣٩/ ٨]، وهي أيضا الإغراء والغواية والضلال [آل عمران ٧/ ٣]، وهي الشقاق والنزاع [التوبة ٤٨/ ٩]،\n﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل الأتقياء أيضا ليسوا بمعزل عنها، فاتقوا الغواية والضلال، والشقاق والنزاع، وما يترتب عليها من المحن والمعاناة، ممّا لا يقع ضحيتها الكفار والظالمون فقط، فالأمّة بكاملها قد تصاب بالضعف والخذلان والانحلال، وقد تزول دولتها، أو يسيطر عليها الكفار، والخطاب استمرار لما قبله من وجوب الاستجابة لله وللرسول، وأنه تعالى يحول بين المرء وأمانيه ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمخالفي أمره.\n\n<span id=\"aya-1186\"></span>﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - بعد أن أمرهم تعالى بطاعة الله وطاعة الرسول، وحذّرهم أنه يحول بين المرء وقلبه، ثم حذّرهم من الفتن، ذكّرهم ببعض نعمه عليهم ممّا قلب أوضاعهم من الضعف إلى القوة: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قليلي العدد في مكة والمدينة","vol":"2","page":143},{"text":"﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يستضعفهم مشركو قريش في أرض مكة ﴿تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ شبّه المشركين بالطيور الجارحة تتخطّف فرائسها منهم ﴿فَآواكُمْ﴾ في المدينة ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ كما في بدر ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من رزق المدينة، وغنائم بدر ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ شكرا غير مقتصر على القول، بل يتعداه إلى العمل.\n\n<span id=\"aya-1187\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - بعد تذكيره تعالى لهم بنعمه عليهم حذّرهم من الخيانة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ بإبداء الإيمان والنصيحة والإخلاص للمؤمنين، وفي الوقت ذاته إبطان الكفر والغش لهم، وإفشاء أسرارهم واستغلالهم لمآرب شخصية ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ مع إخوانكم المسلمين ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قبح ذلك، وسوء عاقبته.\n\n<span id=\"aya-1188\"></span>﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٨)\n٢٨ - بعد أن نهاهم تعالى عن خيانة الدين وخيانة الأمانات، بيّن لهم أن الخيانة تكون بسبب فتنة المال والولد: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فاحذروا أن تؤدي بكم فتنة الأموال والأولاد، إلى خيانة الله والرسول، والمقصود أن تهالك الناس على المادة، ومحاولة ضمان مستقبل الأولاد، كثيرا ما يؤدي بالبعض إلى الخيانة وتجاوز الحدود، وأكل أموال الناس بالباطل، وإنفاق المال في غير ما يرضاه الشرع ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عند الله أجر أعظم بكثير مما تأملونه في المال والولد.\n\n<span id=\"aya-1189\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ﴾ باتقاء فتنة المال والولد، وباتقاء كل ما يجب بمقتضى الدين والشرع ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ كما حصل يوم بدر، إذ جعله لكم نصرا يفرق بين أهل الحق وأهل الباطل، وقيل يجعله هداية ونورا","vol":"2","page":144},{"text":"في قلوبكم، فهو ملكة من العلم والحكمة تميّز بين الحق والباطل، فتمكّن من اتخاذ القرار الصحيح ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ يسترها في الدنيا ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم فيتجاوز عنها ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ بأنه يمنّ على المتقين بنعمة الفرقان، وتكفير السيئات وغفران الذنوب.\n\n<span id=\"aya-1190\"></span>﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - بدأت السورة بخطاب النبي ﷺ، من (الآية ١) حتى (الآية ٦)، ثم انتقلت إلى خطاب المؤمنين، من (الآية ٧) حتى (الآية ٢٩)، فذكّرتهم بنعمه تعالى عليهم بنصرهم في بدر، وفي هذه الآية يعود الخطاب إلى النبي ﷺ لتذكير المؤمنين بنعمه تعالى عليهم عندما تآمر كفار مكة على النبي ﷺ قبل الهجرة:\n﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ أيها النبي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مكة قبل الهجرة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليوثقوك ويحبسوك ويأسروك ويمنعوك من نشر الدعوة ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ تآمرت قريش أن يشترك فتى من كل قبيلة بطعن النبي ﷺ فيتفرق دمه في القبائل كي لا يستطيع بنو عبد المطلب المطالبة بدمه ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة، أي إنهم قلّبوا هذه الاحتمالات الثلاثة للتخلص من النبي ﷺ: الحبس أو القتل أو الإخراج ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ المكر السيئ ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ مكر الخير، لأن المكر، منه الحسن ومنه السيئ، لقوله تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥]، فالمكر هو التخطيط والتدبير الخفي لإيصال المكروه إلى الممكور به من حيث لا يحتسب، وكذلك وقاية الممكور له من السوء، ومنه دعاء النبي ﷺ ربّه: «وامكر لي ولا تمكر عليّ»، ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ لأن مكره تعالى كلّه خير، ولا يعتدّ بمكرهم تجاه مكره سبحانه.\n\n<span id=\"aya-1191\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾","vol":"2","page":145},{"text":"٣١ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ وهو قول طواغيت قريش، لم يكتفوا بالمكر بشخص النبي ﷺ ومحاولة حبسه أو قتله أو إخراجه، بل طعنوا في كلام الوحي وتفاخروا أن لو شاؤوا لقالوا مثله، وهذا الزعم والمفاخرة تكرر منهم دون أن يقدروا على تحقيقه، وقد تحدّاهم القرآن في أكثر من سورة، وقرّعهم بالعجز سنين طويلة، فعجزوا عن المعارضة في ميدان كانوا يعتبرون أنفسهم أسياده ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا الزعم منهم منتهى المكابرة والعناد، بعد العجز، إذ لو استطاعوا أن يقولوا شيئا فما منعهم؟ ومغزى الآية غير مقتصر على كفار قريش في زمنهم، بل ينطبق على منكري الوحي في كل الأزمنة.\n\n<span id=\"aya-1192\"></span>﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَإِذْ قالُوا﴾ وهو تتمة كلام الكفار منكري الوحي ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وهو دعاء تهكم وتحدّي، ممّا يدل أن كفرهم عناد وكبرياء وعتوّ واستعلاء واستكبار في الأرض، ولو كانوا طلاب حقيقة لطلبوا الهداية من ربهم ولم يطلبوا العذاب.\n\n<span id=\"aya-1193\"></span>﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أيها الرسول، أي إنه تعالى يمهلهم ويعطيهم الفرص للرجوع عن الكفر، ولا يعاجلهم بالعقوبة التي يستحقونها ما دام الرسول ﷺ بينهم يدعوهم إلى الحق، ولم يستنفذ مهمته بينهم ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ لا يعذبهم مع علمه أن فيهم من يتوب ويؤول أمره إلى الإسلام والإستغفار.\n\n<span id=\"aya-1194\"></span>﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾","vol":"2","page":146},{"text":"٣٤ - ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ أي وما لهم من الحسنات ما يدفع العذاب عنهم؟ ما داموا مصرّين على الكفر، وقد استنفذوا فرص التوبة، وأحبط الكفر أعمالهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ المسلمين ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾ مجرّد كونهم من ذرية إبراهيم لا يخوّلهم ولاية البيت الحرام كما يدّعون ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ من الشرك دون غيرهم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثرهم لا يعلمون أن التقوى هي المعيار الوحيد، وليس السلالة والنسب والمفاخرة بالأجداد.\n\n<span id=\"aya-1195\"></span>﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - وهذا سبب آخر استحقوا به العذاب: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً﴾ صفيرا ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقا يصدر عنه الصدى لغرض التشويش على المصلّين، أو تصفيقا لصدّ النبي ﷺ والمسلمين عن الصلاة، والمغزى أن صلاتهم خالية من كل معنى وروحانية، بل أنهم قصدوا منها الشغب على صلاة غيرهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ عذاب الهزيمة الماحقة التي لحقت بهم في بدر، وقوله ذوقوا لأنها قليل في جنب ما هو أدهى منها وأمرّ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بنتيجة كفرهم، وبصدّهم الناس عن المسجد الحرام.\n\n<span id=\"aya-1196\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - لم يكتفوا بصدّ الناس عن المسجد الحرام، ولا بالمكاء والتصدية، بل أنفقوا أموالهم أيضا في سبيل ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ليصدّوا الناس عن الإسلام، وعن اتباع خاتم الأنبياء والرسل، وفي زمن البعثة أنفق كفار قريش من الأموال على جيوشهم في بدر وفي أحد والخندق، أما اليوم فإن المبشّرين من جند الكنيسة ينفقون الملايين لتنصير ضعاف العقول في إفريقية والهند وغيرهما، وينشئون لهذا الغرض المدارس والمؤسسات","vol":"2","page":147},{"text":"الثقافية و\"الخيرية\" في بلاد المسلمين ليصدّوا أبناء المسلمين عن دينهم بشكل مباشر وغير مباشر ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لأنهم ينفقون المال، ولا يتحقق هدفهم من إضلال البشرية، فلا يتحقق لهم سوى الحسرة والخيبة في الدنيا، عدا عقاب الآخرة ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ الغلبة النهائية تكون للإسلام بانتشاره بالحجة والإقناع والقدوة الحسنة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ فتكون الحسرة الكبرى لهم في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1197\"></span>﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ يكون من نتيجة أعمالهم أن يميز الله الخبيث من الطيب، فعندما يتم اتخاذ المواقف، ويصر الكفار على كفرهم، وينفقون الأموال للصد عن سبيل الله، يترتب على ذلك فرزهم عن باقي الناس من المؤمنين ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ فيصبح الكفار على مختلف طوائفهم وأنواعهم في معسكر واحد ضد المؤمنين ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ يكون مصير معسكر الكفر إلى جهنم ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم بالعناد والمكابرة والعتو والاستعلاء.\n\n<span id=\"aya-1198\"></span>﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّين على الكفر ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن إضلال الناس وعن محاربة الإسلام ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ مجال التوبة مفتوح أمامهم ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى العدوان والصدّ عن سبيل الله وإنفاق الأموال في ذلك ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بأن يظهر الحق ويزول الباطل،\n\n<span id=\"aya-1199\"></span>﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾","vol":"2","page":148},{"text":"٣٩ - ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وهو مبرّر الإذن بالقتال، أي لمنع الاضطهاد الديني إذا عادوا إلى العدوان كما ذكر في الآية السابقة، وحتى لا يفتنوا الناس عن دينهم ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ يكون الناس أحرارا في الدين لا يعذبون بسبب عقيدتهم، ومن ذلك قوله تعالى ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]، وقوله تعالى ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١٨/ ١١]،\n﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا﴾ عن محاولة فتنة الناس عن دينهم، وتركوا للناس حرية العبادة ﴿فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وحسابهم على الله.\n\n<span id=\"aya-1200\"></span>﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ولم ينتهوا عن الاضطهاد الديني، وعن محاولة فتنة الناس عن دينهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ﴾ هو ناصركم ومتولّ أموركم، فقاتلوهم ولا تبالوا بهم ولا تخافوهم ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يضيع من تولاّه، ولا يغلب من نصره.\n\n<span id=\"aya-1201\"></span>﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١)\n٤١ - هذه الآية تفصل وتفسر ما سبق ذكره بالإجمال في الآية (١)﴾، وهي في آن واحد استمرار الخطاب من الآيات السابقة: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فإذا غنمتم من شيء بنتيجة القتال، فاعلموا أن توزيعه كما يلي:\n﴿وَاِعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أنّ كل ما غنمتم من الكفار المحاربين ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ القاعدة أن خمس الغنائم توضع بتصرف الإمام أي القيادة، والباقي يوزع على المحاربين لكونهم من المتطوعين، وليس لهم رواتب أو مخصصات ثابتة، وقد عبّر عن الخمس أنه لله وللرسول أي يصرف للمصالح","vol":"2","page":149},{"text":"العامة ولشؤون الدعوة إلى الإسلام والمساجد والتعليم الديني وللحكومة ولذوي الحاجات من ضعفاء الأمة، والحكمة من ذلك أن الدولة الإسلامية التي تدير سياسة الأمة لا بد لها من مال تستعين به على شؤونها ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ إيمانا يقتضي منكم التسليم والإذعان لأوامره، أي إيمان عمل وتنفيذ، وليس بالكلام فقط ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ النبي ﷺ من الآيات، ومن التأييد بالملائكة المثبتين لكم في القتال ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ ويوم وقعة بدر، وسمّي فرقانا لأنه بنصر المؤمنين قد فرق الحق من الباطل ﴿يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ جمع القلّة من المؤمنين، وجمع المشركين الأكبر عددا وعدّة ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بأن ينصر من يشاء من عباده.\n\n<span id=\"aya-1202\"></span>﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤٢)\n٤٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان: ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ عندما كنتم مرابطين بجانب الوادي الأقرب إلى المدينة، والعدوة جانب الوادي، والدنيا مؤنث الأدنى، أي الأقرب ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ الكفار في الجانب الأبعد من وادي بدر إلى ناحية مكة، والقصوى مؤنث الأقصى، أي الأبعد ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ الركب هم قافلة أبي سفيان القادمة بالتجارة من الشام، وهم أسفل منكم، لأنهم كانوا على شاطيء البحر، والمسلمون في الجبل بوادي بدر، وكان أبو سفيان قد غيّر طريق عودته وسار بحذاء البحر، بعدما وصلته إشاعة استعداد المسلمين للإغارة على قافلته ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أنتم وأهل مكة على القتال ﴿لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ لاختلفتم في توقيت مكان وزمان المعركة، فقد كانت هنالك أهداف متغايرة للطرفين، فمن جهة خرجت قريش بجيشها لإنقاذ القافلة وللقضاء على المسلمين قضاء نهائيا، وكان نزولهم في جانب الوادي الذي به الماء وفوق أرض صلبة لا بأس بها، ومن جهة ثانية كان قرار المسلمين","vol":"2","page":150},{"text":"إخلاء سبيل القافلة أصلا، ومجابهة قريش قبل أن يلتقوا بهم في بدر، وقبل أن يتبين لهم الفارق الكبير بين قوة وأعداد الطرفين، وأيضا كان نزول المسلمين في جانب من الوادي لا ماء به، وأرضه رملية تغرز فيها أرجل المشاة ﴿وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أي أنه تعالى جمع المسلمين مع عدوهم في مكان واحد، على غير ميعاد، ليحق الحق ويبطل الباطل، وليصير الأمر ظاهرا والبراهين واضحة للطرفين، ولا يبقى لأحد من الكفار ولا المؤمنين حجة ولا شبهة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الهلاك والحياة على المعنى المجازي، أي يستمر في الكفر من استمر فيه وهو على بصيرة من أمره أنه على الباطل، فهو هالك بالمعنى المجازي، لظهور الحجة أمامه ﴿وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ لأن الإيمان هو حياة النفوس، انظر آية [الأنعام ١٢٢/ ٦]، فيستمر المؤمن في إيمانه عن حجّة وبصيرة ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ﴾ لدعائكم واستغاثتكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالكم وضعفكم وأنكم تستحقون النصر.\n\n<span id=\"aya-1203\"></span>﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ يبدو أنّ هذه الرؤية كانت وقت خروج النبي ﷺ مع أصحابه من المدينة، أو بعد خروجهم وهم في الطريق إلى بدر، ولم يكن لدى المسلمين أي معلومات محددة عن قوة المشركين، وقد رآهم النبي ﷺ في منامه قليلا، ويحتمل من مفاد الرؤيا أن بلاء العدو وبأسهم سيكون قليلا، وليس أنهم قليلون في العدد، فأخبر أصحابه بذلك ممّا شجعهم ورفع معنوياتهم ﴿وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لأحجمتم وجبنتم عن اللقاء ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ لوقع بينكم النزاع، فمنكم من يقول نطيع الله ورسوله ونمضي للقتال، ومنكم الضعيف الذي تثبط همته بمثل الأعذار التي جادلوا بها النبي ﷺ كما تقدم في الآية (٦)﴾، ﴿وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ سلّمكم من الفشل والتنازع ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عليم بما يصيبها من الجزع والقلق الذي","vol":"2","page":151},{"text":"يثبطها عن الإقدام والقتال، أو ما فيها من شعور الإيمان والتوكل والطمأنينة ممّا يحملها على الشجاعة والإقدام،\n\n<span id=\"aya-1204\"></span>﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ حيث أنه وقت اللقاء لم يعد هنالك شك في عدد الكفار الحقيقي الذي رآه المسلمون، ولمّا كان المسلمون في أول اللقاء بغاية الخوف والضعف والقلق وأنهم استغاثوا ربّهم حتى غشّاهم النعاس أمنة منه، الآية (١١)، وذهلوا عن الخطر المحدق بهم، فيكون مغزى تقليل عدد الكفار في أعين المسلمين مجازا، أي إن المسلمين بعد ذلك لم يكترثوا لكثرة عدوهم، بعد أن استغاثوا ربهم واطمأنّوا لمدده، وفي الوقت نفسه كان ذلك تصديقا لرؤيا النبي ﷺ، الآية السابقة، بأن كيد الكفار وبأسهم سيكون قليلا ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ من جهة ثانية فقد ازدرى الكفار قوة المسلمين الصغيرة لمّا شاهدوها، رغم أنهم رأوها مثليهم رأي العين [آل عمران ١٣/ ٣]، وخالط نفوسهم الكبرياء والخيلاء والاستعلاء والزهوّ والغرور ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ بنصر الإسلام ومحق الكفر ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فلا ينفذ شيء في العالم إلا بقضائه وتقدير أسبابه.\n\n<span id=\"aya-1205\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ من أعدائكم الكفار، في القتال ﴿فَاثْبُتُوا﴾ ولا تحدثوا أنفسكم بالفرار، لأن الله تعالى يؤيّد المؤمنين بنصره ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ أثناء القتال ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الثبات في القتال، مع الإكثار من ذكر الله تعالى، هما السببان المعنويان للفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1206\"></span>﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاِصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦)﴾","vol":"2","page":152},{"text":"٤٦ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ باتباع تعاليم الإسلام في كل الأزمنة ﴿وَلا تَنازَعُوا﴾ على الدنيا ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ لأن التنازع والفرقة مدعاة للفشل ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ تذهب قوتكم وتزول دولتكم ﴿وَاِصْبِرُوا﴾ على ما تلاقون من المصاعب والشدّة، وما تلاقون من بأس عدوكم ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بالمعونة والتأييد، والله غالب على أمره.\n\n<span id=\"aya-1207\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ وهم كفار قريش خرجوا بجيشهم من مكة بقيادة أبي جهل يريدون البطش بالمسلمين، أو التفاخر بقوتهم أمام العرب، بعد أن علموا بنجاة قافلة أبي سفيان ﴿بَطَرًا﴾ البطر الطغيان في النعمة والغطرسة بها ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ كي يرى الناس قوتهم وبأسهم وكثرتهم فيثنوا عليهم، أي لأجل الثناء والإعجاب والتلبيس على الحقيقة ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يصدّون عن الإسلام بحمل الناس على عداوة المسلمين من جهة، وبحرب المسلمين ومحاولة طمس دعوتهم من جهة ﴿وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ محيط بهم علما وسلطانا فيجازيهم على أعمالهم في الدنيا بمقتضى سننه في الخلق، وفي الآخرة.\nوالقاعدة العامة التي تفيدها الآية نهي المسلمين، في كل الأوقات، عن الخروج للحرب بطرا ومفاخرة، أو بهدف تحقيق أمجاد فارغة.\n\n<span id=\"aya-1208\"></span>﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ بوساوسه للمشركين ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ جرّأهم بوساوسه على المسلمين وعلى حلفائهم، حتى خرج أبو جهل بجيشه متبجحا يريد أن يري العرب قوة وجبروت قريش","vol":"2","page":153},{"text":"﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ وهو مجاز، لأن الجار عند العرب يدفع عن جاره أنواع الضرر، والعرب تقول أنا لك جار، أي أمنع الغير من الوصول إليك بضرر ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ رأوا بعضهم بعضا والتقوا ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ تراجع، والنكوص على العقبين مجاز، والمعنى أن وساوسه في حثّ المشركين وتحريضهم لم تعد ذات أثر وقت اللقاء، لأن الله تعالى ألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، الآية (١٢)، ﴿وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ هذا التعبير الرمزي لوساوس الشيطان، وخذلانه أتباعه، كما هي عادته، مذكور بعمومه في آية [الحشر ١٦/ ٥٩].\n\n<span id=\"aya-1209\"></span>﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهذا القول أيضا بنتيجة وساوس الشيطان للمنافقين والذين في قلوبهم مرض، فمن جهة زيّن الشيطان لكفار مكة أعمالهم، وحثّهم على الخروج للقاء المسلمين وألقى في روعهم أن النصر سيكون لهم، ومن جهة ثانية ثبّط المنافقين وضعاف النفوس في المدينة من مسلمي الأوس والخزرج حتى تخلفوا عن الانضمام لجيش النبي ﷺ بغير عذر وقالوا: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ استخفّوا بالمسلمين وسخروا منهم لخروجهم قليلي العدد والعدّة في مجابهة جبروت قريش وقوتها الكبيرة، واعتبر المنافقون ذلك من قبيل خفة العقل والاغترار بالدين، ولا شك أن هذا القول كان في المدينة قبل الخروج للقتال، ولم يكن عند التلاقي لأن المنافقين لم يشهدوا قتال بدر، وهذه الآية من جملة الأدلة أن المسلمين كانوا قد حسموا أمرهم على لقاء جيش المشركين قبل خروجهم من المدينة، وأنهم لم يخرجوا للهجوم على قافلة أبي سفيان - راجع الخلفية التاريخية - ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغلبه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ في نصر عباده المستحقين الذين اتخذوا للأمور أسبابها ثم توكلوا عليه، وذلك ما لا يعرفه المنافقون ومرضى القلوب.","vol":"2","page":154},{"text":"<span id=\"aya-1210\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٥٠)\n٥٠ - بعد أن ذكرت الآيات الثلاث السابقة حال الكفار الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، وأن الشيطان زين لهم أعمالهم، وذكرت قول المنافقين ومرضى القلوب الذين سخروا من خروج المسلمين للقتال، تبين هذه الآية كيف تكون حال هؤلاء وأمثالهم من المتكالبين على الدنيا عند الوفاة، وما يعرض لهم من العذاب في أول دخولهم بعالم الغيب: ﴿وَلَوْ تَرى﴾ أيها الرسول، أو أيها القارئ، أو السامع ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ أي لرأيت أمرا فظيعا، وهو من عالم الغيب الحاصل بأيدي الملائكة الذين يتوفّون الكفار، ولا يقتضي أن يراه الناس الذين يحضرون الوفاة، وقد ذكر الرازي أن روح الكافر إذا خرجت من جسده فهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلاّ الظلمات، ولشدة حبه للدنيا وتمسكه بها لا ينال من مفارقته لها سوى الآلام والحسرات، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ لأن الكفار يفزعون لما هم مقبلون عليه من عذاب الآخرة، وهم أيضا في أشد الحزن والحسرة على دنياهم التي يفارقونها ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ وهو قول الملائكة لهم في الآخرة،\nولا يلزم أن تقتصر الإشارة في هذه الآية على قتلى بدر من كفار قريش، إذ لا يمنع انطباقها على وفاة الكفار في كل وقت، خاصة أن الآيات التالية حتى الآية (٥٥) تشير إليهم.\n\n<span id=\"aya-1211\"></span>﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي ذلك العذاب الذي ذقتم، وتذوقون، وكراهتكم لقاء الآخرة، وشدة تعلقكم بالدنيا، سببه ما قدمت أيديكم من المعاصي، أي ما كسبته أيديكم في الدنيا فقدمتموه إلى آخرتكم ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فلا يظلم أحدا من خلقه، لقوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾","vol":"2","page":155},{"text":"﴿خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨]، ولأن عاقبة المرء في الآخرة ليست سوى نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه،\n\n<span id=\"aya-1212\"></span>﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الدأب هو العادة والمواظبة على الشيء، والمعنى أن دأب هؤلاء الكفار من مشركي قريش وغيرهم، مثل دأب آل فرعون ومثل دأب الأقوام الكافرة من قبلهم ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ كان دأبهم جميعا هو الكفر بآيات الله لمّا جاءتهم ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وتلك سنّته تعالى في خلقه، أن يأخذ الكفار بسبب ذنوبهم، وينصر رسله وعباده المؤمنين ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فلا يفوته ظالم، ولكل شيء أجل، وفي الحديث: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».\n\n<span id=\"aya-1213\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى سنته تعالى التي لا تبديل لها، أن يأخذ الكفار بذنوبهم ﴿بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ وهي نعمه تعالى عليهم ببعث الرسل، وبالهداية، وبالعقل، والنعم المادية، وتمكينهم في الأرض، فإن كفروا تلك النعم بأن لم يستفيدوا منها، ولم يستخدموها بالطريق الصحيح، كان ذلك سببا لانحطاطهم أو هلاكهم ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من اتباع العقائد الفاسدة، وما يترتب على فساد العقيدة من تدهور الأخلاق وضلال العمل، وهذه السنّة مطّردة في الأمم فهي قانون اجتماعي، وهي أيضا في الأفراد، سوى أنها قد لا تكون مطردة فيهم لقصر أعمارهم عن بلوغ أثر التغيير غايته ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لما يقوله المكذّبون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يفعلون وما يستحقون.\n\n<span id=\"aya-1214\"></span>﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)﴾","vol":"2","page":156},{"text":"٥٤ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي إن دأب تلك الأقوام الذين لم يغيّروا ما بأنفسهم، مثل دأب آل فرعون، ومثل دأب الأقوام الذين كانوا قبلهم ممّن كذّبوا بالآيات بعدما جاءتهم، فكان الهلاك مصيرهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كفروا نعمه تعالى فحلّ بهم الهلاك، كما هي سنة الله المطردة في الخليقة ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ كما أهلكنا قبلهم من الأمم بذنوبهم ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ كلّ منهم كانوا ظالمين: كفار مكة، وآل فرعون، والأقوام من قبلهم، جميعهم ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا غيرهم بالأذى والتجبر، وقد وصفتهم الآية التالية أنهم من شر الدواب:\n\n<span id=\"aya-1215\"></span>﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استخدام الفعل الماضي يفيد أنهم مصرّون على الكفر، والتعبير عنهم بالدواب كونهم لا يستفيدون من ملكاتهم العقلية في التوصل إلى الحقيقة، وليس عندهم الاستعداد للإقرار بها رغم الدلائل والبراهين، وذلك سبب عدم إيمانهم، وهم شرّ من الدواب لأن الدواب لا تملك العقل مثلهم ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بسبب اتخاذهم مواقف مسبقة وجمودهم على التقليد، ومن ثمّ عدم تقويمهم الرسالة الإسلامية من حيث جدارتها وصحتها، وقد وصفتهم الآية (٢٢) بأنهم لا يعقلون، أي لا يستخدمون عقولهم، ثم بيّن تعالى في الآية الآتية أنهم اليهود خاصة:\n\n<span id=\"aya-1216\"></span>﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، إن شر الدواب عند الله الذين كفروا، ومنهم على سبيل المثال الذين عاهدت من اليهود:\n﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ أيها النبي، وهم يهود الحجاز من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ويهود خيبر، عقد معهم النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة عهودا أقرهم فيها على دينهم، وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ بدأ بنو قينقاع بنقض العهد بعد عودة الرسول ﷺ من","vol":"2","page":157},{"text":"بدر، وهددوه وأظهروا له العداوة والبغي والحسد، وبعثوا إلى حليفهم من الخزرج عبد الله بن أبيّ كبير المنافقين يطلبون منه النصرة والخروج على النبي ﷺ، فبادرهم النبي ﷺ بالحصار وأجلاهم عن حصونهم إلى بلاد الشام،\nثم نقض العهد من بعدهم بنو النضير، بعد وقعة أحد، وحاولوا قتل النبي ﷺ، فأمرهم بالجلاء عن المدينة وأن لا يساكنوه فيها، فلمّا أبوا وأعلنوا العصيان وطمعوا بنجدة كبير المنافقين عبد الله بن أبيّ حاصرهم المسلمون وأجلوهم عن حصونهم وارتحل قسم منهم إلى خيبر وسكن الباقون في أريحا بفلسطين، انظر سورة [الحشر ٢/ ٥٩ - ١٧]،\nوأما بنو قريظة، فكانوا أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ وقد نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين إذ حالفوا قريش والأحزاب، أثناء وقعة الخندق، انظر سورة [الأحزاب ٩/ ٣٣ - ٢٧]، وفي رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ حاصرهم بعد ذهاب الأحزاب حتى استسلموا وقبلوا أن يحكم فيهم حليفهم السابق سيد الأوس سعد بن معاذ، فحكم أن تقتل الرجال منهم وتسبى الذرية وتقسم الأموال، فقتل منهم ٦٠٠ - ٧٠٠ رجل، غير أن رواية ابن إسحاق هذه لا يمكن الوثوق بإسنادها، رغم أن الواقدي وابن سعد نقلاها عنه فيما بعد، إذ لاحظ العالم بركات أحمد في كتابه \"محمد واليهود\" أن أبا بكر بن شهاب الزهري، الذي سبق ابن إسحاق في كتابة السيرة، لم يذكر هذه الحادثة، كما لاحظ أيضا أن اليهود أنفسهم لم يذكروها في تاريخهم، ومن غير الطبيعي وغير المعتاد عند اليهود، ألاّ يكتبوا عن أحزانهم، ناهيك عن تضخيمها في حال حدوثها، ومن الجدير بالذكر أن مجموع قتلى المسلمين وغير المسلمين في جميع حروب النبي ﷺ لم يكد يبلغ الخمس مئة.\nوأما يهود خيبر فكان من أمرهم السعي لتأليف الأحزاب، وكانوا سبب وقعة الخندق، فغزاهم النبي ﷺ بعد صلح الحديبية، وظفر بهم بعد حصار شديد لحصونهم، وبذلك زالت قوة اليهود من بلاد الحجاز كلها،","vol":"2","page":158},{"text":"﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ أي لا يتّقون عواقب غدرهم ونقضهم العهود، ولا يتقون عواقب إصرارهم على الكفر.\nويلاحظ أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ دليل على أن الخيانة ونقض العهود سمة متأصلة عند اليهود عامة، وغير مقتصرة على يهود المدينة والحجاز وقت البعثة الإسلامية، ولا تزال فيهم إلى يومنا هذا، راجع شرح آية [البقرة ٤٤/ ٢]، ولذلك وبعد إصرار الكفار من أهل الكتاب على الكفر، بل على محاربة الإسلام، أمر النبي ﷺ بإجلاء اليهود والنصارى عن جزيرة العرب، إذ يخشى من إحياء عباداتهم ومعابدهم وطقوسهم وشركهم إذا هم أقاموا فيها، روى أحمد من حديث أبي عبيدة عامر بن الجراح قال آخر ما تكلم به النبي ﷺ: «أخرجوا يهود الحجاز ونجران من جزيرة العرب»، وروى أحمد ومسلم والترمذي عن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما»، وروى أحمد والشيخان من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ أوصى عند موته بقوله: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، وأخرج مالك في الموطّأ عن ابن شهاب، وأخرج أحمد في مسنده عن عائشة، أنه ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، وروى أحمد من حديث عائشة قالت: آخر ما عهد به رسول الله ﷺ أن قال: «لا يبرك بجزيرة العرب دينان».\n\n<span id=\"aya-1217\"></span>﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ إذا أخذتهم في الحرب وظفرت بهم، بعد خيانتهم ونقضهم العهود كما سبق ذكره، وهو السبب المبرر لحربهم، لأنّ حروبه ﷺ كانت كلها دفاعية ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ اجعلهم عبرة لغيرهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلّ من خلفهم يذّكرون العبرة من عاقبة نقض العهود، وفي ذلك إشارة أنّ اللجوء إلى الحرب يكون لضرورة اجتماعية بهدف دفع المضار ولمنع البغي والعدوان، وأنها ليست مرغوبة لذاتها أو لأمجاد الدنيا.","vol":"2","page":159},{"text":"<span id=\"aya-1218\"></span>﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ بينك وبينهم عهد ﴿خِيانَةً﴾ إذا خفت منهم نقض العهد بأن ظهرت منهم مؤشرات واضحة على الخيانة ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ أظهر لهم، لقاء خيانتهم، نبذ العهد بشكل واضح ومكشوف، ولا تبدأهم بالحرب وهم يتوهمون بقاء العهد، كي لا يكون من جانبك شائبة خيانة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ في العهود، ولو في حق الكفار.\n\n<span id=\"aya-1219\"></span>﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ممّن ينقضون العهود، لا يحسبنّ أنّهم ﴿سَبَقُوا﴾ أي لا يحسبون أنهم سبقونا ونجوا من عقابنا، بنتيجة نقضهم العهود وكفرهم وشركهم وحشدهم القوى ضد المسلمين ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ لا يعجزون الله تعالى أي لا يفوتونه، فسوف يجزيهم وسوف يلقون عاقبة كيدهم وغدرهم.\n\n<span id=\"aya-1220\"></span>﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ بعد أن بيّنت الآيات السابقة مشروعية عقد المعاهدات مع غير المسلمين، وأمرت بنبذ العهد إليهم على سواء في حال خيانتهم، وأنهم لا يعجزون الله، أمرت هذه الآية المسلمين بالاستعداد وحشد القوى في كل وقت لردع العدو الذي لا يرعى العهود ما دام المسلمون ضعفاء ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ كناية عن المرابطة أي البقاء في حالة استعداد، أي أعدّوا لهم من القوى ما يلزم للمرابطة ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهو الهدف من حشد القوى والمرابطة، أي لردع العدوان، لأنّ المعاهدة مع الآخرين يجب أن يكون من موقف قوة، وليس من موقف ضعف، حتى يرتدع العدو ويستتب السلام ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ من الأعداء","vol":"2","page":160},{"text":"غير المكشوفين ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ من المال والموارد والجهد ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ للإعداد للقوة وردع العدوان ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابه من الله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ فلا يلحق بكم ظلم، ولا اضطهاد من العدو، ولا إخراج من الديار.\n\n<span id=\"aya-1221\"></span>﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾ إن مالوا عن الحرب إلى السلم والصلح، بعد أن وقعت الرهبة في قلوبهم من قوة المسلمين ومرابطتهم واستعدادهم، فاجنح لها أيها الرسول ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فوّض أمرك إلى الله، ولا تخف من مكرهم وخداعهم، والمعنى أن المسلمين أولى بقبول السلم من غيرهم، لمنع سفك الدماء، ولإعطاء السلم فرصة كي تنمو ثماره، ولينتشر الإسلام بالقناعة والقدوة، وقد كان ذلك دأب المسلمين في جميع فتوحاتهم يقبلون من خصومهم أول بادرة للسلم والصلح، ويبرمون معهم المعاهدات بأكرم الشروط وأشدها تسامحا وقد كانت لهم اليد العليا، ولم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون ﴿الْعَلِيمُ﴾ عليم بنيّاتهم، فيجازيهم بما يستحقونه ويرد كيدهم.\n\n<span id=\"aya-1222\"></span>﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بجنوحهم للسلم ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ يكفيك شرّ خداعهم، والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول الصلح، لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر، والصلح لا يكون أقوى حالا من الإيمان، فإذا كان قبول الإيمان يبنى على الظاهر لا على الباطن، فهاهنا أولى الرازي، ولأنه في النتيجة يكون مكرهم السيئ وبالا عليهم، لقوله تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥]، والخلاصة أن عرض السلام لا يرفض بلا دليل ولمجرد شبهة أو شك، خاصة بعد أن يعدّ المسلمون من القوة ومن الرباط ما يستطيعون به ردع العدو (الآية ٦٠) فيأمنون غدره ﴿هُوَ الَّذِي﴾","vol":"2","page":161},{"text":"﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ ليس فقط في بدر، بل كان ﷺ مؤيدا في سائر أموره حتى ظهر أمر الإسلام ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بتسخير المؤمنين لنصرته، ثم بيّن تعالى في الآية التالية كيف أيّد نبيّه بالمؤمنين:\n\n<span id=\"aya-1223\"></span>﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ بين قلوب المؤمنين بعد أن كانوا كفارا يقتل بعضهم بعضا ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ وتلك من الآيات الباهرات، لأن قلوب العرب قبل البعثة جبلت على الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة والانتقام، ثم إنّ قلوبهم ائتلفت على اتباع النبي ﷺ، ونشأت بينهم المحبة والمودة، وزالت عنهم العصبية، وحلّ محلها الحب في الله، والبغض في الله ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في كفاية رسوله والمؤمنين شر خداع الأعداء، حكيم في تأييده المؤمنين بالنصر.\n\n<span id=\"aya-1224\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - بعد أن وعد تعالى نبيّه بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر مطلقا في كل الأحوال:\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ وحده يكفيك ﴿وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حسبهم الله أيضا هو كافيهم، وهو غير ما سبق في الآية (٦٢)﴾ بقوله ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ فذلك معناه: إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم، أما معنى هذه الآية فهو: الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين في كل الأحوال، فالمعنى في هذه الآية عام، وهو كفاية عامة في كل ما يحتاج إليه النبي ﷺ ويحتاج إليه أتباعه في الدين والدنيا،\nويمتنع أن يكون معنى الآية: الله والمؤمنون يكفونك، لأن من كان الله كافيه وناصره فلا يزيد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله، ثم بيّن أنه تعالى وإن كان يكفي نبيّه والمؤمنين بالنصر فلا يجب أن يتّكل النبي على ذلك إلاّ بشرط","vol":"2","page":162},{"text":"تحريض المؤمنين على القتال، وبشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة:\n\n<span id=\"aya-1225\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ﴾ التحريض في اللغة أن يحثّ الإنسان على شيء حتى يعلم أنه مقارب للهلاك إن لم يفعله، والمعنى:\nحثّهم أيها النبي على القتال ورغّبهم فيه لدفع العدوان عنهم، حتى لا يكونوا حرضا، أو يكونوا من الهالكين بعدوان الكفار عليهم، إذا رأوهم ضعفاء مستسلمين، والنتيجة أنهم لو تخلفوا عن القتال بعد حثّ النبي ﷺ لهم كانوا حارضين، أي هالكين ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد أن يصمد المسلمون للعدو ولو كانوا عشرة أضعافهم، وأن الغلبة تكون للمؤمنين بشرط الصبر والاجتهاد في القتال، وبشرط الفقه كما سيرد: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ الغلبة تكون للمؤمنين الصابرين على الكفار، ولو كانوا عشرة أضعاف المؤمنين، لأن الكفار لا يفقهون الحقيقة، من حيث إن الحياة الدنيا عندهم هي منتهى الأمل وغاية السعي، فهم لا يؤمنون بالبعث والآخرة، أمّا إن كانوا يهودا أو مسيحية فهم مغرورون بنسبهم وبشفاعة أنبيائهم ولو لم يسعوا للآخرة سعيها، أما المؤمنون فيفقهون حقيقة الدنيا والآخرة، وأن الدنيا زائلة ويقدّمون للآخرة، كما يفقهون سنن الله تعالى في الخلق فيعدّون لأمور الحرب عدتّها ويتخذون الأسباب الدنيوية سلفا بإعداد القوة والمرابطة (الآية ٦٠)،\nوهذه القاعدة القرآنية، بأن يغلب المؤمنون عشرة أمثالهم، بالإضافة إلى تحريم الفرار من الزحف، الآيات (١٥ - ١٦) مهّدت السبيل فيما بعد للفتوحات الإسلامية التي امتدت خلال أقل من قرن من أقصى العالم القديم إلى أقصاه، على قلة أعداد المسلمين الذين انطلقوا من الجزيرة العربية بالمقارنة مع أعداد","vol":"2","page":163},{"text":"جيوش فارس والروم وعدّتهم، وبالمقارنة مع عدد سكان البلاد المفتوحة وجيوشها.\nوقد حقق المسلمون الغلبة على عدوهم عندما حاربوا الفرس والروم في فتوحات العراق وخراسان والشام ومصر وشمال إفريقية والأندلس وكانوا قلة، وكان يتفوق عليهم العدو أحيانا بأكثر من عشرة أضعاف، ففي وقعة مؤتة كانوا ثلاثة آلاف مقابل مئة وخمسين ألفا، وفي وقعة اليرموك كان جيش الروم مئتي ألف مقابل أربعة وعشرين ألفا من المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-1226\"></span>﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿الْآنَ﴾ أي في الظروف الراهنة لوقعة بدر، التي نزلت فيها هذه السورة، وهي ظروف مرحلية ﴿خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ فرخّص لكم ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ بسبب قلة السلاح وقلة العتاد التي كان يعاني منها المسلمون وقتئذ ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ رخّص لهم تعالى أن يصمدوا أمام ضعفيهم عددا، بدلا من عشرة أضعاف، واشترط فيهم الصبر، وهذه الرخصة مؤقتة وخاصة بالمرحلة التي كان فيها مجتمع المسلمين في أوائل قوته، وقد صمد المسلمون في بدر وكانت لهم الغلبة أمام قوة تفوقهم ثلاثة أضعاف ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تأكيد على شرط الصبر لكي يكون تأييد الله وتوفيقه معهم، والواضح أن زعم البعض نسخ هذه الآية لما قبلها ليس له ما يبرره.\n\n<span id=\"aya-1227\"></span>﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٧)\n٦٧ - بعد أن أمر تعالى نبيّه أن يحرّض المؤمنين على القتال وألاّ ينهزموا أمام المشركين، ولو كانوا عشرة أمثالهم في الحالة العامة، أو مثليهم في حالة ضعف المؤمنين، على سبيل الرخصة، تعود هذه الآية إلى تذكير المؤمنين بمغزى بداية","vol":"2","page":164},{"text":"السورة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ بأن الهدف من القتال هو إعلاء شأن الدين وليس جمع الغنائم ولا جمع فداء الأسرى:\n﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ والكلام، في الحالة الخاصة، عن أسرى المشركين الذين أخذهم المسلمون في بدر، والواضح أنّ الخطاب موجّه للمؤمنين لأنهم هم الذين سعوا لأخذ الأسرى، بدلا من مطاردة فلول العدو، وليس النبي ﷺ ﴿حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يجوز أخذ الأسرى بعد الإثخان في الأرض، ويقال أثخنته الجراح أوهنته، والمراد بالإثخان إضعاف العدو حتى تصبح السيطرة والقوة والسيادة للمسلمين، وأصل معنى الثخانة الغلظة، ثم استعير للمبالغة في الإجهاز والإضعاف ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ العرض ما لا ثبات له، وفي الحديث: «الدنيا عرض حاضر»، وسمّيت منافع الدنيا ومتاعها عرضا لكونها زائلة فكأنها تعرض ثم تزول، والخطاب في الآية لمقاتلي بدر بدليل قوله ﴿تُرِيدُونَ﴾، ولو قصد به النبي ﷺ لقال: تريد، ولأن إرادة عرض الدنيا صدرت منهم لا منه ﷺ، ولأن النبي ﷺ لم يرد عرض الحياة الدنيا، ومغزى الآية توبيخ المسلمين، لأنهم بعد أن تحقق النصر لهم انشغلوا بطلب الغنائم وأخذ الأسرى بدلا من مطاردة فلول المشركين والإجهاز عليهم ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي يريد لكم حسن ثواب الآخرة ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فاقتضت حكمته تعالى أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوّكم، وإن شغلتكم الدنيا ضعفت شوكتكم.\nذكر المودودي أن بعض المفسرين، في محاولتهم لشرح هذه الآية، يعودون للحوار الذي جرى بين النبي ﷺ وبين كل من أبي بكر وعمر، ﵄، لبحث مصير أسرى بدر من المشركين وعددهم سبعون، إذ كان رأي أبي بكر إطلاق سراح الأسرى مقابل فدية تؤخذ من كل منهم، يستعين بها المسلمون على حوائجهم، وكان رأي عمر أن تضرب أعناق الأسرى لما سبق لهم من الكيد للإسلام ومشاقة النبي ﷺ، وقد أخذ النبي ﷺ برأي أبي بكر، وأن الوحي بعد ذلك نزل مغايرا لهذا الرأي،","vol":"2","page":165},{"text":"غير أنه يمكن نقض أقوال المفسرين من حيث أنها لم تقدم أي شرح مقنع للآية (٦٨): ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنهم أجمعوا أن المراد بقوله ﴿أَخَذْتُمْ﴾ هو الفداء، كما فهموا أن المسلمين، والنبي ﷺ في مقدمتهم، قد ارتكبوا إثما يترتب عليه عذاب عظيم؟! ممّا لا يكاد يسيغه العقل، أضف إلى ذلك أن الخبر المشار له مبني على روايات آحاد.\nفلو أخذنا بالاعتبار سبق نزول الوحي في سورة محمد بما يجب عمله في مثل هذه الحالة: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [محمد ٤/ ٤٧]، يتضح أن الوحي كان قد أحلّ أخذ الأسرى وأخذ الفدية بعد الإثخان في العدو، وبالتالي فإن المسلمين لم يرتكبوا خطأ في بدر لجهة أخذ الأسرى، أو أخذ الفدية، وإنما كان الخطأ في الاهتمام بأخذ الأسرى قبل أن يتم الإثخان في العدو، إذ عندما تقهقر جيش المشركين ثم لاذ بالفرار، انشغل المسلمون بجمع الغنائم وأخذ الأسرى بدلا من متابعة العدو والإجهاز عليه، ولو أنهم لاحقوا العدو وأجهزوا على فلوله لكان محتملا أن يكون في ذلك ضربة قاصمة لقريش، واحتمال ألاّ يعود المشركون للانتقام منهم في أحد بعد عام، ولذلك نزل الوحي بلوم المسلمين على ما ظهر منهم، ومن الواضح أن اللوم موجّه إليهم فقط دون النبي ﷺ، ومغزى الآية هو التأكيد أن الهدف من حروب النبي ﷺ والمسلمين، ليس جمع الغنائم ولا جمع فداء الأسرى، وإنما القضاء على قوى الكفر، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي انصب اهتمام المسلمين فيها على الغنيمة، فقد سبق أن جادلوا النبي ﷺ قبل الخروج لبدر يريدون سلب قافلة أبي سفيان، ولولا كتاب من الله سبق بحلّ أخذ الأسرى وأخذ الفدية، آية [محمد ٤/ ٤٧]، لمسّهم فيما أخذوا عذاب عظيم انتهى كلام المودودي.\nغير أنّ محمد أسد فهم من الآية معنى عاما لا يقتصر على بدر ونتائجها، فقوله تعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ معناه أنه يمتنع على النبي ﷺ،","vol":"2","page":166},{"text":"ومن ثمّ على كلّ المسلمين، اتخاذ أسرى، أو رقيق، إلاّ بنتيجة الجهاد، وهو معنى قوله ﴿حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي أن الجهاد هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن ينتج عنها امتلاك الأسرى، وبعبارة أخرى فإن اتخاذ الرقيق بوسائل سلمية، عن طريق البيع والشراء والاتّجار، أو الاستيلاء عليهم بنتيجة حروب جائرة، أو حروب اقتصادية، أو حروب دنيوية، غير دفاعية محرّم إطلاقا، فهذه الآية ترقى عنده إلى تحريم نظام الرق، ما لم يكن اتخاذ الرقيق، الأسرى، ناتجا عن حرب عادلة - جهاد -، وحتى في هذه الحالة فإنه يتوجب إطلاق سراح الأسرى، بفدية أو من دون فدية، بعد أن تضع الحرب أوزارها، آية [محمد ٤/ ٤٧].\n\n<span id=\"aya-1228\"></span>﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ لولا أن الله تعالى كتب لكم النصر في بدر، منذ الأزل، لقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الآية ٨)، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لحاقت بكم الهزيمة وعذابها، أي ﴿فِيما أَخَذْتُمْ﴾ من الغنائم والأسرى واهتمامكم بهم بدلا من مطاردة فلول المشركين والإجهاز عليهم، ثم إن هذا العذاب تحقق بهم بالفعل في وقعة أحد للسبب ذاته، إذ بعد أن لاحت لهم بوادر النصر، ترك الرماة مراكزهم، وانشغل معظم المسلمين بالغنائم حتى فاتهم النصر، انظر آية [آل عمران ١٥٢/ ٣].\n\n<span id=\"aya-1229\"></span>﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ بعد أن انتصر المسلمون في بدر بتحقق علم الله تعالى الأزلي فيما هو كائن، مع ما ارتكبوه من الانشغال بجمع الغنائم وأخذ الأسرى، وترك فلول العدو، بيّن لهم تعالى حلّ ما جمعوه من الغنائم وما أخذوه من فداء الأسرى ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ انتهوا عن معصيته بعد ذلك، إشارة إلى المستقبل ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما سبق منكم من الذنب، إشارة إلى الحالة الماضية.","vol":"2","page":167},{"text":"<span id=\"aya-1230\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ أي أسرى بدر، ولا يمنع انطباق ذلك على جميع الأسارى الذين يأخذهم المسلمون في حروبهم مع المشركين عامة، لما قالوا من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إن يجد الله في قلوبكم ميلا إلى التصديق بحقيقة الرسالة ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ فيوفقكم إلى الهداية والإيمان، ويكون ذلك خيرا ممّا أخذ منكم من الفداء، ومن كل ما خسرتموه في حروبكم ضدّ المسلمين ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سبق من ذنوبكم ويصلح آخرتكم ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لمن تاب من كفره ومن ذنوبه ﴿رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين.\n\n<span id=\"aya-1231\"></span>﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ بإظهار دخول الإسلام وإبطان الكفر، أو بنقض ما عاهدوك عليه من إعطاء الفدية، أو نقض عهدهم ألاّ يعودوا لمحاربتك ولا إلى دعم المشركين ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ باتخاذ الأنداد والشركاء له، وبما أقدموا عليه من مشاقّة النبي ﷺ وإنكار بعثته، ثم محاربة النبي ﷺ يوم بدر ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ الله تعالى أمكن النبيّ ﷺ منهم، كما حدث في بدر ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ عليم بنياتهم وبواطنهم، وما سيكون من أمرهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في نصر المؤمنين ضد عدوهم، وفي جزاء الكفار على أعمالهم، والمغزى أنه على النبي ﷺ، وعلى المسلمين بالتالي، أن يقبلوا الظاهر من خصومهم إذا ادعوا الإسلام، أو ادعوا الكف عن مناهضة الإسلام، ولا يبنوا أحكامهم على الشك، حتى لو ظهرت الخيانة منهم بعد ذلك فإنّ الله تعالى يمكن المؤمنين منهم.","vol":"2","page":168},{"text":"<span id=\"aya-1232\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴿وَهاجَرُوا﴾ فارقوا الأوطان هربا من الاضطهاد الديني، وحتى يستطيعوا ممارسة شعائر دينهم بحرية في موطن جديد ﴿وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ضاعت مساكنهم وأملاكهم التي خلّفوها وراءهم، فبقيت في أيدي أعدائهم، ومن جهة ثانية ينفقون أموالهم على الدعوة والجهاد، ويشتركون في الجهاد بأنفسهم، والإشارة الخاصة في هذه الآية للمسلمين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل الفتح، ولا يمنع ذلك من انطباق التعريف على كل من يهاجر في كل زمن من بلاد الاضطهاد إلى بلاد الحرية الدينية ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الإشارة الخاصة للأنصار في المدينة المنورة الذين آووا ونصروا النبي ﷺ والمهاجرين معه، والإشارة العامة في كل الأزمنة لكل من يؤوي المهاجرين إلى الله من الاضطهاد الديني ﴿أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي يتولّى بعضهم من أمور بعض ما يتولونه من أمور أنفسهم عند الحاجة، من تعاون وتناصر وتكافل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وفي ذلك حثّ لهم على الهجرة إلى بلاد الحرية الدينية، لكي يتخلصوا من الاضطهاد الديني من جهة، ولكي تتحقق الموالاة من تعاضد وتآزر وتعاون بينهم وبين إخوانهم المسلمين في دار الهجرة ﴿وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ إذا قاتلهم الكفار واشتد الاضطهاد الديني عليهم، فعندئذ يتعين على المسلمين في دار الإسلام نصرتهم، وهو الاستثناء الوحيد من قوله ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم، حتى لو اضطهدوا المسلمين الواقعين تحت سلطتهم، لأن الإسلام يحرّم نقض العهود والخيانة والغدر، وفي هذه الحالة يمكن","vol":"2","page":169},{"text":"اللجوء إلى المفاوضات للتوصل إلى حلول مقبولة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم بأعمالكم.\n\n<span id=\"aya-1233\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لأن الكفر قاسم مشترك بينهم، ويترتب على ذلك أنهم يتآزرون مع بعضهم البعض ضد الإسلام، ولا يودّون الخير للمسلمين، قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران ١٢٠/ ٣]، وهذا بالطبع موقف المجتمعات الكافرة تجاه المسلمين، وليس بالضرورة موقف كل فرد منهم ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ من التعاضد والإيواء والنصرة بين المسلمين بعضهم بعضا كما ورد في الآية السابقة، وتجنّب موالاة المسلمين للكفار ضد إخوانهم المسلمين ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ أي في هذه الحالة قد يفتن المسلمون عن دينهم لوقوعهم تحت الاضطهاد الشديد، دون أن يكون من ينصرهم من إخوانهم، كما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفو، وقد تضطر مجتمعات كاملة منهم للتحول عن الإسلام كما حدث في الأندلس بعد زوال دولة الإسلام عنها، وكما يحدث الآن في العديد من بقاع العالم تحت وطأة الهجمات الكنسية التبشيرية ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ بنتيجة الفتنة، ومن ذلك تفكك المسلمين وضعفهم ووقوعهم تحت هيمنة واضطهاد أعدائهم،\n\n<span id=\"aya-1234\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في كل الأزمنة، وليس المهاجرين من مكة قبل الفتح فحسب ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ في كل الأزمنة أيضا ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لأنّهم صدّقوا إيمانهم بالعمل، وليس بمجرد الكلام والادّعاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يتجاوز تعالى عن سيئاتهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في نعيم الجنة.","vol":"2","page":170},{"text":"<span id=\"aya-1235\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ أي في أي وقت من الأوقات ﴿فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ في الموالاة والنصرة والتعاون ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ في ولاية الرحم والقرابة، فهي مقدّمة على ولاية الإيمان والهجرة، أي إن القريب ذي الرحم أولى من غيره من المؤمنين بولاية قريبه وبرّه ومعونته ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ في حكم الله ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيحكم بما هو في صالح العباد.\n***","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1276>سورة التوبة - ٩ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-1277>مقدّمة</span>\nنزلت سورة التوبة في السنة التاسعة من الهجرة، في المدة التي سبقت حملة تبوك وخلال الحملة وبعدها، واشتقّ اسم السورة من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ (١٠٤)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٧)، وهي أيضا تسمّى سورة براءة لقوله تعالى في مطلع السورة: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١)، ويلاحظ بالمقارنة مع بقية سور القرآن الكريم أن هذه السورة لا تبدأ بآية البسملة باسم الله الرحمن الرحيم لأن آية البسملة لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقد أمر النبي ﷺ بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال ولم يأمر أن تبدأ بآية البسملة، ثمّ كان هذا سببا لاختلاف بعض الصحابة في حقيقة سورتي الأنفال والتوبة، أهما سورة واحدة أم سورتان؟ فقال بعضهم هما سورة واحدة، لأن كلتيهما نزلت في القتال والعهود، ومجموعهما مئتان وست آيات فتكون هذه السورة السابعة من الطوال - ابتداء من البقرة وانتهاء بمجموع الأنفال والتوبة -، مع العلم أنه انقضت سبع سنوات بين نزول الأنفال ونزول التوبة، ومن الصحابة من قال: بل هما سورتان، واستنتجوا من عدم بداية سورة التوبة بالبسملة دلالة على أن البسملة آية مستقلة بذاتها، لأنّ بعض الناس يتنازعون في كون باسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن أم لا.","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1278>الخلفية التاريخية</span>\nسورة التوبة ذات علاقة بالأحداث التي تلت صلح الحديبية (ذي القعدة العام ٦ هجرية)، فخلال مدة عامين بعد الصلح أخذ الإسلام ينتشر سلما وتزداد قوته في الجزيرة العربية بصورة كبيرة، ممّا أدّى إلى جزع قريش ونفاد صبرها، فنقضت شروط الصلح بأن زودت بالسلاح حلفاءها من بني بكر وظاهرتهم على حلفاء النبي ﷺ من بني خزاعة حتى اعتدوا عليهم، وقتّلوا منهم، فلم يمهل النبي ﷺ قريشا أن تحشد قواها للعدوان فبادرها بفتح مكة (رمضان العام ٨ هجرية)، ثم جمعت الجاهلية فلولها في محاولة أخيرة للقضاء على المسلمين في وقعة حنين (شوال العام ٨ هجرية) فلحقت بها الهزيمة، ومن ثمّ دخلت الجزيرة العربية بكاملها في الإسلام خلال عام واحد بعد وقعة حنين، عدا جيوب محدودة متفرقة منها.\nوقد ساهم في نجاحات المسلمين الأحداث التي تمت على الجبهة الشمالية في سورية قبل فتح مكة بأربعة شهور، ففي شهر (جمادى الأولى العام ٨ هجرية) بعث النبي ﷺ قوة مكونة من ثلاثة آلاف رجل لمجابهة تحدي بيزنطة وقبائل العرب المتحالفة معها بعد أن قتلوا رسل النبي التي تدعوهم إلى الإسلام، وفي مؤتة كان اللقاء بين قوة المسلمين الصغيرة من جهة، وبين قوة ضخمة من الروم والعرب الغساسنة من جهة ثانية قيل إن عددها بلغ مئة وخمسين ألفا، وحتى لو كان هذا الرقم مبالغا فيه فالنتيجة أن المسلمين تمكنوا من قتال عدوهم ثم الانسحاب من المعركة دون أن يحقق الروم نصرا حاسما عليهم.\nوكانت بيزنطة قد توجسّت من انتشار الإسلام في جزيرة العرب، وخشيت من توحيد العرب في دولة قوية، فلم يشأ هرقل إمبراطور بيزنطة أن يترك أمر المسلمين يتعاظم، خاصة بعد فتح مكة وانتصار المسلمين في حنين، فاستعدّ مع حلفائه من عرب الشام لغزو المسلمين في المدينة وحشد الجيوش لذلك، ثمّ لم تلبث هذه الأخبار أن وصلت إلى النبي ﷺ ولم تنقض سوى ستة شهور بعد","vol":"2","page":173},{"text":"عودته من حنين، فعزم على الخروج للقاء الروم في سورية كما هي عادته في أخذ زمام المبادرة دفاعا لا عدوانا، ولم تمنعه ظروف الجفاف والحرارة الشديدة التي كانت سائدة وقتئذ في الحجاز، وأنّ وقت الحصاد كان قريبا، وعلى غير عادته في غزواته السابقة من كتمان أمره، وكتمان وجهة سيره، فقد جاهر النبي ﷺ في هذه المرة بالغرض من حملته وبعث في القبائل يدعوها للاشتراك معه في غزو الروم حتى اجتمع لديه في المدينة ثلاثون ألف رجل خرج بنفسه على رأسهم (رجب العام ٩ هجرية)، وكانت أكبر قوة عددية اجتمعت له في تاريخ البعثة، فلمّا وصل بالجيش إلى تبوك تبيّن أن الروم تخلوا عن خطتهم لغزو المدينة، أو أنهم صرفوا النظر عنها مؤقتا، ويبدو أنّ هرقل انسحب ولم يجرؤ على المجابهة عندما علم أنّ النبي ﷺ جاء بنفسه على رأس جيش المسلمين، وفي الحديث:\n«نصرت بالرعب مسيرة شهر» رواه البخاري وغيره، والتزاما بالموقف الدفاعي الذي اتخذه النبي ﷺ طيلة بعثته، عاد بالجيش إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين يوما عقد خلالها المعاهدات مع قبائل العرب التي كانت متحالفة مع الروم، وبذلك امتدت سلطة المسلمين إلى حدود بلاد الشام.\nوخلال الإعداد لغزوة تبوك، بدا من ضعاف الإيمان والمنافقين في المدينة ومن بعض الأعراب، تثاقلهم وكراهتهم الاشتراك في حرب الروم مع النبي ﷺ، وقد فصّلت السورة العبر من ذلك.\nوبعد العودة من غزوة تبوك بشهور قلائل - أي في شهر (ذي القعدة العام ٩ هجرية) - بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق (ر) إلى مكة أميرا على الحج، ثم أتبعه بعلي ابن أبي طالب (ر) ليقرأ على الناس مطلع سورة براءة إنذارا لمن نقض العهود من المشركين، ذلك أن النبي لمّا خرج إلى غزوة تبوك وتخلف عنه المنافقون من أهل المدينة ومن الأعراب، وأشاعوا الشائعات، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فنبذ رسول الله ﷺ العهد إليهم.","vol":"2","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1279>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nالفارق الزمني الكبير بين نزول السورتين، مع ترتيبهما القرآني المتتالي، من مظاهر إعجاز القرآن الذي كان نزوله منجما على النبي ﷺ على مدى ٢٣ عاما من بعثته الشريفة ومع ذلك كان يأمر، بحسب الوحي، بترتيبه ترتيبا متماسكا معجزا مغايرا لترتيب النزول،\nفقد انقضت سبع سنوات بين نزول سورة الأنفال بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وبين نزول سورة التوبة قبل غزوة تبوك وخلالها وبعدها في السنة التاسعة من الهجرة، غير أن هنالك ارتباطا واضحا في موضوعهما، إذ اشتملت سورة الأنفال على تحليل كامل لأول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الإسلام وقوى الكفر، كما وضعت أسس الجهاد الإسلامي التي بموجبها انتشرت دولة المسلمين ودعوتهم - خلال أقل من قرن من الزمان - من أقصى العالم القديم في الصين، إلى أقصاه في الأندلس.\nثم بعد غزوة مؤتة (جمادى الأولى ٨ هجرية)، وفتح مكة (رمضان ٨ هجرية)، ووقعة حنين (شوال ٨ هجرية)، وغزوة تبوك (رجب ٩ هجرية) وانسحاب هرقل الروم، ثم نقض المشركين في جزيرة العرب عهودهم، بعد ذلك كله نزلت سورة التوبة تبين سياسة الإسلام تجاه كل من الطرفين: الناس خارج جزيرة العرب، والمشركين داخلها، وفيها عبر ودروس أخلاقية للمسلمين تبين لهم المواقف العملية المترتبة عليهم لتحقيق سياسة الإسلام الداخلية والخارجية،\nونلاحظ أن سورة الأنفال تأمر المؤمنين أن يستجيبوا لله وللرسول عندما يدعوهم لما فيه حياتهم من الجهاد: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٢٤/ ٨]، ثم تحذرهم سورة التوبة من ترك الجهاد والركون إلى الدنيا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [٣٨/ ٩]،","vol":"2","page":175},{"text":"وهنالك مقارنة واضحة بين آخر سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٥/ ٨]، وبداية سورة التوبة بقوله: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ١/ ٩]، أي على النقيض من كون جماعة المؤمنين المهاجرين المجاهدين منكم، فإنّ المشركين الذين نقضوا عهودهم معكم برآء منكم.\nوفي بداية سورة التوبة قوله تعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ١/ ٩]، إشارة أيضا لقوله تعالى في سورة الأنفال المتقدّمة:\n﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ * فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال ٥٥/ ٨ - ٥٧]،\n\n<span data-type='title' id=toc-1280>محور سورة التوبة</span>\nبيان قاعدة مهمة في الدعوة وطريقتها وأن التقليد غير كاف في الدين، وأن لا بد من النظر والاستدلال والحجة والدليل، ولذا وجب إمهال المشركين لأجل التفكر بعد أن يسمعوا القرآن: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)،\nوأنه لا يمكن المساواة بين الشكليات وبين الجوهر، بين مجرّد القيام بالشعائر مهما كانت فاضلة، كونها مقتصرة على الشكل والمظهر، وبين الإيمان اليقيني والجهاد والتضحية، وعلى أية حال فإنّ سقاية الحاج وعمارة المسجد إنّما توجب الفضيلة إذا صدرت عن المؤمن، أمّا إن صدرت عن غير المؤمن فلا يستفيد منها: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩)،","vol":"2","page":176},{"text":"ثم تبين أن مجاهدة الكفار والمنافقين إنما تكون بالحجة والفكر والإقناع: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٧٣)، وأما قتالهم فقد يضطر إليه المؤمنون بشروطه، وأنه يحرم التوصل معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٣)،\nوأن الله تعالى لا يترك الناس على ضلالهم، بعد إذ هداهم بالفطرة، أو يعتبرهم ضالّين فيعاقبهم، إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة، ويبيّن لهم طريق الهداية بيانا واضحا تامّا: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١١٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1281>المواضيع الرئيسية في سورة التوبة</span>\nبعد فتح مكة وما تلاها من غزوة تبوك وانسحاب هرقل الروم، ثم نقض المشركين في جزيرة العرب عهودهم، بينت سورة التوبة سياسة الإسلام تجاه كل من الطرفين: الناس خارج جزيرة العرب، والمشركين داخلها:\n١ - الوفاء بالعهود مع المشركين، أو غيرهم، قاعدة إسلامية هامة، فالوفاء بالعهد من أصول البر ومقتضى الإيمان (الآية ٤)، إلا في حال نقضهم العهد أولا (الآيات ١ - ٣)،\n٢ - جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم (الآية ٥)،\n٣ - إيضاح سياسة الإسلام تجاه مشركي جزيرة العرب (الآيات ٢٨/ ١)،\n٤ - إيضاح موقف الإسلام تجاه أهل الكتاب (الآيات ٢٩ - ٣٥)،\n٥ - إبطال النسيء (الآيات ٣٦ - ٣٧)،\n٦ - غزوة تبوك، وبيان ما ظهر خلالها من أصناف المنافقين وطبائعهم وجهالاتهم، مما هو عام في المنافقين في كل الأزمنة (الآيات ٣٨ - ١٢٩)، بالتفصيل التالي:","vol":"2","page":177},{"text":"أ- الآيات (٣٨ - ٧٠): وصف أحوال المنافقين من أهل المدينة تجاه غزوة تبوك، الحث على النفير، تلكؤ المنافقين في الانضمام لغزوة تبوك، وبخلهم مع غناهم،\nب - الآيات (٧١ - ٧٢): موقف المؤمنين بالمقارنة مع المنافقين، وحسن ختامهم،\nج - الآيات (٧٣ - ٨٧): وصف أحوال المنافقين، الحث على مجاهدة الكفار والمنافقين، كونهم ماديين مصرّين على الكفر والنفاق،\nد - الآيات (٨٨ - ٨٩): موقف الرسول ﷺ والمؤمنين معه، وحسن ختامهم،\nهـ - الآيات (٩٠ - ٩٨): طباع المنافقين من الأعراب بعد المنافقين في المدينة، والرخصة للضعفاء والمرضى والفقراء،\nو- الآيات (٩٩ - ١٠٠): إخلاص المؤمنين من الأعراب، ومنزلة من هم أعلى منهم درجة من السابقين والتابعين،\nز - الآيات (١٠١ - ١١٠): الذين مردوا على النفاق من الأعراب والحضر، وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وآخرون مرجون، والذين اتّخذوا مسجد الضرار،\nح - الآيات (١١١ - ١١٢): بشرى للمؤمنين العاملين العابدين،\nط - الآيات (١١٣ - ١٢٣): تحريم الاستغفار لمن مات على الكفر، أو لمن تبين إصراره على الكفر، والتوبة على المؤمنين، وتوجيههم لما يجب عمله،\nي - الآيات: (١٢٤ - ١٢٧): المنافقون الذين في قلوبهم مرض، انظر آيات [البقرة ٦/ ٢ - ٢٠]،\nك - الآيات: (١٢٨ - ١٢٩): مخاطبة العرب والناس جميعا بمجيء رسول من أنفسهم حريص عليهم، فإن تولوا فالله تعالى رب الجميع، وهو أعلم بهم وبأعمالهم.","vol":"2","page":178},{"text":"<span id=\"aya-1236\"></span>﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)\n١ - ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ استمرار الخطاب من آية [الأنفال ٧٥/ ٨]، أي على النقيض من كون المؤمنين المهاجرين المجاهدين هم من جماعة المسلمين، فهذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فنقضوا عهودهم، ذلك أن النبي لمّا خرج إلى غزوة تبوك وتخلف عنه المنافقون وأشاعوا الشائعات، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فنزلت سورة براءة بنبذ العهد إليهم بعد حملة تبوك، والخطاب في قوله ﴿عاهَدْتُمْ﴾ عائد إلى المؤمنين، بمعنى أنّ الله ورسوله قد برئا من عهود المؤمنين مع المشركين الذين نقضوا عهودهم، وهذه البراءة أعلنت لهم في حج عام ٩ للهجرة، الآية (٣)، راجع الخلفية التاريخية أعلاه.\n\n<span id=\"aya-1237\"></span>﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿فَسِيحُوا﴾ أيها المشركين، أي اذهبوا في الأرض حيث شئتم، فأنتم آمنون من القتل والقتال في مهلة أربعة أشهر، وأصل الفعل من السياحة، وهي السفر في الأرض بعيدا مع ما كان يتطلبه ذلك في زمانهم من الإقلال من الطعام والشراب، ولذا قيل للصائم سائح، لأنه يشبه السائح عندهم في تركه الطعام والشراب ﴿فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وهي مهلة ناقضي العهد من المشركين، أي إن الله تعالى قد أجّلهم تلك المدة، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر نقصت إلى الأربعة، ومن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر زادت إلى الأربعة، وللمشركين خلال هذه المدة أن يتفكروا ويحتاطوا لأمرهم، ولهم بعدها أن يختاروا إمّا الدخول في الإسلام، أو قتال المسلمين، أو مغادرة الجزيرة العربية، لأن جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم، راجع شرح آية [الأنفال ٥٦/ ٨]، والمدة بدأت من عاشر ذي الحجة عام ٩ للهجرة، وقت إعلان البراءة للمشركين في الحج، وانتهت في عاشر ربيع الثاني من عام ١٠","vol":"2","page":179},{"text":"للهجرة، أما الذين حافظوا على العهود من المشركين فقد أمر تعالى المؤمنين إتمام كامل مدة العهد إليهم كما سوف يرد في الآية (٤)، ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أنتم في ملك الله وسلطانه حيثما كنتم وحيثما ذهبتم، وإن أصررتم على الشرك والعدوان لا تجدون مهربا ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر منكم تكون عاقبتهم الذل والهوان.\n\n<span id=\"aya-1238\"></span>﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣)\n٣ - ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الأذان في اللغة هو الإعلام والإعلان بالشيء، ومنه الأذان للصلاة، أي إعلان وقتها ﴿إِلَى النّاسِ﴾ المعنى أن هذا الأذان أو الإعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس، والمقصود بهم سكان جزيرة العرب ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ليكن هذا الأذان إلى الناس جميعا، مؤمنين ومشركين، معاهدين وغير معاهدين، يوم الحج الأكبر، وهو يوم عرفة، لقوله ﷺ: «الحج عرفة»، لأن أهم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة، وقيل هو يوم الأضحى يوم النحر، وقيل لأنّ العمرة هي الحج الأصغر ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي من عهودهم ﴿وَرَسُولِهِ﴾ أيضا بريء من عهودهم، وهو مضمون الأذان بالبراءة المشار إليها في الآية (١)﴾، والخلاصة، التأكيد على إعلان البراءة يوم الحج الأكبر ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أيها المشركون عن الشرك والكفر والغدر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ النفع يعود عليكم وحدكم ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن التوبة والإيمان ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ فهو قادر على مجازاتكم، وأنتم تحت قهره ومشيئته، ولا تضرّونه شيئا ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة، لأنه إن فاتهم عذاب الدنيا أو زال عنهم فلا يخلصون من عذاب الآخرة، وفي معنى البشارة قال الشيخ محمد رشيد رضا إنها ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إمّا بالتهلل وإشراق الوجه من السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإمّا بالعبوس وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن دو الخوف.","vol":"2","page":180},{"text":"<span id=\"aya-1239\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا الاستثناء من قوله تعالى ﴿بَراءَةٌ﴾، وفيه التفات الخطاب إلى المؤمنين، وتقدير الخطاب: براءة من الله ورسوله، إلى المشركين المعاهدين ناقضي العهود، إلاّ الذين لم ينقضوا العهد فأتّموا إليهم عهدهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من شروط العهد ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ لم يحاربوكم ولم يحرضوا غيرهم على قتالكم ولم ينصروا عدوّكم ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ المعنى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام، وهو من أصول البر ومقتضى الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ [البقرة ١٧٧/ ٢]، وقوله جلّ شأنه ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء ٣٤/ ١٧]، فلا يجوز نقض العهد إلا بانتهاء وقته ما دام الطرف الآخر محافظا عليه ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذي يتقون نقض العهود، ويتقون سائر المفاسد المخلة بالنظام والعدل.\n\n<span id=\"aya-1240\"></span>﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)\n٥ - ﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي الأشهر الأربعة المشار إليها في الآية (٢)﴾، ومعنى انسلاخ الأشهر انقضاؤها، وهو استعارة، كما يسلخ ويكشط جلد الشاة الذبيحة من مكانه شيئا فشيئا، ويستعمل للمكان وللزمان كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧/ ٣٦]، لأن الزمان ينسلخ شيئا فشيئا كما ينسلخ الضوء عن جانب من الكرة الأرضية فيخلّف الظلام وراءه ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحلّ أو في الحرم، وها هنا تحديد لما يجب على المؤمنين القيام به بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وهو قتال المشركين وقتلهم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أسرى ﴿وَاُحْصُرُوهُمْ﴾ تعبير عن محاصرتهم ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ لرصد تحركاتهم، ويلاحظ أنه قد أبيح","vol":"2","page":181},{"text":"لهم أخذ الأسرى بعد أن كان محظورا عليهم بقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال ٦٧/ ٨] لتحقق شرط الإثخان وهو الغلبة والقوة والسيادة في الأرض، أي في جزيرة العرب ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ عن الشرك ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ كما فرضها الإسلام ﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ المفروضة للفقراء ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوا قتالهم وأطلقوا أسراهم ودعوهم أحرارا في تحركاتهم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن.\nهذه الآية التي يسمونها آية السيف، وقيل آية السيف هي: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٣٦)، وقيل هما معا، ويزعمون أنها نسخت الكثير من آيات العفو والمسالمة والصلح وحسن معاملة الآخرين وضمان حرية الدين والإعراض عن المشركين والجاهلين، والصواب أنها لم تنسخ شيئا لأن كلام الآية مخصص عن مشركي الجاهلية في جزيرة العرب دون غيرهم، ناهيك أن مبدأ النسخ غير مقطوع به وأقرب إلى البطلان راجع شرح آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، وأما حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»، فالمقصود بالناس سكان جزيرة العرب دون غيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ﴾ (٣) وقصد بهم أهالي جزيرة العرب، والناس لا يقصد بهم دوما عموم البشر، كما في قوله تعالى: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ [الأنفال ٤٨/ ٨] وقصد بهم المهاجرين والأنصار في وقعة بدر، ولأنّ من مقاصد السورة أصلا إيضاح أن تكون جزيرة العرب خالصة للإسلام والمسلمين، فمن لم يرغب من المشركين قبول الإسلام له أن يغادرها، وفي الحديث: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، أخرجه مالك في الموطأ وأحمد في مسنده، وكان آخر ما عهد به قوله: «لا يبرك بجزيرة العرب دينان»، لأنّ الجزيرة مهد الإسلام ومصدر قوته، فيخشى من إحياء عبادات المشركين","vol":"2","page":182},{"text":"والكفار ومن انتشار معابدهم وطقوسهم وشركهم إذا هم أقاموا فيها، راجع شرح آية [الأنفال ٥٦/ ٨]،\nوأما الناس عامة خارج جزيرة العرب فليسوا مقصودين بالآية ولا بالحديث، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]، والآيات عديدة في ضمان حرية العقيدة والنهي عن العدوان وترجيح الصلح كما في آيات [البقرة ١٩٠/ ٢ - ١٩٣]، [النساء ٩١/ ٤]، [الأنفال ٦١/ ٨]، [الممتحنة ٨/ ٦٠ - ٩]، والآيات أيضا كثيرة جدا في أنّ الإسلام مبني على الدلائل والحجج والفكر والنهي عن التقليد، ممّا طبقه المسلمون عمليا في البلاد المفتوحة، وقد ضمنوا حرية الدين لأهل الكتاب، وفي الآية التالية مزيد من التأكيد والشرح عن هذا الموضوع:\n\n<span id=\"aya-1241\"></span>﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ استجارك مجاز من الجوار، لأن الجار عند العرب يدفع عن جاره أنواع الضرر، والعرب تقول: أنا لك جار، أي أمنع الغير من الوصول إليك بضرر، والمعنى إذا جاءك، أيها الرسول، أحد المشركين طالبا الأمان فاستجب له ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وهو استثناء من الآية (٥)﴾، لأنّ الكافر إذا جاء طالبا الحجة أو الدليل مستفهما عن القرآن، فيجب إمهاله ويمتنع قتله وقتاله، حتى يسمع ما يريد من القرآن والدلائل والبينات، فإذا رفض الإسلام بعد ذلك يجب إيصاله إلى قومه أو إلى مكان يأمن فيه على نفسه ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ذلك الأمر بإجارة من يريد من المشركين، وإتاحة الفرصة لهم لسماع القرآن وفهمه، بسبب أن المشركين جاهلون لا يعلمون القرآن ولا الإسلام حق العلم، والخطاب وإن كان في الأصل موجها للنبي ﷺ فهو من ثمّ موجه للمسلمين للعمل به في كل وقت.","vol":"2","page":183},{"text":"قال الرازي: \"هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب عدم إمهال الكافر فيقال له إمّا أن تؤمن كما نؤمن وإمّا أن نقتلك، فلما كانت الآية تحرّم ذلك، بل أوجبت إمهال الكافر حتى يسمع كلام الله، كما أوجبت علينا أن نبلغه مأمنه، ممّا يدل أن التقليد في الدين غير كاف، وأن لا بد من الحجة والدليل، والإمهال لأجل التفكر\".\n\n<span id=\"aya-1242\"></span>﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ استفهام إنكار مع التعجب، والخطاب للمؤمنين الذين جبلوا على الوفاء بالعهود، إذ كان بعضهم عرضة لتشكيك المنافقين في موضوع نبذ عهود المشركين، والمعنى: بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين، ناقضي العهود، عهد عند الله ورسوله؟! والحال أنهم يتربصون بالمؤمنين كما ستبين الآيات التالية ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي بجوار المسجد الحرام عند الحديبية، وهم بعض بني بكر من كنانة ممّن لم ينقضوا العهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين قريش يوم الحديبية ﴿فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ تأكيد على المبدأ الإسلامي بوجوب الوفاء بالعهد مع المشركين وغيرهم ما داموا ملتزمين به ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الغدر ونقض العهود.\n\n<span id=\"aya-1243\"></span>﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿كَيْفَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة بعد عبارة الاستثناء المعترضة، والتقدير: كيف يثبت للمشركين، ناقضي العهود، عهد عند الله ورسوله؟! والحال أنهم يتربصون بكم ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إن تكن لهم الغلبة عليكم ويظفروا بكم ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ الإلّ هو العهد أو الحلف","vol":"2","page":184},{"text":"أو العقد أو الجوار أو القرابة، والذمّة أيضا العهد الذي يترتب على ضياعه مذمّة، والمعنى أن المشركين في حال ظفرهم لا يخافون عواقب سوء عملهم فيكم، ولا يراعون علاقات الجوار والقربى، ولا ما تستوجبه الأحلاف والعهود ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ فلا تنخدعوا بمعسول الكلام منهم ﴿وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ يضمرون الشر والأذى إن قدروا عليكم ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾ أكثرهم خارجون عن مقتضى العهود والمواثيق ناكثون لها، وأقلهم الموفون بعهودهم، لأنّ الفسوق في اللغة هو الخروج والانفصال،\n\n<span id=\"aya-1244\"></span>﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ﴾ التي تدعوهم إلى الإسلام والاستقامة والوفاء بالعهود ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أى شيئا حقيرا من حطام الدنيا الزائل، وهو أهواؤهم ونزواتهم، وهذا شرح لسبب فسوقهم المذكور في الآية السابقة، أنهم استبدلوا شهواتهم ونزواتهم بآيات الله التي تحض على الوفاء والاستقامة، والخلاصة أنهم فضّلوا الدنيا على الآخرة ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ بسبب تهالكهم على الدنيا صدّوا الناس عن سبيل الله - الإسلام - من آمن به فعلا ومن يريد الإيمان أو يتوقّع منه ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من نبذ الآيات واتباع الشهوات والصد عن الإسلام.\n\n<span id=\"aya-1245\"></span>﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾ وهذا سلوكهم مع المؤمنين عامّة ﴿إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ لا يرعون مع عامة المؤمنين حقوق القربى والعلاقة والذمّة، والمغزى أن المشركين ناقضي العهود لا يرعون حقوق معاهديهم من المؤمنين، فمن باب أولى أنهم لا يرعون حقوق المؤمنين إطلاقا ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ يعتدون على حقوق الذمة والقربى، ويبدؤون غيرهم بنقض العهود وبالظلم والعدوان.","vol":"2","page":185},{"text":"<span id=\"aya-1246\"></span>﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ عن الكفر والغدر وعن الصد عن سبيل الله من آمن به، ومن يريد الإيمان، أو يتوقّع منه ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ كما سائر المسلمين ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، وقد أمرت الآية (٥) بإخلاء سبيلهم في حال توبتهم، وها هنا تبين أنهم يصبحون إخوانا في الدين ﴿وَنُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ نبيّنها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الذين يتأملون ويتفكرون حتى يعلموا وجوه الحجج والبراهين كما فصلتها الآيات، بخلاف الجاهلين والمقلدين من الناس.\n\n<span id=\"aya-1247\"></span>﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ من بعد عهدهم الذي عقدوه معكم، والآية تأكيد على البراءة، ويحتمل أن يشمل المعنى أيضا الذين ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ صاروا يعيبون الدين ويستهزئون به ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ الأمر بالقتال ينطبق على ناقضي العهود دون غيرهم، لأنه لا ينفع مع أمثالهم سوى القتال بعد أن كشفوا ما في ضمائرهم من الشر، وأخرجوه من حيز النوايا إلى حيز التنفيذ، وهم لشدة إصرارهم على الكفر صاروا كأنهم أئمّة له يقتدي الكفار بهم، فهم قادة الكفر وحملة لوائه ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ لا أيمان حقيقية لهم يلتزمون بها، وهو سبب الأمر بقتالهم أنّه لا يعتدّ بأيمانهم ولا بعهودهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ وهي النتيجة المرجوّة من قتالهم، أن ينتهوا عن العدوان وعن الطعن في الدين، وليس مجرد إيذائهم، والكلام لا يزال في مشركي الجاهلية بجزيرة العرب، بدليل الآية التالية، راجع شرح الآية (٥)﴾،","vol":"2","page":186},{"text":"<span id=\"aya-1248\"></span>﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ تحريض للمؤمنين على قتال المشركين ناقضي العهد ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ من مكة، راجع آية [الأنفال ٣٠/ ٨]، ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ﴾ بالعدوان ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لأنّ النبي ﷺ جاءهم أولا بالكتاب المنير، وألزمهم الحجة والبرهان، فقاتلوه لعجزهم عن معارضة القرآن، فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ المؤمن ينبغي أن يخشى الله، ولا يخشى أحدا سواه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إيمان يقين وإذعان.\n\n<span id=\"aya-1249\"></span>﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ لأن النصر يحتاج إلى مجهود وعمل وتضحية من قبل المؤمنين، وليس مجرد الدعاء والتمنّي ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ ينزل بهم الذل والهوان ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فيكون تحقيق النصر على أيديكم بتوفيق من الله ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ بنتيجة إعزاز الإسلام وهزيمة الكفر، بعد أن كان المسلمون تحت القهر والاضطهاد.\n\n<span id=\"aya-1250\"></span>﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لما لقوا من الغدر والمكروه على يد المشركين ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ من المشركين، لأن منهم من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فقبل تعالى توبتهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أحاط علمه تعالى بشؤون خلقه، وما غاب عنهم ﴿حَكِيمٌ﴾ كل شيء يسير وفق حكمته البالغة في السنن التي وضعها في الخليقة.\n\n<span id=\"aya-1251\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)﴾","vol":"2","page":187},{"text":"١٦ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ المعنى أنّ الله تعالى لا يحاسب الناس بحسب علمه بالغيب منهم، وإنما بتحقق وظهور أفعالهم إلى حيز الوجود، ويلاحظ قوله ﴿الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ولم يقل الذين آمنوا منكم، لأنّ الإيمان بمجرد الكلام لا يكفي، بل يجب أن يصدّقه العمل، ولأنّه تعالى يبتلي العباد بالمحن، وعليهم العمل والجهاد بالأموال وبالأنفس، راجع آية [البقرة ٢١٤/ ٢] و[آل عمران ١٤٢/ ٣]، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ لم يتخذوا وليجة، أي بطانة، من الذين يضادّون رسول الله ﷺ ويضادّون المؤمنين، والوليجة مشتقة من الولوج أي الدخول، فالداخل في القوم وليس منهم: وليجة، والمعنى نهي المؤمنين عن اتخاذ المشركين بطانة وحلفاء لهم ضد إخوانهم المؤمنين ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبكم على أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-1252\"></span>﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - قال الرازي في علاقة هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بعد أن بدأ السورة بذكر البراءة من الكفار وفصّلها، ثم حكى عنهم شبها احتجّوا بها على المؤمنين في أن هذه البراءة غير جائزة، وأجابهم عليها، ثم في هذه الآية أجاب على زعمهم أنهم ذوو صفات حميدة من حيث كونهم عامرين للمسجد الحرام ويخدمون زوّاره، فقال جلّ شأنه: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ ليس ذلك من شأنهم ما داموا على الكفر، لأنّه كمن يجمع بين المتناقضات، ومعنى عمارة المسجد التردد عليه وزيارته والإعتكاف فيه للعبادة، أو القيام عليه بالتنظيف والترميم والخدمة والصيانة، ومنه قوله تعالى ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور ٤/ ٥٢] أي بزوّاره، وكذا يقال لساكن الدار: عامر، أي بأهله، ومنه العمرة لأنّ المعتمرين يعمرون البيت الحرام بزيارتهم ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ لأنّ أعمال الكفار وسلوكهم وعبادتهم الأوثان كلها تشهد عليهم بالكفر ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ بطل ثوابها بنتيجة شركهم، وهي","vol":"2","page":188},{"text":"الأعمال التي كانوا يتبجحون بها كعمارة المسجد الحرام، وحجابة الكعبة، وسقاية الحاج ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ لأنّه إن كان قد صدر عنهم بعض أعمال البر فإنّ ثوابها قد حبط، وبقي عقاب الكفر،\n\n<span id=\"aya-1253\"></span>﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ فلا يعتدّ بعمارة المسجد الحرام من زيارة وعبادة وخدمة وصيانة وترميم إلاّ من قبل كاملي الإسلام الذين توافرت لهم الصفات الخمس المذكورة ﴿فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ عسى بهذا المعنى تفيد الرجاء من قبل العباد الذين يأتون بالطاعات المذكورة ويأملون الفوز بالهداية والثواب، والمعنى إن كان حال هؤلاء معلقا بين الأمل والرجاء، فما بال المشركين يجزمون أنهم مهتدون فائزون بالخير من عند الله، لمجرّد أنهم قاموا بحجابة الكعبة وسقاية الحاج.\n\n<span id=\"aya-1254\"></span>﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أجعلتم من يقوم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فكيف تساوون بين عمارة المسجد الحرام وخدمة حجّاجه، وبين الإيمان اليقيني، وما يترتب عليه من الجهاد بالأموال والأنفس، وبعبارة أخرى:\nلا يمكن المساواة بين الشكليات وبين الجوهر؟ ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ لأن الأول من السهولة بمكان، ولا يتطلب من التضحيات والمشقة ما يتطلبه الثاني من الجهاد بالمال والأنفس والهجرة، كما أنّ سقاية الحاج وعمارة المسجد إنّما توجب الفضيلة إذا صدرت عن المؤمن، أمّا إن صدرت عن غير المؤمن فلا يستفيد منها، وعلى أيّة حال فإنّه لا يمكن المساواة بين مجرّد القيام بالشعائر،","vol":"2","page":189},{"text":"مهما كانت فاضلة، لكونها مقتصرة على الشكل والمظهر، وبين الإيمان والجهاد ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الذين اختاروا الظلم، واكتفوا من الدين بالشعائر والمظهر.\n\n<span id=\"aya-1255\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾ من الذين يقومون بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، ومن غيرهم ممّن لا يتصف بهذه الصفات الأربعة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ المتصفون بالإيمان، وبالهجرة، وبالجهاد بالمال، وبالجهاد بالنفس، هم الفائزون بالدرجات العلى، كما سيرد في الآية التالية، لأنّ إيمانهم إيمان يقين وإذعان، يقومون بما يترتب عليه من العمل الجادّ وتحمّل التضحيات:\n\n<span id=\"aya-1256\"></span>﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ في كتابه المنزل، أو على لسان نبيّه ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ تنفي عنهم العذاب، وهي الرحمة الخاصة تشملهم باللطف والإحسان في الدنيا والآخرة، ممّا هو فوق رحمته العامة لكل الخلق التي وسعت كلّ شيء [الأعراف ١٥٦/ ٧] ﴿وَرِضْوانٍ﴾ منه لهم، أنه قد رضي عنهم بطاعتهم إياه وأدائهم ما كلّفهم، والرضوان اسم لكمال الرضا، وهو فوق نعيم الجنة لقوله تعالى ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (٧٢)، فإن الله يرحم من رضي عنه ومن لم يرض عنه، وإن كانت رحمته لمن رضي عنه أعلى وأعظم ﴿وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائم لا ينقطع.\n\n<span id=\"aya-1257\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ في الجنّات ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ثواب عظيم لا يقدّر بمقاييس الدنيا.","vol":"2","page":190},{"text":"<span id=\"aya-1258\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ﴾ تأكيد على البراءة من المشركين ولو كانوا ذوي قربى، ويلاحظ في الآية (١٦) وصف المؤمنين بأنهم لا يتخذون من دون الله ولا الرسول ولا المؤمنين وليجة، وفي هذه الآية نهي عن اتخاذ الوليجة أو البطانة حتى من بين الآباء والإخوان إن كانوا على الكفر ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ من يجعلهم بطانة وحلفاء له ضد إخوانه المؤمنين ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يظلمون أنفسهم وإخوانهم المؤمنين،\nوالواضح أن النهي ليس عن برّ الوالدين، ولا عن صلة الرحم، وإنّما النهي عن ولاية الحرب والنصرة للكفار النشطين في عداوة المؤمنين، انظر آيات [الممتحنة ٨/ ٦٠ - ٩].\n\n<span id=\"aya-1259\"></span>﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ﴾ تفصيل للآية السابقة، أي مهما كانت أواصر القربى معهم ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ كناية عن الروابط العصبية والقومية ﴿وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكتسبتموها ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ مكاسبكم المادية ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ رفاهتكم، والمعنى أنّ البراءة من عهود المشركين يجب أن تتم مع كل هذه الاعتبارات ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ إن كانت أواصر القربى الشديدة، والعصبية والقومية، والمصالح المادية والرفاهية الشخصية، هي التي ترجّح سلوككم وعلاقاتكم الاجتماعية، وهي عندكم فوق المبادئ والعقيدة والعمل ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ انتظروا يوم الجزاء في الآخرة، أو في الدنيا، لأن المجتمعات","vol":"2","page":191},{"text":"التي يرجّح أفرادها مصالحهم الشخصية الضيقة على الإيمان والعمل، يؤول مصيرها إلى الانحطاط والانحلال والزوال ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ الذين اختاروا الخروج عن دائرة الإيمان، لأن سنته تعالى في أمثالهم أن يكونوا محرومين من هداية الفطرة التي يستطيعون التوصل إليها بالعقل السليم.\n\n<span id=\"aya-1260\"></span>﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - بعد الآية السابقة، ضرب تعالى مثلا بوقعة حنين حيث لم تنفع المؤمنين كثرتهم ولا عشيرتهم ولا أموالهم، لولا نصر الله لهم، وكانت تلك المرة الأولى التي تفوّق فيها المسلمون على عدوهم بكثرة العدد، ولكن هذه الميزة في ذاتها كانت وبالا عليهم، قال الرازي إن في ذلك دليلا على أنّ الإنسان متى اعتمد على الدنيا فقط فاته الدين والدنيا:\n﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ المواطن جمع موطن، والمقصود بها مواقع الحرب التي انتصر فيها المسلمون، قيل إن عددها بلغ حينئذ ثمانين غزوة وسريّة، منها سبع وعشرون غزوة كان النبيّ ﷺ على رأسها ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ونصركم يوم حنين أيضا، وهو إسم واد بين مكة والطائف، ذلك أنّ النبي ﷺ بعد أن فتح مكة دون قتال في رمضان من العام ٨ للهجرة، وأقام بها نحو نصف شهر، بلغه أن قبائل هوازن وبني ثقيف جمعت قواها في أربعة آلاف رجل يريدون قتاله، وقد خرجوا إليه وأحضروا معهم نساءهم وأبناءهم ومواشيهم وأموالهم لأجل أن يثبتوا في القتال ولا يفرّوا، فتوجّه إليهم النبي ﷺ من مكة في أواخر رمضان وقيل بل في أوائل شوال، ومعه من العسكر اثنا عشر ألفا، عشرة آلاف من الذين حضروا معه فتح مكة، وألفان من الطلقاء حديثي العهد بالإسلام ثم كان وجود هذين الألفين سببا في اختلال صفوف المسلمين ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ أعجب المسلمون بكثرتهم العددية واستخفّهم شعور الثقة حتى جانبوا الحذر، فوقعوا في كمين نصبه لهم المشركون في شعاب الوادي","vol":"2","page":192},{"text":"الضيقة فاضطربت صفوفهم وانهزموا ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ كثرتكم ﴿شَيْئًا﴾ المغزى أن المسلمين لا ينالون النصر إذا وثقوا بالكثرة العددية فقط، إن لم يعتمدوا على الله واتخاذ الأسباب، قال الألوسي: من احتجب بشيء - عن ذكر الله والتوكل عليه - وكل إليه ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ لشدة ما لحقهم من الذعر لم يكادوا يجدون موضعا يفرّون إليه ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لاذوا بالفرار، وهم أكثرية جيش المسلمين، ولم يثبت في مكانه إلاّ النبيّ ﷺ ومعه قلّة من المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-1261\"></span>﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾ أنزل السكون والطمأنينة ﴿عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ بقي النبي ﷺ وحده ثابتا في مركزه لا يتزحزح، وظهر منه من الشجاعة في تلك الوقعة ما أبهر العقول، ولم يكن معه من الناس إلاّ قليل من المهاجرين والأنصار، وكان الشجاع منهم إذا اشتد القتال يتّقي بالنبيّ ﷺ، فلا يقبل نحوه أحد إلاّ قتل، قال الزمخشري: \"وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق على تناهي شجاعته ورباطة جأشه ﷺ، وما هي إلا آية من آيات النبوّة\" ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ بأبصاركم، وهم الملائكة كما في وقعة بدر ألقت في روع المؤمنين أنه تعالى معهم فثبّتتهم، وقد أمر النبي ﷺ عمه العباس، وكان ممسكا بلجام بغلته، أن ينادي المهاجرين والأنصار أن يثبتوا، فعادت جموعهم إلى المواجهة بعد أن شاهدوا ثبات النبي ﷺ وأصحابه، فما لبثت الهزيمة أن تحولّت إلى نصر باهر ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر والسبي ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ في الدنيا، عدا ما ينتظرهم من عذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1262\"></span>﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ ثم يتوب الله بعد هذا التعذيب في الدنيا، على من يشاء من الكافرين الذين تحققت الغلبة عليهم،","vol":"2","page":193},{"text":"فيهديهم إلى الإسلام، وهم الذين لم يختم على قلوبهم نتيجة إصرارهم على الجحود والتكذيب، أو نتيجة جمودهم على ما ألفوه من التقليد ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن يتوب عن الشرك والمعاصي،\n\n<span id=\"aya-1263\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٨)\n٢٨ - هذه الآية تعطي المزيد من التفصيل عن البراءة إذ تحرّم على المشركين الاقتراب من الحرم وبها إيضاح للآية (١٧)﴾: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي ذوو نجس، وهو نجس معنوي بالمعنى اللغوي المعروف عند العرب، وهو مغاير للنجس العرفي عند الفقهاء، والمقصود فساد عقائد المشركين وبواطنهم، وأنّ مجتمعاتهم تضمر الشر والأذى والكيد للمسلمين، راجع شرح آية [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ وهو جميع الحرم المحيط بمكة، حرّم عليهم الاقتراب منه، إذ يخشى من إحياء عباداتهم وطقوسهم وشركهم إذا هم أقاموا في الحرم، ثم توسّع هذا المنع في الحديث الشريف بأن منعهم من الإقامة الدائمة في جزيرة العرب، راجع شرح [الأنفال ٥٦/ ٨]، ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ بعد العام الذي حصل فيه النداء بالبراءة، وهو السنة التاسعة من الهجرة ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقرا، لأنّ منع المشركين من العيش في مكة أو زيارتها قد يؤدي لتدهور مركزها التجاري والفكري، ومن ثمّ إلى فقر أهلها ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ للدلالة على أن هذا الوعد يكون أكثره في المستقبل ﴿إِنْ شاءَ﴾ علّقه تعالى على مشيئته، لأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وللدلالة على أنّ سنته تعالى اقتضت أن يكون الكسب بأسباب من سعي البشر لا بد من القيام بها، وبتوفيق منه تعالى، وكلا الأمرين مجهول عندهم، وهي الحكمة من إبهامه، ولكي لا يتكلوا فيتركوا الأسباب ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ جميع الأمور تجري بمقتضى علمه وحكمته وسننه.","vol":"2","page":194},{"text":"<span id=\"aya-1264\"></span>﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - بعد أن ذكرت السورة حكم البراءة من مشركي جزيرة العرب، وأوجبت قتالهم حتى يتوبوا، وفصّلت الأحكام فيهم، وضربت مثلا بوقعة حنين، تذكر هنا (الآيات ٢٩ - ٣٥) حكم أهل الكتاب، لأنّ سياسة الإسلام في عرب الجزيرة خاصة بهم وحدهم، دون غيرهم من الناس خارج جزيرة العرب:\n﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الكلام عن أهل الكتاب، وكونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، أي لا يؤمنون على الوجه الصحيح بعد أن أدخلوا في دينهم وابتدعوا فيه وفي كتبهم المقدسة الشيء الكثير من عندهم، راجع شرح آية [آل عمران ٣/ ٣]، كما أن طائفة هامة من اليهود وهم السدوقيون لا يؤمنون بالآخرة، وليس في كتب اليهود التي يسمونها مقدسة أي \"العهد القديم\" سوى إشارة واحدة للآخرة في سفر دانيال ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ ليس المقصود أنهم لم يحرّموا على أنفسهم ما حرّمه الله ورسوله محمد ﷺ على المسلمين، فذلك لا يعقل لكونهم لم يسلموا، وإنّما لم يحرّموا على أنفسهم ما حرّمه الله ورسلهم عليهم فقد بدّلوا شريعتهم وأحلّوا وحرّموا فيها من عند أنفسهم ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ فمن جهة لا يتّبعون شريعة الإسلام، ومن جهة ثانية لا يتبعون شريعتهم الصحيحة ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ إذا لم يقبلوا الدخول في الإسلام، والأمر بقتال أهل الكتاب يجب أن ينظر إليه ضمن الشريعة القرآنية المتكاملة، وهي أن القتال يجب أن يكون لمنع الفتنة في الدين فلا يضطهد الناس لأجل دينهم ولا يكرهوا على تركه ولا يطردوا من ديارهم، لقوله تعالى ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال ٣٩/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود","vol":"2","page":195},{"text":"١١٨/ ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [الأنفال ٦١/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠]،\nفالحروب لمحض البغي والعدوان والعصبية ولحظوظ الدنيا وشهواتها، أو لغرض الانتقام والأحقاد الدينية كالحروب الصليبية، أو لأجل الاستيلاء على ثروات الشعوب وتسخيرهم كحروب الاستعمار، كل هذه الحروب محرمة في الإسلام، وإنّما شرع القتال في الإسلام للدفاع عن الحق وأهله ولحماية الدعوة، ويلاحظ في سيرة النبي ﷺ أنه ما قاتل المشركين إلاّ دفاعا،\n﴿عَنْ يَدٍ﴾ اليد رمز السلطة، فيكون المعنى أن دفع الجزية رمز لقبولهم سلطة المسلمين، ومبلغ الجزية لم يكن محددا ولا ثابتا، بل كان رمزيا وتعبيرا عن قبولهم سلطة الإسلام ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ غير متكبّرين، راضون بحكم الإسلام، لأنّ الصغر ضد الكبر، قال تعالى عن فرعون والملأ ممّن معه بعد أن أفحمهم موسى بمعجزاته: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف ١١٩/ ٧]،\nومن مقاصد الجزية أيضا مساواة أهل الكتاب مع المسلمين في واجب الدفاع عن الدولة، ففي حين كون المسلم مكلفا بالقتال مع جيوش المسلمين لا يمكن توقع ذلك من غير المسلم لأن الدولة دينية، والقتال يتم عن عقيدة وإيمان، فالدولة تعفي غير المسلم من الاشتراك في الدفاع عنها مقابل الجزية، وهذا هو معنى الكلمة، لأنّ الجزية مشتقة من الجزاء أي المقابل، والمعنى أن غير المسلمين يدفعون الجزية للمسلمين جزاء الحماية لهم أي مقابل إعفاءهم من التجنيد، فهي بالتعبير المعاصر \"بدل التجنيد\"، ولذلك كانوا لا يطبقونها إلا على الأفراد الذين يصح تكليفهم العسكري، فتعفى منها النساء، كما يعفى الذكور الذين لم يبلغوا الرشد، ويعفى العجائز والمرضى والمعاقون، والكهنة والأحبار، كما أنه بنتيجة دفع الجزية يصبح غير المسلم ذمّيا أي يكون في ذمّة المسلمين، أي في أمانهم،","vol":"2","page":196},{"text":"ولذلك سمّوا أهل الذمّة، وفي جميع الأحوال يلاحظ أن مقدار الجزية رمزي وهو أقل بكثير من نسبة الزكاة التي يدفعها المسلمون.\nقال الرازي: وإنّما خصّهم تعالى بقبول الجزية لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى، وادعوا أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وكتابيهما، حكم تعالى بقبول الجزية منهم، وإلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين.\n\n<span id=\"aya-1265\"></span>﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - الآيات (٣٠ - ٣٤) شرح وتفصيل لقوله تعالى عن أهل الكتاب في الآية السابقة أنهم لا يدينون دين الحق: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ عزير هو عزيريس أو أوزيريس  Osiris  وهو إبن الشمس الإله \"رع\" عند قدامى المصريين، وقد انتقلت عبادته إلى سورية تحت اسم أدونيس، وعند الإغريق صار اسمه ديونيسس، وعند الرومان باكوس، والخلاصة أنه كان من تأثر اليهود بديانة قدامى المصريين أن انتكسوا للوثنية مرات عديدة وقدّسوا عزيريس وزعموا أنه ابن الله كما هي عقيدة الفراعنة.\nوقيل أيضا إنّ عزير هو أحد أنبياء اليهود  Ezra  ويحتل مكانة عليّة جدا ومبجّلة عندهم وينسبون إليه إعادة كتابة التوراة بعد ضياعها، وقد استخدم محرّرو العهد القديم تعبير ابن الله أو أبناء الله بكثير من الخفة والحرية، وحتى لو كان هذا التعبير عندهم رمزيا مجازيّا فقد أدانه القرآن الكريم لما ينشأ عنه من الانحراف نحو تفسيره حرفيا كما فعل النصارى:\n﴿وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ﴾ وهي العقيدة التي ابتدعها بولس وأدخلها في النصرانية، راجع شرح آية [آل عمران ٧٨/ ٣] ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ هو مجرّد كلام من عندهم، لا يعضده برهان، وليس كل ما يقال يعتدّ به ﴿يُضاهِؤُنَ﴾ أي يضاهي قولهم في الكفر والشناعة ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ﴾","vol":"2","page":197},{"text":"﴿قَبْلُ﴾ الذين كفروا من قبلهم هم اليونان الذين عبدوا آلهة وسلالة آلهة من ابتداعهم، وقد أثّرت الثقافة اليونانية الهلنستية في اليهودية والمسيحية تأثيرا كبيرا وأدخلت فيهما الكثير من الأفكار الوثنية، وكان شائعا عندهم تأليه القادة والأباطرة بمن فيهم الإسكندر الكبير وقد عبدوه بعد موته، كما جعل الرومان من يوليوس قيصر إلها وجعلوا خليفته الإمبراطور أغسطس ابن الإله، فلم يكن مستغربا لمثل هذه العقلية أن تؤلّه المسيح ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ بالمعنى المجازي، ومعناه لعنهم الله ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدلائل والبراهين.\n\n<span id=\"aya-1266\"></span>﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - الآية شرح لقوله تعالى عن أهل الكتاب إنهم لا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأحبار والرهبان هم رجال الدين عند اليهود والنصارى، اتخذهم اليهود والنصارى أربابا من حيث طاعتهم لهم في التحليل والتحريم، ويقال من حيث المجاز إن فلانا يعبد فلانا إذا أطاعه طاعة مطلقة في الأوامر والنواهي، وليس المقصود أنه يعتقده إلها، وهو التفسير المأثور عن النبي ﷺ، ولأن الأحبار والرهبان اتخذوا القرارات الوضعية بتأليه المسيح ﵇ ﴿وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ﴾ اتخذوه إلها، وابن إله، كما قررته مجمعاتهم الكنسية المسكونية وكان أولها مجمع نيقية عام ٣٢٥ م في آسيا الصغرى، راجع شرح آية [آل عمران ٦٤/ ٣]، والنتيجة أنهم يقبلون بقرارات وأقوال الأحبار والرهبان الوضعية في حين لا يقبلون أصل الوحي، وقد نعى الرازي ما يشبه ذلك على بعض فقهاء المسلمين أيضا، فقال:\nقال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين ﵁، ويحتمل أنه يقصد بشيخه والده عمر ضياء الدين، أو شيخه البغوي: \"قد شاهدت جماعة","vol":"2","page":198},{"text":"من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر الآيات مع أن الرواية عن السلف على خلافها! ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا\"، انتهى،\nوالمغزى أن هؤلاء الناس درجوا على التقليد الذي ذمّه القرآن في آيات عديدة، في حين أن الإسلام مبني على العلم اليقيني، دون التقليد،\n﴿وَما أُمِرُوا﴾ أي هؤلاء الذين اتخذوهم أربابا من الأحبار والرهبان، والذين اتبعوهم ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا﴾ كما نصّت عليه كتبهم، قبل أن يحرفوها ويعيدوا كتابتها من عند أنفسهم ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيها له تعالى عمّا أدخلوا في كتبهم وعقائدهم من الشرك.\n\n<span id=\"aya-1267\"></span>﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿يُرِيدُونَ﴾ وهم الأحبار والرهبان وأشياعهم ﴿أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ يطفئوا الهداية التي أنزلها تعالى على الرسول ﷺ، بالطعن في الإسلام والصدّ عنه بالباطل، وتجاهل الدلائل الدالة على التوحيد وصحة نبوّته ﷺ ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾ بأقاويلهم الباطلة التي ليس لها سند أو أصل، وبما ابتدعه رؤساؤهم من التشريع ونسبوه وينسبونه إلى الوحي، وإدخال الإسرائيليات في التفسير والحديث ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بأن تكون الهداية الصحيحة في مقدور كل من يريد من الذين يعملون العقل والفكر والتأمل وينتهون عن التقليد ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ إتمام نوره تعالى.\n\n<span id=\"aya-1268\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾","vol":"2","page":199},{"text":"٣٣ - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ لهداية الناس عامة ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الأديان فينسخها كما ذكر في آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، ويظهر عليها بالحجج والبراهين، ويبيّن بطلان ما دخل فيها من الخرافات، ويتغلب على الوثنية في جزيرة العرب، وينطلق منها إلى الناس كافة، ويحتمل عود الضمير في يظهره على الرسول ﷺ أو على دين الحق، وفي الحالتين يكون المعنى عالمية رسالة الإسلام إلى الناس أجمعين، بخلاف الرسالات السابقة التي جاءت لأقوام بعينهم ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ رغم جهودهم في محاولة إطفاء نور الله.\n\n<span id=\"aya-1269\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٤)\n٣٤ - بعد أن بيّن تعالى في الآية (٣١) أن الأحبار والرهبان يدّعون الربوبية، ويريدون أن يطفئوا نور الله (الآية ٣٢)، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أكل أموال الناس بالباطل لغرضين: الأول أطماعهم ومصالحهم الشخصية، والثاني الصد عن الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وما نراه اليوم، في العالم الغربي خاصة، من الثروات الهائلة التي جمعتها الكنيسة المسيحية، وتستخدمها في جهود التبشير، وفي الصدّ عن الإسلام، وفي رفاهية زعماء الكنيسة، كأنّ الآية ما نزلت إلاّ فيهم، هذا على النطاق العالمي، وقد كانوا قبل ذلك في القرون الوسطى يبيعون صكوك الغفران للمغفلين من الناس، وقوله تعالى ﴿كَثِيرًا﴾ تنبيه على استثناء بعضهم، فلا يخلوا أن يكون البعض منهم على شيء من الاستقامة، إذ يندر إجماع الكل على الباطل ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في هذه الآية انتقال تدريجي في الخطاب عن أهل الكتاب الذي بدأ في الآية (٢٩)﴾، لأن اكتناز الذهب والفضة، أي الثروات الضخمة، وعدم","vol":"2","page":200},{"text":"إنفاقها في سبيل الله ينطبق على أهل الكتاب والمسلمين معا، وهو قول أبي ذر ﵁، ذكره الطبري،\nفمن جهة أهل الكتاب يلاحظ أن كنائس المسيحية في الغرب قد جمعت وكنزت ثروات خيالية ينفقون منها في الباطل وفي الحملات التبشيرية وفي التنفير عن الإسلام والطعن فيه وتشويه صورته ورسالته، ومن جهة المسلمين فقد كنز الكثير منهم ثروات ضخمة دون أن ينفقوا زكاتها، على فرض أنهم لم يجمعوها بالباطل، فضلا عن سوء استخدامها وتبذيرها وهدرها بلا طائل بمختلف الوسائل، وعدم إنفاقها في الوجوه الصحيحة لمنفعة المسلمين وقضية الإسلام ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة كما سيرد في الآية التالية، ولفظ البشارة يستخدم في الخير وفي الغمّ، لأن بشرة الإنسان تتلوّن وتتغير عند سماع أحد الخبرين، وإن غلب عند الكثيرين استعمالها لأجل البشارة بالخير.\n\n<span id=\"aya-1270\"></span>﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ هذه الاستعارة البليغة لبيان عاقبة من يأكل أموال الناس بالباطل، أو يسيئ استعمال الثروة، فقد يكون كيّ الجباه كناية عن عذاب الفكر الذي قاد صاحبه للاعتقاد أن الثروة هدف بذاتها وليست وسيلة، وكيّ الجنوب التي هي جوانب البطن مقر الجشع والطمع لبيان أنّ الجشع لا يصل بصاحبه إلى الرضا والقناعة، وكيّ الظهور لأنها أصل القوة والتوازن لمن كان يظن أن الثروة هي كل ما يحتاج المرء للوصول إلى القوة والسلطة في الدنيا ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ تظنون النجاة بما كنزتم ﴿فَذُوقُوا﴾ عاقبة ﴿ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ فهي لا تفيد صاحبها الذي أساء استخدامها، أو حصل عليها بالباطل شيئا، سوى أنّه يتعذّب بنتيجتها، راجع آية [آل عمران ١٨٠/ ٣].","vol":"2","page":201},{"text":"<span id=\"aya-1271\"></span>﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - بعد أن أوضحت الآيات (١ - ٢٨) سياسة الإسلام تجاه مشركي العرب، ثم أوضحت موقف الإسلام تجاه أهل الكتاب في جزيرة العرب وخارجها بالآيات (٢٩ - ٣٤)، وأظهرت مساوئهم جميعا من مشركين وأهل كتاب، يعود الخطاب لبيان نوع آخر من قبائح المشركين، وهو أنهم كانوا ينتهكون الأشهر الحرم عن طريق التلاعب في توقيتها لتوافق مصالحهم الدنيوية وأهواءهم:\n﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أي عدد شهور السنة ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي في تقديره، لقوله تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢/ ٢٥]، ولقوله جلّ ثناؤه ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]،\n﴿اِثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ وهي الشهور القمرية المعروفة المعتبرة أساسا للأحكام الشرعية، ولأن حساب الشهور يسهل، على أيّ كان، بالمشاهدة العينية للقمر، وبصورة طبيعية، أكثر من الحساب الاعتباري لشهور السنة الشمسية، ومن حكمة الشهور القمرية أنها تجعل شهر الصيام وشهر الحج يدوران على كل فصول السنة ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ فيما أوجبه وحكم به، لأن الكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب، كقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]،\n﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ منذ بدء الخليقة ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي ثلاثة شهور متتالية: ذي القعدة وذي الحجة والمحرّم، لأن السفر إلى الحج في الحجاز والعودة منها تكون في هذه الأشهر الثلاثة، وشهر رجب حرّم بمفرده في وسط السنة لتقليل شرور القتال والعدوان، ولتسهيل السفر للعمرة، كما حرّمت مكة وما حولها على مدار العام لتأمين الحج والعمرة ﴿ذلِكَ﴾ أي عدد","vol":"2","page":202},{"text":"شهور السنة، وحرمة أربعة منها ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي هذا هو الشرع الصحيح، المستقيم، الدائم ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بانتهاك حرمتها، والمقصود تحريم النسيء، أي تحريم التلاعب بأوقات الشهور كما سيرد في الآية التالية، لأنهم كانوا يجعلون بعض الأشهر الحرم حلالا، وبعض الأشهر الحلال حرما، لكي تناسب أوقات مصالحهم ومواسمهم من تجارة وحج، ولتوافق أهواءهم في العدوان وشن الغارات واستمرار الحروب، والضمير في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ عائد للشهور القمرية الاثني عشر، والأربعة الحرم منها خاصة ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وهو تحليل قتال المشركين في الأشهر الحرم إن كانوا البادئين بالقتال، راجع آية [البقرة ٢١٧/ ٢]، ﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ تعاونوا وتناصروا عليهم ولا تتفرّقوا ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتّقون الظلم والعدوان والفساد، ويتّقون التنازع والفرقة والتخاذل، ويتّقون مخالفة سننه تعالى في الأسباب والمسببات.\n\n<span id=\"aya-1272\"></span>﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ النسيء هو التأخير، والمقصود به تأخير حرمة شهر إلى آخر، لأن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام، وهم محاربون، أو على أهبة الحرب يريدون الإغارة والعدوان، أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا غيره، كأن يحلّوا المحرّم ويحرّموا صفرا، فإن احتاجوا أيضا أحلّوا صفرا وحرّموا ربيعا الأول وهكذا إلى أن ينتهوا من الغرض الذي من أجله لجؤوا إلى النسيء، وقد يدور التحريم على مدار العام، وربّما زادوا في عدد شهور العام بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويضمّنوا في سنتهم المصطنعة أربعة أشهر حرم، ولذا قال تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾، وبنفس الطريقة كانوا يتلاعبون بشهر الحج كي يلائم مواسم التجارة لديهم أو يلائم المناخ ﴿زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ أي إنّما ذلك التأخير زيادة في الكفر الذي هم","vol":"2","page":203},{"text":"عليه، لأنه تحريم ما أحل الله واستحلال ما حرّم، وذلك كفر ضمّوه إلى ما هم عليه من الكفر أصلا ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضلالا فوق ضلالهم، والذين يقومون بالإضلال هم الزعماء والرؤساء لأن العوام تأتمر بأمرهم ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أي الشهر المؤخّر ﴿عامًا﴾ من الأعوام، ويحرّمون مكانه شهرا آخر ليس حراما، إذا تطلبت مصلحتهم ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ يتركونه على حرمته في عام آخر، حسب هواهم ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ وهي الأشهر الأربعة، أي إنهم كلّما أحلّوا شهرا حراما حرّموا مكانه شهرا من الحلال، وكلّما حرّموا شهرا من الحلال أحلّوا مكانه شهرا من الحرام، لأجل أن يبقى عدد الأشهر الحرم أربعة، ولو اضطرهم ذلك إلى زيادة عدد شهور السنة وهذا هو معنى المواطأة، أي أنهم يتواطؤون على ذلك، ويقال تواطأ القوم إذا أجمعوا على شيء، فكأن كلّ منهم يطأ حيث يطأ صاحبه ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ من الأشهر الحرم ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ وهو كقوله تعالى ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨/ ٨]، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ لأن الكافرين مصرّون على اتباع أهوائهم ومصالحهم الدنيوية العاجلة وما يزيّنه الشيطان لهم.\n\n<span id=\"aya-1273\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٣٨)\n٣٨ - بعد أن أعلنت السورة البراءة من المشركين يوم الحج الأكبر إثر عودة النبي ﷺ والمؤمنين من غزوة تبوك، وبينت موقف الإسلام من مشركي جزيرة العرب وخارجها، وشرحت معايب وجهالات المشركين وأهل الكتاب، أكملت في هذه الآية وما يليها التأكيد على المواقف العملية التي يترتب على المسلمين اتخاذها تجاه ذلك، وضربت مثلا بغزوة تبوك، لأنّ الخطاب من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك، لبيان ما ظهر خلالها من أصناف المنافقين وقبائحهم وجهالاتهم، ممّا هو عام في المنافقين في كل الأزمنة:","vol":"2","page":204},{"text":"﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا﴾ للقتال ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ذلك أنّ النبي ﷺ أراد أن يحبط خطة هرقل إمبراطور بيزنطة لمّا بلغه أنه يعدّ العدّة لغزو الحجاز والمدينة، راجع الخلفية التاريخية، فدعا الناس للخروج إلى قتال الروم ولمّا تنقض ستة شهور بعد عودته إلى المدينة من فتح مكة ووقعة حنين، إذ كان من عادته ﷺ أن يأخذ زمام المبادرة، دفاعا لا عدوانا، وإحباطا لخطة الخصم أن يعتدي، فقد كانت حروبه ﷺ كلّها دفاعية ﴿اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني ما لكم تثاقلتم عن الحركة، وتباطأتم عن الإجابة، وملتم إلى الدنيا، ونظيره قوله تعالى ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٧٦/ ٧]، ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بدلا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ لأن الناس استثقلوا النفير والخروج من المدينة لعدة أسباب، منها شدة الحر في ذلك الوقت من رجب، الموافق تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام، وأيضا كان قد حان وقت قطاف ثمار المدينة، ومسافة السير إلى الروم بعيدة، يضاف إلى كل ذلك أنهم استعظموا غزو الروم وهابوه ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي﴾ جنب ﴿الْآخِرَةِ﴾ أي بالمقارنة معها ﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ التمتع بنعيم الدنيا قليل وتافه بالمقارنة مع نعيم الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1274\"></span>﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ إلاّ: مركّبة من إن الشرطية و﴿لا﴾ النافية، والمعنى أنّ المؤمنين إن تقاعسوا وتخاذلوا عن النفير إلى حرب الروم، الذي دعاهم إليه النبي ﷺ، نزل بهم العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، لعصيانهم النبي ﷺ، وهذه القاعدة عامة أنّ الأمم التي تتخاذل عن الجهاد والدفاع عن حقوقها تتعرض للعذاب في الدنيا على أيدي أعدائها ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ لأنه تعالى ينصر دينه على كل حال، إن لم يكن بأيديهم فلا بدّ أن يكون بأيدي غيرهم، وقد شرّفهم تعالى بحمل الرسالة، والمغزى العام أيضا لبيان سننه تعالى في خلقه بأن لا بقاء للأمم التي تتثاقل في الدفاع عن نفسها","vol":"2","page":205},{"text":"ومبادئها حتى لو كانت على الحق، وأنه تعالى يجعل رسالته في الأمم الجديرة بحملها، ولأن النصر لو كان حتميا لأصحاب الحق، دون عمل وجهاد منهم، لصار الإيمان قسريّا ولبطل التكليف والاختبار ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ لأنه تعالى غنيّ عن العالمين، وهو القاهر فوق عباده، وقيل الضمير يعود للنبي ﷺ أي لا تضرّوا النبي شيئا لأن الله كفل له النصر ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يتحقق شيء إلاّ بمشيئته.\n\n<span id=\"aya-1275\"></span>﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إن لا تنصروا الرسول، بتقاعسكم عن النفير لقتال الروم، فسينصره من نصره عندما اضطره المشركون للهجرة من مكة، بعد أن قلّبوا احتمالات التخلص منه بالحبس أو القتل أو الإخراج [الأنفال ٣٠/ ٨]، ولم يكن معه وقتئذ جيش ولا أنصار، بل حال كونه ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ﴾ لم يكن معه إلاّ رجل واحد، وهو أبو بكر الصدّيق، ويقال فلان ثاني اثنين أي هو أحدهما ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ وهو الغار الذي لجآ إليه في جبل ثور على مقربة من مكة في طريق هجرته إلى المدينة ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ النبي ﷺ ﴿لِصاحِبِهِ﴾ أبي بكر ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ بالعصمة والمعونة، فهي معيّة مخصوصة، وإلاّ فهو تعالى مع كل واحد من خلقه، وذلك بعد أن خشي أبو بكر من إدراك المشركين لهما في الغار، فقال له النبي ﷺ: \"يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله تعالى ثالثهما\"؟ ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ وهي الطمأنينة التي تسكن بها القلوب، قال الألوسي: أنزلت السكينة على النبي ﷺ لتسكين قلب الصدّيق، فكأنه قيل: أنزل سكينة النبي على صاحبه، فالضمير في ﴿سَكِينَتَهُ﴾ يعود إلى النبي، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود إلى الصدّيق ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ إذ خرجت قريش في طلب النبي ﷺ رجالا وركبانا وكانوا على إدراكه قاب قوسين أو أدنى فرجعوا صفر الأكفّ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي كلمة","vol":"2","page":206},{"text":"الشرك والكفر ﴿السُّفْلى﴾ بإفشال ما أجمعوا عليه من قتل النبي ﷺ وما كانوا يخططون للقضاء على دعوة الإسلام، وعبارة: ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ إسمية من مبتدأ مرفوع وخبر، قال الألوسي: لأنها تدل على الدوام والثبوت، مع الإشعار بأنّ الجعل لم يتطرق لتلك الكلمة، وأنها بذاتها عالية، بخلاف علوّ غيرها فإنه غير ذاتي بل نتيجة جعل وتكلّف فهو عرض زائل، وقال الشيخ محمد رشيد رضا: غير أن علويّتها قد تخفى على بعض الناس، في بعض الأحيان، بحسب إقامة المكلّفين لها، وبحسب أحوالهم في العلم والإيمان والأخلاق والأعمال، فقد ينظر الغير إليها من خلال صفات المدّعين لها لا في ذاتها ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ قاهر غالب على أمره، سواء استجبتم للنفير أم لم تستجيبوا ﴿حَكِيمٌ﴾ في اختيار من يشرفهم بحمل الرسالة.\n\n<span id=\"aya-1276\"></span>﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - بعد أن وبّخ تعالى المؤمنين على تساهلهم في ترك النفير، وتوعّدهم على تركه، وضرب لهم الأمثال في نصرة نبيّه على كل حال، وأنه تعالى غالب على أمره، بهم أو من دونهم، أتبعه بالأمر الجزم، مبيّنا حكم النفير العام الذي هو خير لهم من التقاعس:\n﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا﴾ أي على كلّ حال من اليسر أو العسر ﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ بما أمكن لكم منهما، كليهما، أو أحدهما ﴿ذلِكُمْ﴾ النفير والجهاد ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الخير يعود عليكم وحدكم بنتيجة الجهاد، لأنه تعالى غني عن العالمين ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضل الجهاد.\n\n<span id=\"aya-1277\"></span>﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - بعد أن ذكر تعالى فضل الجهاد وحثّ المؤمنين عليه، بيّن أنّ من الناس من يتقاعس عنه كما حدث في غزوة تبوك فقال تعالى مخاطبا نبيّه: ﴿لَوْ كانَ﴾","vol":"2","page":207},{"text":"ما تدعوهم إليه ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ أي مغنما سهل المنال، لأنّ العرض ما يعرض من منافع الدنيا، وسمّي عرضا لكونه زائلا، وفي الحديث: «الدنيا عرض حاضر يأكل منه البرّ والفاجر»، ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ أي قاصدا عرض الدنيا بقصد الغنيمة ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ طمعا في الغنيمة ﴿وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ وهي المسافة التي تقطع بمشقّة ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ وهم المنافقون المتخلّفون عن النفير ﴿لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ لقتال الروم ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالنفاق وبالحلف الكاذب ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في ادّعائهم، فقد كانوا يستطيعون الخروج، لكنهم منافقون طلاّب دنيا ولذّات عاجلة، استثقلوا الخروج، واستعظموا غزو الروم، ويئسوا من الغلبة عليهم، ومن المغنم.\n\n<span id=\"aya-1278\"></span>﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لأيّ سبب أذنت لهم بالقعود والتخلّف أيها الرسول؟ فقد كانت تلك مناسبة لغربلة الصادق منهم من الكاذب، ولكشف مواقف المنافقين منهم ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ حتى تنكشف مواقفهم، لأن الكاذبين لا يخرجون معك لغزو الروم سواء أذنت لهم أم لم تأذن، وقد كان إذن النبي ﷺ لهم بالقعود من قبيل الرفق واللين، وعدم الرغبة أن يرافقه من كان منهم مترددا ضعيف الإيمان، فموقفه ﷺ كان خلاف الأولى، لأنّ الأولى، كما بيّنته الآية، فرز الذين استأذنوا بحيث يتبيّن الصادق من الكاذب، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار أن علماء الأصول صرّحوا بجواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء ﵈، لكن الله تعالى لا يقرّهم عليه بل يبيّن لهم الصواب.\n\n<span id=\"aya-1279\"></span>﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - وهذه صفة من صفات المؤمنين الحقيقيين: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المؤمنون بالله واليوم الآخر","vol":"2","page":208},{"text":"لا يستأذنون الرسول ﷺ بخصوص الجهاد بأموالهم وأنفسهم، فلا يستأذنون في القعود، ولا يختلقون الأعذار للتخلف ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ من غيرهم.\n\n<span id=\"aya-1280\"></span>﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - وهذه صفة من صفات المنافقين: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في القعود والتخلف لأعذار مختلقة ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا يؤمنون إيمانا يقينيا، وإنّما إيمانهم لا يتعدّى المظاهر، ولذا يعتبرون التضحية لأجل الجهاد مغرما يفوّت عليهم بعض المنافع الدنيوية ﴿وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ داخلها الشك في دعوة الإسلام ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ هم في حيرة من أمرهم بين الدين والدنيا، فقد قبلوا من الإسلام ما يسهل عليهم أداؤه كالعبادات، ثمّ إذا حان وقت العمل والتضحيات المادية وتحمّل المشقة حاولوا التملّص بشتّى الأعذار.\n\n<span id=\"aya-1281\"></span>﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾ إلى القتال ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ الدلالة على عدم جدّيتهم أنّهم لم يعدّوا العدّة من البدء، من سلاح وخيل وزاد، فالأعذار الطارئة التي تذرّعوا بها ليست حقيقية ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ﴾ من المدينة معكم ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ كسّلهم وثبّط هممهم للأسباب المذكورة في الآية التالية، والضمير عائد لله تعالى رغم أن ذلك من أعمالهم الاختيارية بسبب ترددهم وميل نفوسهم إلى التخاذل، راجع شرح آية [البقرة ٧/ ٢]، ﴿وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ مع العجزة والمرضى والنساء والمتخلفين، وهذا القيل يحتمل عدة معان: فقد يكون القائل هو الشيطان على سبيل الوسوسة، وقد يكون أنهم قالوا ذلك لبعضهم البعض حينما أجمعوا على القعود، وقد يكون القائل الرسول ﷺ حينما أذن لهم في القعود، ويحتمل أنّ القائل هو الله تعالى بمعنى أنهم إن اختاروا القعود فالله تعالى لا يجبرهم على الخروج، وهو بيان لسنته","vol":"2","page":209},{"text":"تعالى في أعمال الناس الاختيارية، ضمن نطاق معيّن، فلا جبر ولا اضطرار للعبد.\n\n<span id=\"aya-1282\"></span>﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - هذه الآية تبيّن الأسباب التي من أجلها كره الله انبعاث المنافقين فثبّطهم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ أي المنافقون المستأذنون في القعود ﴿ما زادُوكُمْ﴾ في القوة العددية ﴿إِلاّ خَبالًا﴾ ما زادوكم قوة ولا خيرا لكن شرّا وخبالا، والخبال الفساد والشر والاضطراب في الرأي، وأصله مرض عقلي كالجنون، لأنّ الخبل الجنّ، والعرب كانت تنسب الجنون إلى الجنّ، ومنه يسمّى المعتوه مخبول ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ لأسرعوا بينكم بالنميمة وإفساد ذات بينكم، وأصل الإيضاع سير الإبل، ويقال أوضعت الناقة إذا أسرعت، والخلال مفردها خلل وهو الفتحة بين شيئين، وفي الخطاب استعارة، حيث شبهت نمائم المنافقين بالإبل في إسراعها وانتقالها بين الناس ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ يبغون لكم الفتنة، لأنهم يبذلون جهدهم في تفريق كلمتكم والتشويش عليكم بالتشكيك في الدين والتثبيط عن القتال ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ لأنّ من بين المؤمنين حديثي العهد بالإسلام ضعاف العزم ولديهم استعداد لسماع الإشاعات وقبول الوساوس، ويحتمل المعنى أيضا أنّ ضعاف العزم سمّاعون لأجلهم أي ينقلون الأخبار لهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ علما محيطا بظاهرهم وباطنهم.\n\n<span id=\"aya-1283\"></span>﴿لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ عملوا جاهدين على تفريق وتشتيت كلمة المسلمين وبث الشقاق بينهم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ كان هذا دأبهم من قبل هذه الغزوة، ومن ذلك مثلا ما فعله عبد الله بن أبيّ بن سلول في وقعة أحد إذ انخذل عن النبي ﷺ بثلث الجيش بعد الخروج من المدينة إلى أحد، راجع شرح [آل عمران","vol":"2","page":210},{"text":"١٢١/ ٣ - ١٢٢]، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أيها النبي، وهي المكائد والمؤامرات قلّبوها من جميع جوانبها للتوصل إلى قصارى ما يستطيعون من الكيد للنبي ﷺ والتحايل عليه، وتقليب الأمور مجاز بمعنى النظر فيها من كل جوانبها لمعرفة أيّها أولى بالخيار ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ﴾ استمرّوا في كيدهم حتى جاء نصر الله رغم كل مكائدهم ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ بغلبة الإسلام على الشرك ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ لظهور الحق والإسلام، رغما عنهم.\n\n<span id=\"aya-1284\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - وهذا دليل آخر على نفاقهم وشدة استخفافهم بالمسلمين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي﴾ في القعود عن الجهاد ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ لا تعرّضني للاختبار الشديد القاسي وما يترتب عليه من التضحيات، أو ما يترتب عليه من الإغواء لأن بعضهم زعم أن سيفتتن ببنات الروم، لمعنى الفتنة راجع شرح آية [الأنفال ٢٥/ ٨]، ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ سقطوا وفشلوا في الاختبار لمجرّد تهربهم وتملصهم منه، وسقطوا في الغواية والضلال ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ لأن سوء عملهم أحاط بهم فاستغرقوا فيه.\n\n<span id=\"aya-1285\"></span>﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ في غزوة تبوك أو في بعض الغزوات الأخرى ﴿حَسَنَةٌ﴾ كالنصر والغنيمة ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لما في قلوبهم من الغيظ والحسد والتعلق بالدنيا ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ في غزوة تبوك - أو كما في أحد - ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي أخذنا الحيطة في أمرنا، بالحذر بزعمهم، وبالتخلف عن القتال ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ ينصرفوا عن الرسول ﷺ ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ بأنهم اتخذوا الاحتياطات في الحالتين حسب ظنّهم، وفي نفس الوقت يفرحون فرح الشماتة بالمسلمين، والخطاب وإن كان في غزوة تبوك فالقاعدة عامة في المنافقين.","vol":"2","page":211},{"text":"<span id=\"aya-1286\"></span>﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المنافقين ﴿لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ وهو بمعنى قوله ﷺ: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»، أي في علم الله المسبق ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ يتولاّنا وحده بالتوفيق والنصر ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ وحده ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بأن يفوّضوا أمرهم إليه سبحانه، بعد القيام بما أوجبه عليهم شرعه من اتخاذ الأسباب الدنيوية المادية والمعنوية، لأن التوكل يلزم أن يرافقه العمل والتدبير، والمغزى أننا نحن المؤمنين نتخذ الحيطة بالأسباب الدنيوية، ونتوكل على الله، أمّا أنتم فمتهالكون على الدنيا بأي ثمن.\n\n<span id=\"aya-1287\"></span>﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيضا، وهو الجواب الثاني على فرح المنافقين بمصائب المؤمنين ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ التربّص هو الانتظار مع توقّع الشيء، والمعنى أنّ انتظاركم بنا الشر وتوقعكم سينجم عنه أحد أمرين: إما أن نفوز بالظفر، أو بالشهادة، وكلاهما عندنا حسن ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فتصيبكم قارعة من السماء كما حدث لعاد وثمود ﴿أَوْ بِأَيْدِينا﴾ لأنه إذا ظهر نفاقكم على الملأ واتضح كونكم في صفّ المشركين، حلّ لنا قتالكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ما يحدث لنا من إحدى الحسنيين، بعد أن أعددنا العدّة وتوكلنا على الله ﴿إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ عاقبة أمركم السيئة.\n\n<span id=\"aya-1288\"></span>﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المنافقين أيضا، الفرحين بأنهم أخذوا حذرهم بزعمهم، وقد عرضوا إنفاق أموالهم لصالح الجهاد تقية ورثاء الناس: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا﴾ لغرض التقية ﴿أَوْ كَرْهًا﴾ خوف العقوبة ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ المعنى: إن تنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبّل منكم في الحالتين، ما دمتم على الكفر وعلى الشك والنفاق، ولأن إنفاقهم ليس عن إيمان وإنما عن خوف، والمقصود أنه تعالى لا","vol":"2","page":212},{"text":"يثيبهم على نفقاتهم، وليس المقصود أنّ النبي ﷺ لا يقبل منهم ما ينفقونه، لأن الشرع يقتضي أخذ الزكاة والنفقات منهم، فالحكم يبنى على الظاهر والله تعالى يتولّى السرائر ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ وهو السبب الذي من أجله لا تقبل صدقاتهم، والمراد بالفسوق الخروج عن دائرة الإيمان الذي هو شرط لقبول الأعمال مع الإخلاص بها، ويتضح هذا التعليل في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1289\"></span>﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ﴾ فلا يثابوا عليها ﴿إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ﴾ فلم يؤمنوا إيمانا يقينيا ﴿وَبِرَسُولِهِ﴾ كفروا برسالة رسوله ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى﴾ لغرض الرياء فقط كي يراهم الناس يصلّون فيغترّون بهم، كما ورد في آية [النساء ١٤٣/ ٤]، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ كارهون للإنفاق، لأنّ إنفاقهم هدفه التقية، ولإخفاء كفرهم، فلا يثيبهم تعالى عليه.\n\n<span id=\"aya-1290\"></span>﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ أيها النبي، أو أيها المؤمن ﴿أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ أي لا تستحسن كثرة أموال المنافقين وأولادهم، فقد أعمتهم عن الآخرة، واتصال المعنى مع ما قبله أنّ الأموال التي لا تقبل منها الصدقة ليست مدعاة للاستحسان ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ العذاب انعكاس لحالة الخوف والترقب والقلق التي يعيشونها مع تمتعهم بالثروة والأولاد، لكون الدنيا لديهم منتهى الأمل، فهي تسبب لهم الكثير من المتاعب والمنغصات والحسرات لشدة حبهم إياها، وتمسكهم بها، وتهالكهم عليها، وهم في حالة من الخوف والذعر (الآيات ٥٦ - ٥٧) إضافة لأنه ليس عندهم من الاعتقاد بثواب الله تعالى ما يهوّن عليهم ما يجدونه من المصاعب، ومنه قوله ﷺ: «هلك","vol":"2","page":213},{"text":"المكثرون»، ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ يموتون على الكفر، لشدة انشغالهم بالدنيا وغفلتهم عن الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1291\"></span>﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - وهذه قبيحة أخرى من قبائحهم أنهم لشدة خوفهم على دنياهم يحلفون الأيمان الكاذبة: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ المنافقون يحلفون للمؤمنين ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ أي على دينكم ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾ ليسوا على دينكم ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ شديدي الخوف منكم، لأنّ الفرق الخوف الشديد الذي يمزّق القلب،\n\n<span id=\"aya-1292\"></span>﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يلجئون إليه ﴿أَوْ مَغاراتٍ﴾ تغور بهم وتخفيهم عنكم ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ يستترون بالدخول إليه ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ لانصرفوا إليه ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون كالفرس الجموح لا يردّهم شيء، ومنه يقال جمع الفرس، وهو بيان لحالة الذعر أو الحالة النفسية القلقة التي يعيشها المنافق حتى أنه يود الهروب قبل أن ينكشف أمره، أو قبل أن يضطر للالتزام تجاه الغير.\nوهكذا يبيّن القرآن أن السبب الأعمق للنفاق هو الخوف: الخوف من الالتزام الديني الأخلاقي الأدبي، وما يترتب عليه تجاه المجتمع من عمل وتضحيات، وفي نفس الوقت الخوف من الانشقاق عن المجتمع بشكل سافر، والمنافقون في رغبتهم المادية الصرفة المقتصرة على الدنيا، يرغبون في تجاوز المثل والأخلاق والمقاييس في المجتمع ولذلك فهم ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢/ ٤]، و﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧/ ٩]، لأن محاولتهم الخداع غير مقتصرة على الغير بل يخدعون أنفسهم أيضا.\n\n<span id=\"aya-1293\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾","vol":"2","page":214},{"text":"٥٨ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، أي من المنافقين من يعيبك أيها الرسول ويطعن في عدالة توزيعك للصدقات، وهذه قبيحة أخرى منهم أنّ المادة هي مقياسهم الوحيد في الدنيا ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا﴾ إن أعطوا من الصدقات بالقدر الذي يريدون فرحوا ورضوا واستحسنوا صنعك، ممّا يدل أن اللمز والرضا والسخط لطلب الدنيا لا لأجل الدين ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ بالمقدار الذي يريدون ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ يفاجئون بالسخط، والمعنى أن المادة مقياسهم الوحيد للرضا والسخط.\n\n<span id=\"aya-1294\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ ما أعطاهم رسول الله ﷺ لتأليف قلوبهم، لأن الأصل الرضا بقضاء الله لا اعتراض عليه ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ﴾ وإن أخذ المال غيرنا، أو كان نصيب الغير أكثر، فإنّ الله كافينا وسيكفينا على كل حال ﴿سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ إمّا في الدنيا أو في الآخرة ﴿إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ ليس غرضنا من الإيمان أخذ الأموال، وإنما المهم سعادة الآخرة، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف وتقديره: لكان خيرا لهم من الطمع ومن لمز الرسول المعصوم ﷺ.\nقال الرازي أن الآية دليل على أنّ من طلب الدنيا فقط آل أمره في الدين إلى النفاق، وأما من كان غرضه من طلب الدنيا أن يتوسل بها إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق.\n\n<span id=\"aya-1295\"></span>﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٠)\n٦٠ - بعد أن لمز المنافقون الرسول ﷺ في توزيع الصدقات، بيّن تعالى في هذه الآية مصارفها، لئلاّ يكون لهم حجّة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ﴾ أي الزكاة المفروضة،","vol":"2","page":215},{"text":"والصدقة تطلق على الفرض وعلى النفل، أمّا الزكاة فلا تطلق إلاّ على الفرض، قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩] فسمّى الزكاة صدقة، ﴿لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ اختلفوا في كون الفقير أسوأ حالا من المسكين أم العكس؟ وعلى أية حال هما قسمان لصنف واحد من الناس يختلفان بالوصف لا بالجنس من حيث كونهما يستحقان أخذ الزكاة ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾ الذين يقومون بجبايتها، وفي التعبير الحديث هي المصاريف الإدارية المترتبة على جمع الزكاة وتوزيعها من قبل الجمعيات الخيرية على المستحقين ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ترغيبا لقلوبهم في الإسلام، وفي الحالة العامة لأغراض الدعوة الإسلامية في المناطق التي يؤمل نشر الإسلام فيها، فتصرف على تحسين أحوال السكان المعيشية والصحية والثقافية مع إنشاء المرافق الدينية لهم ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ في الإعتاق من الرقيق ﴿وَالْغارِمِينَ﴾ الذين عليهم دين يشق أداؤه، واشترطوا أن يكون في غير معصية، وأصل الغرم في اللغة ما يشق، والغرام العذاب اللازم [الفرقان ٦٥/ ٢٥]، ومنه سمّي العشق غراما لكونه شاقا ولازما بصاحبه ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الإنفاق على الجهاد في سبيل الله بمعناه الواسع، معنويا وحرفيا، وليس مقتصرا على القتال ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ الذي انقطعت به السبل المادية في السفر فلا يستطيع العودة إلى بلده، سواء بصورة مؤقتة أو شبه دائمة، بمن فيهم اللاجئين والهاربين من الاضطهاد ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي فرض تعالى الزكاة فريضة لهم، واجبة عليكم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في إنزال الشرع عليهم وفي تصريف أمورهم.\n\n<span id=\"aya-1296\"></span>﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦١)\n٦١ - استمرار الخطاب عن جهالات المنافقين: ﴿وَمِنْهُمُ﴾ من المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ بالطعن والذم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ يتهمونه بعدم الدقة في تمييز ما يسمع، والاغترار بالكلام وسرعة الانخداع والتسليم لمخاطبيه، وأنه","vol":"2","page":216},{"text":"يصدّق من الناس ما يعقل وما لا يعقل، وكلمة ﴿أُذُنٌ﴾ للمبالغة في الوصف كأنه كله أذن سامعة، كقولهم عن الجاسوس عين ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي إنّ استماعه لكم واكتفاءه بالظاهر من أقوالكم، دون التنقيب عن أحوالكم، هو خير لكم، فهو يقبل أعذاركم، ويتغاضى عن جهالاتكم، ولا يحرجكم بالمبالغة في كشف أستاركم، ولا ينقّب عن بواطنكم، ولا يكشف سوء نواياكم، كل ذلك خير ورحمة لكم، فكيف جعلتم هذه الصفة الحميدة طعنا وذمّا في حقه؟ لعلّهم جهلوا أو تجاهلوا أنّ قاعدة الشريعة الحكم على الظاهر وأنّ الله تعالى يتولى السرائر، فظنّوا أنه يصدّق كل ما يقال له ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ يقينا ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يكذبهم ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الذين أظهروا الإيمان منكم، حيث يقبل كلامهم لا تصديقا لهم، ولكن رحمة بهم وإمهالا لهم ورفقا بهم وسترا لعيوبهم، على أمل أن يتوب منهم من لديه استعداد للإيمان ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ بالافتراء عليه ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1297\"></span>﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ تنبيه للمؤمنين على سمة أخرى من سمات المنافقين، أنهم يسارعون لحلف الأيمان الكاذبة في محاولة لإرضاء المؤمنين والظهور أمامهم على غير حقيقتهم ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ بأن يكونوا صادقين في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إيمان اليقين، ولكنهم على النقيض من ذلك فإنهم يشترون رضا الناس بسخط الله.\n\n<span id=\"aya-1298\"></span>﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ آن لهم أن يعلموا بعد طول مكث النبي ﷺ بينهم أنّ عواقب عملهم ستكون وخيمة عليهم: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ من يخالف أمر الله ورسوله، لأنّ المحادّة من الحد أو الطرف، ويحادد يكون على الحد","vol":"2","page":217},{"text":"الآخر أو الطرف الآخر ﴿فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ عقاب الغفلة والمعصية ﴿ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ يتضاءل دونه كل خزي في الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-1299\"></span>﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اِسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فينكشف نفاقهم، وهذا من طبيعة خوفهم، والحذر قد أوقعهم في حالة من الذعر (الآية ٥٧)، والضمير في قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ يعود للمؤمنين، وفي قوله ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ يعود للمنافقين، لأن المنافقين يعيشون حياة الشك والذبذبة، فلا هم موقنون بنبوة محمد ﷺ، ولا هم متأكدون من العكس، فهم في ريبهم يترددون، وقد أهمّتهم الحياة الدنيا، ووضعوا نصب أعينهم المكاسب الدنيوية والخشية من فواتها ﴿قُلِ اِسْتَهْزِؤُا﴾ لأن النفاق استهزاء ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ في نهاية المطاف يكون مدى النفاق قصيرا ومحدودا، وسرعان ما ينكشف على الملأ.\nويحتمل المعنى أيضا عود كلّ الضمائر في قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ و﴿قُلُوبِهِمْ﴾ على المنافقين، لأن السورة تنزّل على النبي ﷺ، ومن ثمّ على المجتمع بكامله، فتنبيء المنافقين بما في قلوبهم من خداع النفس: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٩/ ٢]، والمغزى أنهم يخشون من مواجهة خداع أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-1300\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أيها النبيّ عن نفاقهم، فواجهتهم بحقيقتهم، وما ينشرون في غيابك من التهكّم، كما في الآية (٦١)﴾، والتثبيط عن غزو الروم، والسخرية من عزم المسلمين على مجابهة دولة كبرى، والنميمة وإشاعة الشائعات ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ خافوا ولم يستطيعوا الإنكار،","vol":"2","page":218},{"text":"فنسبوا سلوكهم وفساد عملهم إلى المزاح ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ لأن الكفر والنفاق بمثابة استهزاء، والخوض واللعب لا يكونان في الكفر والنفاق.\n\n<span id=\"aya-1301\"></span>﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أعذارا ليست حقيقية، لأنها كما يقال عذر أقبح من ذنب ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ لأنّ النفاق، والعمل بمقتضاه، يجعل صاحبه بمثابة الكافر المرتد عن الدين ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ من التائبين ومن الضعفاء الذين لم يتوصلوا بعد إلى إيمان اليقين ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ أخرى منكم من المصرّين على النفاق وعلى الكفر غير نادمين ولا تائبين عنه ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بسبب أنهم أخرجوا كفرهم ونفاقهم إلى حيّز التنفيذ الإجرامي، ممّا يترتب عليه ضرر على المجتمع.\n\n<span id=\"aya-1302\"></span>﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ متكاتفون على الضلال، فكأنهم جسد واحد جمعت خلّة النفاق بين مختلف فرقهم ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ من الأعمال، أي ما ينكره الشرع والعقل والفطرة السليمة ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ ينهون عن كل ما هو حسن في عرف الشرع والعقل والفطرة السليمة ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن أعمال الخير لشدة تعلقهم بالمادة ﴿نَسُوا اللهَ﴾ مجازا، أي جعلوا كلّ همهم الدنيا ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تركهم تعالى لأنفسهم ولاختيارهم، وحجب عنهم لطفه وتوفيقه ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ لأنهم ادّعوا الإيمان ثم خرجوا عنه، وهو معنى الفسوق.\n\n<span id=\"aya-1303\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾","vol":"2","page":219},{"text":"٦٨ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ الذين يبطنون الكفر، لأنّ ضررهم على المجتمع أشد من ضرر المجاهرين بكفرهم ﴿وَالْكُفّارَ﴾ ذوي الكفر السافر، وقد جعل تعالى المنافقين والمنافقات مع الكفار في منزلة واحدة من العقاب ﴿نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ إن لم يتوبوا قبل فوات الأوان ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ عقابا في الآخرة ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أبعدهم من رحمته في الدنيا والآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ لا يتحوّل عنهم.\n\n<span id=\"aya-1304\"></span>﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أنتم أيها المنافقون كالذين من قبلكم من كفار الأزمنة السابقة ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾ فلم تفدهم شيئا ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ استمتعوا بنصيبهم من الحياة الدنيا، لأن الخلاق النصيب، وهو ما خلق للإنسان ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أيها المنافقون ﴿بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ والمغزى أنّ ما تستمتعون به من نصيبكم في الحياة الدنيا ومن الشهوات الفانية لن يفدكم شيئا، كما لم يفد الذين من قبلكم ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ في الباطل ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ فسدت أعمالهم وبطلت، والمعنى سوف تحبط أعمالهم كما حبطت أعمالهم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أنفسهم، لتهالكهم على الدنيا وغفلتهم عن العاقبة، والمعنى سوف تكون عاقبتكم الخسران كما كانت عاقبتهم.\n\n<span id=\"aya-1305\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - بعد أن وعد تعالى المنافقين نار جهنم، وشبّههم بمن سبقوهم من المنافقين والكفار في حبوط الأعمال وفي العاقبة والمصير، ضرب لهم مثلا بعاقبة أقوام معينين، نزل بهم الهلاك بأشكال مختلفة:","vol":"2","page":220},{"text":"﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ﴾ الإشارة لقوم إبراهيم تعود في الأرجح إلى السومريين فيما بين النهرين، وقد انقرضت دولتهم بسيطرة البابليين عليهم حوالي العام ٢٠٠٠ ق. م. ﴿وَأَصْحابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب في جنوب فلسطين، راجع شرح آية [الأعراف ٨٥/ ٧]، ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ هي قرى لوط ومفردها مؤتفكة، وقد ائتفكت بأهلها أي انقلبت فصار عاليها سافلها، أو أنّ أحوالها انقلبت من الخير إلى الشر، وقد وردت الإشارة لهؤلاء الأقوام في عدّة سور من القرآن الكريم ولخّصت هذه الآية خبرهم والعبرة منه: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات وبراهين الحقيقة، فأعرضوا عنها، فعجّل الله هلاكهم ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بسوء العاقبة التي توصّلوا إليها ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بنتيجة العناد والجحود والمكابرة، ونظير هذا المعنى كثير في التنزيل، ومنه قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٦]، وقوله جلّ ثناؤه ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف ٥٩/ ١٨]، راجع أيضا آيات [هود ١١٧/ ١١، ١٠٢] و[الإسراء ٥٨/ ١٧، ١٦، ١٥] و[الشعراء ١٠٨/ ٢٦] و[القصص ٥٩/ ٢٨].\n\n<span id=\"aya-1306\"></span>﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧١)\n٧١ - بعد أن وصفت الآيات (٤٢ - ٧٠) طبائع المنافقين وسلوكهم ومساوئهم والمآل الذي ينتهون إليه، تبين هذه الآية والتي تليها صفات المؤمنين، والمقابلة بين مآلهم ومآل المنافقين، عطفا على الآيات (٦٧ - ٧٠):\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي في التناصر والأخوّة والمودّة والأثرة، وقد شبّه النبي ﷺ جماعتهم بالجسد الواحد، وبالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، في حين أن المنافقين لا ولاية بينهم إلاّ ظاهريا،","vol":"2","page":221},{"text":"بالكلام فقط وبما لا يشقّ من العمل، لأن النفاق شك وأنانية بما ينتج عنهما من جبن وبخل ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ على النقيض من المنافقين، راجع شرح آية [آل عمران ١٠٤/ ٣]، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ على تمامها من خشوع وبما يترتب عليها من الفضائل، في حين أن المنافقين يصلّون رئاء الناس، (الآية ٥٤)، أما المؤمنون فيؤتون الزكاة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ على عكس المنافقين الذين يقبضون أيديهم عن الإنفاق (الآية ٦٧)، وإذا أنفقوا فللتقية، ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون (الآية ٥٤)،\nوالمؤمنون يطيعون الله ورسوله ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بعكس المنافقين الفاسقين عن الطاعة، ﴿أُولئِكَ﴾ المؤمنون والمؤمنات ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ برحمته الخاصة في الدنيا والآخرة، وهي خلاف رحمته العامة للخلق التي وسعت كل شيء [الأعراف ١٥٦/ ٧]، أما المنافقون فقد نسوا الله فنسيهم (الآية ٦٧)، ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ في إيصال الثواب والعقاب، لا مردّ لمشيئته ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير شؤون خلقه.\n\n<span id=\"aya-1307\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ نص في مساواة النساء للرجال في نعيم الآخرة ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي من تحت أشجارها الأنهار ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات النعيم الدائم، لأن العدن في اللغة الإقامة والاستقرار ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أكبر من كل ما سلف ذكره من نعيم الجنات، قال الرازي: هذا البرهان القاطع أن النعيم الروحاني أعلى وأشرف من النعيم الجسماني ﴿ذلِكَ﴾ النعيم الروحاني والجسماني ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ بخلاف ما يلهث وراءه المنافقون والكفار من مادية الدنيا وملذاتها الفانية.","vol":"2","page":222},{"text":"<span id=\"aya-1308\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٧٣)\n٧٣ - بعد أن بيّن تعالى جهالات الكفار والمنافقين ومساوئ صفاتهم (الآيات ٤٢ - ٧٠)، أوضح في هذه الآية طريقة التعامل معهم:\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الأمر للنبي ﷺ، وهو بالتالي لكل مسلم ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ المقصود بالجهاد المعنى العام للكلمة، لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد، ومفهومه أوسع من المعنى الضيق للقتال وليس مقتصرا عليه، والآية توجب الجهاد مع فريقي الكفار والمنافقين معا، ولما كان قتال المنافقين غير جائز لأن الحكم يبنى على الظاهر، وهم يظهرون الإسلام وينكرون الكفر، فيكون المقصود أن يكون جهاد الكفار والمنافقين بالحجة والفكر والإقناع، وأما قتال الكفار فقد يضطر إليه المؤمنون بشروطه، كما ذكر في آيات [الأنفال ٥٥/ ٨ - ٥٨]، و[التوبة ٢٩/ ٩، ٥]، ﴿وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فلا تتوصّل معهم إلى حلول وسط في أمور العقيدة ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ إن لم يؤمنوا ويتوبوا.\n\n<span id=\"aya-1309\"></span>﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ خطأ ﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ قالوا ما هو بمنزلة الكفر، مثل طعنهم في الرسول ﷺ وقولهم هو أذن (الآية ٦١)، ولمزهم له (الآية ٥٨)، ﴿وَكَفَرُوا﴾ بالتشكيك في النبوّة، وبالحلف الكاذب (الآية ٤٢)، ﴿بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ بعد ادّعائهم الإسلام ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ من الإيقاع بالنبي ﷺ وبالمسلمين، حتى تآمروا على اغتيال النبي ﷺ في طريق عودته من تبوك، ويحتمل المعنى أيضا أنّهم بدخولهم الإسلام وهم في شك من النبوّة وفي ريبهم يترددون بين الإسلام وبين إنكار الوحي (الآية ٤٥)، فلم ينالوا","vol":"2","page":223},{"text":"اليقين والاطمئنان والسلام الداخلي، ممّا يناله ذوو الإيمان اليقيني، وبسبب أنّ الحياة عندهم ليس لها مغزى ولا غاية سوى التهالك على المادة والدنيا،\n﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المعنى أن طعنهم في النبوّة لم يكن سببه أنهم وجدوا تناقضا أو اختلافا في الرسالة، وإنما السبب جحودهم نعمة الهداية، وجحودهم النعم المادية والمعنوية التي تمتعوا بها وتمتعت بها المدينة بعد نشوء دولة الإسلام بها، وهذ المعنى في الجحود غير مقتصر على المنافقين في زمن البعثة والنبوّة، بل يتعداه إلى أمثالهم في كل الأزمنة ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأن فضل التوبة والهداية يعود عليهم ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ عن التوبة والهداية ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ انظر شرح الآية (٥٥) ﴿وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ التي جعلوها قصارى همّهم ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أمورهم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يحقق لهم النصر، وقد تحقق ذلك بزوال شوكتهم وغلبة الإسلام عليهم.\n\n<span id=\"aya-1310\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾ من المنافقين، وهو صنف آخر منهم ﴿مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ نذر نذرا أو أقسم قسما، سرّا في نفسه، أو جهرا أمام الناس ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾ من الأموال والأرزاق ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ صدقة المال، وهي الزكاة الواجبة، وغيرها من صدقة النفل ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في الاستعانة بهذا المال على الاستقامة والصلاح.\n\n<span id=\"aya-1311\"></span>﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بأن رزقهم تعالى ما طلبوه من المال وسعة الرزق ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ ظهرت ماديتهم وتغلبت عليهم أنانيتهم، فلم يدفعوا الزكاة الواجبة، ولم يتصدّقوا بشيء ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ انصرفوا عن العهد الذي قطعوه أمام الله ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن العمل الصالح وعن الصدقة، وجملة ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ حاليّة أي إن بخلهم وانصرافهم عن العهد لم يكن عرضا مؤقتا، بل","vol":"2","page":224},{"text":"إنّ حالة الإعراض راسخة في نفوسهم مهيمنة على قلوبهم، لا يزيحهم عنها تذكير الآخرين وإلحاحهم.\n\n<span id=\"aya-1312\"></span>﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ كان عاقبة أمرهم نفاقا في قلوبهم راسخا فيها، متمكنا منها، والضمير في قوله ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ عائد إلى البخل، وإخلاف الوعد، المشار إليهما بالآية المتقدّمة، لأن كلاّ منها سمة متأصلة فيهم، ويحتمل أيضا عود الضمير إليه تعالى، لأنّ هذه العاقبة في المنافقين تكون بمقتضى سننه تعالى في خلقه، وهو السبب في إسناد الفعل إلى ذاته العليّة، لأن العمل بما يقتضيه النفاق من البخل، والخيانة ونقض العهد والكذب، من شأن كل ذلك تمكين النفاق وتقويته في قلب صاحبه ﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ تعالى للحساب في الآخرة ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ﴾ بنتيجة عدم وفائهم الوعد الذي قطعوه أمام الله ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ على أنفسهم لاختلاق الأعذار، وهو شأن المنافقين الدائم أنهم مضطرون للكذب باستمرار، بسبب أن ظاهرهم مخالف لبواطنهم، وفي الحديث: «آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».\n\n<span id=\"aya-1313\"></span>﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ الكامن في صدورهم ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ ويعلم كلامهم الخفي الذي يسرّونه فيما بينهم، طعنا في الدين، فكيف يتجرؤون على النفاق؟ ﴿وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يعلم ما في صدورهم، وما يتناجون به من الأسرار، ويعلم ما غاب عن جميع الخلق.\n\n<span id=\"aya-1314\"></span>﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾","vol":"2","page":225},{"text":"٧٩ - لم يكتف المنافقون أن بخلوا عن الإنفاق، بل تجاوزوه إلى لمز المتصدقين في غزوة تبوك بعد أن حثّهم النبي ﷺ على الاشتراك فيها:\n﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المنافقون يلمزون المطّوعين الذين جاؤوا بالنافلة من الصدقات، واللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين كما ورد في الآية (٥٨)، والسبب أنهم ماديون يرون في المال غاية المنى، فلا يستطيعون أن يفهموا كيف يتصدق غيرهم بالمال دون مقابل دنيوي فوري؟ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي في شأن الصدقات، لأنهم يعتقدون أنّ المؤمنين جاؤوا بها للرياء والسمعة ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ ويلمزون أيضا الفقراء الذين يطّوعون بجهدهم، وهو جهد المقلّ، كأن يقولوا: جاؤوا بالصدقات القليلة كي يذكروا مع الأكابر ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يسقطون مفاهيمهم وقناعاتهم المادية والدنيوية على غيرهم، وقد يعتبرونهم من البلهاء ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ بأن جعل عاقبة سخريتهم ترتد عليهم بأن ظهر لهم في نهاية المطاف أن المادة لم تكن هدفا بذاتها كما هي قناعتهم ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ نتيجة العاقبة التي توصلوا إليها، وبأنّه تعالى لن يغفر لهم:\n\n<span id=\"aya-1315\"></span>﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيها النبي ﴿أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يستوي الاستغفار وعدمه بالنسبة إلى هؤلاء الماديين المصرّين على النفاق، لأن الله تعالى لن يغفر لهم، فقد جمعوا إلى ماديتهم النفاق والسخرية والتهكم من صادقي الإيمان، وتثبيط المؤمنين عن النفير في الحر (الآية ٨١)، ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ عدد السبعين في الكلام العربي يراد به التكثير وليس التحديد، والمعنى مهما تكثر من الاستغفار لهم، فلن يغفر الله لهم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ وهو سبب عدم المغفرة لهم أنهم أصروا على الكفر، ولم يكن لديهم أي استعداد للتوبة، وفقدوا شرط المغفرة التي وعد بها التائبون","vol":"2","page":226},{"text":"المستغفرون، وهذه الآية من قبيل إعلام النبي ﷺ بالغيب بأنّ هؤلاء لن يتوبوا ويموتون على الكفر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد ١/ ١١١] لأن الآية إخبار بموته على الكفر، وفي الآية (١١٣) سوف يرد النهي عن الاستغفار لمن تبين أنهم من أصحاب الجحيم، أي المصرّين على الكفر بلا رجعة، والذين ماتوا على الشرك ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ الذين فقدوا الاستعداد للتوبة والهداية فلا يجدون إليهما سبيلا، وتلك سنته تعالى في خلقه أنه لا يهدي المصرّين على التمرد والنفاق.\n\n<span id=\"aya-1316\"></span>﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - استمرار الخطاب الذي بدأ في الآية (٣٨)﴾ بدعوة الناس إلى النفير مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، وقد تخلف المنافقون عن الخروج معه، وفيه المزيد من وصف مساوئهم وسلوكهم:\n﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ الذين تخلفوا عن اللحاق بالنبي ﷺ في غزوة تبوك ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ فرحوا بقعودهم في المدينة، لأنهم غير مؤمنين بما في الخروج مع النبي ﷺ من الأجر العظيم الذي لا يقارن معه شيء من راحة القعود في البيوت ولا غيره ﴿خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ قعدوا مخالفة لأمر رسول الله في النفير، وهم من ثمّ قعدوا خلافه، أي خلفه، والنتيجة أنهم فرحوا بالقبيح من عملهم المتضمن خلاف رسول الله ﷺ، لأنهم كرهوا الجهاد في سبيل الله: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لكونهم يقيسون الأمور بمعيار الفوائد الدنيوية المادية الفورية البحتة، وهم غير مؤمنين بالثواب العظيم المترتب على الجهاد ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قالوه لأمثالهم من المنافقين، أو قالوه للمؤمنين تثبيطا لهم ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المنافقين ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ وهي عاقبة الكفار والعصاة ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ من حر الصيف الذي ترونه مانعا لكم من الجهاد ﴿لَوْ﴾","vol":"2","page":227},{"text":"﴿كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ المغزى أنهم لم يكونوا من أهل الفقه والفطنة، فلو كانوا من أهل الفقه والفطنة لما اختاروا القعود خلاف رسول الله ﷺ.\n\n<span id=\"aya-1317\"></span>﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ بنتيجة فرحهم المشار إليه آنفا، لأنّ فرحهم يكون قصير الأمد، فسرعان ما فضحتهم هذه السورة ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ندما على ما قدّموه، ويحتمل المعنى أيضا أنّ الأجدر بهم أن يكون ضحكهم قليلا وبكاؤهم كثيرا، بالنظر لسوء الحال التي هم فيها من النفاق والكفر وما يترتب على ذلك من سوء العاقبة ﴿جَزاءً﴾ الجزاء من جنس العمل ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من النفاق.\n\n<span id=\"aya-1318\"></span>﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ﴾ من غزوة تبوك ﴿إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ من المخلّفين المنافقين، لأن من المخلّفين من لم يكن منافقا، قال الألوسي إنّ قوله تعالى ﴿فَإِنْ﴾ إشارة إلى أن الغزوة لما فيها من الخطر يحتاج الرجوع منها إلى التأييد الإلهي ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ دلالة على إصرارهم على النفاق والكفر حتى النهاية، فيكون خروجهم معه ﷺ إلى القتال، لو سمح لهم، سببا لأنواع من الفساد، كما في الآية (٤٧)، ﴿وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ لا بالخروج والسفر إلى العدو، ولا في المدينة إن هوجمنا ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهو القعود عن غزوة تبوك، فكان ذلك دلالة على معدنكم وسوء مقصدكم ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ مع المعتادين على الخلاف والمخالفة أمثالكم، ومع المتخلفين من العجزة والنساء والأولاد.\n\n<span id=\"aya-1319\"></span>﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)﴾","vol":"2","page":228},{"text":"٨٤ - ﴿وَلا تُصَلِّ﴾ صلاة الجنازة ﴿عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا﴾ لأنهم ماتوا على الكفر ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ بالدعاء ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ﴾ أصروا على كفرهم حتى الموت، وهو السبب في تحريم الصلاة عليهم، بخلاف التائبين منهم.\n\n<span id=\"aya-1320\"></span>﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا﴾ فتكون وبالا عليهم ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ الآية معطوفة على ما قبلها، فالآية المتقدمة تأمر النبي، والمؤمنين، أن لا يصلّوا عليهم، وتضيف هذه الآية ألاّ يعجبوا بكثرة أموالهم وأولادهم لأنهم مصرّون على الكفر ويموتون عليه، فكيف يمكن أن تعجب أموالهم وأولادهم؟\nوالفرق بين هذه الآية والآية (٥٥) من حيث المغزى وسياق المعنى، فالآية (٥٥) والآيات (٥٦ - ٥٧) التي تليها توضح أنّ ثروة المنافقين وأولادهم لم توفر لهم السعادة الدنيوية والروحية المرجوّة، بل تصف حالة القلق والذعر والترقب التي يعيشونها، وفوق ذلك فإنّ الصدقات من أموالهم لا يثابون عليها، الآية (٥٤).\n\n<span id=\"aya-1321\"></span>﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ تأمرهم بالإيمان والجهاد: ﴿أَنْ آمِنُوا بِاللهِ﴾ إيمان اليقين ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ أي صدّقوا الإيمان بالعمل في أقوى حالاته، وهو الجهاد بالأموال والأنفس ﴿اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ بالقعود والتخلف عن الجهاد، وأولوا الطول أصحاب السعة في الرزق والأموال، أو الرؤساء والأكابر المعتبرون، فهم أولى وأقدر من غيرهم على الجهاد والبذل، ومع ذلك يستأذنون في القعود ﴿وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ رغم أن الوحي نزل يأمرهم بالجهاد.","vol":"2","page":229},{"text":"<span id=\"aya-1322\"></span>﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ مع المتخلفين بأعذار فاسدة، أو مع النساء والأولاد ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الطبع والختم على القلوب بمعنى أنها لا تتقبل شيئا من العلم الجديد، أو الفهم الصحيح، وتصر على ما استقر فيها من المفاهيم المتوارثة بالتقليد، المنحازة والمغلوطة، ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي فلهذا السبب، لكونهم طبع على قلوبهم، لا يفقهون القرآن ولا يتدبرون معانيه.\n\n<span id=\"aya-1323\"></span>﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - يلاحظ أن الآيتين (٧١ - ٧٢) وصفت سلوك المؤمنين وحسن المآل الذي ينتظرهم، بالمقابلة مع سلوك المنافقين وما ينتظرهم من سوء العاقبة، ثم في هذه الآية والتي تليها بيان للموقف العملي للرسول ﷺ والمؤمنين معه وما ينتظرهم من حسن الختام:\n﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى أنه إن تخلّف المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير منهم، فكان الأجدر بالمنافقين أن يكون الرسول والمؤمنون قدوة لهم ﴿وَأُولئِكَ﴾ المجاهدون بأموالهم وأنفسهم ﴿لَهُمُ الْخَيْراتُ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون الناجون من العقاب.\n\n<span id=\"aya-1324\"></span>﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ استئناف وبيان لمآل المفلحين المشار إليهم آنفا، بالمقابلة مع المصير الذي ينتظر المنافقين ذوي الأموال والأولاد (الآية ٨٥)،\n\n<span id=\"aya-1325\"></span>﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾","vol":"2","page":230},{"text":"٩٠ - الأعراب سكان البادية، بالمقارنة مع العرب الذين هم سكان المدن والقرى، فبعد أن فصّلت السورة من الآية (٣٨ - ٨٩) موقف أهل المدينة تجاه النفير إلى غزوة تبوك، لكون أهل المدينة في حينه مركز الدولة الإسلامية وعمودها الفقري، وركّزت على موقف المنافقين منهم، تنتقل هنا إلى بيان موقف الأعراب، كونهم غالبية السكان في جزيرة العرب وقتئذ، فمن الطبيعي أن يكون لموقفهم تجاه البعثة الإسلامية أهمية كبرى، فمنهم من خرج مع النبي ﷺ إلى تبوك، ومنهم من تخلّف تثاقلا عن تحمّل مشقة الغزو لبعد المسافة، حيث لم يبد للغزوة بالنسبة إلى المتخلفين منهم مساس مباشر بمصالحهم الشخصية الفورية:\n﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ أي المعتذرون وقد أدغمت التاء في الذال فصارت ذالا مشدّدة ﴿مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ في القعود والتخلّف عن الخروج لغزوة تبوك، سواء منهم بأعذار حقيقية أو وهمية ﴿وَقَعَدَ﴾ منهم عن المجيء والاعتذار ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فهؤلاء ما جاؤوا وما اعتذروا ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ وهم المصرّون على الكفر، وقوله تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض، لعلمه تعالى أنّ بعضهم سيؤمن (الآية ٩٩)، فلا يصيبه العذاب الأليم.\nويلاحظ الإعجاز في الآية، إذ بيّنت بإيجاز شديد موقف الأعراب، فقد جاء بعضهم للاعتذار بأعذار حقيقية أو وهمية، وقعد آخرون عن المجيء أو عن الاعتذار، ثم أوجزت مآل المصرّين منهم على الكفر.\n\n<span id=\"aya-1326\"></span>﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩١)\n٩١ - بعد بيان استئذان بعض الناس من أهل المدينة، ومن الأعراب، في القعود عن النفير إلى غزوة تبوك عن عذر صحيح، وغير صحيح، تبين هذه الآية أصحاب الأعذار الذين يحق لهم القعود عن الغزو:","vol":"2","page":231},{"text":"﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ من ضعاف البنية، وكبار السن من الشيوخ ﴿وَلا عَلَى الْمَرْضى﴾ ويدخل فيهم الأعمى والأعرج وكل ذي عاهة، أو ذي مرض يمنعه من القتال ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ على أنفسهم من الزاد والراحلة، لأن اشتراكهم في الغزو لا يكون مفيدا إلاّ إن كان عندهم قدرة على الإنفاق على أنفسهم، من مالهم، أو من مال آخرين يعينونهم في المؤن والركوب خلال السفر، وإلاّ كانوا وبالا على المقاتلين وعبئا عليهم ومعوّقا لهم، ولأنه لم يكن لدولة المسلمين وقتئذ بيت مال ينفق عليهم ﴿حَرَجٌ﴾ أصل الحرج الضيق، كما في آية [الأعراف ٢/ ٧] و[الأنعام ١٢٥/ ٦]، والمعنى أنّ التكليف بالغزو والجهاد ساقط عن هذه الأصناف الثلاثة من الناس، فلا ضيق ولا حرج عليهم في حكم الشرع، بشرط إخلاصهم في النية والعمل، لقوله: ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بالإيمان والطاعة والقيام بدور إيجابي إذا قعدوا في البلد، فيمتنعوا عن نقل الشائعات وعن إثارة الفتن، ويعملوا ما في وسعهم لمساعدة أهالي المقاتلين، فالنصح إخلاص العمل من الغش، وفي الحديث: «الدين النصيحة \"قيل لمن يا رسول الله قال:\" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، فالنصح لله إخلاص العقيدة في الوحدانية، والنصح لرسوله التصديق بنبوته وطاعته والعمل بسنته، والنصح لكتابه تعالى قراءته والعلم والتفقه فيه والعمل به، والنصح للأئمة طاعتهم وعدم الخروج عليهم وإرشادهم، والنصح للعامة ترك معاداتهم وإرشادهم ومحبة الصالحين منهم ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وهو تعليل رفع الحرج عنهم، لأن كل ناصح لله ورسوله ينتظم في سلك المحسنين، فلا سبيل إلى مؤاخذة أمثالهم، ولا سبيل إلى إيقاعهم في الحرج ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم.\n\n<span id=\"aya-1327\"></span>﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وهم صنف آخر من المعذورين الذين ليس عليهم من حرج في القعود، ولا سبيل إلى","vol":"2","page":232},{"text":"مؤاخذتهم، وهم الذين يملكون نفقة سفرهم ولكن لا يملكون الراحلة التي تحملهم، فأتوا الرسول ﷺ يطلبون منه تزويدهم بالراحلة كي يشتركوا معه في الغزو ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ من الخيل أو الجمال أو البغال ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ في شراء راحلة للركوب.\n\n<span id=\"aya-1328\"></span>﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ﴾ فهؤلاء لا سبيل لرفع الحرج عنهم في التخلف، وهم المشار إليهم في الآية (٨٦)، ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ مع المتخلفين بدون أعذار، أو مع النساء والأولاد ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ نسب الطبع على قلوبهم إلى ذاته العلية مع أنه بنتيجة عملهم كما في آية [البقرة ٧/ ٢]، وفي الآية (٨٧) أسند الطبع إلى المفعول، والمراد واحد وفق سنته تعالى في الخلق ﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا السبب، وهو الطبع على القلوب، لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1329\"></span>﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - تتمة الخطاب من الآية السابقة عن الأغنياء الذين لا سبيل لرفع الحرج عنهم في التخلف، فقد استأذنوا في القعود قبل الغزوة، ثم يعتذرون بأعذار واهية أيضا بعد عودة الرسول ﷺ من الغزوة:\n﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من غزوة تبوك ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ أعذارا غير مقبولة، فإنّ العبرة بالتوبة الصادقة وبالعمل بما تقتضيه، كما سيرد في تتمة الآية ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ بما نزل من الوحي على النبي ﷺ، فصرنا نعلم أنّ ظاهركم غير باطنكم ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ في المستقبل، فيظهر لنا من أعمالكم، وليس من أقوالكم، إن","vol":"2","page":233},{"text":"كانت توبتكم صحيحة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بعد الموت ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ الذي يعلم ما تكتمون وما تعلنون ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم على عملكم وفق ما تستحقّون.\n\n<span id=\"aya-1330\"></span>﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ﴾ بعد اعتذارهم لكم بالأعذار الواهية، وعدم تصديقكم لهم (الآية ٩٤)، فسوف يؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة ﴿إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من سفركم ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ عن عقابهم، وهو سبب اعتذارهم وحلفهم الأيمان الكاذبة، إذ كانوا يخشون العقاب ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ وهكذا فإنّ النبي ﷺ لم يعاقبهم بعد عودته من الغزوة، فقد جاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ دلالة على خبث باطنهم، راجع شرح آية [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في دنياهم من السيئات.\n\n<span id=\"aya-1331\"></span>﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ وهو الغرض الثاني من حلفهم الأيمان الكاذبة أن يرضى عنهم الرسول والمؤمنون ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ لا ينفعهم رضاكم، لأن الله لا يرضى عنهم: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ المراد نهي المؤمنين عن الاغترار بأعذارهم الكاذبة.\n\n<span id=\"aya-1332\"></span>﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٩٧)\n٩٧ - استمرار الخطاب عن الأعراب الذي بدأ في الآية (٩٠)﴾، حيث ذكرت الآية أنّ بعضهم ما جاء وما اعتذر عن القعود: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا﴾","vol":"2","page":234},{"text":"من كفّار أهل الحضر ومنافقيهم، بسبب بيئة البداوة والحياة الوحشية التي يعيشونها، وقلة احتكاكهم مع أهل الحكمة والعلم من الناس، قال الألوسي:\nالحكم على الأعراب بما ذكر من باب وصف الجنس ببعض أفراده كما في قوله تعالى ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧]، إذ ليس كلهم كذلك بدليل الآية (٩٩)، ﴿وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ هم أولى وأحقّ أن لا يعلموا التكاليف والأحكام الشرعية، بسبب طبيعة معيشتهم وعزلتهم وبعدهم عن العلماء ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه.\n\n<span id=\"aya-1333\"></span>﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٩٨)\n٩٨ - بعد أن ذكرت الآية (٩٠) أن بعض الأعراب اعتذر عن النفير مع النبي ﷺ، بل إنّ بعضهم قعد عن المجيء وعن الاعتذار، وبيّنت الآية (٩٧) أنهم أشد كفرا ونفاقا من الكفار والمنافقين في المدن، تبيّن هذه الآية نوعا معينا من نفاق بعضهم:\n﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ ينفقون بعض أموالهم خوفا من المؤمنين رياء وتقية، ويعتبرون نفقتهم غرامة وخسارة لأنهم غير مؤمنين بالرسالة ولا بثواب الآخرة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ التربّص الانتظار، والدوائر هي دوائر الزمن وتقلب أحواله، والمعنى أنهم بسبب جهلهم وخبث نفوسهم ينتظرون ويتوقعون أن تنقلب الأمور على المسلمين بظهور اليهود أو المشركين عليهم، فيستريحوا من أداء هذه المغارم بزعمهم ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دوائر الزمن ستنقلب عليهم، وهو إخبار بالمآل السيئ الذي ينتظرهم، على عكس ما يريدون بالمسلمين ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنواياهم.\n\n<span id=\"aya-1334\"></span>﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾","vol":"2","page":235},{"text":"٩٩ - في الآيتين (٧١ - ٧٢)، ثم الآيتين (٨٨ - ٨٩)، يلاحظ التناظر وإعجاز النظم القرآني في وصف مواقف المؤمنين إيمان اليقين وحسن ختامهم، بعد بيان أنواع سلوك المنافقين وسوء عاقبتهم، ثم في هاتين الآيتين (٩٩ - ١٠٠) تبين السورة موقف الأعراب المؤمنين وحسن عاقبتهم، ومنزلة من هم أعلى منهم درجة من السابقين والتابعين وعلوّ منزلتهم.\nفعلى الرغم من طبيعة الأعراب وكونهم أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر، فمنهم المؤمنون الصادقون: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إيمانا صادقا يقينيا ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ ينفقون في سبيل الله ويعدّون نفقتهم تقرّبا وزلفى إلى الله تعالى، وقربات مفردها قربة من القرب والدنو، أي في المنزلة والمكانة ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عطف على ﴿قُرُباتٍ﴾، أي ويتّخذون ما ينفقون سببا لدعائه لهم ﵊، لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، والصلوات مفردها صلاة، وهي في أصل اللغة الدعاء، لأنه مخ العبادة ﴿أَلا إِنَّها﴾ أي النفقات ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ تأكيد وتصديق لما اعتقدوه ورجوه من كون نفقاتهم تقربهم عند الله زلفى ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تفسير لهذه القربة، ودلالة على رضا الله تعالى عن المتصدقين إذا كانت نياتهم خالصة ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عن سيئاتهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.\n\n<span id=\"aya-1335\"></span>﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - تتمة الخطاب من الآية السابقة، لبيان فضل من هم أعلى منزلة من جميع المذكورين آنفا، سواء منهم الأعراب المؤمنون وغيرهم من المسلمين، وهم أصناف ثلاثة:\n﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ﴾ الذين بادروا بالهجرة قبل غيرهم، زهدوا في دار الكفر فهجروا موطنهم وأملاكهم، وتحملوا المشاق والمخاطر،","vol":"2","page":236},{"text":"وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، يوم لم يكن للهجرة داع سوى اليقين في الإيمان، والإخلاص للإسلام، والشوق لحرية العبادة والعقيدة، والسابقون تاريخيا هم الذين هاجروا قبل الهجرة النبوية أو بعدها بسنوات قلائل حتى صلح الحديبية، راجع الخلفية التاريخية، وقبل أن يكون للمسلمين قوة أو دولة ترتجى، أو يخشى منها، فلم يكن للمصلحة وللنفاق في حينه مقتضى ولا سبب ﴿وَالْأَنْصارِ﴾ السابقون الأولون من الأنصار من أهل المدينة، الذين نصروا إخوانهم المسلمين المهاجرين إليهم واستقبلوهم وأعانوهم، وفي مقدمتهم الذين بايعوا النبي ﷺ في العقبة قرب مكة، بيعة العقبة الأولى قبل الهجرة النبوية بسنة وبضعة شهور، ثم بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة النبوية ببضعة شهور ﴿وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ﴾ الذين اتبعوا السابقين من المهاجرين والأنصار، فجعلوهم قدوة لهم في الهجرة من دار الكفر، وفي نصرة من يهاجر إليهم ﴿بِإِحْسانٍ﴾ بشرط أن يكون اتباعهم لهم بإحسان، أي يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة قولا صدقا وعملا ﴿﵃﴾ بقبول طاعتهم والرضى عن أعمالهم، والضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾ عائد للأصناف الثلاثة المذكورين ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما وفقهم إليه من الهداية، وبما نالوه من نعم الدنيا والآخرة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ليس فوز آخر بعده.\n\n<span id=\"aya-1336\"></span>﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠١)\n١٠١ - بعد أن وصفت الآيات (٣٨ - ٧٠) و(٧٣ - ٨٧) و(٩٠ - ٩٨) أنواعا ثلاثة من المنافقين، تبين الآيات (١٠١) و(١٠٧) و(١١٠) أنواعا من منافقي الأعراب ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي تمرّسوا فيه، وهذه الآية معطوفة على الآية (١٠٠)﴾ من قبيل عطف الضد على الضد:\n﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أي في البادية حول بلدتكم ﴿مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ منهم منافقون ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ منهم منافقون أيضا ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾","vol":"2","page":237},{"text":"تمرّسوا فيه، ومرنوا عليه، وأصبحوا فيه مهرة وأتقنوه، وصار نفاقهم أملس حيث يخفى أمرهم على الناس، وأيضا صاروا به مردة عتاة ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بفطنتك وصدق فراستك أيها النبي، لشدة ما حذقوا في النفاق والتقية، بحيث يخفى عليك أمرهم رغم كمال فطنتك وصدق فراستك ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا يعلم سرائرهم إلاّ من لا تخفى عليه خافية، فهم في ستر الله تعالى إلى أن يكشفهم للناس وينجز ما أوعدهم من العذاب: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ كتب الشيخ رشيد رضا: المرة الأولى بما يصيبهم من المصائب، وبعذاب نفوسهم القلقة الخائفة من افتضاح أمرهم وهتك أسرارهم، والثانية: آلام الموت لأمثالهم وزهوق أنفسهم وهم كافرون وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند موتهم [الأنفال ٥٠/ ٨]، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة ﴿إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [النساء ١٤٥/ ٤].\n\n<span id=\"aya-1337\"></span>﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿وَآخَرُونَ﴾ ممّن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة، لا هم من السابقين الأولين ولا من الذين اتبعوهم بإحسان (الآية ١٠٠)، ولا هم من المنافقين الذين مردوا على النفاق (الآية ١٠١)، بل هم جماعة غلب عليهم الإهمال: ﴿اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ هم من المؤمنين المذنبين المقرّين بذنوبهم، ولم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ من أعمال البر والإحسان والجهاد في غزوات سابقة ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ بتخاذلهم وبتخلفهم عن غزوة تبوك ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيقبل توبتهم، إن تابوا وندموا ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثير المغفرة للتائبين، رحيم بالمحسنين، ومغزى الآية غير مقتصر على غزوة تبوك، بل يتناول المسلمين في كل الأزمنة الذين يخلطون الأعمال الصالحة والأعمال السيئة.","vol":"2","page":238},{"text":"<span id=\"aya-1338\"></span>﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - بعد أن ذكرت السورة المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأنه تعالى يتوب عليهم إن تابوا، تبيّن في هذه الآية، وفي الآيات (١٠٤ - ١٠٥)، أن توبتهم لا تكون بمجرد الكلام والقول، وإنّما يجب أن يصدّقها العمل، ومن ذلك إيتاء الزكاة الواجبة على كل مؤمن مالك النصاب، وأيضا فإنّ الصدقات بالنسبة إليهم كفارة لذنوبهم وفيها إصلاح نفوسهم:\n﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الصدقة هي الزكاة المفروضة، أو صدقة التطوع، والخطاب وإن كان للرسول ﷺ فهو عام يشمل الخلفاء من بعده وأئمة المسلمين، كما أن الضمير في قوله ﴿أَمْوالِهِمْ﴾ عام أيضا يشمل سائر المؤمنين من أصحاب الأموال ذوي النصاب، وغير مقتصر على المعترفين بذنوبهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا المشار إليهم بالآية السابقة، وقد احتجّ مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره أن يصلي عليهم وأن صلاته سكن لهم، فكان هذا الأمر بأخذ الزكاة خاص به دون غيره، وهذا القول ضعيف لأن النص حكمه عام، وإن كان سببه خاصا، وقد ردّ عليهم أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ هذا القول، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى الرسول ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ الصدقة تطهّرهم من دنس البخل والجشع والقسوة والتهالك على المادة والتوجه النفسي السيء، ومن الذنب والمعصية ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ التزكية هي المبالغة في التطهير، وهي أيضا الإنماء، والمعنى أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب الزكاة سببا للإنماء ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أدع لهم واستغفر لهم، لأنّ الصلاة في أصل اللغة الدعاء، ولذا سميت العبادة صلاة، والصلاة من الله على عباده الرحمة، ومن ملائكته الدعاء والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ دعاء له بما أمرنا به في الصلاة بعد التشهد الأخير ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ المعنى أدع للمتصدّقين أيها الرسول حتى تسكن وتطمئن نفوسهم بقبول صدقاتهم وتوبتهم","vol":"2","page":239},{"text":"﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لدعاء النبي سماع قبول واستجابة، سميع لتوبتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم وندمهم.\n\n<span id=\"aya-1339\"></span>﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ أولئك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴿أَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ الصحيحة ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ عن ذنوب عباده التائبين، المخلصين في توبتهم، فيتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عنهم، وفي ذلك إشارة واضحة أن ليس لبشر، بمن فيهم الأنبياء، قبول توبة تائب أو إعفائه من خطاياه كما يفعل بعض رجال الدين المسيحي اليوم، وغيرهم ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ يقبلها ويثيب عليها، وإسناد الأخذ إليه تعالى مجاز، كما أنّ استمرار الخطاب من الآية السابقة بكون الرسول ﷺ يأخذ الصدقات، ثمّ إسناد الأخذ إليه تعالى فيه تشريف للنبي ﷺ، من حيث أن أخذه الصدقة جار مجرى أن يأخذها الله تعالى، وفي ذلك أيضا تشريف عظيم لطاعة من يؤتي الصدقات ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ﴾ يقبل التوبة بعد التوبة مرارا وتكرارا من كل مذنب يشعر بضرر ذنبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم التائبين ويتجاوز عن سيئاتهم ولا يعاقبهم عليها.\n\n<span id=\"aya-1340\"></span>﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - هذه الآية معطوفة على الآية (١٠٣)﴾ في قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ لأنّ التوبة الصادقة والاعتراف بالذنب والاعتذار، كل ذلك لا يكون بمجرد الكلام والقول (الآية ٩٤)، وإنّما تقترن بالعمل:\n﴿وَقُلِ﴾ لهم أيها الرسول أتبعوا التوبة بالعمل: ﴿اِعْمَلُوا﴾ لأنّ العبرة بالعمل الصالح وبالجدّ، راجع آية [الأنعام ١٥٨/ ٦]، والمغزى أيضا تحذير من عاقبة الإهمال والذهول عن الآخرة ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ دلالة على أنّ","vol":"2","page":240},{"text":"مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان، المقررة صفاتهم في القرآن، تلي مرضاة الله ورسوله، وأنهم لا يجتمعون على ضلال ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ بعد الموت ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ الذي يعلم سرّكم وعلانيتكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].\n\n<span id=\"aya-1341\"></span>﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ أي مؤخّرون ومؤجّلون ﴿لِأَمْرِ اللهِ﴾ عطف على المذكورين في الآيات (١٠٢ - ١٠٥) من المتخلفين الذين شعروا بذنوبهم واعتذروا عنها وتابوا وعملوا صالحا، وأما هؤلاء المشار إليهم في هذه الآية فلم يصلوا بعد إلى درجة المراجعة الذاتية واتخاذ الخيار بين الحق والضلال، فهم من أنصاف المؤمنين المذبذبة نفوسهم بين الخير والشر، وهذا الصنف من الناس غير مقتصر على المذكورين بغزوة تبوك، وإنما ينطبق على أمثالهم في كل الأزمنة، والحكم عليهم قد أرجئ لأمر الله تبعا لما تتوصّل إليه نفوسهم في المستقبل من التوبة أو الضلال، فهم من هذه الناحية أشباه المذكورين في آية [الأعراف ٤٦/ ٧]، ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن مالت نفوسهم إلى الضلال ﴿وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن توصّلت نفوسهم إلى الحقيقة وتابوا وصحّت توبتهم وعملوا صالحا، وهكذا فإن التردد بين الأمرين عائد إليهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بحال عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه فيهم وفي إرجائهم وإعطائهم الفرص.\nقال الألوسي: ومن هذه المادة المرجئة، إحدى فرق أهل القبلة، وسمّوا بذلك لتأخيرهم المعصية عن الاعتبار في استحقاق العذاب، حيث زعموا أن لا عذاب مع الإيمان، فلم يبق للمعصية عندهم أثر، وفي المواقف سمّوا مرجئة لأنهم يرجون - يؤخرون - العمل عن النية، أي يؤخرونه عنها في الرتبة، أو لأنهم يطمعون بالرجاء بزعمهم: لا يضر مع الإيمان معصية، انتهى، وكل ذلك من قبيل التمنّي وخداع النفس،","vol":"2","page":241},{"text":"<span id=\"aya-1342\"></span>﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - الآيات (١٠٧ - ١١٠) تشير إلى مجموعة معينة من منافقي المدينة، غرّر بهم رجل من الخزرج يدعى (أبو عامر الراهب)، كان قد اعتنق المسيحية في الجاهلية قبل مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، وكان له مقام كبير لدى الخزرج وعند مسيحية الشام، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه، اتخذ أبو عامر منه موقفا معاديا من البداية، وقد دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام وقرأ عليه القرآن فأبى واستكبر، بل تحالف مع كفار قريش ضده حتى أنه اشترك في وقعة أحد ضد المسلمين عام ٣ هجرية، ثمّ لمّا تبين له أنّ أمر المسلمين في تعاظم، خاصة بعد وقعة حنين، يئس وذهب إلى هرقل إمبراطور بيزنطة يستنصره ويحضه على مهاجمة المسلمين في المدينة ويرغّبه في استئصالهم، فوعده هرقل ومنّاه حتى أنه أقام عنده، وكان خلال هذه الفترة يكاتب جماعة من قومه في المدينة يعدهم ويغرّر بهم، ثم في العام ٩ هجرية كتب إليهم أن هرقل يعد العدة لإرسال جيش لاكتساح المدينة وأنه جار حشد الحشود لهذا الغرض، ولعل هذا من أسباب قيام النبي ﷺ بغزوة تبوك الدفاعية، راجع الخلفية التاريخية، وقد رغب أبو عامر أن يكون لأتباعه معقل ومقرّ خاص بهم في المدينة في حال حدوث الغزو، فأمرهم أن يبنوا مسجدا خاصا بهم في قريتهم بقباء، وهو مسجد الضرار الذي تشير إليه هذه الآية، فلمّا رجع النبي ﷺ من حملة تبوك أمر بهدمه، وأمّا أبو عامر الراهب فقد مات بالشام قهرا بعد ذلك بقليل:\n﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا﴾ عطف على ما سبق، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا، للإضرار بالمسلمين، لأنّ الضرار طلب الضرر للآخرين ومحاولته، وهو الهدف من إنشائهم المسجد المذكور بجوار مسجد قباء، وتقدير الخطاب: اتخذوا مسجدا ليضرّوا به ضرارا، وكفروا كفرا، قال الزمخشري: كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه","vol":"2","page":242},{"text":"الله، أو بمال غير طيب، فهو لا حق بمسجد الضرار ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لغرض التفريق بين جماعة المؤمنين تفريقا ﴿وَإِرْصادًا﴾ الإرصاد الإعداد والانتظار، لأنهم بهذا المسجد كانوا يترصّدون المنافقين والمذبذبين من ضعاف الإيمان كنقطة تجمع لهم ﴿لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهو أبو عامر الراهب وأتباعه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من البداية ومن قبل بناء مسجد الضرار، لأن أبو عامر ناصب المسلمين العداوة من البدء ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ كذبا ﴿إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾ أردنا الإرادة الحسنى ببناء المسجد، يدّعون أنهم بنوه لصالح المسلمين ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في أيمانهم.\n\n<span id=\"aya-1343\"></span>﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - بعد أن وصفت الآية المتقدمة مسجد الضرار بأنه مدعاة لأربعة مفاسد: وهي الضرار، والكفر، وتفريق المؤمنين، والإرصاد، تنهى هذه الآية الرسول ﷺ عن القيام فيه:\n﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ القيام مجاز عن الصلاة، أي لا تقم للصلاة في مسجد الضرار ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ قيل هو مسجد قباء لأنه أسّس قبل مسجد المدينة، وقيل المسجد النبوي، ولفظ الآية يمكن أن ينصرف لكل منهما، لأنّ كلاّ منهما قد أسسه النبي ﷺ على التقوى من أول يوم شرع في بنائه، أي قصد ببنائه تقوى الله تعالى بإخلاص العبادة فيه، وقصد اجتماع المؤمنين فيه على ما يرضيه تعالى ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ يجدر أن تقوم للصلاة فيه ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذنوب والمعاصي ومن التقصير في العمل، إضافة أنّ قيامهم فيه يتطلب طهارتهم الجسمية، فبذلك تكتمل طهارتهم النفسية والبدنية ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ المبالغين في الطهارات النفسية والجسمية معا، قال الرازي: إنّ طهارة الظاهر إنّما يحصل لها أثر عند الله لو حصلت معها طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، أمّا لو حصلت طهارة الباطن من الكفر","vol":"2","page":243},{"text":"والمعاصي، ولم تحصل نظافة الظاهر، كان طهارة الباطن لها أثر، وعليه فإنّ طهارة الباطن بالدرجة الأولى\nوقد ذكر الألوسي رأي البعض أن المراد من الآية مسجد قباء حصرا، بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ لأن مسجد قباء بني من أول أيام الهجرة ودخول المدينة، قال: قال السهيلي: ويستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة ﵃ مع عمر ﵁ حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن أنّ قوله تعالى ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أنّ ذلك اليوم هو أول أيام التأريخ الذي نؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم، لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه من الإشارات، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل فعلته من أول يوم، إلاّ بالإضافة إلى عام معلوم، أو شهر معلوم، أو تأريخ معلوم، انتهى.\n\n<span id=\"aya-1344\"></span>﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ﴾ أي من يريد بعمله تقوى الله ورضوانه ﴿خَيْرٌ﴾ عملا وأفضل عاقبة ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ الجرف حافة الوادي الذي إذا جاء السيل جرف أساسه من تحته فأصبح مائلا للانهيار، فهو هار وهائر، فإذا سقط فقد انهار، والمعنى أنّ المنافق المرائي الكذّاب يكون أساس عمله على شفير الانهيار، بخلاف المؤمن الصادق الذي يريد بعمله تقوى الله ورضوانه فيكون أساس عمله ثابتا دائما، والنتيجة أن البقاء والدوام يكون للأصلح ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لأنّ من سنته تعالى في خلقه أنّ الظالم لا يهتدي في أعماله إلى الحق والعدل، والله تعالى لا يحيط الظالمين بتوفيقه ورعايته.","vol":"2","page":244},{"text":"<span id=\"aya-1345\"></span>﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿لا يَزالُ﴾ على الدوام ﴿بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ وهو بناؤهم الذي بنوه بغرض الإضرار والكفر والتفريق والإرصاد ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الريبة من الريب، وأصله الشك، لأنهم كانوا يشكّون في نبوّته ﷺ، وفي نفس الوقت يدّعون الإسلام، وهو عين النفاق، والمعنى أنّ بناءهم كان مصدرا دائما للشك والقلق والاضطراب والهاجس في قلوبهم، حتى موتهم ﴿إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بموتهم وهلاكهم على حالتهم هذه، ما لم يتوبوا، والواضح إنّ الآية ذات مغزى عام غير مقتصر على أحداث البعثة النبوية ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يظهر من أحوالهم وبواطنهم ما اقتضته حكمته الأزلية وعلمه المحيط بكل شيء.\n\n<span id=\"aya-1346\"></span>﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١١)\n١١١ - بعد أن وصفت الآيات (٣٨ - ١١٠) أصنافا من المنافقين، من أهل المدينة ومن الأعراب، الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، كما وصفت خلالها مواقف المؤمنين الصادقين وتضحياتهم وحسن عاقبتهم بالآيات: (٧١ - ٧٢) و(٨٨ - ٨٩) و(٩٩ - ١٠٠) تعود الآيتان: (١١١ - ١١٢) إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقة المؤمنين:\n﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ بيان لحقيقة المؤمن المستعد لبذل نفسه وماله في سبيل الإسلام، فهو يضحي بالدنيا مقابل الآخرة، ومن لم يكن لديه الاستعداد لهذه التضحية تكون دعواه بالإيمان في حاجة إلى تصديق وتحقيق ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ فتكون لهم الجنة، مقابل فوات الدنيا التي ستزول عنهم على أية حال ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ الكتب المنزلة الثلاثة تشهد بذلك، ولا عبرة بكتب","vol":"2","page":245},{"text":"اليهود والنصارى المتاحة بين أيدينا اليوم إذ لم يبق فيها من الوحي الصحيح إلاّ القليل، وأضيف إليها الكثير من كتابات البشر، راجع شرح آية [آل عمران ٣/ ٣]، ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ تأكيد لتحقق الوعد الإلهي ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ بشرى بحسن العاقبة ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يتضاءل معه كل فوز آخر، لأنه بيع الدنيا الفانية الزائلة، مقابل الخلود في جنة الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1347\"></span>﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - هذه الآية بيان لصفات المؤمنين المجاهدين المشار إليهم آنفا:\n﴿التّائِبُونَ﴾ من ذنوبهم، كتوبة الكافر الذي يدخل الإسلام، وتوبة المنافق من نفاقه، وتوبة العاصي من ذنوبه، وتوبة المقصّر في عمل الخير، وتوبة الغافل عن ذكر ربه ﴿الْعابِدُونَ﴾ الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة ﴿الْحامِدُونَ﴾ له تعالى على كل حال ﴿السّائِحُونَ﴾ في طلب مرضاته، فعلا ومجازا، كالمجاهدين وطلبة العلم والدعاة والمهاجرين في سبيل الله، وقيل هم الصائمون، لأن السائح عندهم كان كالصائم في سفره، لقلة ما يحمله من زاد ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ المقيمون الصلاة، كأن الركوع والسجود صفة من صفاتهم الثابتة، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ راجع شرح [آل عمران ١٠٤/ ٣] ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ المبيّنة في الشرائع والأحكام والمعاملات ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المتصفين بهذه الصفات.\n\n<span id=\"aya-1348\"></span>﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١١٣)\n١١٣ - مزيد من صفات المؤمنين المذكورة صفاتهم آنفا، بأنهم لا يستغفرون لمن ماتوا مصرّين على الكفر ولو كانوا أولي قربى، والآية تأكيد لوجوب إظهار البراءة من المشركين والمنافقين من جميع الوجوه، بمن فيهم الذين ماتوا مصرّين على الكفر ولو كانوا ذوي قربى:","vol":"2","page":246},{"text":"﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ الإشارة للمشركين الذين ماتوا على الكفر، مصرّين عليه، بعد أن بلغتهم رسالة الإسلام، بدليل الآية (١١٥)، فقاوموا الإسلام وحاربوه حتى رمقهم الأخير، فأمثال هؤلاء لا يجوز الاستغفار لهم مهما كانت درجة قرابتهم للمؤمنين، ولكن يجوز الاستغفار لحيّ يرجى إيمانه وبقصد سؤال الله أن يهديه لما يكون به أهلا للمغفرة،\n\n<span id=\"aya-1349\"></span>﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ﴾ كان إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه ويرجو إيمانه ويقصد سؤال الله أن يهديه لما يكون به أهلا للمغفرة، والموعدة التي وعدها لأبيه هي قوله: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧/ ١٩]، ودعاؤه: ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء ٨٦/ ٢٦]، وقوله ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة ٤/ ٦٠]،\n﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ تبرّأ إبراهيم من أبيه بعد أن مات الأب مصرّا على الكفر، وانقطعت عنه التوبة، أو أنه تبرّأ من أبيه بعد أن علم بطريق الوحي أنّ أباه لن يؤمن، مثلما على النبي ﷺ من نزول سورة المسد عليه أن عمّه أبا لهب لن يؤمن ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ﴾ كثير الدعاء والتضرّع والخشوع والشفقة والرقّة ﴿حَلِيمٌ﴾ يتأنّى في الأمور ولا يستفزّه الغضب، فقد استغفر لأبيه مع أنّ أباه هدده بالرجم والطرد: ﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦/ ١٩].\n\n<span id=\"aya-1350\"></span>﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾","vol":"2","page":247},{"text":"١١٥ - بعد أن نهى تعالى عن الاستغفار للمشركين الذين ماتوا مصرّين على الكفر فصاروا من أصحاب الجحيم، وضرب مثلا باستغفار إبراهيم لأبيه، بيّن في هذه الآية السبب في ذلك، وهي أنه لا يؤاخذ الناس بضلالهم إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة ويتبيّن لهم طريق الخير من طريق الشر:\n﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الله تعالى لا يترك الناس على ضلالهم، أو يعتبرهم ضالّين فيعاقبهم، إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة، ويبيّن لهم طريق الهداية بيانا واضحا تامّا لا مجال معه للاجتهاد الذي قد يكون عذرا في المخالفة ﴿بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ بعد أن هداهم بالفطرة، أو بعد أن قضى بإنارة السبيل إلى هدايتهم، فنزلت الرسالات السماوية تدعوهم إلى الهدى، وتبيّن لهم طريق الخير من الشر ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾ يبيّن لهم الأحكام والشرائع، وما يجب اتقاؤه من الشرك والمعاصي، والبيان يكون بالنص القطعي، فالعبادات والحلال والحرام لا تثبت إلا به ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فلا يعاقب العباد إلاّ بعد التبيين وإزالة الأعذار والعلل، والخلاصة أنّ الله تعالى لا يترك الناس على الضلال، بعد إذ هداهم بالفطرة، حتى يبعث لهم الرسل فيبين لهم ما يتقون من الشرك والفسوق.\nونظير هذه الآية كثير في التنزيل، ومن ذلك قوله تعالى:\n﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٧]، وقوله تعالى ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر ٤/ ١٥]، وقوله تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥ /]، وقوله تعالى ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٨/ ٢٦]، وقوله تعالى ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩/ ٢٨]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤/ ٣٥].","vol":"2","page":248},{"text":"<span id=\"aya-1351\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيتصرف في خلقه وفق ما اقتضته حكمته الأزلية ﴿يُحْيِي﴾ من يشاء الهداية ﴿وَيُمِيتُ﴾ من يشاء الكفر، لأن الإحياء والإماتة بالمعنى المجازي، انظر [الأنعام ١٢٢/ ٦]، ولأن المعنى استمرار للآية السابقة ﴿وَما لَكُمْ﴾ أيها الكافرون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾،\nونظير ذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة ٢٥٨٧/ ٢].\n\n<span id=\"aya-1352\"></span>﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٧)\n١١٧ - الخطاب متعلق بالآية (١١١)، بأنّ المؤمنين الذين اشترى تعالى أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة، والمذكورة صفاتهم في الآية (١١٢)، فهذه الآية تبيّن أنّه تعالى لا يؤاخذهم بما صدر عنهم من هفوات وزلاّت:\n﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ قبل توبتهم، وشملهم بعطفه، وتجاوز عن هفواتهم، وعن اجتهادهم فيما لم يبيّنه الله تعالى لهم بيانا قطعيا، قال الألوسي إنّ ذكر النبي ﷺ معهم في الخطاب يعتبر تشريفا وتعظيما لقدرهم، وأمّا الذنب بالنسبة إليه ﷺ فهو من باب خلاف الأولى نظرا لمقامه الجليل، راجع شرح الآية (٤٣)﴾، ﴿الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ اتّبعوا النبي ﷺ في وقت الشدّة والضيق، وقت غزوة تبوك، إذ كانت عسرة في الزاد عند انتهاء موسم الصيف، ونفاد المئونة من التمر وغيره، وأول فصل الخريف الذي بدأ فيه نضج الموسم الجديد ولم يحن وقت قطافه، وعسرة في التزوّد بالماء لبعد المسافة، وعسرة في الركوب فكان عدد منهم يتناوبون الركوب على الجمال، وعسرة في شدة الحر، وكان من عادة النبيّ عند الخروج للغزو أنّه لا","vol":"2","page":249},{"text":"يصرّح بوجهة السفر، إلاّ في غزوة تبوك فقد أخبر الناس سلفا أنه يريد قتال الروم، لكي يستعدّوا ويتجهّزوا لبعد المسافة، والمشقة، وليكونوا على علم مسبق بكثرة العدو وقوّته ﴿مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الزيغ هو الميل، والمعنى قارب بعضهم، لشدة المشقة ورهبة العدوّ، أن يميل قلبه عن الطريق السويّ، فيعصى أمر الرسول ﷺ في النفير، أو تخطر على باله الوساوس لشدة الموقف ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ عفا تعالى عن مقاربتهم أن يعصوا الرسول ﷺ، وأن تزيغ قلوبهم عن الواجب ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يحاسبهم على ضعف النفوس البشرية إذا لم تخرج من نطاق الأفكار والوساوس إلى نطاق المعصية العملية.\n\n<span id=\"aya-1353\"></span>﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ﴾ عطف على الآية السابقة، أي وتاب على الثلاثة ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الذين ما ذهبوا خلف الرسول ﷺ، بل خلفوه في المدينة وتخلّفوا عنه، قال الرازي: الخالفين بمعنى المخالفين، ويقال للرجل خالفة بمعنى مخالف كثير الخلاف، والخالف أيضا الفاسد، ومنه خلوف الفم، قال الأصمعي: يقال: خلف يخلف، عن الخير، خلوفا إذا فسد، ويقال خلف اللبن وخلف أي فسد، انظر شرح الرازي للآية (٨٣)﴾، وقال الألوسي: المعنى أنّه قد خلّف أمرهم أي تمّ تأجيله ولم يقطع في أمرهم بشيء حتى نزل الوحي بهم، وقد ورد في كتب السيرة أنّ الثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وقصتهم معروفة في كتب التفسير، ولا يمنع أن ينطبق المعنى أيضا على أصناف ثلاثة من المؤمنين وقت غزوة تبوك: فريق منهم تقدم بأعذار باطلة للتخلف، وفريق آخر قعد ولم يعتذر وتخلف بسبب الوساوس والهواجس وضعف النفس البشرية، وفريق ثالث تخلف لمجرّد الإهمال والفوضى وعدم الالتزام، فكل المعاني التي تنطوي عليها كلمة ﴿خُلِّفُوا﴾ تنطبق على هؤلاء","vol":"2","page":250},{"text":"جميعا، وهذا من الإعجاز القرآني، ومثل هؤلاء الناس عام لكل الأزمنة والعصور ولا يقتصر على غزوة تبوك ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ بسبب ندمهم وتوبيخ ضمائرهم وشعورهم بفظاعة الذنب الذي ارتكبوه صارت الدنيا ضيقة عليهم، وهو مجاز عن شدة حيرتهم، فلم يقرّوا في الدنيا مع رحبها وسعتها ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ لشدة الغم والحزن، كأن نفوسهم لا تسع الانشراح والسرور لضيقها ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ﴾ علموا أن لا ملجأ من غضبه تعالى إلاّ استغفاره والتوبة إليه، وهو بمعنى قوله ﷺ في الدعاء: «أللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ قبل توبتهم ﴿لِيَتُوبُوا﴾ ليستقيموا على التوبة ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ﴾ المبالغ في قبول التوبة من عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحمهم ويتجاوز عن سيئاتهم.\n\n<span id=\"aya-1354\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بعد أن وصفت السورة بالآيات (٣٨ - ١١٨) أصنافا من المنافقين، ومن ضعاف الإيمان، والمذنبين، والتائبين، والمؤمنين، تأمرهم هنا بالتقوى، إن كانوا يدّعون الإيمان، وأمرهم أن يكونوا مع جماعة الصادقين في إيمانهم، ليس بالقول فقط ولكن بالعمل أيضا، بدليل الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-1355\"></span>﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - بعد أن أمرت الآية السابقة المؤمنين بالتقوى، وأن يكونوا مع الصادقين، تبيّن هذه الآية أن الصدق يكون بالعمل، وليس بمجرّد القول، وأما العمل فنوعان: الأول جهاد بالقتال وبالإنفاق، وهو المذكور في هذه الآية والتي تليها، والثاني جهاد بالحجّة والعلم كما هو مذكور في الآية (١٢٢)﴾:","vol":"2","page":251},{"text":"﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ لا يصحّ منهم التخلف عن الغزو مع رسول الله، وخصّ بالذكر أهل المدينة، والأعراب الذين كانوا حولها، لكونهم أقرب الناس جوارا للنبي ﷺ ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول ﷺ لنفسه، ولا يطلبوا لأنفسهم الرخاء والراحة، حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة، قال الزمخشري: أمروا أن يكابدوا الأهوال معه برغبة ونشاط واغتباط وأن يلقوا من الشدائد ما تلقاه نفسه الكريمة التي هي أعز نفس عند الله وأكرمها ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ عطش شديد ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ تعب وإعياء ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعة شديدة يضمر لها البطن ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في جهاد أعدائه أو في طاعته مطلقا ﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ﴾ يتخذون موقفا يغيظ الكفار ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ كالأسر والقتل والهزيمة المادية والمعنوية ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ الكلام عن غزوة تبوك ولكن العبرة عامة، فمن قصد خيرا في سبيل الله كان سعيه مشكورا بكل نشاط يقوم به ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم.\n\n<span id=\"aya-1356\"></span>﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ في الجهاد ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم، لأنه في لغة العرب شاع استخدام الوادي بمعنى الأرض ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ ثوابه ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يكون الجزاء أحسن من عملهم وأجلّ وأفضل، أو يكون على قدر الأحسن من أعمالهم،\n\n<span id=\"aya-1357\"></span>﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - تتمة الخطاب من الآية (١١٩)﴾ التي تحض المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فمن صدقهم أن يستجيبوا للنفير والجهاد مع النبي ﷺ، (الآية ١٢٠)،","vol":"2","page":252},{"text":"ومن صدقهم أيضا أنه يجب أن يتفرغ بعضهم للفقه وتعلم الدين كي يدعو باقي الناس إلى الإسلام، وهو ما تشير إليه هذه الآية:\n﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ إلى الجهاد ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ إلى الجهاد، ولولا بمعنى الحض والحثّ ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ وأقامت طائفة أخرى غيرهم ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وهي الطائفة المقيمة ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ وهو الغرض من الإقامة والتفقه في الدين: وهو تعميم العلم ونشره، والاستعداد لتعليمه، وتفقيه الناس به، والدعوة إلى الإسلام، والإرشاد إلى الدين القويم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ما يضرّهم من الشرك والشرور.\nوالمقصود من الفقه في الآية هو العلم والفهم لجوهر الإسلام ونظامه الحياتي بما يتطابق مع جوهره، وليس الشكل فقط، ولأنه لا فصل في الإسلام بين الدين والدنيا، وهو مغاير لمصطلح الفقه بمعنى دراسة الأحكام الشرعية التي وضعها واستنبطها الفقهاء، قال الألوسي: قال حجة الإسلام الغزالي: كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب، وتدل عليه هذه الآية، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات.\nوالنتيجة أيضا أنّ التفقه في العلم غير مقتصر على العلوم الدينية وإنما يشمل العلوم الدنيوية، لأن الآيات القرآنية تحثّ الناس على التفكر في الخلق وملاحظة الآيات الكونية والظواهر الطبيعية ودراستها، ودراسة الظواهر الاجتماعية والأنماط التاريخية واستنباط العبر منها، والآيات القرآنية موجهة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، والأحاديث الشريفة أيضا كثيرة في فضل طالب العلم، كقوله ﷺ:\n«طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، و«فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»، و«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، و«من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع».","vol":"2","page":253},{"text":"وهنالك مغزى آخر في الآية بأنّ طلب العلم واجب على كلّ من لديه الاستعداد والقابلية لذلك، فليس كل الناس لديهم الاستعداد للعلم، ومن جهة أخرى لا يمكن للجميع أن يتفرّغوا لطلب العلم كي لا تفوت على المجتمع المصالح العامة.\n\n<span id=\"aya-1358\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ الأمر بقتال الكفار القاطنين في جزيرة العرب، بدليل الآيات التالية (١٢٤ - ١٢٧)، وهو معنى قوله ﴿يَلُونَكُمْ﴾ أي يجاورونكم، والأمر بقتالهم لأن جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم، راجع شرح الآية (٢٨)﴾ وآية [الأنفال ٥٦/ ٨]، ويشمل المعنى أيضا الكفار الذين يقدمون من أقطار بعيدة لقتال المسلمين في بلادهم، فينطبق عليهم معنى ﴿يَلُونَكُمْ﴾ أي يدنون منكم ويصيرون قريبين من دياركم ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ الغلظة هي الشدّة، وهي ضدّ الرقّة، قال الرازي: التعبير يدل على تقليل الغلظة، وهو يصحّ فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة، كأنه قيل لو بحثوا في أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، وأن هذه الغلظة تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين، وذلك إمّا بإقامة الحجة والبينة، وإما بالقتال، فأمّا أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالمعاملات اليومية من بيع وشراء ومجالسة فلا، انتهى ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ المراد أن يكون قتال الكفار بدافع تقوى الله لا بدافع طلب المادة والسلطة، والمراد أيضا اتقاء التقصير وإتقاء أسباب الهزيمة بمراعاة سننه تعالى في الخلق، باتخاذ الأسباب وإعداد القوة، وبالصبر والثبات والنظام وترك التنازع والخلاف، والتوكل على الله فيما وراء الأسباب.","vol":"2","page":254},{"text":"<span id=\"aya-1359\"></span>﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي هنالك من الكفار الذين يلونكم، الذين أمرتم بقتالهم، من يقول عند نزول الوحي: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ﴾ السورة ﴿إِيمانًا﴾ يقولون ذلك لبعضهم البعض على سبيل السخرية والتهكم، أو يقولونه للمسلمين لمحاولة صدّهم عن الإسلام، وهو سبب الأمر بقتالهم، وقد يكون في كلامهم إشارة لقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ [الأنفال ٢/ ٨]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ بهذه الآية أثبت تعالى للمؤمن زيادة الإيمان ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يسعدون بأن اهتدوا إلى الحق، ونجوا من الضلال.\n\n<span id=\"aya-1360\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مرض القلوب هو الكفر والنفاق والأخلاق الذميمة، انظر آية [البقرة ١٠/ ٢]، ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ زادت نفوسهم خبثا وقبحا وكفرا، لشدة تصميمهم على الحال التي هم عليها، وانغلاق عقولهم عن التفكر والنظر، انظر شرح آية [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ أصرّوا على الكفر حتى الموت، ونظيره قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٦/ ٢].\n\n<span id=\"aya-1361\"></span>﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ أي الكفار المشار إليهم في الآيات (١٢٣ - ١٢٥)، ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يختبرون بنزول الوحي حيث يمكن لهم تمييز الحق من الباطل، ويختبرون بالآيات الدالّة على صدق نبوّته ﷺ، ويختبرون أيضا بالمحن والمعاناة والشدائد ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ لأنّ أبواب التوبة مفتوحة لهم، إذ","vol":"2","page":255},{"text":"يختبرون المرّة بعد المرّة، وسنة بعد سنة ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ عن كفرهم مع كلّ ذلك ﴿وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لا يتّعظون، ولا يذّكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليهم، [الأعراف ١٧٢/ ٧] و[آل عمران ٨١/ ٣].\n\n<span id=\"aya-1362\"></span>﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ وتليت عليهم وعلى المؤمنين ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ نظر التغامز والتهكم والسخرية والتآمر، والمغزى أنهم اتخذوا موقفا مسبقا من الرسالة الإسلامية برسوخهم في الكفر سلفا، وتصميمهم على عدم استخدام العقل في تقويمها ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ يسترقون النظر إلى بعضهم البعض، محاولين أن لا ينكشف موقفهم للمسلمين ﴿ثُمَّ اِنْصَرَفُوا﴾ عن سماع القرآن، وعن التفكر والتدبّر في الآيات القرآنية، وانصرفوا عن دراستها واعتبارها بذاتها من حيث جدارتها ومصداقيتها ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الاهتداء بالقرآن ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي بسبب أنهم لا يفقهون ما يسمعون من الآيات، لعدم استعمال عقولهم فيها، راجع آيتي [الأنفال ٢٢/ ٨ و٥٥].\n\n<span id=\"aya-1363\"></span>﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - بعد أن فصّلت السورة موقف التكذيب الذي اتخذه الكفار والمنافقون بأنواعهم، تجاه دعوة النبي ﷺ، تلخص هذه الآية بالمقابل موقف النبي ﷺ من الناس، أنه لا يريد سوى هدايتهم، ويخشى عليهم من سوء العاقبة:\n﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ الخطاب للعرب خاصة، لأنه ﷺ بعث إليهم ابتداء، فآمن العرب بدعوته أولا، ثم آمن العجم بدعوة العرب لهم، وهو أيضا خطاب عام لجميع البشر، لأن النبي ﷺ بعث للناس كافة ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي هو من جنس البشر مثلكم، فلو كان فوق جنس البشر، أو من جنس الملائكة لأشكل الأمر على الناس كما ورد في آية [الأنعام ٩/ ٦]، والمعنى أيضا أنه من عشيرتكم","vol":"2","page":256},{"text":"أيها العرب، فقد عرفتم صدقه وأمانته وطهارته قبل أن يبعث نبيّا ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ العنت هو المشقة والشدة، والمعنى أنه لكونه واحدا منكم يشقّ عليه عنتكم، أي يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في المكروه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ حريص على إيمانكم وإصلاح شؤونكم ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-1364\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإسلام وأعرضوا عنه، وهم الكفار والمنافقون ﴿فَقُلْ﴾ لهم أيها الرسول، أو أيها الداعية، أو أيها المؤمن ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ هو يكفيني، وهو أدرى بشؤون خلقه ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا معبود سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أفوض أمري إليه وحده دون غيره، بعد أن بلغتكم الرسالة، وأقمت عليكم الحجة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وليس لي أن أكرهكم على الإسلام ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ختم النبوّات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وأنزل الهداية على خلقه، ولم يتركهم يتخبطون في الضلال، ومنحهم العقل وحرية الفكر، ليتفكروا في الدلائل وفي معجزة القرآن، ليصبحوا مسؤولين عن أعمالهم فيحاسبوا عليها.\n***","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1411>سورة يونس - ١٠ - مكية</span>\nسورة يونس السورة المكية الرابعة في ترتيب المصحف، وليس في ترتيب النزول، بعد سور الفاتحة - الأعراف - الأنعام، واستثنى بعضهم - بأسانيد ضعيفة - بعض الآيات منها على أنها مدنية، وهي أولى السور المكية الستة (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر) التي تبدأ بالحروف المقطعات ﴿الر﴾ سوى أن سورة الرعد تبدأ بالحروف ﴿المر﴾،\nوأما تاريخ النزول ففي أواخر فترة إقامة النبي ﷺ في مكة قبل هجرته إلى المدينة، واشتقّ اسم السورة من ذكر قوم يونس في الآية ٩٨ منها، وكما هو معروف في سور القرآن الكريم فإن اسم السورة ليس سوى رمز لها، وللدلالة عليها لا غير، ولا يقصد به أنّ قصة يونس هي موضوع السورة، ولا أنّ في السورة تركيز عليها، ومع ذلك فإنّ قصة قوم يونس هي مثل القوم الذين تداركوا أنفسهم بالإيمان والتوبة قبل فوات الأوان: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1412>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nأوضحت سورة التوبة أن الله تعالى لا يؤاخذ الناس بضلالهم إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة ويتبيّن لهم طريق الخير من طريق الشر: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥/ ٩]، واختتمت السورة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩]، ثم","vol":"2","page":258},{"text":"يستمر الخطاب في سورة يونس بقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس ١/ ١٠ - ٢]،\nوفي سورة التوبة أن المشركين نجس معنوي بسبب عقائدهم الفاسدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]، وأن شكوك الكفار في القرآن تزيدهم رجسا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥/ ٩]، وفي سورة يونس أن الذين لا يستخدمون ملكاتهم العقلية على النحو السوي يلحق بهم الرجس، وهو الخبث المعنوي، أو النجس: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠]،\nوفي سورة التوبة بيان لطريقة الدعوة وأن لا بدّ من الحجة والدليل والإقناع:\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة ٦/ ٩]، وفي سورة يونس أن حكمته تعالى اقتضت خلق الإنسان مختارا مستعدّا بفطرته للإيمان والكفر، فلا يجوز لأحد إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩/ ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-1413>محور سورة يونس</span>\nيدور أولا على مواضيع البعث والجزاء: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤)، والتوحيد ودحض الشرك: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٨)،","vol":"2","page":259},{"text":"وثانيا على العلم اليقيني الذي جاء به القرآن، وأن أكثر الناس يتبعون الظن بدلا من يقين القرآن: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦)، فتدحض السورة مزاعم الكفار عن منشأ القرآن: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٧)، وأن القرآن شفاء لما في الصدور من الشك: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧)، وأن القرآن هو الفضل المطلق والرحمة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥٨)،\nوأن هداية القرآن تعود بالفائدة على الفرد، كما يكون وبال ضلاله عليه:\n﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٨) والإيمان ليس قسرا:\n﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٩).\nوتضرب السورة مثلا بجوانب من قصص الأنبياء نوح وموسى ويونس ﵈ لبيان العبر منها المناسبة لسياق السورة.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1365\"></span>﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (١)\n١ - ﴿الر﴾ راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، وردت حروف ﴿الر﴾ في ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، ونسبوا إلى ابن عباس قوله أن معناها: أنا الله أرى، أو أنا الرب لا رب غيري، وقالوا أيضا ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ و﴿ن﴾ حروف ﴿الرَّحْمنِ﴾ مقطّعة، لكنّ الرازي رأى أنّ تفسير ألفاظ المقطعات بناء على ما فيها من الحروف من دون أن تكون تلك","vol":"2","page":260},{"text":"الألفاظ موضوعة في اللغة لذلك المعنى أصلا، ممّا يفتح الباب للباطنية على مصراعيه في تفسير ألفاظ القرآن الكريم بما يشاكل هذا الأسلوب ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ الكتاب الحكيم هو القرآن، قال أبو مسلم الأصفهاني، المعنى: من هذه الحروف ﴿الر﴾ وأمثالها تتألف آيات الكتاب الحكيم، وهذه الحروف في متناول أيديهم، ثم لا يستطيعون أن يأتوا بآية واحدة من مثل آيات الكتاب الحكيم، أمّا وصف القرآن بكونه حكيما فمن عدة وجوه: فهو الكتاب المشتمل على الحكمة، والحكيم أيضا بمعنى الحاكم - فعيل بمعنى فاعل - فهو يحكم بالحق، ويميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة، والأعمال صوابها من خطئها، ويحكم بصدق النبوّة، ويدل على الحكمة والصواب، والحكيم أيضا بمعنى المحكم الذي لا يتطرق إليه الخلل ولا التناقض، لأنّ القرآن في منتهى الإحكام والإتقان، كما أنّه محكم لا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، راجع آية [البقرة ١٠٦/ ٢].\n\n<span id=\"aya-1366\"></span>﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)\n٢ - ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ ما وجه العجب أن يبعث الله تعالى بشرا رسولا؟ فقد قال بعضهم لبعض: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون ٣٤/ ٢٣]، وهذا القول يقوله الكثير من الكفار حتى اليوم، فلو كان المبعوث فوق جنس البشر، أو من جنس الملائكة لأشكل الأمر عليهم، قال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء ٧/ ٢١]، وهذا الرجل منهم، محمد ﷺ، عرفوا صدقه وأمانته وطهارته قبل أن يبعث نبيّا، والله تعالى لا يترك عباده بلا هداية، فماذا يريد المكابرون كي يؤمنوا؟\n﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ مهمة الرسول إنذار الناس كافة، أي إعلامهم بالتوحيد والبعث والحساب ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم واستجابوا لله وللرسول ﴿أَنْ﴾","vol":"2","page":261},{"text":"﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لهم سابقة ومنزلة رفيعة، والقدم نتيجة ما قدّموا من الخير، وبنتيجة صدق قولهم وعملهم، أما الكفار فقالوا بعد إنذارهم: ﴿قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ قاله كفار مكة لمّا عجزوا عن معارضة القرآن، ويقوله الكفار في كل زمن، وفي حق كثير من الأنبياء، والكثيرون يرفضون مسبقا فكرة الوحي الإلهي إلى بشر، ويزعمون استحالتها، كما يزعمون أن الرسول أذهل الناس بشخصيته وطلاقته لا غير، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر في القرآن ودراسته وتقويمه من حيث محتواه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢/ ٤].\n\n<span id=\"aya-1367\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ استئناف الخطاب لإظهار بطلان تعجبهم من نزول الوحي على بشر، والمعنى أنّ من خلق السماوات والأرض ينزّل الوحي أيضا على من يشاء من عباده ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ قال الألوسي: الخلق في ستة أوقات، أو ستة مراحل زمنية، لأن اليوم في اللغة هو مطلق الوقت ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية - باللغة التي يفهمها البشر - عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة و﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي الزمني، بل للبعد المعنوي، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله ﷾ ثم كانت، فهو سبحانه منزّه عن الحدوث، وعن الزمان والمكان ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يدبّر ملكوت السماوات والأرض وشؤون خلقه، ومن ذلك أن يخلقهم على الفطرة ويبعث إليهم الرسل ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ المبني على الحكمة الباهرة، وذلك عند كون المأذون له بالشفاعة من المصطفين الأخيار، وتشريفا له، والمشفوع له ممّن يليق بالشفاعة، أي يكون تعالى راضيا عنه بتوبته وإيمانه وعمله الصالح، لقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]، وقوله: ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٤٤/ ٣٩]،","vol":"2","page":262},{"text":"﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ دون غيره ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ كيف لا تتذكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليكم، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، فهذا الأمر معلوم عند الناس بالفطرة، ولا يحتاج سوى التذكير الذي جاءت به الرسل، ولهذا السبب سمّي الوحي ذكرا، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٧/ ٥٤]، وقال جلّ ثناؤه ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨] أي بالعهد الفطري وبما نزل من الوحي على الأنبياء.\n\n<span id=\"aya-1368\"></span>﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ تأكيد على البعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، فالخلق ليس عبثا، بل العدالة تتحقق مطلقا ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لأنّ القادر على البدء يكون قادرا على الإعادة والعدالة ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ﴾ تعليل للإعادة، أي ليجزيهم ويثيبهم بفضله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ لتحقق العدالة، والحميم الماء الشديد الحرارة، لأن العرب الذين خوطبوا بالقرآن أولا، ويعيشون في المناخ شديد الحرارة، يشعرون أكثر من غيرهم بهذا النوع من العقاب ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ عطف العام على الخاص ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسبب مواظبتهم على الكفر حتى الموت، لقوله ﴿يَكْفُرُونَ﴾ بالمضارع،\n\n<span id=\"aya-1369\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ مزيد من البراهين والتفصيل عن خلق النظام الشمسي بعد ذكر إجمال خلق السماوات والأرض في (الآية ٣)، وقوله ﴿الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ لأن الضوء ينتج عن ذات الشيء كالشمس والنار، والنور ينعكس عنه، وهو كقوله ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان ٦١/ ٢٥]،","vol":"2","page":263},{"text":"﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ وهي مراحل القمر التي تتكرر كلّ ٢٩ - ٣٠ يوما، ويحتمل عود الضمير في قوله ﴿قَدَّرَهُ﴾ إلى ضياء الشمس ونور القمر معا ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ لضبط مواعيد العبادات، والمعاملات الدينية والدنيوية والمعاشية، ولأنّ عدد السنين وحساب الأشهر القمرية والشمسية إنما يعرف بدوران القمر حول الأرض، وبدوران الأرض حول الشمس ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ وفق حكمة ومغزى، فلا عبث ولا باطل ولا صدفة، ولا بدّ من تحقق العدالة كي يكون للوجود معنى ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ الكونية والعقلية ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون معاني الدلائل ويفهمونها، ويستنتجون الحقيقة منها، فالإسلام دين العلم والعقل.\n\n<span id=\"aya-1370\"></span>﴿إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ في تعاقبهما، وتغيّرهما التدريجي على مدار السنة، واختلافهما بحسب الموقع على الكرة الأرضية ﴿وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ من الأفلاك والمجرّات ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من أنواع الجماد والنبات والحيوان ﴿لَآياتٍ﴾ أنواع لا متناهية من الدلائل على الإبداع والإتقان والإحكام في الخلق، وعلى وجود الخالق سبحانه ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ عواقب عملهم، فيلزمون الحذر، والنظر، والتفكر، والتدبّر.\n\n<span id=\"aya-1371\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاِطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ (٧)\n٧ - بعد أن بيّنت السورة الدلائل القاهرة على صدق النبوّات، ووحدانية الخالق، والبعث والحساب، تبيّن بعدها مآل من يكفر بذلك، ومن يؤمن به:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يتوقعون البعث بعد الموت، ولا يأملون الحساب والثواب والعقاب ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ حتى صارت منتهى أملهم، وأصبح كل همّهم محصورا بها، وكلّ أعمالهم في سبيلها، ورضوا بها","vol":"2","page":264},{"text":"بدلا عن الآخرة ﴿وَاِطْمَأَنُّوا بِها﴾ انهمكوا بها حتى سكنت إليها نفوسهم، وارتاحت لها قلوبهم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ الجملة الاسمية تفيد استمرارية غفلتهم عن آيات الكتاب الحكيم، مع احتمال كونهم مؤمنين بها، غير أنهم غافلين عن العمل بها لانهماكهم في دنيا المادة، وقد يكون هذا الفريق الغافل، غير فريق الملحدين الذين لا يرجون اللقاء، مع أن الفريقين مشتركان في الانشغال بالدنيا وحدها، ومشتركان في الغفلة عن آيات الكتاب الحكيم (الآية ١)، وعن التفكر والتدبر في الآيات الكونية، الآيات (٦، ٥، ٣)،\n\n<span id=\"aya-1372\"></span>﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ﴾ مآلهم عذاب الآخرة ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كانوا يكسبون من العقائد الفاسدة وما ترتّب عليها من عمل، والمعنى أنّ أعمالهم هي المؤثرة في إيصالهم إلى هذا المآل، انظر شرح (الآية ٤)، ونظيره قوله تعالى ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج ١٠/ ٢٢].\n\n<span id=\"aya-1373\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٩)\n٩ - تتمة الخطاب من (الآية ٧) لبيان مآل المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالقرآن وبالغيب ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ كان إيمانهم مقترنا بالأعمال الصالحات ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ بسبب إيمانهم المقترن بالعمل الصالح، فيكون ذلك سببا لهدايتهم بما يؤدي بهم إلى الجنة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وفي الآية التالية وصف نعيمها الروحاني:\n\n<span id=\"aya-1374\"></span>﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿دَعْواهُمْ فِيها﴾ دعاؤهم في الجنة ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ تسبيح وتنزيه له تعالى، كقول الملائكة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة ٣٠/ ٢]، ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ وهي التحية التي تلقاهم بها الملائكة أنهم في نعيم","vol":"2","page":265},{"text":"السلام، لقوله ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤]، وقوله تعالى لهم: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨/ ٣٦]، وهو السلام الروحاني، والسلامة والأمن من كل شرّ، ومن كل آفة، وكلّ مخافة،\n﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حمدا على حسن ختامهم وما هم فيه من النعيم.\n\n<span id=\"aya-1375\"></span>﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١١)\n١١ - بعد أن بيّنت الآيات السابقة مآل كل من المؤمنين والكفار في الآخرة، تبين هذه الآية أنّ الله تعالى لا يعاجل منكري النبوة (الآية ٢)، ومنكري البعث والحساب (الآية ٧)، بعقاب الدنيا، ولكن يمهلهم، لأنّ التعجيل بالعقوبة في الدنيا كالمانع من الاختبار، ومن حرية الخيار التي كرّم بها بني آدم، ولصار الإيمان قسرا:\n﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ الشر بمعنى العقوبة، وتعجيل الشيء تقديمه على أوانه المحدد أو المقدّر، والمعنى أنه تعالى لا يعاجل الناس بالعقوبة رغم وقوعهم في المعاصي، ورغم استعجالهم ما يظنون أنه خير بانهماكهم وراء الدنيا والمادة والسلطة، فهو يمهلهم للتوبة، رأفة بهم ورحمة، انظر آية [النساء ٢٨/ ٤]، ولولا ذلك: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لكنه أرحم بهم من أنفسهم، فلا يقضي إليهم أجلهم بإهلاكهم واستئصالهم، بل يتركهم لحرية خيارهم، ويذرهم وما هم عليه حتى أجلهم المقدّر، ويترك لهم فرص التوبة والرجوع، ويوفق منهم من يشاء الهدى ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الذين لا يرجون اللقاء المشار إليهم في (الآية ٧)، يذرهم تعالى، أي يتركهم لما اختاروا من التخبّط في الضلال، ولا يقسرهم على الإيمان","vol":"2","page":266},{"text":"والصلاح قسرا، ثم يكون مآلهم، المشار إليه في (الآية ٨)، بنتيجة أعمالهم وكسبهم، إن لم يغتنموا فرص التوبة.\n\n<span id=\"aya-1376\"></span>﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - وإذا عجّل الله للإنسان بعض الشر، انظر الآية السابقة: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ﴾ الضرّ هو الضرر، كالمرض والفقر والمصائب تصيب الإنسان ﴿دَعانا﴾ لكشفه وإزالته ﴿لِجَنْبِهِ﴾ دعانا مضطجعا على جنبه لشدة مرضه ﴿أَوْ قاعِدًا﴾ إن كان يستطيع القعود ﴿أَوْ قائِمًا﴾ أي في كل حالاته، والمعنى أن الإنسان في حال الضرّ، يدعو ربه تلقائيا وبالفطرة، بدافع من غريزته وعقله الباطن، حتى لو كان ممّن يدّعون \"العلمانية\"، ورغم أنه قد يكون من اللاهثين وراء الدنيا، الآية (٧)، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى﴾ كشف ﴿ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ إذا زال عنه الضرر نسي موقف الضعف والعجز والابتهال والدعاء كأنه لم يمرّ به، وعاد في عقله الواعي إلى المكابرة وإنكار الإيمان ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الذين أسرفوا في هدر طاقاتهم الفكرية والعملية بما يضرهم ولا ينفعهم، حتى خسروا أنفسهم بإسرافهم، انظر [الأنعام ١٢/ ٦]، أما تزيين الأعمال بقوله ﴿زُيِّنَ﴾ أي جعلها تبدو حسنة في نظرهم، فهو راجع إلى النفس البشرية والوسواس، راجع شرح آية [آل عمران ١٤/ ٣]، والتزيين ناتج عن تأخير العقوبة عنهم وإمهالهم، الآية (١١)، فبدلا من التوبة، يزداد تهالكهم على ما يظنون خيرات الدنيا.\n\n<span id=\"aya-1377\"></span>﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذه الآية بيان لسنن الله في خلقه، والخطاب لمنكري النبوات فيما يقتضي الإهلاك، والقرون: الأمم، جمع قرن وهم القوم المقترنون في زمن واحد، وقد ضربت السورة مثلا بإهلاك المسرفين","vol":"2","page":267},{"text":"منهم، الذين زيّن لهم الشيطان أعمالهم من الظلم والفساد، حتى حان أجلهم المقدّر: ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ بسبب ظلمهم ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ من قبل، فلم يكن لديهم عذر بالغفلة، انظر [الأنعام ١٣١/ ٦]،\n﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ رغم بعث الرسل لهم ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المصرّين على الإجرام، وهي العاقبة الطبيعية لأمثالهم،\n\n<span id=\"aya-1378\"></span>﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ﴾ أيها العرب والمسلمون ﴿خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ ببعث خاتم الأنبياء والرسل فيكم ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد القرون الأولى، والخلائف جمع خليفة، وهو من يخلف غيره في الشيء، أي إن الله تعالى بشّر المسلمين أنهم يخلفون الأمم التي كانت قبلهم كأمم اليهود والفرس واليونان والروم، والآية من معجزات القرآن لأنها إعلام بالغيب الذي تحقق، واستخدام الفعل الماضي بقوله تعالى ﴿جَعَلْناكُمْ﴾ للتأكيد، أي هو محقق لا محالة، وقد علل هذا الاستخلاف بقوله ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ والمعنى أن هذه الخلافة جعلها تعالى لهم لإقامة الحق والعدل في الأرض، ولتطهيرها من الشرك، لا لمجرد التمتع بالملك والحكم، فبقاء خلافتهم منوط بصلاح أعمالهم، وأنه تعالى ناظر فيها، حتى لا يغتروا ويظنوا أن الملك باق لهم لذواتهم، أو لجنسهم، أو لنسبتهم إلى نبيه ﷺ، ولا أنهم مستثنون من سننه تعالى في خلقه، فبقدر إقامة هذه السنن يكون الملك والسلطان لهم، (انظر تفسير المنار).\n\n<span id=\"aya-1379\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥)\n١٥ - بعد إنكارهم النبوة (الآية ٢)، وإنكارهم النشور (الآية ٧)، يدّعي الكفار والمشركون أن القرآن من عند النبي ﷺ: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ على العرب وقت البعثة ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ آيات القرآن الكريم الواضحة المبهرة المعجزة","vol":"2","page":268},{"text":"﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ قال الذين ينكرون الوحي والبعث والحساب، قالوا للرسول ﷺ: ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا﴾ أي ليكن قرآنا موافقا لأهوائنا، ومطابقا لمقاييسنا في الخطأ والصواب والخير والشر، حتى نقبله منك ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ أو على الأقل بدّل بعض ما فيه، حتى يوافق عباداتنا وعاداتنا الوثنية، ومغزى قولهم أن مصدر القرآن بشر، وليس وحيا سماويا ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ ليس ذلك باستطاعتي ولا هو بإمكاني ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ هذا كل ما في الأمر ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بالافتراء والكذب ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ انظر آية [الأنعام ٩٣/ ٦].\n\n<span id=\"aya-1380\"></span>﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي، جوابا على لمزهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ لما بعثني إليكم رسولا، ولكنّ خالق البشر لا يترك عباده يتخبطون بلا هدى، انظر [التوبة ١١٥/ ٦]، وهذا المعنى مرتبط أيضا بالآيات (٢ - ٣) ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ أي ولا أعلمكم بهذا القرآن، بل لترككم تتخبطون في الظلام، لكن ذلك مناقض للتكليف والاختبار، انظر [الأنعام ١٣١/ ٦]، ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل نزول القرآن، على مدى أربعين سنة، كانوا يعرفون صدق النبي ﷺ وأمانته حتى لقبوه بالأمين، وكان أميا لا يقرأ الكتب، ولم يدرس شرائع من سبقوه، ولم يتلقّ علما من أحد، ولم تعرف عنه أساليب البلاغة والبيان من شعر ونثر، ولم يكن طالب سلطة ولا جاه ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حضّ على التفكير واستخدام العقل، فالعرب بمجموع فصحائهم وبلغائهم، على كثرتهم، عجزوا عن مضاهاة القرآن، أو الإتيان بمثله، أو بسورة واحدة من مثله، فمن باب أولى أن يكون الواحد الأميّ منهم أعجز عن الإتيان بكتاب يبهر كلام الفصحاء جميعا، وفي نفس الوقت يكون مشحونا بعلوم الأصول والفروع، والحكمة، وأخبار ما كان وما يكون، مخبرا عن الغيب، لقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور ٣٣/ ٥٢ - ٣٤].","vol":"2","page":269},{"text":"<span id=\"aya-1381\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ تتمة جواب النبي ﷺ للكفار وللمشركين، أي ليس هنالك أظلم ممّن يفتري الوحي، لما زعموه عنه، وينسبه إلى الله تعالى، انظر [البقرة ٧٩/ ٢]، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ ولا أظلم ممّن يكذّب بآيات الوحي كما يكذّب بها الجاحدون ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الذين يكذّبون الوحي، فلا يفوزون بمبتغاهم في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-1382\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ وهم المشركون في كل الأزمنة، فبدلا من انجلاء الحقيقة في عقولهم، يصرّون على عبادة الأوثان و\"الوسطاء\" وتعظيم قبور الأكابر التي لا تقدر على نفع ولا ضر، فإن عبدوها لم تنفعهم، وإن تركوها لم تضرّهم ﴿وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ بزعمهم، يعتقدون أن عبادة \"الوسطاء\" تشفع لهم عند الله ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي بشفعاء موهومين؟ انظر الآية (٣)، وما ينطوي عليه ذلك من إنكار لعلم الله القديم ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه لله تعالى عما يزعمون من الشركاء والشفعاء.\n\n<span id=\"aya-1383\"></span>﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً﴾ كانوا أمة واحدة على الفطرة والتجانس في حياتهم البسيطة الأولى، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، ثم بعث الله فيهم النبيين برسالة واحدة هي رسالة الإسلام، أي إسلام الأمر الله وحده، والإسلام بهذا المعنى يشمل جميع الأديان التي جاء بها الأنبياء لأنّ أصلها التوحيد والاستسلام لله","vol":"2","page":270},{"text":"تعالى والانقياد لهداية الوحي ولو اختلفت بعض التكاليف وأحكام التشريع التي نسخ بعضها بعضا، انظر [آل عمران ١٩/ ٣]، ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ طوائف وشيعا، وهو سبب ادّعائهم الشفعاء، وعبادتهم ما يضرهم ولا ينفعهم، انظر آية [البقرة ٢١٣/ ٢]، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم إلى الآخرة، وعدم تعجيل العقوبة لهم في الدنيا، (الآية ١١)، إنعاما عليهم، لعلهم يتوبون ويعودون إلى الحق، ومن جهة ثانية تكريما لبني آدم أن يكون لهم حرية الفكر وحرية الخيار بين الحق والباطل، انظر [هود ١١٨/-١١٩]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بإهلاك المبطلين منهم وإظهار أهل الحق، أو بكشف حجب الغيب وانتهاء فترة الاختبار،\n\n<span id=\"aya-1384\"></span>﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - وهذه شبهة رابعة من شبهات الكفار، بعد إنكارهم النبوّة، وإنكارهم البعث والحساب، وزعمهم أن القرآن مفترى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون معجزة مادية خارقة تلمسها أيديهم وتشهدها حواسهم برهانا على نبوته ﷺ، والمعنى أنهم لا يريدون إعمال عقولهم، ولا ينظرون في آيات الكون، ويجحدون أو لا يريدون تقويم الآيات القرآنية بذاتها ومن حيث جدارتها وإعجازها ﴿فَقُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ هو وحده المختص بعلم الغيب، والصارف عن إنزال الآيات المقترحة لحكمة هو يعلمها، كما في آيتي [الأنعام ١٠٩/ ٦ - ١١٠]، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ انتظروا عواقب عملكم وسلوككم، وأنا انتظر ظهور رسالة الإسلام على سائر الأديان.\n\n<span id=\"aya-1385\"></span>﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كالصحة والسعادة، والمقصود بالناس الأنواع المشار إليهم بالآيات (٢٠، ١٨، ١٥، ١٢، ١١، ٧) ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾","vol":"2","page":271},{"text":"﴿مَسَّتْهُمْ﴾ كالمرض والفقر وغيره ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ بعد زوال الضرّ عنهم، ينكصون إلى الجحود والمكابرة وإنكار الإيمان، بل يمكرون في الآيات ويطعنون بها، وهذا المعنى شبيه بالآية (١٢) المتقدمة، سوى أن معنى المكر قد أضيف إليه ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ المكر هو التدبير الخفي الذي يؤدي بالممكور به إلى ما لا يحتسب ولا يتوقع، ومكره تعالى تدبيره الذي يخفى على الناس، وهو أسرع مكرا لأنه سبق في تدبيره أمور الخلق وأعمار الناس، وتقديره الجزاء على الأعمال قبل وقوعها، وفي الآيتين (٢٢ - ٢٣) تفصيل لهذا المعنى ﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ لا يخفى على الله شيء من مكركم وعملكم، قال الألوسي: وكيفية الكتابة ممّا لا يلزم العلم به، كما لا حاجة إلى جعله مجازا عن العلم.\n\n<span id=\"aya-1386\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، فهذه الآية وما يليها مثال على مكر الناس في الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يمكنّكم من ذلك، بما أودع فيكم من العقول والمقدرة على تطوير العلوم والمعارف ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ جرت هذه السفن بمن فيها بسبب ريح طيبة مواتية لوجهة السير، وتغيير الكلام من المخاطب إلى الغائب بقوله تعالى ﴿بِهِمْ﴾ لإبراز المغزى العام لهذا المثل وانطباقه على معظم الخلق ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ اطمأنوا واغتبطوا بأن الأمور مواتية لهم ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ فرجح عندهم الاعتقاد أنهم مشرفون على الهلاك فعندئذ ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بلا كفر ولا شرك ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ المصيبة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أقسموا أمام الله لئن نجوا أن يكونوا شاكرين لنعمائه مقرّين بفضله، والمغزى من هذا المثال أنّ الإنسان إذا اشتدّ خوفه رجع إلى فطرته التي خلق عليها بأنّ الله","vol":"2","page":272},{"text":"وحده المتصرف بالعباد والخلق، ومثال الفلك ينطبق اليوم على أنواعها من بواخر وغواصات وطائرات،\n\n<span id=\"aya-1387\"></span>﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ مستجيبا دعاءهم ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ البغي: الظلم والعدوان والإفساد، والمعنى أنهم على النقيض من دعائهم وقت الشدة أن يكونوا شاكرين لأنعم الله، انقلبوا، بعد نجاتهم، إلى البغي في الأرض ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع علمهم أنهم على غير الحق ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وهي قاعدة عامة، في كل زمان ومكان، أنّ البغي يعود على صاحبه بسوء العاقبة ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تتمتّعون ببغيكم متاع الحياة الدنيا فقط ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخرة، وقد نذيقكم عذاب الدنيا قبل الآخرة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من مفاسد ومظالم، فتلاقون جزاءها،\nوفي الحديث: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل لصاحبه العقوبة، من البغي وقطيعة الرحم» و«أسرع الخير ثوابا البرّ وصلة الرحم، وأسرع الشرّ عقوبة البغي وقطيعة الرحم».\n\n<span id=\"aya-1388\"></span>﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - لما كان سبب مكر الناس في الآيات، (الآية ٢١)، وسبب بغيهم وإفسادهم، (الآية ٢٣)، هو إفراطهم في حب الدنيا وتهالكهم عليها، ضربت السورة مثلا عن الحياة الدنيا، منعا للغرور بها، وموعظة للاعتدال بها وبمواردها، ولاجتناب التوسل إليها بالبغي والظلم:","vol":"2","page":273},{"text":"﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ مثلها كمثل المطر ينزل من السماء ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بسببه ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾ البذور الكامنة في التربة ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ أنبتت الأرض من كل أنواع النبات ممّا يستفيد منه الإنسان والحيوان ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ الزخرف في اللغة هو الذهب، ويشبّه به كل زينة مصطنعة، فالمقصود أن الأرض أخذت زخرفها ليس فقط بنتيجة نبات الأرض وزراعتها، بل أيضا بما أضافه الإنسان بنتيجة جهوده الفنية التقنية في سبيل رفاهيته، ليس بالضرورة بما يتناسب مع الطبيعة والبيئة، بل بما قد يتعارض ويتنافر معها ويخلّ بتوازنها ويلوّثها ﴿وَاِزَّيَّنَتْ﴾ تزيّنت ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ ظنّوا أنهم مسيطرون عليها ومتمكّنون منها بمشاريعهم وبوسائلهم العلمية والتقنيّة ﴿أَتاها أَمْرُنا﴾ المقدّر لإهلاكها، إمّا بجائحة سماوية، أو بما أفسدت يد الإنسان من تخريب البيئة ﴿لَيْلًا﴾ وهم نائمون ﴿أَوْ نَهارًا﴾ وهم غافلون عن آخرتهم لاهثون وراء دنياهم، ويحتمل المعنى أيضا أن تكون بعض أجزاء الكرة الأرضية ليلا وبعضها نهارا، بسبب كروية الأرض، وهو من إعجاز القرآن العلمي ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ كالأرض المحصودة الجرداء المستأصل زرعها ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ كأنّها لم تكن غنية في الماضي ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ مثل هذا التفصيل والبيان ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يستفيدون من عقولهم وأفكارهم، ويتعظون قبل فوات الأوان.\n\n<span id=\"aya-1389\"></span>﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي هم يؤثرون متاع الحياة الدنيا والبغي والإفساد وما يتبع ذلك من الشقاء، في حين أنّه تعالى يدعوهم إلى ما يؤدّي بهم إلى دار السلام والسعادة الأبدية في الآخرة، كما يدعوهم إلى السعادة الدنيوية التي يتمتع بها المؤمنون، وهي الراحة النفسية الداخلية، والعيش بسلام مع دنياهم دون فساد وإفساد ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الله تعالى يدعو كل أحد إلى دار السلام، ويهدي من يشاء الهداية، ومن لديه الاستعداد لها، إلى الطريق الموصل إليها.","vol":"2","page":274},{"text":"<span id=\"aya-1390\"></span>﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - بعد أن دعا تعالى عباده إلى دار السلام، ذكر ما يحصل لهم فيها من السعادة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أعمالهم ﴿الْحُسْنى﴾ المثوبة الحسنى، أو المنزلة الحسنى في الجنة ﴿وَزِيادَةٌ﴾ فوق استحقاقهم تفضّلا منه تعالى، وشبيه بذلك قوله عزّ من قائل: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨/ ٢٤]،\n﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ لا يرهق وجوههم ما يرهق أهل النار من السواد والهوان ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1391\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ بالشرك والمعاصي ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ بلا زيادة عليها، بمقتضى العدل ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يرهقهم الهوان ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ فلا ينتفعون بالشركاء المزعومين والأولياء والشفعاء والزعماء والأسياد ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ وجوههم سوداء، كأنما ألبست قطعا من الليل المظلم، وبالإضافة لكونه حقيقة، قد يكون مجازا عن فضيحة الذنوب والخزي ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1392\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - بعد أن بينت الآية السابقة أن الذين كسبوا السيئات ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾، تؤكد هذه الآية عدم نفع الشركاء لهم: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم البعث ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ قفوا للحساب، كي نفصل بينكم، فيما كان من سبب عبادتكم لمن جعلتموهم","vol":"2","page":275},{"text":"شركاء ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ فرّقنا بين المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله، كناية عن زيف الروابط التي كانت بينهم ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الذين زعموا فيهم الألوهية، أو من زعموا أنهم فوق البشر، أو اعتقدوا فيهم الوساطة أو الشفاعة، أو الذين ادّعوا الزعامة والجبروت والسلطة الدائمة ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ تبرأ المعبودون من العابدين، والمعنى إنّ عبادتكم لم تكن لنا في الحقيقة، ولكن كنتم تعبدون أوهامكم الناتجة من التقليد الأعمى، وتعبدون مصالحكم الدنيوية، وشهواتكم، وزعاماتكم،\n\n<span id=\"aya-1393\"></span>﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - تتمة خطاب المعبودين للعابدين: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ فهو العليم بحالنا وحالكم ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ كنّا في غفلة عن عبادتكم لنا، لا نكترث لها، ولم نطلبها منكم، ونتبرأ منها، بل كنّا نسخر منها ومنكم،\n\n<span id=\"aya-1394\"></span>﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿هُنالِكَ﴾ في ذلك الموقف، أو في ذلك المقام، وهو مقام الحشر، لأن الخطاب تتمة لما قبله، (الآيات ٢٧ - ٢٨ - ٢٩) ﴿تَبْلُوا﴾ تختبر ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مؤمنة وكافرة ﴿ما أَسْلَفَتْ﴾ ما قدّمت من عمل في الدنيا، وتتحقق أن ما عملت من خير فعاقبته خير، وما عملت من شر فعاقبته شرّ، والمغزى أن عاقبة الإنسان نتيجة طبيعية لما قدّم من عمل ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ إلى ثوابه وعقابه ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ الحق في ألوهيته، وليس ما اتخذوه باطلا في دنياهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ذهب وضاع ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانوا يختلقون من الأوهام، ومن الآلهة، والمؤلّهين، ومن الشفعاء والأولياء والزعماء.","vol":"2","page":276},{"text":"<span id=\"aya-1395\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - بعد أن ذكرت الآيات السابقة شبهات الكفار تجاه الوحي، تورد هذه الآية والآيات التي تليها الحجج تجاه ذلك: ﴿قُلْ﴾ أيها النبي، أو أيها المسلم، لأولئك المشركين، وللمشركين في كلّ زمن: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ غير الله سبحانه، رزقا معنويا وماديّا ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ بما فيهما من إعجاز، ومن يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ كخروج النبات من الأرض الميتة، ثم موت النبات، أو كإحياء الإنسان من العدم ثم موته، وعلى المعنى المجازي: من يخرج المؤمن من الكافر، والشرّير من الصالح، انظر [الأنعام ١٢٢/ ٦]، حيث جعل تعالى الكفر موتا والإيمان حياة ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمور الخلق والكون العجيب وما أودعه فيه من النظام والسنن ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ بلا جدال، فهم مقرّون بذلك مع شركهم ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عواقب الشرك، مع اعترافكم أنّ كل هذه النعم والإعجاز وتدبير الكون منه تعالى وحده.\n\n<span id=\"aya-1396\"></span>﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿فَذلِكُمُ اللهُ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ من كانت هذه قدرته في إنعامه عليكم، وأنه الحيّ بذاته، المحيي لغيره، فهو ربّكم الحقّ الثابت بذاته، المتحققة ربوبيته وألوهيته دون سواه ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ فكلّ معبود سواه باطل ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ كيف تصرفون عن عبادته وحده؟ إلى عبادة ما سواه؟ بعد أن عرفتم هذا الأمر الواضح؟\n\n<span id=\"aya-1397\"></span>﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿كَذلِكَ﴾ كما أنه ليس لتارك الحق إلاّ أن يكون على الضلال، كذلك ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ تتحقق سنّته، ويتحقق وعيده ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾","vol":"2","page":277},{"text":"﴿فَسَقُوا﴾ الذين خرجوا عن الحق ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه أنهم يمتنعون باختيارهم، مرجّحين الشرك والكفر، لقوله تعالى ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧/ ٣٩].\n\n<span id=\"aya-1398\"></span>﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - وهذه الحجة الثانية بعد الحجة المشار إليها بالآية (٣١): ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي، أو أيها المسلم ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ الذين تزعمون لهم شركا في الألوهية، كالأصنام والأوثان والأرواح والملائكة المشار إليهم في الآية (١٨) والآية (٢٨)، ممّن يشفعون لهم عند الله بزعمهم ﴿مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إشارة إلى موت وتجدد الحياة العضوية باستمرار برهانا على البعث، لأنهم يعلمون أن ذلك ليس بقدرة الشركاء المزعومين، بل هم في منتهى العجز ﴿قُلِ اللهُ﴾ وحده دون غيره ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إنّكم تعلمون ذلك علم اليقين، وتشاهدونه باستمرار ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ كيف تصرفون عن الحق؟ فالفطرة التي سلمت من الفساد، والعقل الذي سلم من العصبية، يقرّان بذلك.\n\n<span id=\"aya-1399\"></span>﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - بعد الإشارة في الآيات (٣١ - ٣٣) إلى معجزات الخالق ﷿ في الرزق، والمعجزات الكونية الباهرة، والهداية، وإشارة الآية (٣٤)﴾ إلى معجزة الحياة والموت، والعجز التام للشركاء والشفعاء المزعومين، تشير هذه الآية إلى مفهوم آخر، وهو أن الله وحده يهب الإنسان العقل بما يمكنّه من النظر في الدلائل والوصول إلى الحقيقة، وهذه الحجة الثالثة: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ من رؤساء الكفر والضلال، والشفعاء والأولياء والقديسين ومن تدّعون فيهم بعض صفات الألوهية ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ لأن الله وحده واهب العقل والفكر والنظر والفطرة السليمة، يبعث الرسل وينزّل","vol":"2","page":278},{"text":"الوحي، ويوفّق من شاء إلى الهداية ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ سبحانه ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ لأنّه المصدر الوحيد للهدى ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى﴾ الشركاء المزعومون بحاجة لمن يهديهم فكيف يهدون غيرهم ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطل؟\n\n<span id=\"aya-1400\"></span>﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا﴾ أكثر الناس يتّبعون الظن والتخمين، لأنهم إمّا متمسكون بتقليد ما توارثوه عن الآباء والأجداد، أو يبتدعون النظريات والعقائد من عند أنفسهم بلا دليل ولا برهان قطعي ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة: أنّ الله تعالى يهدي إلى العلم اليقيني والاعتقاد الصحيح، بما وهب الناس من العقل والفكر وبعث الرسل وتنزيل الوحي، في حين أنّ المشركين والضالين يتّبعون الظن، وهو لا يغني من العلم اليقيني شيئا، ولذلك قالوا إنّ إيمان المقلّد العالم غير صحيح ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وهذه نقطة ثانية منبثقة عن الإيمان، لأن الإيمان يترتب عليه العمل، فالله تعالى عليم بما يفعلون بمقتضى اعتقاداتهم الظنية، والقطعية، فيحاسبهم على أعمالهم بمقتضى كل منها.\nفما كان قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، وهو الشرع العام الذي لا يجوز للمسلمين الاختلاف فيه، فهو أساس وحدتهم، وما دون ذلك لا يؤخذ به في العقيدة، بل هو متروك للاجتهاد في الأعمال،\n\n<span id=\"aya-1401\"></span>﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - عودة إلى موضوع الآية (١٧)﴾، فبعد أن ذكرت الآية السابقة أن أكثرهم يتّبعون الظن، بدلا من اتّباع العلم اليقيني الذي تضمّنه الوحي، تذكر هذه الآية والآيات التي تليها إعجاز القرآن واستحالة افترائه من بشر:","vol":"2","page":279},{"text":"﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ليست صفة القرآن كصفة شيء يمكن أن يفترى، فالقرآن معجز من نواح متعددة لا يقدر عليه البشر ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يصدّق الصحيح المتبقّي من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، وهو معنى قوله ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فالتصديق ليس للكتب السابقة بوضعها الراهن بما اشتملت عليه من إضافات ومحذوفات وتحريف وتشويه، إذ لم يبق في الكتب المقدسة لدى اليهود والنصارى سوى شذرات من الأصل، انظر شرح آيات [آل عمران ٣/ ٣] و[المائدة ٤٧/ ٥، ١٤، ١٣]، ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ جنس الكتاب، وهو الوحي الذي نزل على جميع الرسل، وفيه تفصيل العقيدة والشريعة والسنن والمواعظ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا يتطرق الشك لأي من محتواه لكونه وحيا: ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1402\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ زعموا أن النبي ﷺ أتى بالوحي من عنده (الآية ١٥)، ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿فَأْتُوا﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿وَاُدْعُوا﴾ لمعونتكم في ذلك ﴿مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ﴾ من بلغائكم وعلمائكم، و\"آلهتكم\" التي تلجؤون إليها في النوائب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ادعوا من استطعتم من خلقه، والمعنى أن الله وحده القادر على أن يأتي بمثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أن هذا القرآن مفترى، وأنه بمقدور الإنس والجن، انظر شرح [البقرة ٢٣/ ٢].\nقال الرازي إنّ مراتب تحدّي الرسول ﷺ بالقرآن ستة: أولها أنه تحداهم جميعا من إنس وجن بكل القرآن، انظر [الإسراء ٨٨/ ١٧]، وثانيها أنه تحداهم بعشر سور، انظر [هود ١٣/ ١١]، وثالثها أنه تحداهم بسورة واحدة من مثل القرآن، انظر [البقرة ٢٣/ ٢]، ورابعها أنه تحداهم بحديث مثله، انظر [الطور ٣٤/ ٥٢]، وخامسها طلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل من مثل النبيّ، أي يساويه في كونه أميا غير متعلم","vol":"2","page":280},{"text":"(البقرة ٢٣/ ٢)، ثم في هذه الآية من سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة، من قبل أي إنسان سواء كان متعلما أم لا، وسادسها أنه تحداهم واحدا واحدا، ثم تحداهم جميعا أن يستعينوا بعضهم ببعض في الإتيان بسورة واحدة إن استطاعوا.\nوقد لاحظ الشيخ محمد رشيد رضا أن مراتب التحدّي هذه غير مراعى بها الترتيب التاريخي بل ذكر كلّ منها بمناسبة سياق سورته، ومن المعلوم بداهة أنه ما كان لعاقل مثل النبي ﷺ أن يتحداهم مثل هذا التحدي لو لم يكن موقنا أن ليس باستطاعة الإنس والجن الإتيان بمثله، في جملته، ولا بسورة واحدة منه، لا أفرادهم ولا جملتهم، فلو كان هو الذي أنشأه وألّفه، كما زعموا، لكان بإمكانهم ما أمكنه، ولكن عجز غيره ممن كانوا أفصح منه دليل على عجزه هو من باب أولى، فالرسول كغيره من البشر لا يقدر على الإتيان بسورة واحدة من عنده، وأما قولهم أن النبي ﷺ كان أفصح قريش وأبلغهم، فالمعروف بالنقل الثابت أنه قبل نزول الوحي لم يكن النبي ﷺ يذكر في فصحاء قريش ولم يعدّ منهم، وإنما امتاز كلامه بالفصاحة والبلاغة بعد البعثة بما استفاده من وحي القرآن، كما أن كلامه وأسلوبه لا يشبه ما جاء به القرآن، وكلام شخص واحد يلزم أن يكون متشابها كما لا يخفى على أحد، يضاف إلى ذلك أن الإعجاز القرآني غير مقتصر على الفصاحة اللغوية بل يتعداها إلى محتواه وتعاليمه، ثم إنّه تعالى ذكر في الآية التالية السبب الذي من أجله كذّبوا القرآن:\n\n<span id=\"aya-1403\"></span>﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه، وقبل أن يتدبروه ويعلموا معانيه، وقبل أن يطّلعوا على الحقيقة، وقبل أن يدركوا إعجازه، وذلك لفرط نفورهم عمّا يخالف ما اعتادوه من تقليد دين آبائهم وأجدادهم ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ التأويل هو المآل أو العاقبة، والمعنى","vol":"2","page":281},{"text":"لم يحن وقت العاقبة بالنسبة إلى ما يعد به القرآن من الغيب، انظر شرح [الأعراف ٥٢/ ٧ - ٥٣]، ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل هذا التكذيب ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وكما يكذّب غيرهم في كل عصر من العصور، يعني قبل أن يدرسوا الوحي من حيث جدارته ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ كيف كان مآلهم.\n\n<span id=\"aya-1404\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ رغم التكذيب المشار له آنفا، فمنهم من سيؤمن بالقرآن وإن طال تكذيبهم، وهو سبب الإمهال وتأخير العقوبة عنهم، لأن فعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ يمكن أن يحمل معنى الاستقبال كما يحمل معنى المضارع، وفي المضارع يحتمل المعنى أنّ منهم من يؤمن به حاليا ولكنه يكذّب عنادا وجحودا ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وهو حال الكفار الذين يبقون مصرّين على الكفر ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ المعاندين والكفار.\n\n<span id=\"aya-1405\"></span>﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ وأصرّوا على الكفر، أيها النبي، أو أيها الداعية في كلّ زمن ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ وهو البلاغ المبين، وما أنا عليكم بمسيطر، ولست عليكم بحفيظ، ولا أكرهكم على الإيمان ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ لكم نتيجة عملكم من التكذيب والشرك والظلم والفساد ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيلقى كل إنسان جزاءه، ولا يحاسب بذنب غيره.\n\n<span id=\"aya-1406\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ بظواهرهم، وقلوبهم لا تعي شيئا، ولا تريد أن تعي شيئا ممّا تقول وممّا تقرأ من القرآن، وذلك لشدة عصبيتهم وإصرارهم على ما توارثوه من آبائهم وأجدادهم، ولشدة بغضهم وعداوتهم للإسلام، حتى بلغوا منتهى النفرة عن قبوله ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ شبّههم تعالى بالصمّ مجازا، لأنهم لا يعقلون ما يسمعون، أي لا","vol":"2","page":282},{"text":"يستخدمون عقولهم لتقويم ما يقوله النبي وما يقرؤون من القرآن من حيث جدارته الفعلية، فقد اتخذوا مواقف سلبية مسبقة سلفا.\n\n<span id=\"aya-1407\"></span>﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ بعينيه، ولا يبصر بقلبه ما آتاك الله من نور الهداية، لانشغاله عن ذلك بما صمّم عليه سلفا ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ تشبيه المصرّ على انغلاق عقله بالأعمى، لكونه أعمى البصيرة عن الحقيقة.\nوالمغزى من الآيتين أنّ فاقد الاستعداد لاستخدام العقل، ومن لا يستطيع أن يضع جانبا العصبية والتقليد المتوارث، لا يستطيع بالتالي أن يسمع الحقيقة ولا يمكنه أن يراها، لأنّ فكره منغلق سلفا على ما فيه.\n\n<span id=\"aya-1408\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ فهو يبعث الرسل وينزّل الكتب، ويعطي الإنسان العقل والحواس ليختار ما هو في صالحه، ولا يسلبهم حواسهم وعقولهم ﴿وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنهم يصرفون عقولهم وأعمالهم لما لا يليق، بل يعطّلون عقولهم.\n\n<span id=\"aya-1409\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - بعد أن وصف تعالى المصرّين على الكفر بقلة الإصغاء، وقلة النظر، أتبع ببيان مآلهم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ الساعة الواحدة من النهار يضرب بها المثل في قصر المدة، أي أن الحياة قصيرة الأمد، في جنب الآخرة، كأنها ساعة واحدة من النهار أمضوها في التعارف فيما بينهم، والمغزى أنهم ضيّعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص عليها، ثمّ لم ينتفعوا منها لآخرتهم شيئا، فكان ذلك العمر بالنسبة إليهم قليلا، يستقلّونه في آخرتهم بعد أن كان منتهى أملهم في الدنيا ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾","vol":"2","page":283},{"text":"﴿بِلِقاءِ اللهِ﴾ خسروا السعادة الأبدية لأنهم كانوا لا يتوقعون البعث بعد الموت، ولا يأملون الحساب والثواب والعقاب ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بما اختاروه لأنفسهم من الكفر وإنكار البعث.\n\n<span id=\"aya-1410\"></span>﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من عاقبة تكذيبهم، في الدنيا قبل الآخرة ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك ﴿فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ للحساب والثواب والعقاب ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ بعد وفاته ﷺ، والمعنى عام ينطبق على كل الأزمنة، لأن بعض المؤمنين قد يتعجبون من نجاة بعض المكذّبين في الحياة الدنيا ويتعجبون من ازدهار أحوالهم، فالجواب أنهم قد يرون عاقبة المكذّبين في الحياة الدنيا، أو قد يتم باقي العقاب أو كله في الحياة الآخرة، فلا ينبغي استباق الأمور، لأن كلّ عمل يحمل في طياته بذور عواقبه،\n\n<span id=\"aya-1411\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ بعثت الرسل إلى كل الأمم على مر العصور، فلم تبق أمة من الأمم بلا هداية وتبشير وإنذار، مع ملاحظة أنّ عموم الآية لا يقتضي كون الرسول حاضرا مع كل أمة، لأن تعاليمه لم تزل باقية لمن بعده ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ وبلغتهم الرسالة، وقامت الحجة عليهم ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لأنّ الله تعالى لا يحاسب الناس إلا بعد أن تبلغهم بعثة الرسل، ونظيره قوله تعالى ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٦]، وقوله تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]، وقوله تعالى ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٨/ ٢٦].","vol":"2","page":284},{"text":"<span id=\"aya-1412\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ وهو قول الكفار في تحدّيهم للمؤمنين ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ متى هذا القضاء بالقسط المشار إليه في الآية السابقة؟ ومتى هذا الوعد بأنّ الله سينصركم علينا؟ والجواب عليه في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1413\"></span>﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ فمن باب أولى لا أملك ذلك لغيري، بسوى الأسباب التي أقدر عليها كما يقدر عليها غيري، وليس منها إنزال العذاب بكم حسبما تريدون ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ إلاّ ما شاء الله أن أملكه من دفع الضرر وجلب النفع بما أعطاني من الكسب الاختياري مع تيسير أسبابه لي، وأما الآيات الخارقة فهي لله وحده، ويحتمل المعنى أيضا أن تكون إلاّ بمعنى لكن، أي: لكن ما شاء الله من ذلك الوعد كائن، متى شاء، ولا شأن لي به، لأن ذلك خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ لبقائها وهلاكها، في علم الله، وليس لي تقديمه أو تأخيره ﴿إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ المقدّر لهم ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ أي شيئا قليلا من الزمن ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يملك الرسول أن يؤخّر الأجل أو يقدّمه، ولا أن يطلب التأخير والتقديم منه تعالى.\n\n<span id=\"aya-1414\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ﴾ الذي تستعجلون به ﴿بَياتًا﴾ ليلا، وأنتم تبيتون في بيوتكم ﴿أَوْ نَهارًا﴾ وأنتم لاهثون وراء دنياكم، والمعنى أنه يأتيكم بغتة بلا توقع مسبق منكم، وفي قوله ﴿بَياتًا أَوْ نَهارًا﴾ أنه يأتيكم والأرض نصفها غارق في الليل ونصفها الآخر في النهار بالنظر لكروية الأرض، وهو من إعجاز القرآن ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي جزء من العذاب يستعجلون؟ لأن مجيء العذاب ليس شيئا ممّا يوجب الاستعجال إلاّ من قبل الجاهلين والحمقى.","vol":"2","page":285},{"text":"<span id=\"aya-1415\"></span>﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ سوف يؤمنون قطعا عند تحقق العذاب، ولكن الإيمان لا ينفع صاحبه وقتئذ، لأنه يصير اضطراريا، بالمشاهدة عيانا، وليس تصديقا بالقرآن وبالرسول ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون به اضطرارا، مع أنّ الإيمان في وقت الإلجاء والقسر باطل لا يفيد صاحبه؟! ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبا بالقرآن واستكبارا!\n\n<span id=\"aya-1416\"></span>﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ وقت وقوع العذاب - واستخدام الفعل الماضي للمستقبل لبيان وقوعه لا محالة - ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر وما يترتب عليه من الفساد والضلال ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ لأن الجزاء مترتب على ما كسبتموه باختياركم من الكفر والفساد في الأرض، وذلك بمقتضى السنن الحكيمة من ارتباط المسببات بالأسباب، راجع شرح الآيتين ٤ و٨ أعلاه.\n\n<span id=\"aya-1417\"></span>﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ يستخبرونك أيها النبي، أو أيها المؤمن ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي هذا الوعد بالقضاء بينهم بالقسط المشار إليه في الآيتين (٤٧ - ٤٨)، أو هذا العذاب الذي يستعجل به المجرمون، هل هو حقّ؟ وسؤالهم دليل أنهم كانوا يظنّون الظنون، (الآية ٣٦)، ولم يكونوا على يقين من تكذيبهم، وإنّما كانوا بين الشك واليقين، وبين العناد والتقليد ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وفائدة القسم أنّ العرب في ذلك العهد كان يقل فيهم الكذب لعزة أنفسهم، وعدم خضوعهم لرئاسة استبدادية تضطرهم إليه، وكانوا يهابون الأيمان الباطلة ويخافونها، أضف ما اشتهر به النبي ﷺ من الصدق حتى لقّبوه بالأمين فلا يعقل أن يقسم باطلا ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فلا تفوتون العاقبة المترتبة على تكذيبكم.","vol":"2","page":286},{"text":"<span id=\"aya-1418\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بأن كذّبت الرسول ﷺ والوحي، وهو المعنى العام للآيات السابقة ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا من الأموال والخيرات قاطبة ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ يوم القيامة، أي ودّت لو تجعله فدية لها من العذاب وقتئذ ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ إسرار الندامة معناه أنهم وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم لهول ما رأوا من العذاب، ومعناه أيضا أنّ الندم لا ينفع بعد انكشاف حجب الغيب ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بينهم وبين الرسل والمؤمنين، وكذلك بينهم وبين من ظلموهم من المرؤوسين الضعفاء ممّن كانوا يصدونهم عن الإيمان، لأن هذا هو ظاهر السياق ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ بل ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم من الأتباع والمقلّدين، وهم لا يظلمون أيضا لأنه لا يحيق بهم إلا ما اقتضاه استعدادهم، وقد جاء قوله تعالى ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ و﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ على لفظ الماضي مع أنّ القيامة من أمور المستقبل، وذلك لتحقق وقوعها لا محالة، فجعل تعالى مستقبلها كالماضي، ومن ذلك قوله تعالى ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤].\n\n<span id=\"aya-1419\"></span>﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مزيد من التأكيد على مقدرته تعالى على إنفاذ حكمه بالعدل، وأنّ الظالمين لا يعجزونه، وفي قوله تعالى ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارة إلى جميع العوالم: السماوات بصيغة الجمع لأنها إشارة إلى الكون كلّه شاملا بلايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له، والأرض بصيغة المفرد وهي الكرة الأرضية التي نعيش عليها، ولا يمنع ذلك أنّ الأرضين كثيرة بدليل قوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]، وسبب ذكرها بالمفرد لأن باقي الأرضين مشمولة في تعبير","vol":"2","page":287},{"text":"السماوات، راجع آية (الأنعام ١ /)، ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ ثابت واقع التحقق لا محالة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس لا يعلمون أمور الغيب، لا من طريق النظر والاستدلال، ولا من طريق الإيمان بالرسل والوحي، لأنهم غافلون مغرورون بالظواهر.\n\n<span id=\"aya-1420\"></span>﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا، وهو دليل على البعث والنشور في الآخرة ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة للحساب والثواب والعقاب.\n\n<span id=\"aya-1421\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - بعد أن أوضحت السورة براهين الألوهية والتوحيد، والدلائل الدالة على صحة النبوة والوحي، والقدرة على البعث والنشور والحساب، تعود إلى استمالة الناس نحو قبول الحق: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي القرآن الكريم، والموعظة هي الوصية بالحق والخير واجتناب الباطل والشر ﴿وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ شفاء لما في الصدور من الشكّ والحيرة والتخبط، وشفاء من الباطل كالشرك والكفر والجهل والضلال والنفاق ﴿وَهُدىً﴾ إرشاد إلى الحقيقة، ولبيان ما يصح وما لا يصح ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الصادقين في البحث عن الحقيقة والتوصّل إليها والإيمان بها، فالرحمة تعود على من يؤمن، أي إنّ الموعظة وشفاء الصدور والهدى لا يستفيد منها إلاّ المؤمن، أمّا الكافر والمكابر فيظلم نفسه بجحود الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-1422\"></span>﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿قُلْ﴾ للناس أيها النبي: ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أي بالقرآن وبالإسلام ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ التأكيد يفيد الحصر، أي إيجاب الفرح بهما دون ما عداهما من فوائد الدنيا، أي لا مفرح حقيقة سواهما ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ من ثروات الدنيا والتهالك عليها فهي منتهية إلى الزوال، والمقصود","vol":"2","page":288},{"text":"إرشاد الناس لأنّ الهداية الروحانية تأتي بالدرجة الأولى قبل مادية الدنيا، وهو ما حصل بالفعل مع المسلمين في العصور الأولى إذ كانت هدايتهم بفضل الله وبرحمته مع سعيهم في الأسباب، فلمّا صارت الدنيا عندهم مقصودة بذاتها، وتركوا هداية الدين، استووا مع غيرهم من غير المؤمنين وذهبت دنياهم إلى أيدي أعدائهم.\n\n<span id=\"aya-1423\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أخبروني أيها الجاحدون للوحي والتشريع الإلهي ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ لمنفعتكم، والرزق ليس مقتصرا على الطعام والشراب فقط بل يتعداه إلى العلم والشرع كما في الدعاء: اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه فجعل اتباع الحق رزقا ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا﴾ حرّمتم بعضه وحلّلتم بعضه الآخر، فجعلتم أنفسكم مصدرا للتشريع ﴿قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في التشريع من عندكم، وفي التحريم والتحليل بوحي نزل عليكم؟ والمعنى لا يحق لأحد أنّ يشرّع ما يخالف القرآن، ولا أن يحرّم على الناس ويحلّ لهم من عنده ﴿أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ بزعمكم أنّه تعالى حرّمها عليكم؟ والمغزى أيضا: ما دمتم أنتم تنكرون الوحي والنبوة فما بالكم تحرّمون وتحلّون من عندكم وتفترون الكذب على الله تعالى؟ - وهو اتصال الخطاب بما قبله،\n\n<span id=\"aya-1424\"></span>﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ الافتراء على الله بالتشريع وبالتحريم والتحليل من عندهم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ما ظنّهم بحسابهم يوم القيامة؟ والمعنى لا يتركون بغير عقاب لأنهم تعمّدوا الكذب في حق خاص بربوبيته، فنازعوه تعالى فيه وأشركوا به ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ أولا بإمهالهم","vol":"2","page":289},{"text":"لعلهم يتوبون من افترائهم وجحودهم وكفرهم، وثانيا في كل ما جعله لهم من الرزق، وما شرعه لهم من الدين، ومنه أن جعل الأصل فيما أنزله لهم من الرزق الإباحة، وجعل حق التحريم والتحليل له وحده ﷿، لكيلا يتحكم فيهم أمثالهم من العباد، وأباح لهم ما حرّمه عليهم إذا اضطرّوا إليه وكان تركه أضرّ من تناوله، وحصر أصول المحرمات في آية [الأنعام ١٤٥/ ٦]، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ ذلك الفضل فلا ينتفعون به، ولا يغتنمون فرص التوبة، بل يظلمون أنفسهم بتحريم ما لم يحرّمه، حتى أنّ بعضهم يجنح إلى الغلو في الزهد، وترك الزينة والطيبات من الرزق، أو في ضد ذلك من الإسراف في الشهوات،\n\n<span id=\"aya-1425\"></span>﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَما تَكُونُ﴾ أيها النبي ﴿فِي شَأْنٍ﴾ أي في أمر من أمورك الهامة، الخاصة والعامة من شؤون الأمّة - لأنّ الشأن هو الأمر العظيم ذو البال - ويفهم من الخطاب أنّ جميع أموره ﷺ كانت عظيمة الشأن حتى العادات منها، لأنه كان قدوة صالحة في كل عمله ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ﴾ أي من القرآن، لأنّ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود إلى القرآن، وقد تمت الإشارة إليه في الآيات ٣٨، ٣٧ والآيات ٥٨، ٥٧ ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي من بعض القرآن، فيكون تقدير الخطاب: وما تتلو من القرآن من قرآن، لأنّ تعبير القرآن يشمل الجزء والكلّ ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ أيها الناس جميعا، فالخطاب عام للناس كلهم ﴿إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ الله تعالى شاهد على كل شيء ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الإفاضة في الشيء هي الدخول فيه والاندفاع والانهماك به ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ ما يبعد ولا يغيب عنه - لأنّ أصل العزوب هو البعد، وقالوا أنّ الفرد يسمّى عزبا لبعده عن الزوج - ﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ مهما بلغ صغرها - وقدّم ذكر الأرض لأن الكلام في قاطنيها من البشر - ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.","vol":"2","page":290},{"text":"<span id=\"aya-1426\"></span>﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - بعد أن بيّنت الآيات السابقة مصير الظالمين والمفترين، وإحاطة علمه تعالى بكل شيء، تشرح هذه الآية أحوال المخلصين الصادقين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ﴾ الولي - بسكون اللام - في اللغة يدل على معنى القرب، وفي الحديث «كل مما يليك» أي مما يقاربك، فولي كل شيء هو الذي يكون قريبا منه، والقرب من الله تعالى يكون بالاجتهاد في طاعته وذكره على الدوام، والوليّ ضد العدو، فأولياء الله تعالى أضداد أعدائه المشركين به، الكافرين بنعمه، وهم الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده، والتوكل عليه، وحبه والحب فيه، ولا يتخذون من دونه وليا ولا شفيعا يقربهم إليه زلفى، ولا يتخذون وكيلا ولا نصيرا فيما يخرج عن توفيقهم لإقامة سننه في الأسباب والمسببات، ويتولّون رسوله والمؤمنين، فهنالك يكون العبد في غاية القرب من الله تعالى، كما يكون الله وليا له أيضا لقوله تعالى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧/ ٢]، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهو ما بشّر به القرآن جميع المؤمنين الصالحين، كما في قوله تعالى ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام ٤٨/ ٦]، وقوله تعالى ﴿فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف ٣٥/ ٧]، وقوله تعالى: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف ٦٨/ ٤٣ - ٦٩]، فعدم الخوف والحزن يتحقق لهم في الآخرة على أتم وجه، وهو المقصود من الآية بالذات، وأما في الدنيا فإنهم لا يخافون من مكروه مثلما يخاف غيرهم من عبيد الدنيا وضعاف الإيمان والكفار، وإنما يكونون أصبر الناس وأرضاهم بسنن الله في خلقه، حيث يمتنع أن يكون خوف أو حزن لمن يضع الآخرة نصب عينيه ولا يتهالك على دنياه ولا يسعى إليها كأنها مبلغ همّه، ثم إنّ الآية التالية (٦٣)﴾ تبين صفات هؤلاء الأولياء:","vol":"2","page":291},{"text":"<span id=\"aya-1427\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - هذه الآية بيان صفات أولياء الله المشار إليهم في الآية السابقة:\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إيمانا يقينيا ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ بالفعل المضارع، تعبيرا عن دوامهم على هذه الحال من التقوى في السراء والضراء، والتقوى اتقاء كل ما يخالف الشرع، واتقاء مخالفة سننه تعالى في خلقه، كالعمل والصبر وابتغاء أسباب الصحة والقوة والنصر وعزة الإسلام.\n\n<span id=\"aya-1428\"></span>﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿لَهُمُ﴾ أي أولياء الله ﴿الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي البشارة السارة التي تنبسط لها بشرة الوجه، وهي السعادة التي يتمتعون بها لقربهم من الله تعالى، وليقينهم بتحقق البشرى بحسن العاقبة في أمورهم، وأمور المسلمين واستخلافهم في الأرض ما أقاموا شرع الله واتبعوا سننه في الخلق ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ تتحقق لهم البشرى على أتم الوجوه بالأمن والسلام والجنة ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ في تحقق تلك البشرى لهم ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي لا يعلوه ولا يقارن معه فوز.\n\n<span id=\"aya-1429\"></span>﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَلا يَحْزُنْكَ﴾ أيها النبي ﴿قَوْلُهُمْ﴾ قول الكفار بالتكذيب - المشار إليه في الآيات (٥٣، ٤٨، ٤١) - ولا يحزنك قولهم بالافتراء - المشار إليه في الآية (٦٠)﴾، والسبب في عدم وجوب الحزن لأن العزة لله جميعا: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ القوة الكاملة والقدرة التامة والغلبة النهائية لله تعالى وحده، فهو ناصرك ومعينك عليهم، فلا مبرر لحزن والحالة هذه، والآية التالية تأكيد على ذلك ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنواياهم وبأعمالهم، فيجازيهم بها، ويمنعهم منك.","vol":"2","page":292},{"text":"<span id=\"aya-1430\"></span>﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من عابدين ومعبودين على السواء، فالكل عبيده مملوكون له ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ﴾ بمعنى النفي أي ما يتبعون حقيقة الشركاء، وإن كانوا يسمونهم شركاء، إذ لا شركاء له تعالى - فتكون شركاء منصوبة بفعل يتّبع -، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون التعبير بمعنى الاستفهام: يعني وأي شيء يتّبع هؤلاء الذين يدعون من دون الله شركاء؟ - فتكون شركاء منصوبة بفعل يدعون - والمغزى أنهم يتّبعون أوهامهم، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون التعبير معطوفا على ﴿مَنْ﴾، أي وله شركاؤهم، وفي قراءة «تدعون» بالتاء فيكون المعنى: وأي شيء يتّبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين؟ إنهم يتبعون الله وحده ويطيعونه، انظر آية [الإسراء ٥٧/ ١٧]، فما بالكم لا تفعلون مثلهم؟ ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ إن يتبع المشركون إلاّ ظنّهم وليس فيه من اليقين والحقيقة شيء ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ يخمنّون تخمينا ويحزرون حزرا، لأنّ أصل الخرص الحزر والتخمين والتقدير، ثمّ لكثرة الخطأ فيه أطلق على الكذب.\n\n<span id=\"aya-1431\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ هذا استدلال على ما قبله من نفي الشركاء، وأن القدرة الكاملة والنعمة الشاملة لله وحده، وهو دليل على تفرده سبحانه باستحقاق العبادة، والمعنى: هو الذي جعل لكم الوقت قسمين بمحض حكمته ورحمته: أحدهما الليل جعله مظلما للسكون بعد تعب النهار، والثاني مبصرا - أي معطي الإبصار - للانتشار والعمل في الأرض ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي حججا ودلالات ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ الحجج سماع فقه وتفكر.","vol":"2","page":293},{"text":"<span id=\"aya-1432\"></span>﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - وهذا نوع آخر من أباطيل المشركين والكفار أن زعموا لله ولدا:\n﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ كزعم المشركين أن الملائكة بنات الله، وزعم المسيحية عن عيسى ﵇ ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له تعالى عن اتخاذ الولد وعن كل ما لا يليق به ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ بذاته فيمتنع أن يكون له ولد ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ كل ما في الوجود والغيب له، لا يحتاج منها إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيء ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ السلطان الحجة والبرهان، أي ليس عندكم بهذا القول برهان ولا دليل تعارضون به هذا البرهان العقلي وهو تنزيه الله وغناه المطلق عن الولد وغيره، وكونه المالك لكل شيء مما في السماوات والأرض ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن القول بما لا برهان عليه عبارة عن جهل وليس بعلم، وهذه الآية دليل آخر على بطلان التقليد في العقيدة.\n\n<span id=\"aya-1433\"></span>﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ بزعمهم اتخاذه ولدا، أو باتخاذهم الشركاء له، أو بالتحليل والتحريم من عندهم ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1434\"></span>﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا﴾ المعنى حتى لو أفلحوا في الدنيا، فمتاع الدنيا زائل والحياة قصيرة، ولا يقاس المتاع الزائل مع النعيم الدائم ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا، كفرهم بالآيات وبالنعم، وتكذيب الرسل والافتراء.","vol":"2","page":294},{"text":"<span id=\"aya-1435\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ (٧١)\n٧١ - هذه الآية والآيات التي تليها حتى الآية (٩٨)﴾، تذكر بعض العبر المتعلقة بموضوع هذه السورة من قصص ثلاثة أنبياء نوح وموسى ويونس، وهي متصلة بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا﴾ (الآية ١٣)، وقوله تعالى ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا﴾ (الآية ٣٦)، وقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (الآية ٤٧)، وقوله تعالى ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (الآية ٦٦)، ثم هي استمرار مباشر للآيتين (٦٩ - ٧٠) التي قبلها بأن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، وهذه هي المرة الثانية في ترتيب السور التي ترد فيها قصة نوح موجزة، بعد أن وردت ملخّصة في سورة [الأعراف ٥٩/ ٧ - ٦٤] وكما هي العادة يلاحظ إبراز عبر جديدة من القصة لم ترد في غيرها من السور، راجع شرح [الأعراف ٦٤/ ٧]:\n﴿وَاُتْلُ﴾ أيها النبي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على المشركين ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي بعض خبره، لما فيه من العبر من عدم فلاح المفترين وكون ما يتمتعون به من الدنيا مقارب للفوات وأن أمثالهم مشرفون على الشقاء الأبدي، وليعلموا سنّته تعالى في نصر رسله على المكذّبين ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي﴾ وجودي بينكم ﴿وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ﴾ إن كانت إقامتي بينكم شاقة وثقيلة الظلّ بعد أن مكثت بينكم قرابة ألف سنة إلا خمسين عاما، أعظكم خلالها وأدعوكم لعبادة الله وحده ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وهو أول جواب من نوح على سلوكهم لأن شدة نفرتهم منه قد تحملهم على إيذائه وأنه بالمقابل يدفع هذا الشر منهم بالتوكل على الله، والواضح من خطاب نوح أنّه قد طال به الأمد في دعوة قومه كل هذه المدة بلا جدوى بسبب شدة اعتيادهم على طرقهم ومذاهبهم الفاسدة وتشنّجهم في التمسك بها، ويبدو أنّ من ألف طريقة","vol":"2","page":295},{"text":"في الدين فإنّه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها، ويثقل عليه أن يواجه بضعفها وركاكتها وبالدلائل القاهرة على فسادها، ولا سيّما إذا كان المدعو متمسّكا بالتقليد معرضا عن تقويم الدعوة الجديدة تقويما عقلانيا من حيث جدارتها وأحقيتها، أو إذا كان من جهلة العوام، فإذا تضافرت مع ذلك القيود الاجتماعية أو المصالح الدنيوية الآنيّة أو كلاهما، اشتدّ حرجه واشتدّت نفرته من الدعوة ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ لا تتركوا شيئا من إمكاناتكم وخططكم إلاّ أجمعتم على حشدها ضدّي، أو كونوا في حالة إجماع في أموركم بشأن دعوتي لكم ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ واجمعوا معكم شركاءكم المزعومين من الأوثان التي تسمونها آلهة ومن الزعماء والرؤساء الذين تدّعون فيهم الألوهية ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ ليكن أمركم واضحا بلا إبهام ﴿ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلون - لأنّ الإنظار والنظرة بمعنى الإمهال - ومغزى قول نوح ﵇ أنه قد بلغ الغاية في التوكل على الله، ولا يكترث بهم، لأنّ الله تعالى ينصر رسله ويكفيه شرورهم، فلا يصل كيدهم إليه.\n\n<span id=\"aya-1436\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الرسالة وبقيتم على إعراضكم عن دعوتي لكم ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ﴾ مقابل تذكيري ووعظي ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ لم أطلب منكم شيئا من منافع الدنيا فيثقل ذلك عليكم، ولا أخاف أن تقطعوا عنّي خيرا إذ لا أطمع بشيء منكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ وحده سواء آمنتم أو أعرضتم ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المستسلمين لأمره تعالى والمنقادين لحكمه.\n\n<span id=\"aya-1437\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أصرّوا على تكذيبه ﴿فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة التي صنعها بأمره تعالى ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾","vol":"2","page":296},{"text":"يخلفون في الأرض الذين هلكوا بالغرق، وفيه إشارة إلى الآية (١٤) ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ عاقبة المصرّين على التكذيب الذين تمّ إنذارهم، بالمقارنة مع نجاة المؤمنين، وهي العبرة من الآية.\n\n<span id=\"aya-1438\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد نوح ﴿رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ﴾ إشارة إلى أنّ الأنبياء قبل محمد ﷺ كانوا يبعثون كلّ إلى قومه حتى كانت بعثة خاتم الأنبياء والرسل الذي بعث إلى الناس كافة ﴿فَجاؤُهُمْ﴾ أي كل رسول إلى قومه ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ لكلّ قوم بحسب المستوى العقلي والفكري الذي كانوا عليه ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ لما شبّ عليه الأكثرون من التمسّك بتقليد من قبلهم ﴿كَذلِكَ﴾ بمثل هذه السنّة التي اطّردت في أمثالهم ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ قال الزمخشري: الطبع كناية عن عنادهم ولجاجهم، وهو واضح من إسناد الاعتداء إليهم ووصفهم به، وأضاف الألوسي أنّ من عاند وثبت على العناد خذله الله تعالى ومنعه التوفيق واللطف، وفي المنار أن علاقة الاعتداء بالطبع على القلوب، كعلاقة العلّة بالمعلول، والسبب بالمسبّب، وسنته تعالى في دوام كل منهما بدوام الآخر وليس ما قد يفهمه بعض مدّعو الجبرية.\n\n<span id=\"aya-1439\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد أولئك الرسل ﴿مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ إلى فرعون وكبار قومه، وتسميتهم بالملأ لأنّ أولو الأمر يملأون الأعين والنفوس، وتخصيصهم بالذكر لأنهم المعنيّون باتخاذ القرار ﴿بِآياتِنا﴾ وهي الدلائل على الوحدانية وحقيقة الخلق ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن دعوة موسى والإقرار بها ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ كان شأنهم ودأبهم الإصرار على الكفر.","vol":"2","page":297},{"text":"<span id=\"aya-1440\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ في الرسالة السماوية ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾ من عند الله وليس من عند موسى ﴿قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بهرتهم الرسالة الإلهية فعزوها إلى السحر، كما فعل مشركو مكة مع النبي ﷺ (الآية ٢).\n\n<span id=\"aya-1441\"></span>﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾ أي تقولون فيه ما تقولون - وحذف المفعول به لدلالة القول عليه - أو كما قال الألوسي إنه مما لا ينبغي أن يتفوّه به ولو على سبيل الرواية ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾ استفهام إنكار من قبل موسى ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ تتمة كلام موسى، بمعنى أنّ تأثير السحر لا يمكن أن يكون سوى وقتيّ عابر، وليست الرسالة السماوية كذلك.\nويحتمل المعنى أيضا نسب القول إلى السحرة متهكمين: ﴿أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ فتكون الجملة مفعول به، فكأنهم قالوا له: أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح؟ ونحن نعلم أنّ السحر ليس سوى شعوذة وتخييل نرهب به العامّة، فجئتنا تزاود علينا ببضاعتنا!؟ أو قد يكون أنهم تعجّبوا من فلاحه مع أنّه بظنهم ساحر.\n\n<span id=\"aya-1442\"></span>﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ لتلفتنا أي لتصرفنا، والمراد أنهم يدفعون حجّة موسى البيّنة بمجرد الإصرار على التمسك بتقليد الآباء ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لتكون الدنيا والزعامة لكما بعد أن كانت لنا، وهو السبب الثاني من عنادهم، ويلاحظ أن الخطاب الخاص بالدعوة موجّه إلى موسى وحده لأنه الداعي لهم بالذات، وأشركوا أخاه في ثمرة الدعوة وفائدتها لأنها تكون مشتركة بينهما بالضرورة ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ فلا نخرج من دين آبائنا الذي تقلده عامّتنا، وتقوم عليه دعائم ملكنا","vol":"2","page":298},{"text":"الذي تتمتع خاصّتنا بكبريائه، وقالوا سمّي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا.\n\n<span id=\"aya-1443\"></span>﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ إسناد القول لفرعون لأنّ الأمر من وظائفه وحده دون الملأ ﴿اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ راسخ في شؤون السحر، وفيه الانتقال من مقارعة موسى بالقول إلى مقارعته بالفعل.\n\n<span id=\"aya-1444\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ ورد تفصيل مجيئهم في سورة الأعراف (١١٣ - ١١٥)، وسورة طه (٦٠ - ٦٥)، اللتين نزلتا قبل هذه السورة ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي ألقوا ما استقرّ رأيكم على إلقائه كائنا ما كان من أصناف السحر، استخفافا بهم ولكي يظهر للناس أنّ عملهم شعوذة محضة.\n\n<span id=\"aya-1445\"></span>﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم، انظر [طه ١١٦/ ٢٠]، ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي هو السحر بعينه الذي جئتم به، وليست رسالتي كذلك ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيظهر بطلانه ويمحقه بالكلية فيظهر الفرق بين المعجزة والشعوذة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ من سحرة وغيرهم، أي من طبيعة أعمالهم أنها تكون فاسدة غير دائمة، وتلك قاعدة عامة في تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد، أنّ الله تعالى يسلّط الدمار على عمل المفسدين، والمعنى أيضا أن السحر ليس سوى إفساد.\n\n<span id=\"aya-1446\"></span>﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ﴾ فيظهره على الباطل ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بقضائه وبسنته الأزلية ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المصرّون على المعصية والكبر.","vol":"2","page":299},{"text":"<span id=\"aya-1447\"></span>﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ بعد ظهور المعجزة ﴿إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قليلي العدد سواء من بني إسرائيل أو من المصريين ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ أي مع خوفهم ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ﴾ كانوا خائفين من فرعون من جهة، ومن جهة ثانية من ملأهم أي من كبار قومهم الذين لم يؤمنوا وهم عرفاؤهم عند فرعون لأنّ الملوك تستعبد الشعوب بعرفاء من الشعوب نفسها ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يبتليهم بالتعذيب ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ غالب قاهر ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ في أمره، ومن ذلك ادعاؤه الألوهية، وقد يكون المعنى أنه في حين أظهرت الأقلية إيمانا بموسى علانية مع خوفها من فتنة فرعون وملئه، فقد كتمت الأكثرية إيمانها.\n\n<span id=\"aya-1448\"></span>﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لمّا رأى تخوّف الأكثرين الذين كتموا إيمانهم ﴿يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ حقّا ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ وحده دون غيره ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ إن كنتم في إيمانكم مستسلمين لله مذعنين فعلا لا قولا، والمعنى أن الإيمان لا يمكن أن يكون يقينا إن لم يصدّقه العمل وهو الإسلام، أو الاستسلام لله تعالى والعمل بأوامره وقد بيّنت الآية أنه شرط التوكّل، فإن لم يكن هنالك إسلام تام - استسلام لله - لا يكون بالتالي توكّل صحيح،\n\n<span id=\"aya-1449\"></span>﴿فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿فَقالُوا﴾ امتثالا لأمر موسى: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي بعد أن عزموا على قرن القول بالفعل والصبر على الشدائد، ثم أتبعوه بالدعاء: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وهذا الدعاء يحتمل أكثر من معنى منها: ربّنا لا تسلطهم علينا فيفتنونا، أي نصبح مفتونين منصرفين عن هذا الدين الحق بظلمهم وقهرهم، ولا تفتنهم بنا فيزدادوا كفرا وعنادا لظنهم أن لو كنّا على","vol":"2","page":300},{"text":"الحق لما استطاعوا أن يظهروا علينا، والمعروف أن الدعاء لا يصح ولا يقبل فيستجاب إلا إذا كان مسبوقا أو مقترنا باتخاذ الأسباب، بأن يعمل المرء ما يستطيع، ويطلب من الله أن يسخر له ما لا يستطيع.\n\n<span id=\"aya-1450\"></span>﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي من سلطانهم وحكمهم، وقد لاحظ الرازي في ترتيب الدعاء أنّهم قدّموا اهتمامهم بأمر دينهم (٨٥) على اهتمامهم بأمور دنياهم (٨٦).\n\n<span id=\"aya-1451\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّء ا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّء ا﴾ اتّخذا ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ يجتمع فيها المؤمنون، بدليل قوله: ﴿وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي الجهة التي يقبل عليها الناس لأنّ القبلة من الإقبال، والمغزى أن تكون بيوتهم مركزا للدعوة الجديدة، أو أن يقبل عليها المؤمنون للتجمع استعدادا للخروج من مصر كما سيرد في الآية (٩٠) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ للدعاء ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بحصول مقصودهم.\n\n<span id=\"aya-1452\"></span>﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿وَقالَ مُوسى﴾ بعد أن بذل قصارى جهده في الدعوة ويئس من هداية فرعون وملئه، ولما علم ذلك من الوحي: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ قرئت ﴿لِيُضِلُّوا﴾ بضم الياء وفتحها، وقالوا أنّ اللام لام العاقبة بمعنى أن عاقبة الزينة وكثرة الأموال عند فرعون وملئه لم تكن سوى الضلال والإضلال، والكبر والخيلاء، إذ أمكنتهم من إخضاع رقاب الناس وإفسادهم ﴿رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ طمس الأموال","vol":"2","page":301},{"text":"إزالتها، والدعاء بطمسها لأنّها كانت بأيدي الملأ من كبار القوم دون الدهماء من عامة الناس ﴿وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حتى تصبح ضيقة حرجة لا يتمتعون معها بالسعادة ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ حتى يعيشوا حالة من القلق والتعاسة والضيق النفسي والخوف والترقّب.\n\n<span id=\"aya-1453\"></span>﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ بطمس أموال الملأ والشدّ على قلوبهم، ولكن في وقته ﴿فَاسْتَقِيما﴾ على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجّة ولا تستعجلا، واستمرّا في إعداد بني إسرائيل للخروج ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي سبيل الجهلة بسنة الله في الخلق، فلا تستبطئا إنجاز الوعد قبل أوانه، لأنّ الدعاء وإن كان مجابا فقد لا يحصل في الحال، والمغزى أنه تعالى يعطي الناس فرصا للتوبة والرجوع إلى الحق ثمّ إذا حصلت لهم سوء العاقبة كانت نتيجة إصرارهم ومحض أعمالهم الاختيارية.\n\n<span id=\"aya-1454\"></span>﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي بعد تبيّن إصرار فرعون وملئه على الكفر وبعد أن تمّ تجمّع بني إسرائيل وحان أوان خروجهم، جاوزوا إلى الشاطيء الآخر بلطف العناية الإلهية ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ ظلما واعتداء ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ خاض فرعون البحر وراءهم حتى إذا وصل إلى حد الغرق ﴿قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ بدعوة موسى ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المستسلمين لله المنقادين لأمره، أي جمع بين الإيمان الذي هو التصديق بالقلب، والإسلام الذي هو الإذعان والخضوع بالفعل (انظر شرح الآية ٨٤)، وكان من قبل جاحدا، أي مصدّقا غير مذعن ولا خاضع، أي بعد جحودهم بآيات موسى، كانت هذه عاقبتهم.","vol":"2","page":302},{"text":"<span id=\"aya-1455\"></span>﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿آلْآنَ﴾ اضطرارا، بعد فوات أوان الخيار الحر ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا ينفع ادعاء الإسلام صاحبه بعد أن صار اضطرارا، انظر آية [النساء ١٨/ ٤].\n\n<span id=\"aya-1456\"></span>﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ لعل هذه إشارة إلى عادة قدامى المصريين تحنيط أجساد فراعنتهم، ومنهم منفتاح الذي قيل إنه فرعون الذي أخرج موسى من مصر ولا تزال جثته محنطة في المتاحف المصرية إلى اليوم ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ غافلون عن الآيات الكثيرة المحيطة بهم وعن استخلاص العبر منها.\n\n<span id=\"aya-1457\"></span>﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ المبوّأ هو الموطن، والمقصود موطنا محمودا صالحا مباركا وهي فلسطين، ثم آلت فلسطين لذرية إبراهيم من العرب تصديقا لنبوءة موسى (انظر سفر التثنية ١٨/ ١٨) بنتيجة فشل اليهود في حمل رسالة التوحيد ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فيها ﴿فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ وهو علم الدين فقد عصوا موسى واختلفوا على التوراة ودرسوها أي طمسوها كما تدرس الريح الأثر، انظر شرح آية [الأعراف ١٦٩/ ٧]، وكفروا بآخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇، ثم بمحمد ﷺ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيبيّن لهم الحق من الباطل، والمعنى أنهم لا يتفقون في الدنيا على حقّ، قال الرازي: المراد أنّ هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في الدنيا، وأنه تعالى يقضي بينهم في الآخرة، انتهى، لقوله تعالى ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٩/ ١١]، راجع شرح آيتي [هود ١١٨/ ١١ - ١١٩].","vol":"2","page":303},{"text":"<span id=\"aya-1458\"></span>﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ أيها الإنسان ﴿فِي شَكٍّ﴾ بعد كل هذه الآيات والعبر ﴿مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ من القرآن ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المقصود بالكتاب جنسه أي كالكتب التي نزلت على أنبياء اليهود والنصارى والتي رغم تشويهها بقي فيها شذرات من الأصل ومنها النبوءات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ بنزول القرآن ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكّين، وهذه الآية ذات ارتباط بالآيتين (٥٧ - ٥٨)، وشبيه بها قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦/-٧]،\nوأمّا ما أورده بعض المفسرين من أن الخطاب في الآية للنبي ﷺ فغير مستساغ ولا معقول ولا يستقيم مع تتمة الخطاب في الآية (٩٥)، وقد أورد الرازي نحوا من هذا النفي، وكون السورة بكاملها مكية حيث لم يكن قد آمن وقتها من أهل الكتاب أحد دلالة على عمومية الخطاب، ولا شكّ أنّ المعنى العام للآية يؤدي تتابع الوحي الإلهي الذي نزل على الأنبياء ووحدة الغرض من رسالاتهم.\n\n<span id=\"aya-1459\"></span>﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿وَلا تَكُونَنَّ﴾ أيها القاريء أو السامع ﴿مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنّ كل من كذّب بالآيات خسر نفسه، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٢/ ٦]، والآية أمر باستدراك الفرصة قبل فواتها، كما سيرد في الآيات التالية (٩٦ - ٩٧ - ٩٨).\n\n<span id=\"aya-1460\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ باستحقاقهم العذاب في علم الله القديم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لرسوخهم في الكفر والتصميم عليه وإحاطة","vol":"2","page":304},{"text":"جهالاتهم بهم، وليس أنه تعالى منعهم من الإيمان منعا قهريا، بل ذلك من كسبهم واختيارهم.\n\n<span id=\"aya-1461\"></span>﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ من الآيات الكونية المحيطة بهم من كل جانب، أو من آيات القرآن الكريم ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ فحينئذ يؤمنون إيمانا اضطراريا يكون انفعالا وليس فعلا من أفعالهم الطوعية فلا يترتب عليه بالتالي تطهير نفوسهم وتزكيتها.\n\n<span id=\"aya-1462\"></span>﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (٩٨)\n٩٨ - تتمة الخطاب من الآيتين السابقتين: ﴿فَلَوْلا﴾ بمعنى فهلا ﴿كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ قبل نزول العذاب بها ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ لأن الإيمان لا ينفع بعد حلول العذاب ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا﴾ استدركوا أنفسهم بالإيمان قبل فوات الأوان، ويونس النبي (٨٦٠ - ٧٨٠ ق م) بعث إلى الآشوريين في بابل في عاصمتهم نينوى التي لا تزال بقاياها ماثلة على شاطئ دجلة المقابل لمدينة الموصل، ويبدو أنّ معظم قومه أصرّوا على رفضه حتى ذهب مغاضبا كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١]،\nثم استدركوا أنفسهم بالإيمان فنجوا: ﴿كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ والآية إنذار لمشركي مكة في وقته، وللناس في كل مكان وزمان بالاستجابة لرسالة القرآن قبل فوات الفرصة، وقبل أن تحقّ عليهم كلمة الله، كما ورد في الآيتين (٩٦ - ٩٧).\n\n<span id=\"aya-1463\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ أي لألجأهم تعالى إلى الإيمان إلجاء، وفي ذلك إشارة للآية (١٩)﴾، ولو شاء الله لخلقهم","vol":"2","page":305},{"text":"كالملائكة لا استعداد في فطرتهم لغير الإيمان، والمعنى أنه سبحانه لا يشاء ذلك لكونه مخالفا للحكمة التي عليها أساس التكوين والتشريع، فاقتضت حكمته تعالى أن يخلق الإنسان مختارا مستعدّا بفطرته للإيمان والكفر، فما دام خلق الإنسان على هذه الفطرة فمن باب أولى ألاّ يجوز للبشر إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ أيها الإنسان ﴿تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ الإكراه مناف للحكمة من فطرة الناس على حرية الخيار، والمعنى أيضا أنّ الإكراه غير ممكن وغير مستطاع عدا كونه لا يصح، وهو ليس من وظائف الرسالة التي بعث بها النبي ﷺ، وقد أجمعوا أنّ إيمان المكره باطل لا يصح.\n\n<span id=\"aya-1464\"></span>﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ﴾ في استقلالها في أفعالها وحرية خيارها بين الحق والباطل ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فهي مختارة في دائرة الأسباب والمسبّبات، ولكنها غير مستقلة في خيارها أتم الاستقلال بل مقيّدة بنظام السنن الإلهية والأقدار، فالمنفي هنا استطاعة الخروج عن هذا النظام العام ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبث المعنوي المتصف به الكفر ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي الذين لا يستخدمون ملكاتهم العقلية في أفضل ما هي مستعدّة لها من معرفة الله ووحدانيته وعبادته، وفي التفكر بالرسالات السماوية والآيات الكونية - المشار إليها في الآية التالية - يصبحون ضحية للقيم الزائفة،\n\n<span id=\"aya-1465\"></span>﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿قُلِ اُنْظُرُوا﴾ بأبصاركم وبصائركم ﴿ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من آيات بيّنات باهرات دالّة على وحدة النظام الكوني وعلى وحدانيته تعالى وألوهيته وربوبيته ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ العبارة تحتمل صيغة الاستفهام أو صيغة النفي، والمعنى أن المصرّين على عدم الإيمان بإغلاق عقولهم على ما بها من مكابرة وغطرسة لا تنفعهم الآيات والنذر، انظر آية [النساء ١٥٥/ ٤].","vol":"2","page":306},{"text":"<span id=\"aya-1466\"></span>﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أي هؤلاء المكابرون ﴿إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فتحيق بهم سوء العاقبة كما حاقت بالأمم البائدة من الكفار قبلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ تلك العاقبة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لتحقق سنته تعالى الأزلية في العباد كما سيرد في الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-1467\"></span>﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على منوال ما جرى في الماضي ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مثل تلك النجاة التي اطّردت في رسلنا والمؤمنين معهم،\n\n<span id=\"aya-1468\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ بعد كل هذه الحجج، وأنكم ترجون تحوّلي عنه ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء مزعومين ووسطاء وشفعاء وأوثان ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ووصف الله بتوفّيه إياهم دون غيره من صفاته تعالى وأفعاله لتذكيرهم بما لا يشك به من عاقبة كل إنسان، ومن ثمّ تحقق وعده تعالى في الدنيا والآخرة ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما دلّ عليه العقل ونزل به الوحي.\n\n<span id=\"aya-1469\"></span>﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة أي أمرت أن أكون من المؤمنين وأمرت بإقامة الوجه للدين حنيفا، وهو الميل عن جميع الأديان والمذاهب الباطلة، والتعبير بإقامة الوجه لأن العرب تعبّر به عن توجّه المرء بفكره ونفسه وكلّيته نحو مبتغاه، ويحتمل المعنى أن يكون التوجّه ذاته","vol":"2","page":307},{"text":"حنيفا أي معرضا عمّا سواه، أو التوجه نحو الدين الحنيف ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أصحاب الديانات والمعتقدات الباطلة.\n\n<span id=\"aya-1470\"></span>﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء موهومين أو شفعاء أو وسطاء، لأن الدعاء هو مخ العبادة كما ورد في الحديث، فلا يجوز الدعاء لغيره تعالى ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾ إن دعوته ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إن تركته ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لنفسك، انظر آية [لقمان ١٣/ ٣١].\n\n<span id=\"aya-1471\"></span>﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ بنتيجة سبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو الأسباب القاهرة أو العامة وفق السنن الكونية ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ﴾ وقد جعل تعالى لكل شيء سببا يعرفه الخلق بتجاربهم، فالأمور تطلب بأسبابها مع الشكر لمسخّرها، فإن جهل المرء الأسباب أو أعياه طلبها دعا الله وحده دون غيره لكشفها ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يهبه لك بتسخير أسبابه، أو بغير سعي من العبد ولا سبب ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لأنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ بكسب ومن غير كسب، وبسبب ما قدّره من السنن في الخلق وبغير سبب، ففضله تعالى على العباد بعموم رحمته، بخلاف الضرر الذي لا يقع إلاّ بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو بسبب عدم اتباع سننه في الخلق بما ينتج عنها من فساد الأفراد والمجتمعات والدول، انظر آية [النساء ٧٨/-٧٩]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بإمهاله البشر وإعطائهم فرص التوبة والرجوع، فلولا مغفرته لهلك الناس بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة،\n\n<span id=\"aya-1472\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾","vol":"2","page":308},{"text":"١٠٨ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ببعثة خاتم الأنبياء والرسل وبنزول القرآن الكريم، وقد كان هذا الحق مجهولا عندكم من قبل، بجهل بعضكم دعوة الرسل الأقدمين، وبقيام بعضكم بتحريف وتغيير وتبديل رسالات موسى وعيسى ﴿فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن كل فرد بحاجة للإسلام وللقرآن وليس العكس، وفائدة الهداية تعود على الفرد نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ وبال ضلاله على نفسه بما يفوته من فوائد الهداية في الدنيا وما يلحق به من عذاب الآخرة ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ليست أموركم موكولة إليّ، ولا أجبركم على الإيمان والاهتداء، فهذا عائد لكم باختياركم، ولست عليكم بمسيطر، إن عليّ إلاّ البلاغ.\n\n<span id=\"aya-1473\"></span>﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ في هذا القرآن ﴿وَاِصْبِرْ﴾ على كفر الكفار ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ في الدنيا فينجز وعده للعباد، وفي الآخرة فيبين لهم الحق من الضلال ويجازي كل إنسان بعمله ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ لا يحكم إلا بالحق.\n***","vol":"2","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1523>سورة هود - ١١ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-1524>مقدّمة</span>\nنزلت خلال السنة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، وهي مكية بالكامل واستثنى بعضهم بأسانيد ضعيفة الآيات ١١٤، ١٧، ١٢ على أنها مدنية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1525>خلفية تاريخية</span>\nرووا أنّ أبا بكر الصدّيق قال للنبي ﷺ: يا رسول الله، أسرع إليك الشيب، قال: «شيّبتني هود وأخواتها» وفي رواية بزيادة «وما فعل بالأمم من قبلي»، وقالوا إن أخواتها (الواقعة، والقارعة، والحاقّة، وإذا الشمس كوّرت، وسأل سائل)، وروى الألوسي أنّ منشأ تشييب سورة هود له ﷺ اشتمالها على أمره بالاستقامة على الدعوة، مع إخباره أنه سبحانه إنّما خلق الناس للاختلاف (١١٨/ ١١)، والحديث إن صحّ يدل على هول الموقف الذي كان يواجه النبي ﷺ حينئذ، فمن جهة كانت قريش تجهد في محاولتها سحق دعوة النبي ﷺ، ومن جهة ثانية كانت تنزل الآيات القرآنية مشتملة على أشدّ الوعيد إن لم تستجب قريش للدعوة، وبالتالي خشية النبي ﷺ من نزول العذاب بقومه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1526>ارتباط السورة بما قبلها:</span>\nختمت سورة يونس بقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾","vol":"2","page":310},{"text":"(١٠٨/ ١٠ - ١٠٩)، ثم تفتتح سورة هود أن الحق الذي جاءهم هو القرآن:\n﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١/ ١١)،\nوفي سورة يونس تحدّي الكفار الذين زعموا أن القرآن مفترى، أن يأتوا بسورة مثله إن استطاعوا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨/ ١٠)، وتتحدّاهم سورة هود أن يأتوا بعشر سور مفتريات: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٣/ ١١)،\nوقد شبهت سورة يونس المكذّبين بالصمّ لا يستخدمون عقولهم، وكالعمي لا يبصرون: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ (٤٢/ ١٠ - ٤٣) وفي سورة هود أنهم لإصرارهم على التكذيب عاجزون عن السمع والإبصار: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠/ ١١)،\nوقد بينت سورة التوبة أن الدعوة إلى الإسلام، ومن ثمّ الإيمان، يجب أن يكونا على أساس من الحجة والدليل والإقناع، الآية (٦/ ٩)، ثمّ بينت سورة يونس أن المشيئة الإلهية اقتضت أن يترك الناس في دنياهم أحرارا بين مؤمن وكافر: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٩/ ١٠)، ثم تحدد سورة هود أنه تعالى خلق الناس كي يمارسوا حرية الفكر والخيار، سوى أن المصرّين على الكفر يؤول مصيرهم إلى جهنم: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٨/ ١١ - ١١٩)،\nوهكذا فإنّ سورة هود تبدو متممة لسورة يونس في المواضيع، ومفصّلة لما أجمل في سابقتها من قصص بعض الرسل ﵈، كقصص نوح وموسى، مع إضافة قصص هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب، وإبراز العبر في","vol":"2","page":311},{"text":"هذه القصص من عدة زوايا، والتأكيد على علاقة البشر بعضهم ببعض ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧/ ١١)،\n\n<span data-type='title' id=toc-1527>محور السورة</span>\nتركيز السورة على البيّنة، وهي الدليل العقلي على الإيمان، ويتلوه الوحي الذي نزل على الرسل، كما هي الحال في نزول القرآن الكريم شاهد منه تعالى على الحقيقة: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (١٧)،\nومثل ذلك فيما سبق من بعث الرسل، كقوله تعالى على لسان نوح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي بالدليل العقلي ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي الوحي، انظر آية [آل عمران ٧٤/ ٣]، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ (٢٨)، لأن الأصل في الإيمان أن يكون الإنسان مختارا، والإلزام الفكري لا يصح ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٤)، أي من لا يستخدم ملكاته العقلية على النحو السوي لا ينفعه النصح،\nومثل ذلك قوم هود أنكروا على نبيهم الدليل العقلي وأصرّوا على التقليد والتكذيب: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٣)،\nوكذا كانت حال النبي صالح مع قومه ثمود جاءهم بالدليل العقلي: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وبالوحي الذي نزل عليه: ﴿وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ (٦٣)،","vol":"2","page":312},{"text":"وكذا النبي شعيب مع قومه في مدين أوضح لهم البينة - الدليل العقلي - والوحي الذي رزقه تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ (٨٨)،\nوإن اليهود اختلفوا في الوحي الذي نزل على موسى لكن الحكمة الإلهية اقتضت إنظارهم ليوم الحساب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١١٠)،\nوقد مضت سنته تعالى في خلقه أن المجتمعات التي تجمع الفساد إلى الكفر يؤول مصيرها إلى الزوال: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١٠٢)، وأن الله تعالى لا يهلك المجتمعات إذا كان الظلم فيها مقتصرا على الكفر والشرك، دون الفساد والبغي في المعاملات، وذلك لفرط رحمته تعالى بالناس ومسامحته حقوقه، أما حقوق العباد فيما بينهم فلا تساهل فيها، إذ من سننه تعالى في المجتمعات البشرية أنها تدوم مع الكفر، ولا تدوم مع الفساد والبغي: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧)،\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1474\"></span>﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١)\n١ - ﴿الر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ١]، هود الثانية من السور التي تفتتح بحروف ﴿الر﴾ والتي افتتحت بها ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم،\n﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أي هذا كتاب أحكمت آياته، والمحكم ما لا يتطرق إليه الخلل، فالقرآن محكم إطلاقا أي في منتهى الإحكام والإتقان، ولا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، انظر آية [البقرة ١٠٦/ ٢]،","vol":"2","page":313},{"text":"ووصف القرآن أيضا كلّه بالمتشابه بقوله تعالى ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩]، أي متجانسا في المحتوى وسالما من التناقض والتفاوت والاختلاف، لقوله تعالى ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٤/ ٨٢]، راجع شرح آية [آل عمران ٧/ ٣]، وهنالك تشابه بين مطلع هذه السورة ومطلع سابقتها سورة يونس حيث وصف القرآن بكونه حكيما بمعنى اشتماله على الحكمة ومحكما وحاكما يميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ وقد أجمعوا أنّ ﴿ثُمَّ﴾ ليست للتسلسل في الزمن، بل هي تنسيق وترتيب لصفات الكتاب أي هو محكم ومفصّل، والتفصيل هو للعقائد والتشريع والمعاملات ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ الذي أحكم هذه الآيات ﴿خَبِيرٍ﴾ وفصّلها، ولدن ظرف مكان مجازا، أي من عند الحكيم الخبير.\n\n<span id=\"aya-1475\"></span>﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٢)\n٢ - ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ أوّل بيان لما أحكمت وفصّلت له الآيات، أي لئلا تعبدوا إلاّ الله لا تشركوا به شيئا ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ والخطاب على لسان النبي ﷺ لأنّه النذير البشير: نذير بسوء العاقبة للمصرين على الشرك والظلم، وبشير بحسن الخاتمة للمؤمنين المتقين، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ عائد لله تعالى، والخطاب في هذه الآية وما يليها من آيات وإن كان في الأصل موجّها إلى مشركي مكة فهو كباقي الآيات القرآنية ذو مغزى عام وموجّه للناس في كل عصر.\n\n<span id=\"aya-1476\"></span>﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (٣)\n٣ - تتمة تفصيل الآيات فالآية معطوفة على سابقتها: ﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك والكفر والإجرام والظلم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ نادمين مصلحين، وقد عطف التوبة على الاستغفار ب ﴿ثُمَّ﴾ لأن العمل متأخّر عن القول، فكم من مستغفر مصرّ على الذنب ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ بمجموعكم وجملتكم ﴿مَتاعًا﴾","vol":"2","page":314},{"text":"﴿حَسَنًا﴾ التمتع بحياة طيبة في الدنيا ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عنده، وهو العمر المقدّر في علمه، للأفراد والأمم، وقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا أن هذه السنة الربانية مطّردة في حياة الأمم أكثر منها في حياة الأفراد، فالأمم التي تصر على الظلم والفساد والعصيان يهلكها الله تعالى بالضعف والشقاق وخراب العمران حتى تتمزق وتزول أو تستولي عليها دولة أو دول أخرى، كما هو معروف في حياة الأمم وأحوالها العامة في كل العصور ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ جزاء مطردا للأفراد في الآخرة، وقد لا يكون مطردا في الدنيا، أي يعطي كلّ ذي فضل من علم وعمل جزاء فضله في الآخرة مطردا كاملا، وأما في الدنيا فقد يكون هذا الجزاء جزئيا ناقصا ومشوبا لا خالصا، ولا يكون عاما مطردا لقصر أعمار الأفراد، وللتعارض والترجيح في سنن الأسباب والمسببات، وهذا من أدلة البعث وجزاء الآخرة الذي يظهر فيه عدله تعالى كاملا شاملا ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن عبادة الله وحده، وعن الاستغفار والتوبة ﴿فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وهو يوم القيامة كما هو مذكور في الآية التالية، وذلك من رأفته بهم ﷺ فقد أرسل رحمة لهم وللعالمين.\n\n<span id=\"aya-1477\"></span>﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤)\n٤ - ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بعد موتكم، أمما وأفرادا ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ على بعثكم وجزائكم.\n\n<span id=\"aya-1478\"></span>﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٥)\n٥ - الآية تبيّن رد فعل المصرّين على الكفر عندما تبلغهم الدعوة بعبادة الله وحده والاستغفار والتوبة: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي من القرآن - بعود الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ إلى الكتاب بالآية (١)﴾ - فهم يثنون صدورهم خوفا من مواجهة الحقيقة، وخشية أن يفارقوا دين آبائهم، لا يملكون الشجاعة الكافية للاستماع لدعوة النبي ﷺ وتقويمهما من حيث جدارتها، وهم يثنونها","vol":"2","page":315},{"text":"على ما فيها من عقائد مسبقة كمن يحاول الاستخفاء من الوحي الإلهي ومن الدعوة الجديدة، وبذلك يحاولون إقناع أنفسهم أنهم معذورون على ما هم عليه من جهل وعدم العلم بالشيء، وهذا شأن المكابر ومن يتجاهل القرآن عمدا ويعرض عن دراسته ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ مجازا، وهي كناية عن التعامي عن دعوة الإسلام وادّعاء الجهل ﴿يَعْلَمُ﴾ تعالى ﴿ما يُسِرُّونَ﴾ من أفكار ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من معارضة ضمنية وصريحة لدعوة الإسلام ﴿إِنَّهُ﴾ ﷾ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لا يخفى عليه شيء من أسرارها، وهذه الآية وإن كان المقصود منها في الأصل كفار مكة، إلا أنها كسائر القرآن منطبقة على الكفار والمشركين والجاحدين المناهضين للإسلام والمتعامين عن رسالته في كل الأزمنة وفي كل مكان.\n\n<span id=\"aya-1479\"></span>﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦)\n٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة عن علم الله تعالى المحيط بكل شيء، وأنه على كل شيء قدير، الآية (٤)﴾ وأنه تعالى يرزق المؤمن والكافر بمقتضى سننه: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ كل من يدبّ عليها من كائنات حية ومنها بنو البشر، مؤمنهم وكافرهم ﴿إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ بأن سخّر الرزق لها وهداها إلى طلبه وتحصيله إمّا بباعث غريزتها أو بما هداها إليه من العلم بأسباب كسبها وفق نواميس الخلق والسنن، لأنّ مشيئته تعالى تكون بمقتضى سننه وما جعله من ارتباط الأسباب بالمسببات وحكمته فيها ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها﴾ في الحياة والممات، فهو تعالى يرزقها إلى أن يحين أجلها - مستقرها -، ويعلم ما تصير إليه في آخرتها - مستودعها -، فالمستقر هو نهاية المطاف في الحياة الدنيا، والمستودع يكون في الحياة الآخرة ليس من يستطيع التحول عنه بعد موته ﴿كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كلّ من الدواب وأرزاقها ومستقرّها ومستودعها في علم الله القديم، ثمّ بيّن تعالى في الآية التالية المزيد من شمول قدرته لكل شيء:","vol":"2","page":316},{"text":"<span id=\"aya-1480\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ولا يمنع ذلك أن الأرضين كثيرة وهي مشمولة في لفظ السماوات، انظر آية [الطلاق ١٢/ ٦٥]، ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي ستة أطوار زمنية من أطوار الخلق والتكوين، لأنّ اليوم في اللغة مطلق الوقت، فالخلق لم يكن فجائيا بغير تقدير ولا ترتيب، راجع شرح آية [الأعراف ٥٤/ ٧] وآية [يونس ٣/ ١٠]، ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ العرش كناية عن سلطته العلوية المطلقة، أمّا كون العرش على الماء فقد يكون إشارة لنشوء الحياة الأولية وتطورها من الماء، انظر آية [الأنبياء ٣٠/ ٢١]، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وهي الحكمة من خلق الإنسان مختارا، وفيه إرشاد إلى سنّة من سنن المجتمعات بأن الإحسان في أعمالها يكون سببا لارتقائها ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ للحساب والجزاء وهما غاية الابتلاء ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ لأنهم زعموا أنّ البعث بعد الموت، هو من البطلان والخديعة ما يجعله كالسحر.\n\n<span id=\"aya-1481\"></span>﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٨)\n٨ - استمرار الخطاب من الآيات السابقة أنّ المصرّين على الكفر بعد تعاميهم عن دراسة الدعوة بفكر مجرّد، وبعد زعمهم أنّ القول بالبعث باطل كبطلان السحر، فهاهنا يستهزئون بتأخير العذاب عنهم: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ قال الطبري أنّ المقصود بالأمّة في هذا الموضع: الأجل والحين، ومعنى الخطاب: ولئن أخّرنا عنهم العذاب إلى مجيء أمة وانصرام أخرى قبلها ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ قالوه ويقولونه استهزاء، أي ها نحن نكذّب الرسول والوحي ولا يأتينا العذاب! وذلك من طبيعة الإنسان في الاستعجال بإنكار النذير للاحتجاج على بطلانه، انظر آية [الأنبياء ٣٧/ ٢١]، والجواب: ﴿أَلا يَوْمَ﴾","vol":"2","page":317},{"text":"﴿يَأْتِيهِمْ﴾ في أجله ووقته المحدد ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ لا يصرفه عنهم صارف، واستخدام الجملة الاسمية لتأكيد وقوع العذاب بهم ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي وسوف يحيط بهم من كل جانب، واستخدام الفعل الماضي لتأكيد تحقق وقوعه في وقته حتى كأنه وقع بالفعل ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاط بهم ما كانوا يستعجلونه من العذاب.\n\n<span id=\"aya-1482\"></span>﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ (٩)\n٩ - هذه الآية بيان لحال الكفار خاصة - المشار إليهم سابقا - والإنسان عامة: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ كأنواع النعم من صحة وأمن ورزق ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ﴾ عندما يقع في مرض وعسر وفتن بما يحدث من الأسباب بمقتضى سنته تعالى في الخلق ﴿إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ في هذه الحالة يكون شديد اليأس من الرحمة، شديد الكفران لغيرها من النعم التي لا زال يتمتع بها، فضلا عمّا سلف منها، فهو يجمع بين اليأس ممّا نزع منه، والكفر بما بقي له من النعم، والخطاب عن جنس الإنسان عامّة، فهنالك الكثيرون الذين مع كونهم مؤمنين بالله، إلا أنهم بسبب ضعف إيمانهم سريعي التأثر بالعوامل الخارجية وخاصة بما ينزل بهم من نوائب، ثم استثنى تعالى في الآية (١١) الصابرين منهم.\n\n<span id=\"aya-1483\"></span>﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ لفظ الإذاقة يفيد أنّ الإنسان يقع في التمرد والطغيان بمجرّد أن ذاق القليل من الخيرات العاجلة مع أن هذه الخيرات ليست سوى متاع قليل في جنب الآخرة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضرّاء مضرّة يظهر أثرها على صاحبها ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أي ذهب أثر السيئات عنّي - بحذف المضاف -، ويعزو ذلك إمّا لمجهوده المحض أو للصدف والحظ! ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ شديد الفرح حتى أنه يبطر النعمة ويستكبر ويتعالى على الناس ويرى أنّ ما تحقق له من خير نتيجة لجدارته، أو مجرّد حظ واتفاق الصدف، لا نعمة منه تعالى، فهو لا يقابل حصول النعمة","vol":"2","page":318},{"text":"بالتواضع والشكر عليها، بل يأمن مكر الله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص ٧٦/ ٢٨]، إشارة إلى فرح البطر بالنعمة.\n\n<span id=\"aya-1484\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١١)\n١١ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على ما أصابهم من الضرّاء إيمانا بالله واحتسابا للأجر ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ في جميع أحوالهم وخاصة بعد كشف الضراء عنهم وتبديل النعماء بها ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ تمحو ذنوبهم وتسترهم من الفضيحة ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1485\"></span>﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي لا تعجل في الترك بل كن من الصابرين الذين يعملون الصالحات، وهو ارتباط الآية بما قبلها، وقالوا إنّ لعل هنا للتبعيد وليس للترجّي، والخطاب للنبي ﷺ، فالمعنى يستحيل أن تترك بعض ما يوحى إليك ويستحيل أن يضيق به صدرك، والترك المشار إليه هو ما يشقّ على المشركين سماعه كالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك والإنذار والوعيد الشديد لهم أنظر الآية (٢)﴾، ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أي مخافة أن يقولوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ لأنّ كفار قريش قالوا للنبي ﷺ: اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا، أو أنزل عليك من الرزق ما تستغني به وتغني أتباعك وأنصارك من الكد والعناء، وإن كنت صادقا فهلاّ أنزل الله معك ملكا يشهد على نبوّتك ويعينك على أمرك فتزول الشبهة عن دعوتك، والخلاصة أنهم أحجموا عن استعمال عقولهم في فهم الدعوة، وأصرّوا على أدلّة مادية حسية ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ليس عليك إلا أن تنذرهم بالدعوة وتدعوهم لاستخدام العقل، والباقي على الله: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الموكل بأمور عباده والرقيب عليها، وليس عليك أيها النبي من أمور الخلق والتدبير شيء، وإنّما عليك البلاغ والدعوة.","vol":"2","page":319},{"text":"<span id=\"aya-1486\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - بعد أن طلبوا المعجز بنزول كنز على الرسول ﷺ أو مجيء ملك معه، أجابهم أنّ المعجز هو القرآن وتحداهم بمعارضته: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ زعموا أنّه جاء بالقرآن من عنده ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ أي افتروا من مثله ما استطعتم، والتحدي يفيد أنّ وحيا كالقرآن لا يمكن أن يصدر عن بشر ﴿وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من مثل آلهتكم التي تزعمون أنها تمدّكم في المصاعب وكهنتكم التي تلجؤون إليها وشعرائكم وخطبائكم وبلغائكم وحكمائكم، والمعنى أنّ الله وحده القادر على إنزال مثل هذا الوحي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعوى الافتراء، انظر شرح آية [يونس ٣٨/ ١٠].\n\n<span id=\"aya-1487\"></span>﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ استمرار الخطاب للمأمورين بدعاء من استطاعوا، أي إن لم يستجيب لكم من تدعون من دون الله إلى المعارضة بعشر سور مفتريات ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ أي هذا القرآن أنزل على محمد بمقتضى علم الله، مبينا لما أراد أن يبلغه لعباده من دينه على لسان رسوله ﴿وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ واعلموا أيضا أن الله تعالى وحده المختص بالألوهية وأحكامها، فاخلعوا الأنداد والآلهة واعبدوه وحده ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هل أنتم أيها الكفار مذعنون مستسلمون لطاعة الله.\n\n<span id=\"aya-1488\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - علاقة هذه الآية بسابقتها أنّ غرض الكفار في مسعاهم هو الحياة الدنيا بما فيها من المادة والزعامات والوجاهة وليس هدفهم الوصول إلى الحقيقة ولا التعرف عليها، لا سيّما أن فكرة التوحيد ومبادئ الأخلاق التي نزل بها الوحي تتعارض مع مصالحهم الدنيوية، والآية وإن نزلت في كفار مكة فمغزاها صالح في كل مكان وزمان:","vol":"2","page":320},{"text":"﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ﴾ بأعماله ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ التمتع بالدنيا فقط دون الاستعداد للآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها﴾ يحصلون على ثمرة أعمالهم في الحياة الدنيا وفق سنته تعالى في نظام الأسباب والمسببات ونظام الأقدار، حتّى لو أنكروا القرآن وزعموا أنه افتراء ﴿وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون - بسبب كفرهم - من نتائج كسبهم، لأن مدار الأرزاق على الأعمال السببية، لا على النيات والمقاصد الدينية، ولا يمنع ذلك أنّ لهداية الدين لحسن المعاملة والأمانة والاستقامة تأثيرا إيجابيا في الوصول إلى المطلوب.\n\n<span id=\"aya-1489\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾ أي أولئك المتهالكين على الدنيا والغافلين عن الآخرة، ينتهي بهم المطاف إلى دار العذاب المسماة بالنار، فيحصل عكس مقصودهم لقصور فكرهم عن إدراك الحياة الآخرة ولاعتقادهم أنّ الدنيا هي نهاية المطاف ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ ممّا ظاهره البر والإحسان فلا يثابون عليها في الآخرة ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لبطلان العمل بلا إيمان،\n\n<span id=\"aya-1490\"></span>﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - هذه الآية متعلقة بما قبلها وتقدير الخطاب: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ البيّنة هي الدليل العقلي، أي من هو في سلامة الفطرة والعقل السليم بحيث يكون على برهان وبصيرة من ربه فيما يؤمن به من التوحيد وإدراك البعث والآخرة والتمسك بالعقائد السليمة، وأيضا: من كان من أهل الكتاب على بينة من ربّه بإدراكه حقيقة رسالة موسى وعيسى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أي وهو يتلو القرآن معتبرا","vol":"2","page":321},{"text":"معانيه، والضمير الظاهر في ﴿يَتْلُوهُ﴾ يعود إلى القرآن الكريم فالإشارة إليه في الآية (١٣) إذ هو نفس الضمير في قوله ﴿اِفْتَراهُ﴾،\n﴿شاهِدٌ مِنْهُ﴾ أي القرآن الكريم - بإعجازه - شاهد منه تعالى بأنه تنزيل إلهي، وهو أيضا يشهد بصحة البينة ويؤيد الدليل العقلي، ويصدّق الصحيح المتبقي من التوراة والإنجيل، وقد يكون المعنى أيضا أنّ الإعجاز القرآني شاهد من القرآن يشهد أنه من عند الله.\nوقد يعود الضمير الظاهر في ﴿يَتْلُوهُ﴾ أيضا إمّا لمن ﴿كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أو للبينة نفسها بالنظر إلى المعنى، فيكون المقصود: ويتلوه أي يليه الوحي الإلهي المنزّل على الأنبياء الذي ختم بالقرآن.\n﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن ﴿كِتابُ مُوسى﴾ التوراة التي تلت البيّنة في حينها - والمقصود التوراة الأصلية وليست المحرفة التي عند اليهود - ﴿إِمامًا﴾ وهو القرآن، أي يؤتّم ويقتدى به في العقائد والعبادات والمعاملات ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن يهتدي به ﴿أُولئِكَ﴾ أي الموصوفون أنهم على بينة من ربهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ من أصناف الكفار في كل وقت ممّن تحزّب ضد الإسلام ﴿فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ في عذاب الآخرة ﴿فَلا تَكُ﴾ أيها الإنسان ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في شكّ من الوعد، أو من القرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ كاملا ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إيمانا كاملا، بالنظر لتحريفهم في كتب أنبيائهم، ولاستكبار زعمائهم وكهنتهم وحرصهم على الزعامة، ولحرص العامة على تقليد زعمائهم وأسلافهم.\nوقد رأى الألوسي أنّ في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي، والنقلي، ومعنى كون الثاني تاليا للأول - من حيث أنه يتبعه - أنه موافق له لا يخالفه، ومن هنا قالوا إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، فالآيات النقلية القرآنية توافق الأدلة العقلية وتؤيدها، ولذا أوّلوا الدليل النقلي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي.","vol":"2","page":322},{"text":"<span id=\"aya-1491\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بالإدعاء أن القرآن مفترى وأنه ليس كلام الله وهم المشار إليهم بالآية (١٣)، ﴿أُولئِكَ﴾ المفترون ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ يوم الحساب ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ﴾ وهم الرسل الذين بعثوا إلى أقوامهم، انظر آية [النساء ٤١/ ٤]، وقيل المراد بهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وهو قول الأشهاد ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أي بعدا لهم من رحمة الله،\n\n<span id=\"aya-1492\"></span>﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وهم الظالمون المشار إليهم آنفا، ليس فقط أنهم على ضلال بل يحاولون إضلال غيرهم عن الدين الصحيح ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يبتدعون لها اعوجاجا إذ يصفون دين الله بالانحراف عن الصواب بابتداع الشبهات من عندهم، كما أنهم يبغون اعوجاج الناس عنها ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ استبعادا لمسؤولياتهم الأخلاقية،\n\n<span id=\"aya-1493\"></span>﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿أُولئِكَ﴾ الذين يفترون الكذب ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لم يكونوا معجزين الله أن يعاقبهم في الحياة الدنيا ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ يتولّون أمرهم وينصرونهم ويمنعون عنهم العقاب، لكن حكمته تعالى اقتضت إمهالهم إلى يوم الحساب وإعطاءهم فرص التوبة ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾ لإصرارهم على الضلال والباطل، ولسعيهم إضلال غيرهم وصرف الناس عن الحق ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ليس أنهم فقدوا حاستي السمع والبصر، ولكنهم لما رجح عندهم من حب الدنيا والتمسك بالمادة والزعامة وعدم الفكاك من","vol":"2","page":323},{"text":"التقليد والقيود الاجتماعية، جمّدوا أفهامهم على مواقف مسبقة، فأصرّوا أن القرآن مفترى، وصمموا على الضلال والإضلال، وأغلقوا سمعهم وبصيرتهم عن دراسة القرآن دراسة موضوعية وبذهن منفتح.\n\n<span id=\"aya-1494\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، خسروها بالسعي وراء الباطل في دنياهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من عقائد مادية، وآلهة مختلقة، وشفعاء مزعومين، وأنصاف حقائق،\n\n<span id=\"aya-1495\"></span>﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى حقّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ لأنّ الخسارة الكبرى هي خسارة الأنفس.\n\n<span id=\"aya-1496\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - بعد أن ذكر تعالى عاقبة الكافرين وخسرانهم، أتبعه بذكر عاقبة المؤمنين وخلودهم في الجنة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكل ما يجب التصديق به من القرآن وغيره ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الأعمال الصالحات ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ خضعوا له وخشعوا واطمأنّت نفوسهم إليه ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1497\"></span>﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ المذكورين من الكفار والمؤمنين ﴿كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ﴾ الكفار الذين عميت بصيرتهم، وصمّوا آذانهم عن الحق ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ المؤمنون الذين أبصروا الحقيقة بعقولهم وسمعوا القرآن سماع تفهّم وتدبّر للمعاني ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ بل هما على طرفي نقيض في استخدام الملكات العقلية ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الكفار ما هو مغروس في فطرتكم من معرفة الخالق والتوحيد، بالعهد الفطري المقطوع عليكم عندما كنتم في الأصلاب،","vol":"2","page":324},{"text":"<span id=\"aya-1498\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢٥)\n٢٥ - قصة نوح سبق ذكرها مختصرة مرتين في ترتيب المصحف: الأولى في سورة [الأعراف ٥٩/ ٧ - ٦٤]، والثانية في سورة [يونس ٧١/ ١٠ - ٧٤]، ذكرت كل منها بعبر مختلفة عن الثانية، وفي هذه السورة ترد بمزيد من التفصيل، والقصة هنا معطوفة على ما ذكر في أول السورة من بعثة النبي ﷺ، بل هي عطف على الآيات (٢٤/ ١)، ولبيان أن حال النبي مع قومه كحال من قبله من الرسل من الرفض والتكذيب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وهو قول نوح لقومه إنه ينذرهم بيوم الحساب.\n\n<span id=\"aya-1499\"></span>﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ أنذركم بألاّ تعبدوا إلاّ الله ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وهو يوم الحساب كونه أليما للكفار الظالمين.\n\n<span id=\"aya-1500\"></span>﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي فبادر الملأ من كبار القوم، واقتران جوابهم بالفاء لأنه الأصل في الردّ السريع، أي إنهم بادروا بالرفض فورا بما يبطل دعوة نوح بزعمهم، وفي سورة الأعراف ورد قولهم مفصولا لا يعلم متى وقع منهم: ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف ٦٠/ ٧] وهو من إعجاز القرآن، وقالوا إنّ كبار القوم سمّوا ملأ لأنهم يملؤون الأعين هيبة وأبهة، أو لأنهم يتمالؤون ويتساندون ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا﴾ وهي الشبهة الأولى عندهم، تعريضا بأنهم أحق منه بالنبوة، وأن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في أحد من الناس لجعلها فيهم ﴿وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾ وهي الشبهة الثانية، أي اتّبعه من الفقراء والضعفاء من هم دونهم في الطبقة الاجتماعية، وهو دأب المترفين مع رسلهم من قبل، وأكثر ضعاف الناس وفقرائهم يقبلون الحق عادة إذا فهموه لعدم استكبارهم عن اتباع غيرهم،","vol":"2","page":325},{"text":"ولتطلّعهم إلى تحقق العدالة الاجتماعية في الدنيا وإلى سعادة الآخرة، وهذه النقطة الثورية بالذات جعلت مهمات الرسل والأنبياء بغيضة في قلوب الطبقات الحاكمة والطبقات المهيمنة على المجتمع ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي سارعوا إلى اتّباعك في بادي الرأي أي في ظاهره وما يبدو منه، أو في بادئه وأوّله قبل التفكير فيه والتمعّن في حقيقته ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ في القوة والمال والجاه ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ فيما تدّعونه جميعا، نوح في النبوة، وأتباعه في تصديقه، وقد احتاطوا بالظن دون الجزم تكريما لأنفسهم.\n\n<span id=\"aya-1501\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن رأيكم ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ البيّنة ما يتبيّن به الحق، وهي الدليل العقلي المؤيد بالفطرة السليمة بحيث يكون المرء على برهان وبصيرة من ربه فيما يؤمن به من التوحيد وإدراك البعث والآخرة، ومغزى قول نوح: ما رأيكم إن كنت على بيّنة ظاهرة منه تعالى ليست من عندي وكسبي البشري الذي تشاركوني فيه وإنما فوق ذلك:\n﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ وهي النبوّة وتعاليم الوحي التي هي سبب رحمة الله لمن يهتدي، انظر آية [البقرة ١٠٥/ ٢] وآية [آل عمران ٧٤/ ٣] في معنى الرحمة بأنها الوحي ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ حجبها عنكم غروركم وعنادكم واستكباركم ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ أنلزمكم البيّنة بالإكراه ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ في حين أنكم منكرون لها؟ والمعنى لا نفعل ذلك، لأنّ الإسلام لا يصحّ إلاّ بإيمان الإذعان بمطلق إرادة الفرد وحريته، ولا إكراه في الدين، وتلك سنته تعالى في البشر أن الإيمان لا يكون بالإلزام، وأن الكاره للشيء لا تتوجه إرادته إلى طلبه ولا إلى فهم ما يدل عليه من الحجج والآيات، وأن دعوة الرسل والدعاة يجب أن توجّه إلى ما لدى الناس من الاستعداد للنظر والاستدلال، وفي ذلك إشارة للآية (١٧)﴾.","vol":"2","page":326},{"text":"<span id=\"aya-1502\"></span>﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا﴾ لا أسألكم على تبليغ الدعوة مالا ولا أسعى وراء مصالح دنيوية ﴿إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لما زعمتم أنهم أراذل الناس ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ وهو يتولّى حسابهم وجزاءهم لما يتّهمون به أنهم آمنوا بادي الرأي، وليس على الرسول أن يشقّ قلوبهم ليتأكد من صحة وصدق إيمانهم ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ تجهلون دعوتي لكم، وتجهلون أنّ الناس لا يقاسون بالجاه والمال وإنما بالعلم، والآية شاهد على تفضيل الرسل أدنى المؤمنين من أتباعهم على أعظم الكبار من خصومهم.\n\n<span id=\"aya-1503\"></span>﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي لا تستطيعون ذلك أنتم ولا غيركم، وكانوا يسألونه أن يطردهم كي يؤمنوا هم به، أنفة وكبرياء أن يكونوا معهم على سواء ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أن العبرة بالإيمان والعمل وليس بالشرف والنسب.\n\n<span id=\"aya-1504\"></span>﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ لأن ضعاف العقول والكفار والمشاغبين في كل العصور، يتوهمون أو يريدون أن يتوهّموا أن الرجل من البشر لا يكون رسولا إلاّ أن تكون له من خصائص الألوهية أو تكون له قدرات خارقة لا يستطيعها البشر، فأجابهم أن ليس من موضوع النبوة أن يكون الرسول قادرا على التصرف بالمخلوقات وتغيير الأسباب والمسببات ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ممّا اختص به تعالى في علمه، ومن سرائر العباد، ومن ثمّ لا أجزم","vol":"2","page":327},{"text":"إن كان إيمان المستضعفين عن عقيدة، أو عن طلب دنيا، فذلك موكول إلى الله تعالى وللإنسان الظاهر فقط ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وهو ردّ على قولهم إنه بشر مثلهم ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ من ضعاف الناس المؤمنين وتريدون مني طردهم ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا﴾ لا أجزم أنّه تعالى لن يؤتيهم خيرا في الدنيا والآخرة ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من صدق العقيدة، أو طلب الدنيا، وهو وليّ أمرهم، وربّما كان باطنهم من الإيمان كظاهرهم فيؤتيهم الله ثواب الدنيا والآخرة ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إن حكمت عليهم بالظنّ وطردتهم كي تنتظموا في صفوفي.\n\n<span id=\"aya-1505\"></span>﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - بعد أن أفحمهم نوح بالحجج على مدى ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت ١٤/ ٢٩]، ضاقوا به ذرعا وهم مصرّون على العناد والمكابرة حتى وصل عجزهم معه إلى حدّ اليأس فقالوا له: ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ دون أن تقنعنا ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أتيت بأنواع كثيرة من الجدال، فأطلتها خلال هذه السنين الكثيرة، انظر آيات [نوح ٥/ ٧١ - ٦]، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ من العواقب الوخيمة أو العذاب المعجّل ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعوتك لنا.\n\n<span id=\"aya-1506\"></span>﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ﴾ أي إنّ نزول العذاب ليس إليّ، ولا في قدرتي، وإنّما هو لله تعالى الذي كفرتم به، يأتيكم بالعذاب عاجلا أو آجلا إن تعلقت به مشيئته المعلقة بالحكمة ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولا سبيل لكم للإفلات منه.\n\n<span id=\"aya-1507\"></span>﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ إذا عرف الله تعالى من الكافر إصرارا خلاّه وشأنه ولم يلجئه إلى","vol":"2","page":328},{"text":"الإيمان، ويسمّى ذلك إغواء وإضلالا، والمعنى: إن كنتم أيها الكفار من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح الله وألطافه فكيف ينفعكم نصحي؟ أو: إن اقتضت سنته تعالى أن تكونوا من الغاوين بمقتضى ارتباط الأسباب بمسبباتها فلا ينفعكم نصحي، والغيّ الفساد المعنوي، وهو أيضا الخيبة، والإغواء وقوع الغواية والخيبة بمقتضى سنة الله تعالى في تأثير أسبابهما من الأعمال الاختيارية لصاحبها ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ الذي خلقكم والمتولّي أموركم ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم.\n\n<span id=\"aya-1508\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - يلاحظ في هذه الآية انتقال مفاجيء في الخطاب من الماضي - في حوار نوح مع قومه - إلى المضارع لذا قال بعضهم إنّها معترضة وذات ارتباط بالآية (١٣)، بمعنى أنّها دحض لادعاء مشركي مكة أن قصة نوح مفتراة، غير أنه يحتمل أنّ الآية من قصة نوح ولا مقتضى لاعتراضها في وسطها:\n﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ أي أم يقول مشركو مكة أن النبي ﷺ قد افترى ما يحكيه عن قصة نوح - أو يقول قوم نوح أنه يفتري الكلام عن الله - ﴿قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ إن صحّ وثبت أني افتريته فعليّ عقوبة إجرامي أي افترائي ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أثبت الإجرام عليهم وهو اتهامهم له بالافتراء وتكذيبهم الوحي.\n\n<span id=\"aya-1509\"></span>﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ لم يعد يرجى أدنى أمل من إيمان الباقين ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لا تحزن من عنادهم، وقد آن وقت العقاب.","vol":"2","page":329},{"text":"<span id=\"aya-1510\"></span>﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ السفينة التي سوف يتم بها إنقاذ نوح وأتباعه من الغرق، والفلك يطلق على المفرد والجمع من السفن ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ وأنت محفوظ برعايتنا أي بعنايته تعالى محفوظ من الأعداء، وجمع الأعين لإفادة شدّة العناية الإلهية بالمراقبة والحفظ ﴿وَوَحْيِنا﴾ بإلهامنا لك كيف تصنع الفلك فلا تخطيء فيه ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فتطلب لهم الرحمة ودفع العذاب عنهم، وفيه إشارة إلى رقة قلب نوح كما هو شأن الصدّيقين ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي محكوم عليهم بالغرق.\n\n<span id=\"aya-1511\"></span>﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ وأقبل يصنع الفلك ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ لظنّهم أن أصبح به مسّ من الجنون إذ يصنع سفينة لا حاجة لها على اليابسة ﴿قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ لحسبانكم أنّ ما نصنعه يثير السخرية أو تظنّون بنا الجهل أو الهوس ﴿فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ لما أنتم عليه من جهل وكفر ومن ثمّ لما تعرّضون به أنفسكم لسوء العاقبة ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ منّا، فنحن أولى أن نسخر منكم وليس العكس، وفي الآية إشارة إلى الفارق الكبير بين من يعلم حقائق الأمور وبين من هو مغرور بالظاهر.\n\n<span id=\"aya-1512\"></span>﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بعد إتمام الفلك ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1513\"></span>﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ بهلاكهم ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ قيل هو تنور الخبز المعروف، ابتدأ منه الينبوع على غير العادة، وكان ذلك علامة لنوح عليه","vol":"2","page":330},{"text":"السلام، والفوران شدة الغليان، وقيل ليس المراد تنورا معيّنا بل الجنس، والمراد فار الماء من التنانير، لقوله تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢/ ٥٤]، فيكون بدء فوران الماء وتفجير الأرض عيونا من أماكن التنانير أو الينابيع لأن الينبوع من باطن الأرض كالتنور في تجويفه، ولذا فسّروا التنور أيضا بسطح الأرض ﴿قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها﴾ في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ من الحيوانات ﴿اِثْنَيْنِ﴾ ذكر وأنثى، وليس بالضرورة أن نوح ﵇ حمل زوجين من كل أنواع الحيوانات، بل حمل فقط الأليفة منها بما سوف يحتاجه بعد النجاة، فالطوفان لم يكن عامّا لأن المقصود إغراق قوم نوح الذين أصرّوا على الكفر وليس المعمورة بأسرها كما تزعم كتب اليهود ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بأنه من المغرقين، استثناهم لكفرهم ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ عطف على الأهل المحمولين في الفلك، وهم قلّة: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي إن القلّة فقط من قوم نوح آمنوا،\n\n<span id=\"aya-1514\"></span>﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ وهو قول نوح ﵇ عندما أمرهم بركوب السفينة امتثالا لأمره تعالى في الآية السابقة، أمرهم قائلا: اركبوا فيها قائلين باسم الله، أي بقدرته حين تجري وحين ترسو، لا بحولنا وقوّتنا ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لعباده إذ لم يهلكهم جميعا بذنوبهم وتقصيرهم وإنما يغرق المصريّن على الكفر منهم.\n\n<span id=\"aya-1515\"></span>﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ لشدة فوران المياه وتفجّرها من وجه الأرض وانهمارها من السماء ﴿وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ﴾ بدافع عاطفة الأبوّة، قبل انقطاع الصلة بين السفينة الجارية وبين البر ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ لأنه عزل نفسه عن أبيه وعن أهله وعن المؤمنين، والعزلة حقيقة في المكان، ومجازا في العقيدة ﴿يا بُنَيَّ﴾ قالها تحببا إليه ﴿اِرْكَبْ مَعَنا﴾ مع أهلك والمؤمنين ﴿وَلا تَكُنْ﴾","vol":"2","page":331},{"text":"﴿مَعَ الْكافِرِينَ﴾ في العقيدة، وهو نهي عن مشايعة الكافرين، والمغزى أن الدخول في غمارهم يوجب الغرق،\n\n<span id=\"aya-1516\"></span>﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ﴾ ألجأ إلى جبل عال ﴿يَعْصِمُنِي﴾ يحفظني بارتفاعه ﴿مِنَ الْماءِ﴾ فلا يصل الطوفان إليّ، قال ذلك ظنّا منه أن ارتفاع الماء أمر معتاد يحصل وقت السيول فيمكن الاتقاء منه بالصعود إلى جبل من الجبال دونما حاجة لركوب السفينة، جهلا منه أنّ الطوفان كان لإهلاك الكفرة فلا بدّ أن يدركهم أينما كانوا ﴿قالَ﴾ له أبوه مبيّنا له حقيقة الحال ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ للمبالغة في نفي كون الجبل أو غير الجبل عاصما للكفار من وقوع الواقعة، وقوله ﴿الْيَوْمَ﴾ للتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام التي ربما تكون فيها النجاة بالالتجاء للأسباب العادية ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ وهو الله سبحانه، إشعارا بعلية رحمته وسبقها غضبه، وتعظيما له جلّ شأنه ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ بين نوح ﵇ وبين ابنه فانقطع الحوار بينهما ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ مع سائر الكفرة الذين أغرقوا.\n\n<span id=\"aya-1517\"></span>﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ﴾ على سبيل المجاز عن الإرادة العليا وتمثيلا لكمال قدرته تعالى وانقياد العقلاء وغير العقلاء لأمره وتدبيره، والمراد من بلع الأرض للماء جفافها ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ كفّي عن الإمطار، فما هي إلاّ أن قيل كن، فكان ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ غار في الأرض ونضب ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بنجاة المؤمنين وهلاك الكافرين إشعارا بأن لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه ﴿وَاِسْتَوَتْ﴾ استقرّت السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الجبل المعروف بالجوديّ الواقع قرب بحيرة فان - في أقصى الشرق من تركية اليوم - على بعد حوالي أربعين","vol":"2","page":332},{"text":"كيلومترا إلى الشمال الشرقي من جزيرة ابن عمر الواقعة بأقصى الشمال الشرقي من منطقة الجزيرة السورية، والجوديّ جزء من سلسلة جبال آرارات الممتدة من أرمينية حتى كردستان ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا الهوى دون الحق، وجعلوا الطبيعة مكان الشريعة، والمعنى هلاكا لهم وبعدا، بحيث لا يرجى عودتهم، وخصّ بدعاء السوء\n\n<span id=\"aya-1518\"></span>﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ بعد رسو السفينة على الجوديّ ﴿فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني بنجاة أهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ أعلم الحكام وأعدلهم، وقد يكون أنّ سؤال نوح عن حال ابنه في الآخرة، لعلمه أن سبق عليه القول بالغرق (الآية ٤٠)، ويحتمل أيضا أنّ نوحا التبس عليه أمر ابنه إن كان من الذين سبق عليهم القول أم لا، إذ لم يكن مطلعا على باطن أمره فلذلك سأل.\n\n<span id=\"aya-1519\"></span>﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ المعنى هو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، لأن الوعد مقتصر على نجاة من آمن من أهل نوح وباستثناء الكافرين منهم ممّن سبق عليه القول، كما يحتمل المعنى أيضا أنّ الابن ليس من أهل نوح أي ليس من أهل دينه، فيكون عماد الأهلية هو القرابة الدينية التي تنقطع بالكفر ﴿إِنَّهُ﴾ أي الابن ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أي ذو عمل غير صالح، بحذف المضاف لجعل الابن كأنه العمل الفاسد نفسه للمبالغة، ويحتمل تقدير الخطاب أيضا: إنه - أي الابن - عمل عملا غير صالح ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ممّا هو في علم الغيب أو ممّا ليس لك به علم صحيح أنّه حق وصواب ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ الذين يسألون أن يبطل تعالى تشريعه أو حكمته وتقديره في خلقه إجابة لشهواتهم وأهوائهم في أنفسهم وأهليهم ومحبيهم،","vol":"2","page":333},{"text":"<span id=\"aya-1520\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي أعتصم بك أن أسألك بعد الآن ما ليس لي به علم صحيح أنه جائز ولائق ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي﴾ ما فرط مني في ذلك ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بقبول توبتي ﴿أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أعمالا.\n\n<span id=\"aya-1521\"></span>﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ منه تعالى، وهو السلام الروحاني من كل كرب، والسلام المادي من كل مكروه ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ وهي الخيرات النامية ﴿وَعَلى أُمَمٍ﴾ تنشأ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ تتشعب وتتناسل منهم ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا أو في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-1522\"></span>﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ وهي قصة نوح تعلمها عن طريق الوحي، وفيه إشارة لقوله تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ الآية (٣٥)﴾، وقد ذكر الرازي أنه وإن كانت قصة نوح معروفة بين العرب بوجه الإجمال قبل نزول الوحي القرآني فمن المؤكد أن التفاصيل لم تكن معلومة: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ الوحي ﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها النبي على مشاق تبليغ الرسالة وعلى أذى قومك كما صبر نوح من قبل ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾ بالظفر في الدنيا والفوز في الآخرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون سوء العاقبة باتقاء ما يفسد العقائد والأخلاق، ويتبعون سننه تعالى المطردة في الخلق المؤدية إلى ارتقاء الأمم والأفراد والمشار إليها في الكتاب والسنة الشريفة،","vol":"2","page":334},{"text":"<span id=\"aya-1523\"></span>﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا﴾ أي وأرسلنا إلى قوم عاد نبيّا منهم، وهو النبي هود، وأخاهم بمعنى رجل منهم، سكن قوم عاد أرض الأحقاف الممتدة من حضرموت إلى عمان وامتد ملكهم شمالا، ولمزيد من تفصيل بلادهم وتاريخهم انظر شرح آية [الأعراف ٦٥/ ٧]، وقد وردت قصة عاد بتفصيل متعدد وبعبر متنوعة في سور الأعراف، وهود، والشعراء، والأحقاف، ووردت مختصرة وبعبر ومعلومات متممة في سور فصّلت، والذاريات، والقمر، والحاقة، والفجر ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ لا تشركوا بعبادتكم الأصنام والزعماء وأشباههم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾ في زعمكم أن الأصنام تستحق العبادة.\n\n<span id=\"aya-1524\"></span>﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ليس لي مطامع دنيوية على بعثتي إليكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أرجو الثواب منه تعالى ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفلا تستخدمون عقولكم لإدراك صحة ما أدعوكم إليه من التوحيد ونبذ الشرك.\n\n<span id=\"aya-1525\"></span>﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ بعدم العودة إليها ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾ بالمطر الوفير، وكثرة النعم ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ يزدكم قوة بإيمانكم، إضافة إلى قواكم المادية ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ تصبحون مجرمين بتوليكم عن رسالة النبوّة،","vol":"2","page":335},{"text":"<span id=\"aya-1526\"></span>﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ بحجة كافية لإقناعنا بما تدّعي من النبوّة، وسمّيت الحجّة بيّنة لأنها تبيّن الحق من الباطل، وقولهم هذا ناتج من فرط عنادهم، أو عماهم عن الحق، أو أنهم لطفولتهم العقلية يرغبون بمعجزة مادية تلمسها حواسهم، وفي ذلك إشارة للبينة المذكورة بالآية (١٧) التي يتمتع بها سليمو الفطرة، ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ عبادة ﴿آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بناء على قولك ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إمعانا منهم في إنكار النبوّة، وإصرارا على التقليد والجمود والجحود.\n\n<span id=\"aya-1527\"></span>﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ﴾ أصابك ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ زعموا أنّ استخفافه بآلهتهم أدّى بها أن تصيبه بالجنون ﴿قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ وبذلك رفض هود زعمهم أنّ آلهتهم أصابته بأي سوء، بل على النقيض فهي لا تقدر على شيء وهو لذلك يتبرّأ منها.\n\n<span id=\"aya-1528\"></span>﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تشركون من دون الله تعالى ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ تحدّاهم أن يفعلوا ما باستطاعتهم لإيذائه، ثقة منه أنه في حفظ الله ورعايته، وقد يكون الخطاب لهم ولآلهتهم التي زعموا أنها اعترته بسوء ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ الإنظار من النظرة وهي الإمهال والتأجيل، والمعنى لا تؤجّلون ما أنتم بصدده من إيذائي، مبالغة منه في الثقة بما هو عليه من الصواب ومن الرعاية الإلهية، وفي الآية التالية يبدي السبب في عدم اكتراثه بكيدهم:\n\n<span id=\"aya-1529\"></span>﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾","vol":"2","page":336},{"text":"٥٦ - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ وهو السبب في استخفافه ﵇ بكيدهم ومكرهم السيئ ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ فليس من كائن حيّ من لا يستمدّ وجوده بالكلية من الله تعالى، وليس من كائن حي إلا وهو تحت القدرة العلوية الكاملة، والناصية مقدم شعر الرأس والعرب تكنّي به عن تمام الخضوع والاستسلام، ولذا خوطبوا بما تعارفوا عليه ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو يقضي دوما وفق الحق والعدل بصورة مطلقة، فلا يفلت الظالم من عاقبة عمله، ولا يفوت المحسن ثواب إحسانه، إن في الدنيا أو الآخرة، لأنّ الدنيا والآخرة مرحلتان من مراحل حياة الإنسان، والحياة تقاس بهما معا.\n\n<span id=\"aya-1530\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تتولّوا عن دعوتي ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي أنّ مهمة الرسول مقتصرة على البلاغ وقد تمّت، وبالتالي لم يعد من عذر لهم بالجهل ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يكونون أفضل منكم باستخدام عقولهم، وتكون بذلك نهاية قومه ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ البشرية بحاجة إلى هداه وهو تعالى غني عن العالمين ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ رقيب محيط بشؤون العباد.\n\n<span id=\"aya-1531\"></span>﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو الريح العاتية المشار إليها في سورة [القمر ١٩/ ٥٤ - ٢٠]، وسورة [الحاقة ٦/ ٦٩ - ٩]، ﴿نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ برحمة منه تعالى خاصة بهم ﴿وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ غير معهود لشدة فظاعته، وقيل هو عذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1532\"></span>﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ إشارة إلى قبورهم وآثارهم ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ كذّبوا بالدلائل الواضحة عنادا في الظاهر دون الباطن، استكبارا وعلوّا","vol":"2","page":337},{"text":"﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ بعصيانهم هود، لأن الرسل تأتي برسالة واحدة متكاملة ﴿وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم العوام والدهماء اتبعوا أمر الزعماء والرؤساء الطغاة بتقليدهم والخضوع لهم، والعنيد من يدرك الحق ويرفضه.\n\n<span id=\"aya-1533\"></span>﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ اللعنة هي الإبعاد من رحمة الله ﴿أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ بجحود الآيات وتكذيب الرسل ﴿أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ لأنهم استوجبوا ما لحق بهم من العذاب كنتيجة طبيعية لكفرهم.\n\n<span id=\"aya-1534\"></span>﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٦١)\n٦١ - وهذه هي القصة الثالثة من قصص الأنبياء المذكورة في هذه السورة:\n﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا﴾ معطوف على قبله الآية (٥٠)﴾، ولتفاصيل المناطق التي سكنتها ثمود راجع شرح آية [الأعراف ٧٤/ ٧]، وقد وردت قصة ثمود بتفصيل متنوع وبعبر مختلفة في سور الأعراف، وهود، والشعراء، والنمل، ووردت باختصار وبمعلومات وعبر متممة في سور الإسراء، وفصّلت، والذاريات، والقمر، والحاقة، والشمس ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ دعوته لهم إلى التوحيد ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ بدأ خلقكم منها ﴿وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ جعلكم عمّارها وسكانها، وهو الممدّكم بأسباب العمران والنعم، وذلك من الأدلّة على وجود الخالق وعلى وحدانيته إذ كرّم الإنسان بالعقل وبالمقدرة على التصرّف ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ من الشرك ومن ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ارجعوا إليه كلما وقع منكم ذنب أو خطأ، ولا تعودوا إلى ما أنتم عليه من الشرك والضلال ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ قريب من عباده ﴿مُجِيبٌ﴾ لدعاء السائلين، فلا يخفى عليه استغفاركم وتوبتكم.","vol":"2","page":338},{"text":"<span id=\"aya-1535\"></span>﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ فيما بيننا ﴿مَرْجُوًّا﴾ كنّا نرجو منك خيرا ورشدا ورأيا، فلما دعوتنا انقطع رجاؤنا وخاب ظننا فيك ﴿قَبْلَ هذا﴾ الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة والأصنام ﴿أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الآلهة والأصنام؟ والمعنى هم متمسكون بالتقليد ووجوب متابعة الآباء والأجداد على ما كانوا عليه، ويرفضون التفكير بشكل مستقل ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الريبة هي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، والمعنى إننا في شك يجعلنا نرتاب في دعواك أن لا إله إلا الله، وأن لا فائدة من الأصنام، ولا سلطة عند الوسطاء من المؤلّهين.\n\n<span id=\"aya-1536\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ على يقين وحجّة شديدة الوضوح بالحقيقة ﴿مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ النبوّة والحكمة والإسلام، كما في الآية ٢٨، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ فيدفع عني عذابه، إن تابعتكم على ما تقولون وانقدت لكم ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بعذركم أنكم تعبدون ما كان يعبد آباؤكم ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أخسر نفسي وتخسرون أنفسكم بالإصرار على التقليد وبإنكار البيّنة،\n\n<span id=\"aya-1537\"></span>﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ إشارة أو معجزة، وقوله ناقة الله بمعنى أن الخلق كله لله كما يقال عبد الله وأرض الله، وقيل لأنه لم يكن للناقة مالك من الناس ﴿فَذَرُوها﴾ دعوها ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾ فليس عليكم مؤنتها، إذ تنفعكم ولا تضرّكم، وقد يكون أنّ النبي صالح جعلها في حمايتهم اختبارا أخيرا","vol":"2","page":339},{"text":"لهم - وإن كان رمزيّا - وليعلم إن كانوا سيعاملون الناقة المكتفية المسالمة بالرأفة أم بالقسوة، كرمز لتغيّر ما بأنفسهم ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ فضلا عن العقر والقتل ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجل في الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-1538\"></span>﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿فَعَقَرُوها﴾ قتلوها بطريقة وحشية بضرب قوائمها - وهو معنى العقر - غير مبالين بالوعيد ﴿فَقالَ﴾ لهم صالح ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ﴾ عيشوا في بلادكم ﴿ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾ أخر ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ يأتيكم العذاب بعده لا محالة.\n\n<span id=\"aya-1539\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ بهلاكهم ﴿نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾ خاصة ﴿مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ وما يتبعه من سوء الذكر ولعنة الإبعاد من رحمته تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ لا يعجزه إنجاز وعده ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره.\n\n<span id=\"aya-1540\"></span>﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وفي آية [الأعراف ٧٨/ ٧] أنّها الرجفة، ويحتمل أنها صوت انفجار البراكين التي رافقت الزلازل، وفي جميع الأحوال فهي صيحة العذاب أو العقاب ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك.\n\n<span id=\"aya-1541\"></span>﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كأنهم في سرعة زوالهم وعدم بقاء أحد منهم في ديارهم، لم يقيموا فيها البتة ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ بتكذيب الآيات ﴿أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ بما استوجبوه لأنفسهم من سوء العاقبة.","vol":"2","page":340},{"text":"<span id=\"aya-1542\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٦٩)\n٦٩ - وهي القصة الرابعة بعد قصص نوح وعاد وثمود، وجرى تقدمة قصة لوط بالكلام عن إبراهيم، لأنه جادل عن قوم لوط (الآيات ٧٤ - ٧٥)، شعورا منه بالمسؤولية ليس فقط تجاه عائلته وقومه الأقربين، بل تجاه القوم الذي لم تربطه بهم سوى علاقة غير مباشرة بواسطة ابن أخيه لوط:\n﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ﴾ وهم من الملائكة ﴿بِالْبُشْرى﴾ بالولد من زوجته سارة كما سيأتي ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أي قالوا قولا سلاما ﴿قالَ سَلامٌ﴾ سلام عليكم ﴿فَما لَبِثَ﴾ أي فما أبطأ إبراهيم في واجب الضيافة ظنّا منه أنهم من البشر ﴿أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ حنيذ بمعنى مشوي بحجارة حامية في حفرة من الأرض، وهي طريقة في الشواء معروفة عند أهل البادية.\n\n<span id=\"aya-1543\"></span>﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ لا يمدّون أيديهم إلى العجل، أو إلى الطعام ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم إذ وجده على غير ما يعهد من الضيف ﴿وَأَوْجَسَ﴾ استشعر وأدرك ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأنّ إبراهيم حتى تلك اللحظة لم يدرك أنهم ملائكة، فلمّا امتنعوا عن الأكل خاف أن يريدوا به مكروها، لأنّ الضيف عند العرب لا يمتنع عن طعام إلاّ لريبة أو لقصد سيئ، فلمّا لاحظوا منه الخوف: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إِنّا﴾ ملائكة لا نأكل ﴿أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أرسلنا إليهم بالعذاب.\n\n<span id=\"aya-1544\"></span>﴿وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَاِمْرَأَتُهُ﴾ سارة ﴿قائِمَةٌ﴾ أي واقفة، ولعلّ وقوفها لخدمة الضيوف ﴿فَضَحِكَتْ﴾ لزوال الخوف عنها بعدما سمعت أنهم ملائكة لا يريدون بها وبزوجها سوءا ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ يكون لإسحاق ولد أيضا هو يعقوب.","vol":"2","page":341},{"text":"<span id=\"aya-1545\"></span>﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى﴾ من الويل، وأصله الخزي، ويستعمل في كل أمر فظيع، والمراد تعجبها من البشارة، وقد يكون ذلك تعبيرا عن خشيتها أن تكون البشارة وهما، خاصة لعقمها على مدى السنين ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ قيل كانت ابنة تسعين سنة ﴿وَهذا﴾ الذي أمامكم ﴿بَعْلِي﴾ زوجي، وأصل البعل القائم بالأمر، ولذلك سمّى العرب معبودهم بعلا لاعتقادهم ذلك فيه، انظر آية [الصافّات ١٢٥/ ٣٧]، ﴿شَيْخًا﴾ تجاوز مئة سنة ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ليس من سنة الله تعالى المعتادة في عباده.\n\n<span id=\"aya-1546\"></span>﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ استفهام إنكار، أي لا ينبغي لك أن تعجبي من شيء هو من أمر الله الذي لا يعجزه شيء، والذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ رحمة الله الخاصة وبركاته الكثيرة عليكم يا معشر أهل بيت النبوة والرسالة، تتصل فيكم وفي ذريتكم من أهل النبوة والرسالة ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ مستوجب لأنواع الحمد والثناء ﴿مَجِيدٌ﴾ كثير الخير والإحسان.\n\n<span id=\"aya-1547\"></span>﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٤)\n٧٤ - بداية لقصة لوط التي جرى التقدمة لها بالحديث عن إبراهيم: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ إذ علم أن ضيوفه من الرسل ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ بإسحاق ويعقوب من جهة، وبرحمة الله وبركاته عليه وعلى أهل بيته من النبوة من جهة ثانية ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ يجادل الرسل في مصير قوم لوط،\n\n<span id=\"aya-1548\"></span>﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ بطيء الغضب، لا يحب المعاجلة بالعقاب، بل يفضّل التأنّي والتأخير والعفو، وذلك موضوع مجادلته في قوم لوط ﴿أَوّاهٌ﴾ لأنّ الحليم يتأوّه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الآخرين لشدة شفقته ورقة قلبه","vol":"2","page":342},{"text":"﴿مُنِيبٌ﴾ يرجع إلى الله في كلّ أمر، وهذه الصفات من الحلم والتأوه والشفقة والإنابة تعليل لمجادلته الرسل في مصير قوم لوط.\n\n<span id=\"aya-1549\"></span>﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾ خطاب الملائكة له ﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الجدال والاسترحام لهم ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ المقدّر لهم بإصرارهم على الفسق ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ لا يردّه جدال، ولا تنفع به شفاعة، فهو عذاب واقع ما له من دافع.\n\n<span id=\"aya-1550\"></span>﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ بعد ذهابهم من عند إبراهيم ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أي شعر بالسوء لمجيئهم، خوفا عليهم من قومه ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي طاقة وجهدا، بمعنى عجزه عن ضيافتهم ﴿وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي شديد البلاء، لما توقّعه من اعتداء قومه الفسّاق على ضيوفه، قبل أن يعلم أنهم ملائكة.\n\n<span id=\"aya-1551\"></span>﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ مسرعين إليه بعد أن علموا بقدوم أضيافه، كأنهم يدفعون دفعا لطلب الفاحشة لأن هذه كانت عادتهم لقوله:\n﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يعملون أنكر الفواحش في الفطرة البشرية، وهي إتيان الرجال شهوة من دون النساء والمجاهرة بها حتى قلّ عندهم استقباحها ﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي﴾ فتزوجوهنّ، ويحتمل أنه قصد بناته من صلبه، فأراد أن يقي أضيافه ببناته وذلك غاية الكرم، ويحتمل أنه قصد بنات قومه إذ كان نبيا لهم فهو كالأب لهم ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ من التلوث برجس اللواط، فتزوّجوا البنات ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ باجتناب الفاحشة ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي﴾","vol":"2","page":343},{"text":"﴿ضَيْفِي﴾ في حقّ ضيوفي لأن فضيحة الضيف فضيحة للمضيف ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ذو رشد، يمتنع ويمنع عن هذا العمل الرديء.\n\n<span id=\"aya-1552\"></span>﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ لا معنى لعرضك صرفنا عما نريد من ضيفك، ولا حاجة في اللواتي تسميهنّ بناتك، لأن طبعنا لا يميل إليهنّ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من الفاحشة مع الذكور.\n\n<span id=\"aya-1553\"></span>﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿قالَ﴾ لوط وهو في غاية الكرب ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ فأدفع شرّكم ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فأتحصّن منكم، لأنه لم يكن منهم، وإنما هم قومه بمعنى أنه بعث إليهم، جاء مع عمّه إبراهيم، ﵇، من أور كلدان في العراق، وهو غريب بينهم.\n\n<span id=\"aya-1554\"></span>﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة، لمّا شاهدوه في حالة من الحزن والكرب: ﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ من الملائكة، وهي البشارة الأولى ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ بسوء، وهي البشارة الثانية ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي في بعض الليل، والسري السير ليلا ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ الالتفات نظر الإنسان إلى ما ورائه، والمعنى قطع الصلة بكل ما يخلفونه وراءهم من ممتلكات وأصحاب، وعدم الاكتراث بها، ويحتمل المعنى أيضا النهي عن التخلف، أي لا يتخلّف منكم أحد، وتقدير الخطاب: فأسر بأهلك ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ﴾ دعها تتخلف مع القوم، لخيانتها ولتعلقها بهم ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ من العذاب، وقوله ﴿أَصابَهُمْ﴾ بالماضي لأنّ وقوعه أصبح قدرا مقدورا، فكأنه وقع ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ وهو موعد عذابهم، يبدأ بطلوع الفجر وينتهي بالشروق ﴿أَلَيْسَ﴾","vol":"2","page":344},{"text":"﴿الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فلم يبقّ له إلاّ ليلة واحدة، وحكمته أنهم يكونون مجتمعين في مساكنهم فلا يفلت منهم أحد.\n\n<span id=\"aya-1555\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو قضاؤه تعالى فيهم ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قلبنا أرضها وقراها ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ السجّيل من السجلّ، وهو الكتاب، تقديره مكتوب من الأزل في علم الله القديم، ومنضود بمعنى أنّ تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول، وسجّيل أيضا سجّين، من النار، فتكون حجارة من الحمم البركانية تبعتها الزلازل خسفت بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها،\n\n<span id=\"aya-1556\"></span>﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لها علامة خاصة في علم ربّك، فلا تصيب غير أصحابها ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ يعني بهم كفار مكة في وقته، وموقعها قريب منهم يمروّن به في أثناء تجارتهم إلى بلاد الشام، وهي أيضا عبرة لكل الأقوام الظالمة في كل زمان، وإن كان العذاب يختلف باختلاف الأحوال.\n\n<span id=\"aya-1557\"></span>﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ وهي القصة الخامسة، وردت في القرآن الكريم مفصلة وبعبر متنوعة في سورتي الأعراف وهود، كما أشير إليها بإيجاز لبيان عبر أخرى في سور التوبة، طه، الحج، القصص، والعنكبوت، انظر شرح آية [الأعراف ٨٥/ ٧] للتفاصيل عن أهل مدين، ونبيهم شعيب ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ وهي دعوة التوحيد التي يبدأ بها كل الأنبياء والرسل دعوتهم ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ في تجارتكم، وها هنا نلحظ اقتران الدعوة إلى التوحيد، مع الدعوة إلى العدالة في تعامل الناس بعضهم مع بعض، وهما دعوتان توأمان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى في القرآن الكريم بغض","vol":"2","page":345},{"text":"النظر عن قصة شعيب بالذات مع قومه، وبعبارة أخرى أنه لا يمكن للمرء أن يكون تقيا مع الخالق دون أن يكون تقيا مع إخوانه من بني البشر ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بما أفاض الله تعالى عليكم من نعمه ظاهرة وباطنة ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن عصيتم ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ يحيط عذابه بكم فلا تنفكّون عنه في الدنيا أو الآخرة، أو كليهما.\n\n<span id=\"aya-1558\"></span>﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، فبعد أن نهاهم عن نقص المكيال والميزان، أمرهم بالوفاء به بالعدل، تأكيدا لأهمية الناحية الأخلاقية في رسالته ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ في كل شيء، وفي كل الأمور، ماديا ومعنويا، وليس فقط في المكيال والميزان، والبخس هو النقص والعيب في الحقوق المادية والمعنوية ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لا تفسدوا في الأرض بقصد الفساد، ولا تفسدوا دنياكم وآخرتكم.\n\n<span id=\"aya-1559\"></span>﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿بَقِيَّتُ اللهِ﴾ ثواب التقوى والعمل الصالح عند الله ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الفساد والإفساد، وما يبقى لكم من الربح الحلال بعد الوفاء بالحقوق، خير مما تأخذونه بالحرام والظلم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالله تعالى ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ فأحفظكم من هذه المعاصي أو أعاقبكم عليها، وإنما بعثت مبلّغا نذيرا.\n\n<span id=\"aya-1560\"></span>﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام والأوثان، لأنهم متمسكون بمحض التقليد وبما توارثوه عن آبائهم من الشرك ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾ من استغلال وربا واحتيال، وهو حجر على حريتنا، وتحكّم في ذكائنا وفي طريقة استخدام أموالنا ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾","vol":"2","page":346},{"text":"عهدناك وعرفناك حليما رشيدا، فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا؟ وكيف تحظر علينا استغلال أموالنا بالشكل الذي نراه مناسبا؟ وهو مثال على التنازع بين المستغلين من رجال المال وبين دعاة الإصلاح.\n\n<span id=\"aya-1561\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن رأيكم ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إن كنت على بيّنة عقلية ظاهرة منه تعالى، تبيّن الحق من الباطل (الآية ١٧)، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ وهو أولا الرزق المعنوي بمعنى النبوّة والوحي، وثانيا الرزق الحسّي المادي ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ بل أفعل ما آمركم به وأنتهي عما أنهاكم عنه ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ﴾ بقدر طاقتي، بالبلاغ والإنذار، أما الإجبار والإكراه على الإيمان فلا أقدر عليه ﴿وَما تَوْفِيقِي﴾ للصواب ﴿إِلاّ بِاللهِ﴾ بحول الله وقوته، وليس بحولي ولا بقوّتي ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وحده دون غيره ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أعود، فلا مرجع للخلق إلاّ إليه.\n\n<span id=\"aya-1562\"></span>﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ لا تكسبوا جرما نتيجة شقاقي، والشقاق شدة الخلاف التي تجعل أحد المختلفين في شقّ غير الذي يكون فيه الآخر ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من عذاب الدنيا والآخرة بنتيجة تكذيبهم رسلهم ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ زمانا ومكانا.\n\n<span id=\"aya-1563\"></span>﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك والفساد ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من المعاصي، وكلما وقع منكم معصية ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ عظيم الرحمة للمستغفرين التائبين، كثير المودة لهم بإحسانه وكرمه ونعمه.","vol":"2","page":347},{"text":"<span id=\"aya-1564\"></span>﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿قالُوا﴾ على سبيل السخرية ﴿يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ﴾ ما نفهم ﴿كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ بعد أن أفحمهم شعيب بالحجج والموعظة ضاقت عليهم الأمور، حتى زعموا أن أكثر كلام شعيب غير مفهوم، قالوا ذلك ضجرا واستهانة، وتمسكا بالتقليد، وبمكاسبهم الدنيوية العاجلة، وقد يكون أنهم قالوا ذلك مخادعين أنفسهم، وهذا شأن كل المقلدين المتعصبين المغلقين عقولهم سلفا على ما بها من عقائد وأفكار مسبقة ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لا قدرة لك على دفع الضرر عن نفسك إن أردنا البطش بك ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ عشيرتك الأقربين ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ لقتلناك رجما بالحجارة ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ لست بذي عزّة تحول بيننا وبين أن نرجمك.\n\n<span id=\"aya-1565\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾ فالله تعالى أولى أن يتّبع أمره ﴿وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ نسيتم أمر الله ونبذتموه وراء ظهوركم ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ محيط بأعمالكم لا تخفى عليه.\n\n<span id=\"aya-1566\"></span>﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ اعملوا كل ما في إمكانكم وطاقتكم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ وأنا أعمل كل ما في طاقتي لدعوة الناس إلى التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن الفساد ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في نهاية المطاف ﴿وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ بيننا ﴿وَاِرْتَقِبُوا﴾ انتظروا العاقبة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ منتظر ومترقّب.","vol":"2","page":348},{"text":"<span id=\"aya-1567\"></span>﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو قضاؤه تعالى ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ برحمة خاصة بهم دون غيرهم من المكذّبين ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ موتى بلا حراك،\n\n<span id=\"aya-1568\"></span>﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أي كأن لم يقيموا فيها وقتا من الأوقات ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ هلاكا لهم وبعدا من رحمة الله، كما عوقبت ثمود بالهلاك وبالبعد من الرحمة الإلهية.\nونلاحظ أن قصص النبيين الموصوفة بالآيات (٥٠ - ٩٥) مفصّلة للمشار إليها بآية [يونس ٧٤/ ١٠].\n\n<span id=\"aya-1569\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بالمعجزات البينة الواضحة ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ الحجة البالغة في محاورة موسى مع فرعون، وهذه القصة السادسة في السورة ترد بإيجاز شديد، راجع أيضا قصة موسى مفصلة في سورة [الأعراف ١٠٣/ ٧ - ١٤٤]، وقد وردت أيضا بتفاصيل وعبر منوّعة في سور يونس، وهود، والإسراء، وطه، والشعراء، والنمل، والقصص، وغافر، والزخرف.\n\n<span id=\"aya-1570\"></span>﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ الملأ هم كبار القوم وزعماؤهم، وقيل سمّوا ملأ لأنهم أولو الأمر يملؤون الأعين والنفوس في مراكزهم، وتخصيصهم بالذكر لأنهم المعنيّون باتخاذ القرار ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ في ضلاله، جريا وراء مصالحهم وزعاماتهم ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ لا يرشد إلى خير.","vol":"2","page":349},{"text":"<span id=\"aya-1571\"></span>﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يتقدّمهم لأنه كان قدوة لهم في الضلال ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ بلفظ الفعل الماضي لتحقق وقوعه قطعا، فلا سبيل إلى دفعه البتة ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ تشبيه الورود إلى الماء عند أهل البادية بالورود إلى النار بدلا من الماء.\n\n<span id=\"aya-1572\"></span>﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي هم محرمون من رحمة الله في الدنيا والآخرة ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ لأن اللعنة في الدنيا رفدها العذاب في الآخرة.\nوتبدو العبرة من قصة موسى في الآيات (٩٦ - ٩٩) واضحة، إذ هي مثال لقوله تعالى في الآية (٥٩): ﴿وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، والمعنى أنّ التابعين، في كل زمن، والخاضعين لسلطة أعلى منهم يتحملون مسؤوليتهم الفردية، ولا يعفيهم أنهم اتبعوا الرؤساء والزعماء بشكل أعمى، ومن ثمّ يتحملون عواقب أعمالهم على قدم المساواة مع زعمائهم، وهذه إشارة غير مباشرة إلى ما يتمتع به الإنسان من الحرية الفردية ومن ثمّ مسؤوليته في اختيار طريق الحق من الضلال، وبهذه العبرة الهامة، تختتم في هذه السورة قصص الأنبياء مع أقوامهم الذين اختاروا العمى على الهدى.\n\n<span id=\"aya-1573\"></span>﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى﴾ أي من أنباء بعض المجتمعات البشرية، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، لأنه لا يقصد من قصص القرآن الكريم أن تكون تأريخا كاملا للأمم والمجتمعات المذكورة في تلك القصص ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ لإبراز عبر معينة من أنبائها، ولبيان أنماط منوعة من تجاوب بعضها مع الوحي الإلهي ومع الآيات المحيطة بهم، والعواقب التي آلوا إليها نتيجة أعمالهم: ﴿مِنْها قائِمٌ﴾ لا تزال آثارهم قائمة، وهي خاوية على عروشها، كما هي آثار ثمود ﴿وَحَصِيدٌ﴾","vol":"2","page":350},{"text":"ومنها ما عفا عليها الزمن، فلم يبق منها إلاّ كما يبقى من الزرع الذي تم حصاده، كما هي الحال في عاد.\n\n<span id=\"aya-1574\"></span>﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ ما نقصهم تعالى شيئا من النعم التي أسبغها عليهم، ومنها نعمة العقل والفكر وحرية الخيار ﴿وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بجحود النعم، وبإنكار الوحي والآيات، بما في ذلك من ظلم للعقل بتعطيله ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لم تنفعهم معبوداتهم الوهمية شيئا، ولم تدفع عنهم أمر الله تعالى حين وقوعه ﴿لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ المترتب على ظلمهم أنفسهم ﴿وَما زادُوهُمْ﴾ آلهتهم الوهمية ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ غير الخسران والهلاك.\n\n<span id=\"aya-1575\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ المعنى أنّ عاقبة الأقوام المذكورة ليست مقتصرة عليهم، بل الحال كذلك في كل المجتمعات الظالمة، وهو بيان بعموم سوء العاقبة لأمثالها، والمراد بالظلم أنهم جمعوا الكفر والفساد معا (الآية ١١٧)، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ لا هوادة فيه، ولا مناص عنه.\n\n<span id=\"aya-1576\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في أخذه تعالى للأمم التي هلكت بضلالها ﴿لَآيَةً﴾ رسالة لمن بعدهم ممّن يخشون العواقب: ﴿لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ أي يعتبر بها فيتقي الظلم في الدنيا، ولا يغترّ بعدم تعجيل العذاب عليه في الدنيا، ﴿ذلِكَ﴾ اليوم الذي يقع فيه عذاب الآخرة ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لا محالة،","vol":"2","page":351},{"text":"لأجل ما يقع فيه من الحساب المترتّب عليه الجزاء ﴿وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ تشهده جميع الخلائق.\n\n<span id=\"aya-1577\"></span>﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ لحكمة اقتضت تأخيره، وهو يوم القيامة ﴿إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ في علمه تعالى، لا يزيد ولا ينقص،\n\n<span id=\"aya-1578\"></span>﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك الأجل ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ لا تتكلم نفس بما ينفعها ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ تعالى ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ بعمله ﴿وَسَعِيدٌ﴾ بعمله.\n\n<span id=\"aya-1579\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ في الدنيا، بما عملوا فيها من أعمال الأشقياء لفساد عقائدهم الموروثة بالتقليد، ولإحاطة خطيئاتهم بهم ﴿فَفِي النّارِ﴾ مستقرهم ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ من شدة الكرب.\n\n<span id=\"aya-1580\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الاستثناء في قوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ هو للدلالة على تقييد الأمر بمشيئته تعالى فقط، لا لإفادة عدم العموم ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإنما تتعلق مشيئته بما سبق به علمه، واقتضته حكمته، وما كان كذلك لم يكن إخلافا لشيء من وعده ولا من وعيده.\n\n<span id=\"aya-1581\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ معنى الاستثناء هنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم","vol":"2","page":352},{"text":"ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئته تعالى، فهو هبة وإحسان دائم، ثم قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي دائما غير مقطوع، لئلاّ يتوهم متوهّم بعد ذكر المشيئة أنّ ثمّ انقطاع، بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع.\n\n<span id=\"aya-1582\"></span>﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿فَلا تَكُ﴾ أيها النبي، وبالتالي أيها المسلم ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ في شك ﴿مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ المشركون، أو هؤلاء الضالون، أي لا تكن في شك من ضلالهم، ولا تظنّ أن معتقداتهم مبنية على العقل، بل هي ضلال يؤدي بالضرورة إلى مثل ما حلّ بمن قبلهم، إن في الدنيا أو في الآخرة ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عباداتهم ليست سوى تقليد، بما فيه من قيم زائفة، تداولوه من الآباء والأجداد، مناف للعقل، وللوحي، ولرسالات الأنبياء ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ فما من خير يعمله أحدهم إلاّ ويوفيهم الله تعالى جزاءهم عليه في الدنيا بسعة الرزق وكشف الضر، جزاء تاما وافيا، لا ينقصه شيء يجزون عليه في الآخرة، فهو متاع عاجل لا يلبث أن ينقضي، وليس دليلا على رضا الله عنهم، لأنّ الحسنى في الآخرة لا تكون إلاّ للمؤمنين المتقين.\n\n<span id=\"aya-1583\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ اختلفوا في تفسيره وفي العمل به، وآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه وحرّفوه، وغيّروا وبدّلوا فيه ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهي كلمة الإنظار، بتأجيل حسابهم إلى الآخرة بحسب الحكمة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ما منعهم أن يصيبهم عذاب الاستئصال في الدنيا، كما أصاب الأقوام البائدة المشار لها في هذه السورة، إلاّ أنهم آمنوا برسالة موسى ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من الكتاب أي التوراة ﴿مُرِيبٍ﴾ الشك المريب الذي أوقعهم في الاضطراب، وأدّى بهم إلى التلاعب","vol":"2","page":353},{"text":"في التوراة قولا وفعلا، ونلاحظ أن الآيات (٩٦ - ٩٩) لخّصت بعثة موسى إلى فرعون، في حين تشير هذه الآية إلى بعثته إلى بني إسرائيل.\n\n<span id=\"aya-1584\"></span>﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ من المختلفين ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ من حسن وقبيح، وإيمان وكفر، فيجازيهم عليها ﴿إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء،\n\n<span id=\"aya-1585\"></span>﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أي ما دام أمر الأمم من قبلك، كما قصصنا عليك أيها الرسول، فاستقم كما أمرناك في القرآن ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ وليستقم معك من تاب من الشرك وآمن برسالتك واتبعك ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ أيها المسلمون، بتجاوز الحدود غلوّا في الدين، لأن الإفراط فيه كالتفريط، وقالوا إنّ هذا دليل على وجوب اتباع النصوص في الأمور الدينية وهي العقائد والعبادات، واجتناب الرأي وبطلان التقليد فيها ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم على أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-1586\"></span>﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بارتكاب المظالم، من مسلمين وغيرهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بنتيجة عملكم ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ فولاية أمثالهم لا تنفعكم ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ استبعاد نصرته تعالى لمن يركن إليهم، وهذه الآية وسابقتها من سننه تعالى في المجتمعات أن الطغيان والركون إلى الظالمين من أسباب هلاك الأمم.\n\n<span id=\"aya-1587\"></span>﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - بعد أن أمر تعالى بالاستقامة، أضاف الأمر بالصلاة، وذلك دليل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا﴾","vol":"2","page":354},{"text":"﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ إشارة إلى الصلوات اليومية الخمسة التي بينتها وفصلتها السنّة الشريفة ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ الأعمال الحسنة بتزكيتها للنفوس وإصلاحها لها ما يمحو تأثير الأعمال السيئة، وقالوا إن التوبة مع العمل الصالح تكفر الصغائر والكبائر إلاّ حقوق العباد، فإنه يجب أداؤها أو استحلال أهلها منها ﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فيما ذكر من الأمر بالاستقامة، والنهي عن الطغيان، وعن الركون إلى الظالمين، وإقامة الصلاة، كل ذلك موعظة لمن يتعظ،\n\n<span id=\"aya-1588\"></span>﴿وَاِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿وَاِصْبِرْ﴾ على الطاعات، وعلى المعاصي، وانتظر عاقبتها من النصر والفلاح، ولا تستعجل عاقبتها قبل أوانها: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيوفّيهم ثواب أعمالهم.\n\n<span id=\"aya-1589\"></span>﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١١٦)\n١١٦ - هذه الآية بيان لسبب انهيار الأمم، وسننه تعالى في خلقه في إهلاك الأقوام التي ينتشر فيها الفساد، على غرار ما حدث للأمم البائدة:\n﴿فَلَوْلا كانَ﴾ فهلاّ كان، أي وجد ﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي الأقوام المقترنة في زمان واحد، والمقصود بها الحضارات السابقة ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ من أخلاق أو ممّن بقي لهم من الرأي والعقل والفضل ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ﴾ يكافحون الفساد ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ لكن قليلا ممّن أنجينا من القرون السابقة نهوا عن الفساد، ولكنهم كانوا قلّة منبوذين لا يقبل نهيهم وأمرهم، والأكثرية الظالمة انهمكت في الفساد، فضلا عن أن تنهى عنه: ﴿وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم الأكثرية ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ من النعم، فأصابهم البطر ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بانغماسهم في الفساد، وانهماكهم في طلب الدنيا والمادة والشهوات والزعامات بأي ثمن، والمعنى أن وسيلة منع هلاك الأمم الظالمة هو وجود أولي بقية فيها ينهون عن الفساد فيطاعون، وبالمقابل إذا فقد أمثال هؤلاء","vol":"2","page":355},{"text":"يستفحل الفساد في الأمة بما أترقت فيه فتهلك بمجموعها، وهذه قاعدة اجتماعية تتكرر عبر العصور إلى يومنا هذا.\n\n<span id=\"aya-1590\"></span>﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧)\n١١٧ - استمرار المعنى من الآية السابقة أنه تعالى لا يهلك المجتمعات لكفرها، ولكن يهلكها لانتشار الفساد فيها: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ المجتمعات ﴿بِظُلْمٍ﴾ منها، والمعنى أنه تعالى لا يهلك المجتمعات لمجرد انتشار الشرك فيها ﴿وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فيما بينهم، يتعاطون الحق، أي إذا كان الظلم فيهم مقتصرا على الشرك، دون الفساد والبغي في المعاملات بينهم، فإنه تعالى لا يهلكهم ولو كانوا على الشرك، وذلك لفرط رحمته تعالى بهم ومسامحته حقوقه، أما حقوق العباد فيما بينهم فلا تساهل فيها.\nوفي الآية دليل على إنّ الأقوام البائدة المذكورة في السورة جمعت إلى شركها، أو كفرها، فسادا وبغيا في مجتمعاتها، ومن سننه تعالى في المجتمعات البشرية أنها تدوم مع الكفر، ولا تدوم مع الفساد والبغي.\n\n<span id=\"aya-1591\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - تتمة الخطاب من الآيات (١١٦ - ١١٧): ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ أيها الرسول الحريص على إيمان الناس، ومن ثمّ الخطاب لكل مسلم ﴿لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ على دين واحد، بمقتضى الغريزة، فلا يكون لهم رأي ولا اختيار، فيكونون كالملائكة مفطورين على اعتقاد الحق وعلى طاعة الله، فلا يقع اختلاف بينهم، ولكنه بمقتضى حكمته ﷿ خلقهم مختارين، لا مضطرين ولا مجبرين، كاسبين للعلم، لا ملهمين، وعاملين بالاختيار الذي هو أساس التكليف، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وفي كسب العلم وفي الاختيار ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في كل شيء، وتلك سنته تعالى في البشر، أن يختلفوا في الأخلاق، وفي الأفعال، وفي الأديان والشرائع، بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، متنازعين في المصالح والمنافع.","vol":"2","page":356},{"text":"<span id=\"aya-1592\"></span>﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فاستفادوا من ألطافه تعالى ومن بعثه الرسل وإنزاله الوحي، فاتفقوا على حكم كتاب الله فيهم ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي لحرية الخيار، وما ينتج عنه من الاختلاف والتفرق في آرائهم وعلومهم ومعارفهم وعواطفهم، وما يتبع ذلك من إرادتهم واختيارهم، ومن ذلك اختيارهم الدين والإيمان والطاعة والعصيان ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي الكافرون والعصاة والمجرمون منهم، الذين لم يهتدوا بما أرسلت به الرسل، والذين شوّهوا الفطرة السليمة، واختاروا العمى على الهدى.\n\n<span id=\"aya-1593\"></span>﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ﴾ وكل نوع من أنباء الرسل، كما في هذه السورة، نقصّ عليك، أيها النبيّ، أو أيها المسلم، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أي نقص عليك من أنباء الرسل ليس لمجرّد التأريخ، وإنما نقصّ عليك منها ما فيه العبر والفائدة ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ ما يزيد اليقين والطمأنينة في القلب، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب، وأرسخ للعلم ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ﴾ الأنباء ﴿الْحَقُّ﴾ بيان الحق الذي دعا إليه جميع الرسل من التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء، والحض على العمل الصالح ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ لّمن يتعظ بعواقب مّن قبله ﴿وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لبيان أسباب انحطاط الأمم وانهيارها،\n\n<span id=\"aya-1594\"></span>﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ولم تؤثر فيهم هذه البيانات والعبر البالغة ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالتكم التي أنتم عليها ما تستطيعون ﴿إِنّا عامِلُونَ﴾ ما نستطيع، من الثبات على الدعوة، وتنفيذ أمر الله وطاعته.","vol":"2","page":357},{"text":"<span id=\"aya-1595\"></span>﴿وَاِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - ﴿وَاِنْتَظِرُوا﴾ ما تتمنّون لنا من انتهاء أمرنا بالهلاك أو الفشل ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما وعدنا ربّنا من النصر، وظهور هذا الدين ولو كره الكافرون.\n\n<span id=\"aya-1596\"></span>﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له وحده علم الغيب، ممّا لا يعرفه أحد من البشر ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فيرجع إليه أمر المؤمنين وأمر الكفار ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ما دام عنده علم الغيب، وإليه ترجع الأمور، فاعبده كما أمرت، من عبادة شخصية قاصرة عليك، وعبادة متعدية النفع لغيرك، وهي الدعوة إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وتوكل عليه ليتم لك ما وعدك، ما لا تبلغه باستطاعتك، فالتوكل لا يصح بغير العبادة، والأخذ بالأسباب المستطاعة، ومن دونهما يكون التوكّل من التمني الكاذب والآمال الخادعة، كما أن العبادة، وهي ما يراد به وجه الله من كل عمل، لا تكمل إلا بالتوكل الذي يكمل به التوحيد ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ من مؤمنين وكفار، فيوفيكم جزاءه في الدنيا والآخرة.\n***","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1651>سورة يوسف - ١٢ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-1652>المقدّمة</span>\nنزلت في المرحلة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، وقالوا إن يونس نزلت، ثم هود، ثم يوسف، بهذا الترتيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1653>نبذة تاريخية</span>\nروى البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم ﵈\"، كان ليعقوب اثنا عشر ولدا من أربع زوجات، أصغرهم يوسف وبنيامين من زوجة واحدة، والباقون من الزوجات الثلاث الأخر، وقد أخذت السيارة يوسف من فلسطين إلى مصر [يوسف ١٩/ ١٢] خلال حكم الهكسوس لها، والهكسوس قبائل من أصل عربي ارتحلت من فلسطين وسورية إلى مصر وحكمت الجزء الشمالي منها خلال الفترة (١٦٣٠ ق م - ١٥٢٠ ق م)، ويشير إليهم المؤرخون باسم الملوك الرعاة، كما يشير إليهم المؤرخون والمفسرون العرب باسم العمالقة، ويبدو أن أصلهم العربي الفلسطيني ساعد في تقبلهم يوسف وفي تبوئه الزعامة عندهم، خاصة أن لغتهم كانت واحدة وهي اللغة العربية، أما العبرية فلم تكن سوى لهجة من اللهجات العربية انبثقت عنها، وقد نسبوا إلى الهكسوس اختراع الأبجدية السامية المكونة من ٢٢ حرفا والتي، من خلال الفينيقيين، صارت أم الأبجديات الحديثة كما ساهمت في تحول الكتابة المصرية الهيروغليفية من الحروف التصويرية إلى الحروف الصوتية.","vol":"2","page":359},{"text":"وذلك يفسر أيضا استيطان بني يعقوب في مصر زمن يوسف وبعده ونفوذهم الديني والسياسي في مصر طيلة حكم الهكسوس، وقد كانت بعثة يوسف إلى المصريين مقدمة لبعثة موسى ﵇ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر ٣٤/ ٤٠]، مما يدل أن قبول بعثة يوسف كان مقتصرا على الهكسوس دون عامة المصريين، والثابت أن الهكسوس حكموا شمال مصر فقط واتخذوا مدينة أفاريس  Avaris  في الشمال الشرقي عاصمة لهم، في حين انتقل حكم المصريين من عاصمتهم ممفيس  Memphis  في الشمال إلى عاصمتهم الجديدة طيبة  Thebes  في الجنوب - الأقصر حاليا - مستقلين عن الهكسوس.\nثم حصل الارتكاس إلى الوثنية بعد خروج الهكسوس من مصر وتعرض بنو يعقوب - إسرائيل - لاضطهاد الفراعنة إلى أن كانت بعثة موسى ﵇، مما ذكر القرآن الكريم بعض تفصيله، انظر مثلا آية [البقرة ٤٩/ ٢] و[غافر ٢٥/ ٤٠].\nونلاحظ الدقة الفائقة والإعجاز في السورة من حيث إشارتها إلى لقب \"الملك\" في آيات عديدة (٧٦، ٥٤، ٥٠، ٤٣) وهو ملك الهكسوس، وليس فرعون مصر على النقيض من زعم العهد القديم بأنه فرعون (سفر التكوين ١/ ٣٩)، ذلك أنّ لقب فرعون خاص بحكام مصر، وقد بقي الهكسوس في مصر لحين ظهور ما يسميه المؤرخون: \"الامبراطورية الجديدة \"  New Empire (١٠٧٥ - ١٥٣٩  ق م) التي امتدت أراضيها خارج مصر فشملت سورية والعراق، وقد بدأت بحكم السلالة الثامنة عشرة  th dynasty ^١٨  وهي السلالة الفرعونية التي أخرجت الهكسوس من مصر، وكان أخناتون - أمنحوتب الرابع - وهو أحد فراعنة الامبراطورية الجديدة من السلالة الثامنة عشرة هو الذي ابتدع عبادة الشمس في عاصمته الجديدة، العمارنة، وسط مصر بعد أن نقل العاصمة إليها من طيبة في الجنوب، ثم قامت بعد ذلك السلالة التاسعة عشرة ١٩^  th","vol":"2","page":360},{"text":"dynasty  التي كان منها رمسيس الثاني - الكبير - فرعون الاضطهاد، ومنبتاح فرعون الخروج الذي أخرج بني إسرائيل من مصر عام ١٢١٣ ق. م. وتلا ذلك تفكك الامبراطورية الجديدة وسقوطها ثم استيلاء الليبيين على حكم مصر، وبعدهم النوبيون، ثم الفرس، ثم الإسكندر الكبير والبطالسة، ثم الرومان، ثم الإسلام، وقد يكون ذلك معنى قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٨/ ٤٤].\nونلاحظ أيضا إشارة السورة إلى لقب \"العزيز\" في مصر، الذي يبدو أنه الوزير المفوض عند ملك الهكسوس، قال مالك بن نبي في كتابه \"الظاهرة القرآنية\": لقد تكيفت الثروة اللفظية التي جاء بها القرآن الكريم في جميع تفاصيلها تكيفا رائعا، كما حدث لذلك الاسم الخاص - المذكور في رواية سفر التكوين - بوتيفار أو قطفير  Potiphare  والذي أطلق عليه القرآن لقب \"العزيز\"، ولنا أن نتساءل إن كان هنالك صلة في المعنى بين الاسم الإسرائيلي واللقب القرآني، فالتفسير العبري يبدو أنه يقصد بكلمة بوتيفار اشتقاقا مصريا من الأصل \"  favori-Puti  عزيز\" والأصل: \"  Phare  مستشار أو ناصح\"، ونقلا عن بحث القسيس فيجورو  Vigoureux (الكتاب المقدس والوثائق العلمية) في الموضوع نعرف أن هذه الكلمة مصرية مركبة معناها \"عزيز الإله\"، ولكن التكييف الاشتقاقي القرآني قد حذف اللفظ الإضافي ليتمثله في صورة أكثر تطابقا مع روح التوحيد الإسلامية فإذا به يكتفي بلفظ \"العزيز\"، ولذا قال يوسف لصاحبيه في السجن: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف ٣٩/ ١٢].\nوبحسب العهد القديم (سفر التكوين) فإن يوسف ﵇ كان ابن سبعة عشر عاما أو نحوها عندما وصل مصر، فأقام في بيت العزيز عامين أو ثلاثة، ثم سجن ثماني أو تسع سنوات، ثم تولى منصب العزيز في مصر [يوسف ٧٨/ ١٢] وهو في الثلاثين من عمره، وعمّر حتى بلغ المئة وعشرة أعوام، وإذا صح","vol":"2","page":361},{"text":"ذلك فيكون يوسف تقلد منصب العزيز عند ملوك الهكسوس لفترة ٨٠ عاما من أصل ١١٠ أعوام فترة وجودهم في مصر، وخلال تلك الفترة هاجر بنو إسرائيل يعقوب إلى مصر لقول يوسف لإخوته: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف ٩٣/ ١٢] وكان عددهم وقتئذ سبعين فقط بحسب سفر التكوين (٢٧/ ٤٦)، ثم بقوا في مصر بعد خروج الهكسوس فحكمهم فراعنة \"الإمبراطورية الجديدة\" حتى خروجهم مع موسى ﵇ فتكون فترة بقائهم في مصر حوالي أربعة قرون من الزمن ازداد عددهم خلالها حتى بلغ أكثر من ستمئة ألف وقت خروجهم من مصر بحسب ما زعمه سفر الخروج (٣٧/ ١٢)، مما يدل أن الكثير من المصريين دخلوا في ديانتهم وخرجوا من مصر معهم، ومما يدل أيضا أن تعبير بني إسرائيل وقتها لم يكن تعبيرا عنصريا مقتصرا على سلالة يعقوب وإنما شمل كلّ من اهتدى بهدي يعقوب ويوسف وصار مسلما، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٣/ ٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-1654>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nالمناسبة بين سورة يوسف وبين سورة هود المتقدمة أنها متممة لما جاء فيها من قصص الأنبياء ﵈، وهي أطول قصة في القرآن الكريم، وقد اختتمت سورة هود بقوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠/ ١١]، ثم تفتتح سورة يوسف بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ [٣٧/ ١٢]، وتختتم بقوله تعالى:\n﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [١١١/ ١٢]،","vol":"2","page":362},{"text":"وفي سورة هود كان تركيز قصص النبيين على مجيئهم أقوامهم بالبينة - الدليل العقلي -، وبالوحي، وكذا في سورة يوسف نقرأ الدليل العقلي في قوله تعالى على لسان يوسف: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [٤٠/ ١٢]، ورحمته تعالى ليوسف بالوحي: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦)، كما في آيات (هود ٢٨/ ١١) و(هود ٦٣/ ١١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1655>محور السورة</span>\nلاحظ الرازي تشابها شديدا بين قصة يوسف مع أخوته وبين قصة النبي ﷺ مع قومه في الكثير من مراحل دعوته لدرجة أن السورة كانت تذكرة لقريش بكيدها السيئ، وبما ستؤول إليه عاقبتها مع النبي ﷺ، فقد فشل أخوة يوسف في كيدهم ضده حتى انتهى بهم المطاف أن خرّوا له سجّدا، تماما كما كادت قريش للنبي ﷺ تريد قتله حتى انتهى بها المطاف أن طلبت منه الرحمة بعد فتح مكة، وقد أشارت الآية (٧) إلى هذا المغزى سلفا، وهكذا عن طريق الربط بين قصة يوسف وبين سيرة النبي مع قومه تنبأت السورة عمليا بالخاتمة التي صدّقتها الأحداث خلال عشر سنوات تقريبا، إذ قال النبي ﷺ لقريش بعد الفتح:\n» أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء».\nوتدور السورة حول قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ [يوسف ٤٠/ ١٢، ٦٧]، فكأن هذه الآية تهيمن على جميع مجريات الأحداث في قصة يوسف ﵇، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]، ففيها إشارة إلى الحكمة الإلهية في مجريات الأمور، الخافية عن معظم الخلق.","vol":"2","page":363},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف ١٠٤/ ١٢ - ١٠٥]،\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1597\"></span>﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١)\n١ - ﴿الر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، يوسف هي الثالثة من السور التي تفتتح بحروف ﴿الر﴾، وقد افتتحت بها ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن ﴿الْمُبِينِ﴾ الظاهر أمره الواضح في الإعجاز، والواضح لمن يتدبره أنه من عند الله وليس من كلام البشر، وهو أيضا يبيّن حقيقة الدين ومصالح البشر، كما يفصح عن الأشياء المبهمة ويبينها للناس.\n\n<span id=\"aya-1598\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نزل على العرب أولا بلغتهم ليفهموه ويحيطوا بمعانيه، وثانيا ليكونوا واسطة الرسالة إلى العالم أجمع لكونهم أمّة أمّية لم يسبق لها التعصّب إلى رسالة أو رسالات سابقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨/ ٢٦ - ١٩٩]، بالنظر لتعصب الأعجمين لما هم عليه من التمسك بالتقليد،\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لعلكم تستخدمون عقولكم في معانيه، فالقرآن موجّه إلى العقل البشري، لأن العواطف وحدها لا تشكل أساسا كافيا للإيمان.\n\n<span id=\"aya-1599\"></span>﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لا يعني أنّ قصة يوسف أحسن القصص، وإنّما يعود الحسن إلى حسن البيان وإعجازه، كما يعود إلى دقة","vol":"2","page":364},{"text":"ومغزى المعاني وصحتها، والعبر الأخلاقية منها، وإلاّ فالقصة مذكورة في كتب اليهود (سفر التكوين بالفصول ٣٧ - ٥٠) بثغرات عديدة واختلافات كثيرة عن القصة القرآنية، إذ إنّ قصة سفر التكوين خالية من المباديء الأخلاقية وقواعد السلوك السليم وفيها تمجيد واستحسان لأحابيل اليهود ضد المصريين، أما القصة القرآنية فهي أقرب إلى روحانية الموعظة وإظهار العبر والحكمة الإلهية من الكثير من الأحداث التي تخفى على معظم الناس، وقد أورد مالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية وجوه التباين بالتفصيل بين القصتين في القرآن الكريم والكتاب اليهودي المقدس.\nقال تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل ١٠٣/ ١٦]، فهم يزعمون أن النبي ﷺ تعلم القرآن من كتب اليهود والمسيحية مع أن تلك الكتب أعجمية، كانت باللسان السرياني، طبعة البسيطة  Peshitta،  أو اليوناني، الطبعة السبعينية  Septuagint،  أو اللاتيني، الطبعة الشائعة  Vulgate،  ولم تترجم إلى العربية إلا بعد بعثة النبي ﷺ بحوالي أربعة قرون،\nويحتمل المعنى أيضا: نحن نقص عليك أحسن القصص بما فيها من العبر الهامة جدا: أن الحكم لله تعالى لا راد لمشيئته، الآية (٦٧)، ﴿بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ﴾ بوحينا إليك هذا القرآن ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل هذا الوحي ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن قصة يوسف وأخوته، أو من الغافلين عن حقائق الدين والشريعة،\n\n<span id=\"aya-1600\"></span>﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٤)\n٤ - وهي القصة المشار لها بأحسن القصص: ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ في الرؤيا وليس في الرؤية، لقوله ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ (٥)، ولقوله ﴿هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ (١٠٠)﴾، والرؤيا وإن كانت بمعنى الرؤية إلا أنها","vol":"2","page":365},{"text":"مختصة بما كان منها في المنام فقط دون اليقظة ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ فسّر الكواكب بالأخوة وهم أخوته الأحد عشر ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ فسّر الشمس والقمر بالأب والأم ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ كناية عن تواضع الجميع ودخولهم تحت إمرة يوسف في المستقبل، وتكرار قوله ﴿رَأَيْتُ﴾ و﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ أنه في الأولى ذكر مجرد الرؤيا بالمنام، وفي الثانية لبيان صفة رؤيتهم في واقع الأمر بحال السجود أي متواضعين له خاضعين لأمره.\n\n<span id=\"aya-1601\"></span>﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٥)\n٥ - ﴿قالَ﴾ يعقوب لابنه يوسف: ﴿يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ فهم يعقوب رؤيا ابنه، وعلم أن ابنه سيكون نبيا عظيما ذا سلطان يسود به حتى أباه وأمه وإخوته، وخاف أن يعلم إخوته بذلك ويفهموا الرؤيا فيحسدوه ويكيدوا لإهلاكه، فنهاه أن يقص رؤياه عليهم، وعلّله بقوله:\n﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي يكيدوا له كيدا شرّا بنتيجة حسدهم، لأن الكيد قد يكون للخير أو للشر، كما في قوله تعالى ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ (٧٦)﴾، ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يوسوس بين الناس بداعي الشر.\nأما القصة اليهودية في سفر التكوين فتزعم أن يوسف أوغر صدر أبيه على إخوته فأخبره عنهم بريبة شنيعة، ثم أنه أخبر إخوته أولا بالرؤيا فحقدوا عليه، ثم أخبر أباه فوبخه قائلا: ما هذا الحلم؟ أمك وأنا ننحني أمامك؟ بمعنى أن يعقوب ظنّ رؤيا يوسف من قبيل التمنّي والتبجّح، وبالمقابل تبين الآية القرآنية أن يعقوب، بثاقب نظرته النبوية، علم ما سيكون من مستقبل ابنه في النبوة فازداد حبه له وعطفه وحرصه الشديد عليه، وخشيته عليه من كيد إخوته وحسدهم له، وأيقن بما أعدّه الله تعالى لابنه، قال الشيخ رشيد رضا: ولكن علم يعقوب ويقينه بذلك كان إجماليا لا تفصيليا، وقد جاءت قصته من أولها إلى آخرها تفصيلا لهذا الإجمال الذي هو من أبدع بلاغة القرآن الكريم.","vol":"2","page":366},{"text":"وقد ذكر الألوسي في روح المعاني إنّ اخوة يوسف لم يكونوا أنبياء، ونقل عن ابن تيمية قوله: ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا في الحديث ما يؤيد نبوتهم، وإنما احتج من قال بإنهم نبئوا بقوله تعالى ﴿وَالْأَسْباطَ﴾ [البقرة ١٤٠/ ٢] و[النساء ١٦٣/ ٤]، وفسروا ذلك بأولاد يعقوب، والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال: بنو إسرائيل، وكما يقال لسائر الناس بنو آدم، كما أن قوله تعالى ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف ١٥٩/ ٧ - ١٦٠] صريح في أن الأسباط هم الأمم من قوم موسى من بني إسرائيل، فلا معنى لتسمية أبناء يعقوب الاثني عشر أسباطا قبل أن تنتشر عنهم الذرية، فتخصيص الأسباط في الآية ببني يعقوب لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى، ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بينا، والصواب أيضا أنهم سمّوا أسباطا من عهد موسى ﵇ وليس قبله، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ [الأنعام ٨٤/ ٦] فذكر يوسف ولم يذكر الأسباط، أضف لذلك أن القرآن لم يذكر عن أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها أنه اقترف مثل هذه الأمور المنكرة من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وإرقاق الأخ وبيعه والكذب البيّن، فلو لم يكن دليل على عدم نبوتهم سوى صدور هذه الأمور العظام عنهم لكفى، لأن الأنبياء - عند الأكثرين - معصومون عن صدور مثل هذه الذنوب قبل النبوة وبعدها، ومما يؤيد ذلك اعترافهم ليوسف بقولهم له: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (٩١)، أي الله تعالى آثرك علينا بمنصب النبوة، ولأن جميع المناصب تكون كالعدم بالنسبة إليه وأن أحوال الدنيا لا يعبأ بها في جنب منصب النبوة (الرازي).\n\n<span id=\"aya-1602\"></span>﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾","vol":"2","page":367},{"text":"٦ - ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ استمرار الخطاب من يعقوب ليوسف، أي كما اختارك ربّك بمثل هذه الرؤيا العظيمة فهو يجتبيك أي يصطفيك ويختارك لأمور عظام ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ من معاني الرؤى وفهم مضامينها وما تؤول إليه، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أما مطلق التأويل والعواقب فلا يعلمه إلا الله، لأنّ الأحاديث بالمعنى العام لا تقتصر على الرؤى، وقد يكون تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة والرسالة والملك والرئاسة ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بإخراجهم من البدو، وتبوئهم المقام الكريم في مصر ثم بتسلسل النبوة فيهم إلى أجل معلوم ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ وهما جده وجد أبيه، إذ اختصهما تعالى بالنبوة وبالنجاة من المكاره ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ عليم بمن يصطفيه، حكيم باصطفائه، وبإعداد الأسباب وتسخيرها لمن يشاء.\n\n<span id=\"aya-1603\"></span>﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ أي في قصتهم علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء، وهي كثيرة لمن تتّبعها، للراغبين في معرفة الحقائق والاعتبار بها، لأنهم هم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها، دون عداهم،\n\n<span id=\"aya-1604\"></span>﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨)\n٨ - ﴿إِذْ قالُوا﴾ وهم إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ أخوه بنيامين، كان مع يوسف من أم واحدة، خلافا للباقين إذ كانوا أخوة يوسف وبنيامين لأبيهم فقط ﴿أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا﴾ كان يعقوب يحب يوسف خاصة لما رأى فيه من دلائل النبوة، وبالمقارنة مع باقي العشرة لما رأى فيهم من سوء الخلق والفساد والحسد ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ تبجحوا فيما بينهم أنهم مجموعة كبيرة أكثر قوة وأكثر قياما بمصالح الأب منهما، خاصة في مجتمع البدو حيث الأولاد الكبار هم الذين يدفعون المخاطر عن العائلة ويشتغلون بتحصيل الرزق والمنافع، ولذلك","vol":"2","page":368},{"text":"نسبوا إلى أبيهم الضلال: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لما اعتقدوه من واقع أفضليتهم وأحقيتهم بحبه، ويحتمل أنهم ظنّوا الخرف بأبيهم لتقدمه في السن فنسبوا إليه الضلال بزعمهم.\n\n<span id=\"aya-1605\"></span>﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ (٩)\n٩ - ائتمروا فيما بينهم لما قوي حسدهم وبلغ منتهاه فوجدوا الحل في قتله:\n﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فتتخلصوا منه ﴿أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ الطرح رمي الشيء وإلقاؤه، ويقال طرحت الشيء أي أبعدته، والمعنى أبعدوا يوسف واتركوه في أرض نائية بحيث لا يعود منها، وعللوا ذلك بقولهم: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فلا يتوجه إلى أحد غيركم، أي إذا افتقد الأب يوسف بعد أن شغفه حبا لم يجد بدّا من التفرغ لإخوته الباقين ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد ذهاب يوسف ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ أي تتوبون إلى الله من فعلتكم الشنيعة وتكفّروا عنها فيرضى عنكم أبوكم ويرضى ربكم، وهذا من وسواس الشيطان أنه يزيّن للناس سوء أعمالهم، والمغزى أن أمثال هؤلاء الناس يظنون أن بمقدورهم الجمع بين التقوى والصلاح من جهة وبين اقتراف الجريمة والسلوك الأناني من جهة ثانية، إذ يقومون بتعطيل متطلبات الأخلاق والشرع مؤقتا ريثما يمررون مآربهم الشريرة، ثم يقنعون أنفسهم أن الإثم مؤقت اضطروا لارتكابه للوصول إلى هدف هام ثم يتوبون بزعمهم، وهذا الداء يسري في عروق الكثير من الناس.\n\n<span id=\"aya-1606\"></span>﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أبهمه القرآن لعدم وجود فائدة أو عبرة من معرفته، وإنما الفائدة في وصفه أنهم لم يجمعوا على الجريمة، وأنه وجد منهم من استهول القتل ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ وتكرار القائل لاسم يوسف - دون ضميره - لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو، ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾","vol":"2","page":369},{"text":"الجبّ البئر غير المبنية من داخلها بالحجارة، وسمّي جبّا لأنه جبّ من الأرض أي قطع، والغيابة كل ما غيّب شيئا وستره فأصبح غائبا عن النظر، ولعلهم ألقوه في حفرة جانبية مظلمة من البئر يدخلها عادة من يدلي فيه لإخراج شيء وقع فيه أو لإصلاح خلل، أو أن الماء في عمق الجب لم يكن كافيا لإغراق يوسف في حين أن عمقه يبعده عن الأنظار فتكون غيابة الجب قعره لغيبوبته عن أعين الناظر، وإدخال أل التعريف على الجب دليل على أنه معروف لذا قال: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ السيارة الجماعة الذين يسيرون في طريق السفر وهم غالبا ما يردون ذلك البئر في أسفارهم، ولذا كان طرح يوسف فيها أقرب إلى السلامة، لأن السيارة عندما يردون البئر يشاهدون يوسف ويخرجونه ويأخذونه معهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ والأولى ألاّ تفعلوا شيئا من القتل أو الطرح في أرض نائية، أما إن كان ولا بدّ، فاقتصروا على هذا القدر من الأذى.\n\n<span id=\"aya-1607\"></span>﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ بعد أن أضمروا المؤامرة على يوسف استدرجوا أباهم فخاطبوه متسائلين عن سبب عدم ائتمانه لهم عليه، بما يفيد أن يعقوب كان يخافهم عليه، وقد يكون أنهم سألوا أباهم قبل ذلك أن يخرج يوسف معهم فأبى ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ زعموا أنهم حريصون عليه ولا يضمرون له سوى الخير.\n\n<span id=\"aya-1608\"></span>﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ أثناء الرعي ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه.\n\n<span id=\"aya-1609\"></span>﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي لقلة صبر أبيه على مفارقته لشدة محبته له ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ وهو سبب آخر لامتناعه وتردده في إرساله مع إخوته، لما يعلمه من حسدهم له وقلة اكتراثهم به","vol":"2","page":370},{"text":"واحتمال غفلتهم عنه وإهمالهم له، ولعله قاله من باب الاحتياط أو الاعتذار بالظواهر وإن كان على يقين من حسن عاقبة يوسف في الباطن، على أن علمه هذا كان مجملا مبهما مقيدا بالأقدار المجهولة، وقيل لو لم يذكر خوفه هذا لأولاده لما خطر ببالهم ادعائهم اللاحق بقصة الذئب،\n\n<span id=\"aya-1610\"></span>﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جديرون بحمايته ﴿إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ أي خائبون ضعفا وعجزا، أو أننا مستحقون الهلاك لو أكله الذئب، أرادوا بذلك طمأنة أبيهم من ناحية هذا الاحتمال، أما حجة أبيهم لجهة حزنه أن يفارق يوسف فقد أعاروه آذانا صمّاء لكراهتهم يوسف وحسدهم له.\nوها هنا اختلاف بيّن في رواية القصة اليهودية في سفر التكوين عن القصة القرآنية، ففي سفر التكوين أن إخوة يوسف مضوا ليرعوا غنم أبيهم فقال يعقوب ليوسف: إمض فافتقد سلامة إخوتك وسلامة الغنم وإتني بالخبر، فلما رأوه قادما إليهم ائتمروا عليه ليقتلوه أو يلقوه في الجب، ومن الواضح أن يعقوب ما كان ليرسل يوسف إليهم من تلقاء نفسه وقد علم سلفا بحقدهم وخطورتهم عليه وحسدهم له،\n\n<span id=\"aya-1611\"></span>﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ في الغد من ليلتهم التي أقنعوا فيها أباه على كره منه أن يأخذوا يوسف معهم يرتع ويلعب ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ فجعلوه فيه، بعد ما كان من اختلافهم في قتله أو تغريبه ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ بما هوّن الله تعالى عليه من كربته ومصيبته وأزال الحزن، عنه فعلم أنها مصيبة في الظاهر ونعمة في الباطن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون الآن بما أنت عليه من المنزلة والمكانة الرفيعة عند الله تعالى، كما لا","vol":"2","page":371},{"text":"يشعرون بوحيه تعالى إليه وأنسه بالوحي وعدم وحشته وهم يحسبون أنه مرهق مستوحش لا أنيس له، ولا يشعرون بما سيؤول إليه أمره من النبوة والرياسة، ولا يشعرون بعظم فعلتهم الشنيعة، ولا يشعرون بجهلهم وعاقبة عملهم، كما أنهم في المستقبل لا يشعرون بأنه يوسف عندما يأتونه طالبين الكيل والصدقة، الآيات (٨٩ - ٩٠).\n\n<span id=\"aya-1612\"></span>﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً﴾ أي في وقت العشاء، وإنما جاؤوا عشاء إمّا لأنهم لم يصلوا من مكانهم إلاّ في ذلك الوقت، وإما ليكونوا أقدر على الاعتذار لمكان الظلمة التي يرتفع فيها الحياء، ولذا قيل لا تطلب الحاجة في الليل فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر في النهار من ذنب فتلجلج ﴿يَبْكُونَ﴾ متباكين مظهرين البكاء بتكلّف لأنه لم يكن عن حزن، تمويها لشنيع فعلهم، وكثيرا ما يفعل بعض الكذّابين ذلك، فلما سألهم أبوهم عن بكائهم أجابوه:\n\n<span id=\"aya-1613\"></span>﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ إذ لا يستطيع مجاراتنا في استباقنا المرهق ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ إذ أوغلنا في البعد عنه فلم نسمع صراخه واستغاثته ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أي بمصدّق لنا في قولنا هذا لاتهامك إيانا بكراهة يوسف وحسدنا له ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في واقع الأمر، أو لو كنا عندك من أهل الصدق والثقة ما صدّقتنا في هذا الخبر لشدة حبك يوسف، ولظننت أنا قد كذبنا.\n\n<span id=\"aya-1614\"></span>﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب فيه، أو ذي كذب، ووصفه بالكذب مبالغة في ظهور كذبهم وادعائهم أنه دم يوسف على القميص،","vol":"2","page":372},{"text":"فكأنه الكذب بعينه، وقوله ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ لكون الدم موضوعا على ظاهر القميص وضعا متكلّفا، ولو كان الدم سببه افتراس الذئب لكان قميصا ممزقا متغلغلا الدم فيه، فلما شاهد يعقوب القميص سليما لم يصدّقهم، فقال لهم:\n﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ سهّلت وزيّنت لكم أنفسكم أمرا سيئا منكرا ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى من الجزع، لا شكوى فيه إلا لله تعالى ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ﴾ أستعينه وحده دون غيره ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ من هذه المصيبة، وقد يستشف من كلام يعقوب علمه من الوحي أن يوسف حي معافى، لأنه سبق أن قال له: ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (٦)، وذلك ظاهر أيضا من قوله بعد ذلك: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (٨٣)، وفي مقابل الصبر الجميل زعمت رواية سفر التكوين اليهودية أن يعقوب مزّق ثيابه وناح على ابنه أياما عديدة وقال إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الجحيم.\n\n<span id=\"aya-1615\"></span>﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ على وزن جوّالة أو كشّافة، أي قوم يسيرون وهم قافلة سفر هبطوا على أرض فيها الجبّ الملقى فيه يوسف، كان في طريق سفرهم المعتاد ﴿فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ الوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ في الجبّ، فتعلّق به يوسف فلمّا خرج ورآه ﴿قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ يبشّر به جماعته السيارة، فاستبشروا ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أخفوه من الناس متاعا للتجارة لئلاّ يدعيه أحد من أهل ذلك المكان ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ بما يعمله هؤلاء السيارة، وما يعمله إخوة يوسف، فلكل منهم أرب في عمله:\nالسيارة يدّعون بالباطل أن يوسف عبد لهم فيتّجرون به، وإخوة يوسف يتخلصون منه ويدعون أمام أبيهم أن الذئب أكله، وحكمته تعالى مسبب الأسباب فوق كل شيء، فقد كان حسد اخوة يوسف له واحتيالهم عليه والتخلص منه سببا لأن يصل إلى مصر ويؤول أمره إلى تحقيق رؤياه.","vol":"2","page":373},{"text":"<span id=\"aya-1616\"></span>﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ شرى الشيء يشريه باعه، والمعنى أنهم باعوا يوسف بثمن مبخوس ناقص عن القيمة نقصانا ظاهرا ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قليلة ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء يتهاون به لا يبالي بقيمته، ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده.\n\n<span id=\"aya-1617\"></span>﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ﴾ وهو العزيز كما هو مذكور في الآية (٣٠)، ثم صار ذلك لقبا ليوسف بعد أن تولى الإدارة في مصر، الآيات (٧٨، ٥٥)، فالظاهر أنه لقب أكبر وزراء الملك، أو وزيره المفوض ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أكرميه وأحسني معاملته فيما يتعلق بإقامته فلا يكون كالعبيد أو الخدم، قال ذلك لحسن فراسته في يوسف مستبشرا به، ثم علّل ذلك بقوله: ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ بالقيام ببعض شؤوننا أو شؤون الدولة، لما لاح له فيه من أمارات الذكاء والنباهة ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فيكون لنا قرة عين ويرث مجدنا ومالنا إذا صدقت فراستي في نجابته، وقد يفهم من ذلك أن العزيز كان عقيما لم يكن له ولد، فأمل أن تكون حسن العشرة والإكرام ليوسف سببا لاستكمال حسن استعداده الفطري ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ كما أنعمنا عليه بالسلامة من الجب كذلك، وعلى هذا النحو من التدبير والتسخير له أوصلناه إلى العزيز وعطفنا عليه قلبه وجعلنا ليوسف مكانة عالية في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ كما هو مبين في الآية (٦)﴾، وهو الغرض من التمكين من علم وعمل ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ أي على كلّ أمر يريده ويقدّره فلا يغلب على شيء منه بل يقع كما أراد، لا دافع لقضائه وحكمه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّه تعالى غالب على أمره بل يؤخذون بظواهر الأمور كما هو حال أخوة يوسف الذين ظنّوا أن بإبعادهم يوسف تكون لهم","vol":"2","page":374},{"text":"الحظوة عند أبيهم ويكونوا من بعده قوما صالحين، أما يعقوب ﵇ فكان موقنا أنه تعالى غالب على أمره، وأقواله صريحة في الدلالة على ذلك، غير أن علمه بالطبع إجمالي غير محيط بدقائق الأمور وتفاصيل الأقدار.\n\n<span id=\"aya-1618\"></span>﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي وصل منتهاه في شبابه وقوته واكتمل نموه العقلي والجسمي ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ بين الناس، وقيل أيضا الحكم هو الحكمة، وهي ليوسف النبوة، وقيل: هي العلم الذي يصاحبه عمل ﴿وَعِلْمًا﴾ نافعا مؤيدا بالعمل، لأن العلم من دون العمل بموجبه لا يعتدّ به، والعلم الفقه بحقائق الأمور ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي وكذلك هي سنتنا في جزاء المحسنين في القول والعمل، لكل منهم بقدر إحسانه.\n\n<span id=\"aya-1619\"></span>﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ المراودة منازعة الغير في الإرادة بحيث يريد المراود غير ما يريد المراود، وهي أيضا المطالبة برفق، ومنه الرائد طالب الكلأ والماء، والمعنى أرادت مخادعته عن نفسه تريده عشيقا ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ إمعانا في المكاشفة ولبيان النوايا ﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ انتقلت من التلميح إلى التصريح، والمعنى هلمّ لك، أي أقبل وبادر، وقيل المعنى:\nتهيأت لك،\n﴿قالَ مَعاذَ اللهِ﴾ أي أعوذ بالله معاذا أن أفعل، وعلّل الاستعاذة بقوله:\n﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أي هو سيدي العزيز أحسن مثواي: إذ قال لك أكرمي مثواه، فلا يليق أن أقابل الإحسان بالخيانة، وربّي بمعنى رب الدار، وقد يكون المعنى: إنه ربّي وخالقي الله تعالى أحسن مقامي عندكم وسخركم لي فكيف أعصيه بارتكاب ما لا يجوز، وعلل امتناعه بقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾","vol":"2","page":375},{"text":"﴿الظّالِمُونَ﴾ الظالمون في هذا الموضع الزناة لأنهم يظلمون أنفسهم وغيرهم، فلا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1620\"></span>﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ الهمّ القصد، والمعنى همّت به لتقهره على ما أرادت معه من المخالطة، ويحتمل المعنى إنها همّت بضربه بعد أن راودته عن نفسه فاستعصم بدليل قولها بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٣٢)، وقولها: ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥١)، ﴿وَهَمَّ بِها﴾ من جهته ليدفعها عن نفسه ويمنعها مما أرادت، وربّما همّ بضربها أيضا، إذ يقال هممت بفلان أي بضربه ودفعه، بدليل قوله بعدها: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٣٣)، فما همّت به من قهره على المخالطة غير ما همّ به من دفعها، ولو كان همّه كهمّها لما مدحه تعالى بأنه من عباده المخلصين ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ وهو استبصار واستحضار ما عنده من العلم الدال على تحريم مراودتها له، وهو أيضا ما منعه من إيذائها فيما همّ به من دفعها وضربها، لأنه لو فعل لكان في ذلك ما يوجب هلاكه عند العزيز، وأيضا لو انشغل بالضرب أو الإيذاء لربّما تعلقت بقميصه فيتمزق من الأمام ويصبح ذلك حجة عليه بدلا من براءته ﴿كَذلِكَ﴾ إشارة إلى تثبيته بما رأى من برهان ربّه، أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ من خيانة العزيز ﴿وَالْفَحْشاءَ﴾ من الزنى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين أخلصهم الله لطاعته،\n\n<span id=\"aya-1621\"></span>﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ﴾ تسابقا إلى الباب - بحذف حرف الجر وهو كثير في التنزيل - هو يريد الخروج والهرب وهي تريد منعه من فتح الباب ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي قطعته على الطول وهي تجري وراءه متمسكة بقميصه ﴿وَأَلْفَيا﴾ وجدا ﴿سَيِّدَها﴾ وهو العزيز زوجها، فالمرأة تخاطب زوجها بلقب:","vol":"2","page":376},{"text":"سيدي ﴿لَدَى الْبابِ﴾ خارج الباب ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ المعنى ليس جزاؤه إلاّ السجن أو العذاب، وهذا الكلام تعريض لا تصريح بيوسف فهي لم تذكر اسمه صراحة، ثم إنها قدمت ذكر السجن على العذاب، صونا له عن السجن أو الألم، لشدة غرامها به، وقولها ﴿إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ﴾ بمعنى يوما أو نحوه، وإلا لو قصدت حبسا دائما لقالت يجب أن يجعل من المسجونين، كما أنها لم تذكر ما نوع السوء الذي أشارت إليه صونا للمحبوب عن العقاب الشديد.\n\n<span id=\"aya-1622\"></span>﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ لم يبدأ يوسف بهتك سرها إلا بعد أن خاف على نفسه العقاب فأظهر الأمر الذي لم تصرح هي به ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ كان حاضرا مع العزيز ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ انقطع من أمام ﴿فَصَدَقَتْ﴾ في قولها ﴿وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فيما نسبه إليها من المراودة عن نفسه.\n\n<span id=\"aya-1623\"></span>﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ من الخلف ﴿فَكَذَبَتْ﴾ في دعواها ﴿وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فيما نسبه إليها.\n\n<span id=\"aya-1624\"></span>﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿فَلَمّا رَأى﴾ العزيز ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ قطع طولا من الخلف ﴿قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ لا قبل للرجال به، وعلامة قدّ القميص كانت مرجّحة، فمن جهة أنّ العزيز والشاهد رأيا يوسف يهرع خارجا من الباب وقد أبدت المرأة زينتها، والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الباب على هذا النحو،\n\n<span id=\"aya-1625\"></span>﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾","vol":"2","page":377},{"text":"٢٩ - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الأمر فاكتمه حتى لا ينتشر الخبر وهو خطاب العزيز ليوسف، وأتبع ذلك أن طلب من زوجته الاستغفار لذنبها:\n﴿وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ كانت كثيرة الخطأ فيما مضى من أعمالها، وهو أحد الأسباب الذي زاد من قناعته في براءة يوسف، ويبدو أنه كان رجلا حليما.\nوها هنا فارق كبير بين القصة القرآنية وقصة سفر التكوين حيث يزعم الأخير أن العزيز صدّق امرأته وأودع يوسف السجن على الفور، كما أنه ليس في سفر التكوين التفاصيل المذكورة بالآيات (٣٠ - ٣٥)،\n\n<span id=\"aya-1626\"></span>﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ سرت القصة من قصر العزيز إلى المدينة حتى تداولتها ألسن النسوة، ونسوة: جمع تكسير للقلّة من النساء، وهنّ قلّة لأنهنّ من بيوتات كبار الدولة التي سرى إليها الخبر ﴿اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ عبّر عنه بالمضارع للدلالة على دوام المراودة ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي شقّ حبّه شغاف قلبها، فملك عليها أمرها حتى أنها لا تبالي بما يكون من عاقبة عملها ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لا يخفى على أحد، ولم يكن قول النسوة هذا إنكارا لتهتكها وإنما هو مكر بها كي يصل قولهنّ إليها فتبادر بدعوتهن لإبداء عذرها فيشاهدن يوسف بأنفسهنّ إرضاء لفضولهنّ.\n\n<span id=\"aya-1627\"></span>﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي باغتيابهنّ كما هو متوقّع، وكان من الطبيعي أن تسمع به لما هو معروف في أمثالهن من النميمة وتناقل الكلام فيما بينهنّ ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنّ إلى وليمة في دارها ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ هيّأت لهنّ ما يتكئن عليه إذا جلسن على الأرائك، والمعنى مجلسا مريحا ﴿وَآتَتْ﴾","vol":"2","page":378},{"text":"﴿كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة، والظاهر أنها تعمدّت أن تكون السكاكين مشحوذة أكثر مما ينبغي ﴿وَقالَتِ﴾ ليوسف، وهنّ مشغولات بالتقطيع بالسكاكين ﴿اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ إذ كان في غرفة داخلية محجوبا عنهنّ، ولو كان في مكان خارج لقالت: ادخل عليهنّ، وهكذا تعمدّت أن يفاجئهنّ وهنّ مشغولات بما يقطّعنه من اللحم أو الفاكهة، وما يكون لهذه المفاجأة من شدة الدهشة والذهول: ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه لشدة دهشتهنّ من جماله، أو لما رأين على وجهه من نور الهيبة ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بدلا من تقطيع ما يأكلن ذهولا عمّا يعملن، والمعنى أنهنّ جرحن أيديهن بلا شعور منهنّ، ولما تملّكهنّ من الدهشة حتى أصبحت حركة الأيدي غير اختيارية فلم يشعرن بألم، وقد يكون كناية عن دهشتهنّ وذهولهنّ واستغراقهنّ في نوره ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ تنزيها لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجبا من قدرته جلّ وعلا على مثل ذلك الخلق البديع ﴿ما هذا بَشَرًا﴾ ما هكذا يكون البشر، نفين عنه البشرية إعظاما له ﴿إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ إذ لم يلتفت إليهنّ البتة، وقد رأين عليه مهابة النبوة وهيئة الملكية.\n\n<span id=\"aya-1628\"></span>﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي ذلك هو واقع الحال الباهر الذي لم يكن في تصوّركن، ممّا أدّى بكنّ إلى ملامتي دون معرفة، ثمّ بعد أن أبدت عذرها في شدة عشقها ليوسف باحت ببقية سرّها بعد أن أقامت عليهنّ الحجّة: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ وهو إقرار منها ببراءته وعفّته، والاستعصام دلالة على شدة المبالغة في الامتناع والتحفظ، أي طلب العصمة وتمسك بها عاصيا أمري ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ به فيما سيأتي، إصرارا منها على رغبتها فيه ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أضافت على تهديدها بسجنه أن تجعله من الصاغرين، والصغار ضد الكبر، والمعنى أن تجعله في السجن من الأذلة المقهورين، وهو ما تأباه الأنفس الكبيرة، فاحتقار النفس أشقّ على","vol":"2","page":379},{"text":"النفس العزيزة من العمل الشاق، وهذا التهديد ينم عن ثقتها بنفاذ رغباتها عند زوجها رغم علمه بأمرها واستعظامه كيدها.\n\n<span id=\"aya-1629\"></span>﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿قالَ﴾ مناجيا ربّه حين سمع مقالتها ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أسند الدعوة إلى النسوة جميعا مما يدلّ أنهنّ انصرفن لمحاولة إقناعه بالامتثال لطاعة امرأة العزيز، وقد يكون إن كل واحدة منهنّ أرسلت إليه سرّا تدعوه لنفسها، فلمّا رأى هذا الإجماع منهنّ والإصرار منها خاف على نفسه من تهديدها وشرّها فالتجأ إلى ربّه بالدعاء: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ من إجماعهنّ على الإيقاع بي، وفي تحبيب ذلك إليّ وتثبيتي عليه ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل إليهنّ، أو إلى رغبتهنّ بما يدعونني إليه من طاعة امرأة العزيز، والصبوة الميل إلى الهوى والشهوة ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ بما يجب عليّ فعله.\n\n<span id=\"aya-1630\"></span>﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فلم يصبّ إليهنّ، وثبّته على العصمة والعفّة ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده، المجيب لمن أخلص له الدعاء ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوال العباد وصدقهم وما يصلح لهم.\n\n<span id=\"aya-1631\"></span>﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أي لمن بيدهم الأمر والنهي وهم العزيز وزوجته، بالإضافة لكبار القوم الذين خشوا على زوجاتهم من الوقوع في غرام يوسف، وبدا لهم أي ظهر لهم رأي ليسجنّنه ولو كان لا يستحق ذلك ﴿مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ﴾ رأوا من الدلائل ما أقنعهم بإيداعه السجن رغم براءته ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ والمعنى أنّ العزيز طاوع زوجته بما أرادت من سجن يوسف ليس لقناعته بأنّ يوسف ارتكب جرما، وإنّما لكونه مطواعا لزوجته، زمامه في يدها، ولا","vol":"2","page":380},{"text":"ريب أنّ العزيز من جانبه رأى في سجن يوسف فرصة للتخلص منه، فما دام أنه لا يستطيع السيطرة على نزوات زوجته فلا أقل من إبعاد محبوبها عنها ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى أجل غير محدد، حتى تهدأ الفضيحة، أو حتى ينقطع رجاء المرأة فيه وعشقها له.\n\n<span id=\"aya-1632\"></span>﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - سجنوه بعد أن بدا لهم ذلك: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ صادف بتقديره تعالى أن دخل السجن معه فتيان من فتيان الملك، الآية (٤٣)، أي من عمّاله، أحدهما كما سوف يأتي بيانه المسؤول عن شرابه، والآخر الخباز، وفي السجن رأى كلّ منهما رؤيا في المنام، ورؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته، فخاطبا يوسف قائلين: ﴿قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي﴾ أي في المنام ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أعصر عنبا ليصبح خمرا، وهي تسمية الشيء بما يؤول إليه ﴿وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي﴾ في المنام ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ وهي رؤيا الثاني، ثمّ قال كل واحد منهما ليوسف: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبرنا ما تؤول إليه هذه الرؤى، أي تفسيرها ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ من الذين يحسنون تفسير الرؤى لما خبروا ذلك منه بعد إقامتهم معا في السجن لمدة من الزمن، وقد يكون المعنى إنّا نراك من المحسنين أي من كثيري الإحسان، وما قالا ذلك إلاّ نتيجة ما شاهدوه من كثرة أعماله الحميدة وحسن سيرته مع السجناء والسجّانين، فتعلّقت به آمالاهما واطمئنّا إليه.\n\n<span id=\"aya-1633\"></span>﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ تاليا ﴿إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتأويل ما رأيتم في المنام ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾ الطعام، والمعنى سوف أنبئكم بتأويل ما طلبتم قبل أن تأتيكما وجبة طعامكم التالية، وفي حين أكد يوسف لهم الاستجابة","vol":"2","page":381},{"text":"لطلبهم في القريب العاجل، حرص قبل ذلك على وعظهما وإرشادهما لما رأى فيهما من تقدير له، فاغتنم الفرصة وقال لهما: ﴿ذلِكُما﴾ ذلك التأويل والكشف عن المغيبات ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بالوحي والإلهام وليس من قبيل الكهانة والتنجيم ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ وقد امتنعت عن ملّتهم، والإشارة لديانة الكنعانيين في فلسطين الذين أقام بينهم أولا، أو ديانة الهكسوس الذين أقام بينهم بعد ذلك، وهم إما وثنيون أو مشركون ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ إما أنهم يكفرون بالآخرة، أو أنهم لا يؤمنون بها على الوجه الصحيح فيتخبطون في تفسيرها، ثم أتبع يوسف موعظته بأن شرح لهم أنه من سلالة الأنبياء وبيّن لهم رسالة التوحيد:\n\n<span id=\"aya-1634\"></span>﴿وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - استمرار الخطاب أي امتنعت عن ملّة المشركين ﴿وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ مبينا لهما أنه من سلالة الأنبياء ﴿ما كانَ لَنا﴾ نحن معشر الأنبياء ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ كائنا ما كان من البشر أو الملائكة أو الأصنام أو العجل أو الشمس ﴿ذلِكَ﴾ التوحيد وعدم الشرك ﴿مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا﴾ بأن هدانا إليه ﴿وَعَلَى النّاسِ﴾ بأن بعث فيهم الرسل، وكرّمهم برسالة التوحيد إذ حررهم من الخرافات، ولما في الشرك من الحطّ من كرامة الإنسان ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة، بل يشركون بالله ما لم ينزّل به سلطانا وما يستتبع ذلك من هدر مكانتهم الإنسانية التي كرمهم تعالى بها، انظر [الإسراء ٧٠/ ١٧].\nومن جهة ثانية، يستفاد من الآية أن الهكسوس كانوا على علم ببعثة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإلا ما كان هنالك معنى لإشارة يوسف إليهم في خطابه، كما يلاحظ التأكيد على أن محور بعثة هؤلاء الرسل هو التوحيد ونفي الشرك الأمر الذي لم يأت الكتاب اليهودي المقدس على ذكره في سياق القصة.","vol":"2","page":382},{"text":"<span id=\"aya-1635\"></span>﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي يا صاحبيّ في السجن، بحذف حرف الجر ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ في العدد والكثرة، تعبدونهم وتستعبدون أنفسكما لهم خلافا لكل عقل ومنطق ﴿خَيْرٌ﴾ لكما؟ بما في ذلك من الاضطراب والانقسام فيكم ﴿أَمِ اللهُ الْواحِدُ﴾ الذي يستحيل أن يكون غيره بوجه من الوجوه، وقد خلقكم وكرّمكم ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب على أمره، في مقابلة هؤلاء المتفرقين من أصنام وزعماء وقديسين وكواكب الذي سميتموهم أربابا وهم مقهورون مغلوبون على أمرهم، ومع ذلك تذلّون أنفسكم وتضعونها لهم.\n\n<span id=\"aya-1636\"></span>﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿إِلاّ أَسْماءً﴾ هي مجرّد ألفاظ فارغة لا مسميات تحتها، ليس لها في الحقيقة من وجود ولا حول ولا قوة ﴿سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ بمحض الجهل والتقليد ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ ليس من حجة تدل على صحتها لا عقلا ولا نقلا ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ الحق في العقائد والعبادات والشرع ﴿إِلاّ لِلّهِ﴾ وحده، بوحيه لمن اصطفى من رسله، وليس لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه، ولا بعقله واستدلاله، ولا باجتهاده واستحسانه ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ وكلّ ما عداه خاضع لإرادته وسننه في أسباب المنافع والمضار ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الثابت الذي دلّت عليه البراهين، وجاءت به الرسل ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك حق العلم، أو لا يعلمون شيئا أصلا فهم يعبدون مجرد أسماء في حين أن المسمّى غير حاصل.\n\n<span id=\"aya-1637\"></span>﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ (٤١)\n٤١ - بعد أن أكمل يوسف موعظته وإرشاده لهما، بدأ بتأويل رؤياهما: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما﴾ الذي رأى أنه يعصر خمرا ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾","vol":"2","page":383},{"text":"ربّه بمعنى سيّده ومالك رقبته ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ الخباز الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ وهي الطيور الجارحة تأكل من لحم رأسه وهو مصلوب، وهذا التأويل قريب من رؤيا كل منهما، وهو من مكاشفات يوسف، ثم أضاف تأكيدا منه لهما وجوابا على ما قد يكون بدا منهما من الشك في فتواه هل هي ظنية أم قطعية: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي الأمر الذي أشكل عليكما وتستفتياني فيه قد قضي وبتّ فيه وانتهى حكمه، قال ذلك ليثقوا بأن تأويله من الوحي وليس من التنجيم، والاستفتاء في اللغة السؤال عن المجهول والمشكل، والفتوى جوابه سواء كان نبأ أم حكما، ثم غلب استخدام الفتوى في المسائل الشرعية،\n\n<span id=\"aya-1638\"></span>﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَقالَ﴾ يوسف ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا﴾ وهو الذي يعصر خمرا أي ساقي العزيز، والظانّ هو يوسف، وقد يكون الظن بمعنى اليقين ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي عند الملك، اذكر له خبري وأحوالي وما رأيت مني، فلعل الملك يعكس قرار العزيز بسجني ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أنسى الشيطان الساقي ذكر إخبار الملك بما طلب يوسف منه - بحذف المضاف - ﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ منسيّا مظلوما بنتيجة نسيان الساقي لوصية يوسف،\n\n<span id=\"aya-1639\"></span>﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - لّما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر رؤيا عجيبة هالته: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾ وهو أحد ملوك الهكسوس الستة الذين هيمنوا على شمال مصر خلال فترة (١٦٣٠ ق م - ١٥٢٠ ق م) راجع المقدمة ﴿إِنِّي أَرى﴾ في المنام، وعبّر عنها بالمضارع أي كأني أراها الآن ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ جمع سمين وسمينة ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ سبع بقرات في غاية الضعف والهزال تأكل البقرات","vol":"2","page":384},{"text":"السبع السمان ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبّها ﴿وَأُخَرَ﴾ وسبع أخر ﴿يابِساتٍ﴾ اليابسات التوت على الخضر حتى غلبن عليها، والنتيجة أن الملك رأى في المنام: الناقص الضعيف يستولي على الكامل القوي، مما ينذر بشرّ مستطير تشوّق إلى معرفته، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والخطاب للأعيان والحكماء من حاشيته ﴿أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ﴾ أخبروني ما معناها وما يكون مآلها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ تعبير الرؤيا الإخبار بعاقبتها وآخر أمرها،\n\n<span id=\"aya-1640\"></span>﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي هذه الرؤيا من جنس أضغاث الأحلام، أي أخلاط أحلام فيها من الخلط والخيال والاضطراب والباطل مما ليس له معنى، والأضغاث جمع ضغث، وهي الحزمة من النبات المختلط، فشبّه به الخلط والأباطيل ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يعني أنهم لم يكونوا عالمين بتأويل أضغاث الأحلام كونها أخلاطا باطلة لا معنى لها، وقد يعلمون تأويل الأحلام المعقولة الواضحة، ويحتمل أنهم نفوا علمهم بتأويل الأحلام إطلاقا.\n\n<span id=\"aya-1641\"></span>﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ (٤٥)\n٤٥ - بعد عجز الملأ عن تأويل رؤيا الملك قال لهم الساقي وهو يسمع الحوار إن في الحبس رجلا فاضلا صالحا عالما وطلب الإذن ليأتي منه بالتأويل: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ الساقي الذي نجا من الحبس ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد حين، تذكر طلب يوسف إخبار الملك بحاله ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي أخبركم بتأويل ما خفي عليكم بالتلقي ممّن عنده علم، لا من تلقاء نفسي، ولذا لم يقل أفتيكم ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ إلى من عنده علم التأويل، وهو بالطبع يوسف إلا أنه لم يصرح باسمه خشية أن يرسلوا غيره إليه، وحرصا أن يكون هو المرسل إلى يوسف، والخطاب بصيغة الجمع تبجيلا للملك، أو قد يكون خطابا للملك وملئه معا.","vol":"2","page":385},{"text":"<span id=\"aya-1642\"></span>﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - بعد أن قال الساقي فأرسلوني: أرسلوه إليه فأتاه فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ البالغ في الصدق قولا وعملا ﴿أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أفتنا في رؤيا ذلك، وبيّن لنا مآله وحكمه: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ﴾ من أولي الأمر وأهل الحل والعقد فأخبرهم، وعلّق أمر رجوعه لأنه لا يدري ما يكون ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تأويل الرؤيا.\n\n<span id=\"aya-1643\"></span>﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - أجاب يوسف بتأويل الرؤيا وجعل إجابته في صيغة الوصية أو الأمر الموجه لأهل الحل والعقد بما يجب عليهم عمله: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ عليكم بالزراعة الدؤوب - أي المستمرة - سبع سنين بلا انقطاع حيث سيكون الماء وفيرا بفيضان النيل، فالتأويل جاءهم به خبرا بمعنى الأمر، لقّنه للساقي، وهذا من بلاغة أسلوب وإيجاز القرآن، فهو قد أفادهم بما يجب عليهم عمله لتلافي ما دلت عليه الرؤيا من الخطر الداهم قبل وقوع تأويلها أو مآلها، والدليل على كون خطابه بمعنى الأمر قوله: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ في كل عام من الأعوام السبع ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يفسد ويلحقه السوس، لأن بقاء الحبة في سنبلها يحفظها من الفساد ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ تستهلكونه للضرورة في كل سنة، مع الاقتصاد في الاستهلاك والاكتفاء بما يسد الرمق حرصا على ادخار المحاصيل للمستقبل، فهذه السنين السبع هي تأويل البقرات السبع السمان، وكل سنبلة من السنبلات السبع الخضر تأويل لمحصول سنة.\n\n<span id=\"aya-1644\"></span>﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي من بعد السنين السبع ذات الخير الوفير ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ سبع سنوات من القحط والجدب تشح خلالها مياه النيل فلا","vol":"2","page":386},{"text":"يحصل الفيضان الذي تزرع به ضفافه ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ السنين العجاف تأكل مخزون سنوات الخير، وإسناد الأكل إلى السنين مجاز، والمعنى يأكل الناس خلال سنوات القحط ما تم ادخاره في سنوات الخير ﴿إِلاّ قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ما تدخرونه لأجل البذور، واشتقاقه من الحصن أو الحرز، فهذه السنين السبع من الجدب والقحط هي تأويل البقرات السبع العجاف، حيث يتم خلالها استهلاك محاصيل السنوات السبع الوفيرة، وكل سنبلة من السنبلات السبع اليابسة تستهلك واحدة من السنبلات السبع الخضر من ادخار سنوات الخير.\n\n<span id=\"aya-1645\"></span>﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فيفيض النيل بهطول الأمطار في أعاليه، وتزرع السهول على ضفتيه وتكثر الخيرات ﴿وَفِيهِ﴾ أي في العام الثامن ﴿يَعْصِرُونَ﴾ ما شأنه أن يعصر كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفواكه لكثرة المحصول، والإخبار بهذه الخاتمة بالتفصيل زيادة من عند يوسف لا علاقة لها بتأويل الرؤيا، وقد يكون علمها من الوحي.\n\n<span id=\"aya-1646\"></span>﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (٥٠)\n٥٠ - الواضح أن الساقي أخبر الملك وملأه تأويل يوسف للرؤيا فاستحسنه الملك وطلب حضوره: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ﴾ لأسمع منه شخصيا فمثل هذا الرجل العالم جدير أن أعرفه ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ وبلغه أمر الملك بالحضور ﴿قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ إلى سيّدك الملك ﴿فَسْئَلْهُ﴾ قبل شخوصي إليه ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ما حقيقة أمرهنّ معي؟ قاله تلميحا لا تصريحا، أي ليستطلع الملك الموضوع ويعرف براءتي بنتيجة التحقيق سلفا، حتى لا يكون خروجي من السجن مع ثبوت تهمة باطلة ضدي تشوه سمعتي وتبقى سيفا مصلتا فوق رقبتي، وأنا لا أقبل الخروج على سبيل العفو الملكي عن تهمة أنا بريء منها ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ الله تعالى ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فحسابهنّ على الله،","vol":"2","page":387},{"text":"ويحتمل أن يكون قصد الملك بقوله ﴿رَبِّي﴾ ويبدو أن قصة النسوة كانت فاضحة جدا حتى صارت الإيماءة لها كافية، ويستبعد أن يكون قصد العزيز بقوله ﴿رَبِّي﴾ لأن ذلك يكون استشهادا به وتقريعا له معا، ويلاحظ أن يوسف لم يطعن في النسوة ولم يشهّر بهنّ واكتفى بوصفهن أنهن قطعن أيديهن ولم يصرح بمراودتهن له حفظا لكرامتهنّ، كما تفادى ذكر امرأة العزيز بالذات تأدبا وتكرما ومراعاة لها ووفاء لزوجها، وإنما كان كلامه في النسوة عاما مبهما فترك للملك أمر التحقيق بالتفاصيل.\n\n<span id=\"aya-1647\"></span>﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥١)\n٥١ - رجع الساقي إلى الملك وأخبره أن يوسف لا يستجيب لدعوته الخروج من السجن حتى يحقق مسألة النسوة، فأمر الملك بإحضار النسوة وقال لهنّ:\n﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ الخطب الشأن العظيم ﴿إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فهل كان ذلك عن ميل منه إليكنّ ومغازلة؟ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ معاذ الله ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ من هذا القبيل أو غيره ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ وكانت حاضرة مع باقي النسوة ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ثبت وظهر وتبين الحق، واشتقاقه من الحصة أي ظهرت حصة الحق من حصة الباطل ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وليس العكس ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي في قوله: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (٢٦).\n\n<span id=\"aya-1648\"></span>﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - استمرار كلام امرأة العزيز بقولها: ﴿ذلِكَ﴾ الاعتراف مني بالواقع ﴿لِيَعْلَمَ﴾ يوسف، إذ سوف يبلغه عني هذا الكلام ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فلم أقل فيه وهو لا يزال في السجن ما هو خلاف الواقع، كما أعترف، وهو غائب، ببراءته أمام الملك، مثلما لم أتهمه قبل أن يسجن، فقد صرحت لزميلاتي النسوة أني راودته عن نفسه واستعصم، ولم أتهمه عند العزيز بما ينافي الأخلاق والشرف ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ لا يهدي كيدهم إلى الفلاح","vol":"2","page":388},{"text":"والتوفيق، بل تكون عاقبة كيدهم الفضيحة والخذلان، مثلما أننا كدنا له فلم يكن عاقبة كيدنا إلا الخذلان والفضيحة حتى شهدنا له في هذا المجلس، وأقررنا بالذنب على أنفسنا.\nويحتمل كلامها معنى آخر وهو: أن ذلك الذي اعترفت به ليعلم زوجي أني لم أخنه في خلوتي أو خلوتي مع يوسف وكل ما هنالك أني راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن برأت يوسف من الإثم فلا أبريء نفسي، - كما سيرد في تتمة الخطاب -.\nوأما نسب خطاب هذه الآية ليوسف - كما يرى البعض - فلا يستقيم لأسباب: أولا أن يوسف لم يكن حاضرا المجلس ليدلي بهذا الكلام، وثانيا أن العزيز كان مقتنعا أصلا أن يوسف لم يخنه بالغيب إذ شاهد قميصه قدّ من دبر فقال لامرأته: ﴿وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ (٢٩)، وامرأة العزيز لم تتهم يوسف بل سبق أن اعترفت بقولها: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٣٢)، وكررت اعترافها بقولها: ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥١)، وأما ما بدا لهم من سجنه فدفعا للفضيحة وللحيلولة بين المرأة وبين يوسف لما كان يعتلج في صدرها من عشق شديد له، وثالثا الكلام موصول بعضه ببعض من عبارة: ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ فالقول أن بعضه كلام المرأة وتتمته كلام يوسف، وافتراض مجلسين منفصلين، كما افتراض تخلل الفواصل بين القولين لا مبرر له، ورابعا تتمة القول: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ في الآية التالية واضح أنه كلام اعتذار من المذنبة ولا يصح أن يصدر عن يوسف لأن البراهين قاطعة في براءته من الذنب.\n\n<span id=\"aya-1649\"></span>﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وهو اعتراف المرأة بذنبها صراحة، ثم عللت الذنب بقولها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ إشارة إلى أن النفس بطبعها كثيرة الميل إلى الشهوات، بل المعاصي، وهي أيضا إشارة لضعف النفس البشرية","vol":"2","page":389},{"text":"وصراعها مع نوازع الشر كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨/ ٤]: ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ إلا النفوس التي رحمها الله تعالى بالعصمة كنفس يوسف ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استغفرت ربها واسترحمته مما ظهر منها.\nوهنا نلاحظ أن رواية العهد القديم أغفلت جميع التفاصيل المذكورة في الآيات (٥٠ - ٥٣).\n\n<span id=\"aya-1650\"></span>﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (٥٤)\n٥٤ - بعد ما ظهر للملك من مزايا يوسف ما ظهر من سمو الخلق من أمانة واستقامة وطهارة قال: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجعله خالصا لنفسي دون العزيز، أي ليكون ساعدا لي وحدي في الدولة والحكم، عقلا مدبرا وإرادة تحسم أمور الدولة، وأمانة تحفظها ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أتوا به فكلمّه الملك وحاوره ورأى حسن جوابه ومنطقه ونقاشه ﴿قالَ﴾ له الملك ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ لك المكانة التي تستطيع بها تنفيذ خطة الصلاح ﴿أَمِينٌ﴾ مؤتمن على كل شيء، جدير بموقع المسؤولية، وذلك تكليف من الملك لم يطلبه يوسف لنفسه.\n\n<span id=\"aya-1651\"></span>﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿قالَ﴾ يوسف للملك مستجيبا لطلبه ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، والمقصود اجعلني أمينا على خزائن أقوات مصر فأتصرف في الشأن المالي الاقتصادي وفي الموارد والمصادر وأحتاط خاصة قبل سني الجدب السبعة القادمة ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ عليها، بحكم أمانتي وإخلاصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بالتصرف بها وفق مصلحة الناس، بحكم كفاءتي ومعرفتي بالوسائل، مما يمكنني من تحقيق التوازن الاقتصادي للبلد في أوقات الجدب وأوقات الرخاء، فأكون في مستوى الثقة التي توسمتها فيّ، قال ذلك لكونه صاحب رسالة يريد من خلال","vol":"2","page":390},{"text":"المنصب نشر دعوة التوحيد وتحقيق العدالة بين الناس ورعاية المستضعفين، لا لأجل مطامع شخصية مادية ولا مطامح ذاتية.\n\n<span id=\"aya-1652\"></span>﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَكَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك التمكين البديع، ومن خلال العناية الإلهية ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ من سلطة مطلقة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يتحرك فيها حيث يشاء مفوضا بالحكم ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ﴾ ومن رحمته تعالى نزول الوحي عليه ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنين قولا وعملا، يثيبهم تعالى إن في الدنيا أو في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1653\"></span>﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من أجر الدنيا، لأن أجر الدنيا هيّن وقصير وزائل مهما كان عظيما بالمقارنة مع النعيم الأبدي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يتقون سوء العاقبة، فالإيمان مقرون بالعمل.\n\n<span id=\"aya-1654\"></span>﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - انقضت سنوات الخير السبعة وحلّت السنوات العجاف وعمّ الجدب مصر وما حولها من البلدان بما فيها فلسطين التي كان يقطنها يعقوب وعشيرته، ولكن الخطة التي اتبعها يوسف في مصر من الادخار من سنوات الخير لسنوات الجدب أدت لمخزون فائض من الحبوب وجعلت مصر بمنأى عن المجاعة التي عمت البلدان المجاورة، فصار الناس يقصدون مصر طلبا للقوت ومن ضمنهم إخوة يوسف جاؤوا يقايضون بضائعهم بالحبوب:\n﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ لأنه كان هو المسؤول عن التصرف بفائض المخزون وتوزيعه والاتجار به مع الناس فلا يتم ذلك إلا بإذنه وتحت إشرافه ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لأن ملامحهم لم تزل في ذهنه منذ صغره وقد كانوا كبارا","vol":"2","page":391},{"text":"عندما فارقهم وكان يترقب حضورهم تصديقا للآية: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٥)، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لأنهم تركوه صغيرا وربما ظنوا أنه صار في عداد الأموات أو بيع في سوق النخاسة.\n\n<span id=\"aya-1655\"></span>﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ بما يرغبون من الحبوب، وأزمعوا الرحيل والعودة إلى بلدهم وقد أدرك يوسف أنهم محتاجون للعودة إليه قريبا طلبا للمزيد من القوت لأن المجاعة سوف تستمر لفترة طويلة فقال لهم: ﴿قالَ اِئْتُونِي﴾ في المرة القادمة ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ فهو من أم غير أمهم، ويبدو أنهم حدثوه عنه وعن أبيهم الضرير، ولا بد أن يوسف كان في غاية الشوق لمعرفة أحوال أبيه وأخيه بنيامين من أبيه ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ للحاضرين دون احتكار، ويبدو أنه بسبب الأزمة الاقتصادية كان يوسف يكتفي بإعطاء حمل بعير واحد فقط لكل فرد ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ في استضافة الأغراب.\n\n<span id=\"aya-1656\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ في المرة القادمة ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ إن لم تفوا بهذا الشرط.\n\n<span id=\"aya-1657\"></span>﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ سنخادعه عنه ونحتال ونجتهد حتى ننتزعه منه ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ قصارى ما في وسعنا.\n\n<span id=\"aya-1658\"></span>﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ التي يقايضون بها ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ حتى يكون ما أخذوه من الحبوب دون مقابل ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى﴾","vol":"2","page":392},{"text":"﴿أَهْلِهِمْ﴾ لعلّهم يعرفون حق ردها، أو تكون مفاجأتهم بهذه المبادرة الكريمة حافزا إضافيا لهم للعودة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يتوقون للعودة إلى مصر مع أخيهم، ويحتمل أن يوسف خشي أن لا يتوافر لدى أبيه وإخوته من البضائع ما يقايضون عليه في المرة التالية لشدة القحط، كما أراد أن يكون ذلك الكرم وحسن الوفادة حافزا لأبيه أن يبعث بنيامين إليه مع بقية إخوته.\n\n<span id=\"aya-1659\"></span>﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ﴾ وحدثوه برحلتهم الناجحة وما أحضروه من المؤن وحديثهم مع العزيز ﴿قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ في المرات القادمة ما لم يذهب معنا أخونا، وهو شرط العزيز ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا﴾ بنيامين ﴿نَكْتَلْ﴾ المؤن له ولنا ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ قالوه لإزالة الشك والقلق من ذهن أبيهم.\n\n<span id=\"aya-1660\"></span>﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ قد أكّدتم مثل ذلك من قبل في أخيه يوسف ولم تحفظوه، فما يؤمنني الآن منكم؟ ولكن ما الخيار لي أمام إلحاحكم في ظل ما نعيشه من مجاعة؟ ﴿فَاللهُ خَيْرٌ﴾ منكم ﴿حافِظًا﴾ أي حفظه تعالى لأخيكم خير من حفظكم له ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فليس لنا إلا رحمته التي وسعت كل شيء.\n\n<span id=\"aya-1661\"></span>﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ فكان ذلك حجة إضافية لهم أمام أبيهم ﴿قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾ أيّ شيء نبغي فوق هذا الإكرام؟ ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ فما نبغي عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى للمقايضة ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ بالمؤن ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ مما تخافه من السوء ﴿وَنَزْدادُ﴾","vol":"2","page":393},{"text":"﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ بوجوده معنا ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ على العزيز فهو يكيل لنا دون مقابل.\n\n<span id=\"aya-1662\"></span>﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله، فتقسموا: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ إلا في حالة واحدة وهي أن يحاط بكم من كل جانب فتتعرضوا للهلاك دونه أو تغلبوا وتقهروا دونه، أي تستنفدوا كل وسائلكم لحمايته ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدهم من الله تعالى ﴿قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ شهيد عليكم موكل بالأمر، ثم زيادة في الحيطة أمرهم بما عليهم أن يتخذوه من الأسباب:\n\n<span id=\"aya-1663\"></span>﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا﴾ مصر ﴿مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾ من جهة واحدة لما قد يسببه ذلك من إثارة الشكوك والريبة ﴿وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ من جهات متعددة فلا تلفتوا الأنظار لجمعكم، وإذا أصاب السوء بعضكم فلا يقع على الكل ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتلك مجرد تدابير احترازية ولضرورة اتخاذ الأسباب الدنيوية بأقصى الجهد والمقدرة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ فيما هو كائن وما سيكون من أموري وأموركم فهي واقعة لا محالة ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري بعد أن اتخذت الأسباب بأقصى جهدي ومقدرتي، ولأن تدبير الأسباب غير مخل بالتوكل ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في إرجاع كل الأمور إليه تعالى.\n\n<span id=\"aya-1664\"></span>﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾","vol":"2","page":394},{"text":"٦٨ - ﴿وَلَمّا دَخَلُوا﴾ مصر ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي متفرقين ﴿ما كانَ يُغْنِي﴾ رأي يعقوب ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنّ الحذر لا ينجي من القدر، فكل ما يقع في الوجود بقضائه تعالى وسابق مشيئته وحكمته في علاقة الأسباب بالمسببات، وإذا أراد تعالى شيئا هيّأ له أسبابه ﴿إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ أي فيما كان يريده من الحيطة ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ بكل ما ذكر ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لأنهم مغترّون بالظواهر.\n\n<span id=\"aya-1665\"></span>﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - وصل الإخوة إلى مصر ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ وسلّموا عليه وعرفوه على أخيهم ﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾ بنيامين، فقربه إليه وتحدث معه بعاطفة حميمة وأسرّ إليه: ﴿قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسف ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من المكائد فقد جاء الفرج، ثم إنه وضع خطة للاحتفاظ به عنده، ونلاحظ هنا أن يوسف كشف هويته لأخيه بنيامين فور لقائه وذلك خلافا لرواية سفر التكوين التي تزعم أنه عرّف نفسه لجميع اخوته في آن واحد في نهاية القصة.\n\n<span id=\"aya-1666\"></span>﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ من المؤن ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ أي وعاء الكيل، ويبدو أنه كان ذا قيمة ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ جعل السقاية ضمن متاع أخيه بنيامين، فلما أزمع الأخوة الرحيل: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى المنادي ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أو أيتها القافلة ﴿إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ قال الرازي أن ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف ﵇ والأقرب لظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، وفي هذه قد يكون - كما يلزم أن نستنتج - أن يوسف وضع السقاية بشكل خفي في رحل بنيامين كهدية خاصة لأخيه المفضّل دون أن يعرف خدمه ذلك، وبالطبع لم يرد إعلام باقي إخوته العشرة.","vol":"2","page":395},{"text":"<span id=\"aya-1667\"></span>﴿قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿قالُوا﴾ أي الأخوة ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أجابوا وهم مقبلون عائدون إلى عمال يوسف ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ حتى اتهمتمونا بالسرقة؟\n\n<span id=\"aya-1668\"></span>﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قالُوا﴾ أي خدم يوسف ﴿نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ﴾ وهو صواع ذو قيمة لا يمكن التساهل به كما أنه مختص بالملك ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من المؤن، لأن الأمر في غاية الأهمية ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ الزعيم الكفيل، كما في الحديث: \"الزعيم غارم\"، والمعنى أنا أكفل مكافأة من يعيده بحمل بعير من المؤن، وفي ذلك تخفيف لوقع التهمة بالسرقة بما معناه أنه قد يكون هناك خطأ غير مقصود أدى إلى ضياع الصواع.\n\n<span id=\"aya-1669\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ علما جازما من سلوكنا معكم ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالسرقة أو بغيرها ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ قبل ذلك حتى نسرق الآن.\n\n<span id=\"aya-1670\"></span>﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿قالُوا﴾ أي أصحاب يوسف ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أي ما جزاء السارق عندكم وفي شريعتكم؟ فنحن لن نعاقب السارق بموجب شريعتنا بل نريد أن نلزمكم بما تفرضه شريعتكم تسامحا وتكرما من جانبنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في ادعاء البراءة؟\n\n<span id=\"aya-1671\"></span>﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿قالُوا﴾ أي الأخوة ﴿جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ الصواع ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ ويكون سارقا ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أي يكون السارق نفسه هو جزاء جرم السرقة، بمعنى أنه يفقد حريته فيستعبد ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ في شريعتنا، وقد","vol":"2","page":396},{"text":"يكون أن هذه العبارة الأخيرة من كلام أصحاب يوسف فهي من قبيل التأكيد والموافقة لكلام الأخوة.\n\n<span id=\"aya-1672\"></span>﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿فَبَدَأَ﴾ المؤذّن البحث ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ أي قبل البحث في وعاء أخي يوسف، لأن بنيامين بدا صغير السن بريئا بعيدا عن الشك خلافا لمظهر باقي أخوته العشرة ﴿ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها﴾ أي السقاية أو الصواع ﴿مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ بنيامين ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أي دبّرنا له هذا التدبير للوصول إلى هذه النتيجة، والكيد التخطيط، وهو هنا التدبير الإلهي الخفي، ممّا يدلّ أن يوسف - على الرغم من محبته الشديدة لأخيه بنيامين - لم يكن يخطط لهذه النتيجة ولم يكن يتوقعها فقد كان يعلم أن على أخيه الصغير العودة مع باقي إخوته إلى أبيه المكلوم، ثم إنه لم يعلن حقيقة وضع الصواع في وعاء أخيه لأنه لم يرغب كشف هويته لإخوته العشرة حتى حين وإلى أن ينفضح غلهم وحسدهم له كما سيرد في الآية التالية ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ ما كان بإمكان يوسف احتجاز أخيه على هذا النحو لأن شريعة الملك توجب الحبس والعقاب للسارق، ولكنه التدبير الإلهي أن ألزم الإخوة أنفسهم سلفا بما تفرضه شريعتهم ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ فيهييء الأسباب لما يريد ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ رفعه بالعلم والتقوى حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ من أولئك المرفوعين ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء.\n\n<span id=\"aya-1673\"></span>﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿قالُوا﴾ أي الإخوة ﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾ بنيامين ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يقصدون يوسف، وهكذا بهتوه واختلقوا الكذب عليه، فلا زالت قلوبهم","vol":"2","page":397},{"text":"مليئة بالحسد والبغض له بعد كل هذه السنين، وهذا الاتهام من الأخوة ليوسف يفسر السبب الذي من أجله لم يكن يرغب يوسف كشف هويته لهم قبل الوقت المناسب ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ سكت عن مقالتهم وأسرّ في نفسه القول: ﴿قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ لدوام حقدكم وحسدكم بعد مرّ السنين، وقد أسرّ هذا القول في نفسه حلما وصفحا عنهم ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ من الأكاذيب.\n\n<span id=\"aya-1674\"></span>﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ طاعنا في السن لا يقوى على فراقه ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾ لأن أيًّا منّا ليس بمنزلة بنيامين عند أبيه ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لجميع الناس على عادتك:\n\n<span id=\"aya-1675\"></span>﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ ظاهر الكلام يفيد وجوب العمل بما تقتضيه الشريعة حسب مذهبهم، وباطن الكلام أنه تعالى ألهم يوسف الاحتفاظ بأخيه الصغير عنده لحكمة عليا خافية ﴿إِنّا إِذًا لَظالِمُونَ﴾ أي إذا عملت بخلاف ذلك.\n\n<span id=\"aya-1676\"></span>﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ يئسوا من اقناع يوسف بإطلاق بنيامين أو أخذ أحدهم مكانه ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ انفردوا للنجوى أي للتشاور فيما بينهم ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ حلفتم بالله عند أبيكم أن تحفظوا بنيامين ﴿وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ انتزعتم يوسف من أبيكم وتخلصتم منه، وهذه هي المرة الثانية، ولذلك: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أرض","vol":"2","page":398},{"text":"مصر ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالعودة إليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ أي لصالحي فأتمكن من استعادة أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ خير من حكم البشر إطلاقا.\n\n<span id=\"aya-1677\"></span>﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا﴾ له ﴿يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ﴾ بحسب قول العزيز وأصحابه ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا﴾ أي من ظاهر قولهم أن صواع الملك وجد في رحل بنيامين ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ فكيف كان لنا أن نعلم سلفا أنه سوف يسرق ويحتجز؟ فالغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وزيادة في التأكد:\n\n<span id=\"aya-1678\"></span>﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ اسأل أهل القرية، والقرية هي مصر، لأن القرية بمعنى القوم أو المجتمع، والمعنى: إن لم تثق بما نقول أرسل من تثق به إلى مصر فليسأل أهلها عما حدث ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أسأل أهل العير أيضا، أي المسافرين معنا في القافلة ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في قولنا لم نختلق شيئا منه، كل ذلك كلام كبيرهم وهم يتشاورون، فرجعوا فقالوا لأبيهم ذلك فأجابهم:\n\n<span id=\"aya-1679\"></span>﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زيّنت وسهّلت لكم أنفسكم أمرا عظيما أدّى إلى فقدان بنيامين والنجاة بأنفسكم، يريد بذلك قولهم ليوسف: ﴿جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ فالعزيز أخذ بنيامين بفتواهم له، ثم قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وبذلك أكدوا ثبوت التهمة على أخيهم ولم يستغربوها ولم يحاولوا إنكارها ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى من الجزع، أو بمعنى: فصبري صبر جميل، أي لا شكوى فيه إلا لله تعالى، وهو ذات قوله وقت فقد يوسف ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أي يوسف","vol":"2","page":399},{"text":"وبنيامين والأخ الأكبر الذي بقي بمصر، ونلاحظ أن يعقوب لا زال على يقين بأن يوسف حيّ يرزق فهو يتوقع تحقق رؤياه (الآيات ٤ - ٥ - ٦) ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي وحالهم ﴿الْحَكِيمُ﴾ يبتلي ويرفع البلاء بمقتضى الحكمة.\n\n<span id=\"aya-1680\"></span>﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم لبرهة من الزمن لا يريد أن يسمع المزيد من كلامهم، ومع أن الصدمة كانت بسبب فقد بنيامين فقد جددت أحزانه القديمة على يوسف إذ قال: ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ رغم أنهم نقلوا إليه خبر بنيامين وليس يوسف ﴿وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ فلم يعد يبصر إذ انتابته رغبة قوية في العمى سيطرت على إرادته إذ لا يريد أن يرى الدنيا خالية من محبوبيه يوسف وبنيامين والنتيجة أن صدمة فقد الولد الثاني قد تكون أدّت به إلى عمى نفسي ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ كاظم لأحاسيسه.\n\n<span id=\"aya-1681\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا﴾ ما تفتؤ أي ما تزال ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ فتصبح مريضا لشدة حزنك، والحرض فساد الجسم ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ فتوافيك المنية من الغم، والمعنى أنك الآن في غمّ وهمّ وبلاء ونخشى أن يصيبك ما هو أعظم وهو الهلاك لشدة حزنك، أرادوا مواساته لعله يترك الحزن.\n\n<span id=\"aya-1682\"></span>﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ أي لا أشكو إليكم، وإنما شكواي لله وحده فدعوني، والبث النشر ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى قوله بالآية ٦٧: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فالله وحده يأتي بالفرج من حيث لا يحتسب، وذلك لعلمه أن يوسف لا زال حيّا وهو ما كان موقنا به من البداية بدليل قوله لهم في الآية التالية:","vol":"2","page":400},{"text":"<span id=\"aya-1683\"></span>﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ التحسّس استخدام الحواس في التعرف على الأمور والتنقيب عنها ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي من أخبارهما، ولم يذكر الثالث لأن خبره معروف وغيبته اختيارية ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ أي من تفريجه الكروب وتنفيسه الهموم ورحمته التي يحيا بها العباد ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ وذلك لجهل الكفار بالله تعالى وصفاته، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧]، ثم إن إخوة يوسف قبلوا وصية أبيهم وسارعوا للعودة إلى مصر بحجة المقايضة:\n\n<span id=\"aya-1684\"></span>﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ على يوسف وهم لا زالوا يجهلون هويته ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أصابنا الهزال بسبب الجفاف والقحط ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ اعتذروا أن بضاعتهم التي جاؤوا بها للمقايضة قليلة وقد تكون رديئة لا تليق بما يتوقعون مقابلها من الحبوب، وبضاعة مزجاة بمعنى لا يحرص المرء عليها لتفاهتها ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أتممه لنا ولا تنقصه بسبب قلة بضاعتنا أو رداءتها، والمقصود تساهل معنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ بما يزيد عن قيمة بضاعتنا ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أحسن الجزاء.\n\n<span id=\"aya-1685\"></span>﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - يحتمل أن يوسف بنظرته النبوية كان يعلم - علما إجماليا - موقف أبيه من إخوته ووصيته لهم أن يذهبوا فيتحسسوا من أخباره وأخبار أخيه، وخاصة بعدما علم من بنيامين أخبار أبيه وحزنه وتعاسته، فلذلك استغرب منهم تركيز كلامهم على البضاعة والكيل، ولا بد أيضا أنه تأثر من وصفهم حالهم وحال","vol":"2","page":401},{"text":"أهلهم - بمن فيهم أبوهم - بالضر وأشفق عليهم ورأى أن قد حان الوقت لإعلامهم: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي أما آن لكم أن تدركوا قبح ما فعلتم بهما ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أي فعلتم ما فعلتم عندما كنتم في جهالة الأنانية والمصلحة العاجلة، فكأنه بذلك يجد عذرا لهم، وهكذا تأكد لهم بمقالته هذه أنه يوسف، وربّما عرفوه لوجود بنيامين معه في موقع التكريم والحفاوة وليس في مقام المستعبد، ولربما استشفوا فيه ملامح من صغره، فقالوا له:\n\n<span id=\"aya-1686\"></span>﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي﴾ اسألوه ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بالسلامة والكرامة والعزة، وبالجمع بيننا بعد الفرقة ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في التقوى والصبر.\n\n<span id=\"aya-1687\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ ليس فقط بالملك والعلم والحلم والفضل، وإنما بمنصب النبوة ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ متعمّدين للإثم فلم نتّق ولم نصبر، فلا غرابة أن آثرك الله علينا.\n\n<span id=\"aya-1688\"></span>﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي لا تقريع عليكم ولا تأنيب ولا عتب، تأدّبا منه وحفظا لماء وجههم ﴿الْيَوْمَ﴾ ومن باب أولى في المستقبل ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ وهو دعاء لهم بالمغفرة منه تعالى ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ بمغفرته للتائبين.\n\n<span id=\"aya-1689\"></span>﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أدرك يوسف ﵇ وهو الذي علّمه تعالى من تأويل الأحاديث - أن عمى أبيه","vol":"2","page":402},{"text":"سببه الحزن الشديد على فقد ولديه وأنه بمجرد بشارته بوجودهما في أحسن حال يستعيد بصره بنتيجة رغبته العارمة لرؤية ولديه من جديد ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ جوابا على قولهم: ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي فليأتوا جميعا ويقيموا معي في رغد من العيش.\n\n<span id=\"aya-1690\"></span>﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ غادرت القافة مصر وفيها أولاد يعقوب ﴿قالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حوله ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أي رائحته أو روحه كأنه أمامي، فقد كان يعقوب موقنا من الأصل بنجاة يوسف، وإن كان يقينه بذلك إجماليا لا مفصّلا، والآن أدرك تحقق الفرج ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف لصدّقتموني.\n\n<span id=\"aya-1691\"></span>﴿قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿قالُوا﴾ وهم الحاضرون حوله ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ لأنهم اعتقدوا أن يوسف مات منذ زمن طويل، ولذلك نسبوا قول يعقوب إلى الضلال ومجانبة الحقيقة، وهذا الكلام منهم دليل عدم اعتبار كثير من الأنبياء والرسل والعباقرة بين أقوامهم وأهليهم،\n\n<span id=\"aya-1692\"></span>﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ وهو أحد إخوة يوسف ﴿أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ ألقى القميص على وجه أبيه ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ لشدة المفاجأة السارة وكما توقع يوسف ﴿قالَ﴾ يعقوب لمن حوله ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة لقوله لهم في السابق: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾.","vol":"2","page":403},{"text":"<span id=\"aya-1693\"></span>﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ إقرار منهم بذنبهم وخطئهم وطلب المغفرة، بعد أن استغفر لهم أخوهم يوسف من قبل.\n\n<span id=\"aya-1694\"></span>﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ لأن يوسف من جهته لا يحمل لهم أي ضغينة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ للتائبين من الذنب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالعباد.\n\n<span id=\"aya-1695\"></span>﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - في الخطاب إيجاز وتقديره أنهم استجابوا لدعوة أخيهم يوسف إذ قال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فسافر آل يعقوب بمجملهم إلى مصر ثم كانوا نواة لبني إسرائيل فيها: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ كرّمهم وقرّبهم إليه ﴿وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾ وأقيموا فيها ﴿إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ يعني على أنفسكم وأموالكم وأهلكم، وآمنين من القحط والفاقة والشدة.\n\n<span id=\"aya-1696\"></span>﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن تكريمهما ورفعة منزلتهما عنده ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين، كناية عن تواضعهم ليوسف، وقيل الضمير في (له) عائد إليه تعالى أي خرّوا سجّدا وشكرا لله تعالى ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ إشارة لقوله: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)﴾،\n﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي من البادية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي أفسد بيني وبينهم،","vol":"2","page":404},{"text":"وقد نسب الإفساد إلى الشيطان وهذا في غاية اللياقة ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ إذ حكمته خافية على معظم الخلق ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بجميع الأحوال والاعتبارات ﴿الْحَكِيمُ﴾ في فعله وقضائه، منزّه عن العبث والباطل.\n\n<span id=\"aya-1697\"></span>﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ثم دعا يوسف ربّه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ من: للتبعيض، لأن الملك المطلق والسلطة المطلقة لله وحده ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ من التأويل، لأن مطلق التأويل والغيب لا يعلمه إلا الله ﷿ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، والفطر هو الشقّ، فيقال فطره فانفطر أي انشقّ، وتفطّر أي تشقّق، والفطر أيضا الابتداء والابتداع، ونظرية العلماء اليوم أن الكون انفطر من كتلة صغيرة جدا كحجم الذرة، ذات كثافة لا متناهية، فكانت بداية الكون بما يسمونه الانفطار الكبير - الانفجار الكبير  Big Bang -  الذي لا يزال الكون بنتيجته يتسع حتى الآن، انظر [الأنعام ١/ ٦]، ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ متولّ أموري وتتولاّني بالنعمة في الدارين ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ أي بحيث أبقى طيلة حياتي على الإسلام مستسلما لقضائه تعالى وقدره منشرح الصدر مطمئن البال ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ من عبادك فأكون مثلهم في صلاحهم ومآلهم.\n\n<span id=\"aya-1698\"></span>﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿ذلِكَ﴾ ما ذكرنا لك من قصة يوسف ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ بخلاف عالم الشهادة الذي يشهده جميع الناس ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ فلم يكن من سبيل لمعرفتك به إلا بطريق الوحي ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لدى أخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أن يجعلوه في غيابة الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بأخيهم مكر السيء، والمقصود أنّ هذا الإخبار عن الغيب من قبيل الإعجاز، فالنبي لم يقرأ","vol":"2","page":405},{"text":"العهدين القديم والجديد اللذين لم يكونا متاحين بالعربية في عصره أصلا كما لم يثبت أن كان هنالك مركز ثقافي مسيحي أو يهودي في جزيرة العرب ينشر ثقافة الديانتين، والقصة على أية حال جاءت مختلفة ومصححة لكثير من الغرائب المتناقضة الواردة في العهد القديم.\n\n<span id=\"aya-1699\"></span>﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لفساد استعدادهم لأن أكثرهم متمسك بالتقليد لا يكاد يقدر على التفكير المستقل، ولا يستطيع الانفلات من دائرة الجمود المتوارث عن الآباء والأجداد، وإن اقتنع بخلافها فهو يخاف على مكاسبه المادية بين قومه ومعارفه كما يخشى على مكانته الاجتماعية بينهم أن يقولوا خرج على معتقدات أهله وقومه، وهذا الأمر ليس مقتصرا على الناس وقت بعثة النبي ﷺ فهو عام في كل الأزمنة وقد تمر أجيال قبل أن تثمر جهود الداعية، وبعد الفتوحات الإسلامية بقي أكثر الناس في البلاد المفتوحة على دينهم إلى أن دخلوا الإسلام طواعية بالتدريج بعد أجيال عديدة، ويستثنى من هؤلاء الناس من لم تفسد فطرتهم باليهودية أو المسيحية ومثلها أي الباقون على فطرتهم الأصلية، كما هو شأن الوثنيين في أفريقية وجنوب أمريكا وشرق آسية حيث يجد المبشرون المسلمون والمسيحيون تربة خصبة وثمرات سريعة لنشاطهم.\n\n<span id=\"aya-1700\"></span>﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على البلاغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ لأن الدعوة خالصة لوجهه تعالى ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي القرآن ﴿إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وليس لأمة بعينها كما هي حال الكتب السابقة، وسمّي القرآن ذكرا لأنه يذكّر البشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧] و[الرعد ١٩/ ١٣ - ٢٠].","vol":"2","page":406},{"text":"<span id=\"aya-1701\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من دلائل توحيد الخالق وقدرته وحكمته وبديع صنعه ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يجيئون ويذهبون ﴿وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليها ولا يكترثون لانهماكهم في دنياهم، فلا عجب أنهم لم يتأملوا في معجزات القرآن الكريم.\n\n<span id=\"aya-1702\"></span>﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ كما هي حال المسيحية الذين يقولون بالتثليث، وكما هي حال الذين يأتمرون بأحبارهم وبرؤسائهم في الباطل، وكما هي حال المنافقين والمرائين، وحال المعتقدين بنفع أهل القبور والنذر لها.\n\n<span id=\"aya-1703\"></span>﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ عقوبة تغشاهم وتعمّهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ من حيث لم يتوقعوا فيفوت أوان توبتهم ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ لأنهم منغمسون في دنياهم لاهثون وراءها.\n\n<span id=\"aya-1704\"></span>﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿هذِهِ سَبِيلِي﴾ أي طريقي وهو طريق التوحيد والقرآن والدعوة ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ إلى عبادة الله وحده ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أي إن دعوتي لكم مبنية على البصيرة والحجة والبرهان، لأن القرآن يناشد العقل ويحث في الكثير من الآيات على التفكر في مضمونه، وأن ما أدعو إليه ليس فيه شيء من الغموض بل هو منسجم مع الفكر السليم ﴿أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ أدعوكم إلى الإسلام، وهنالك معنى آخر ذكره الرازي فيمن يتصدّى للدعوة يشترط أن يكون على بصيرة ممّا يقول وعلى هدى ويقين، فإن لم يكن كذلك فهو محض","vol":"2","page":407},{"text":"الغرور ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له عمّا يشركون ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل أتبرأ من شرككم.\n\n<span id=\"aya-1705\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ردّ على المتعجبين أن كيف يمكن نزول الوحي على بشر مثلهم؟ مع أن هذه السنة مطردة في الخلق أن جميع الرسل بشر ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ وأن الرسل يبعثون من مجتمعاتهم نفسها ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يتفكروا في السنن الكونية وتاريخ من قبلهم من الأمم ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من الدار الفانية ﴿لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفلا تستخدمون ما وهبكم الله من العقل للوصول إلى الطريق القويم؟\n\n<span id=\"aya-1706\"></span>﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم بعد أن طال عليهم العهد في دعوتهم، واضطهاد أقوامهم لهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ المعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر منه تعالى قد طالت حتى استشعر الرسل القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، وقد يكون الذين ظنّوا أنهم قد كذبوا هم الأقوام يظنون لشدة تعنتهم وتمسكهم بالتقليد أن بلاغ الرسل لهم كذب ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ فجأة ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ من المؤمنين ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فهو واقع بهم لا محالة، والآية تلخص سنته تعالى فيما سبق من بعث الرسل.\n\n<span id=\"aya-1707\"></span>﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾","vol":"2","page":408},{"text":"١١١ - ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي قصص الرسل، في إشارة للآية (٣)، ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ كما في قصة يوسف هذه من العبر، وما يؤول إليه الرسل عامة من النصر على مكذّبيهم، وهي نبوءة صدقتها الأحداث بحتمية نصر النبي ﷺ، والعبرة هي لأولي الألباب أي ذوي العقول، لأنهم هم الذين يعتبرون ويستخدمون عقولهم ﴿ما كانَ﴾ هذا القرآن ﴿حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ إشارة لمصدره الإلهي ولاستحالة افترائه من قبل بشر، وفي ذلك إشارة للآيات (١ - ٢)، ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنّ القرآن يصدّق ما تبقى من الوحي الصحيح في الكتب السابقة، وهو معنى قوله: بين يديه، وفي قصة يوسف بالذات نلاحظ اختلاف القصة عن التشويه الذي لحق بها في العهد القديم ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يحتاجه المرء للهداية ﴿وَهُدىً﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ في الدنيا والآخرة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم هم الذين يستفيدون من هدي القرآن.\n***","vol":"2","page":409},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1767>سورة الرعد - ١٣ - مختلف في كونها مكية أم مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-1768>مقدّمة</span>\nهنالك خلاف ملحوظ بين العلماء حول كون هذه السورة مكية أم مدنية، ويميل البعض إلى اعتبار السورة مدنية مع كون بعض آياتها مكية، وبعضهم يقول إنها مكية ولكن بعض آياتها مدنية، أما الزمخشري فيكتفي بالقول إنه مختلف بها.\nاسم السورة مشتق من ورود كلمة الرعد في الآية (١٣) وليس معنى ذلك أن الرعد موضوع السورة، إذ كما هي الحال في باقي سور القرآن الكريم فإن اسم السورة ليس سوى عنوان لها ولا يعني أنه موضوع السورة الرئيسي، ولذا قالوا عنها أيضا: السورة التي يذكر فيها الرعد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1769>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة يوسف أن أكثر الناس يبقون على الكفر بالرغم من حرص المؤمنين على هدايتهم: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣/ ١٢)، وقد ختمت سورة يوسف بقوله تعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١١١/ ١٢)، ثم افتتحت سورة الرعد بقوله: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١/ ١٣)،","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1770>محور السورة</span>\nيبدو محور السورة واضحا في الآية الأولى منها: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فهي تركّز على حقيقة الوحدانية ومباديء الأخلاق الأساسية المتضمنة في الوحي السماوي الذي نزل على البشر متتاليا عبر الرسل،\nوتحشد السورة البراهين على الغيب، وتخاطب العقل الإنساني فتحضه على إدراك الحقيقة بشكل مستقل وتبين أن سبب كفر الكفار أنهم مكبّلون بأغلال التقليد: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ (٥)، ولأن: ﴿اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١١)، سوى أنه في نهاية المطاف لا بد من ظهور الحق وزوال الباطل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٧)،\nوأن المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون الناس أحرارا في خيارهم فلا يجبرهم تعالى على الهدى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣١)، غير أنه لا يمكن لأحد أن يهمل أو يتجاهل الوحي دون أن يتحمل النتائج الطبيعية التي تترتب على مثل هذا الإهمال والإصرار على الكفر: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٣١)،\nفالمشركون في حالة من العجز الفكري إذ يؤمنون بالوهم: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (٣٣)، لكن الذين أوتوا فهم الكتاب من ذوي الإدراك السليم والفكر المستقل يفرحون بما نزل من القرآن الكريم إذ يغربل الصحيح من الزائف في الكتب السابقة:\n﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٣٦)، وأن كل رسالة","vol":"2","page":411},{"text":"سماوية نزلت لتناسب عصرها إلى أن نسخت رسالة الإسلام ما قبلها: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1708\"></span>﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)\n١ - ﴿المر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن الكريم ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من الوحي هو ﴿الْحَقُّ﴾ المبين، ورغم ذلك: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لتشنّجهم على التقليد وإعراضهم عن التفكير المستقل،\n\n<span id=\"aya-1709\"></span>﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ المشتملة على النظام الكوني الهائل بما فيه من المجرات والنجوم والكواكب التي لا تحصى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ لأن العمد التي ترفع النظام الكوني هي قوانين الفيزياء والجاذبية التي أوجدها الخالق ﷿ فهي لا ترى بالعين، وإن كانت ترى بالعلم فهي تعبير عن قدرته تعالى في النظام الكوني وتدبيره ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة وتدبيره وحفظه لها، وحرف ﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي الزمني، إنما للبعد المعنوي، وقد يفيد معنى العطف راجع إعراب القرآن للزجاج، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله ﷾ ثم كانت، فهو سبحانه منزّه عن الحدوث وعن الزمان والمكان، ونلاحظ أن الاستواء على العرش قد تكرر في القرآن سبع مرات في كل مرة يذكر فيها خلق الكون، وهي [الأعراف ٥٤/ ٧]، [يونس ٣/ ١٠]، [الرعد ٢/ ١٣]، [طه ٥/ ٢٠]، [الفرقان ٥٩/ ٢٥]، [السجدة ٤/ ٣٢]، [الحديد ٤/ ٥٧]،","vol":"2","page":412},{"text":"﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لكي يكون هنالك حياة على الأرض بالحال الذي نعهده ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ في مسارات ثابتة وحدود مرسومة وفق النظام الكوني لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فيكون الأجل النهائي الذي ينقطع بعده النظام، انظر [التكوير ١/ ٨١ - ٢]،\n﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر الملكوت ضمن خطة حكيمة فلا يتركها عبثا بعد الخلق ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ آيات الكتاب فتكون بينة واضحة، والآيات الكونية الدالة على الإعجاز ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لعلكم تتفكرون بهذه الآيات المفصّلة فتتوصلوا منها إلى العلم اليقيني بحتمية البعث والجزاء.\n\n<span id=\"aya-1710\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)\n٣ - استمرار الخطاب في الآيات الكونية: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ فجعلها صالحة للحياة ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿وَأَنْهارًا﴾ تبعث الحياة ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ وهي أعضاء التأنيث والتذكير في الزهور المتلاقحة، ففي غالب الأحوال تشتمل الزهرة التي تنبثق عنها الثمرة على عضوي التذكير والتأنيث معا، وفي بعض الأحوال تكون أعضاء التذكير في زهور منفصلة عن زهور أعضاء التأنيث في النبتة نفسها، كما هنالك حالات تكون فيها الأشجار بالكامل مذكرة أو مؤنثة كما في النخيل العربي والبابايا الهندي ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، والمعنى أن الليل يزحف على النهار فيغطيه تدريجيا في إحدى جهات الكرة الأرضية، في الوقت الذي يكون النهار زاحفا على الليل فيغطيه تدريجيا فط الجهات الأخرى، واللفظ يحتمل الحالتين معا، وفيه دليل على كروية الأرض، انظر آية [الأعراف ٥٤/ ٧]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ هم الذين يعملون الفكر في المغزى من هذا الخلق البديع.","vol":"2","page":413},{"text":"<span id=\"aya-1711\"></span>﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ ولكنها مختلفة في طبيعة التربة وصلاحيتها للزرع ونوع الزرع الذي تنبت ﴿وَجَنّاتٌ﴾ حدائق وبساتين ﴿مِنْ أَعْنابٍ﴾ من أشجار الكروم ﴿وَزَرْعٌ﴾ من كل نوع ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾ ذات فروع مشتركة بجذر واحد ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ منفردة بجذر واحد ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ لا اختلاف فيه سواء كان من المطر أو النهر أو الينابيع، ومع ذلك تختلف ثمارها: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ يختلف طعم بعض الأصناف عن طعم أصناف أخرى رغم وجود التشابه في ماء السقاية وتشابه التربة، وفي آيات [الأنعام ١٤١/ ٦، ٩٩] مزيد من التفصيل وبيان مغزى الخلق والبعث ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرة ومقنعة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستخدمون عقولهم على الوجه السليم.\n\n<span id=\"aya-1712\"></span>﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ أيها النبي، أو أيها العاقل، أو أيها المؤمن، من معجزات الخلق هذه ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُرابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الأعجب من آيات الخلق كفر الكافر مع كل هذه المعجزات والآيات الباهرات التي يستطيع المرء أن يدركها بالملاحظة، والدالّة على وجود قدرة خالقة مهيمنة، والأكثر عجبا أولئك الذين قد يؤمنون بوجود الخالق غير أنهم يشكّون في البعث والجزاء - كما هي الحال عند بعض اليهود - فما دام أن الخالق أوجد الكون والحياة على النحو الذي نشاهد فما الذي يمنع من الخلق ثانية على نحو لا نستطيع الآن إدراكه ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ دون حجة ولا برهان ﴿وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ الآن في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، فالأغلال الدنيوية كناية عن استسلامهم لأوهامهم واغترارهم بالحياة الدنيا وامتناعهم عن الإيمان وعبوديتهم","vol":"2","page":414},{"text":"للمادة، فكأنهم مقيدون بقيود التقليد لا يرجى فكاكهم ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لا ينفكون عنها نتيجة طبيعية لما كانت عليه نفوسهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-1713\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ يقولون ذلك إمعانا في التحدي، ومن قبيل السخرية يطلبون نزول العقاب بهم - قبل أوانه - إنكارا منهم لإمكانية حدوثه، وهذا التحدي منهم بلغ مبلغ الحماقة فقد أغلقوا عقولهم سلفا وامتنعوا عن الحوار والفكر السليم، ولم يبق عندهم سوى العجز أمام الطرح الفكري للرسالة والإيمان فاختاروا لأنفسهم ما لا يتوافق مع مصلحتهم الحقيقية وإن كان قد يناسب مصالحهم الآنية ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ تحققت ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ العقوبات التي نزلت في الماضي بأمثالهم من الجاحدين فلم ينظروا فيها ولم يعتبروا بها ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ يغفر لهم رغم ظلمهم ويعطيهم فرص التوبة والإصلاح ولا يعاجلهم بالعقوبة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ للمصرّين على الجحود والكفر الذين فسد استعدادهم فلا يرجى صلاحهم ولا توبتهم.\n\n<span id=\"aya-1714\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهو نوع آخر من أنواع التحدي والجهل والحمق يبديه المكابرون أو العاجزون عن استعمال عقولهم إذ يطلبون معجزة مادية تلمسها أيديهم، ولكن القرآن الكريم يبين في آيات عديدة أنّ أمثال هؤلاء المكابرين المصرين على الكفر لا يؤمنون حتى لو فتحت لهم أبواب السماء، انظر [الحجر ١٤/ ١٥ - ١٥]، وحتى لو عاد الموتى من الآخرة ليخبروهم بحقيقتها انظر [الأنعام ١١١/ ٦]، وحتى لو نزل الوحي عليهم في كتاب ملموس انظر [الأنعام ٧/ ٦]، وحتى لو جاءتهم كل آية من الآيات الباهرات، انظر [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧] و[الأنعام ١٠٩/ ٦ - ١١٠]،","vol":"2","page":415},{"text":"ولذا خاطب تعالى نبيه بقوله عزّ من قائل: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ فدور النبي - ومن ثمّ كل مسلم بعده - هو الدعوة والإنذار وليس القهر والإجبار، والهداية على الله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ فالمنذر هو النبي ﷺ، والهادي هو الله تعالى وحده يهدي قلوب من يشاء من العباد، ويحتمل المعنى أيضا أن النبي ﷺ منذر وهاد لكل قوم من الأقوام والأمم نظرا لعالمية الرسالة الإسلامية، وقد يكون الهداة أيضا العلماء والدعاة من بعده.\n\n<span id=\"aya-1715\"></span>﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ (٨)\n٨ - المزيد من بيان الآيات بعد قولهم ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ ليس فقط ما تحمل من ذكر أو أنثى بل يعلم أيضا مستقبل الحمل ومستقبل الولد وما سيكون من شأنه من الحياة إلى الممات، وما يكون من شأنه من إيمان أو كفر وجحود ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ فتجهض الحمل، لأن الغيض هو النقصان، أو ما تنقص عن تسعة شهور حتى سبعة الشهور ﴿وَما تَزْدادُ﴾ عن الشهور التسعة حتى قد تبلغ العشرة ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ بمقدار يتناسب مع الغرض الذي من أجله خلق، ومع متطلبات الحياة ومع الدور المقدر له أن يلعبه في الخليقة، وهو شبيه قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩/ ٥٤].\n\n<span id=\"aya-1716\"></span>﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ (٩)\n٩ - ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ يعلم ما يغيب عن حس البشر وإدراكهم ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ويعلم ما هو ضمن نطاق مشاهدتهم ﴿الْكَبِيرُ﴾ بحسب قدرته وعلمه بلا حدود، وهذا يقتضي قدرته على البعث الذي أنكروه، وعلمه بالغيب الذي غاب عنهم ﴿الْمُتَعالِ﴾ فوق أي مخلوق كائن أو ممكن، والمتنزه عن كل ما لا يجوز عليه، والمنزه عن كل ما لا ينبغي له، وهو أيضا المتعالي عن أي تصور أو تخيل عن ماهيته.","vol":"2","page":416},{"text":"<span id=\"aya-1717\"></span>﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ علمه تعالى فيهم واحد إذ يعلم سرهم وعلانيتهم ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ لريبة ما فهو يخرج في الليل مستخفيا مختبئا في ظلام الليل ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ يخرج نهارا فيظهر بلا ريبة لا يخشى شيئا، كلاهما واحد، لأنه لا يستتر عنده تعالى شيء ولا يخفى عليه أحد.\n\n<span id=\"aya-1718\"></span>﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ (١١)\n١١ - ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ تحيط به من جميع جهاته بصورة مكشوفة وبصورة خفية ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي هو يظن - بزعمه - أن المعقبات يحفظونه من أمر الله ومن قدره، في حين أنه تعالى محيط بكل شيء، والخطاب استمرار من الآية السابقة فالضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود لمن أسرّ القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، فليس فقط أن مثله لا يستتر ولا يخفى عن علمه تعالى، بل سواء أيضا إن كان له معقّبات أي حرس يقومون بحراسته بصورة مكشوفة: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أو بصورة خفية كالمخابرات: ﴿مِنْ خَلْفِهِ﴾ ومثال ذلك ما يفعله بعض الزعماء وكبار القوم من قبيل الحرص على أنفسهم مع أن هؤلاء الحرس لا يستطيعون حفظهم من أمر الله ولا يستطيعون دفع القدر حال وقوعه، أي كل هذه الأساليب المصطنعة لا تفيد، وفي بيان السبب تعود السورة لموضوع الآيات (٥ - ٦ - ٧): ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ سلبا أو إيجابا، قسرا أو اعتباطا ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بملء إرادتهم وحريتهم، فالأقوام ليست مقهورة على أمرها لا تملك لنفسها التغيير والتبديل، بل هي تتحمل مسؤولية نفسها من واقع حرية أفرادها وسلوكهم وحضارتهم، لأن تغيير كل فرد لنفسه سلبا أو إيجابا يكون سببا لتغيير الأمة بأكملها سلبا أو إيجابا أيضا، وهذه سنة اجتماعية تخضع لها الأقوام فتمكنها من تغيير أحوالها نحو","vol":"2","page":417},{"text":"الأفضل - إن لم تكن غافلة - وتغيير ما بالأنفس يشمل الأفكار والمفاهيم، والنتيجة أنه تعالى يغير ما بالقوم حتما إن هم غيروا ما بنفوسهم، وقد منح تعالى الأفراد القدرة على تغيير ما بنفوسهم لكي تتغير أقوامهم فتنتقل من حالة إلى أخرى، وقد أشار القرآن الكريم لذلك في سورة الشمس بقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٧/ ٩١ - ١٠]،\n﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا﴾ بما كسبت أيديهم وما هي عليه نفوسهم ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ يخليهم تعالى لأنفسهم وعاقبة عملهم، فلا يملك أحد دفع السوء عنهم ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ يلي أمرهم ويدفع السوء عنهم، لأن الأفراد في هذه الحالة يكونون قد فقدوا القدرة على تزكية نفوسهم بعد أن أفسدوها بما لا يرجى صلاحه وعجزوا عن العودة إلى جادة الصواب، وذلك معنى الطبع أو الختم على القلوب، فتهلك الأمة بالنتيجة، وصيرورة الأقوام على هذا النحو من السوء إنما هو بعملهم وسعيهم وليس أنه تعالى فرض ذلك عليهم ابتداء.\nثم يعود خطاب السورة لبيان دلائل قدرته تعالى ووجود خطة إلهية كامنة في الخلق ومغزى منه:\n\n<span id=\"aya-1719\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (١٢)\n١٢ - بيان المزيد من الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من صواعقه، كما سيرد في الآية التالية ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ المحمّل بالمطر.\n\n<span id=\"aya-1720\"></span>﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ تعبيرا عن عظمته وتنزيها له عن كل نقص، ففي كل شيء في الخلق تجسيد لتسبيح الله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]، ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾","vol":"2","page":418},{"text":"تسبّح ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾ من عظمته وجلاله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ ويصرفها عمّن يشاء، ومع كل ذلك: ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ خبط عشواء، بين كافر ومشرك، من دون حجة ولا يقين ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ شديد القوة والقدرة لا يعجزه أحد منهم.\n\n<span id=\"aya-1721\"></span>﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (١٤)\n١٤ - بعد بيان الآيات الباهرات تنقتل السورة إلى النتيجة الحتمية وهي أن دعوة الحق له وحده: ﴿لَهُ﴾ تعالى ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لأن الله تعالى يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤاله - إن كان فيه مصلحة له - فهو تعالى حقيق أن يوجّه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه، ومن جهة ثانية فإن الحقّ هو الله تعالى فيحتمل المعنى أيضا:\nله دعوة المدعو الحقّ الذي يسمع فيستجيب، لأن ما دونه من الآلهة باطل:\n﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ من طلباتهم ﴿إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ استجابة الآلهة لهم كاستجابة باسط كفيه إلى الماء يطلب منه أن يبلغ فاه ﴿وَما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ فالماء جماد لا يشعر بالدعاء ولا ببسط الكف فلا يجيب الداعي ولا يبلغ فاه ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ في ضياع لا منفعة فيه ولا جدوى منه، فالكفار إن دعوا الله تعالى لم يجبهم، وإن دعوا آلهتهم فلا تقدر على شيء.\n\n<span id=\"aya-1722\"></span>﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ لأن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع، فكل من في السماوات والأرض من كائنات حية وجماد ساجد له تعالى بهذا المعنى شاؤوا أم أبوا لا يقدرون على الامتناع، والكافر منقاد له تعالى لا يقدر على دفع الموت عن نفسه","vol":"2","page":419},{"text":"ولا يقدر على دفع سننه تعالى فيه، حتى أن ظلالهم تنقاد له ﴿وَظِلالُهُمْ﴾ أيضا محكومة بمشيئته في الامتداد والتقلص والفيء والزوال بحسب ارتفاع الشمس وميلها ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ قالوا إنه تعالى خصّ الغدو والآصال، أي الصباح والمساء، بالذكر لأن الظلال تمتد وتطول بين هذين الوقتين وبين وقت الظهيرة.\n\n<span id=\"aya-1723\"></span>﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (١٦)\n١٦ - بعد أن حشدت السورة البراهين القاهرة على قدرته تعالى في الخلق وعلى دلائل التوحيد وأن كل من في السماوات والأرض منقاد له طوعا أو كرها تنتقل هنا إلى الرد على المشركي:\n﴿قُلْ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، للمشركين: ﴿مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليس سؤال استفهام بل سؤال إقرار ﴿قُلِ اللهُ﴾ فالموضوع ليس مجال إنكار منهم سوى أنهم مشركون يعتقدون أن للشركاء المزعومين حظوة عنده تعالى ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ مع كل هذه البراهين والآيات الكونية، تعبدونهم وتستنصرونهم وتدعونهم ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ فمن باب أولى أنهم لا يملكون لكم النفع أو الضرر ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى﴾ الكافر أو المشرك الذي تعمى عليه هذه الحجج ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ منفتح الذهن على الحقيقة ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ﴾ ظلمات الشرك والكفر ﴿وَالنُّورُ﴾ نور الإيمان والتوحيد ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ فالشركاء الموهومين في منتهى العجز حتى أنهم لا يقدرون على ما تقدر عليه المخلوقات، فضلا عن مضاهاة قدرة الخالق ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ فكيف تلتبس الأمور عليهم؟ فالله تعالى يخلق من العدم ولا يمكنهم ذلك ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا شريك له في الخلق ﴿وَهُوَ الْواحِدُ﴾ لا شريك له ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب على أمره لا تتغير سننه في خلقه.","vol":"2","page":420},{"text":"<span id=\"aya-1724\"></span>﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وهو ماء المطر ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ كانت جافة، وهي بعض الأودية بحسب توزع المطر ﴿بِقَدَرِها﴾ بمقدارها المتفاوت قلة وكثرة، أو بمقدارها الذي أراده تعالى واقتضته حكمته ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ حمل ﴿زَبَدًا﴾ هو الغثاء الذي يطرحه الوادي عندما يضطرب موجه ﴿رابِيًا﴾ عاليا منتفخا فوق الماء ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾ ابتداء جملة جديدة معطوفة على الجملة الأولى لضرب مثل آخر، وهو فلز المعادن تصهره النار ﴿اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ كحليّ الذهب والفضة ﴿أَوْ مَتاعٍ﴾ كالأواني والمعدات والآلات من الحديد والنحاس وغيرهما ﴿زَبَدٌ﴾ وهو الخبث الذي يطفو على سطح الفلز المصهور ﴿مِثْلُهُ﴾ مثل الزبد الطافي على سطح السيل ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك الضرب البديع للأمثال ﴿يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ﴾ يضرب مثل الحقّ ﴿وَالْباطِلَ﴾ ويضرب مثل الباطل، فكأن المثل المضروب عين الحقّ والباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ الرابي على السيل أو الخبث الطافي على الفلز المصهور ﴿فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ مرميّا به ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ من ماء السيل الصافي، أو من جوهر المعدن الخالص ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ لأن الماء يسقي الخلق ويغذي الخزانات الجوفية والعيون، كما أن جوهر المعدن يستفاد منه في الأمور المعيشية وهو المراد من المكث في الأرض، وقالوا في تقديم الزبد على ما ينفع إن الزبد هو الظاهر المنظور وما ينفع باق كامن مستمر في الوجود ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ وهو تمثيل الحق بالماء الذي يغذي عيون الأرض والآبار فينبت الزرع والثمار ويسقي الخلق، وكجوهر المعدن الخالص المستفاد منه والضروري لحياة البشر، وتمثيل الباطل بغثاء السيل الذي يضمحل ويزول بسرعة، وكخبث المعادن الزائل الذي يرمى به فلا نفع منه ولا دوام له.","vol":"2","page":421},{"text":"<span id=\"aya-1725\"></span>﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى﴾ استمرار الكلام من الآية السابقة، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا لربهم الحسنى، وهي الجنة ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ بل عاندوا الحق ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ من أصناف المال ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ مضاعفا ﴿لافْتَدَوْا بِهِ﴾ من هول العاقبة التي تنتظرهم ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ لأن كفرهم أحبط أعمالهم، فلا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيئاتهم لقوله تعالى: ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم ١٨/ ١٤]، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ وهو ما مهدوا لأنفسهم من البؤس.\n\n<span id=\"aya-1726\"></span>﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٩)\n١٩ - هنا تعود السورة لموضوع الآية (١): ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من القرآن الذي مثّل بالماء المنزّل من السماء وبجوهر المعدن الخالص في النفع والجدوى ﴿الْحَقُّ﴾ علم أنه الحق فاستجاب له ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ البصيرة لم يدرك الحق، أو أدركه ولم يستجب له، فالعالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، لا يستويان ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ ذوو العقول الصافية الخالصة من تقليد المألوف وقبول الأوهام، يأخذون العظة من آيات الله، ويتذكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليهم [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وهم الموصوفون في الآيات التالية (٢٠ - ٢٤):\n\n<span id=\"aya-1727\"></span>﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ وهو ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى [الأعراف ١٧٢/ ٧]، أو عهد الله تعالى عليهم في كتبه المنزّلة،","vol":"2","page":422},{"text":"وكل ما أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة ﴿وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ ويدخل في ذلك الوفاء بالعقود في المعاملات وأداء الأمانات، وباختصار الالتزام الأخلاقي والاجتماعي تجاه الآخرين.\n\n<span id=\"aya-1728\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ ويدخل في ذلك جميع الروابط العائلية كصلة الرحم، وغير العائلية كصلة القرابة بسبب أخوة الإيمان، وحقوق الجوار ورعاية اليتيم والفقير، وفي الحالة العامة المسؤولية الأخلاقية للإنسان المنبثقة عن إيمانه بمغزى الخلق ومسؤوليته أن يعامل جميع مخلوقات الله بالشفقة والرأفة ﴿وَيَخْشَوْنَ﴾ معصية ﴿رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ فيحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.\n\n<span id=\"aya-1729\"></span>﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على التكليف وعلى كل ما تكرهه النفس من المصائب في المال والأبدان والأنفس، وتجاوزوا هوى النفس كالانتقام والحسد والغيبة وغيرها ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طلبا لرضا الله بلا رياء ولا سمعة ولا يطلبون من العباد جزاء ولا شكورا ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ على تمامها لشعورهم بالعبودية الكاملة له تعالى فيعيشون الحرية أمام العالم ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ كالزكاة والصدقة ﴿سِرًّا﴾ حيث يحسن السر ﴿وَعَلانِيَةً﴾ حيث تحسن العلانية ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ يدفعون الشر بالخير، ويجازون الإساءة بالإحسان ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات الجليلة ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ في الآخرة وهي جنات عدن كما سيرد في الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-1730\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)﴾","vol":"2","page":423},{"text":"٢٣ - ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات النعيم الدائم ﴿يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ الزوج في اللغة يشمل الذكر والأنثى، فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، كما أن الآباء تجمع الأبوين الأم والأب، والأجداد والجدات، كما في قوله تعالى: ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ [يوسف ٦/ ١٢]، والآية تبين أن الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الصلاح ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ فتنزل السكينة عليهم، وقالوا إن الأبواب كناية عن أبواب البر، فتقول الملائكة لهم:\n\n<span id=\"aya-1731\"></span>﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بشارة بالأمن والطمأنينة والصفاء ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ بنتيجة صبركم في الدنيا على المكاره في السراء والضراء وحين البأس والعمل في سبيل الله ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ جنة الله أعدها لكم.\n\n<span id=\"aya-1732\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ (٢٥)\n٢٥ - بعد أن ذكرت السورة صفات من يتذكّر من أولي الألباب ومآلهم في جنات عدن، (الآيات ٢٠ - ٢٤)، أتبعتها بالمقابل بذكر أحوال عمي القلوب المذكورين بالآية (١٩)﴾ - ومآلهم في الآخرة: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ قال الرازي إن عهد الله هو ما ألزم عباده بواسطة الأدلة العقلية والسمعية، فيكون المراد من نقض هذه العهد ألاّ ينظر المرء في الأدلة أصلا، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها، أو أن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعلمه بها، أو أن ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يقطعون كل من له حق من ذوي الرحم وغيرهم، ويتراجعون عن التزامهم التعاقدي مع الناس بعد عهدهم الموثق معهم، فلا يحترمون كلمتهم وعهودهم مع الآخرين ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد مستغلين إمكاناتهم ومواقعهم بإفساد الوضع","vol":"2","page":424},{"text":"الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الإبعاد من رحمة الله بسبب أعمالهم ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ جهنم في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1733\"></span>﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ﴾ (٢٦)\n٢٦ - بعد أن ذكرت الآية السابقة أن المفسدين في الأرض مآلهم اللعنة وسوء الدار، تبين هذه الآية أنه تعالى - مع ذلك - يبسط الرزق لمن يشاء في الحياة الدنيا مؤمنا كان أو كافرا فالدنيا دار امتحان: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ من أولي الألباب، ومن هو أعمى، يرزقهما على السواء بحسب سننه تعالى في ارتباط المسبّبات بالأسباب ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق أو يعطي بقدر الكفاية ﴿وَفَرِحُوا﴾ المفسدون الغافلون عمي القلوب ﴿بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بما بسطه تعالى لهم من الرزق فاستسلموا لها واستغرقوا فيها ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ﴾ في جنب الآخرة وبالمقارنة معها ﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ متعة قليلة حقيرة، والمعنى أنهم فرحوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة.\n\n<span id=\"aya-1734\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ناقضوا العهد ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون آية مادية حسية كمعجزات موسى وعيسى، لأنّهم بعنادهم عطّلوا عقولهم عن التفكير بمعجزة القرآن، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٥١/ ٢٩]، وتكرار السؤال عن طلب معجزة مادية - انظر الآية ٧ - بعد الكلام عن الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، يفيد أنه استحال على ناقضي العهد إدراك المصدر الإلهي للقرآن الكريم كونهم أفسدوا فطرتهم الطبيعية بعد أن فرحوا بالحياة الدنيا واستغرقوا في تفاصيلها واستسلموا لها ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ يضل من يشاء الضلال فلا يجبره على الهدى لعلمه أنه لا ينفع فيه اللطف","vol":"2","page":425},{"text":"والإرشاد فيتركه لخياره الحر الناتج عن سوء استعداده ومكابرته وعناده ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ إلى الله تعالى ورجع إليه، وهو وأمثاله من المذكورة صفاتهم في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1735\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انتهى أمرهم إلى الإيمان، ثم تبين الآية التالية أن الإيمان يجب أن يقترن بالعمل الصالح ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ تستقر وتسكن قلوبهم بتلاوة الذكر الحكيم وهو القرآن، وتدبر آياته، واستخدام الفعل المضارع لإفادة دوام الاطمئنان وتجدده حسب دوام الذكر ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ لأن القرآن المجيد معجزة باقية إلى يوم القيامة تطمئن القلوب بتلاوته وتدبّر آياته، قال الألوسي: وفي ذلك إشعار أن الكفرة لا قلوب لهم وأفئدتهم هواء إذ لم يطمئنوا بالقرآن ولم يدركوا آياته، مع أنه أظهر الآيات على الإطلاق وأبهرها.\n\n<span id=\"aya-1736\"></span>﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تأكيد على وجوب اقتران الإيمان بالأعمال الصالحة ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ فرح وقرة عين وغبطة والعيش الطيب لهم والسلام الروحاني ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ حسن المرجع والمستقر.\n\n<span id=\"aya-1737\"></span>﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن، المصحوب بالمعجزة القرآنية الباهرة التي يهتدي بها المنيبون ﴿أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ﴾ مضت قبلها أمم كثيرة قد أرسل لهم رسل ﴿لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ لتقرأ عليهم الوحي الأخير ليفقهوه وليهتدوا بهديه ﴿وَهُمْ﴾ أي المصرّون على الكفر ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ بإنكار الإله أو بإنكار الهدي الإلهي أو بالشرك ﴿قُلْ هُوَ﴾ الرحمن ﴿رَبِّي﴾ خالقي ومتولّي أموري ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾","vol":"2","page":426},{"text":"أي لا مستحق للعبادة سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ إليه مرجعي وتوبتي.\n\n<span id=\"aya-1738\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٣١)\n٣١ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي كذلك أرسلناك بالوحي النهائي المعجز ومع ذلك فالمكابرون يصرّون على الكفر مهما بلغت المعجزة:\n﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ حتى لو سارت الجبال بالقرآن أو شقّت به أنهار وعيون أو تصدّعت الأرض بالشقوق أو قام الموتى من قبورهم يتكلمون به يبقى المكابرون على عنادهم لأنهم مصمّمون سلفا على إغلاق عقولهم عن أي منطق وفكر سليم، انظر آية [البقرة ٧/ ٢]، ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ بأن جعل التكليف مبنيا على الاختيار بلا إلجاء ولا قهر ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعًا﴾ بأن ألجأهم إلى الإيمان إلجاء وقسرا ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّون على الكفر ﴿تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ تصيبهم الكوارث والنزاعات والحروب لسوء أعمالهم ولانهماكهم في المادة وخلو تعاملاتهم من البعد الروحي ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ﴾ فينتشر الفساد فيهم شيئا فشيئا ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ بالنصر أو بحلول أجلهم أو بيوم القيامة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ بما وعد به من البعث ونفاذ سننه في خلقه.\n\n<span id=\"aya-1739\"></span>﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد، كما هي عادة أكثر البشر في السخرية والتهكم من الرسل لاعتقادهم باكتفائهم الذاتي بما لديهم من العلم","vol":"2","page":427},{"text":"﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أمهلتهم ولم أعاجلهم بالعقوبة وأعطيتهم الفرص في المال والعمر، وأتحت لهم فرص التفكّر والنظر والتوبة ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بسوء أعمالهم وبإصرارهم على الجحود والتجبر والنكران ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ إذ لم ينتفعوا بما كانوا عليه من نعمة العقل ونعمة الوحي الذي نزل على أنبيائهم.\n\n<span id=\"aya-1740\"></span>﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿أَفَمَنْ هُوَ﴾ الله تعالى ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رقيب مهيمن عليها ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ من الخير والشر فيجزيها وفق عملها حتى تتحقق العدالة على تمامها، ومع ذلك جعلوا له شركاء في منتهى العجز لا يقدرون على شيء:\n﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ لا تضر ولا تنفع ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ إن شئتم، واطلقوا عليهم ما تشاؤون من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالشركاء من التفاهة والعجز المطلق مهما كانت أسماؤهم ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بشركاء مستحقين للعبادة؟ وقد أحاط تعالى بكل شيء علما، فيستحيل أن تعلموا بشيء وهو لا يعلمه ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ممّا لا حقيقة له كالشركاء ومن غير معنى متحقق في أسمائهم ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ فبدا لهم باطلهم حسنا ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن سبيل الحق ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ فلا يجبره تعالى على الهدى بل يتركه ويخلّيه لنفسه وعناده.\n\n<span id=\"aya-1741\"></span>﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بالآفات التي تصيبهم نفسيا أو جسديا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ من عذاب الدنيا ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ يدفع عنهم العذاب.","vol":"2","page":428},{"text":"<span id=\"aya-1742\"></span>﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ (٣٥)\n٣٥ - بعد أن بيّن تعالى عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ المثل لأن حقيقة الجنة في علم الغيب ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ قال الزمخشري: ذلك تمثيل لما غاب عنّا بما نشاهد، أي بما نعرفه من المحسوس ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ فيما أعدّه تعالى لهم من النعيم ﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-1743\"></span>﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ يحتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن الكريم، أو التوراة والإنجيل، والمقصود الذين أوتوا فهم الكتاب ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن لما عرفوا فيه من الحق والاستنارة ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾ من أتباع الديانات الأخرى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ ينكرون بعض القرآن ما لا يوافق كتبهم ولا يستطيعون إنكار بعضه الآخر لأنه مصدّق لما بين يديهم من الكتاب ومهيمن عليه، فهو يغربل الصحيح في كتابهم من الزائف بما لا يستطيع إنكاره إلا المكابر ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ﴾ وحده ﴿وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ شيئا، وقد تكون هذه إشارة إلى التثليث عند المسيحية ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ إلى عبادته ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ إشارة إلى الحشر والنشور والحساب.\n\n<span id=\"aya-1744\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم، أنزلنا عليك القرآن ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ لكي يفهمه العرب أولا ومن خلالهم العالم أجمع لأنهم واسطة الوحي، ولأن الله لم يبعث نبيا إلا بلسان قومه ليبيّن لهم [إبراهيم","vol":"2","page":429},{"text":"٤/ ١٤]، وأما عالمية الرسالة الإسلامية فواضحة في كثير من الآيات، وأما كون القرآن حكما فلكونه إرادة إلهية تحكم الحياة بالشريعة الشاملة، ولأنه مشتمل على الحكمة، ولكونه حاكما على الأمور بما يمكّن من تمييز الغث من السمين ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ﴾ أيها المسلم، لأن الخطاب موجه إلى الأمة من خلال النبي ﴿أَهْواءَهُمْ﴾ بقبول الحلول الوسط في العقيدة من الذين ينكرون بعض القرآن المشار إليهم بالآية السابقة ﴿بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ القرآني اليقيني الذي جاء حكما عربيا ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولّى أمورك وينصرك ﴿وَلا واقٍ﴾ يقيك عاقبة السوء.\n\n<span id=\"aya-1745\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا﴾ كثيرة ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ فليس من مبرر لإنكارهم بعث خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً﴾ فكانوا من جنس البشر ولم يكونوا ملائكة، والمغزى أن على الناس تقويم الرسالة الإلهية من حيث جدارتها وليس من حيث نزول الخوارق والمعجزات الحسية ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ برسالة سماوية ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ حصرا، ويحتمل أيضا أن يكون المقصود بالآية المعجزة الحسية الخارقة التي يطلبها السذّج والمعاندون ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ وقت العمل بالتوراة والإنجيل مضى وانقضى وحان وقت العمل بالقرآن، بدليل الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-1746\"></span>﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ من الرسالات السابقة التي نزلت لتناسب وقتها وظروفها ﴿وَيُثْبِتُ﴾ رسالة الإسلام التي جاءت خاتمة لما سبقها، أنظر الآية [البقرة ١٠٦/ ٢] مع شرحها ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ أم الكتاب منبع الوحي، وهو أيضا علم الله تعالى القديم المحيط الأزلي الذي لا يكون شيء إلا وفق ما فيه.","vol":"2","page":430},{"text":"<span id=\"aya-1747\"></span>﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من عذاب الحياة الدنيا المشار إليه بالآية (٣٤)، أو القارعة التي تصيبهم المشار إليها بالآية (٣١)، والكلام عن المصرين على الكفر ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ فقط ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ لا عليك حسابهم ولا جزاؤهم، فالحساب على الله وحده.\n\n<span id=\"aya-1748\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هؤلاء الكفار والغافلون ﴿أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ فلا تدوم على حال إذ تتحول من العمران والازدهار إلى الخراب والدمار، فلا يتم شيء إلا ويتحول إلى نقص، ولا شيء يبقى على حاله، ولا يدوم عزّ إلا ويصير إلى انحطاط، مما هو مشاهد ومحسوس في كثير من المجتمعات والدول، فكيف يأمن الضالون على أنفسهم من مثل ذلك؟ والأمر ليس مقتصرا على الخراب المادي والكوارث الاجتماعية بل يتعداه إلى اضمحلال القيم الأخلاقية وما يتلوها من انكماش وزوال الدول، لأن الأرض بمعنى الدولة، كما في قوله تعالى على لسان يوسف مخاطبا عزيز مصر: ﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف ٥٥/ ١٢] وقصد بها دولة مصر، ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ليس من يعقب حكمه بالرد أو الإبطال، فلا رادّ لحكمه وسننه الكونية، وكل شيء خاضع للتغيير ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لأن عواقب الأعمال من خير أو شر سرعان ما تنجلي.\n\n<span id=\"aya-1749\"></span>﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لإبطال سنة الله في نصرة دينه وأنبيائه ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ لأن تدبيرهم لا شيء أمام تدبيره الخفي الذي يسير الكون بموجبه ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فيحيط بها من حيث لا تعلم ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ لمن تكون العاقبة الحميدة إن كانت لهم أم لغيرهم.","vol":"2","page":431},{"text":"<span id=\"aya-1750\"></span>﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرون على الكفر ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ إنكارا منهم لنبوته ﷺ ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بما أظهر للناس من الأدلة والحجج، وهي الشهادة الأولى ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ وهي الشهادة الثانية، والكتاب هو القرآن، لأن الذي يفقه القرآن حق الفقه لا بد له أن يقر بنبوته ﷺ، ويجوز أن يكون المقصود بالكتاب أيضا التوراة والإنجيل لأن من يفقه ما تبقى فيهما من الحقيقة لا بد له أن يقر برسالة القرآن، وفي ذلك إشارة إلى قوله في الآية ٣٦: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.\n***","vol":"2","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1814>سورة إبراهيم - ١٤ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-1815>مقدّمة</span>\nمن أواخر السور المكية، واسمها مشتق من دعاء إبراهيم المذكور في الآيات ٣٥ - ٤١، وليس معنى ذلك أن السورة تختص بقصة إبراهيم ﵇، لأن العنوان هو مجرد اسم لتعريف السورة، أي السورة التي يذكر فيها إبراهيم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1816>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن بينت سورة الرعد المتقدمة جوانبا من أوصاف القرآن: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ (٣٦/ ١٣)، وقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩/ ١٣)، وقوله تعالى: ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣/ ١٣)، تبدأ سورة إبراهيم بالإشارة للكتاب بقوله تعالى: ﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١/ ١٤)،\n\n<span data-type='title' id=toc-1817>محور السورة</span>\nتضرب السورة مثلا بكفر اليهود برسالة موسى، وكفر أقوام نوح وعاد وثمود وغيرهم، ثم تخلص إلى النتيجة أن أعمال الكفار تحبط وتذهب هباء يوم الحساب: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٨)، وأن الشيطان لم يكن له من سلطان على الناس سوى الغواية، فالذين استحقوا","vol":"2","page":433},{"text":"العذاب إنما استحقوه بمحض حريتهم واختيارهم وعد الشيطان: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢٢)،\nولذا تقارن السورة مثل الكلمة الطيبة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله، وقيل هي القرآن، وقيل دعوة الإسلام، وقيل التسبيح والتنزيه، وقيل الثناء على الله تعالى، وقيل كل كلمة حسنة أي هي الكلمة الطيبة بأوسع معانيها فهي في جهة العلوّ،\nمع مثل الكلمة الخبيثة: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (٢٦) التي هي كلمة الكفر، والدعاء إليه، والدعاء لغير الإسلام، أو الكذب، أي هي الكلمة الخبيثة بأوسع معانيها بما يتمثل فيها من معاني الكفر والضلال والإضلال والزيف والنفاق والأخلاق والصفات الذميمة الخبيثة، وتأثيرها مؤقت لأن الباطل إلى زوال، كما أن الكافر والخبيث لا يصعد له عمل ولا يتقبّل منه شيء، (الآية ١٨)، وأمثالهم قد بدّلوا نعمة الله كفرا:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ (٢٨)، غير أن الله تعالى يمهلهم ولا يهملهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢).\nوفي الآيات (٣٥ - ٤١) تضرب السورة مثالا جانبا من قصة إبراهيم ودعائه.\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1751\"></span>﴿١ - ﴿الر (١)﴾ الله أعلم بمراده، وردت ﴿الر﴾ في ست سور متتالية هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر) غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، وشرح آية [يونس ١/ ١٠]،","vol":"2","page":434},{"text":"﴿كِتابٌ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ قاطبة ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ من ظلمات الجهل والشك والتخبط إلى نور الحقيقة ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بتيسيره وتوفيقه لمنفتحي الذهن، أما المصرّين على الكفر فسوف يلي الخطاب عنهم ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وهو النور المشار إليه، أي إلى طريق الله المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه لخلقه وشرعه لهم، والمعنى أنه بعد أن يكون القرآن سببا لخروج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور الحقيقة عليه أن يتوجه بالعمل نحو صراط العزيز الحميد،\n\n<span id=\"aya-1752\"></span>﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٢)\n٢ - ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي هو وحده يملك جميع ما في السماوات وما في الأرض، فلا بد أيضا أن يملك التصرف بشؤون عباده بإنزال الكتاب وإخراجهم من الظلمات إلى النور ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر ﴿مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ بسبب غفلتهم عن هذه الحقيقة أي إن العذاب ليس سوى نتيجة طبيعية للغفلة، وفي الآية التالية تعريف لهم ولخصالهم:\n\n<span id=\"aya-1753\"></span>﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (٣)\n٣ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ معنى يستحبون أنهم في غاية المحبة لها دون غيرها، لأنهم غافلون عن الآخرة، وعن الحقيقة الغيبية ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾ تقدير الخطاب: ويؤثرونها على الآخرة، وذلك مكمن الضلال لأنهم جمعوا بين محبة الدنيا وإيثارها على الآخرة بخلاف من يحب الدنيا ولا يؤثرها على الآخرة ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وهي صفة ثانية من صفات الكفار أنهم يمنعون الآخرين من الوصول إلى دين الله فهم ضالين أولا ومضلون ثانيا ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يسعون إلى إلقاء الشكوك والشبهات حول الرسالة السماوية إمعانا في الإضلال، فهم يبغون لها عوجا أي اعوجاجا وذلك غاية الإضلال، ولذا وصفتهم الآية أنهم في ضلال بعيد: ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ في أقصى مراتب الضلال مما لا يرجى العودة منه.","vol":"2","page":435},{"text":"<span id=\"aya-1754\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤)\n٤ - استمرار الخطاب من الآية (١): ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ ليفقهوا ما يدعوهم إليه بسهولة من غير حاجة إلى ترجمة، ولم يخرج القرآن الكريم عن هذه القاعدة، انظر [فصّلت ٤٤/ ٤١]، لأن المشككين قالوا ويقولون كيف تكون رسالة الإسلام عالمية مع أنها باللغة العربية، انظر [الشعراء ١٩٨/ ٢٦ - ١٩٩]، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما يدعوهم إليه من الهداية السماوية ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ لأنه تعالى لا يضل إلا من يعلم أنه لن يؤمن، ولا يهدي إلاّ من يعلم أنه يؤمن، والمراد بالإضلال التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية التوفيق واللطف، فالأمر متعلق بحرية اختيار المرء وميوله واستعداده وليس نتيجة جبر مفروض عليه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ في شؤون عباده.\n\n<span id=\"aya-1755\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ التي نزلت عليه في التوراة ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استكمال الخطاب من الآية (١)﴾، أي كما أنزلنا عليك الكتاب يا محمد لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى قبلك بآياتنا ليخرج قومه من ظلمات الجهالة والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ أي بيوم الحساب، واستعمال الجمع بدل المفرد بقوله أيام لأن مفهوم الزمن في الآخرة لا معنى له ولا علاقة له بمفهومنا الدنيوي له ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ التذكير ﴿لَآياتٍ﴾ إشارات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ يصبر على الابتلاء ﴿شَكُورٍ﴾ ويشكر النعم، أي لكل مؤمن لأن المؤمن هو الذي يصبر على الابتلاء ويشكر النعم.","vol":"2","page":436},{"text":"<span id=\"aya-1756\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ مذكّرا إياهم بأيام الله السالفة في ابتلائهم ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من ظلمهم ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ بمختلف الوسائل ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ بغرض الإبادة وخوفا من نشوء جيل جديد منهم يقف في وجه طغيانهم ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ يستبقونهنّ كي يستفيدوا منهنّ لخدمتهم ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ اختبار لكم عظيم، والبلاء هو الابتلاء، وقد يكون ذلك بالنعمة تارة وبالنقمة تارة أخرى،\n\n<span id=\"aya-1757\"></span>﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٧)\n٧ - تتمة خطاب موسى لقومه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ الأذان هو الإعلان، والمعنى هنا أنه تعالى جعله معلوما لديهم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ النعم بالإفادة منها في الطاعات والعمل الصالح، لأن الشكر ليس بالقول فقط وإنما بالعمل، وهو معنى العبادة ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ من النعم أكثر مما تستحقون ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ كفران النعم بالجحود ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ التعريض بالعذاب بعد التصريح بالإنعام.\n\n<span id=\"aya-1758\"></span>﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا﴾ نعمه سبحانه ولم تشكروها بالعمل الصالح ﴿أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ لم يتضرر ﷾ بل يتضرر الجاحد بكفرانه النعم ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن شكر الناس أجمعين، لأنه تعالى لا ينتفع من شكرهم ولا يتضرر من كفرانهم، فالمنفعة والضرر تعود إلى العابد لا إلى المعبود ﴿حَمِيدٌ﴾ مستوجب الحمد بذاته وإن لم يحمده أحد من الناس، وكأن موسى بثاقب نظره النبوي، وبما لمس منهم من المعاندة والنكوص إلى عبادة العجل الذهبي كان يتوقع مستقبلهم الحافل بالجرائم وبالارتكاس المتكرر نحو الوثنية.","vol":"2","page":437},{"text":"<span id=\"aya-1759\"></span>﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٩)\n٩ - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ﴾ استمرار الخطاب من موسى لقومه ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ لأنهم اندثروا من وجه الأرض ولم يبق لهم أثر ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بالحجج الواضحة والمعجزات ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ جعل الكفار أيديهم على أفواه الرسل لمنعهم من الكلام وهو تعبير مجازي المقصود منه أنهم لا يريدون الاستماع لما ينافي ما اعتادوا عليه من العقائد القديمة التي انغلقت عليها عقولهم ﴿وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي كفرنا بما تزعمون أنكم أرسلتم به، وذلك لعجزهم عن قبول حقيقة تناقض ما اعتادوا عليه من التقليد ﴿وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لا نستطيع القطع في صحة دعوتكم ورسالتكم، والنفس غير مطمئنة إليها، وتلك محاولة منهم للتهرب من الالتزام بالرسالة الجديدة وما يترتب عليها من تبعات.\n\n<span id=\"aya-1760\"></span>﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ أفي وجوده شك؟ فإن الفطرة السليمة شاهدة على وجوده ومجبولة على الإقرار به، ولكن قد يعرض لبعضها شك فتحتاج للنظر في الدليل ولهذا قالت الرسل ترشدهم إلى طريق المعرفة: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق، وعلى نظام أنيق دقيق في غاية الإعجاز ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يمهلكم إلى وقت الموت لعلكم تتوبوا عن كفركم وعن ذنوبكم ﴿قالُوا﴾ لرسلهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ تأكلون وتشربون وتمشون في الأسواق فكيف تمتازون عنّا بتلقي الوحي؟ وهي الشبهة الأولى للكفار دوما","vol":"2","page":438},{"text":"﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ فنحن متمسكون بتقليدهم لأنه كان فيهم الحكماء والعلماء ولا يعقل أنهم كانوا على خطأ، وهذه الشبهة الثانية، والمعنى أنهم رفضوا إعمال عقولهم في الرسالة واعتبروا عقول الآباء خيرا من عقولهم ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فهل من معجزة خارجة عن استطاعة البشر تؤيد قولكم؟ وهي الشبهة الثالثة.\n\n<span id=\"aya-1761\"></span>﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إقرار أن الأنبياء ليسوا سوى بشر مثل غيرهم من الناس ثم لم يذكروا فضلهم على غيرهم تواضعا منهم واقتصروا على القول: ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ الله تعالى يمنّ بالنبوة على من هم أهل لها من عباده ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ما جئنا به من الرسالة كاف لغير المكابر والمصر على التقليد، وهو حجة عقلية قاطعة، أما ما تطلبون من المعجزات القاهرة فقد تصبح نوعا من الإلجاء الخارجي وعند ذلك يفقد الإيمان صفته الأخلاقية والفكرية والعقلية في حين على الإنسان أن يتوصل للإيمان بطريق الدليل والعقل ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فما علينا إلا البلاغ،\n\n<span id=\"aya-1762\"></span>﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ كيف يليق بنا وأي عذر لنا في ألاّ نتوكل على الله، وأي شيء يمنعنا من التوكل عليه بعد أن هدى كل واحد منا إلى الطريق الصحيح وعرّفنا الحق من الباطل ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ ونتحمل الحرمان والاضطهاد لما تفرضه علينا مسؤولية الرسالة، ولا بد للحق أن ينتصر من الباطل ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في دفع شرور الكفار، لأنه هو مالك الأمر كله، وهو يحمي العاملين المتوكلين عليه من أخطار المجهول.","vol":"2","page":439},{"text":"<span id=\"aya-1763\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا﴾ التهديد بالإخراج من الأرض بعد الإمعان في الإيذاء الذي سبقت الإشارة إليه وذلك منعا لسريان فكر الرسالة بين ذوي الفطرة السليمة والتفكير السوي ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ أيها الرسل فتصيروا على ما نحن عليه من التقليد ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى الرسل ﵈ بعدما لحقهم من تهديد ﴿رَبُّهُمْ﴾ متولّي أمورهم ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي الكفار المفسدين الذين يظلم بعضهم بعضا، وخصّ تعالى بالهلاك الظالمين من الذين كفروا، أما باقي الكفار من غير الظالمين فإنه تعالى يمهلهم لعلهم يتوبوا.\n\n<span id=\"aya-1764\"></span>﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بمعنى أن الرسالات التي تنزل على الأنبياء تبقى بعد هلاك منتقديها وجاحديها ﴿ذلِكَ﴾ الوعد لما قضى به تعالى من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم مختص بالمتقين ممن يخافون يوم الحساب ويخافون العذاب: ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ في يوم الحساب ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ خاف سوء العاقبة.\n\n<span id=\"aya-1765\"></span>﴿وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَاِسْتَفْتَحُوا﴾ أي الكفار طلبوا الفتح والانتصار على الرسل ظنا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل، وقيل الضمير عائد للرسل بمعنى أنهم هم الذين استنصروا الله تعالى على أعدائهم، وقد يكون الضمير عائد للرسل والكفار معا استفتحوا جميعا فنصر الرسل وخاب كل جبار عنيد ولم يفلح باستفتاحه: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ﴾ متكبر عن الحق ﴿عَنِيدٍ﴾ معتد بما عنده من الباطل.","vol":"2","page":440},{"text":"<span id=\"aya-1766\"></span>﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي هي مصيره ومآله يدخلها من خلال عمله السيء وجبروته وعناده عن الحق ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ لأن شدة كراهته تصدّ عن تناوله.\n\n<span id=\"aya-1767\"></span>﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ الكافر عند إحساسه بالعطش ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ لأن نفسه لا تتقبله لما يثيره فيه من مشاعر القرف ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ من خلال العذاب الغليظ ﴿وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ يتمنى الموت فلا يأتيه بل يبقى في العذاب: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ فيمكث فيه.\n\n<span id=\"aya-1768\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٨)\n١٨ - بعد أن وصفت السورة بالآيات (٣ - ١٧) عناد الكافرين ومكابرتهم تجاه رسلهم تبين هذه الآية أن أعمال الكفار في الحياة الدنيا تحبط في الآخرة ولا تفيدهم بشيء فهي كالرماد الذي تنثره الرياح العاصفة:\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ الأعمال التي كانوا يتقربون بواسطتها لآلهتهم باطلة، وكذا أعمال البر والخير لا يستفيدون من ثوابها ﴿اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ فحملت العاصفة الرماد وبعثرته حتى لم يبق منه شيء، وكذا أعمالهم ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ من أعمال الدنيا ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ من الثواب، أي لا يجدون لها ثوابا في الآخرة ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ لأنهم ضلّوا ويحسبون أنهم على شيء،\n\n<span id=\"aya-1769\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٩)\n١٩ - استكمال الخطاب من الآية السابقة لأنّ الخطاب موجّه للكفار الذين في الضلال البعيد المشار إليهم آنفا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾","vol":"2","page":441},{"text":"﴿بِالْحَقِّ﴾ ذلك من الوضوح لذوي العقول النيرة حيث لا يمكن إنكاره إلا من قبل المكابر الجاحد الغافل ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الكفار ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ خيرا منكم.\n\n<span id=\"aya-1770\"></span>﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَما ذلِكَ﴾ المذكور من إذهاب الكفار والإتيان بخلق جديد مكانهم ﴿عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ ليس بمتعذر ولا بمتعسر.\n\n<span id=\"aya-1771\"></span>﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، ومعنى برزوا أنه لا يخفى منهم أحد ولا تخفى منهم خافية بعد أن كانوا يستترون على ذنوبهم في الدنيا، واستخدام الفعل الماضي لبيان تحقق وقوعه لا محالة فكأنه وقع فعلا ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا﴾ أي لرؤسائهم الذين كانوا يتبعونهم في الرأي والأمر والنهي، ويظنون فيهم العقل والرشاد ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي كنّا أتباعكم في الحياة الدنيا نتبعكم في التقليد وفي تجميد عقولنا وفي تكذيبكم الرسل ﵈ ونبذ رسالاتهم ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ وهو سؤال توبيخ وتقريع وملامة مريرة ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي بعض الشيء ﴿قالُوا﴾ أي الزعماء والمستكبرون ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولكن ضللنا فضلّلناكم معنا ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ فلا ينفع الجزع ولا الصبر في ذلك اليوم، ونحن وإياكم سواء في سوء العاقبة ﴿ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ ليس لنا مكان نحن ولا أنتم ننجو به من هذه العاقبة التي استوجبناها لأنفسنا، وقد فات أوان التوبة بعد كشف الحجب،\n﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا﴾","vol":"2","page":442},{"text":"<span id=\"aya-1772\"></span>﴿أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ﴾ الذي أضل الفريقين من الأتباع والمتبوعين ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فوقع الحساب ولم يعد هنالك من فرصة لتصحيح الماضي الذي وقع وانصرم ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ الذي لا يخلف وقد أنجز وعده في البعث والجزاء على الأعمال ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعد الباطل بأن لا بعث ولا حساب، وإن كانا فأوهمتكم أن الأصنام والشركاء يشفعون لكم ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ موعدي وظهر بطلانه وكذبه ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ من سلطة أجبركم بها على تصديق وعودي والعمل بموجبها ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلى الضلال ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فأسرعتم بالاستجابة لي من تلقاء أنفسكم ظالمي عقولكم وأنفسكم ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ بوعدي الكاذب لكم إذ لم يكن بطاقتي قسركم ولا إلجاؤكم إلى الباطل، ولكنكم اخترتم ما اخترتم لأنفسكم بمحض الوسوسة التي وسوستها لكم ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيث استجبتم لوسواس السوء، وبمحض حريتكم اخترتم الضلال دون حجة ولا دليل وإنما بنتيجة سوء استعدادكم وانبهاركم بتزيين المعصية لكم، وكان الأحرى أن تستجيبوا لربكم إذ دعاكم إلى الحق المقرون بالبينات والحجج ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، وأصله من الصراخ كأن المغيث يزيل صراخ المستغيث ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ مما أنا فيه، أي إنه هو محتاج إلى الإصراخ فمن باب أولى أن لا يمكنه إصراخ الغير ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إنني من الأصل أنكرت توهمكم خلال حياتكم الدنيا أن هنالك شركا حقيقيا ولكنكم جعلتموني شريكا لله ﷿ في الطاعة ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾،\n\n<span id=\"aya-1773\"></span>﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)﴾","vol":"2","page":443},{"text":"٢٣ - ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي بخلاف الذين ضلّوا والذين ضلّلوا من الأتباع والمتبوعين المشار إليهم آنفا ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ سلام الطمأنينة الروحانية.\n\n<span id=\"aya-1774\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (٢٤)\n٢٤ - بعد أن بينت الآية (١٨) أن أعمال الكفار تذهب هباء منثورا، ثم بينت الآيات (٢١ - ٢٢) أن الذين استحقوا العذاب إنما استحقوه بمحض اختيارهم وحريتهم، وفي الآية (٢٣) أن المؤمنين الذين عملوا الصالحات يدخلون الجنة بسلام، تضرب الآيات (٢٤ - ٢٧) مثلا بالكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة:\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هي شهادة التوحيد، وقيل هي القرآن، وقيل دعوة الإسلام، وقيل التسبيح والتنزيه، وقيل الثناء على الله تعالى، وقيل كل كلمة حسنة أي هي الكلمة الطيبة بأوسع معانيها ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أي طيبة الثمار والمنظر والرائحة ﴿أَصْلُها ثابِتٌ﴾ جذورها ضاربة في الأرض لا تقتلعها العواصف والشدائد ﴿وَفَرْعُها﴾ أي فروعها أو أعلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ أي في جهة العلوّ.\n\n<span id=\"aya-1775\"></span>﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ ثمارها الدنيوية والأخروية ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ على الدوام ﴿بِإِذْنِ رَبِّها﴾ أي بأمره ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لأن في ضرب الأمثال زيادة تفهيم وتذكير للناس فهو تصوير المعاني العقلية بصور المحسوسات.\n\n<span id=\"aya-1776\"></span>﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل هي الدعاء إليه، والدعاء لغير الإسلام، أو الكذب، أي هي الكلمة الخبيثة بأوسع معانيها بما يتمثل فيها","vol":"2","page":444},{"text":"من معاني الكفر والضلال والإضلال والزيف والنفاق والأخلاق والصفات الذميمة الخبيثة ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ ضارة لا يطيب لها ثمر ﴿اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ استؤصلت من سطح الأرض والمعنى أن تأثيرها مؤقت لأن الباطل إلى زوال ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ ما لها من ثبات كما هو الزيف والضلال، وقد تكون براقة خلابة تجذب إليها مؤقتا ولكنها سامة وعاقبتها إلى الزوال، كما أن الكافر والخبيث لا يصعد له عمل ولا يتقبّل منه شيء راجع الآية (١٨).\n\n<span id=\"aya-1777\"></span>﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ يثبتهم بالكلمة الطيبة المشار لها والتي تمكنت في قلوبهم وثبتت لديهم بالحجة والبرهان واطمأنت وارتاحت إليها نفوسهم فلا ينهارون أمام الفتن والاضطهاد والإغراء ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ يثبتهم طيلة مكثهم في الحياة الدنيا ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ويثبتهم أيضا في الآخرة في مواقف الهول يوم القيامة ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ بحسب إرادتهم واختيارهم الناشيء عن سوء استعدادهم فيتركهم وشأنهم، وهم الكفرة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وإفساد الفطرة السليمة وبتقليد كبارهم وشيوخهم والإعراض عن الحجة السليمة والبينات الواضحة ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ مما تقتضيه الحكمة العلوية في تدبير شؤون العباد.\n\n<span id=\"aya-1778\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المؤمن أو أيها العاقل ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا﴾ وهم أصحاب الكلمة الخبيثة المشار لها آنفا، لأن الله تعالى أنعم عليهم ببعث الرسول ونزول القرآن فاختاروا الكفر على الإيمان ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ بأن صدّوا ضعاف العقول عن الإيمان ودعوهم إلى الكفر، ودار البوار أي الهلاك وهي جهنم كما سيرد في الآية التالية.","vol":"2","page":445},{"text":"<span id=\"aya-1779\"></span>﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي بئس المستقر.\n\n<span id=\"aya-1780\"></span>﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿وَجَعَلُوا﴾ الذين بدّلوا نعمة الله كفرا ﴿لِلّهِ أَنْدادًا﴾ أي أشباها بما ابتدعوه من آلهة ﴿لِيُضِلُّوا﴾ قومهم ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عن سبيل الله القويم وهو التوحيد، وقد ذكر الرازي أن اللام في قوله ﴿لِيُضِلُّوا﴾ هي لام العاقبة، وخاصة إذا قرئت بفتح الياء، والسبب أن المشار لهم مشركون لا يعتقدون أنهم في ضلال بل يزعمون أنهم مهتدون ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ وخذوا حريتكم في ما تتقلبون به من حياة وصحة وأمان واستسلموا لحاضركم وأنتم في غفلتكم عن الغيب، فإن حالكم الآن ليست سوى تمتع بالمقارنة مع ما سوف تصلون إليه، فكأنهم لا يملكون لأنفسهم سوى الامتثال لأمر الشهوة التي تأمرهم بالتمتع، وهذا الأمر قد يكون مجازا عن التخلية والخذلان كما ذكر الزمخشري ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ لأنها النهاية الطبيعية لتلك البداية.\n\n<span id=\"aya-1781\"></span>﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مقابل الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وجعلوا لله أندادا ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لأن الإيمان ليس بنطق الشهادتين فقط ﴿وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ ليعيشوا معنى العبادة تطبيقا عمليا ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ بإخفاء صدقة التطوع وإعلان الواجب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فلا يفيد المال شيئا ﴿وَلا خِلالٌ﴾ فلا يغني فيه أحد عن أحد.\n\n<span id=\"aya-1782\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - بعد أن أسهبت السورة في وصف أحوال المؤمنين وأحوال الكفار، ولما كان ذلك كله متعلقا بمعرفة الله تعالى، تبين الآيات ٣٢ - ٣٤ بعض الدلائل على وجود الخالق وكمال قدرته وعلمه: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ بما","vol":"2","page":446},{"text":"فيها من أكوان وخلائق ونظم وقوانين ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فسلكه ينابيع في الأرض ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ كوسيلة من وسائل الحياة ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ بما أودع في البحر من سنن ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ تكون لكم شريانا للحياة.\n\n<span id=\"aya-1783\"></span>﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ لا يفتران ولا ينقطعان عن الحركة في نظام كوني بديع يترتب عليه ما يترتب من فصول السنة وتغير المناخ وقوانين الفيزياء ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ يتعاقبان في تنظيمهما لحياة الإنسان فيهدأ الإنسان ليلا وينطلق نهارا في تحصيل معاشه.\n\n<span id=\"aya-1784\"></span>﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ من للتبعيض، ومن كلّ ما سألتموه بحسب الحكمة والمصلحة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ بحذف المضاف والتقدير إن تعدّوا آثار نعمة الله لا تحصوها لكثرتها ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ جنس الإنسان ﴿لَظَلُومٌ﴾ يظلم نفسه بالجحود والمعصية ﴿كَفّارٌ﴾ شديد الكفران للنعم ولا يؤديها حقها من الشكر.\n\n<span id=\"aya-1785\"></span>﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - بعد الآيات ٢٤ - ٣٤ التي ضرب تعالى فيها مثل الكلمة الطيبة ومثل الكلمة الخبيثة، وأنه تعالى يثبّت المؤمنين بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، ويضلّ الظالمين الذين بدّلوا نعمة الله كفرا، وبعد الحض على الإنفاق وبيان دلائل التوحيد في السماوات والأرض، تأتي هذه الآيات (٣٥ - ٤١) لتضرب مثالا قصة إبراهيم ﵇ فتروي جانبا منها ويأتي خلالها دعاء إبراهيم استكمالا لخطاب السورة ولبيان أن الطريق الوحيد للاستقامة هو طريق اليقين بوجود الله ﷿ وحده لا شريك له ونبذ الاعتقاد بأية \"سلطة مشاركة\" لله في الألوهية:","vol":"2","page":447},{"text":"﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ والبلد هو مكة بعد أن بنى فيه إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام، أراده إبراهيم بلد أمن وسلام واطمئنان، يشعر فيه الناس بالأمان من أي عدوان بغض النظر عن خلافاتهم، ويحرم فيه القتال ﴿وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ أي ثبتني وذريتي على تجنب عبادتها وعلى الإسلام، وهذا الدعاء طلبا للسلام الروحاني الناتج عن التوحيد وتأكيدا لعدم الانحراف نحو الشرك سواء بالتقليد الأعمى للآباء والأجداد وبظلم العقل أو بالوقوع تحت تأثير الزعماء أو المتسلطين أو المفسدين الضالين والمضلّين وسواء كانت الأصنام من البشر أو الجماد،\n\n<span id=\"aya-1786\"></span>﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي الأصنام ومن بمنزلتها كما سبق وصفه ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ ممّن لا يملكون الوعي الصحيح أو لا يدققون في الأفكار التي تطرح عليهم ويقلدون غيرهم فيما لا يعقلون ولا يعلمون ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ من الناس فيما أنا عليه من اليقين والتوحيد المحض ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي في ديني واعتقادي ﴿وَمَنْ عَصانِي﴾ واستكبر مع وصول الدعوة إليه ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترحم الناس وتمهلهم وتمتّعهم في الدنيا ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتغفر لمن استحق المغفرة منهم، وتعاقب من استوجب لنفسه العقوبة،\n\n<span id=\"aya-1787\"></span>﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وهم إسماعيل وذريته الذين استقروا في مكة ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ واد صخري قاحل وهو وادي مكة، فإسكان ذريته هنالك لم يكن طلبا في مكاسب دنيوية مادية لأن الأرض لا توفر ذلك ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ الذي حرّم الله تعالى التعرض له والتهاون به ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وهو الغرض من ترك ذريته في هذا الموقع المبارك أي ليقيموا العبادة في","vol":"2","page":448},{"text":"البيت الحرام، هم ومن بعدهم، متبرّكين بتلك البقعة المباركة من الأرض ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ وهم المسلمون ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تميل إلى الحج في البيت الحرام، وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض المباركة فتكون لهم قاعدة روحية دينية ثقافية وتجارية، ويكون ذلك سببا في رزقهم ورزق أهل مكة ﴿وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أي بعض الثمرات التي ترد عليهم من تقاطر الوفود والحجاج ومن عمارة القرى حولهم وزراعتها، لكي يطمئنوا لرعاية الله لهم وتدبيره فيشكروا نعمه ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فيزدادوا عبادة وإخلاصا وعملا ودعوة إلى ديانة التوحيد.\n\n<span id=\"aya-1788\"></span>﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ من نوايا وأفكار ومشاعر وطموحات وحاجات، فلا يخفى عليك سبحانك شيء مهما حاولنا إخفاءه في قلوبنا، وإنما ندعوك ونبتهل إليك تضرعا وعبادة وخشوعا ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ فمن باب أولى أنه لا تخفى عليه حاجاتنا الخفية والظاهرة.\n\n<span id=\"aya-1789\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ أي مع كبر سنّي ويأسي أن يكون لي ولد ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ومالك أموري ومتوليها ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ يسمع دعاء عباده المخلصين، فيستجيب لهم بحسب مصالحهم.\n\n<span id=\"aya-1790\"></span>﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ (٤٠)\n٤٠ - بعد أن حمد الله تعالى على أن وهبه الذرية دعاه أن يكون وذريته مقيما للصلاة: ﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مواظبا عليها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ من للتبعيض أي اجعل بعضا من ذريتي مقيما للصلاة، لأن البعض الآخر من الذرية","vol":"2","page":449},{"text":"قد يكون كافرا أو مؤمنا لا يصلّي، فجاء من ذريته بنو إسماعيل الذين خرجت منهم قريش وبعث فيهم خاتم الأنبياء والرسل، ومن ذريته أيضا بنو إسرائيل من إسحاق الذين توهمت غالبيتهم أنهم الشعب المختار دائما وأبدا على مرّ الزمن مهما انغمسوا في الكفر والإجرام وانتكسوا إلى الوثنية، وهذا من سننه تعالى في خلقه ومن تكريمه بني آدم أن ترك لهم حرية الخيار في الحياة الدنيا ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ بجعلي وجعل بعض من ذريتي مقيمي الصلاة.\n\n<span id=\"aya-1791\"></span>﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي﴾ ما فرط من ذنوبي ﴿وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ وفي هذا الدعاء عبرة كي لا يعيش الإنسان في دائرة ذاتية قاصرة على نفسه، فلا يقتصر بالدعاء لنفسه فقط، بل يكون منفتحا على الآخرين فيدعو لوالديه وللمؤمنين من أمّته، فيحب لإخوانه ما يحب لنفسه.\n\n<span id=\"aya-1792\"></span>﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢)\n٤٢ - بعد أن طلب ابراهيم المغفرة من الله تعالى يوم يقوم الحساب تنبّه هذه الآية إلى يوم الحساب الذي تشخص فيه الأبصار: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ أي في حال رأيتهم يتمتّعون بالحياة الدنيا دون عقاب على ظلمهم فلا تظن أنهم ناجون ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ ﷾ ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ وهو يوم الحساب، والمعنى أنه تعالى يمهلهم في الحياة الدنيا لعلهم يثوبوا إلى رشدهم، ولأن حكمته تعالى اقتضت أن تكون للناس حرية الإرادة والاختيار في الحياة الدنيا بما يترتب على ذلك من مسؤولية، فإذا انقضى أجلهم وانقطعت فرصة توبتهم كان حسابهم يوم القيامة على خالقهم، يوم تشخص أبصارهم في حالة من الذهول والعجز والدهشة والحيرة أمام أهوال القيامة.\n\n<span id=\"aya-1793\"></span>﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي برغم شخوص أبصارهم وذهولهم فإنهم مهطعين، أي مسرعين نحو البلاء الذي ينتظرهم ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ رافعي رؤوسهم أمام","vol":"2","page":450},{"text":"الهول الكبير بخلاف المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه كي لا يراه ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي نظرهم، ما يفيد دوام الشخوص والذهول ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي قلوبهم خالية من من أي خواطر وأفكار ومن كل رجاء وأمل سوى ما استحقوه لأنفسهم من عذاب محتوم يشخصون إليه بأعينهم.\n\n<span id=\"aya-1794\"></span>﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ﴾ حتى لا يستمروا في الغفلة فيظنوا أنفسهم في مأمن ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ يوم القيامة ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر وبالمعصية وظلموا الآخرين بهضم حقوقهم ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ بعد معاينة أهوال القيامة يطلبون العودة إلى دار التكليف لإصلاح ما فاتهم ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ أي أن غفلتكم كانت بملء إرادتكم وتعمدتم التهرب من الحقيقة الواضحة التي جاء بها الرسل وزعمتم أن الدنيا نهاية المطاف ولا زوال عنها إلى حياة آخرة.\n\n<span id=\"aya-1795\"></span>﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي سكنتم في بيئتهم وبلادهم ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ بنتيجة تجاهلهم بعث الرسل وإنكارهم مكارم الأخلاق ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ لكي تفكروا وتعتبروا بغيركم.\n\n<span id=\"aya-1796\"></span>﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ بشركهم وافترائهم الكذب وفي سلوكهم ومكائدهم لمجابهة الحق ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ لا يغيب عنه تعالى شيء من مؤامراتهم وخططهم الخبيثة فهو لهم بالمرصاد ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ أي لشدة خبثهم ودهائهم.","vol":"2","page":451},{"text":"<span id=\"aya-1797\"></span>﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو اِنتِقامٍ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي في نصرة أنبيائه ورسالاتهم ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا غالب إلا هو ﴿ذُو اِنتِقامٍ﴾ ينتقم لأولياء الحق من أولياء الباطل.\n\n<span id=\"aya-1798\"></span>﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ أي يوم القيامة، في إشارة للتغير الكوني الرهيب عما اعتاد عليه البشر، وانكشاف حجب الغيب بما يفوق مقدرة الإنسان على التخيل ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي ظهروا ﴿لِلّهِ الْواحِدِ﴾ ليس له من شريك في ملكه ﴿الْقَهّارِ﴾ الغالب على أمره.\n\n<span id=\"aya-1799\"></span>﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ الأصفاد هي القيود، وكونهم مقرّنين في الأصفاد أي كل كافر يقرن في القيد مع أعماله الشريرة، وقيل يقرن الكافر مع شيطانه، وقيل تقرن الأيدي والأرجل إلى الرقاب بالقيود، وكل ذلك مجاز لما يلقاه المجرمون عقابا ليس لجرائمهم فقط، وإنما لما ترتب عليها أيضا من معاناة وسلبيات في حياة البلاد والعباد.\n\n<span id=\"aya-1800\"></span>﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ ثيابهم من مادة شديدة الاشتعال ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ يتصاعد لهيبها ليغطي وجوههم، وهو تصوير غيبي، بما يعرفه الإنسان من المحسوس، للعقاب الرهيب الذي ينتظر المجرمين.\n\n<span id=\"aya-1801\"></span>﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ لأن العقاب ليس كيفيا ولا اعتباطا وإنما بما كسبته كل نفس بما عملت من خير أو شر ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ الله تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه،","vol":"2","page":452},{"text":"<span id=\"aya-1802\"></span>﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿هذا﴾ القرآن ﴿بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ فلا يكون هنالك جهل ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ لكي تكون عواقب الأمور من خير وشر واضحة لهم ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فلا يغترّوا بشركاء موهومين ولا بالزعماء والرؤساء والأولياء ﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ البلاغ ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي ذوو العقول السليمة والتفكير المستقل المتحرر من التقليد، ليتذكّروا الإعراض عن الباطل والإقبال على الخير والصلاح والإصلاح.\n***","vol":"2","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1870>سورة الحجر - ١٥ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-1871>مقدّمة</span>\nنزلت سورة الحجر في أثناء السنة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة قبل هجرته إلى المدينة، واشتق اسمها من الإشارة إلى أصحاب الحجر بالآية (٨٠)، وليس معنى ذلك أن أصحاب الحجر موضوعها الرئيسي بل فقط هي السورة التي يذكر فيها أصحاب الحجر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1872>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة إبراهيم المتقدمة بقوله تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٥٢/ ١٤)، وتفتتح سورة الحجر بقوله تعالى مبينا ماهية البلاغ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١/ ١٥)،\nوفي سورة إبراهيم أن الله تعالى يمهل ولا يهمل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ (٤٢/ ١٤)، ثم في سورة الحجر أن لكل أمة أجل: ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٥/ ١٥)،\nوفي سورة إبراهيم أن الشيطان لم يكن له من سلطان على الناس: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (٢٢/ ١٤)، وفي سورة الحجر قوله تعالى مخاطبا إبليس: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢/ ١٥)،","vol":"2","page":454},{"text":"وفي سورة إبراهيم حمده لله أن وهبه على الكبر إسماعيل وإسحاق: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٩/ ١٤)، وفي سور الحجر بشارة الملائكة له بإسحاق: ﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٥٤/ ١٥)،\n\n<span data-type='title' id=toc-1873>محور السورة</span>\nإنّ الله تعالى لا يترك المجتمعات البشرية تائهة بلا بعث الرسل إليها: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (٤)، حتى اكتملت الرسالات السماوية بنزول القرآن الكريم للعالمين: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٩)، ولكن المصريّن على الكفر لا يستفيدون من الهدي الإلهي حتى لو فتحت لهم حجب الغيب: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٤ - ١٥)،\nوإن وساوس الشيطان تمكّن الإنسان من ممارسة الخيار الأخلاقي بين الخير والشر، والإيمان والكفر، بلا إكراه: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢)، سوى أنّ عقاب الغاوين قد ينزل بهم في الدنيا قبل الآخرة: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ (٧٢ - ٧٣)، ما يدل أنّ خلق السماوات والأرض ليس عبثا: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٨٥)، ما هو واضح في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧)، لكنّ جهود الجاهدين في تعضية القرآن الكريم تذهب بهم بعيدا في الضلال: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩١ - ٩٣)،\nوتضرب السورة مثلا جانبا من قصص إبراهيم ولوط، وقوم شعيب أصحاب الأيكة، وقوم ثمود أصحاب الحجر، وبعض العبر المترتبة منها.","vol":"2","page":455},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1803\"></span>﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١)\n١ - هذه آخر السور الستة: (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر) في الترتيب القرآني التي تفتتح بالحروف المقطعة: ﴿الر﴾ وهي في سورة الرعد بزيادة حرف الميم ﴿المر﴾، الله أعلم بمراده، أنظر شرح آية [البقرة ١/ ٢]، وشرح آية [يونس ١/ ١٠]،\n﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ أي الوحي الذي نزل على خاتم الأنبياء والرسل بختم الرسالات ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ أي وهو قرآن مبين، وكونه مبينا لأنه المعيار الواضح لبيان الحق من الباطل ما يجعل الكفار يودّون لو كانوا مسلمين كما سيرد في الآية التالية،\n\n<span id=\"aya-1804\"></span>﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ بعض المصرّين على الكفر يودّون في قرارة نفوسهم لو كانوا مسلمين، لأنهم يدركون تمام الإدراك أصالة القرآن وبيانه الحق من الباطل بالآية السابقة -، وإنما يمنعهم من ذلك القيود الاجتماعية التي تكبّلهم، كما يمنعهم الخوف من فوات الزعامات والمراكز الاجتماعية والامتيازات التي يتمتعون بها، كما يمنعهم الاستكبار، ويحتمل المعنى أيضا أن لا بد من مجيء زمن على المصرّين على الكفر يندمون فيه ويودّون لو كانوا مسلمين في ما سبق من حياتهم الدنيوية، وقد يكون ذلك عند الموت أو قبله أو يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-1805\"></span>﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ على الداعي، بعد إنذارهم وإصرارهم على الجحود، أن يتركهم لحرية خيارهم لأنّ إصرارهم على الكفر يجعل الاستمرار في دعوتهم عديم الجدوى ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الكاذب ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة خيارهم وسوء صنيعهم عندما يحين الوقت.","vol":"2","page":456},{"text":"<span id=\"aya-1806\"></span>﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي مجتمع ﴿إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ لأن الله تعالى لا يهلك المجتمعات قبل إنذارها، ثم يمهلها لعلها تتوب وتثوب إلى رشدها،\n\n<span id=\"aya-1807\"></span>﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ كما هي الحال في الدول والحضارات حيث تمر بمراحل الصعود ثم الانحطاط حتى إذا أمعنت في الضلال فقدت مبررات وجودها،\n\n<span id=\"aya-1808\"></span>﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَقالُوا﴾ المشار إليهم بالآية ٣ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ المغزى أنهم مقرّون في نفوسهم أن القرآن ذكر يذكّرهم بالميثاق الفطري، ولكنهم جاحدون مكابرون يتهمون النبي بالجنون: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وقد يكون معنى الاتهام أيضا: إنك لمجنون إذ تدّعي نزول الذكر عليك، وهذا الاتهام وإن كان موجها من المشركين إلى النبي في عصره إلا أنه يتكرر منهم في كل العصور إلى يومنا هذا،\n\n<span id=\"aya-1809\"></span>﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهو طلب فيه من السخرية كما فيه من الإحجام عن تحكيم العقل في فحوى الرسالة.\n\n<span id=\"aya-1810\"></span>﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ لأن نزولها يسبق القيامة، انظر آية (الفرقان ٢٥/ ٢٥)، ﴿وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ فلا تفيدهم التوبة وقتئذ عند انكشاف حجب الغيب.\n\n<span id=\"aya-1811\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ مفرّقا على مدى ٢٣ عاما من البعثة النبوية وما في ذلك من الإعجاز ما يفحم كل مكابر ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من التغيير والتبديل","vol":"2","page":457},{"text":"والحذف والإضافة، على العكس مما حدث للكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، وهذه الآية جواب على اتهامهم النبي بالجنون لتنزّل الذكر عليه (الآية ٦)،\n\n<span id=\"aya-1812\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ لكل أمة رسولها، فما وجه الغرابة في بعث خاتم الأنبياء والرسل إلى الناس قاطبة؟\n\n<span id=\"aya-1813\"></span>﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ كما استهزأ كفار قريش ببعثة النبي الأحمد، وكما يستهزيء بها الكفار في كل عصر.\n\n<span id=\"aya-1814\"></span>﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أي الاستهزاء ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالنظر لسوء جبلّتهم وإصرارهم على الضلال وتشنّج عقولهم، فلا يفيدهم العقل السليم،\n\n<span id=\"aya-1815\"></span>﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالرسول أو بالقرآن ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ في أن الله تعالى يهلك المكذّبين، الآية (٥).\n\n<span id=\"aya-1816\"></span>﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ على هؤلاء المعاندين المكابرين ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ لو أتيحت لهم فرصة الصعود إلى السماء وانكشاف بعض حجب الغيب لهم،\n\n<span id=\"aya-1817\"></span>﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا﴾ لشدة عنادهم ومكابرتهم يظنّون انقطاع الرؤية السليمة عن أعينهم، وسكر البصر كالسكر الذي يسد مجرى الماء، أو السكر الناتج عن الثمالة ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ويظنون السحر","vol":"2","page":458},{"text":"بأنفسهم لاختلاط الأمور عليهم وعدم تفريقهم بين حقيقة الوحي وبين الوهم والسحر، والنتيجة أنه لتشبث عقولهم بما هي عليه من الضلال لا ينفعهم شيء حتى لو انكشفت حجب الغيب لهم، لذا تشير الآيات التالية إلى بعض معجزات الكون كبرهان من براهين وجود الخالق ومقدرته، ما يجب التفكر بها، ما هم عنها عمون.\n\n<span id=\"aya-1818\"></span>﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ وفي ذلك من الإعجاز الهائل والآيات ما هو أكثر من كاف لغير المكابرين المجرمين المشار إليهم بالآية (١٢)،\n\n<span id=\"aya-1819\"></span>﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ شياطين الإنس والجن الذين يحاولون الرجم بالغيب عن طريق التنجيم ما يحرمه الإسلام قطعيا،\n\n<span id=\"aya-1820\"></span>﴿إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ بمعنى أن كل محاولة شيطانية للرجم بالغيب ومعرفة المستقبل بطرق ملتوية تعود على صاحبها بأسوأ العواقب.\n\n<span id=\"aya-1821\"></span>﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ما فيه مزيد من دلائل القدرة الإلهية في خلق متجدد وبيئة طبيعية متوازنة يخل بها الإنسان في تخريبه المستمر لها باسم الحضارة، انظر سورة التكاثر،\n\n<span id=\"aya-1822\"></span>﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ جميع الحيوانات والنباتات ما لا يرزقها الإنسان وإنما يرزقها الله وحده، في دليل قاطع أن جميع المخلوقات بمن فيها الإنسان نفسه معتمدة على الرزق الإلهي فقط دون غيره،","vol":"2","page":459},{"text":"<span id=\"aya-1823\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الرزق ﴿إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ بحسب الحكمة والمصلحة وللوظيفة التي خلقت لأجلها،\n\n<span id=\"aya-1824\"></span>﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ للنبات وللسحاب ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ لأنه في حالة استمرار القحط لا تنفع كل وسائل التخزين البشرية.\n\n<span id=\"aya-1825\"></span>﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ فكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.\n\n<span id=\"aya-1826\"></span>﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ وعند الله وحده علم أحوال ما سبق خلقه من البشر أو من مات منهم ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ وأحوال من سيخلق ويموت، فلا يخفى عليه شيء من أحوالهم.\n\n<span id=\"aya-1827\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للحساب جميعا المستقدمين منهم والمستأخرين ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ لأن الحكمة تقتضي وجوب الحشر والحساب ﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمالهم،\n\n<span id=\"aya-1828\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي من الطين الأسود المنتن المتغير على مر السنين، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة ٢٥٩/ ٢]، وذلك جانب آخر من جوانب الإعجاز العديدة في الخلق التي بدأت الإشارة إليها في الآية (١٦)﴾،","vol":"2","page":460},{"text":"<span id=\"aya-1829\"></span>﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل آدم ﴿مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ من غير المادة الجسمية، وسمي الجان لاختفائه عن الأعين، ومن كان كافرا منهم سمي شيطانا، انظر آية [الجن ١٤/ ٧٢ - ١٥]،\n\n<span id=\"aya-1830\"></span>﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٨)\n٢٨ - بعد بيان بعض معجزات الكون الآيات (١٦ - ٢٧)، ينتقل الخطاب لبيان مغزى الخليقة: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ سبق أن وردت هذه القصة الرمزية في سورتي [البقرة ٣٤/ ٢ - ٣٦] و[الأعراف ١١/ ٧ - ١٨]، وهي تتكرر في القرآن الكريم بمجمله سبع مرات في سور (البقرة - الأعراف - الحجر - الإسراء - الكهف - طه - ص) من زوايا وعبر متنوعة،\n\n<span id=\"aya-1831\"></span>﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ﴾ لما خلقته له ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وأحييته، قال الزمخشري: ليس ثمة نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل للإحياء، وقال الألوسي: ليس هناك نفخ حقيقة، وقد يكنّى بالسبب عن الفعل المستفاد الذي يحصل منه على سبيل المجاز ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ لما كرّمته عليكم بأن علّمته الأسماء كلها،\n\n<span id=\"aya-1832\"></span>\n\n<span id=\"aya-1833\"></span>\n\n<span id=\"aya-1834\"></span>\n\n<span id=\"aya-1835\"></span>\n\n<span id=\"aya-1836\"></span>\n\n<span id=\"aya-1837\"></span>\n\n<span id=\"aya-1838\"></span>\n\n<span id=\"aya-1839\"></span>\n\n<span id=\"aya-1840\"></span>﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣١) * قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣٢) * قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾\n٣٠ - ٣٨ - المقصود من هذه القصة الرمزية أن معصية الشيطان تؤدي وظيفة معينة في الخطة الإلهية وأن إنظاره إلى يوم الدين لأن وساوس الشيطان هي التي تمكن الإنسان من ممارسة الخيار الأخلاقي.","vol":"2","page":461},{"text":"<span id=\"aya-1841\"></span>\n\n<span id=\"aya-1842\"></span>\n\n<span id=\"aya-1843\"></span>\n\n<span id=\"aya-1844\"></span>﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) * قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (٤٢)\n٣٩ - ٤٢ - المعنى أن وقوع إبليس في الغواية كان باختياره، كما أنه لا يملك للناس سوى وساوس الشر لقوله ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤]، وهو سبب وقوع المجرمين في الغواية، الآيات (٢ - ١٥)،\n\n<span id=\"aya-1845\"></span>﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وهي النتيجة الطبيعية لمن يقع في الغواية بمحض اختياره،\n\n<span id=\"aya-1846\"></span>﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ فيكون عذاب المجرمين في جهنم بحسب مستوى جرائمهم.\n\n<span id=\"aya-1847\"></span>\n\n<span id=\"aya-1848\"></span>﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) * اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾\n٤٥ - ٤٦ - هم المشار إليهم بالآية: ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤٠)، لم يستجيبوا لوساوس الشيطان ولم يقعوا في الغواية،\n\n<span id=\"aya-1849\"></span>﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ لأنّ الغلّ وهو الحقد الكامن في القلب يتغلغل في صدر صاحبه فيعكّر عليه صفوه ومعيشته ﴿إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ لا يعكّر صفوهم النفسي شيء،\n\n<span id=\"aya-1850\"></span>﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ﴾ تعب جسمي ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ بعد أن نفت الآية السابقة عن المتقين ما يعكّر عليهم صفوهم النفسي من الغلّ تنفي هذه الآية عنهم المضار المادية،","vol":"2","page":462},{"text":"<span id=\"aya-1851\"></span>\n\n<span id=\"aya-1852\"></span>﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾\n٤٩ - ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ذكر الرازي من لطائف الآية أنه تعالى لمّا ذكر المغفرة والرحمة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها قوله ﴿أَنِّي﴾ وثانيها قوله ﴿أَنَا﴾ وثالثها إدخال الألف واللام على قوله ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ثم لم يذكر ذلك في العذاب، الآية التالية: ﴿وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ للمصرّين على الضلال،\n\n<span id=\"aya-1853\"></span>﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ وردت هذه القصة بمزيد من التفصيل في سورة هود بالآيات (٦٩ - ٨٣) ومناسبتها مع ما قبلها أن الآيتين السابقتين تؤكدان على مغفرته تعالى من جهة وعذابه من جهة، ثمّ في قصة إبراهيم قوله:\n﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ (٥٦) في إشارة للآية (٤٩)، ثم وصف العذاب الذي لحق بقوم لوط في إشارة للآية (٥٠)،\n\n<span id=\"aya-1854\"></span>﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي الملائكة جاؤوه في صورة بشر ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أي قولا سلاما ﴿قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي خائفون، قالها لامتناعهم عن الأكل كما ورد في سورة هود الآية (٧٠)، ولأن الضيف إذا أكل عند مضيفه امتنع إيذاؤه،\n\n<span id=\"aya-1855\"></span>﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تخف ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وهو إسحق، وعليم لكونه نبيا،\n\n<span id=\"aya-1856\"></span>﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ لأنه بلغ من العمر ما يزيد عن مائة عام ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فبأي أعجوبة تبشّروني؟ ما يفيد دهشته من البشارة،","vol":"2","page":463},{"text":"<span id=\"aya-1857\"></span>﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ﴾ بما سيكون لا محالة ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ فلا تقطع الرجاء،\n\n<span id=\"aya-1858\"></span>﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ لأن القنوط من رحمته تعالى لا يحصل إلا عند الضلال، وفي الحديث أن اليأس من روح الله تعالى من الكبائر، ذكره الألوسي،\n\n<span id=\"aya-1859\"></span>﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ وأي شيء آخر جئتم لأجله سوى البشارة؟ لأنهم كانوا جمعا من الملائكة بصورة بشر،\n\n<span id=\"aya-1860\"></span>﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ وهم قوم لوط، انظر آيات [هود ٧٧ - ٨٣]،\n\n<span id=\"aya-1861\"></span>﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ﴾ أهل بيته ﴿إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بلا استثناء إلا امرأته،\n\n<span id=\"aya-1862\"></span>﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ﴾ من أهل بيته ﴿قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ المهلكين لإصرارها على الضلال، وقد أسند الملائكة التقدير إلى أنفسهم مع إنّه من فعل الله تعالى بما يفيد علمه المسبق بما هو كائن وما سيكون من سلوك العباد وخيارهم،\n\n<span id=\"aya-1863\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ وصول الملائكة إلى أهل بيته،","vol":"2","page":464},{"text":"<span id=\"aya-1864\"></span>﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ تعبيرا عن خشيته من شذوذ قومه تجاههم وخوفه ألاّ يستطيع حمايتهم، أنظر سورة هود الآية (٧٧)،\n\n<span id=\"aya-1865\"></span>﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ لأنهم كانوا يشككون بالقضاء الذي هو نتيجة حتمية للإجرام المتعمّد، وتلك هي العبرة من تكرار قصة لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر في هذه السورة، ويلاحظ أن هؤلاء الأقوام الثلاثة استوطنوا المناطق على الطريق بين الحجاز والشام بحيث يرى آثارهم كفار قريش في غدوّهم ورواحهم ما يوجب الاعتبار بهم، الآية (٧٥)،\n\n<span id=\"aya-1866\"></span>﴿وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ﴾ بتحقق وقوع عذاب الاستئصال بهم لا محالة ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ فيما نقول،\n\n<span id=\"aya-1867\"></span>﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ﴾ اتّبع آثار بناتك وأهلك بحيث تكون آخر من يمشي وراءهم ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ الالتفات مجاز، والمعنى اقطعوا كل صلة لكم بالقوم ﴿وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ حيث تكون نجاتكم،\n\n<span id=\"aya-1868\"></span>﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ﴾ إلى لوط ﴿ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ الدابر الآخر، والمعنى استئصالهم عن آخرهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ فيكون ذلك وقت دخول الصبح، وهو سبب الأمر أن يغادروا بقطع من الليل،","vol":"2","page":465},{"text":"<span id=\"aya-1869\"></span>﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يبغون فعل الفاحشة في الضيوف حسب ظنهم،\n\n<span id=\"aya-1870\"></span>﴿قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ بأن تتعرضوا لهم بسوء،\n\n<span id=\"aya-1871\"></span>﴿وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ في عملكم ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ فتسببوا لي الذل والهوان،\n\n<span id=\"aya-1872\"></span>﴿قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي عن إجارة أحد منهم، لأنهم كانوا يتعرضون لكل أحد من الغرباء بسوء،\n\n<span id=\"aya-1873\"></span>﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿قالَ هؤُلاءِ بَناتِي﴾ يعني نساء القوم لأنهم بناته مجازا، أو بناته حقيقة، وفي الخطاب محذوف تقديره فتزوجوهنّ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ إن كنتم مصرّين على قضاء الشهوة فلتكن في الحلال،\n\n<span id=\"aya-1874\"></span>﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿لَعَمْرُكَ﴾ قيل الخطاب من الملائكة إلى لوط، وقيل بل الخطاب للنبي ﵇ ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي في غوايتهم وشدة غلمتهم التي أزالت عقولهم يتخبطون في العمه وهو عمى البصيرة، فأنّى يسمعون النصح؟\n\n<span id=\"aya-1875\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قد يكون أنها صوت الزلازل البركانية التي قلبت بلادهم عاليها سافلها كما سيرد في الآية التالية ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس،","vol":"2","page":466},{"text":"<span id=\"aya-1876\"></span>﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ السجّيل من السجل وهو الكتاب، أي ما كتبه تعالى عليهم من الأزل لعلمه المسبق بسوء صنيعهم وسوء جبلّتهم،\n\n<span id=\"aya-1877\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي للمعتبرين الذين يعملون عقولهم في ظواهر الأمور فيعلموا بواطنها وحقيقتها،\n\n<span id=\"aya-1878\"></span>﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ على الطريق بين الحجاز وبلاد الشام إلى الشرق من البحر الميت لا تزال آثاره باقية مقيمة إلى اليوم،\n\n<span id=\"aya-1879\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله تعالى ورسله، تكفيهم آية من الآيات،\n\n<span id=\"aya-1880\"></span>﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ هم قوم شعيب، والأيكة الغيضة كثيفة الشجر وهي أرض مدين، انظر [الأعراف ٨٥/ ٧ - ٩٣]، ﴿لَظالِمِينَ﴾ بكفرهم وشركهم وسوء صنيعهم،\n\n<span id=\"aya-1881\"></span>﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ على الطريق إلى بلاد الشام إلى الشرق من خليج العقبة والبحر الميت،\n\n<span id=\"aya-1882\"></span>﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾","vol":"2","page":467},{"text":"٨٠ - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ﴾ يعني ثمود وهم الأنباط، والحجر بين الحجاز والشام، انظر شرح آية [الأعراف ٧٤/ ٧]، ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ كذّبوا رسولهم صالح فكانوا كمن كذّب الأنبياء جميعا،\n\n<span id=\"aya-1883\"></span>﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا﴾ كآية الناقة ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ فلم ينظروا فيها ولم يستدلّوا بها لتشنّج عقولهم على التقليد،\n\n<span id=\"aya-1884\"></span>﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ آمنين من نزول العذاب بهم، معتمدين على حولهم وقوتهم متحصنين في بيوتهم المنحوتة في الجبال،\n\n<span id=\"aya-1885\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ فأهلكتهم في وضح النهار،\n\n<span id=\"aya-1886\"></span>﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من القوة والثروة والتجبّر،\n\n<span id=\"aya-1887\"></span>﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - نتيجة السورة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ بمغزى وهدف معين بلا عبث ﴿وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ فيتم فيها الحساب وتتحقق العدالة على أكمل وجه ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ عن الكفار في هذه الدنيا لأنها دار مرور واختبار وليست دار قرار، وفي ذلك تأكيد للآية (٣)﴾، في إشارة للمذكورين بالآيات (٢ - ١٥)، فيلاقوا سوء عاقبتهم إن في الدنيا كما حدث لقوم لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر، أو في الآخرة،","vol":"2","page":468},{"text":"<span id=\"aya-1888\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ﴾ خالق العباد جميعا مؤمنهم وكافرهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ عليم بأحوالهم ودوافعهم، فيمهلهم حتى يتوبوا أو ينزل بهم البلاء،\n\n<span id=\"aya-1889\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - وخلافا لما زعموا من جنون النبي ﷺ بالآية (٦)، فقد آتاه الله القرآن العظيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أيها النبي ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي﴾ وفي ذلك إشارة لموضوع الآيتين (١) و(٩)، وقالوا أن السبع المثاني هي سورة الفاتحة لكونها \"أم الكتاب\" وجوهره، وهي سبعة آيات بما فيها البسملة، يثنّى بعدها ما يقرأ في الصلاة ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطف العام على الخاص، وفيه دلالة على امتياز الخاص،\n\n<span id=\"aya-1890\"></span>﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ولأنّ الذي آتيناك من السبع المثاني والقرآن العظيم يفوق متاع الدنيا فلذلك: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ﴾ من الكفار والمترفين، فما ذلك إلاّ متاع الدنيا لنفتنهم فيه ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لجحودهم وإصرارهم على الكفر ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كناية عن الرفق واللين والتواضع لهم،\n\n<span id=\"aya-1891\"></span>﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿وَقُلْ﴾ للناس كافة ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ المذكور في كتب اليهود والنصارى، وهو سبب استخدام أل التعريف،\n\n<span id=\"aya-1892\"></span>\n\n<span id=\"aya-1893\"></span>﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾\n٩٠ - ٩١ - ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ عطف على الآية (٨٧)، والمعنى:\nآتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على المقتسمين، وقيل إنهم","vol":"2","page":469},{"text":"اليهود والنصارى نزل عليهم التوراة والإنجيل فآمنوا بالقسم القليل منهما وشوّهوا الباقي بحسب هواهم، ثم لمّا نزل القرآن عموا عنه وحاولوا تمزيق معانيه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ التعضية: التفرقة والتجزئة، وفي الحديث:\n\"لا تعضية في ميراث إلاّ فيما احتمل القسمة\"، و﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أيضا يأخذون من القرآن ما يناسب آراءهم ويتركون ما يناقض أهواءهم، فبذلك يقطّعون القرآن الكريم إربا، عمدا أو سهوا، بسبب نظرتهم الجزئية إليه آية آية، فتضيع عليهم معانيه لافتقادهم النظرة الشمولية التي بدونها يعجزون عن فهم القرآن، وفي ذلك أيضا إشارة إلى الذين يتعمّدون تعضيته من المستشرقين والمغرضين لقوله تعالى في الآية (١٢): ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾،\n\n<span id=\"aya-1894\"></span>﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ جميع هذه الأصناف من المقتسمين المذكورة آنفا، سوف يكونون في موقع المسؤولية،\n\n<span id=\"aya-1895\"></span>﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنهم في موقع المسؤولية بعد أن بلغتهم الرسالة،\n\n<span id=\"aya-1896\"></span>﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أظهره جهارا أيها النبي، وأيها المسلم ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تلتفت لما يقولون، ونظيره قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥/ ٥]،\n\n<span id=\"aya-1897\"></span>﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك أو بهذه الرسالة فلا يضروك شيئا، وهم المشار إليهم بالآية (١١)،\n\n<span id=\"aya-1898\"></span>﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾","vol":"2","page":470},{"text":"٩٦ - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ وهم كفار قريش والمشركون في كل العصور ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة عملهم، أو سوف يعلمون الحقيقة في نهاية المطاف،\n\n<span id=\"aya-1899\"></span>﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ضيق الصدر عكس الشرح، والعرب تسمي الغمّ والهمّ ضيق صدر، والمعنى أن النبي ﵇، والمسلم عامة، يضيق صدره بما يقول الكفار، وعلاج ذلك مبيّن بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1900\"></span>﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ اللجوء للتسبيح والحمد والصلاة لنفي ضيق الصدر،\n\n<span id=\"aya-1901\"></span>﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قالوا إنّ اليقين هو الموت لتيقن وقوعه، والمعنى داوم على العبادة ما دمت حيّا،\n***","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1959>سورة النحل - ١٦ - مكية</span>\nنزلت في مكة خلال الشهور الأخيرة التي سبقت هجرته إلى المدينة، وقيل إن الآيات الثلاث الأخيرة منها نزلت في المدينة، واشتق اسم السورة من الإشارة في الآية (٦٨) إلى واحدة من عجائب الخلق وهي النحل،\n\n<span data-type='title' id=toc-1960>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة الحجر المتقدمة بقوله تعالى: ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [٩٩/ ١٥]، ثم افتتحت سورة النحل بقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [١/ ١٦]، وتفصيله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٢٨/ ١٦]، ثم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٣٢/ ١٦]، وقوله تعالى:\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [٣٣/ ١٦]،\nوفي سورة الحجر نزول القرآن الكريم بختم الرسالات: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [٩/ ١٥]، وتفصيله قوله تعالى في سورة النحل:\n﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٤٤/ ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [٦٤/ ١٦]،\nوفي سورة الحجر بعث الرسل في الأمم السابقة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ [١٠/ ١٥]، وتفصيله قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي﴾","vol":"2","page":472},{"text":"﴿كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [٣٦/ ١٦]، وقوله تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [٦٣/ ١٦]،\nوفي سورة الحجر: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [٨٥/ ١٥]، ثم في سورة النحل:\n﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [٣/ ١٦]،\nوفي سورة الحجر قوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [٦/ ١٥]، وتفصيله في سورة النحل: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [٤/ ١٦]،\nوفي سورة الحجر الأمر بترك المشركين إن هم أصرّوا على الكفر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [٣/ ١٥]، وفي سورة النحل أن لو شاء الله لهداهم أجمعين: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [٣٧/ ١٦]،\n\n<span data-type='title' id=toc-1961>محور السورة</span>\nإن الله تعالى بيّن للناس طريق الهداية من الضلال وكرّمهم بالخيار: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩)، ثم كان استكبار الكفار سببا في إنكارهم الآخرة: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢)، إذ لم يعتبروا بمصير أمثالهم من سابقيهم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)، وأن ذلك من موجبات البعث: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (٣٩)، وأن كل ابن آدم خطّاء لكن الله تعالى يعطي","vol":"2","page":473},{"text":"الناس فرص التوبة، فوجب اغتنامها قبل الفوات: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦١)،\nوتدحض السورة عقيدة المثنوية: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١)، وتبيّن أن بعث الرسل قد تتالى في الأمم البائدة: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣)، ثم لزم الأمر نزول القرآن الكريم لحسم الخلاف بين الناس: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦٤)، سوى أنه لا سبيل لهدي المصرّين على الكفر: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣)، وأنّ من مقاصد الدين العمل بمكارم الأخلاق: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠)، وأنّ الله تعالى كرّم الناس بحرية الخيار ما يوجب تحملّهم المسؤولية:\n﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)،\nوأن رسالة الإسلام نسخت الرسالات السابقة: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)، وأن المسلمين على ملة إبراهيم الحنيف: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣)، وبعد نسخ الرسالات السابقة وجبت الدعوة للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بأحسن الأساليب: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥).","vol":"2","page":474},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-1902\"></span>﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)\n١ - ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ المراد به يوم القيامة، واستخدام الفعل الماضي لتأكيد تحققه لا محالة فكأنه وقع، وقد يكون المراد به العذاب المشار إليه بالآية (٢٦) المترتّب على تفسخ المجتمعات الجاحدة وفسادها وانهيارها ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لأن الكفار والمشكّكين في موقع التحدّي والسخرية، وقت البعثة، وفي كل عصر، لأنه بنزول العذاب تنتهي فترة اختبار الإنسان ويصبح الإيمان إلجاء فيخلو من أي خيار أخلاقي، فالاستعجال إذن من شأن الجاهلين والحمقى،\nومع ذلك فالكفار مصرّون على الشرك: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والشرك هنا بمعنى التهالك على الدنيا والمادة وطلب الجاه والزعامات وتكديس المال والثروات واعتبارها هدفا نهائيا بذاتها، وأيضا إعجاب ذي الرأي برأيه، فأمثال هؤلاء المشركين منكرون للآخرة والمسؤولية والحساب، عابدون لشهواتهم ودنياهم وأهواءهم.\n\n<span id=\"aya-1903\"></span>﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٢)\n٢ - المشركون المشار إليهم آنفا حريصون على دنياهم، غافلون عن الوحي الذي نزل على الرسل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ الروح هو الوحي لأنه يحيي النفوس التي ماتت بالشرك والجهل والتهالك على الدنيا والغفلة ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ في الوحي، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، لأن الوحي لا يتنزّل بكل أمور الغيب، وإنما فقط بما يحتاجه العباد لدنياهم وآخرتهم ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ فالله أعلم حيث يجعل رسالته ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ الرسل جميعا جاؤوا برسالة التوحيد ما يوجب التقوى من الشرك: ﴿فَاتَّقُونِ﴾،","vol":"2","page":475},{"text":"<span id=\"aya-1904\"></span>﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ على النقيض مما يظن المشركون العابثون فإنّ الخلق تمّ بالحق، أي هو ذو معنى ومغزى، وليس من صدفة في شيء ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ به تعالى من دنياهم، من أوهام، ومن شركاء ووسطاء وشفعاء وهميين لا يقدرون على شيء،\n\n<span id=\"aya-1905\"></span>﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٤)\n٤ - ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ الذي كرّمه تعالى على سائر المخلوقات بالفكر المجرّد فعلّمه الأسماء كلها، وكرّمه بالحرية الفكرية [السجدة ١٣/ ٣٢]، الآية (٩)، وسخّر له من مخلوقاته، الآيات (١٨/ ٥)، وأرشده إلى الطريق القويم، الآية (٩)،\n﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ من بداية وضيعة بسيطة جدا ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ من بداية النطفة المتواضعة إلى مخلوق قادر على المنطق والمحاجّة، ممّا قد يرتفع به فكريا إلى أعلا علّيين، أو يهبط به أسفل سافلين دون أن يفقه شيئا من مغزى الخلق فيتحدّى ويستعجل العذاب، الآية (١)، وفي الانتقال من البداية البسيطة المتواضعة إلى تمام الخلق من الإعجاز ما فيه، ما يدحض شرك المشركين وحجج المخاصمين،\n\n<span id=\"aya-1906\"></span>﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَالْأَنْعامَ﴾ وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، انظر آيتي [الأنعام ١٤٣/ ٦ - ١٤٤]، ﴿خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ من وبرها وصوفها كما هو مفصّل في الآية (٨٠)، ﴿وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ وما في ذلك مزيد من دلائل الإعجاز من جهة، وتكريم الإنسان بتسخير المخلوقات له من جهة ثانية، وأكثر الناس غافلون عن ذلك،\n\n<span id=\"aya-1907\"></span>﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ﴾ للتأمل والتفكّر ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ في المساء ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ بها نهارا للرعي،","vol":"2","page":476},{"text":"<span id=\"aya-1908\"></span>﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ﴾ فضلا عن أن تحملكم على ظهورها، كما في الإبل ﴿إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ تصلون إليه بكل جهد ومشقة ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ وذلك من جملة نعمه عليكم،\n\n<span id=\"aya-1909\"></span>﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ﴾ خلقها بالإضافة للأنعام المشار إليها بالآية (٥)، ﴿لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ ليس فقط لمنافعها في المواصلات، بل للزينة كما في الخيل ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من وسائل المواصلات في المستقبل، وهو ما نعرفه اليوم من مركبات وطائرات وسفن وغيرها، وهذا التطور في تقدم وسائل المواصلات ينطبق على كل زمن في الماضي والحاضر والمستقبل، وقد نسب تعالى خلقها إلى ذاته العلية، لأنه هو الذي أودع في الإنسان المقدرة على التفكير والإبداع والاختراع،\n\n<span id=\"aya-1910\"></span>﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩)\n٩ - بعد أن ذكر تعالى أنّ خلق السماوات والأرض ذو مغزى، الآية (٣)، وأنه خلق الإنسان وكرّمه بمنحه المنطق والمحاجّة، الآية (٤)، وسخّر له المخلوقات، الآيات (٥ - ٨)، تضيف هذه الآية أن الله تعالى لم يترك الإنسان يتخبط على غير هدى، وهو القصد من الوحي المشار إليه بالآية (٢):\n﴿وَعَلَى اللهِ﴾ وحده ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ لبيان الطريق المستقيم منها ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ ومن هذه الطرق ما هو منحرف عن الطريق الحق، فالله تعالى ترك للناس حرية اتباع المستقيم منها من الجائر ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قسرا، دونما حرية من جهتكم، لولا أنّ مغزى الخلق مرتبط بالمسؤولية الأخلاقية وبحرية الخيار الأخلاقي للإنسان المشار إليه بالآية (٤)﴾، والغافلون عن النعم والإعجاز في الخلق لا يهتدون،","vol":"2","page":477},{"text":"<span id=\"aya-1911\"></span>﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ﴾ من الماء شراب ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ ومنه ينبت الشجر ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ترعون فيه مواشيكم،\n\n<span id=\"aya-1912\"></span>﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١١)\n١١ - وينبت به الزرع: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لمجرّد نزول المطر من السماء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتفكّرون في هذا الإعجاز العجيب الذي يراه البعض نوعا من المسلّمات العادية ويغفلون عن عظمته،\n\n<span id=\"aya-1913\"></span>﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ سخّرها لمعيشة الإنسان ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ﴾ وباقي النجوم مسخّرات بأمره تعالى، لحكمة يعلمها وحده ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الذين يستفيدون من طاقاتهم العقلية على النحو السوي،\n\n<span id=\"aya-1914\"></span>﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نشر لكم فيها من المخلوقات الجماد، وغير الجماد ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ﴾ ألوان الطيف المختلفة الرائعة المنعكسة منه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ الذين يذّكرون قدرته تعالى على الخلق بلا حدود، ويذّكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليهم،\n\n<span id=\"aya-1915\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ فضلا عمّا سخّر لكم على اليابسة المشار إليها آنفا ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾","vol":"2","page":478},{"text":"﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ دليلا على ما أودعه تعالى في الإنسان من المقدرة على الاختراع والتقانة ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتسهيل معاشكم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم، قولا وعملا،\n\n<span id=\"aya-1916\"></span>﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ وهي الجبال ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لئلا تميد الأرض بكم، أي لئلا تهتز وتضطرب، والمقصود أنّ الجبال تساهم في توازن القشرة الأرضية، فهي متوازنة على اللافا المنصهرة في باطن الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبالَ أَوْتادًا﴾ [النبأ ٧/ ٧٨]، ولا يمنع ذلك حدوث الزلازل وانفجار البراكين أحيانا، وذلك أيضا من مظاهر الإعجاز التي لا يعقلها إلاّ العالمون ﴿وَأَنْهارًا وَسُبُلًا﴾ من المعالم الطبيعية والجغرافية والجيولوجية على سطح الأرض ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بمعالم الطرق هذه، أو لعلكم تهتدون إلى الإيمان بالخالق الأحد، بدليل الآية (١٧)،\n\n<span id=\"aya-1917\"></span>﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَعَلاماتٍ﴾ الله تعالى جعل هذه المعالم الطبيعية المشار إليها آنفا علامات يستفاد منها في الأسفار ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وهي معالم طبيعية في السماء يستفاد منها لمعرفة الاتجاهات في البحار والصحاري، بالإضافة إلى المعالم الأرضية المشار إليها،\n\n<span id=\"aya-1918\"></span>﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ كل هذه العجائب المذهلة المشار إليها بالآيات (٣ - ١٦) المتقدمة ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ شيئا، من الشركاء المزعومين المشار إليهم بالآيات (١) و(٣)، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ حقائق الأمور؟\n\n<span id=\"aya-1919\"></span>﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ أيها المجادلون والمخاصمون بالمشار إليهم بالآية (٤)﴾ ﴿نِعْمَةَ اللهِ﴾ آثار أو تجلّيات نعمة الله عليكم ﴿لا تُحْصُوها﴾ فما سبق ذكره","vol":"2","page":479},{"text":"منها على سبيل المثال لا الحصر ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بعباده، لا يعاجل المستعجلين، الآية (١)، والجاحدين والمشركين والكفار بالعقوبة، بل يمهلهم بمزيد من الوقت والفرص لعلهم يتوبون،\n\n<span id=\"aya-1920\"></span>﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - استمرار الخطاب للمجادلين المخاصمين: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ من المكائد ضد الإسلام ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ منها، فيحاسبكم على ما تخرجون منها إلى حيّز التنفيذ،\n\n<span id=\"aya-1921\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآلهة الوهمية والوسطاء والشفعاء والأولياء المزعومين الذين يدعونهم الكفار والمشركون ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ تدبّ فيه الحياة ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فالله تعالى خالقهم، وليس لهم من صفات الألوهية شيء،\n\n<span id=\"aya-1922\"></span>﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ فهم أعجز من عبدتهم ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ آلهتهم جاهلون بالغيب، بل لا يعلمون وقت بعث عابديهم،\n\n<span id=\"aya-1923\"></span>﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ وقد ثبت ذلك من الأدلة القاهرة المتقدمة المشار إليها ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ رغم البراهين والأدلة القاهرة ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ الكفار ينكرون الآخرة من موقع الاستكبار الزائف وليس من موقع القناعة الفكرية، لأنهم يرفضون الإقرار باعتمادهم الكلي على الخالق ومسؤوليتهم الأخلاقية تجاهه،\n\n<span id=\"aya-1924\"></span>﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ من العناد والتكبر في عقلهم الباطن ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من نظريات فكرية منحرفة يتسترون بها على","vol":"2","page":480},{"text":"عنادهم وتمرّدهم ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ لأن الاستكبار انحراف فكري يترتب عليه الكفر واضطهاد إنسانية الآخرين،\n\n<span id=\"aya-1925\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ بمعنى لا تغفلوا عن الوحي الإلهي الذي نزل على الرسل ﴿قالُوا﴾ من موقع الاستكبار والسخرية ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يزعمون أنه أساطير وليس وحيا إلهيا، وهذا من مظاهر استكبارهم أن تعمى بصائرهم فيمتنعون عن تحكيم الفكر والعقل بقيمة الوحي، ويعجزون عن تقويمه من حيث جدارته،\n\n<span id=\"aya-1926\"></span>﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ﴾ أي آثامهم، لأن الوزر هو الحمل، فكأنهم يحملون أثقال آثامهم على ظهورهم ﴿كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فتلك العاقبة الطبيعية لهم، لأن ما قدّموه من عمل في دنياهم مرتبط بعاقبتهم في الآخرة كارتباط السبب بالمسبّب، ولذا قالوا إن اللام في قوله ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ هي لام العاقبة ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ يحملون أيضا من أوزار الذين يضلّونهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغير علم ولا فهم من العوام والجاهلين الذين ضلّوا بسببهم ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي ما أسوأ هذا النوع من الحمل الذي يحملون من دنياهم لآخرتهم،\n\n<span id=\"aya-1927\"></span>﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل مكرهم السيئ، فضلّوا، بزعمهم أن الوحي مجرّد أساطير وأنكروا الآخرة والحساب، الآيات (٤ و٢٢ و٢٤)، وهذه ظاهرة تتكرر على مر العصور، لأنّ الإنسان مكرّم بالعقل من جهة وبحرية الخيار من جهة ثانية، فإذا هو خصيم مبين ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ في الآية من المجاز الواضح والتمثيل ما فيها، فهي","vol":"2","page":481},{"text":"تشير إلى سننه تعالى في المجتمعات والأمم التي تخفق في الاستفادة من العقل والوحي والحرية على النحو السوي فتتفسّخ ويحين أجلها الدنيوي، فتنهار المجتمعات والحضارات والدول ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ الذي كانوا يستعجلون وقوعه تحدّيا وتهكّما، الآية (١)، ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ إذ الفساد يتغلغل فيهم شيئا فشيئا، ويدبّ الشرك الخفي فيهم فيستكبرون، ويلهثون وراء دنياهم ويعبدون شهواتهم ودنياهم وأوهامهم، وهم غارقون في غفلتهم من حيث لا يشعرون،\n\n<span id=\"aya-1928\"></span>﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ فضلا عن الخزي الذي لحقهم في الحياة الدنيا المشار إليه آنفا ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ في زعمكم واعتقادكم؟ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ فجعلتم أنفسكم وأوهامكم وعبوديتكم للمادة في شقّ، والمؤمنون والإيمان والوحي في شقّ آخر، فيمتنع الجواب عليهم، فيقول الذين أوتوا العلم: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين استفادوا من الدلائل العقلية والوحي ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فهي العاقبة الطبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الجحود والغفلة،\n\n<span id=\"aya-1929\"></span>﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة أي: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ وهم:\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ظلموا أنفسهم بالجحود والنكران وعبادة الدنيا، حتى حان أجلهم قبل أن يتوبوا، فعرّضوا أنفسهم للعذاب المقيم في الآخرة ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ بخلاف ما كانوا عليه في دنياهم من الشقاق والتكبّر، لم يكن بوسعهم سوى الاستسلام والانقياد والخضوع في أول","vol":"2","page":482},{"text":"دخولهم عالم الغيب، وخروجهم من عالم المشاهدة، فيقولون: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ يظنّون أنهم كانوا مصلحين في الأرض، أو يقولون هذا القول وهم يكذبون على أنفسهم ﴿بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حيث أخرجتم نواياكم السيئة إلى نطاق العمل، فلن تنفعكم اليوم أعذاركم الفاسدة،\n\n<span id=\"aya-1930\"></span>﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ نتيجة لازمة لما كنتم في دنياكم، فلا ينفع الإيمان والإقرار بعد الفوات ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ بئس الاستكبار الذي أوردكم هذا المورد،\n\n<span id=\"aya-1931\"></span>﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - بعد أن أوضحت الآيات (٢٢ - ٢٩) أحوال المستكبرين منكري الآخرة، توضح بالمقابل الآيات (٣٠ - ٣٢) أحوال المتقين:\n﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ كما قيل للمستكبرين منكري الآخرة، الآية (٢٤)، ﴿قالُوا خَيْرًا﴾ لأنّ الوحي هو الخير المطلق، في حين زعم الجاحدون أنه أساطير الأولين ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العمل ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ ولا يشترط كون هذه الحسنة مادية، فالمؤمنون يتمتعون في دنياهم بالسكينة والطمأنينة والسلام الروحاني ما لا يعرفه الكفار والغافلون ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من الدنيا ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ دار النعيم المقيم في الآخرة كما سيأتي وصفه:\n\n<span id=\"aya-1932\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ النعيم الدائم ﴿يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين اتقوا الهوى والغفلة والتشنج الفكري، وهم الموصوفون في الآية التالية:","vol":"2","page":483},{"text":"<span id=\"aya-1933\"></span>﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ في حالة من الطهارة الروحية الداخلية ﴿يَقُولُونَ﴾ لهم وقت خروجهم من الدنيا ودخولهم عالم الغيب ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ انعموا بالسلام، لا خوف عليكم في الآخرة، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الخير في دنياكم، لأن العبرة بالعمل وليست العبرة بالأقوال والتمنّي،\n\n<span id=\"aya-1934\"></span>﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - بعد أن أوضحت الآيات (٣٠ - ٣٢) مآل المتّقين الطيبين بعد الوفاة، يعود الخطاب لبيان أحوال الكفار المشار إليهم بالآيات (٢٤ - ٢٩):\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ملائكة الموت فيفوت أوان التوبة ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ فيحين قضاؤه المشار إليه بالآية (١)، والمغزى أنّ الأجل أقرب بعيد، فالواجب الإفاقة من الغفلة قبل الفوت ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المعاندين المنكرين، أصرّوا على الغفلة والتشنّج حتى جاءتهم ملائكة الموت ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ لأن العاقبة مترتبة على العدل، انظر الآية (٢٨)، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالعناد والاستكبار والجحود والنكران،\n\n<span id=\"aya-1935\"></span>﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ انعكس عملهم السيئ عليهم سلبا فدمّر إمكاناتهم الروحية والأخلاقية حتى انتهى بهم إلى عذاب الآخرة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ من الرسالات السماوية والوحي،","vol":"2","page":484},{"text":"<span id=\"aya-1936\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لم يكتف المشركون بإنكار الآخرة، الآية (٢٢)، والزعم أنّ القرآن الكريم أساطير الأولين، الآية (٢٤)، بل أضافوا التشكيك بحرية الخيار التي منحها تعالى للبشر، فزعموا، تهربا من مسؤوليتهم الأخلاقية، أن لا خيار لهم فيما هم عليه من العقيدة، وأرجعوا شركهم إلى المشيئة الإلهية ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المصرّين على الضلال ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ليس على الرسل قهر الناس على الخيار الصحيح، لأنّ القهر يناقض الحكمة من التكليف، والمشيئة الإلهية المتمثلة في علم الله القديم الذي هو من صفات الألوهية لا يستوجب إلغاء الإرادة الفردية،\n\n<span id=\"aya-1937\"></span>﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ فلم يبق لأحد عذر بالجهل، والخطاب مرتبط بالآية (٩)﴾ أن الله تعالى يرشد الناس إلى السبيل القويم ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، واتقوا الشرك بكل أشكاله لما فيه من حط لكرامة البشر، ولانعكاسه سلبا على نمو الإنسان الروحي والأخلاقي ﴿وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ من رؤوس الشر والضلال ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ بلطف الله وتوفيقه لمن حافظ على سلامة الفطرة فاستفاد من الهدي الإلهي ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ بعناده واستكباره وسوء استعداده فيخليه الله تعالى لنفسه ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ لأن سننه تعالى في خلقه لا تتغير،","vol":"2","page":485},{"text":"<span id=\"aya-1938\"></span>﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم في كل زمن وفي أي مكان ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ لا يجبر المعاندين والمكابرين الذين حقّت عليهم الضلالة ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ولا عبرة بما قد يكونون عليه من متاع الدنيا الزائل،\n\n<span id=\"aya-1939\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ مما يدلّ على أنهم مؤمنون بالله، سوى أن إيمانهم غامض لا يترتّب عليه شيء، فقد أشركوا مع الله أوهامهم وأهواءهم ودنياهم وجعلوا المادة منتهى همّهم ﴿لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ينكرون البعث تعاميا عن مواجهة مسؤولياتهم الأخلاقية لكي يتصرفوا في الدنيا على هواهم ﴿بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس يعتمدون الظن والتخمين وينكرون الوحي، وقد يبتدعون في ذلك نظريات فلسفية ويدّعون ما يسمّونه \"العلمانية\"، مع أن العلمانية تفيد العلم بالشيء، وهي صفة المؤمنين العالمين بحقيقة الوحي،\n\n<span id=\"aya-1940\"></span>﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ فتحسم الأمور ويتبيّن على وجه اليقين الحق من الباطل ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ يظهر للكفار ما كانوا عليه من الكذب على أنفسهم، وهذان السببان من موجبات البعث،\n\n<span id=\"aya-1941\"></span>﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلا يعجزه تعالى شيء، فما وجه الغرابة في البعث من جديد؟","vol":"2","page":486},{"text":"<span id=\"aya-1942\"></span>﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - الذين هاجروا في أثناء البعثة النبوية من مكة إلى الحبشة أولا، ثم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة في رمضان العام ٨ هجرية، هربا من الاضطهاد الديني، وبعد ذلك صارت الهجرة تعبيرا عن ترك دار الكفر في أي زمن، وقد تكون هجرة روحانية بحتة، وليست هجرة مكانيّة بالضرورة من مكان إلى آخر:\n﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي﴾ سبيل ﴿اللهِ﴾ فتركوا دار الكفر، وهي في هذه الحالة هجرة روحانية بحتة، لأن مقارنتهم مع المصرّين على الكفر المشار إليهم في الآيات (٣٧ - ٣٨)، العاملين في اضطهاد غيرهم من المؤمنين ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ فينعمون بالراحة النفسية وبالسكينة وبالطمأنينة، وليس بالضرورة بالنعم المادية ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ من أجر الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لو كان المصرّون على الكفر يعلمون ذلك لآمنوا،\n\n<span id=\"aya-1943\"></span>﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مشاقّ الهجرة ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بعد أن اتخذوا للأمور ما يستطيعون تدبيره دنيويا، أرجعوا الأمور كلها إلى الله فيما لا يملكون من الإمكانات العادية،\n\n<span id=\"aya-1944\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - بعد أن ذكرت السورة إصرار المشركين على الشرك، الآية (١٧)، وزعمهم أن القرآن ليس سوى أساطير الأولين، الآية (٢٤)، وأنهم مقيّدون بالجبرية وتقليد الآباء والأجداد، الآية (٣٥)﴾، أضافوا القول إن محمدا ﷺ لم يكن سوى بشر فكيف يوحى إليه؟ وهو ما تجيب عليه الآية:","vol":"2","page":487},{"text":"﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الرسل المبعوثون إلى كل الأمم، كالمشار إليهم في الآية (٣٦)، لم يكونوا سوى بشر ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الذين أوتوا فهم الوحي في القرآن والكتب السابقة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين، بل تتخبّطون في الظنّ،\n\n<span id=\"aya-1945\"></span>﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة أي: ما أرسلنا قبلك، أيها النبيّ، إلاّ رجالا نوحي إليهم بالآيات البينات، وبالزّبر، وهي الكتب المقدّسة ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وهو القرآن الكريم تذكيرا بالميثاق المأخوذ على الناس في الأصلاب ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فتفصّل للناس ما أجمله القرآن ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في معانيه،\n\n<span id=\"aya-1946\"></span>﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ بابتداع النظريات الفلسفية التي تنكر وجود الله، وتنكر الأخلاق والقيم ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ فيكون دمارهم كاملا ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيتغلغل الفساد فيهم شيئا فشيئا،\n\n<span id=\"aya-1947\"></span>﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ فجأة، وهم يتقلّبون في شؤون حياتهم المعتادة ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا يستطيعون تفادي نهايتهم المحتومة،\n\n<span id=\"aya-1948\"></span>﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ التخوّف التنقّص، كما في قوله تعالى:\n﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الأنبياء ٤٤/ ٢١]، أي إن الأمم والدول الفاسدة اجتماعيا وأخلاقيا تتعرض للانكماش والنقصان","vol":"2","page":488},{"text":"شيئا فشيئا حتى يحين أجلها المحتوم ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ إذ كرّم الناس بالعقل وبعث الرسل وبيّن الحق من الباطل، وأمهل الكفار لعلهم يتفكرون ويتوبون قبل الفوات،\n\n<span id=\"aya-1949\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - وهنا تنتقل الآيات (٤٨ - ٥٠) لبيان بعض مظاهر الإعجاز في الخلق، التي غفل عنها الذين مكروا السيئات المشار إليهم آنفا:\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ معجزة الظلال التي تتحرك مع حركة دوران الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق، فيتحرك نور الشمس من الشرق إلى الغرب، وتتحرك الظلال من المغرب نحو المشرق في أثناء الفترة ما بين الشروق إلى الغروب ﴿سُجَّدًا لِلّهِ﴾ منقادون لقدرة الله تعالى وتدبيره ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ صاغرون، منقادون لسنته تعالى،\n\n<span id=\"aya-1950\"></span>﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - بعد أن ذكرت الآية السابقة انقياد المخلوقات الجماد لسننه تعالى فيها، تذكر هذه الآية انقياد كافة المخلوقات الحية أيضا: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ سجود انقياد لسنته تعالى في خلقه ﴿مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ المخلوقات من الدواب ذوات الأجسام المادية، والمخلوقات غير المادية كالملائكة، كلها منقادة له تعالى ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ منقادون لخالقهم بلا خلاف،\n\n<span id=\"aya-1951\"></span>﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ لأن ذلك من طبيعة خلقهم، ودوافعهم الذاتية، بخلاف الإنسان الذي يتمتع بحرية الإرادة، إذ يستطيع","vol":"2","page":489},{"text":"الاختيار بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، فهو لذلك غالبا ما يخطئ ويرتكب الآثام، ومع ذلك فهو خاضع لسنة الله في خلقه لجهة السبب والمسبّب، لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد ١٥/ ١٣]،\n\n<span id=\"aya-1952\"></span>﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١)\n٥١ - بعد أن ذكرت الآية (٢) إنذار الوحي للناس أن لا إله إلاّ الله، والآيات (١٦) و(٢٠) أن الآلهة المزعومة لا تقدر على شيء من الخلق، تضرب هذه الآية مثلا بعقيدة المثنوية:\n﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ كما هي الحال في العقيدة الزرادشتية عند الفرس الذين كانوا يعتقدون بثنائية الآلهة: إله النور: أهورا مازدا، وإله الظلام أهريمان، وفي هذه الآية من الإعجاز، لأن عقيدة المثنوية لم تكن معروفة في جزيرة العرب وقت البعثة النبوية، ولم يطلع عليها العرب إلا بعد الفتوحات ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ الله وحده يستحق الطاعة والرهبة، بخلاف الآلهة الخيالية المزعومة التي لا تقدر على شيء، والآيات التالية (٥٢ - ٦١) تحشد البراهين على ذلك:\n\n<span id=\"aya-1953\"></span>﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿وَلَهُ﴾ وحده ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ كل مخلوق معتمد عليه بالكلية ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أي دائما، ويقال واظب على الشيء وواصب عليه أي داوم، والدين بمعنى الانقياد ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ لأن الآلهة الوهمية في منتهى العجز،\n\n<span id=\"aya-1954\"></span>﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ وحده ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ من مرض أو بلاء ﴿فَإِلَيْهِ﴾ وحده ﴿تَجْئَرُونَ﴾ تتضرّعون إليه بالدعاء، وتنسون ما تشركون،","vol":"2","page":490},{"text":"<span id=\"aya-1955\"></span>﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ رفع ما مسّكم من الضرّ ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يتجدد إشراكهم به تعالى، بعبادة آلهة وهمية، أو بالجري وراء أطماع دنيوية بحتة، وينسبون كشف الضرّ إلى حولهم وقوّتهم، أو إلى \"الحظ\"، أو إلى أسباب مادية بحتة،\n\n<span id=\"aya-1956\"></span>﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ من النعم المادية والروحانية، ونعمة كشف الضرّ عنهم، واللام لام العاقبة، أي عاقبة تضرعهم لم تكن إلاّ كفرا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ بكشف الضر عنكم حتى حين، لأن الله تعالى يمهلهم للتوبة، ولا يعاجلهم بالعقاب ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمركم،\n\n<span id=\"aya-1957\"></span>﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - الخطاب متعلق بالآيات الثلاث السابقة: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ يعلمون أن الله تعالى خالقهم ويضرّهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون من الآلهة الوهمية، نصيبا في الألوهية، فيعتقدون أنها تضرهم وتنفعهم ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ لأن الإنسان في موقع المسؤولية، فسوف يحاسب المفترون على افترائهم الكذب،\n\n<span id=\"aya-1958\"></span>﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ﴾ لأنهم زعموا في الجاهلية أن آلهتهم الوهمية، اللات والعزّى ومناة، بنات الله، كما زعموا أن الملائكة بنات الله أيضا، وهذا الزعم يتكرر عند المسيحية بشكل آخر، إذ يقولون إن عيسى المسيح ابن الله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيه له تعالى عن نسبة الولد إليه ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ من الأولاد الذكور، أو من متاع الدنيا الزائل الذي يلهثون وراءه،","vol":"2","page":491},{"text":"<span id=\"aya-1959\"></span>﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى﴾ وهي بشارة تليق أن تكون سارّة، لأن المولود ذكرا كان أم أنثى، هبة منه تعالى تستحق عطف الوالدين ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ سواد الوجه كناية عن الغم والحزن والكراهية ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ يكظم غيظه،\n\n<span id=\"aya-1960\"></span>﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يختفي عن الأنظار ﴿مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ بزعمه، لأنهم كانوا يكرهون الأناث خوف الفقر والعار ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ أيمسك ما بشّر به؟ أي الأنثى، على هون منه لها، أو يرضى بهوان نفسه رغم أنفه ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ﴾ يدسّ ما بشّر به، أي الأنثى، فيخفيها في التراب، وهي عادة وأد البنات في الجاهلية ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ من كراهيتهم الأنثى، وعادة وأد البنات، فليس أسوأ من حكمهم فيها،\nومع أن الآيات (٥٧ - ٥٨ - ٥٩) تدور حول عادة وأد البنات في الجاهلية إلاّ أنها ذات مغزى أعمّ ينطبق في كل العصور، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧)، أي إنّ الكفار أو المشركين في كل العصور يريدون أن تسير الأمور على هواهم بلا رادع أخلاقي، ولا مسؤولية ولا حساب، ولذلك فإنهم ينكرون البعث والحساب والآخرة تهربا من مسؤولياتهم الأخلاقية التي يواجههم بها القرآن، وهو ما تشير إليه الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1961\"></span>﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي لهم صفة السوء بنتيجة إنكارهم الآخرة والمسؤولية، وما يترتب على ذلك من اتباع الهوى وارتكاب قبائح الأعمال ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي صفة العلوّ مطلقا عن صفات المخلوقين، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنفرد بكمال","vol":"2","page":492},{"text":"القدرة ﴿الْحَكِيمُ﴾ يفعل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة، كما هو مشار إليه في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-1962\"></span>﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ المراد بالدابّة الكافر، لقوله: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف ١٧٩/ ٧]، أي لهلكوا على الفور بلا إمهال ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لعلهم يتوبون، ويرجعون عن غيّهم ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ منتهى العمر ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقتئذ يفوتهم أوان التوبة، فيلاقوا الجزاء المترتب على أعمالهم،\n\n<span id=\"aya-1963\"></span>﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ ليس فقط أنهم ينسبون البنات لله تعالى، وهو ما يكرهونه لأنفسهم، بل ينسبون له من الشركاء المزعومين، ما يكرهونه لأنفسهم أيضا، فهم يكرهون أن يشاركهم أحد في زعاماتهم ومناصبهم ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ وهذا من قبيل التمني، إذ يعتبرون أفكارهم الدينية، أو اللادينية، جيدة في نظرهم، بالرغم من سخافتها وتهافتها، ويكذبون على أنفسهم أن الله تعالى سوف يكافئهم عليها، في حال كانت هنالك آخرة، والآية التالية تشرح حالهم بأن الشيطان زيّن لهم أعمالهم فجعلها تبدو جيدة في نظرهم ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ نتيجة طبيعية لكذبهم على أنفسهم ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ مفرطون على أنفسهم بارتكاب الذنوب، ولذلك هم مفرطون في النار، أي متروكون فيها،\n\n<span id=\"aya-1964\"></span>﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إرسال الرسل إلى الأقوام كان مستمرا منذ الخليقة، فما وجه الغرابة في بعثة خاتم الأنبياء والرسل إلى الناس","vol":"2","page":493},{"text":"كافة؟ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ جعل أعمالهم وأفكارهم ونظرياتهم الفلسفية تبدو حسنة في نظرهم، وهي لا تعدو إنكار الآخرة والحساب والمسؤولية الفردية، كي يتصرفوا في الدنيا على هواهم ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي يوم القيامة، وأيضا هو وليّ كفار قريش اليوم أي وقت البعثة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ العذاب مرتبط بسلوكهم الدنيوي كارتباط السبب بالمسبّب،\n\n<span id=\"aya-1965\"></span>﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي القرآن ﴿إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فليس من مبرر لمعارضتهم القرآن بل كان يجدر بهم، كما يجدر بذوي العقول السليمة في كل الأوقات أن يتقبلوه بصدر رحب لأن ما فيه يطابق العقل السليم، ما يمنع الاختلاف والتخبط في نظريات فاسدة ﴿وَهُدىً﴾ يبين طريق الهداية من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ الرحمة هي الوحي، انظر آية [هود ٦٣/ ١١]، لأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ منفتحو الذهن الذين لديهم قابلية للإيمان، أما المكابرون والمعاندون، فأولئك لهم شأن آخر،\n\n<span id=\"aya-1966\"></span>﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - بعد أن بينت الآيات السابقة أن الكفار والمشركين يريدون أن تسير الأمور على هواهم بالمطلق، لذا يخشون مواجهة مسؤولياتهم الأخلاقية فينكرون الآخرة والحساب، ويتخبطون بابتداع النظريات الفلسفية من عندهم، ينتقل الخطاب هنا في الآيات (٦٥ - ٨١) لبيان آيات الله الآفاقية وما فيها من الإعجاز المذهل ما يراه الغافلون أمورا بديهية مسلما بها:\n﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فما الذي يمنع بعث الإنسان بعد موته؟ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يسمعون سماع فهم وتفكّر،","vol":"2","page":494},{"text":"<span id=\"aya-1967\"></span>﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ لمن يتأمل ويفكّر في معجزتها ﴿نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي نسقيكم مما في بعض بطونه اللبن ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ من بين المواد التي يطرحها الجسم، وبين الدم الذي يغذي الدورة الدموية ﴿لَبَنًا خالِصًا﴾ تفرزه الغدد ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ تستسيغه أذواق الشاربين،\n\n<span id=\"aya-1968\"></span>﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ السكر الخمر، وسمّيت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا، والمقارنة هنا بين منافع النخيل والأعناب، فمنها ما يستخرج منه الخمر، ومنها ما يكون رزقا حسنا، فألمحت الآية أن الخمر ليس بالرزق الحسن، وهذا أول ما ورد في القرآن الكريم من التدرج نحو تحريم الخمر، وقد نزلت بعدها آيات [البقرة ٢١٩/ ٢] و[النساء ٤٣/ ٤] وآية [المائدة ٩٠/ ٥] التي حرمت الخمر نهائيا ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ معجزة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ذوو العقول المنفتحة،\n\n<span id=\"aya-1969\"></span>﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - وهذا مزيد من معجزاته تعالى في خلقه: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ فجعل ذلك الوحي من غريزتها ﴿أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ومن العرائش أيضا اتخذي بيوتا، ومن للتبعيض، فهي ليست في كل جبل وشجرة وعريشة، والبيوت المشار إليها مكوّنة من شهد العسل الذي يبنيه النحل على أشكال هندسية مخروطية سداسية رائعة الشكل، وهي اقتصادية جدا في الحجم وفي المواد المكوّنة لها،","vol":"2","page":495},{"text":"<span id=\"aya-1970\"></span>﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ من أزهارها وطلعها ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ في الطرق التي ألهمك تعالى صنع العسل ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ﴾ وهو العسل تختلف ألوانه باختلاف أنواع الزهور وأعمار النحل ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ يشفي الكثير من الأمراض، وتنكير ﴿شِفاءٌ﴾ بمعنى أن ليس كل الأمراض يشفيها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ معجزة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتفكرون في هذا الإعجاز وكيفية حدوثه، ما يغفل عنه الغافلون،\n\n<span id=\"aya-1971\"></span>﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٧٠)\n٧٠ - مزيد من بيان الإعجاز في خلق الإنسان: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ في أجلكم المحدد في علم الله القديم، فيأتيكم الأجل في سن الشباب أو الكهولة ﴿وَمِنْكُمْ﴾ من للتبعيض، أي ليس كل الناس يردّون إلى أرذل العمر ﴿مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ وهو الهرم عندما يستولي الضعف على الجسم والعقل والذاكرة ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ فيفقد التركيز وينسى كل معلوماته أو أكثرها ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه ﴿قَدِيرٌ﴾ مهيمن عليها،\n\n<span id=\"aya-1972\"></span>﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - هذه الآية مثل ضربه الله تعالى للذين جعلوا له شركاء يدعونهم من دونه:\n﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الناس متفاوتون في أرزاقهم وغناهم تبعا لحركة الأسباب والمسببات ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ ما ملكت أيمانهم هم أسارى الحرب الدينية الدفاعية في سبيل الله، الذين آل مصيرهم إلى العبودية، وفي الوقت الحاضر هم الذين","vol":"2","page":496},{"text":"يعتمدون على غيرهم في معاشهم، كالعمال الذين يصبحون من مسؤولية أرباب العمل، فإذا كان الله قد فضّل بعضهم على بعض في الأرزاق، فالذين فضّلوا لا يقبلون التنازل عمّا يملكون من امتيازات للذين فضّلوا عليهم ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ حتى يصبحوا هم وما ملكت أيمانهم على مستوى واحد في الرزق، فمن البديهي أنهم لا يقبلون ذلك، فكيف للمشركين أن يساووا الله تعالى الذي بيده مقاليد الأمور كلها مع الشركاء المزعومين الذين يدعونهم من دون الله؟ ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ كيف لهم إنكار النعمة التي فضّل بعضهم على بعض بها؟ في حين لا يقبلون التنازل عن امتيازاتهم للذين فضّلوا عليهم؟\nومع ذلك فقد أوضح الحديث الشريف أن الذين فضّلوا على غيرهم بالرزق يجب أن يعاملوا الذين فضّلوا عليهم كإخوان لهم، فقد روى البخاري وغيره عن النبي ﷺ قوله: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه عليه»،\n\n<span id=\"aya-1973\"></span>﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ المرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، كلاهما زوج الآخر ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ الرزق الطيب الحلال ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يؤمنون رغم ذلك بالأصنام وبالأوهام وبالشركاء المزعومين؟ ويحرّمون الطيبات على أنفسهم ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ويكفرون بما أنعم عليهم الله تعالى من الرزق؟ بل قد يزعمون أن الرزق جاءهم عن طريق الشركاء الذين يتوهمون؟\n\n<span id=\"aya-1974\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾","vol":"2","page":497},{"text":"٧٣ - استمرار الخطاب من الآية السابقة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأصنام والشركاء والأوهام ﴿ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ المعبودون لا يملكون شيئا من الرزق المادي أو المعنوي ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ شيئا البتة،\n\n<span id=\"aya-1975\"></span>﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ لا تشبهوه بخلقه، سبحانه وتعالى عمّا يصفون، فهو أعلى وأجلّ أن يحيط به أي تعريف ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ علم اليقين ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ العلم الحقيقي،\n\n<span id=\"aya-1976\"></span>﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ عاجز عن القيام بأي شيء، فهو مملوك من جهة، وليس من شيء يتصرف به من جهة أخرى، وإمكاناته العقلية والمادية تقارب الصفر ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ ينفق من رزق الله المادي والمعنوي ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ الجواب الواضح أنهم لا يستوون، فإن كان الأمر كذلك، كيف للكفار أن يدّعوا المساواة بين الله تعالى الذي له مقاليد الأمور، وله ما في السماوات والأرض، يرزق عباده من مؤمن وكافر، وبين الأصنام العاجزة التي لا تقدر على شيء؟ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أنهم لا يستطيعون إنكار ذلك ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ بل هم جهلة، يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم شيئا، ولا يستطيع لهم ضرّا ولا نفعا،\n\n<span id=\"aya-1977\"></span>﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مفيد ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ هو عبء عليه ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ فلا يستفاد منه بشيء البتة ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ﴾","vol":"2","page":498},{"text":"﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ الجواب بالنفي طبعا، فكيف يحكمون بأن الصنم الجماد، أو الأموات، أو الأضرحة التي يعبدونها، مساوية لرب العالمين في استحقاق العبادة؟\n\n<span id=\"aya-1978\"></span>﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧٧)\n٧٧ - هذه الآية مرتبطة بالآية (٧٤) التي تنص أن الله تعالى محيط بالعلم الحقيقي ما لا يحيط به بشر: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فما يعلمه الإنسان من عالم الغيب أقل القليل، وهو ما ذكره القرآن في الآيات المتشابهات ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ لقوله تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧]، ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ لعدم وجود أي فارق زمني بين قوله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وبين وقوعها ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء، والآيات التالية تبين المزيد من دلائل القدرة:\n\n<span id=\"aya-1979\"></span>﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - مزيد من دلائل القدرة والإعجاز: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أطفال عاجزون معتمدون بالكامل على أمهاتهم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أنشأكم من تلك الطفولة العاجزة إلى إنسان بالغ عاقل يتمتع بالسمع العادي، وسمع الفهم، والإبصار العادي، والاستبصار، والعقل والتحليل الفكري ما يمكنه من السيطرة على البيئة من حوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ بالشكر القولي والعملي لهذه النعم التي ترونها مسلّما بها،\n\n<span id=\"aya-1980\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ﴾ خاضعون لقوانينه تعالى في الطبيعة، وقد جعل لكل شيء سنة من سننه ترتبط","vol":"2","page":499},{"text":"فيها المسببات بأسبابها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لديهم قابلية للإيمان، غير جاحدين، ولا مكابرين ومعاندين،\n\n<span id=\"aya-1981\"></span>﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ تميلون فيها إلى السكينة والطمأنينة وراحة الجسد والروح، وجعل للسكن حرمة معنوية، انظر آية [النور ٢٧/ ٢٤] ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا﴾ كما هي الحال عند البدو ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ فهي خفيفة الحمل في أسفاركم ﴿وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ﴾ عندما تقيمون فيها ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا﴾ تتخذون منها فرشا وبسطا وثيابا وكسوة ﴿وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ تتمتعون بها حتى تبلى،\n\n<span id=\"aya-1982\"></span>﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ تقيكم أشعة الشمس ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا﴾ الكهوف والمغاور ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ﴾ ثيابا ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وتقي البرد أيضا، لأن ما يقي الحر يقي البرد ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ وهي الدروع ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أموركم لله وتخضعوا له،\n\n<span id=\"aya-1983\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الرسالة، بعد كل هذه الدلائل القاهرة المشار إليها في الآيات المتقدمة (٦٥ - ٨١) ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ﴾ أيها الرسول، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم ﴿الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وليس عليك إلجاء الآخرين إلى الإيمان قسرا لأن الله تعالى كرّم الإنسان بحرية الاختيار،","vol":"2","page":500},{"text":"<span id=\"aya-1984\"></span>﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ نعمه الكثيرة المشار إلى بعضها آنفا ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ جحودا واستكبارا ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ الأكثرية يغطّون الحقيقة عن أنفسهم،\n\n<span id=\"aya-1985\"></span>﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - بعد أن بينت الآية السابقة أن أكثر الناس كافرون يتعامون عن الحقيقة، تصف الآيات (٨٤ - ٨٩) مآلهم بعد خروجهم من الدنيا ودخولهم الآخرة:\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهم الأنبياء يشهدون، رمزيا، على أممهم أنهم بلّغوا الرسالة فأصبح الحق واضحا من الباطل ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يؤذن لهم التكلم بأعذار فاسدة ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يسمح لهم بالاستعتاب وهو طلب الرضا من الله تعالى، بالدعاء أو العمل يصححون به أخطاءهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، وباب الدعاء والعمل قد أغلق بالخروج من الدنيا وبالدخول في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-1986\"></span>﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ﴾ المترتب على أعمالهم في الدنيا، لأن الآخرة ليست سوى استمرار لها ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ بمقتضى العدالة، لأن حجم العذاب يتناسب وحجم المعصية والانحراف ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون للعودة إلى الدنيا، وأوان التوبة قد فات،\n\n<span id=\"aya-1987\"></span>﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، أو ينسبون لهم من صفات الألوهية، أو زعماءهم الذين كانوا يطيعونهم في","vol":"2","page":501},{"text":"التحليل والتحريم ﴿قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ﴾ أضلّونا وأكرهونا على الشرك، وزيّنوا لنا سوء أعمالنا ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ كنتم تكذبون على أنفسكم، لأن الأتباع جحدوا نعمتي العقل والوحي، فتبرّأ المتبوعون من الأتباع، ولم يتحمّلوا أية مسؤولية عنهم،\n\n<span id=\"aya-1988\"></span>﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ استسلم الأتباع والمتبوعون إلى الله من موقع العجز، بعد أن كانوا يرفضون أوامره ونواهيه في الدنيا في ظل حرية الإرادة التي كانوا يتمتعون بها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من نظريات فلسفية كانوا يتلاعبون بها، أو ما كانوا يفترون من صفات الألوهية في شركائهم،\n\n<span id=\"aya-1989\"></span>﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ لم يكتفوا بكفرهم بل أضافوا إليه أن صدّوا الآخرين عن سبيل الله، عن طريق البعثات التبشيرية، أو عن طريق القسر والإكراه والاضطهاد ﴿زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾ العذاب الذي يقتضيه كفرهم، والعذاب المترتب عن إضلال الآخرين ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ بنتيجة إفسادهم في الأرض، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد ١/ ٤٧]، فتذهب أعمالهم هباء، حتى \"الحسنة\" منها،\n\n<span id=\"aya-1990\"></span>﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يوم القيامة تشهد الرسل على الأمم بأن الرسالة بلغتها ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ أيها النبي ﴿شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ﴾ على أمة الإسلام ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بعد أن","vol":"2","page":502},{"text":"نزّلنا عليك القرآن تدريجيا، بيانا لكل ما يحتاجه الناس في حياتهم، في التفريق بين الحق والباطل، بالمعنى الفردي والاجتماعي لذلك ﴿وَهُدىً﴾ إلى الطريق المستقيم ﴿وَرَحْمَةً﴾ منه تعالى، لأن الرحمة أيضا بمعنى الوحي ﴿وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ الذين أسلموا أمرهم لله، بما ينتظرهم في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-1991\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - بعد أن ذكرت الآية المتقدمة أن القرآن الكريم نزل على البشرية تبيانا لكل شيء من الحق والباطل، تفصّل الآيات (٩٠ - ٩٧) بعضا من ذلك:\n﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ حتى لو كان صاحب الحق كافرا يعطى حقه ﴿وَالْإِحْسانِ﴾ في العمل، وفي الحديث أن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ العطاء لهم، ودائرة ذوي القربى على درجات، تبدأ من قرابة الدم، إلى قرابة المصاهرة، وتتسع لتشمل العطاء للمحتاجين من كل جنس ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ﴾ الأفعال والأقوال القبيحة التي تتجاوز العرف ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ وهو ما يقابل العرف، ومضمونه الفعل أو القول الذي تستنكره العقول لقبحه، أو لمفسدته، وضرره ﴿وَالْبَغْيِ﴾ العدوان بالكلام أو بالفعل على الناس ظلما ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ مسؤولياتكم،\n\n<span id=\"aya-1992\"></span>﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ إذا عاهدتم الآخرين وحلفتم الأيمان على عهودكم، كان ذلك بمثابة عهد أمام الله، انظر شرح آية [البقرة ٢٧/ ٢] ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ لأن من حلف بالله تعالى فكأنه جعل الله كفيلا بالوفاء بسبب حلفه ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ فيحاسبكم على ما يصدر من أعمالكم إلى حيز التنفيذ،","vol":"2","page":503},{"text":"<span id=\"aya-1993\"></span>﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا﴾ لأن من يبرم العهد مع الآخرين، ويحلف عليه أمام الله ليثقوا في عهده ثم ينقضه، يكون حاله كحال المرأة الحمقاء التي تجهد نفسها بغزل الصوف ثم تنقضه بعد ذلك، فكأنها نقضت غزلها أنكاثا، أي نكثت أنكاثا، والنتيجة أن أعمالكم تذهب هباء ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ تتخذون الأيمان وسيلة لخداع الناس وخيانتهم، إذ تعاهدونهم وتحلفون الأيمان بنيّة النكث ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ من أجل التفاضل فيما بينكم بأساليب الخداع والغش والخيانة لأغراض دنيوية محضة ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ يختبركم الله تعالى بحرصكم على مادة الدنيا إذ تتهالكون عليها ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من خير أو شرّ، فيحاسبكم عليه،\n\n<span id=\"aya-1994\"></span>﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ على الخير، فلا يكون منكم من يحلف الأيمان ثم ينقض العهد جريا وراء مكاسب الدنيا الفانية، ولكن ذلك يصبح أمرا قهريا منافيا للحكمة الإلهية من خلق الإنسان مختارا ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ فلا يجبره على الهدى، بل يخلّيه لنفسه ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية، فيوفقه إليها ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن الحساب مترتّب على العمل الذي يخرج من حيز التفكير والتخطيط إلى حيز التنفيذ،\n\n<span id=\"aya-1995\"></span>﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾","vol":"2","page":504},{"text":"٩٤ - ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ هذه الآية تبيّن أن من يتخذ الأيمان الكاذبة وسيلة للوصول إلى مكاسب دنيوية عن طريق خداع الأخرين، يؤول به ذلك إلى الزلل، والمعنى أنه ينحطّ إلى خلق جديد يسم شخصيته بالسوء ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ بالمقابل ﴿بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بسبب صدّكم عن سبيل الله بأساليبكم الملتوية، وبسبب خيانتكم ودجلكم، فأفسدتم العقيدة والسلوك، وساهمتم في التفسخ والفساد الأخلاقي للمجتمع ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إن في الدنيا بنتيجة فساد المجتمعات وتفسخها، أو في الآخرة عذابا عظيما متناسبا مع حجم الجريمة، أو كلاهما معا،\n\n<span id=\"aya-1996\"></span>﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ﴾ بحلف الأيمان الكاذبة ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من حطام الدنيا الزائل ﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ﴾ من الثواب والأجر على المحافظة على العهد، والاستقامة ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نكث العهود ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين،\n\n<span id=\"aya-1997\"></span>﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ من متاع الدنيا ﴿يَنْفَدُ﴾ بحلول الأجل، أو قبله ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ من الأجر والثواب ﴿باقٍ﴾ لكم في خلود الأخرة ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أجر الصابرين على مصاعب الدنيا متناسب مع أحسن أعمالهم إطلاقا، وهذه مزيّة كبرى للصبر،\n\n<span id=\"aya-1998\"></span>﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ اشترط الإيمان مع العمل الصالح، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ﴾","vol":"2","page":505},{"text":"﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [النور ٣٩/ ٢٤]، أي إنّ العمل \"الصالح\" مع الكفر يذهب هباء، وذلك ارتباط هذه الآية مع ما قبلها لأن الذين نقضوا عهد الله بحلف الأيمان الكاذبة صاروا بمنزلة الكفار لا ينفعهم عملهم \"الصالح\"،\n﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ ينعم فيها بالسكينة والطمأنينة، وليس بالضرورة بالمتاع الدنيوي الزائل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما يتناسب مع أحسن أعمالهم، وليس أقلّها،\n\n<span id=\"aya-1999\"></span>﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩٨)\n٩٨ - بعد أنّ فصّلت الآيات (٩٠ - ٩٧) بعض ما ذكرته الآية (٨٩) أن الله تعالى نزّل القرآن تبيانا لكل شيء، تبيّن هذه الآية أن قراءة القرآن يجب أن تكون بعيدة عن وساوس السوء لكي يفهم القرآن على وجهه الصحيح: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ﴾ وسواس ﴿الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾،\n\n<span id=\"aya-2000\"></span>﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلا يستطيع قهرهم على إرادتهم ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بعد أن يتخذوا للأمور عدتها الدنيوية،\n\n<span id=\"aya-2001\"></span>﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يخضعون له ولوساوسه، وما يثيره فيهم من قيم زائفة، وأخلاق ومناهج فاسدة يتّبعونها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فيعبدون المادة الدنيوية والزعامة والسلطة،\n\n<span id=\"aya-2002\"></span>﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)\n١٠١ - عودة الخطاب إلى الآية (٢)، وإلى الآية (٨٩)﴾ أن الله تعالى نزّل القرآن تبيانا لكل شيء، ومن ذلك ما ذكرته الآيات (٩٠ - ٩٧)، وما أمرت به الآيات (٩٨ - ١٠٠) من النهي عن تولّي الشيطان، والاستعاذة من وساوسه لدى قراءة القرآن الكريم:","vol":"2","page":506},{"text":"﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ رسالة سماوية مكان أخرى، انظر شرح آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ من القرآن الكريم الذي نسخ ما قبله من الرسالات ﴿قالُوا﴾ قال الكفار للنبي ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي افتريت القرآن، وجئت به من عندك ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ بل يتّبعون الظن والتخمين، ولا يقرؤون القرآن قراءة جدية لتقويمه من حيث جدارته، ومعرفة مصدره الحقيقي، كما سوف يرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-2003\"></span>﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇ ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ متضمّنا الحق ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ به ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ الذين أسلموا وجههم لله،\n\n<span id=\"aya-2004\"></span>﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ زعموا أن النبي ﷺ تعلّم القرآن من بشر، أي من كاهن يهودي أو نصراني، في حين أنّ: ﴿لِسانُ﴾ الكتاب المقدّس عند اليهود والنصارى، بقسميه العهد القديم، والعهد الجديد ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ يميلون إليه ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ لأنه وقت البعثة النبوية لم يكن العهدان القديم والجديد مترجمين إلى اللغة العربية، فالعهد الجديد كان متاحا إمّا باللغة السريانية، طبعة البسيطة، أو باللاتينية، طبعة الفالجيت الشائعة، أمّا الترجمة العربية الأولى للعهد الجديد فتمت بتاريخ ١٠٦٠ م، أي بعد البعثة النبوية بأكثر من أربعة قرون، وهي طبعة موجودة الآن في روسية بمكتبة سان بطرسبرج، ومن باب أولى أنه لم يكن هنالك ترجمة عربية للعهد القديم، مع العلم أن النبي ﷺ كان أميا على أية حال،","vol":"2","page":507},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران ٩٣/ ٣]، فمعناه من جهة، أنه لم يكن يوجد من العرب من غير اليهود من يقرأ التوراة باللغة اليونانية، وهي الترجمة السبعينية للعهد القديم، ولا من يقرأها بالعبرية، ومن جهة أخرى تحداهم القرآن أن يأتوا بتوراة موسى الأصلية، وليس الكتب التي ألّفوها من عندهم فلم يبق لديهم من أصل الوحي إلاّ أقلّ القليل، ومن إعجاز القرآن أنه أخبر بهذه الأمور مع أنه لم يكن في جزيرة العرب مركز ثقافي ديني ليقوم بنشر أفكار الكتاب المقدس التي طرقها القرآن، وفي ذلك نقرأ قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨/ ٢٩]،\n﴿وَهذا﴾ القرآن ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ بإعجازه وإحكامه يستحيل أن يكون من كلام البشر إطلاقا، ومن باب أولى يستحيل أن يتقوله أحد من غير العرب،\n\n<span id=\"aya-2005\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ استكبارا، وتعاميا عن الحقيقة، وتقليدا لآبائهم وأجدادهم ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ مضت سنته تعالى في أمثالهم أنهم لا يهتدون، من تلقاء أنفسهم، والله تعالى لا يجبرهم على الهدى قسرا ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ متناسب مع كفرهم، والإصرار عليه،\n\n<span id=\"aya-2006\"></span>﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ المصرّون على إنكار الألوهية ونبوة الأنبياء ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ يفترون الكذب بزعمهم أن القرآن مفترى،\n\n<span id=\"aya-2007\"></span>﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - بعد أن بينت الآية السابقة حال من يفترون الكذب، فينكرون الألوهية والأنبياء، ترخّص هذه الآية بذلك لمن هم تحت التهديد القسري،","vol":"2","page":508},{"text":"صونا لنفوسهم من القتل أو التعذيب لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وبالمقابل تبين الآيات (١٠٧ - ١٠٩) حال من باع آخرته بدنياه:\n﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ﴾ فانحرف من موقع الحق إلى موقع الباطل ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ من كان كفره ظاهريا بسبب القسر والتهديد والتعذيب، فلا يؤاخذه الله تعالى عليه، لأن القلب بقي مطمئنا بالإيمان ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ من انشرح صدره للكفر ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنهم ارتدّوا عن الإسلام تفضيلا لدنياهم على آخرتهم، رغم قناعتهم الداخلية بصحة الرسالة الإسلامية،\n\n<span id=\"aya-2008\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ استسلموا لإغراءات الكفر وامتيازاته وشهواته، وفضّلوا دنياهم على آخرتهم، وحاضرهم الفاني على مستقبلهم الذي لا يفنى ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ مضت سنته تعالى أن يترك أمثال هؤلاء لخيارهم الحر بسبب خبث سرائرهم ونفوسهم فلا يقسرهم على الهدى،\n\n<span id=\"aya-2009\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ﴾ نسب تعالى الطبع إلى ذاته العليّة، مع أن ذلك كان بنتيجة خيارهم الحر، والسبب أنّ الله تعالى هو الذي أوجد السنن في الخلق بأنّ من يعتاد سلوك الطرق المنحرفة، واتخاذ الخيارات الخاطئة، يكون كمن طبع على قلبه وسمعه وبصره، وليس أن الله تعالى طبع عليهم ابتداء، انظر آية [البقرة ٧/ ٢]، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ عن حقائق الأمور،","vol":"2","page":509},{"text":"<span id=\"aya-2010\"></span>﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ لأنهم اشتروا دنياهم الفانية بأخراهم،\n\n<span id=\"aya-2011\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٠)\n١١٠ - بعد أن ذكرت الآيات (١٠٦ - ١٠٩) حال من أكرهوا على الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، وحال من كفر وقلبه منشرح لمكاسب الدنيا، تذكر هذه الآية حال من يضطر للهجرة بسبب الاضطهاد الدين:\n﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الفتنة هنا بمعنى الوقوع تحت الاضطهاد الديني مما اضطرهم للهجرة، انظر أيضا شرح آية [الأنفال ٢٥/ ٨] في تعريف الفتنة، وقد يكون أنهم هاجروا هجرة روحية، وليس بالضرورة هجرة مكانية ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ ليس بالضرورة جهادا قتاليا، ولكن جهاد دعوة وإقناع بالحجة والقدوة الحسنة، لقوله تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢/ ٢٥]، ﴿وَصَبَرُوا﴾ على مشاق الدعوة ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم، ويرحمهم، ويلطف بهم،\n\n<span id=\"aya-2012\"></span>﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١١١)\n١١١ - فارتقبوا أيها الناس: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ يوم القيامة حيث المسؤولية فردية ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ إن خيرا بخير، بفضله تعالى وامتنانه، أو شرا بشرّ مترتبا على العدالة، وليس على الانتقام ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لأن الله تعالى غير محتاج لظلم عباده،\n\n<span id=\"aya-2013\"></span>﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾","vol":"2","page":510},{"text":"١١٢ - بعد أن بينت الآيات (١٠١ - ١١١) مآل الكفار الذين استحبوا الدنيا على الآخرة وأنكروا الوحي والنبوات، تضرب هذه الآية مثلا بعاقبة المجتمعات التي تكفر نعم الله:\n﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ القرية في التعبير القرآني هي المجتمع، والمعنى أن هذا المجتمع المطمئن الآمن كان يتمتع بأنعم الله الكثيرة، على سبيل الكفاية والترف ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ لم تشكر الله على نعمه، بل ادّعت وزعمت أن كل هذه النعم والرغد ناتجة من استحقاقها وجدارتها وحذاقتها لا غير، بل إنها أنكرت الديانات والرسل، وزعمت ما تسميه \"العلمانية\" مع العلم أن العلمانية تقتضي العلم بالشيء لا الجهل به وهو ما يأمر به الإسلام ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ تكون العاقبة الطبيعية لمثل هذه المجتمعات التفسخ والفساد الاجتماعي والأخلاقي، فالانهيار، وهو ما نشاهده اليوم في كثير من المجتمعات الغنية المتقدمة، أي إن العقاب يحل بها في الدنيا قبل الآخرة بسبب تغليبها القوانين الوضعية على الشرع الإلهي، ومن ذلك مثلا أنهم يحلّون اللواط بل يسمحون بالزواج المثلي في كنائسهم، وفي كل ذلك نقض لعهد الله من بعد ميثاقه،\n\n<span id=\"aya-2014\"></span>﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ من كل أمة ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وزعموا أنهم مكتفون بذواتهم، وخضعوا لقوانين وضعية ابتدعوها ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ كنتيجة طبيعية لارتباط السبب بالمسبب ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ لأنفسهم،\n\n<span id=\"aya-2015\"></span>﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ولا تبتدعوا التحليل والتحريم من عند أنفسكم، أو بقوانين وتفاسير وضعية ﴿وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولا تكونوا كالقرية المشار إليها بالآية (١١٢)﴾،","vol":"2","page":511},{"text":"<span id=\"aya-2016\"></span>﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٥)\n١١٥ - استمرارا للآية (١١٢) وما بعدها، تضرب الآيات (١١٥ - ١١٩) مثالا من التحليل والتحريم، وتنهى عن التحليل والتحريم الكيفي بلا دليل:\n﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ من الأوثان والنصب، انظر بهذا المعنى آية [الأنعام ١٤٥/ ٦]، ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ لا يبتغيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ لا يتعدّى فيه حاجته أو أو ما يسد رمقه ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لأن الضرورات تبيح المحظورات،\n\n<span id=\"aya-2017\"></span>﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الزيف ﴿هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ﴾ تحللون وتحرمون من عندكم، فتتخذون لأنفسكم حق التشريع ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ ما لم يأذن به ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ لا ينجحون في دنياهم قبل آخرتهم،\n\n<span id=\"aya-2018\"></span>﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ يتمتعون في الدنيا فيما استحلّوا من الحرام ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-2019\"></span>﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ انظر شرح آية [الأنعام ١٤٦/ ٦]، ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بالتشديد في تحريم ما حرّموه على أنفسهم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وفي الحديث: «لا تشدّدوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم»،","vol":"2","page":512},{"text":"<span id=\"aya-2020\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ عملوا السوء من موقع الجهل، وليس من موقع التمرد والمعصية ﴿ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ عن معصيتهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ من بعد توبتهم ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوب التائبين، ويرحمهم،\n\n<span id=\"aya-2021\"></span>﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - هذه الآية متعلقة بالآية (١١٨)، لأن اليهود يدّعون الانتساب إليه، ويزعمون لذلك أنهم الشعب المختار، وهو ما ينفيه القرآن الكريم تماما أن الاكتفاء بالنسب وحده لا يفيد:\n﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ اجتمعت فيه كل الفضائل، فحقّ أن يسمّى أمّة يؤتمّ به ﴿قانِتًا﴾ مطيعا ﴿لِلّهِ حَنِيفًا﴾ مستقيما، مائلا عن الباطل إلى الحق ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل عاش التوحيد في فكره وروحه ووجدانه،\n\n<span id=\"aya-2022\"></span>﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ تعالى ﴿اِجْتَباهُ﴾ اختاره الله واصطفاه ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الدعوة إلى الله، والترغيب في الدين الحق،\n\n<span id=\"aya-2023\"></span>﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهي النبوة، حتى أن كل أهل الأديان يقرون به ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-2024\"></span>﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿ثُمَّ﴾ عندما بلغ الوحي على الإنسانية ذروته ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أيها النبي ﴿أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ مائلا عن كل ما هو باطل ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ المقصود إحياء شرعة إبراهيم في التوحيد،","vol":"2","page":513},{"text":"<span id=\"aya-2025\"></span>﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - وهنا يعود النص إلى فحوى الآية (١٠١) إنّ القرآن الكريم نسخ ما قبله من الرسالات:\n﴿إِنَّما جُعِلَ﴾ تعظيم ﴿السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وهم اليهود، وقد بالغوا في تعظيمه حتى منعوا عمل الخير فيه، وحتى شفاء المرضى جعلوه محرما في السبت، حتى قال لهم عيسى ﵇: هل جعل السبت من أجل الإنسان؟ أم الإنسان من أجل السبت؟ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وهو زعمهم أنهم شعب الله المختار، استعلاء واستكبارا على غيرهم من الأمم، وإن المسؤولية فردية لا علاقة لها بالنسب والسلالة،\n\n<span id=\"aya-2026\"></span>﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - بعد بلوغ الوحي السماوي ذروته بنزول القرآن الكريم، الذي نسخ الرسالة اليهودية (الآية ١٠١)، وبعد أن كفر بنو إسرائيل بعثة آخر أنبيائهم العظام عيسى ﵇، لم يبق سوى بيان طريقة الدعوة إلى الإسلام، بما يتناسب مع قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]:\n﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ بما يتناسب مع كل حالة من الحالات، ومع المستوى الفكري للطرف الذي أنتم بصدد دعوته، بعيدا عن الجمود والتشنج الفكري ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الرفق في الموعظة لتأليف القلوب النافرة، والبعد عن الزجر والتأنيب ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالابتعاد عن الطعن في كبرياء الآخرين وكرامتهم، فالجدل ليس مباراة فكرية القصد منها إحراج الآخرين والشعور بالتفوق عليهم، بل كسب الخصوم إلى صف الدعوة ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ المعنى أن الداعي","vol":"2","page":514},{"text":"الكفؤ مكلف بالدعوة بإحدى هذه الأساليب الثلاثة، ثم تنتهي مهمته، وأما حصول الهداية فلا يتعلق به، لأنّ الله تعالى أعلم بالمصرّين على الضلال، وأعلم بالذين لديهم قابلية للهدى،\n\n<span id=\"aya-2027\"></span>﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة: والمعنى إن اضطررتم إلى الرد على التهجّم الفكري من قبل من تدعونهم إلى الإسلام ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فليكن ضبط النفس رائدكم بعيدا عن الحمق، وأن يكون الرد عليهم متناسبا مع قولهم دون زيادة ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ على مزاعمهم وتهجّمهم ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ من حيث النتيجة، لأن الأولى ترك الانتقام، والرحمة أفضل من القسوة،\n\n<span id=\"aya-2028\"></span>﴿وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - ﴿وَاِصْبِرْ﴾ وهو أمر جازم بوجوب الصبر في مثل هذه الحالات ﴿وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي بتوفيقه ومعونته ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لا تحزن بسبب فوت استجابتهم لك ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ولا يضيق صدرك من مكائدهم ضد الدعوة،\n\n<span id=\"aya-2029\"></span>﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ العدوان والحمق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ بترك الانتقام،\n***","vol":"2","page":515},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2090>سورة الإسراء - ١٧ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2091>مقدّمة</span>\nنزلت في السنة الأخيرة من الفترة المكية وذلك ظاهر من الإشارة للإسراء في الآية الأولى منها، وقيل بعض آياتها مدنية، وتسمى أيضا سورة بني إسرائيل،\n\n<span data-type='title' id=toc-2092>الإسراء والمعراج</span>\nالإسراء والمعراج مرحلتان من خبرة داخلية روحية غيبية واحدة للنبي ﷺ ممّا لم يحصل لغيره البتّة، وقد كانت رؤيا عيان، لا رؤيا منام، انظر قوله تعالى في الآية (٦٠)، إذ رافق جبريل ﵇ النبيّ ﷺ ليلة إسرائه من المسجد الحرام في مكة، إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، حيث صلىّ النبيّ إماما بالأنبياء الذين خلوا من قبله، ما يفيد أن الإسلام الذي بعث به محمد كان تتويجا للرسالات السماوية التي سبقته، فنسخ الإسلام منها ما نسخ، وبلغ منها حد الكمال، وبذلك ختمت الديانات، واكتمل التطور الديني للبشرية قاطبة بمبعث خاتم الأنبياء والرسل ﷺ،\nواختلفوا في كون إسرائه ﷺ بالروح فقط، أم بالروح والجسد معا، فأغلبية الصحابة على أنه كان بالروح والجسد معا، والقلة، ومنهم أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين أم هانيء، ومعاوية، والتابعي الحسن البصري، على إن الإسراء كان بالروح فقط، ولعل القائلين إن الإسراء تم بالجسد والروح اعتبروا أن البديل لذلك أن يكون ما رآه النبي ﷺ قد يكون مناما، ما يقلل كثيرا من أهميته، ولم","vol":"2","page":516},{"text":"يأخذوا بالاعتبار أن خروج روح النبي ﷺ من جسده مؤقتا في أثناء الإسراء والمعراج، هو إعجاز هائل في حد ذاته، يفوق كثيرا الإسراء بالجسد والروح معا، لأن خروج الروح من الجسد لا يكون عادة إلا بعد الموت، كما كانت الحال مع الأنبياء الذين صلّى بهم النبي إماما، ثم التقاهم أثناء معراجه، فقد التقى بهم أرواحا بعد موتهم، أما هو فقد كان روحا لا يزال على قيد الحياة الدنيوية، فلا يقلل من واقعية هذه الخبرة الروحية الغيبية العجيبة للنبي ﷺ في إسرائه ومعراجه، قيد شعرة أنها كانت بالروح فقط عمّا لو كانت بالروح والجسد معا، لا بل إنها تفوق عليها بكثير،\nوقد قيل الكثير من الإسرائيليات في تفصيل قصة إسرائه ومعراجه ﷺ، مما لا يقبله عقل، قال الرازي: ومن ذلك ما روي من شقّ بطنه وتطهيره بماء زمزم، وهو بعيد، لأن ما يغسله الماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد أيضا، لأنه تعالى لمّا سيّره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة إلى البراق؟ ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة على المسلمين في اليوم والليلة، ثم إنّ محمدا لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى حتى أصبحت الخمسون خمسة، وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وأنه يوجب البداء على الله تعالى وهو محال، فثبت أن هذا الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله عقلا فكان مردودا، وغيره كثير، انظر أيضا كتاب زكريا بن خليفة المحرمي:\n\"قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث\" صفحة (٢٤٦ - ٢٥٠)،\n\n<span data-type='title' id=toc-2093>اتصال السورة بما قبلها</span>\nفي أواخر سورة النحل أن رسالة الإسلام نسخت الرسالات السابقة: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١/ ١٦)، ومن ذلك نسخ السبت عند اليهود: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ﴾","vol":"2","page":517},{"text":"﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤/ ١٦)، ثم تفتتح هذه السورة بذكر الإسراء بالنبي ﷺ إلى مهد رسالة موسى وعيسى ﵉ في إشارة ضمنية لنسخ رسالتيهما:\n﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١/ ١٧)، ثمّ الإشارة لمعراجه ﷺ حيث صلّى إماما بالإنبياء: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٦٠/ ١٧)، وتبيّن أن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)، فيستحيل أن يكون القرآن مفترى: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٨٨/ ١٧)،\nوفي سورة النحل استكبار منكري الآخرة: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢/ ١٦)، ثم في سورة الإسراء بيان عاقبتهم بعد الإشارة من طرف خفي أنهم اليهود: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٠/ ١٧)،\nوفي سورة النحل أن مكر المكذّبين أدّى بهم إلى دمار مجتمعاتهم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦/ ١٦)، وتفصيله قوله تعالى بسورة الإسراء: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ (١٦/ ١٧)، وقوله تعالى عن المجتمعات الكافرة: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ (٥٨/ ١٧)،\nوفي سورة النحل أن لم تخل أمة من بعث الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (٣٦/ ١٦)، ثم في سورة الإسراء أن الأمم تصبح مسؤولة بعد بلاغها:\n﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١٥/ ١٧)","vol":"2","page":518},{"text":"وفي سورة النحل أن متاع الكفار في الدنيا زائل: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [٥٥/ ١٦]، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (١٨/ ١٧)،\nوفي سورة النحل أن مشركي قريش كانوا ينسبون البنات لله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧/ ١٦)، وتفصيله في سورة الإسراء أنهم جعلوا الملائكة بنات الله: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (٤٠/ ١٦)،\nوفي سورة النحل الأمر بإيتاء ذي القربى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ (٩٠/ ١٦)، وفي سورة الإسراء أن ذلك حقّ لهم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ (٢٦/ ١٧)، وفي سورة النحل أن الله تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠/ ١٦)، وتفصيله قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣٢/ ١٧ - ٣٥)،\nوفي سورة النحل النهي عن التقليد الأعمى للآباء: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥/ ١٧)، وفي سورة الإسراء بيان البديل عن التقليد في الأمر باستخدام العقل السليم والحواس: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ (٣٦/ ١٧)،","vol":"2","page":519},{"text":"وفي سورة النحل النهي عن عبادة إلهين اثنين كما في عقيدة المثنوية -:\n﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١/ ١٦)، وفي سورة الإسراء بيان عاقبة ذلك: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ (٣٩/ ١٧)،\n\n<span data-type='title' id=toc-2094>محور السورة</span>\nالإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١/ ١٧) ومعراجه ﷺ إلى السماء السابعة حيث صلّى إماما بالأنبياء: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٦٠/ ١٧)، ما هو دليل على نسخ الكتب السماوية السابقة بالقرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)،\nفبنو إسرائيل أفسدوا ويفسدون في الأرض خلال حقبتين طويلتين من الزمن على الأقل ولم يستفيدوا من التوراة: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٤/ ١٧)، وينكرون الآخرة:\n﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٠/ ١٧)، وإنكار اليهود للآخرة مذكور في آيات [الدخان ٣٤/ ٤٤ - ٣٥] و[المجادلة ١٤/ ٥٨] و[الممتحنة ١٣/ ٦٠]، ومذكور أيضا في كتبهم التي يزعمون أنها مقدسة، ما اقتضى عزلهم عن حمل عبء رسالة التوحيد وتحميل العبء العرب من بني إسماعيل، انظر آية [آل عمران ٢٦/ ٣]،\nوأن معجزة القرآن الفكرية من السمو والعظمة، على مدى الدهر، بحيث يستحيل على الإنس والجن مجتمعين الإتيان بمثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ﴾","vol":"2","page":520},{"text":"﴿ظَهِيرًا﴾ (٨٨/ ١٧)، في حين كانت معجزات موسى ﵇ مادية محضة بما يناسب عقول الناس في عصره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (١٠١/ ١٧)، ومع ذلك فالمصرّون على التكذيب يغلقون عقولهم سلفا عن استيعاب معاني القرآن الكريم: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ (٤٥/ ١٧ - ١٦)، فهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا لأنفسهم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ (٨٢/ ١٧)، وقد فصّل وكرّر للناس الحقائق من كل جانب:\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٨٩/ ١٧)،\nوأن الله تعالى لا يهلك المجتمعات قبل أن يبيّن لها الحق من الباطل: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا * وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ (١٥/ ١٧ - ١٦)، فالإنسان مسؤول عن استخدام حواسه وملكاته العقلية على النحو السليم: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ (٣٦/ ١٧)، وأن الله تعالى كرّم بني آدم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ (٧٠/ ١٧)، كما كرّمه بالعلم، انظر آية [البقرة ٣١/ ٢]، وكرّمه بحرية الخيار، وليس لإبليس من سلطان على البشر سوى وساوس الشر: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٦٥/ ١٧)،","vol":"2","page":521},{"text":"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-2030\"></span>﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)\n١ - ﴿سُبْحانَ﴾ تنزيها له تعالى عن كل ما لا يليق بقدسه ﴿الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ محمد، وتعبير ﴿بِعَبْدِهِ﴾ إشارة لكونه ﷺ بشرا، وليس فوق جنس البشر، بالرغم من الإعجاز في إسرائه ومعراجه ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الأقصى، أي الأبعد بالنسبة للمسجد الحرام، وهو موقع مسجد سليمان في بيت المقدس، وقوله: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ إشارة إلى مبعث العدد الكبير من أنبياء بني إسرائيل في فلسطين، آخرهم عيسى المسيح ﵇، والمقابلة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى بما يفيد أن الإسلام ليس دينا جديدا، بل استمرارا وتتويجا وختما لما سبقه من الرسالات السماوية ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ لكي يرى محمد بعضا من آيات ربّه، وليس كلها، لأنّ ﴿مِنَ﴾ تفيد التبعيض، ومما يدلّ أن عالم الغيب بمجمله لا يطّلع عليه أحد، بمن فيهم خاتم الأنبياء والرسل ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ الله تعالى ﴿السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده ﴿الْبَصِيرُ﴾ البصير بأحوالهم،\n\n<span id=\"aya-2031\"></span>﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ (٢)\n٢ - يلاحظ في الآية المتقدمة وفي هذه الآية انتقال الخطاب من ضمائر الغائب إلى الحاضر إلى الغائب إلى الحاضر، في إشارة إلى أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا تحيط به الضمائر التي تستخدم للبشر،\nويبدو تعلق هذه الآية بما قبلها واضحا لجهة الربط بين الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، وبين نزول الكتاب على موسى ﵇، فالإسراء من ذات المرتبة الروحية السامية التي تقابل نزول الكتاب على موسى، وهو من التكريم للنبيّ أيضا ما يقابل تكليمه تعالى لموسى، انظر آية [النساء ١٦٤/ ٤]، وآية [الأعراف ١٤٤/ ٧]:","vol":"2","page":522},{"text":"﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ بما فيه من التأكيد على رسالة التوحيد،\n\n<span id=\"aya-2032\"></span>﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٣)\n٣ - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة وتقديره: لا تتخذوا ذريّة من حملنا مع نوح من دوني وكيلا ﴿إِنَّهُ﴾ نوح ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ بعيدا عن الشرك، فاقتدوا به،\n\n<span id=\"aya-2033\"></span>﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ﴾ أي في علم الله القديم المحيط الشامل، ومنه ما هو مذكور في كتبهم بالعهد القديم، انظر (سفر اللاويين ١٤/ ٢٦ - ٣٩) و(سفر التثنية ١٥/ ٢٨ - ٦٨)، ويتضمن العواقب الوخيمة جدا - المذكورة بالتفصيل - التي تنتظرهم في حال معصيتهم وعدم استجابتهم للرسالة الإلهية،\n﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ نكص بنو إسرائيل إلى الفساد والإفساد بالرغم من أنه تعالى جعل التوراة هدى لهم، الآية (٢)، وإفسادهم في الأرض مرّتين ليس بالضرورة مقتصرا على مرّتين بالعدد، وإنما إفسادهم خلال حقبتين طويلتين من تاريخهم، بدليل أن القرآن الكريم والكتاب المقدّس يذكران الكثير من معاصيهم وجرائمهم المستمرة، ليس أقلّها عبادتهم آلهة وثنية، وتحويل معبد القدس إلى معبد آشوري في عهد ملوكهم آحاز  Ahaz،  ومنسّى  Manasseh (٦٨٧ - ٦٤٢  ق م)، وتسطيرهم في العهد القديم من المخازي والفساد والإفساد ما يفوق الحصر ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ من موقع الاستكبار والاستعلاء بظنّهم يستوعبوا أن الرسالة السماوية مسؤولية وعبء، وليست امتيازا،\n\n<span id=\"aya-2034\"></span>﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾","vol":"2","page":523},{"text":"٥ - ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ أولى حقبتي الإفساد ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا﴾ عباده تعالى ليسوا بالضرورة أنّهم من المؤمنين لأن الخلق كلهم عباد الله، طوعا أو كرها ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ يبدو أن المرة الأولى تشير إلى الآشوريين بقيادة سرجون الثاني الذين اجتاحوا فلسطين وقضوا على مملكة إسرائيل الشمالية (٧٢١ ق م) ونفوا وشتتوا قبائل إسرائيل العشرة نهائيا إلى غير رجعة، ثم بعد ذلك بحوالي ١٣٥ عاما اجتاح البابليون بقيادة نبو خذنصّر مملكة يهوذا الجنوبية ودمّروا القدس والمعبد وأخذوا ما تبقّى من بني إسرائيل إلى ما صار يعرف بالنفي البابلي (٥٨٦ ق م)، وكل ذلك يفيده معنى قوله تعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ تخلّلوا فيها جيئة وذهابا ﴿وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ تحقّق وانقضى.\n\n<span id=\"aya-2035\"></span>﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (٦)\n٦ - ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أيها اليهود ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ بعد اجتياح الفرس لبابل (٥٣٧ ق م)، سمح لهم قورش ملك الفرس بالعودة لفلسطين حيث أعادوا بناء المعبد،\n\n<span id=\"aya-2036\"></span>﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (٧)\n٧ - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ بمقتضى سننه تعالى في خلقه إن عاقبة الإحسان والسوء تعود على أصحابها ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ مرة الإفساد الثانية ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ فيصيبكم من الإذلال منهم منتهاه ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ مسجد سليمان ﴿كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما دخله البابليّون في المرة الأولى ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ يدمّرون القدس والمعبد الثاني دمارا تامّا، وقد تمّ ذلك على إثر هزيمة اليهود ونفيهم وتشتيهم نهائيا في أنحاء الأرض بعد دخول الجيوش الرومانية القدس بقيادة تيطوس ش ص ش ر ث (٧٠ م)، وأخرى في العام (١٣٥ م) بقيادة أدريانوس،","vol":"2","page":524},{"text":"<span id=\"aya-2037\"></span>﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٨)\n٨ - ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بأن يذيقكم عذاب الدنيا قبل الآخرة ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى الفساد والافساد ﴿عُدْنا﴾ إلى عقابكم ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ كلّما تكررت جرائمكم ومعصيتكم وإفسادكم عدنا إلى عقابكم، وتلك سنّته تعالى في الخلق وفي نظام الأسباب والمسببّات من حيث إنّ الأمم التي تطغى وتنشر الفساد تؤول عاقبتها إلى الدمار والزوال وعذاب الدنيا، قبل ما ينتظرها من عذاب الآخرة،\nغير أن الأستاذ بسام جرار رأى في كتابه زوال إسرائيل أن المرة الثانية المشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ متعلقة بدولة إسرائيل الحالية، لأنه بعد زوال دولتهم في نهاية المرة الأولى بالعام (٥٨٦ ق م) لم تقم لليهود دولة بالمعنى الكامل إلا في العصر الحديث اعتبارا من العام ١٩٤٨، صحيح أنهم عادوا من النفي البابلي إلى فلسطين عام (٥٣٧ ق م) عندما سمح لهم قورش ملك الفرس بذلك لكنهم بقوا تحت حكم الفرس، ثم تحت حكم اليونان عند اجتياح الإسكندر الكبير لشرق المتوسط، وتبعه حكم السلوقيين إلى أن احتلت روما فلسطين، العام ٦٢ ق م، وخلال تلك الفترة كلها لم يكادوا يحققوا سوى حكما ذاتيا بسيطا تحت زعمائهم المكابيين منذ العام ١٦٤ ق م حتى اجتياح روما لهم عام ٦٢ ق م، ومن الصعوبة أن ينطبق على تلك الفترة نصّ الآية:\n﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (٦)، أو نصّ الآية: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (١٠٤)، بقدر ما تنطبق هذه الآيات على دولة إسرائيل الحالية ما يدل أن النبوءة: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ سوف تتحقق بدخول المسلمين بيت المقدس لتصبح لهم اليد العليا فتظهر سوءات اليهود للعالم وتنفضح صورتهم الإعلامية المزيفة.","vol":"2","page":525},{"text":"<span id=\"aya-2038\"></span>﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٩)\n٩ - بعد أن ذكرت الآية (٢) أن الله تعالى جعل التوراة هدى لبني إسرائيل، ثم ذكرت الآيات (٤ - ٨) فساد وإفساد بني إسرائيل في الأرض، تعود الآية التالية (٩) إلى موضوع بداية السورة، وهو الإسراء بالنبي ﷺ، والمعنى أنه بعد فشل بنو إسرائيل في حمل رسالة التوحيد، فقد انتقل هذا العبء إلى بنو عمومتهم العرب من ذرية إسماعيل، على قاعدة: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦]، ولم تذكر السورة بعثة عيسى المسيح لأنه كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة، إذ كان آخر فرصة لهم لإصلاح فسادهم فكفروا به، ثم انشقت المسيحية عن بعثته واتبعت ديانة بولس:\n﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ من الكتب السابقة، وهو ناسخ لها، انظر آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، وسوف نلاحظ التركيز على مزايا القرآن في تتمة السورة وخاصة بالآيات: (٨٢، ٤٦، ٤٥، ٤١ - ١٠٧، ١٠٦، ١٠٥)،\n﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ بشارة الأجر الكبير مرتبطة بالإيمان الذي يرافق العمل الصالح،\n\n<span id=\"aya-2039\"></span>﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ وهذه إشارة إلى اليهود الذين خلت كتبهم التي ألّفوها من أي إشارة للآخرة، تعاميا عن مسؤولياتهم الأخلاقية، سوى إشارة واحدة في سفر دانيال، والمعروف أن إحدى طوائفهم المسماة \"السدوقيين ش د د خ ص خ خث\" تنكر الآخرة بتاتا،\n\n<span id=\"aya-2040\"></span>﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ (١١)\n١١ - بعد أن بيّنت الآية (٩)﴾ أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم من الكتب السابقة، يستمر الخطاب من هذه الآية وحتى آخر السورة، عدا الآيات (١٠١ - ١٠٤)، بتفصيل ذلك:","vol":"2","page":526},{"text":"﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ مع أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، وإن الوحي الإلهي هو المعيار الوحيد لمعرفة الحق من الباطل، فالإنسان يتخبط على غير هدى، وقد يدعو ما ليس في صالحه، فيستعجل الشر ظانّا أنه خير، انظر قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]، فلا بد من الصبر وتحمّل المعاناة واستبعاد العجلة،\n\n<span id=\"aya-2041\"></span>﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ دليلين قاطعين على التوحيد ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ كناية عن الجهل ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ كما هي في القرآن الكريم يخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الزمنية، ولتذكروا منها فترة بقائكم المؤقتة في دنياكم ﴿وَالْحِسابَ﴾ فتعدّوا العدّة لآخرتكم ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ كلّ ما تحتاجونه في مصالح دينكم وأخلاقكم ودنياكم فصّلناه، وهكذا أزيحت عنكم الأعذار والعلل، فأصبحتم في موقع المسؤولية كما هو مذكور في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-2042\"></span>﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ لأن العرب في الجاهلية كانت تطلق الطير فإن طار يمنة تفاءلت، وإن طار يسرة تشاءمت، فصار الطير عندهم بمنزلة الفأل أو الحظ، ولما كثر ذلك عندهم سمّي الخير والشر بالطائر، فخاطبهم تعالى بما تعارفوا عليه، وأخبرهم أنّ مسؤولية الإنسان فردية مرتبطة بعمله وتنبثق من خياره الأخلاقي فتطوّق عنقه، أي تحيط به، وهو ملزم بها يحاسب عليها وفق عمله، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا﴾ بأعماله ﴿يَلْقاهُ مَنْشُورًا﴾ واضحا بيّنا،","vol":"2","page":527},{"text":"<span id=\"aya-2043\"></span>﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ﴾ كتاب أعمالك ﴿كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فانظر تحقق العدالة بنتيجة ما تراه من كتاب أعمالك،\n\n<span id=\"aya-2044\"></span>﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثواب العمل الصالح مختصّ بفاعله ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ وبال ضلاله يعود عليه لا يتعدّاه ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الوزر في اللغة هو الحمل، ثم استخدم للإثم لأنه يثقل ظهر حامله، والمعنى إنّ كل أحد مختص بذنب نفسه، فلا يستطيع أن يحمل من ذنوب غيره، ولا الآخرين يستطيعون أن يحملوا من ذنوبه، لأنّ المقلّدين زعموا أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلّدوهم، جاهلين أن لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وبالمناسبة فإنّ هذه القاعدة تنفي زعم المسيحية إن المسيح تحمّل أخطاء البشرية سلفا نيابة عنها، كما تنفي زعم اليهود إنهم شعب الله المختار وإنّ ذنوبهم مغفورة بدعوى نسبهم إلى إبراهيم ﵇ ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ أحدا على ذنوبه ﴿حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ يبيّن للناس الحق من الباطل، فتنزاح الأعذار عنهم سلفا،\n\n<span id=\"aya-2045\"></span>﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ القرية في لغة القرآن هي المجتمع أو الأمّة ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بالاستقامة وفق ما جاءت به الرسل المشار إليها في الآية السابقة، وقوله ﴿مُتْرَفِيها﴾ لأنهم، في العادة، يكونون مالكين لمقاليد الأمور في مجتمعاتهم ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ خرجوا عن الحق، واتّبعوا أهواءهم ومقاييسهم الوضعية، وتمسّكوا بالتقليد بدلا من اتباع ما أمروا من الاستقامة ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ بنتيجة معصيتها وفسادها ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ تدميرا مرتبطا بفسادها وفسقها، كارتباط السبب بالمسبّب،","vol":"2","page":528},{"text":"<span id=\"aya-2046\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ من أمثال تلك القرى المشار إليها آنفا ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ فيحاسبهم عليها،\n\n<span id=\"aya-2047\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ﴾ وهي الدنيا الفانية، يريدها مكتفيا بها، وجاعلها منتهى أمله، ناسيا آخرته ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ من متاع الدنيا ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ من الضلاّل والجاحدين، والمعنى أنّ الله تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء بحب سننه في الخلق، ولو اقتصر الرزق على المؤمنين دون غيرهم لأصبح الإيمان إلجاء ممّا ينافي التكليف، وقوله ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ يفيد أن الكثير من الضالّين يعرضون عن الدين طلبا للدنيا، فيخسرون الدين والدنيا معا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾ جزاء وفاقا ﴿مَذْمُومًا﴾ على ما كان عليه من طلب الدنيا ونسيان الآخرة ﴿مَدْحُورًا﴾ عاجزا لا يقدر على شيء،\n\n<span id=\"aya-2048\"></span>﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ﴾ في مقابلة من أراد الدنيا فقط ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ السعي للآخرة مرتبط بالإيمان، فيكون السعي الدنيوي وفق الضوابط القرآنية ﴿فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ يثابون عليه،\n\n<span id=\"aya-2049\"></span>﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ﴾ ممّن يريد العاجلة ﴿وَهَؤُلاءِ﴾ ممّن يريد الآخرة ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ لأن الدنيا دار ابتلاء وتكليف، والكل مخلوقون في دار العمل ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ عن الطرفين من طلاب الدنيا أو طلاب الآخرة، وإلاّ لصار الإيمان إلجاء، ومن اتبع سنن الله في الخلق وصل، مؤمنا كان أم كافرا،","vol":"2","page":529},{"text":"<span id=\"aya-2050\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ بنتيجة سعيهم الدنيوي وتفاضلهم في العقول واتّباعهم سنة الله في خلقه، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦]، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ من درجات الدنيا ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ لأن العبرة تكون وقتئذ بالعمل الصالح الذي ارتبط مع الإيمان،\n\n<span id=\"aya-2051\"></span>﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ (٢٢)\n٢٢ - بعد أن فصّلت الآيات (١١ - ٢١) قواعد السعي الدنيوي، تؤكّد هذه الآية أن لا سعي يفيد مع الشرك:\n﴿لا تَجْعَلْ﴾ أيها الإنسان ﴿مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ تجعله شريكا في الألوهية، وهؤلاء الشركاء غير مقتصرين على الأصنام، أو زعماء الدين، أو القديسين، أو الشفعاء الموهومين، بل يدخل فيهم الاعتقاد بالقيم الزائفة ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ بين الناس ﴿مَخْذُولًا﴾ في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-2052\"></span>﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾ أتبع الأمر بعبادة الله وتوحيده، بالأمر ببر الوالدين، فالله تعالى هو الخالق، والسبب الظاهري لوجود الإنسان أبواه، فأمر تعالى بتعظيم السبب الحقيقي أولا، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري ﴿إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما﴾ وقد يتغير مزاجهما سلبا بسبب التقدم في السن ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما﴾ حرّمت الآية أبسط تعبير عن التذمّر من الوالدين، فضلا عن تحريم زجرهما ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ بالكلام اللطيف المقرون بالتعظيم والاحترام،","vol":"2","page":530},{"text":"<span id=\"aya-2053\"></span>﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ المبالغة في التواضع تجاههما، لأن خفض الجناح كناية عن التواضع، كما يخفض الطير جناحيه فوق فراخه ﴿وَقُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُما﴾ وأحسن إليهما ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ كما أحسنا في تربيتي صغيرا،\n\n<span id=\"aya-2054\"></span>﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ (٢٥)\n٢٥ - بعد أن أمرت الآيات المتقدمة بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ثم أتبعت بالأمر ببر الوالدين، تبيّن هذه الآية إنّ الله تعالى مطّلع على ما يضمره الناس في نفوسهم من الإخلاص أو الرياء: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ إن كنتم صالحين مخلصين ترجعون إلى الله على الدوام في أعمالكم، فالله تعالى يتجاوز عن سيئاتكم، وقوله:\n﴿لِلْأَوّابِينَ﴾ يفيد كثرة رجوع المؤمنين إليه تعالى بالتوبة والمداومة عليها،\n\n<span id=\"aya-2055\"></span>﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٢٦)\n٢٦ - يلاحظ التدرج في الخطاب، فبعد الأمر بعبادة الله وحده، ثم الأمر ببر الوالدين، ينتقل الخطاب هنا إلى الأمر ببر ذوي القربى، الأقرب فالأقرب وغيرهم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ﴾ يلاحظ الدقة في التعبير إذ جعل تعالى أعطيات ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقّا لهم، وليس منّة، وفي العصر الحديث يشمل تعبير \"أبناء السبيل\" اللاجئين الذين انقطعت بهم السبل ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ في غير طاعة الله، أو تنفق في الباطل، أو فيما لا جدوى منه،\n\n<span id=\"aya-2056\"></span>﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ لأن التبذير بلا طائل، أو في الفساد والافساد، يفيد الاستخفاف بنعم الله، فكأن المبذّر يتّبع وسواس الشياطين في سبل الإنفاق،","vol":"2","page":531},{"text":"<span id=\"aya-2057\"></span>﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ عن ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل، المشار لهم بالآية (٢٦)، أي تمتنع عن عطائهم ﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ بسبب قلة إمكاناتك المادية، وأنت تأمل تحسّنها قريبا، وقد سمّت الآية الرزق الماديّ رحمة، وفي آيات أخرى قد يكون رزقا معنويّا ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ كلاما لطيفا لعلّك تتمكّن من عطائهم فيما بعد،\n\n<span id=\"aya-2058\"></span>﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ كناية عن منتهى البخل والشح، فكأنما اليد مربوطة إلى العنق منعا للإنفاق ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فيبلغ إنفاقك منتهاه بحيث لا يبقى عندك شيء ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ من قبل من هم بحاجة إليك من أهلك وأولادك ﴿مَحْسُورًا﴾ عمّا تحتاجه من المال،\n\n<span id=\"aya-2059\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ بلا حدود ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ من عباده ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أو يرزقهم ضمن الحدود الدنيا، وفق المصلحة والحكمة الخافية على معظم البشر، أو وفق سننه تعالى في خلقه ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا﴾ بحاجياتهم ﴿بَصِيرًا﴾ بأحوالهم،\n\n<span id=\"aya-2060\"></span>﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ (٣١)\n٣١ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ الأناث والذكور من صغاركم ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ خشية الفقر، ومن ذلك أنهم كانوا في الجاهلية يئدون البنات أي يقتلونهنّ في صغرهنّ خشية الفقر والعار، وهذا التحريم في العصر الحاضر قد يطال الإجهاض المبني على أسباب اقتصادية بحتة ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ﴾ الأرزاق بيده تعالى ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ إثما كبيرا لا ينسجم مع احترام إنسانية الولد، ولأن لحياة الإنسان عامة حرمة في","vol":"2","page":532},{"text":"الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (٧٠)، وهذا الفهم قد لا يعني إغلاق إجراءات تنظيم النسل المبني على مبررات صحية وتربوية واجتماعية،\n\n<span id=\"aya-2061\"></span>﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ نهي عن مجرّد الاقتراب منه، وهو أشد من التحريم ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ ما يعظم قبحه من الفعل أو القول ﴿وَساءَ سَبِيلًا﴾ هو أسوأ السبل لقضاء الشهوة الجنسية عن طريق الحرام،\n\n<span id=\"aya-2062\"></span>﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ للنفوس، مؤمنة أم كافرة، حرمة في الإسلام ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ كما في حال تشريع القصاص، ولا يكون تنفيذه إلا عن طريق الحكومة، وليس لآحاد الناس أن يحكم به أو يقوم به، وقد يضطر إليه المرء في حالة الدفاع عن النفس أو العرض أو المال أو المستضعفين، أو في حال حرب دفاعية قائمة ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ بغير وجه حق ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ الذي يليه في القربى، والمسؤول عنه ﴿سُلْطانًا﴾ سلّطنا وليّه على قتله أو العفو عنه، ضمن تشريع القصاص القضائي ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ فلا يقتل غير القاتل، ولا يتجاوزه إلى غيره ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ فيما جعله الله له من حق وولاية على القتيل، فلا يميل إلى الانتقام والعجلة،\n\n<span id=\"aya-2063\"></span>﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ فتأخذوا منه شيئا ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بقصد تنميته ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فيصبح بالغا عاقلا، انظر شرح آية [النساء ٤/ ٢]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ الوفاء بالعهود قاعدة إسلامية مهمة تنتظم بها الحياة، انظر شرح آية [المائدة ٥/ ١]، ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ يسأل عنه المرء ويحاسب عليه،","vol":"2","page":533},{"text":"<span id=\"aya-2064\"></span>﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ الكيل المادي والمعنوي فيما يتعلق بأداء الحقوق ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ﴾ الميزان ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ بلا غبن ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ لكم كأفراد ومجتمعات ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الأحسن لكم مآلا وعاقبة، في الدنيا والآخرة،\n\n<span id=\"aya-2065\"></span>﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَلا تَقْفُ﴾ أيها الإنسان ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا تتّبع ولا تقتف، ولا تتّبع أثر ما لا علم لك به معتمدا على الظن والتخمين والأقاويل ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ أجهزة الحواس التي أنعم بها الله عليك ﴿وَالْفُؤادَ﴾ كناية عن العقل الذي كرّمك به الله تعالى ﴿كُلُّ أُولئِكَ﴾ كلّ ملكاتك الحسيّة والعقلية أن تستخدمها على الوجه السليم في سبيل التوصّل إلى الحقيقة ﴿كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ مسؤولا أن تتّبع علم اليقين في السلوك والعمل والعقيدة، وليس القيل والقال والإشاعات والتقليد،\n\n<span id=\"aya-2066\"></span>﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ تواضع، ولا تتكبّر ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾ فإنك خلق ضعيف مهما أعجبتك نفسك، ومهما ظننت بها الكبر،\n\n<span id=\"aya-2067\"></span>﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿كُلُّ ذلِكَ﴾ ما تقدّم من الأشياء السيئة المذكورة، أي الأخلاق السلبية ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ من العمل القبيح والمعصية ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ الله تعالى يكره كل قبيح من الأعمال لعبيده،","vol":"2","page":534},{"text":"<span id=\"aya-2068\"></span>﴿ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿ذلِكَ﴾ المنهج الأخلاقي العملي الذي بيّنته الآيات المتقدّمة (٢٢ - ٣٨)، ﴿مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ بعض ما أوحى إليك ربّك من الحكمة، وهي معرفة الصواب من الخطأ، على ضوء المقاييس الأخلاقية التي نزل بها الوحي ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ من الآلهة الخيالية المزعومة وتنسب لها من المقاييس الأخلاقية الوضعية المناقضة للحكمة ﴿فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلوم نفسك ﴿مَدْحُورًا﴾ لا حول لك ولا قوّة،\nوهكذا يكتمل الخطاب، كما بدأ بالآية (٢٢)، بالدعوة إلى التوحيد،\n\n<span id=\"aya-2069\"></span>﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (٤٠)\n٤٠ - وهذه الآية حتى الآية (٤٤) أمثلة على ضحالة الشرك:\n﴿أَفَأَصْفاكُمْ﴾ أفخصّكم ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاِتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا﴾ إشارة لزعمهم في الجاهلية أن الملائكة بنات الله، رغم أنهم، في تناقض فاضح لسلوكهم، كانوا يئدون البنات ويستبقون الذكور، وفي المعنى العام للآية بيان ضحالة الفكر الذي ينسب من صفات الألوهية لغير الله تعالى، انظر آيات [الأنعام ١٠٠/ ٦ - ١٠١]، ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ قولا مقيتا لا يقبله العقل السليم، انظر آيات [مريم ٨٨/ ١٩ - ٩٢]،\n\n<span id=\"aya-2070\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ قلّبنا وأوضحنا لهم من كل الوجوه، في إشارة للآية (٩)، ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ما فطروا عليه من الإيمان ﴿وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ شبّهتهم الآية بالحمر النافرة، لشدّة تمسّكهم بالتقليد، وتشنّج عقولهم عليه،\n\n<span id=\"aya-2071\"></span>﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ لو كان زعم المشركين صحيحا في نسبهم من صفات الألوهية لشركائهم الذين يزعمون فيهم الوساطة أو","vol":"2","page":535},{"text":"الشفاعة مع الله تعالى ﴿إِذًا لابْتَغَوْا﴾ هؤلاء الشركاء المزعومون ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ لطلبوا الشفاعة لأنفسهم من الله تعالى، وذلك لمنتهى عجزهم، فضلا أن يستطيعوا طلب الشفاعة أو الوساطة لغيرهم، وقوله تعالى ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ يفيد أن كل ما في الكون واقع تحت هيمنته لا يشاركه ولا يعجزه فيه أحد البتّة،\n\n<span id=\"aya-2072\"></span>﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له تعالى عما لا يليق به من الصفات ﴿وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ﴾ من المزاعم والأوهام ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ شتّان ما بين ضحالة أقاويلهم وبين عظمته تعالى التي لا يرقى إليها ولا يحيط بها وصف،\n\n<span id=\"aya-2073\"></span>﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ﴾ الأنظمة الكونية العديدة، لأن السماء هنا بمعنى النظام الكوني، والسبع في اللغة العربية، كما في اللغات السامية تفيد التعدد وليس العدد سبعة بالضرورة ﴿وَالْأَرْضُ﴾ ولا يمنع ذلك أن هنالك أرضين كثيرة في الأنظمة الكونية المتعددة، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]، ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ من مخلوقات ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الكائنات ﴿إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ رغم أن كلّ ما في الكائنات يشهد شهادة قاهرة على وجود خالق جبّار مهيمن فإن أكثر الناس عمون عن ذلك ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ يمهل عباده للتوصل إلى الحقيقة ﴿غَفُورًا﴾ يغفر لهم جهلهم وتقصيرهم،\n\n<span id=\"aya-2074\"></span>﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ (٤٥)\n٤٥ - عودة الخطاب إلى الآية (٤١)﴾:\n﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أيها النبي ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ حجابا نفسيا معنويا غير مادي، أي لشدة إنكارهم الآخرة لا تفيدهم تلاوة القرآن،","vol":"2","page":536},{"text":"<span id=\"aya-2075\"></span>﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية معنوية ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي لئلا يفقهوه ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلا في السمع، فالقرآن ثقيل على أسماعهم، لا تنفتح له عقولهم، وقد نسب تعالى تغطية قلوبهم عن الفهم، وأسماعهم عن السمع إلى ذاته العلية مع أن ذلك من أعمالهم الاختيارية، والمعنى أن الله تعالى خلاّهم لأنفسهم ولم يجبرهم على الهدى ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ إلها واحدا منزّها عن الشرك والشركاء ﴿وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ أداروا ظهورهم لمفهوم التوحيد ونفروا منه، لأنهم مصرّون على ما اعتادوا عليه من الشرك، وتقليد الآباء والأجداد، وجمود عقولهم على ذلك،\n\n<span id=\"aya-2076\"></span>﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ إذ صمّمت عقولهم سلفا على ما فيها ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أي إنّ ما يستمعون به من القرآن وما يصرّون على ما في عقولهم المنغلقة سلفا، خلاف ما يتلى عليهم ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ يتكلمون سرّا فيما بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ﴾ لبعضهم البعض، ولمن يميل منهم إلى الإيمان ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ لشدة انبهارهم بالقرآن يتخبّطون ويختلقون شتّى الأعذار للصدّ عنه،\n\n<span id=\"aya-2077\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ للتهرب من الحقيقة ﴿فَضَلُّوا﴾ عن السبيل القويم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ بسبب العناد والمكابرة،\n\n<span id=\"aya-2078\"></span>﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا﴾ باليا مفتتا ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ وذلك لشدة ماديتهم، إذ يعتقدون أن الإنسان ليس سوى جسد مادي لا غير،","vol":"2","page":537},{"text":"<span id=\"aya-2079\"></span>﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ المغزى أنكم تنكرون الروح، والعبرة ليست بمادة الجسد،\n\n<span id=\"aya-2080\"></span>﴿أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿أَوْ خَلْقًا﴾ ماديا ﴿مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ مما يستحيل بعثه حسب ظنكم ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا﴾ في إنكار واضح للخالق ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فهو قادر على خلقكم من جديد ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ يحرّكون رؤوسهم غير مصدّقين، فينتقلون من سؤال لآخر في تهرب واضح من الحجج القاطعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ يسألون عن توقيت البعث لأن عقولهم قاصرة عن مفهوم الزمن المطلق، ويقيسون الأمور بالزمن الدنيوي النسبي ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ كما هو مبيّن في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-2081\"></span>﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ للبعث ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ مغزى الاستجابة بحمده أنه لا يبقى لديهم وقتئذ أدنى شك في وجود الخالق وفي عظمته ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الأرض ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ تستقلّون مدة لبثكم في الدنيا بعد أن زال عنكم مفهوم الزمن الدنيوي،\n\n<span id=\"aya-2082\"></span>﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا﴾ للذين لا يشاطرونهم عقيدة الإسلام ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إذ لا إكراه في الدين، والجدال يجب أن يكون بالحسنى ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يفسد بين الناس ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾ من الأزل، ولا يزال ﴿لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ يستفزهم إلى الحماقات وإلى الشر، انظر آية [مريم ٨٣/ ١٩]،","vol":"2","page":538},{"text":"<span id=\"aya-2083\"></span>﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ فيوفق من يشاء الهداية من الناس إلى الهدى ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخلّي العصاة لأنفسهم ويتركهم لحرية خيارهم فلا يجبرهم على الهدى ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ﴾ أيها النبي ﴿وَكِيلًا﴾ لست مسؤولا عن سلوكهم، ولا عن مصيرهم، أما الدعوة فلا بد أن تكون باللين والرفق،\n\n<span id=\"aya-2084\"></span>﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَرَبُّكَ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الله تعالى أعلم بما يدور في عقول عباده من أفكار ونظريات وعقائد، ولا بدّ من التعامل معها بالحرية الفكرية والحوار في مجال الدعوة ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ بختم النبوّات بمحمد ﷺ ونزول القرآن الكريم عليه، كما قال الزمخشري ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ الكتاب المقدس الذي أوحي إليه، ويلاحظ في المقابلة بين خاتم الأنبياء والرسل ﷺ، وبين داود ﵇ عودة إلى الآيات (١ - ٢)، ما فيه إشارة لانتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل،\n\n<span id=\"aya-2085\"></span>﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿قُلِ﴾ للمشركين ﴿اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الملائكة والأوهام والشفعاء المزعومين ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ في إشارة واضحة للمسيحية التي تؤمن بفكرة الفداء بالنيابة،\n\n<span id=\"aya-2086\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾","vol":"2","page":539},{"text":"٥٧ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ من الملائكة والشفعاء ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يبتغون طريق التقرّب إلى الله ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ حتى كبار الملائكة والأنبياء منهم ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ تعالى ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ ممّا يحذره العاقل ويحترس منه،\n\n<span id=\"aya-2087\"></span>﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع من المجتمعات ﴿إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ لأن كل شيء على هذه الأرض فان وذو طبيعة مؤقتة، والخلود في الآخرة فقط ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ بالجوع والخوف ونقص من الأموال والثمرات، كما في آية [البقرة ١٥٥/ ٢]، وبما تكسب أيدي المستكبرين والمترفين ويتّبعهم عليها المستضعفون، لأن سنته تعالى في خلقه جرت على ربط النتائج بالمقدمات، والمسببات بالأسباب ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ فيما قدّره الله في علمه القديم الشامل، في كتاب التكوين الذي أخضع الحياة لقوانين وضوابط،\n\n<span id=\"aya-2088\"></span>﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفًا﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ المعجزات المادية التي تؤيد الأنبياء ﴿إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ من الأقوام البدائية التي لم تصل إلى مرحلة من النضوج الفكري، كما هي الحال في المعجزات المادية الكثيرة التي لم تفد بني إسرائيل، كتظليل الغمام لهم في سيناء، ونزول المن والسلوى عليهم، ومع ذلك عاندوا موسى وكذّبوه، وقالوا أرنا الله جهرة، ثم ارتكسوا بعده إلى الوثنية ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ذات دلالة واضحة عند من يبصر المغزى منها","vol":"2","page":540},{"text":"﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظلموا أنفسهم بعقرها، انظر آيات [الشمس ١١/ ٩١ - ١٥]، ﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ﴾ المعجزات المادية ﴿إِلاّ تَخْوِيفًا﴾ تأييدا للرسل،\nوالمغزى العام من الآية أنّ القرآن الكريم نزل على البشرية، ختما للرسالات، معجزة خالدة على مر العصور، يخاطب عقول الناس بعد أن ارتقت البشرية إلى مرحلة كافية من النضوج الفكري، فلم يبق من حاجة لمعجزات مادية ملموسة،\nوفي الآية عودة لتركيز السورة على إعجاز القرآن الكريم، انظر الآيات: (٩، ٨٢، ٤٦، ٤٥، ٤١ - ١٠٧، ١٠٦، ١٠٥، ٨٩، ٨٨)،\n\n<span id=\"aya-2089\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ﴾ أيها الرسول ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ بعظمته وقدرته وعلمه القديم ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ رؤيا الإسراء والمعراج ﴿إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ اختبارا لهم، فيهتز بها إيمان ضعاف العقول وأنصاف المؤمنين بنبوّة محمد ﷺ، وتنكشف أمورهم، أما الذين آمنوا إيمان اليقين فيزداد يقينهم ويبتهجوا بما أنعم الله على رسوله من رؤيا الإسراء والمعراج ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ جعلناها فتنة للناس أيضا، وهي شجرة الزقّوم التي ترمز إلى جهنم، انظر [الصافّات ٦٢/ ٣٧ - ٦٥]، وقد وصفت بالملعونة أي المبعدة من رحمة الله، لأنّ من يؤول مصيرهم إلى جهنم مبعدون من رحمته تعالى ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بمثل هذه الآيات المتشابهات، انظر [آل عمران ٧/ ٣]، ونصوّر لهم عذاب الآخرة تصويرات حسيّة تناسب عقولهم الدنيوية ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ هذا التخويف ﴿إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ طغيان المصرّين على الكفر،\n\n<span id=\"aya-2090\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾","vol":"2","page":541},{"text":"٦١ - بعد أن فصّلت الآيات (٤٠ - ٦٠) في عناد المشركين وإصرارهم على الكفر رغم الآيات الباهرات المحيطة بهم، تنتقل هذه الآية إلى قصة الخلق الرمزية، ولبيان أن الإنسان في دنياه يكابد الصراع بين الخير والشر، في خيار حرّ بينهما، وقد وردت هذه القصة الرمزية بأوجه وعبر متنوعة في سور سبع من القرآن الكريم وهي (البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص)\n﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لجنس البشر ﴿فَسَجَدُوا﴾ سجود تكريم له بعد أن علّمه الله تعالى الأسماء كلّها، ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ رمز الشر ووساوس السوء ﴿قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ أبى إبليس أن ينقاد للحقّ، بل صمّم على القيام بدوره، ما يجعل الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل،\n\n<span id=\"aya-2091\"></span>﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿قالَ﴾ إبليس ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ بان أسجدت له الملائكة ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ أمهلتني ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ المعنى أضع في حنك الكثيرين من الناس لجاما أقودهم منه كالدواب، فيطيعونني طاعة عمياء ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ منهم، وهم المشار لهم بالآية (٦٥)،\n\n<span id=\"aya-2092\"></span>﴿قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿اِذْهَبْ﴾ في سبيلك الذي اخترته من الشر ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ من الضلاّل ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾ جزاء عادلا مترتّبا على ما يختارونه لأنفسهم،\n\n<span id=\"aya-2093\"></span>﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا (٦٤)﴾","vol":"2","page":542},{"text":"٦٤ - ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ في الخطاب كناية، والمعنى: استخدم كل ما لديك من استطاعة وإمكانات مادية ﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ﴾ بتحريضهم أن يأكلوا من أموال الآخرين بالسرقات والرشوات، وإنفاق الأموال في اللهو والمعاملات الفاسدة ﴿وَالْأَوْلادِ﴾ ما يفيد استخدام إمكاناته المعنوية أيضا في إفساد الذرية وحضّها على الفساد والعقوق ﴿وَعِدْهُمْ﴾ من المواعيد والأماني الباطلة، كأن لا آخرة ولا حساب ولا مسؤولية ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُورًا﴾ ما يضلّل به العقول،\n\n<span id=\"aya-2094\"></span>﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿إِنَّ عِبادِي﴾ المخلصين، من أهل الفضل والعلم والإيمان ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فلا تستطيع التغرير بهم ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ عليهم يعصمهم من وساوس الشيطان،\n\n<span id=\"aya-2095\"></span>﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٦٦)\n٦٦ - بعد انتهاء قصة الخليقة، وبيان مكابدة الإنسان بين عناصر الخير والشر، تعود السورة لبيان أن الإنسان بين الخوف والرجاء: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ يسيّر ﴿لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ ويسهّل عيكم علوم التحكم بها ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ابتغاء رزقه ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ بما يمكن العباد من تحصيل رزقهم باتّباع سننه في خلقه،\n\n<span id=\"aya-2096\"></span>﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ بهياج البحر، وإشرافكم على الهلاك، في أثناء ابتغائكم الرزق والمعاش أو الأبحاث ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ لجأتم","vol":"2","page":543},{"text":"إلى الله تعالى وحده في دعائكم، ونسيتم شركاءكم المزعومين، وهذا الأمر ينطبق اليوم على من يركب الطائرات أيضا ﴿فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ برحمة منه، أو استجابة لدعائكم ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الدعاء والتوحيد، بعد أن أمنتم، ونسبتم نجاتكم إلى حولكم وقوتكم، أو إلى محاسن الصدف ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ به نزعة إلى كفران النعم،\n\n<span id=\"aya-2097\"></span>﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾ أي حتّى لو وصل الإنسان إلى بر الأمان، فهو ليس بأمان مطلق، لأن الأرض قد تخسف بالزلازل والبراكين ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ ربّكم ﴿عَلَيْكُمْ حاصِبًا﴾ من الرياح العاتية والأعاصير التي تحمل كل ما في طريقها من مواد وحصباء فتحصب به الناس ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا﴾ في هذه الحالات ﴿لَكُمْ وَكِيلًا﴾ يحميكم من قدرته تعالى،\n\n<span id=\"aya-2098\"></span>﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ تعودون لركوب البحر في رحلاتكم القادمة ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ فيقصف سفنكم بالأعاصير ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ﴾ فتغرقوا بما كفرتم، وبما كسبت أيديكم من الفساد والجحود، وبما نسبتم لأنفسكم من إمكانات الجبروت والسيطرة على الدنيا بواسطة التقانة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ ليس من يحاسب على ما وقع، فالله تعالى لا يسأل عمّا يفعل، وهم يسألون،\n\n<span id=\"aya-2099\"></span>﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾","vol":"2","page":544},{"text":"٧٠ - وهنا تعود السورة إلى موضوع الآية (٦١)، وما ورد في قصة الخلق من تكريم بني آدم:\n﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ بأن علّمه تعالى الأسماء كلها، فأمكنه من التفكير المجرّد من بين جميع المخلوقات، ومنحه حرية الفكر والخيار والعقيدة، ولذلك أسجد له الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴿وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بما أودع تعالى في عقولهم من وسائل العلوم والمعرفة يخترعون بواسطتها شتّى أنواع المركبات والسفن ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ بما جعل في الكون من سنن من سار عليها وصل إلى مراده ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ من حيوانات يقتصر فكرها على إشباع غرائزها البهيمية، وليس لها من ميّزات الإنسان المذكورة شيء ﴿تَفْضِيلًا﴾ كثيرا واضحا بيّنا،\n\n<span id=\"aya-2100\"></span>﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿يَوْمَ﴾ القيامة ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ بعد ما ذكرته الآية السابقة من تكريمه تعالى لبني آدم، تبيّن هذه الآية أنه يوم القيامة سوف يدعى كلّ أناس بإمامهم، وهو ما فسّره الرازي بتركيبة المرء الأخلاقية، أو اللاأخلاقية، التي كانت تسوقه في دنياه، فمنها شخصية الأخلاق الفاضلة والكرم وطلب العلم والزهد، ومنها شهوة طاغية للمال، أو شهوة طاغية للسلطة والتسلط، ومنها شخصية الحقد والحسد والتخريب، وشخصية الإجرام، فهذه كلها بمثابة إمام للفرد يقتديه، ويدعى بموجبه في الآخرة، وفي الحديث: «لكلّ امرئ ما نوى»، ويدخل في ذلك الأعمال التي يفترض أن قام بها المرء فتركها ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ كناية عن حسن الطالع، لأن العرب تقول ميمون وأيمن ﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ كتاب أعمالهم وهم في حالة من السرور، لما كانوا","vol":"2","page":545},{"text":"عيه من الاستقامة في دنياهم ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ مقدار شعرة، وذلك ينطبق على أصحاب اليمين، كما ينطبق على المجرمين من أصحاب الشمال،\n\n<span id=\"aya-2101\"></span>﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمى﴾ القلب ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ القلب أيضا ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عمّا كان عليه في دنياه، والمعنى أنّ نوعية الحياة الآخرة ليست فقط مترتّبة على ما كان عليه المرء في دنياه، بل هي في الواقع امتداد لها،\n\n<span id=\"aya-2102\"></span>﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (٧٣)\n٧٣ - استمرار الخطاب من الآيات (٧٠ - ٧٢)، لأنه من نتائج تكريم بني آدم بالفكر المجرّد وبالحرية الفكرية، ضلال الكثيرين من الناس، كما تبيّنه الآيات (٧٣ - ٧٧):\n﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ يغرونك أيها النبي بشتى وسائل الإغراء ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ يريدون أن يطابق الوحي الإلاهي مقاييسهم الدنيوية وما توارثوه عن أجدادهم بالتقليد، وبمعنى آخر أرادوا التوصّل إلى حلول \"وسط\" مع النبي ﷺ، كي يقبلوا نبوّته، ومن جهته يفتري قرآنا من عنده بزعمهم ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ وهو ما رفضه النبي ﷺ قطعيا،\n\n<span id=\"aya-2103\"></span>﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ المغزى أن الإيمان الشديد الذي كان يتمتع به النبي ﷺ، جعل من المستحيل عليه قبول عروضهم \"الوسط\"،\n\n<span id=\"aya-2104\"></span>﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)﴾","vol":"2","page":546},{"text":"٧٥ - ﴿إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾ أي عذاب الضعف في الدنيا والآخرة، أولا بسبب ضلاله عن الوحي الموحى إليه، وثانيا بسبب ضلال أتباعه من بعده، وهو المعصوم ﵊، وعلى أية حال ففي الآية مغزى عام، وهو أنه لا يمكن التغاضي عن أية نية مبيّتة ضد حقيقة إلهية، ما لم يقع صاحبها في خطيئة لا تغتفر ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ لا أحد ينصرك من دون الله في مثل هذه الحالات،\n\n<span id=\"aya-2105\"></span>﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أيها النبيّ، بعد أن فشلوا في إقناعك بالتخلّي عن رسالة الإسلام ﴿مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ من أرض مكة، لأن السورة مكية، واضطهاد قريش ضد الرسالة في مكة كان على أشدّه ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ تحققت هذه النبوءة بعد أكثر من سنتين بقليل، أي في رمضان بالعام ٢ للهجرة عندما قتل أكابر قريش في وقعة بدر، وقوله تعالى:\n﴿خِلافَكَ﴾ يفيد بنتيجة مخالفتهم لك، أي تلك النتيجة الطبيعية لمخالفة خاتم الأنبياء والرسل، وهو أيضا بمعنى بعدك أو خلفك،\n\n<span id=\"aya-2106\"></span>﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ سنّته تعالى في نصرة أنبيائه لا تتغيّر ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ فقد لاقى أكثر من شاركوا في إخراج النبي من مكة مصيرهم المحتوم في بدر أو في مكة،\n\n<span id=\"aya-2107\"></span>﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾","vol":"2","page":547},{"text":"٧٨ - تتمة الخطاب من الآيات السابقة، أي إذا كان الأمر كذلك من تثبيت الله تعالى لرسله ونصرتهم، الآيات (٧٣ - ٧٧)، فلا بد من مداومته ﷺ، ومداومة أمّته على الصلاة، لدوام التثبيت، ودوام الشكر:\n﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ هذه الآية تفيد الصلوات الخمسة، وقد فصّلتها السنّة الشريفة، وقالوا دلوك الشمس معناه زوالها في منتصف النهار، فيكون المعنى: أقم الصلاة من زوال الشمس في منتصف النهار، حتى غسق الليل، فيدخل في ذلك صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قوله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يفيد صلاة الفجر ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ لأن النبي ﷺ كان يطيل قراءة القرآن وقت صلاة الفجر تركيزا على أهميتها الخاصة، وقد رأى الرازي في أهميتها من الإلهام يطرق قلب المؤمن عندما يبدأ نور الفجر بالانبلاج عن ظلام الليل ممّا يعزز تركيزه على الحقيقة الروحية،\n\n<span id=\"aya-2108\"></span>﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ قيام الليل ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ زيادة عن الصلوات المفروضة، ندبا وليس فرضا ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ في الدار الآخرة،\n\n<span id=\"aya-2109\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَقُلْ﴾ في صلاتك، وفي دعائك، وفي عملك، وفي ذهابك ومجيئك ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ في كلّ ما أقوم به من صلاة وعمل في سبيلك ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أخرجني من الصلاة، ومن كل أعمال الدنيا، ومن جميع المواقف، بالصدق والإخلاص وحضور الذكر ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾","vol":"2","page":548},{"text":"﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ أي اجعل لي حجّة بيّنة تنصرني بها على أعدائي، فيكون نصري بالاقناع والحجج السليمة، على قلوبهم، وليس على أجسادهم،\n\n<span id=\"aya-2110\"></span>﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ بنصرة الإسلام وقرب انتشاره في مشارق الأرض ومغاربها بالقدوة والموعظة الحسنة والحجج الفكرية السليمة، على قاعدة: ﴿وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (٨٠)، وقاعدة: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٥٣)،\nوقد تحققت هذه النبوءة خلال أقل من مئة عام من البعثة النبوية الشريفة بانتشار الإسلام من الصين شرقا حتى الأندلس غربا ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ من طبيعة الباطل أن يزول على أسرع الوجوه، وإن كانت له دولة وجولة، لأنه لا يحمل في طياته عناصر البقاء الضرورية للبقاء والاستمرار،\n\n<span id=\"aya-2111\"></span>﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَسارًا﴾ (٨٢)\n٨٢ - بعد أن ذكرت الآية (٧٨) أن قرآن الفجر كان مشهودا، يعود الخطاب للتركيز على قوامة القرآن على ما سبقه من الكتب، انظر الآيات: (٩، ٤٦، ٤٥، ٤١):\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ لما في الصدور من الشك والحيرة والترقّب والجهل ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يتوصّلون للإيمان بفهم القرآن وتدبّر معانيه، ووعيها، والعمل بها بجدية ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ﴾ الذين يعيشون حياة اللامبالاة والتسويف وخداع النفس والمادية البحتة ﴿إِلاّ خَسارًا﴾ قد يخسرون طريقتهم في الحياة، عدا خسارة آخرتهم، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ٢٠/ ٦]،\n\n<span id=\"aya-2112\"></span>﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣)﴾","vol":"2","page":549},{"text":"٨٣ - ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ من نوع الظالمين المشار إليهم بالآية السابقة ﴿أَعْرَضَ﴾ عن الهدى، وظنّ أن ما توصّل إليه من نعم الدنيا ناتج عن حوله وقوّته لا غير ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ كناية عن استكباره ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ من فقر أو مرض أو مصيبة من المصائب ﴿كانَ يَؤُسًا﴾ كان شديد اليأس من رحمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢]،\n\n<span id=\"aya-2113\"></span>﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ من الناس ﴿يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ على استعداده، أي بحسب ميوله ومكوّناته الشخصية، وما شاكل جوهر نفسه من طهارتها أو كدرها وخسّتها ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا﴾ الله تعالى أعلم بمن يسير على الاستقامة، أو ينحرف نحو الغشّ والضلال وخداع النفس، فأنّى للآخرين قسره على الهداية،\n\n<span id=\"aya-2114\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الرُّوحِ﴾ أي عن الوحي القرآني وطبيعته وماهيّته، لقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى ٥٢/ ٤٢]، فسمّى الوحي روحا، ولأنّ النظم من الآية (٨٢) حتى الآية (٨٩) يدور كله حول الوحي ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ في علمه واستئثاره ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ ما لا يمكّن الإنسان من الإحاطة إلاّ بجزء قليل من الغيبيّات،\n\n<span id=\"aya-2115\"></span>﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ وهذه الآية جواب على سؤالهم بالآية (٨٥)﴾ عن طبيعة الوحي، والمعنى أنّه من دون الوحي الإلهي يبقى","vol":"2","page":550},{"text":"الجنس البشري تائها يتخبّط في البحث عن المقاييس الأخلاقية المطلقة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا﴾ أيها الإنسان ﴿وَكِيلًا﴾ تكل أمورك إليه، أو تعتمد عليه في معرفة الحق من الباطل،\n\n<span id=\"aya-2116\"></span>﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، لأنّ الرحمة أيضا بمعنى الوحي، انظر آيات [هود ٦٣/ ١١، ٢٨]، حيث سمّى الوحي رحمة، والمعنى: لولا الوحي لما استقامت أمور الإنسان ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أيها النبي، وأيها الإنسان، لأن الله تعالى أنعم على الإنسان بنعمة العقل من جهة، وبنعمة الوحي الإلهي من جهة ثانية،\n\n<span id=\"aya-2117\"></span>﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ بكلّ ما يملكون من طاقات الفكر العلمية والتقنية والأدبية ﴿عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ في أسلوبه المعجز، ومحتواه العميق المتنوع، وإيحاءاته الروحية المبهرة، ونظمه المحكم ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ولو كانوا يعضدون وينصرون بعضهم بعضا، لأن المسألة ليست مشروطة بتكامل الطاقات في سبيل تكامل النص في إبداعه، بل مرتبطة بالسر الخفيّ وراءه،\n\n<span id=\"aya-2118\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ كرّرنا وقلّبنا المعاني القرآنية من كلّ الوجوه والأساليب، ليصبح القرآن قريبا من الأفهام ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ لأنّ فهم أكثر الناس سطحي وضحل ومقتصر على مادية الدنيا، كما سيرد في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-2119\"></span>﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾","vol":"2","page":551},{"text":"٩٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ يريدون معجزات مادية تلمسها أيديهم بسبب قصور عقولهم عن تقويم القرآن من حيث جدارته،\n\n<span id=\"aya-2120\"></span>﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ وهذا من قبيل التعجيز، والتهكّم، والتهرّب من مواجهة معجزة القرآن،\n\n<span id=\"aya-2121\"></span>﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ يقولون ذلك بلهجة من التحدّي، في إشارة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤/ ٥٢]، أي يستعجلون العذاب بسقوط السماء عليهم قطعا ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وبمزيد من التهكّم والتحدّي يريدون أن يظهر الله تعالى لهم مع ملائكته جماعة،\n\n<span id=\"aya-2122\"></span>﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ من الذهب ﴿أَوْ تَرْقى﴾ تصعد ﴿فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ لصعودك في السماء حتى لا تسحرنا بطريقة من الطرق ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ هكذا بطريقة مادية بحتة ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ الجواب أنّ كل ذلك ليس في طاقتي، وما أنا إلاّ بشر مثلكم مرسل من الله، وعليكم استخدام ما حباكم الله به من نعمة العقل، وليس تعطيل عقولكم، ولا التفكير بمثل هذه الطلبات الصبيانية،\n\n<span id=\"aya-2123\"></span>﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾","vol":"2","page":552},{"text":"٩٤ - ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ في عقلية بدائية تتطلّب الخوارق للإيمان، ما يجمع المتناقضات من كون الرسل ملائكة والمرسل إليهم بشرا،\n\n<span id=\"aya-2124\"></span>﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ لأن المرسل إليهم يجب أن يكون من جنسهم، ليتناسب فكره مع فكرهم، وقدراته العملية مع قدراتهم،\n\n<span id=\"aya-2125\"></span>﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فيما أدّعيه من الرسالة، وما أبلّغه للناس من الوحي ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ فهو أعلم بعباده من مهتدين وضالّين،\n\n<span id=\"aya-2126\"></span>﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾ (٩٧)\n٩٧ - بعد أن أسهبت الآيات (٨٢ - ٩٦) في تأكيد أصالة الوحي القرآني، وتحدي ذوي العقول البدائية له بشتى الأساليب الصبيانية، تنتقل هذه الآية والآيات التي تليها (٩٧ - ١٠٠) لبيان أنّ الإنسان بالخيار أن يستفيد من ملكاته العقلية، أو أن يهدرها، وفي الحالتين يلقى عاقبته نتيجة طبيعية لما اختاره من الهدى أو الضلال:\n﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ من يختار الهداية يوفّقه الله تعالى لها ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ من يختار الضلال فالله تعالى يخلّيه لنفسه ولا يقسره على الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ﴾ ينصرونهم من دون الله ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى﴾","vol":"2","page":553},{"text":"﴿وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ يحشرون بالحالة التي كانوا عليها في دنياهم إذ أهدروا إمكاناتهم العقلية والفكرية ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا﴾،\n\n<span id=\"aya-2127\"></span>﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ لأن إنكارهم البعث والجزاء ليس سوى إنكار لجبروت الخالق وعظمته، بل إنكار لوجوده،\n\n<span id=\"aya-2128\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فكيف ينكرون البعث ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا يستطيعون تجاوزه، ولا يستطيعون تحقيق ما يطمحون إليه من الخلود في دنياهم ﴿فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُورًا﴾ رغم كل الآيات القاهرات،\n\n<span id=\"aya-2129\"></span>﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ بما منّ على الإنسان من نعمة العقل، ونعمة الوحي، ونعمة الأرزاق المادية ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ رغم كل ما بكم من النعم، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا﴾ بما جبل عليه من خوف المستقبل، ظانّا أنه يخلد أمدا طويلا، فلا ينفتح على خير،\n\n<span id=\"aya-2130\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١)﴾","vol":"2","page":554},{"text":"١٠١ - بعد أن فصّلت الآيات (٩ - ١٠٠) في قوامة القرآن على غيره من الكتب السابقة، يعود الخطاب في الآيات (١٠١ - ١٠٤) إلى أول السورة الآيات (٢ - ٨):\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى﴾ في بعثته إلى فرعون ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ آيات مادية بيّنة تناسب المستوى الفكري لقوم فرعون ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أيها النبيّ فيتأكّدوا مطابقة الوحي القرآني لما جاء في كتبهم عن هذا الموضوع ﴿إِذْ جاءَهُمْ﴾ موسى ينقذهم من عبودية الفراعنة ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ أو ساحرا، لما اعتاد عليه فرعون من خداع قومه بفنون السحر، وقد وردت القصة بمزيد من التفصيل في آيات [الأعراف ١٠٣/ ٧ - ١٣٧]، وآيات [طه ٤٩/ ٢٠ - ٧٩]،\n\n<span id=\"aya-2131\"></span>﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ﴾ الآيات البيّنات الماديات المحسوسات الخارقات، ما لا علاقة لها بالسحر ﴿إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ هي دلائل وحجج كأنها بصائر للعقول، تفتح العيون على الإيمان ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ هالكا، بما تصرّ عليه من الضلال،\n\n<span id=\"aya-2132\"></span>﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿فَأَرادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أن يمحق بني إسرائيل من أرض مصر، أو أن يزعجهم في أرزاقهم فيها ﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ وهو في طريق مطاردته لهم، عند انفلاق البحر لموسى وقومه ثم انغلاقه على فرعون وجيشه، انظر آية [يونس ٩٠/ ١٠]،\n\n<span id=\"aya-2133\"></span>﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾","vol":"2","page":555},{"text":"١٠٤ - ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ يعني اسكنوا أرض فلسطين مؤقتا، وليست ميراثا أبديا لهم، فلم يستقم الحكم لهم فيها سوى حوالي أربعة قرون، من القرن العاشر قبل الميلاد حتى القرن السادس قبل الميلاد ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ المشار إليها بالآية (٧)، ﴿جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ بأعداد كبيرة، لتلاقوا مصيركم المخزي فيها،\n\n<span id=\"aya-2134\"></span>﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - استكملت الآيات (١٠١ - ١٠٤) بإيجاز ما سيكون عليه بني إسرائيل عندما يجيء وعد الآخرة، وهنا يعود الخطاب لإكمال تركيز السورة على فضائل القرآن الكريم وختمه للرسالات السابقة:\n﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾ ما يفيد الحصر، أي نزل القرآن بالحق لا غير ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ مشتملا عليه كاملا بلا نقصان ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها النبي ﴿إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ بلا إكراه،\n\n<span id=\"aya-2135\"></span>﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ تتمة الخطاب بمعنى فرقناه قرآنا، أي فصّلناه ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ﴾ أيها النبي ﴿عَلى مُكْثٍ﴾ بتمهّل وتأنّ ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ مفرّقا على مدى ثلاثة وعشرين عاما من البعثة النبوية، ومع ذلك فهو في منتهى الإحكام والإعجاز في ترتيب توقيفي مغاير لترتيب النزول الزمني، وهذا الواقع يوجب قراءة القرآن متكاملا، وحدة شاملة غير مجتزأة، بعضه على ضوء بعض، انظر آية [طه ١١٤/ ٢٠]،\n\n<span id=\"aya-2136\"></span>﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾","vol":"2","page":556},{"text":"١٠٧ - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فالأمر ليس متوقّفا عليكم، إذ هو معجز بذاته ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموا حقيقة الوحي الإلهي في التوراة والإنجيل ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل نزول القرآن ﴿إِذا يُتْلى﴾ القرآن ﴿عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا﴾ لما فهموا فيه من الإعجاز وختم الرسالات، وقد دخل الإسلام الكثيرون منهم، ولا يزال الكثير من مفكّريهم يدخلون الإسلام حتى اليوم،\n\n<span id=\"aya-2137\"></span>﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ تنزّه عن كل ما لا يليق به ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ بتحقق نبوءات الكتب السابقة في القرآن،\n\n<span id=\"aya-2138\"></span>﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ كلّما ازدادوا فيه فهما وتعمّقا،\n\n<span id=\"aya-2139\"></span>﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ (١١٠)\n١١٠ - استكمال الخطاب من الآيات (١٠٥ - ١٠٩)، أي بعد أن فهمتم القرآن بتمهّل وتأنّ فهما شموليا، واستوعبتم إعجازه، كما فعل الذين أوتوا العلم من قبله، لم يبق سوى الدعاء بالحسنى:\n﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ﴾ بصفات الكمال ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ له وحده صفات الكمال ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ للمراءاة تجاه الآخرين، من مسلمين وغيرهم ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ في الدعاء ﴿وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ وسطا، بأن يسمع المرء نفسه،\n\n<span id=\"aya-2140\"></span>﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾","vol":"2","page":557},{"text":"١١١ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ وهذه إشارة لزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم اليهود أن عزير ابن الله، انظر آية [التوبة ٣٠/ ٩]، وشرحها ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فكل ما عداه باطل ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ غنيّ عن كل ما سواه ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ عن الأنداد والشركاء المزعومين،\n***","vol":"2","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2206>سورة الكهف - ١٨ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2207>المقدّمة</span>\nنزلت خلال السنة الأخيرة قبل الهجرة، واشتق اسمها من قصة أهل الكهف وهي واحدة من قصص رمزية أربعة وردت في السورة بمعان مكملة بعضها لبعض،\n\n<span data-type='title' id=toc-2208>اتصال السورة بما قبلها</span>\nكان تركيز سورة الإسراء في معظمها، وخاصة في الآيات (٤٦، ٤٥، ٤١، ٨٢ - ١٠٧، ١٠٦، ١٠٥، ٨٩)،\nعلى أصالة القرآن الكريم وهدايته لما هو أقوم من الكتب السابقة، وتفتتح سورة الكهف بحمده تعالى أن أنزل الكتاب على عبده محمد ولم يجعل له عوجا:\n﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١/ ١٨)، فبخلاف الكتب السابقة قد حفظه تعالى من التغيير والتحريف،\nوفي سورة الإسراء قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩/ ١٧)، وفي سورة الكهف قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا﴾ (٢/ ١٨)،\nواختتمت سورة الإسراء بالأمر بحمده تعالى وتنزيهه عمّا لا يليق: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (١١١/ ١٧)، ثم تفتتح سورة الكهف بحمده تعالى","vol":"2","page":559},{"text":"وتبين أن من أغراض القرآن إنذار الذين زعموا لله ولدا: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ (٤/ ١٨)،\nوفي سورة الإسراء نهي عن اقتفاء ما ليس للإنسان به علم: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾ (٣٦/ ١٧)، ثم في سورة الكهف أنهم يتخبطون في صفات الله تعالى بلا علم:\n﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا﴾ (٥/ ١٨)، وتنهى عن الإدعاء إلا بما يعلمه الإنسان يقينا: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾ (٢٢/ ١٨)،\nوفي سورة الإسراء أن أكثر الناس كفروا بالقرآن رغم إعجازه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٨٩/ ١٧)، ثم تبين سورة الكهف سبب ذلك في طبيعة الإنسان الجدلية:\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٥٤/ ١٨)،\nوفي سورة الإسراء أنه تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (٢٠/ ١٧)، والسبب تبينه سورة الكهف بأن الدنيا دار ابتلاء: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٧/ ١٨)، وأن الله تعالى يمهل الكفار لعلهم يتوبون: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ (٥٨/ ١٨)،\nوفي سورة الإسراء أن الكفار أنكروا البعث: ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (٩٨/ ١٧)، ثم في سورة الكهف حتمية البعث: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ﴾","vol":"2","page":560},{"text":"﴿زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ (٤٨/ ١٨)، وأنه واقع لا محالة: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ (٥٨/ ١٨)،\nوفي سورة الإسراء أن ليس لإبليس من سلطان حقيقي على الناس: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٦٥)، ثم في سورة الكهف أن الضالين اتّخذوا إبليس وأتباعه أولياء بمحض اختيارهم: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٥٠/ ١٨)،\n\n<span data-type='title' id=toc-2209>محور السورة</span>\nأنّ الدنيا دار ابتلاء: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٧/ ١٨)، ما يوجب تفادي الغفلة وعدم اتباع الأهواء: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢٨/ ١٨)، وأن أمد الدنيا زائل وقصير: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (٤٥/ ١٨)، والمال والبنون زينة زائلة: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٤٦/ ١٨)، والدنيا ليس لها من وجود حقيقي في جنب الآخرة: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٤٧/ ١٨)،\nأمّا المجتمعات فتهلك بظلمها: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (٥٩/ ١٨)، والمجرمون لا يفيقون من غفلتهم إلا على عذاب الآخرة: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي﴾","vol":"2","page":561},{"text":"﴿غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (١٠٠/ ١٨ - ١٠١)، وأن أعمال الكفار تحبط يوم القيامة، حتى \"الصالح\" منها: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ (١٠٥/ ١٨)، والمقادير لا تسير دوما بحسب تخطيط الإنسان لها: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا * إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ (٢٣/ ١٨ - ٢٤)،\nوتبرز هذه الحقائق في السورة من خلال أربع قصص رمزية تظهر نسبية الزمن الدنيوي: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (١٩/ ١٨) (قصة أصحاب الكهف)،\nواغترار الإنسان بظاهر الحياة الدنيا: ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ (٣٥/ ١٨) (قصة الرجلين)،\nوزيف الظاهر من حيث إنه لا يطابق الواقع بالضرورة: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٧٨/ ١٨) (قصة موسى مع الخضر)،\nوضعف التدبير البشري تجاه الخطة الإلهية: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ (٩٨/ ١٨)، وأن مادية الدنيا ومباهجها لا تتناقض بالضرورة مع الإيمان والاستقامة والعمل ما دامت تذكّر الإنسان مرحلية الدنيا وقصرها: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ (٩٥/ ١٨) (قصة ذي القرنين).\n﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-2141\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١)\n١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ محمد ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ للقرآن ﴿عِوَجًا﴾ لأنّ القرآن واضح خال من الغموض، متماسك ومتناسق ومحكم، غير ملتبس،","vol":"2","page":562},{"text":"<span id=\"aya-2142\"></span>﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (٢)\n٢ - ﴿قَيِّمًا﴾ على الإنسان، كما هو قيّم في ذاته ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ للمجرمين والكافرين برسله وبكتبه ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح،\n\n<span id=\"aya-2143\"></span>﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ (٣)\n٣ - ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ في الأجر ﴿أَبَدًا﴾ نعيمهم غير محدود بزمن دنيوي، بل هو زمن مطلق بلا نهاية،\n\n<span id=\"aya-2144\"></span>﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ بمن فيهم المسيحية التي زعمت إن المسيح ابن الله،\n\n<span id=\"aya-2145\"></span>﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا﴾ (٥)\n٥ - ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ﴾ ليس لهم من علم حقيقي بالله تعالى، ولا بكماله وصفاته، ولا علم لهم بما يجوز عليه تعالى وما يمتنع إذ ينسبون إليه الولد ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ لما فيها من كفر وافتراء ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا﴾ يستحيل أن يدخل تحت إمكان الصدق أصلا،\n\n<span id=\"aya-2146\"></span>﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٦)\n٦ - ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ أيها النبي، أو أيها المؤمن الموقن، أو أيها الداعية المسلم ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ مهلكها حزنا ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ بعد تولّيهم عن الإيمان ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ الجليل الشأن، وهو القرآن الكريم ﴿أَسَفًا﴾ على عدم استجابتهم، وعدم استيعابهم لعظمة الدعوة والرسالة،","vol":"2","page":563},{"text":"<span id=\"aya-2147\"></span>﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٧)\n٧ - ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ﴾ من نعم وخيرات ﴿زِينَةً لَها﴾ فانية ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ لأنّ الدنيا دار اختبار، وليست دار مقام، والخطاب استمرار من الآية السابقة، بمعنى أن لا مبرر لأن يهلك المؤمن نفسه حزنا على المصرّين على الكفر، فالله تعالى أتاح للأفراد أن تظهر شخصيّاتهم وتوجهاتهم الحقيقية، أخلاقية وغير أخلاقية تجاه ما تزخر به الدنيا من المادة، والنتيجة: التعلّق الأعمى بها من قبل البعض، مقترنا بكبرياء زائف من قبل البعض الآخر لما تمكّنوا فيها من إنجازات،\n\n<span id=\"aya-2148\"></span>﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ من زينة المادة ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ ترابا لا نبات فيه، فالدنيا زينة طارئة، وحالة عابرة،\n\n<span id=\"aya-2149\"></span>﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا﴾ (٩)\n٩ - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا﴾ استمرار الخطاب، أي ما دامت الدنيا زينة ابتلاء، فكيف تظنّ أن معجزة أصحاب الكهف، التي سوف ترد، أكثر عجبا من باقي معجزات الخلق؟ فآياتنا كلها عجب، وهذه بداية القصة الأولى في السورة:\nوالرقيم بمعنى المرقوم، أي السجلّ، وللقصة أصول يهودية تعود إلى الفترة التي عاصرت بعثة عيسى ﵇ مباشرة، وقد تكون الإشارة لطائفة الإسنيين اليهودية  Essenes،  وهي طائفة اتسمت بالطهارة والزهد، وقيل كان ينتمي إليها عيسى المسيح نفسه، وقد اعتزلت في كهوف الجبال غربي البحر الميت هربا من الاضطهاد الروماني خلال القرن الأول الميلادي، واستغرقت في كتابة وحفظ السجلات التي أحضرتها معها من القدس، وقد يكون أيضا أن تلك","vol":"2","page":564},{"text":"السجلات هي التي تم اكتشافها في العام ١٩٤٥ في الكهوف شرقي البحر الميت وعرفت باسم وثائق قمران، وهذه الطائفة حافظت على النصرانية التي جاء بها عيسى ولم تنحرف إلى مسيحية بولس، انظر كتاب \"المسيحية والإسلام والاستشراق\"،\n\n<span id=\"aya-2150\"></span>﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ فتية الطائفة المذكورة ﴿إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ من الرزق والأمن ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا﴾ الذي هجرنا فيه دار الكفر ﴿رَشَدًا﴾ نهتدي لمعرفة الصواب من الخطأ،\n\n<span id=\"aya-2151\"></span>﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (١١)\n١١ - ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ جعلنا عليها حجابا يمنع السماع، كناية عن النوم ﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ معدودة، الآية (٢٥)،\n\n<span id=\"aya-2152\"></span>﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ إلى ما كانوا عليه من الحياة في دنياهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾ المعنى: من من وجهتي النظر منهم أحصى للمدة الزمنية التي قضوها رقودا، إذ وقع الخلاف بينهم في تحديد المدة، الآية (١٩)، أو أن الخلاف وقع بين من عثر عليهم من الناس، الآية (٢١)، وحيث أنّ علمه تعالى يشمل الماضي والحاضر والمستقبل فيكون المقصود ظهور ذلك العلم لخلقه، وما به من إعجاز،\n\n<span id=\"aya-2153\"></span>﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بعيدا عن التخمين وعن الأساطير التي أحاطت بقصتهم ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ فاهتدوا إليه ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾","vol":"2","page":565},{"text":"على أساس السنة الإلهية التي تمدّ المؤمنين بالفيض الروحاني، فالإيمان أولا ثم اللطف الإلهي،\n\n<span id=\"aya-2154\"></span>﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ شددنا عليها وقوّينا عزائمهم ﴿إِذْ قامُوا﴾ في مجتمعهم تجاه الطغاة والمصرّين على الكفر والانحراف عن رسالة عيسى المسيح ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا﴾ لا نعبد من دونه إلها آخر ﴿لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا﴾ لو فعلنا، لقلنا قولا خارجا عن حدود المعقول، مفرطا في البعد عن الحق،\n\n<span id=\"aya-2155\"></span>﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ إشارة إلى المسيحية التي ابتدعها بولس وانحرف بها عن ديانة المسيح، وزعم أن المسيح إله أو ابن الله ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجّة واضحة الدلالة على دعواهم ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشرك والشركاء إليه تعالى، أو نسبة الألوهية لغيره،\n\n<span id=\"aya-2156\"></span>﴿وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَإِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ اعتزلتم قومكم الكفار ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ واعتزلتم ما يعبدون من دون الله ﴿إِلاَّ اللهَ﴾ وحده فلم تعتزلوه، ولم تعتزلوا عبادته، وكلّ ذلك قول الفتية بعضهم لبعض ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ التجئوا إليه ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يبسط لكم ويوسّع عليكم ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم بصدده ﴿مِرفَقًا﴾ ترتفقون وتنتفعون به، من الرفق واللطف واليسر،","vol":"2","page":566},{"text":"<span id=\"aya-2157\"></span>﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١٧)\n١٧ - هذه الآية وصف لجانب من جوانب الإعجاز في رقود الفتية مئات السنين، والمفهوم منها أنهم كانوا في متّسع من كهف، فوّهته متّجهة نحو الشمال الجغرافي: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ﴾ تميل ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ﴾ من جهة المشرق ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تعدل عنهم ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ من جهة المغرب ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ في متّسع من الكهف، تنالهم منه التهوية الكافية دون أن يصيبهم قيظ الشمس مباشرة أو يؤذيهم، ولا عفونة تطالهم أو تبلي ثيابهم ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ الآفاقية الكثيرة، وهو أيضا من آيات الله أن هداهم للرقود في مثل هذا الكهف ذي التهوية والتكييف الطبيعي ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ بتوفيقه ولطفه ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ فيخلّيه تعالى لنفسه ولإصراره، ولسوء استعداده ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ يتولّى حمايته ويبيّن له طريق الصواب،\n\n<span id=\"aya-2158\"></span>﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ في رقدتهم كثيرا، لأنّ التقليب يفيد كثرة التكرار ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ لجهة أيمانهم ﴿وَذاتَ الشِّمالِ﴾ لجهة شمائلهم، واقتضت حكمته تعالى ذلك كي لا تأكل الأرض أبدانهم بل يكون حفظها بما جرت به العادة في نومهم من التقلّب يمينا وشمالا، وإظهارا لعظيم قدرته تعالى في شأنهم، إذ جمع فيهم الإنامة الثقيلة والتقليب الكثير ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ في فناء الكهف بحالة استرخاء ﴿لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ لأنه لا بد للمشاهد أن يلحظ","vol":"2","page":567},{"text":"حولهم سرّا خفيّا مريعا غير معتاد، وما هو إلاّ هالة روحية مهيبة محيطة بهم، تثير الروعة في الناظر إليها، فتوحي إليه أنه يقف أمام نخبة مختارة من عباد الله،\n\n<span id=\"aya-2159\"></span>﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ بعد هذه الإنامة الطويلة ﴿لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ اهتمّ أحدهم بمعرفة المدة \"الفعلية\" التي انقضت ما بين نومهم وإفاقتهم، وغاب عنه نسبية الزمن الدنيوي ﴿قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ الواضح من إجابة الباقين أنهم كانوا مستوعبين لحقيقة أنّ الزمن الدنيوي لا حقيقة \"فعلية\" له، ولا معنى، في جنب الزمن المطلق، وما بين وجهتي النظر هاتين بين الزمن الدنيوي والزمن المطلق إشارة لقوله تعالى بالآية (١٢): ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾،\n﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ بدراهمكم ﴿هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ ظنّوا الزمن الدنيوي متوقفا خلال فترة رقودهم، كما في حالة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، انظر آية [البقرة ٢٥٩/ ٢]،\n\n<span id=\"aya-2161\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ كما أنمناهم وبعثناهم، لفتنا نظر الناس لقصتهم ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ بالموت والنشور ﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ الذين اكتشفوا أمرهم ﴿فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا﴾","vol":"2","page":568},{"text":"صرحا يكون علامة لما حلّ بهم من رقود، وبعث، ثم موت ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وهكذا تنتهي القصة هنا فجأة، كعادة القرآن الكريم، حيث لا يروي القصص لمجرّد التأريخ بل لبيان العبر منها،\n\n<span id=\"aya-2162\"></span>﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿سَيَقُولُونَ﴾ في المستقبل بعد مرور الزمن، ممّا يدلّ أن قصة أهل الكهف شغلت أذهان الناس لمدة طويلة ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ من العارفين قطعا ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا﴾ لا تجادل في موضوعهم إلاّ بجدال واضح ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ لا تطلب المعرفة من القصّاصين والخائضين فيما لا يعلمون،\n\n<span id=\"aya-2163\"></span>﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَلا تَقُولَنَّ﴾ أيها النبي، أو أيها الإنسان ﴿لِشَيْءٍ﴾ تعزم عليه ﴿إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا﴾ لأنّ الغد ليس في سيطرة البشر في كينونته أو عدمها، وفي ذلك عودة لمفهوم الزمن الذي أوردته القصة،\n\n<span id=\"aya-2164\"></span>﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أن يحين الغد، فيفعل المرء ما شاء الله أن يفعل ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيها المؤمن ﴿إِذا نَسِيتَ﴾ وجوب إرجاع الأمور إليه تعالى ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا﴾ أقرب ممّا أنا عليه من الرشد،","vol":"2","page":569},{"text":"<span id=\"aya-2165\"></span>﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعًا﴾ من السنين، وهي الفرق بين حساب السنوات الشمسية والقمرية،\n\n<span id=\"aya-2166\"></span>﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قُلِ﴾ للخائضين في الموضوع ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وحده يعلم الغيب ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ لا تحيطون بسمعه وبصره ﷻ ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يستطيع نصرهم ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ ممّن زعموا من الشركاء،\n\n<span id=\"aya-2167\"></span>﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٢٧)\n٢٧ - تتمة الخطاب من الآية السابقة: ﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ أيها الرسول ﴿مِنْ كِتابِ رَبِّكَ﴾ بيّنه للناس ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا تبديل فيه ولا نسخ ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لا ملجأ منه تعالى إلاّ إليه،\n\n<span id=\"aya-2168\"></span>﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيها الرسول، وأيها الداعية، وأيها المؤمن ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وهم ضعفاء القوم، لا تحتقرهم ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يبتغون رضاه ﷾ دون الرياء والسمعة ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ إلى كبار القوم ووجهائهم ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تطلب مجالسة الأغنياء وأصحاب الدنيا ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أغفلناه بالخذلان","vol":"2","page":570},{"text":"والتخلية، لبطلان استعداده للذكر ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ في ترك الإيمان ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي ضياعا وهلاكا،\nومغزى الآية عام ينطبق في كل الأزمنة بمعنى أنّ على المسلم ألاّ يتشدد مع الآخرين إن كانت أفكارهم لا تطابق العقيدة تماما، بل يتسامح ويصبر معهم في شرح المبادئ القرآنية،\n\n<span id=\"aya-2169\"></span>﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ نزل به القرآن ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ بلا إكراه، لأن رسالة الإسلام تناشد العقول السليمة ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالإصرار على الكفر ﴿نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ كناية عن استحالة الفكاك منها ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾\n\n<span id=\"aya-2170\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح بحسب القاعدة القرآنية ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ لا ينفعهم إيمانهم من دون الإحسان في العمل،\n\n<span id=\"aya-2171\"></span>﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ جنات الخلود ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ جزاء وفاقا لما كانوا عليه في دنياهم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ﴾","vol":"2","page":571},{"text":"﴿ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ تفضّلا منه تعالى،\n\n<span id=\"aya-2172\"></span>﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ (٣٢)\n٣٢ - بهذه الآية تبدأ القصة الثانية في السورة، وهي قصة رمزية، أي مثل، وفي الخطاب عودة إلى مغزى الآيات (٧ - ٨) إن الدنيا دار اختبار وهي زينة زائلة: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما﴾ وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ حديقتين، أو بستانين ﴿مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾\n\n<span id=\"aya-2173\"></span>﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ لم تنقص ﴿شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾\n\n<span id=\"aya-2174\"></span>﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ وفير ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ على سبيل المفاخرة والاعتداد بالمادة ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ في تلميح ساخر إلى ما هو عليه من الكفر، ونعم الدنيا معا،\n\n<span id=\"aya-2175\"></span>﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ حديقته ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بحسبانه أن ما فيها من ثمر وفير، وغلال، كان بحوله وقوته لا غير، أي بوسائل الزراعة والري التي نفّذها ﴿قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ ناسيا أو متناسيا السرّ الخفيّ وراء خلق المادة الحيّة،","vol":"2","page":572},{"text":"<span id=\"aya-2176\"></span>﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ إمعانا في الانكار، معتبرا دنيا المادة نهاية المطاف ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ قالها على مسمع من صاحبه المؤمن، وفي كلامه من التعريض والسخرية ما فيه،\n\n<span id=\"aya-2177\"></span>﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ لأن الحوار والمنطق السليم هو القاعدة عند المؤمنين، وليس التهجّم والتشنّج الفكري ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ فكيف يمكن للعقل السليم أن ينسى أو يتناسى أبسط مراحل الخلق البيّنة في اعجازها الهائل؟\n\n<span id=\"aya-2178\"></span>﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿لكِنَّا﴾ لكن أنا ﴿هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ وحده منبع الخلق والتكوين ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ لا أشرك به المادة ولا الدنيا الزائلة، التي ظننت أنها لن تبيد أبدا،\n\n<span id=\"aya-2179\"></span>﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ أي هلاّ قلت؟ وفيه حضّ صاحبه على القول ﴿ما شاءَ اللهُ﴾ كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿لا قُوَّةَ﴾ حقيقية ﴿إِلاّ بِاللهِ﴾ بتقدير الله ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ أي اعترف بعجزك، وأنّ ما بك من مادة الدنيا كان بتقدير الله،\n\n<span id=\"aya-2180\"></span>﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾","vol":"2","page":573},{"text":"٤٠ - ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ قد يحصل ذلك بفضله وكرمه، وتقديره، وسننه في خلقه ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ على حديقتك ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ مقدّرا من السماء، محسوبا في علم الله القديم منذ خلق السماوات والأرض، كالصواعق والحرائق والآفات ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ترابا لا نبات فيه، تنزلق عليه الأقدام لنعومته،\n\n<span id=\"aya-2181\"></span>﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ غائرا في الأرض بفعل عوامل التصدّعات والشقوق الأرضية الجوفية ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ لأنّ المياه الجوفية في هذه الحالة تسلك لنفسها جريانا باتجاهات متغيّرة،\n\n<span id=\"aya-2182\"></span>﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أحاط الدمار به كاملا بسبب آفة من الآفات ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ندما وتحسّرا ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ في حراثتها وزراعتها ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ خالية ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ سقوفها من عرائش وما تتسلق وتتكئ عليه الكروم والنباتات ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تذكّر، بعد فوات الأوان، موعظة صاحبه بالآية (٣٨)،\n\n<span id=\"aya-2183\"></span>﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ صار في حالة من العجز التام الناجز، لا رجعة فيه ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ لا أحد يستطيع نصره، فضلا عن أن ينصر نفسه بنفسه،\n\n<span id=\"aya-2184\"></span>﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾","vol":"2","page":574},{"text":"٤٤ - ﴿هُنالِكَ﴾ في هذه الدنيا، كما في الآخرة ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ وحده ينصر عباده ويتولّى أمورهم، وما عداه باطل ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ في العاقبة،\n\n<span id=\"aya-2185\"></span>﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أي بعد كلّ ما تقدّم من قصة الرجلين، وما تبيّن منها من العبر، اضرب لهم مثل الدنيا عموما، تشبيها لها بالمطر ينبت النبات، ثمّ لا يلبث النبات أن يصبح يابسا متفتتا تفرّقه الرياح، وكذا حال الدنيا ﴿وَكانَ اللهُ﴾ منذ الأزل، ولا يزال ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ في الدنيا، وعلى البعث في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-2186\"></span>﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٤٦)\n٤٦ - تتمة الخطاب من الآية المتقدمة، والمغزى نهي عن الغرور بالدنيا:\n﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الفانية، فلا يغترّ بهما أحد ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ من الأعمال ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ أجرا ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ لمن يأمل الآخرة ويرجوها، ولا يقتصر أمله على دنياه،\n\n<span id=\"aya-2187\"></span>﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ يوم القيامة، فتتخلّى الأرض عن حقيقتها الظاهرية ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي من العباد، مؤمنهم وكافرهم،","vol":"2","page":575},{"text":"<span id=\"aya-2188\"></span>﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ لا يفوت منهم أحد ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ وهذا القول للكفار الذين في حياتهم أنكروا حقيقة الآخرة،\n\n<span id=\"aya-2189\"></span>﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ كتاب الأعمال ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمّا فِيهِ﴾ من الجرائم والذنوب ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا﴾ يا هلاكنا، أي يتمنّون الهلاك ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ﴾ سجلّ الأعمال ﴿لا يُغادِرُ﴾ لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ من الذنوب ﴿إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في دنياهم ﴿حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ لأن الجزاء من جنس العمل، ومترتّب عليه،\n\n<span id=\"aya-2190\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٥٠)\n٥٠ - عودة الخطاب لقصة الخليقة الرمزية، ومعصية إبليس، مرتبط بما قبله، باعتبار المجرمين المشار إليهم آنفا قد مارسوا الخيار الأخلاقي الخاطئ في دنياهم:\n﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سجود تكريم، لما حباه الله من الفكر المجرّد ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كناية عن عناصر الشر التي سوف يكابدها الإنسان في الدنيا ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أي بدلا من الخيار الأخلاقي الصحيح الواجب اتّباعه،","vol":"2","page":576},{"text":"<span id=\"aya-2191\"></span>﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأنهم مجرّد مخلوقات كانوا في دائرة العدم ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ فأي حاجة لله تعالى إلى مخلوقاته؟\n\n<span id=\"aya-2192\"></span>﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ الله تعالى يوم القيامة للمشركين ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ في الألوهية كذبا وبهتانا ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لأنهم في منتهى العجز، لا يستطيعون نصرة أدعيائهم، ناهيك عن نصرة أنفسهم ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ حاجزا عريضا من الهلاك، والمغزى أيضا وجود حاجز معنوي كبير كان، في دنياهم، يفصل بين خيالهم وبين الواقع، أو يفصل بين خيالهم وبين ما كانوا يعبدون من مخلوقات لا تستحق العبادة،\n\n<span id=\"aya-2193\"></span>﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا﴾ ظنّ اليقين ﴿أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ واقعون بها ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ ينصرفون إليه،\n\n<span id=\"aya-2194\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ قلّبنا لهم وكرّرنا من كلّ الوجوه ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ كما ورد آنفا، وفي الآيات المتشابهات، انظر [آل عمران ٧/ ٣]، ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ رغم وضوح الحق من الباطل،\n\n<span id=\"aya-2195\"></span>﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥)﴾","vol":"2","page":577},{"text":"٥٥ - ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾ أي لم يؤمنوا بسبب طبيعتهم الجدلية المشار إليها، بالرغم من بعث الرسل إليهم بالهداية ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ بالتوبة ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ فهل ينتظرون نزول العذاب بهم؟ كما حدث لأسلافهم من الأمم البائدة ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا﴾ وجها لوجه، فعندئذ لا يكون لإيمانهم قيمة أخلاقية،\n\n<span id=\"aya-2196\"></span>﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ بلا إكراه ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ﴾ بما صمّمت عليه عقولهم من الباطل، وما انطوت عليه نفوسهم من طبيعة الجدال ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الذي جاءت به الرسل ﴿وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ تهرّبا من المنطق السليم، ومن مسؤولياتهم الأخلاقية،\n\n<span id=\"aya-2197\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لأن الموضوع ليس سوى ذكرى لما وقر في الإنسان من إقراره بربوبية الله وحده ﴿فَأَعْرَضَ عَنْها﴾ عن الذكرى ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ من الشرور ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية معنوية ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ لئلاّ يفقهوه ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلا، فلا يسمعوا الموعظة ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ لسوء استعدادهم وسوء جبلّتهم، وإصرارهم على الضلال،\n\n<span id=\"aya-2198\"></span>﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾","vol":"2","page":578},{"text":"٥٨ - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ وسعت رحمته المؤمنين والعصاة على السواء ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ المغزى: إنّ الله تعالى يعطيهم الفرص لعلهم يتوبون ويصلحون ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ لا منجا ينجون إليه، بعد نقطة اللاعودة، والموعد قد يكون بوفاتهم في الدنيا، كما هو مذكور بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-2199\"></span>﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾ المجتمعات ﴿أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا﴾ بإصرار، ولأزمان طويلة ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ وقتا عندما يحين لا يستأخرون عنه، فلا تستمر شرورهم بلا عقاب،\n\n<span id=\"aya-2200\"></span>﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (٦٠)\n٦٠ - وهذه القصة الثالثة في السورة، ويلاحظ ارتباط الخطاب مع الآية (٥٤)﴾ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، ما معناه أيضا أن العلوم لا متناهية وخاصة الروحانية منها، ومن ذلك قصة موسى مع الخضر في بحثه عن العلم، وكما في معظم قصص القرآن الكريم نلاحظ التركيز على العبر المستخلصة من القصة، فهي تروى في إطار مجرّد من التأريخ ومن المكان:\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ لخادمه ﴿لا أَبْرَحُ﴾ لا أنفكّ، ولا أزال أسير حتى ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قيل هما التقاء خليج العقبة مع خليج السويس في جنوب سيناء، ونسب البعض لمجمع البحرين تفسيرا صوفيا، كما ذكر البيضاوي، حيث قال: هما علم الظاهر الذي نتعلمه من عالم المشاهدة، وعلم الباطن الذي كان يسعى إليه موسى ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ زمانا طويلا في السعي وراءه،","vol":"2","page":579},{"text":"<span id=\"aya-2201\"></span>﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ مجمع بين البحرين ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ نسيا ما كان بشأن السمكة، ويبدو أنها كانت علامة لما هم بصدده من البحث عن المطلوب ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الحوت ﴿سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي سلك طريقه في البحر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد ١٠/ ١٣]\n\n<span id=\"aya-2202\"></span>﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ مجمع البحرين ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ تعبا وإعياء،\n\n<span id=\"aya-2203\"></span>﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قالَ﴾ فتاه ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ التي لجأنا إليها وأقمنا عندها ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ عندها ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بوساوس السوء ﴿وَاِتَّخَذَ﴾ الحوت ﴿سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قالها مستغربا،\n\n<span id=\"aya-2204\"></span>﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ ما كنا نطلبه من علامة، للفوز بالمطلوب ﴿فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ يقصّان أثرهما قصصا وهما يعودان أدراجهما،\n\n<span id=\"aya-2205\"></span>﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا﴾ الجمهور على أنه الخضر، وهو نبي من الأنبياء كان متمكنا في علوم الباطن، ذو نظرة صوفية ثاقبة في بواطن الأمور كأقصى ما يمكن لإنسان أن يتمتع به من هذا النوع ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾","vol":"2","page":580},{"text":"الرحمة هي الوحي، كما وردت في سورة هود، الآيات [هود ٦٣/ ١١، ٢٨]، ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ علما من عند الله، بالإضافة لما نزل عليه من الوحي، ويبدو أنّ هذا العلم ممّا لم يؤته الله لغير الخضر في الإحاطة ببواطن الأمور،\n\n<span id=\"aya-2206\"></span>﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ استئذانا منه لنفسه ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ﴾ ممّا لا أعلم ﴿رُشْدًا﴾ علما ذا رشد، يرشدني لأحسن ممّا أنا عليه،\n\n<span id=\"aya-2207\"></span>﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ لأنني أنظر في عواقب الأمور قبل وقوعها، وأما أنت فنظرتك جزئية محدودة لا تتجاوز ما أنت عليه في حاضرك، فهنالك فارق زمني داخلي بين نظرتينا،\n\n<span id=\"aya-2208\"></span>﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ المعنى إنك لن تستطيع فهم الأمور والأشياء على حقيقتها سلفا، فالظواهر والحقائق قد لا تتطابق دوما، حتى بالنسبة إلى الأنبياء كموسى، فالمرء قد يشاهد أمورا من أمور الغيب ليس لها مقابل في ما اعتاد عليه في ذهنه،\n\n<span id=\"aya-2209\"></span>﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿قالَ﴾ له موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ بلا اعتراض،\n\n<span id=\"aya-2210\"></span>﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾","vol":"2","page":581},{"text":"٧٠ - ﴿قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أذن الخضر لموسى بمرافقته شريطة أن لا يبادره موسى بالسؤال عن شيء قبل أن يبدأه الخضر بالكلام أو البيان،\n\n<span id=\"aya-2211\"></span>﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿فَانْطَلَقا﴾ موسى والخضر معا ﴿حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ جعل الخضر فيها ثقبا لتعطيلها مؤقتا عن الملاحة ﴿قالَ﴾ موسى مستغربا ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ شيئا داهيا منكرا،\n\n<span id=\"aya-2212\"></span>﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ المعنى إنّ هذا من جملة الأمور الظاهرية التي تستعصي على فهمك الفوري،\n\n<span id=\"aya-2213\"></span>﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ بما أخبرتني به من قبل ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ بما نسيت من وصيتك بعدم المبادرة إلى السؤال،\n\n<span id=\"aya-2214\"></span>﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿فَانْطَلَقا﴾ في مسيرهما ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ الخضر ﴿قالَ﴾ موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ طاهرة ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ بغير حقّ القصاص ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ منكرا جدا،\n\n<span id=\"aya-2215\"></span>﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فهذا أيضا من ظواهر الأمور التي خفيت عواقبها عليك،","vol":"2","page":582},{"text":"<span id=\"aya-2216\"></span>﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ سأله موسى أن يعطيه فرصة أخيرة، إن تكرر منه السؤال يترك صحبته ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قد سمعت كثيرا من الأعذار منّي،\n\n<span id=\"aya-2217\"></span>﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿فَانْطَلَقا﴾ معا متابعين السير ﴿حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ طلبا الطعام من أهل القرية ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ بعكس قواعد الضيافة المعروفة عند البدو، ولعلّ أخلاق أهل القرية كانت مغايرة لأخلاق البدو في الكرم ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ جدارا كان على وشك الانهيار ﴿فَأَقامَهُ﴾ الخضر، وأعاد بناءه ﴿قالَ﴾ موسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أجرا قد نشتري به طعاما،\n\n<span id=\"aya-2218\"></span>﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ هذا نهاية المطاف فيما سبق واتفقنا عليه من صحبتك لي ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ بما سوف تؤول إليه الأمور في عاقبتها ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ممّا لم تستطع الصبر عليه لمعرفة العواقب، وممّا هو خارج إدراكك،\n\n<span id=\"aya-2219\"></span>﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ يكسبون منها معاشهم ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ مؤقتا ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ كي لا يغتصبها الملك منهم إذ يجدها غير صالحة للملاحة،","vol":"2","page":583},{"text":"<span id=\"aya-2220\"></span>﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وهو لم يكن مثلهما، بل كان طاغيا عاقّا لوالديه ﴿فَخَشِينا﴾ الخشية من قبل الخضر معناها علم اليقين، بسبب نظرته الثاقبة لبواطن وعواقب الأمور ﴿أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ بطغيانه وكفره،\n\n<span id=\"aya-2221\"></span>﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً﴾ فيكون زكيا طاهرا بخلاف أخيه الطاغية الكافر ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ وأكثر صلة رحم مع أبويه،\n\n<span id=\"aya-2222\"></span>﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بهما ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ عن رأيي واجتهادي، بل كل ما فعلته في هذه الحالة، والحالات التي قبلها كان بدافع يفوقني بكثير، وهذا ما يفسّر استخدام ضمير الجمع من قبله في الآيات (٨٠ - ٨١)، ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ﴾ تفسير ومآل ﴿ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ من خبراتك المحدودة بالظاهر،\n\n<span id=\"aya-2223\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٨٣)\n٨٣ - وهذه القصة الرابعة في السورة، وبها يعود الخطاب مرة أخرى إلى الآية (٥٤)﴾، بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾:\n﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبيّ ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ لإبراز بعض العبر من قصّته، واختلف المفسّرون في شخصية ذي القرنين المشار","vol":"2","page":584},{"text":"إليه في هذه القصة، فهو في القصة رجل مؤمن موحّد، ومن المؤكد إنّه ليس الإسكندر المقدوني الذي خرج من اليونان وغزا المشرق في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، لأنه كان وثنيا، وهو قطعا ليس أحد ملوك حمير اليمنيين الوثنيين كما ظنّ بعضهم، وبما أن معظم القصص القرآنية تضع نفسها خارج إطار الزمان والمكان، وأنها لا تروى قط لمجرّد التأريخ بل لإبراز العبر منها، فليس من فائدة لتقصّي شخصية تاريخية لذي القرنين، ولنا أنّ نعتبر إنّ القصّة رمزية بحتة، تمشيا مع الآية (٥٤) إنه تعالى صرّف في القرآن من كلّ مثل:\nوالقرنان في القصة قد يرمزان إلى مصدرين متفاوتين، ومتكاملين من مصادر القوة، إحداهما القوة المادية الدنيوية، والثانية القوة الروحانية المنبثقة من شدة الإيمان بالله تعالى، وهو ما تمتّع به ذو القرنين المشار إليه،\n\n<span id=\"aya-2224\"></span>﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا التمكين هو جانب القوة المادية الدنيوية ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ آتاه الله تعالى كل الوسائل التي يحتاجها ذو القرنين للتوصّل إلى غاياته،\n\n<span id=\"aya-2225\"></span>﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي استخدم الأسلوب الصحيح في التوصّل إلى ما يبغيه، والمغزى أنّ ذي القرنين لم يستخدم قطّ طرقا ملتوية للتوصّل إلى غاياته الشريفة،\n\n<span id=\"aya-2226\"></span>﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أقصى رحلته غربا ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ عكرة، وقد تكون كناية عن شاطيء المحيط الأطلسي الذي","vol":"2","page":585},{"text":"كانت العرب تسميه بحر الظلمات، وقد تكون إحدى البحيرات الضخمة العكرة، حيث يخيّل للناظر وقت الغروب إنّ الشمس تغرب فيها بسبب كروية الأرض ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ من من الواضح إنّ هؤلاء القوم كانوا منغمسين في كل أنواع الشرور والفساد بدليل تتمة الآية: ﴿قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ تعذّبهم بسبب ما هم عليه من الفساد ﴿وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أو تصلحهم بالحسنى، فترك له باب الاجتهاد مفتوحا يجتهد برأيه، وهذه عبرة مستفادة من القصة،\n\n<span id=\"aya-2227\"></span>﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ وأصرّ على الظلم ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ في دنياه لعله يتوب ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ في الآخرة، وقوله نكرا أو منكرا يفيد إنّ مدارك الإنسان الدنيوية تعجز عن مجرّد تخيّل الآخرة،\n\n<span id=\"aya-2228\"></span>﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ للصالحين من القوم ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا﴾ المعنى إنّ ذي القرنين لن يطلب منهم تحمّل ما لا يطيقون، فالعمل الصالح هو الشيء الطبيعي المتوقّع من الصالحين، والدين يسر وليس عسرا،\n\n<span id=\"aya-2229\"></span>﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ مرة ثانية، اتّخذ الأسلوب الصحيح للتوصّل إلى الغاية الصحيحة،\n\n<span id=\"aya-2230\"></span>﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أقصى المشرق من حملته ﴿وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا﴾ يحتمل إنّه لم يكن ما يقيهم من","vol":"2","page":586},{"text":"أشعة الشمس، من ثياب أو خيام، بل كانوا يعيشون حياة بدائية جدا، في سهولهم، أو غاباتهم، فتركهم على ما هم فيه، غير راغب في إفساد بيئتهم وما هم عليه من طريقة العيش، دون أن يسبب لهم البؤس، ولا إفساد خلق الله، وهي عبرة أخرى من القصة،\n\n<span id=\"aya-2231\"></span>﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ من عزمه على عدم إفساد البيئة الطبيعية، أو أحطنا بما لديه من حسن التلقّي وجودة العمل،\n\n<span id=\"aya-2232\"></span>﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ مرة ثالثة، اتّخذ الأسلوب الصحيح للتوصّل إلى الغاية الصحيحة،\n\n<span id=\"aya-2233\"></span>﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ توجّه إلى وجهة أخرى، مكوّنة من سلسلتي جبال، ليس من المهم تقصّيها جغرافيا ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِما﴾ من دون السدّين ﴿قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ يتكلمون لغات مختلفة، أو إنهم كانوا شديدي السذاجة والبساطة،\n\n<span id=\"aya-2234\"></span>﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يغيرون علينا ويسلبون أموالنا ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ مالا يكون أجرا لك ﴿عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ حاجزا حائلا بيننا وبينهم،\n\n<span id=\"aya-2235\"></span>﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾","vol":"2","page":587},{"text":"٩٥ - ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ من أي خرج تعرضونه عليّ، فالله تعالى قد أنعم علي بالرزق الروحاني، فضلا عن نعمه الدنيوية ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أساعدكم لوجهه تعالى ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ حاجزا بين الجبلين من الردم فلا يصلون إليكم،\n\n<span id=\"aya-2236\"></span>﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فلزّات الحديد ﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ صدفي الجبل ﴿قالَ اُنْفُخُوا﴾ لإضرام النار ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا﴾ متوهّجة تذيبه ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ﴾ أصبّ ﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ من فلزّات النحاس،\n\n<span id=\"aya-2237\"></span>﴿فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿فَمَا اِسْطاعُوا﴾ يأجوج ومأجوج، بعد ذلك ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يتجاوزوه على ظهره بالنظر لارتفاعه ﴿وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ولا أن يجعلوا فيه فتحات يدخلوا منها،\n\n<span id=\"aya-2238\"></span>﴿قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿قالَ﴾ ذو القرنين ﴿هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ للعباد، إذ يمنع العدوان ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يوم القيامة ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أرضا مستوية، مدكوكا مسوّى بالأرض ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ واقعا لا محالة، وهنا تنتهي فجأة قصة ذي القرنين، ليستأنف الخطاب في الآيات التالية بما تكون عليه الحال يوم القيامة، وأما يأجوج ومأجوج فقد حيكت حولهم الكثير من الأساطير، وزعم البعض أنهم المغول والتتار، أو قبائل شرق آسيوية غيرهم، ولم يثبت ذلك، والظاهر أنها إشارة لا تنطبق على أقوام بعينهم، وإنّما إلى مجموعة من الأقوام والأحداث والكوارث تهدم الحضارات وتسبق وقوع الساعة، انظر آيات [الأنبياء ٩٦/ ٢١ - ٩٧]","vol":"2","page":588},{"text":"<span id=\"aya-2239\"></span>﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ (٩٩)\n٩٩ - الواو في بداية الآية واو الاستئناف، وليست واو العطف، لأنّ الآية بداية الخطاب جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الناس جميعا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ للحشر والحساب،\n\n<span id=\"aya-2240\"></span>﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ حتى لم يبق عندهم أيّ شك بها بعد كشف الغطاء،\n\n<span id=\"aya-2241\"></span>﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ لأنّ دنيا المادة أعمتهم ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لشدة انهماكهم في اللهاث وراء المال والسلطة والتسلّط، نسوا الآخرة ولم تنفع فيهم المواعظ فكأنما بهم صمم،\n\n<span id=\"aya-2242\"></span>﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ كما فعلت المسيحية بتأليه عيسى المسيح ووالدته مريم ﵉ ﴿إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ﴾ الذين أصرّوا على الكفر بلا توبة ﴿نُزُلًا﴾ في آخرتهم،\n\n<span id=\"aya-2243\"></span>﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾ الذين تذهب أعمالهم هباء منثورا،","vol":"2","page":589},{"text":"<span id=\"aya-2244\"></span>﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وهم المشار إليهم بالآيات (١٠١ - ١٠٢) نسوا الله، وعبدوا الدنيا، وأشركوا الأوهام، وعموا عن الآخرة، ثمّ هم مغتبطون بما هم عليه من الضلال،\n\n<span id=\"aya-2245\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾ أنكروا الآيات والبعث والحساب ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ حتى \"الحسنة\" منها ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ لأنه مهما قاموا في الدنيا من أعمال \"صالحة\" فإنها تحبط، وتصبح لا شيء، تجاه ما كانوا عليه من شرك وضلال،\n\n<span id=\"aya-2246\"></span>﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿ذلِكَ﴾ الاحباط في أعمالهم ﴿جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا﴾ لأنهم أصرّوا على الكفر ﴿وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ فلا يفيدهم مع الضلال شيء،\n\n<span id=\"aya-2247\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ القاعدة القرآنية بقرن العمل الصالح مع الإيمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولأنّ العمل الصالح يحبط مع الكفر كما تقدّم ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ في آخرتهم،\n\n<span id=\"aya-2248\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ لا يأسفون على ما تركوا من دنياهم، بخلاف الكفار يتوقون للعودة إلى الدنيا، لعله تكون فرصة أخرى لهم فلا يستطيعون،","vol":"2","page":590},{"text":"<span id=\"aya-2249\"></span>﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ﴾ البحار جميعا، لأن البحر اسم جنس ﴿مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ لأن الخلق في تجدد دائم ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ لأنّ البحار مهما اتّسعت فهي متناهية، أمّا كلمات الله وعلومه وحكمته فغير متناهية، فيستحيل أن يفي المتناهي بغير المتناهي،\n\n<span id=\"aya-2250\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فلا شيء ينفع مع الشرك ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ من كان يوقن بالآخرة والبعث والحساب ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهي القاعدة القرآنية النهائية،\n***","vol":"2","page":591},{"text":"تمّ بحمد الله","vol":"2","page":592},{"text":"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\n﷽\n﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾\n[الحجر ١٥/ ٩٠ - ٩٣]","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2320>مقدّمة الربع الثالث</span>\nالقرآن الكريم منظومة متسلسلة من أوله حتى آخره، وهذا التسلسل ينطبق على الآيات القرآنية في كل سورة على حدة، كما ينطبق على ترتيب السور جميعا من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وقد بدأ المؤلف في كتابه بيان النظم في القرآن الكريم بالربع الرابع منه، أي من سورة غافر (٤٠)، حتى سورة الناس (١١٤)، ونشره في كتابه (بيان النظم في القرآن الكريم)، ثم صدر بيان النظم في الربع الأول منه، أي من سورة الفاتحة (١)، حتى سورة الأنعام (٦)، كما صدر بيان النظم في الربع الثاني منه، أي من سورة الأعراف (٧)، حتى سورة الكهف (١٨)، وفي هذا الكتاب بيان النظم في الربع الثالث منه، أي من سورة مريم (١٩)، حتى سورة الزمر (٣٩)،\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\nجمادى الأولى ١٤٢٥ هـ - تموز/ يوليو ٢٠٠٤ م\nمحمد فاروق الزين\nالبريد الإلكتروني  faruk@zein.org","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2321>مراجع الكتاب:</span>\n١ - رسالة القرآن - محمد أسد  The Message of the Quran،Muhammad Asad\n٢ - تفسير المنار - الشيخ محمد رشيد رضا.\n٣ - التفسير الكبير - الرازي.\n٤ - الكشاف - الزمخشري.\n٥ - روح المعاني - الألوسي.\n٦ - تفهيم القرآن - سيد أبو الأعلى المودودي.\n٧ - جامع أحكام القرآن - القرطبي.\n٨ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي.\n٩ - أنوار التنزيل - البيضاوي.\n***","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2322>مقدّمة الربع الرابع </span>[¬*]\n﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت ٤٤/ ٤١]\nتتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن بعضا، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن، حتى إنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم، بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم.\nوالمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم.\nالوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاثة وعشرين عاما من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة، وطبقا لمتطلباتها في كل\n_________\n[¬*] (تعليق الشاملة): بدأ الكاتب بالربع الرابع من القرآن الكريم، ونشره أولا، ثم نشر الربع الأول ثم الثاني ثم الثالث، تباعًا\nلهذا جاءت مقدمة الربع الرابع مفصلة، فأعادها في بداية الأرباع الأخرى","vol":"3","page":11},{"text":"مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد فإنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦/ ١٧]، مما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية، لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة.\nالوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى.\nفهنالك إذن نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما:\nالأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنا لك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى","vol":"3","page":12},{"text":"الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار، أن يأتوا بسورة من مثله.\nوالنقطة الثانية أن ترتيب السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب فيه ببيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض.\nوإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ.\nوليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هـ ١٢٠٨ / م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هـ ١٨٥٤ / م) في تفسيره (روح المعاني) المحاولة الجزئية ذاتها، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا.\nوقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هـ ١٣٩٢ / م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: «معرفة المناسبات بين الآيات» فكتب: «وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة»، وكتب أيضا: «قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما","vol":"3","page":13},{"text":"قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ، وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له»، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: «أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هـ ٩٣٦ / م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة» انتهى.\nوقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هـ ١٤٨٠ / م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: «هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه» فلم يخل من التصنّع والتكلّف.\nومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ٤٦/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام ٦٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٠٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ [الإسراء ٤١/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الإسراء ٨٩/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ﴾","vol":"3","page":14},{"text":"﴿كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف ٥٤/ ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الفرقان ٥٠/ ٢٥].\nوهنالك أيضاآيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أوسورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا، مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية.\nوتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم ومن ثم عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك.\nمعظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هـ ١٠٧٥ / م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١١ هـ ١٥٠٥ / م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السير والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم، عدا الفاتحة، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسم قليل من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يراها بعضهم ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!.","vol":"3","page":15},{"text":"واليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذا إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن بعضا منها قد يناقض بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: \"نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها».\nوالنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشيرالآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) - في نهاية الربع الرابع - الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص فيها والتعامل معها بحذر شديد.\nكما يبين الملحق (ب) - في نهاية الربع الرابع - أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده.\nوقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه (إحياء علوم الدين) أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه:\nأولا: حين ينصرف همّ القارئ إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل إليه أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟.\nثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له.","vol":"3","page":16},{"text":"ثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا.\nرابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة.\nومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني ومن ثمّ المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاثة مواضيع:\n١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض.\n٢ - بيان موضوع كل سورة، أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله.\n٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة.\nوفي العصر الحديث، وفي الباكستان تحديدا، قام أحد علمائها وهو مولانا أمين إحسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا.\nوقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عندما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه (نظم الدرر) في كثير من الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو","vol":"3","page":17},{"text":"الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف ٩٩/ ١٨]، فالواو في قوله:\n(وتركنا) واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.\nشوال ١٤٢٣ هـ - كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٢ م\nمحمد فاروق الزين\nالبريد الإلكتروني faruk@zein.org\n***","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2323>سورة مريم - ١٩ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2324>مقدمة</span>\nنزلت حوالي السنة السابعة قبل الهجرة، أي قبل لجوء الدفعة الأولى من المسلمين إلى الحبشة، وفي سيرة ابن هشام أن جعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول ﷺ، تلاها على نجاشي الحبشة عندما شرح له خلفية الدعوة الإسلامية.\n\n<span data-type='title' id=toc-2325>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nافتتحت سورة الكهف المتقدمة بوجوب حمده تعالى أن أنزل القرآن على نبيّه معجزا متجانسا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١/ ١٨)، ثم تختتم سورة مريم أنه تعالى يسّر القرآن على لسان نبيّه بشرى للمتقين وإنذارا للمكابرين:\n﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧/ ١٩).\nواختتمت سورة الكهف بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (١٠٧/ ١٨)، ثم تذكرسورة مريم من هؤلاء زكريا ويحيى، ومريم وعيسى، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وموسى وهارون، وإسماعيل وإدريس وتجملهم جميعا وذراريهم بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٥٨/ ١٩)، ثم قوله تعالى في سورة مريم: إنه سينشر محبّتهم بين الناس:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦/ ١٩).","vol":"3","page":19},{"text":"وبالمقابل تذكرسورة الكهف أن أعمال الكفار تحبط يوم القيامة فلا وزن حتى لأعمالهم (الصالحة): ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا﴾ (١٠٥/ ١٨)، وتفصيل عاقبتهم في سورة مريم: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (٦٦/ ١٩ - ٧٠).\nوفي سورة الكهف أن من أهداف القرآن الكريم إنذار الذين زعموا لله ولدا: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ (٤/ ١٨)، وتفصيله في سورة مريم:\n﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥/ ١٩)، وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٨٨/ ١٩ - ٩٢).\nوفي سورة الكهف إصرار المغترّين بالدنيا على إنكار الآخرة: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا * وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا﴾ (٣٥/ ١٨ - ٣٦)، ثم في سورة مريم أنهم يكتشفون في وقت متأخر نقيض ذلك، وأنّ على المؤمنين أن يدعوا لهم بالهداية قبل الفوات:\n﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ (٧٥/ ١٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-2326>محور السورة</span>\nتتابع الرسالات السماوية في النبيين من ذرية آدم ونوح، وذرية إبراهيم، وسلالة النبوات من بني إسرائيل التي انتهت بآخر أنبيائهم عيسى ﵇: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ﴾","vol":"3","page":20},{"text":"﴿وَإِسْرائِيلَ﴾، وسلالة النبوات من إسماعيل الولد الأول لإبراهيم والتي انتهت بختم النبوات في محمد ﷺ: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٥٨)، وفي حين رفض اليهود رسالة آخر أنبيائهم عيسى ﵇ وكفروا بها، فقد انشقت المسيحية عن النصرانية وألّهت عيسى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٣٧).\nوتنقض السورة دعوى الكفار الذين يتجاهلون الرسالات السماوية ويعدّون نجاحهم المادي الدنيوي معيارا وحيدا في دنياهم بغض النظر عن أي معيار أخلاقي:\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٧٣)، فهم يظنّون الدين عائقا في سبيل تقدمهم المادي: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ (٧٧)، وأن أمثالهم سوف يعانون من العذاب أشد من غيرهم في الآخرة لكونهم ضلّوا وأضلّوا غيرهم من ضعاف القوم:\n﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (٦٨ - ٧٠)، وأن الله تعالى أعطاهم فرص التوبة في الدنيا، وأن على المؤمنين أن يدعوا لهم بالهداية: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ (٧٥).\nثم تنقض السورة أيضا العقيدة المسيحية التي تزعم أن المسيح ابن الله:\n﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا * وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٨٨ - ٩٢)، وأنه تعالى يسّر نزول القرآن الكريم على لسان نبيه محمد ﷺ لختم النبوات ولوضع الأمور في نصابها الصحيح: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧).","vol":"3","page":21},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-2251\"></span>﴿كهيعص﴾ (١)\n١ - ﴿كهيعص﴾ الله أعلم بمراده، انظر شرح آية [البقرة ١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-2252\"></span>﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ (٢)\n٢ - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ أي هذا ذكر وشرح لما تنزّلت به الرحمة من الله تعالى على عبده زكريا، والد النبي يحيى، ﵉، وكان من كبار رجال الدين في معبد القدس، ورحمته تعالى لزكريا في هذه الحالة هي استجابته لدعائه كما سوف يرد.\n\n<span id=\"aya-2253\"></span>﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (٣)\n٣ - ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ دعا زكريّا ربّه في السرّ، وليس جهرا، لأنّ مثل هذا الدعاء في السرّ أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء إن كان في جمع من الناس، خاصة أنه يطلب الولد على تقدّمه في السن، كما لم يرد أن يكون ذلك على مسمع من رجال الدين في المعبد الذين خاف أن يلوه، الآية (٥).\n\n<span id=\"aya-2254\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٤)\n٤ - ﴿قالَ﴾ زكريا في دعائه ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ضعف عظمه لتقدّمه في السن ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ عمّ الشيب رأسه ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يعني أن الله تعالى كان يستجيب لدعائه على الدوام.\n\n<span id=\"aya-2255\"></span>﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي﴾ الموالي هم رجال الدين في المعبد، خاف أن يلوه في عمله بسبب فسادهم وتردّي سلوكهم الأخلاقي ﴿وَكانَتِ﴾","vol":"3","page":22},{"text":"﴿اِمْرَأَتِي عاقِرًا﴾ لا تلد، وهي إليزابيث، أخت مريم ﵍، وقيل بل هي ابنة عمها ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ولدا يليني في خدمة المعبد.\n\n<span id=\"aya-2256\"></span>﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (٦)\n٦ - ﴿يَرِثُنِي﴾ في أعمالي في المعبد ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يرث من أحسن خصالهم، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وآل يعقوب هم ذرّيته ﴿وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ مرضيّا عندك قولا وفعلا.\n\n<span id=\"aya-2257\"></span>﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (٧)\n٧ - ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ استجاب تعالى لدعاء زكريا ﴿اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ومن البشارة أيضا أنّ الله تعالى اختار اسم يحيى تكريما لما سيهب له من الولد، ولأن اسم يحيى مشتق من الحياة، بالنظر لبعثة يحيى التى سبقت بعثة عيسى ﵇ بستة شهور.\n\n<span id=\"aya-2258\"></span>﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٨)\n٨ - ﴿قالَ﴾ زكريّا مستغربا ﴿رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ كيف ومن أين؟ ﴿وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِرًا﴾ لا تلد ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ مبلغا كبيرا من السن.\n\n<span id=\"aya-2259\"></span>﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (٩)\n٩ - ﴿قالَ﴾ الملاك الذي حمل البشارة ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ لأنّ أمره تعالى في التكوين أن يقول له: كن، فيكون.\n﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾","vol":"3","page":23},{"text":"١٠ - ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ إشارة ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ﴾ تمتنع عن الكلام معهم ﴿سَوِيًّا﴾ أي مع كونك سويا ليس بك أي مرض يمنعك من النطق.\n\n<span id=\"aya-2261\"></span>﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١١)\n١١ - ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ بالإشارة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ داوموا على ذكر الله.\n\n<span id=\"aya-2262\"></span>﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ﴾ تحققت البشارة، وبلغ يحيى أشدّه، وبعث نبيا إلى بني إسرائيل قبل عيسى، والكتاب المشار إليه هو التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لأن اليهود تلاعبوا بالتوراة، وكتبوا من عندهم الكثير، فالمقصود أن يأخذ يحيى من التوراة الصحيح المتبقي منها فقط، ويتمسك به ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ﴾ الحكمة قبل النبوة عندما كان ﴿صَبِيًّا﴾.\n\n<span id=\"aya-2263\"></span>﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَحَنانًا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً﴾ رحمة عليه وتزكية له وطهورا من كل سوء ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ يتّقي كل ما لا ينبغي.\n\n<span id=\"aya-2264\"></span>﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ في إشارة إلى أن بر الوالدين يلي عبادة الله، انظرآية [الإسراء ٢٣/ ١٧]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ بل متواضعا ليّن الجانب.\n\n<span id=\"aya-2265\"></span>﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ فيتنزّل ﵇ الروحاني في كل هذه المراحل، وذلك قصارى ما يتمنّاه كل عاقل.\n\n<span id=\"aya-2266\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾","vol":"3","page":24},{"text":"١٦ - وهذه القصة الثانية بعد قصة زكريا ويحيى، والترابط بينهما لأنّ بعثتي يحيى وعيسى متقاربتان زمنيا، ولأنّ يحيى ابن خالة عيسى كما ذكرنا أعلاه، ولأنّ ولادة يحيى وعيسى كليهما كانت معجزة:\n﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ أي اذكر أيها الرسول، أو أيها القارئ قصة مريم كما وردت في هذا القرآن، تصحيحا لما ورد عنها في قصص العهدين القديم والجديد المشوّهة ﴿إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها﴾ اعتزلتهم ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ من بيت المعبد، أو من بيت المقدس، لأنّ والدتها امرأة عمران كانت نذرتها لخدمة المعبد، انظر [آل عمران ٣٥/ ٣ - ٣٦].\n\n<span id=\"aya-2267\"></span>﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا﴾ اعتكفت للعبادة ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ روح من الله تعالى تمثّل لمريم على شكل بشر.\n\n<span id=\"aya-2268\"></span>﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ﴾ فلا تقربني ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تخاف الله تعالى، وقد علمت مريم أنّ الاستعاذة لا تؤثر إلاّ في الأتقياء.\n\n<span id=\"aya-2269\"></span>﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿قالَ﴾ يطمئنها ﴿إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جئتك بهذه البشارة.\n\n<span id=\"aya-2270\"></span>﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ فكيف ومن أين؟ ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ بل امرأة طاهرة.\n\n<span id=\"aya-2271\"></span>﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾","vol":"3","page":25},{"text":"٢١ - ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ أي عيسى ﵇ ﴿آيَةً لِلنّاسِ﴾ معجزة ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ للناس، بما سوف يتنزّل عليه من الوحي بما يفيدهم ويصحح انحرافاتهم ﴿وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ في حملها عيسى ﵇، محقق قضاؤه حتما منذ خلق الله السماوات والأرض.\n\n<span id=\"aya-2272\"></span>﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ بالمسيح ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ بعيدا من أهلها، خارج المعبد.\n\n<span id=\"aya-2273\"></span>﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ نخلة ذهبت إليها لدى شعورها بالمخاض ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قالته لشدّة ما كانت عليه من مشقة المخاض من جهة، ولما سوف تواجه به الناس بعد الولادة من جهة ثانية.\n\n<span id=\"aya-2274\"></span>﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿فَناداها﴾ صوت ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ من تحت النخلة ﴿أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ جدولا يسري ماؤه، وتحتها بمعنى تحت ناظرها، وذلك أيضا على سبيل الإعجاز.\n\n<span id=\"aya-2275\"></span>﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ في مزيد من الإعجاز؛ لأن اهتزاز النخلة من جذعها يحتاج لقوة كبيرة، خاصة أن النخلة كبيرة ومثمرة.","vol":"3","page":26},{"text":"<span id=\"aya-2276\"></span>﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ طيبي نفسا ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا﴾ عن الكلام ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ لأنني في حالة أناجي بها ربي.\n\n<span id=\"aya-2277\"></span>﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ في وقت ما، بعدما استعادت قواها ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ عظيما عجيبا.\n\n<span id=\"aya-2278\"></span>﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ لأن مريم من سلالة الكهنة الذين انحدروا من هارون أخي موسى ﵉، وتلك عادة معروفة لدى القبائل الساميّة في انتساب الأفراد إلى أجدادهم ﴿ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ بل أنت من سلالة عفيفة شريفة.\n\n<span id=\"aya-2279\"></span>﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى ﵇، والمعنى اسألوه ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فذلك من العجب.\n\n<span id=\"aya-2280\"></span>﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿قالَ﴾ عيسى ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ﴾ الإنجيل، واستخدامه للفعل الماضي لأنه محقق لا محالة في علم الله القديم ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى بني إسرائيل.\n\n<span id=\"aya-2281\"></span>﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾","vol":"3","page":27},{"text":"٣١ - ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ في زيادة من الخير والعلوّ ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ بالدعاء ﴿وَالزَّكاةِ﴾ بأعمال الخير ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾.\n\n<span id=\"aya-2282\"></span>﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ بل متواضعا مرضيّا.\n\n<span id=\"aya-2283\"></span>﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ وذلك غاية ما يطمح إليه المرء العاقل من السلام الروحاني في كافة مراحل حياته وبعثه.\n\n<span id=\"aya-2284\"></span>﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿ذلِكَ﴾ ما تقدّم من قصّته ﴿عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ولد بكلمة الحق سبحانه ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكّكون ويتنازعون في المسيح، فاليهود رفضوه وزعموا أنه دعيّ، والمسيحية انحرفت عن رسالته إلى دعوة بولس فجعلته إلها أو ابن إله.\n\n<span id=\"aya-2285\"></span>﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ كما زعم بولس وأتباعه ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزّه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولا يعجزه شيء.\n\n<span id=\"aya-2286\"></span>﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣٦)\n٣٦ - قال لهم عيسى، وهو استمرار خطابه من الآية (٣٠): ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ وفي ذلك نفي لما زعموه عنه في أوقات لاحقة من الألوهية أو نصف الألوهية.\n\n<span id=\"aya-2287\"></span>﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾","vol":"3","page":28},{"text":"٣٧ - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ وهي الطوائف المسيحية المتعددة جدا والتي لا تزال تتكاثر حتى اليوم توغل في التنظير لمعرفة (طبيعة) المسيح، لا تريد الإقرار بأنه مجرد بشر ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2288\"></span>﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ بعد انكشاف الحجب يوم القيامة لا يبقى لديهم أدنى شك في الحقيقة، ﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ الغشاوة على أسماعهم وعلى أبصارهم في الدنيا بنتيجة ظلمهم أنفسهم وعدم استخدام مداركهم.\n\n<span id=\"aya-2289\"></span>﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ يوم القيامة حيث يكثر التحسّر من الكفار ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بفناء الدنيا وزوال التكليف ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عنه اليوم ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بل مصرّون على كفرهم.\n\n<span id=\"aya-2290\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ تؤول الأمور إلى من لا يملك النفع والضرر إلاّ الله تعالى ﴿وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ للحساب.\n\n<span id=\"aya-2291\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ أي اذكر أيها الرسول، أو أيها القارئ قصة إبراهيم كما وردت في هذا القرآن، الذي يصحح ما ورد في كتب اليهود والنصارى ويهيمن عليها، وهذه القصة الثالثة في السورة بعد قصّتي زكريا وولده يحيى، وقصة مريم وعيسى، وارتباطها مع ما قبلها أنّ إبراهيم أبا الأنبياء كان يدعو للتوحيد كما دعا إليه المسيح خلافا لما زعموه عنه.","vol":"3","page":29},{"text":"<span id=\"aya-2292\"></span>﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ من الأصنام ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ لا يضرّك ولا ينفعك.\n\n<span id=\"aya-2293\"></span>﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ سواء بالاستدلال العقلاني، أو عن طريق الوحي، انظر شرح آيات [الأنعام ٧٤/ ٦ - ٨٢]، ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مستقيما.\n\n<span id=\"aya-2294\"></span>﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ المغزى؛ إنّ نسب أي من صفات الألوهية لغير الله تعالى، وما في ذلك من إسفاف، ليس سوى عبادة للشيطان رمز المعصية منذ الخليقة، والمشتق اسمه من (شطن) أي ابتعد كثيرا عن الصواب والمنطق والأخلاق.\n\n<span id=\"aya-2295\"></span>﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ المغزى؛ إنّ ولاية الشيطان التي هي اتّباع وعبادة القيم الزائفة، ونسب من صفات الألوهية لغيره تعالى، والتهالك على دنيا المادة، كلّ ذلك ليس سوى معارضة رضوان الله، فهي أكبر من العذاب نفسه.\n\n<span id=\"aya-2296\"></span>﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ﴾ تنبذ الآلهة التي نقلّد بها ما عبد الآباء والأجداد ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن دعوتك ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالحجارة ﴿وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ دعني وشأني زمانا طويلا.\n\n<span id=\"aya-2297\"></span>﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾","vol":"3","page":30},{"text":"٤٧ - ﴿قالَ﴾ إبراهيم ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ لطيفا رفيقا.\n\n<span id=\"aya-2298\"></span>﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أفارقكم ﴿وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان والأوهام ﴿وَأَدْعُوا رَبِّي﴾ وحده ﴿عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ حتى أكون جديرا باستجابة ربّي للدعاء.\n\n<span id=\"aya-2299\"></span>﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ﴾ فارقهم وهاجر إلى بلاد الشام ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهجر ما يعبدون من الزيف ﴿وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ في بلاد الشام.\n\n<span id=\"aya-2300\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا﴾ أي من الوحي، لأن الرحمة هنا بمعنى الوحي، انظر [هود ٦٣/ ١١]، ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ صاروا قدوة للناس حتى ادّعاهم أهل الأديان كلهم، من يهود ونصارى ومسلمين.\nبعد أن ذكرت السورة ببعض التفصيل قصص كل من زكريا ويحيى، ومريم وعيسى، وقصة ابراهيم، تنتقل في الآيات التالية (٥١ - ٥٨) إلى ذكر بعض أنبياء بني إسرائيل من سلالة إسحاق بن ابراهيم، ثم من جهة ثانية اسماعيل بن إبراهيم الذي من سلالته ختمت النبوّات بالنبي ﷺ، انظر شرح آية [البقرة ١٢٢/ ٢].\n\n<span id=\"aya-2301\"></span>\n\n<span id=\"aya-2302\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾","vol":"3","page":31},{"text":"٥٢ - ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ جبل الطور في سيناء، والأيمن بمعنى المبارك ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ حتى ناجى ربّه.\n\n<span id=\"aya-2303\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ استجابة لدعاء موسى، انظرآية [طه ٢٩/ ٢٠].\n\n<span id=\"aya-2304\"></span>\n\n<span id=\"aya-2305\"></span>\n\n<span id=\"aya-2306\"></span>\n\n<span id=\"aya-2307\"></span>﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)\nوَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾\n٥٧ - ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ انظر شرح آية [البقرة ١٤٤/ ٢] عن رؤيا إدريس.\n\n<span id=\"aya-2308\"></span>﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ لأنهم كانوا يعلمون حق العلم أنهم مجرد بشر متواضعين حملوا عبء الرسالات الإلهية.\n\n<span id=\"aya-2309\"></span>﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ لم تنتفع الأقوام برسالات الرسل، فتخلّت عنها، بل انحرفت عنها وانكّبت على الدنيا ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ضلالا تامّا وخيبة عمّا كانوا يظنونه من الصواب، والمعنى أنهم يلقون جزاء هذا الغيّ، إن في دنياهم أو في آخرتهم.","vol":"3","page":32},{"text":"<span id=\"aya-2310\"></span>﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ قبل أن يفوت أوان التوبة ﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾\n\n<span id=\"aya-2311\"></span>﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات الخلد ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي بما غاب عن إدراك البشر الدنيوي، فهي فوق كل تصوّر أو إدراك ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ لا محالة.\n\n<span id=\"aya-2312\"></span>﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ لغو الكلام من الذي لا طائل تحته، يصيب الإنسان السوي بالسقم ﴿إِلاّ سَلامًا﴾ بل يتمتعون بالسلام والهدوء الروحاني الذي يفوق كل سلام ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ من الرزق الروحاني والمادي معا.\n\n<span id=\"aya-2313\"></span>﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ من اتّقى الضلال في حياته، واتّبع الدلائل العقلية والنقلية من رسالات الرسل المشار إليها.\n\n<span id=\"aya-2314\"></span>﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤)\n٦٤ - استمرار الخطاب من الآيات (٥١ - ٥٧)، بأن ملائكة الوحي تتنزّل على الرسل المشار إليهم:\n﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وهو قول الملائكة ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما خَلْفَنا﴾ من عالم الغيب الذي لا تدركه حتى الملائكة، فكيف","vol":"3","page":33},{"text":"بإدراك البشر؟ ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ من عالم المشاهدة وعالم الغيب ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ لا يفوت من حساب عباده شيء.\n\n<span id=\"aya-2315\"></span>﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ ومن ذلك الصبر على عناد المعاندين والمكابرين والمصرّين على الكفر ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فهو الله وحده المتفرد بألوهيته، بخلاف ما يزعمون.\n\n<span id=\"aya-2316\"></span>﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ (٦٦)\n٦٦ - بعد أن لخصت الآيات المتقدمة من بداية السورة بعث الأنبياء والرسل، تبين هذه الآية وحتى آخر السورة أن الكثرة من الناس لم تنتفع بذلك:\n﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ﴾ المكابر المعاند رغم بعث الأنبياء والرسل ﴿أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ وهو سؤال ينمّ عن استكبار وعنجهية وقصر نظر، لأن القائل يود أن يتصرف في الدنيا على هواه، حيث تكون نهاية المطاف.\n\n<span id=\"aya-2317\"></span>﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ فما الذي يمنع من بعثه وحسابه؟ خلافا لما يتمنّى؟\n\n<span id=\"aya-2318\"></span>﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ المشار إليهم آنفا ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ مع شياطين أهوائهم التي كانوا يميلون إليها ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ على الركب، مستسلمين لها خانعين.\n\n<span id=\"aya-2319\"></span>﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾","vol":"3","page":34},{"text":"٦٩ - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ من الخاطئين ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ من العتاة المتجبّرين من كبار القوم الذين لم يكتفوا بالضلال، وإنكار المسؤولية الأخلاقية، بل أضلّوا أتباعهم من الضعفاء والمستضعفين.\n\n<span id=\"aya-2320\"></span>﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها﴾ بنار جهنم ﴿صِلِيًّا﴾ من الأتباع والمتبوعين، كلّ بحسب دوافعه وما يستحقه من عقاب.\n\n<span id=\"aya-2321\"></span>﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أيها الخاطئون ﴿إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ لأن ارتباط العقاب في الآخرة نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم، فهو كارتباط السبب بالمسبب، وليس أمرا اعتباطيا.\n\n<span id=\"aya-2322\"></span>﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ ثمّ، ليست للتتابع الزمني، بل تفيد العطف، وقد تفيد التكرار، أي إنّ المتقين في منجاة من النار، بدليل الآيتين (٨٥ - ٨٦)، ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ جزاء وفاقا.\n\n<span id=\"aya-2323\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٧٣)\n٧٣ - هذه الآية بيان لما كان عليه عتاة المجرمين من إنكار وإصرار في دنياهم:\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من العتاة الظالمين ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ من المستضعفين ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ الفريق المادي الذي ينكر للدين أي دور؟ أم الفريق الذي يقر به وبالمسؤولية الأخروية؟ ﴿خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ يقولون لهم ذلك على سبيل السخرية، لأنهم زعموا أنّ الدين (أفيون) الشعوب، ولأنّ مقاييسهم قريبة الأجل، مادية محضة، يرون الدين عائقا في سبيل","vol":"3","page":35},{"text":"التقدم، بل في سبيل المنجزات التي لا حدود أخلاقية لها، والتي لم ينتج عنها سوى تخريب البيئة والمجتمعات.\n\n<span id=\"aya-2324\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا﴾ في الحضارات المادية ﴿وَرِءْيًا﴾ في التقدم المادي، فلم ينفعهم ذلك، لاقتصار سلوكهم وتوجهاتهم عليها.\n\n<span id=\"aya-2325\"></span>﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿قُلْ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ وهو دعاء للضالّين بمزيد من الفرص لعلهم يتوبون ويدركون الحقيقة قبل فوات الأوان ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ عندما يفوت كل أمل بالتوبة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ وذلك الجواب على كلامهم وسخريتهم المشار إليهما بالآية (٧٣).\n\n<span id=\"aya-2326\"></span>﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً﴾ بما يتناسب مع ميولهم الخيّرة وجبلّتهم الصالحة ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ من أعمالهم ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ تثمر في الدنيا رزقا ماديا أو معنويا، وثوابها في الآخرة، بالمقابل مع أعمال المذكورين بالآية المتقدمة الذين تحبط أعمالهم (الحسنة) منها والقبيحة.\n\n<span id=\"aya-2327\"></span>﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ من أمثال المشار إليهم بالآية (٧٣)﴾، ﴿وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾ ظانّا أن الأمور تقاس بالنجاح الدنيوي المادي لا غير، وأن لا مسؤولية ولا ثواب ولا عواقب.","vol":"3","page":36},{"text":"<span id=\"aya-2328\"></span>﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ حتى صار على معرفة بمستقبله القريب والبعيد؟ فقد يبور ماله، وقد يخذله أولاده ﴿أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ المعنى إنّ الغيب بيد الله، فلا يغتر الكافر بحاضره القريب.\n\n<span id=\"aya-2329\"></span>﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ من ضلال ومزاعم، والكتابة مجاز ممّا لا يلزم السؤال عنه، انظرآية [الإسراء ١٣/ ١٧]، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ فيكابد العذاب الدنيوي بانهماكه في الماديات، عدا ما ينتظره من عذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2330\"></span>﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ من أموال وأولاد، فلا ينفعونه بعد موته البتّة ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ في منتهى العجز، ليس أمامه سوى العناية الإلهية، إذ هو معتمد عليها بالكليّة.\n\n<span id=\"aya-2331\"></span>﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (٨١)\n٨١ - استمرار الخطاب عن أمثال المشار إليهم بالآية (٧٣):\n﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ والآلهة ليست بالضرورة من الأوثان، فقد تكون آلهتهم من القوى والإمكانات المادية، كالثروات والسلطات الدنيوية التي يتمتعون بها، والقيم الزائفة التي أقنعوا أنفسهم بها، حتى صار تمسكهم بها نوعا من العبادة.\n\n<span id=\"aya-2332\"></span>﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾","vol":"3","page":37},{"text":"٨٢ - ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ المغزى؛ إنّ القيم الزائفة سوف تخذلهم، كما إن إمكاناتهم المادية لن تدوم ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ معتقداتهم الباطلة سوف تكون وبالا عليهم.\n\n<span id=\"aya-2333\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تحثهم على المعاصي، لأن حكمته تعالى في الخليقة اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل، وأن يكون للمرء مطلق الحرية في قبول الحق أو اتّباع الباطل، باستخدام مداركه العقلية التي كرّمه بها الله تعالى، انظرآية [الإسراء ٧٠/ ١٧]، ولو شاءتعالى لجعل الناس أمّة واحدة على الهدى، لكن ذلك ينافي الحكمة من التكليف، انظرآية [هود ١١٨/ ١١]، والشياطين ليس لها من سلطة حقيقية إلاّ على من يستجيب لها، انظرآية [إبراهيم ٢٢/ ١٤].\n\n<span id=\"aya-2334\"></span>﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أيها المؤمن، ولا تغتر بما هم عليه من دنياهم، فذلك ليس بدائم ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ حتى يحين موعد حسابهم.\n\n<span id=\"aya-2335\"></span>﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا﴾ وفودا مكرمة.\n\n<span id=\"aya-2336\"></span>﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ كما لو كانوا قطعانا عطاشا يردون البئر.\n\n<span id=\"aya-2337\"></span>﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا﴾ المغزى أنّ الحجّة قائمة على كل من وهب نعمة العقل أن يفهم السنن الكونية ويتفكّر في هدي الرسل، انظر شرح آية [البقرة ٢٧/ ٢]، والشفاعة تكون للمرتضى والتائب.","vol":"3","page":38},{"text":"<span id=\"aya-2338\"></span>﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا﴾ (٨٨)\n٨٨ - استمرار الخطاب من الآية (٨١): ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا﴾ وهي الطوائف المسيحية، زعمت أن المسيح ابن الله بعد أن انحرفت عن نصرانية عيسى ﵇ إلى الديانة المسيحية التي ابتدعها بولس، انظر شرح آية [آل عمران ٣/ ٣].\n\n<span id=\"aya-2339\"></span>﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ منكرا عظيما.\n\n<span id=\"aya-2340\"></span>﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ من قول هذا المنكر ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾.\n\n<span id=\"aya-2341\"></span>﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا﴾ (٩١)\n\n<span id=\"aya-2342\"></span>﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ لأن مثل هذا القول يفترض النقص في ذات الله، تعالى عمّا يقولون علوّآ كبيرا.\n\n<span id=\"aya-2343\"></span>﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا﴾ بمن فيهم عيسى المسيح الذي زعموا فيه الألوهية، وزعموا أنه ابن الله.\n\n<span id=\"aya-2344\"></span>﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ﴾ أحصى أعمالهم ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ لا يفوته منهم أحد.\n\n<span id=\"aya-2345\"></span>﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾","vol":"3","page":39},{"text":"٩٥ - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.\n\n<span id=\"aya-2346\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ فينشر محبتهم بين الناس، ومن جهتهم يحبون ويتمنّون الخير والهداية لغيرهم من خلق الله.\n\n<span id=\"aya-2347\"></span>﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أي القرآن الكريم ﴿بِلِسانِكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ من أمثال المشار إليهم بالآية (٨٧)، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ الذين يختلقون شتّى الحجج الواهية لمحاولة دحض رسالة القرآن.\n\n<span id=\"aya-2348\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من المجتمعات هلكت بسوء أعمالها ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ المعنى لا تسمع لهم صوتا خفيا ولا ظاهرا.","vol":"3","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2420>سورة طه - ٢٠ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2421>مقدمة</span>\nنزلت خلال السنة السادسة من بعثة النبي ﷺ، أي حوالي سبع سنوات قبل الهجرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2422>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة مريم المتقدمة بأنه تعالى يسّر نزول القرآن الكريم على البشرية بلسان نبيه محمد ﷺ بشيرا ونذيرا: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧/ ١٩)، ثم افتتحت سورة طه بأن نزول القرآن على البشرية لم يكن تضييقا لها، وإنما تعميقا لشعورها بالحق والباطل: ﴿طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (١/ ٢٠ - ٣)، ولبيان أخبار ما سبق من بعث الرسل: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا﴾ (٩٩/ ٢٠)، وعاقبة الإعراض عن هدي القرآن: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا﴾ (١٠٠/ ٢٠)، وحث الناس على التقوى، وتذكرة بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم في الأصلاب: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (١١٣/ ٢٠).\nوقد أجملت سورة مريم تتابع الرسالات بقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٥٨/ ١٩)، كما فصّلت في بعثتي يحيى وعيسى ﵉ بالآيات (٢/ ١٩ - ٣٧)، وقدّمت لبعثتي موسى وهارون ﵉ بقوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ﴾","vol":"3","page":41},{"text":"﴿الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (٥١/ ١٩ - ٥٣)، ثمّ في سورة طه تفصيل بعثتي موسى وهارون بالآيات (٩/ ٢٠ - ٩٨).\nوفي سورة مريم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ (٩٦/ ١٩)، ومن تفصيله قوله تعالى في سورة طه مخاطبا موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (٣٩/ ٢٠)، فيكون العبد الصالح محبوبا من الله ومن الناس.\nوفي سورة مريم إن الكفار يعدّون ازدهارهم ومتاعهم الدنيوي مقياسا وحيدا لنجاحهم، دون النظر لأي مقاييس أخلاقية: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٧٣/ ١٩)، وفي سورة طه تحذير من الاغترار بما ينعمون به من الدنيا: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٣١/ ٢٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-2423>محور السورة</span>\nالقرآن الكريم نزل على البشرية فرقانا لتعميق شعورها بالحق والباطل وليس تضييقا لها: ﴿طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (١ - ٣)، والخطاب في قوله تعالى: ﴿طه﴾ بمعنى أيها الإنسان.\nوالمقصود من العبادة تكييف النفس الإنسانية لما خلقت لأجله، ولكي يعرف الإنسان خالقه ويكيّف وجوده الدنيوي بحسب إرادته تعالى المبيّنة فيما نزل على الأنبياء والرسل من الوحي، وهو ما تؤكده السورة بقوله تعالى مخاطبا موسى:\n﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١٤)، ولأن العبادة لا يستفيد منها سوى المخلوق مما ينمّي مداركه الفكرية، انظرآيات الذاريات (٥٦/ ٥١ - ٥٧)، وأن مغزى الخلق لا يتضح ولا يكتمل إلا على خلفية الدار الآخرة: ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥).","vol":"3","page":42},{"text":"ولذا وجب أن تتسم الدعوة بالرفق وباللين وبدافع الأمل والرجاء من قبل الداعي: ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٤٣ - ٤٤)، وبالمقابل يكون التكالب على مكاسب الدنيا سببا للمكابرة والجحود: ﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ (٥٧)، وأن مفهوم الإنسان للزمن الدنيوي ليس سوى وهم، ما قد يؤدي به إلى الهاوية: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ (١٠٣ - ١٠٤)، لأنّ الجاحد يجري وراء مادية الدنيا ظانّا أنه يخلد أبد الدهر ناسيا آخرته: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (١٢٠).\nفعلى المرء أن يستوعب القرآن بنظرة شمولية متكاملة، وليس بنظرة مجتزأة لبعض الآيات والسور: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١١٤)، وأن من يعرض عن الذكر يحيا حياة دنيوية مادية عقيمة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (١٢٤)، وأن القرآن الكريم نزل على البشرية مبينا لها حقيقة ما سبق من الكتب المنزلة: ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٣٣).\nوإنّ من طبيعة النفس البشرية أن يظن كل امرئ، بغض النظر عن معتقده، أن أسلوبه في الحياة هو الصحيح ثم لا يدرك الحقيقة وعاقبة أمره إلا بعد الفوات: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥).\n﷽\n\n<span id=\"aya-2349\"></span>﴿طه﴾ (١)\n١ - ﴿طه﴾ قال بعض المفسرين إنّ طه من الحروف المقطّعات، انظر شرح آية [البقرة ١/ ٢]، ومع ذلك فإنّ كلمة (طه) ذات معنى في اللهجات السريانية","vol":"3","page":43},{"text":"والنبطية والحبشية والعبرية المنبثقة عن العربية، ولا بد أنها مطابقة أيضا للغة قريش، ومعناها: (يا رجل)، وبعبارة أخرى: (أيها الإنسان).\n\n<span id=\"aya-2350\"></span>﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (٢)\n٢ - ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أيها الإنسان ﴿لِتَشْقى﴾ لم ينزل القرآن الكريم على البشرية تضييقا عليها ولا تقييدا لها.\n\n<span id=\"aya-2351\"></span>﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (٣)\n٣ - ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ وذلك المقصود من النظام الأخلاقي الذي نزل به القرآن الكريم، أي لتعميق شعور الإنسان بمقاييس الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، فهو لتحقيق سعادة البشر وليس لشقائهم، وهو أيضا تذكرة للعباد وليس قسرا، وذلك من جملة تكريمه تعالى لبني آدم، انظرآية [الإسراء ٧٠/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-2352\"></span>﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ (٤)\n٤ - ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ القرآن الكريم نزّل تنزيلا، أي منجّما على مدة البعثة النبوية، من خالق الأرض والسماوات، لتحقيق مصالح العباد.\n\n<span id=\"aya-2353\"></span>﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ (٥)\n٥ - ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ كناية عن هيمنته تعالى على خلقه، وتدبيره له بلا حدود، ومن ذلك نزول القرآن، وقد تكرر تعبير الاستواء على العرش في القرآن الكريم سبع مرات، انظرآيات [الأعراف ٥٤/ ٧]، [يونس ٣/ ١٠]، [الرعد ٢/ ١٣]، [طه ٥/ ٢٠]، [الفرقان ٥٩/ ٢٥]، [السجدة ٤/ ٣٢]، [الحديد ٤/ ٥٧].\n\n<span id=\"aya-2354\"></span>﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)﴾","vol":"3","page":44},{"text":"٦ - ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ من عالم الغيب، ما يغيب عن إدراك البشر ﴿وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ ما لا يرى بالمشاهدة.\n\n<span id=\"aya-2355\"></span>﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أيها الإنسان ﴿فَإِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ما يدور في خاطرك من أفكار ﴿وَأَخْفى﴾ كما يعلم ما يدور في عقلك الباطن من نوايا، فلا تخفى على منزّل القرآن خافية.\n\n<span id=\"aya-2356\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (٨)\n٨ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ صفات الكمال لمنزّل القرآن وحده، وقد تكرّر تعبير الأسماء الحسنى في القرآن الكريم أربع مرات، انظر قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف ١٨٠/ ٧]، أيضا في آيات [الإسراء ١١٠/ ١٧]، [طه ٨/ ٢٠]، [الحشر ٢٤/ ٥٩].\n\n<span id=\"aya-2357\"></span>﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ (٩)\n٩ - استمرار الخطاب من الآيات (٢ - ٤) في التنزيل الحكيم: ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ أيها النبي، أو أيها القارئ، أو أيها المستمع ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ فيما يرويه القرآن الكريم تصحيحا لما ورد عن قصة موسى في كتب اليهود، وبيانا لوحدة الرسالات السماوية إلى بني البشر؟.\n\n<span id=\"aya-2358\"></span>﴿إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿إِذْ رَأى نارًا﴾ وهو في طريق عودته من مدين بعد هروبه من مصر، ثمّ قضائه الأجل المتفق عليه مع حميه، انظرسورة [القصص ٢١/ ٢٨ - ٢٩]، ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ﴾ لعائلته ﴿اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أبصرت نارا عن بعد ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ﴾ جذوة من النار ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ المغزى؛ إنه","vol":"3","page":45},{"text":"كان تائها ليس فقط في الصحراء، فقد يكون التيه روحانيّا، وقد يكون ذلك بداية إدراك موسى أنه بحاجة إلى الهداية الروحانية.\n\n<span id=\"aya-2359\"></span>﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ (١١)\n١١ - ﴿فَلَمّا أَتاها﴾ بعد وصوله إلى النار ﴿نُودِيَ﴾ بنداء النبوّة ﴿يا مُوسى﴾.\n\n<span id=\"aya-2360\"></span>﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ تشريفا للوادي وتواضعا لله تعالى، قال الألوسي: المعنى أيضا على المجاز؛ أي فرّغ قلبك من الدنيا ﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ قال الزمخشري: الوادي طوى بمعنى ثنى، لأنه قدّس مرّتين، الأولى بندائه تعالى إلى موسى، والثانية برفع موسى إلى مصاف النبوّة.\n\n<span id=\"aya-2361\"></span>﴿وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ﴾ رسولا ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ سوف يوحى إليك.\n\n<span id=\"aya-2362\"></span>﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ تأكيدا على التوحيد ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ لمعنى العبادة انظر شرح آيات [الذاريات ٥٦/ ٥١ - ٥٨]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وهكذا تقرّرالآية أنّ التوحيد وذكر الله هو المغزى، كما أنّه المبرر الفكري للعبادة والصلاة الحقيقية، في كل الأديان.\n\n<span id=\"aya-2363\"></span>﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها﴾ تكاد تكون خافية عن الغافلين، مع أنّ كل ما في الكون يشير إليها، فلا يعقل أن تكون الدنيا نهاية المطاف، إذ لا تستقيم العدالة إلا بوجودها: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ كل ما يتعمّد","vol":"3","page":46},{"text":"المرء القيام به، أو ما يتعمّد تجنب القيام به من أفعال أخلاقية أو لا أخلاقية، يجزى عليه، إن خيرا فخير، أو شرا فشر، انظرآية [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].\n\n<span id=\"aya-2364\"></span>﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ يا موسى، أو أيها الإنسان، لأن الخطاب في أول السورة إلى ﴿طه﴾، المعنى: لا يصدّنّك عن الإيمان بالآخرة ﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها﴾ فظنّ أنّ الدنيا نهاية المطاف ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ ظانّا أن لا حساب ولا ثواب ولا عقاب، فانهمك في دنياه ونسي آخرته ﴿فَتَرْدى﴾ تصل إلى الهلاك المحتوم، بالدمار الروحاني في الدنيا، إضافة إلى عذاب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2365\"></span>﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ انتقال الخطاب لبيان المعجزات التي سيقوم بها موسى، والسؤال سؤال تقرير، وهو بداية الحوار عندما كلم الله موسى تكليما، انظر [النساء ١٦٤/ ٤].\n\n<span id=\"aya-2366\"></span>﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ عندما يثقلني الجهد ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ أخبط بها أغصان الشجر حتى تتساقط فتأكله الغنم ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ كالدفاع عن النفس، وحمل الزاد والماء.\n\n<span id=\"aya-2367\"></span>﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى﴾ قال الرازي إلقاء العصا كناية عن ترك الطلب، أي الاستغناء عن الدنيا، كما كان خلع النعلين كناية عن تحمل المسؤولية وترك الهرب.\n\n<span id=\"aya-2368\"></span>﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠)﴾","vol":"3","page":47},{"text":"٢٠ - ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ وهذه المعجزة الأولى لموسى استعدادا لبعثته إلى فرعون، لأن المصريين كانوا يعتقدون أن الثعبان المسمى أبو فيس  Apophis  كان عدوا لإله الشمس (ر ع) عندهم، إذ كان الثعبان أبو فيس يلاحق الإله (ر ع) يوميا وهو في رحلته حول الشمس، ولم يفلح (ر ع) في قتله، لذا كان المصريون يقومون ببعض الطقوس ضد الثعبان تفاديا للفوضى التي كان يمكن أن يحدثها في عالمهم!! فكان في معجزة موسى بتحويل العصا إلى ثعبان تعريض بثعبانهم أبو فيس.\n\n<span id=\"aya-2369\"></span>﴿قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ عصا كما كانت.\n\n<span id=\"aya-2370\"></span>﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ يشع البياض منها دون أن يكون بها ما يسيء الناظرين إليها ﴿آيَةً أُخْرى﴾ معجزة أخرى، بعد معجزة العصا.\n\n<span id=\"aya-2371\"></span>﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ طمأنة لك، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أي هذا غيض من فيض.\n\n<span id=\"aya-2372\"></span>﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ بادعائه الألوهية، وهي أكبر خطيئة يمكن لإنسان أن يرتكبها.\n\n<span id=\"aya-2373\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ العرب تسمي الغم والهم ضيق صدر، ونقيضه شرح الصدر، أي إن موسى أراد أن يقابل فرعون وهو في حالة من","vol":"3","page":48},{"text":"الانشراح النفسي، ونزول السكينة والطمأنينة عليه، وذلك نقيض الرهبة والقلق، انظرآية [الرعد ٢٨/ ١٣].\n\n<span id=\"aya-2374\"></span>﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ بالألطاف الإلهية، بعد طلب الانشراح النفسي، أراد موسى أن تكون أموره مع موسى ميسورة غير متعثرة ولا صعبة المنال.\n\n<span id=\"aya-2375\"></span>﴿وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ لأن موسى لم يكن طليق اللسان، ولا مفوّها في الخطاب، فدعا ربّه ألاّ تكون هذه الخصلة عائقا في دعوته فرعون إلى الحق.\n\n<span id=\"aya-2376\"></span>﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ لكي يفقه فرعون وآله دعوته لهم بوضوح، دون التباس أو غموض.\n\n<span id=\"aya-2377\"></span>﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ معاونا يحمل معي الوزر، أي الحمل الثقيل، وهذا هو معنى الوزير أي الذي يساهم في الحمل.\n\n<span id=\"aya-2378\"></span>﴿هارُونَ أَخِي﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿هارُونَ أَخِي﴾ ذاته.\n\n<span id=\"aya-2379\"></span>﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ أي ظهري، فيضم إمكاناته إلى إمكاناتي، وهو أفصح لسانا مني، انظرآية [القصص ٣٤/ ٢٨].\n\n<span id=\"aya-2380\"></span>﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾","vol":"3","page":49},{"text":"٣٢ - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ في أمر النبوة والرسالة إلى فرعون، وإلى بني إسرائيل من بعده.\n\n<span id=\"aya-2381\"></span>﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ بالقول وبالفعل وبالاعتقاد.\n\n<span id=\"aya-2382\"></span>﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ بصفات الجلال والكبرياء.\n\n<span id=\"aya-2383\"></span>﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بصيرا بوجوه مصالحنا، فأعطنا ما هو أصلح لنا، تفويضا لأمورنا لك بالكلية.\n\n<span id=\"aya-2384\"></span>﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ قد استجبنا لطلبك، لأن السؤل هو الطلب.\n\n<span id=\"aya-2385\"></span>﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ بأن أجبناك إلى طلبك، وتلك الاستجابة من عظيم نعمه تعالى على موسى، إضافة إلى ما سبق من نعمه العظام عليه منذ ولادته، كما سيرد بالآيات التالية، والقصة مذكورة بمزيد من التفصيل في آيات [القصص ٣/ ٢٨ - ٢١.]\n\n<span id=\"aya-2386\"></span>﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ما يجب أن يوحى بالإلهام.\n\n<span id=\"aya-2387\"></span>﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)﴾","vol":"3","page":50},{"text":"٣٩ - ﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ في صندوق ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ في نهر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ بفعل التيار والأمواج ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ وهو فرعون ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ﴾ يا موسى ﴿مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فأحبه الناس، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ [مريم ٩٦/ ١٩]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ بالألطاف الإلهية.\n\n<span id=\"aya-2388\"></span>﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ﴾ فتقوم بإرضاعك ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ في مصر بعد أن بلغت أشدّك ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ بهروبك إلى أرض مدين ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ بهذه الأحداث ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ حيث قضيت الأجل من ثماني إلى عشر سنين ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ سيناء بالوادي المقدس طوى ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ في علم الله القديم ﴿يا مُوسى﴾.\n\n<span id=\"aya-2389\"></span>﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ رسولا لبعثتك إلى فرعون أولا، ثم رسولا إلى بني إسرائيل ثانيا.\n\n<span id=\"aya-2390\"></span>﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي﴾ برسالاتي ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ لا يعتريكما الفتور ولا الضعف في ذكري على الدوام.\n\n<span id=\"aya-2391\"></span>﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ فقد تجاوز كل الحدود بادعاء الألوهية، واستعبد الناس.","vol":"3","page":51},{"text":"<span id=\"aya-2392\"></span>﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ إشارة إلى تعليم كيفية الإرشاد، وإلاّ فإن علم الله القديم محيط بأنّ فرعون لن يؤمن، وهذا أحد جوانب مغزى القصة، لأن اللين والرفق في الدعوة مطلوب في كل الأوقات والعصور.\n\n<span id=\"aya-2393\"></span>﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قد يعجل علينا بالعقوبة والأذية، وقد يقتلنا على الفور، وقد ينفينا أو يطردنا، قبل أن نتمكن من إبلاغه الرسالة أولا ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ فيتخطى حدوده ويقول في الله تعالى ما لا ينبغي.\n\n<span id=\"aya-2394\"></span>﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ فلا يصل إليكما بما تخافا.\n\n<span id=\"aya-2395\"></span>﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أي لك ربّ، هو ربّ الأرباب، ولست إلها كما تظنّ وتدّعي ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أطلقهم من عبوديتك في مصر ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ العذاب الذي لبثوا فيه بعد وفاة يوسف ﵇، وخروج الهكسوس من مصر، قرابة ثلاث مئة عام ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ برسالة ﴿وَالسَّلامُ﴾ الروحاني في هذه الدنيا ﴿عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى﴾ من اتّبع هدى ربّه، أمّا من تهالك على دنياه، وادّعى فيها الألوهية فإن له فيها معيشة ضنكا.\n\n<span id=\"aya-2396\"></span>﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ﴾ الأنبياء والرسل ﴿وَتَوَلّى﴾ عن الذكر.","vol":"3","page":52},{"text":"<span id=\"aya-2397\"></span>﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ خطاب فرعون موجّه إلى موسى، لأن فرعون سبق أن زعم أنه الرب لقوله: ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النازعات [٢٤/ ٧٩].\n\n<span id=\"aya-2398\"></span>﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فهذا ظاهر في عملية الخلق المستمرة والمتجددة على مر العصور والأزمان، وما على فرعون سوى أن يلتفت حوله ويتأمل ويشاهد الآيات الآفاقية حتى يفيق من غفلته، ﴿ثُمَّ هَدى﴾ هدى تعالى من شاء الهداية، وهدى كل مخلوق لتحقيق ما هو مقدر له في دنياه على قدره، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (*) * الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (*) * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١/ ٨٧ - ٣].\n\n<span id=\"aya-2399\"></span>﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿قالَ﴾ فرعون ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ يعني الأمم البائدة التي عبدت العديد من الآلهة؟ حيث تزعم الآن يا موسى أنها لن تنجوا من العقاب؟\n\n<span id=\"aya-2400\"></span>﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ لا شأن لي بها، فهذا من أمور الغيب، استأثر الله بعلمه، وليست وظيفتي أن أخبرك بمصيرها، ولا عقابها، أو إن كان قد غفر لها، فهذا من شأن ربّ الأرباب وحده، يقرر مصيرها في الحياة الآخرة، فهو يعلم دوافعها وأخطاءها ويقرر أخلاقياتها من عدمها ﴿فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ لا يغيب عن علمه القديم شيء.\n\n<span id=\"aya-2401\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣)﴾","vol":"3","page":53},{"text":"٥٣ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ الخطاب تعريض بمدّعي الألوهية فرعون الذي لا يقدر على شيء من ذلك.\n\n<span id=\"aya-2402\"></span>﴿كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ أي ذوي العقول الراجحة، وفرعون ليس منهم.\n\n<span id=\"aya-2403\"></span>﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ﴾ من الأرض، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥]، ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بعد وفاتكم ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ للبعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-2404\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا﴾ رسالاتنا، ومعجزاتنا ﴿كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ الاستجابة.\n\n<span id=\"aya-2405\"></span>﴿قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿قالَ﴾ فرعون ﴿أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ أي لتحرمنا من حكم مصر؟ وتستولي عليها، وتخرج أهلها منها؟ وهكذا كان تركيز فرعون على مكاسبه الذاتية وموقعه الطغياني الذي تمسّك به.\n\n<span id=\"aya-2406\"></span>﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً﴾ سوف نتحدى سحرك ولك الخيار أن تحدد الموعد والمكان.\n\n<span id=\"aya-2407\"></span>﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾","vol":"3","page":54},{"text":"٥٩ - ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يبدو أنه يوم رأس السنة عند قدامى المصريين ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ على رؤوس الأشهاد.\n\n<span id=\"aya-2408\"></span>﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ما يكاد به من السحرة ﴿ثُمَّ أَتى﴾ الموعد ومعه جمعه.\n\n<span id=\"aya-2409\"></span>﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بأن تتعمّدوا، أيها السحرة، تكذيب الرسالة الإلهية ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ يستأصلكم ﴿وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى﴾ الكذب على الله.\n\n<span id=\"aya-2410\"></span>﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ للتشاور سرّا فيما بينهم.\n\n<span id=\"aya-2411\"></span>﴿قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ موسى وهارون ﴿يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما﴾ فيستولوا على أرض مصر، أو يحلوا مكانكم عند فرعون ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ التي تتلاعبون بواسطتها بالجماهير وتعززون حكم فرعون.\n\n<span id=\"aya-2412\"></span>﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ ما تكيدون به موسى وهارون ﴿ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا﴾ واحدا ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى﴾ على الطرف الآخر.\n\n<span id=\"aya-2413\"></span>﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)﴾","vol":"3","page":55},{"text":"٦٥ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك أوّلا ﴿وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ حبالنا وعصيّنا.\n\n<span id=\"aya-2414\"></span>﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ إظهارا لعدم المبالاة ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ أي إن السحر مجرد خيال، وما قام به السحرة لم يكن سوى تخييل وهلوسة وقعت الجماهير تحت وطأتهما، حتى موسى نفسه وقع تحت وطأتها مؤقتا.\n\n<span id=\"aya-2415\"></span>﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ استشعر قي نفسه الخوف، لما شعر به من الهلوسة.\n\n<span id=\"aya-2416\"></span>﴿قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ لأنهم يتلاعبون بالسحر، وأنت جئتهم بالرسالة الإلهية.\n\n<span id=\"aya-2417\"></span>﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ عصاك ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ تأخذه بسرعة وتبطل السحر، انظر شرح [الشعراء ٤٥/ ٢٦]، ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ ليس سوى تخييل ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ سواء كان يهدف إلى الخير أو إلى الشرّ، والمغزى؛ إدانة السحر بكل أشكاله بغض النظر عن قصد صاحبه إن كان خيرا أو شرا.\n\n<span id=\"aya-2418\"></span>﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)﴾","vol":"3","page":56},{"text":"٧٠ - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ لشدة ذهولهم إذ اكتشفوا الفرق بين الدجل والحقيقة ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ المبعوثين من العناية الإلهية الحقيقية.\n\n<span id=\"aya-2419\"></span>﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿قالَ﴾ لهم فرعون ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أن تستسلموا له ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ عدّ فرعون موسى كبير السحرة، قد تآمر مع مجموعته ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ لشدة مخالفتكم لي ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى﴾ التقطيع والتصليب، غير القتل والصلب، وهو دليل على كثرة السحرة الذين حشدهم فرعون للمواجهة.\n\n<span id=\"aya-2420\"></span>﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لن نفضلك ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ من الحق ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ أبدعنا وأوجدنا، الله سبحانه ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ فلا سيطرة لك على أفكارنا وعقيدتنا ﴿إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ولا تدري ما الآخرة؟\n\n<span id=\"aya-2421\"></span>﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ التي ارتكبناها قبل أن ندرك الرسالة الإلهية ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ لأن إتيان السحر مدان ﴿وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ من ملكك الفاني.\n\n<span id=\"aya-2422\"></span>﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤)﴾","vol":"3","page":57},{"text":"٧٤ - ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها﴾ لا يقضى عليه ويجد السلام في الفناء، بل يعاني فيها من الغم والهم، انظر [الحج ٢٢/ ٢٢]، ﴿وَلا يَحْيى﴾ ولا يجد السلام في ولادة روحانية جديدة.\n\n<span id=\"aya-2423\"></span>﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ الإيمان لا يستقيم ولا ينفع صاحبه من دون العمل الصالح ﴿فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ في الآخرة، انظر [الأنعام ١٥٨/ ٦].\n\n<span id=\"aya-2424\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ (٧٦)\n٧٦ - بيان الدرجات العلا: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ النعيم الخالد ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ من توصّل إلى الطهارة الروحية من كل أنجاس الباطل والشهوات والضلال.\n\n<span id=\"aya-2425\"></span>﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ إلى أرض الحرية فلسطين، بعد انقطاع الأمل في إيمان فرعون وصحبه، انظر [الأعراف ١٣٠/ ٧]، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا﴾ فلا يدركك فرعون بالمطاردة ﴿وَلا تَخْشى﴾ بأسه.\n\n<span id=\"aya-2426\"></span>﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ما لا يمكن مقاومته من طغيان البحر، ولم ينفع فرعون إيمانه عند الغرغرة، عندما غرق مع جيشه في البحر، انظر [يونس ٩١/ ١٠].\n\n<span id=\"aya-2427\"></span>﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)﴾","vol":"3","page":58},{"text":"٧٩ - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ أصرّ المتبوعون على الضلال، فضلّ الأتباع.\n\n<span id=\"aya-2428\"></span>﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ جبل الطور، والأيمن أي المبارك، لأن العرب تقول أيمن وميمون تفاؤلا، وهو الجبل الذي نزلت فيه التوراة على موسى ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ بلا أي مجهود منكم، منّة من الله تعالى، وهو معنى أو مغزى المنّ، أي الرزق المادي، بغض النظر عن كونها قد تعني طيور السمّان.\n\n<span id=\"aya-2429\"></span>﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ فيما رزقناكم من النعم، فتظنّون أنكم مستحقوها بجدارتكم، أو بنسبكم إلى أبيكم إبراهيم ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ فكأنه وقع في الهاوية.\n\n<span id=\"aya-2430\"></span>﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اِهْتَدى﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ عن خطاياه ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اِهْتَدى﴾ إلى الحق.\n\n<span id=\"aya-2431\"></span>﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ يعني تركتهم وجئت إلى الطور قبل أن تستقر الرسالة في نفوسهم، وتختمر في عقولهم، استعجلت وتركتهم، بعد طول عبوديتهم لفرعون، وكان الأجدر بك ألاّ تفعل ذلك.\n\n<span id=\"aya-2432\"></span>﴿قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾","vol":"3","page":59},{"text":"٨٤ - ﴿قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ قد يكون قالها مجازا يقصد أن قومه تفهموا الرسالة واستوعبوها بعد أن لقنهم إياها، أي هم على أثره في فهمها وفهم التوحيد ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ فلا خوف أن تركتهم بمفردهم.\n\n<span id=\"aya-2433\"></span>﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي على عكس ما تظنّ، فالإيمان لم يتأصلّ فيهم، بل إن السامري أضلّهم: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وهو أحد المصريين الذين انضموا إليكم من مصر، لأن (شمر) باللغة المصرية القديمة معناها الأجنبي أو الغريب، أي هو أجنبي عن بقية بني إسرائيل، وإن اعتنق ديانتهم، ويحتمل أن تكون الطائفة اليهودية السامرية المعروفة، والتي لا تزال بقاياها تعيش إلى اليوم في نابلس من السلالة المصرية، مما يفسر إلى حدّ ما العداوة المتأصلة بين السامريين وبين باقي المجتمع الإسرائيلي.\n\n<span id=\"aya-2434\"></span>﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ في الدنيا بنجاتكم من فرعون، وما كان ينتظركم من ثواب الآخرة؟ ﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ مازلتم حديثي العهد بالرسالة، فما بالكم تخليتم عنها؟ ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بدلا من ثوابه ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ولم تكترثوا بالرسالة الإلهية.\n\n<span id=\"aya-2435\"></span>﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ لم يكن ذلك بملء إرادتنا ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ من حلي المصريين، أخذناها منهم قبل رحيلنا على عجل بأعذار كاذبة زاعمين أنها برسم الإعارة، ولذا فهي أوزار، ذنوب، نحمل","vol":"3","page":60},{"text":"وزرها فوق ظهورنا ﴿فَقَذَفْناها﴾ في النار التي أوقدها السامري ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ أيضا ما لديه من حليّ الذهب.\n\n<span id=\"aya-2436\"></span>﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿فَأَخْرَجَ﴾ السامريّ ﴿لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ كالعجل الذهبي  Apis  الذي كان يعبده المصريون في معبد ممفيس  Memphis ﴿فَقالُوا﴾ الذين عبدوا العجل الذهبي ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾ لأن موسى نفسه كان في بلاط فرعون قبل هروبه إلى مدين ﴿فَنَسِيَ﴾ زعم السامريّ أن موسى نسي ماضيه في البلاط حيث كانوا يعبدون العجل.\n\n<span id=\"aya-2437\"></span>﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ لا يستجيب لهم ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2438\"></span>﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ على النقيض من مزاعم السامري ﴿يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ بالعجل الذهبي ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ وحده ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.\n\n<span id=\"aya-2439\"></span>﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ على العجل الذهبي ﴿عاكِفِينَ﴾ نعبده ﴿حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾.\n\n<span id=\"aya-2440\"></span>﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿قالَ﴾ موسى لأخيه بعد عودته ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ﴾ ألاّ تتبعني، وتمنعهم من غيّهم ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ عن الصواب.","vol":"3","page":61},{"text":"<span id=\"aya-2441\"></span>﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ لماذا لم تتبعني ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾؟\n\n<span id=\"aya-2442\"></span>﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ﴾ يا بن أمي، أي يا أخي ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ قد يكون قصده التفريق بين المصريين منهم وبين العبرانيين ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ في بقائهم موحّدين.\n\n<span id=\"aya-2443\"></span>﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ ما سبب هذا العمل الذي عملته؟\n\n<span id=\"aya-2444\"></span>﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ من حاجة القوم إلى تجسيد الإله ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ الرسول هو موسى نفسه، وأثره هو جانب من الرسالة الإلهية التي جاء بها ﴿فَنَبَذْتُها﴾ أي نبذت بعضا من رسالته، وتجاهلتها ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ زينت لي نفسي ذلك وحسّنته في نظري.\n\n<span id=\"aya-2445\"></span>﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ سوف تعيش منبوذا وحيدا معزولا عن الناس ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ في الآخرة ﴿وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ﴾ العجل الذهبي ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ تعبده ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ فنلقي ما تبقّى منه في البحر.\n\n<span id=\"aya-2446\"></span>﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾","vol":"3","page":62},{"text":"٩٨ - ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا شريك له ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ينقذ عباده من مذلة الشرك.\n\n<span id=\"aya-2447\"></span>﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيها النبي، وأيها القارئ والسامع ﴿مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ ما لم تكن تعرف ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا﴾ أي القرآن الكريم، يذكر الناس بميثاقهم الفطري، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وفيه عودة لأول السورة بعد انتهاء قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل.\n\n<span id=\"aya-2448\"></span>﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - الخطاب في الآيات (١٠٠ - ١١٤) في القرآن الكريم، ووصف أحوال الآخرة: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن القرآن الكريم ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا﴾ حملا وإثما كبيرا.\n\n<span id=\"aya-2449\"></span>﴿خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ في وزر تجاهلهم القرآن الكريم وإعراضهم عنه ﴿وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا﴾ لأنهم عموا حقيقة القرآن في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-2450\"></span>﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ على عيونهم غشاوة زرقاء، فكأنهم عمي.\n\n<span id=\"aya-2451\"></span>﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يهمسون بصوت منخفض ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْرًا﴾ يفوتهم مفهوم الزمن ونسبيته.\n\n<span id=\"aya-2452\"></span>﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا (١٠٤)﴾","vol":"3","page":63},{"text":"١٠٤ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ الله ﷾ وحده أعلم بما يدور في نفوسهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعدلهم رأيا وأرجحهم عقلا ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْمًا﴾ يتخبّطون في مفهوم الزمن.\n\n<span id=\"aya-2453\"></span>﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الْجِبالِ﴾ يوم القيامة كيف تكون؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ حتى تصبح غبارا.\n\n<span id=\"aya-2454\"></span>﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ تصبح أرضا مستوية عارية عن النبات.\n\n<span id=\"aya-2455\"></span>﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ تصير في تمام الاستواء، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤]، أي هي من أمور الغيب وخارج تصور البشر.\n\n<span id=\"aya-2456\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ صوت الداعي ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ لا ينفك عنه أحد ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْسًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2457\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ وهي شفاعة رمزية يشرّف بهاتعالى الأنبياء والتقاة، ولا تكون إلاّ لمن يستحقها من التائبين.\n\n<span id=\"aya-2458\"></span>﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾","vol":"3","page":64},{"text":"١١٠ - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من عالم الغيب ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ لا يحيط علمهم بعلمه تعالى، لاتّصافه سبحانه بالكمال والعلم الشامل القديم.\n\n<span id=\"aya-2459\"></span>﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ذلّت وخضعت ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ إلى آخرته.\n\n<span id=\"aya-2460\"></span>﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ لأن الإيمان شرط في صحة الطاعات وقبول الأعمال والحسنات، انظر [النور ٣٩/ ٢٤]، ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ لا يهضم له حق بل يوفّاه، ويجزى بأحسن ما عمل، انظر [النحل ٩٦/ ١٦].\n\n<span id=\"aya-2461\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسانهم، أي العرب أجدر بفهمه من غيرهم، ومن ثم هم على مستوى أعلى من المسؤولية والحساب ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ذوو العقول الراجحة منهم ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ في قلوبهم، فيتذكروا الميثاق الذي فطروا عليه.\n\n<span id=\"aya-2462\"></span>﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ عن كل ما لا يليق بجلاله ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ الخطاب عام كما هو واضح من أول السورة بقوله ﴿طه﴾، والمعنى: احذر أيها القارئ من قراءة القرآن قراءة مجتزأة،","vol":"3","page":65},{"text":"بل عليك النظر إليه نظرة كلية شاملة، لأنه يفسر بعضه بعضا ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ في علوم القرآن وغيره.\n\n<span id=\"aya-2463\"></span>﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (١١٥)\n١١٥ - عودة الخطاب إلى الآية (٩٩)، وقصة الخليقة حتى الآية (١٢٧)، وما فيها من عبر:\n﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة للآية (١١٧)، ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ كناية عن ضعف النفس البشرية، انظرآية [النساء ٢٨/ ٤].\n\n<span id=\"aya-2464\"></span>﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ سجود تكريم لجنس البشر لما علّمه من الأسماء كلها ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن تبقى الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل.\n\n<span id=\"aya-2465\"></span>﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا﴾ إبليس ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ يحاول الإيقاع بكما ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى﴾\n\n<span id=\"aya-2466\"></span>﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها﴾ لا تشعر بالجوع في الجنة ﴿وَلا تَعْرى﴾ ولا تشعر بالعري، أي على النقيض مما هو مذكور بالآية (١٢١) حيث بدت لهما سوءاتهما.\n\n<span id=\"aya-2467\"></span>﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ فلا تعاني من أشعة الشمس.","vol":"3","page":66},{"text":"<span id=\"aya-2468\"></span>﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ ممّا يدل أنّ هاجس الإنسان من البداية كان توقه إلى الخلود، انظر [الأعراف ٢٠/ ٧]، وأنّ شجرة الخلد المشار لها ليست سوى رمز للحدود التي وضعهاتعالى لرغبات الإنسان التي إن تجاوزها لم يضر سوى نفسه وطبيعته التي خلق لأجلها، وأنّ توق الإنسان للخلود ليس سوى رغبة منه في إنكار الموت، ومن ثم إنكار البعث والحساب والمسؤولية، ومن ثم التوصل إلى ما أشار إليه الشيطان بقوله: وملك لا يبلى، وما في ذلك من إنكار الإله وإنكار المغزى من الحياة.\n\n<span id=\"aya-2469\"></span>﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿فَأَكَلا مِنْها﴾ من شجرة الخلد المزعومة ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ ما يسوؤهما النظر إليه ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ولباس التقوى ذلك خير، انظر [الأعراف ٢٦/ ٧]، والعري هنا كناية عن الإخفاق والعجز ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ خاب عمله وضلّ، واكتشف عجزه المطلق واعتماده الكليّ على الخالق.\n\n<span id=\"aya-2470\"></span>﴿ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - ﴿ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه ووفقه للتوبة ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ قبل توبته ﴿وَهَدى﴾ هداه إلى الصراط المستقيم.\n\n<span id=\"aya-2471\"></span>﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣)﴾","vol":"3","page":67},{"text":"١٢٣ - ﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ انتقال الخطاب إلى الجمع، كناية عن الجنس البشري بكامله ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ﴾ عن الصراط المستقيم ﴿وَلا يَشْقى﴾ في دنياه وآخرته، بخلاف من يعرض عن هدي الأنبياء والرسل.\n\n<span id=\"aya-2472\"></span>﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن القرآن الكريم، وعن هدي الرسل من قبله ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضيقة شديدة، مادية عقيمة خالية من أي مغزى روحاني ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ استمرارا لما كان عليه في دنياه من عمى البصيرة.\n\n<span id=\"aya-2473\"></span>﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ لم يدرك عمى بصيرته في دنياه.\n\n<span id=\"aya-2474\"></span>﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا﴾ رسالات الرسل ﴿فَنَسِيتَها﴾ أعرضت عنها، ولم تكثرت بها ﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ بما نسيت في دنياك، فتترك في العمى الروحاني، والمعنى أن حياة الآخرة أو ثوابها أو عقابها ليست سوى استمرارية، بل مرحلة ثانية من الحياة، تكمل الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-2475\"></span>﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)﴾","vol":"3","page":68},{"text":"١٢٧ - ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ تجاوز الحدود في دنياه ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بل أنكر رسالات الرسل، ولم يتفكر في الآيات الآفاقية ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ من عذاب الدنيا، ومن الانهماك بها والجري وراء مادتها.\n\n<span id=\"aya-2476\"></span>﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أي الكفار الذين يحجبون الحقيقة عن ناظرهم رغم الآيات والوحي ﴿كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ فيعتبرون ويهتدون بما حلّ بالأمم والمجتمعات قبلهم ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ في قراهم ومدنهم وآثارهم التي صارت خاوية ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ دلائل وعبر لذوي العقول الراجحة.\n\n<span id=\"aya-2477\"></span>﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالإمهال ليوم الحساب، وإعطاء فرص التوبة ﴿لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي لكان العقاب فوريا، ولكن رحمته تعالى وسعت كل شيء، انظر [الأعراف ١٥٦/ ٧]، ولولاها لهلك كل كافر وعاص على الفور.\n\n<span id=\"aya-2478\"></span>﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (١٣٠)\n١٣٠ - الخطاب من هذه الآية حتى آخر السورة إرشاد للمؤمنين لما يجب أن يكونوا عليه تجاه إصرار الكفار على الكفر:\n﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها المؤمن ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ ما على المسلم سوى الصبر تجاههم، وليس عليه إكراههم، انظر [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٦]، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾","vol":"3","page":69},{"text":"﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ تحديد لمواعيد الصلاة كما فصّلتها السنة الشريفة، والمعنى أن يستعين المرء على الكفار وعلى الغافلين بالصبر والصلاة.\n\n<span id=\"aya-2479\"></span>﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٣١)\n١٣١ - ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ﴾ نهي عن الغيرة والحسد ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ما يتمتع به الكفار والغافلون من مادة الدنيا ليس سوى اختبار وابتلاء لهم ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ للمؤمنين، بما فيه الرزق المادي والمعنوي ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ لما يتمتعون به من السلام الروحاني في دنياهم، ثم ما ينتظرهم من ثواب الأخرة.\n\n<span id=\"aya-2480\"></span>﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ (١٣٢)\n١٣٢ - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ لأن العبادة يعود مردودها على المرء وحده، ولا يستفيد منها الخالق ﷿، انظر [الذاريات ٥٦/ ٥١ - ٥٧].\n\n<span id=\"aya-2481\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٣٣)\n١٣٣ - ﴿وَقالُوا﴾ المصرّون على الكفر ﴿لَوْلا يَأْتِينا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون معجزة مادية تلمسها حواسهم لأنهم عطّلوا عقولهم عن الفكر والنظر ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ جاءهم القرآن الكريم مبينا لهم صحة ما جاءت به الكتب المقدّسة من قبل، ومغربلا الصحيح منها من الزائف، ومصدقا ما بقي فيها من الوحي الصحيح، ومهيمنا عليها، انظر [المائدة ٤٨/ ٥]، ومحققا النبوءات التي وردت فيها عن مبعث خاتم الأنبياء والرسل، فماذا يريد المكابرون أكثر من ذلك؟","vol":"3","page":70},{"text":"<span id=\"aya-2482\"></span>﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ الله تعالى لم يترك الأعذار للناس بعد أن هداهم بالفطرة، ثم بعث لهم الأنبياء والرسل، وتبيّن لهم الحق من الباطل، فلا يعاقبهم تعالى قبل أن تبلغهم الرسالة، انظر [التوبة ١١٥/ ٩].\n\n<span id=\"aya-2483\"></span>﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥)\n١٣٥ - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ الكفار ينتظرون تحقق ما يعتقدون أنه الصواب، وكذا المؤمنون ينتظرون تحقق معتقدهم، وتلك الطبيعة البشرية أن يعتقد كل امرئ أنّ طريقته في الحياة هي الصحيحة ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ في الوقت المناسب أن في الدنيا ﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم ﴿وَمَنِ اِهْتَدى﴾ منّا من الضلالة، ومن بقي عليها؟","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2559>سورة الأنبياء - ٢١ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2560>مقدمة</span>\nنزلت في النصف الثاني من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-2561>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة ﴿طه﴾ بأن كل امرئ يعيش ما يظن أنه السبيل القويم في الحياة، وينتظر تحقق معتقده، ثم لا يدرك الحقيقة والعاقبة إلاّ بعد كشف الغطاء:\n﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (١٣٥/ ٢٠)، ثم تفتتح سورة الأنبياء بأن حساب الناس قد اقترب وهم غافلون: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١/ ١٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2562>محور السورة</span>\nإن الناس في غفلة لاهون، رغم نزول القرآن الكريم عليهم: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢)، وذلك سبب انحطاط الأمم وزوالها لإصرارها على تجاهل حقائق الوحي التي تتعارض مع مفهومها المادي للحياة: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)، وإن القرآن الكريم نزل على البشرية من أجل سعادتها وحفظا لكرامتها من اتّباع الأوهام ومن ذلّ عبادة المادة والأفراد: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠).\nوإن معجزة (الانفجار الكبير) للكون وجعل الأحياء من الماء معجزات جديرة بالإيمان: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾","vol":"3","page":72},{"text":"﴿فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٠)، وإن عناد المصرّين على الكفر سببه أنّ حقائق الوحي غير معروفة لديهم، كما أنهم لا يبذلون المجهود الكافي للاطلاع عليها وتقويم الرسالة من حيث جدارتها: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤)، وإن الإنسان مبتلى في دنياه بالشر والخير، ثم لا مفر له من المعاد والحساب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥)، وإنه عجول قليل الصبر يستبق الأمور فيرفض الإيمان بالمعاد والحساب: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧)، رغم أن الرحمن وحده حافظ للناس على الدوام: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٢).\nوأنّ الإنسان يغتر بطول العمر حتى يظنّ أن الرخاء الذي يتمتع به دائم إلى الأبد وينسى أن الأيام دول: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤)، ولكن لا سبيل لسماع من صمّوا آذانهم عن الحق: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ (٤٥)، إذ ينكرون القرآن الكريم رغم كثرة خيراته: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٠)، وإن الله تعالى لا يهلك المجتمعات ببعض أخطائها، بل لإصرارها على الاستغراق بضلالها، فلا ترجع إلى جادة الصواب فتهلك: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون عن غيّهم (٩٥)، وإن رحمة الرحمن وحده، الذي وسعت رحمته كلّ شيء، تحفظ الإنسان رغم محاولاته تجسيد الإله وعبادة الأوهام والأصنام:\n﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١١٢).","vol":"3","page":73},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-2484\"></span>﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١)\n١ - ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الموت والبعث والحساب، أقرب بعيد ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ في دنياهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أكثرهم معرضون عن الوحي.\n\n<span id=\"aya-2485\"></span>﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ القرآن الكريم ختمت به الرسالات السماوية ﴿إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ بشيء من اللهو وعدم الاكتراث.\n\n<span id=\"aya-2486\"></span>﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ عن الوحي، مستغرقين في دنياهم ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ظلموا أنفسهم بإنكار الوحي ﴿هَلْ هذا﴾ أي محمد ﴿إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فكيف نؤمن لبشر؟ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ينسبون إعجاز القرآن إلى السحر، ويزعمون إنهم مبصرون للحقيقة، في حين أنهم يكتمون ملكاتهم الفكرية في تقويم القرآن الكريم من حيث جدارته، وتهربا من أي مسؤولية أخلاقية يفرضها عليهم قبول الإسلام.\n\n<span id=\"aya-2487\"></span>﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤)\n٤ - ﴿قالَ﴾ النبي ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما تنزّل به الوحي ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم.\n\n<span id=\"aya-2488\"></span>﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾","vol":"3","page":74},{"text":"٥ - ﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ زعموا أن القرآن الكريم ليس سوى أخلاط أحلام ﴿بَلِ اِفْتَراهُ﴾ وزعموا أن النبي افتراه من عنده ﴿بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ أو أن النبي ليس سوى شاعر، والقرآن من جنس الشعر ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ بمعجزات مادية تلمسها أيدينا، لأن ذوي العقليات الطفولية عطّلوا عقولهم عن دراسة القرآن دراسة جدية، وأعرضوا عن تقويمه من حيث جدارته.\n\n<span id=\"aya-2489\"></span>﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع من المجتمعات ﴿أَهْلَكْناها﴾ بإعراضها عن الوحي، وعن القيم الروحانية، وانهماكها في الدنيا والقيم المادية ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ لا يؤمنون إذ يسيرون على خطا سابقيهم.\n\n<span id=\"aya-2490\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ اسألوا أهل الكتاب من قبلكم، من يهود ونصارى، قبل تحريف كتبهم وتبديلها وتغييرها، إن الرسل كانت من جنس البشر، ولم تكن آلهة أو ملائكة، ولم يكن لها من صفات الألوهية ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الحقائق، بل تتخبطون فيما لا تعلمون.\n\n<span id=\"aya-2491\"></span>﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَما جَعَلْناهُمْ﴾ أي الرسل ﴿جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ بل بشرا يأكلون الطعام، ويذوقون الموت.\n\n<span id=\"aya-2492\"></span>﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾","vol":"3","page":75},{"text":"٩ - ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ﴾ بنصرهم وعلو رسالتهم ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ﴾ من صحابتهم ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ الذين أهدروا طاقاتهم الفكرية بمقاومة الرسالة السماوية.\n\n<span id=\"aya-2493\"></span>﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿كِتابًا﴾ القرآن الكريم ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ يذكّركم بميثاقكم الفطري عندما كنتم في الأصلاب، كما يذكركم بتطابق الأدلة العقلية مع الأدلة النقلية، وما يؤدي به إلى سعادتكم ورفعتكم، في الحياة الدنيا، إضافة إلى ثواب الآخرة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ألا تستخدمون عقولكم للتوصل إلى هذه النتيجة؟\n\n<span id=\"aya-2494\"></span>﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ المجتمعات التي ظلمت أنفسها بالتكذيب، تنحط وتنهار حضاراتها ﴿وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أفضل من سابقيهم.\n\n<span id=\"aya-2495\"></span>﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا﴾ حانت نهايتهم، إما بالاستئصال كما في الأمم البائدة، أو بالانحطاط التدريجي ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ يحاولون النجاة بشتى الوسائل، ولكن أعمار الأمم كالأفراد تحين بآجالها، وقد لا تنفع بها المحاولات الإصلاحية اليائسة.\n\n<span id=\"aya-2496\"></span>﴿لا تَرْكُضُوا وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ لا فائدة بعد فوات الأوان ﴿وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ﴾ لأنكم أهلكتم أنفسكم بالترف ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ عما جاءت به الرسل، وما فعلتم به.\n\n<span id=\"aya-2497\"></span>﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤)﴾","vol":"3","page":76},{"text":"١٤ - ﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أقرّوا بظلمهم بعد فوات الأوان، فلم ينفعهم.\n\n<span id=\"aya-2498\"></span>﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ يقرّون بها ﴿حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا﴾ حصيد الزرع ﴿خامِدِينَ﴾ كالرماد.\n\n<span id=\"aya-2499\"></span>﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ لأن الحياة ذات مغزى لا تتضح إلا على خلفية الدار الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2500\"></span>﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ لكن الله تعالى غني عن العالمين.\n\n<span id=\"aya-2501\"></span>﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل ﴿فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ لأن الباطل ليس له قرار ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ ما تنكرون من سمو الصفات الإلهية والأسماء الحسنى، وما تزعمون من أنّ الإله ليس سوى مادة الكون المتجسدة.\n\n<span id=\"aya-2502\"></span>﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بلا حدود، فالكون متناه ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ما يدحض مزاعمهم إن الله تعالى ليس سوى انعكاس للموجودات، فالله تعالى لا متناه، فوق الوجود المادي، وفوق نطاق الخبرة والمعرفة.","vol":"3","page":77},{"text":"<span id=\"aya-2503\"></span>﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ المخلوقات لا تكفّ عن التسبيح، وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، انظر [الإسراء ٤٤/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-2504\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ هل لهم مقدرة على البعث والنشور؟ فقد جعلوا من آلهتهم كل أنواع الأوثان، ورموز العبادة الزائفة، وألّهوا الأفراد والزعماء، بل عبدوا السلطة والمادة.\n\n<span id=\"aya-2505\"></span>﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ السماوات والأرض، ولذهب كل إله بما عنده ﴿فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ تنزّه عمّا لا يليق به ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ من شرك.\n\n<span id=\"aya-2506\"></span>﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ في منتهى الحكمة ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ ويحاسبون.\n\n<span id=\"aya-2507\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ المسيحية زعمت المسيح إلها بل جعلته ابن الله ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ القرآن الكريم ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ الكتب المنزلة من قبل، قبل تحريفها ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ بل يتخبطون ويتبعون الظن ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن القرآن الكريم خاتم الرسالات السماوية.","vol":"3","page":78},{"text":"<span id=\"aya-2508\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ رسالة التوحيد جاءت بها جميع الرسل.\n\n<span id=\"aya-2509\"></span>﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا﴾ وهو قول المسيحية؛ زعمت المسيح ابن الله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تعالى، تنزّه عمّا يقولون ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الرسل والأنبياء مكرمون بالرسالة وبالنبوة.\n\n<span id=\"aya-2510\"></span>﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ بل يتلقّون الوحي ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ يبلّغون الرسالة.\n\n<span id=\"aya-2511\"></span>﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم المشاهدة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من عالم الغيب ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ من المرضي عنهم ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ خيفة عذابه ﴿مُشْفِقُونَ﴾ لا يأمنون مكر الله.\n\n<span id=\"aya-2512\"></span>﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ يدّعي الألوهية ﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2513\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - الآيات (٣٠ - ٣٣) تشير إلى بعض نواحي الإعجاز الذي عمي عنه الكفار:","vol":"3","page":79},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّون على الكفر ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ واحدا ملتحما ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ بعضهما عن بعض بالانفطار الكبير الذي نتجت عنه ملايين المجرات والنجوم ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وهي المعجزة الكبرى الأخرى في الخليقة ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ كيف يكفرون بعد هذا الإعجاز؟\n\n<span id=\"aya-2514\"></span>﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ كي لا تميد الأرض بهم وتهتز، بل تكون عامل استقرار ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا﴾ طرقا ومسالك ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ الهداية الروحانية المعنوية، والهداية الدنيوية لمبتغاهم.\n\n<span id=\"aya-2515\"></span>﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ لا يصلون إلى أطرافها، لأن أبعادها تصل إلى ملايين السنين الضوئية، ولا يرجمون بها رجوم الغيب، ولا رجوم الشياطين، انظر [الملك ٥/ ٦٧]، ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها﴾ معجزاتها ﴿مُعْرِضُونَ﴾ ما يشاهدون منها أقل القليل.\n\n<span id=\"aya-2516\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ في إعجاز متناسق يبهر العقول.\n\n<span id=\"aya-2517\"></span>﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ فالرسول ليس استثناء من ذلك، وهذا من جملة اعتراضاتهم السخيفة أن الرسول فان ومن جنس البشر ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ لا يلبثون أن يموتوا، فيبعثوا فيحاسبوا.","vol":"3","page":80},{"text":"<span id=\"aya-2518\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ لا تنفك عنه ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ اختبارا لكم في دنياكم ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ للبعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-2519\"></span>﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا﴾ سخرية واستخفافا ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بأنهم لا ينفعون عبدتهم ولا يضرّون ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ مصرّون على إنكار القرآن الكريم.\n\n<span id=\"aya-2520\"></span>﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ جنس الإنسان يستعجل الأمور فيطلب الشيء قبل أوانه، فكأنه مخلوق من العجل نفسه ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ الخطاب للكفرة المستعجلين، يستعجلون الوعد الله بنصرة الرسل، أو بوقوع العذاب.\n\n<span id=\"aya-2521\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ متى وقت وقوع الساعة؟ يقولونها استهزاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟\n\n<span id=\"aya-2522\"></span>﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ وقت وقوع الساعة ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ من جهة الغير.\n\n<span id=\"aya-2523\"></span>﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾","vol":"3","page":81},{"text":"٤٠ - ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ الساعة ﴿بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ تدهشهم وتحيرهم ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون ليستريحوا طرفة عين، وفيه تذكير بإمهالهم في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-2524\"></span>﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها النبي ﴿فَحاقَ﴾ أحاط ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاط استهزاؤهم بهم، فأوردهم موارد الهلاك.\n\n<span id=\"aya-2525\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ من بأس الرحمن ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ معرضون عن القرآن الكريم، فهم ليسوا من أهل الفكر والسماع.\n\n<span id=\"aya-2526\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فضلا عن نصر غيرهم ﴿وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ فهم في غاية العجز.\n\n<span id=\"aya-2527\"></span>﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ﴾ الناس ﴿وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ وهم غافلون مصرّون على الكفر ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾ أي الدول؛ كما قال يوسف للعزيز: اجعلني على خزائن الأرض. وقصد بها دولة مصر، انظر [يوسف ٥٥/ ١٢]- ﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ شيئا فشيئا، لأن الدول","vol":"3","page":82},{"text":"والمجتمعات تنحط ثم تنهار عندما تتنكر للقيم الروحانية ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ على أمرهم؟\n\n<span id=\"aya-2528\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ بالقرآن الكريم ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ إذا أصرّوا على عدم السماع.\n\n<span id=\"aya-2529\"></span>﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ لا يقرّون بظلمهم إلا بعد نزول العذاب بهم.\n\n<span id=\"aya-2530\"></span>﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ﴾ العدل ﴿لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ انظر [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].\n\n<span id=\"aya-2531\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - الآيات (٤٨ - ٩١) مرتبطة بقوله تعالى بالآية (٢): ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، وهي تصف جانبا من قصص الأنبياء؛ موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ويونس وزكريا ويحيى وعيسى، والعبر الخاصة بها:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي إن الفرقان، الفارق بين الحق والباطل، ليس سوى ضياء وذكر لمن يتقي الباطل.\n\n<span id=\"aya-2532\"></span>﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾","vol":"3","page":83},{"text":"٤٩ - ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ بخلاف ما يرون في عالم المشاهدة ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.\n\n<span id=\"aya-2533\"></span>﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَهذا﴾ القرآن الكريم ﴿ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ كثير الخيرات، فيه من قصص الأنبياء كما سيرد ﴿أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؟\n\n<span id=\"aya-2534\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ الحكمة العقلية والنقلية ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل موسى وهارون ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ بمستواه الفكري السامي.\n\n<span id=\"aya-2535\"></span>﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ﴾ الجمادات ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ على عبادتها؟\n\n<span id=\"aya-2536\"></span>﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ زعموا أن عقول آبائهم خير من عقولهم فعطّلوها واكتفوا بالتقليد.\n\n<span id=\"aya-2537\"></span>﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ على السواء ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لم تستفيدوا من ملكاتكم الفكرية التي أودعها الله تعالى فيكم.\n\n<span id=\"aya-2538\"></span>﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ﴾ وما نحن عليه باطل؟ ﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ تهزأ بنا؟\n\n<span id=\"aya-2539\"></span>﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦)﴾","vol":"3","page":84},{"text":"٥٦ - ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ خلقهنّ وأبدعهنّ على غير مثال سابق ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ فذلك واضح أمامي في عالم المشاهدة.\n\n<span id=\"aya-2540\"></span>﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - تتمة كلام إبراهيم: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ فأسبّب سقوطهم ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ إلى أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-2541\"></span>﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا﴾ حطاما ﴿إِلاّ كَبِيرًا لَهُمْ﴾ الصنم الكبير تركه سالما ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ فيسألونه ما حلّ بصغاره؟\n\n<span id=\"aya-2542\"></span>﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿قالُوا﴾ بعد عودتهم ﴿مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا﴾ بأصنامنا ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-2543\"></span>﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ بسوء ﴿يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-2544\"></span>﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ على مرأى منهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ ضده.\n\n<span id=\"aya-2545\"></span>﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ﴾ جعلت أصنامنا حطاما؟.\n\n<span id=\"aya-2546\"></span>﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ كبير أصنامكم ﴿هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فهم أعجز من الاستجابة لكم.","vol":"3","page":85},{"text":"<span id=\"aya-2547\"></span>﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ﴾ يلوم بعضهم بعضا ﴿فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ تظلمون إبراهيم إذ تحمّلونه المسؤولية.\n\n<span id=\"aya-2548\"></span>﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ في عودة إلى جهالتهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ هم أعجز من النطق، فكيف نسألهم؟.\n\n<span id=\"aya-2549\"></span>﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ إلهكم الحقيقي ومتولّي أموركم ﴿ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ من هذه الجمادات؟\n\n<span id=\"aya-2550\"></span>﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ خالقكم وممدّكم بالحياة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تستخدمون عقولكم على النحو السليم؟\n\n<span id=\"aya-2551\"></span>﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ﴾ في النار ﴿وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ إذ لا يستطيعون نصر أنفسهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ في نصرهم.\n\n<span id=\"aya-2552\"></span>﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ﴾ فلم تنله النار بأذى.\n\n<span id=\"aya-2553\"></span>﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ فلم يفلحوا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ لأنه فارقهم بعد ذلك مع ابن أخيه لوط، وفاتتهم فرصة الاستفادة من رسالته، ثم بقوا غارقين في جهالاتهم.\n\n<span id=\"aya-2554\"></span>﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)﴾","vol":"3","page":86},{"text":"٧١ - ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا﴾ ابن أخيه ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ وهي فلسطين، مهد الرسالات، ومسرى النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-2555\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ بعد أن وهبه الله تعالى ابنه الأكبر إسماعيل، وهبه إسحاق ويعقوب نافلة، أي زيادة بعد أن بلغ من الكبر عتيّا ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2556\"></span>﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ للناس ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ بالوحي الذي نزل عليهم ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ بخلاف ما زعموه في كتب العهد القديم عن فسادهم.\n\n<span id=\"aya-2557\"></span>﴿وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ وهي الحكمة التي تسبق النبوة ﴿وَعِلْمًا﴾ بالوحي ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ كانوا يأتون الرجال من دون النساء ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ منهمكين في أسوأ الشرور ﴿فاسِقِينَ﴾ خارجين عمّا خلقت له الطبيعة البشرية.\n\n<span id=\"aya-2558\"></span>﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا﴾ بنجاته مما حل بقومه من الدمار بما كسبت أيديهم ﴿إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2559\"></span>﴿وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾","vol":"3","page":87},{"text":"٧٦ - ﴿وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل الأنبياء المذكورين ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ إذ نادى ربه إني مغلوب فانتصر، انظر [القمر ١٠/ ٥٤]، ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الفيضان.\n\n<span id=\"aya-2560\"></span>﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ منهمكين في الشر ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بعد فوات فرصتهم وإصرارهم على التكذيب.\n\n<span id=\"aya-2561\"></span>﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ﴾ يحكمان في الأرض الزراعية ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ رعت الغنم في الأرض الزراعية ليلا بإهمال من صاحب الغنم فأفسدتها ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ لحكم داود ثم حكم سليمان في القضية، فقد اشتكى صاحب الأرض الزراعية إلى داود، أن غنم الراعي دخلت زراعته ليلا فأفسدتها، فقضى له أن يأخذ الغنم تعويضا عمّا حلّ به من خسارة، ممّا أبقى صاحب الغنم بلا مورد رزق، لكن سليمان استأذن والده تبديل الحكم، حيث يأخذ صاحب الأرض قطيع الغنم مؤقتا فينتفع منه، ريثما يقوم صاحب الغنم بإصلاح الأرض الزراعية وإعادتها إلى ما كانت عليه، وبعد ذلك يستعيد غنمه.\n\n<span id=\"aya-2562\"></span>﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ أي الحكم المشار إليه آنفا ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا﴾ حكمة، وحكما على بني إسرائيل ﴿وَعِلْمًا﴾ داود وسليمان، بما فيه حكم داود المشار إليه ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ يقدّسن الله تعالى","vol":"3","page":88},{"text":"﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ ذلك، والمغزى أنّ داود كان يستشعر في نفسه عظمة الخالق بما يشاهد في الطبيعة من عجائب الخلق.\n\n<span id=\"aya-2563\"></span>﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ وهي صناعة الدروع المعدنية التي تلبس دفاعا عن النفس ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ من بأس أعدائكم، أي من حروبهم العدوانية ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ لهذه النعم؟\nومن المعروف تاريخيا أن العصر البرونزي كان قد انتهى في فلسطين قبل عهد داود بزمن، ثم إن داود كان يستورد فلز الحديد إلى فلسطين خصيصا لصناعة الدروع، ولأغراض أخرى منها صناعة الأدوات المعدنية اللازمة للزراعة والحراثة، انظر قوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ ١٠/ ٣٤]، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤]، أي فلز البرونز من الحديد والنحاس.\n\n<span id=\"aya-2564\"></span>﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ بأساطيله التجارية في البحر الأحمر ﴿إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي بلاد الحجاز، بما فيها مكة المكرمة والكعبة المشرّفة ﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ بما يقوم به سليمان من خدمة الأراضي المباركة في فلسطين والحجاز، انظر أيضا قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤]، أي تسير الريح بأساطيله ذهابا وإيابا شهرا بشهر، لهذه الأغراض، وهذا الموضوع ثابت تاريخيا من استخدام سليمان لأساطيل تجارية كثيرة في البحر الأحمر، وكذا في البحر الأبيض المتوسط، انظر أيضا قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي بأساطيله التجارية ﴿رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨].","vol":"3","page":89},{"text":"<span id=\"aya-2565\"></span>﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ من شياطين الإنس ﴿مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ لاستخراج اللؤلؤ من قاع البحر الأحمر ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ﴾ من الصناعات ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ لما يقومون به من أعمال حميدة، لقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤].\n\n<span id=\"aya-2566\"></span>﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ من المرض والهزال ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لا راحم في الحقيقة سواه، وفي سورة (ص) نسب أيوب الضرّ من المرض والهزال إلى الشيطان، انظر قوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ [ص ٤١/ ٣٨]، والمغزى الأخلاقي من القصة أنّ أيوب أدرك أن الله تعالى يعرضه للمحن، وأنّ عليه الصبر، ولا سيما على وساوس الشيطان.\n\n<span id=\"aya-2567\"></span>﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ من المرض والعذاب ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ ذرية جديدة بدلا من الذين توفّوا منهم ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ من أمثاله.\n\n<span id=\"aya-2568\"></span>﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ الذين صبروا على مشاق التكليف وشدائد النوب.\n\n<span id=\"aya-2569\"></span>﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦)﴾","vol":"3","page":90},{"text":"٨٦ - ﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ الكاملين في الصلاح لعصمتهم من الذنوب.\n\n<span id=\"aya-2570\"></span>﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ وهو يونس ﵇، ذهب غاضبا على قومه، وهم أكثر من مئة ألف من أهالي نينوى في آشور بالعراق، ضاق بهم بعد أن رفضوا بعثته، انظر قصته بتفصيل في [الصافات ١٣٩/ ٣٧ - ١٤٨] حيث التقمه الحوت ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بعد أن تخلّى عن بعثته ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ في ظلمات بطن الحوت ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ﴾ أي أنزّهك يا الله تنزيها لائقا بك عن كل نقص وسوء، وأن يعجزك شيء ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ظلمت نفسي، وظلمت قومي بتعريضهم للهلاك إذ تخلّيت عنهم من غير أمر، وبخلاف ما اعتاد عليه الأنبياء.\n\n<span id=\"aya-2571\"></span>﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ لدعائه ولتوبته ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ من غمّ بطن الحوت ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من الغموم، إذا دعوا الله تعالى بإخلاص، إذ لا نجاة أدنى منها.\n\n<span id=\"aya-2572\"></span>﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ انظر [مريم ١/ ١٩ - ٦]، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ خير حيّ يبقى بعد الجميع.\n\n<span id=\"aya-2573\"></span>﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بعد أن كانت عاقرا لا تلد ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ زكريا ويحيى وأمّه","vol":"3","page":91},{"text":"﴿وَيَدْعُونَنا رَغَبًا﴾ راغبين في نعمنا ﴿وَرَهَبًا﴾ وراهبين من ردّها ﴿وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ مخبتين متضرعين دائمي الوجل.\n\n<span id=\"aya-2574\"></span>﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ مريم ﵍ ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ عبارة عن الإحياء، قال الألوسي: وليس هنالك من نفخ حقيقة.\n﴿وَجَعَلْناها وَاِبْنَها﴾ عيسى ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ رسالة للناس، ومعجزة.\n\n<span id=\"aya-2575\"></span>﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيها الأنبياء المشار إليهم، وأيها الناس المبعوث إليهم، جاءتكم الرسل برسالة التوحيد منذ الأزل، وهي رسالة الإسلام لله تعالى ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ بلا شرك، والمغزى؛ ما دامت الرسالة واحدة فلا مبرر للتفرق أمما وطوائف، ولمعنى العبادة انظر شرح قوله تعالى في آية [الذاريات ٥٦/ ٥١].\n\n<span id=\"aya-2576\"></span>﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ رغم أن الرسالات السماوية واحدة، إلا أنّ الناس تفرقت طوائف وجماعات وأحزابا، كلّ حزب بما لديهم فرحون، كلّ منهم يعتقد أنه يحتكر الحقيقة لنفسه، فمرجعهم إلى الله تعالى وحده يحاسبهم.\n\n<span id=\"aya-2577\"></span>﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي لا حرمان لثواب عمله، عبّر عنه بالكفران الذي هو ستر النعمة وجحودها، لبيان كمال نزاهته تعالى عمّا يستحيل صدوره عنه، وفي الآية ما يدلّ على أنّ قبول","vol":"3","page":92},{"text":"العمل الصالح مطلقا مشروط بالإيمان ﴿وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ مثبتون ذلك في صحيفة أعماله.\n\n<span id=\"aya-2578\"></span>﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿وَحَرامٌ﴾ أي محرّم قطعيا ﴿عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ مجتمع من المجتمعات قضى الله تعالى بهلاكه ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ إلى صوابهم، أي بنتيجة إصرارهم الكلّي على الضلال، وليس بسبب انزلاقهم جزئيا في الخطأ هنا وهناك، فمن سننه تعالى أن المجتمعات لا تهلك إلاّ إذا كان انحرافها عن جادة الصواب كليا، وليس انزلاقها الجزئي نحو الخطأ.\n\n<span id=\"aya-2579\"></span>﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - تتمة الخطاب من الآية السابقة، أي بعد هلاك المجتمعات الضالة، لم يبق سوى وقوع الساعة المرموز لها بانطلاق يأجوج ومأجوج: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ حيكت حول يأجوج ومأجوج الكثير من الأساطير، وزعم بعض الباحثين أنهم المغول والتتار، أو قبائل شرق آسيوية غيرهم، ولم يثبت ذلك، والظاهر أنها إشارة لا تنطبق على أقوام بعينهم، وإنّما على مجموعة من الأقوام والأحداث والكوارث تهدم الحضارات، وتسبق وقوع الساعة، انظر أيضاآيات [الكهف ٩٤/ ١٨]، وفي قوله تعالى إنهم من كل حدب ينسلون أي من كل ناحية من نواحي الأرض، مما يفيد أنه عند وقوع الساعة يهرع كل فرد إلى مصيره بلا مقاومة.\n\n<span id=\"aya-2580\"></span>﴿وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿وَاِقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يوم القيامة ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي شاخصة لذهولها باتجاه واحد لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، انظر [إبراهيم ٤٣/ ١٤]، ﴿يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ﴾ تامّة ﴿مِنْ هذا﴾ البعث","vol":"3","page":93},{"text":"والرجوع، ولم نعلم أنه حق ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ بترك الآيات والنذر، مكذّبين بها.\n\n<span id=\"aya-2581\"></span>﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان، ومن القيم الزائفة، أيها الكفار على مر الأيام والعصور ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقود لجهنم ﴿أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ جزاء وفاقا.\n\n<span id=\"aya-2582\"></span>﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ﴾ المزعومون آنفا ﴿آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ العابدون والمعبودون.\n\n<span id=\"aya-2583\"></span>﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ لشدة ما ينالهم من عذاب ﴿وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ لأن الكفار يحشرون صمّا، كما يحشرون عميا، انظر [طه ١٢٤/ ٢٠]، وذلك كناية عن استمرار الصمم الروحاني الذي كانوا عليه في دنياهم، إذ لم يستجيبوا لرسالات الرسل.\n\n<span id=\"aya-2584\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ معنى الحسنى توفيقه تعالى لهم بالطاعات، والكلمة الحسنى المتضمنة البشارة بثوابهم وشكر أعمالهم ﴿أُولئِكَ عَنْها﴾ عن جهنم ﴿مُبْعَدُونَ﴾ لأنهم في الجنة.\n\n<span id=\"aya-2585\"></span>﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ حسيس جهنم ﴿وَهُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ﴾ دائمون في غاية التنعم.","vol":"3","page":94},{"text":"<span id=\"aya-2586\"></span>﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ من أهوال القيامة ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في دنياكم، من تحقق النعيم والأمن لكم.\n\n<span id=\"aya-2587\"></span>﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ فتغيب وتختفي ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ كما تطوى الصحيفة المشتملة على الكتب، فتغيب عندما يغلق السجل ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ لأن القادر على الخلق قادر على الإعادة ﴿وَعْدًا عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ كل شيء ممّا نريد أن نفعل.\n\n<span id=\"aya-2588\"></span>﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ﴾ الزبور اسم علم للكتب المقدسة، وإن اختصت التسمية بعد ذلك بكتاب داود، انظر [النساء ١٦٣/ ٤] و[الإسراء ٥٥/ ١٧]، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ القرآن الكريم ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ في الدنيا ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ الصالحون لعمرانها، ولأداء الرسالات السماوية فيها ونشرها بالموعظة والقدوة الحسنة.\n\n<span id=\"aya-2589\"></span>﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿إِنَّ فِي هذا﴾ المذكور بالآيات (١٠١ - ١٠٥) ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ رسالة أكيدة لهم.\n\n<span id=\"aya-2590\"></span>﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧)﴾","vol":"3","page":95},{"text":"١٠٧ - ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها النبي ﴿إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قاطبة، وليس لأمّة بعينها، وفي ذلك ارتباط مع الآيات (٣ - ٤)، ولأن القرآن الكريم الذي هو ختم الرسالات يناشد العقول والمنطق، وليس فيه من الأفكار الوثنية ما يزعج الفكر السليم، وبخلاف الكتب السابقة فقد بقي محافظا على سلامته من أدنى تغيير أو تحريف.\n\n<span id=\"aya-2591\"></span>﴿قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ له؟ ومستسلمون؟\n\n<span id=\"aya-2592\"></span>﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإسلام وعن التوحيد ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ﴾ أعلمتكم الرسالة بكل وضوح وبكل عدالة، وليس هنالك من جبر ولا إكراه ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ لا أدري قرب البعث والنشور والحساب الذي توعدونه، فذلك في علم الغيب وخارج طاقتي.\n\n<span id=\"aya-2593\"></span>﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿إِنَّهُ﴾ الله تعالى ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ما تجهرون به من أقوالكم من خير أو شر ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ منها من خير أو شر، فيحاسبكم عليها.\n\n<span id=\"aya-2594\"></span>﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ أي التأخير في البعث والنشور والحساب ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ ليس سوى اختبار لكم، ولحرية العمل والإيمان، أو الكفر من جانبكم.","vol":"3","page":96},{"text":"<span id=\"aya-2595\"></span>﴿قالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿قالَ﴾ النبي ﴿رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ بما أنت أهله ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ من محاولات تجسيد الإله، وما يتضمنه ذلك من كفر وإهانة للعقل السليم.","vol":"3","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2675>سورة الحج - ٢٢ - مكية وقيل مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2676>مقدمة</span>\nاختلفوا في كون السورة مكية أم مدنية، والأكثرون على أنها مكية مع نزول بعض آياتها في المدينة بعد الهجرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2677>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة الأنبياء المتقدمة بالإشارة إلى الفزع الأكبر يوم تطوى السماء كطي السجل للكتب، وأن متاع الدنيا مؤقت، ومن رحمته تعالى أن في ذلك فتنة ومهلة لمن ترجى توبته: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (١١١/ ٢١)، ثم تفتتح سورة الحج بإنذار الناس بالقيامة: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١/ ٢٢).\nوفي سورة الأنبياء أن الناس تقطّعوا أمما وعقائد مختلفة: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ (٩٣/ ٢١)، ثم في سورة الحج أن ذلك من سننه تعالى في خلقه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧/ ٢٢).\nوفي سورة الأنبياء أن إصرار المجتمعات على ضلالها أوردها موارد الهلاك:\n﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٩٥/ ٢١)، ثم في سورة الحج","vol":"3","page":98},{"text":"أن ذلك هو المصير الحتمي للمجتمعات الظالمة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤٨/ ٢٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-2678>محور السورة</span>\nأنّ المجادلين يجادلون بالباطل بغير علم: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣)، وبلا هدي من الوحي: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (٨)، وهنالك من أنصاف المؤمنين من يقف موقف المتردد فينهار عند الشدائد: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١١)، وأن في الحج تعظيما لحرمات الله ما يوجب اجتناب عبادة القيم الزائفة واجتناب الزور:\n﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣٠).\nوتأذن السورة بالقتال الدفاعي: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣٩)، وأن الله تعالى ينصر من ينصره: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤٠)، وأن عاقبة المجتمعات الظالمة إلى زوال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٤٥)، وأن لا معنى حقيقيا لمفهوم الزمن الدنيوي:\n﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٤٧)، ومن ثم لا يغتر الإنسان بأن الله تعالى يمهل الظالمين: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤٨).","vol":"3","page":99},{"text":"وأن من سننه تعالى في الخلق أن الأمم تتبع ما تظنّه صوابا فلا ينخدع المسلمون بضلال غيرهم، بل يلتزمون بما هم عليه من الهدى، ولا يثنيهم ذلك عن الدعوة إلى الإسلام: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧)، وأن يتفادوا الجدل العقيم مع المجادلين بالباطل، في إشارة للآيات (٣، ٨): ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٦٨)، والحساب على الله: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٦٩).\nوأن الإسلام دين الأنبياء من الأزل، دين يسر وسهولة وقريب من العقل، ينفي الحرج، ويأخذ بالاعتبار ضعف الانسان: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨).\n﷽\n\n<span id=\"aya-2596\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١)\n١ - استمرار الخطاب من آخرسورة الأنبياء: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ قاطبة ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ كونوا على علم بما سوف تؤول إليه الأمور ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-2597\"></span>﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ (٢)\n٢ - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ تذهل عن أعزّ ما لديها، والمغزى أن كل امرئ يذهل يومها عن أعز ما لديه ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ قبل أوانه ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ في ظاهرهم، لهول الموقف ﴿وَما﴾","vol":"3","page":100},{"text":"﴿هُمْ بِسُكارى﴾ ما هم فيه ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ لمن غفل عن حتمية هذا اليوم.\n\n<span id=\"aya-2598\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (٣)\n٣ - ومع ذلك ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ الغافلين، المستكبرين، أو المصرّين على الكفر ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في حقيقته ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل يبتدع النظريات من عنده، فيزعم أن الكون أوجد نفسه، وأن لا خالق ولا بعث ولا نشور ولا حساب، في محاولة للتهرب من المسؤولية الأخلاقية ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ متمرد من شياطين الإنس أو الجن.\n\n<span id=\"aya-2599\"></span>﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٤)\n٤ - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ النتيجة الحتمية ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ﴾ جعله وليا له، متوليا أموره ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ إلى أوخم العواقب.\n\n<span id=\"aya-2600\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٥)\n٥ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ المصرّون على الكفر وإنكار البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ لديكم أدنى شك ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المراحل المتطورة للجنين ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الولادة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ في شبابه ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الشيخوخة ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يصير في حالة من الخرف، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً﴾ جرداء ميتة ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ﴾ المطر ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ بذورها","vol":"3","page":101},{"text":"﴿وَرَبَتْ﴾ فتحركت ونبتت ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من النبات، دليل على حتمية البعث.\n\n<span id=\"aya-2601\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦)\n٦ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر والإعجاز الذي سبق بيانه ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وكل ما عداه باطل ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ وحده القادر على الإمداد بالحياة ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.\n\n<span id=\"aya-2602\"></span>﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ استمرارا للحياة الدنيا، ولضرورة البعث والنشور، حتى تكمل الأخرة الأولى ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ للحساب.\n\n<span id=\"aya-2603\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (٨)\n٨ - ومع كل الدلائل القاهرة الآنفة الذكر على حتمية الآخرة والحساب فهنالك من يجادل ويكابر: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في حقيقته ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، بل عن تخمين، وعن تخبط في الجهل والتنظير ﴿وَلا هُدىً﴾ يهتدي به ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ يهتدي به من الوحي.\n\n<span id=\"aya-2604\"></span>﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٩)\n٩ - ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ لاويا لجانبه، كناية عن عدم قبوله، متكبرا شامخا بأنفه، معرضا عن الحق ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يجادل الآخرين بغرض الإضلال ﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ حتى لو ازدهرت أحواله المادية في ظاهرها، فسوف يعيش بحالة من التعاسة والخواء الروحاني، والاضمحلال التدريجي لكل قيمة أخلاقية ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ من عذاب الغم، وهو أشد أنواع العذاب، انظرالآية (٢٢)﴾.","vol":"3","page":102},{"text":"<span id=\"aya-2605\"></span>﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ من المعاصي والإعراض في دنياك ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بل بعث الرسل وأنذر الناس بالحساب.\n\n<span id=\"aya-2606\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١١)\n١١ - وهنالك من أنصاف المؤمنين: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ المذبذبين ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هو بين الشك واليقين، وبين الحق والباطل ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ﴾ ظانّا أنّه من صنع يديه، وأنّه يستحقه تمام الاستحقاق ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ كمرض أو ضرر في ماله وأهله ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ نكص إلى الشك والكفر ﴿خَسِرَ الدُّنْيا﴾ فاته ما يسرّه فيها ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ إذ لم يعمل لها، بل كان يتعامى عنها ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ الواضح كونه خسرانا تاما.\n\n<span id=\"aya-2607\"></span>﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿يَدْعُوا﴾ أي هذا المذبذب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوهام ﴿ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ وينسب كل ما يعتريه إلى الحظ والصدف ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ إذ لا صدفة ولا حظوظ بل عمل واجتهاد.\n\n<span id=\"aya-2608\"></span>﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ من الأوهام والزعماء ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ لأن الأوهام والزعماء لن تفيد شيئا في نهاية المطاف ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ من الزعماء المضلّلين ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ من الأصحاب الضالّين الذين يعاشرهم.\n\n<span id=\"aya-2609\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾","vol":"3","page":103},{"text":"١٤ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ بالمقارنة مع مصير المذبذبين المشار إليهم آنفا ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ في إيصال الثواب لمستحقيه.\n\n<span id=\"aya-2610\"></span>﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ وهو من زمرة الناس الذين يعبدون الله على حرف المشار إليهم بالآية (١١)، إذ يشكك في أن الله تعالى ينصر عباده ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ﴾ أي فليطلب، إن استطاع، أسلوبا أو حيلة يصل بهما إلى السماء، بعد أن دعا من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه، الآيات (١٢ - ١٣)، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ليمض في سبيله ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ تخطيطه ﴿ما يَغِيظُ﴾ أي إن تخطيطه قصير الأمد لن يفيده شيئا في إزالة غيظه المترتب على الفتنة التي أصابته فخسر بها الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-2611\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ القرآن الكريم ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ من غير المذبذبين الذين يعبدونه على حرف.\n\n<span id=\"aya-2612\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١٧)\n١٧ - بعد أن أشارت الآيات المتقدمة (٨ - ١٣) و(١٥)﴾ إلى أحوال الكفار المكابرين، والمذبذبين أنصاف المؤمنين، تبين هذه الآية أن الفصل بين الناس يكون يوم القيامة:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من المسلمين ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ الصابئين أتباع يحيى المعمدان بن زكريا، لأنه كان يعمّد، أي يصبغ أتباعه في نهر الأردن في دلالة على اعتناقهم رسالته ﴿وَالنَّصارى﴾ الذين نصروا عيسى","vol":"3","page":104},{"text":"المسيح ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ أتباع زرادشت من عبدة النار ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ حساب الجميع على الله، وليس لإنسان أن يحاسب أخاه الإنسان على عقيدته، أو أن يكرهه عليها ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بعقائد عباده.\n\n<span id=\"aya-2613\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ طوعا وكرها ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ منقادة لإرادته ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ المؤمنين ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ من المصرّين على الكفر ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ﴾ من الكفار ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ غير الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ إذ كرّم عباده بحرية الخيار الديني والأخلاقي.\n\n<span id=\"aya-2614\"></span>﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿هذانِ خَصْمانِ﴾ أحدهما مؤمن، والآخر كافر ينكر وجود الله ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ بنتيجة ما اختاروه لأنفسهم.\n\n<span id=\"aya-2615\"></span>﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ بنتيجة خيارهم وأعمالهم التي حبطت في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-2616\"></span>﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ كناية عن معاناتهم الغم، كما هو مذكور بالآية التالية:","vol":"3","page":105},{"text":"<span id=\"aya-2617\"></span>﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ﴾ وهو العذاب الحقيقي الذي يعاني منه الكفار ﴿أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم حبيسو عذاب الغمّ.\n\n<span id=\"aya-2618\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ بالمقارنة مع الكفار المذكورين آنفا.\n\n<span id=\"aya-2619\"></span>﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ في الآخرة كقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده نتبوأ من الجنة حيث نشاء، وفي الدنيا: قولهم لا إله إلا الله، بما يعنيه ذلك قولا ومعنى وفعلا ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ المستحق الحمد، سواء حمده حامد أم لم يحمد.\n\n<span id=\"aya-2620\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٥)\n٢٥ - بعد أن حشدت السورة من أولها البراهين على البعث والحساب، وأن الناس مع ذلك بين مؤمن ومذبذب وكافر ومشرك، ووصفت مآل كل منهم، ينتقل الخطاب لبيان سلوك الكفار في المسجد الحرام تمهيدا لما سوف يرد من مناسك الحج:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ﴾ العاكف المقيم فيه ﴿وَالْبادِ﴾ الطارئ الذي جاء من البدو ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ شيئا ما، أو مرادا ما ﴿بِإِلْحادٍ﴾ بعدول عن القصد","vol":"3","page":106},{"text":"والاستقامة المعنوية ﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حق ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ لمن أراد السيئة في مكة المكرمة.\n\n<span id=\"aya-2621\"></span>﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢٦)\n٢٦ - انتقال الآيات (٢٦ - ٣٧) إلى إبراهيم، ومناسك الحج، لأنه هو الذي بنى البيت الحرام، وإسماعيل:\n﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ فجعلناه مرجعا يعود إليه في العبادة ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ الطهارة المعنوية أولا من عبادة الأوثان، ثم الطهارة المكانية ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ حول الحرم ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ المقيمين فيه للعبادة والتأمّل ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلّين.\n\n<span id=\"aya-2622\"></span>﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي ناد فيهم، لأن الأذان هو الإعلام والإشعار ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ مشاة على الأقدام ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ ركبانا على الخيل أو البعير الهزيل أتعبه السفر ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ غاية في البعد.\n\n<span id=\"aya-2623\"></span>﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ فمن جهة يواجه المسلم أول بيت وضع لله، ومن جهة يشعر بالأخوة الروحانية مع الحجاج القادمين من مختلف أنحاء الأرض، ومن جهة يتعاطف مع مشاكلهم ومصاعبهم الاجتماعية ﴿وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ يوم العيد ويومان بعدها ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ من الأضاحي ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ لا حرج في الأكل منها للمضحّي","vol":"3","page":107},{"text":"﴿وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ﴾ الذي أصابه البؤس ﴿الْفَقِيرَ﴾ المحتاج، والتأكيد على ذكر اسم الله عند ذبح الأضاحي القصد منه تعظيم الحياة وبيان حرمتها.\n\n<span id=\"aya-2624\"></span>﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وهو انتهاء حالة النسك، ومن ثم السماح بالغسل والحلاقة وقص الأظافر ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ من أعمال البر في حجّهم ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طواف الإفاضة ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ البيت الحرام.\n\n<span id=\"aya-2625\"></span>﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ جمع حرمة، وهو ما يحترم شرعا ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يثاب عليه ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ﴾ أي ذبحها وأكلها ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ الرجس:\nالنجس، وهو غير النجس بالمعنى الفقهي، بل هو نجس معنوي يلوّث العقيدة، والمعنى؛ اجتنبوا الرجس أو النجس الناتج من ممارسة العقائد الوثنية، انظر شرح [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الافتراء.\n\n<span id=\"aya-2626\"></span>﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ مائلين عن كل دين زائغ إلى الدين الحق مخلصين له تعالى ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ الأوثان والأوهام ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ كأنما سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ جوارح الطير في سقوطه ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ يتردّى فيه.\n\n<span id=\"aya-2627\"></span>﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾","vol":"3","page":108},{"text":"٣٢ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ من مختلف مناسك الحج، أما البدن فليست سوى جزء من الشعائر، انظرالآية (٣٦)، ﴿فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ بعد معرفة المغزى الرمزي من هذه الشعائر.\n\n<span id=\"aya-2628\"></span>﴿لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿لَكُمْ فِيها﴾ في مناسك الحج، وفي تقوى القلوب ﴿مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مدى الحياة ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لأن أساس التقوى هو الإقرار بالتوحيد، المرموز إليه بالبيت العتيق، أي الكعبة، انظرالآية (٣٧).\n\n<span id=\"aya-2629\"></span>﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾ مذهبا في طاعته تعالى ﴿لِيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ﴾ وحده دون غيره ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ عند ذبحها تعظيما لها، ولهبة الحياة عامة ﴿فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا إله غيره ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الأمر ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المطمئنين، الذين سوف يرد ذكرهم.\n\n<span id=\"aya-2630\"></span>﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت ﴿وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ﴾ من مشاق التكليف، ومن المحن والنوائب كالأمراض والمحن ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ في أوقاتها ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.\n\n<span id=\"aya-2631\"></span>﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة وهي البقرة أو الناقة تنحر في مكة ﴿جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ من مناسك الحج ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ نفع في الدنيا، وأجر","vol":"3","page":109},{"text":"في الآخرة ﴿فَاذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك ﴿صَوافَّ﴾ قائمات قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها﴾ سقطت على الأرض، كناية عن موتها ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ﴾ الراضي بما عنده ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المعترض للسؤال، من اعترّه إذا تعرّض إليه ﴿كَذلِكَ﴾ مثل هذا التسخير البديع ﴿سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ فتأخذونها منقادة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامنا عليكم، بالتقرّب لنا والإخلاص.\n\n<span id=\"aya-2632\"></span>﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ لن يصيب رضا الله تعالى اللحوم المتصدّق بها ولا الدماء المهراقة منها ﴿وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ يناله ما يصحب ذلك من تقوى قلوبكم التي تدعوكم لتعظيمه والتقرب إليه والإخلاص له ﷿ ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ مثل هذا التسخير ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ لتعرفوا عظمته تعالى باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ المخلصين الذين يبتغون الإحسان في كل أعمالهم.\n\n<span id=\"aya-2633\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المشار إليهم آنفا الذين يعظّمون شعائر الله، والكلام مستأنف لتوطين قلوب المؤمنين إن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم، ولا يقدرون صدّهم عن الحج ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ﴾ لله ﴿كَفُورٍ﴾ برسالاته.\n\n<span id=\"aya-2634\"></span>﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أذن لهم بالقتال الدفاعي، وهو القتال الوحيد المسموح به في القرآن الكريم، أسوة بالسنة النبوية الشريفة لأن غزوات النبي ﷺ كانت كلها دفاعية، انظر أيضاآية [البقرة ١٩٠/ ٢]، ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي إن","vol":"3","page":110},{"text":"القتال الدفاعي مأذون به بسبب أنّ المؤمنين ظلموا ولم يكونوا البادئين بالقتال ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ لتخليصهم من الاضطهاد، كما سوف يرد.\n\n<span id=\"aya-2635\"></span>﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير ما يوجب إخراجهم ﴿إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ المعنى أنّ المبرر الوحيد لإخراجهم من الديار لم يكن سوى إصرارهم على التوحيد ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي لمنع الاضهاد الديني ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ يعتكف فيها الزهّاد ﴿وَبِيَعٌ﴾ كنائس ﴿وَصَلَواتٌ﴾ معابد اليهود ﴿وَمَساجِدُ﴾ المسلمين ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾ من قبل الجميع ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي من ينصر دينه الحق، المشار إليهم في الآية التالية ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء.\nوهكذا تبيّن الآيات (٣٨ - ٤١) أن المبرر الوحيد للقتال في الإسلام هو منع الاضطهاد الديني، ولمنع الفساد في الأرض، انظرآية [البقرة ٢٥١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-2636\"></span>﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بالسلطة ونفاذ الأمر ﴿أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ كمسلمين ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المخوّلون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر هم الفقهاء الحقيقيون، والعلماء المتبحّرون في القرآن والسنة الصحيحة منهم فقط، وليس لكل جاهل ودخيل أن يتنطّع لذلك ﴿وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ مرجعها إلى حكمه تعالى وتقديره فقط.\n\n<span id=\"aya-2637\"></span>\n\n<span id=\"aya-2638\"></span>\n\n<span id=\"aya-2639\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾","vol":"3","page":111},{"text":"٤٢ - ٤٤ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيها الرسول، فلا عليك من إكراههم، ولا تبادرهم بالقتال، إلا أن يبادروك بالعدوان أولا، كما حدث في وقعات بدر وأحد والخندق، وصلح الحديبية، ووقعة تبوك ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أمهلتهم ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذ عزيز مقتدر، بعد إصرارهم على الضلال ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي كيف كان إنكاري عليهم إصرارهم على الضلال، فغيّرت ما كان بهم من رغد الحياة والنعم وحضارة البلاد حتى انقلب كل ذلك إلى ضده، وهذا الأخذ ليس مقتصرا على الأمم المذكورة، بل هو عام في كل وقت بمقتضى سننه تعالى في خلقه، كما هو مبين في الآيات التالية (٤٥ - ٥١):\n\n<span id=\"aya-2640\"></span>﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ بمقتضى سنننا في الخليقة ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ انظر [هود ١٠٢/ ١١، ١١٧]، ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ على سقوفها، لأن العروش السقوف، والمعنى تعطّل بنيانها فتهدّمت حيطانها وخرّت سقوفها ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ في البوادي والمزارع تركت لا يسقى منها لهلاك أهلها وأصحابها ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ صار خاويا بهلاك أهله، ويحتمل المعنى أيضا أن الذين حلّ بهم الهلاك كانوا يعطّلون الآبار، أي المشاريع المفيدة الإنتاجية، في حين كان زعماؤهم يبنون القصور المشيدة وينفقون عليها وعلى صيانتها لراحتهم الشخصية بدلا من العمل لمصلحة شعوبهم كما نرى اليوم في الكثير من بلدان المسلمين.\n\n<span id=\"aya-2641\"></span>﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾","vol":"3","page":112},{"text":"٤٦ - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي هؤلاء الناس المكذّبون المشار إليهم آنفا ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ ينظرون في تاريخ الأمم البائدة فتعتبر بها عقولهم ﴿أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ ما يجب أن يسمعوا من أخبارها ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عندما تتشنج العقول وتفقد المقدرة على التحليل ومعرفة العواقب بقياس الماضي على الحاضر والمستقبل.\n\n<span id=\"aya-2642\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ بدلا من السير في الأرض، واستخدام العقل السليم الذي أكرمهم به تعالى، فإنهم يتخّذون موقف التحدّي الأحمق بتعطيل عقولهم واستعجال العذاب ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ بمجيئه في الوقت المحدد، وليس في الوقت الذي يحددون ويرغبون ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ لأن الزمن نسبي لا يقاس بالمقاييس الدنيوية.\n\n<span id=\"aya-2643\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ من مجتمع، كمثال على ما تقدم، فهنالك الكثير منها ﴿أَمْلَيْتُ لَها﴾ أمهلتها كما أمهلت كفار قريش ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ لعلها تعتبر وتفكر وتعود إلى رشدها ﴿ثُمَّ أَخَذْتُها﴾ بالاضمحلال والاندثار والعذاب بعد طول الإمهال والإملاء ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ للحساب.\n\n<span id=\"aya-2644\"></span>﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ قاطبة ﴿إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ من كل ما تقدم، فارجعوا إلى عقولكم قبل الفوات، كما سوف تبين الآيات (٥٠ - ٥١).\n\n<span id=\"aya-2645\"></span>﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾","vol":"3","page":113},{"text":"٥٠ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ من الرزق الروحاني تطمئن به قلوبهم، وقد يرفده أيضا الرزق الدنيوي المادي.\n\n<span id=\"aya-2646\"></span>﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ يبذلون الجهد في معارضتها ومحاولة إبطالها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مشاقّين المؤمنين ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ بما اختاروا لأنفسهم.\n\n<span id=\"aya-2647\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٢)\n٥٢ - استمرار الخطاب ممّا تقدّم لأنهم زعموا أنّ الرسل قبل النبي ﷺ، جاءت بمطامع شخصية دنيوية، وليس برسالات إلهية خالصة، فها هنا تبين الآيات (٥٢ - ٦٠) أن ما قد يلقي الشيطان عند بعض الرسل، من أمنيات ومطامع الدنيا فإن الله تعالى ينسخها على الفور:\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها الرسول ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى﴾ من أماني الدنيا ﴿أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ من هذه الأماني ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ الله تعالى يبطلها ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ لأن الآيات السماوية واضحة معجزة بيّنة مسفرة عن نفسها، تنفي كل ما زعموه من المطامع الخفية للرسل والأنبياء، و﴿ثُمَّ﴾ ها هنا تفيد العطف ولا تفيد الترتيب الزمني ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والواضح أنّ الآية ليس لها أية علاقة، مهما تكن، بنظرية نسخ الآيات القرآنية التي يزعمها ويعتقد بها البعض، كما أن الآية ناقضة بوضوح لقصة الغرانيق المزعومة في بعض كتب التفسير، والتي لا شك أنها من وضع الزنادقة ثم لاقت قبولا عند بعض المفسرين، فالآية تتحدّث عن الرسل والأنبياء قبل الرسول ﷺ.","vol":"3","page":114},{"text":"<span id=\"aya-2648\"></span>﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ اختبارا ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المنافقين والمذبذبين الذين يعبدون الله على حرف، الآية (١١)، ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ من المصرّين على الكفر ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالإنكار والتعامي، والوقوع في وساوس الشيطان ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ هم في شقّ من التفكير والضلال، والمؤمنون في شق آخر بعيد عنهم كلّ البعد.\n\n<span id=\"aya-2649\"></span>﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ اليقيني، وليس الظني التخميني ﴿أَنَّهُ﴾ القرآن الكريم ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وحي من السماء، وليس تخيلات شيطانية ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ تخشع له ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقينا ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n\n<span id=\"aya-2650\"></span>﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في شك من القرآن الكريم، بل في شك من وجود الله تعالى ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فلا تفيدهم التوبة ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ينقطع رجاؤهم وقت وفاتهم.\n\n<span id=\"aya-2651\"></span>﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يوم يتضح الحق من الباطل ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه من الإيمان.","vol":"3","page":115},{"text":"<span id=\"aya-2652\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بما كسبت أيديهم.\n\n<span id=\"aya-2653\"></span>﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ هربا من الاضطهاد الديني ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ دفاعا عن النفس ﴿أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ في الآخرة ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ من الأرزاق في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-2654\"></span>﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ في جنات النعيم ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ﴾ بما يرضيهم ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل أعداءهم بالعقوبة.\n\n<span id=\"aya-2655\"></span>﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر ﴿وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ أي قاتل دفاعا عن نفسه فقط، ولم يزد في عقاب عدوّه على ما ابتدأه به، فذلك هو المبرر الوحيد للقتال في الإسلام ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ إذا عاد العدو إلى عدوانه رغم ذلك ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ يصبح بإمكانه في هذه الحالة فقط أن يستخدم كل وسائله الممكنة لردع البغي ﴿إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ الله تعالى في هذه الحالة يغفر له تجاوزه في الرد.\n\n<span id=\"aya-2656\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾","vol":"3","page":116},{"text":"٦١ - ﴿ذلِكَ﴾ النصر المشار إليه ﴿بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فهو وحده واضع السنن الكونية الآفاقية، والسنن الأخرى في خلقه، لا يعجزه شيء ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لدعاء عباده ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم.\n\n<span id=\"aya-2657\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر، والاتصاف بكمال القدرة الإلهية، وكمال العلم الإلهي سبببه ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلها، أو مؤلّها ﴿هُوَ الْباطِلُ﴾ المعدوم في ذاته ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على جميع الأشياء ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك، تعالى عن ذلك شأنا، فهو أكبر منه سلطانا.\n\n<span id=\"aya-2658\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (٦٣)\n٦٣ - استمرار الخطاب من الآية السابقة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فمن غير الله تعالى يقدر على ذلك؟ ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ متفضّل على العباد بإيصال منافعه إليهم بإنزال الماء واخضرار الأرض ﴿خَبِيرٌ﴾ عليم بدقائق الأمور ومقادير مصالح العباد.\n\n<span id=\"aya-2659\"></span>﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ خلقا، وملكا، وتصرّفا ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ لا يفتقر إلى شيء، بل العباد يفتقرون إليه ﴿الْحَمِيدُ﴾ مستحق الحمد بذاته، سواء حمده حامد أم لم يحمد.\n\n<span id=\"aya-2660\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ جعلها مذلّلة لكم ومعدّة لمنافعكم تتصرّفون بها كيفما شئتم ﴿وَالْفُلْكَ﴾ السفن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾","vol":"3","page":117},{"text":"﴿بِأَمْرِهِ﴾ بحسب السنن والقوانين الفيزيائية التي وضعها في خلقه ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ بموجب سننه تعالى في خلقه ومنها قوانين الفيزياء ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ أي بمشيئته، فعندئذ يختلّ النظام الكوني، وتقع الواقعة، انظرآية [الواقعة ١/ ٥٦]، ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ﴾ قاطبة ﴿لَرَؤُفٌ﴾ بما سخّر لهم من معاشهم ﴿رَحِيمٌ﴾ حتى عمّت رحمته فيهم، مؤمنهم وكافرهم.\n\n<span id=\"aya-2661\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ (٦٦)\n٦٦ - مزيد من دلائل الإعجاز التي بدأت بالآيات (٦١ - ٦٥):\n﴿وَهُوَ﴾ الله تعالى وحده ﴿الَّذِي أَحْياكُمْ﴾ من العدم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ميتتكم الأولى عند مجيء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والنشور ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ جحود ينكر النعم.\n\n<span id=\"aya-2662\"></span>﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧)\n٦٧ - بعد أن ذكرت الآية (٦٥) أن الله يرزق عباده على السواء، مؤمنهم وكافرهم، تبين الآيات (٦٧ - ٦٩) السبب في ذلك بأنّ التنوع في الخليقة مقصود، وليس مصادفة:\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ﴾ أي طريقة في العبادة، ونظيره قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]، ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أحد منهم من تلك الأمم ﴿وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ برسالة الإسلام، بالقدوة والموعظة الحسنة، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، ﴿إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ على الإسلام، والآخرون على ضلال.\n\n<span id=\"aya-2663\"></span>﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾","vol":"3","page":118},{"text":"٦٨ - ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ﴾ بباطلهم ﴿فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠].\n\n<span id=\"aya-2664\"></span>﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيظهر لكم في حينه الحق من الباطل، والمغزى؛ إنّ تفاوت العقائد في الخليقة ليس مصادفة بل مقصود، وحساب الجميع على الله.\n\n<span id=\"aya-2665\"></span>﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها المسلم، أو أيها الإنسان عامة ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن ذلك ما يضمر الناس من عقائد، وما يظهرون ﴿إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ﴾ في علم الله الأزلي القديم منذ خلق السماوات والأرض ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.\n\n<span id=\"aya-2666\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ رغم هذا الإعجاز الهائل المشار إليه آنفا، تبلغ ببعضهم الحماقة أن يعبدوا الأوهام والأوثان ﴿وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ من دليل عقلي ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يؤيدهم وينصرهم على ما هم فيه من الضلال.\n\n<span id=\"aya-2667\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾","vol":"3","page":119},{"text":"٧٢ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ بشكل لا يقبل اللبس ولا الغموض، مما يدلّ على بطلان ما هم عليه من عبادة غير الله تعالى ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ أي الإنكار ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ لشدة غيظهم وغضبهم وانغلاق عقولهم على ما هم فيه من التقليد، يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم الآيات البيّنات ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ﴾ الحال الذي أنتم عليه ﴿النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على كفرهم، فلم يستفيدوا من نعمة العقل ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذي يختارونه لأنفسهم.\n\n<span id=\"aya-2668\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ الذين تجادلون بالباطل ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ جدير بالاعتبار ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ سماع عقل وتفكّر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الزعماء والأوثان والأوهام ومن تزعمون فيهم الألوهية ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أوّلهم وآخرهم ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ من عافيتهم ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ بل هم حياله في منتهى العجز ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ لكونه باطلا من أصله ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ استنقاذه، رغم حقارته.\n\n<span id=\"aya-2669\"></span>﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إذ عبدوا من دونه من أوهامهم ما يضرهم ولا ينفعهم ﴿إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره.\n\n<span id=\"aya-2670\"></span>﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ يبلّغون الوحي للرسل والأنبياء ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ رسلا إلى أقوامهم، ومع ذلك فليس لأحد منهم، مع الله تعالى","vol":"3","page":120},{"text":"من شرك، فليسوا سوى مخلوقات من خلقه يعبدون الله، ولا يستحقّون العبادة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم، محيط علمه القديم بهم.\n\n<span id=\"aya-2671\"></span>﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم الشهادة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من عالم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يحيطون بشيء منه إلاّ بقدر ما يشاء ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ خالق كل شيء، ولا يرجع إلى الملائكة والرسل من شيء، فكيف يعبدونهم؟ ويزعمون فيهم الألوهية؟\n\n<span id=\"aya-2672\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - هذه الآية والتي تليها هي الخلاصة الجامعة للمؤمنين ألاّ يأبهوا لما حولهم من العقائد الباطلة، بل يقوموا بما عليهم من واجب، والله ﷿ يدبر الأمور على النحو الذي يشاء:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا﴾ أقيموا الصلاة ﴿وَاُعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وحده لا إله إلاّ هو ﴿وَاِفْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ اقرنوا العبادة بالعمل الصالح ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ترجون الفلاح في دنياكم وآخرتكم.\n\n<span id=\"aya-2673\"></span>﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَجاهِدُوا فِي﴾ سبيل دين ﴿اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ بكلّ ما يستلزمه جهاد الدعوة من الحكمة والموعظة الحسنة، انظرآيات [النحل ١٢٥/ ١٦] و[الفرقان ٥٢/ ٢٥]، ﴿هُوَ اِجْتَباكُمْ﴾ اختاركم لحمل رسالة الإسلام ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ لخلوّ العقيدة الإسلامية من أي غموض، ومن أي صعوبة في العبادات، ومن حيث رفض المبالغة في التنسك والزهد، بل إعطاء","vol":"3","page":121},{"text":"الجسد حقه، مع مراعاة أن الانسان خلق ضعيفا [النساء ٢٨/ ٤]، ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ ديانة الإسلام، انظر [البقرة ١٣١/ ٢]، ﴿هُوَ﴾ الله تعالى ﴿سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ نزول القرآن ﴿وَفِي هذا﴾ القرآن ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ فيكون قدوة لكم ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ قدوة لهم قاطبة، قولا وفعلا ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ تقربا إليه تعالى ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ ثقوا به في جميع أموركم وأحوالكم ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصركم ومتولّي أموركم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا مثيل له تعالى في الولاية والنصرة.","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2755>سورة المؤمنون - ٢٣ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2756>مقدمة</span>\nنزلت في أواخر الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-2757>ارتباط السورة بما قبلها:</span>\nاختتمت سورة الحج المتقدمة بتعريف المسلمين أنّهم على ملة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وأمرتهم بالصلاة والزكاة والاعتصام بالله: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧٨/ ٢٢)، ثم تفتتح سورة المؤمنون ببيان صفات المفلحين من هؤلاء المسلمين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١/ ٢٣ - ١١).\nوفي سورة الحج أن من سننه تعالى في خلقه أن يختلفوا على الحق والباطل بالنظر لحرية الخيار التي خلقوا عليها: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦٧/ ٢٢)، وفي","vol":"3","page":123},{"text":"سورة المؤمنون أن الضالين منهم فرحون بما هم عليه من الضلال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٣/ ٢٣).\nوفي سورة الحج أن مفهوم البشر للزمن الدنيوي لا معنى له: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٤٧/ ٢٢)، وبيان ذلك في سورة المؤمنون:\n﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ * قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١٢/ ٢٣ - ١١٤)،\n\n<span data-type='title' id=toc-2758>محور السورة</span>\nفلاح المؤمنين المتصفين بالصفات السامية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)، بالمقارنة مع وضاعة خلق الإنسان من الطين: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢)، ثم رفع منزلته بنفخ الروح فيه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (١٤)، وبعثه من جديد بعد الموت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (١٥ - ١٦)، ما يوجب عليه حسن استخدام ملكاته في دنياه، لا التقليد الأعمى: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤)، كما في دعاء نوح أن يمنحه الله الهداية والبصيرة كي يصل إلى ما فيه الفلاح الدنيوي والأخروي: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٢٩).\nوقد تتالى بعث الرسل على مرّ العصور: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤٤)، والرسل بعثت للناس برسالة واحدة: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٥٢)، ثم تفرقت الأمم من بعدهم فرقا وطوائف:\n﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٣)، فوجب على المسلم - بعد دعوتهم - أن يذرهم حتى يكتشفوا أخطاءهم: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ (٥٤)، لأنهم يظنّون أنّ رخاءهم المادي هو غاية ما يطمح","vol":"3","page":124},{"text":"إليه المرء: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٦)، وأن عقائدهم وأعمالهم على النقيض مما جاءت به الرسل: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ (٦٣).\nفما لهم لا يفقهون القرآن إذ هو استمرار لما سبق من تنزيل الوحي: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦٨)، وأنّى لهم إنكار خاتم الأنبياء والرسل المذكور في كتبهم: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٦٩)، فقد جاءهم القرآن بكل ما يحتاجون إليه من حقائق ومعارف فأعرضوا عنها: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧١)، وأصرّوا على الكذب على أنفسهم: ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٩٠)، لكن دفع الشر لا يكون بمثله، بل بخير منه: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ (٩٦)، حتى إذا حان وقت الحساب أدركوا أن دنياهم لم تكن شيئا في جنب الآخرة: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ (١١٢ - ١١٣)، وإذ كانوا يتوقون للخلود في دنياهم فقد أدبر عنهم في الآخرة مفهومهم الدنيوي للزمن الذي طالما تشبثوا به.\n﷽\n\n<span id=\"aya-2674\"></span>﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)\n١ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الفلاح الفوز بالمرام، والبقاء في الخير.\n\n<span id=\"aya-2675\"></span>﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ متذللون لله تعالى، متواضعون.\n\n<span id=\"aya-2676\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾","vol":"3","page":125},{"text":"٣ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾ الكلام الذي لا طائل ولا فائدة منه، وهو كل ما لا يعتد به من الأقوال والأفعال ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عنه في عامة أوقاتهم.\n\n<span id=\"aya-2677\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ﴾ للعمل الصالح والخير والطهارة ﴿فاعِلُونَ﴾ عاملون للخير لأجل الطهارة وتزكية النفس، أي ليزكّوا أنفسهم، وليزكّيهم الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-2678\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ متّصفون بالعفة.\n\n<span id=\"aya-2679\"></span>﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ﴾ لا يجامعون شرعا إلا أزواجهم، وفي اللغة الرجل زوج المرأة، والمرأة زوج الرجل ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ بعقد نكاح شرعي، مهما كانت منزلة المرأة، مسلمة أو غير مسلمة، حرّة أو أمة، لأن الوطء لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في ذلك.\n\n<span id=\"aya-2680\"></span>﴿فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ﴾ غير ذلك المذكور من النكاح الشرعي ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ المعتدون على الشريعة.\n\n<span id=\"aya-2681\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ يرعون العهود، أي يوفون بها، ويؤدون الأمانات لأهلها.\n\n<span id=\"aya-2682\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ لأنّ صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي، انظر [العنكبوت ٤٥/ ٢٩].\n\n<span id=\"aya-2683\"></span>\n\n<span id=\"aya-2684\"></span>﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾","vol":"3","page":126},{"text":"١٠ - ١١ - ﴿أُولئِكَ﴾ المؤمنون المشار إليهم بالآيات (١ - ٩) المتقدمة ﴿هُمُ الْوارِثُونَ﴾ فردوس النعيم، المذكور في الآية التالية إنهم يخلدون فيه: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-2685\"></span>\n\n<span id=\"aya-2686\"></span>\n\n<span id=\"aya-2687\"></span>\n\n<span id=\"aya-2688\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾\n\n<span id=\"aya-2689\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (١٦)\n١٢ - ١٦ - الإنسان مخلوق من طين المواد العضوية، وهي أيضا سلالة من صلصال من حمأ مسنون المتولد على مر السنين، انظرآية [الحجر ٢٦/ ١٥]، وعلاقة الآيات (١٢ - ١٦) بما قبلها من الآيات (١ - ١١)، لبيان أنّ المؤمنين وحدهم المتصفين بما ذكر، جديرون بالخشوع والتواضع بسبب فهمهم لمراحل الإعجاز في مراحل خلقهم وتطورهم، ثم موتهم وبعثهم للحساب، وفي الآيات (١٧ - ٢١) مزيد من دلائل الإعجاز.\n\n<span id=\"aya-2690\"></span>﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ (١٧)\n١٧ - والإعجاز في خلق السماوات والأكوان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ وهي السماوات السبع المشار إليها مرارا في القرآن الكريم، والمقصود بها الأكوان السماوية المتعددة بما فيها ملايين المجرات والنجوم، والمعروف أن العدد سبعة في اللغة العربية، بل في اللغات السامية، يفيد التكثير ﴿وَما كُنّا عَنِ﴾ تدبير ﴿الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2691\"></span>﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - والإعجاز في نزول المطر وتخزينه ينابيع في باطن الأرض: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2692\"></span>﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)﴾","vol":"3","page":127},{"text":"١٩ - والإعجاز في إنبات البساتين كدليل ومثال قاطع على البعث والنشور:\n﴿فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾\n\n<span id=\"aya-2693\"></span>﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ شجرة الزيتون المباركة تنبت في سيناء مهد مبعث موسى ﵇، وذكرها هنا كدليل على استمرارية الوحي الإلهي، بل انتقاله من بني إسحاق إلى بني إسماعيل، وعدم ذكر بعثة عيسى ﵇ كونه كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة.\n\n<span id=\"aya-2694\"></span>﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-2695\"></span>﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (٢٢)\n٢١ - ٢٢ - مزيد من دلائل الإعجاز التي يعدّها الغافلون مسلّمات: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ تحملون عليهما في أسفاركم.\n\n<span id=\"aya-2696\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ انتقال الخطاب لبيان إهمال الناس وتركهم النظر والاعتبار فيما عددّسبحانه من النعم ومن دلائل الإعجاز، ومن ذلك إنعام الله على عباده ببعث الرسل إليهم كي لا يتركهم في حالة من الكفر والتخبط والشرك، لإتمام نعمه عليهم، بعد خلق الإنسان من سلالة من طين.\n\n<span id=\"aya-2697\"></span>﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾","vol":"3","page":128},{"text":"٢٤ - ﴿فَقالَ الْمَلَأُ﴾ وجهاء القوم الذين يملؤون عيون الناس ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أصرّوا على الكفر ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ رسلا ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ فنحن مصرّون على تقليد الآباء والأجداد، ولا سبيل لقبولنا ما يخالف ذلك.\n\n<span id=\"aya-2698\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أصابه الجنون فادّعى النبوة ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ انتظروا لنرى ما تصير إليه أموره، وقد يفيق ويرجع عما هو فيه.\n\n<span id=\"aya-2699\"></span>﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي﴾ انصر رسالتي فيهم ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ وليكن ذلك عاقبة لتكذيبهم لها.\n\n<span id=\"aya-2700\"></span>﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اِصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ السفينة ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بحفظنا ورعايتنا ﴿وَوَحْيِنا﴾ وأمرنا وتعليمنا لك لكيفية صنعها ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ بالطوفان ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ أي وجه الأرض، وشبّه وجه الأرض بالتنور لأن التنانير أو الينابيع تندفع منه، ولأن الينبوع من باطن الأرض كالتنّور في تجويفه، وقد يكون السبب أن باطن الأرض مشتمل على الحمم البركانية فهو كالتنور ﴿فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ من بعض الحيوانات، انظر شرح [هود ٤٠/ ١١]، ﴿وَأَهْلَكَ﴾ الذين آمنوا منهم ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ بالغرق لإصرارهم على الكفر ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تشفع لهم، فإنهم لا يستحقون الشفاعة ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ محكوم عليهم بالغرق لا محالة، بسبب ظلمهم وشركهم.","vol":"3","page":129},{"text":"<span id=\"aya-2701\"></span>﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ على السفينة ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي الحمد لله على إهلاكهم.\n\n<span id=\"aya-2702\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ كثير الخيرات ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ لأن نوحا كان يتوق للنزول في مكان يحقق له ولأتباعه ما ينشد من التطلع نحو الهداية الروحانية والسعادة الدنيوية، وهذه العبرة من القصة المختصرة ها هنا.\n\n<span id=\"aya-2703\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ عبر جليلة ﴿وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ معرضين الناس للاختبار في دنياهم ومعتقدهم.\n\n<span id=\"aya-2704\"></span>﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ مجتمع آخر من المجتمعات بعد قوم نوح.\n\n<span id=\"aya-2705\"></span>﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - بعد الإيجاز في قصة نوح وبعثته، تبين الآيات (٣٢ - ٤٤) أن بعث الرسل تتالى في المجتمعات والأمم بما لا يترك مجالا لادعاء الجهل:\n﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ في المجتمعات ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ دعاهم رسولهم إلى التوحيد، وإلى تقوى الله كما غيرهم من الأمم.\n\n<span id=\"aya-2706\"></span>﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾","vol":"3","page":130},{"text":"٣٣ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾ أشراف القوم ﴿مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصرّوا على الكفر ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ وأنكروا البعث والنشور ﴿وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فتنة لهم ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ فلو كان من جنس الملائكة لآمنا به.\n\n<span id=\"aya-2707\"></span>﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ لخاسرون أنفسكم.\n\n<span id=\"aya-2708\"></span>﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ زعموا استحالة البعث في محاولة باطنية منهم للتهرب من المسؤولية الأخلاقية.\n\n<span id=\"aya-2709\"></span>﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ استبعادا لهذا الوعد، فلا بعث ولا حساب.\n\n<span id=\"aya-2710\"></span>﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ الحياة هي الحياة الدنيا ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت.\n\n<span id=\"aya-2711\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ فيما يدّعيه من كونه رسولا ﴿وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدّقين.\n\n<span id=\"aya-2712\"></span>﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي﴾ عليهم ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم لي.\n\n<span id=\"aya-2713\"></span>﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ يندمون في الصباح.","vol":"3","page":131},{"text":"<span id=\"aya-2714\"></span>﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الزلازل ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي لا دافع له، كما في قوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩/ ٥٠]، لأن التوق إلى الخلود باطل ﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً﴾ كغثاء السيل ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بعدوا بعدا من رحمته تعالى ومن كل خير ومن كل نجاة.\n\n<span id=\"aya-2715\"></span>﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد هلاكهم ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾ مجتمعات كثيرة أخرى.\n\n<span id=\"aya-2716\"></span>﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لأنهم ساروا على خطا سابقيهم في الضلال.\n\n<span id=\"aya-2717\"></span>﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ تتتابع ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ في الهلاك ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ تتحدث بهم الأمم والتاريخ ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ناهيك عن غلوّهم في الكفر والعدوان.\n\n<span id=\"aya-2718\"></span>﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا﴾ المعجزات ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حجة عقلانية ظاهرة، انظر [طه ٥١/ ٢٠ - ٥٥].\n\n<span id=\"aya-2719\"></span>﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ من كبار القوم وأشرافهم ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مستكبرين.","vol":"3","page":132},{"text":"<span id=\"aya-2720\"></span>﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ يأكلون ويشربون الطعام ويمشون في الأسواق ﴿وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ من بني إسرائيل عبيد لنا نستغلهم.\n\n<span id=\"aya-2721\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ علوّا واستكبارا ﴿فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق.\n\n<span id=\"aya-2722\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة بعد نجاة بني إسرائيل من فرعون وخروجهم من مصر ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لعل بني إسرائيل يهتدون، لكنهم نكصوا إلى الوثنية في أكثر من مناسبة.\n\n<span id=\"aya-2723\"></span>﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ معجزة، بحمله المعجز، وتكليمه الناس في المهد، وغير ذلك من المعجزات ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ وهو الماء الجاري في فردوس النعيم، إشارة إلى النعيم الروحاني.\n\n<span id=\"aya-2724\"></span>﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ في الدنيا ﴿وَاِعْمَلُوا صالِحًا﴾ في بلاغ رسالاتكم ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم عليه.\n\n<span id=\"aya-2725\"></span>﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ بعثتكم إلى الأمم برسالة واحدة، هي رسالة التوحيد ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ اتقوا عواقب الخلاف، أيها الأمم، والخطاب حتى آخر السورة في الكفار في كل زمن وعصر.\n\n<span id=\"aya-2726\"></span>﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾","vol":"3","page":133},{"text":"٥٣ - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ تلك الأمم ﴿زُبُرًا﴾ قطعا ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ فرقة ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ مسرورون منشرحو الصدر، يظنون أنهم يحتكرون الحقيقة لأنفسهم وأن الآخرين على ضلال.\n\n<span id=\"aya-2727\"></span>﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جهالتهم التي لا جهالة فوقها ﴿حَتّى حِينٍ﴾ تخلية لأنفسهم حتى حين، لعلهم يتوبون ويعودون إلى رشدهم، أو البعض منهم.\n\n<span id=\"aya-2728\"></span>﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ من متاع الدنيا وزخرفها.\n\n<span id=\"aya-2729\"></span>﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أن الخيرات قد تكون فتنة لهم.\n\n<span id=\"aya-2730\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.\n\n<span id=\"aya-2731\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يؤمنون برسالاته.\n\n<span id=\"aya-2732\"></span>﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ شركا خفيا ولا ظاهرا.\n\n<span id=\"aya-2733\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ من الصدقات والزكاة ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خائفة ألا يتقبّل منهم ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ لأنهم يعلمون أنهم راجعون إليه تعالى ومبعوثون للحساب.","vol":"3","page":134},{"text":"<span id=\"aya-2734\"></span>﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ في نيل الخيرات وعملها ﴿وَهُمْ لَها سابِقُونَ﴾ لا يبطؤون في عملها.\n\n<span id=\"aya-2735\"></span>﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ التكليف غير خارج عن حدود الوسع والطاعة ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يبين صحائف الأعمال ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ يثاب كلّ حسب عمله.\n\n<span id=\"aya-2736\"></span>﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ الكفار ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا﴾ في جهالة ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ من فنون كفرهم ومعاصيهم ﴿هُمْ لَها عامِلُونَ﴾ معتادون مستمرون عليها.\n\n<span id=\"aya-2737\"></span>﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ﴾ في الآخرة على ما قدّمت أيديهم، أو في الدنيا بتآكل المجتمعات واندثارها ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ بالدعاء.\n\n<span id=\"aya-2738\"></span>﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ بالدعاء ﴿إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ فقد فات أوان الاستجابة.\n\n<span id=\"aya-2739\"></span>﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ رسالاتي ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ ترجعون وتعرضون عن سماعها أشد الإعراض، فضلا عن تصديقها والعمل بها.\n\n<span id=\"aya-2740\"></span>﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالترف المشار إليه في الآية (٦٤)، أو بالمال المشار إليه بالآية (٥٥)، ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ تهجرون الآيات، المشار إليها بالآية (٦٦)﴾، وتستغرقون في لغو الكلام الفارغ والهذيان في شأن القرآن.","vol":"3","page":135},{"text":"<span id=\"aya-2741\"></span>﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ القرآن الكريم بما فيه من الإعجاز؟ فيفقهوا ما فيه ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فقد جاءت الرسل قبل ذلك برسالات التوحيد وتلك سنّة قديمة في الناس.\n\n<span id=\"aya-2742\"></span>﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ محمدا ﷺ؟ وهذا القول ينطبق على الناس في كل العصور، وليس مقتصرا على كفار قريش ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ فهنا لك الكثير من النبوءات بقدومه في الكتب السابقة، انظر مثلا كتاب (محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى) تأليف البروفسور عبد الأحد داود.\n\n<span id=\"aya-2743\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ زعموا به الجنون ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهم غارقون في الباطل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ لأن نظرتهم المادية للدنيا غير ما جاء به القرآن الكريم، وهم يريدون قرآنا يطابق أفكارهم ونظرياتهم المادية.\n\n<span id=\"aya-2744\"></span>﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ الذي جاء به النبي ﷺ ﴿أَهْواءَهُمْ﴾ من الفساد والانهماك في مادية الدنيا وزخرفها ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ بكسب أيديهم، انظر شرح قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١/ ٣٠]، ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بقرآنهم ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾ عن قرآنهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لأن القرآن يذكّرهم بميثاقهم الفطري المأخوذ عليهم في الأصلاب.\n\n<span id=\"aya-2745\"></span>﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٧٢)﴾","vol":"3","page":136},{"text":"٧٢ - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ أيها الرسول، أو أيها الداعية في كل زمن ﴿خَرْجًا﴾ من مادة الدنيا ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ رزقه المادي والروحاني خير مما عندهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ الرزق المادي والروحاني على السواء.\n\n<span id=\"aya-2746\"></span>﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تشهد باستقامته العقول السليمة، لتنقذهم من الضلال والتخبط فيما هم فيه من الشرك والتنظير.\n\n<span id=\"aya-2747\"></span>﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وهذه سمة متأصلة فيهم، لأنهم بإنكار الآخرة يتمنون أن لا مسؤولية أخلاقية ولا بعث ولا حساب ونشور ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ المستقيم ﴿لَناكِبُونَ﴾ منحرفون.\n\n<span id=\"aya-2748\"></span>﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ لأن الحياة الدنيا لا تخلو من ضرّ، أي إن المرض والتعاسة يكاد لا يخلو منها أحد ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي في تلك الحالة لو خلت حياتهم من الضر لازدادوا طغيانا، سوى أن المؤمنين منهم لا يطغون بل يتقبلون ما بهم راضين.\n\n<span id=\"aya-2749\"></span>﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ﴾ الدنيوي ﴿فَمَا اِسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ﴾ له ولا يدعونه.\n\n<span id=\"aya-2750\"></span>﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ بما كسبت أيديهم ﴿إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من خير.\n\n<span id=\"aya-2751\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾","vol":"3","page":137},{"text":"٧٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، سماع إبصار تعقّل ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم بالاستفادة منها.\n\n<span id=\"aya-2752\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نشركم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ للبعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-2753\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ لا يشاركه أحد في ذلك ﴿وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وحده المؤثر في اختلافهما ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وتتفكرون في كل ذلك.\n\n<span id=\"aya-2754\"></span>﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ﴾ فأنكروا الآخرة والحساب.\n\n<span id=\"aya-2755\"></span>﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ للحساب؟ بل نريد البقاء في حلّ من أعمالنا وتصرفاتنا.\n\n<span id=\"aya-2756\"></span>﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ﴾ هكذا زعمت الرسل من قبل ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم لن نؤمن لها.\n\n<span id=\"aya-2757\"></span>﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هي للمخلوقات، أم هي للخالق؟\n\n<span id=\"aya-2758\"></span>﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ لا يستطعون إنكار ذلك، لأن العقل يقر به بداهة ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فذلك مركوز في عقولكم.\n\n<span id=\"aya-2759\"></span>﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾","vol":"3","page":138},{"text":"٨٦ - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ الأكوان التي لا نهاية لها ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ المتحكم في خلقه.\n\n<span id=\"aya-2760\"></span>﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ لا يملكون سوى الإقرار ﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عواقب إنكاركم الآخرة؟ والحساب؟\n\n<span id=\"aya-2761\"></span>﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من كل ما ذكر ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ يمنع من يشاء ممّن يشاء ﴿وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ لا يمنع أحد منه جلّ وعلا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حق العلم؟\n\n<span id=\"aya-2762\"></span>﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ مقرّين بذلك ﴿قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ تخدعون وتصرفون عن الرشد؟\n\n<span id=\"aya-2763\"></span>﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في زعمهم أن لله ولدا.\n\n<span id=\"aya-2764\"></span>﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ كما زعمت المسيحية أنّ المسيح ابن الله ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ﴾ كما زعم بعضهم أن المسيح الشخص الثالث في الثالوث ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ﴾ لاستبدّ به واستقل به تصرفا ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تعالى وتنزه عما يصفون من الشرك.\n\n<span id=\"aya-2765\"></span>﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾","vol":"3","page":139},{"text":"٩٢ - ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ ما هو خارج نطاق البشر ومفهومهم ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ما يشاهدونه في دنياهم ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ من الأوهام.\n\n<span id=\"aya-2766\"></span>﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ من عذاب الدنيا.\n\n<span id=\"aya-2767\"></span>﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تجعلني قرينا لهم في العذاب.\n\n<span id=\"aya-2768\"></span>﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ ولكن نؤخرهم، لعلمنا أنّ بعضهم يتوبون.\n\n<span id=\"aya-2769\"></span>﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالحسنة التي هي أحسن الحسنات ﴿السَّيِّئَةَ﴾ فتحسن إلى المسيء ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ من محاولات تجسيد الإله في أذهانهم ونقاشاتهم.\n\n<span id=\"aya-2770\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ من وساوسهم، فلا أدخل في نزاعات عقيمة مع المجادلين.\n\n<span id=\"aya-2771\"></span>﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في تلك الأحوال من المنازعات والمجادلات، وحال الصلاة وقراءة القرآن.\n\n<span id=\"aya-2772\"></span>﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ (٩٩)﴾","vol":"3","page":140},{"text":"٩٩ - ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ﴾ من منكري الآخرة ﴿الْمَوْتُ﴾ وأيقن أنّ الموت ليس فناء ﴿قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ بعد فوات الأوان، والآيات (٩٩) حتى آخر السورة تبين حال الكفار من وفاتهم إلى بعثهم.\n\n<span id=\"aya-2773\"></span>﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ بعد أن فات أوان العمل والاختبار ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ لن تغني شيئا ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ حاجز يحول بينهم وبين العودة ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-2774\"></span>﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ لا تنفع الأنساب أحدا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله؛ لانشغال كل امرئ بنفسه.\n\n<span id=\"aya-2775\"></span>﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ موزونات حسناته من العقائد والأعمال ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون.\n\n<span id=\"aya-2776\"></span>﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ (١٠٣)\n\n<span id=\"aya-2777\"></span>﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ (١٠٤)\n١٠٣ - ١٠٤ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ موازين أعماله الحسنة، أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها، وهي أعماله السيئة ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ضيّعوا أنفسهم وأبطلوا استعدادها لنيل الكمال، ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ مكشّرة شفاههم عن أسنانهم.\n\n<span id=\"aya-2778\"></span>﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ رسالاتي ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ الرسل.","vol":"3","page":141},{"text":"<span id=\"aya-2779\"></span>﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ غلبت علينا شقوتنا بسبب سوء استعدادنا وسوء جبلتنا ﴿وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ عن الحق.\n\n<span id=\"aya-2780\"></span>﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ من عذاب النار ﴿فَإِنْ عُدْنا﴾ إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ متجاوزون الحد.\n\n<span id=\"aya-2781\"></span>﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿قالَ اِخْسَؤُا فِيها﴾ ذلّوا وانزجروا واسكتوا سكوت هوان ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فلا يتكلمون بعدها أبدا.\n\n<span id=\"aya-2782\"></span>﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١٠٩)\n\n<span id=\"aya-2783\"></span>﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (١١٠)\n١٠٩ - ١١٠ - ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هزوا ﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ سخريتكم بهم أنستكم فقه القرآن ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ في غاية الاستهزاء.\n\n<span id=\"aya-2784\"></span>﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ عليكم وعلى أذيّتكم ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-2785\"></span>﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿قالَ﴾ الله تعالى ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ هل كان لبثكم طويلا أم قليلا، وكم سنة كان؟","vol":"3","page":142},{"text":"<span id=\"aya-2786\"></span>﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لم يتجاوز الجزء من اليوم، فكيف يصل إلى السنين؟ ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ الذين بإمكانهم الإحاطة بمفهوم الزمن؟\n\n<span id=\"aya-2787\"></span>﴿قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لو كنتم من أهل العلم، لأن إقامة الدنيا ليست بشيء بالمقارنة مع خلود الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2788\"></span>﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا﴾ لكن الخلق لم يكن عبثا وإنما كان ذا مغزى ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.\n\n<span id=\"aya-2789\"></span>﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أن يكون الخلق عبثا ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وكل ما عداه باطل ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ مدبّر شؤؤن عباده.\n\n<span id=\"aya-2790\"></span>﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾ يعبد ﴿مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ بل هو من أوهامه ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لبطلان حساباته ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ الذين يغطّون الحقيقة عن عقولهم وناظرهم.\n\n<span id=\"aya-2791\"></span>﴿وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿وَقُلْ﴾ أيها المؤمن ﴿رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾.","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2873>سورة النور - ٢٤ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2874>مقدمة</span>\nنزلت بأواخر السنة الخامسة وأوائل السنة السادسة بعد الهجرة بعد غزوة بني المصطلق.\n\n<span data-type='title' id=toc-2875>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nذكرت سورة المؤمنون المتقدمة من أوصاف المؤمنين المفلحين أنهم ملتزمون جنسيا وعائليا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٥/ ٢٣ - ٧)، وختمت بأنّ الخلق ليس عبثا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ (١١٥/ ٢٣)، ثمّ تبين سورة النور ما خلق له الناس من أحكام تنظّم حياتهم الجنسية والعائلية وأن سيطرة المرء على نزواته بتجنب الزلاّت في مثل هذه الأمور تمكّنه من الارتقاء إلى مستويات عليا، ما يمكّنه من فهم القرآن الكريم والعمل به: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠/ ٢٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2876>محور السورة</span>\nسورة النور منظومة واحدة متكاملة، تبين حدود الزنا والقذف والتشهير، وتشير إلى حادثة الإفك، وتظهر العبر منها، وترشد المؤمنين إلى السلوك القويم في مثل هذه الحالات، كأن يظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾","vol":"3","page":144},{"text":"(١٢)، وتنهى عن تداول الإشاعات والبهتان: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (١٥ - ١٦)، وتبيّن قواعد احترام خصوصية الناس في المنازل (٢٧ - ٢٩)، وتأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، وتقيّد إبداء الزينة للنساء (٣٠ - ٣١).\nوتأمر بتسهيل زواج العزاب الأحرار والعبيد (٣٢ - ٣٣). ثم تضرب السورة مثلا: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ذو نور، لأنه تعالى مظهر السماوات والأرض بإيجادهما وإيجاد أهلهما وهاديهم بالتنوير بالعلم، وما في السماوات والأرض دالّ على وجوده وظهوره ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ المشكاة كوّة غير نافذة في جدار، والكاف كاف التشبيه، لأن الإخبار عنه تعالى بالنور مجاز لا حقيقة، فالله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١١)، والآية مثل لنوره تعالى في قلب المؤمن، أو الهداية في عقل وشعوره من ينشدها. فالمصباح الذي في المشكاة هو الوحي الذي أنزله الله على الأنبياء ينعكس في قلب المؤمن - المشكاة - بعد أن يكون المؤمن قد تمعّن في الوحي وأعمل فيه عقله - الزجاجة - ﴿الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ لأنه بالعقل فقط يدخل الإيمان ويشعّ في قلب المؤمن ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ إشارة لتتابع الوحي في منطقة شرق المتوسط المشتهرة بهذه الشجرة، وما تبع الوحي من توسيع مدارك الإنسان في تفهمه للحق ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ لأن الوحي من الله تعالى الذي لا يحدّه شرق ولا غرب، كما أنّ رسالة القرآن عالمية للناس شرقا وغربا ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ رسالة القرآن مضيئة واضحة بيّنة يستسيغها العقل كما في قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١ - ٢)، وقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (١٥ - ١)، ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ فالإنسان قد لا يدرك أن القرآن مضيء إذ مسّته نار الوحي فهو ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يهتدي إليه من يشاء الهداية","vol":"3","page":145},{"text":"إذا أعمل فيه عقله دون تحيز مسبق: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ والحاجة لضرب الأمثال ضرورية لأنّ فهم الحقيقة المطلقة يقصر عنه إدراك البشر فلا بد من ضرب الأمثال لتقريب الفهم إلى العقول: ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣٥).\nثمّ تبيّن السورة حبوط أعمال الكفار الحسنة منها والقبيحة (٣٩ - ٤٠)، وأن من غاب عنه نور الله الظاهر في الآفاق وفي الوحي فهو في الظلمات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤٠)، وتصف أحوال أنصاف المؤمنين المترددين: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)، وتؤكد واجب المؤمنين في طاعة الله ورسوله، وتبين شروط استخلافهم في الأرض (٥٥) وتفصّل شروط احترام الخصوصية في بعض أوقات الراحة (٥٨ - ٦٠)، وتنفي الحرج عن المعوّقين في قبول العون، والأكل من بيوت الأقرباء (٦١)، وتأمر بالالتزام بواجبات الجماعة وبتعليمات المسؤولين (٦٢ - ٦٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-2877>خلاصة السورة</span>\nبيان حدود الزنا والقذف والتشهير، الآيات (١ - ١٠).\nحادثة الإفك والعبر منها (١١ - ٢٦).\nاحترام الخصوصية في المنازل (٢٧ - ٢٩).\nغض البصر وحفظ الفرج وتقييد إبداء الزينة للنساء (٣٠ - ٣١).\nتسهيل زواج العزاب الأحرار والعبيد (٣٢ - ٣٤).\nبيان نور الله في القرآن (٣٥ - ٣٨).\nحبوط أعمال الكفار الحسنة والقبيحة (٣٩ - ٤٠).\nبيان بعض آيات الله تعالى الآفاقية (٤١ - ٤٦).","vol":"3","page":146},{"text":"أحوال أنصاف المؤمنين المترددين (٤٧ - ٥٣).\nواجب المؤمنين في الطاعة وشروط استخلافهم في الأرض (٥٤ - ٥٧).\nاحترام الخصوصية في أوقات الراحة (٥٨ - ٦٠).\nنفي الحرج عن المعوقين في قبول العون، والأكل من بيوت الأقرباء (٦١).\nوجوب الالتزام بواجبات الجماعة وبتعليمات المسؤولين (٦٢ - ٦٤).\n﷽\n\n<span id=\"aya-2792\"></span>﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١)\n١ - هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ كافة السور القرآنية أنزلها وفرضها الله تعالى، وتخصيص هذه السورة بذلك بيان بشدة أهميتها، بل هو إنذار بعدم التجاوز في تفسيرها أو إضافة أو استنتاج أحكام إضافية منها ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضحات لا تحتاج لمزيد من الشرح ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما فيها على الدوام، والآيات (١ - ١٠) مقدمة لما سوف يليها من الخطاب عن حادثة الإفك بالآيات (١١ - ٢٦).\n\n<span id=\"aya-2793\"></span>﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ لم تحددالآية إن كان أحد طرفي الزنا متزوجا أم لا ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ لا تلطّف ولا رفق في معاملتهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم تحددالآية عدد الذين يشهدون عملية الجلد، فليس بالضرورة أن تكون العملية على مرأى من الجمهور، بل عدد محدد من الشهود في مكان خاص يكفي.","vol":"3","page":147},{"text":"<span id=\"aya-2794\"></span>﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً﴾ ليس معنى ذلك تحريم زواج الزناة إلا بعضهم من بعض، ولكن المعنى أن طرفي العمل الجنسي في هذه الحالة ينطبق عليهما صفة الزاني والزانية، بل ينطبق عليهما معا صفة الشرك لأنهما جعلا هواهما وشهواتهما فوق ما اقتضاه التوحيد من أخلاق وسمو ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾ كلاهما مشركان بسبب هذا العمل ﴿وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ينطبق عليها من الصفات ما انطبق عليه، فهما على قدم المساواة ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ كي لا يخرجوا من دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك، لكن بعد عملية الجلد تكون الجريمة الجنسية قد جرى افتداؤها، فلا معنى أن يمتنع الزاني أو الزانية من الزواج من أشخاص عفيفين أو عفيفات بعد ذلك.\n\n<span id=\"aya-2795\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ المتزوجات، أو المؤمنات، أو المحترمات مسلمات وكتابيات، انظر تعريف المحصنات في شرح آية [النساء ٢٥/ ٤]، ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ وهو ضعف العدد المطلوب من الشهود في الحالات الاعتيادية من المعاملات التجارية وغيرها، وفي السنة الشريفة المطلوب أن يكون الشهداء الأربعة قد شهدوا العمل الجنسي مما يكاد يكون مستحيلا من الناحية العملية، فالمغزى إذن استبعاد الاتهامات الباطلة من هذا النوع بالنظر لما تسببه من تفسخ في المجتمع، خاصة أن الإنسان خلق ضعيفا [النساء ٢٨/ ٤]، فلا تثبت التهمة من هذا النوع إلا بالاعتراف الطوعي من أحد الطرفين أو كليهما ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ إذا لم يأتوا بشهداء أربعة ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا﴾ إلا بعد التوبة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن حدود الشريعة والطاعة.\n\n<span id=\"aya-2796\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾","vol":"3","page":148},{"text":"٥ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أي سحبوا اتهاماتهم لما زعموا من زنى الآخرين ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقبل توبتهم وصلاحهم ويغفر لهم.\n\n<span id=\"aya-2797\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ شهادته تحل محل أربع شهادات.\n\n<span id=\"aya-2798\"></span>﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ يستبعد نفسه من رحمة الله.\n\n<span id=\"aya-2799\"></span>﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ وبذلك تنتفي شهاداته الأربع، فيصبح مجرّد ادّعائه ضد ادّعائها.\n\n<span id=\"aya-2800\"></span>﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ تستبعد نفسها من رحمة الله، إن كانت كاذبة، وبعد هذا اللعان لم يبق سوى الطلاق.\n\n<span id=\"aya-2801\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ أي لفسد المجتمع لو تركت مثل هذه الحالات مبنية على براهين غير قطعية، أو على شهود سماع وإشاعات، وقد ينتج عنها جرائم غير مبررة، ومشاكل عائلية وانفصال غير مبرر.","vol":"3","page":149},{"text":"<span id=\"aya-2802\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١١)\n١١ - الآيات (١١ - ٢٦) تشير إلى حادثة الإفك والعبر المستخلصة منها، وهي معروفة في كتب السيرة، وخلاصتها: إنه بعد غزوة بني المصطلق في العام ٥ هجرية، فكّ المسلمون مخيمهم، واتجهوا نحو المدينة، فتخلفت عائشة لقضاء حاجة دون أن يشعر بها أحد، وبعد ساعات التقى بها أحد الصحابة فلحق بها إلى الركب مما سبب نشر بعض الشائعات الكاذبة المغرضة المشار إليها بالإفك، والقصد من القصة كما في باقي قصص القرآن الكريم أخذ العبر، وليس مجرد الرواية التأريخية:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ﴾ وهو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء والبهتان ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العديد منكم ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون لما نلتم على الصبر عليه من الثواب العظيم، ولما أصابكم بسببه من الغم والهم قبل انجلاء حقيقته، ولما ظهر به من العبر ﴿لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ من الذين جاؤوا بالإفك ﴿مَا اِكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي جزاء ما اكتسب من الإثم ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا بظهور كذبه وخزيه، وفي الآخرة، وقيل هو عبد الله بن أبيّ بن سلول كبير المنافقين، وقد يكون أيّا من كبار المنافقين غيره، الذين أخذوا على عاتقهم تضخيم الأمور بأسلوب غير قانوني وغير أخلاقي اعتمادا على ظروف مشبوهة غير مؤكدة لجعل الحديث في الفضيحة المزعومة مستساغا.\n\n<span id=\"aya-2803\"></span>﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الإفك ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بجماعة المسلمين ﴿خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ لا يحتاج إلى الشك في كذبه.","vol":"3","page":150},{"text":"<span id=\"aya-2804\"></span>﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ كما نصت الآية (٤) ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ محكوم عليهم بالكذب شرعا.\n\n<span id=\"aya-2805\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ بأن عفا عنكم وأمهلكم للتوبة ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من حديث الإفك ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا قبل الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2806\"></span>﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ تقولون بالأفواه كلاما غير محقّق بلا مصداقية، وليس له منشأ في الحقيقة ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ كلام اللغو والإشاعات ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ أمر عظيم لا يقدر وزره وتبعاته.\n\n<span id=\"aya-2807\"></span>﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا﴾ الإفك ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها لك تعالى عن كل نقص وسوء أن تصم نبيك وزوجه بما يشين ﴿هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ تبهت له السامعون لبشاعته واستحالته.\n\n<span id=\"aya-2808\"></span>﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾","vol":"3","page":151},{"text":"١٧ - ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ﴾ ينصحكم ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ كراهة أن تعودوا لمثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالعودة لمثله معناها الخروج من دائرة الإيمان.\n\n<span id=\"aya-2809\"></span>﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ رسالات الشرائع ومحاسن آداب المعاملة ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يجب أن يتعاملوا به.\n\n<span id=\"aya-2810\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ﴾ بشيوع خبرها، أو شيوعها في المجتمع ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وينشرون الفضائح سواء الصحيحة منها أو المختلقة ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا﴾ كما هو مذكور بالآية (٤)، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ إضافة إلى عذاب الآخرة ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ما فيه مصالحكم، وفي الحديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».\n\n<span id=\"aya-2811\"></span>﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ تكرار للآية (١٠) لأهميتها، وجواب الشرط محذوف وتقديره متروك للقارئ، والمغزى؛ إن الفساد يعمّ لو تركت مثل هذه الحالات مبنية على براهين غير قطعية، أو على شهود سماع وإشاعات.\n\n<span id=\"aya-2812\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لا تتبعوا وساوسه في إشاعة الفحشاء في المجتمع ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ ما","vol":"3","page":152},{"text":"تنكره الفطرة والطبيعة ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما ينكره الشرع ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإنزال هذه الآيات البينات ﴿ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ما طهر من دنس الذنوب أحد ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي﴾ يطهّر ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ من عباده ممن يستحق الطهارة، لأن الإنسان خلق ضعيفا ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ للتائبين ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم.\n\n<span id=\"aya-2813\"></span>﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ لا يحلف على الامتناع ﴿أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المال ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى﴾ أي كراهة أن يؤتوا ﴿وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ من مال الله الذي آتاهم ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ على ما بدر منهم من الذين تعاطوا في حديث الإفك ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ بمقابلة عفوكم وإحسانكم ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مبالغ في المغفرة والرحمة.\n\n<span id=\"aya-2814\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ بالإشاعات، سواء الصحيحة منها أو الكاذبة ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ بعدوا من رحمة الله لما يشيعونه في المجتمع من الفساد ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هائل، بالنظر إلى أن المحصنات غافلات عمّا يتّهمن به.\n\n<span id=\"aya-2815\"></span>﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا يخفى عليه تعالى منهم شيء.\n\n<span id=\"aya-2816\"></span>﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾","vol":"3","page":153},{"text":"٢٥ - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ الدين من الديّان وهو الله تعالى، والتوفية إعطاء الشيء وافيا، وفي الحديث \"كما تدين تدان\"، أي الله تعالى يحاسبهم يوم القيامة بما شهدت عليه جوارحهم ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ علم اليقين ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ على الدوام.\n\n<span id=\"aya-2817\"></span>﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ لأن ذلك من طبيعة الأمور ﴿أُولئِكَ﴾ الطيبون والطيبات ﴿مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ ممّا يقوله عنهم الخبيثون والخبيثات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من الذنوب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق الروحاني والمادي.\n\n<span id=\"aya-2818\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستأذنوا سكانها ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ وتسلّموا عليهم ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ للمجتمع ككل، من الدخول بغتة ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما فيه صالحكم. وارتباط الآيات (٢٧ - ٢٩) مع ما قبلها واضح، لأن الاستئذان قبل الدخول من شأنه أن يزيل كل لبس لجهة خصوصية السكان، وما يمكن أن يشاهده الداخل عليهم لو دخل من غير استئذان.\n\n<span id=\"aya-2819\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ من قبل أصحابها ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تصرّوا على الدخول ﴿هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أطهر من اللج والعناد، ومن دنس الدناءة والرذالة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ بنواياكم.","vol":"3","page":154},{"text":"<span id=\"aya-2820\"></span>﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ من البيوت العامة ليتمتع بها من يحتاج إليها كائنا من كان، كالتكايا والمساجد والمباني العامة والخانات والحمامات ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ من نوايا ﴿وَما تَكْتُمُونَ﴾ منها.\n\n<span id=\"aya-2821\"></span>﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ لا ينظروا إلى ما لا يحل لهم، ويستتبع ذلك أن يكون اللباس محتشما ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ من الزنا، ومن كل ما يسبب التهيج الجنسي ﴿ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ﴾ لنفوسهم ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ في مثل هذه الأمور، ونلاحظ ارتباط الآيات (٣٠ - ٣٤) بما قبلها لجهة العفة وغضّ البصر واللباس المحتشم، والنكاح الشرعي.\n\n<span id=\"aya-2822\"></span>﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ﴾ لا ينظرن إلى ما لا يحل لهنّ ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ عمّا لا يحل لهنّ من الزنا ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ بحيث لا تسبب الفتنة للرجال، وما ظهر منها هو ما جرت العادة والجبلّة على ظهوره في البلد والمجتمع الذي تعيش فيه، حيث لا تلفت الأنظار إليها، وقالوا: إن ذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في التستر، وهو من باب","vol":"3","page":155},{"text":"الكناية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ الخمار غطاء الرأس كانت النساء ترتديه في الجاهلية وتلقيه على رقبتها من الخلف، بحيث تبقى فتحة قميصها من الأمام، المسمى جيبها، مكشوفا فأمرت الآية أن تغطي به نهديها ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ شملت الآية الأزواج والآباء والأبناء والإخوان وبنيهم والنساء وملك اليمين من الإماء ﴿أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ الطاعنين في السن ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ لا يلفتن النظر إلى مواقع الزينة عندهنّ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأن المؤمنين جميعا عرضة للوقوع في الفتنة والإغراء حتى الأتقياء منهم، لأن الإنسان خلق ضعيفا ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تصلون إلى الفلاح المعنوي دون الوقوع في الإغراء.\n\n<span id=\"aya-2823\"></span>﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ العزّاب من الرجال والنساء ﴿وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ الصالحين للزواج من الناحيتين الأخلاقية والجسمية، ولجهة النضوج الفكري، ومغزى الآية أنها؛ تنكر كل اتصال جنسي غير مشروع خارج عقد النكاح ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من رزقه، ويرزق ذريتهم ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ الرحمة ﴿عَلِيمٌ﴾ بهم وبأحوالهم.\n\n<span id=\"aya-2824\"></span>﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾","vol":"3","page":156},{"text":"٣٣ - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ عن الزنا ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أي بسبب الفقر، أو لأنهم لا يجدون من الطرف الآخر ما يناسبهم، أو لأي سبب آخر ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المادي والمعنوي ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ من العبيد الذكور والإناث يعرض أحدهما على المالك عملا لمدة محددة يصبح بعدها حرا يتصرف بنفسه ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ إن كانت النوايا سليمة، وإن علمتم فيهم أمانة ومقدرة على الكسب، لأن النظام الإسلامي قضى بإنهاء العبودية على مراحل ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ إعانة لهم أو قرضا ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ إمائكم ﴿عَلَى الْبِغاءِ﴾ الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ يردن التعفّف ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ من المال الحرام ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور لهنّ رحيم بهنّ.\n\n<span id=\"aya-2825\"></span>﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ للصواب من الخطأ ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الأمثال المضروبة كقصة عائشة وحديث الإفك ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الخطأ ويعتبرون منه.\n\n<span id=\"aya-2826\"></span>﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣٥)\n٣٥ - بعد أن فصّلت السورة بعض الأحكام الدنيوية عن الزنا والإفك والنكاح وخصوصية المنازل، تنتقل الآن لبيان نوره تعالى في الآفاق وفي قلب المؤمن، الآيات (٣٥ - ٣٨)، ما يمكّنه من تحقيق ما تقدّم من الأخلاق الحميدة:","vol":"3","page":157},{"text":"﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بظهوره الدائم وبظهور مخلوقاته التي تدل على وجوده ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في قلب المؤمن، وهي الأدلة العقلية، والنقلية من الوحي، أي المعارف والعلوم التي أفاضهاتعالى في قلبه ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ كوة في الجدار غير نافذة، أي كصفة المشكاة في الإثارة والتنوير في قلب المؤمن، والكاف كاف التشبيه وهي تعني استحالة تعريف الله سبحانه ولو بطريق الكناية والمجاز ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ في المشكاة سراج ضخم ثاقب ذو فتيلة مشتعلة، وهو الأدلة العقلية التي بها فقط يتوصّل إلى الإيمان ﴿الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ﴾ في قنديل من الزجاج الصافي، بمثابة الأدلة النقلية من الوحي ﴿الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مضيء متلألئ، منسوب إلى الدرّ ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ كثيرة المنافع ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ تنبت في أرض النبوات شرق البحر الأبيض المتوسط ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يحجبها شيء عن الشمس ولا يظلها جبل ولا شجر فتصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، ورسالتها أيضا عالمية للناس قاطبة شرقا وغربا ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ إشارة إلى الرسالات السماوية، توضح الحقيقة من تلقاء نفسها، ويكاد الوحي يظهر للخلق قبل نزول القرآن ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ بالنظر لعقلانيتها وسلامتها من التناقض ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية، فيوفقه إليها ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ﴾ لكي يصل إلى أفهامهم ما لا يصل إلاّ بالأمثال، ولإبراز المعقول في هيئة المحسوس ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ معقولا أو محسوسا، ظاهرا أم باطنا.\n\n<span id=\"aya-2827\"></span>﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (٣٦)\n٣٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي المشكاة المشار إليها هي في المساجد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ المساجد ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ﴾ سبحانه ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ﴾ النهار ﴿وَالْآصالِ﴾ والليل، فلا تتحقق المقاصد الروحانية فيها من التسبيح إلاّ من قبل البعض كما في الآية التالية:","vol":"3","page":158},{"text":"<span id=\"aya-2828\"></span>﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿رِجالٌ﴾ أفراد من الجنسين ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ من أغراض دنيوية ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-2829\"></span>﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ من أعمالهم الحسان، ويتغاضى عن الأقل والسيئ منها ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بما لم يستحقوه بأعمالهم ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ رزقا روحانيا وماديا فوق ما الإنسان أهل له.\n\n<span id=\"aya-2830\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ﴾ التي هي من أعمال البر تحبط، لأن الكفر محبط للعمل ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ القيعة جمع ما تسميه العرب القاع، وهو المنبسط البعيد من الأرض الجدباء يلمع تحت أشعة الشمس ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ بسبب بريقه تحت الشمس عن بعد ﴿حَتّى إِذا جاءَهُ﴾ العطشان ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ سوى أنه سراب خادع وكذلك هو عمل الكافر ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ﴾ كما هو دائما وأبدا ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ وافيا كاملا في دنياه، ولم يبق شيء لآخرته ﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لأن الموت أقرب بعيد، يليه البعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-2831\"></span>﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾","vol":"3","page":159},{"text":"٤٠ - ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ﴾ معطوف على ما تقدّم؛ أي أعمال الكفار السيء منها، كظلمات ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق كثير الماء ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ بحر مضطرب هائل ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أعمال الكافر القبيحة ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ لشدة الظلمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا﴾ في قلبه ﴿فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يهتدي به، بخلاف ما ورد في الآيات (٣٥ - ٣٨) عن نوره تعالى في قلب المؤمن.\n\n<span id=\"aya-2832\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تسبيح تنزيه عن كلّ نقص وسوء ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ في الجو بأجنحتهنّ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ هم الكفار الذين عموا عن تسبيح الخلق للخالق.\n\n<span id=\"aya-2833\"></span>﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ للبعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-2834\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ يسوقه برفق وسهولة ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ فيتصل السحاب مع السحاب ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ متراكما بعضه فوق بعض ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ المطر ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها﴾ جبال من الغيم كما ترى اليوم من الطائرات ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ مطر متجمّد","vol":"3","page":160},{"text":"﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ من فرط الإضاءة وسرعة ورودها.\n\n<span id=\"aya-2835\"></span>﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ يتتابعان ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ لكل من له بصيرة.\n\n<span id=\"aya-2836\"></span>﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ كل من يدب على الأرض، بمن فيها الطيور، انظر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٢١ - ٣٠]، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يخلق ما يشاء كما يشاء.\n\n<span id=\"aya-2837\"></span>﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ للحق ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية بتوفيقه إلى النظر الصحيح في الآيات القرآنية والآفاقية وتدبّر معانيها ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى حقيقة الحق.\n\n<span id=\"aya-2838\"></span>﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - رغم الآيات الباهرات المشار إليها آنفا، (٤١ - ٤٦)، هنالك أنصاف المؤمنين المذبذبين، الآيات (٤٧ - ٥٣):","vol":"3","page":161},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ وهم أنصاف المؤمنين ﴿وَأَطَعْنا﴾ الله والرسول، يزعمون الطاعة ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يعرض عمّا يقتضيه قولهم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ بعد ادعائهم الإيمان بالله وبالرسول ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ حقيقة، بل هم مؤمنين في الظاهر.\n\n<span id=\"aya-2839\"></span>﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ بمقتضى القرآن الكريم ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يعرضون عن المحاكمة، لكون الحق عليهم.\n\n<span id=\"aya-2840\"></span>﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ منقادين.\n\n<span id=\"aya-2841\"></span>﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من النفاق ﴿أَمِ اِرْتابُوا﴾ وشكّوا في نبوّته ﷺ ﴿أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ بسبب ضعف إيمانهم يخافون أن يجور الرسول عليهم ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وهو السبب الحقيقي لإعراضهم.\n\n<span id=\"aya-2842\"></span>﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إيمانا حقا ﴿إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ بلا أي تحفظ ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بكل مطلوب والناجون من كل محذور.\n\n<span id=\"aya-2843\"></span>﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾","vol":"3","page":162},{"text":"٥٢ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ في ما يستقبل ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-2844\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ جاهدين أيمانهم ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ إلى الجهاد، وهذا أيضا من فنون نفاقهم وكفرهم ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ العبرة ليست بالقسم، وإنما بالتنفيذ والطاعة ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من أعمالكم الظاهرة والباطنة، ومن الكفر والنفاق، ثم تبين الآيات (٥٤ - ٥٧) واجبات المسلمين في الطاعة وشروط استخلافهم في الأرض:\n\n<span id=\"aya-2845\"></span>﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ إن أعرضتم عنه وعن رسالة الإسلام ﴿فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾ من الرسالة والبلاغ ﴿وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ﴾ من الاستجابة لنداء العقل، والوحي ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ بلا إكراه.\n\n<span id=\"aya-2846\"></span>﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أن يصيروا خلفاء في الدنيا، وتصبح لهم السلطة والأمن، بما يفي من حاجياتهم الدنيوية وقيامهم بواجباتهم الدينية من نشر رسالة الإسلام ﴿كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم المؤمنة ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ﴾ الإسلام، وبأن يزيد نفوذهم المعنوي في العالم باتّباعه ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾","vol":"3","page":163},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ من أعدائهم ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ من الأوهام والزعامات ومادة الدنيا ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن الحدود، والآية تفيد القاعدة العامة من سنته تعالى في الخلق في نشوء الأمم وانحطاطها بحسب استجابتها للرسالة الإلهية.\n\n<span id=\"aya-2847\"></span>﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ تأكيدا على الإيثار ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في كل ما أمركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالأوامر الثلاثة المتقدّمة.\n\n<span id=\"aya-2848\"></span>﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا يعجزون الله هربا ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الذي قدّموه لأنفسهم، حتى لو فاتهم عذاب الدنيا.\n\n<span id=\"aya-2849\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٨)\n٥٨ - بعد أن بيّنت الآيات (٥٤ - ٥٧) واجبات المسلمين في الطاعة وشروط استخلافهم في الأرض، وكانت الآيات (١ - ٣٤) قد بيّنت وجوب احترام خصوصية المنازل وغض البصر وتسهيل زواج العزّاب، يعود الخطاب بالآيات (٥٨ - ٦٠) لبيان احترام خصوصية الأفراد في أوقات الراحة:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي في الدخول عليكم، والمقصود بهم العبيد والإماء، الكبار والصغار منهم ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ من الأطفال، سواء كانوا من الأقرباء أم لا ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ في اليوم والليلة ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ المرة الأولى ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ حين تخلعون ثيابكم وقت القيلولة ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ﴾ ليلا","vol":"3","page":164},{"text":"﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ هنّ ثلاث عورات كائنة لكم، أو هي أوقات ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ في الدخول عليكم من دون استئذان ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ بعد هذه الأوقات، يطوفون عليكم للخدمة ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ الدالّة على ما فيه نفعكم وصلاحكم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ بها.\n\n<span id=\"aya-2850\"></span>﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ الأطفال الأقرباء منكم وغير الأقرباء ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في الدخول عليكم في جميع الأوقات كما الرجال الكبار ﴿كَمَا اِسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ لما فيه مصلحة المجتمع ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في تقديرها.\n\n<span id=\"aya-2851\"></span>﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ قعدن عن الحيض والولد بسبب الكبر ﴿اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ لا يطمعن فيه ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ الظاهرة ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ لا يكشفن زينتهنّ ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ بترك التبرجّ، وترك وضع الثياب الظاهرة عليهنّ ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأحاديثهنّ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقاصدهنّ.\n﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ﴾","vol":"3","page":165},{"text":"<span id=\"aya-2852\"></span>﴿أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - بعد أن بيّنت الآيات (٥٨ - ٦٠) وجوب احترام الخصوصية في أوقات الراحة، تنفي هذه الآية الحرج في قبول العون ومؤاكلة الأقرباء:\n﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ حرج، أي إثم ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي بيوت أزواجكم وعيالكم ﴿أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾ شمل بيوت الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات ﴿أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ ممّا تحت أيديكم وتصرفكم من بستان أو ماشية وكالة أو حفظا ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ بيوت صديقكم، المقصود به المفرد والجمع ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ﴾ حرج ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا﴾ مجتمعين ومتفرقين ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من البيوت المذكورة ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ على أهلها باعتبار وحدة الأهل والمجتمع، فالآية جعلت أنفس المسلمين كالنفس الواحدة ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ تطيب لها نفس السامع ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ الشرائع ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ المغزى من الأخوّة بين المؤمنين في المؤاكلة بلا حرج وتفادي الشكليات فيما بينهم.\n\n<span id=\"aya-2853\"></span>﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٢)\n٦٢ - بعد رفع الحرج عن المعوّقين لم يبق سوى بيان الالتزام بواجبات الجماعة وبتعليمات المسؤولين:","vol":"3","page":166},{"text":"﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ إيمان اليقين ﴿وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ﴾ يجب اجتماعهم في شأنه كالجمعة والأعياد والجهاد ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ في الذهاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الكاملين في الإيمان ﴿فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الأمر مفوّض إليه إن شاء أذن، وإن لم يشأ لم يأذن ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ﴾ أعذارهم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ مبالغ في المغفرة لهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يفيض من رحمته عليهم.\n\n<span id=\"aya-2854\"></span>﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبيّ الله ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا﴾ يتسللون قليلا قليلا عن جماعة المسلمين على سبيل الخفية ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يعرضون عن أمره ويخالفون سنته ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ بلاء ومحنة في الدنيا، لعظم مخالفته ﷺ ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا أو الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2855\"></span>﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الموجودات بأسرها إيجادا وخلقا وملكا وتصرّفا ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيها المكلّفون من الأحوال والأوضاع ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يعلمها أيضا ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ خيرا أو شرّا ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أحوالهم فيجازيهم بها.","vol":"3","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2942>سورة الفرقان - ٢٥ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-2943>مقدمة</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية حوالي السنة السادسة بعد البعثة.\n\n<span data-type='title' id=toc-2944>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن ضربت سورة النور المتقدمة مثلا بنور الله في السماوات والأرض إذ يهدي عباده بالتنوير بالعلم وبآيات الآفاق وبالوحي، وأنّ كل ما في السماوات والأرض دالّ على وجوده وظهوره، وأن الوحي يشع في قلب المؤمن كأنه مصباح في مشكاة، وأن رسالة القرآن عالمية للناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ والقرآن ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يهتدي إليه من يشاء الهداية إذا أعمل فيه عقله دون تحيز مسبق: ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ (٣٥/ ٢٤)، تبدأسورة الفرقان بالإشارة إلى القرآن فرقانا بين الحق والباطل نذيرا للعالمين: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١/ ٢٥)، وأنّ الوحي القرآني ليس سوى جزء من المنظومة الكونية والآيات الآفاقية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٥٠/ ٢٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-2945>محور السورة</span>\nنزول القرآن الكريم فرقانا بين الحق والباطل نذيرا للعالمين: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١)، لكن المصرّين على الكفر","vol":"3","page":168},{"text":"ينسبونه إلى الإفك ويزعمون أنّ الرسول تقوّله، كما زعموا ويزعمون أنه مقتبس من التعاليم المسيحية اليهودية: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (٤)، بل إنهم يكذبون بالبعث والحساب: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ (١١)، ويعبدون الأوهام فيضلّون ويضلّون: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (١٧).\nثم إنّ عدم التزام الكثير من المسلمين ما يجعلهم مسلمين بالاسم فقط، فلا يقرؤون القرآن، ولا يفقهون محتواه: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠)، أما المصرّون على الكفر فقد احتجّوا بأن القرآن لم ينزل على النبي دفعة واحدة، وقد غفلوا عن الإعجاز الهائل في نزول القرآن منجّما على فترة البعثة النبوية حيث إن ترتيب النزول بحسب ظروف البعثة مغاير للترتيب القرآني الصالح لكل العصور: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ (٣٢).\nوالإشكال عند المكذّبين والغافلين يكمن في اتباع الهوى فيعيشون كالأنعام لا يسمعون سماع فهم ولا يستخدمون عقولهم على النحو السوي: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٤٣ - ٤٤)، ولقد صرّف القرآن الكريم الحجج لهم بكل وسيلة وبضرب الأمثال بما يثبت دون أدنى شك وجود خالق مهيمن، فلم يفقهوا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٥٠)، وما على المؤمنين تجاه ذلك سوى مجاهدة أمثالهم بالحجج القرآنية: ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ (٥٢)، والمفارقة أن المشككين والغافلين يدعون الله عند الشدائد وينسونه وقت الرخاء، فالله تعالى يمهلهم لعلهم يتوبون ولا يهملهم، فإن أصرّوا ولم يتوبوا ويثوبوا إلى","vol":"3","page":169},{"text":"رشدهم كان العذاب في الآخرة نتيجة لازمة لما قدّموا في دنياهم: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ (٧٧).\n﷽\n\n<span id=\"aya-2856\"></span>﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١)\n١ - ﴿تَبارَكَ﴾ تمجّد، وتزايد خيره وعطاؤه وتكاثر ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ﴾ القرآن الكريم الفارق بين الحق والباطل ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ النبي ﷺ، ﴿لِيَكُونَ﴾ القرآن، أو النبي ﴿لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إنذارا مخوّفا.\n\n<span id=\"aya-2857\"></span>﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٢)\n٢ - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ المتصرّف فيهما ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لم ينزل أحد منه منزلة الولد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إذن لذهب كل إله بما خلق ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ﴾ هيّأه لما أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به ﴿تَقْدِيرًا﴾ تقديرا بديعا لا يبلغ كنهه، كتهيئة الإنسان متجانسا في حاجياته المادية والمعنوية.\n\n<span id=\"aya-2858\"></span>﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا﴾ (٣)\n٣ - ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ الله ﴿آلِهَةً﴾ من تخيلاتهم، ومن أوهامهم، وممّن يرونهم أشخاصا مؤلهين ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ هم أعجز أن يخلقوا شيئا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الله خالقهم، وهم يخلقون أيضا، من قبل عبدتهم من الإفك والخيال والوهم ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ دلالة على غاية عجزهم، فمن لا يملك الضر والنفع لنفسه فمن باب أولى لا يملكه لغيره ﴿وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ بإماتة الأحياء ﴿وَلا حَياةً﴾ بإحياء الأموات ﴿وَلا نُشُورًا﴾ لا يقدرون على البعث والنشور والحساب.","vol":"3","page":170},{"text":"<span id=\"aya-2859\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا﴾ القرآن ﴿إِلاّ إِفْكٌ اِفْتَراهُ﴾ اخترعه رسول الله ﷺ ولم ينزل عليه ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ من أهل الكتاب ﴿فَقَدْ جاؤُ﴾ الكفار القائلون بذلك ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ كذبا عظيما، ويحتمل المعنى أيضا أن الكفار القائلين نسبوا الظلم والزور إلى أقرانهم من أهل الكتاب، وقد زعموا أن الذين أعانوه من أهل الكتاب من سكان الجزيرة العربية، مع أنه لم يثبت أن كان هنالك مركز ثقافي لليهودية والنصرانية أو لإحديهما في جزيرة العرب وقت البعثة النبوية.\n\n<span id=\"aya-2860\"></span>﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَها﴾ كتبها لنفسه، أو أمر أحدا أن يكتبها له ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ كتابة ﴿بُكْرَةً﴾ نهارا ﴿وَأَصِيلًا﴾ وليلا.\n\n<span id=\"aya-2861\"></span>﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٦)\n٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول، وأيها المؤمن: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أسرار الغيب ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ للمؤمنين بالغيب، انظر [البقرة ٣/ ٢]، فأنّى لبشر أن يكتب مثله؟.\n\n<span id=\"aya-2862\"></span>﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ كيف يكون بشرا؟ أو من جنس البشر؟ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ من جنس الملائكة ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ينذر الناس، حتى يؤمنوا به.\n\n<span id=\"aya-2863\"></span>﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾","vol":"3","page":171},{"text":"٨ - ﴿أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ من السماء يكون برهانا ماديا على ادعائه بالوحي ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ بستان يأكل منه دون عناء ولا تعب ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ زعموا أنّ القرآن من جنس السحر.\n\n<span id=\"aya-2864\"></span>﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (٩)\n٩ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ من الأباطيل ﴿فَضَلُّوا﴾ عن الصواب ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ مبهوتين محتارين في القدح بنبوّته ﷺ.\n\n<span id=\"aya-2865\"></span>﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ﴾ خيرا من إلقاء الكنوز إليك ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وخيرا من الجنات المشار إليها بالآية (٨)، ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ فيها ﴿قُصُورًا﴾.\n\n<span id=\"aya-2866\"></span>﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ (١١)\n١١ - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ بالآخرة، وهذا هو مقصودهم، تهربا من المسؤولية والحساب ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ النار شديدة الاستعار.\n\n<span id=\"aya-2867\"></span>﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ بالنظر لبلادتهم، فهي تتغيظ من كفرهم وبلادتهم وما كانوا عيه في دنياهم من الغباء والغفلة.\n\n<span id=\"aya-2868\"></span>﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ مقيّدين بالأصفاد مع شياطينهم ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ دعوا هلاكهم وتمنّوه فلم يأتهم.\n\n<span id=\"aya-2869\"></span>﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَاُدْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾","vol":"3","page":172},{"text":"١٤ - ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ هلاكا واحدا ﴿وَاُدْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أكثر من هلاك لا ينقذكم، انظر قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [طه ٧٤/ ٢٠].\n\n<span id=\"aya-2870\"></span>﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً﴾ على أعمالهم ﴿وَمَصِيرًا﴾ ينقلبون إليه.\n\n<span id=\"aya-2871\"></span>﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ من السكينة والاطمئنان ﴿خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا﴾ في خلودهم بها.\n\n<span id=\"aya-2872\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ تعالى فيقول للمعبودين، تقريعا للعبدة ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأصنام والأوهام والزعماء المؤلهين ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾ العبدة الذين عبدوكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ضلّوا عن السبيل بأنفسهم لإخلالهم بالنظر الصحيح؟\n\n<span id=\"aya-2873\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿قالُوا﴾ العبدة ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أولياء نعبدهم من دونك ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ﴾ بمباهج الدنيا فطغوا واستكبروا وادّعوا الألوهية ﴿حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ القرآن الكريم ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ هالكين، أضلّونا معهم.\n\n<span id=\"aya-2874\"></span>﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩)﴾","vol":"3","page":173},{"text":"١٩ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أيها المعبودين وتبرّأ منكم عابدوكم ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ من أنهم كانوا عابدين لكم ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ للعذاب عنكم ﴿وَلا نَصْرًا﴾ فضلا عن أن تنصروا أنفسكم ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ من دام على الظلم والكفر منكم في دنياه ﴿نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-2875\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ لم يكونوا أكثر من بشر ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ بأن تقبلوا رسالات الرسل بحسب جدارتها، وتحاسبوا عليها ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على التكليف ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بمن يصبر ومن لا يصبر.\n\n<span id=\"aya-2876\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ منكرو الساعة ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ برهانا على صدق الوحي ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ فينزّل القرآن تنزيلا ﴿لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بطلب الرؤية ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ تجاوزوا الحدود في الظلم.\n\n<span id=\"aya-2877\"></span>﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الملائكة لن تبشّر المجرمين بأي خير ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي الكفار ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ من رحمة الله، إذ يوقن الكفار وقتئذ أنهم محجوبون عنها.\n\n<span id=\"aya-2878\"></span>﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ الأعمال التي اعتقدوها برّا ظانّين أنها تقربهم إليه تعالى ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ لأن الكفر يحبط العمل الصالح.","vol":"3","page":174},{"text":"<span id=\"aya-2879\"></span>﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ فيها ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ في التمتع بوقت القيلولة.\n\n<span id=\"aya-2880\"></span>﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ وهي ملتبسة بالغمام ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ عجيبا غير معهود.\n\n<span id=\"aya-2881\"></span>﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ السلطة القاهرة يوم القيامة ﴿الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ المبالغ في الرحمة بعباده، الشديد على الكافرين ﴿وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ لشدة أهواله.\n\n<span id=\"aya-2882\"></span>﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ ندما ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ يا ليتني آمنت به واتخذت طريقا للنجاة معه، وهو طريق الحق.\n\n<span id=\"aya-2883\"></span>﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا﴾ من شياطين الإنس ﴿خَلِيلًا﴾ صاحبا ودودا، يتخلل فيّ.\n\n<span id=\"aya-2884\"></span>﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ عن القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَنِي﴾ بعد أن كنت مواظبا على تلاوته ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا﴾ مبالغا في خذلانه.\n\n<span id=\"aya-2885\"></span>﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾","vol":"3","page":175},{"text":"٣٠ - ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ﴾ كتابا ﴿مَهْجُورًا﴾ هجره معظمهم، ومن لم يهجره جعله كتابا للتبرّك فقط ولم يقرأه، ومن قرأه لم يتفكّر بمعانيه ولم يفهمه، ولم يفقه المغزى من هديه.\n\n<span id=\"aya-2886\"></span>﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ينكر القرآن، والآخرة ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لمن أراد الهداية وحافظ على سلامة الفطرة.\n\n<span id=\"aya-2887\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الحمقى المصرّين على الكفر ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ وبذلك غفلوا عن الإعجاز الهائل في نزول القرآن منجّما على مدة ٢٣ عاما فترة البعثة النبوية ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ حيث ينزل منجّما موافقا لظروف البعثة النبوية ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ بما هو مناسب لكل الأزمنة والعصور، حسب ترتيبه الحالي، مغايرا لترتيب النزول.\n\n<span id=\"aya-2888\"></span>﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ وهم الكفار وقت التنزيل ﴿إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ﴾ ما يدحض الباطل ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ من المثل الذي ضربوه.\n\n<span id=\"aya-2889\"></span>﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ﴾ لأنّ الوجه يمثّل الشخصية ﴿أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ مكانة في الآخرة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عن الحق في دنياهم، إذ كانوا ينكرون الآخرة والقرآن.\n\n<span id=\"aya-2890\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾","vol":"3","page":176},{"text":"٣٥ - بعد أن ذكرت الآيات (١ - ٣٤) نزول القرآن الكريم فارقا بين الحق والباطل، وجدل كفار قريش - والكفار في كل زمن - به وإنكاره، ومن ثم ما يترتب على ذلك من مصير بائس لهم في الآخرة، تنتقل الآيات (٣٥ - ٤٠) لبيان جانب من قصص الأمم البائدة التي رفضت الرسل والتكليف:\n٣٥ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا﴾ يشد أزره، ويحمل عنه عبئا من الرسالة.\n\n<span id=\"aya-2891\"></span>﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿فَقُلْنَا اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ فرعون وآله ﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا﴾ بنتيجة كفرهم ورفضهم الرسالة السماوية.\n\n<span id=\"aya-2892\"></span>﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ نوحا ومن قبله من الرسل ﴿أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً﴾ عبرة ﴿وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-2893\"></span>﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَعادًا﴾ في حضرموت واليمن ﴿وَثَمُودَ﴾ النبطيين وأصحاب الحجر ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ﴾ من سلالة ثمود ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا﴾ أقواما كثيرين بينهم.\n\n<span id=\"aya-2894\"></span>﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ لعلهم يفقهون الرسالة، وتبيانا لها ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دمّرنا تدميرا بنتيجة كسب أيديهم وغفلتهم.\n\n<span id=\"aya-2895\"></span>﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾","vol":"3","page":177},{"text":"٤٠ - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ كفار قريش وغيرهم ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ وهي قرى لوط الواقعة في طريقهم إلى بلاد الشام، ومطر السوء: الغبار البركاني ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ يرونها رأي العين في ذهابهم وإيابهم، وقد كستها بقايا الزلازل والبراكين ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ينكرون الآخرة تهربا من مسؤولياتهم.\n\n<span id=\"aya-2896\"></span>﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ (٤١)\n٤١ - عودة الخطاب إلى جدل كفار قريش في الرسالة:\n﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ رسولا من ضعاف القوم، ولم يبعثه على رجل من القريتين عظيم؟ من مكة والطائف، أو من فارس والروم؟؟ انظر [الزخرف ٣١/ ٤٣].\n\n<span id=\"aya-2897\"></span>﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ صبرنا على عبادتها ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عن الحق.\n\n<span id=\"aya-2898\"></span>﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ يعبد أهواءه ودنياه الفانية وأوهامه ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ لا تقدر أن تمنعه من ذلك، ولست وكيلا عنه.\n\n<span id=\"aya-2899\"></span>﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وتفكّر ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ يستخدمون عقولهم على النحو السوي ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ﴾ البهائم لا هم لها سوى دنياها وغرائزها اليومية، ليس لها ملكة العقل والفكر ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾","vol":"3","page":178},{"text":"﴿سَبِيلًا﴾ من الأنعام، لأنهم متميزون عنها بنعمة العقل التي أهدروها، ونعمة الأسماء التي تعلموها، انظر [البقرة ٣١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-2900\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (٤٥)\n٤٥ - بيان لبعض معجزات الخلق التي عجزوا عن التفكر بها لأنهم كالأنعام:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ فجعله يتغير مع تغير النهار ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ لا يتحرك من مكانه طيلة الأوقات ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ بحيث يتجاوب مع اتجاه أشعة الشمس.\n\n<span id=\"aya-2901\"></span>﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ فيتحرك على مهل مع ميول أشعة الشمس.\n\n<span id=\"aya-2902\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ يستركم بظلامه، كما اللباس يستركم ﴿وَالنَّوْمَ سُباتًا﴾ انقطاعا عن الحياة ﴿وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ ينتشر فيه الناس لطلب الرزق.\n\n<span id=\"aya-2903\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تبشر الناس بالمطر ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ قبل أن يتلوث بإفساد البشر.\n\n<span id=\"aya-2904\"></span>﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾","vol":"3","page":179},{"text":"٤٩ - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أرضا لم تكن تنبت قبل الهطول ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي المطر ﴿مِمّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا﴾ من المخلوقات التي لولاه لبادت.\n\n<span id=\"aya-2905\"></span>﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي المطر، أو القرآن الكريم بيّناه على عدة وجوه ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ الإعجاز في هطوله وإنباته الأرض الجدباء، وإحياء النبات من البذور من جهة، وليتفكّروا في الإعجاز القرآني من جهة أخرى ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ رغم هذا الإعجاز الهائل، لم يعتبروا، ولم يستفيدوا من عقولهم، بل فضّلوا الكفر - وهو تغطية الحقيقة - عن العقل.\n\n<span id=\"aya-2906\"></span>﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مجتمع ﴿نَذِيرًا﴾ لكل مجتمع، ولكن اكتفينا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد إلى الناس قاطبة.\n\n<span id=\"aya-2907\"></span>﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ في دعواهم ﴿وَجاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن الكريم ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ وهذا أكبر الجهاد، وهو جهاد الحجّة ومنطق القرآن، وليس جهاد القتل والقتال، الذي حصره القرآن الكريم بالقتال الدفاعي فقط.\n\n<span id=\"aya-2908\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسلهما في مجاريهما ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ كمياه الأنهار تصب في البحار ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ مياه البحار ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ حاجزا يفصل بينهما، فلا يتداخلان لمسافات طويلة في عرض البحر ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يحجر بين الماء العذب والماء المالح.\n\n<span id=\"aya-2909\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾","vol":"3","page":180},{"text":"٥٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا﴾ لقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١]، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه ﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ بالغ القدرة في الخلق.\n\n<span id=\"aya-2910\"></span>﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوهام والأوثان والزعامات الدنيوية المؤلهة ﴿ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ لشدة تفاهتهم، ومن ثم تفاهة العقول التي تعبدهم ﴿وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ مظاهرا أي معاونا، يعاون الشيطان على الرحمن، أو هو يعاون المشركين من شياطين الإنس.\n\n<span id=\"aya-2911\"></span>﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها الرسول ﴿إِلاّ مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين.\n\n<span id=\"aya-2912\"></span>﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على البلاغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ شخصي ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ طريقا سويّا، فذلك أجره.\n\n<span id=\"aya-2913\"></span>﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ سبحانه، ولا تلتفت إلى عنادهم ومعارضتهم ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ تنزيهه تعالى عن كل نقص ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ يحاسبهم بها، فالحساب ليس عليك أيها النبي.\n\n<span id=\"aya-2914\"></span>﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾","vol":"3","page":181},{"text":"٥٩ - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ ستة حقب زمنية، لأن اليوم مطلق الزمن ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن سيطرته وتدبيره، و﴿ثُمَّ﴾ ليست للتراخي الزمني بل للعطف ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ هو الله تعالى، وسؤاله من خلال وحيه وكتبه.\n\n<span id=\"aya-2915\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ﴾ استكبارا وعتوّا ﴿أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ ونترك آلهتنا ﴿وَزادَهُمْ﴾ الوعظ والإرشاد ﴿نُفُورًا﴾ عن التوحيد وعبادة الله الأحد.\n\n<span id=\"aya-2916\"></span>﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾ من النجوم والكواكب ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ الشمس ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ يعكس ضوء الشمس.\n\n<span id=\"aya-2917\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ يخلف أحدهما الآخر ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ الإعجاز في الخليقة، وتغير الأيام والفصول ﴿أَوْ أَرادَ شُكُورًا﴾ المؤمن يشكر الله تعالى على نعمة اختلاف الليل والنهار.\n\n<span id=\"aya-2918\"></span>﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ (٦٣)\n٦٣ - انتقال الخطاب إلى المؤمنين وصفاتهم:\n﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ يمشون في سكينة ووقار، وعدم الخشونة والفظاظة في تعاملهم مع الناس إذ هم هيّنون في كل أمورهم ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ في تعاملهم مع الآخرين، لا يقابلون الجهل بالجهل.","vol":"3","page":182},{"text":"<span id=\"aya-2919\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا﴾ في صلواتهم.\n\n<span id=\"aya-2920\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عقب صلواتهم، وعلى الدوام ﴿رَبَّنَا اِصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ شرّا دائما، وعذابا لازما للكفار.\n\n<span id=\"aya-2921\"></span>﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿إِنَّها ساءَتْ﴾ أحزنت ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ للكفار المقيمين المستقرين بها.\n\n<span id=\"aya-2922\"></span>﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا﴾ على الآخرين ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾ في إنفاقهم ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يبخلوا ﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ بين الإسراف، وبين البخل في الإنفاق على الآخرين ﴿قَوامًا﴾ وسطا.\n\n<span id=\"aya-2923\"></span>﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ لا يشركون ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ حرّم الله قتلها ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ بسبب من أسباب الحق ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ بما هو محرّم عليهم ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ ممّا ذكر ﴿يَلْقَ أَثامًا﴾ عقابا أليما، والأثام جزاء الإثم.\n\n<span id=\"aya-2924\"></span>﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ بسبب شركهم من جهة، وبسبب سلوكهم المترتب عليه من جهة ثانية ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ في العذاب.","vol":"3","page":183},{"text":"<span id=\"aya-2925\"></span>﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿إِلاّ مَنْ تابَ﴾ عن الشرك ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ صدّق إيمانه بالعمل الصالح، لأنّ الإيمان بلا عمل لا ينفع صاحبه ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ﴾ في الدنيا ﴿حَسَناتٍ﴾ فيمحو سوابق معاصيهم ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ من صفاته الأزلية التي قام بها أمر الكون.\n\n<span id=\"aya-2926\"></span>﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتابًا﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَمَنْ تابَ﴾ عن المعاصي ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ يقرن به إيمانه ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ﴾ يرجع إليه سبحانه ﴿مَتابًا﴾ رجوعا عظيم الشأن.\n\n<span id=\"aya-2927\"></span>﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يقيمون الشهادة الكاذبة، ولا يحضرون مجالس الزور التي يقال فيها الزور على الآخرين ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ بأهل اللغو، وهو لغو الكلام الذي لا طائل منه، عن طريق الصدفة ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ تركوه مكرمين أنفسهم عن الاشتراك فيه، أو عن سماعه.\n\n<span id=\"aya-2928\"></span>﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآنية منها بما فيها من المواعظ والأحكام، والآفاقية بما فيها من حوافز للتفكر في إعجاز الخلق ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا﴾ بل سمعوها سماع فهم، ووعوها وعي تعقّل.\n\n<span id=\"aya-2929\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ بتوفيقهم للطاعة، وقرّة أعين: كناية عن السرور ﴿وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا﴾ بحيث يقتدون بنا في العلم والدين والعمل.","vol":"3","page":184},{"text":"<span id=\"aya-2930\"></span>﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿أُوْلئِكَ﴾ المتصفون بما سبق من الصفات المذكورة ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ الدرجة العالية من منازل الجنة ﴿بِما صَبَرُوا﴾ عليه من التكاليف ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ وهي تحية الملائكة لهم.\n\n<span id=\"aya-2931\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في الدرجة العالية من الجنة ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ للفائزين بها.\n\n<span id=\"aya-2932\"></span>﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿قُلْ﴾ للكفار أيها النبي، أو أيها المؤمن ﴿ما يَعْبَؤُا﴾ لا يعتدّ ولا يكترث ﴿بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ إياه في الشدائد ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أيها الكفار، ولم تعملوا عمل المتقين المذكورين بالآيات (٦٣ - ٧٦)، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ العذاب ﴿لِزامًا﴾ ما لم تتوبوا، فالتوبة سوف تحدد مصيركم في الآخرة.","vol":"3","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3023>سورة الشعراء - ٢٦ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3024>مقدمة</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية، وهي الأولى في مجموعة السور الثلاث:\n(الشعراء - النمل - القصص) التي تبدأ بالحروف المقطعات ﴿طسم﴾ سوى أن سورة النمل تبدأ بحرفي ﴿طس﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-3025>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن بينت سورة الفرقان المتقدمة نزول القرآن الكريم فرقانا للعالمين:\n﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١/ ٢٥)، وأن عامة المسلمين غفلوا عن دراسة القرآن والعمل به: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠/ ٢٥)، وأن الله تعالى صرّف القرآن للناس بحجج متعددة لعلهم يذكّرون: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ (٥٠/ ٢٥)، وحثّهم على مجاهدة الكفار بالحجج القرآنية:\n﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ (٥٢/ ٢٥)، تبدأسورة الشعراء بقوله تعالى: ﴿طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١/ ٢٦ - ٢)، وتصف إعراض الكفار عن الوحي الإلهي: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥/ ٢٦)، وأن القرآن - خلافا لما يتقوّلون - ليس سوى تنزيل من رب العالمين: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٩٢/ ٢٦)، وهنالك إشارات سابقة له في الكتب المتقدمة: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٩٦/ ٢٦)، وممّا لا يعقل ما يدّعون من تنزل الشياطين به: ﴿وَما﴾","vol":"3","page":186},{"text":"﴿تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٢١٠/ ٢٦ - ٢١٢)، كما أنّه بعيد كل البعد عن تقوّل الشعراء:\n﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ (٢٢٤/ ٢٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-3026>محور السورة</span>\nما على الرسول - ومن ثم باقي المؤمنين - إلا البلاغ، فلا على الرسول أن يهلك نفسه غمّا إن لم يؤمن الجميع: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وأن لو شاءتعالى لألجأ الناس إلجاء إلى الإيمان، وعندئذ لا يكون لإيمانهم قيمة أخلاقية من حيث لم يكن نابعا من حرية الخيار: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤).\nوأن المكذّبين دأبوا على الإعراض عن الرسالات السماوية: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥)، فقد كذّبوا موسى وإبراهيم ونوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا، وهي قصصهم السبع التي تتناولها هذه السورة من زوايا متعددة، وتبرز منها نقاطا أساسية في ضعف المجتمعات وأسباب انهيارها.\nففي حالة تكذيب فرعون لموسى تبيّن السورة أن الطغاة لا يستطيعون فهم رغبة المضطهدين بالحرية، فإن ثار المضطهدون على الظلم نسبوا ثورتهم إلى كراهية الضعيف للقوي والحسد له: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ (٥٥)، بل إنهم يرون استعباد الآخرين منّة من طرفهم: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٢)، وتصل بهم ثمالة السلطة إلى ادعاء الألوهية: ﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (٢٩)، وفي قصة إبراهيم تلحظ السورة فساد التقليد، وأن اتّباع ما كان عليه الآباء ليس برهانا بحد ذاته على سلامة العقيدة: ﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٧٤)، وفي قصة نوح تبيّن السورة أن الحكم على إيمان الآخرين يجب أن يكون بحسب الظاهر، والله","vol":"3","page":187},{"text":"وحده يتولّى السرائر: ﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (١١٢ - ١١٣)، وفي قصة هود تأكيد بصورة غير مباشرة على تحريم الجرائم والفظائع التي لامبرر لها في العداوات والحروب، وتشير ضمنيّا إلى أن خوض الحروب أصلا يجب أن يكون مبنيا على اعتبارات أخلاقية: ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (١٣٠)، وأن منكري الآخرة يتوهّمون أنّ أمور الكون تسير عشوائيا: ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١٣٧ - ١٣٨)، وفي قصة صالح مع ثمود تحذير المجرمين والمفسدين من الركون إلى الشعور الزائف بالأمان: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ (١٤٦)، وفي قصة لوط أن الإصرار على الشذوذ يؤول بأصحابه لأوخم العواقب: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٢ - ١٧٣)، وفي قصة شعيب ما يدل أن المجتمعات قد تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم والفساد: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٨١ - ١٨٣).\nوتختم السورة بأن العرب كانوا الأجدر بنزول القرآن الكريم عليهم كونهم أمة أمّية لم يخالطها عصبية مسبقة لرسالات سماوية سابقة انحرفت عن مسارها:\n﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٨ - ١٩٩) لأن إصرار الأعجمين على التمسك بدياناتهم المنحرفة وعلى تقليد أسلافهم سلكهم في أصناف المجرمين: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٠٠)، وأن فساد الأمم البائدة أورثها الهلاك: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ * ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٠٨ - ٢٠٩)، والمصير نفسه ينتظر الظالمين في كل عصر لا محالة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢٢٧).","vol":"3","page":188},{"text":"ونلاحظ أن الآيتين: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تكررت في السورة ثماني مرات، الأولى منها تشير لبعض آيات الآفاق: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٧)، وقد أشار موسى أيضا لآيات الآفاق في حواره مع فرعون بالآيات (٢٣ - ٢٨)، والمرات السبع الباقية تشير للعبر من هلاك الأمم البائدة.\n﷽\n\n<span id=\"aya-2933\"></span>﴿طسم﴾ (١)\n١ - ﴿طسم﴾ الله أعلم بمراده، انظرآية [البقرة ١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-2934\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)\n٢ - ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ آيات هذه السورة، والكتاب المبين هو القرآن، ومع أنه في غاية البيان والإعجاز فهنالك من لم يؤمن منهم.\n\n<span id=\"aya-2935\"></span>﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿لَعَلَّكَ﴾ أيها الرسول ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتلها من شدة الحزن ﴿أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ بسبب إصرارهم على الكفر.\n\n<span id=\"aya-2936\"></span>﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ معجزة مادية، لأنهم عطّلوا عقولهم عن فهم القرآن ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ منقادين، فيؤمنون قسرا، وعندئذ يخلو إيمانهم من كل قيمة أخلاقية طوعيّة.\n\n<span id=\"aya-2937\"></span>﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ وحي، وهو القرآن ﴿مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ جديد ﴿إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ لتشنج عقولهم على التقليد، وإعراضهم عن دراسة القرآن من حيث جدارته.","vol":"3","page":189},{"text":"<span id=\"aya-2938\"></span>﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ ببعثة النبي ﷺ، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ بأنه الحق، وأن ما كانوا يصرّون عليه هو الباطل.\n\n<span id=\"aya-2939\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٧)\n٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ لئن أعرضوا عن القرآن، الآية (٥)، فما بالهم يعرضون عن مثل هذا الإعجاز في الآيات الآفاقية؟.\n\n<span id=\"aya-2940\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الإعجاز ﴿لَآيَةً﴾ رسالة باهرة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مع ذلك.\n\n<span id=\"aya-2941\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره، لا يعجزونه ﴿الرَّحِيمُ﴾ ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم، ولا يأخذهم بغتة بما اجترؤوا عليه من الكفر.\n\n<span id=\"aya-2942\"></span>﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ من أمثال هؤلاء الذين لا يؤمنون، وهذه هي القصة الأولى في هذه السورة من مجموعة سبع قصص، تبيّن جميعا أن رفض رسالات الرسل ظاهرة تكررت في تاريخ الإنسان، مع أنّ وجود الخالق ماثل في مظاهر الخليقة بوضوح.\n\n<span id=\"aya-2943\"></span>﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ عواقب عملهم، في ادعاء فرعون للألوهية.\n\n<span id=\"aya-2944\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ حفاظا على مراكزهم.","vol":"3","page":190},{"text":"<span id=\"aya-2945\"></span>﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ عن مخاطبتهم ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ بالرسالة ﴿فَأَرْسِلْ إِلى﴾ أخي ﴿هارُونَ﴾ يكون معي نبيا آزرني به.\n\n<span id=\"aya-2946\"></span>﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ تبعة ذنب، والمراد به قتله القبطي، وما تلاه من هرب موسى إلى أرض مدين ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به، وبذلك تنتهي رسالتي.\n\n<span id=\"aya-2947\"></span>﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿قالَ كَلاّ﴾ لن يقتلوك ﴿فَاذْهَبا بِآياتِنا﴾ أنت وأخوك ﴿إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ لما سوف يكون من قولهم.\n\n<span id=\"aya-2948\"></span>﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا﴾ كلّ منّا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ربك ورب آبائك الأولين.\n\n<span id=\"aya-2949\"></span>﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أطلقهم من العبودية.\n\n<span id=\"aya-2950\"></span>﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿قالَ﴾ فرعون لموسى ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا﴾ صغيرا ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ والمعنى أنك تقابل هذه المنّة بالجحود.\n\n<span id=\"aya-2951\"></span>﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ بقتل القبطي ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ بنعمتي عليك.\n\n<span id=\"aya-2952\"></span>﴿قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠)﴾","vol":"3","page":191},{"text":"٢٠ - ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذًا﴾ تلك الفعلة ﴿وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ بعد قتله القبطي شعر موسى فجأة أنه اقترف خطأ جسيما.\n\n<span id=\"aya-2953\"></span>﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ﴾ بعد مقتل القبطي توقعت مكروها منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ حكمة ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ نبيا من المرسلين إليك، وهكذا فالحكمة تسبق النبوة.\n\n<span id=\"aya-2954\"></span>﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ذلّلتهم واتخذتهم عبيدا.\n\n<span id=\"aya-2955\"></span>﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ مستفهما ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ الذي تزعم أنه أرسلك إلينا؟\n\n<span id=\"aya-2956\"></span>﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا﴾ المعنى بدليل خلقه المستمر في كلّ ما هو موجود، وهذا هو بيت القصيد من الحوار، بل من تكرار القصة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ إن كنتم مستعدّين للتفكّر في ذلك، ثم اليقين به.\n\n<span id=\"aya-2957\"></span>﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من حاشيته ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ لما يقول هذا المدّعي.\n\n<span id=\"aya-2958\"></span>﴿قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ بما لا يقبل الشك.\n\n<span id=\"aya-2959\"></span>﴿قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾","vol":"3","page":192},{"text":"٢٧ - ﴿قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ المعنى؛ به من الجنون ما يتجرأ به أن يتحدى ألوهية فرعون، ويدّعي أنه رسول.\n\n<span id=\"aya-2960\"></span>﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ هو وحده القادر على تدبير الكون، ومنه دوران الأرض حول الشمس والشروق والغروب ﴿وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كنتم من أهل العقل علمتم صحة ما أقول، والمعنى أن فرعون وملأه بمعزل عن دائرة العقل، وأنهم الأحق بتهمة الجنون التي رموه بها.\n\n<span id=\"aya-2961\"></span>﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ انتقل فرعون من الجدال والمحاجّة إلى التخويف بالسجن.\n\n<span id=\"aya-2962\"></span>﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أتجعلني من المسجونين إن اتخذت إلها غيرك ولو جئتك بمعجزة مادية تشاهدها بعينك؟\n\n<span id=\"aya-2963\"></span>﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعوى الرسالة.\n\n<span id=\"aya-2964\"></span>﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ لمغزى تحول العصا إلى ثعبان عند المصريين انظر شرح آية [الأعراف ١٠٧/ ٧].\n\n<span id=\"aya-2965\"></span>﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ بياضا نورانيا.\n\n<span id=\"aya-2966\"></span>﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾","vol":"3","page":193},{"text":"٣٤ - ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ أشراف قومه وحاشيته ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ متمكّن في علم السحر، لأن الزمن كان زمن السحرة، حتى إن كهنة معبد أمون في العاصمة المصرية كانوا كلهم من السحرة.\n\n<span id=\"aya-2967\"></span>﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ لم يفهم فرعون من دعوة موسى سوى أنه بإنكاره ألوهية فرعون التي يدعي أنه يحكم مصر بموجبها، جاء لينافسه على حكم مصر، لما في دعوته من تحدّ للنظام الفرعوني الديني بأكمله ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ بعد أن استشعر فرعون الخوف من موسى، وخاف أن تقتنع الحاشية بما قام به من معجزات، انتقل من مشورة حاشيته إلى طلب الأمر منهم.\n\n<span id=\"aya-2968\"></span>﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ أي أخّر أمرهما ﴿وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ﴾ شرطتك أو أعوانك ﴿حاشِرِينَ﴾ يحشرون لك السحرة.\n\n<span id=\"aya-2969\"></span>﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ﴾ مشتغل في السحر ﴿عَلِيمٍ﴾ فائق في علم السحر.\n\n<span id=\"aya-2970\"></span>﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقت الضحى من يوم الزينة.\n\n<span id=\"aya-2971\"></span>﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ الاستفهام مجاز عن الحث والاستعجال، والمقصود أن يعرف الناس على وجه السرعة أن ما جاء به موسى لم يكن سوى سحر سوف يبطلونه.\n\n<span id=\"aya-2972\"></span>﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠)﴾","vol":"3","page":194},{"text":"٤٠ - ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ وهو قول الناس الذين اجتمعوا لمشاهدة المغالبة بين الطرفين.\n\n<span id=\"aya-2973\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ فلو كان سحرهم حقيقيا لما احتاجوا لطلب الأجر من فرعون.\n\n<span id=\"aya-2974\"></span>﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿قالَ نَعَمْ﴾ سنجزل لكم الأجر ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ من بلاط فرعون.\n\n<span id=\"aya-2975\"></span>﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لكي يتوصّل إلى إبطاله.\n\n<span id=\"aya-2976\"></span>﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ تملّقا له وما يزعم في نفسه من الألوهية ﴿إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ فوق موسى.\n\n<span id=\"aya-2977\"></span>﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يأفكون من الكذب، أي ما يصرفون الأمور عن حقيقتها، وهو أن السحرة جعلوا الناس يتخيلون الحبال والعصيّ أنها تتحرك وتسعى، أما عصا موسى فهي ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي تتناوله وتزيله بسرعة وتظهر بطلانه، فرأى الناس تلك الحبال والعصيّ على حقيقتها لا تسعى ولا تتحرك، وليس المعنى أن عصا موسى ابتلعتها، بل إنها أزالت أحابيل السحرة بسرعة، وهو معنى اللقف، والخلاصة أن السحر العظيم الذي جاء به السحرة لم يكن سوى إفك، أي خيال وكذب","vol":"3","page":195},{"text":"ليس من الحقيقة في شيء، وقد نصّت الآية أنّ عصا موسى قد لقفت الإفك وأبطلته، ولم تلقف الحبال والعصي، انظر شرح [الأعراف ١١٧/ ٧].\n\n<span id=\"aya-2978\"></span>﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لم يتمالكوا أنفسهم أن خرّوا ساجدين لما شاهدوه خارجا عن حدود السحر، وعلموا أنه ليس بسحر.\n\n<span id=\"aya-2979\"></span>﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وهو بالطبع ليس فرعون.\n\n<span id=\"aya-2980\"></span>﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ الذي بعثهما بالرسالة.\n\n<span id=\"aya-2981\"></span>﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ موسى ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ تواطأتم معه على هذه النتيجة ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة عملكم ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ بسبب مخالفتكم أمري ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على كثرتكم.\n\n<span id=\"aya-2982\"></span>﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ لا ضرر علينا ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ يحكم بيننا وبينك، والعاقبة للمتقين.\n\n<span id=\"aya-2983\"></span>﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾ وما أكرهتنا عليه من الكفر والسحر ﴿أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من رعية فرعون.\n\n<span id=\"aya-2984\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾","vol":"3","page":196},{"text":"٥٢ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ من بني إسرائيل ومن آمن معهم من المصريين ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ سوف يتّبعكم فرعون وجنوده بعد أن أصرّ على رفض بعثة موسى إليه.\n\n<span id=\"aya-2985\"></span>﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ﴾ في مدن مصر ﴿حاشِرِينَ﴾ يحشدون الجند.\n\n<span id=\"aya-2986\"></span>﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ من بني إسرائيل ومن تبعهم ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ طائفة خسيسة من الناس ﴿قَلِيلُونَ﴾ لا يعتدّ بهم.\n\n<span id=\"aya-2987\"></span>﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ يحسدوننا على ما نحن فيه من النّعم، فاعلون ما يغيظنا والخروج علينا ومخالفة أمرنا، وهكذا يبين لنا القرآن الكريم أن الأمم المهيمنة لا تستطيع فهم رغبة الأقليات التي تحت سيطرتها بالحرية، فقد رزح بنو إسرائيل تحت حكم الفراعنة قرابة ثلاثة قرون بعد زمن يوسف ورحيل الهكسوس من مصر، وقد برر فرعون رغبة بني إسرائيل بالخروج بأنهم يكرهون المصريين.\n\n<span id=\"aya-2988\"></span>﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أي من مكائدهم.\n\n<span id=\"aya-2989\"></span>﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ﴾ أي فرعون وجنوده ﴿مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ كانت لهم على ضفاف النيل.\n\n<span id=\"aya-2990\"></span>﴿وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾","vol":"3","page":197},{"text":"٥٨ - ﴿وَكُنُوزٍ﴾ كانت لهم ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ في قصورهم.\n\n<span id=\"aya-2991\"></span>﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ لأن بني إسرائيل حملوا بعض هذه الكنوز معهم إلى سيناء، كما ورثوا مثلها بعد أن استقر المقام لهم في فلسطين.\n\n<span id=\"aya-2992\"></span>﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ لحقوا بهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس.\n\n<span id=\"aya-2993\"></span>﴿فَلَمّا تَراءَ االْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿فَلَمّا تَراءَ االْجَمْعانِ﴾ صاروا على مرأى، كل واحد منهم من الآخر ﴿قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ سوف يدركنا فرعون وجنوده.\n\n<span id=\"aya-2994\"></span>﴿قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ إلى طريق النجاة.\n\n<span id=\"aya-2995\"></span>﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ وهو البحر الأحمر عند خليج السويس، ما بين السويس والإسماعيلية جاوزوه إلى شبه جزيرة سيناء ﴿فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ وقيل: إنّ العبور كان عند البحيرات المرّة.\n\n<span id=\"aya-2996\"></span>﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ فرعون وجنوده، قرّبناهم من موسى وجمعه، حتى يلحقوا بهم في البحر.\n\n<span id=\"aya-2997\"></span>﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥)﴾","vol":"3","page":198},{"text":"٦٥ - ﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أخرجناهم من البحر بعد فلقه.\n\n<span id=\"aya-2998\"></span>﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ فرعون وجنوده بإطباق البحر عليهم بعد نجاة موسى وبني إسرائيل.\n\n<span id=\"aya-2999\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ معجزة عظيمة ورسالة للناس ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ من قوم فرعون.\n\n<span id=\"aya-3000\"></span>ومن الناس عامة، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ يمهل الكفار ولا يؤاخذهم، ولا يأخذهم بغتة بما اجترؤوا عليه من الكفر.\n\n<span id=\"aya-3001\"></span>﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ وهي القصة الثانية في هذه السورة.\n\n<span id=\"aya-3002\"></span>﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ المعنى ما تعبدونه، هل يستحق العبادة منكم؟\n\n<span id=\"aya-3003\"></span>﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ إظهارا لما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار بعبادتها.\n\n<span id=\"aya-3004\"></span>﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ هل يسمعون دعاءكم إذا دعوتموهم؟\n\n<span id=\"aya-3005\"></span>﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾","vol":"3","page":199},{"text":"٧٣ - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ هل يقدرون على إيصال النفع أو الضرر إليكم؟\n\n<span id=\"aya-3006\"></span>﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فدرجنا على تقليدهم، والآية من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالدلائل.\n\n<span id=\"aya-3007\"></span>﴿قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ من الأصنام؟\n\n<span id=\"aya-3008\"></span>﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ فالباطل لا يتغير قديما كان أم حديثا.\n\n<span id=\"aya-3009\"></span>﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ أي هذه الأصنام ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ فهو ربّي ومتولّي شؤوني.\n\n<span id=\"aya-3010\"></span>﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى الحق ولا يتركني أتخبط في أموري.\n\n<span id=\"aya-3011\"></span>﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ فيتكفل بأبسط أمور معاشي.\n\n<span id=\"aya-3012\"></span>﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وليس ذلك إلى غيره البتة.\n\n<span id=\"aya-3013\"></span>﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ للبعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-3014\"></span>﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾","vol":"3","page":200},{"text":"٨٢ - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فيتجاوز عن سيئاتي، ويثيبني على حسناتي، وذلك من باب الطمع ليس غير، ولمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي، لا أن تغفرها بشفاعة شافع، وقد نسب إلى نفسه الخطيئة مع أنّ الأنبياء منزهون عن الخطايا.\n\n<span id=\"aya-3015\"></span>﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ حكمة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أعمل بالحكمة عمل الصالحين.\n\n<span id=\"aya-3016\"></span>﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿وَاِجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي خلّد صيتي وذكري الجميل في الدنيا، ثم تحقّق ذلك ببعثة النبي محمد ﷺ، جدّد ديانة إبراهيم، وقد اتفق أهل الأديان من يهود ونصارى على حبه واعتباره جدهم الأكبر.\n\n<span id=\"aya-3017\"></span>﴿وَاِجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَاِجْعَلْنِي﴾ في الآخرة ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3018\"></span>﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ امنن عليه بتوبة تستحق المغفرة، ووفقه للإيمان.\n\n<span id=\"aya-3019\"></span>﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ بتعذيب أبي أو ببعثه في عداد الضالين بعدم توفيقه للإيمان، أو على ما فرطت من واجباتي ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ الناس كافة.\n\n<span id=\"aya-3020\"></span>﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾ وإن كان مصروفا في الدنيا إلى وجوه البر والخير ﴿وَلا بَنُونَ﴾ وإن كانوا صالحين مستأهلين أحدا للشفاعة.","vol":"3","page":201},{"text":"<span id=\"aya-3021\"></span>﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قلبه سليم من مرض الكفر والنفاق، ومن فتنة المال والولد.\n\n<span id=\"aya-3022\"></span>﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يوم تصبح قريبة جدّا منهم.\n\n<span id=\"aya-3023\"></span>﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ أصبحت بارزة على مرأى واضح من الغاوين الضالين عن طريق الحق.\n\n<span id=\"aya-3024\"></span>﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ في دنياكم من دون الله؟ من آلهتكم الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم في هذا الموقف؟\n\n<span id=\"aya-3025\"></span>﴿مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع ما تشاهدون من عذاب الجحيم؟ ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لأنفسهم؟ فهم أعجز من ذلك.\n\n<span id=\"aya-3026\"></span>﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ ألقوا في الجحيم، مرة بعد أخرى، أي الآلهة وعبدتهم، لأن الكبكبة تكرار الكبّ ﴿هُمْ﴾ أي الآلهة من الزعماء مدّعي الألوهية ﴿وَالْغاوُونَ﴾ عبدتهم من الضالين وسائر المشركين.\n\n<span id=\"aya-3027\"></span>﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ من شياطين الإنس، انظر قوله تعالى:\n﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢/ ٦].\n\n<span id=\"aya-3028\"></span>﴿قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦)﴾","vol":"3","page":202},{"text":"٩٦ - ﴿قالُوا﴾ العبدة الغاوون ﴿وَهُمْ فِيها﴾ في جهنم ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يخاصمون من معهم من شياطين الإنس والجن.\n\n<span id=\"aya-3029\"></span>﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٩٧)\n٩٧ - ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ للمبالغة في إظهار حسرتهم وندمهم.\n\n<span id=\"aya-3030\"></span>﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ سوّيناكم أيها الأصنام، وأيها الزعماء المؤلّهين أنفسهم، في استحقاق العبادة مع رب العالمين الذي أنتم أدنى وأعجز مخلوقاته.\n\n<span id=\"aya-3031\"></span>﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب ٦٧/ ٣٣].\n\n<span id=\"aya-3032\"></span>﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ إذ لم تشفع لهم آلهتهم المزعومة شيئا، فهم متلهّفون متأسّفون على فقد شفيع يشفع لهم.\n\n<span id=\"aya-3033\"></span>﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ يشفع لنا.\n\n<span id=\"aya-3034\"></span>﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً﴾ نعود فيها إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المقبول إيمانهم.\n\n<span id=\"aya-3035\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾","vol":"3","page":203},{"text":"١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ فيما ذكرته الآيات (٨٨ - ١٠٢) من ندم الغاوين، وتخاصمهم مع عبدتهم من الآلهة المزعومة ﴿لَآيَةً﴾ رسالة وعبرة لمن يعتبر ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بل أكثر الناس مكابرون معاندون.\n\n<span id=\"aya-3036\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ وسعت رحمته كل شيء، يمهل الغاوين للتوبة ولا يباغتهم بالعذاب، انظر [الأعراف ١٥٦/ ٧].\n\n<span id=\"aya-3037\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة الثالثة، والمعنى أنهم كذّبوا الرسل من قبله، إذ لم يكن أوّل مبعوث فيهم.\n\n<span id=\"aya-3038\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ أي نسيبهم، كما يقال يا أخا العرب ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ الله بعد أن بعثت الرسل فيكم؟\n\n<span id=\"aya-3039\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله بعثت لمصلحكم ﴿أَمِينٌ﴾ مشهور بالأمانة بينكم.\n\n<span id=\"aya-3040\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من التوحيد.\n\n<span id=\"aya-3041\"></span>﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أنا متصدّ له من الدعاء والنصح لكم، فلا أطلب مالا ولا أجرا منكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى.","vol":"3","page":204},{"text":"<span id=\"aya-3042\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١١٠)\n١١٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ التكرار، لأنه في الآية (١٠٧) أخبرهم أنه رسول أمين، يدعوهم إلى التوحيد، ما يوجب تقوى الله وطاعة نوح، وفي الآية (١٠٩) أخبرهم أنّ أجره على الله، ما يوجب أيضا تقوى الله وطاعة نوح.\n\n<span id=\"aya-3043\"></span>﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (١١١)\n١١١ - ﴿قالُوا﴾ لسخافة عقولهم، وافتخارا بأنفسهم واستكبارا ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ الأرذلون جمع الأرذل، وقد يكون استرذالهم المؤمنين بنوح لقلّة نصيبهم من الدنيا، إذ ليسوا من كبار القوم، والمعنى؛ اتّبعك الفقراء أصحاب الصناعات الدنيئة، مع أنّ الفقر ليس من الرذالة في شيء، وقد يكون:\nإنهم استرذلوا المؤمنين بنوح، ﵇، لما شاهدوه قبلا من سوء عملهم، ويدل عليه جواب نوح بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-3044\"></span>﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل إيمانهم؟ أي ما وظيفتي إلاّ النظر في الظاهر، فأنا لا أشقّ صدورهم، ولا أبحث عن دوافعهم، ولا أتجسّس عليهم، ولا أفتّش عن البواطن.\n\n<span id=\"aya-3045\"></span>﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿إِنْ حِسابُهُمْ﴾ حسابهم على السوء الذي كانوا يعملون، حسب زعمكم ﴿إِلاّ عَلى رَبِّي﴾ العالم ببواطن الأمور، والحساب على البواطن من شؤونه ﷿، وليس من شأني ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك.\n\n<span id=\"aya-3046\"></span>﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأنا أحكم على الظاهر، والله تعالى يتولّى السرائر.","vol":"3","page":205},{"text":"<span id=\"aya-3047\"></span>﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ للناس، سواء كانوا من الأشرفين أو الأرذلين، فلا أسترضيكم بطرد ضعاف المؤمنين. وهنا نلاحظ قاعدة قرآنية هامة جدا، وهي أن ليس للإنسان أن يحكم على معتقد الآخرين منقّبا عن دوافعهم، بل يقبل الظاهر منهم، والله تعالى يتولّى سرائرهم.\n\n<span id=\"aya-3048\"></span>﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ﴾ عمّا أنت عليه من دعوتنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ توعّدوه بالقتل رجما.\n\n<span id=\"aya-3049\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أصرّوا على تكذيبي طيلة هذه السنين، فلم يزدهم دعائي إلاّ فرارا.\n\n<span id=\"aya-3050\"></span>﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ احكم بيننا بما يستحقه كل واحد منّا من الفتاحة أي الحكم ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من سوء قصدهم وشؤم أعمالهم.\n\n<span id=\"aya-3051\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ استجابة لدعائه، ولعلمه تعالى أنه لا يؤمن من قوم نوح إلاّ من قد آمن ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة بالمؤمنين، وما يحتاجون إليه من مؤن وحيوانات.\n\n<span id=\"aya-3052\"></span>﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ﴾ (١٢٠)\n١٢٠ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ﴾ بعد إنجائهم ﴿الْباقِينَ﴾ من قومه الذين أصرّوا على الكفر، والآية دالّة أنّ الغرق اقتصر على الكفار الباقين، ولم يعمّ الخليقة","vol":"3","page":206},{"text":"كلها كما تدّعي كتب العهد القديم، والقصة مذكورة بتفصيل في سورة [هود ٢٥/ ١١ - ٤٨].\n\n<span id=\"aya-3053\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٢١)\n١٢١ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ رسالة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما أكثر الناس بمؤمنين مع ذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢].\n\n<span id=\"aya-3054\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٢٢)\n١٢٢ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب القاهر على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأن أمهل العباد للتوبة ولم يعاجلهم بالأخذ.\n\n<span id=\"aya-3055\"></span>﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة الرابعة، وفيها تكذيب قوم عاد للرسل، قبل بعثة هود، انظر شرح [الأعراف ٦٥/ ٧].\n\n<span id=\"aya-3056\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم فيه من الشرك والفساد.\n\n<span id=\"aya-3057\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٢٥)\n١٢٥ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من الله ﴿أَمِينٌ﴾ أمانتي معروفة لديكم.\n\n<span id=\"aya-3058\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٢٦)\n١٢٦ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من التوحيد.\n\n<span id=\"aya-3059\"></span>﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى على عباده.","vol":"3","page":207},{"text":"<span id=\"aya-3060\"></span>﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ الريع؛ المرتفع من الأرض بين هضبتين ﴿آيَةً﴾ علامات وثنية ومذابح تقدم بها القرابين إلى الآلهة القبلية المزعومة ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بادعاء أنها آلهة تستحق العبادة؟\n\n<span id=\"aya-3061\"></span>﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾ خزانات للمياه في تلك المرتفعات ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ تطمحون للخلود، وتتناسون الموت والمعاد.\n\n<span id=\"aya-3062\"></span>﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (١٣٠)\n١٣٠ - ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ﴾ في الحروب ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بلا رحمة وبلا أي رادع أخلاقي، وفي هذه الآية دلالة قرآنية على أن الحروب ليس لها مبرر سوى أن تكون عادلة وذات ضرورة أخلاقية، وليست لمجرد البطش والانتقام.\n\n<span id=\"aya-3063\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٣١)\n١٣١ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه من العدالة وعدم التجبّر.\n\n<span id=\"aya-3064\"></span>﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ﴾ (١٣٢)\n١٣٢ - ﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ﴾ من متاع الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3065\"></span>﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ (١٣٣)\n١٣٣ - ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ ممّا لا تشكرون نعمه عليكم.\n\n<span id=\"aya-3066\"></span>﴿وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ لقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٧/ ٨٩ - ٨].\n\n<span id=\"aya-3067\"></span>﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾","vol":"3","page":208},{"text":"١٣٥ - ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ بجحودكم نعمه تعالى.\n\n<span id=\"aya-3068\"></span>﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ (١٣٦)\n١٣٦ - ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ فنحن آذان صمّاء، لا نعود عمّا نحن عليه، قالوه استخفافا بدعوته وعدم المبالاة به.\n\n<span id=\"aya-3069\"></span>﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣٧)\n١٣٧ - ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ نحيا ونموت كما مات الأوّلون، فلا بعث ولا حساب، وأما هذا الذي نحن عليه من العبادات فهو من عادة الأوّلين من الآباء والأجداد نتّبعهم على ما كانوا عليه، ونقلّدهم، ويحتمل المعنى أيضا:\nإنّ ما تقوله ليس سوى اختلاق أناس من الأوّلين درجوا على الكذب.\n\n<span id=\"aya-3070\"></span>﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١٣٨)\n١٣٨ - ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فليس من بعث ولا حساب، سوى هذه الحياة الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3071\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٩)\n١٣٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ﴾ بتكذيبهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ الرسالة المشار إليها بالآيات (١٢٨ - ١٣٠) وهي السعي وراء الأمجاد الفارغة ببناء الأضرحة والطموح إلى الخلود والتجبّر والبطش بالآخرين ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ رغم بعثة هود إليهم.\n\n<span id=\"aya-3072\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٤٠)\n١٤٠ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ لا يترك عباده بلا هداية، ولا يعذبهم قبل أن تبلغهم الرسالة.\n\n<span id=\"aya-3073\"></span>﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾","vol":"3","page":209},{"text":"١٤١ - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ كذّبوا صالحا كما كذّبوا المرسلين من قبله، وهذه القصة الخامسة، انظر شرح آية [الأعراف ٧٣/ ٧ - ٧٤].\n\n<span id=\"aya-3074\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٤٢)\n١٤٢ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نبيّهم ﴿صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم فيه من الشرك والضلال؟\n\n<span id=\"aya-3075\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٤٣)\n١٤٣ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قد عهدتم أمانتي فيكم.\n\n<span id=\"aya-3076\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٤٤)\n١٤٤ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما جئتكم به من الدعوة.\n\n<span id=\"aya-3077\"></span>﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٤٥)\n١٤٥ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ما أنا عليه من دعوتكم إلى الله ﴿مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى.\n\n<span id=\"aya-3078\"></span>﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ (١٤٦)\n١٤٦ - ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ تظنّون أن هذا الرخاء الذي تنعمون به، يدوم فيكم إلى الأبد؟ دون أن تؤدّوا حقّه؟ وتشكروا نعمه؟\n\n<span id=\"aya-3079\"></span>﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٤٧)\n\n<span id=\"aya-3080\"></span>﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ (١٤٨)\n١٤٧ - ١٤٨ - ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ النخل الهضيم الداخل بعضه في بعض، وقيل المتدلّي لكثرة ثمره، وقيل هو الناضج من الرطب، وأفرد ذكر النخل لكونه عزيزا عندهم بفضله على سائر الشجر.\n\n<span id=\"aya-3081\"></span>﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ (١٤٩)\n١٤٩ - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ الفاره الحاذق بالشيء، والمعنى؛ تظنّون أنّ بإمكانكم الاستمرار في نحت بيوتكم في الجبال بالحذاقة","vol":"3","page":210},{"text":"ذاتها؟ فقد تتدهور حضارتكم؟ كما حدث بعد ذلك للنبطيين أصحاب الحجر، انظر شرح آية [الأعراف ٧٤/ ٧].\n\n<span id=\"aya-3082\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٥٠)\n١٥٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ في دعوتي لكم.\n\n<span id=\"aya-3083\"></span>﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٥١)\n\n<span id=\"aya-3084\"></span>﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (١٥٢)\n١٥١ - ١٥٢ - ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ كونهم يرون الحياة الدنيا منتهى أملهم.\n\n<span id=\"aya-3085\"></span>﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (١٥٣)\n١٥٣ - ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ غلب السحر على عقولكم، حتى تطرّق إليها الخلل.\n\n<span id=\"aya-3086\"></span>﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٥٤)\n١٥٤ - ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ تدّعي ما تدّعيه من النبوّة ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ معجزة مادية، أو علامة ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وهكذا استنفدوا مع نبيهم مرحلة النقاش، وتجاوزوها إلى التحديّ.\n\n<span id=\"aya-3087\"></span>﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١٥٥)\n١٥٥ - ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ﴾ لا مالك لها سوى الله ﴿لَها شِرْبٌ﴾ وهو حقّها في الشرب من العين كغيرها من النوق ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يوم يشرب قطيعكم من النوق، فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموها على شربها.\n\n<span id=\"aya-3088\"></span>﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥٦)\n١٥٦ - ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ من عذاب الدنيا قبل الآخرة.","vol":"3","page":211},{"text":"<span id=\"aya-3089\"></span>﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ (١٥٧)\n١٥٧ - ﴿فَعَقَرُوها﴾ بطريقة وحشية، انظر [الأعراف ٧٧/ ٧]، إمعانا في إيذاء مخلوقات الله السائبة ﴿فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ على فعلتهم بعد فوات الأوان.\n\n<span id=\"aya-3090\"></span>﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٥٨)\n١٥٨ - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ انظرآية [الأعراف ٧٨/ ٧]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ فيمن يمنع الخير عن مخلوقات الله السائبة ما فيه دلالة على سوء الجبلّة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ برسالة صالح.\n\n<span id=\"aya-3091\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٥٩)\n١٥٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ سبقت رحمته غضبه، انظر [الأعراف ١٥٦/ ٧].\n\n<span id=\"aya-3092\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٦٠)\n١٦٠ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة السادسة، انظر تفصيلها في سورة [هود ٦٩/ ١١ - ٨٣].\n\n<span id=\"aya-3093\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٦١)\n١٦١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نبيّهم ﴿لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم عليه من الشذوذ؟\n\n<span id=\"aya-3094\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٦٢)\n١٦٢ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عهدتم أمانتي فيكم.\n\n<span id=\"aya-3095\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٦٣)\n١٦٣ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه من الصلاح وهجر الشذوذ.\n\n<span id=\"aya-3096\"></span>﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤)﴾","vol":"3","page":212},{"text":"١٦٤ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أدعوكم إليه من الاستقامة ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى.\n\n<span id=\"aya-3097\"></span>﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٥)\n١٦٥ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ جمع ذكر، فكأنّ الأناث قد أعوزتكم؟ ﴿مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من بني آدم؟\n\n<span id=\"aya-3098\"></span>﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ (١٦٦)\n١٦٦ - ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ للاستمتاع بهنّ على النحو الطبيعي الموافق للفطرة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ متجازون الحدّ في المعاصي، ومتجاوزون حد الشهوة بما لم تعهده الحيوانات.\n\n<span id=\"aya-3099\"></span>﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (١٦٧)\n١٦٧ - ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ عن موعظتك لنا وتوبيخنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ المنفيين من مجتمعنا.\n\n<span id=\"aya-3100\"></span>﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (١٦٨)\n١٦٨ - ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ من المبغضين لعملكم غاية البغض، لأنّ قلى بمعنى أبغض.\n\n<span id=\"aya-3101\"></span>﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٩)\n١٦٩ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ من الخبائث، ومن شؤم عملهم، ومن عذابه الدنيوي.\n\n<span id=\"aya-3102\"></span>﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (١٧٠)\n\n<span id=\"aya-3103\"></span>﴿إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ﴾ (١٧١)\n١٧٠ - ١٧١ - ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ﴾ العجوز هي امرأته كانت كافرة مائلة إلى قومها راضية بفعلهم، فكانت من الغابرين أي من الهالكين، انظر قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣].","vol":"3","page":213},{"text":"<span id=\"aya-3104\"></span>﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ (١٧٢)\n\n<span id=\"aya-3105\"></span>﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٣)\n١٧٢ - ١٧٣ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أهلكناهم أشد الهلاك وأفظعه، والمطر هو الغبار البركاني، انظر [الأعراف ٨٠/ ٧ - ٨٤] و[هود ٦٩/ ١١ - ٨٣].\n\n<span id=\"aya-3106\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٤)\n١٧٤ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الإهلاك الفظيع ﴿لَآيَةً﴾ رسالة للمجتمعات التي تقبل بالشذوذ عمّا ينافي الفطرة السليمة ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أكثر الكفار المصرّين على الشذوذ، كما هي الحال اليوم في بعض مجتمعات الغرب، وفي الكنيسة المسيحية التي جعلت الشذوذ شرعيا.\n\n<span id=\"aya-3107\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٧٥)\n١٧٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بإمهال عباده للتوبة.\n\n<span id=\"aya-3108\"></span>﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٧٦)\n١٧٦ - ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ الأيكة الغيضة التي تنبت ناعم الشجر، وأصحاب الأيكة أهل مدين ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذه القصة السابعة، انظر تفصيلها في سورة [الأعراف ٨٥/ ٧ - ٩٣] و[هود ٨٤/ ١١ - ٩٥].\n\n<span id=\"aya-3109\"></span>﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٧٧)\n١٧٧ - ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ الغش في معاملاتكم التجارية مع الآخرين؟\n\n<span id=\"aya-3110\"></span>﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٧٨)\n١٧٨ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عهدتم أمانتي فيكم.","vol":"3","page":214},{"text":"<span id=\"aya-3111\"></span>﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٧٩)\n١٧٩ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم لصلاح مجتمعكم.\n\n<span id=\"aya-3112\"></span>﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨٠)\n١٨٠ - ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على ما أنا من دعوتي لكم بالصلاح ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تفضّلا منه تعالى.\n\n<span id=\"aya-3113\"></span>﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ (١٨١)\n١٨١ - ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتمّوه ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ بإنقاص الأوزان والحقوق، لأنهم اشتهروا بالغش في معاملاتهم التجارية مع الآخرين، وبعضهم مع بعض.\n\n<span id=\"aya-3114\"></span>﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (١٨٢)\n١٨٢ - ﴿وَزِنُوا﴾ الموزونات والحقوق ﴿بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بالميزان السوي.\n\n<span id=\"aya-3115\"></span>﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٨٣)\n١٨٣ - ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم شيئا من حقوقهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بأكل حقوق الناس، والرشوة والفساد.\n\n<span id=\"aya-3116\"></span>﴿وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٨٤)\n١٨٤ - ﴿وَاِتَّقُوا﴾ الله ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ خلقكم، وخلق الأجيال الأوّلين من قبلكم.\n\n<span id=\"aya-3117\"></span>﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (١٨٥)\n١٨٥ - ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ تطرّق السحر إليك، حتى اختلّ عقلك.\n\n<span id=\"aya-3118\"></span>﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦)﴾","vol":"3","page":215},{"text":"١٨٦ - ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ تريد أن تتفضّل علينا وتتزعمنا ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في دعواك.\n\n<span id=\"aya-3119\"></span>﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٨٧)\n١٨٧ - ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ قطعا ﴿مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك أنك نبي مرسل، وهذا غاية مراحل التحدي.\n\n<span id=\"aya-3120\"></span>﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨٨)\n١٨٨ - ﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم به في وقته المقدّر، وليس ذلك إليّ.\n\n<span id=\"aya-3121\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٨٩)\n١٨٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ يوم الرماد البركاني ﴿إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ بما أخذهم فيه من الزلزلة وانتشار الحمم البركانية، والرماد البركاني في الجو، انظر [الأعراف ٩١/ ٧].\n\n<span id=\"aya-3122\"></span>﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٠)\n١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ رسالة للمجتمعات التي ينتشر فيها الفساد والرشوة وبخس الحقوق، فينطبق عليها قوله تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود ١١٧/ ٧]، أي إن كان الصلاح سائدا بينهم وإن كانوا على الكفر، فالله تعالى يمهلهم لفرط مسامحته تعالى في حقوقه، وأما حقوق العباد فلا ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بل كانوا على الكفر.\n\n<span id=\"aya-3123\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٩١)\n١٩١ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم عباده بما فيه مصلحتهم، ويمهلهم للتوبة.\n\n<span id=\"aya-3124\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢)﴾","vol":"3","page":216},{"text":"١٩٢ - بعد انتهاء القصص السبع تعود السورة إلى ما بدأت به في قوله تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥):\n﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن الكريم ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وحيا من الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-3125\"></span>﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١٩٣)\n١٩٣ - ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ جبريل ﵇.\n\n<span id=\"aya-3126\"></span>﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٩٤)\n١٩٤ - ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيّها النبي ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ تنذر الناس بالبعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-3127\"></span>﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٩٥)\n١٩٥ - ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ اقتضت رسالة القرآن أن تكون باللسان العربي المبين، لأنهانزلت على العرب أولا، ولا يمنع ذلك أنها رسالة عالمية للناس كافة.\n\n<span id=\"aya-3128\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٩٦)\n١٩٦ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ القرآن الكريم ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ جاء ذكره، والنبوءة بنزوله في كتب الأولين، ومن ذلك سفر التثنية من العهد القديم (١٥/ ١٨) و(١٨/ ١٨).\n\n<span id=\"aya-3129\"></span>﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٩٧)\n١٩٧ - ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ الذين ينكرون نبوّة محمد ﷺ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أن يعلموا أن القرآن وحي من الله تعالى، نزّله على نبيّه محمد ﷺ، ومن ثمّ دخل العديد منهم في الإسلام.\n\n<span id=\"aya-3130\"></span>﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾","vol":"3","page":217},{"text":"١٩٨ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ من مجتمعات الروم التي كانت تدين بالمسيحية.\n\n<span id=\"aya-3131\"></span>﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٩)\n١٩٩ - ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ أي لشدة تعصبهم وتمسكهم بالتقليد، بالمقارنة مع ما كانت عليه جزيرة العرب من الانفتاح والحرية الفكرية.\n\n<span id=\"aya-3132\"></span>﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٠٠)\n٢٠٠ - ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ﴾ أي التكذيب بالقرآن ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ المصرّين على الكفر والتقليد، وذلك بمحض اختيارهم ولسوء جبلّتهم، وليس بأن الله تعالى فرض عليهم التكذيب ابتداء.\n\n<span id=\"aya-3133\"></span>﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢٠١)\n٢٠١ - ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ في الدنيا قبل الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3134\"></span>﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٠٢)\n٢٠٢ - ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه.\n\n<span id=\"aya-3135\"></span>﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ (٢٠٣)\n٢٠٣ - ﴿فَيَقُولُوا﴾ تحسّرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للإمهال ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ الإنظار: الإمهال، والمعنى هل هنالك من مهلة لنا؟ نعود بها إلى الدنيا؟\n\n<span id=\"aya-3136\"></span>﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢٠٤)\n٢٠٤ - ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ يطلبونه قبل الأوان؟\n\n<span id=\"aya-3137\"></span>﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)﴾","vol":"3","page":218},{"text":"٢٠٥ - ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ أيها المؤمن، وأيها القارئ القرآن؟ ﴿إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾ في هذه الحياة الدنيا؟\n\n<span id=\"aya-3138\"></span>﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٢٠٦)\n٢٠٦ - ﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ من عذاب الدنيا قبل الآخرة؟\n\n<span id=\"aya-3139\"></span>﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٢٠٧)\n٢٠٧ - ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أي شيء أو أي غناء أغنى عنهم متاعهم السابق في الدنيا؟\n\n<span id=\"aya-3140\"></span>﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ (٢٠٨)\n٢٠٨ - ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ من مجتمع من المجتمعات ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ من الرسل، أنذروا أهلها إلزاما للحجة عليهم.\n\n<span id=\"aya-3141\"></span>﴿ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٠٩)\n٢٠٩ - ﴿ذِكْرى﴾ أي لتذكيرها ذكرى، للمجتمعات التي هلكت ﴿وَما كُنّا﴾ لها ﴿ظالِمِينَ﴾ فليس من شأننا أن يصدر الظلم عنّا - بمقتضى الحكمة - بأن نهلك أحدا قبل إنذاره، أو أن نعاقب من لم يظلم، وهي إشارة إلى الأقوام السبعة التي هلكت.\n\n<span id=\"aya-3142\"></span>﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ (٢١٠)\n٢١٠ - ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ أي القرآن الكريم ﴿الشَّياطِينُ﴾ كما يزعمون، لأنهم نسبوا نزول القرآن إلى الكهانة والسحر لقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩/ ٥٢]، وفي ذلك عودة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٩٢).\n\n<span id=\"aya-3143\"></span>﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾","vol":"3","page":219},{"text":"٢١١ - ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ لا يصح ولا يستقيم لهم ذلك ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ وما يقدرون على ذلك أصلا.\n\n<span id=\"aya-3144\"></span>﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٢١٢)\n٢١٢ - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ عن سماع الوحي ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾، لقوله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن ٨/ ٧٢ - ٩].\n\n<span id=\"aya-3145\"></span>﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (٢١٣)\n٢١٣ - ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ أيها القارئ للقرآن ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ بشركك.\n\n<span id=\"aya-3146\"></span>﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢١٤)\n٢١٤ - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ذوي القرابة القريبة منك، أو هم الذين أكثر قربا إليك من غيرهم.\n\n<span id=\"aya-3147\"></span>﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢١٥)\n٢١٥ - ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كن متواضعا معهم.\n\n<span id=\"aya-3148\"></span>﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢١٦)\n٢١٦ - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ ضعاف الإيمان منهم ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ بريء من عملكم، وبريء مما تعملون من المعاصي، أو الذي تعملونه من دعائكم مع الله إلها آخر.\n\n<span id=\"aya-3149\"></span>﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (٢١٧)\n٢١٧ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾ القاهر الغالب على أمره، فيقهر من يعصيك منهم ﴿الرَّحِيمِ﴾ وينصرك برحمته.","vol":"3","page":220},{"text":"<span id=\"aya-3150\"></span>﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٢١٨)\n٢١٨ - ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاة.\n\n<span id=\"aya-3151\"></span>﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ (٢١٩)\n٢١٩ - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ فيما بين المصلّين، وحين تؤمّهم، وحين تقوم لأداء الرسالة.\n\n<span id=\"aya-3152\"></span>﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٢٠)\n٢٢٠ - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء من يدعوه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحواله.\n\n<span id=\"aya-3153\"></span>﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ (٢٢١)\n٢٢١ - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ المشار إليهم بالآية (٢١٠)، وما زعموا من تنزّلهم بالقرآن.\n\n<span id=\"aya-3154\"></span>﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٢٢)\n٢٢٢ - ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ﴾ تنزلّ على كثير الإفك وهو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء والبهتان ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الإثم.\n\n<span id=\"aya-3155\"></span>﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ﴾ (٢٢٣)\n٢٢٣ - ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ الأفّاكون يلقون سمعهم إلى الشياطين، أي يصغون إليهم أشد الإصغاء ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ﴾ الكذب طاغ عليهم فيما يقولونه من الأقاويل.\n\n<span id=\"aya-3156\"></span>\n\n<span id=\"aya-3157\"></span>\n\n<span id=\"aya-3158\"></span>﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾\n٢٢٤ - ٢٢٥ - ٢٢٦ - ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ لأنهم زعموا أنّ القرآن الكريم بفصاحته وبلاغته من جنس الشعر، والآية تقرر أن الغاوين فقط هم الذين","vol":"3","page":221},{"text":"يتّبعون الشعراء الذين يهيمون في كل واد من أودية القيل والقال، وفي كل شعب من شعاب الوهم والخيال، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويسلكون مسالك الغي والضلال، وذلك سبب اتّباع الغاوين لهم، لا غيرهم، أي إنهم مشتركون معا في الغيّ.\n\n<span id=\"aya-3159\"></span>﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢٢٧)\n٢٢٧ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الشعراء المؤمنين الصالحين ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿وَذَكَرُوا اللهَ﴾ وحده ﴿كَثِيرًا﴾ يكثرون ذكر الله ﷿ في أشعارهم، ويوحّدونه ﴿وَاِنْتَصَرُوا﴾ لرسالة الإسلام ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ من بعد ما اضطهدوا في دينهم ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ علم اليقين ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ شديد السوء ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ إذا استمرّوا في غيّهم.","vol":"3","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3253>سورة النمل - ٢٧ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3254>مقدمة</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية، وتشترك مع سور الطواسين الثلاث المتتالية:\n(الشعراء - النمل - القصص) بتركيزها على أصالة القرآن الكريم وعلى بعض قصص الأنبياء التي تظهر بجوانب وعبر جديدة في كل سورة منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-3255>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتشترك هذه السورة مع سورة الشعراء بقصص الأنبياء: موسى وصالح ولوط، فتبرزها من جوانب وعبر جديدة، وتضيف إليها قصة سليمان مع الطير والنمل.\nوقد لاحظنا أنّسورة الشعراء ابتدأت بالإشارة لإعراض المعرضين عن الرسالات السماوية: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥/ ٢٦)، وانتهت بتأكيد نزول ختم الرسالات على قلب النبي ﷺ:\n﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٩٢/ ٢٦ - ١٩٤)، ثم تفتتح سورة النمل بتأكيدآيات القرآن كونه مبينا للطريق القويم: ﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ (١/ ٢٧)، مشتمل على الحكمة والعلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٦/ ٢٧)، ويصحح القصص المزيفة المذكورة في الكتب المقدسة اليهودية بالعهد القديم ويبين لبني إسرائيل أكثر ما يختلفون فيه: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي﴾","vol":"3","page":223},{"text":"﴿إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٧٦/ ٢٧)، وقوله: ﴿أَكْثَرَ﴾ لأن أمور الغيب التي يختلفون بها لن تنكشف لهم إلا في الآخرة.\nكما افتتحت سورة الشعراء المتقدمة بالإشارة لشدة حرص النبي ﷺ على إيمان الناس: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣/ ٢٦)، وفي سورة النمل أنه في حزن عليهم وضيق من إعراضهم: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (٧٠/ ٢٧).\nوفي سورة الشعراء زعم الكفار أن أمور الكون تسير بالصدفة والعشوائية وأن ليس من حساب وعذاب: ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١٣٧/ ٢٦ - ١٣٨)، ثمّ تذكرسورة النمل بأن منكري الآخرة يتخبطون في الظلام فيخسرون أنفسهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٤/ ٢٧ - ٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-3256>محور السورة</span>\nتنبّه سورة النمل إلى قاعدة اجتماعية مهمة وهي أنّ منكري البعث والآخرة يركزون كلّ جهودهم واهتمامهم على المكاسب المادية الدنيوية، فلا يرون أي شيء سواها جديرا بالاهتمام، مما يفسر حالة التخبط والعمى الروحاني التي أوقعوا نفوسهم بها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤)، وفي قصة موسى أن لا منقذ لأمثالهم سوى التوبة: ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١)، وكثير منهم يقرّون بالحقيقة في دخيلة نفوسهم ومع ذلك يجحدونها علنا بالنظر لسوء جبلّتهم ومكابرتهم وتهالكهم على الدنيا: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤).","vol":"3","page":224},{"text":"وفي قصة سليمان مع الهدهد تذكير بأن العلم قد يأتي أحيانا من أضعف خلق الله، مما هو عبرة وفتنة لمن يعتقد في نفسه كمال العلم والإحاطة:\n﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٢٢)، وفي قصة سليمان مع ملكة سبأ أنّ إنكار المسؤولية تجاه الخالق يوقع المرء في التفاهات: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٢٤)، وأن من شأن الطغاة عندما يستولون على الحكم قهرا أنهم يبسطون سلطتهم قسرا على الناس، ويفككون النسيج الاجتماعي، مما يؤدي إلى الفساد: ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤)، وأن الخلفية الدينية المنحرفة تجرف الكثيرين معها فتصدّهم عن الطريق القويم بسبب التقليد وإهمال العقل: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٤٣).\nوفي قصة صالح مع قومه ثمود أنّ الدعوة إلى الصلاح والإصلاح تثير الخصومات لدى الأقوياء ذوي الخيلاء المعتدّين بنفوسهم، وحتى لدى الضعفاء المدمنين على الشهوات: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٥).\nوفي قصة لوط أن الشذوذ عن القوانين الطبيعية في الخلق معصية بيّنة لله ﷿: ﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٥٤).\nوفي إشارة لقصصهم جميعا أن الكفار يشركون بالله ليس فقط الأصنام والكواكب، بل أيضا القيم الزائفة والعادات القبيحة المتوارثة التي أصبحت دينا عندهم: ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩).\nوأن الإنسان، خلافا لما يظنّ، ليس محور الكون وسيده، بل استخلفه الله في الأرض ومعتمد بالكلية عليه، منحه العقل والقدرة على التفكير المجرد: ﴿أَمَّنْ﴾","vol":"3","page":225},{"text":"﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢).\nوهنا تعود السورة لموضوع الآية (٤) بأن علم الإنسان بالآخرة من أمور الغيب التي لا يستطيع إدراكها، حتى إنّ بعض الناس في شك منها، وبعضهم الآخر ينكرها لكونهم عمون عن حتميتها المنطقية، إذ يتعامون عن مسؤوليتهم الأخلاقية وعن الخيار الأخلاقي الحر الذي يتمتعون به ويتهربون منه بالنظر لما يترتّب عليه من حساب: ﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ (٦٦)، بل إن استغراقهم في مادية الدنيا سوف يكون نذيرا بهلاكهم: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢)، لكن حسابهم في الآخرة مترتب ليس فقط على تكذيبهم بآيات الآفاق والوحي، بل لعدم بذلهم المجهود الكافي لفهم الآيات والإحاطة بعلومها، ولإضاعتهم العمر فيما لا يجدي: ﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)،\n﷽\n\n<span id=\"aya-3160\"></span>﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ (١)\n١ - ﴿طس﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ﴾ في هذه السورة، ﴿وَ﴾ هو ﴿كِتابٍ مُبِينٍ﴾ عن الحق.\n\n<span id=\"aya-3161\"></span>﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ القرآن الكريم يفيد الذين لديهم استعداد للإيمان، فهو لهم هدى في الدنيا، وبشرى في الآخرة، وهم الموصوفون بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-3162\"></span>﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾","vol":"3","page":226},{"text":"٣ - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ استعدادا لآخرتهم ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ على يقين من البعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-3163\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ منتهى نظرهم وأملهم في الحياة الدنيا، على العكس من المؤمنين المشار إليهم آنفا ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ فأصبحت حسنة في نظرهم ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتخبطون على غير هدى، متحيّرين مترددين، بالنظر لسوء جبلّتهم، وإصرارهم على الضلال، وتشنج عقولهم على التقليد، وعنادهم ورفضهم النظر والتفكر بالدلائل، وليس لأن الله تعالى فرض ذلك عليهم ابتداء، انظر [البقرة ٧/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3164\"></span>﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ﴾ في الدنيا، ومن ذلك سعيهم وتهالكهم على مادة الدنيا بما يعمي بصيرتهم وبصائرهم، فتصبح منتهى أملهم وهمّهم ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ يخسرون أنفسهم بعد كل ما بذلوه في دنياهم، ولا خسارة أعظم من خسارة الأنفس.\n\n<span id=\"aya-3165\"></span>﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أيها النبي ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ فيما خلق من خلقه ﴿عَلِيمٍ﴾ بمصالح عباده، فأيّ حكيم، وأي عليم هو! ويلاحظ ارتباط هذه الآية مع أول السورة.\n\n<span id=\"aya-3166\"></span>﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٧)\n٧ - انتقال الخطاب من نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ، إلى نزول الوحي على موسى، وفيه إشعار باستمرارية الرسالات السماوية:","vol":"3","page":227},{"text":"﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ﴾ وهو في طريق عودته من مدين تائها في صحراء سيناء ﴿إِنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ عن بعد ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ عن طريقنا الذي نسلكه ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ شعلة نار مقبوسة، مأخوذة من أصلها ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ لأجل أن تستدفئوا بها.\n\n<span id=\"aya-3167\"></span>﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿فَلَمّا جاءَها﴾ أي النار ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ نور الإلهام الإلهي ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ الملائكة ﵈ ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تنزيه الله تعالى عن كل نقص وسوء.\n\n<span id=\"aya-3168\"></span>﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٩)\n٩ - ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا﴾ المنادي المتجلّي نوره في النار ﴿اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يد موسى من المعجزة.\n\n<span id=\"aya-3169\"></span>﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ من الجنّ، لأن الجن عند العرب من الخفاء ﴿وَلّى مُدْبِرًا﴾ انهزم ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ولم يرجع ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ تعليل للنهي عن الخوف.\n\n<span id=\"aya-3170\"></span>﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١)\n١١ - ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ تائبا من ظلمه ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في إشارة لكون موسى قتل القبطي، ثم تاب بعد ذلك.\n\n<span id=\"aya-3171\"></span>﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢)﴾","vol":"3","page":228},{"text":"١٢ - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ جيب قميصك، وقيل تحت إبطك ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ تشع نورا روحانيا ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ إنّي مرسلك إلى فرعون وقومه في تسع آيات، أي علامات على بعثتك إليهم، انظر [الإسراء ١٠١/ ١٧] و[الأعراف ١٣٣/ ٧]، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ينشرون الفساد.\n\n<span id=\"aya-3172\"></span>﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا﴾ ظهرت لهم على يد موسى ﴿مُبْصِرَةً﴾ بينة واضحة، وهي أيضا جديرة بأن يصبح العقلاء على بصيرة إذا نظروا فيها ﴿قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نسبوها إلى السحر في تعام عن حقيقتها.\n\n<span id=\"aya-3173\"></span>﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ كذّبوها وأنكروها إنكارا ظاهريا ﴿وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ أيقنت أنفسهم بالآيات يقينا داخليا ﴿ظُلْمًا﴾ وهو التناقض، في الوقت ذاته، بين الجحود الظاهري واليقين الداخلي ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعا واستكبارا عن الإيمان بها ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ما آل إليه فرعون وصحبه بنتيجة الجحود، وهذه الآية تبين العبرة من القصة في هذا الموضع.\n\n<span id=\"aya-3174\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥)\n١٥ - بعد أن بينت الآية (٦) نزول الوحي على النبي ﷺ، ثم بينت الآيات (٧ - ١٢) نزول الوحي على موسى ثم بعثته إلى فرعون، تبين الآية (١٥)﴾ طبيعة العلم الذي أوتيه داوود وسليمان، والآيات من (١٥ - ٤٤) قصة سليمان مع مخلوقات الله من الطير والنمل، ثم مع ملكة سبأ ومراحل اهتدائها إلى الإسلام:","vol":"3","page":229},{"text":"﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ استنارة روحانية ﴿وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما آتانا من العلم.\n\n<span id=\"aya-3175\"></span>﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ في ملكه ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ قال الرازي: قالت العرب: نطقت الحمامة، فالذي علّم سليمان من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه، وقد ورد هذا المعنى في كتب العهد القديم، انظر [سفر الملوك الأول ٣٢/ ٤ - ٣٣]، ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ ومن ذلك الريح تجري بها أساطيله: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨]، وأيضا: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤]، وأيضا محبته للجياد: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ * فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص ٣١/ ٣٨ - ٣٣]، ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ لم يتوافر لأحد من قبله.\n\n<span id=\"aya-3176\"></span>﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يتوزّعون بشكل منظم.\n\n<span id=\"aya-3177\"></span>﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ في الآية إشعار بفهم سليمان لمنطق النمل أيضا، وتعاطفه مع أضعف خلق الله، ومحبته لها، وامتناعه عن إيذائها، واحترامه للطبيعة وباقي مخلوقات الله، وكل ذلك منبثق","vol":"3","page":230},{"text":"من إيمانه العميق بالخالق الذي تبهر مخلوقاته العقول، وتلك هي العبرة من القصة.\n\n<span id=\"aya-3178\"></span>﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها﴾ من قول النملة، واحتراما لها ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ حتى وصلت إلى ما أنا فيه من النعم والفهم والإيمان ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ شكرا لنعمك علينا، وفيه إشارة لقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤]، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ تفضّلا منك، وليس بعملي ﴿فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ الذين ترضى عنهم.\n\n<span id=\"aya-3179\"></span>﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ من الذين حشروا له، المشار إليهم بالآية (١٧)، ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ طير من الطيور ﴿أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ لسبب من الأسباب.\n\n<span id=\"aya-3180\"></span>﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ بما أنّ التعذيب والذبح لم يحصلا من قبل سليمان، فلنا أن نعتقد أنّ الخطاب عنهما مجرّد اصطلاح على سبيل القول والمجاز وليس الفعل والتنفيذ، ولنا أن نقارن ذلك مع موقفه من النمل واحتياطه بشأنها، قال الرازي: فهذا مما لا يجوز أن يقال إلاّ فيمن هو مكلّف، أو فيمن قارب العقل فيصح أن يؤدّب ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حجة تبين سبب غيابه.\n\n<span id=\"aya-3181\"></span>﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾","vol":"3","page":231},{"text":"٢٢ - ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ على مقربة منه ﴿فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فيه تنبيه لسليمان أنّ أدنى خلق الله قد أحاط علما بما لم يحط به، فيكون في ذلك تنبيه له لترك الإعجاب بالنفس ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ﴾ مملكة ﴿سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ لا يتطرق إليه الشك.\n\n<span id=\"aya-3182\"></span>﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ ملكة عليهم ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من متطلبات الملك ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-3183\"></span>﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ كما هي عادة الأقوام السامية في عبادة الشمس، المصريون القدماء، والبابليون، وغيرهم اعتادوا عبادة ما يمكن تجسيمه ومشاهدته، لقصور عقولهم عن الغيب ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ ما هم فيه من الضلال، فجعلها تبدو حسنة في نظرهم، انظر قوله تعالى عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٧/ ٧]، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن عبادة الله ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ بل يتخبطون في ضلالهم.\n\n<span id=\"aya-3184\"></span>﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ غاب عن عقولهم وجوب عبادة الله الواحد الأحد، الذي بقدرته وحده تدور الشمس، فتختبئ عن ناظرهم ليلا وتعود للظهور نهارا، انظر [الأنعام ٧٨/ ٦] ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ﴾ في أنفسكم ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ منها.\n\n<span id=\"aya-3185\"></span>﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾","vol":"3","page":232},{"text":"٢٦ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وحده الجدير بالسجود والعبادة ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ المدبّر لشؤون خلقه.\n\n<span id=\"aya-3186\"></span>﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿قالَ﴾ سليمان للهدهد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بالتفكر والتأمل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في دعواك عن مملكة سبأ؟ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ ما يدل إن سليمان كان جاهلا بكل هذه التفاصيل عن مملكة سبأ، أو وجودها أصلا؟\n\n<span id=\"aya-3187\"></span>﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ صار من واجب سليمان دعوة سبأ إلى الإسلام، فبعث كتابه إليهم مع الهدهد الذي كان أول واسطة اتصال بينهما ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ دعهم يتأملوا ويفكّروا بالكتاب، فالموضوع بحاجة للتأمل والتفكير، لما فيه من الدعوة لهجر الشرك، وعبادة الله وحده ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ بعد تأملهم وتفكيرهم بفحوى الكتاب؟\n\n<span id=\"aya-3188\"></span>﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ الحاشية ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ مضمونه يدل على ما فيه من الكرم وحسن الدعوة.\n\n<span id=\"aya-3189\"></span>﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ﴾ ابتدأ الكتاب بقوله ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-3190\"></span>﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ نهي عن الاستعلاء والانقياد للهوى والتكبر ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين، مذعنين، مسلمين أموركم لله تعالى، وليس للشمس التي تعبدون.","vol":"3","page":233},{"text":"<span id=\"aya-3191\"></span>﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ الحاشية ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ بنتيجة تفكركم وتأملكم بخطاب سليمان ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا﴾ لجسامة هذا الموضوع ﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ تدلوا بشهادتكم معي.\n\n<span id=\"aya-3192\"></span>﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ لم يفهم الملأ من خطاب سليمان سوى أنه تهديد لملكهم ودولتهم ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في مقاومة سليمان أو الإذعان إلى مطلبه ﴿فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أعادوا الأمر إليها.\n\n<span id=\"aya-3193\"></span>﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ مجتمعا من المجتمعات، إذا دخلوه عنوة، وليس ذلك مقتصرا على الملوك، بل على كل قوة غاشمة ﴿أَفْسَدُوها﴾ فكّكوا عراها الاجتماعية ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ من الحكام وكبار القوم ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بدخولهم القرية، وهكذا استبعدت ملكة سبأ أي احتمال لاستخدام القوة ضد سليمان، لما سوف يسببه ذلك من تفكيك النظام الاجتماعي، والمعاناة، والتدهور الحضاري.\n\n<span id=\"aya-3194\"></span>﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ على سبيل استكشاف النوايا ﴿فَناظِرَةٌ﴾ أنتظر ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ما يكون استجابة سليمان؟ وبذلك تفهم عقليته أيضا.\n\n<span id=\"aya-3195\"></span>﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾","vol":"3","page":234},{"text":"٣٦ - ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ الهدهد بالهدية ﴿قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ فلست بحاجة إلى مادة الدنيا ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ من النبوة والاستنارة الروحانية ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ من متاع الدنيا ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تفرحون بمتاع الدنيا، وغابت عنكم عاقبة الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3196\"></span>﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أيها الهدهد وأخبرهم: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها﴾ ليس بإمكانهم مقاومتها ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً﴾ من بلادهم ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ بوقوعهم في الأسر والاستعباد، وبسبب كفرهم وعبادتهم الشمس، ورفضهم عبادة الله وحده.\n\n<span id=\"aya-3197\"></span>﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿قالَ﴾ سليمان ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا﴾ الحاشية ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المغزى أنّ ملكة سبأ وملأها، بعد المفاوضات، قرروا الدخول في الإسلام، وأن سليمان قرر إحضار عرشها استعدادا لاستقبالها.\n\n<span id=\"aya-3198\"></span>﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ﴾ إظهارا لمقدرة عفاريت الجن ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ لا شك في مقدرتي وأمانتي.\n\n<span id=\"aya-3199\"></span>﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾ وهو سليمان نفسه، قال للعفريت: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في لمح البصر ﴿فَلَمّا رَآهُ﴾","vol":"3","page":235},{"text":"﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ العرش ﴿قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ نعمه عليّ ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ بجحودها، والبلاء هو الفتنة والاختبار، والمغزى؛ هل أنسب هذه النعم إلى استحقاقي ومقدرتي؟ أم هي إنعام منه تعالى؟ ﴿وَمَنْ شَكَرَ﴾ الله ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنه هو وحده المستفيد من الشكر ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ الله تعالى غنيّ عن شكر عباده.\n\n<span id=\"aya-3200\"></span>﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿قالَ﴾ سليمان ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ اجعلوه بحيث لا تعرفه ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ الهداية الروحانية إلى الاسلام ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ تبقى متمسكة بمظاهر الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3201\"></span>﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ وصلت ملكة سبأ إلى سليمان ﴿قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ﴾ الذي كان في سبأ ﴿قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لم تجزم بشأنه، كأنها استشعرت اختبارها، واختيارها بين الهداية الروحانية، والهداية المادية إلى عرشها السابق، وأدركت الفرق بين الحقيقة والظاهر ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها﴾ في الاسلام والتوحيد ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ وهو قول سليمان.\n\n<span id=\"aya-3202\"></span>﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لأنّ البيئة التي نشأت بها كانت على الكفر، فسارت هي على ما نشأت عليه من تقليد قومها، وكان من الصعوبة لها التنصل من ديانتهم، وهو ما يواجهه الكثيرون اليوم من صعوبة في ترك ديانة الآباء والأجداد، الذين على الكفر، لما يحتاجه ذلك من شجاعة أدبية كبيرة.","vol":"3","page":236},{"text":"<span id=\"aya-3203\"></span>﴿قِيلَ لَهَا اُدْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿قِيلَ لَهَا﴾ سليمان قال لها ﴿اُدْخُلِي الصَّرْحَ﴾ القصر، أو البركة في هذا الموضع ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ﴾ للصرح، أي البركة ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ ظنته ماء كثيرا ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ لئلاّ تبتل أذيالها كما هي عادة من يريد الخوض في الماء ﴿قالَ﴾ سليمان ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أملس ﴿مِنْ قَوارِيرَ﴾ زجاج، وليس ماء، تعبيرا عن الفرق بين الحقيقة والظاهر، أو بين عالم الروح ومادة الدنيا ﴿قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بما كنت عليه من الكفر ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ دخلت الإسلام، وبذلك انتهت رحلة بلقيس الروحانية باهتدائها إلى الإسلام.\n\n<span id=\"aya-3204\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - بعد قصة موسى وبعثته إلى فرعون، ثم قصة سليمان مع ملكة سبأ، تسرد السورة هنا جانبا من قصة صالح مع قومه ثمود، انظر أيضا [الأعراف ٧٣/ ٧ - ٧٩]:\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ﴾ نبيّهم ﴿صالِحًا﴾ قائلا لهم ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده، بلا شرك ﴿فَإِذا هُمْ﴾ أي ثمود ﴿فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ آمن فريق، وكفر فريق.\n\n<span id=\"aya-3205\"></span>﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ لمن كفر منهم ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بالعقوبة التي تسوءكم ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ التوبة تؤخرونها ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ﴾ من شرككم وجهلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بقبول توبتكم.","vol":"3","page":237},{"text":"<span id=\"aya-3206\"></span>﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أي تطيّرنا ومعناها تشاءمنا، لأن العرب كانت إذا أرادت السفر تمرّ بطائر فتزجره فإن طار يمنة تفاءلت، وإن طار يسرة تشاءمت، ومن ثمّ نسبوا الخير والشر إلى الطائر، ومنه قولهم: ميمون وأيمن.\n﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ تطيّرنا أيضا بمن آمن معك من الناس ﴿قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ من قدر الله تعالى وقسمته، فهو سببكم الذي ينالكم منه ما ينالكم من الخير والشر، انظر [النساء ٧٨/ ٤]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ معرضون للفتنة والاختبار، بدعوتي لكم، هل تستجيبون أم لا؟.\n\n<span id=\"aya-3207\"></span>﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مدينة الحجر ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ تسعة عصابات، وقالوا: إن الرهط دون العشرة أفراد ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إفسادا بحتا ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ ليس الإصلاح من شأنهم.\n\n<span id=\"aya-3208\"></span>﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ﴾ أقسموا بالله، والمغزى أنهم مشركون معاندون متكّبرون مع إيمانهم بالله ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ نباغت صالحا ليلا وهو نائم غافل فنتقله وأهله ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ وليّ أمره ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ومن باب أولى لم نشهد مقتله هو ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في زعمنا.\n\n<span id=\"aya-3209\"></span>﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ مكر السوء ﴿وَمَكَرْنا مَكْرًا﴾ مكر الخير ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥].\n\n<span id=\"aya-3210\"></span>﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾","vol":"3","page":238},{"text":"٥١ - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ مكر السوء ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ تسعة الرهط ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي الكفار منهم، بدليل الآية (٥٣).\n\n<span id=\"aya-3211\"></span>﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ خالية ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ نتيجة ظلمهم أنفسهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ رسالة وعبرة عظيمة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ متصفون بالعلم.\n\n<span id=\"aya-3212\"></span>﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ لأنهم كانوا فريقين يختصمون، فنجا المؤمنون، وهلك الباقون.\n٥٤ - وهذه القصة الرابعة بعد قصص موسى وفرعون، وسليمان وسبأ، وصالح وثمود، والمغزى أن الرسالة الإلهية واحدة للناس كافة:\n\n<span id=\"aya-3213\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة المتناهية في القبح؟ بإتيان الذكور ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ما هو حلّ لكم من النساء؟\n\n<span id=\"aya-3214\"></span>﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ﴾ متجاوزين النساء اللاتي هنّ محل الشهوة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تعملون عمل الجاهلين، بمعنى السفاهة والمجون.\n\n<span id=\"aya-3215\"></span>﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ قوم لوط ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ من مجتمعكم، أو من قرية سدوم ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالوها استهزاء بهم.","vol":"3","page":239},{"text":"<span id=\"aya-3216\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ من قومه، ومن الدمار الذي لحق بهم ﴿إِلاّ اِمْرَأَتَهُ﴾ امرأة لوط كانت شاذة تميل إلى قومها ﴿قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ كان قدرها الهلاك مع من هلك.\n\n<span id=\"aya-3217\"></span>﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ المقصود به الغبار البركاني الذي رافق الزلازل والحمم البركانية.\n\n<span id=\"aya-3218\"></span>﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أن تحققت العدالة على أكمل وجه في قصص الرسل الأربعة الذين مضى ذكرهم ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾ الذين سبق ذكرهم من الرسل ﴿آللهُ خَيْرٌ﴾ الواحد الأحد، الخالق، القاهر الغالب على أمره ﴿أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ لا يقدرون على شيء من إيصال النفع، أو إبعاد الضرر، والآيات من (٦٠) حتى آخر السورة تلفت النظر للآيات الآفاقية وإعراض الكفار عنها، وأنّ القرآن مهيمن على كتب اليهود والنصارى فيبين الصحيح فيها من الزيف، وأن الانهماك في مادة الدنيا ينعكس سلبا على أصحابه:\n\n<span id=\"aya-3219\"></span>﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ خلقا باهرا ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ يستحيل عليكم، ومع ذلك لا تقدرون الله حقّ قدره، انظر [الزمر ٦٧/ ٣٩]، ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ من الآلهة المزعومة ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ يجعلون آلهتهم المزعومة عدلا لله تعالى.","vol":"3","page":240},{"text":"<span id=\"aya-3220\"></span>﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا﴾ تستقرّون عليها ﴿وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ برزخا فاضلا بين المياه العذبة والمالحة في مساقط الأنهار على البحار ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ في الوجود؟ أو في إبداع هذه البدائع؟ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ علما يعتدّ به، فلا يفهمون بطلان شركهم مع كمال ظهوره.\n\n<span id=\"aya-3221\"></span>﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ الذي أحرجته الشدائد ﴿إِذا دَعاهُ﴾ فألجأته الشدائد إلى دعاء الله وحده، ولا يقدر الشركاء المزعومون على شيء ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ يرفع عن الداعي ما يعتريه من الأمر الذي يسوؤه ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ جعلها تحت تصرفكم تستفيدون من مواردها ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ تشركون به؟ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ما أنتم عليه من الضلال.\n\n<span id=\"aya-3222\"></span>﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يرشدكم إلى مقاصدكم، تستخدمون النجوم والأفلاك ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ من مقدّمات المطر ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ تشركون به؟ ﴿تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فهو فوق ما يشركون، تعالى الله عنهم علوّا كبيرا.\n\n<span id=\"aya-3223\"></span>﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ ابتداء ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ بأسباب سماوية، وبسنن أوجدها في الخلق بما","vol":"3","page":241},{"text":"تقتضيه الحكمة، أن يرزق المؤمن والكافر على السواء ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ تشركون مع كلّ هذه الحجج؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أن الشركاء المزعومين يقدرون على شيء من ذلك؟\n\n<span id=\"aya-3224\"></span>﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ وحده المختص بعلم الغيب، والعباد لا يعلمون سوى القليل من عالم الشهادة ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ المخلوقات ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى ينشرون من قبورهم؟ مع كونه لا بد لهم منه.\n\n<span id=\"aya-3225\"></span>﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿بَلِ اِدّارَكَ﴾ تدارك ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قصّر علمهم عن حقيقتها ولم يدركوها، إذ هي خارج نطاق تصوّرهم، لكونها في علم الغيب ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ ليس فقط أنّ علمهم ادّارك بها، بل هم على ما هو أفحش من ذلك بشكّهم بحقيقتها ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ ليس علمهم ادّارك بها فحسب، وشكّوا بحقيقتها، بل هم على ما هو أفحش من ذلك بأنهم عمي البصيرة عنها، وبأنّ القيامة كائنة لا محالة، كما سوف يرد بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-3226\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿أَإِذا كُنّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ من قبورنا؟ وذلك لقصور عقولهم، أو بسبب عنادهم ومكابرتهم، أو لإصرار عقلهم الباطن على التهرب من مسؤولياتهم الأخلاقية التي يترتب عليها حساب الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3227\"></span>﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾","vol":"3","page":242},{"text":"٦٨ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ بما أخبرت به رسلهم ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ زعموه.\n\n<span id=\"aya-3228\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أيها المكذّبون ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ من أمثالكم.\n\n<span id=\"aya-3229\"></span>﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم، وأيها الداعية ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾ في صدرك ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ من المكر السيّئ.\n\n<span id=\"aya-3230\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ منكرو الآخرة ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ بالقيامة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟\n\n<span id=\"aya-3231\"></span>﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ اقترب منكم، ولحق بكم ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي بوفاتكم التي هي أقرب بعيد، فماذا يهمّ بعدها من سؤالكم؟ كما أنّ سؤالكم ينمّ عن جعلكم دنياكم منتهى أملكم بما تختارون فيها لأنفسكم من مقاييس الحق والباطل بما يناسب أهواءكم، فهذا هو سبب انهيار المجتمعات والحضارات.\n\n<span id=\"aya-3232\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بإمهالهم وعدم أخذهم بغتة بأعمالهم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ ما هم فيه من النعم والفضل.\n\n<span id=\"aya-3233\"></span>﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾","vol":"3","page":243},{"text":"٧٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من الجحود والاستكبار ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من الأقوال والأفعال المترتبة عليها.\n\n<span id=\"aya-3234\"></span>﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ثابتة الخفاء، كائنة ما كانت، أي من عموم الغائبة ما لا سبيل لكم إلى علمه ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ الله وحده يعلمه، كونه في علم الله المسبق القديم.\n\n<span id=\"aya-3235\"></span>﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - الآيات من (٧٦) إلى (٨٢) في بني إسرائيل خاصة: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ من اليهود والنصارى بالنظر إلى أنهما معا يعدّان العهد القديم جزءا من كتابهم المقدس ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيصحح عقائدهم وما ورد في كتبهم، في وضعها الحالي الفاسد، عن داوود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، وقوله تعالى ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ معناه أنّ الباقي لن يعلموه إلاّ في الآخرة، لأنه من ضمن الغيب.\n\n<span id=\"aya-3236\"></span>﴿وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ القرآن الكريم ﴿لَهُدىً﴾ يبين طريق الهداية ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لمن يختار الإيمان به.\n\n<span id=\"aya-3237\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بين بني إسرائيل من اليهود والنصارى المشار إليهم بالآية (٧٦)، وبين المؤمنين المشار إليهم بالآية (٧٧)، ﴿بِحُكْمِهِ﴾ بحكمته جلّ شأنه، ومن ذلك نكوص بني إسرائيل عن الإسلام، وعن القرآن، واعتدادهم بكتبهم المحرفة الفاسدة، من عهدين قديم وجديد ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ لا يردّ حكمه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بجميع الأشياء التي من جملتها قضاؤه بهم.\n\n<span id=\"aya-3238\"></span>﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾","vol":"3","page":244},{"text":"٧٩ - ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم، وأيها الداعية، دعهم وشأنهم وما يختارون لأنفسهم، ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فلا تبال بغيرك إن أصرّ على الضلال، وما عليك سوى البلاغ، أما الهداية فهي على الله.\n\n<span id=\"aya-3239\"></span>﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ الآية تشبّه بني إسرائيل بالموتى لأنهم موتى القلوب، أو موتى العقول ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ يستحيل أن يسمعوا دعوتك إذا أصرّوا على ما هم فيه من التشنج والتقليد ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وأداروا ظهورهم لك، فالله تعالى يهدي من يشاء الهداية، انظر [البقرة ٦/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3240\"></span>﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ﴾ عمي البصيرة من بني إسرائيل وغيرهم ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لظنّهم أنهم على الحق ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ من لديه استعداد للإيمان، فيسمع سماعا يجديه نفعا ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ منقادون مذعنون مسلمون وجوههم لله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3241\"></span>﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على المصرّين على الكفر، المذكورين آنفا، من بني إسرائيل خاصة وغيرهم من الناس عامة، تصبح الحقيقة واضحة لهم تمام الوضوح، خلافا لكل توقعاتهم ولكن بعد فوات الأوان، إذ تقع الساعة، ويفوت أوان التوبة، وينفذ القضاء ﴿أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ دابّة الأرض كناية عن انهماكهم في دنيا المادة التي أفنوا أعمارهم في الجري وراءها، فهي تكلّمهم بمادية الحياة الدنيا التي يدفعون ثمنها في آخرتهم، بعد أن","vol":"3","page":245},{"text":"لم يعدّوا لها عدّتها ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ لم يكن لديهم يقين بالآخرة ولا بالقرآن، فهنالك طائفة من بني إسرائيل تدعى (السدوقيين) تنكر الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3242\"></span>﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ في كلّ أمة جماعات كثيرة مكذّبة بالآيات ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يتفرقون ويتوزّعون، كلّ بحسب جسامة آثامهم وكفرهم وجرائمهم.\n\n<span id=\"aya-3243\"></span>﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿حَتّى إِذا جاؤُ﴾ المكذّبون بالآيات المشار إليهم آنفا ﴿قالَ﴾ لهم تعالى موبّخا ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الناطقة بلقاء يومكم هذا؟ ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ غير ناظرين فيها؟ نظرا يؤدي بالعلم بكنهها وأنها خليقة بالتصديق حتما؟ ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في دنياكم؟ ما دمتم لم تشتغلوا بهذا العمل المهم من دراسة القرآن؟ فبأي عبث أفنيتم أعماركم؟.\n\n<span id=\"aya-3244\"></span>﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فات أوان توبتهم، ووقع قضاء الله فيهم ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أنفسهم ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ بأعذار واهية.\n\n<span id=\"aya-3245\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - هنا تعود الآيات (٨٦ - ٨٨) للتذكير ببعض معجزات الكون: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بعد انشغالهم نهارا في السعي وراء أرزاقهم ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ لجلب المنافع الدنيوية إليهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرات","vol":"3","page":246},{"text":"﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لديهم قابلية للإيمان، أما من انغلقت بصيرته من المشار إليهم بالآيات (٨٠ - ٨١) فلا سبيل للوصول إليهم.\n\n<span id=\"aya-3246\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وهو ما يعتري الجميع عند البعث والنشور ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ ألا يفزع ﴿وَكُلٌّ﴾ كل واحد منهم ﴿أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ أذلاّء.\n\n<span id=\"aya-3247\"></span>﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ كتلة جامدة لا تتحرك ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ لأن الدنيا حالة عابرة، في حين أنّ الدوام للآخرة، انظر [إبراهيم ٤٨/ ١٤]، وهنالك معنى علمي أيضا لمرور الجبال مرّ السحاب، وهو أنّ المادة مكونة في أكثرها من الفراغ، ولذا فهي تمر مرّ السحاب، بدليل تتمة الآية:\n﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من صنع كلّ شيء من الذرات المكوّنة من نواة وإلكترونات تدور حول النواة في الفراغ، فجعلها تمرّ مرّ السحاب، ويحتمل أيضا أنها تمر مرّ السحاب مع دوران الكرة الأرضية ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ من كان صنعه بهذا الإتقان، فهو جدير أن يكون خبيرا بأفعال العباد، أما حقيقة الجبال في الآخرة فتدلّ عليه الآيات: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا * لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧].\n\n<span id=\"aya-3248\"></span>﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿مَنْ جاءَ﴾ يوم الحساب ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ بالأعمال الحسنة وهو مؤمن ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ لأن للذين أحسنوا الحسنى وزيادة فوق حسناتهم، انظر شرح [يونس ٢٦/ ١٠]، ﴿وَهُمْ﴾ المحسنون ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ يوم القيامة.","vol":"3","page":247},{"text":"<span id=\"aya-3249\"></span>﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ جزاء وفاقا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لا غير، لأن جزاء السيئة بمثلها، انظر يونس [٢٧/ ١٠]، في حين يكون جزاء الحسنة المشار إليها في الآية المتقدمة أضعافا مضاعفة.\n\n<span id=\"aya-3250\"></span>﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ وهي مكة المكرمة ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ جعلهاتعالى حرما آمنا، انظر [قريش ٤/ ١٠٦]، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ في الخلق، خلقا وملكا وتصرفا ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من الذين أسلموا وجوههم لله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3251\"></span>﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أن أواظب على تلاوته، ﴿فَمَنِ اِهْتَدى﴾ بالقرآن ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ منفعة الهداية تعود عليه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن القرآن وهديه ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ فليس عليّ الإكراه والقسر.\n\n<span id=\"aya-3252\"></span>﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على نعمائه، إذ أنعم على عباده بنعمة الوحي بعد نعمة العقل ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ المعجزة في الآفاق وفي أنفسكم، انظر [فصّلت ٥٣/ ٤١]، ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ على وجه اليقين ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلّ إنسان بعمله.","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3350>سورة القصص - ٢٨ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3351>مقدمة</span>\nنزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من ورود كلمة (القصص) بالآية (٢٥) منها، وهي السورة الثالثة في مجموعة سور الطواسين الثلاثة (الشعراء - النمل - القصص)، والملاحظ أنّ نصف السورة تقريبا مكرّس لقصة موسى وبيان بعض النواحي الشخصية في حياته.\n\n<span data-type='title' id=toc-3352>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nسورة القصص استمرار لسورة النمل المتقدمة من حيث أنّ نصفها تقريبا مكرّس لقصة موسى التي سبق أن وردت بإيجاز في أوّل سورة النمل، وقد ختمت سورة النمل القصة بقوله تعالى واصفا جحود فرعون وقومه برسالة موسى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢٧ - ١٤)، ثم في سورة القصص تفصيل ذلك وهو المكابرة والإصرار على التقليد: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٦/ ٢٨).\nوفي أواخرسورة النمل المتقدمة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٧٦/ ٢٧)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢/ ٢٧)، ثم تفتتح سورة القصص بقوله تعالى: ﴿طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١/ ٢٨ - ٢).","vol":"3","page":249},{"text":"وفي سورة النمل أن الرسل في مأمن من الخوف في حضرة الله ﷿:\n﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٠/ ٢٨)، وفي سورة القصص أنهم من الآمنين، أي في الدنيا والآخرة: ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٣١/ ٢٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-3353>محور السورة</span>\nأن الله تعالى يجزي المتصفين بالإحسان في كل شيء بأن يؤتيهم العلم بمعناه الواسع؛ أي الإدراك الروحاني، كما يؤتيهم الحكمة، أي المقدرة المنطقية على إدراك الصواب من الخطأ، لقوله تعالى عن موسى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤)، وقد توصل موسى ﵇ إلى هذه المنزلة بعد الأحداث المذكورة بالآيات (١٥ - ٢٨)، وفي آية [يوسف ٢٢/ ١٢] إشارة ليوسف ﵇ بما يشبه ذلك.\nوعلى النقيض من المتصفين بالإحسان تكمن عاقبة فرعون وأمثاله في الاستكبار الزائف وإنكار البعث والحساب: ﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩).\nمع أنّ الوحي الإلهي وبعث الرسل تتالى على البشرية منذ القدم فلا عذر للناس بالاستكبار والجهل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١)، ومن ذلك نزول الوحي بالتوراة وبالقرآن: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٩).\nوبعد البعثة النبوية دخل كثير من اليهود والنصارى في الإسلام كما يدخلونه اليوم: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٥٢ - ٥٣)، وأن المجتمعات قد تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ﴾","vol":"3","page":250},{"text":"﴿وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ (٥٩)، وأن الله تعالى خلق الخلق واختار له ما هو خير:\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٨)، ولكن الإنسان يطغى فينسب ما بيده من نعم إلى حذاقته ومهارته ومكره السيئ، وينسى المنعم عليه، كما في قوله تعالى على لسان قارون: ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧٨).\nوأن الله تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء سوى أن الذين يكفرون بالنعم لا يفلحون: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٢)، وأنه بعد ختم الرسالات بنزول القرآن الكريم بشيرا ونذيرا للناس كافة لم يبق بعده سوى المعاد والحساب: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-3354>خلاصة السورة</span>\nبعثة موسى لفرعون وأسبابها (١ - ٦).\nقصة موسى من مولده إلى بعثه لفرعون، الآيات (٧ - ٤٣).\nتتابع الوحي بالتوراة والإنجيل، الآيات (٤٤ - ٥٠).\nتتابع الرسالات وختمها بالقرآن ودخول اليهود والنصارى بالإسلام (٥١ - ٥٦).\nالأمم قد تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم الآيات (٥٧ - ٥٩).\nعجز الشركاء المزعومين، وأنّ الله تعالى يختار الخير لعباده (٦٠ - ٧٥).","vol":"3","page":251},{"text":"قصة قارون، كان من قوم موسى، كمثال على سلوك المفترين (٧٦ - ٨٤).\nحتمية المعاد والحساب ووجوب التوحيد (٨٥ - ٨٨).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3253\"></span>﴿طسم﴾ (١)\n١ - ﴿طسم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3254\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)\n٢ - ﴿تِلْكَ﴾ أي في هذه السورة ﴿آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن الكريم، الذي يبين حقيقة الأحداث في قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل، خلافا للنشاز المذكور في كتب العهد القديم.\n\n<span id=\"aya-3255\"></span>﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ أيها الرسول، وأيها المسلم، وأيها القارئ ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ بعثة موسى إلى فرعون ﴿بِالْحَقِّ﴾ مبيّنا الحق بوضوح ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الذين لديهم الاستعداد للإيمان، بخلاف المتشنّجة عقولهم على الباطل.\n\n<span id=\"aya-3256\"></span>﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ تجبّر وطغى في مصر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا﴾ أي طوائف بحسب منازلهم الاجتماعية، وهذا التصنيف للبشر يدينه القرآن بشدة لأن الناس خلقوا متساوين ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وهم بنو إسرائيل وضعهم فرعون في الطبقة الدنيا ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ﴾ لأن بني إسرائيل سبق لهم التحالف مع الهكسوس أعداء فرعون عندما احتلّوا شمال مصر، فخشي أن يعودوا للتحالف معهم إن هاجموا مصر مرة أخرى، [انظر مقدمة سورة يوسف] ﴿وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ يستبقيهم للخدمة إماء ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الراسخين في الإفساد.","vol":"3","page":252},{"text":"<span id=\"aya-3257\"></span>﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من بني إسرائيل ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ لأنهم الأمة الوحيدة في زمانهم الذين أقرّوا بالتوحيد، وكانوا بذلك الأمة التي سبقت المسيحية والإسلام ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ لأمجاد فرعون.\n\n<span id=\"aya-3258\"></span>﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ في فلسطين لمدة من الزمن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من رغبتهم في الانفلات من العبودية، والخروج من مصر، وهامان اختصار (ها - أمون) وهو كبير رجال الدين المصريين في معبد أمون في ذلك الوقت، وهو الذي خاطبه فرعون بالآية (٣٨) طالبا منه أن يبني له صرحا من الطين ليطّلع منه على إله موسى، ولعل في ذلك إشارة إلى الأهرامات المصرية التي كان رجال الدين المصريين يشاركون في تصاميمها المعمارية.\n\n<span id=\"aya-3259\"></span>﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧)\n٧ - بعد أن افتتحت السورة بالآيات (١ - ٦) ببيان الأسباب التي استوجبت بعثة موسى إلى فرعون مصر، ينتقل الخطاب في الآيات (٧ - ٤٣) لتفصيل قصة حياة موسى من مولده إلى مبعثه لفرعون:\n﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى﴾ بعد ولادته ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ كالمعتاد ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ من جواسيس فرعون أن يأخذوه ويقتلوه ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ في النيل، فجعلته أمّه في صندوق وألقته فيه ﴿وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ نتيجة فراقك إياه","vol":"3","page":253},{"text":"﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ قريبا ﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى فرعون، وإلى بني إسرائيل.\n\n<span id=\"aya-3260\"></span>﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ لأنهم رفضوا بعثته فيما بعد عندما جاءهم نبيّا رسولا ﴿وَحَزَنًا﴾ سبّب لهم الحزن بأن أخرج بني إسرائيل من مصر، وغرق فرعون وجنوده في البحر ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ في كلّ توجّهاتهم؛ إذ لم يدركوا أهمية بعثة موسى إلى فرعون أولا، ثم إلى بني إسرائيل ثانيا.\n\n<span id=\"aya-3261\"></span>﴿وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ لزوجها، عندما التقطوه من النيل ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ مصدر السعادة لنا ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ كما تقتلون الباقين من حديثي الولادة ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ في شبابه ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ما في الخطة الإلهية من إحكام، وما ينتظرهم في مستقبله.\n\n<span id=\"aya-3262\"></span>﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ من كلّ طمأنينة، صفرا من العقل ﴿إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ كادت تبدي شخصية ابنها الحقيقية على أمل أن يعود إليها ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ بما أنزلنا عليه من السكينة ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بوعد الله لها وبالبشارة بعودته، الآية (٧).\n\n<span id=\"aya-3263\"></span>﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)﴾","vol":"3","page":254},{"text":"١١ - ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي تتبّعي أثره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أبصرته عن بعد ﴿وَهُمْ﴾ فرعون وآله ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ أنها تتبّعه، أو أنها أخته.\n\n<span id=\"aya-3264\"></span>﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ﴾ لم يقبل الرضاعة من أحد من المرضعات ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل مجيء أخته (فَقالَتْ) أخته لآل فرعون ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ لا يقصّرون في خدمته وتربيته.\n\n<span id=\"aya-3265\"></span>﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ﴾ بهذا اللطف والتقدير ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ﴾ بل تسعد به ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ علم ظهور إلى حيّز الواقع، وليس فقط علم إيمان ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس غافلون عن ذلك.\n\n<span id=\"aya-3266\"></span>﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى﴾ قوي جسمه، واعتدل عقله، انظر [الأحقاف ١٥/ ٤٦]، ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ حكمة، للحكم بين الحق والباطل، وتمييز الخطأ من الصواب ﴿وَعِلْمًا﴾ روحانيا من وحي النبوة ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الواضح من آية [الشعراء ٢٠/ ٢٦] أن موسى توصّل إلى هذا المنزلة بعد الأحداث المذكورة بالآيات (١٥ - ٢٢) -\n\n<span id=\"aya-3267\"></span>﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾","vol":"3","page":255},{"text":"١٥ - ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ في وقت لا يعتاد دخولها ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من المصريين ﴿فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أي قتل المصري ﴿قالَ﴾ موسى مسترجعا أمره ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ المعنى؛ إنّ قتله المصري كان بنتيجة تزيين الشيطان له ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ الشيطان ظاهر العداوة والإضلال، والواضح من كلام موسى أنه هبّ لنجدة العبري ليس لكونه على صواب، ولكن فقط عصبية وتحيّزا له، ولعلّ هذه هي العبرة من القصة في هذا الموضع.\n\n<span id=\"aya-3268\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بالعصبية، وقتلي المصريّ بلا ذنب ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\n\n<span id=\"aya-3269\"></span>﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من المغفرة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ مدافعا عنهم، والمغزى أن الذي دافع عنه موسى وقتل المصري بسببه كان كافرا مجرما.\n\n<span id=\"aya-3270\"></span>﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ما تكون نتيجة قتله المصري بالأمس؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ الإسرائيلي ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستنجد به صارخا ﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ للإسرائيلي ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ضال في الغواية.\n\n<span id=\"aya-3271\"></span>﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾","vol":"3","page":256},{"text":"١٩ - ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ أي بالمصريّ، بدافع من العصبية مرة ثانية (قالَ) المصريّ ﴿يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ تحيّزا لقومك، وعصبية ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ تضرب وتقتل ولا تنظر في العواقب ﴿وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ بين الناس بحيث تدفع التخاصم بينهم بالتي هي أحسن.\n\n<span id=\"aya-3272\"></span>﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى﴾ لإنذار موسى، وهو على الأغلب مؤمن من آل فرعون ﴿قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ أي الجمع من كبار الناس، أو من كبار حاشية فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون في أمرك ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ جزاء فعلتك بالأمس ﴿فَاخْرُجْ﴾ من المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3273\"></span>﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿فَخَرَجَ مِنْها﴾ من المدينة ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ يترصّد الأمور ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قد يظلمونه بالقتل.\n\n<span id=\"aya-3274\"></span>﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ خارجا من مصر إلى سيناء باتجاه الشرق، نحو أرض مدين، ربما لأن أهل مدين كانوا من العرب العموريين، على قرابة شديدة من العبرانيين، فظنّ موسى أنّ بإمكانه الاعتماد عليهم في محنته ﴿قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ باللجوء إلى مدين.\n\n<span id=\"aya-3275\"></span>﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾","vol":"3","page":257},{"text":"٢٣ - ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ العين التي يشربون منها ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ﴾ جماعة كثيرة من الناس من كل الأصناف ﴿يَسْقُونَ﴾ بهائمهم ومواشيهم ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ في مكان أسفل منهم ﴿اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ عن غنمهما مخافة أن تختلط بغيرها، أو تمنعان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ لم لا تباشران السقي كغير كما؟ ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ مواشينا ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ ننتظر حتى يصرف الرعاة مواشيهم بعد ريّها من الماء، فنحن عاجزتان عن المنافسة معهم ﴿وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يستطيع مساعدتنا.\n\n<span id=\"aya-3276\"></span>﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿فَسَقى لَهُما﴾ سقى غنمهما لأجلهما ﴿ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ﴾ ليرتاح من عناء السقي والترحال ﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ محتاج لأي شيء من خزائن كرمك، ما يدل على حاجته الشديدة لأي طعام أو مأوى.\n\n<span id=\"aya-3277\"></span>﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ يريد مكافأتك ﴿فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ القصة، أي الخبر المقصوص قصّته ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فليس لهم من سلطان ها هنا، ووصفهم بالظالمين لما كان عليه فرعون من ادعاء الألوهية، وعبادة قومه له، أو لما كانوا عليه من اضطهاد العبرانيين.\n\n<span id=\"aya-3278\"></span>﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ﴾ لرعي الأغنام وسقايتها ولخدمتك ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ فهذا الرجل يجمع بين القوة والأمانة.","vol":"3","page":258},{"text":"<span id=\"aya-3279\"></span>﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ شريطة أن تعمل معي وتبقى في خدمتي ثماني سنين على الأقل ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ الحد الأقصى عشر سنين، والخيار بين الثماني أو العشر سنين عائد لموسى ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزامك بالعشر ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حسن المعاملة والوفاء بالعهد.\n\n<span id=\"aya-3280\"></span>﴿قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿ذلِكَ﴾ الأجل والعهد ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ صار مقبولا ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ في طلب الزيادة عنهما ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ نوكل أمورنا إليه.\n\n<span id=\"aya-3281\"></span>﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾ غربا، عائدا باتجاه شبه جزيرة سيناء ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ﴾ جبل سيناء ﴿نارًا قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ يدلنا على الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ﴾ من الحطب المشتعل ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون بها.\n\n<span id=\"aya-3282\"></span>﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠)﴾","vol":"3","page":259},{"text":"٣٠ - ﴿فَلَمّا أَتاها﴾ أي النار ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ﴾ الأيمن عند العرب يعني المبارك ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ المحترقة في النار ﴿أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾، وفي سورة النمل: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ وهو نور الله تعالى، مصدر الإلهام ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ الملائكة ﵈ ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تنزيه الله تعالى عن كل نقص وسوء، [النمل ٨/ ٢٧].\n\n<span id=\"aya-3283\"></span>﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ لمغزى معجزة العصا انظر شرح آية [الأعراف ١٠٧/ ٧]، ﴿وَلّى مُدْبِرًا﴾ منهزما ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ من المخاوف.\n\n<span id=\"aya-3284\"></span>﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فتشع نورا روحانيا ﴿وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ﴾ يدك ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ دليل الأمان من الرهبة، بعكس مدّ اليد للدفاع ضد المخاوف ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ البرهانان المشار إليهما هما مقدرة موسى على مناقشة فرعون في بلاطه في شؤون دعوته دون خوف معنوي أو حقيقي منه، لشعوره بأن الله معه، والبرهان الثاني لفرعون لبيان أن الحقيقة والظاهر لا يتطابقان دوما.\n\n<span id=\"aya-3285\"></span>﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ قتلت المصري الذي استنجدني عليه العبراني الذي من قومي ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ قصاصا.","vol":"3","page":260},{"text":"<span id=\"aya-3286\"></span>﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ لم يكن موسى طليق اللسان كأخيه ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا﴾ مساعدا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ فيشهد لي بطلاقة لسانه على صدق دعوتي ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ إن لم أعرض قضيتي بطلاقة.\n\n<span id=\"aya-3287\"></span>﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ أزرك ﴿بِأَخِيكَ﴾ هارون ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ حجة وتسلّطا ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا﴾ بآيات الله التي تحميهم ﴿أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا﴾ من قوم فرعون ﴿الْغالِبُونَ﴾ على أعدائكم.\n\n<span id=\"aya-3288\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ بالمعجزات ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات ﴿قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً﴾ لما اعتادوا عليه من تداول السحر في حياتهم اليومية ﴿وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ لأن ما شاهدوه من الفرق بين الحقيقة والظاهر يفوق السحر الذي اعتادوا خداع الناس به.\n\n<span id=\"aya-3289\"></span>﴿وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لفرعون ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ﴾ من عند الله، والمعنى؛ إن الله تعالى قد جعل موسى أهلا للنبوة والهداية، ولو كان كما يزعمون كاذبا ساحرا مفتريا لما كان أهلا لذلك، فالله تعالى لا يرسل الكاذبين، ولا ينبّئ السحرة، ولا يفلح عنده الظالمون ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ﴾","vol":"3","page":261},{"text":"﴿الدّارِ﴾ العاقبة الحميدة في الدنيا ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ عند الله تعالى، فلا يتوصلون إلى نهاية سعيدة.\n\n<span id=\"aya-3290\"></span>﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ يا كبار القوم ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ بزعمه أنه ابن إله الشمس (ر ع) ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ﴾ كبير الكهنة ﴿عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ من الأهرامات ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ وفي كلامه ما فيه من السخرية بموسى ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ المواظبين على الكذب.\n\n<span id=\"aya-3291\"></span>﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ أعوانه ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع كونهم على الباطل ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ للبعث والحساب، ولا شك أن مفهوم الفراعنة للآخرة ليس له علاقة بكون الحياة الآخرة تتمّم الأولى تحقيقا للعدالة، وإنما كانوا يتوقون للخلود في مرحلة أخرى من الحياة بعد الموت لا يدركون كنهها، مما كان الباعث لهم على بناء الأهرمات وتحنيط الجثث.\n\n<span id=\"aya-3292\"></span>﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ في أثناء لحاقهم موسى إلى سيناء ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-3293\"></span>﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ للضلال والفساد في دنياهم، وادعاء فرعون الألوهية ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ مصير من يتّبعهم إلى النار ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بنتيجة التكبر والاستكبار في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-3294\"></span>﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾","vol":"3","page":262},{"text":"٤٢ - ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ إبعادا من رحمته تعالى، ومنعا للألطاف والتوفيق في دنياهم، بما اختاروه لأنفسهم برفضهم بعثة موسى إليهم ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أعمالهم الدنيوية حرمتهم من رحمة الله.\n\n<span id=\"aya-3295\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - بعد أن أوجزت الآيات (٧ - ٤٣) قصة موسى من مولده إلى مبعثه إلى فرعون تبين الآيات (٤٤ - ٥٠) تتابع الوحي الإلهي بالتوراة وبالقرآن الكريم:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ من الذين أنكروا الرسل ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ التوراة بصائر للناس، أي بواسطتها تبصر القلوب وتميز بين الحق والباطل ﴿وَهُدىً﴾ ومصدر هداية إلى الحق ﴿وَرَحْمَةً﴾ للناس من التخبط في ظلمات الشك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الله.\n\n<span id=\"aya-3296\"></span>﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿وَما كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ من جبل سيناء ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أوحينا إليه التوراة ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ على الوحي.\n\n<span id=\"aya-3297\"></span>﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُونًا﴾ أجيالا بينك وبين بعثة موسى ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ مضت عليهم سنون طويلة ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ لم تكن يا محمد أوّل رسول للناس ﴿وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ رسلا كثيرين إلى مختلف الأمم.\n\n<span id=\"aya-3298\"></span>﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾","vol":"3","page":263},{"text":"٤٦ - ﴿وَما كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ موسى بالوحي ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بعثناك أنت أيضا بالقرآن رحمة لقومك ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كنت أول الرسل إليهم بعد حقبة طويلة من الزمن ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون.\n\n<span id=\"aya-3299\"></span>﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الشرور والكفر والشرك ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا﴾ يرشدنا ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ بالتوحيد، والظاهرة على يدي نبيك ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إيمانا يقينا.\n\n<span id=\"aya-3300\"></span>﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا﴾ أي أهل مكة، جاءهم القرآن وقت البعثة ﴿قالُوا﴾ تعنتا وتعجيزا ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ محمد ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ من الكتاب المنزل جملة واحدة ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ اليهود ﴿بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ جاءهم موسى بالكتاب جملة واحدة فكفروا به ونكصوا إلى الوثنية مرارا ﴿قالُوا﴾ كفار مكة ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ أي التوراة والقرآن سحران تعاضدا وتعاونا بالنظر لنبوءة التوراة بقدوم النبي الأحمد، وقد يكون قولهم إن موسى ومحمد ساحران تظاهرا بنزول الوحي عليهما ﴿وَقالُوا﴾ كفار مكة ﴿إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ بموسى ومحمد معا.\n\n<span id=\"aya-3301\"></span>﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة يا محمد ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما﴾ من التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أنهما نوع","vol":"3","page":264},{"text":"من أنواع السحر، ولم تأت الآية على ذكر الإنجيل، لأن عيسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة.\n\n<span id=\"aya-3302\"></span>﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أيها النبي، بعد كل هذه الحجج ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ﴾ الزائغة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ﴾ يتخبط فيه ﴿بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ لأنه لا هدي إلا هدي الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الذين يظلمون أنفسهم باتباع أهوائهم، تعنتا وتكبّرا وعنادا.\n\n<span id=\"aya-3303\"></span>﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - تأكد الآيات (٥١ - ٥٦) على أن الوحي الإلهي لم ينقطع عن البشرية:\n﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي إن الوحي نزل متواصلا عليهم وعلى من قبلهم من الأمم، كما أن القرآن نزل منجّما على مدة البعثة النبوية، لعله يكون عظة لهم في ذلك.\n\n<span id=\"aya-3304\"></span>﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ وهم اليهود والنصارى، أوتوا التوراة ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ يؤمنون بالقرآن، وقد دخل الكثير منهم في الإسلام زمن البعثة النبوية وبعدها.\n\n<span id=\"aya-3305\"></span>﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن الذي ختمت به الرسالات السماوية ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بأنه وحي منزل ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا﴾ كنا نعرف حقيقته ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ مذعنين مستسلمين لله تعالى، فجاءنا القرآن الكريم مطابقا للفطرة.","vol":"3","page":265},{"text":"<span id=\"aya-3306\"></span>﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرة على إيمانهم بالقرآن ﴿وَيَدْرَؤُنَ﴾ يدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ بالخصلة الحسنة ﴿السَّيِّئَةَ﴾ المعصية ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.\n\n<span id=\"aya-3307\"></span>﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ الغث والعبث من الكلام، إذا سمعوه من الكفار ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ لم يلتفتوا إليه ﴿وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا﴾ نتحمل وزرها ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ تتحملون وزرها ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ نتعامل معكم بالحجة والمنطق، وليس بالنزاع، ولا نقابل الباطل بالباطل ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ الذين يحلون مشاكلهم بالنزاعات والحروب.\n\n<span id=\"aya-3308\"></span>﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿إِنَّكَ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لا تستطيع قهر أحد على الهداية، ولا للإيمان بالقرآن ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ يهدي الله تعالى من يشاء الهداية فيوفقه بالألطاف الإلهية ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ هو أعلم بمن تميل إليه نفسه وجبلّته إلى الخير والهدى، ومن لديه قابلية للهداية، وأعلم بذوي النفوس المعاندة المكابرة الجاحدة، كما كانت الحال مع أهل مكة الذين عاندوا البعثة سنوات طويلة:\n\n<span id=\"aya-3309\"></span>﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾","vol":"3","page":266},{"text":"٥٧ - مع أن الوحي الإلهي تتالى على البشرية فإن المجتمعات، ومن ضمنها أهل مكة، تختلق الأعذار للتهرب من هدي الرسل، في محاولة ضمنية للتهرب من المسؤولية الأخلاقية، الآيات (٥٧ - ٥٩)، فيجمعون الفساد إلى الكفر:\n﴿وَقالُوا﴾ أهل مكة ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ﴾ إن استجبنا لدعوتك لنا للإسلام، وهذا مزيد من أعذارهم السطحية ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ لأن قبائل العرب سوف تعدّ ذلك خرقا لمواثيقنا معها، وقد تهاجمنا وتخرجنا من أرضنا ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ جعل الله تعالى لأهل مكة حرما آمنا على مر الأيام والعصور مما ينفي مخاوفهم المزعومة ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنّا﴾ الأرزاق المادية تتدفق على مكة أيام الحج والعمرة، وهي أيضا الرزق الروحاني والسلام الداخلي يتمتعون به، مما لا يعرفه الكفار ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الحكمة الإلهية من ذلك، ولا يربطون الأمور بمسبباتها، وهذا المعنى غير مقتصر على أهل مكة وقت البعثة، وإنما ينطبق على الناس من أمثالهم في كل العصور الذين يخشون الدخول في الإسلام خوفا من الانشقاق عن أهلهم وذويهم ومجتمعهم وتقاليدهم المتوارثة.\n\n<span id=\"aya-3310\"></span>﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ من مجتمع ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ لم يكن لها همّ إلاّ الدنيا، فرفضت الرسل ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا﴾ لحق بها الانحطاط والدمار نتيجة تهالكها على الدنيا، وتمسكها بالقيم المادية فقط من دون إقامة أي وزن للقيم الأخلاقية والروحية ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ الله تعالى يرث الأرض ومن عليها، والمغزى من الآية ملاحظة هشاشة مثل هذه المجتمعات في كل عصر، وأن مكاسبها المادية لا تصمد أمام القيم الروحانية المنبثقة من الهدي الإلهي.","vol":"3","page":267},{"text":"<span id=\"aya-3311\"></span>﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها﴾ في كبرى مجتمعاتها، كما في مكة ﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ فيقيم عليها الحجج، ويأمرها بالإصلاح، ولا يتركها في ظلام الشك والضلال ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى﴾ المجتمعات ﴿إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ ليس فقط بالكفر، وإنما أيضا بالفساد؛ إذ يظلم بعضهم بعضا، انظر [هود ١١٧/ ١١].\n\n<span id=\"aya-3312\"></span>﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - مع تتالي بعث الرسل فالناس لم ترعو عن عبادة المادة والأوهام والزعامات، الآيات (٦٠ - ٧٥):\n﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من المادة ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو متاع زائل إذ تتمتعون به مؤقتا ﴿وَزِينَتُها﴾ زخرفها ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ من دنياكم التي لا تلبث أن تزول ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لأن ذلك ممّا يستسيغه العقل فكيف تغفلون عنه؟.\n\n<span id=\"aya-3313\"></span>﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ بالسلام الروحاني والسعادة الداخلية ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ في نفسه حتما ﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ المادية فقط ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للبعث والحساب على ما قدّم وأخّر في دنياه؟ ولأنه لم يستخدم إمكاناته وملكاته العقلية على الوجه الصحيح.\n\n<span id=\"aya-3314\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾","vol":"3","page":268},{"text":"٦٢ - ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ يوم البعث والحساب ينادي الله تعالى ضعاف العقول من الذين تهالكوا على دنياهم ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أين الشركاء الذين اختلقتهم أوهامكم، والزعماء الذين كنتم تطيعونهم في المعاصي، وفي التحليل والتحريم، وزعماء الكفر، والمادة التي كنتم ترهقون أنفسكم بالجري وراءها وتنسون خالقكم؟ لقد كنتم تعبدون شهواتكم وغرائزكم.\n\n<span id=\"aya-3315\"></span>﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الذين حقّت عليهم آيات الوعيد ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ أضللنا ﴿أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا﴾ أضللناهم كما ضللنا، فضلّوا باختيارهم ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ﴾ منهم وممّا اختاروا لأنفسهم من الكفر والمعاصي ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ بل كانوا يعبدون شهواتهم وغرائزهم.\n\n<span id=\"aya-3316\"></span>﴿وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَقِيلَ﴾ يوم القيامة ﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ الذين زعمتم فهل من مجيب منهم؟ ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لأنهم لا يقدرون على شيء من نصرة أتباعهم، فضلا عن نصرة أنفسهم ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ العابدون والعبدة في آخرتهم ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-3317\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ الله تعالى يوم البعث ﴿فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ المغزى؛ بعثنا لكم الرسل بالوحي متضمّنا الهداية لكم، ولم نترككم تتخبّطون في عماية الجهل والشك والتنظير، فأنكرتم الرسل والرسالات.\n\n<span id=\"aya-3318\"></span>﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)﴾","vol":"3","page":269},{"text":"٦٦ - ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ فاتتهم الحجج والأعذار التي أرادوا التكلم بها، لكونها أعذارا وحججا فاسدة ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ فيما بينهم لفرط دهشتهم، أو لعلمهم أنهم سواء في الجهل والخيبة.\n\n<span id=\"aya-3319\"></span>﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ في دنياه ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ الفائزين السعداء في آخرته.\n\n<span id=\"aya-3320\"></span>﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ من الخلق والعباد ﴿وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ الله تعالى يختار الخير لخلقه، وليس المعنى ما زعموا أن ليس للناس الخيار في أمورهم، لأنّ (ما) ليست ما النافية، وإنّما هي اسم موصول بمعنى الذي، ولو كانت (ما) النافية كما يزعمون، لكان في ذلك من الجبرية ما ينافي حرية الخيار التي كرّم الله تعالى بها بني البشر ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيها له تعالى عن الشرك الذي يزعمون، نتيجة حرية الخيار التي يتمتعون بها.\n\n<span id=\"aya-3321\"></span>﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من الخفايا والنفاق والاعتقادات الباطلة ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ على الملأ، من نفاقهم.\n\n<span id=\"aya-3322\"></span>﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وحده ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ﴾ الله تعالى مستحق الحمد لذاته سواء قدر العباد على الإتيان بالحمد أم لم","vol":"3","page":270},{"text":"يقدروا، وسواء حمده حامد أم لم يحمد ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ في الدنيا والآخرة ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للبعث والحساب.\n\n<span id=\"aya-3323\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائما بلا نهار ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ﴾ هل من شركائكم من يقدر على شيء؟ ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ هذه الحقيقة وتعتبرون بها؟\n\n<span id=\"aya-3324\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا﴾ دائما بلا ليل ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ من عناء النهار ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الحكمة والمعجزة في تتابع الليل والنهار، ومن ثمّ في الحياة مغزى؟\n\n<span id=\"aya-3325\"></span>﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ في النهار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذا الإعجاز في تتابع الليل والنهار بما يناسب الفطرة ومتطلبات العيش.\n\n<span id=\"aya-3326\"></span>﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ ينادي المشركين يوم القيامة، المشار إليهم بالآيات (٦٢ - ٦٦)، ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ من الأوهام والبشر المؤلهين بزعمكم، والرؤساء الذين أطعتموهم في الأهواء وفي التحليل وفي التحريم ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ بزعمكم؟","vol":"3","page":271},{"text":"<span id=\"aya-3327\"></span>﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهم الرسل الذين بعثوا إليهم ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيها الأمم، بما ضللتم وما زعمتم من الشرك والشركاء في دنياكم ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ﴾ إنّ الله وحده الحقيقة المطلقة، وكلّ ما عداه من إيجاده وخلقه ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الأوهام التي ابتدعتها عقولهم، وما كانوا يتّكلون عليه من الثروات والسلطات الدنيوية، كما هي الحال في قصة قارون بالآيات (٧٦ - ٨٢).\n\n<span id=\"aya-3328\"></span>﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى﴾ من بني إسرائيل ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ تكبّر وتجبّر ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ العصبة: الجماعة الكثيرة، وهي على كثرتها وقوّتها، تنوء بحمل مفاتيح كنوزه، أي لا تستطيع النهوض بها لثقلها، فضلا عن النهوض بالكنوز ذاتها ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ لا تفرح بثروتك فرح البطر ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ بزخارف الدنيا وزينتها، المتمسّكين بما يلهيهم عن أمر الآخرة.\nلكنّ أبا مسلم الأصفهاني رأى أنّ المقصود من المفاتح: العلم والإحاطة، والمراد بما آتيناه من الكنوز ما إنّ حصرها وحفظها ليصعب على العصبة أولي القوة والهداية، أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يعلموا بها، ويحيطوا بكمياتها، فضلا عن حفظها.\n\n<span id=\"aya-3329\"></span>﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٧٧)\n٧٧ - وهذه تتمة موعظة قومه له:","vol":"3","page":272},{"text":"﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ﴾ من الأموال والنعم الكثيرة ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بالإنفاق في وجوه الخير بما يكون وسيلة إليها ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ في الأمور المباحة، لا تنس العمل فيها لآخرتك بلا تزهّد ولا تنسّك، بل عليك التوسّط في الأمور، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢]، ﴿وَأَحْسِنْ﴾ للناس مطلقا بالمال والجاه وحسن اللقاء ﴿كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ بما أنت عليه من الغنى والجاه والرفعة ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بما مكّنك الله من نعمه الكثيرة عليك، لا تستخدمها في الفساد والإفساد ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين يستخدمون النعم الإلهية في الإفساد.\n\n<span id=\"aya-3330\"></span>﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿قالَ﴾ قارون لهم مفاخرا: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أي جمعت ما عندي من المال ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ حصلت عليه بمهارتي وحذاقتي وخبرتي ومقدرتي، ولا دخل لله في ذلك ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ من الأمم المعتدّين بحولهم وقوّتهم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمال والكنوز، فلا يغترّ بما عنده ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ في الآخرة، بل يحاسبون أنفسهم عليها، لقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]، هذا في الآخرة، أمّا في الدنيا فالمجرمون عمي عن أخطائهم وجرائمهم، لا ينفع فيهم النصح والإرشاد.\n\n<span id=\"aya-3331\"></span>﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ في مواكب من الزينة والبهرجة ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ من الذين أغرتهم الدنيا وغرّرت بهم ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ من الأموال ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي في دنياه.","vol":"3","page":273},{"text":"<span id=\"aya-3332\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بأحوال الدنيا والآخرة، من المؤمنين ﴿وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ﴾ لكم من أموال الدنيا ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ لمن جمع الإيمان والعمل الصالح معا ﴿وَلا يُلَقّاها﴾ أي هذه الخصلة من قرن الإيمان مع العمل الصالح ﴿إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ على الطاعات، وعلى مصاعب الدنيا، وعلى مشاق التكليف.\n\n<span id=\"aya-3333\"></span>﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿فَخَسَفْنا بِهِ﴾ بقارون ﴿وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ خسف الأرض به قد يكون كناية عن كارثة حلّت به خسر بها ثروته أو صحته أو زعامته أو كلّ ذلك، بعدما طغى وتجبّر وتكبّر، واشتدّ أذاه على الناس ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فتعيده إلى ما كان عليه من القوة والثروة والجبروت ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ لا يستطيع نصرة نفسه بنفسه.\n\n<span id=\"aya-3334\"></span>﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ المشار إليهم بالآية (٧٩)﴾، كانوا يغبطونه على ثروته ومكانته ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ بالقدر الكثير ﴿لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ مؤمنهم وكافرهم، فلو بسطتعالى الرزق للمؤمنين فقط لصار الإيمان قسرا، ولانتفى الخيار الأخلاقي ﴿وَيَقْدِرُ﴾ على بعضهم بالقدر القليل ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بأن أجابنا لما فيه مصلحتنا ممّا لم نكن نعلم ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كما خسف بقارون وذهب بجبروته وطغيانه ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ الطغاة لا يصلون إلى مبتغاهم، وإن طال بهم الزمن.","vol":"3","page":274},{"text":"<span id=\"aya-3335\"></span>﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا﴾ على النقيض ممّا كان عليه قارون وأمثاله ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين بخيارهم الأخلاقي توصّلوا إلى المنزلة التي هم فيها، وليس لعدم اكتراثهم بالخيار، أو لأنّ الفرصة لم تتح لهم للتوصّل إلى دنيا المادة.\n\n<span id=\"aya-3336\"></span>﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ يجزيه الله تعالى بأحسن من عمله الحسن، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨/ ٢٤]، انظر أيضا [الأنعام ١٦٠/ ٦]، ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاء وفاقا، بلا زيادة ولا نقصان، فمعاناة المجرمين في الآخرة ليست سوى نتيجة طبيعية واستمرارية لإجرامهم في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3337\"></span>﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨٥)\n٨٥ - بعد قصة قارون والعبر منها، تبيّن الآيات التالية مسؤولية الإنسان الأخلاقية بعد نزول القرآن على البشرية:\n﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أيها الإنسان ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ للبعث وللحساب ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى﴾ من جاء في آخرته وهو على هدى ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ من جاء في آخرته ضالاّ عن الهدي الإلهي، لم ينظر في القرآن، ولم يهتد به.","vol":"3","page":275},{"text":"<span id=\"aya-3338\"></span>﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا﴾ أيها الإنسان ﴿أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ﴾ القرآن الكريم ينزل على البشرية ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لأنّ رحمة الله تعالى، وحكمته التي لا يدرك كنهها، اقتضت ذلك، رحمة بالبشرية، وتبيانا للحق من الباطل، ومن ثمّ اختبارا وفتنة لها ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ أيها الإنسان بعد نزول القرآن الكريم ﴿ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾ لا تكن عونا لهم على الباطل، بعد نزول الفرقان، وبعد أن أصبح الحق واضحا من الباطل.\n\n<span id=\"aya-3339\"></span>﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ﴾ أيها المؤمن ﴿عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ في القرآن الكريم ﴿وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من اليهود والمسيحية والآخرين من غير المسلمين، ولا من المسلمين الذين أشركوا بعلم أو بغير علم.\n\n<span id=\"aya-3340\"></span>﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ أيها المؤمن ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وحده لا شريك له ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ هو وحده الحقيقة المطلقة، وكلّ ما عداه من المخلوقات تستمدّ وجودها منه ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ جميع الخلائق ترجع إليه للحساب يوم البعث.","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3443>سورة العنكبوت - ٢٩ - مكية، وقيل مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3444>مقدمة</span>\nمعظم المصادر تؤكد أن سورة العنكبوت من أواخر السور المكية، لكن بعضها ينسبها لأوائل الفترة المدنية، وبعضها الآخر يحدد أن الآيات العشر الأولى منها مكية وباقي السورة مدنية، وبعضها يرى العكس، والنتيجة أن سورة العنكبوت نزلت على ما يبدو في الفترة الانتقالية بين الفترتين المكية والمدنية، واشتق اسمها من ضرب المثل بالعنكبوت بالآية (٤١) منها، وهي أولى مجموعة السور الأربع المتتالية: (العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة) التي تبدأ بأحرف المقطعات (ألم).\n\n<span data-type='title' id=toc-3445>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة القصص تبين أن بعث الرسل وتنزّل الوحي على البشرية قد تتالى على مر الزمن حتّى ختم بالقرآن، فلم يبق للناس من عذر بالجهل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١/ ٢٨ - ٥٢)، ثم تفتتح سورة العنكبوت أن الناس، بعد نفي الجهالة عنهم، أصبحوا في موقع المسؤولية، فيختبرهم تعالى في الدنيا بظهور أفعالهم إلى العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٢/ ٢٩) لأن الفتنة هي الاختبار، ثمّ الحياة تصبح جهادا حقيقيا لمن ينجح في الاختبار: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩/ ٢٩).","vol":"3","page":277},{"text":"وسوف نلاحظ أيضا ارتباطا عامّا بين مجموعة سور الطواسين الثلاث المتقدمة: (الشعراء - النمل - القصص) وبين مجموعة سور (ألم) الأربع التي تليها:\n(العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة).\n\n<span data-type='title' id=toc-3446>محور السورة</span>\nإن الذين يبذلون الجهد في سبيل التوصل للعلم اليقيني ويجاهدون النفس والهوى ينعكس جهادهم إيجابا على أنفسهم فتسمو مراتبهم الروحانية: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٦)، ومن جملة هذا الجهاد إعمال العقل، والانفكاك من الفكر المتحجّر المتوارث: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨).\nلكنّ تمسّك بعض الناس بالتقليد وبفكر الآباء المتحجّر بلغ مبلغا في قوم نوح أنه لبث فيهم تسع مئة وخمسين عاما وهو يدعوهم إلى التوحيد فلم يستطع أن يثنيهم عن ضلالهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٤)، وكذا كان الأمر في دعوة إبراهيم إذ تمسّكوا بعبادة ما اعتادوا عليه وتوارثوه من الأوهام والزيف: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧)، وكذا الأمم العديدة التي كذّبت رسلها رغم مقدرة الاستبصار التي أودعهاتعالى في بني آدم، وهي المقدرة على التوصل إلى الحقيقة عقلا - بالدلائل العقلية - فلم يستفد منها المكذّبون: ﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣٨)، والسبب يكمن في الاستكبار الذي يعمي البصيرة: ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ (٣٩).","vol":"3","page":278},{"text":"ثم تضرب السورة مثلا بالمستكبرين الذين يعبدون الأوهام والثروات ويلهثون وراء السلطة والقيم الزائفة بأنهم كمن يلوذ ببيت العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)، وقد فاتهم أن الخلق ليس عبثا وإنما ذو مغزى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٤)، كما فاتهم على القرآن والعمل به مما هو أكثر من كاف لدنياهم وآخرتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١)، غير أن العجز الفكري والتشنج على ما يعتاده أناس من أوهام يؤدي بهم إلى أسوأ العواقب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٣).\nلذا تنبّه السورة المنهمكين في الحياة الدنيا الذين لا يدركون أنها لعب ولهو في جنب الحياة الحقيقية في الآخرة: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤)، وتختم بالفكرة التي بدأت منها أن الذين يجاهدون النفس والهوى ويجاهدون في سبيل نشر الإسلام بالقناعة والقدوة الحسنة، يهديهم الله تعالى إلى سبله القويمة: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3341\"></span>﴿الم﴾ (١)\n١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3342\"></span>﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ بالقول ﴿وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ بالفعل، أي باختبار إيمانهم بظهوره إلى حيّز العلن، نتيجة قرن الإيمان بالعمل","vol":"3","page":279},{"text":"الصالح، ونتيجة التضحية في سبيل العقيدة، والمغزى أن العبرة ليست بالقول، بل بالقول والفعل معا.\n\n<span id=\"aya-3343\"></span>﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، أي قبل أهل مكة ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ إيمانهم وقرنوه بالعمل ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ المنافقين منهم، وبما أنّ علمه تعالى محيط بالماضي والحاضر والمستقبل، فالمقصود أنّ الله تعالى يحاسب العباد بظهور أعمالهم إلى حيّز التنفيذ، وليس بعلمه بالغيب منهم.\n\n<span id=\"aya-3344\"></span>﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ ولا يؤمنون بالآخرة ﴿أَنْ يَسْبِقُونا﴾ يعجزونا فيفوت حسابهم وجزاؤهم ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ لا يعلمون أن الجزاء مترتب على العمل لا محالة، وليس اعتباطا.\n\n<span id=\"aya-3345\"></span>﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)\n٥ - ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ يؤمن بالبعث والنشور ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ في الآخرة يوم تتحقق العدالة على أتم وجه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ السميع لدعاء عباده، العليم بأحوالهم.\n\n<span id=\"aya-3346\"></span>﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَمَنْ جاهَدَ﴾ في سبيل الحق ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ينتفع بجهاده من حيث انسجام أفعاله مع إيمانه، ومن حيث ما ينتظره من ثواب ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ ولكنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل، انظر [البقرة ٣٦/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3347\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾","vol":"3","page":280},{"text":"٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ من المذكورين أعلاه ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ يتغاضى عنها سبحانه ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيكون الجزاء والثواب موافقا لأحسن أعمالهم.\n\n<span id=\"aya-3348\"></span>﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)\n٨ - بعد أن بيّنت الآيات (١ - ٧) أنّ الدنيا دار اختبار، ينتقل الخطاب إلى أنّ الاختبار يقتضي استخدام العقل السليم، وليس مجرّد التقليد الأعمى للآباء والأجداد، كما يقتضي العمل والتضحية، وليس مجرّد القول، الآيات (٨ - ١٣):\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أن يحسن إليهما إحسانا ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ تقليدا واتّباعا لهما لا غير، وظلما للعقل والمنطق السليم ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ فيما لا يستسيغه العقل ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من استخدام إمكاناتكم الفكرية التي متّعتكم بها، فأحاسبكم عليها.\n\n<span id=\"aya-3349\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نتيجة اعتمادهم على الفكر المستقلّ، والعقل السليم ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ في عداد الصالحين في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3350\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ إيمانا ظاهرا، وهم المذبذبون أنصاف المؤمنين ﴿فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ اضطهد بسبب عقيدته ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ اضطهاد الناس له ﴿كَعَذابِ اللهِ﴾ للكفار، إلاّ من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان،","vol":"3","page":281},{"text":"انظر [النحل ١٠٦/ ١٦]، ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ للمؤمنين ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ المذبذبون للمؤمنين ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي كنّا معكم بالقول، وإن لم يظهر منّا أي تضحية فعلية ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ بما في صدور عباده من الصدق أو النفاق، وما يترتب عليهما بصورة طبيعية من ثواب وعقاب.\n\n<span id=\"aya-3351\"></span>﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالقول والعمل ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ علم ظهور إلى حيّز الواقع، وليس بعلمه بالغيب منهم.\n\n<span id=\"aya-3352\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ في الكفر والضلال ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ فلا عليكم منها، قالوه على سبيل التهكّم والسخرية، لأنهم ينكرون وجود الله أصلا، كما ينكرون الآخرة والحساب ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ انظر القاعدة القرآنية بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٧٤/ ٦]، ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في دعواهم حمل أخطاء الآخرين.\n\n<span id=\"aya-3353\"></span>﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ﴾ أثقال ذنوبهم ﴿وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ وهي أثقال جهودهم في إضلال الآخرين ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الكذب.\n\n<span id=\"aya-3354\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤)﴾","vol":"3","page":282},{"text":"١٤ - بعد أن فصّلت الآيات (١ - ١٣) لزوم قرن الإيمان بالعمل، ووجوب استخدام العقل والنهي عن التقليد في التوصل إلى الحقيقة التي جاءت بها الرسل، تضرب السورة مثلا بقصص بعض الرسل، الآيات (١٤ - ٤١):\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا﴾ فبقيت عقولهم متشنجة على التقليد، لا يتمكنون من تقويم رسالة نوح لهم من حيث جدارتها وأصالتها، مع طول المدة ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ بنتيجة عنادهم واستكبارهم ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ أنفسهم بعدم استخدام إمكاناتهم الفكرية التي كرّمهم بها الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3355\"></span>﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ من قومه المصرّين على الكفر ﴿وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ ومن معه من المؤمنين ﴿وَجَعَلْناها﴾ سفينة نوح ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ عبرة لمن يعتبر، في نجاة المؤمنين وغرق الكفار.\n\n<span id=\"aya-3356\"></span>﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - عطف على الآية (١٤) والتقدير: وأرسلنا إبراهيم: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ في أور كلدان، بالعراق اليوم ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده بلا شرك، ولا شركاء تزعمونهم ﴿وَاِتَّقُوهُ﴾ بنبذ عبادة الكواكب من شمس وقمر وغيرها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في دنياكم وآخرتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، وليس الأوهام.\n\n<span id=\"aya-3357\"></span>﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا﴾ هي المشارإليها بقوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء ٥٧/ ٢١ - ٦٣]،","vol":"3","page":283},{"text":"﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ كذبا سافرا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان، ومن الكواكب والنجوم، انظرآيات [الأنعام ٧٦/ ٦]، ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ ماديا، ولا روحانيّا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ المادي، والهداية الروحانية ﴿وَاُعْبُدُوهُ﴾ وحده ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ﴾ بالقول والعمل ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وتحاسبون من ثواب وعقاب.\n\n<span id=\"aya-3358\"></span>﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فلاقوا نتيجة تكذيبهم، جزاء وفاقا ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وليس عليه القسر والإكراه، لأن الإيمان لا يكون إلاّ بالخيار والقناعة.\n\n<span id=\"aya-3359\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١٩)\n١٩ - الآيات (١٩ - ٢٣) المضمّنة في قصة إبراهيم تحشد البراهين على صدق الرسالة وعلى وجود خالق مهيمن:\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ في كل مظاهر الخلق من حولهم، كالنباتات تموت في الخريف وتحيا في الربيع، وكالحيوانات خلقهاتعالى من نطفة، ولم تكن شيئا مذكورا، وهذا القدر من العلم كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥/ ٥٠].\n\n<span id=\"aya-3360\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ واستكشفوا أسرارها بالدراسة وبالبحث العلمي ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ من سلالة من طين، انظر [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، وانظروا الإعجاز، ليس في خلق الأجسام فقط، التي يحار الأطباء في","vol":"3","page":284},{"text":"تركيبها، بل أيضا ما فيها من العقول والفكر والشعور والغرائز ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ كما بدأتعالى أوّل خلق يعيده، انظر [الأنبياء ١٠٤/ ٢١]، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو خالق الأكوان لا يعجزه شيء.\n\n<span id=\"aya-3361\"></span>﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ بعد النشأة الآخرة يعذّب من يشاء تعذيبه من المنكرين لها ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ﴾ رحمته وهم المقرّون بها ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تردّون للحساب.\n\n<span id=\"aya-3362\"></span>﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أن يجري الله تعالى حكمه وقضاءه عليكم ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ لا تستطيعون النفاذ من أقطار السماوات والأرض، ومن قضاء الله فيكم ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ فالله وحده متولّي أموركم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ الله وحده يستطيع نصركم.\n\n<span id=\"aya-3363\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ الآفاقية والتكوينية الدالّة على وجوده ووحدانيته، كماآيات الوحي التي نزلت على الرسل ﴿وَلِقائِهِ﴾ وأنكروا البعث والنشور ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يئسوا من ألطافه تعالى ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ نتيجة إصرارهم على الكفر.\nوالخلاصة أنّ استعداد الإنسان للإيمان بالخالق هو بذاته نتيجة للألطاف والرحمة الإلهية، وعلى النقيض من ذلك يكون عذاب الآخرة نتيجة طبيعية للمصرّين على الكفر.","vol":"3","page":285},{"text":"<span id=\"aya-3364\"></span>﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - عودة الخطاب إلى الآية (١٨):\n﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ على دعوته لهم لعبادة الله وحده ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ بأن جعلهاتعالى بردا وسلاما عليه، انظر [الأنبياء ٦٩/ ٢١]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ عبرا باهرة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بما يمليه عليهم المنطق والعقل السليم.\n\n<span id=\"aya-3365\"></span>﴿وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم لقومه ﴿إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثانًا﴾ تعبدونها ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ مودّة بين العبدة لأنهم يقلّد بعضهم بعضا في عبادة الأوثان، فتكون سببا لائتلافهم وتوادّهم، وهذا محض التقليد وإنكار دور العقل ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ تنكرون بعضكم بعضا، وما كنتم عليه من الألفة والمودّة والجهالة ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ على النقيض ممّا كنتم عليه من المودّة ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾ تأوون إليها ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ لأنها المصير الطبيعي لأمثالكم من المقلّدين.\n\n<span id=\"aya-3366\"></span>﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ابن أخيه ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ إلى حيث أمرني ربّي، وإلى حيث لا أحد يمنعني حيث نزل إبراهيم في قرية من حرّان شمال بلاد الشام، ومنها إلى فلسطين حيث نزل إبراهيم في قرية من قراها، ونزل لوط في قرية سدوم وهي المؤتفكة على البحر الميت، انظر قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣]، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ جميع أفعاله متصفة بالحكمة، وإن بقيت حكمته أحيانا خافية على معظم الخلق.","vol":"3","page":286},{"text":"<span id=\"aya-3367\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ لإبراهيم ﴿إِسْحاقَ﴾ ابنه الثاني، بعد إسماعيل الذبيح، ﵉ ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ الملقّب بإسرائيل، ابن إسحاق ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾ في ذرية إبراهيم ﴿النُّبُوَّةَ﴾ تفرعّت النبوّة في ذرية إبراهيم إلى فرعين الأولى:\nالأنبياء من ذرية إسحاق، وكان آخرهم عيسى المسيح ﵇، آخر أنبياء بني إسرائيل، والثانية: الأنبياء من ذرية إسماعيل وانحدر منهم خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، انظر شرح آية [البقرة ١٢٢/ ٢]، ﴿وَالْكِتابَ﴾ الكتاب اسم جنس للكتب السماوية، والمقصود به الوحي ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ فكان إبراهيم للناس إماما، أي قدوة، لقوله تعالى: ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا﴾ [البقرة ١٢٤/ ٢]، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ في عداد من أنعم الله عليهم من الصدّيقين والشهداء.\n\n<span id=\"aya-3368\"></span>﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - عطف على الآية (١٦) والتقدير: وأرسلنا لوطا: ﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سدوم، وهم قومه مجازا لكونه استوطن مجتمعهم، ونبّئ عندهم مبعوثا إليهم خاصة، ودعاهم إلى الصلاح ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة الشاذّة البالغة في القبح، تشمئزّ منها الطباع السليمة، والنفوس الكريمة ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من ذوي الطباع السليمة.\n\n<span id=\"aya-3369\"></span>﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ شذوذا ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ المعتاد مع النساء ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ﴾ مجالسكم ﴿الْمُنْكَرَ﴾ القبيح تفعلونه جهارا،","vol":"3","page":287},{"text":"﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ ساخرين متهكّمين ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك أنك نبيّ مرسل.\n\n<span id=\"aya-3370\"></span>﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بعد أن أيس منهم، ورأى منهم الإصرار على الفساد.\n\n<span id=\"aya-3371\"></span>﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى﴾ بشرى ولادة إسحاق، انظر [هود ٦٩/ ١١ - ٧٣]، ﴿قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ أتبعوا بشراهم، بخبر ما سوف يحلّ بقرية لوط من الهلاك ﴿إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ظلموا أنفسهم بالخروج عن سلامة الفطرة.\n\n<span id=\"aya-3372\"></span>﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منك ﴿بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ممّا سوف يحلّ بالآخرين ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ سوف تبقى مع الهالكين لا محالة، لأنها تميل إلى الشواذ.\n\n<span id=\"aya-3373\"></span>﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ اعتراه السوء والغمّ خيفة أن يتعرّض لهم قومه بالسوء كما هي عادتهم مع الغرباء ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم، وذرعه أي طاقته، أي ليس طويل الذراع بما يمكنه من حمايتهم ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ﴾ إنّا رسل ربّك ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ من العذاب الذي سوف يصيبهم ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ الهالكين معهم.","vol":"3","page":288},{"text":"<span id=\"aya-3374\"></span>﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ سدوم قرية قوم لوط ﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ وهو العذاب الذي يقلق المعذّب، انظر أيضا معنى الرجز في آية [الأعراف ٧١/ ٧]، وفي هذه الحالة أصابتهم الزلازل التي قلبت قراهم عاليها سافلها، فسمّيت المؤتفكة أي المنقلبة، وغشيهم الغبار البركاني والحمم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بنتيجة خروجهم عن الطريق السوي.\n\n<span id=\"aya-3375\"></span>﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها﴾ من القرية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ هي آثار ديارها الخربة بقيت ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار.\n\n<span id=\"aya-3376\"></span>﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ لمزيد من التفصيل عنهم انظر شرح آية [الأعراف ٨٥/ ٧]، ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ولا تجعلوا الدنيا منتهى أملكم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأنهم كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل ويبخسون الكيل والميزان، وبعبارة أخرى كان نظامهم الاقتصادي قائما على الفساد.\n\n<span id=\"aya-3377\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الأرضية، ولا تزال بقايا الحمم البركانية في أراضي الحرّة ماثلة إلى اليوم شاهدة على ذلك، وفي آية [الشعراء ١٨٩/ ٢٦] أنه أخذهم عذاب يوم الظله ويبدو أن الرماد البركاني انتشر في الجو كالضباب حاجيا عنهم الشمس ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك.","vol":"3","page":289},{"text":"<span id=\"aya-3378\"></span>﴿وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَعادًا وَثَمُودَ﴾ من الأمم العديدة التي كذّبت رسلها، انظر [الأعراف ٦٥/ ٧ - ٧٩]، ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ ما جرى عليهم من الهلاك ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ فجعلها تبدو حسنة في نظرهم، واعتدّوا بأخطائهم ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ القويم ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ لم يستفد المكذّبون من مقدرة الاستبصار التي أودعهاتعالى في بني آدم، وهي المقدرة على التوصل إلى الحقيقة والتمييز بين الحق والباطل بالدلائل العقلية.\n\n<span id=\"aya-3379\"></span>﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ الآيات الواضحة من معجزات حسية، ومن وحي إلهي ما هو أكثر من كاف لغير المكابر ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بقوا مصرّين على العناد والمكابرة، معتدّين بأنفسهم ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ ما كانوا فائتين أمره تعالى، وقد أدركهم أمره فعلا بالنهاية البائسة التي وصلوا إليها.\n\n<span id=\"aya-3380\"></span>﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ نتيجة طبيعية مترتبة على ذنب كل منهم ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ كقوم عاد ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كما هي حال قارون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ كفرعون وملئه ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ اعتباطا ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بما اختاروا لأنفسهم من سوء العقيدة والعمل.","vol":"3","page":290},{"text":"<span id=\"aya-3381\"></span>﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - الآيات (٤١ - ٤٤) تلخص، بشكل رمزي، موقف الأمم البائدة التي سبق ذكرها بالآيات المتقدمة (١٤ - ٤١)، وتضرب لها مثلا بيت العنكبوت:\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ من الأوثان، والأوهام، والرؤساء المؤلّهين ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ من نسيجها الضعيف، تكمن فيه، وتصطاد به فرائسها ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لأنّ الحشرات التي تلوذ ببيت العنكبوت يكون مصيرها الهلاك، فالعنكبوت تفترسها رغم مظهرها الضعيف، وكذا عبدة الأوهام، فإن معبوداتهم الضعيفة توردهم موارد الهلاك ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ ما يلوذون به من أوهامهم سوف يقضي عليهم.\n\n<span id=\"aya-3382\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما يدعون من دون الله ليس سوى الخيال والوهم ﴿وَهُوَ﴾ الله وحده ذو الوجود الحقيقي ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير شؤون عباده وإرشادهم.\n\n<span id=\"aya-3383\"></span>﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ كمثل بيت العنكبوت المذكور آنفا ﴿وَما يَعْقِلُها﴾ يفقه المغزى منها ﴿إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ الراسخون في العلم، الناظرون المتدبّرون في الآيات.\n\n<span id=\"aya-3384\"></span>﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ وليس عبثا، بل هنالك مغزى، وهذا المغزى يستتبع الإيمان بالله الواحد، وكل شيء في الخلق ذو معنى، وليس من صدفة في شيء، انظر [الأنبياء ١٨/ ٢١]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالحكمة الإلهية الخافية على معظم الخلق.","vol":"3","page":291},{"text":"<span id=\"aya-3385\"></span>﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ما دام الأمر على النحو المذكور في الآية (٤٤) من وجود مغزى للخلق، فلم يبق على المؤمن سوى تلاوة آيات الذكر الحكيم تلاوة فهم وتدبّر، والمواظبة على الصلوات المكتوبة، للتوصل إلى السلوك القويم أولا، وإلى هذا المغزى ثانيا:\n﴿اُتْلُ﴾ أيّها المؤمن ﴿ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ﴾ ما فهمته، أيها المؤمن، من الوحي القرآني ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ في مواعيدها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ يستحيل أن يجتمعا مع الصلاة، وإلاّ كانت الصلاة نفاقا ورياء، انظر [الماعون ٥/ ١٠٧]، ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ من أي شيء من الخيرات، فلا شيء أفضل من ذكر الله ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ من خير أو شر، فتحاسبون عليه.\n\n<span id=\"aya-3386\"></span>﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - انتقال الخطاب من واجبات المؤمن تجاه نفسه إلى تحديد واجباته في الدعوة تجاه الآخرين من أهل الكتاب، الآيات (٤٦ - ٥٥):\n﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بأحسن الأساليب، والجدل والنقاش مطلوب من ذوي المؤهلات فقط، وليس أن يتصدّى له كل أحد من الناس ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ المصرّون على الظلم من أهل الكتاب لا ينبغي مجادلتهم أصلا ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ من الوحي ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ﴾ لا نعبد غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مستسلمون منقادون مذعنون.\n\n<span id=\"aya-3387\"></span>﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)﴾","vol":"3","page":292},{"text":"٤٧ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أيها الرسول، وأيها المؤمن، أنزلنا إليك القرآن، وما قبله من الكتب السماوية المقدسة ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ في الخطاب محذوف وتقديره: الذين آتينهم فهم القرآن والكتب المقدسة من قبله ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أؤلئك يؤمنون بالقرآن يقينا ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ﴾ من أهل الكتاب ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وقت البعثة النبوية، وبعدها على مر العصور، وقد دخلوا الإسلام بعد الفتوحات بأعداد كبيرة جدا ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ جحودا، فينكرها وهو يعلم صحتها ﴿إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ المتوغّلون في الكفر المصمّمون عليه، وذلك لشدة وضوحها وبيانها بما لا يترك مجالا للجدال بصحتها.\n\n<span id=\"aya-3388\"></span>﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا﴾ أيها الرسول ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن ﴿مِنْ كِتابٍ﴾ مقدس أو غير مقدس، فالنبي كان أمّيا لا يقرأ ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ولا تعرف الكتابة ﴿إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ لكان هنالك شك لدى الذين يحاولون إبطال القرآن بشتى الوسائل، وعلى أية حال لم يعرف في جزيرة العرب، وقت البعثة ولا قبلها، أيّ مركز ثقافي أو ديني يروّج لكتب اليهود والمسيحية، كالعهد القديم والعهد الجديد، ولم تكن هذه الكتب مترجمة للعربية أصلا.\n\n<span id=\"aya-3389\"></span>﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿بَلْ هُوَ﴾ القرآن الكريم ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضحات من تلقاء نفسها لا تحتاج إلى برهان ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموه وعلموا معانيه ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ فينكرها وهو يعلم صحتها ﴿إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ أنفسهم بخداعها.\n\n<span id=\"aya-3390\"></span>﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾","vol":"3","page":293},{"text":"٥٠ - ﴿وَقالُوا﴾ الكفار والسذّج ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون آيات مادية ومعجزات تلمسها أيديهم، كنزول القرآن مكتوبا، وذلك لشدة طفولتهم العقلية، وعجزهم عن استخدام مداركهم الفكرية في تقويم القرآن من حيث جدارته ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ﴾ المادية ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ هو وحده يقرر نزولها إن شاء، إن اقتضت الحكمة والمصلحة ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لا غير، فليس من وظيفتي اجتراح المعجزات.\n\n<span id=\"aya-3391\"></span>﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ هؤلاء الكفار والمكابرون والسذّج ﴿أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ بما فيه من إعجاز، فأين عقولهم التي كرمهم الله تعالى بها؟ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في نزول القرآن ﴿لَرَحْمَةً﴾ لأنه معجزة كائنة وباقية في كل زمن وكل مكان ﴿وَذِكْرى﴾ للناس، يذكّرهم بدين الفطرة، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بما يميل إليه العقل السليم، والفطرة السليمة، بخلاف المكابرين المعاندين.\n\n<span id=\"aya-3392\"></span>﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ على مصداقية القرآن والوحي، فآياته تشهد على ذاتها بذاتها ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أحاط علمه القديم بكل شيء ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ﴾ رغم الآيات البينات ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ يكونون كمن أوصل نفسه بنفسه إلى الحضيض، إذ استخدم عقله استخداما سلبيا ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم، وليس أعظم من خسارة الأنفس.\n\n<span id=\"aya-3393\"></span>﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾","vol":"3","page":294},{"text":"٥٣ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ تهكّما وتعجيزا ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ بإمهالهم، وإعطائهم الفرص للتفكّر والتدبّر في القرآن، وإعطائهم فرص التوبة، رحمة منه تعالى ﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ عاجلا غير آجل، لكنّ الله تعالى أرحم بهم من أنفسهم ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ إذا أصرّوا على الكفر ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بمجيئه، فالموت أقرب بعيد، وليس بعده سوى الحساب.\n\n<span id=\"aya-3394\"></span>﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ تهكّما وتعجيزا ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ بالمصرّين على الكفر، لا مناص لهم منها.\n\n<span id=\"aya-3395\"></span>﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يأتيهم عذاب الآخرة من كل الجهات ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي هذا نتيجة عملكم أوصلكم إلى هذه الحال.\n\n<span id=\"aya-3396\"></span>﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٥٦)\n٥٦ - بعد أن حضّت الآيات (٤٦ - ٥٥) على وجوب الدعوة، تبين الآيات (٥٦ - ٦٩) أن الدعوة تتطلب الهجرة والأسفار وجهاد النفس وتحمل المشاق:\n﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾ فلا مبرر أن تتحمّلوا الاضطهاد الديني من قبل أعدائكم، ولا أن يفتنوكم عن دينكم ﴿فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ولا مبرر لحلول وسط في أمور العقيدة مع الكفار.\n\n<span id=\"aya-3397\"></span>﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ سواء في دار الهجرة أو غيرها، فلا تخشوا السفر والهجرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.","vol":"3","page":295},{"text":"<span id=\"aya-3398\"></span>﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ فلا تضيع أعمالهم سدى.\n\n<span id=\"aya-3399\"></span>﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الاضطهاد الديني، وعلى مشاق التكليف، وعلى مشاق الهجرة ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بعد أن يتخذوا للأمور عدّتها.\n\n<span id=\"aya-3400\"></span>﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ في هجرتها ﴿اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ﴾ فالله تعالى وحده متولّي شؤون عباده ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالكم.\n\n<span id=\"aya-3401\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقرّون بذلك ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فكيف لهم أن يصرفوا إلى الشرك وعبادة الأوهام مما فيه تحقير لعقولهم.\n\n<span id=\"aya-3402\"></span>﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم مصالح عباده، فيبسط الرزق لأناس، ويقدره على آخرين، بغض النظر عن مؤمنهم وكافرهم، وفق حكمته الخافية على الناس.\n\n<span id=\"aya-3403\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾","vol":"3","page":296},{"text":"٦٣ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقرّون بأنه الخالق ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على وصولهم إلى هذه الدرجة من المعرفة، والحمد لله على إحيائه الأرض بعد موتها ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ مع ذلك، لا يتوصّلون إلى وجوب التوحيد، والإعراض عن الشرك، ويتهالكون على الدنيا، كما سوف تبيّن الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-3404\"></span>﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ في جنب الآخرة، وهي لهو ولعب للمنهمكين فيها، الذين جعلوها منتهى همّهم وأملهم ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ هي الحياة الحقيقية ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة الأمور.\n\n<span id=\"aya-3405\"></span>﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ في السفن، أو في الطائرات، وأشرفت بهم على الخطر ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ تضرّعوا إلى الله تعالى، وحده، من شدة خوفهم طالبين النجاة، لعلمهم أن الله وحده يرفع الشدائد ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ إلى شاطئ الأمان ﴿إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ينسون ما كانوا عليه من الخطر، ويعودون إلى عبادة أوهامهم ونزواتهم وشهواتهم، ويتهالكون على دنياهم، وينسون آخرتهم.\n\n<span id=\"aya-3406\"></span>﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ بعد نجاتهم يكفرون بما آتاهم الله من نعمه، وينسون استجابته لدعائهم وقت الشدة ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ ويعودون إلى ما كانوا عليه من اللهو واللعب والتمتع بدنياهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ العواقب في وقتها.\n\n<span id=\"aya-3407\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾","vol":"3","page":297},{"text":"٦٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ كفار قريش ﴿أَنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ يلوذون به آمنين، فلا يجرؤ أحد من العرب على الإغارة عليه، أو الاعتداء على من فيه، مما يحقق لهم الطمأنينة والسلام الداخلي، ومما هو جدير أن يحفزهم للإيمان ببعثة النبي ﷺ ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ تسود الفوضى والاقتتال خارج الحرم بين قبائل العرب ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يعبدون الأوثان ويتقرّبون إليها ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ يكفرون بما آتاهم الله تعالى من الأمن والأمان في ديارهم، وبما ساق إليهم من الأرزاق في مواسم الحج والعمرة، ومن ثمّ يكفرون ببعثة النبي ﷺ، كما سوف يرد بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-3408\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بأن جعل له شركاء من الأوثان والأوهام ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ كذّب ببعثة النبي أحمد خاتم الأنبياء والرسل ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ نتيجة طبيعية لإصرارهم على الكفر، وعمايتهم عن الهدي الإلهي.\n\n<span id=\"aya-3409\"></span>﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ في شأننا، وفي سبيلنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا، وليس أكبر من جهاد النفس، أما الجهاد القتالي في القرآن فهو مختص بالدفاع فقط، وليس بالعدوان، والجهاد أيضا مختصّ بالدعوة إلى الله بالحكمة وبالموعظة الحسنة وبالمجادلة بالتي هي أحسن، لمن هم أهل لذلك، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، والآية (٤٦)﴾، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ هؤلاء نزيدهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا لسلوكها، ما يدل أن هنالك أكثر من سبيل للهداية، وأكثر من سبيل لمعرفة الله ﷿ ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يتوخّون الإحسان في كلّ شيء، وفي كل عمل يقومون به، أن يكون على أحسنه.","vol":"3","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3516>سورة الروم - ٣٠ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3517>مقدمة</span>\nنزلت في السنة السادسة بعد البعثة كما هو واضح من الإشارة لهزيمة روم بيزنطة على يد الفرس في سنة ٦١٦ م أي ست سنوات بعد البعثة، وقد نتج عنها احتلال الفرس للشام ومصر وآسية الصغرى، فلمانزلت النبوءة المذكورة بالآيات (٢ - ٥) بأن النصر سوف يتحقق للروم بعد ذلك في بضع سنين (أي خلال ٣ - ٩ سنوات) قابلها مشركو قريش بالتهكم وبالازدراء، وكانوا قبلها يعيّرون المسلمين بأن مجوس الفرس انتصروا على أهل الكتاب، ثمّ في العام ٦٢٢ م تمكن الروم من هزيمة الفرس في معركة إيسّس  Issus  فأخرجوهم من آسية الصغرى، وفي العام ٦٢٤ م نقلوا المعركة إلى قلب فارس، وتزامن ذلك في الجزيرة العربية مع وقعة بدر وهو ما تشير له الآية (٥) عندما يفرح المؤمنون.\n(ارتباط السورة بما قبلها) في أواخرسورة العنكبوت المتقدمة أن الحياة الدنيا لهو ولعب وأن حياة الآخرة هي الحياة الحقيقية: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤/ ٢٩)، وفي سورة الروم أنّ الكفار مغترّون بظاهر الحياة الدنيا وغافلون عن حقيقة الدنيا والآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧/ ٣٠).\nوفي سورة العنكبوت أن القرآن الكريم أكثر من كاف لهداية ذوي العقول النّيرة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً﴾","vol":"3","page":299},{"text":"﴿وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١/ ٢٩)، ثمّ في سورة الروم أنّ الكفار يحاولون إبطال القرآن بشتّى الوسائل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨/ ٣٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-3518>محور السورة</span>\nأغلب الناس مغترّون بظاهر الحياة الدنيا غافلون عن حقيقتها ومغزاها وعن حقيقة الحياة الآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧)، وأنّ علاج الغفلة ذكر الله على الدوام: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (١٧ - ١٨)، والالتزام بدين الفطرة دون تبديل ولا إفساد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠).\nوقرن القول بالعمل بما فيه من إيتاء الصدقات والزكاة لمستحقّيها وتجنب الربا الفاحش: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٣٨ - ٣٩).\nوبخلاف ذلك فإن الفساد يظهر في البر والبحر بنتيجة منع الخير والتهالك على المادة عند الذين يعدّون النجاح الاقتصادي المادي معيارا وحيدا للنجاح، فتفسد البيئة الطبيعية من بر وبحر بنتيجة النفايات والمخلفات والتلوث، كما تفسد الأخلاق: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤١)، فلا يفيق الغافلون من غفلتهم إلا عند وقوع الساعة فيكذبون على أنفسهم بأن لبثهم في الدنيا كان قصيرا لدرجة","vol":"3","page":300},{"text":"أن لم تتح لهم فرصة الإصلاح والتوبة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3410\"></span>﴿الم﴾ (١)\n١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ٢/ ١].\n\n<span id=\"aya-3411\"></span>﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٢)\n٢ - ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ انهزم روم بيزنطة على يد الفرس سنة ٦١٦ م، انظر المقدمة.\n\n<span id=\"aya-3412\"></span>﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ من جهة بلاد العرب ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ بعد انهزامهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ سوف يغلبون الفرس.\n\n<span id=\"aya-3413\"></span>﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ سوف تكون غلبة الروم على الفرس في بضع سنين، أي خلال (٣ - ٩) سنين ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ بيده تعالى مقاليد الأمور في كل الأوقات والعصور ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ في ذلك اليوم، أي يوم وقعة بدر، التي تزامنت مع انتصار الروم على الفرس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يفرح المسلمون بنصرهم على كفار قريش، وفي حين أن وقعة بدر انتهت في يوم واحد، فإن نصر روم بيزنطة على الفرس استغرق بضع سنوات، انظر المقدمة.\n\n<span id=\"aya-3414\"></span>﴿بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٥)\n٥ - ﴿بِنَصْرِ اللهِ﴾ يفرح المؤمنون بنصر الله، إذ نصرهم الله تعالى على كفار قريش في بدر ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾ نصره، على قاعدة ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾","vol":"3","page":301},{"text":"﴿يَنْصُرْكُمْ﴾، انظر [محمد ٧/ ٤٧]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده، مؤمنهم وكافرهم.\n\n<span id=\"aya-3415\"></span>﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ بنصر المسلمين في بدر، ونصر الروم على الفرس ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ لا محالة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة الأمور، وإنما يعلمون ظاهرها فقط.\n\n<span id=\"aya-3416\"></span>﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولا يعلمون أقل القليل من الغيب ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ عن حقيقتها ﴿هُمْ غافِلُونَ﴾ النتيجة أنهم غافلون عن حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3417\"></span>﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ (٨)\n٨ - بعد أن أوجزت الآيات (١ - ٧) تحقق النبوءات في نصر روم بيزنطة من جهة، ونصر المسلمين في بدر من جهة أخرى، وأن أكثر الناس مغترّون بالظاهر من الأمور، ينتقل الخطاب بالآيات (٨ - ١٩) إلى وجوب أخذ العبر من تاريخ الأمم السابقة وأسباب انحطاطها وسقوطها، والتفكر في مغزى الخلق وعاقبة الإيمان والكفر:\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يتفكّروا لمصلحتهم، لأنّ التفكّر مفيد لهم ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ ليدركوا بنتيجة التفكّر أنّ الخلق ذو مغزى وليس عبثا ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ المخلوقات تنتهي في الزمان والمكان لكنّ الخالق لا أوّل له ولا آخر ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ منكرون للآخرة بسبب عمايتهم، فهم إمّا من غير المفكّرين، أو من ذوي التفكير المنحرف.","vol":"3","page":302},{"text":"<span id=\"aya-3418\"></span>﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيدرسوا تاريخ من سبقهم من الأمم ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ويدرسوا العواقب التي انتهت إليها، وأسباب نشوء الحضارات ثم انحطاطها وسقوطها ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فلم تفدهم شيئا ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ في حضارات أعظم من حضاراتهم ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ فأنكروا الرسل وكذّبوا الرسالات ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بعد أن حباهم كل هذه النعم الدنيوية، وأتبعها بالهدي الإلهي ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالجحود والاستكبار.\n\n<span id=\"aya-3419\"></span>﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾ بمقتضى سننه تعالى في الخلق أنّ السيئات تحيق بأصحابها، والسوءى تعني العقوبة السوءى، وهي تأنيث الأسوأ ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ بنتيجة التكذيب والاستهزاء بالآيات، وذلك ناتج من العناد والمكابرة والاستكبار.\n\n<span id=\"aya-3420\"></span>﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للبعث والنشور ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.\n\n<span id=\"aya-3421\"></span>﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يصبحون في منتهى اليأس.\n\n<span id=\"aya-3422\"></span>﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)﴾","vol":"3","page":303},{"text":"١٣ - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ﴾ من الزعماء والقادة الذين أضلّوهم ﴿شُفَعاءُ﴾ ظنّوا فيهم الشفاعة ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ بعد أن كانوا تابعين لهم تبعية عمياء في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-3423\"></span>﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ إلى مؤمنين وكفار.\n\n<span id=\"aya-3424\"></span>﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الذين صدّقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الحبر السرور، أي هم في الجنة في منتهى السرور.\n\n<span id=\"aya-3425\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ الذين اعتقدوا الدنيا نهاية المطاف ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ تفكيرهم المنحرف في دنياهم، وإصرارهم على الكفر، أدّيا بهم إلى هذا المصير.\n\n<span id=\"aya-3426\"></span>﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له تعالى عن كل نقص وسوء، وعلى تحقق العدالة في الآخرة، ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ على الدوام.\n\n<span id=\"aya-3427\"></span>﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - المغزى؛ اذكروا الله في كل الأوقات:\n﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو مستحقّ الحمد على إيجاده الخلق وعلى نعمائه ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ قالوا: إنّ في الآيتين (١٧ - ١٨) دلالة على الصلوات الخمس المفروضة، حين تمسون: صلاة المغرب، وعشيّا: صلاة","vol":"3","page":304},{"text":"العشاء، وحين تصبحون: صلاة الصبح، وحين تظهرون: صلاة الظهر، ثم العصر.\n\n<span id=\"aya-3428\"></span>﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كخلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، انظر [الإنسان ١/ ٧٦]، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ بوفاته ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد أن كانت قاحلة ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من موتكم للبعث والنشور والحساب.\n\n<span id=\"aya-3429\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - بعد أن أشارات الآيات المتقدمة إلى مغزى الخلق ينتقل الخطاب بالآيات (٢٠ - ٢٥) لبيان بعض الآيات الآفاقية:\n﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ من سلالة من طين، انظر [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، كما الجسم مخلوق من المواد العضوية الموجودة في التراب ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ في دنياكم تتصرّفون بها، وتتمتّعون بالفكر والعقل والغرائز في هذا الجسم المادي المخلوق من التراب، وما في ذلك من إعجاز يذهل عنه معظم الناس.\n\n<span id=\"aya-3430\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ لأنّ المرأة زوج الرجل، كما الرجل زوج المرأة، والجنس البشري كلّه من نفس واحدة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ الرجل والمرأة كلّ منهما يلقى السكينة عند الآخر ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ بين الزوجين ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ بالزواج الذي شرعه لكم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ إشارات وعبرا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الذين يمعنون الفكر في هذه","vol":"3","page":305},{"text":"الأحوال ممّا يعده الآخرون، غير المفكّرين، مسلّمات وبدهيات، غافلين عمّا تتضمنّه من إعجاز.\n\n<span id=\"aya-3431\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما من إعجاز هائل يكتشفه العلماء والفلكيون كل يوم ﴿وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ اللغات المختلفة التي تتكلمون وتتفاهمون بها، واختلافها باختلاف الشعوب والأمم ﴿وَأَلْوانِكُمْ﴾ باختلاف المناطق التي أنتم تقطنونها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ معجزات باهرات ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ للناس كلّهم.\n\n<span id=\"aya-3432\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ﴾ نومكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ لراحة الجسم والفكر ﴿وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالليل والنهار طلبا للرزق، الذي هو من فضله تعالى، والمغزى ألا ينسب المرء ما يكسبه من الرزق إلى حذاقته وجدارته لا غير، وينسى مسبّب الأسباب ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ لديهم قابلية للسماع، سماع تفهّم واستبصار.\n\n<span id=\"aya-3433\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ تخافون الصواعق والعواصف ﴿وَطَمَعًا﴾ وتطمعون في نزول المطر ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بإنبات النبات بعد أن كانت أراضي قاحلة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم في استنباط الأسباب، وكيفية تكوّن المطر وهطوله، وما في ذلك من إعجاز مذهل.","vol":"3","page":306},{"text":"<span id=\"aya-3434\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ جميع الأكوان تستمد وجودها منه، فلا وجود حقيقيا لها بذاتها ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يوم القيامة ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ للنشور والحساب في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3435\"></span>﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - الآيات (٢٦ - ٢٩) تفيد التفرد بالألوهية وصفتها، واستحالة الشرك والشركاء:\n﴿وَلَهُ﴾ وحده ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من المخلوقات العاقلة وغير العاقلة ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ خاضعون منقادون له طوعا أو كرها، ويستمدّون وجودهم منه.\n\n<span id=\"aya-3436\"></span>﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أول مرّة، من أكوان ومن مخلوقات حيّة وجمادات ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يوم القيامة ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ لا يعجزه شيء ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له الوصف العجيب المذهل الذي خارج التصور البشري لتعريف الإله، فليس لغيره ما يدانيه، وليس كمثله شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧]، فليس من وجود حقيقي إلاّ هو ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادر على كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ تجري أفعاله وفق سنن الحكمة والمصلحة التي قد يخفى الكثير منها على الخلق.\n\n<span id=\"aya-3437\"></span>﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾","vol":"3","page":307},{"text":"٢٨ - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء والخدم ﴿مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ هل تقبلون أن تكونوا معهم شركاء على قدم المساواة في الرزق والممتلكات ﴿تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فيصيروا متساوين معكم في المستوى الاجتماعي ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ الرسالات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستفيدون من عقولهم، والمغزى؛ ما دام الأمر على هذا النحو، فكيف تجرؤون على نسب شركاء إلى الله تعالى، مع أنّ هؤلاء الشركاء المزعومين ليسوا سوى مخلوقاته؟\n\n<span id=\"aya-3438\"></span>﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك، متوهّمين الشفاعة أو الوساطة بين الشركاء المزعومين وبين الله ﷿، مما يدلّ أنهم لا يعرفون الله حق المعرفة، خاصة إحاطته بكل شيء وجودا وعلما ﴿أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ اتّبعوا الهوى بغير علم يقيني ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ الله تعالى لا يجبر الناس على الهدى، بل يخلّيهم لأنفسهم وما منحهم من العقول والفطرة السليمة ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ غير الله.\n\n<span id=\"aya-3439\"></span>﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ما دام الأمر على النحو المذكور آنفا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أيها الإنسان، وإقامة الوجه للدين حنيفا كناية عن التوجّه بالكامل والاستسلام لدين الفطرة بلا انحراف ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ في خلقهم، كما في الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه»، والمقصود أنّ المولود يولد على فطرة الإسلام، ثم المجتمع قد يفسد فطرته ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ إلاّ بفساد الفطرة ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ دين","vol":"3","page":308},{"text":"الاستسلام والإذعان لله تعالى، بإقامة الوجه للدين بلا انحراف ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ من الكفار ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ هذه الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-3440\"></span>﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه تعالى، دعوا إذن كلّ ما هو باطل، وتوجّهوا أيها الناس إلى الله تعالى وحده ﴿وَاِتَّقُوهُ﴾ بمعرفته حق المعرفة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ له وحده ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فتبطل أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-3441\"></span>﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ولا تكونوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ باختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، أو اختلاف عقائدهم مع اتحادهم في عبادة الله، والإشارة إلى اليهود والمسيحية أولا، ثمّ هي تطال المسلمين ثانيا ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فرقا ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ طائفة منهم ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ يعتقدون أنهم محتكرون للحقيقة.\n\n<span id=\"aya-3442\"></span>﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - وهذه من غرائب سلوك الإنسان وتناقضه، الآيات (٣٣ - ٣٧):\n﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ وحده ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه دون غيره ﴿ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ مستجيبا لدعائهم ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ من الذين تأصّل الشرك فيهم ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعودون إلى ما كانوا عليه من الشرك بعد نجاتهم من الضرّ.\n\n<span id=\"aya-3443\"></span>﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللام لام العاقبة، فتكون النتيجة أنهم كفروا، بعد ما آتاهم الله تعالى من الرحمة ومن كشف الضرّ عنهم ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ قليلا بدنياكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عواقب شرككم في وقته.\n\n<span id=\"aya-3444\"></span>﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾","vol":"3","page":309},{"text":"٣٥ - ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ في الوحي ﴿سُلْطانًا﴾ حجّة وبرهانا ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ يؤيّد شركهم؟ والجواب بالنفي، والمعنى على أي شيء يستندون في دعواهم؟ سوى الوهم.\n\n<span id=\"aya-3445\"></span>﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ من نعمة وصحة ﴿فَرِحُوا بِها﴾ فرح البطر ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وفق سننه تعالى في خلقه ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ من رحمة الله، لمزيد من التفصيل انظر شرح [النساء ٧٨/ ٤ - ٧٩].\n\n<span id=\"aya-3446\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ بوفرة ﴿وَيَقْدِرُ﴾ ويضيّقه على من يشاء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ رسالات وعبرا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالسنن التي جعلهاتعالى في الخلق، وارتباطالآية بما قبلها إنكار فرحهم وبطرهم في حال الرخاء، وإنكار قنوطهم في حال الشدّة.\n\n<span id=\"aya-3447\"></span>﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿فَآتِ﴾ أيها المؤمن، أو أيها السامع ﴿ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ من الصدقات والمعونات، فهو حقّ له وليس تفضّلا ﴿وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ﴾ أعطهم حقّهم أيضا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ فمن بسط الله له رزقه لا ينقص بالإنفاق، ومن قدر عليه رزقه لا يزداد بالإمساك ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأنهم أنفقوا من المال الفاني، في مقابل الثواب الدائم.\n\n<span id=\"aya-3448\"></span>﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾","vol":"3","page":310},{"text":"٣٩ - وعلى النقيض من إعطاء الصدقات والمعونات، هنالك من يأكل الربا:\n﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ ما جئتم به من ربا ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ ليزيد في أموال المرابين ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ بل على النقيض من ذلك، يمحق الله الربا فلا يبارك به، ويربي الصدقات، انظر [البقرة ٢٧٦/ ٢]، ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ ما أعطيتم من الزكاة، ومن الصدقات غير الزكاة المفروضة ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ وليس منّة، ولا رئاء الناس ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ الذين تتضاعف أموالهم وحسناتهم، انظر [البقرة ٢٦١/ ٢]، وفي حين أن القرآن الكريم يحرّم بتاتا كلّ زيادة غير مشروعة على القروض التي قد يقرضها طرف لآخر لأي غرض من الأغراض، ويطلق على الزيادة اسم الربا، فالقرآن لم يتطرّق إلى الفرق بين المواد العينية المقترضة، وبين قيمتها المتغيّرة من النقود.\nوحتى الآن لم يتمكن علماء المسلمين من التوصل إلى إجماع مطلق حول تعريف الربا ضمن المتغيرات الاقتصادية الحديثة، وضمن النظريات والمعطيات الاقتصادية المتغيرة باستمرار، وخاصة تعريف الربا في مقابل تعريف نسب الفوائد المصرفية، ونسب التضخم السنوية في قيمة النقود الورقية، وهل المقصود بالربا اليوم (الربا الفاحش) الذي تفوق نسبته نسب التضخم النقدية قليلا أو كثيرا؟ أو تفوق نسب الفوائد المصرفية المفترض أنها تعوّض التضخّم؟ وهذا جزء من التحدّي الكبير الذي يواجه علماء المسلمين من الاقتصاديين لحل هذا الإشكال في العصر الحاضر.\n\n<span id=\"aya-3449\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ بيان الرزق بعد الخلق بالدرجة الأولى يأتي بعد أن أوجبت الآيات (٣٧ - ٣٩) الزكاة والصدقات، ونهت عن الربا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بحلول آجالكم الدنيوية ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يبعثكم يوم القيامة ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل لا يقدرون على أي","vol":"3","page":311},{"text":"شيء من ذلك ﴿﷾﴾ تنزيها له ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ من شركاء الزيف والوهم.\n\n<span id=\"aya-3450\"></span>﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - وبسبب عماية البشر عن فحوى الآيات (٣٧ - ٤٠) فقد ظهر الفساد:\n﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ من التهافت على جمع الأموال، والربا الفاحش، ومعايرة الأمور بما يسمونه النمو الاقتصادي مقياسا وحيدا ومطلقا لتقدم المجتمعات، وهو مقياس مادي بحت تسبّب عنه خراب البيئة الطبيعية في معظم البلدان، فتلوّث الهواء، وتلوّثت مياه الأنهار والبحار، وتلوّثت الأراضي، وازداد التلوّث النووي، وتكرّرت كوارث البيئة، ونقصت مساحة الغابات في العالم بشكل مريع، وانقرض الكثير من فصائل الكائنات الحية الضرورية لمعيشة البشر، وبعضها الآخر قارب الانقراض، وما تبع ذلك من تدهور الصحة وحدوث التشوهات الخلقية وغير الخلقية في أجسام البشر وأجسام الحيوانات بسبب أنظمة التغذية المصطنعة، يضاف إلى كل ذلك التدهور في القيم الأخلاقية للكثير من المجتمعات، بل تفكك عرى المجتمع، والانفلات الجنسي بلا أي رادع ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ نتيجة طبيعية لما كسبته أيديهم من الفساد والإفساد، لأنّ اللام لام العاقبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى رشدهم وإلى الصواب.\n\n<span id=\"aya-3451\"></span>﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وادرسوا تاريخ الأمم من قبلكم، تفاديا للفساد الذي حلّ بكم ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ما آلت إليه عاقبتهم من الاضمحلال والسقوط ﴿كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ كانوا يعبدون","vol":"3","page":312},{"text":"المادة والسلطة والأهواء والنزوات، وغابت عنهم القيم الروحانية والأخلاقية، ما أدّى إلى خرابهم.\n\n<span id=\"aya-3452\"></span>﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ما دام الأمر على ما ذكرته الآيات (٣٩ - ٤٢) فلا بد من الاعتصام بالإسلام، انظر أيضاالآية (٣٠):\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أيها الإنسان ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ دين الاستسلام لله، والإذعان لقيمه الصحيحة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ إمّا بحلول الأجل الدنيوي للمرء، أو بمجيء القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يتصدّعون، والمعنى يتفرّق الناس بحسب ما كانوا عليه من العقائد والأعمال المختلفة، ويكون حسابهم جزاء وفاقا نتيجة طبيعية واستمرارية لما كانوا عليه في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3453\"></span>﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - بعد أن حثّت الآية المتقدمة الإنسان على اتّباع الدين القيّم، تبيّن هذه الآية عاقبة من يكفر وعاقبة من يستجيب:\n﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ يعود وبال كفره عليه ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وحدهم يستفيدون من عملهم الصالح بانعكاسه عليهم إيجابا في آخرتهم، فكأنهم يمهّدون آخرتهم بعملهم الصالح.\n\n<span id=\"aya-3454\"></span>﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ تفضّلا منه ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ منكري الحقيقة، ينالهم العقاب نتيجة إصرارهم على الإنكار.\n\n<span id=\"aya-3455\"></span>﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾","vol":"3","page":313},{"text":"٤٦ - مزيد من تفصيل الآيات وإثبات الألوهية والتوحيد:\n﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ بالمطر ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ فتنمو الزروع والمحاصيل ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ في البحار ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم.\n\n<span id=\"aya-3456\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها النبي ﴿رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ كما جئت أنت بها إلى قومك ﴿فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين استجابوا للرسل.\n\n<span id=\"aya-3457\"></span>﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قد تكون رياح الأمل للعباد القانطين ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قطعا ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ من خلال السحاب، وفي المجاز قد تكون لهذه الآية دلالة رمزية على الحياة الروحانية، والباعث فيها على الأمل، بالإضافة لمعناها الظاهر ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ﴾ بالمطر ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ تنتعش أرواحهم.\n\n<span id=\"aya-3458\"></span>﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ في غاية اليأس والقنوط.\n\n<span id=\"aya-3459\"></span>﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾","vol":"3","page":314},{"text":"٥٠ - ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ على العابد ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد أن كانت قاحلة بلا نبات، أو بعد الشتاء والجمود ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ يوم البعث ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه أيضا يحيي موتى القلوب، فيهدي من لديه القابلية للهداية.\n\n<span id=\"aya-3460\"></span>﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا﴾ حارّة ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ رأوا بساتينهم ومحصولاتهم الزراعية مصفرّة محترقة بسبب الرياح الحارقة ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ بما سبق لهم من نعم الله، إذ يريدون أن تسير الأمور على هواهم، ناسين سنن الله تعالى في الأسباب والمسبّبات، وتوسط هذه الآية بين سابقتها وما بعدها فيه إشارة لكون الخطاب مجازا عن إحياء النفوس التي ماتت بالكفر، والنفوس المصرّة على الكفر:\n\n<span id=\"aya-3461\"></span>﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ لا سبيل إلى إسماع موتى القلوب والعقول الذين أغلقوا عقولهم سلفا عن سماع الدعوة ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الذين أغلقوا أسماعهم سلفا عن السماع سماع ذهن مفتوح ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ عن دعوتك لهم، أيها النبي، أو أيها المؤمن.\n\n<span id=\"aya-3462\"></span>﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ ولا سبيل لهداية عمي القلوب أيضا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢]، ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ الذين عندهم قابلية للسمع بذهن مفتوح غير متشنّج على التقليد، فهؤلاء يؤمنون، بخلاف منغلقي الذهن فلا طائل منهم ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يسلمون وجوههم لله تعالى.","vol":"3","page":315},{"text":"<span id=\"aya-3463\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ في طفولتكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ في شبابكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ في كهولتكم ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ بحسب الحكمة ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ العليم بالمصالح ﴿الْقَدِيرُ﴾ يخلق ما يشاء، بقدر ما يشاء.\n\n<span id=\"aya-3464\"></span>﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ يغيب عنهم مفهوم الزمن الحقيقي، والآية تبرز نسبية الزمن، وإن فترة لبث الإنسان في الدنيا في منتهى القصر بالمقارنة مع طول اللبث في الآخرة ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحقيقة، لأنهم يريدون إقناع أنفسهم أن فترة اللبث في الدنيا كانت قصيرة جدا لدرجة لم تسمح لهم بالتوبة.\n\n<span id=\"aya-3465\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموا علم الكتاب - القرآن - وأيقنوا به ﴿وَالْإِيمانَ﴾ وأوتوا الإيمان اليقيني ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ﴾ في علم الله القديم الشامل ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ القيامة ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لم تكونوا تريدون العلم، بل رفضتموه في عقلكم الباطن، تهربا من الشعور بالمسؤولية وتهربا من الحساب.\n﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾","vol":"3","page":316},{"text":"٥٧ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم في دنياهم، ولم يتوبوا فيها، بل أنكروا آخرتهم ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لا تنفعهم الأعذار بعد الفوات ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم الاعتذار.\n\n<span id=\"aya-3467\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ تمثيلا لما غاب عنهم من علم الغيب بما يعرفون من المحسوس ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ برسالة من ربهم ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المتشنّجون المصرّون على الكفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ تدّعون أمورا باطلة.\n\n<span id=\"aya-3468\"></span>﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الذين لا يريدون العلم يمنعهم تعالى من توفيقه وألطافه، ويخلّيهم لأنفسهم، انظر [البقرة ٧/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3469\"></span>﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿فَاصْبِرْ﴾ عليهم أيها المؤمن ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ فلا بد من تحقق العدالة في الآخرة على أكمل وجه ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يستفزّونك ولا يجعلونك خفيف التفكير ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ لا يوقنون بالآخرة.","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3578>سورة لقمان - ٣١ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3579>مقدمة</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية، واشتق اسمها من ذكر لقمان بالآيات (١٢ - ١٣) وهو حكيم عربي قديم.\n\n<span data-type='title' id=toc-3580>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة الروم بأن الكفار يحاولون إبطال القرآن بشتى الوسائل:\n﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨/ ٣٠)، وفي سورة لقمان أن المستكبرين من الناس من يتلاعب بأفكار فلسفية زائفة يحاول إقناع الآخرين بها بهدف الصدّ عن القرآن: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦/ ٣١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3581>محور السورة</span>\nالقرآن الكريم هدى ورحمة للذين يحسنون استخدام مداركهم العقلية:\n﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، ومن ثم فإنّ شكر الله لا يقتصر على القول، ولكن يتجاوزه إلى العمل، ما يعود مردوده على المرء نفسه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١٢).","vol":"3","page":318},{"text":"لكن الاستكبار والاعتداد بالنفس يقف حائلا بين المرء وبين رؤيته الحقيقة:\n﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧)، ما يوجب الانعتاق من الفكر المتحجّر المتوارث إن كان يخالف العقل، كما في وصايا لقمان لابنه: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٥)، وسبيل ذلك تجنب الاستكبار والإعجاب بالنفس: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١٨ - ١٩)، وتجنب التقليد الأعمى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١).\nوأن علم الله القديم وحكمته وآياته في عالم المشاهدة وعالم الغيب لا متناه ويستحيل أن تحيط به الكتب: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٧).\nولذا وجب حسم الأمور، واغتنام الفرصة قبل فوات الأوان: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٣٤).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3470\"></span>﴿الم﴾ (١)\n١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3471\"></span>﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)\n٢ - ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ الكتاب الحكيم هو القرآن، وهو حكيم من عدة وجوه: لأنه الكتاب المشتمل على الحكمة، والحكيم أيضا بمعنى الحاكم - فعيل بمعنى فاعل - فهو يحكم بالحق، ويميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة،","vol":"3","page":319},{"text":"والأعمال صوابها من خطئها، ويحكم بصدق النبوّة، والحكيم أيضا بمعنى المحكم الذي لا يتطرق إليه الخلل ولا التناقض، لأنّ القرآن في منتهى الإحكام والإتقان، كما أنّه محكم لا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، راجع آية [البقرة ١٠٦/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3472\"></span>﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)\n٣ - القرآن أيضا ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يحسنون استخدام إمكاناتهم ومداركهم العقلية، ويستفيدون منها، فيكون فهم القرآن الكريم هدى لهم من جهة، كما هو رحمة لهم من الله تعالى في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-3473\"></span>﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ تصديقا لإيمانهم، وما يترتّب عليه من تكليف ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ إنّ الدنيا ليست نهاية المطاف، بل هي مرحلة أولى وجيزة، تتبعها الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3474\"></span>﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)\n٥ - ﴿أُولئِكَ﴾ المذكورون ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ باتّباعهم آيات الكتاب الحكيم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في التوصّل إلى عاقبة سعيدة في الدنيا وفي الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3475\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦)\n٦ - ومع ذلك: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ شريحة من الناس المصمّمين على الكفر، وهم على النقيض من المذكورين بالآيات (٣ - ٥)، ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ يبتدعون وينشرون كلاما لا طائل منه سوى الضلال والإضلال، كالنظريات الفلسفية في خلق الكون والإنسان، والسفسطة، بعيدا عن هدي القرآن الذي هو أحسن الحديث، انظر [الزمر ٢٣/ ٣٩]، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بهدف","vol":"3","page":320},{"text":"إضلال الناس عن الطريق السوي ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، وإنما باتباع الظن والتقليد ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ يتخذ سبيل الله والآيات القرآنية مجالا للهزء تنفيرا للناس منها، وإمعانا في الضلال ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وأمثال هؤلاء الناس موجودون في كل العصور، وليسوا مقتصرين على كفار مكة.\n\n<span id=\"aya-3476\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ من الناس المذكورين أعلاه ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ الوقر المانع من السماع، فقد أصمّ الاستكبار أذنيه عن سماع الحقيقة ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ يتناسب مع ما اختار لنفسه من الاستكبار، والضلال والإضلال.\n\n<span id=\"aya-3477\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-3478\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٩)\n٨ - ٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ * خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ بخلاف المذكورين آنفا بالآية (٧)،\n\n<span id=\"aya-3479\"></span>﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (١٠)\n١٠ - بعد أن ذكرت الآيات (١ - ٩) أن القرآن مشتمل على الحكمة بما يكفي لإيمان المحسنين، بخلاف المستكبرين الذين يشترون لهو الحديث، تبين الآيتان (١٠ - ١١) من الإعجاز في خلق الأكوان ما لا يترك مجالا غير الإيمان بخالق واحد، وإبطال كلام المبطلين:\n﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ المعنى هنالك عمد لا ترونها، وهي قوانين الفيزياء التي أوجدهاتعالى، وبموجبها يسير النظام الكوني ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلاّ تميد الأرض وتهتز بكم،","vol":"3","page":321},{"text":"فالجبال تساعد على توازن القشرة الأرضية ﴿وَبَثَّ فِيها﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ دابَّةٍ﴾ أنواعا كثيرة ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ المطر ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ من كل جنس، لأنّ كلاّ منها مشتمل على عناصر التذكير والتأنيث ﴿كَرِيمٍ﴾ كثيرة النفع من النباتات، والتغير في الضمائر من الغائب إلى الحاضر في اسم الجلالة، كما هي العادة في تغيير الضمائر في الكثير من الآيات، يفيد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تحيط به الضمائر التي تستخدم للبشر.\n\n<span id=\"aya-3480\"></span>﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١١)\n١١ - ﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ بما فيه من إعجاز وآيات باهرات ﴿فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ممّن تشركون ﴿بَلِ الظّالِمُونَ﴾ المشركون الذين يعتقدون الألوهية في غير الله تعالى ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أمام هذا الإعجاز.\n\n<span id=\"aya-3481\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١٢)\n١٢ - بعد مقدّمة الآيات (١ - ١١) ينتقل الخطاب إلى ذكر نصائح لقمان لابنه، الآيات (١٢ - ١٩)، ولقمان: حكيم قديم عند العرب، ورد ذكره قبل الإسلام في قصيدة للنابغة الذبياني.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ يعود نفع الشكر على صاحبه، كما الجحود ينعكس عليه سلبا ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ عن العالمين، غير محتاج للشكر، ولا يتضرر بجحود جاحد ﴿حَمِيدٌ﴾ جدير بالحمد وإن لم يحمده حامد.\n\n<span id=\"aya-3482\"></span>﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾","vol":"3","page":322},{"text":"١٣ - ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لأن الإنسان يظلم نفسه بالشرك، بالنظر لما في الشرك من تحقير لصاحبه إذ يخضع نفسه للأوهام والزيف والزعامات، وما في ذلك من إهانة للعقل السليم، والشخصية السليمة.\n\n<span id=\"aya-3483\"></span>﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١٤)\n١٤ - قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ حسنا ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ﴾ ضعفا على ضعف، فهو ضعيف وهي ضعيفة، ويزداد ضعفها ضعفا بازدياد الحمل ﴿وَفِصالُهُ﴾ فطامه وترك إرضاعه ﴿فِي عامَيْنِ﴾ في انقضاء عامين على رضاعه، وقيل أيضا: هي الفترة الإجمالية التي تبدأ بالحمل وتنتهي بالفطام، أي هي فترة اعتماد الطفل على والدته اعتمادا كلّيا ﴿أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ جعل الله تعالى شكر الوالدين بعد شكره، إذ بعد أن خلقه جعل الوالدين السبب المباشر لوجوده ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ فأحاسبكم على برّ الوالدين أو عقوقهم.\n\n<span id=\"aya-3484\"></span>﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ من الزيف والأوهام ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ ولا تحقّر نفسك بالشرك، ولا تهمل عقلك وتفكيرك المستقل ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ بما يرتضيه الشرع ﴿وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ رجع إلى الله بالتوبة والإخلاص والتوحيد ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازى كلّ بحسب عمله.\n\n<span id=\"aya-3485\"></span>﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾","vol":"3","page":323},{"text":"١٦ - عودة الخطاب إلى لقمان لابنه: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ﴾ الخصلة الحسنة أو السيئة ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ إشارة إلى أنها في غاية الصغر ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ محجوبة بها ﴿أَوْ فِي السَّماواتِ﴾ في غاية البعد ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ في ظلمات الأرض ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ يحضرها فيحاسب عليها ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ يصل علمه إلى كلّ خفيّ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم بكنهه.\n\n<span id=\"aya-3486\"></span>﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ لأنّ الإيمان يستوجب التكليف ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المعروف في موافقته للفطرة السليمة، وفي المجتمع أنه حسن ﴿وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره الفطرة السليمة، وينكره المجتمع ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ من الشدائد ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ من الأمور الواجبة.\n\n<span id=\"aya-3487\"></span>﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تمل خدّك عن الناس تكبّرا ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ متبخترا من الخيلاء ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ المتكبّر المختال.\n\n<span id=\"aya-3488\"></span>﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ لا يكن مشي المتماوت، ولا مشي المتجبّر، بل وسطا بينهما ﴿وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ انقص منه ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لشدة حدّتها وارتفاعها، والخلاصة أن لقمان أمر ابنه بالاعتدال.\n\n<span id=\"aya-3489\"></span>﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾","vol":"3","page":324},{"text":"٢٠ - بعد انتهاء وصايا لقمان لابنه، عودة إلى الآية (١٠):\n﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ مكّنكم من الاستفادة منهما بما أودع فيكم من العقول، وما استنبطتم بها من العلوم ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً﴾ من النعم المادية ﴿وَباطِنَةً﴾ من النعم الروحانية، كهدي القرآن ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ مع ذلك، ومع كلّ هذا الإعجاز البيّن، هنالك ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في توحيده، بل في وجوده ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، ولا مستفاد من دليل عقلي، بل مجرّد جدل ظنّي ﴿وَلا هُدىً﴾ مستفاد من الوحي ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ولا هو مبني على القرآن.\n\n<span id=\"aya-3490\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ للمجادلين بغير علم ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من الوحي والهدى ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يعبدون ويعتقدون ما عبد واعتقد الآباء بلا تغيير، في ظلم واضح لعقولهم، من حيث عدوا عقول الآباء خيرا من عقولهم ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ ويدعو آباءهم ﴿إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ لأنّه يأمرهم بالتقليد، وبتعطيل عقولهم عن التفكير وعن تدبّر القرآن.\n\n<span id=\"aya-3491\"></span>﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ كناية عن تفويض الأمر إلى الله، والإقبال عليه بالكليّة قلبا وقالبا، لأن الوجه هو الذات ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعماله ﴿فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ أي تعلّق أتمّ التعلّق بأوثق ما يمكن التعلّق به من الأسباب، فلا يقع في هاوية الكفر والضلال، وهذا تشبيه تمثيلي لمن أسلم وجهه لله وهو محسن في أعماله ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ تصير إليه، لا إلى غيره.","vol":"3","page":325},{"text":"<span id=\"aya-3492\"></span>﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فقد اختار لنفسه الباطل، ولا عليك قسره ﴿إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ للحساب ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ حتى يتبيّن لهم الصواب من الخطأ ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بمن تميل به جبلّته إلى الإيمان، ومن تميل به جبلّته إلى الإنكار بمحض اختياره.\n\n<span id=\"aya-3493\"></span>﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ في دنياهم لعلهم يتوبون ويتّعظون ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ إن لم يتوبوا، والاضطرار إلى العذاب لأنّه مرتبط بالكفر والجحود ارتباط السبب بالمسبّب.\n\n<span id=\"aya-3494\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقولون ذلك بلا تفكير ولا تمعّن، بل هي استجابة عفوية منهم دون الإقرار بالتوحيد، ودون الإقرار بأنّ الله تعالى وحده الخالق ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على إقرارهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون ما يترتّب على إقرارهم من نفي الشرك والشركاء المزعومين.\n\n<span id=\"aya-3495\"></span>﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وحده لا شريك له ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن حمد الحامدين ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق الحمد لذاته، سواء حمده حامد أم لم يحمد.\n\n<span id=\"aya-3496\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾","vol":"3","page":326},{"text":"٢٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ لو كانت كل أشجار الأرض أقلاما ﴿وَالْبَحْرُ﴾ المحيط، باعتباره اسم جنس للبحار جميعا، يمدّ الأقلام - الأشجار - بالمداد ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ البحار السبعة تمدّ البحر المحيط، والمراد بالسبع التكثير، أي كثرة الماء والسعة، وليس العدد (سبعة) بالتحديد ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ فالخلق في تجدّد دائم، وكلمات الله وعلومه وحكمته لا نهاية لها ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء جلّ شأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج عن علمه وعن حكمته شيء، إذ أحاطت علومه وحكمته بكلّ شيء، في الماضي والحاضر والمستقبل.\n\n<span id=\"aya-3497\"></span>﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لا فرق عنده تعالى بين خلق البشرية بكاملها وبعثها، وخلق نفس واحدة منها وبعثها، فالأمر عنده سيان في السهولة لقوله تعالى: كن فيكون ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم.\n\n<span id=\"aya-3498\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ومن الدلائل مقدرته تعالى على تسخير الشمس والقمر، بحيث يتتابع الليل والنهار:\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المؤمن، وأيها السامع، وأيها القارئ ﴿أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ حيث يتتابعان الواحد تلو الآخر، وفي تعبير ولوج كل منهما في الآخر، في آن واحد، دلالة غير مباشرة على كروية الأرض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لحياة الإنسان على الأرض، فالشمس تمدّ الأرض بالطاقة، والقمر يعكس نور الشمس على الأرض، وبه يتم حساب الشهور القمرية ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ضمن مدار كل منهما، الشمس ضمن المجموعة الشمسية، والقمر في منازله حول الأرض، ثمّ جريانهما معا ينتهي","vol":"3","page":327},{"text":"بالقيامة يوم تبدّل الأرض غير الأرض، والسماوات، انظر [إبراهيم ٤٨/ ١٤]، ﴿وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لأنّ من كانت هذه مقدرته في الخلق، وهو أهون عليه، لا يغفل عن أعمال عباده صغيرها وكبيرها.\n\n<span id=\"aya-3499\"></span>﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿ذلِكَ﴾ أي ما أشارت إليه الآيات (٢٦ - ٣٠) من مقدرته تعالى بلا حدود ﴿بِأَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ هو الحقيقة الوحيدة في الكون على الدوام ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ﴾ ما عداه عبارة عن وهم لا وجود حقيقي له، ولا وجود له بذاته، فلا يوجد إلاّ بغيره ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على غيره ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك.\n\n<span id=\"aya-3500\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣١)\n٣١ - هذه الآية عطف على الآية (٢٩) لبيان المزيد من الإعجاز:\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بما سخّر في الخلق من قوانين الفيزياء التي تحكم جريان السفن فوق الماء، وما أودع في عقول البشر من إمكانات للاستكشاف والتقدم العلمي في مجال السفن وغيره ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ من معجزاته التي ترونها من المسلّمات ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ رسالات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ كثير الصبر على استنباط الأدلّة من الأنفس والآفاق ﴿شَكُورٍ﴾ لله تعالى على ما أنعم به من الخلق والهدى.\n\n<span id=\"aya-3501\"></span>﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ (٣٢)\n٣٢ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ﴾ أي المشار إليهم بالآيات (٢١) و(٢٥)﴾، ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ فارتفع بهم الموج، وهم في عرض","vol":"3","page":328},{"text":"البحر، فصار أعلى منهم، كأنّه الجبال، أو كأنه ظلال الموت وهم مشرفون على الغرق ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ اضطرّوا لدعائه تعالى وحده، لما دهاهم من الخوف الشديد، بعد أن زال عنهم ما ينازع الفطرة السليمة من الهوى والتقليد ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ انقسموا فريقين: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ منهم من سلك طريق القصد، أي الطريق المستقيم، وهو طريق التوحيد بلا منازع وطريق العمل الصالح، ويحتمل المعنى أيضا أنّه عاد مقتصدا في سلوكه فهو مذبذب بين الإيمان والكفر، أو بين الإيمان والشرك، ومنهم الجاحد: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ ينكرها استكبارا ومكابرة مع علمه بصحتها ﴿إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ﴾ غدّار شديد الغدر، لأنه لا يصبر على العهد الذي قطعه على نفسه في محنته، فينقضه، ﴿كَفُورٍ﴾ مبالغ في كفران نعمه تعالى، وهذا المعنى ينطبق على كل من يقع في الشدائد، وليس مقتصرا على ركّاب السفن في البحر، ولا غيرها من وسائل المواصلات.\n\n<span id=\"aya-3502\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ اثبتوا على الإيمان، ولا تكونوا كالمذبذبين بين الإيمان والشرك، ولا كالجاحدين الذين ينكصون إلى الكفر بعد أن نجّاهم الله تعالى من الشدائد، وكلا الفريقين مشار إليهما بالآية المتقدّمة ﴿وَاِخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ عملا بالقاعدة القرآنية: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ لا بدّ من تحقّقه لا محالة ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ من متاع لا يلبث أن يزول بحلول الأجل، ومن لذّات فانية مؤقتة ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ الغرور كل ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وهو من قبيل الضلالات التي تزيّن للمرء عمله السيّئ، وتمنّيه بالجنة والمغفرة رغم","vol":"3","page":329},{"text":"المعاصي، فذلك من قبيل التمنّي الخادع، فاتقوا الله أيها الناس قبل فوات الأوان، كما سيرد بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-3503\"></span>﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وحده يعلم موعدها، لا تأتيكم إلا بغتة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ المطر ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ ليس فقط أنه يعلم نوع الجنين من ذكر أو أنثى، بل أيضا إن كان سوف يخرج الجنين إلى قيد الحياة، وفي تلك الحال ما سوف تكون عليه جبلّته وشخصيته في الدنيا؟ وما الدور الذي سوف يقوم به في حياته؟ الحياة التي رمزت الآية إلى أوّلها بالغيث، وإلى آخرها بقيام الساعة ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ في مستقبلها من خير أو شرّ ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فمن باب أولى أنها لا تدري توقيت موتها ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده فلا يكشف لهم حجب الغيب من موعد قيام الساعة ولا موعد آجالهم ﴿خَبِيرٌ﴾ في ظواهر الأمور وبواطنها.","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3616>سورة السجدة - ٣٢ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3617>مقدمة</span>\nنزلت في أواخر الفترة المكية، وهي آخرسورة في مجموعة سور (العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة) التي تفتتح بالحروف (ألم)، واشتق اسمها من الإشارة لسجود المؤمنين بالآية (١٥) بالنظر إلى أن الإيمان نقيض الاستكبار.\n\n<span data-type='title' id=toc-3618>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة لقمان المتقدمة أن القرآن الكريم هدى ورحمة لمن يحسنون استخدام مداركهم العقلية: ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣١ - ٣)، ومن ثم فمن لا يستخدم العقل يزعم أن القرآن الكريم مفترى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣٢ - ٣).\nوفي سورة لقمان أن يدع المؤمن المصرّين على الكفر وشأنهم: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣١ - ٢٣)، ثم في سورة السجدة أن المصرّين على الكفر لا يوقنون إلا بعد الفوات: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ (١٢/ ٣٢).\nوفي سورة لقمان استكبار الكفار وإعراضهم عن الآيات: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧/ ٣١)، ثم في سورة السجدة أن لو شاء الله تعالى لأجبرهم على الهدى:","vol":"3","page":331},{"text":"﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣١ - ١٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-3619>محور السورة</span>\nأنّ الله تعالى يدبّر شؤون خلقه فلا يتركهم بلا هداية، وأن المفهوم البشري للزمن نسبي ولا حقيقة له: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٥)، وأن لو شاءتعالى لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الإيمان: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣)، ولكن اقتضت حكمته تعالى تكريم الإنسان بحرية الخيار، ومن ثم تحمّل المسؤولية، مما يترتب عليها أن يلقى المرء عاقبة عمله إن خيرا بخير: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧)، أو شرّا بشر، وقد يكون العذاب الدنيوي للمجرمين حافزا لهم على الاستبصار قبل وقوع الأجل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١).\nوقد نزل الهدي القرآني على محمد هدى للناس كما نزل الكتاب على موسى من قبل هدى لبني إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٣)، وأن بني إسرائيل كانوا أئمة للهداية في زمانهم ما داموا صابرين على متطلبات الرسالة، ولكنهم فسدوا وحرّفوا التوراة، ومنهم من أنكر الآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢٥) أي فيما اختلف فيه بنو إسرائيل بعد انحرافهم عن رسالة موسى.\n﷽\n\n<span id=\"aya-3504\"></span>﴿الم﴾ (١)\n١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].","vol":"3","page":332},{"text":"<span id=\"aya-3505\"></span>﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢)\n٢ - هذا ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ القرآن الكريم ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3506\"></span>﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ زعم كفار مكة أن النبي ﷺ أتى بالقرآن من عنده، وهذا الزعم ليس مقتصرا على كفار مكة، بل يعمّ الكفار في كل العصور ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ القرآن قول الله تعالى ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لمضيّ فترة من الزمن لم تبعث فيها الرسل إلى العرب ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لعلّ العرب، والناس من بعدهم، تهتدي بنزول القرآن عليهم.\n\n<span id=\"aya-3507\"></span>﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤)\n٤ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ في ستة حقب زمنية، وليس اليوم المشتمل على ٢٤ ساعة كما نعرفه، بل هو مطلق الزمن ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة، وحرف (ثمّ) ليس للتراخي الزمني، بل للبعد المعنوي، وقد يفيد معنى العطف، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله ﷾ ثم كانت، فهوسبحانه منزّه عن الحدوث، وعن الزمان والمكان، انظر [الأعراف ٥٤/ ٧]، ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ الله وحده يتولّى أموركم وشؤونكم ﴿وَلا شَفِيعٍ﴾ وليس من يشفع لكم عنده، من شركائكم المزعومين ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ حقيقة التوحيد المغروسة في فطرتكم منذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم؟\n\n<span id=\"aya-3508\"></span>﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥)﴾","vol":"3","page":333},{"text":"٥ - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يدبّر شؤون عباده ﴿مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بكل ما هو موجود فيهما من مخلوقات، انظر [الطلاق ١٢/ ٦٥]، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ الأمر يوم القيامة ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ لأن الزمن الذي نعرفه على الأرض زمن نسبي لا يقاس بالزمن المطلق، والمغزى أيضا؛ إنّ يوم القيامة سوف يكون طويلا جدا بالنسبة إلى من ينتظر الحكم والقضاء.\n\n<span id=\"aya-3509\"></span>﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٦)\n٦ - ﴿ذلِكَ﴾ الله تعالى منزّل القرآن ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ يعلم كلّ ما غاب عن علم البشر، وما هو خارج نطاق تصورهم ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ وما هو مشاهد في ظاهر الخليقة ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده.\n\n<span id=\"aya-3510\"></span>﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٧)\n٧ - ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وفقا لما هو مقدّر له في الخلق من وظيفة، ما قد تكون خارج نطاق الفهم البشري ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ لقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥].\n\n<span id=\"aya-3511\"></span>﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٨)\n٨ - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ من نطف المنيّ.\n\n<span id=\"aya-3512\"></span>﴿ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ لما هو مخلوق لأجله ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ من روحه تعالى، كناية عن إمداده بالحياة ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ هذا الجسد الذي بدأ خلقه من طين، صار لديه ميزة العقل والإدراك والإبصار","vol":"3","page":334},{"text":"والسمع والغريزة، وتعلم الأسماء كلها، وما في كل ذلك من إعجاز ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم المترتبة على رفع الإنسان إلى هذه المنزلة العالية.\n\n<span id=\"aya-3513\"></span>﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَقالُوا﴾ الكفار، بعد كل هذا الإعجاز ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا فنيت الأجساد في القبور ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أنبعث أحياء بعد ذلك؟ ﴿بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ الذي خلقهم أول مرة ﴿كافِرُونَ﴾ منكرون للبعث.\n\n<span id=\"aya-3514\"></span>﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وليس ذلك نهاية المطاف ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ تبعثون للحساب والجزاء بعد ذلك.\n\n<span id=\"aya-3515\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنّا مُوقِنُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ﴾ مطرقوها من الخزي والحياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ في الآخرة، بعد أن كنّا عمين في الدنيا نحسبها غاية همّنا ﴿فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ لتكن لنا فرصة أخرى ﴿إِنّا مُوقِنُونَ﴾ بالبعث والحساب والجزاء، لكنّ هذا اليقين لا يفيد بعد الفوات لأنه كإيمان المعاينة.\n\n<span id=\"aya-3516\"></span>﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ قسرا، فلا يكون هنالك خيار لأحد بالزيغ والكفر، وتنتفي المسؤولية الأخلاقية الفردية ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الذين اختاروا الكفر على الإيمان، بمحض حريتهم وإرادتهم.","vol":"3","page":335},{"text":"<span id=\"aya-3517\"></span>﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ مع أنه كان معلوما لديكم بما جبلتم عليه من الفطرة، ولكنكم نكثتم وأنكرتم ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ تركناكم في العذاب ترك المنسي ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن عذاب الخلد مترتّب على عملكم، وناتج عن الاستكبار كما سوف تبيّن الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-3518\"></span>﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها﴾ كونها معلومة لديهم سلفا ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ إقرارا بها ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تنزيها له عن كل ما لا يليق به من العجز والظلم ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لأن إنكار الآيات ناتج عن الاستكبار.\n\n<span id=\"aya-3519\"></span>﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - ومن صفاتهم أيضا قيام الليل: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ كناية عن تركهم النوم لصلاة النوافل بالليل ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾ من سخطه وعذابه ﷿ ﴿وَطَمَعًا﴾ في رحمته ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير من زكاة وصدقات.\n\n<span id=\"aya-3520\"></span>﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ في الجنة، لأن وصفها لا يمكن تمثيله بعالم المشاهدة الذي نعرفه، وهي في علم الغيب الذي هو خارج نطاق تصوّر البشر، وفي الحديث: إنها لا كعين رأت، ولا كأذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في دنياهم من الخير.","vol":"3","page":336},{"text":"<span id=\"aya-3521\"></span>﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ في عاقبتهم، كما سوف تبيّن الآيات التالية:\n\n<span id=\"aya-3522\"></span>﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ انظر [النجم ١٥/ ٥٣]، ﴿نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بنتيجة الأعمال الصالحة التي كانوا مواظبين عليها في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-3523\"></span>﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ خرجوا عن الطاعة، فكفروا وارتكبوا المعاصي ﴿فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ جزاء الإنكار والاستكبار.\n\n<span id=\"aya-3524\"></span>﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى﴾ في الدنيا، رحمة بهم وزجرا، قبل أن تفوتهم فرصة الدنيا ﴿دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾ في الآخرة حيث لا تنفع وقتئذ التوبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى صوابهم ويتوبون.\n\n<span id=\"aya-3525\"></span>﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ التي يعرفها في قرارة نفسه يقينا ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها﴾ رغم أنها مغروسة فيه بالفطرة ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ منكري الحقيقة عمدا ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ بما يترتّب على إنكارهم وإجرامهم من عواقب.","vol":"3","page":337},{"text":"<span id=\"aya-3526\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٣)\n٢٣ - بعد أن بيّنت السورة أن الناس فريقان، فريق يستجيب للفطرة السليمة فيؤمن، وفريق ينكرها فيستكبر ويكفر، تعود السورة لموضوع الآيات (٢ - ٣):\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ جنس الكتاب، وهو الوحي، وتحديدا هو التوراة التي نزلت على موسى ﴿فَلا تَكُنْ﴾ أيها النبي، أو أيها المؤمن، أو أيها السامع ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ لا تكن في شك من لقاء جنس الوحي الذي نزل على موسى، فقد نزل أيضا على النبي ﷺ، والوحي القرآني استمرار لما سبقه من نزول التوراة ﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أي الكتاب، وهو التوراة ﴿هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ هاديا لهم من الضلال.\n\n<span id=\"aya-3527\"></span>﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ الإشارة إلى أنبياء بني إسرائيل وهم كثر ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ في إشارة إلى أن الكثير من رجال الدين عندهم لم يصبروا، بل شوّهوا التوراة، وحذفوا منها، وكتبوا من عندهم الكثير ونسبوه إلى الوحي، انظر [البقرة ٤٢/ ٢]، ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ المؤمنون منهم.\n\n<span id=\"aya-3528\"></span>﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ اختلف اليهود في الآخرة، فمنهم من يقرّ بها ومنهم من ينكرها، انظر قوله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان ٣٤/ ٤٤ - ٣٥].\n\n<span id=\"aya-3529\"></span>﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾","vol":"3","page":338},{"text":"٢٦ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ من الأمم والمجتمعات التي كفرت فانحطّت فبادت، والتي يجب أن تكون عبرة لهم وهدى ممّا هم فيه من الضلال ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ هي على طرق أسفارهم يمرّون بها في ذهابهم وعودتهم، بعد أن صارت خاوية على عروشها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ رسالات ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وتفكّر.\n\n<span id=\"aya-3530\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الكفار في كل العصور والمجتمعات ﴿أَنّا نَسُوقُ الْماءَ﴾ المطر والسيول ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ الأرض اليابسة المنقطع نباتها ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ بإحياء الأرض بعد موتها، وهو إعجاز تذهل له العقول المفكّرة ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ إبصار القلب والتفكّر؟.\n\n<span id=\"aya-3531\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ مكابرة وعنادا، وعلى وجه التكذيب والاستهزاء ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾ متى الفصل في الخصومة بيننا وبينكم، المشار إليها بالآية (٢٥)، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أنّ هنالك آخرة وبعثا وحسابا؟\n\n<span id=\"aya-3532\"></span>﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يوم القيامة ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ﴾ لأنّ إيمان المعاينة يصبح اضطرارا وإلجاء، فيخلو من أي قيمة أخلاقية ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون، ولا تكون لهم فرصة للتوبة، ولا ينفعهم الندم.\n\n<span id=\"aya-3533\"></span>﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيها المؤمن، ولا تناظر أمثالهم لعدم الجدوى من رجوعهم ﴿وَاِنْتَظِرْ﴾ حكم الله فيهم ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي كما تنتظر النصر عليهم، فإنهم ينتظرون الغلبة عليكم.","vol":"3","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3650>سورة الأحزاب - ٣٣ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3651>مقدمة</span>\nنزلت سورة الأحزاب على فترات متباعدة تراوحت بين الأعوام ٣ - ٧ هجرية، وقدنزلت الآيات (٩ - ٢٧) بعد وقعة الخندق التي حدثت في شهر شوال بالعام ٥ للهجرة، وهي الوقعة التي أعطت السورة اسمها إذ عرفت أيضا بوقعة الأحزاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-3652>ارتباط السورة بمجموعة السور المكية الأربع المتقدمة (العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة):</span>\nبعد أن ضربت سورة العنكبوت مثلا بالمستكبرين الذين يعبدون الأوهام والثروات، ويلهثون وراء السلطة والقيم الزائفة بأنهم كمن يلوذ ببيت العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١/ ٢٩)، وقد فاتهم أن الخلق ليس عبثا وإنما هو ذو مغزى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٤/ ٢٩)، كما فاتهم علم القرآن والعمل به ما هو أكثر من كاف لدنياهم وآخرتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١/ ٢٩)، وفاتهم أنّ الحياة الدنيا لهو ولعب وأن حياة الآخرة هي الحياة الحقيقية: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤/ ٢٩).","vol":"3","page":340},{"text":"ثم بينت سورة الروم أنّ أغلب الناس مغترّون بظاهر الحياة الدنيا غافلون عن حقيقتها ومغزاها، وعن حقيقة الحياة الآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧/ ٣٠)، وبنتيجة الغفلة ينتشر الفساد في البر والبحر بنتيجة منع الخير والتهالك على المادة عند الذين يعدّون النجاح الاقتصادي المادي معيارا وحيدا للنجاح: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤١/ ٣٠)، فلا يفيق الغافلون من غفلتهم إلا عند وقوع الساعة، فيكذبون على أنفسهم بأن لبثهم في الدنيا كان قليلا لدرجة لم تتح لهم فرصة الإصلاح والتوبة:\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥/ ٣٠).\nثم في سورة لقمان أن المستكبرين من الناس من يتلاعب بأفكار فلسفية زائفة يحاول إقناع الآخرين بها بهدف الصدّ عن القرآن: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦/ ٣١)، وأن القرآن الكريم هدى ورحمة للذين يحسنون استخدام الفكر والعقل: ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣/ ٣١)، لكن الاستكبار والاعتداد بالنفس يقف حائلا بين المرء وبين رؤيته الحقيقة: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧/ ٣١)، وكذا تمسكه بالتقليد الأعمى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١/ ٣١).\nثم بيّنت سورة السجدة أن الله تعالى لا يترك عباده بلا هداية، ولا يقسرهم على الهدى، بل يكرّمهم بحرية الخيار، وقد يذيق الكفار من عذاب الدنيا قبل الآخرة لعلهم يتوبون: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾","vol":"3","page":341},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١/ ٣٢)، وأنّ القرآن الكريم استمرار لما سبقه من الوحي كتوراة موسى التي اختلف اليهود عليها وتلاعبوا بها حتى أنكر فريق منهم الآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢٥/ ٣٢).\nثم تنتقل سورة الأحزاب المدنية إلى بحث مواضيع حياتية وممارسات مهمة في حياة الأمة الإسلامية، وهنالك أيضا اتصال مباشر بين آخرآية من سورة السجدة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠/ ٣٢]، وافتتاح سورة الأحزاب بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب ١/ ٣٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-3653>الخلفية التاريخية للآيات (٩ - ٢٧)</span>\nبعد هزيمة مشركي قريش في وقعة بدر في رمضان من العام ٢ هجرية تتابعت الأحداث سراعا، فكانت وقعة أحد في شهر شوال من العام ٣ للهجرة عندما عادت قريش تحاول الانتقام لهزيمتها، ومع أن المسلمين تحملوا خسائر كبيرة في أحد إلا أن المدينة نجت وفشلت قريش في تحقيق هدفها وعادت إلى مكة خائبة، ثم استمر التآمر بين مشركي مكة، ويهود بني النضير الذين طردهم المسلمون من المدينة (راجع سورة الحشر)، ويهود بني قريظة في المدينة، ومنافقي المدينة بقيادة عبد الله بن أبيّ، وعرب الجزيرة من قبيلة غطفان، إذ جمعت بينهم رابطة مشتركة وهي كراهيتهم للإسلام والمسلمين، فكان أن حشدت الجاهلية قواها في حوالي ١٠٠٠٠ - ١٢٠٠٠ مقاتل، وعادت لحصار المدينة في شهر ذي القعدة من العام ٥ للهجرة، وهو الحصار المشار إليه في آيات سورة الأحزاب (٩ - ٢٧) وانتهى بفشل ذريع للمشركين بعد أنّ استمر أسبوعين من الزمن، وقيل بل استمر ٢٧ يوما بعد أن تسبب في محنة ومعاناة كبيرتين للمسلمين المدافعين عن المدينة ليس في محاولة صدهم العدو الخارجي فقط، بل في تآمر المنافقين ويهود بني قريظة بين ظهرانيهم، وقد فاجأ المسلمون المشركين بخطة","vol":"3","page":342},{"text":"حربية لم تكن معروفة في جزيرة العرب قبل ذلك، وهي حفر خندق أحاط بالمدينة قبل وصول القوات الغازية إليها مما أحبط عدة هجمات للمشركين في محاولة اختراقه رغم أن قوة المدافعين من المسلمين لم تتجاوز ٣٠٠٠ رجل، وقد صادف الحصار في شهر آذار (مارس) من شتاء عام ٦٢٧ م وكان شتاء قاسيا شديد البرودة هبت خلاله عواصف شديدة اقتلعت خيام المهاجمين وأطفأت نيرانهم، وهبّت رمال العواصف في وجوههم، وهطلت الأمطار الغزيرة عليهم ففزعوا وتفرّقوا ودب الخلاف بينهم ما اضطرهم إلى فك الحصار والانسحاب خائبين.\n\n<span data-type='title' id=toc-3654>محور السورة</span>\nأولا: نبذ عادات الجاهلية كعادة الظهار، وعادة التبني، الآيات (١ - ٨).\nثانيا: وقعة الخندق ونتائجها والعبر منها، الآيات (٩ - ٢٧).\nثالثا: المنزلة السامية لنساء النبي ﷺ بالنسبة إلى الأمة الإسلامية، الآيات (٢٨ - ٣٥).\nرابعا: موضوع زواجه ﷺ من زينب بنت جحش، الآيات (٣٦ - ٤٠).\nخامسا: الدعوة النبوية إلى الإسلام، الآيات (٤١ - ٤٨).\nسادسا: عدة المطلقات قبل المسيس (الآية ٤٩).\nسابعا: منزلة أزواج النبي ﷺ بالنسبة إليه، الآيات (٥٠ - ٥٢).\nثامنا: آداب المسلمين تجاه النبي ﷺ وتجاه أزواجه، الآيات (٥٣ - ٦٢).\nتاسعا: إن الإنسان يتحمل مسؤولية حمله حرية الخيار بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، الآيات (٦٩ - ٧٣)، وسوف نلاحظ في خلاصة السورة كيف أن هذه المواضيع متسلسلة ومرتبط بعضها ببعض.","vol":"3","page":343},{"text":"﷽\n\n<span id=\"aya-3534\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١)\n١ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ﴾ كن على الدوام مستشعرا وجوده وهيمنته ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ لا تساعدهم على شيء، ولا تقبل لهم رأيا ولا مشورة، وجانبهم واحترس منهم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بأحوالك ﴿حَكِيمًا﴾ بالمصالح، إذ طاعة الكافرين والمنافقين ومسايرتهم لن تفيد شيئا في استمالتهم للدعوة، بل على النقيض من ذلك، وسوف تعود السورة لموضوع المنافقين في الآية (١٢) في معرض الحديث عن وقعة الخندق، والآية (٦٠) في معرض الحديث عن منافقي المدينة، والآية (٤٨) في معرض النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، والآية (٧٣) في معرض الحديث عن فشل المنافقين عموما في حمل الأمانة.\n\n<span id=\"aya-3535\"></span>﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢)\n٢ - ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بلا اجتهاد ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لا يفوته شيء من أعمالكم، فيأمركم بتصحيحها عند اللزوم، ما دام الوحي يتنزّل على النبي.\n\n<span id=\"aya-3536\"></span>﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (٣)\n٣ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فوّض جميع أمورك إلى الله ﷿ ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ حافظا موكولا إليه الأمور كلّها، فلا تخف من كيد الكائدين والكفار والمنافقين، وفي ذلك عودة إلى موضوع الآية (١).\n\n<span id=\"aya-3537\"></span>﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾","vol":"3","page":344},{"text":"٤ - ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ استمرار الخطاب من الآيات المتقدّمة، والمعنى لا يمكن للإنسان أن يكون تقيّا وفي الوقت ذاته يتماشى مع رغبات الكفار والمنافقين، وفي العموم ومن الناحية الأخلاقية والمنطقية لا يمكن له، ولا يجب عليه، وليس المتوقع منه، القيام بدورين متناقضين في سلوكه وفي علاقاته مع الآخرين ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ هذه الآية أبطلت الظّهار، وهي عادة جائرة كانت عندهم في الجاهلية، وهي أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي، فتطلق منه طلاقا بائنا لا رجعة فيه، وفوق ذلك يمتنع عليها الزواج من غيره، فتبقى حبيسة منزله مدى الحياة ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ الذين تدّعونهم وتزعمون أنهم أبناؤكم بالتبنّي، وهذا أيضا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية وصدر الإسلام في حال تبنّى أحدهم ولد غيره أجريت عليه أحكام الأبناء الحقيقين ﴿ذلِكُمْ﴾ النسب الذي تدّعون ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ فهو مجرّد كلام ليس له مصداق واقعي، ولا يتطابق مع حقيقة العلاقات الإنسانية، فهنالك مثلا قيود الزواج التي تنطبق على الأبناء والبنات الحقيقيين، ولا تنطبق على الأبناء والبنات بالتبنّي، انظر مثلاالآية (٣٧)، ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ بأن يبيّن لكم حقيقة العلاقات البيولوجية بين الآباء والأبناء، بالمقارنة مع العلاقة المصطنعة التي ابتدعتموها بين الآباء والأبناء بالتبنّي ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سبيل الحق الذي يجب العمل به.\n\n<span id=\"aya-3538\"></span>﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥)\n٥ - ﴿اُدْعُوهُمْ﴾ أي الأولاد بالتبنّي ﴿لِآبائِهِمْ﴾ انسبوهم لآبائهم الحقيقيين ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أعدل، لأنه وضع الشيء في موضعه الحقيقي ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ الحقيقيين ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ ليكون واضحا أنهم أولاد بالتبنّي، ولا تعطوا الانطباع في المجتمع أنهم أولادكم الحقيقيين، بل حافظوا على هويتهم الحقيقية، وفي هذه الحالة ادعوهم إخوانا لكم في العقيدة،","vol":"3","page":345},{"text":"أو موالي تتولّون أمورهم ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ﴾ إثم ﴿فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ مخطئين جاهلين قبل النهي ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الإثم واقع عليكم فيما تعمّدتموه بعد النهي ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ للمخطئ إذا تاب ﴿رَحِيمًا﴾ برفع الإثم عن المخطئ.\n\n<span id=\"aya-3539\"></span>﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ (٦)\n٦ - ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ هو أحقّ وأقرب إليهم، وأشدّ ولاية ونصرة لهم، لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلاّ ما فيه صلاحهم ونجاحهم، بخلاف أنفسهم فإنها أمّارة بالسوء ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ هنّ بمنزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم، فلا يحق لأحد التزوج منهنّ بعد وفاة النبي ﷺ، ولهنّ حق التعظيم والاحترام كما يعظّم المؤمنون أمهاتهم ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ ذوو القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ في الميراث والتوارث ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ في علمه القديم المنزّل في القرآن ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ من المؤمنين في المدينة المنورة بحق أخوّة الإسلام، والمهاجرين إليهم من مكة بحق الهجرة، انظر [الأنفال ٧٥/ ٨]، ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ﴾ من المؤمنين والمهاجرين غير ذوي القربى ﴿مَعْرُوفًا﴾ بأن توصوا لمن أحببتم منهم من ميراثكم فإنه لا وصية لوارث ﴿كانَ ذلِكَ﴾ كلّ ما ذكر آنفا ﴿فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ مثبتا في القرآن.\n\n<span id=\"aya-3540\"></span>﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ (٧)\n٧ - هذه الآية متعلقة بموضوع الآيات (١ - ٣) من حيث الميثاق المأخوذ على كل الأنبياء والرسل بتأدية رسالاتهم:","vol":"3","page":346},{"text":"﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ وقتما كانوا في عالم الذرّ، عندما أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وقد أخذ تعالى ميثاقهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعوة إلى الدين الحق، وتصديق بعضهم بعضا، واتّباع بعضهم بعضا ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ عطف الخاص على العام، إيذانا بالمزيد من فضلهم ومزاياهم وكونهم من كبار الأنبياء ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عهدا عظيم الشأن، تأكيدا على تأديتهم الرسالة على أتم وجه.\n\n<span id=\"aya-3541\"></span>﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (٨)\n٨ - ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ﴾ الأنبياء ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ ماذا كانت استجابة الناس لرسالاتهم الصادقة؟ انظر [المائدة ١٠٩/ ٥]، و[الأعراف ٦/ ٧]، ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ الذين أصرّوا على الكفر والإنكار وماتوا عليه ﴿عَذابًا أَلِيمًا﴾ بما اختاروا لأنفسهم.\n\n<span id=\"aya-3542\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٩)\n٩ - بعد أن ذكرت الآيتان (٧ - ٨) أخذ الميثاق من النبيين، وسؤال الصادقين عن صدقهم، ينتقل الخطاب إلى مثال تطبيقي عمّا قد يترتّب عن التبليغ والدعوة من مشاقّ، وهو وقعة الأحزاب أو وقعة الخندق كما عرفت:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ما أنعم الله تعالى عليكم يوم الأحزاب ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ من قريش وحلفائها من قبائل جزيرة العرب، وبنو النضير وحلفاؤهم من يهود المدينة ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ من عوامل الطبيعة كالبرد القارص والأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة ما جعل مستحيلا على الأحزاب متابعة الحصار، انظر الخلفية التاريخية ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق واستعدادكم واتخاذكم الإجراءات","vol":"3","page":347},{"text":"العملية للحرب إعلاء لكلمته تعالى، والتجائكم إليه ورجائكم نصرته ﴿بَصِيرًا﴾ بأحوالكم، فأيّدكم بنصره بعدما أعددتم للأمور عدّتها.\n\n<span id=\"aya-3543\"></span>﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ جاءت بنو غطفان، ومن تابعهم من قبائل نجد وبنو النضير وبنو قريظة، من أعلى الوادي بالجهة الشمالية الشرقية للمدينة ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ جاءت قريش ومن تابعها من قبائل الحجاز وأهالي تهامة الساحلية، من أسفل الوادي بالجهة الجنوبية الغربية للمدينة، والخلاصة أن العدو أحاط بالمسلمين من كل جنب ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ أبصار المؤمنين مالت وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة ودهشة ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ خافت خوفا عظيما كأنها تحرّكت من مواضعها لتخرج من الحناجر ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ ظنونا كثيرة، فظنّ المخلصون الثابتون في أرض المعركة أن ينجز الله وعده لهم بالنصر، وظنّ البعض أن يمتحنهم تعالى فتزلّ أقدامهم ولا يتحمّلون ما نزل بهم، وظنّ المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنّ محمدا وأصحابه سوف يستأصلون، كما سوف تبيّن الآيات التالية.\n\n<span id=\"aya-3544\"></span>﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ (١١)\n١١ - ﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختبرهم الله تعالى بظهور أعمالهم من النوايا إلى التنفيذ ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ لقلّتهم وكثرة الأعداء، اضطربوا اضطرابا شديدا من شدة الفزع.\n\n<span id=\"aya-3545\"></span>﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المذبذبين أنصاف المؤمنين ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الظفر وإعلاء كلمة الإسلام ﴿إِلاّ غُرُورًا﴾ وعد غرور، أي قولا باطلا يغرّنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به.","vol":"3","page":348},{"text":"<span id=\"aya-3546\"></span>﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ من المنافقين وضعاف النفوس ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ يا أهل المدينة لا ينبغي ولا يمكن لكم الإقامة هنا ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم بالمدينة فيكون ذلك أسلم لكم من القتل، يريدون بذلك الفرار، وارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك، وعمّا بايعتم محمدا عليه ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ استئذانا ظاهرا ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا﴾ بالمدينة ﴿عَوْرَةٌ﴾ يزعمون أنّ بها خللا، يمكن اختراقها ويخشى عليها من العدو ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ لا يريدون بالاستئذان سوى الهرب من القتال.\n\n<span id=\"aya-3547\"></span>﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدينة، أو بيوتهم ﴿مِنْ أَقْطارِها﴾ من جميع جهاتها واشتدّت الحرب ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ طلب منهم الردّة والرجوع إلى الشرك ﴿لَآتَوْها﴾ لاستجابوا لما طلب منهم ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا﴾ المعنى أنهم في تلك الحال لا يبقون على ما ارتدّوا إليه من الفتنة والكفر إلا لبثا قليلا، لأن الله تعالى يهلكهم بردّتهم.\n\n<span id=\"aya-3548\"></span>﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾ كانوا قد جبنوا يوم أحد، ثم تابوا وعاهدوا قبل يوم الخندق ألاّ يفرّوا ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا﴾ عن الوفاء به.\n\n<span id=\"aya-3549\"></span>﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا (١٦)﴾","vol":"3","page":349},{"text":"١٦ - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ لأن المقدّر المكتوب عليكم واقع لا محالة ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وإن نفعكم الفرار مؤقّتا بأن أخّر عنكم القتل فمتّعتم فلا يكون لكم إلاّ متاعا قليلا أو زمانا قليلا، فأيام الحياة وإن طالت قصيرة.\n\n<span id=\"aya-3550\"></span>﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا، ومن يمنع رحمة الله عنكم إن أراد بكم رحمة؟ ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا﴾ ينفعهم ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يدفع الضرر عنهم.\n\n<span id=\"aya-3551\"></span>﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ المثبّطين عن نصرة الرسول ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ المنافقون واليهود كانوا يقولون لإخوانهم من أهالي المدينة تعالوا وكونوا معنا، ولا تكونوا مع محمد ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ الحرب ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ لا يقاتلون إلاّ قتالا قليلا، أو يتظاهرون بالقتال إلى جانبكم.\n\n<span id=\"aya-3552\"></span>﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ جمع شحيح، أي هم بخلاء على أهل المدينة بالنفقة وبالنصرة وبكل ما فيه منفعة لهم، كما يخافون على أنفسهم في حال تحققت الغلبة للنبي ﷺ ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ﴾ من العدوّ، وتوقّع المعوّقون أن يستأصل أهل المدينة ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أحداقهم ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ كالذي يعاني سكرات الموت","vol":"3","page":350},{"text":"﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وتحققت الغلبة للمؤمنين ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ آذوكم بالكلام، وخاصموكم بألسنة سليطة ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ بخلاء حريصين أن يأخذوا من مال الغنائم ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالإخلاص، فهم منافقون أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾ لأنها باطلة إذ صحتها مشروطة بالإيمان بالإخلاص وهم يبطنون الكفر ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ لا يبالي به.\n\n<span id=\"aya-3553\"></span>﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ بسبب خوفهم وجبنهم لم يصدّقوا أن الأحزاب انهزمت ورحلت ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ كرة ثانية، ويحتمل أنّهم اعتقدوا أنّ الأحزاب ستعود لحصار المدينة بقوة كبيرة ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ في البدو مع الأعراب خارج المدينة ليكونوا سالمين من القتال ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ يتعرفون أحوالكم بالاستخبار عن بعد لا بالمشاهدة، لشدة جبنهم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ يتظاهرون بالقتال إلى جانبكم.\n\n<span id=\"aya-3554\"></span>﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ القدوة الحسنة في كل أعماله وأقواله وثباته في الحرب ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ يأمل رحمة الله ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ لقاء اليوم الآخر ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ ذكرا كثيرا باستحضار معناه وليس بمجرّد القول، والمغزى أن الأسوة الحسنة لا تتحقق ولا تكون إلاّ لمن توافرت فيه هذه الخصال الثلاث.\n\n<span id=\"aya-3555\"></span>﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾","vol":"3","page":351},{"text":"٢٢ - ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قد يكون في ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤/ ٢]، ﴿وَما زادَهُمْ﴾ هول الموقف ﴿إِلاّ إِيمانًا﴾ بالله تعالى وبوعده بالنصر ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ استسلاما لأمر الله ولأوامر النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3556\"></span>﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات في الحرب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ وفّى بنذره، فقاتل حتى قتل، لأن النحب النذر ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يوما فيه جهاد، فيقضي نحبه ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ما بدّلوا عهدهم، وما غيّروه تبديلا.\n\n<span id=\"aya-3557\"></span>﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ بسبب صدقهم ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن تاب.\n\n<span id=\"aya-3558\"></span>﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ بل كانت حملتهم وبالا عليهم ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ بأن سلّط على الأحزاب عوامل الشتاء القاسي من العواصف والأمطار والبرد القارص، وأوقع الفرقة بينهم فانهزموا ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ غالبا على كلّ أمر.","vol":"3","page":352},{"text":"<span id=\"aya-3559\"></span>﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهم يهود بني قريظة ظاهروا قريشا في وقعة الخندق ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ كان بنو قريظة أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ وقد نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين، إذ حالفوا قريشا والأحزاب في أثناء وقعة الخندق، وفي رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ حاصرهم بعد ذهاب الأحزاب حتى استسلموا وقبلوا أن يحكم فيهم حليفهم السابق سعد بن معاذ سيد الأوس، فحكم أن تقتل الرجال منهم، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقتل منهم ٦٠٠ - ٧٠٠ رجل، غير أن رواية ابن إسحاق هذه لا يمكن الوثوق بإسنادها، رغم أن الواقدي وابن سعد نقلاها عنه فيما بعد، إذ لاحظ العالم بركات أحمد في كتابه (محمد واليهود) أن أبا بكر بن شهاب الزهري، الذي سبق ابن إسحاق في كتابة السيرة، لم يذكر هذه الحادثة، كما لاحظ أيضا أن اليهود أنفسهم لم يذكروها في تاريخهم، ومن غير الطبيعي وغير المعتاد عند اليهود، ألاّ يكتبوا عن أحزانهم، ناهيك عن تضخيمها في حال حدوثها، ومن الجدير بالذكر أن مجموع قتلى المسلمين وغير المسلمين في جميع حروب النبي ﷺ لم يكد يبلغ خمس مئة.\n\n<span id=\"aya-3560\"></span>﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ أصبحت ملكا للمسلمين ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها﴾ ومنها خيبر، وغيرها من البلاد التي فتحها المسلمون بعد ذلك، وصاروا بعد ذلك في حالة من اليسر، وذلك وجه اتصال هذه الآية بما بعدها ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ومنها نصرة دينه والمؤمنين.","vol":"3","page":353},{"text":"<span id=\"aya-3561\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ (٢٨)\n٢٨ - عندمانزلت هذه الآية كان المسلمون قد فتحوا خيبر بأراضيها الزراعية الغنية، وتغيّرت حالهم من العسر والضيق المادي إلى اليسر، غير أن حالة اليسر هذه لم تنعكس على بيت الرسول ﷺ ممّا كانت تتوق إليه زوجاته، فالرسول كان يرى أن وضعه المادي يجب أن يضاهي وضع فقراء المسلمين وليس أغنياءهم، ممّا أدّى به أن يعرض على زوجاته الخيار بين سراحهنّ أو البقاء معه، وقرأ عليهنّ الآيتين (٢٨ - ٢٩) فاخترن جميعا البقاء معه:\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي السعة والتنعّم فيها ﴿وَزِينَتَها﴾ زخرفها ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطيكنّ متعة الطلاق، انظر [البقرة ٢٤١/ ٢]، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا﴾ طلاقا ﴿جَمِيلًا﴾ لا ضرار فيه، ولا خصومة ولا مشاجرة.\n\n<span id=\"aya-3562\"></span>﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بغضّ النظر عن الدنيا ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ﴾ في أقوالهنّ وأعمالهنّ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3563\"></span>﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ من الكبائر، كمعصية النبي، أو طلبهنّ منه ما يشق عليه، أو ما يضيق به ذرعا ويغتم لأجله، وعقوقه وفساد عشرته ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهرة القبح ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يوم القيامة يعذّبن ضعفي عذاب غيرهنّ ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ لا يمنعه جلّ شأنه كونهنّ نساء نبيّه.","vol":"3","page":354},{"text":"<span id=\"aya-3564\"></span>﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ تخشع ﴿مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ في مقابلة: يضاعف لها العذاب ضعفين ﴿وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3565\"></span>﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ فقد امتازت كل واحدة منكنّ بشرف الزوجية للنبي ﷺ وصارت كل واحدة منكنّ أمّا للمؤمنين ﴿إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ﴾ مخالفة حكم الله تعالى، واتّقيتنّ سخط رسوله ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لا تقلن كلاما ليّنا رقيقا تجاه الأجانب ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ من ضعاف النفوس لأنه يحمل الكلام على غير محمله ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ بعيدا عن الريبة.\n\n<span id=\"aya-3566\"></span>﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من القرار، وقيل من الوقار، والخطاب لنساء النبي ﷺ، ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ كما كانت عليه النساء في الجاهلية من الغنج والزينة ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ القيام بجميع الطاعات ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الرجس: القبيح المستقذر حسّيا أو معنويا، والرجس والنجس بمعنى واحد، انظر شرح [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نساء ورجالا، وهم أزواجه ﷺ وبناته وعلي والحسن والحسين ﵃ ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ من الذنوب.","vol":"3","page":355},{"text":"<span id=\"aya-3567\"></span>﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ للعظة والتذكير ﴿مِنْ آياتِ اللهِ﴾ من القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ ما يترتّب عليها من الحكمة، أو من السنّة الشريفة ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ لا يغيب عن علمه شيء، خبير بالبواطن، والآية التالية تؤكد أن ثواب نساء النبي ونساء المؤمنين كثواب الرجال:\n\n<span id=\"aya-3568\"></span>﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الداخلين في السلم المنقادين لحكمه تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ يقينا ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾ الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ في أقوالهم ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾ على المكاره وعلى المعاصي ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ متواضعين لله تعالى ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ من زكاة وصدقات ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ فرضا أو نفلا ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾ عمّا لا يرضى به الشرع ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ﴾ بالألسنة والقلوب ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لأنّ الحسنات يذهبن السيئات، انظر [هود ١١٤/ ١١]، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على ما قدّموا من عمل.\n\n<span id=\"aya-3569\"></span>﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (٣٦)\n٣٦ - سلوك المؤمنين المذكور في هذه الآية من طاعة الله ورسوله مترتّب على ما هو مذكور بالآية المتقدّمة:","vol":"3","page":356},{"text":"﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ لا يصحّ لهم أن يختاروا وفقا لأهوائهم، ولا أن يقدّموا رغباتهم الشخصية على قضاء الله ورسوله، بل يجب أن يكون رأيهم واختيارهم تبعا لرأيه ﷺ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في أي أمر من الأمور ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ منحرفا عن الصواب بشكل واضح.\n\n<span id=\"aya-3570\"></span>﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ (٣٧)\n٣٧ - بعد مقدمة الآية (٣٦)﴾ ينتقل الخطاب إلى قصة زينب بنت جحش والعبرة منها:\n﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ أيها الرسول ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ وهو زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بتوفيقه للإسلام، وبقربه من النبي ﷺ، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أحسن النبي إليه، فقد كان زيد عبدا أهدته خديجة لمحمد قبل نبوّته، فأعتقه وتبنّاه، ثمّ كان زيد من أوائل الذين دخلوا الإسلام بعد البعثة النبوية، وبعد سنوات أراد النبي كسر عادة من عادات الجاهلية في استهجان زواج عبد، أو عبد محرر، من امرأة حرة، فأقنع زيدا بالزواج من زينب بنت جحش ابنة عمة النبي، فوافق زيد على مضض إذ كان سعيدا بزواج سابق من أم أيمن، والدة ابنه أسامة، وكانت أمة محررة، ومن جهتها كانت زينب بنت جحش تحب النبي منذ صغرها على عدم علمه بذلك، ولكنها انصاعت لرغبة النبي في تزويجها من زيد على مضض منها، وما كان للزواج أن ينجح على هذه الحال، وفي مناسبات عديدة رغب زيد بتطليقها، ومن جانبها لم تبد زينب أية رغبة في زيد، وقد حاول النبي مرارا إقناعهما بالحفاظ على زواجهما، وهو المقصود بقوله مخاطبا زيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ﴾ حتى تبيّن أن الحفاظ على الزواج لم يعد ممكنا","vol":"3","page":357},{"text":"﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ بأن الزواج الذي أصرّ عليه النبي بين زيد وزينب كان مقدّرا له الفشل من البداية لضعف مقوّماته ﴿وَتَخْشَى النّاسَ﴾ أن تتكلم بفشل الزواج ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ في كل أمر ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا﴾ فطلّقها زيد في العام الخامس من الهجرة، وبعد ذلك بقليل تزوجها النبي تعويضا لها عن تعاستها السابقة: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ أيها النبي ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ﴾ وهذه الحكمة المستفادة من القصة أنه يجوز للمرء الزواج من مطلّقة ابنه بالتبني، بخلاف حرمة زواجه من مطلّقة ابنه الحقيقي، انظرالآية (٤)، ﴿إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ إذا طلّقهنّ الأدعياء، أي الأولاد بالتبنّي ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ لا محالة.\n\n<span id=\"aya-3571\"></span>﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ في زواجه من زينب بنت جحش، وبيان الحكمة من ذلك، والتشريع المنبثق عنها ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ مثل هذا الأمر كان سنّة لدى الأنبياء المشار إليهم بالآية التالية، من حيث مسايرة رغباتهم الشخصية وتطابقها مع التشريع الإلهي ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ نافذا لا محالة.\n\n<span id=\"aya-3572\"></span>﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ الأنبياء الذين بعثوا قبل محمد ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ يخافونه تعالى ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ﴾ وحده، فمن طبيعتهم أن كانت رغباتهم وتوجّهاتهم منطبقة مع الشرع الإلهي ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ وحده محاسبا على أفعال العباد.\n\n<span id=\"aya-3573\"></span>﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾","vol":"3","page":358},{"text":"٤٠ - ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ أبوّة حقيقية يترتّب عليها أحكام الإرث وحرمة المصاهرة، لأنهم زعموا أن النبي تزوّج زوجة ابنه ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ استدراك من نفي الأبوّة الحقيقية الشرعية، إلى إثبات الأبوّة المجازية، فالرسول أب لكل واحد من الأمة ما يوجب التوقير والتعظيم له ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ لانقطاع النبوّة بعده، وإن رسالة القرآن هي الرسالة الإلهية النهائية للبشرية ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيشرّع من الأحكام ما هو مطابق للفطرة ومصلحة المجتمع، وهذه الآية بالمناسبة تنفي ما يظنّه البعض أن انحدار أحدهم بالنسب الحقيقي من النبي ﷺ يضفي عليه ميزة من الميّزات.\n\n<span id=\"aya-3574\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ﴾ بما هو أهل له، فاحمدوه واشكروه ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ يعمّ أغلب الأوقات.\n\n<span id=\"aya-3575\"></span>﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ نزّهوه عن كل ما لا يليق به ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ في أول النهار وآخره، إشارة إلى المداومة، لأنّ ذكر الله والتسبيح، قولا وقالبا، يعود بالفائدة الروحانية على صاحبها.\n\n<span id=\"aya-3576\"></span>﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يرحمكم، وأنتم لا تذكرونه ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ تستغفر لكم، لأنّ الصلاة من الله تعالى على عباده رحمة، ومن الملائكة استغفار للعباد، ومن مؤمني الإنس والجن دعاء ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ من ظلمات الجهالة إلى نور معرفته جلّ وعلا ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ رحمة بكم.\n\n<span id=\"aya-3577\"></span>﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾","vol":"3","page":359},{"text":"٤٤ - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يوم القيامة ﴿سَلامٌ﴾ مناسب لحالهم بما ذكر بالآيات (٤١ - ٤٣)، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ ثوابا حسنا لما كانوا عليه في دنياهم من نور معرفته.\n\n<span id=\"aya-3578\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ على أمّتك، لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١/ ٤]، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين بحسن مآلهم ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين بسوء عاقبتهم.\n\n<span id=\"aya-3579\"></span>﴿وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَداعِيًا إِلَى اللهِ﴾ إلى الإقرار بوجوده وبوحدانيته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ إشعارا بأنّ نجاح الدعوة لا يكون إلاّ بإمداد وتوفيق من الله تعالى، لما فيها من صرف الناس عن الملل الأخرى التي اعتادوا عليها ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ يستضيء ببعثته الضالّون الباحثون عن الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-3580\"></span>﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين استجابوا لدعوتك ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يمتازون به من الجاحدين.\n\n<span id=\"aya-3581\"></span>﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ لا تجاملهم في أمور الدعوة ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ لا تبال بمحاولاتهم إيذاءك فلن يضرّوك شيئا، ومن جهة ثانية لا تؤذهم ودعهم وشأنهم، لأن الدعوة فكرية مبنية على الخيار وليست قسرا ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فوّض أمورك إليه، فمن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ على شؤون عباده.","vol":"3","page":360},{"text":"<span id=\"aya-3582\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ (٤٩)\n٤٩ - هذه القاعدة في عدم وجوب العدّة للمطلقة قبل المسيس عبارة عن مقدمة لما سوف يرد بالآية التالية من قواعد الزواج المنطبقة على النبي ﷺ دون غيره:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ بإبرام عقد النكاح ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إذا تمّ الطلاق قبل المسيس، أي قبل الجماع ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ لا عدّة عليهنّ في هذه الحالة خلافا لما ذكر في آية [البقرة ٢٢٨/ ٢]، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أعطوهنّ المتعة، انظر شرح الآيات [البقرة ٢٣٦/ ٢، ٢٤١]، ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ طلّقوهنّ ﴿سَراحًا جَمِيلًا﴾ بلا عداوة ولا خصومة، بل طلاقا مشتملا على طيب الكلام عاريا عن الأذى، وقيل أيضا:\nإن السراح الجميل ألاّ يطالبوهنّ بما آتوهنّ.\n\n<span id=\"aya-3583\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥٠)\n٥٠ - عودة إلى موضوع الآيات (٣٢ - ٣٥)، لبيان أصناف النساء التي تحل للنبي ﷺ:\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهنّ ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ بعقد نكاح، وبلا مهر، لأن الحرية التي تتمتع بها الأمة بعد زواجها من حرّ تعدّ بمثابة مهر لها، وملك اليمين إشارة إلى سبايا الحروب الدينية الدفاعية ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ﴾ تنطبق على كل النساء من قريش، لأن والد النبي كان من قريش ﴿وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ﴾","vol":"3","page":361},{"text":"﴿خالاتِكَ﴾ تنطبق على كل النساء من بني زهرة، لأن والدته ﷺ كانت من بني زهرة ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ بشكل خاص، لأنّ هجرتهنّ معه أثبتت منتهى إخلاصهنّ له ﴿وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ بلا مهر، رغبة منها بالفوز بشرف خدمته ﷺ، والدخول مع أمهات المؤمنين ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ الاستنكاح بمعنى النكاح، وإرادة النبي جارية مجرى قبول الهبة منها ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلم تأخذ مهرا، أي هذه الخصلة في النكاح بلا مهر لا تنطبق على غيرك من المؤمنين ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ﴾ من مهور، والزواج بما لا يزيد عن أربع ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ بالزواج منهنّ بلا مهور ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ في الخصوصية التي تتمتّع بها من دون المؤمنين ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ كثير المغفرة ﴿رَحِيمًا﴾ وافر الرحمة.\n\n<span id=\"aya-3584\"></span>﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ (٥١)\n٥١ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة:\n﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ تترك نكاح من تشاء من نساء أمّتك ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ وتنكح منهنّ من تشاء ﴿وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي ممّن طلّقت، ليس عليه إثم ﷺ في إرجاع المطلّقة ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ فلا إثم عليك في الإرجاء والإيواء والابتغاء، فكل ذلك عائد لمشيئتك ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ بتفويض الأمر إلى مشيئتك ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ في قلوب النبي وأزواجه من عواطف ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ مبالغا في العلم، عالما بالظاهر وبالخفايا ﴿حَلِيمًا﴾ مبالغا في الحلم، لا يعاجل بالعقوبة.\n\n<span id=\"aya-3585\"></span>﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾","vol":"3","page":362},{"text":"٥٢ - ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ من بعد التسع اللاتي في عصمتك اليوم ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ ولا يحلّ لك أن تستبدل بأن تطلّق واحدة وتنكح أخرى ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ بعقد النكاح من التسع اللاتي بعصمتك ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ مراقبا لأحوال عباده.\n\n<span id=\"aya-3586\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ﴾ لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم، ولا تدخلوها إلاّ غير منتظرين نضوج الطعام ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ غير منتظرين نضجه ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ لأن المراد من الإذن إلى الطعام الدعوة إليه ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ إذا أكلتم الطعام تفرّقوا ولا تلبثوا، والخلاصة؛ إن النهي مختص بمن دخل بغير دعوة وجلس منتظرا الطعام ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ فيضيع الوقت بالحديث ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ من إخراجكم ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي نساء النبي ﴿مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ السؤال من وراء حجاب أكثر تطهّرا من الخواطر الشيطانية التي تخطر للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال، لأن الرؤية سبب للتعلق والفتنة، ومع ذلك قالوا: إن الصحابة كانوا يسمعون منهنّ وهنّ مستترات الأبدان لا الأشخاص ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ بفعل يكرهه ويتأذّى منه كالدخول عليه من غير دعوة، وكاللبث والاستئناس بحديث ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾","vol":"3","page":363},{"text":"﴿أَبَدًا﴾ من بعد وفاته، فذلك من خصوصياته ﷺ، ﴿إِنَّ ذلِكُمْ﴾ من إيذاء الرسول، أو نكاح أزواجه من بعده ﴿كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ أمرا عظيما وخطبا هائلا.\n\n<span id=\"aya-3587\"></span>﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ على ألسنتكم ممّا لا خير فيه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدوركم ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي.\n\n<span id=\"aya-3588\"></span>﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (٥٥)\n٥٥ - استئناف لبيان من لا يجب عليهنّ الاحتجاب عنه: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا يخفى عليه شيء.\n\n<span id=\"aya-3589\"></span>﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥٦)\n٥٦ - استمرار الخطاب في تعظيم شأن النبي: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ اختلفوا في معنى الصلاة من الله وملائكته على النبي، فمنهم من قال: هي الثناء عليه، وقيل: هي من الله رحمة، ومن الملائكة الدعاء له ﷺ، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قولوا: اللهم صلّ على النبي، دعاء له ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ تحتمل عدّة معان، أحدها: السلامة أي سلمت من النقائص والآفات، وثانيها: السلام من أسماء الله، فيكون المعنى: حفظك السلام من كلّ مكروه، وثالثها: يفيد الاستسلام والانقياد والإذعان، أي استسلمنا لأوامرك وسنّتك أيها النبي.","vol":"3","page":364},{"text":"<span id=\"aya-3590\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالكفر والمعاصي الكبيرة، والمعنى مجازي بالنسبة إليه تعالى، وحقيقي بالنسبة إلى الرسول ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أبعدهم الله تعالى من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا﴾ في الآخرة خاصة.\n\n<span id=\"aya-3591\"></span>﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ بالقول أو بالفعل ﴿بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا﴾ بغير جناية يستحقون بها الأذيّة شرعا ﴿فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتانًا﴾ فعلا شنيعا، أو كذبا يبهت له الإنسان لفظاعته، إذا كان الإيذاء بالقول ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهرا.\n\n<span id=\"aya-3592\"></span>﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ للتستّر، والجلابيب جمع جلباب، وهو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، واختلفوا في كيفية هذا التستّر لأنّ الآية أبهمته، ولعلّ الحكمة من ذلك مسايرة الأوضاع الاجتماعية في مختلف المجتمعات والعصور ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهنّ نساء عفيفات ﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ بالتعرّض لهنّ من أهل الريبة ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ كثير المغفرة ﴿رَحِيمًا﴾ كثير الرحمة.\n\n<span id=\"aya-3593\"></span>﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ عن نفاقهم وإيذائهم ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المذبذبين أنصاف المؤمنين ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المشاغبون","vol":"3","page":365},{"text":"الذين يسببون الاضطرابات في المدينة ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ فندعوك إلى قتالهم وإجلائهم عن المدينة ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا﴾ ريثما يجلو عنها.\n\n<span id=\"aya-3594\"></span>﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا﴾ مبعدون من رحمة الله، أينما وجدوا وحصروا، في حال قتالهم ﴿أُخِذُوا﴾ أسرى ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ بأعداد كثيرة، لأن هذا معنى التقتيل، بسبب إصرارهم على الفساد والإفساد.\n\n<span id=\"aya-3595\"></span>﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ في وجوب قتال المفسدين من القوم وإجلائهم وقهرهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ في وجوب مثل هذه الأمور.\n\n<span id=\"aya-3596\"></span>﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ متى موعدها؟ وهو سؤال تحدّ من قبل المشككين العابثين المستهزئين المتعنّتين ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطّلع عليها أحد من خلقه ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ قد تتحقق في أقرب وقت، فالزمن الدنيوي نسبي، ولا تقاس به الأمور، بخلاف الزمن المطلق.\n\n<span id=\"aya-3597\"></span>﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ﴾ على الإطلاق، أي أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ بما يتناسب مع كفرهم.\n\n<span id=\"aya-3598\"></span>﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولّى شؤونهم ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ ينصرهم.","vol":"3","page":366},{"text":"<span id=\"aya-3599\"></span>﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ فلا نبتلى بهذا العذاب.\n\n<span id=\"aya-3600\"></span>﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا﴾ أطعنا الزعماء لمّا أغرونا بالدنيا، ولما فيهم من قوة البطش ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ جعلونا ضالّين بما دعونا وأجبرونا عليه، وزيّنوا لنا الباطل.\n\n<span id=\"aya-3601\"></span>﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَاِلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ لضلالهم في أنفسهم، وإضلالهم لنا ﴿وَاِلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ شديدا عظيما بإبعادهم من رحمتك.\n\n<span id=\"aya-3602\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ بمعصيته وتكذيبهم إياه، كقولهم له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة ٥/ ٢٤] وقولهم له: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣/ ٤]، ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ من تعنّتهم ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ ذا جاه، رفيع القدر، مستجاب الدعوة.\n\n<span id=\"aya-3603\"></span>﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ﴾ في أقوالكم وأعمالكم ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ لتكن أقوالكم متوجّهة دوما للحق بلا ريبة، ممّا يوافق ظاهرها باطنها.\n\n<span id=\"aya-3604\"></span>﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾","vol":"3","page":367},{"text":"٧١ - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ بقبولها، وبالتوفيق في المجيء بها صالحة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ باستقامتكم في القول والعمل يجعل أعمالكم مكفّرة لذنوبكم ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يقدّر قدره.\n\n<span id=\"aya-3605\"></span>﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ قالوا في الأمانة أقوالا كثيرة: منها العقل ومقدرة الإنسان على الخيار بين الصواب والخطأ، وما يترتب على ذلك من مسؤولية، ومنها الطاعة التي هي من أفعال المكلّفين، كالتكاليف الشرعية والفرائض وصعوبتها، فهي كل ما يؤتمن عليه ويطلب حفظه ورعايته، وعبّر عنها بالأمانة تنبيها على أنها حقوق مرعيّة أودعهاتعالى المكلّفين وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد، وقبل الإنسان حملها رغم ثقل مسؤوليتها، مع الإيذان بأن ما صدر عن بني آدم من الطاعة كان بعد قبول الأمانة والتزامها اختيارا من غير جبر، وقد حملها الإنسان بما خلق وجبل عليه من استعداد فطري، وبتكليفه إياها يوم الميثاق، وقبوله القولي لها، يوم أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وعبّرتعالى عن ثقلها بأن لو كلّفت الأجرام السماوية بها وكانت ذات شعور وإدراك، لأبت حملها اختيارا ولخافت منها ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ بعدم وفائه ما تحمّل من مسؤولية، فكان مفرطا في الظلم، مبالغا في الجهل، والإشارة إلى غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، فلم يقهر سلطان العقل عندهم شهوتي الظلم والجهل، كما أنّ التكليف لم يعدّل قوى الظلم والجهل عندهم ولم يكسر حدّتها.","vol":"3","page":368},{"text":"<span id=\"aya-3606\"></span>﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ﴾ اللام في قوله ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ لام العاقبة، والمعنى حمل الإنسان الأمانة ليعذّب الله تعالى بعض الناس الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة، فالتعذيب مترتّب على خيانتها والفشل بحملها، والخروج عن الطاعة والتكليف ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ الفريق الثاني الذين نجحوا بحمل الأمانة، ولم يخلعوا الطاعة، وقاموا بالتكاليف رغم ما فرط منهم من أخطاء قلّما يخلو منها الإنسان بحكم طبيعته وجبلّته، فتداركوا أخطاءهم بالتوبة ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ كثير المغفرة، كثير الرحمة لأمثالهم.","vol":"3","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3728>سورة سبأ - ٣٤ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3729>مقدمة</span>\nنزلت في النصف الثاني من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-3730>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سور الأحزاب المتقدمة بأن الإنسان، من بين جميع المخلوقات، حمل العبء الثقيل للأمانة التي أمكنته من حرية الخيار الأخلاقي بين الحق والباطل، والصواب من الخطأ، وهذا العبء تكريم منه تعالى لبني آدم، وهو تكريم لم تنله حتى الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم إن الأكثرية من الناس لم تكن بمستوى هذه المسؤولية: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٧٢/ ٣٣)، وإن حال الإنسان في الآخرة مترتبة على نتيجة خياره الأخلاقي في الدنيا: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٧٣/ ٣٣)، ثم تفتتح سورة سبأ بأنّ الله تعالى مستحق الحمد في الآخرة لتحقق العدالة بها على أتم وجه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (١/ ٣٤)، وأن الذين أوتوا العلم من بني آدم على يقين من تحققها: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٦/ ٣٤).\nوفي سورة الأحزاب أن المشكّكين يسألون عن الساعة: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾","vol":"3","page":370},{"text":"(٦٣/ ٣٣)، ثم في سورة سبأ تأكيد وقوعها: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٣/ ٣٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-3731>محور السورة</span>\nإنّ التشكيك بالآخرة ناتج عن عمى البصيرة لدى المكذّبين، إذ إن كل شيء في عالم المشاهدة، وفي عالم الغيب، يشير إلى حتميتها: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٩)، ممّا يدل على أنّ ما يرونه من عالم المشاهدة هو أقل القليل مما هو في عالم الغيب، ثم في قصة سليمان نلاحظ أن المعارف الدنيوية لا تغني شيئا إن لم يصاحبها الهدي الإلهي: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (١٤)، وفي قصة سبأ أن المنجزات البشرية مهما عظمت فهي عابرة وإلى زوال: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ (١٦)، وبالرغم من ذلك فالإنسان معتد بحوله وقوته، دائم الجحود يكفر النعمة: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (١٧).\nلكن الغرور لا يصل بالمؤمنين إلى التبجح باحتكار الحقيقة، بل يتركون الحكم بينهم وبين المكذّبين إلى الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٤ - ٢٦)، رغم أن المكذّبين ينكرون إمكانية الوحي الإلهي مطلقا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٣١) وإنكارهم ليس مقتصرا على القرآن بل على ما تبقى بين يديه من الوحي الصحيح من الرسالات السابقة، وبعبارة أخرى إنهم يريدون التهرب","vol":"3","page":371},{"text":"ذهنيا من فكرة البعث والحساب كي يتصرّفوا في الدنيا على هواهم بلا أي وازع أخلاقي.\nثم إنّ الترف يؤدي بأصحابه إلى الظن أن نجاحهم المادي هو بحد ذاته دليل قاطع أنهم على صواب: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٣٤ - ٣٥)، وقد يظنّون أن النعم التي يتمتعون بها دليل على رضا الله عنهم، في حين أن الله تعالى يبسط الرزق للمؤمن والكافر على السواء: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٦)، وقد ينتهي بهم الضلال أن يصبحوا عبيدا للمادة والقيم الزائفة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤٠ - ٤١)، بل يعتذرون بتقليد الآباء والأجداد: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٣)، مع أنه ليس لديهم من الكتب السماوية ما يؤيد دعواهم ومزاعمهم: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٤٤).\nوأن ما نزل من الوحي على الأمم السابقة لم يبلغ معشار ما نزل في القرآن الكريم على البشرية ما لا يترك لأحد عذرا بالجهل: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3607\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١)\n١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على نعمائه ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وتصرّفا، بالإيجاد والإحياء والإماتة، لجميع ما وجد في","vol":"3","page":372},{"text":"السماوات والأرض داخلا في حقيقتهما، ما ليس له في حدّ ذاته استحقاق الوجود، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أن كانت مرحلة ثانية من الحياة، تكمل الأولى، وتظهر المغزى منها، وتكتمل بها العدالة ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أحكم أمر الدار الأولى، والدار الآخرة، بما تقتضيه الحكمة ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالم ببواطن الأمور.\n\n<span id=\"aya-3608\"></span>﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ (٢)\n٢ - ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ ما يدخل فيها ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ تشمل الأشياء المادية، والمعنوية الروحانية معا، فمن الأشياء المادية المياه التي تختفي في باطن الأرض ثم تظهر في الينابيع، وهنالك البذور المختفية في الأرض ثم تظهر بإنبات النبات، وهنالك النباتات التي تتفسخ في الأرض وتتحول إلى نفط وفحم، وهنالك جثث الأموات من بشر وحيوانات تتحوّل إلى مواد عضوية تغذّي النبات فينشأ منها حياة جديدة، وهنالك أبخرة المياه تصعد نحو السماء ثم تهبط بهطول الأمطار والثلج والبرد، ومن الأشياء الروحانية هنالك الأرواح والدعاء والكلم الطيّب وأعمال العباد الصالحة تعرج إلى السماء، والمراد بالسماء جهة العلوّ، ثمّ ما ينزل من السماء من الأرزاق ومن الوحي الإلهي كالقرآن، ثم الإلهام الذي يتنزّل على البعض فيتجدّد الإيمان ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بإنزال الأرزاق من السماء ﴿الْغَفُورُ﴾ عندما تعرج إليه الأرواح والأعمال.\n\n<span id=\"aya-3609\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)\n٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ﴾ مع كل الإعجاز الذي تقدّم ذكره، زعم المصممّون على الكفر أن ليس هنالك من آخرة، وهذا الزعم يترتّب عليه نقطتان، الأولى: أن الكون خالد، فليس له بداية ولا نهاية في الزمان والمكان، وإنما يطرأ عليه التغيير فقط، ومن ثمّ إنكار أن الخلود غير متحقق إلاّ","vol":"3","page":373},{"text":"لله تعالى وحده، والثانية: أن ليس هنالك من آخرة ولا بعث ولا حساب، فلا مغزى للحياة الدنيا ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ لا محالة، بخلاف ما تنظّرون، وتظنّون ظنّا ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ الله تعالى وحده يعلم ما هو خارج عالم المشاهدة، وخارج نطاق التصوّر البشري ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ لا يبعد عنه ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ علمه القديم أحاط بكل شيء مهما صغر أو كبر.\n\n<span id=\"aya-3610\"></span>﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤)\n٤ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة، والمعنى بلى وربّي لتأتينّكم الساعة ليتحقق الثواب والعقاب:\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مجيء الساعة ضروري لتحقيق العدالة ولتحقّق المغزى من الحياة، فيجزى الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ على ما صدر منهم من هفوات وأخطاء ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق الروحاني في الجنة من السكينة والطمأنينة.\n\n<span id=\"aya-3611\"></span>﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (٥)\n٥ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ الذين أرادوا التعجيز، يحسبون أنهم كاملو الاعتماد على أنفسهم، ويظنّون أنهم يفوتون نظام الخلق بما فيه من أسباب ومسببات ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ الرجز والرجس بمعنى واحد، وهو القبيح المستقذر حسيّا أو معنويا، وفي هذه الحالة فإن إصرارهم على الكفر وإنكارهم الآخرة قد لوّث نفوسهم بالخبث والقذارة الروحية، انظرآية [الأعراف ٧١/ ٧]، ويكون تقدير الخطاب: أولئك لهم عذاب أليم من رجز، أي العذاب مترتّب على الرجز أو النجس الذي كانوا عليه في دنياهم، فالعذاب ليس اعتباطيّا.\n\n<span id=\"aya-3612\"></span>﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾","vol":"3","page":374},{"text":"٦ - ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين أوتوا فهم القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ يسلّمون أنّ القرآن هو الحق، بعد أن فهموه، وفهموا إعجازه ﴿وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ﴾ القرآن يهدي إلى سبيل الله الغالب على أمره ﴿الْحَمِيدِ﴾ المستحق الحمد على نعمائه، سواء حمده حامد أم لم يحمد، في إشارة إلى الآية (١).\n\n<span id=\"aya-3613\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّون على الكفر يقولون ذلك في كل العصور ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ﴾ هو النبي ﷺ، يقولون ذلك استهزاء ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم بأمر عجيب ﴿إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ إذا صرتم في القبور وفنيت أجسادكم ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يقول لكم: إنكم سوف تبعثون من جديد.\n\n<span id=\"aya-3614\"></span>﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ (٨)\n٨ - ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ المعنى أنهم مقرّون بوجود الله، لكنهم منكرون للآخرة، فنسبوا قول النبي عن الآخرة إلى الكذب والافتراء بظنّهم ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ زعموا: إن لم يكن كاذبا فهو مجنون ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ منكرو الآخرة ﴿فِي الْعَذابِ﴾ المترتّب على إنكارهم، لتحقّق الرجس فيهم، وهذا العذاب دنيوي، لأن الضلال البعيد التالي ذكره لا معنى له أن يكون في الآخرة، والعذاب الدنيوي ينتج عن التخبط الأخلاقي وانعدام القيم الأخلاقية، والفساد، لرغبة المنكرين اللاشعورية في التهرب من المسؤولية والحساب ﴿وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ هم في كمال اختلال العقل وغاية الضلال الذي هو الجنون حقيقة، فقد أنكروا حكمة الله تعالى في خلق الكون ولزوم الآخرة.","vol":"3","page":375},{"text":"<span id=\"aya-3615\"></span>﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٩)\n٩ - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم المشاهدة، يعاينونه أينما توجّهوا، ما يدلّ على كمال قدرته وحكمته ﷿، فكيف يزعمون قصور قدرته عن البعث والإحياء؟ ﴿وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ من عالم الغيب الذي لا يحيطون به؟ ما هو فوق تصوّرهم، وأكثر بكثير من عالم المشاهدة ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ بالزلزلة فجأة، فتفوتهم فرصة التوبة ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قطعا من السماء، كالنيازك والمذنّبات والأشعّة الكونية تسقط عليهم، ما يدل على تفاهة الإنسان وضعفه غير المتناهي تجاه العظمة والمعرفة الإلهية ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ دلالة ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ لديه استعداد أن يرجع إلى ربّه بالتوبة، ويترك التعصّب.\n\n<span id=\"aya-3616\"></span>﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١٠)\n١٠ - ارتباط الخطاب بما قبله لكون الآية المتقدّمة ختمت بأن كل عبد منيب يرى دلالة في الإعجاز الكوني، فهذه الآية تضرب مثلا داود لكونه أناب إلى ربّه، انظر قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ﴾ [ص ٢٤/ ٣٨]:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ لحسن إنابته وتوبته ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ رجّعي معه التسبيح وردّديه، إشعارا أن ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلاّ وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ من المعروف تاريخيا أن العصر البرونزي كان قد انتهى في فلسطين قبل عهد داود بزمن، ثم إن داود كان يستورد فلز الحديد إلى فلسطين خصيصا لصناعة الدروع، ولأغراض أخرى منها صناعة الأدوات المعدنية اللازمة للزراعة والحراثة، وهو معنى الآية، انظر [الأنبياء ٧٩/ ٢١ - ٨٠].","vol":"3","page":376},{"text":"<span id=\"aya-3617\"></span>﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١)\n١١ - ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أعمالا سابغات، أي صالحة وافرة وكاملة، لأنّ سابغات مشتقة من ﴿أَسْبَغَ﴾ انظر [لقمان ٢٠/ ٣١]، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ ليكن عملك مستمرّا، وهو معنى السرد ﴿وَاِعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيها الناس ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فتكون العواقب بحسب أعمالكم.\n\n<span id=\"aya-3618\"></span>﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ﴾ سخّرنا ﴿الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ من أجل أساطيله التجارية العاملة في البحر الأحمر تسير ذهابا وإيابا شهرا بشهر إلى الحجاز، بما فيها مكة المكرمة والكعبة المشرّفة، وكان سليمان يخدم الأراضي المباركة في فلسطين والحجاز، واستخدام سليمان لأساطيل تجارية في البحر الأحمر، وفي البحر الأبيض المتوسط، ثابت تاريخيا، انظر قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي بأساطيله التجارية ﴿رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨]، انظر أيضا [الأنبياء ٨١/ ٢١]، ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ فلزّ البرونز من الحديد والنحاس، وقد ورد ذلك أيضا في العهد القديم، انظر (سفر الأيام الثاني ٤ /)، ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ شياطين الإنس والجنّ تعمل بأمره ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ انظر [الأنبياء ٨٢/ ٢١]، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا﴾ من طاعة سليمان ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾.\n\n<span id=\"aya-3619\"></span>﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ جمع محراب، في المعابد ﴿وَتَماثِيلَ﴾ كانوا يضعونها في معابدهم ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ﴾ وأحواض كبيرة كالسواقي التي تجري فيها المياه ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ جمع قدر، وهو ما يطبخ","vol":"3","page":377},{"text":"فيه، وراسيات أي القدور ثابتات على الأثافي أي الركائز التي تحتها ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ لأن شكر النعم لا يكون بمجرّد القول بل بالعمل النافع ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ حتى المتّقون منهم، لا يستطيعون أن يشكروا الله حقّ الشكر على نعمائه.\n\n<span id=\"aya-3620\"></span>﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ المنسأة العصا، والقصة تفيد أن سليمان كان متكئا على العصا عندما حان أجله، فلم يخرّ على الأرض إلاّ بعد أن أكلت قوارض الأرض عصاه، وعندئذ فقط علمت الجنّ بوفاته، بعد أن كانت تعمل بأمره وتحت ناظره، وقد تكون هذه القصة رمزية كغيرها من بعض القصص القرآنية، والعبرة منها توضح ضعف الإنسان وتدبيره بغض النظر عمّا كان يظن في نفسه من قوة وجبروت وهو في أفضل حالاته من القوة والسلطة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية توضح أن علم الغيب ممتنع حتى على الجنّ، ومن ثمّ فإن جميع المخلوقات معتمدة بالكلية على الهدي الإلهي ولا تكفيها العلوم الدنيوية مهما تقدّمت ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ سقط سليمان على الأرض ميتا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ لو علموا ما هو خارج عالم المشاهدة، لعلموا أن سليمان قد توفّي في حينه ﴿ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ فقد استمرّوا بالعمل وسليمان قد مات.\n\n<span id=\"aya-3621\"></span>﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (١٥)\n١٥ - اتصال هذه الآية مع قوله تعالى بالآية (١٣)﴾: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي حتى المتّقين منهم، لأنّ أهالي سبأ، على النقيض من الشكر، جحدوا النعم: إذ كانت مملكة سبأ الواقعة في جنوب غرب الجزيرة العربية في أوج ازدهارها في الألف الأول قبل الميلاد مكوّنة من اليمن وجزء كبير من","vol":"3","page":378},{"text":"حضرموت والحبشة، وعاصمتها مأرب، واشتهرت في عصرها بنظام ريّ رائع مكون من السدود والقنوات لا يزال بعضها باق إلى اليوم، وأكبرها سدّ مأرب الذي اشتهرت به، ويبدو أن الفترة التاريخية التي تشير إليها هذه الآية كانت بعد زمن بلقيس ملكة سبأ بكثير، انظرسورة [النمل ٢٣/ ٢٧ - ٤٤]، أي بعد الأعوام ٩٧٠ - ٩٣٥ ق. م وهي فترة حكم سليمان:\n﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ موطنهم ﴿آيَةٌ﴾ معجزة ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ بلاد زراعية غنية وممتدة إلى الشرق والغرب من عاصمتهم مأرب على حوافّ الربع الخالي ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ من نتاجها ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ﴾ بالقول والعمل ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ بلدتكم مأرب، بلدة طيبة ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يغفر الزلاّت والأخطاء.\n\n<span id=\"aya-3622\"></span>﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ جحدوا وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ السيل الصعب، نتيجة انهيار سد مأرب لأول مرة، ولا يعرف تاريخه على وجه التحديد، ممّا أدى لخراب أراض شاسعة نتج عنها هجرة الكثير من قبائل قحطان الجنوبية نحو شمال الجزيرة العربية، ومع أنه تم إصلاح السدود وشبكة الري بعد ذلك فإن سبأ لم تعد إلى سابق عهدها من الازدهار، وتلا ذلك الانهيار الثاني والنهائي لسد مأرب بضع عشرات من السنين قبل ظهور الإسلام ﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ بأراضيهم الزراعية الغنية نحو الشرق والغرب ﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ مرّ ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ الأثل والسدر من الأشجار الصحراوية، والمعنى تحوّلت من أراض ذات إنتاج زراعي خصب ووفير إلى أراض صحراوية لا تكاد تفي بالحاجة.\n\n<span id=\"aya-3623\"></span>﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾","vol":"3","page":379},{"text":"١٧ - ﴿ذلِكَ﴾ الانهيار الذي حدث، وما تلاه من التدهور في الزراعة ﴿جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ بما كسبت أيديهم من الفساد والغرور والعمى الروحاني، واعتبارهم أن ما وصلوا إليه من الحضارة والغنى استحقوه بمحض مهارتهم واستحقاقهم ولا علاقة له بالتوفيق الإلهي ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فلا شيء اعتباطي، والجزاء مترتّب على العمل.\n\n<span id=\"aya-3624\"></span>﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بينهم وبين مكة المكرمة والقدس ﴿قُرىً ظاهِرَةً﴾ بعضها على مرأى من بعضها الآخر ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ جعلنا السفر بينها سهلا ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ﴾ بلا خوف.\n\n<span id=\"aya-3625\"></span>﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ زعموا أنّ ما توصّلوا إليه من الترف والنعم، وسهولة تنقّلهم، وسفر قوافلهم التجارية بين اليمن والحجاز وبين بلاد الشام، كل ذلك ظنّوه نتيجة مهارتهم ومقدرتهم وذكائهم المحض، فبطروا وكفروا وتحدّوا أن تكون أسفارهم أبعد وأشقّ من ذلك، وظنّوا أنهم مالكو أمورهم بالمطلق ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باعتدادهم بأنفسهم واستكبارهم وغرورهم ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ جمع أحدوثة، أي صاروا أحاديث على ألسنة الناس تحكي غابر تاريخهم ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بانهيار سدودهم وتفرقهم وهجرتهم في البلاد ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ دلالات ورسالات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ يصبر على دواعي الهوى ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمه تعالى، فلا ينسبها لمحض جدارته.\n\n<span id=\"aya-3626\"></span>﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾","vol":"3","page":380},{"text":"٢٠ - ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وجد ظنّه في سبأ صادقا ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتّبعوا وساوسه، ما نتج عنه استكبارهم وغرورهم وفسادهم ﴿إِلاّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يتّبعوه.\n\n<span id=\"aya-3627\"></span>﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ فلا يستطيع سوى الغواية، دون القهر والإجبار ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ من الذين يرفضون وساوس إبليس ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾ في شك من الآخرة، من الذين يتقبّلون وساوس الشيطان، والمغزى من وساوس إبليس أنها تفرز الذين يقبلونها ويخرجونها إلى نطاق التنفيذ، من الذين يرفضونها، ممّا يترتّب عليه الثواب والعقاب، وليس مجرّد علمه تعالى بالغيب ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ قائم على أحوال كل شيء.\n\n<span id=\"aya-3628\"></span>﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (٢٢)\n٢٢ - بعد انتهاء قصة سبأ وبيان العبر منها، وبعد أن ذكرت الآيات (٧ - ٩) أنّ من الكفار من ينكر الآخرة، تبيّن الآيات (٢٢ - ٢٧) أن منهم المشركين الذين يعتقدون الشفاعة في شركائهم:\n﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الذين زعمتم فيهم الألوهية ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ عاجزون لا يقدرون على شيء ﴿وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ﴾ لا يملكون شيئا ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ الله تعالى ليس بحاجة إليهم.\n\n<span id=\"aya-3629\"></span>﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾","vol":"3","page":381},{"text":"٢٣ - ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ تشريفا له، وعندما يكون المشفوع له تقيا مستحقا، أما شركاؤهم وآلهتهم فلا تشفع في شيء ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ زال الفزع عنهم ﴿قالُوا﴾ بعضهم لبعض، أي الذين بعثوا ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ماذا حكم فيكم؟ ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أي حكمه تعالى فينا هو الحقّ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ عن الشركاء.\n\n<span id=\"aya-3630\"></span>﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿قُلْ﴾ أيها المؤمن لهؤلاء المشركين ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ﴾ وحده يرزقكم، في حين أنّ الشركاء المزعومين لا يقدرون على شيء ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا القول من قبيل التواضع، ومعناه؛ إننا لا ندّعي احتكار الحقيقة، ولكن من المؤكد أنّ أحدنا على ضلال، وهو الأدب في النقاش والجدال.\n\n<span id=\"aya-3631\"></span>﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا﴾ نسبوا الإجرام إلى أنفسهم ولم ينسبوه إلى المشركين، إمعانا في الحرص على مشاعر الآخرين، والأدب في الدعوة، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، ﴿وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لأن كل إنسان يتحمل عاقبة عمله.\n\n<span id=\"aya-3632\"></span>﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يوم القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ﴾ يومئذ يتبيّن لكم الحق من الباطل ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ﴾ القاضي في القضايا المنغلقة، فكيف بالواضحة؟ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي القضاء به.\n\n<span id=\"aya-3633\"></span>﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾","vol":"3","page":382},{"text":"٢٧ - ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ إذ كنتم تعبدون أوهامكم ونزواتكم ﴿كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ﴾ وحده المستحق للعبادة ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب القاهر ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.\n\n<span id=\"aya-3634\"></span>﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها النبي ﴿إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ رسالة الإسلام عالمية ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ إن الرسالات السماوية قد ختمت بالإسلام.\n\n<span id=\"aya-3635\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ منكرو الآخرة ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ بيوم القيامة المشار إليه بالآية (٢٦)؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟\n\n<span id=\"aya-3636\"></span>﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ﴾ إذا فاجأكم ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يمكنكم تقديمه ولا تأخيره.\n\n<span id=\"aya-3637\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كفروا بالرسالات السماوية مطلقا، بالقرآن وبما تبقى بين يديه من الوحي الصحيح من الرسالات السابقة اليهودية والمسيحية، وبهذا الإنكار يظنّون أنّ بإمكانهم التصرف في الدنيا على هواهم بلا أي رادع ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يوم الحساب ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ في جدل عقيم ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا﴾ من الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا﴾ من الزعماء الذين كانوا منهمكين في الدنيا ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بما جاءت به الرسل.","vol":"3","page":383},{"text":"<span id=\"aya-3638\"></span>﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا﴾ من الزعماء ﴿لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا﴾ من الأتباع ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ تبرّأ الزعماء من الأتباع ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ باختياركم، إذ اتّبعتم أهواءكم ومصالحكم الشخصية.\n\n<span id=\"aya-3639\"></span>﴿وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ كنتم تمكرون بنا ليلا نهارا استغلالا لنا ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ﴾ تنفون أن يكون هنالك إله وبعث وحساب ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا﴾ بأن نجري وراء مكاسب دنيوية زائلة ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصارت أرواحهم حبيسة ما كانوا عليه من القيم الزائفة ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا شيء يتم اعتباطا، وكل عمل يحمل نتائجه في طيّاته.\n\n<span id=\"aya-3640\"></span>﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ في مجتمع من المجتمعات ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي من الأنبياء ﴿إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها﴾ الغارقون في ملذّاتهم ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ سلفا قبل أن نطّلع على فحوى الرسالة، استكبارا وخوفا على مكاسبهم الدنيوية.\n\n<span id=\"aya-3641\"></span>﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾ منكم ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فليس هنالك من بعث ولا ثواب ولا عقاب.\n\n<span id=\"aya-3642\"></span>﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾","vol":"3","page":384},{"text":"٣٦ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أن يبسط له ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بالقليل على من يشاء ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قد يظنّون بسط الرزق تكريما لهم، ودليل رضا الله عنهم، ولا يعلمون أن الله تعالى يبسط الرزق للناس مؤمنهم وكافرهم، بحسب الحكمة، ولو بسط الرزق للمؤمنين فقط لانتفى الخيار الأخلاقي ولصار الإيمان إلجاء.\n\n<span id=\"aya-3643\"></span>﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ ليست العبرة عند الله بكثرة المال والولد ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا﴾ لكن العبرة بالإيمان والعمل الصالح ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أضعافا مضاعفة ﴿بِما عَمِلُوا﴾ من الصالحات ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ﴾ في منازل الجنة العالية ﴿آمِنُونَ﴾ من مكاره الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3644\"></span>﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا﴾ بالرد والطعن فيها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ لغرض التعجيز بزعمهم ﴿أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ بنتيجة ما قدّموا.\n\n<span id=\"aya-3645\"></span>﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ فلا تخشوا الفقر وأنفقوا في سبيل الله ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سبيله ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ يعطي بدله عوضا عنه ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ لأنه وحده الرزّاق حقيقة، بتسخيره الأسباب.\n\n<span id=\"aya-3646\"></span>﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾","vol":"3","page":385},{"text":"٤٠ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ المشركين والكفار ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ لأنهم كانوا يضللون أنفسهم بعبادة قوى وهمية، كعبادة الثالوث عند المسيحية، وقد يزعمون أنها ملائكة.\n\n<span id=\"aya-3647\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أنت مولانا، ولا موالاة بيننا وبينهم ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ كانوا يعبدون الزيف والأوهام، لأن تعبير الجن مشتق من الخفاء ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لشدة ما كانوا عليه من الضلال.\n\n<span id=\"aya-3648\"></span>﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ القيم الزائفة والأوهام والزعامات لا تفيد أصحابها، وإن أفادتهم مؤقتا في الدنيا فهي تخذلهم في الآخرة ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ كنتم تكذّبون أن أعمالكم السيئة وعبادتكم المادة ذات عواقب وخيمة، فلم تكترثوا.\n\n<span id=\"aya-3649\"></span>﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ آيات ناطقة بالتوحيد ومبطلة للشرك ﴿قالُوا﴾ وهو قول يقوله الكفار في كل زمن ﴿ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فتمسّكوا بتقليد الآباء والأجداد ﴿وَقالُوا ما هذا﴾ القرآن ﴿إِلاّ إِفْكٌ﴾ كلام لا مصداق له ﴿مُفْتَرىً﴾ بإسناده إلى الله عزّ","vol":"3","page":386},{"text":"وجلّ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نسبوا بعثته ﷺ إلى السحر لمّا عجزوا عن معارضتها.\n\n<span id=\"aya-3650\"></span>﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ سماوية ﴿يَدْرُسُونَها﴾ فتثبت لهم عقائدهم الفاسدة من شرك وعبادة الأوهام ﴿وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يدعوهم إلى الشرك.\n\n<span id=\"aya-3651\"></span>﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الأمم التي جاءتها الرسل في الماضي ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ ما أوحينا إلى الأمم البائدة عن طريق رسلهم لم يبلغ معشار، أي عشر، ما نزل على قريش في القرآن الكريم ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ كيف كان إنكاري لتكذيبهم بما نزل عليهم من الدمار، والمغزى أن لا عذر للعرب بإنكار رسالة الإسلام فهي أقوى بعشر مرات على الأقل ممّا نزل على الأمم قبلهم.\n\n<span id=\"aya-3652\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ أعظكم وأنصحكم بخصلة واحدة ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾ بصحبة مجموعة منكم، أو منفردين ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ الأمر من البساطة بحيث لا يحتاج إلاّ للتفكير الموضوعي للتوصل إلى الإيمان والتوحيد ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ فليس من جنون في النبي كما تدّعون ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ينذركم بعواقب الأمور في الحياة الآخرة.","vol":"3","page":387},{"text":"<span id=\"aya-3653\"></span>﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ المعنى لم أطلب منكم تعويضا ماديا دنيويا على تبليغ الرسالة ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ من الثواب فقط ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فقد أبلغتم الرسالة، ولا تضرّونني شيئا.\n\n<span id=\"aya-3654\"></span>﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فيزيله، انظر [الأنبياء ١٨/ ٢١]، وأيضا إن الله تعالى يقذف بالحق في قلوب عباده المؤمنين، أو الذين لديهم قابلية للإيمان، فيؤمنون ويزداد إيمانهم ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يعلم ما في قلوب خلقه من ميول، وما جبلت عليه.\n\n<span id=\"aya-3655\"></span>﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ﴾ وزهق الباطل، ببعثة النبي ﷺ ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ﴾ الكفر والشرك ﴿وَما يُعِيدُ﴾ لأن الباطل في حد ذاته ليس سوى وهم، فكيف للوهم أن يفعل شيئا؟\n\n<span id=\"aya-3656\"></span>﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ وحدي أتحمّل عاقبة الضلال ﴿وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ والاهتداء بهدايته تعالى ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ للدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ من عباده.\n\n<span id=\"aya-3657\"></span>﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَلَوْ تَرى﴾ أيها الرسول، أو أيها المؤمن ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ فزع الكفار يوم القيامة ﴿فَلا فَوْتَ﴾ لا يفوتون الله ﷿، وليس لهم من مفرّ يفرّون إليه ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ وليس أقرب من داخلهم ونفوسهم.","vol":"3","page":388},{"text":"<span id=\"aya-3658\"></span>﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بالقرآن ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ المعنى لا يفيدهم الإيمان بعد أن فارقوا الدنيا، والبعد المعنوي بين الدنيا والآخرة لا متناه.\n\n<span id=\"aya-3659\"></span>﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ بالقرآن ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في دنياهم ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ كانوا في دنياهم ينظّرون بما ليس لهم به علم من عالم الغيب ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بعد المسافة المعنوية بين عالم المشاهدة وعالم الغيب.\n\n<span id=\"aya-3660\"></span>﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ من دخول الجنة، أو من العودة إلى الدنيا لتكون لهم فرصة ثانية، أو ما يشتهون من التوبة بعد فوات الأوان ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لأن سنّة الله في أمثالهم لا تتغيّر ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ من الوحي، فكانوا يقارنون ما يمكن أن يفوتهم من ملذّات الدنيا وزخرفها على فرض أن ليس من آخرة ولا بعث ولا حساب.","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3786>سورة فاطر - ٣٥ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3787>مقدمة</span>\nنزلت في النصف الأول من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-3788>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة سبأ الشكر لا يكون بالقول فقط بل بالعمل: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣/ ٣٣)، ثم في سورة فاطر العمل الصالح يرفع الكلم الطيب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١٠/ ٣٥).\nوفي سورة سبأ الكفار مصرّون على إنكار الوحي مطلقا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٣١/ ٣٤)، مع العلم أنّ ما سبق نزوله من الوحي على الأمم السالفة لم يبلغ معشار ما نزل في القرآن الكريم: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥/ ٣٤)، ثمّ في سورة فاطر أن كفار قريش في زمانهم، والكفار في كل زمان، مستكبرون ينفرون من القرآن بالرغم من مزاعمهم أنهم على استعداد للهداية، إذ يصدّهم الاستكبار والمكر السيّئ عن القرآن:\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا * اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٤٢/ ٣٥ - ٤٣).\nوفي سورة سبأ أن ليس لدى الكفار من كتب سماوية تؤيد ما يذهبون إليه من ضلال: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ﴾","vol":"3","page":390},{"text":"﴿نَذِيرٍ﴾ (٤٤/ ٣٤)، ثم في سورة فاطر أن الله تعالى أورث القرآن لأمة الإسلام فكان منهم الظالم، ومنهم الوسط ممّن خلطوا عملا صالحا وعملا سيئا، ومنهم السابق بأعمال الخير: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٣٢/ ٣٥).\nوفي سورة سبأ الكفار يؤمنون بعد الفوات فلا يفيدهم إيمانهم المتأخر:\n﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢/ ٣٤)، والسبب في ذلك تبينه سورة فاطر: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧/ ٣٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-3789>محور السورة</span>\nإنّ أعمال الكفار رغم بشاعتها تبدو لهم حسنة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (٨)، وعلى النقيض من ذلك فإن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب المنبثق عن عقيدة صحيحة ونية حسنة، أي إنّ الفعل أعلى من القول، ينال به صاحبه العزّة، ويبور مكر السيئات: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠)، والنتيجة أن موتى القلوب ليسوا كمن يستفيد من العقل السليم: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢٢) وهي القبور المعنوية وليست الحسية فقط، ومن ثم فإن العلماء وحدهم - لا سواهم - يخشون الله خشية حقيقية، وإن بلغت عبادة غيرهم لله ما عسى أن تبلغ، لأنه لا يخشى أحد أحدا إلا مع معرفته، ولا يعرفه جاهل: ﴿كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ (٢٨).","vol":"3","page":391},{"text":"وأن الله تعالى بعد أن وهب العقول لعباده أطال مكثهم في الدنيا، ولم يعاجلهم بالأخذ، لعلهم يتذكّرون ويتوبون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (٣٧)، بل إنه أنعم على عباده - بعد العقل - بالأدلة النقلية من الكتب السماوية ما يؤيّد العقل: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧)، لكن الاستكبار والمكر السيّئ وقف حائلا بين الحقيقة وبين منكريها: ﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٤٣)، غير أنّ الله تعالى يمهلهم للحساب ولا يهملهم: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ (٤٥).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3661\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)\n١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي موجدهما ومبدعهما على غير مثال سابق، وأصل الفطر الشق، كأنه تعالى شقّ العدم فأوجدهما ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ وسائط بينه وبين أنبيائه، والصالحين من عباده، يبلّغون إليهم رسالاته سبحانه، بالوحي وبالإلهام وبالرؤيا الصادقة ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ قد تكون إشارة إلى الوسائل المتعددة التي بواسطتها تنفذ مشيئته تعالى في الكون ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ لأن الخلق في تغيّر وتجدّد دائمين ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يخرج عن إرادته شيء.\n\n<span id=\"aya-3662\"></span>﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)\n٢ - ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ يطلقها ويرسلها ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ لا أحد يقدر على منعها ﴿وَما يُمْسِكْ﴾ من رحمة أو غيرها ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا أحد يقدر على إرسالها ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على كل ما يشاء من","vol":"3","page":392},{"text":"الأمور التي من جملتها الفتح والإمساك ﴿الْحَكِيمُ﴾ يفعل كل مل يفعل بحسب الحكمة والمصلحة.\n\n<span id=\"aya-3663\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣)\n٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ راعوها واحفظوها، بمعرفة حقّها والاعتراف بها ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ فمن نعمه نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، ونعمة المطر، ونعمة إنبات النبات ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ بعد أن بيّنت الآية أنّه تعالى متفرّد بالألوهية وبالخلق وبرزق العباد، فكيف يصرفون عن التوحيد إلى الشرك؟\n\n<span id=\"aya-3664\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤)\n٤ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيها النبي، مع كل ما سبق من البيان والإعجاز ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من طبيعة المجتمعات الإنسانية أن درجت على تكذيب الرسل منذ القدم ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ من سنّة الله في خلقه أن ترك للناس حرية الخيار، وإليه ترجع الأمور في بعث الرسل وهدي الأمم.\n\n<span id=\"aya-3665\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٥)\n٥ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ في البعث والحساب ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ بمادّتها وبمباهجها وزخرفها ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ أي المبالغ في الغرور، وهو كل ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وسلطان وشيطان، وهو من قبيل الضلالات التي تزيّن للمرء عمله السيّئ، فيبدو في نظره حسنا، وتمنّيه بالجنة والمغفرة رغم المعاصي، فهو من قبيل التمنّي الخادع، انظر [لقمان ٣٣/ ٣١].","vol":"3","page":393},{"text":"<span id=\"aya-3666\"></span>﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (٦)\n٦ - ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ بوساوسه السيئة ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بطرد وساوسه ﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لأنه يزيّن لمن يتّبعونه سوء عملهم، ويدعوهم إلى اتّباع الهوى والركون إلى ملذات الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3667\"></span>﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧)\n٧ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ باستجابتهم لوساوس الشيطان ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بصبرهم على الطاعة والتكليف.\n\n<span id=\"aya-3668\"></span>﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ اعتقد السيّئ حسنا، كما في الآية (٦)، هل هو كمن رأى عمله على حقيقته ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ فيخلّيه لنفسه ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ يوفّقه للهداية بحسب استعداده ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ فلا تغتمّ، أيها النبي، وأيها المؤمن، إن لم يؤمنوا جميعا، وإن لم يهتدوا إلى الصراط المستقيم ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ يعلم ما يختارون ويقدّمون لأنفسهم من خير أو شر، فتلك سنّته تعالى في خلقه.\n\n<span id=\"aya-3669\"></span>﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ (٩)\n٩ - مزيد من البراهين على النشور حتى الآية (٢٨)﴾: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ بلد مات نباته من القحط ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ المطر أحيا الأرض بعد أن ماتت زروعها ﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ إحياء الأموات يوم الحساب، والبرهان على البعث.","vol":"3","page":394},{"text":"<span id=\"aya-3670\"></span>﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ الشرف والمنعة اعتزازا بشخصه ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ في الدنيا والآخرة ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الكلام الحسن، والدعاء الذي لا ظلم فيه، الذي يستطيبه العقل السليم ولا يردّه، يصعد إلى الله تعالى ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى، وأيضا: العمل الصالح يرفع صاحبه ويشرّفه ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يمكرون مكر السيئ، فيبتكرون الحجج الفاسدة ضد ما هو حقّ، وينكرون الحياة الآخرة ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ مكرهم يفسد، لأنّ حججهم باطلة، فلا يحيق المكر السيئ إلاّ بأهله.\n\n<span id=\"aya-3671\"></span>﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١١)\n١١ - ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٣/ ٢٣]، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا﴾ من ذكر وأنثى ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ يعلم تعالى جميع خلقه ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ يزيد في عمره ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ في علم الله القديم يوم خلق السماوات والأرض ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ لاستغنائه تعالى عن الأسباب.\n\n<span id=\"aya-3672\"></span>﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾","vol":"3","page":395},{"text":"١٢ - استمرار الخطاب لقوله: إن ذلك على الله يسير، ومنه الكثير من آيات الخلق التي تدهش العلماء بإعجازها: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ يكسر العطش ﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾ مياه الأنهار العذبة تستسيغ النفس شربها ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ مياه البحار شديدة الملوحة ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ اللؤلؤ والمرجان ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ السفن تمخر البحار ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ما فيه مصالحكم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ تعرفون حقوقه تعالى، فتشكرون نعمه بالقول والعمل.\n\n<span id=\"aya-3673\"></span>﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ بكرويّة الأرض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ للحياة على الأرض ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الأجل يوم القيامة، يوم تتغير الأرض غير الأرض والسماوات ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ والتصرّف فيه ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من أوهامكم ﴿ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ مثل للشيء الدنيء الطفيف، كالقشرة على رأس نواة التمر، وكقشر الثوم، والمعنى؛ إن شركاء الوهم الذين تدعونهم لا يملكون شيئا على الإطلاق، فالملك لله وحده.\n\n<span id=\"aya-3674\"></span>﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ هؤلاء الشركاء الذين تشركون ﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ لأنهم إمّا مخلوقات جامدة كالأوثان، أو وهمية من اختراع العقل، أو عاجزة كالزعماء والقدّيسين والأولياء ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يكفرون بعابديهم، كناية عن اكتشاف المرء للحقيقة يوم القيامة، وما كان عليه في دنياه من الوهم ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ الله تعالى.","vol":"3","page":396},{"text":"<span id=\"aya-3675\"></span>﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ﴾ أنتم بحاجة إلى نعمه تعالى: نعمة الإمداد بالحياة، ونعمة الصحّة، ونعمة الرزق، فالإنسان خلق ضعيفا، [النساء ٢٨/ ٤]، ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ غنيّ عن عباده ومخلوقاته، مستحقّ الحمد على نعمائه، المحمود بذاته.\n\n<span id=\"aya-3676\"></span>﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا تعرفونهم، ليسوا على صفتكم من الجحود والشرك، هذا في المعنى العام، وفي المعنى الخاص: إن يشأ يذهبكم أيها العرب، أو أيها المسلمون، ويأت بخلق جديد أقدر منكم على حمل رسالة الإسلام.\n\n<span id=\"aya-3677\"></span>﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ ليس صعبا، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، [يس ٨٢/ ٣٦].\n\n<span id=\"aya-3678\"></span>﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨)\n١٨ - استمرار الخطاب من الآية (٨)﴾: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ كل إنسان يتحمّل مسؤولية أعماله، فلا تحمل نفس إثم نفس أخرى، بل تحمل كل نفس وزرها ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ نفس مثقلة بالأوزار، أي بالذنوب، تدعو الآخرين للمشاركة في حمل ذنوبها ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ فيستحيل، وليس من العدالة في شيء، نقل عبء الذنوب من نفس إلى أخرى ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ ولو كان المدعو إلى المشاركة في حمل الذنوب من الأقرباء، وهذه الآية بالمناسبة تنفي العقيدة المسيحية القائلة بافتداء الناس من خطاياهم بالنيابة،","vol":"3","page":397},{"text":"أي زعمهم بأنّ المسيح بموته المزعوم على الصليب، افتدى خطايا البشرية سلفا، ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ لأنهم توصّلوا إلى معرفته غائبا عن إدراكهم الحسّي ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ كما ينبغي ﴿وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ من تطهّر من الأوزار يقتصر النفع عليه ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازي كلّ مسؤول عن ذنبه، لا أحد غيره.\n\n<span id=\"aya-3679\"></span>﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي بعد كل هذه الحجج التي بدأت بالآية (٩)، لم يبق للمكابر المعاند إلاّ أن يكون أعمى القلب، إذ لا يستطيع إبصار الحقيقة كما يراها الذي على بصيرة.\n\n<span id=\"aya-3680\"></span>﴿وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ﴾ ظلمات الجهالة ليست مثل نور العلم والمعرفة.\n\n<span id=\"aya-3681\"></span>﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ ثواب العالم المؤمن ليس كعاقبة الكافر والجاهل.\n\n<span id=\"aya-3682\"></span>﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ﴾ تشبيه الأحياء والأموات، بالعلماء والجهلاء، وأيضا تشبيه المؤمنين بالأحياء، والكفار بالأموات بسبب موت مداركهم ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ﴾ من يشاء سماع الآيات سماع فهم وتدبّر، وليس من يسمعها سماع الببغاء، أو سماع الجحود والإنكار ﴿وَما أَنْتَ﴾ أيها النبي، أو أيها المسلم، أو أيّها الداعية ﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ليس","vol":"3","page":398},{"text":"باستطاعتك إسماع المصرّين على الكفر، شبّهتهم الآية بالأموات في قبورهم، فلا سبيل لسماعهم، انظر [البقرة ٦/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3683\"></span>﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ بلا إكراه ولا إجبار، هذا كلّ ما في الأمر.\n\n<span id=\"aya-3684\"></span>﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ﴾ داعيا إلى الحقّ ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ بشيرا لمن آمن، ونذيرا لمن كفر ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ كل أمّة جاءها رسول من الرسل، فلم يبق لأحد من عذر بالجهل.\n\n<span id=\"aya-3685\"></span>﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيها النبي ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم العاتية ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ الآيات البيّنات تكشف لهم الحقيقة ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ بالكتب المقدّسة ﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ كالتوراة والإنجيل، فليس من المستغرب أن كذّبوا ويكذّبون النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3686\"></span>﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر بلا توبة ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ كيف كان إنكاري عليهم، وما كان من عاقبة أمرهم.\n\n<span id=\"aya-3687\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الإنسان ﴿أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ المطر ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها﴾ أخرج بالمطر نباتا ذا ثمرات منوّعة ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ﴾ خلق تعالى الجبال من طبقات جيولوجية تتجدد وتتراكم على مر العصور ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ هذه الطبقات الجيولجية،","vol":"3","page":399},{"text":"المكوّنة منها الجبال، ذات ألوان مختلفة كما يراها الناظر في مقاطع الجبال والكهوف والهضاب ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ومن هذه الطبقات الجيولوجية الأسود شديد السواد، كما هي الحال في صخور البازالت، لأنّ الغربيب هو الذي أبعد في السواد، فيقولون أسود غربيب، ومنه الغراب.\n\n<span id=\"aya-3688\"></span>﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ﴾ خلقها الله تعالى ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ العلماء يعرفون الله حقّ المعرفة فيخافونه ويرجونه، وهم العلماء الذين بالإضافة لعلومهم الدنيوية يتمتعون بجانب من المعرفة الروحانية، لأنهم يدركون من دراساتهم أنّ ما يلاحظونه بحواسّهم من عالم المشاهدة لا يمكن أن يعبّر عن كامل الحقيقة التي لا يمكن الإلمام بها إلاّ بالإقرار بوجود عالم الغيب، الذي يغيب تصوّره عن إدراك البشر ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ كامل القدرة ﴿غَفُورٌ﴾ للتائبين.\n\n<span id=\"aya-3689\"></span>﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ ويتّبعون ما ورد فيه ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ لأنّ الإنفاق يصدّق إيمانهم ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ الإنفاق سرّا للنفل، وإنفاق العلانية للفرض ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ لن تفسد، ولن تكسد.\n\n<span id=\"aya-3690\"></span>﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ الله تعالى ﴿أُجُورَهُمْ﴾ بما يستحقّون ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من خزائن رحمته ما يشاء ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لهفوات المؤمنين العاملين ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعاتهم، مجازيهم عليها أكمل الجزاء.","vol":"3","page":400},{"text":"<span id=\"aya-3691\"></span>﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ هو القرآن، وقوله: من الكتاب أي هو من جنس الكتاب أو جنس الكتب السماوية التي أوحي بها ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ القرآن يصدّق فقط ما تبقّى بين يديه من الوحي الصحيح في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، لأنّ الجزء الأكبر منها دخله التشويه وهو من كتابات البشر ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ محيط ببواطن أمورهم وظواهرها، ومن ذلك نواياهم.\n\n<span id=\"aya-3692\"></span>﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ﴾ أي القرآن، فلا كتاب بعده، وهو الموروث ﴿الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ وهم المسلمون قاطبة ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ليس فقط بالتقصير في العمل بالكتاب، وإنّما أيضا بالإسراف في الخطايا والإجرام ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ بأن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فهو متردّد بين العمل بالقرآن وبين مخالفته ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فأخلص العمل لله ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي التوفيق إلى الخيرات والسبق بها.\n\n<span id=\"aya-3693\"></span>﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ ذات النعيم الدائم ﴿يَدْخُلُونَها﴾ السابقون بالخيرات، وغيرهم من يدخلها بفضل الله تعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ كناية عن نعيم الجنة.\n\n<span id=\"aya-3694\"></span>﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾","vol":"3","page":401},{"text":"٣٤ - ﴿وَقالُوا﴾ الذين دخلوا الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ذهبت جميع أحزان الدنيا والآخرة، ومنها حزن معيشة الدنيا، وحزن المرض والضر، وحزن تقلّب القلب وخوف العاقبة، وحزن أن لا تقبل الأعمال، وحزن أهوال الآخرة ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ لكثير من خطايانا، ولولا ذلك ما دخلنا الجنة ﴿شَكُورٌ﴾ يقبل الشكر من عباده.\n\n<span id=\"aya-3695\"></span>﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ﴾ دار الإقامة الدائمة في النعيم الذي لا انتقال منه ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ من تفضّله وكرمه سبحانه، وليس باستحقاقنا ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ تعب جسماني ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ تعب نفساني.\n\n<span id=\"aya-3696\"></span>﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ لا يموتوا ميتة ثانية، بل يبقوا في العذاب ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ كلّ مبالغ في الكفر، مصرّ عليه.\n\n<span id=\"aya-3697\"></span>﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ يصيحون بأعلى صوتهم: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ يطلبون ويتمنّون لو تتاح لهم فرصة اختبار ثانية في الدنيا يعودون إليها، فيعملون عملا صالحا غير العمل السيّئ الذي كانوا يعملونه أول مرّة، فيأتيهم الجواب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ ألم نمهلكم في سني حياتكم العمر الكافي ﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي في عمركم، فكان لديكم العمر والفرصة الكافية والفطنة للتذكّر، وقالوا في العمر الكافي للتذكّر أقوالا كثيرة تراوحت من العشرين إلى الستّين عاما ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ بمختلف","vol":"3","page":402},{"text":"أشكاله: فهنالك القرآن الكريم، وهنالك كمال العقل، وهنالك موت الأهل والأقارب، كلها تنذر بقرب الأجل ﴿فَذُوقُوا﴾ العذاب بما كفرتم وبالغتم في الكفر ﴿فَما لِلظّالِمِينَ﴾ أنفسهم ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3698\"></span>﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعلم كلّ غيب فيهما، لا يخفى عليه خافية ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ومن ذلك علمه تعالى بما في صدور عباده من النوايا والاستعداد، والمغزى؛ علمه بأنّ الكفر قد تمكّن في قلب صاحبه، إذ صمّم على ما هو فيه من الكفر والضلال، بحيث لو عمّر إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.\n\n<span id=\"aya-3699\"></span>﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَسارًا﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ تتصرّفون فيها وتنتفعون منها كأنكم استخلفتم عليها، كما تخلفون بعضكم بعضا، أفرادا، ومجتمعات، وأمما، ودولا ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ من استمرّ على كفره بعد أن لطف به الله تعالى وجعل له ما ينبّهه على ما يترتّب على الكفر، فيكون وبال كفره وجزاؤه عليه وحده ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتًا﴾ أشدّ البغض ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَسارًا﴾ في آخرتهم.\n\n<span id=\"aya-3700\"></span>﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاّ غُرُورًا﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ آلهتكم الوهمية، وشركاء الزيف من أوهامكم ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ حتى يستحقّوا الألوهية ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ شراكة ﴿فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا﴾ للشركاء ﴿فَهُمْ﴾ المشركون ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ المعنى؛ إنّ كلّ ذلك لم يحصل، ويبدو أنّ","vol":"3","page":403},{"text":"في الخطاب إشارة إلى المسيحية ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا﴾ من شفاعة الشركاء المزعومين ﴿إِلاّ غُرُورًا﴾ ضلالات من قبيل التمنّي.\n\n<span id=\"aya-3701\"></span>﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ السماوات والأرض كناية عن النظام الكوني، فالله تعالى وحده يحفظ النظام الكوني من الاضطراب والخلل بما أودع فيه من قوانين الحركة والفيزياء ﴿وَلَئِنْ زالَتا﴾ يوم القيامة، عندما يختل هذا النظام، انظرسورة [التكوير ١/ ٨١ - ٦]، ﴿إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا أحد يمكنه تأخير القيامة وقتئذ ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لا يعاجل الناس بتقديم القيامة مع كفر الكثيرين منهم، بل يعطيهم الفرص للتفكير وللتوبة.\n\n<span id=\"aya-3702\"></span>﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ وهم كفار قريش، وينطبق على غيرهم ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول من الله ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ زعموا أن سوف يكونوا، في تلك الحال، أهدى من أمم اليهود والمسيحية ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو الرسول ﷺ، ﴿ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ زادهم تباعدا عن الحقّ وهربا منه.\n\n<span id=\"aya-3703\"></span>﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿اِسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، أي ما زادهم إلاّ نفورا بسبب استكبارهم استكبارا في الأرض ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ بحجج باطلة زاعمين أن القرآن مفترى من عند محمد، فمكروا السيّئ من المكر في محاولة إبطال القرآن، والمكر منه السيّئ ومنه الحسن، لقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾","vol":"3","page":404},{"text":"﴿وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨]، ﴿وَلا يَحِيقُ﴾ يحيط ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ من سننه تعالى أن المكر السيئ يرتدّ على أصحابه بالسوء ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ في حبوط مكرهم ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا﴾ سننه تعالى في خلقه لا تتغير، وليس من شيء يحدث اعتباطا.\n\n<span id=\"aya-3704\"></span>﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ويدرسوا تاريخ الأمم قبلهم ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عاقبة المكذّبين من الأمم، فلا شيء يشذّ عن سننه تعالى ﴿وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ في حضارتهم المادية، لكنها لم تصمد بسبب غياب البعد الروحاني منها، وهؤلاء المكذّبون لا يشذّون عن القاعدة ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس من شأنه أن يفوته أو يسبقه شيء ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ مبالغا في العلم والمقدرة.\n\n<span id=\"aya-3705\"></span>﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ من الظلم والسيئات ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ لعاجل البشر بالعقوبة، ولما ترك من حيوان ولا إنسان يدبّ على ظهر الأرض ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى يوم القيامة، وهو الأجل المضروب للبشر ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ فيجازي كلاّ منهم بما كسبوا.","vol":"3","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3835>سورة ياسين - ٣٦ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3836>مقدمة</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-3837>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي أواخرسورة فاطر أن المشركين من يهود ونصارى وغيرهم زعموا ويزعمون أنهم باحثون عن الحقيقة، ومع ذلك أحجموا عنها لما جاءهم بها الوحي القرآني: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ (٤٢/ ٣٥)، وتفتتح سورة ياسين بأن النذير الذي جاءهم هو النبي ﵇: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١/ ٣٦ - ٣)، لإنذار الغافلين: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (٦/ ٣٦)، وتأكيد ذلك أن الله تعالى بعد أن بعث موسى وعيسى إلى بني إسرائيل، عزّز ببعث النبي ﷺ إلى الناس عامة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤/ ٣٦).\nوفي سورة فاطر أن الله تعالى أطال مكث الأفراد في الدنيا وأنزل عليهم الوحي لعلهم يتذكّروا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧/ ٣٥)، وفي سورة ياسين أن النذير يفيد فقط من لديه الفطرة السليمة والاستعداد للانتفاع بالذكرى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (١١/ ٣٦)، فالأجدر بالعاقل","vol":"3","page":406},{"text":"الاستفادة من ملكاته العقلية قبل أن يقضي عليها الهرم: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨/ ٣٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-3838>محور السورة:</span>\nأن لا سبيل لسماع من أصرّ على إنكار الحقيقة: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)، وأن الله تعالى لم يترك عذرا بالجهالة لأحد فبعث موسى وعيسى في مهبط الرسالات - القرية - ثم عزز بعثتهما ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل للناس كافة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤)، لكنّ الأكثرية درجوا على تكذيب الرسل رغم كل الدلائل التي تؤيدهم: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٠)، وفضّلوا عبادة الأوهام والمادة والسلطة والقيم الزائفة، خلافا للفطرة السليمة، وخلافا للعهد المأخوذ عليهم في الأصلاب: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦٠)، ولم ينتهزوا فرصة العمر قبل فواتها بالهرم وتدهور المدارك العقلية: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨)، بل إنهم يجادلون الحق بالباطل وقد نسوا مهانة خلقهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٧٧).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3706\"></span>﴿يس﴾ (١)\n١ - ﴿يس﴾ قد تكون من الحروف المقطعات، انظر [البقرة ١/ ٢]، و﴿يس﴾ أيضا بلغة قبيلة طيء تعني أيها الإنسان، أو يا أنيسن بالتصغير كما يقال يا بنيّ تحببا، والخطاب موجّه بالدرجة الأولى للنبي ﷺ وفي النداء إشارة لكون النبي ﷺ بشرا، وليس فوق جنس البشر، والخطاب أيضا موجّه إلى البشر عموما، كما هي الحال في سورة (طه) بمعنى يا رجل، أو أيها الإنسان.","vol":"3","page":407},{"text":"<span id=\"aya-3707\"></span>\n\n<span id=\"aya-3708\"></span>\n\n<span id=\"aya-3709\"></span>\n\n<span id=\"aya-3710\"></span>﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾\n٢ - ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ المعنى: انظروا أيها الناس في هذا القرآن ذي الحكمة، أو المشتمل على أقصى درجات الحكمة، فهو برهان على كون النبي مرسلا من الله تعالى: ٣. ﴿إِنَّكَ﴾ أيها النبي ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٤. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على الطريق الوحيد المؤدي إلى الحق، وما عداه باطل، ٥. ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ هذا القرآن وحي إلهي بدليل اشتماله على الحكمة.\n\n<span id=\"aya-3711\"></span>﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (٦)\n٦ - ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ إن كان المقصود بالقوم، العرب، فقد أنذر إسماعيل آباءهم الأبعدين، وبلّغهم شريعة أبيه إبراهيم، ﵉، حوالي العام ٢٠٠٠ قبل الميلاد، ثم كانت بعثة النبي ﷺ في العام ٦١٠ للميلاد، فانقضى بينهما نحو ستة وعشرين قرنا من الزمن، أما رسالات الأنبياء هود، وصالح، وشعيب، وإدريس، وذا الكفل، وغيرهم إلى مختلف أرجاء الجزيرة العربية، فلا نعرف تاريخ بعثاتهم على وجه التحديد، وعلى أية حال فقد يكون مغزى الآية انقطاع الأنبياء عن قريش لفترة طويلة من الزمن، ومن ثمّ تدهور التراث الفكري والأخلاقي الذي توارثه العرب عبر القرون عمّا جاء به الأنبياء، أما إن كان المقصود بالقوم الناس كافة لأنّ رسالة الإسلام عالمية، ولأن السورة بدأت بتوجيه الخطاب إلى (يس) أي جنس الإنسان كافة، فقد انقضت حوالي ستة قرون من الزمن بين بعثة عيسى ﵇ آخر أنبياء بني إسرائيل، ثم انتقال سلالة النبوّات من بني إسحاق إلى بني إسماعيل ببعثة النبي ﷺ.\n\n<span id=\"aya-3712\"></span>﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧)\n٧ - ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ﴾ أي أكثر الناس، لقوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢]، وقد حقّ القول عليهم","vol":"3","page":408},{"text":"لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢]، أي الكافرين منهم ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لشدة عنادهم ومكابرتهم وتشنج عقولهم على التقليد.\n\n<span id=\"aya-3713\"></span>﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ (٨)\n٨ - ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ﴾ كناية عن إنكارهم الحقيقة وكفرهم المتعمّد ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ رؤوسهم مرفوعة للأعلى بسبب الأغلال في أعناقهم، كناية عن عنجيّتهم وتكبّرهم وسوء استعدادهم، مستكبرين عن اتّباع الرسل، شامخين برؤوسهم، وقد سدّوا أبواب النظر فيما ينفعهم، كما في آية [البقرة ٧/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3714\"></span>﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (٩)\n٩ - ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلا يتقدّمون فكريا ولا يرجعون، كناية عن ماديتهم المحضة، ومنتهى الركود الروحاني لديهم ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، لا يسمعون ولا يبصرون الحقيقة، وليس معنى ذلك أن الله تعالى فرض ذلك عليهم ابتداء، وإنما نتيجة خيارهم الحر وسوء استعدادهم.\n\n<span id=\"aya-3715\"></span>﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ كما في آية [البقرة ٦/ ٢]، لأنهم صمّموا سلفا على إنكار الحقيقة ولم يعطوا أنفسهم فرصة التفكير، ولا فرصة تقويم الرسالة السماوية من حيث جدارتها.\n\n<span id=\"aya-3716\"></span>﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾","vol":"3","page":409},{"text":"١١ - ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ الذكر هو القرآن، واتّباعه بهذا المعنى دراسته وفهمه ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ بالغيب لأنه يفوق التصوّر البشري ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ إذ استفاد من ملكاته الفكرية التي حباه الله بها.\n\n<span id=\"aya-3717\"></span>﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (١٢)\n١٢ - استمرار الخطاب، والمعنى أن كلا من المؤمنين والكفار اختاروا لأنفسهم، والجزاء يلقونه في الآخرة: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى﴾ يوم القيامة ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ من عمل صالح أو طالح ﴿وَآثارَهُمْ﴾ التي أبقوها بعدهم من الحسنات: كالعلم الذي علّموه، أو الكتاب المفيد الذي ألّفوه، وما بذلوا في إصلاح المجتمع، ومن السيئات: كمبادئ الشر والفساد التي أحدثوها وسنّوها للمفسدين ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من أعمالهم ﴿أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ لا يفوت منها شيء.\n\n<span id=\"aya-3718\"></span>﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٣)\n١٣ - بعد ما تقدم بالآيات (١ - ١٢) من نزول القرآن الحكيم على البشرية، وأن أكثر الناس مع ذلك معرضون عن الحقيقة، تضرب الآيات (١٣ - ٣٠) مثلا ببعث الرسل موسى وعيسى ومحمد ﵈:\n﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ﴾ القرية في عرف القرآن هي المجتمع، وقد رأى محمد أسد أن المقصود بها مجتمع شرق البحر الأبيض المتوسط ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ بعث فيه موسى وعيسى ومحمد، ﵈.\n\n<span id=\"aya-3719\"></span>﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ﴾ موسى لاقى أشد العنت من بني إسرائيل، ثم انحرفوا بعده إلى الوثنية السافرة، انظر شرح [البقرة ٥١/ ٢]، وعيسى آخر أنبياء","vol":"3","page":410},{"text":"بني إسرائيل رفضه قومه ﴿فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ هو محمد ﷺ بعث إلى الناس كافة ﴿فَقالُوا﴾ الرسل إلى أقوامهم ﴿إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ من الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3720\"></span>﴿قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿قالُوا﴾ الأقوام لرسلهم ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ ولستم من جنس الملائكة، فلا تفضلون علينا بشيء ﴿وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الوحي الذي تدّعون، وقولهم ﴿الرَّحْمنُ﴾ دليل على إقرارهم بالألوهية، مع إنكارهم الرسالة، وتوسلهم بالشفعاء والوثنية ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ﴾ فأنتم طلاّب زعامة بما تدّعون، وأمثال هؤلاء الناس منكري الوحي يزعمون أنهم مؤمنون، ولكن دون السماح لإيمانهم التدخّل في سلوكهم الحياتي اليومي لما في ذلك من قيود أخلاقية يفرضها الوحي عليهم، ولأنهم يريدون التصرف في الدنيا على هواهم.\n\n<span id=\"aya-3721\"></span>﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿قالُوا﴾ الرسل لأقوامهم ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ استشهدوا عليهم بعلم الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3722\"></span>﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ تبليغا ظاهرا بيّنا، بلا إكراه.\n\n<span id=\"aya-3723\"></span>﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿قالُوا﴾ لرسلهم بعد أن فشلوا في النقاش ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ كما كانت عادة العرب في التفاؤل والتشاؤم بحسب طيران الطائر الذي يلاحظونه يمنة أو يسرة، فيتفاءلون ويتيامنون بما يوافق شهواتهم إن طار يمنة، ويتشاءمون بما لا يوافقها إن طار يسرة ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عن دعوتكم لنا وإصراركم ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ بالحجارة ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ إضافة إلى الرجم، يريدون التخلص من الرسل ودعوتهم.","vol":"3","page":411},{"text":"<span id=\"aya-3724\"></span>﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ حظّكم ونصيبكم من الخير والشر معكم، ومرتبط بإيمانكم وأعمالكم، إن تعملوا خيرا فخير، أو شرّا فشر ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ بما يلزم تذكيركم به من الوحي والميثاق، تنكرونه اتّباعا لهواكم ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ في ضلالكم، تجاوزتم الحد في المعصية، وليس من اعتدال في سلوككم، فخسرتم أنفسكم إذ هدرتم إمكاناتكم الروحانية ولم تخضعوا لقيم الأخلاق المنصوص عليها في الوحي.\n\n<span id=\"aya-3725\"></span>﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ ليس رجلا بعينه، وقد يكون كناية عن الأقليات الضعيفة الفقيرة المؤمنة التي تتبع الرسل في بادئ دعوتها كما هي العادة ﴿قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ دعوة الأقليّات للأكثرية الجاحدة.\n\n<span id=\"aya-3726\"></span>﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا﴾ الرسل لا تدعوكم لمطامع شخصية ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحق، وأنتم على النقيض من ذلك.\n\n<span id=\"aya-3727\"></span>﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فأيّ عقل سليم وأيّ فطرة سليمة تمنعني من عبادة الله الذي خلقني اختراعا وابتداعا ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب يوم البعث.\n\n<span id=\"aya-3728\"></span>﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ اخترعتموها من أوهامكم ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ إذ لا وجود حقيقي لهم ﴿وَلا يُنْقِذُونِ﴾ من الحساب والجزاء.","vol":"3","page":412},{"text":"<span id=\"aya-3729\"></span>﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لو فعلت ذلك.\n\n<span id=\"aya-3730\"></span>﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ اسمعوا دعوتي لكم سماع فهم وتدبّر، ولا ترفضوها قبل دراستها وتقويمها.\n\n<span id=\"aya-3731\"></span>﴿قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ أصرّوا على إغلاق عقولهم فقتلوه، فدخل الجنة، وتمنّى لو أن قومه يدركون ما آل إليه مصيره من النعيم.\n\n<span id=\"aya-3732\"></span>﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ من ذنوبي ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3733\"></span>﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ لا يحتاج الأمر لإنزال جنود من السماء لعقاب الكفار.\n\n<span id=\"aya-3734\"></span>﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ الخمود بمعنى السكون، وقد يكون في التعبير رمز خفيّ للبعث بعد الموت، لأن الخمود ليس فناء، والقصة قد تكون رمزية، وهي مثل كما ذكرت الآية (١٣)، وإهلاك الأقوام الكافرة بالصيحة، أو بالزلازل حدث للأمم البائدة.\n\n<span id=\"aya-3735\"></span>﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)﴾","vol":"3","page":413},{"text":"٣٠ - ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ الحسرة الغمّ على ما فات والندم عليه، فكأنّ المتحسّر انحسرت عنه قواه من فرط ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم ٣٩/ ١٩]، أي يوم القيامة، عندما يغتمّ الكفار على ما فاتهم في الدنيا ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أكثر الناس يختارون صمّ آذانهم عن دعوة الرسل فيخسرون أنفسهم.\n\n<span id=\"aya-3736\"></span>﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ من الأمم، إما بالصيحة كما حدث للأمم البائدة الآية (٢٩)، أو بالتدهور والانحطاط التدريجي ثم السقوط كما حدث للأمبراطوريات والحضارات القديمة والحديثة نتيجة الانكباب على المادة وتجاهل القيم والأخلاق ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ هذه الأمم ليس لديها من فرصة ثانية تعود إليها بعد أن حان أجلها.\n\n<span id=\"aya-3737\"></span>﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا﴾ يوم القيامة ﴿جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب.\n\n<span id=\"aya-3738\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - بعد أن أجملت الآيات (١٣ - ٣٢) قصة المجتمع الذي جاءه المرسلون الثلاثة، والعبر منها، تنتقل الآيات (٣٣ - ٤٦) إلى بيان الإعجاز في بعض الآيات الآفاقية:\n٣٣ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ دلالة عظيمة ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ معجزة إحيائها بعد أن كانت ميتة قاحلة ﴿أَحْيَيْناها﴾ بالمطر ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ من جنس الحبوب كالقمح والشعير والأرز.\n\n<span id=\"aya-3739\"></span>﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ الينابيع تجري بها الأنهار.","vol":"3","page":414},{"text":"<span id=\"aya-3740\"></span>﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ من ثمر النخيل وغيره ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ من العصير والدبس وغيرهما ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم.\n\n<span id=\"aya-3741\"></span>﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ الحيّة وغير الحيّة، كالضوء والظلام، والموجب والسالب في الكهرباء والمغناطيس، والحر والبرد، وغيره ﴿مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ كالزوجية في النباتات ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الذكر والأنثى ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يدركون كنهه حتى الآن.\n\n<span id=\"aya-3742\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ كما يسلخ جلد الشاة، استعير لسلخ الضوء عن جانب من الكرة الأرضية في أثناء دورانها حول نفسها، فيبقى الظلام ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ بعد انتقال المنطقة المعنيّة من منطقة الضوء إلى منطقة الظلام.\n\n<span id=\"aya-3743\"></span>﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ في جري المجموعة الشمسية ضمن مدارها ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ في خلق الكون.\n\n<span id=\"aya-3744\"></span>﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ في دورانه حول الأرض ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ حتى عاد من كونه قمرا بدرا فصار هلالا كالعرجون، من الانعراج، ويقال لعود النخلة عرجون في انحنائه، كما هو هلال القمر في أوائل الشهور القمرية وأواخرها، والقديم لأنّ عرجون النخلة يصبح مصفرّا بعد تقادم الزمن عليه، كما هو لون هلال القمر.","vol":"3","page":415},{"text":"<span id=\"aya-3745\"></span>﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ في مداره حول الأرض ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ بل يتتابعان الواحد تلو الآخر ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ الشمس في مدارها ضمن المجموعة الشمسية، والقمر في مداره حول الأرض.\n\n<span id=\"aya-3746\"></span>﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٤١)\n٤١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ رسالة ودلالة ﴿أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ذرية بني آدم من البشر عموما ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ في جنس السفن في البحار والأنهار ﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء بالناس وغيرهم، والمغزى أن عبقرية البشر في اختراع أنواع السفن بتقنياتها المتجددة ليست سوى مظهر من مظاهر الإعجاز في خلق الإنسان وما أودعه الله تعالى فيه من المقدرة والذكاء.\n\n<span id=\"aya-3747\"></span>﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ من مثل السفن ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ من أنواع المواصلات الأخرى في البحر والبر والجو.\n\n<span id=\"aya-3748\"></span>﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ لا مغيث يحفظهم من الغرق عندما تحل بهم الكارثة، إلاّ الله تعالى كما في الآية التالية ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ فلا تنفعهم وقتئذ كل أنواع التقانة التي توصّلوا إليها، كما حدث للباخرة التيتانك.\n\n<span id=\"aya-3749\"></span>﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا﴾ فقط رحمة الله تنقذ من تنقذ وقت وقوع الكوارث ﴿وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ فيعودون إلى الاستمتاع بحياتهم الدنيا لحين حلول آجالهم.\n\n<span id=\"aya-3750\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾","vol":"3","page":416},{"text":"٤٥ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من المعاصي في عالم المشاهدة، فالله تعالى شهيد عليكم ﴿وَما خَلْفَكُمْ﴾ واتّقوا ما ينتظركم في عالم الغيب من العواقب المترتّبة على أعمالكم في الدنيا ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، والنتيجة أنهم لا يتّقون كما هو مذكور بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-3751\"></span>﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ الآيات التكوينية المتضمّنة المعجزات، كالتي تحدثت عنها الآيات المتقدّمة (٣٣ - ٤٥)، أوآيات الوحي في الرسالات السماوية كما في القرآن الكريم ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ إعراض على وجه التكذيب والاستكبار، والآيات (٤٦ - ٥٤) تبين عواقبه:\n\n<span id=\"aya-3752\"></span>﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ في عمل الخير ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ لأنّ المال مال الله، رزقكم إياه بطريق التفضّل والإنعام ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء، كأنهم لا يعلمون سنّة الأسباب والمسببات والتسخير ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يمعنون في اتهام غيرهم بالضلال، ولا يراجعون أنفسهم في احتمال أن يكونوا هم الضالّين.\n\n<span id=\"aya-3753\"></span>﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ منكرو الآخرة يقولون للمؤمنين على سبيل الاستهزاء والتحدّي: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ بوقوع يوم القيامة والحساب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟\n\n<span id=\"aya-3754\"></span>﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾","vol":"3","page":417},{"text":"٤٩ - ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ يوم الحساب ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ وهم يختصمون بعضهم مع بعض في أعمالهم الدنيوية، أو يختصمون مع المؤمنين في جدلهم العقيم حول حقيقة المسؤولية والبعث.\n\n<span id=\"aya-3755\"></span>﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شيء من شؤونهم ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا كانوا خارج بيوتهم، لقوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء ٤٠/ ٢١].\n\n<span id=\"aya-3756\"></span>﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ من القبور ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يسرع الأموات إلى ربهم بلا خيار لهم.\n\n<span id=\"aya-3757\"></span>﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٥٢)\n٥٢ - ﴿قالُوا يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا احضر فهذا أوانك ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ من قبورنا ورقودنا؟ فيأتيهم الجواب، أو هم يجيبون أنفسهم بعد استيعابهم:\n﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ فيما وعدوا من قيام الساعة وضرورة الحساب.\n\n<span id=\"aya-3758\"></span>﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ لفصل الحساب في طرفة عين.\n\n<span id=\"aya-3759\"></span>﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الجزاء من جنس العمل إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، فيوفّى المؤمنون أجورهم","vol":"3","page":418},{"text":"ويزيدهم الله تعالى من فضله أضعافا مضاعفة، ويجازى المجرمون بعملهم الطالح.\n\n<span id=\"aya-3760\"></span>﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ شغلهم النعيم عن كل ما يخطر بالبال ﴿فاكِهُونَ﴾ مشتق من الفكاهة، وقالوا: الفاكه طيب النفس الضحوك الفرح.\n\n<span id=\"aya-3761\"></span>﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ﴾ أي من أمثالهم وأشكالهم في الإيمان والإحسان، وأيضا قد يكونوا أزواجهم المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا معهم في الدنيا ﴿فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ كناية عن منتهى السعادة والسلام الروحاني الذي يتمتعون به.\n\n<span id=\"aya-3762\"></span>﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ﴾ كناية عن سعادتهم ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ كل ما يتمنّونه في متناولهم، وأيضا دعاؤهم مستجاب.\n\n<span id=\"aya-3763\"></span>﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، أي لهم ما يدّعون، من الدعاء المستجاب، واستجابته السلام الروحاني المطلق من الربّ الرحيم.\n\n<span id=\"aya-3764\"></span>﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - الآيات (٥٩ - ٦٥) تصوّر حال المجرمين في الآخرة: ﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ انفردوا عن المؤمنين إلى مصيركم من الجزاء.\n\n<span id=\"aya-3765\"></span>﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾","vol":"3","page":419},{"text":"٦٠ - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ لا تطيعوا وساوسه، ولا تعبدوا من الآلهة المزعومة الباطلة، انظر [طه ١١٥/ ٢٠] و[البقرة ٣٨/ ٢]، فالسخافة المتضمّنة في إسباغ صفات الألوهية على بعض المخلوقات يعدّها القرآن مكافئة لعبادة الشيطان، لأن اسم الشيطان مشتقّ من فعل شطن أي ابتعد كثيرا عن الحقيقة ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وساوسه السيئة ظاهرة العداوة لكم، وعواقبها وخيمة في القريب العاجل وعلى المدى البعيد.\n\n<span id=\"aya-3766\"></span>﴿وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَأَنِ اُعْبُدُونِي﴾ وحدي ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ كل ما عداه من الشرك باطل.\n\n<span id=\"aya-3767\"></span>﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا﴾ أجيالا كثيرة، انظر [الإسراء ٦٢/ ١٧]، ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ تعتبرون بعاقبة ضلالهم؟ انظر [الإسراء ٦٣/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-3768\"></span>﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ الخطاب للغالبية المجرمة منهم، الآية (٥٩)، وكنتم توعدون مرارا على لسان الرسل، ولكنكم تمسّكتم بالإنكار والمعصية.\n\n<span id=\"aya-3769\"></span>﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بنتيجة كفركم، وتجاهلكم المعتمد للحقيقة.\n\n<span id=\"aya-3770\"></span>﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾","vol":"3","page":420},{"text":"٦٥ - ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ كناية عن عجزهم عن الإتيان بأعذار عن أعمالهم الخاطئة ومعتقداتهم الفاسدة.\n\n<span id=\"aya-3771\"></span>﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - الآيات (٦٦ - ٦٨) تنبه إلى عدم استفادة المجرمين من كثير من الملكات التي كرّم الله تعالى بها جنس البشر:\n﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ أن نجعلهم، أي جنس البشر، مجرّدين من أي مقدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، بخلاف ما كرّمناهم في الواقع ﴿لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ كناية، أن لو شاء الله تعالى لخلقهم عمين عن أي مسؤولية أخلاقية ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ وفي تلك الحالة لانحرفوا عن الصراط المستقيم ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ فأنّى لهم، وقتئذ، إبصار الحقيقة؟\n\n<span id=\"aya-3772\"></span>﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ لو كانت مشيئته تعالى أن يكون الإنسان مجرّدا عن مقدرة الخيار بين الصواب والخطأ ﴿لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ لأصبحوا في حالة من الركود الفكري ﴿فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ فلا يكون لديهم حافز للتقدم أخلاقيا، ولا التراجع عن موقع الخطأ.\n\n<span id=\"aya-3773\"></span>﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ الإنسان خلق ضعيفا، والزمن المتاح أمامه قصير إذ لا يلبث أن يتقدم في السنّ ويهرم ويشيخ، وتتدهور قواه الجسمية والعقلية، فعليه إلاّ يسوّف ويؤجّل خياره الأخلاقي، بل عليه في أقرب وقت الاستفادة من إمكاناته العقلية وملكة الخيار الحر التي حباه الله بها ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أفلا يستفيدون من عقولهم قبل أن يصل بها الأمر إلى حالة من التقهقر والخرف؟","vol":"3","page":421},{"text":"<span id=\"aya-3774\"></span>﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦٩)\n٦٩ - في الآيات (٦٩ - ٨٣) عودة إلى موضوع إلى الآيات (١ - ٥) بأول السورة عن القرآن الكريم وأصالته من حيث كونه وحي إلهي:\n﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ للنبي ﷺ، لأنهم زعموا أنّ القرآن شعر، والخطاب موجّه إلى المجرمين المشار إليهم بالآيات المتقدّمة، الذين فشلوا في الاستفادة من عقولهم السليمة ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ لا يستقيم أن يكون القرآن شعرا ﴿إِنْ هُوَ﴾ القرآن ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ يذكّر الإنسان بفطرته السليمة كما يذكره بالميثاق ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ مبين للحق بأسلوب ظاهر الإعجاز اللغوي ما لم يستطع أحد معارضته، بخلاف أساليب الشعر المألوفة، انظر [الشعراء ٢٢٤/ ٢٦ - ٢٢٧] و[الإسراء ٨٨/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-3775\"></span>﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿لِيُنْذِرَ﴾ النبي ﷺ ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ من لا يزال قلبه وعقله حيّا، فيستجيب لهدي القرآن ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ الذين ماتت ملكاتهم العقلية، وانحرفت فطرتهم السليمة، فغطّت الحقيقة عن أعينهم.\n\n<span id=\"aya-3776\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ (٧١)\n٧١ - بعد نزول الوحي بالهدي الإلهي لبني آدم، مزيد من البراهين على تمكين الإنسان في الأرض:\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ لأجل انتفاعهم بها ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ مجازا ﴿أَنْعامًا﴾ من مختلف أنواع الماشية ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ يستفيدون منها لشتى الأغراض.\n\n<span id=\"aya-3777\"></span>﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾","vol":"3","page":422},{"text":"٧٢ - ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ فصارت غير مستعصية عليهم، وأصبح الإنسان مسؤولا أخلاقيا عن كيفية التعامل معها والرفق بها ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ للمواصلات والتنقل ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ من لحومها.\n\n<span id=\"aya-3778\"></span>﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ في الحراثة، ومن جلودها وصوفها وأوبارها ﴿وَمَشارِبُ﴾ من لبنها ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم؟\n\n<span id=\"aya-3779\"></span>﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ومع ذلك، ومع هذا الإنعام الكبير فقد أشرك الكثير منهم: ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ وهمية أسبغوا عليها من صفات الألوهية، كالأصنام والزعماء ورجال الدين ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ظانّين أن هذه الآلهة الوهمية تفيدهم بشيء.\n\n<span id=\"aya-3780\"></span>﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ لا يفيدون عبدتهم في شيء ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ العابدون معدّون وجاهزون للدفاع عن آلهتهم المزعومة في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3781\"></span>﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن، دع هؤلاء المشركين وشأنهم إن هم أصرّوا على ضلالهم، ولا تحزن عليهم إن ثابروا على شركهم ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ فنحاسبهم على سرّهم وعلانيتهم، ومقاصدهم.\n\n<span id=\"aya-3782\"></span>﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾","vol":"3","page":423},{"text":"٧٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ كيف يغفل الأكثرون عن هذ الإعجاز الهائل في تحول الإنسان من نطفة صغيرة حقيرة، إلى شخص بالغ عاقل ذي مقدرة عقلية على المحاكمة والنقاش والجدال في الحق والباطل؟\n\n<span id=\"aya-3783\"></span>﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ذلك الإنسان الغافل عن الإعجاز في خلقه ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يسأل ذلك لانغماسه في الحياة المادية، ولغفلته عن كل ما هو روحاني، فلا يستطيع تصوّر عالم الغيب، فينكر البعث، ومن ثم ينكر وجود الله سبحانه.\n\n<span id=\"aya-3784\"></span>﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فليس ذلك من الغرابة في شيء ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ لا يعجزه شيء.\n\n<span id=\"aya-3785\"></span>﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ سواء كان هذا الشجر حطبا، أو تحوّل إلى شكل آخر من أشكال الطاقة كالنفط أو الفحم.\n\n<span id=\"aya-3786\"></span>﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨١)\n٨١ - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ بإعجازهما الهائل ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أن يخلق مثل هؤلاء الأفراد الجاحدين فيبعثهم بعد الموت ﴿بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ قدرته تعالى على الخلق لامتناهية، كما في الآية التالية.\n﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾","vol":"3","page":424},{"text":"٨٢ - ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا﴾ في الخلق والإيجاد والتكوين ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كناية عن مجرّد المشيئة العليا.\n\n<span id=\"aya-3788\"></span>﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿فَسُبْحانَ﴾ تنزيها له تعالى عمّا زعموه من العجز، وعمّا أضافوا إليه من الشرك ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كل شيء خاضع لمشيئته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.","vol":"3","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3918>سورة الصافات - ٣٧ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-3919>مقدمة</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-3920>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nإذا فهمنا أن كلمة (الصافات) تعني الآيات والسور القرآنية المصفوفة بنظم وتماسك محكمين، فيكون هنالك ارتباط بين افتتاح سورة ياسين المتقدمة بقوله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (١/ ٣٦ - ٢) وبين افتتاح سورة الصافات بقوله تعالى: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا * فَالزّاجِراتِ زَجْرًا * فَالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ (١/ ٣٧ - ٣)، لأن (حكيم) و(محكم) بمعنى واحد، فتكون الإشارة للنظم المحكم في الآيات والسور القرآنية المصفوفة صفّا.\nأما إذا فهمنا من كلمة (الصافات) أنها الرسالات السماوية المتتالية التي نزلت على الرسل، فيكون هنالك ارتباط بين قوله تعالى في سورة ياسين المتقدمة: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٣/ ٣٦ - ١٤)، وقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٠/ ٣٦)، وبين افتتاح هذه السورة بقوله تعالى: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا * فَالزّاجِراتِ زَجْرًا * فَالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ (١/ ٣٧ - ٣) إشارة لتتالي بعث الرسل وتنزّل الرسالات على بني آدم التي تزجرهم عن الضلال وتتلو عليهم الذكر.","vol":"3","page":426},{"text":"وفي سورة ياسين أن الكفار كانوا يتطيرون من بعث الرسل: ﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٨/ ٣٦) ثم في سورة الصافات أنهم يتخبطون ويرجمون بالغيب: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ (٦/ ٣٧ - ٨) -\nوفي سورة ياسين أن لا فائدة من إنذار المصرّين على الكفر: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠/ ٣٦)، والسبب تبيّنه سورة الصافات أنهم مستكبرون ومتمسّكون بالتقليد: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣٥/ ٣٧ - ٣٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-3921>محور السورة</span>\nأن الآيات القرآنية التي تتلو الذكر، وتزجر عن الضلال، مصفوفة بإحكام ونظم متقنين مما يوجب التفكر في إعجازها والتعمّق في معانيها: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا * فَالزّاجِراتِ زَجْرًا * فَالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ (١ - ٣)، بدلا من التخبط والرجم بالغيب ومحاولة التوصل إلى الحقيقة بطرق غيبية كما يفعل الكفار: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ (٦ - ٨)، وأن خلق الإنسان ومن ثم بعثه للحساب ليس بشيء أمام الإعجاز الهائل في خلق الأكوان المحيطة به:\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ (١١)، وأن بعثة خاتم الأنبياء والرسل لم تكن سوى استمرار لما سبقها من الرسالات السماوية التي انحرف أكثر أتباعها عن مسارها حتى بعث النبي الأحمد برسالة الإسلام التي صدّقت الوحي الصحيح الذي جاء به المرسلون فصارت المعيار النهائي للحق من الباطل: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٧)، ولكن","vol":"3","page":427},{"text":"المقلدين متمسكون بعقيدة الآباء: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ * فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (٦٩ - ٧٠)، فمن اليهود من تمسك بعقيدة الشعب المختار، ومن النصارى من تمسّك بعقيدة الخطيئة الأصلية والفداء بالنيابة، فظلموا أنفسهم:\n﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (١١٣)، وقد زعموا كما زعم الكفار والمشركون في الماضي أن لو كان في كتب آبائهم ما يؤيد التوحيد لاتبعوه: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ * لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٧ - ١٦٩)، فلما جاءهم القرآن به أنكروه: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١٧٠)، فوجب على المؤمنين التولّي عنهم حتى يتحقق النصر للإسلام أو يحين الحساب يوم القيامة: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٤ - ١٧٥).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3789\"></span>﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ (١)\n١ - ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارة إلى المنظومة القرآنية المشتملة على السور والآيات من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، فهي مرتبطة بعضها مع بعض بصف وبإحكام متقنين، وقد تكون الإشارة أيضا إلى الرسالات السماوية المتتالية التي جاء بها الرسل على مرّ العصور، إذ جاءت الرسالات متدرّجة بحسب مستوى الأمم التي وجّهت إليها حتى ختمت برسالة الإسلام للناس كافّة.\n\n<span id=\"aya-3790\"></span>﴿فَالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ (٢)\n٢ - ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ الزجر بمعنى الحث، وبمعنى المنع والنهي، لأن آيات القرآن تتضمّن النواهي الشرعية، وهي تزجر العباد عن الأعمال المنكرة وتلهم الخير، كما الرسالات السماوية جميعا.\n\n<span id=\"aya-3791\"></span>﴿فَالتّالِياتِ ذِكْرًا (٣)﴾","vol":"3","page":428},{"text":"٣ - ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ هي كل ما يتلى من آيات كتاب الله، وسمّي القرآن ذكرا لأنه يذّكر بالميثاق الفطري، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧].\n\n<span id=\"aya-3792\"></span>﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ (٤)\n٤ - ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ رسالة التوحيد فحوى الرسالات السماوية، وفحوى الرسالة القرآنية، بأن الخالق واحد لا شريك له، ولو كان في الكون غير الله لفسد النظام الكوني كما تشيرالآية التالية.\n\n<span id=\"aya-3793\"></span>﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ (٥)\n٥ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ من الأكوان التي لا حصر لها ﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ كل خط من خطوط الطول للكرة الأرضية يعدّ مشرقا ومغربا في الوقت ذاته بسبب دوران الأرض حول نفسها، انظر [المعارج ٤٠/ ٧٠]، وهذا الإحكام في خلق السماوات والأرض من دلائل التوحيد.\n\n<span id=\"aya-3794\"></span>﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ (٦)\n٦ - ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ الدنيا: التي يمكن مشاهدتها من الأرض ﴿بِزِينَةٍ﴾ عجيبة مهيبة ﴿الْكَواكِبِ﴾ وهي زينة الكواكب، أما باقي السماوات وما فيها من الأكوان الهائلة فلا تشاهد من الأرض، وحديثا ترصد جانبا قليلا منها المراصد الفضائية العاملة في الفضاء الخارجي.\n\n<span id=\"aya-3795\"></span>﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (٧)\n٧ - ﴿وَحِفْظًا﴾ أي وحفظنا السماء الدنيا حفظا ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ﴾ من شياطين الإنس والجن ﴿مارِدٍ﴾ المتمرّد على الله سبحانه.\n\n<span id=\"aya-3796\"></span>﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ (٨)\n٨ - ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ قالوا: إن الملأ الأعلى هم الملائكة، والمقصود بالأعلى العلوّ المعنوي ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ المعنى أنّ كل","vol":"3","page":429},{"text":"محاولة من جانب شياطين الإنس والجن لمعرفة الغيب وما وراء الطبيعة بالتنجيم وبأساليب ملتوية مصيرها إلى الفشل والعذاب.\n\n<span id=\"aya-3797\"></span>﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ (٩)\n٩ - ﴿دُحُورًا﴾ أمثال هؤلاء المنجّمين يدحرون دحورا أي يطردون ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ عذاب دائم.\n\n<span id=\"aya-3798\"></span>﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ اختلس المعلومة ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ فيحبط ما ظنّ أنّه توصّل إليه من معلومات جزئية، والنتيجة؛ إن جنس البشر لا يمكنه إدراك شيء من علوم الغيب.\n\n<span id=\"aya-3799\"></span>﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ (١١)\n١١ - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ اسأل هؤلاء الذين يفضّلون التنجيم والتخبّط والتنظير على الهدي الإلهي الذي جاءت به الصافّات ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ البشر أقوى خلقا وأمتن بنية؟ أو أصعب خلقا وأشقّ إيجادا؟ ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ من الملائكة والأكوان الهائلة بما فيها من المجرّات والنجوم والكواكب ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ﴾ جنس البشر ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ التراب المختلط بالماء، فما أهون خلقهم أمام خلق الكون.\n\n<span id=\"aya-3800\"></span>﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (١٢)\n١٢ - ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن، من قدرته تعالى ومن الإعجاز في هذا الخلق الهائل ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ الكفار في استكبارهم وماديتهم يسخرون وينكرون البعث.\n\n<span id=\"aya-3801\"></span>﴿وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾","vol":"3","page":430},{"text":"١٣ - ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا﴾ بالميثاق، وبالصافّات، وبما ولدوا عليه من الفطرة السليمة، وتوحيد الخالق والإقرار بألوهيته وربوبيته ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾ بل يفضّلون ما نشؤوا عليه من تقليد ديانة الآباء والأجداد، وعبادة الأوهام، أو يلوذون بماديتهم واستكبارهم وتكالبهم على الدنيا تهربا من أي مسؤولية أخلاقية.\n\n<span id=\"aya-3802\"></span>﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-3803\"></span>﴿وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١٥)\n١٤ - ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ معجزة من الرسل ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يبالغون في السخرية.\n١٥ - ﴿وَقالُوا﴾ لرسلهم، أو لغيرهم ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ينسبون معجزات الرسل إلى السحر.\n\n<span id=\"aya-3804\"></span>﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-3805\"></span>﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (١٧)\n١٦ - ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾\n١٧ - ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ إمعان منهم في إنكار البعث كي يعبثوا في الدنيا بحسب أهوائهم بلا رادع من دين أو أخلاق.\n\n<span id=\"aya-3806\"></span>﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ وأنتم صاغرون لا خيار لكم في البعث.\n\n<span id=\"aya-3807\"></span>﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١٩)\n١٩ - الآيات (١٩ - ٣٩) تصور حال الطواغيت وأتباعهم في الآخرة، والحوار الرمزي الذي يدور بينهم:\n﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ صيحة واحدة، وهي مجاز عن بعثهم ﴿فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أحياء يبصرون.\n\n<span id=\"aya-3808\"></span>﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾","vol":"3","page":431},{"text":"٢٠ - ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا احضر، يودّون يوم القيامة لو أنّهم هالكون، وأن تكون ميتتهم نهائية ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي يوم الجزاء، كما في الحديث: «كما تدين تدان»، أي هذا اليوم الذي يجازى فيه الناس بأعمالهم، أقرّ المنكرون به ولذا تمنّوا الهلاك سلفا.\n\n<span id=\"aya-3809\"></span>﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢١)\n٢١ - فيقال لهم: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ تفصل فيه المظالم ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وهو قول الكفار بعضهم لبعض، أو قول الملائكة لهم.\n\n<span id=\"aya-3810\"></span>﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-3811\"></span>﴿مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ (٢٣)\n٢٢ - ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خطاب الله تعالى للملائكة، أو الملائكة بعضهم لبعض ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي أمثالهم وأشباههم من قرناء السوء ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ من الزعماء والطواغيت الذين زعموا فيهم الألوهية.\n٢٣ - ﴿مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ إلى طريق الجحيم الذي استحقوه بعملهم.\n\n<span id=\"aya-3812\"></span>﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ سوف يسألون عن عقائدهم وأعمالهم التي كانت في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-3813\"></span>﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ يقال لهم: عجزتم أن ينصر بعضكم بعضا في آخرتكم.\n\n<span id=\"aya-3814\"></span>﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾","vol":"3","page":432},{"text":"٢٦ - ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ منقادون مذعنون خاضعون لا حيلة لهم.\n\n<span id=\"aya-3815\"></span>﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ يتقاذفون المسؤولية.\n\n<span id=\"aya-3816\"></span>﴿قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿قالُوا﴾ الأتباع للرؤساء ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ في الدنيا ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ كناية عن جهة الخير، لأن العرب تتفاءل باليمين، والمعنى: كنتم تخدعوننا أيها الزعماء وتزعمون أنّ ما نقوم به لأجلكم هو من قبيل الخير، واليمين أيضا كناية عن القوة والنفوذ، فيكون المعنى في هذه الحالة إنكم بنفوذكم وقهركم وسلطانكم قسرتمونا على الضلال.\n\n<span id=\"aya-3817\"></span>﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تنصّل الرؤساء من الأتباع، وقرناء السوء من أشباههم، بحجة أنّ الأتباع كانوا ضعاف الإيمان.\n\n<span id=\"aya-3818\"></span>﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ لم يكن باستطاعتنا قسركم وقهركم ولا سلب حرية اختياركم ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ تجاوزتم الحدود في الكفر والمعاصي من تلقاء أنفسكم لأن نفوسكم مالت إلى الشر.\n\n<span id=\"aya-3819\"></span>﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ بما كنّا عليه جميعا من الضلال لسوء استعدادنا وسوء خيارنا في دنيانا ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ العذاب لا محالة، والإشارة لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢]، أي الكافرين منهم.","vol":"3","page":433},{"text":"<span id=\"aya-3820\"></span>﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ تتمة كلام الرؤساء لأتباعهم، والغيّ الخيبة، والمعنى: إنّا وقعنا في الخيبة جميعا بما كنّا وإياكم في الضلال.\n\n<span id=\"aya-3821\"></span>﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ رؤساء الضلال وأتباعهم، أو قرناء السوء وأشباههم، مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية.\n\n<span id=\"aya-3822\"></span>﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قوله سبحانه، أي الحكمة والعدالة اقتضت أن تكون عاقبة المجرمين في آخرتهم متناسبة مع ما كانوا عليه في دنياهم من الغيّ.\n\n<span id=\"aya-3823\"></span>﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ بغرض دعوتهم للتوحيد ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن القبول، بل يشركون آلهتهم المزعومة وطواغيتهم.\n\n<span id=\"aya-3824\"></span>﴿وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا﴾ سواء كانت هذه الآلهة مادية كالطواغيت، أو وهمية كالجري وراء الشهوات والزعامات ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يزعمون أن القرآن من ابتكار محمد وليس وحيا إلهيا، في مسعى منهم لإنكار مسؤوليتهم الأخلاقية والعبث على هواهم.\n\n<span id=\"aya-3825\"></span>﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾","vol":"3","page":434},{"text":"٣٧ - ﴿بَلْ جاءَ﴾ محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالدين الحق لأنه ثابت بالعقل ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقوه، لأن الديانات السماوية جاءت جميعا بأسس واحدة متضمنة التوحيد ومكارم الأخلاق.\n\n<span id=\"aya-3826\"></span>﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المجرمون ﴿لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ بسبب سوء اختياركم وإصراركم.\n\n<span id=\"aya-3827\"></span>﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالجزاء ليس اعتباطا وإنّما مترتب بصورة طبيعية على ما كنتم تعملون في دنياكم، فهو مرتبط بأعمالكم ارتباط السبب بالمسبب.\n\n<span id=\"aya-3828\"></span>﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤٠)\n٤٠ - الآيات (٤٠ - ٦١) تبين مآل عباد الله المخلصين، في مقابل الطواغيت وأتباعهم المشار إليهم آنفا:\n﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ عباد الله المخلصين ليسوا كذلك، ففي حين يعاقب المجرمون بجرمهم، فإن عباد الله المخلصين يجزون أضعافا مضاعفة بالنسبة إلى ما عملوا، انظر [الأنعام ١٦٠/ ٦].\n\n<span id=\"aya-3829\"></span>\n\n<span id=\"aya-3830\"></span>\n\n<span id=\"aya-3831\"></span>﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾\n٤١ - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ من الرزق المادي، ٤٢. ﴿فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ مكرمون بالرزق الروحاني من السكينة والطمأنينة بالإضافة للرزق المادي.\n٤٣ - ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ النعيم المادي والروحاني.","vol":"3","page":435},{"text":"<span id=\"aya-3832\"></span>\n\n<span id=\"aya-3833\"></span>﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ (٤٤) ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (٤٥)\n\n<span id=\"aya-3834\"></span>﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ (٤٦)\n٤٤ - ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ من السعادة ﴿مُتَقابِلِينَ﴾.\n٤٥ - ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ من نهر معين، ظاهر للعيان، أو نابع من العيون.\n٤٦ - ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ صفة الكأس.\n\n<span id=\"aya-3835\"></span>﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ يغتال عقولهم ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ لا يصابون بالثمالة، ولا يصابون منها بالصداع.\n\n<span id=\"aya-3836\"></span>﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ (٤٨)\n\n<span id=\"aya-3837\"></span>﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (٤٩)\n٤٨ - ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قاصرات النظر على أزواجهنّ ﴿عِينٌ﴾ مفردها عيناء، وهي واسعة العين في الجمال.\n٤٩ - ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ كالجوهر المصون، انظر أيضا [الواقعة ٣٥/ ٥٦ - ٣٧].\n\n<span id=\"aya-3838\"></span>﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ القصد من الحوار الرمزي من الآية (٥٠) حتى الآية (٥٩) بيان الاستمرارية بين الحياة الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-3839\"></span>﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (٥١)\n\n<span id=\"aya-3840\"></span>﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ (٥٢)\n٥١ - ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ من قرناء السوء كان لي في الدنيا.\n٥٢ - ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث والحساب؟","vol":"3","page":436},{"text":"<span id=\"aya-3841\"></span>﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ لمبعوثون ومجازون؟ لأن الدين بمعنى الجزاء، والخلاصة أن قرين السوء كان ينكر الآخرة والحساب، ويحضّ الآخرين على معتقده.\n\n<span id=\"aya-3842\"></span>﴿قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - ﴿قالَ﴾ القائل المشار إليه بالآية (٥١) موجها كلامه لعباد الله المخلصين المشار إليهم بالآية (٤٠): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ لما آل إليه مصير قرين السوء الذي كان ينكر الآخرة؟\n\n<span id=\"aya-3843\"></span>﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿فَاطَّلَعَ﴾ على أهل النار ﴿فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ في وسطها.\n\n<span id=\"aya-3844\"></span>﴿قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (٥٦)\n\n<span id=\"aya-3845\"></span>﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٥٧)\n٥٦ - ﴿قالَ﴾ مخاطبا قرين السوء ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ كدت تهلكني لو اتبعتك.\n٥٧ - ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ أن منّ عليّ بالتوفيق وبالعصمة ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في العذاب مثلك.\n\n<span id=\"aya-3846\"></span>﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ (٥٨)\n\n<span id=\"aya-3847\"></span>﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٥٩)\n٥٨ - استمرار خطاب القائل لقرين السوء: ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾؟\n٥٩ - ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ في الدنيا، فتكون ميتة نهائية وفناء للروح والجسد كما كنت تزعم؟ ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فليس هنالك من بعث بعد الموت ولا حساب، كما كنت تحاول إقناع نفسك وإقناع الآخرين؟","vol":"3","page":437},{"text":"<span id=\"aya-3848\"></span>﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٠)\n\n<span id=\"aya-3849\"></span>﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ (٦١)\n٦٠ - ﴿إِنَّ هذا﴾ المآل في الجنة ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لمن آمن بالآخرة وعمل لها.\n٦١ - ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-3850\"></span>﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿أَذلِكَ﴾ المآل في الجنة ﴿خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ في جهنم؟\n\n<span id=\"aya-3851\"></span>﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ من حيث إن شجرة الزقّوم ترمز إلى عذاب جهنم، ويبدو أنها المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٦٠/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-3852\"></span>﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ الشجرة في وسط الجحيم، وهي فتنة للظالمين، لأنّ عذاب جهنم من أمور الغيب ولا يقاس بأمور الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3853\"></span>﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ غبار الطلع معروف في النخيل وفي الأشجار المثمرة، وفي الخطاب استعارة لفظية ومعنوية، وتشبيه طلعها برؤوس الشياطين دليل على منتهى قبحها وكراهيتها.\n\n<span id=\"aya-3854\"></span>﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ المجرمون ﴿لَآكِلُونَ مِنْها﴾ من ثمارها ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ تتمة الاستعارة، والمغزى؛ إنّ ما يأكل المجرمون في الآخرة ليس سوى ثمرة من ثمار أعمالهم وجرائمهم الدنيوية.","vol":"3","page":438},{"text":"<span id=\"aya-3855\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ يشوب تلك الشجرة ويخالط طلعها وثمارها ماء شديد الحرارة لا يغني عن الظمأ.\n\n<span id=\"aya-3856\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ المجرمون ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ وتلك خلاصة الآيات الرمزية (٦٢ - ٦٨) التي صوّرت الجحيم عبر شجرة الزقّوم التي يعاني منها المجرمون في آخرتهم، لأنهم جمّدوا عقولهم وأصرّوا على التقليد في دنياهم كما تبيّن الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-3857\"></span>﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾ وجدوا ﴿آباءَهُمْ ضالِّينَ﴾ الآباء على غير هدى، يشركون، ويعبدون المادة والأوهام والطواغيت، المشار إليها بالآية (٣٦).\n\n<span id=\"aya-3858\"></span>﴿فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (٧٠)\n٧٠ - ﴿فَهُمْ﴾ الكفار ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ يقلّدون آباءهم وأجدادهم ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون في التقليد بلا تفكير ولا رويّة، وهكذا يوضح القرآن أن اتّباع عقائد الآباء والأجداد بصورة عمياء، وعدم تحكيم العقل، وتجاهل الهدي الإلهي الذي نزل به الوحي، هي الأسباب الرئيسية المؤدية لعذاب الآخرة المشار إليه بالآيات (٦٢ - ٦٨).\n\n<span id=\"aya-3859\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ من أمثالهم، كما في قوله تعالى:\n﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢].\n\n<span id=\"aya-3860\"></span>﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾","vol":"3","page":439},{"text":"٧٢ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ينذرونهم بالبعث والحساب والعواقب.\n\n<span id=\"aya-3861\"></span>﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ إذ لم ينفع فيهم الإنذار.\n\n<span id=\"aya-3862\"></span>﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين استفادوا من نعمة العقل، ومن هدي الرسل.\n\n<span id=\"aya-3863\"></span>﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - الآيات (٧٥ - ١٤٨) تحكي جانبا من قصص الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس، لإبراز بعض العبر منها بما يناسب ما تقدّم من الآيات (٦ - ٧٤)، وفي هذه القصص أيضا عودة لموضوع الآيات (١ - ٥) لجهة الصافّات أي الرسالات السماوية التي تتالت على الأمم:\n﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ بعد أن أيس من إيمان قومه، وبعد أن لبث فيهم يدعوهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما [العنكبوت ١٥/ ٢٩]، ونداؤه قوله: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا﴾ [نوح ٥/ ٧١]، وقوله: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسارًا﴾ [نوح ٢١/ ٧١]، ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ ليس أحسن من استجابته تعالى للدعاء.\n\n<span id=\"aya-3864\"></span>﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الكرب العظيم أي الغم الشديد، وهو الطوفان.\n\n<span id=\"aya-3865\"></span>﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧)﴾","vol":"3","page":440},{"text":"٧٧ - ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ قد يقصد من الذرية الذين كانوا معه على السفينة، وقد تكون ذريته المعنوية أي من اتّبع دعوته بعد ذلك، وخلافا لزعم العهد القديم ليس في القرآن الكريم ما يدل أن الطوفان كان عامّا في البشرية كلها، وإنّما اقتصر فقط على المنطقة التي كان فيها قوم نوح شمال العراق.\n\n<span id=\"aya-3866\"></span>﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٧٨)\n\n<span id=\"aya-3867\"></span>﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ (٧٩)\n٧٨ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي بالذكر الجميل في الأمم من بعده.\n٧٩ - ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ في الدنيا والآخرة.\n\n<span id=\"aya-3868\"></span>﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨٠)\n\n<span id=\"aya-3869\"></span>﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨١)\n٨٠ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ بالذكر الجميل من بعده، وبنعمة السلام الروحاني.\n\n<span id=\"aya-3870\"></span>﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ من قومه الذين أصرّوا على إنكار الرسالة فداهمهم الفيضان.\n\n<span id=\"aya-3871\"></span>﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من عقيدته ﴿لَإِبْراهِيمَ﴾ دعوة كليهما بالتوحيد واحدة، والرسالات السماوية نزلت برسالة واحدة وهي تكمل بعضها بعضا.\n\n<span id=\"aya-3872\"></span>﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ سليم من فساد العقائد، ومن التقليد، مطابق للفطرة السليمة، ولمنطق العقل السليم، كما هو سليم من الشرور.\n\n<span id=\"aya-3873\"></span>﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾","vol":"3","page":441},{"text":"٨٥ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ قالها استخفافا بأوثانهم وبمعبوداتهم من النجوم والكواكب، وخطابه موجّه لأبيه وكبار قومه، ولمزيد من التفصيل عن بعثة إبراهيم وبدايتها في أور كلدان بالعراق انظر شرح [الأنعام ٧٤/ ٦].\n\n<span id=\"aya-3874\"></span>﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً﴾ أكذبا وبهتانا ﴿دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ تعبدون من دون الله ما هو إفك؟ أي كذب فاضح؟ فتلك المعبودات من نسج خيالكم.\n\n<span id=\"aya-3875\"></span>﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ المغزى هل يجوز أن تكون الأوثان والنجوم والكواكب التي تعبدون مشاركة لله تعالى في الألوهية؟ وهي ليست سوى مخلوقات؟ فالأوثان من صنع أيديكم، والنجوم والكواكب من مخلوقاته تعالى.\n\n<span id=\"aya-3876\"></span>﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ لأنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر، ونظرته في الشمس والقمر تعريضا بعبادتهم لها، كما في آيات [الأنعام ٧٦/ ٦ - ٧٨].\n\n<span id=\"aya-3877\"></span>﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٨٩)\n٨٩ - ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إنّ هذا ممّا يدعو إلى السقم، أو المرض النفسي، أو الغثيان، أن تعبدوا من المخلوقات كالشمس والقمر.\n\n<span id=\"aya-3878\"></span>﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ (٩٠)\n٩٠ - ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ تركه كبار القوم وراء ظهورهم ولم يستجيبوا لدعوته، بعد المحاجّة التي دارت بينهم، انظر شرح آيات [الأنعام ٨٠/ ٦ - ٨٣].","vol":"3","page":442},{"text":"<span id=\"aya-3879\"></span>﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ (٩١)\n٩١ - ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ ذهب خفية إلى أصنامهم التي يعبدونها ﴿فَقالَ﴾ للأصنام ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ من الأطعمة التي يقدمها لكم عبدتكم؟ وفي ذلك مزيد من التعريض بسخافاتهم، وقد يكون أنه قال ذلك علانية استخفافا بمعبوداتهم، ولكي يسمعه العوام من الناس، آملا أن يفيقوا من غفلتهم ويعتبروا.\n\n<span id=\"aya-3880\"></span>﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ (٩٢)\n٩٢ - ﴿ما لَكُمْ﴾ أيها الأصنام ﴿لا تَنْطِقُونَ﴾ لستم جديرين بالنطق، إذ أنتم جمادات نحتها عبدتكم بأيديهم.\n\n<span id=\"aya-3881\"></span>﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (٩٣)\n٩٣ - ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ عاجل الأصنام بالضرب بكلّ قواه، محطّما إياهم.\n\n<span id=\"aya-3882\"></span>﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ (٩٤)\n٩٤ - ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ أسرع كبار القوم بالعودة إلى إبراهيم وقد أضمروا له الشر، بعد أن سمعوا بما فعل بأصنامهم.\n\n<span id=\"aya-3883\"></span>﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ (٩٥)\n٩٥ - ﴿قالَ﴾ إبراهيم لكبار القوم ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ بأيديكم؟\n\n<span id=\"aya-3884\"></span>﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٦)\n٩٦ - ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ الله تعالى خالقكم وخالق الأصنام، فكيف تعبدون المخلوقات وتتركون الخالق؟\n\n<span id=\"aya-3885\"></span>﴿قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾","vol":"3","page":443},{"text":"٩٧ - ﴿قالُوا﴾ استكبارا وعنادا ﴿اِبْنُوا لَهُ بُنْيانًا﴾ صرحا من المواد القابلة للاشتعال ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ أي في البنيان وهو يشتعل، والواضح أنّ مزاج كبار القوم، بما فيه من التشنج والاستعلاء، لم يسمح لهم بمزيد من المحاجّة مع إبراهيم، فلم يكن لهم بدّ من الرد عليه بالحرق بعد أن حطّم أصنامهم.\n\n<span id=\"aya-3886\"></span>﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٩٨)\n٩٨ - ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ بالشر ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ إذ أخفقوا في مسعاهم وخرج إبراهيم سالما، لقوله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩/ ٢١].\n\n<span id=\"aya-3887\"></span>﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٩٩)\n٩٩ - ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ إنّي مهاجر، من هذه الأرض التي رفض أهلها رسالتي، إلى حيث يهديني ربّي.\n\n<span id=\"aya-3888\"></span>﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٠٠)\n١٠٠ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ من الذرية الصالحة، وكان متقدما وزوجته في السنّ.\n\n<span id=\"aya-3889\"></span>﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠١)\n١٠١ - ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وهو إسماعيل ﵇.\n\n<span id=\"aya-3890\"></span>﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢)\n١٠٢ - ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ بلغ إسماعيل من السن مرحلة يستطيع أن يسعى مع أبيه لتحقيق أهدافه، بعد أن فهم إيمان أبيه وشاركه فيه ﴿قالَ﴾ إبراهيم لابنه ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قال الرازي: اختلف الناس في أنّ إبراهيم ﵇ كان مأمورا بما رأى في المنام، أم لا؟ وقد يكون","vol":"3","page":444},{"text":"أنّ إبراهيم اعتقد أنّ إرادة الله اقتضت ذبح إسماعيل، ثمّ بيّنت الأحداث الفعلية عكس ذلك ﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ قالها لإسماعيل على سبيل المشورة ﴿قالَ﴾ إسماعيل ﴿يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ مبالغة في طاعة أبيه فيما اعتقد أنها إرادة الله ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ على هذا الامتحان، والملاحظ أنّه علّق صبره على مشيئة الله.\n\n<span id=\"aya-3891\"></span>﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (١٠٣)\n١٠٣ - ﴿فَلَمّا أَسْلَما﴾ استسلما وانقادا وأذعنا، لأنه يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه أبوه على شقّه فصار جانب من جبينه على الأرض، وقالوا: إن التليل والمتلول هو المصروع.\n\n<span id=\"aya-3892\"></span>﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ﴾ (١٠٤)\n١٠٤ - ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ﴾ ناداه الله تعالى: أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.\n\n<span id=\"aya-3893\"></span>﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠٥)\n١٠٥ - ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ إذ أنت على وشك تنفيذها، وبذلك بلغت المغزى منها، وهو استعدادك للتضحية بأعزّ ما لديك ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ بإعفائهم من مشاقّ الفتنة.\n\n<span id=\"aya-3894\"></span>﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ (١٠٦)\n١٠٦ - ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ الاختبار الذي يبيّن بلا أي التباس المخلصين من غيرهم، والبلاء أيضا المحنة البيّنة الصعوبة، وهي المحنة التي اجتازها إبراهيم بنجاح، واجتياز مثل هذه المحنة يعدّ امتيازا ما بعده امتياز، انظر أيضا شرح قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤/ ٢].","vol":"3","page":445},{"text":"<span id=\"aya-3895\"></span>﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠٧)\n١٠٧ - ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ زعموا في العهد القديم (سفر التكوين ١٣/ ٢٢)، أن إبراهيم وجد أمامه كبشا فقدّمه قربانا تأكله النار، انظر [آل عمران ١٨٣/ ٣]، غير أنه ليس أعظم من مئات ألوف الأضاحي يذبحها المسلمون كل عام في موسم الحج اقتداء بما فعله جدهم الأكبر إبراهيم.\n\n<span id=\"aya-3896\"></span>﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١٠٨)\n١٠٨ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ لإبراهيم أو لإسماعيل أو كليهما من الذكر الجميل ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ في الأجيال القادمة التي اتّبعت ملّته.\n\n<span id=\"aya-3897\"></span>﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (١٠٩)\n١٠٩ - ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ نعمة السلام الروحاني على إبراهيم بعد المحنة العظيمة التي اجتازها.\n\n<span id=\"aya-3898\"></span>﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١١٠)\n\n<span id=\"aya-3899\"></span>﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١١)\n١١٠ - ﴿كَذلِكَ﴾ مثل هذا الجزاء العظيم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يجتازون المصائب والمحن، انظر قوله تعالى في [البقرة ١٢٤/ ٢ و١٥٥].\n١١١ - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-3900\"></span>﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٢)\n١١٢ - ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ﴾ بعد إسماعيل ﴿نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وإسحاق الجد الأكبر لأنبياء بني إسرائيل.\n\n<span id=\"aya-3901\"></span>﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (١١٣)\n١١٣ - ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم ﴿وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ وهكذا يرفض القرآن الكريم زعم اليهود أنهم","vol":"3","page":446},{"text":"الشعب المختار لمجرّد نسبهم إلى جدّهم الأكبر إسحاق وإبراهيم، ولأن كل إنسان مرهون بعمله، والنسب لا أثر له في الهدى والضلال، كما أنّ الظلم في الأعقاب لا يعود بالنقيصة على الأصول.\n\n<span id=\"aya-3902\"></span>﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ (١١٤)\n١١٤ - ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ بالنبوّة، بناء على صلاحهما، وليس لكونهما من ذرية إسحاق، فالصلاح ليس مرتبطا بالضرورة بالنسب كما سبق بيانه.\n\n<span id=\"aya-3903\"></span>﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (١١٥)\n١١٥ - ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما﴾ من بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من أسر فرعون، ومن الغرق في أثناء عبورهما البحر إلى سيناء.\n\n<span id=\"aya-3904\"></span>﴿وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ (١١٦)\n١١٦ - ﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾ بإغراق فرعون وجيشه في البحر ﴿فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ على فرعون.\n\n<span id=\"aya-3905\"></span>﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ (١١٧)\n١١٧ - ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ وهو التوراة التي أوحيت إلى موسى لقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة ٤٤/ ٥].\n\n<span id=\"aya-3906\"></span>﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١١٨)\n١١٨ - ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في دعوة فرعون وملئه، وفي دعوتهما بني إسرائيل.","vol":"3","page":447},{"text":"<span id=\"aya-3907\"></span>﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ﴾ (١١٩)\n١١٩ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما﴾ الذكر الجميل ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ في الأجيال القادمة من يهود ونصارى ومسلمين.\n\n<span id=\"aya-3908\"></span>\n\n<span id=\"aya-3909\"></span>\n\n<span id=\"aya-3910\"></span>﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾\n١٢٠ - ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ السلام الروحاني يتنزّل عليهما.\n١٢١ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ مثل هذا الجزاء العظيم.\n١٢٢ - ﴿إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾\n\n<span id=\"aya-3911\"></span>﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٢٣)\n١٢٣ - ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بعث إلياس إلى بني إسرائيل بعد انشقاق مملكة سليمان إلى مملكتين: الشمالية إسرائيل، والجنوبية يهوذا، وقد ارتكس ملوك إسرائيل إلى الوثنية مرارا وعبدوا آلهة الفينيقيين (بعل) وذلك مذكور بتفصيل في العهد القديم.\n\n<span id=\"aya-3912\"></span>﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٢٤)\n١٢٤ - ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ألا تتقون الوثنية، وارتكاسكم فيها؟ بعد ما جاءكم من التوحيد برسالة موسى؟\n\n<span id=\"aya-3913\"></span>﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ (١٢٥)\n\n<span id=\"aya-3914\"></span>﴿اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٢٦)\n١٢٥ - ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ تعبدونه، بعل: اسم جنس لآلهة الوثنية الفينيقية ﴿وَتَذَرُونَ﴾ عبادة ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ الله تعالى.","vol":"3","page":448},{"text":"١٢٦ - ﴿اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ متولّي شؤونكم ورزقكم، في حين أن الوثن بعل لا يقدر على شيء من ذلك.\n\n<span id=\"aya-3915\"></span>﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٢٧)\n١٢٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بنو إسرائيل الذين انحرفوا نحو الوثنية، والفينيقيون، كلاهما كذّبوا إلياس ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ للحشر والحساب.\n\n<span id=\"aya-3916\"></span>﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٢٨)\n١٢٨ - ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يحشرون إلى الجنة.\n\n<span id=\"aya-3917\"></span>﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١٢٩)\n١٢٩ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ على إلياس الذكر الجميل ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3918\"></span>\n\n<span id=\"aya-3919\"></span>\n\n<span id=\"aya-3920\"></span>﴿سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٢)\n١٣٠ - ﴿سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ﴾ السلام الروحاني يتنزّل عليه، وقد ذكر الزمخشري أنّ لزيادة الياء والنون معنى في اللغة السريانية، وشبيه بذلك سيناء وسينين، وكثيرا ما يتصرّفون في الأسماء غير العربية، وقيل هو جمع إلياس بمعنى إلياس وأتباعه.\n١٣١ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ بتنزّل السلام الروحاني عليهم.\n١٣٢ - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-3921\"></span>﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٣٣)\n١٣٣ - ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهو ابن أخي إبراهيم بعث إلى القرى التي نسبت إليه، وهي قرى لوط على الساحل الشرقي للبحر الميت، انظر [الأعراف ٨٠/ ٧ - ٨٤] و[هود ٧٤/ ١١ - ٨٣].","vol":"3","page":449},{"text":"<span id=\"aya-3922\"></span>﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣٤)\n١٣٤ - ﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ من القرية التي كانت تعمل الخبائث [الأنبياء ٧٤/ ٢١].\n\n<span id=\"aya-3923\"></span>﴿إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ﴾ (١٣٥)\n\n<span id=\"aya-3924\"></span>﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ (١٣٦)\n١٣٥ - ﴿إِلاّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ﴾ امرأته كانت تميل لشذوذ قومها فهلكت معهم، ولذا استثنتهاالآية من قوله ﴿وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.\n١٣٦ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ من قومه.\n\n<span id=\"aya-3925\"></span>﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ (١٣٧)\n\n<span id=\"aya-3926\"></span>﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٣٨)\n١٣٧ - ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾\n١٣٨ - ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ نهارا وليلا في طريق ذهابكم وإيابكم إلى بلاد الشام، فتشاهدون مناطق الحمم البركانية التي قضت عليهم، وطريق الشام المجاور لقرى لوط ظاهر في الصور الجوية لتلك المنطقة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فتلك عبرة على مرّ العصور لمن يستخدم عقله على النحو السليم.\n\n<span id=\"aya-3927\"></span>﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٣٩)\n١٣٩ - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بعث إلى الآشوريين في بابل في عاصمتهم نينوى التي لا تزال بقاياها ماثلة على شاطئ دجلة المقابل لمدينة الموصل.\n\n<span id=\"aya-3928\"></span>﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (١٤٠)\n١٤٠ - ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أصله الهرب من السيد، وهو مجاز، والواضح إنّ معظم قومه أصرّوا على رفضه حتى ذهب مغاضبا كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١]، إذ هرب من قومه من دون إذن ربه ﴿إِلَى﴾","vol":"3","page":450},{"text":"﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وجد سفينة مملوءة بالركاب على شاطئ البحر المتوسط فلاذ بالركوب فيها.\n\n<span id=\"aya-3929\"></span>﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (١٤١)\n١٤١ - ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ القصة مذكورة في العهد القديم بتفصيل (سفر يونس)، وخلاصتها أن السفينة تعرضت للغرق وهي في عرض البحر بسبب العواصف الهوجاء، فقال الركاب هنالك رجل بيننا هارب من ربّه قد عرّضنا للخطر وسوف نعرف من هو بطريق القرعة، فخرجت القرعة على يونس ثم ألقوه في البحر حتى هدأت العاصفة ونجت السفينة.\n\n<span id=\"aya-3930\"></span>﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (١٤٢)\n١٤٢ - ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ بعد أن ألقوه في البحر ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أعمال يونس أوصلته إلى هذه النتيجة.\n\n<span id=\"aya-3931\"></span>﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (١٤٣)\n١٤٣ - ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي أنزّهك يا الله تنزيها لائقا بك عن كل نقص وسوء، وأن يعجزك شيء ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ظلمت نفسي، وظلمت قومي بتعريضهم للهلاك، إذ تخلّيت عنهم من غير أمر، وبخلاف ما اعتاد عليه الأنبياء، انظر شرح [الأنبياء ٨٧/ ٢١].\n\n<span id=\"aya-3932\"></span>﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٤٤)\n١٤٤ - ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ في بطن الحوت ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من دون أي إمكانية للنجاة.\n\n<span id=\"aya-3933\"></span>﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (١٤٥)\n\n<span id=\"aya-3934\"></span>﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾","vol":"3","page":451},{"text":"١٤٥ - ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ﴾ على الساحل في منطقة قاحلة من النبات ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ في حالة من السقم النفسي بعد المحنة التي مرّ بها.\n١٤٦ - ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ تظلله كالخيمة.\n\n<span id=\"aya-3935\"></span>﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١٤٧)\n\n<span id=\"aya-3936\"></span>﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (١٤٨)\n١٤٧ - ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وهم أهل نينوى.\n١٤٨ - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ إلى أن حانت آجالهم، وهي فرصتهم الثانية للتوبة بعد أن عاد يونس إليهم، انظر قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠].\n\n<span id=\"aya-3937\"></span>﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ (١٤٩)\n١٤٩ - بعد أن أكملت الآيات (٧٥ - ١٤٨) قصص بعض النبيين مع أقوامهم إشارة لقوله تعالى: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ (١)، أي الرسالات السماوية المتتالية، يعود الخطاب لشرح بعض مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها، ومن ذلك أنهم نسبوا البنات لله سبحانه، انظر أيضا شرح آيات [النحل ٥٦/ ١٦ - ٥٩]، وفي ذلك أيضا عطف على قوله تعالى بالآية (١١):\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾:\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ لأنّ العرب زعمت أنّ الملائكة من جنس الإناث وأنها بنات الله سبحانه، مع أنهم يكرهون الإناث لأنفسهم.\n\n<span id=\"aya-3938\"></span>﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ (١٥٠)\n١٥٠ - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ فذلك ليس في عالم المشاهدة، وإنما الكفار يتخبطون فيما لا يعلمون.","vol":"3","page":452},{"text":"﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ (١٥١)\n\n<span id=\"aya-3940\"></span>﴿وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٥٢)\n١٥١ - ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ لشدة كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ﴾ بلا برهان عقلي ولا نقلي.\n١٥٢ - ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ ينسبون الأولاد لله تعالى ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في زعمهم.\n﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (١٥٣) ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١٥٤)\n\n<span id=\"aya-3943\"></span>﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١٥٥)\n١٥٣ - ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ في زعمكم؟\n١٥٤ - ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فهذه الأحكام باطلة بداهة؟\n١٥٥ - ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إن العقول السليمة تنكر ذلك، في إشارة إلى الآية (١٣).\n﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ (١٥٦)\n\n<span id=\"aya-3945\"></span>﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٥٧)\n١٥٦ - ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ﴾ برهان أو حجّة ﴿مُبِينٌ﴾ فلا بد من برهان عقلي أو نقلي يؤيده.\n١٥٧ - ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ من الوحي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم.\n\n<span id=\"aya-3946\"></span>﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨)\n١٥٨ - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾ بين الله ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ مع أنها من مخلوقاته ﴿نَسَبًا﴾ بزعمهم ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ للحساب والجزاء.\n﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾","vol":"3","page":453},{"text":"١٥٩ - ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تنزيها لله تعالى عن كل نقيصة، وعمّا زعموا من وجود النسب بينه وبين الجنّة، وعن كل وصف لا يليق بكماله وعظمته.\n\n<span id=\"aya-3948\"></span>﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٠)\n١٦٠ - ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قد تكون (إلاّ) بمعنى (لكن)، والمعنى ليس التخبّط والكفر من شأن عباد الله المخلصين.\n\n<span id=\"aya-3949\"></span>﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ﴾ (١٦١)\n١٦١ - ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ أيها الكفار ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ من الأوهام والطواغيت والمادة والشهوات.\n﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ (١٦٢)\n\n<span id=\"aya-3951\"></span>﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (١٦٣)\n١٦٢ - ﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ على ذلك ﴿بِفاتِنِينَ﴾ ليس بإمكانكم، أيها الكفار، أن تفتنوا وتضلّوا معكم من الناس إلاّ من يختار الضلال بمحض اختياره.\n١٦٣ - ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ فيكون من أصحاب الجحيم.\n\n<span id=\"aya-3952\"></span>﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (١٦٤)\n١٦٤ - انتقال الخطاب لبيان منزلة جميع المخلوقات عنده تعالى بحسب درجاتهم: ﴿وَما مِنّا﴾ من المخلوقات ﴿إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ عند الله تعالى، من مؤمنين أو كفار، ومن أحياء أو جمادات:\n\n<span id=\"aya-3953\"></span>﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ (١٦٥)\n١٦٥ - ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ المخلوقات من أحياء وجمادات منصاعون لمشيئته تعالى، طوعا أو كرها.\n﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾","vol":"3","page":454},{"text":"١٦٦ - ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ كل مظاهر الطبيعة من أحياء وجماد تسبّح بحمده تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]، وأيضا: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٧٩/ ٢١].\n\n<span id=\"aya-3955\"></span>﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (١٦٧)\n١٦٧ - ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ الكفار يخدعون أنفسهم ويقولون بعد فوات الأوان:\n﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٦٨)\n\n<span id=\"aya-3957\"></span>﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٩)\n١٦٨ - ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾ من الوحي ﴿مِنَ﴾ كتب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ يزعمون أن لو نزل عليهم كتاب من جنس الكتب السماوية التي نزلت على أجدادهم الأوّلين لآمنوا.\n١٦٩ - ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ لكنّهم كفروا بالقرآن الكريم لمّا جاءهم مع أنه الكتاب المعجز والمهيمن على ما قبله من الكتب: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨/ ٥].\n\n<span id=\"aya-3958\"></span>﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١٧٠)\n١٧٠ - ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ بالقرآن الكريم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم.\n\n<span id=\"aya-3959\"></span>﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٧١)\n\n<span id=\"aya-3960\"></span>﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (١٧٢)\n١٧١ - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ سبقت كلمته تعالى منذ الأزل بنصر الرسل لقوله: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠].\n١٧٢ - ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي الرسل.","vol":"3","page":455},{"text":"<span id=\"aya-3961\"></span>﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (١٧٣)\n١٧٣ - ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا﴾ من أتباع الرسل ﴿لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ ليس بالضرورة بالقوة والحرب، ولكن بغلبة المنطق والإقناع والحجة الأقوى.\n\n<span id=\"aya-3962\"></span>﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ (١٧٤)\n١٧٤ - ﴿فَتَوَلَّ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن في كل عصر ﴿عَنْهُمْ﴾ عن المصرّين على الكفر، إذ لا إكراه في الدين ﴿حَتّى حِينٍ﴾ دعهم لعلهم يتوبون، أو حتى تحين آجالهم، لأنّ الناس مكرّمون بحرية الفكر.\n\n<span id=\"aya-3963\"></span>﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٥)\n١٧٥ - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ انظر إليهم من زاويتهم لما هم عليه من حرية الفكر وخداع النفس وظنهم أنهم على الصواب ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة إن في الدنيا أو في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3964\"></span>﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١٧٦)\n١٧٦ - ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لأنهم يتهكمّون ويزعمون أنّ القرآن من عند النبي وليس وحيا، ويستعجلون العذاب إمعانا في التحدّي قائلين: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨].\n\n<span id=\"aya-3965\"></span>﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٧)\n١٧٧ - ﴿فَإِذا نَزَلَ﴾ العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ في دارهم ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ إذ لم ينفع الإنذار معهم.\n\n<span id=\"aya-3966\"></span>﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ (١٧٨)\n\n<span id=\"aya-3967\"></span>﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٩)\n١٧٨ - ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ دعهم يأخذوا فرصتهم بعد إنذارهم.","vol":"3","page":456},{"text":"١٧٩ - ﴿وَأَبْصِرْ﴾ عقليتهم وضلالهم ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة في حينه.\n\n<span id=\"aya-3968\"></span>﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (١٨٠)\n١٨٠ - بعد النظر للمصرّين على الكفر من هذه الزاوية لم يبق سوى الصبر والتسبيح بحمده تعالى والسلام على الرسل:\n﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تنزيها لله تعالى عن كل نقيصة، وعن مشابهته للبشر، وعمّا يصفون له من الصفات التي لا تليق بعظمته وألوهيته.\n\n<span id=\"aya-3969\"></span>﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٨١)\n١٨١ - ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ السلام الروحاني عليهم، وسلامتهم من كل مكروه وكرب، بما يليق بهم.\n\n<span id=\"aya-3970\"></span>﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨٢)\n١٨٢ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ مستحق الحمد على نعمائه المادية والمعنوية، أن بعث الرسل، وختم بإنزال القرآن رسالة للعالمين، ولم يترك العباد يتخبطون على غير هدى.","vol":"3","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4089>سورة ص - ٣٨ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-4090>مقدمة</span>\nنزلت في النصف الأول من الفترة المكية حوالي العام الخامس من البعثة النبوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-4091>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nافتتحت سورة الصافّات المتقدمة بالإشارة إلى الإحكام في نظم آيات القرآن الكريم: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ (١/ ٣٧)، وفي أواخرسورة الصافات زعم الكفار أن لو جاء التوحيد في كتب آبائهم لاتبعوه: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ * لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٧/ ٣٧ - ١٦٩)، ولكن عندما جاءهم القرآن بالذكر الذي كانوا يترقّبون كفروا به: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١٧٠/ ٣٧)، ثم تفتتح سورة ص بالإشارة للذكر وهو القرآن الكريم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١/ ٣٨)، ثم قوله تعالى أن ذوي الألباب فقط ينتفعون به: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩/ ٣٨).\nونظيره قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي فيه كل ما يلزم أن تعلموه لضمان كرامتكم وسعادتكم، أفلا تستخدمون عقولكم لفهمه: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠/ ٢١).","vol":"3","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4092>محور السورة</span>\nأن القرآن الكريم نزل على البشرية بكل ما تحتاج أن تتذكره وتحيط به علما لتحقيق كرامتها وسعادتها: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١)، ومع ذلك فالمصرّون على الكفر غارقون في كبرهم الزائف وفي استعلائهم وفي ظنهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ (٢).\nبل إنهم يبررون ضلالهم بزعم ضلال غيرهم من المجتمعات التي عبدت وتعبد آلهة متعددة، كعقيدة التثليث عند المسيحية: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧)، وضلالهم ليس مقتصرا على التشكيك في شخص النبي ﷺ: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ بل يتجاوزه إلى التشكيك بفحوى رسالته: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ (٨).\nلكنّ التشكيك بمغزى الخلق والحياة يؤدي بأصحابه بالضرورة إلى نبذ المقاييس الأخلاقية وإلى العمى الروحاني: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومن ثم يؤدي بهم إلى عذاب الآخرة:\n﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ (٢٧).\nوقد جاءهم النبأ العظيم أو الرسالة العظيمة التي هي القرآن الكريم فأعرضوا عنه: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٧ - ٦٨)، مع أنه ليس للإنسان من عذر في الإعراض، فقد سبق أن علّمه تعالى الأسماء كلها، انظرآية [البقرة ٣١/ ٢]، أي المقدرة على التفكير المجرد ومن ثم المقدرة على تمييز الحق من الباطل، وتفوّق الإنسان على غيره من المخلوقات بالفكر والعقل ما يفسر قوله تعالى أنه خلقه بيديه: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧٥).\nثم إن القرآن الكريم ليس للعرب وحدهم بل رسالة عالمية للناس كافة: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٨٧)، ولسوف يأتي الوقت، إن في الدنيا أو في","vol":"3","page":459},{"text":"الآخرة، الذي يدرك الجميع معانيه ويفقهون مغزاه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٨).\n﷽\n\n<span id=\"aya-3971\"></span>﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١)\n١ - ﴿ص﴾ الله أعلم بمراده، انظر شرح آية [البقرة ٢/ ١]، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ المعنى: انظروا أيها الناس في هذا القرآن الذي فيه من التذكير بالفطرة السليمة، والتشريف والتكريم لبني آدم، انظر [الإسراء ٧٠/ ١٧] و[البقرة ٣١/ ٢]، وإنقاذه من هوان الشرك وعبادة الأوهام، ففي القرآن كل ما يحتاج الإنسان أن يتذكّر للتوصّل إلى الكرامة والسعادة.\n\n<span id=\"aya-3972\"></span>﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ (٢)\n٢ - ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ ومع ذلك فالمصرّون على الكفر ينكرون القرآن وإمكانية الوحي الإلهي، لأن الإقرار بذلك يترتب عليه مسؤوليتهم تجاه الله سبحانه، مما يتعارض مع عزتهم الوهمية واستكبارهم واعتقادهم بالاكتفاء الذاتي ﴿وَشِقاقٍ﴾ فكأنهم جعلوا أنفسهم في شقّ، والهدي الإلهي في شقّ آخر، أي على طرفي نقيض.\n\n<span id=\"aya-3973\"></span>﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ (٣)\n٣ - ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من الأمم والحضارات البائدة التي أصرّت على الكفر فآل مصيرها الطبيعي إلى الانحطاط والزوال ﴿فَنادَوْا﴾ مستغيثين بعد فوات الأوان ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ استغاثتهم كانت بعد أن لم يكن لهم من نجاة، لأنّ المناص الملجأ والنجاة، و﴿لاتَ﴾ بمعنى ليس، فيكون تقدير الخطاب: فنادوا حين لا مناص لهم.\n\n<span id=\"aya-3974\"></span>﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤)﴾","vol":"3","page":460},{"text":"٤ - ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الرسول منهم أي من جنسهم من البشر، أو أمّي كما كانت قريش، فكيف يمكن أن يكون نبيا بزعمهم؟ وهذه العقلية غير مقتصرة على قريش بل سائدة في كل عصر لدى الكثير من الناس ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ﴾ نسبوا إعجاز القرآن إلى السحر ﴿كَذّابٌ﴾ بزعمهم؛ إذ ينسب القرآن إلى الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-3975\"></span>﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ (٥)\n٥ - ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا﴾ أي وماذا عن سلطانهم وجبروتهم الذي يظنّون؟ إذ يعتقدون أنفسهم أنصاف آلهة يتصرّفون في الدنيا على هواهم ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بزعمهم، أن تنسب المقادير إلى الله تعالى وحده.\n\n<span id=\"aya-3976\"></span>﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ (٦)\n٦ - ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ الملأ كبار القوم الذين إذا حضروا المجالس تمتلئ القلوب والعيون من مهابتهم ﴿أَنِ اِمْشُوا﴾ يحضّون الأتباع على البقاء على دينهم ﴿وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ يراد بنا من نوائب الدهر فلا بد من الصبر عليه.\n\n<span id=\"aya-3977\"></span>﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧)\n٧ - تتمة كلام الملأ: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ في ملّة المسيحية، لأنهم يقولون بالتثليث، وبألوهية عيسى، وينكرون التوحيد ﴿إِنْ هذا﴾ من الدعوة إلى التوحيد ﴿إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ افتراء، لأنهم اعتادوا على عبادة الأوثان والأيقونات وتأليه زعمائهم ورجال الدين من بينهم.\n\n<span id=\"aya-3978\"></span>﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ (٨)\n٨ - تتمة كلام الملأ: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ على النبي ﴿الذِّكْرُ﴾ الوحي ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾ ونحن رؤساء الناس وأشرافهم، والأجدر أن ينزل الوحي علينا؟ وذلك","vol":"3","page":461},{"text":"شبيه بقولهم: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣]، أي على رجل عظيم من فارس أو الروم، أو من مكة أو الطائف، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ المغزى أنهم في شكّ من القرآن، وليس في شخص النبي، لأنّ القرآن يعارض شركهم وأهواءهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ المترتّب على إنكار القرآن.\n\n<span id=\"aya-3979\"></span>﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ (٩)\n٩ - ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ رحمة الله بهذا المعنى هي الوحي الإلهي، بدليل آية [هود ٦٣/ ١١]، والمعنى؛ هل يظنّون أن التصرّف بمنصب النبوّة عائد إليهم؟ ﴿الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ يهب النبوّة لمن يشاء بحسب الحكمة.\n\n<span id=\"aya-3980\"></span>﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ هل يظنّون أنّ بإمكانهم يوما السيطرة على الكون والطبيعة ممّا هو من خصائص الألوهية فقط؟ ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ فليستخدموا كل إمكاناتهم إن استطاعوا.\n\n<span id=\"aya-3981\"></span>﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ (١١)\n١١ - ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ مهما تكاتف الكفار وتعاضدوا وتحزّبوا، بعضهم مع بعض، فمصيرهم في النهاية إلى الزوال عندما يختارون إنكار الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-3982\"></span>﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ﴾ (١٢)\n١٢ - الآيات (١٢ - ١٦) تضرب أمثلة على الأمم المهزومة المشار إليها بالآية المتقدمة: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ﴾ فرعون ذو الأوتاد: تشبيه لثبات ملك فرعون ورسوخ سلطته ببيت ثابتة أوتاده في الأرض.\n\n<span id=\"aya-3983\"></span>﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣)﴾","vol":"3","page":462},{"text":"١٣ - ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ أصحاب الأيكة قوم شعيب في مدين ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾ كأنّهم تحزّبوا وتكاتف بعضهم مع بعض في إنكار الأنبياء والرسل والوحي الإلهي.\n\n<span id=\"aya-3984\"></span>﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ من الأقوام المذكورة ﴿إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ استحقّوا العقاب كنتيجة طبيعية لتكذيبهم.\n\n<span id=\"aya-3985\"></span>﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ (١٥)\n١٥ - ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ﴾ أي قريش أو غيرهم من المكذّبين ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ يترتب عليها هلاكهم ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ عندما يحين موعدها فلا شيء يفوق الزمن المقدّر لهلاكهم.\n\n<span id=\"aya-3986\"></span>﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالوه على سبيل السخرية، أي عجّل لنا قسطنا من العذاب ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ ولا تمهلنا ليوم الحساب، قالوه إمعانا في التحدّي، وهذا القول يقوله الكفرة والجهلة في كل زمن.\n\n<span id=\"aya-3987\"></span>﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿اِصْبِرْ﴾ أيها الرسول، وأيها المؤمن ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ من العناد والمكابرة، ودعهم وشأنهم، فليس على المؤمن سوى الذكرى، انظر [الأعلى ٩/ ٨٧]، ﴿وَاُذْكُرْ﴾ في نفسك، أو اذكر لهؤلاء المكذّبين قصة داوود وغيره من الأنبياء مثل سليمان، وأيوب، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإسماعيل واليسع وذا الكفل، الذين سوف يرد ذكرهم، لاقوا أشد العنت والتكذيب من أقوامهم، كما لاقى النبي من قومه، لعلهم يتوبون، فلا تيأس من إيمانهم، ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ ذا القوّة على أداء الطاعات ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ رجّاع إلى ربه بالاستغفار.","vol":"3","page":463},{"text":"<span id=\"aya-3988\"></span>﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ جميع المخلوقات حتى الجماد منها، والبهائم تسبح الله تعالى، وقيل سمّيت بهائم لكون كلامها وأحوالها قد أبهم على غالب الخلق: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]، فما بال هؤلاء المكذّبين يجحدون؟ وقد أنعم الله تعالى عليهم بالعقول وعلّمهم الأسماء كلها، انظر [البقرة ٣١/ ٢].\n\n<span id=\"aya-3989\"></span>﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ حتى الطيور التي لا عقل لها ولا إدراك كالإنسان ﴿كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ كل من الجبال والطيور تؤوب أي ترجع لله تعالى بالتسبيح.\n\n<span id=\"aya-3990\"></span>﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ (٢٠)\n٢٠ - ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قوّيناه ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ النبوّة وكمال العلم وإتقان العمل، انظر [النساء ٥٤/ ٤] حيث تساوي الحكمة بالنبوّة ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ بتمييز الحق من الباطل.\n\n<span id=\"aya-3991\"></span>﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ (٢١)\n٢١ - وهنا تعطي السورة مثالا لكون داوود أوّابا أي رجّاعا بالاستغفار، الآية (١٧): ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ أيها النبي، أو أيها القارئ ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ المتخاصمين ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ تسلّقوا سور المحراب الذي كان داوود يصلّي فيه.\n\n<span id=\"aya-3992\"></span>﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ لأنهم كانوا ملكين على صورة بشر ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي نحن خصمان، وسنرى في الآية التالية أن","vol":"3","page":464},{"text":"أحدهما تقمّص شخصية داوود، والآخر تقمّص شخص قائده العسكري - أوريا - ولم يدرك داوود ذلك حتى نهاية القصة ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ ظلم أحدنا الآخر، أي داوود ظلم أوريا ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ لا تتجاوزه ﴿وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ إلى وسط طريق الحق، بزجر الباغي وإرشاده إلى منهج العدل.\n\n<span id=\"aya-3993\"></span>﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (٢٣)\n٢٣ - ﴿إِنَّ هذا أَخِي﴾ وهي أخوّة الدين، أو أخوّة الصداقة والألفة ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ هذه القصة الرمزية تشير إلى زعم اليهود في العهد القديم أن داوود، وهو على سطح قصره، لمح زوجة أحد قادته - أوريا - وهي عارية تستحم في بيتها، فأمر بإحضارها ودخل بها، كما أمر أن يوضع زوجها في مقدمة الجبهة حتى قتل، ثمّ تزوج داوود من المرأة - باث شيبا - فأنجبت له سليمان (سفر صموئيل الثاني ٣/ ١١ - ٢٦)، وكان لداوود وقتئذ تسع وتسعون زوجة (نعجة)، والقائد العسكري أوريا لم يكن له سوى هذه الزوجة (نعجة واحدة)، وهذه القصة يناقضها القرآن الكريم من جهتين:\nأولا: أن داوود لم يأمر بإرسال أوريا إلى الجبهة ليقتل وإنما ضغط عليه أن يطلّق زوجته حتى يتزوجها برضاه، وثانيا: أنه لم يدخل في المرأة حتى تزوجها.\n﴿فَقالَ﴾ أحد الخصمين للآخر، أي داوود للقائد في القصة الرمزية ﴿أَكْفِلْنِيها﴾ المعنى: تنازل عن النعجة أي عن زوجتك وملّكنيها، أي طلّقها حتى أتزوجها، قال الرازي: إنه كان مألوفا في أهل ذلك الزمان أن يسأل أحدهم الآخر أن يطلّق امرأته حتى يتزوجها ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ ضغط عليّ وغلبني في طلبه، فلم أطلق أن أردّه، وهو قول أوريا القائد.","vol":"3","page":465},{"text":"<span id=\"aya-3994\"></span>﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿قالَ﴾ داوود لأحد الخصمين أمامه: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾ أن يضم زوجتك إلى زوجاته ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ﴾ أي الشركاء الذين يختلط بعضهم مع بعض ﴿لَيَبْغِي﴾ ليتعدّى ﴿بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ بلا مراعاة لحق الشراكة والصحبة والألفة، فالمخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فإنهم يحفظون هذا الحق ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ هم قليل جدا ﴿وَظَنَّ داوُدُ﴾ الظنّ هنا بمعنى اليقين، والمعنى اكتشف داوود وقتئذ فجأة وأيقن أنّ المتخاصمين يمثّلان قصته مع القائد أوريا وأن الله تعالى قد ابتلاه: ﴿أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ اختبره تعالى، وفشل داوود في الاختبار لجهة ارتكاب خلاف الأولى ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا﴾ خرّ من ركوعه ساجدا ﴿وَأَنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة.\n\n<span id=\"aya-3995\"></span>﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ ما استغفر منه ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ قربى ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ المرجع الحسن في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-3996\"></span>﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض فلسطين تحكم فيها بشرع الله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ في قصة داوود مع باث - شيبا إشارة إلى أن الأنبياء معرّضون لاتّباع الهوى، لجهة ارتكاب خلاف الأولى، وإنهم يتوصلون للعصمة بجهاد النفس","vol":"3","page":466},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ إذ لم يأخذوا يوم القيامة في الحسبان.\n\n<span id=\"aya-3997\"></span>﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ (٢٧)\n٢٧ - ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ ولكن خلقناهما بمعنى ومغزى ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الكفار يظنّون أنّ الخلق ثمّ اعتباطا بلا معنى، وفي ذلك محاولة للتهرب من مسؤولياتهم، ما يؤدي بهم إلى العمى الروحاني ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ إذ لا مفرّ لهم من المسؤولية والحساب.\n\n<span id=\"aya-3998\"></span>﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتفقد الحياة مغزاها إن لم يكن هنالك ثواب وعقاب في الآخرة ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ بلا أي اعتبار للعدالة؟\n\n<span id=\"aya-3999\"></span>﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩)\n٢٩ - بعد أن ذكرت الآية (٢٦)﴾ إنّ داوود حكم بشرع التوراة، وبيّنت الآيتان (٢٧ - ٢٨) أن الخلق ذو مغزى، تبيّن هذه الآية أن القرآن الكريم مهيمن على شرع التوراة، ومصحح لما اختلق اليهود من افتراءات على أنبيائهم داوود وسليمان وغيرهم:\n﴿كِتابٌ﴾ أي هذا كتاب، وهو القرآن الكريم ﴿أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ أيها الرسول، وأيها الإنسان ﴿مُبارَكٌ﴾ كثير الخيرات ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ ليتفكّروا في الآيات، وإن الحياة الدنيا مرحلة أولى تتبعها الآخرة ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ ذوو العقول النيّرة.","vol":"3","page":467},{"text":"<span id=\"aya-4000\"></span>﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ (٣٠)\n٣٠ - ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ سليمان رجّاع إلى الله تعالى بالاستغفار، كما أبوه داوود.\n\n<span id=\"aya-4001\"></span>﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ الجياد جمع جواد، والصافنات من الخيل التي ترفع إحدى قوائمها عند السكون وطرف حافرها على الأرض، والمعنى أنها إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة بأحسن الأشكال، وإذا جرت كانت سراعا في جريها، والمعروف أن سليمان كان محبّا للخيل، حتى إنه كان يتاجر بها على نطاق واسع، مع مصر في الجنوب ومع الحثيين في الشمال.\n\n<span id=\"aya-4002\"></span>﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿فَقالَ﴾ سليمان في أثناء عرض الجياد عليه ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أحببت كلّ ما هو خير ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ لأنني أذكر الله دوما، وما فتئ سليمان يكرر الذكر: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ توارت الجياد عن الرؤية بحجاب البعد، أو حجاب المسافة، بعد جريها لمسافات طويلة.\n\n<span id=\"aya-4003\"></span>﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣٣)\n٣٣ - قال سليمان لأصحابه بعد أن توارت الجياد بحجاب البعد: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ أي الجياد ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ صار يمسح سوقها وأعناقها بيديه، حبّا بها، وتحببا إليها، والمغزى أن محبة الله الحقيقية تقتضي محبة مخلوقاته.\n\n<span id=\"aya-4004\"></span>﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ الفتنة هي الاختبار والابتلاء ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ اختبار سليمان بجعله مجرد جسد مادي على كرسي العرش","vol":"3","page":468},{"text":"﴿ثُمَّ أَنابَ﴾ نجح سليمان في الاختبار إذ رجع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، بعد أن أدرك إن الملك الدنيوي لا يستقيم إذا لم يكن فيه من البعد الروحي والشرع الإلهي.\n\n<span id=\"aya-4005\"></span>﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ روحيا خاصّا ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يتوارثه الناس كما يتوارثون الملك المادي ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ تهب الخير لمن تشاء.\n\n<span id=\"aya-4006\"></span>﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ بأساطيله التجارية في البحر الأحمر وفي البحر الأبيض المتوسط، انظر [الأنبياء ٨١/ ٢١] و[سبأ ١٢/ ٣٤]، ﴿رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ تسير الريح بأساطيله حيث يريد، جزاء لتواضعه ورغبته في ملك مادي وروحي.\n\n<span id=\"aya-4007\"></span>﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ شياطين الإنس والجن ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ يعملون في توريد المواد وبناء المعبد.\n\n<span id=\"aya-4008\"></span>﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ ربط بعضهم إلى بعض بالقيود، قال الألوسي: إن المراد تمثيل كفّهم عن الشرور بالإقران في الأصفاد، وليس هنالك قيد ولا تقييد حقيقة.\n\n<span id=\"aya-4009\"></span>﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿هذا عَطاؤُنا﴾ لك من الملك ﴿فَامْنُنْ﴾ بالعطاء لمن يستحق ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن العطاء لمن لا يستحق ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تحاسب عليه.","vol":"3","page":469},{"text":"<span id=\"aya-4010\"></span>﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٤٠)\n٤٠ - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ قربى ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ في الآخرة، وهنا يكتمل الخطاب الذي بدأ بالآية (١٧) تصحيحا لما في العهد القديم من افتراءات على داوود وسليمان.\n\n<span id=\"aya-4011\"></span>﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ (٤١)\n٤١ - بعد أن ذكرت الآيات (١٧ - ٤٠) ما أنعم به تعالى على داوود وسليمان من النعم الكثيرة، تنتقل الآيات (٤١ - ٤٤) إلى النقيض من ذلك وهو البلاء الذي اختصّ به أيوب من المحن، ليعلم أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وفي ذلك حضّ للنبي ﷺ أن يصبر على سفاهة قومه:\n﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ النصب: التعب والعناء والشر والبلاء، وقد تكرر في القرآن الكريم أن لا سلطان للشيطان على الناس إلا الوسوسة، فيكون مسّ الشيطان لأيّوب من هذا القبيل.\n\n<span id=\"aya-4012\"></span>﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ (٤٢)\n٤٢ - ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ وهو إيحاء الله تعالى لأيوب: والركض هو الدفع القوي بالرجل ﴿هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فلما ضرب الأرض برجله نبعت منها عين باردة من الماء، يبدو أنه اغتسل فيها وشرب منها فكان فيها الشفاء، ونهاية معاناته الجسمية والنفسية، انظر شرح [الأنبياء ٨٣/ ٢١ - ٨٤].\n\n<span id=\"aya-4013\"></span>﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ من الذرية بدلا من المتوفّين منهم ﴿رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ من ذوي الصبر تنبيها على أنّ من صبر ظفر.\n\n<span id=\"aya-4014\"></span>﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٤٤)﴾","vol":"3","page":470},{"text":"٤٤ - ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ حزمة من الحشيش أو النباتات بها مئة عود ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك ضربة واحدة تعادل مئة ضربة ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ لأن أيوب كان قد حلف إن برئ من مرضه أن يضربها مئة ضربة، وقيل: السبب أنها اعترضت على صبره وشدة إيمانه، وقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا﴾ على المحنة ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ الصابر ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة وبالاستغفار.\n\n<span id=\"aya-4015\"></span>﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ ذوو الإرادة القوية والبصيرة الصحيحة، وما لاقوه من عنت من أقوامهم.\n\n<span id=\"aya-4016\"></span>﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ (٤٦)\n٤٦ - ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ أي ذكرى الدار الآخرة، لأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا مجاز، وقد جعلهم تعالى خالصين لها لتذكرهم إياها على الدوام، وحضّهم الناس على الاستعداد لها.\n\n<span id=\"aya-4017\"></span>﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ المختارين من أبناء جنسهم ﴿الْأَخْيارِ﴾ الفاضلين عليهم في الخير.\n\n<span id=\"aya-4018\"></span>﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ﴾ فصل ذكره عن ذكره أبيه وأخيه لكون محمد ﷺ من ذريته ﴿وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ الفاضلين في الخير.\n\n<span id=\"aya-4019\"></span>﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٤٩)\n٤٩ - ﴿هذا﴾ ما تقدّم من ذكر الأنبياء المشار إليهم ﴿ذِكْرٌ﴾ لأنهم لاقوا المعاندة من أقوامهم، ولم يكن الأمر مقتصرا على محمد ﷺ وقريش ﴿وَإِنَّ﴾","vol":"3","page":471},{"text":"﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتّقون الشهوات والتكالب على الدنيا ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ في الآخرة، والمآب المرجع، وحسن المرجع كما هو مذكور في الآيات (٥٠ - ٥٤).\n\n<span id=\"aya-4020\"></span>\n\n<span id=\"aya-4021\"></span>\n\n<span id=\"aya-4022\"></span>\n\n<span id=\"aya-4023\"></span>\n\n<span id=\"aya-4024\"></span>\n\n<span id=\"aya-4025\"></span>﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ﴾ الذين طغوا على الرسل وكذبوهم، والذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ في جهنم، وهنا تصوّر الآيات (٥٥ - ٦٥) حوارا رمزيا بين الطغاة وأتباعهم، والمغزى أن الطغاة لا يغنون عن أتباعهم شيئا في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-4026\"></span>\n\n<span id=\"aya-4027\"></span>﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (٥٦) ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ (٥٧)\n\n<span id=\"aya-4028\"></span>﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ من أشكال العذاب ﴿أَزْواجٌ﴾.\n\n<span id=\"aya-4029\"></span>﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ مع الطغاة المشار إليهم بالآية (٥٥)، وهو فوج الأتباع الذين اتّبعوا الطغاة، وقوله ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي فوج من الأتباع يدخل النار معكم أيها الطغاة، يقاسون فيها من العذاب ما تقاسون ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وهو قول المتبوعين ﴿إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ الأتباع والمتبوعون معا.\n\n<span id=\"aya-4030\"></span>﴿قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿قالُوا﴾ الأتباع لزعمائهم ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ قدّمتم العذاب لنا في آخرتنا، إذ غرّرتم بنا في الدنيا واتبعناكم على ضلال ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ فبئس المقر في جهنم.\n\n<span id=\"aya-4031\"></span>﴿قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ (٦١)﴾","vol":"3","page":472},{"text":"٦١ - ﴿قالُوا﴾ أي الأتباع أيضا ﴿رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا﴾ العذاب، من الطغاة الذين كانوا زعماء لنا، فاتّبعناهم على ضلال حبّا في الدنيا ﴿فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النّارِ﴾ لأنهم ضلّوا وأضلّونا.\n\n<span id=\"aya-4032\"></span>﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿وَقالُوا﴾ الطغاة بعضهم لبعض ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾ الطغاة وزعماء الكفر يبحثون عن موقع الفقراء وضعاف المؤمنين في آخرتهم، لأنهم كانوا يسخرون منهم ويعدّونهم من الأشرار بسبب تصديقهم الرسل.\n\n<span id=\"aya-4033\"></span>﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ جعلناهم موضعا للسخرية في الدنيا ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ المعنى ما لنا لا نراهم معنا في النار؟\n\n<span id=\"aya-4034\"></span>﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ﴾ لا بد أن يتحقق في الآخرة ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ بين الأتباع والمتبوعين، والمغزى من هذا التخاصم والتقاول بين الطرفين أنّ من يظلم نفسه ويرى عقول الآخرين من زعماء الضلال أفضل من عقله، فيتبعهم، يظلم نفسه في النتيجة.\n\n<span id=\"aya-4035\"></span>﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ﴾ لكم أيها الناس، أن يؤول مصيركم لمثل مصير زعماء الضلال وأتباعهم من الذين ظلموا عقولهم ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ لا سلطة حقيقية إلا لله، وأما زعماء الكفر والضلال فسلطتهم ليست سوى وهم ﴿الْواحِدُ﴾ لا إله غيره ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب على أمره.\n\n<span id=\"aya-4036\"></span>﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٦٦)﴾","vol":"3","page":473},{"text":"٦٦ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ يغفر لمن يشاء بحسب الحكمة.\n\n<span id=\"aya-4037\"></span>﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٧)\n٦٧ - ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول للمنكرين ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ما أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا، وإن الله تعالى واحد لا شريك له، نبأ في غاية الأهمية والعظمة، والنبأ أيضا كل ما ينبئ به القرآن الكريم، لأن السورة تبدأ وتختم بالإشارة إليه، والنبأ العظيم أيضا الإنذار بالآخرة لقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١/ ٧٨ - ٢].\n\n<span id=\"aya-4038\"></span>﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أعرضتم عنه أيها الناس بسبب تماديكم في الغفلة.\n\n<span id=\"aya-4039\"></span>﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ما كان للرسول أن يعلم قصة الخلق إلاّ عن طريق الوحي، والملأ الأعلى هم الملائكة في قصة الخليقة إذ قالوا: أي فائدة في خلق البشر الذين سوف يفسدون ويسفكون الدماء؟ انظر [البقرة ٣٠/ ٢ - ٣٤]، هذه القصة التي تكررت ست مرات في القرآن الكريم، كل مرة منها ترد بزاوية وعبرة مختلفة عن الأخرى، انظر [البقرة ٣٠/ ٢ - ٣٤] و[الأعراف ١١/ ٧ - ٢٥] و[الحجر ٢٨/ ١٥ - ٤٤] و[الإسراء ٦١/ ١٧ - ٦٥] و[الكهف ٥٠/ ١٨] و[ص ٦٩/ ٣٨ - ٨٥]، وفي هذه القصة تركيز على موضوع الحسد والكبر الذي منع إبليس من السجود لآدم.\n\n<span id=\"aya-4040\"></span>﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾","vol":"3","page":474},{"text":"٧٠ - ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم أنّ من ينكر وجود الله، أو يشرك به، يعرّض نفسه للدمار الروحي، وهكذا تختم السورة بالآيات (٦٥ - ٨٥) بذكر قصة الخليقة:\n\n<span id=\"aya-4041\"></span>﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ من التراب والمواد العضوية التي فيه.\n\n<span id=\"aya-4042\"></span>﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ﴾ سوّيت جسده لما خلق له من الأمور الحياتية ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ كناية عن إحيائه، قال الألوسي: ليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما إفاضة الحياة في الجسد ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ تكريما له بعد أن تعلم الأسماء كلها [لبقرة ٣١/ ٢]، أي المقدرة على الفكر المجرّد والتمييز بين الحق والباطل.\n\n<span id=\"aya-4043\"></span>﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ سجود تكريم، انظر [الإسراء ٧٠/ ١٧].\n\n<span id=\"aya-4044\"></span>﴿إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ﴾ استكبارا ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ في علم الله تعالى منذ الأزل، لكي تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل، واستكبار إبليس وكفره كناية عن مكابدة الإنسان عناصر الشر في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-4045\"></span>﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مغزى قوله:\n﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لأنّ الإنسان متفوق بدرجات كثيرة على غيره من المخلوقات","vol":"3","page":475},{"text":"إذ كرّمه تعالى بموهبة الفكر المجرّد واستيعاب المفاهيم وحرية الخيار ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ على من خلقت بهذه المواهب التي انفرد بها بنو البشر ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ أم تظنّ نفسك من ذوي الدرجات العلا؟\n\n<span id=\"aya-4046\"></span>﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٧٦)\n٧٦ - ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ﴾ من عنصر غير مادي ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ من مادة التراب والماء، وهكذا غفل إبليس عن فوقية البشر بما حباهم تعالى من المواهب المذكورة آنفا، بغض النظر عن خلق الإنسان من طين.\n\n<span id=\"aya-4047\"></span>﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (٧٧)\n٧٧ - ﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها﴾ من منزلتك الملائكية التي كنت فيها ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مطرود من كل خير وكرامة، فالرجم كناية عن الطرد لأن المطرود يرجم بالحجارة.\n\n<span id=\"aya-4048\"></span>﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٧٨)\n٧٨ - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ حرماني إياك من رحمتي ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى يوم الحساب حيث توفّى الجزاء كاملا.\n\n<span id=\"aya-4049\"></span>﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٧٩)\n٧٩ - ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ أي أمهلني، لأنّ الإنظار الإمهال ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ مغزى الإنظار تمكين إبليس القيام بدوره في إغواء من يستطيع إغواءه من البشر حتى قيام الساعة، والنتيجة أن يكابد الإنسان عناصر الشر الدنيوية.\n\n<span id=\"aya-4050\"></span>﴿قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (٨٠)\n٨٠ - ﴿قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ من الذين تمّ إمهالهم.\n\n<span id=\"aya-4051\"></span>﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾","vol":"3","page":476},{"text":"٨١ - ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ إلى يوم يعلمه الله، ولا يعلمه أحد سواه، وهو يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-4052\"></span>﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٢)\n٨٢ - ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لأوقعنّهم في الغواية، أي في الخيبة والضلال.\n\n<span id=\"aya-4053\"></span>﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٣)\n٨٣ - ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإني عاجز عن إغوائهم، لقوله تعالى:\n﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢/ ١٥].\n\n<span id=\"aya-4054\"></span>﴿قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ (٨٤)\n٨٤ - ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ أي لا أقول إلا الحقّ.\n\n<span id=\"aya-4055\"></span>﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٥)\n٨٥ - ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ من الغاوين، الذين بمحض اختيارهم تبعوا طريق الضلال.\n\n<span id=\"aya-4056\"></span>﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٨٦)\n٨٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على القرآن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ دنيوي ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ لست من الذين يتصنّعون ويدّعون ما ليس فيهم، فلا أنتحل النبوّة، ولا أتقوّل القرآن، ولا أدّعي أني فوق جنس البشر.\n\n<span id=\"aya-4057\"></span>﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٨٧)\n٨٧ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ القرآن الكريم ﴿إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وهكذا تختم السورة بالنقطة التي بدأت منها بقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ لأن القرآن يذكّر الإنسان بالميثاق وبفطرته السليمة.","vol":"3","page":477},{"text":"<span id=\"aya-4058\"></span>﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٨)\n٨٨ - ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ بأنه الحق والصدق ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ يوم القيامة، أو بعد الموت عندما يأتيك الخبر اليقين أيها الكافر أو الجاحد.","vol":"3","page":478},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4175>سورة الزمر - ٣٩ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-4176>مقدمة</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية، واشتق اسمها من الإشارة لزمر الذين أصروا على الكفر، وزمر الذين اتقوا المشار إليهم بالآيات (٧١ و٧٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-4177>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة (ص) المتقدمة بقوله تعالى عن القرآن الكريم: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٧/ ٣٨ - ٨٨)، وتفتتح سورة الزمر بأنه تنزيل من العزيز الحكيم: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١/ ٣٩).\nوفي سورة (ص) يبرر الكفار ضلالهم بضلال أتباع الديانات الأخرى: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧/ ٣٨)، ثم تبين سورة الزمر أنّ على الإنسان اتّباع أحسن الهدي أي القرآن: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (١٨/ ٣٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-4178>محور السورة</span>\nوجوب الإخلاص في العبادة، ونفي الشرك والشركاء المزعومين، لأن الشرك وما فيه من حطّ لكرامة الإنسان يؤدي بالمشركين إلى خسارة أنفسهم وأهليهم نتيجة اتخاذهم القرار الخاطئ: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١٥).\nوأن على المرء أن يستخدم حجة العقل والنظر والاستدلال للنظر في ما بين يديه من الكتب المقدسة فيتّبع أحسن الهدي وهو القرآن الكريم الذي بقي على","vol":"3","page":479},{"text":"أصالته منذ نزوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٨)، لقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٢٣)، وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨)، وقوله تعالى: ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٥).\nلكنّ عزوف الكفار عن القرآن وعن التوحيد ناتج من خشيتهم مواجهة مسؤولياتهم الأخلاقية وما يترتب عليها من نتائج لازمة لها، في حين أن إقبالهم على عبادة الشركاء الوهميين يعفيهم من ذلك بحسب ظنهم: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٥)، بل إنهم ينسبون ما بهم من نعم في الدنيا إلى حذاقتهم وذكائهم ومكرهم مع أنها قد تكون فتنة لهم: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٩).\nبالمقارنة مع نصر المؤمنين على أنفسهم، الأمر الذي يضمن نجاتهم: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦١)، ومع ذلك فالجهلة مصرّون على عبادة الأوهام والزيف: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ (٦٤)، بتأثير التكبر والإعجاب بالنفس ما يوردهم الهلاك: ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٧٢)، التكبر الذي هو موضوع سورة غافر التالية.\n﷽\n\n<span id=\"aya-4059\"></span>﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾","vol":"3","page":480},{"text":"١ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ القرآن ﴿مِنَ اللهِ﴾ وحده لا من غيره ﴿الْعَزِيزِ﴾ القادر على كل شيء ﴿الْحَكِيمِ﴾ أفعاله مترتبة على الحكمة.\n\n<span id=\"aya-4060\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)\n٢ - ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ لفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله على عبده محمد دفعة واحدة، في حين لفظ التنزيل بالآية (١)، يشعر بأنه تعالى أنزله على عبده نجوما، أي نجما نجما، على سبيل التدريج، انظرآية [النجم ١/ ٥٣]، فكيف الجمع بين المعنيين؟ والجواب: إن الإنزال هو حكمه تعالى بنزول القرآن على عبده كاملا، ثم أوصله إليه نجما نجما وفق المصالح وظروف البعثة، وهذا هو التنزيل ﴿بِالْحَقِّ﴾ مشتملا على براهين التوحيد والنبوة والمعاد والتكاليف، فهو حق يجب العمل به ﴿فَاعْبُدِ اللهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ له الطاعة الخالصة من شوائب الشرك والرياء، كما في الآية التالية:\n\n<span id=\"aya-4061\"></span>﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ (٣)\n٣ - ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ الله الذي يجب أن يخصّ بإخلاص الطاعة له، لأنه المتفرد بصفات الألوهية التي من جملتها الاطلاع على السرائر والضمائر وما قد يكون فيها من شوائب الشرك والرياء ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ المشركون الذين أشركوا في العبادة الأشخاص المؤلهين والملائكة والقديسين، وأشركوا الصور والتماثيل والأيقونات والأضرحة، قائلين لأنفسهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ زعموا أن الشركاء ليسوا سوى وسطاء يقربونهم إليه تعالى، يرجون شفاعتهم ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يحكم الله يوم القيامة بين المشركين وبين المخلصين فيما اختلفوا فيه من التوحيد والشرك، كما يحكم بين المشركين وزعمائهم الذين أضلوهم، انظر [سبأ ٣١/ ٣٤ - ٣٣]، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي﴾ لا يوفق للهداية ﴿مَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾","vol":"3","page":481},{"text":"يكذب على نفسه، انظر [الأنعام ٢٤/ ٦]، ﴿كَفّارٌ﴾ المصر على الكذب والكفر يحجب الحقيقة عن نفسه، فهو غير قابل للاهتداء لسوء استعداده وسوء جبلّته.\n\n<span id=\"aya-4062\"></span>﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٤)\n٤ - ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إشارة إلى المشركين الذين اتخذوا من دونه أولياء في الآية السابقة، وهي إشارة خاصة للمسيحية الذين زعموا أن المسيح ابن الله، وهذا القول منهم يناقض صفات الكمال والديمومة لله سبحانه، فهو ليس بحاجة للولد أو الذرية ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عن النقص ﴿هُوَ اللهُ الْواحِدُ﴾ لا يشاركه في الألوهية أحد ﴿الْقَهّارُ﴾ يقهر عباده بالموت.\n\n<span id=\"aya-4063\"></span>﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ (٥)\n٥ - ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ كل ما في الكون ذو معنى، ولا يوجد شيء مصادفة، وكل مخلوق يؤدي وظيفة معينة، انظر [ص ٢٧/ ٣٨]، والخطاب استمرار لما تقدّم، فلا معنى ولا مبرر لوجود الذرية، ومن دلائل قدرته وكمال عظمته تكوير الليل والنهار: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ في إشارة واضحة لكروية الأرض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ منقادين لأمره ﷿، سخرهما للحياة على الأرض ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الشمس في مدارها ضمن المجموعة الشمسية، والقمر في مداره حول الأرض ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ كامل القدرة لا يعجزه شيء ﴿الْغَفّارُ﴾ لذنوب التائبين.\n\n<span id=\"aya-4064\"></span>﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾","vol":"3","page":482},{"text":"٦ - ومن دلائل وحدانيته أيضا خلق البشر والأنعام: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ البشر كلهم مخلوقون من أنفس متماثلة فهي من ثمّ نفس واحدة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ الزوج في اللغة يطلق على الجنسين فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والمعنى أنه تعالى خلق زوجها من جنسها، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ذكره الرازي، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ [النحل ٧٢/ ١٦]، انظر أيضا [النساء ١/ ٤]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ من الضأن اثنين: الكبش والنعجة، ومن المعز اثنين:\nالتيس والعنز، ومن الإبل اثنين: الجمل والناقة، ومن البقر اثنين: الثور والبقرة، وقد ذكرت في سورة الأنعام لجهة ما كانوا يحرمونه في الجاهلية [الأنعام ١٤٣/ ٦ - ١٤٤]، في حين ذكرت هنا لبيان أنها من رزق الله تعالى، لأنّ البشر معتمدون عليه تعالى بالكلية بعد أن خلقهم من نفس واحدة.\n﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، انظر [الحج ٥/ ٢٢]، ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ ظلمة الرحم والبطن وظلمة قبل الولادة ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ على الإطلاق في الدنيا والآخرة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ولو كان في السماوات والأرض آلهة إلاّ الله لفسدتا، انظر [الأنبياء ٢٢/ ٢١] ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ عن هذه الحقائق؟\n\n<span id=\"aya-4065\"></span>﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧)\n٧ - بعد بيان نزول القرآن، والدلائل المشار إليها آنفا فإنّ عاقبة الكفر والشكر تعود على صاحبها دون غيره: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ غنيّ عن إيمانكم وشكركم ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ لما فيه من الضرر على العباد، فالجحود يعود سلبا على صاحبه ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لما فيه من نفعكم،","vol":"3","page":483},{"text":"ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، انظر [لقمان ١٢/ ٣١]، ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الوزر هو الحمل الثقيل، وهو أيضا الإثم لأنه يثقل صاحبه، والمعنى أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى، أو لا تأثم آثمة بإثم أخرى، وهو مبدأ المسؤولية الفردية في الإسلام بأن لا يحمل أحد ذنب غيره، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ بعضهم يستطيع أن يحمل إثم بعض، ومن جهة ثانية فقد اخترعت المسيحية فكرة (الخطيئة الأصلية) وابتدعوا أن المسيح افتدى واحتمل خطاياهم سلفا نيابة عنهم ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم كلاّ بعمله، وليس بعمل غيره ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يعلم ما في صدوركم من النوايا والدوافع.\n\n<span id=\"aya-4066\"></span>﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ (٨)\n٨ - وهذه الآية تبيّن حال المذبذبين أنصاف المؤمنين: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ من مرض وفقر وغيره من المكاره ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ راجعا إليه ممّن كان يدعوه من دون الله في حالة الرخاء، لعلمه أنّ من دون الله عاجز عن كشف المضرة ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إذا أنعم الله تعالى عليه تفضّلا منه ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى لإزالته ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ التحويل ﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا﴾ شركاء ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فلا يقتصر الضلال على نفسه بل يدعو غيره إلى الضلال إما بفعله أو بقوله، لأنّ اللام لام العاقبة ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ زمنا قليلا أو تمتعا قليلا ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ فهي النتيجة الطبيعية لأمثاله.\n\n<span id=\"aya-4067\"></span>﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾","vol":"3","page":484},{"text":"٩ - ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا﴾ القائم بواجب الطاعات والعبادات في ساعات الليل بعيدا عن الرياء، هل يمكن أن يكون مساويا في العلم والأجر؟ للكفار والمذبذبين المذكورين آنفا؟ ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ يحذر ما يؤدي لعذاب الآخرة من الكفر والمعاصي ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فيفوز بما يرجو من النعيم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك؟ فاستفادوا من نعمة العقل ونعمة الوحي ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ رغم أن وسائل العلم متاحة لهم ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ الذين يعملون بما يعلمون.\n\n<span id=\"aya-4068\"></span>﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (١٠)\n١٠ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول تلخيصا للآيات (٧ - ٩): كذلك قال الله ربكم:\n﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا﴾ معصية ﴿رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العمل ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وهي الجنة ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ للذين يبغون الهجرة إلى أرض يمارسون فيها عباداتهم بحرية بعيدا عن الاضطهاد، ويمارسون الدعوة، انظر شرح [النساء ٩٧/ ٤]، وأما ما ذكره الفقهاء من تقسيم الدنيا إلى دار إسلام ودار كفر فقد كان انعكاسا لأوضاع راهنة فرضت على الأمة، وليس تعبيرا نظريا عمّا يجب أن يكون أبد الدهر ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ﴾ يوفّى الصابرون على المحن الدنيوية من مرض وبلاء، فوق إحسانهم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وأمّا ما نالوه في الدنيا فهو عاجل حظهم.\n\n<span id=\"aya-4069\"></span>﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١١)\n١١ - ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وحده بلا شرك ولا رياء، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ١٤/ ٦]، فالمطلوب الجمع بين الإسلام وبين البراءة من الشرك بكافة أشكاله.\n\n<span id=\"aya-4070\"></span>﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾","vol":"3","page":485},{"text":"١٢ - ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالرسول أوّل من أسلم من أمّته، وهو أيضا أول المسلمين قاطبة لأنه أكملهم إيمانا وعملا، وهو معلّمهم وقدوتهم وسيّدهم، انظر [الأنعام ١٤/ ٦].\n\n<span id=\"aya-4071\"></span>﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٣)\n١٣ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عذاب يوم القيامة.\n\n<span id=\"aya-4072\"></span>﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ (١٤)\n١٤ - ﴿قُلِ اللهَ﴾ وحده ﴿أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ من الشرك الظاهر والخفي، ومن غير طلب شيء بالمقابل.\n\n<span id=\"aya-4073\"></span>﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١٥)\n١٥ - بعد الموعظة البليغة بالآيات (١٠ - ١٤) لم يبق سوى تفويض الأمر لحرية الفرد مع بيان العاقبة لمن يختار الكفر: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله، من الشركاء والأنداد المزعومين، واعبدوا المادة والثروة والزعامة والجاه ﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بمحض اختيارهم ﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ سوف يجدون أنفسهم وحيدين يوم القيامة فلا أهل ولا أحبّاء ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أن يجد الإنسان نفسه وحيدا، ناهيك عن العذاب الذي سوف يرد وصفه:\n\n<span id=\"aya-4074\"></span>﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١٦)\n١٦ - ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ تمثيل عذاب جهنم بما نعرف في الدنيا من المحسوس ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ التهويل بطريق الإبهام ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ اتقوا ما يؤدي بكم إلى أوخم العواقب.","vol":"3","page":486},{"text":"<span id=\"aya-4075\"></span>﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ (١٧)\n١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ الذين أعرضوا عن عبودية كل ما سوى الله، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو كل رأس في الضلال، كالزعيم من شياطين الإنس والجن، وعبادة الطاغوت بمعنى الطاعة المطلقة له ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ﴾ أقبلوا إليه تعالى إقبالا كليّا معرضين عمّا سواه ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ بالثواب من الله على ألسنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت وحين الحشر ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ الموصوفين بالآية التالية:\n\n<span id=\"aya-4076\"></span>﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٨)\n١٨ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الذين يستخدمون حجة العقل والنظر والاستدلال للنظر في ما بين أيديهم من الكتب المقدسة فيتّبعون أحسن الهدي وهو القرآن الكريم الذي بقي على أصالته منذ نزوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ وفقهم للهداية ﴿وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول السليمة التي تخلّت عن التقليد والعصبية.\n\n<span id=\"aya-4077\"></span>﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ (١٩)\n١٩ - ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ﴾ المشار إليهم بالآيات (١٥ - ١٦)، بعكس الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ﴿أَفَأَنْتَ﴾ أيها النبي ﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ المعنى لا تستطيع ذلك إذا أصرّ الكافر على كفره وتمسّك بالتقليد ولم يتّبع أحسن القول.\n\n<span id=\"aya-4078\"></span>﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠)﴾","vol":"3","page":487},{"text":"٢٠ - ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ عودة إلى المشار إليهم بالآيات (١٧ - ١٨)، ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وصف الجنة بالمعهود من الدنيا ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ فذلك من المحال عليه تعالى.\n\n<span id=\"aya-4079\"></span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٢١)\n٢١ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الإنسان، وعلى الأخص الإنسان الجاحد المشار لأمثاله بالآيات (١٥ - ١٦)، ﴿أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة لدورة الماء في الطبيعة ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ أحيا النبات من العدم ثم جعله حطاما بانتهاء دورته ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في إنزال المطر وإحياء النبات ثم جعله حطاما ﴿لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ لأن أولي الألباب من أصحاب العقول السليمة الخالصة من شوائب الخلل والتقليد يتذكّرون من هذا المثل حال الدنيا وقصر لبث الإنسان فيها فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون بها.\n\n<span id=\"aya-4080\"></span>﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٢)\n٢٢ - ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ من ذوي الألباب المشار إليهم في الآية المتقدمة، ومعنى شرح الصدر الإراحة من الهمّ والغمّ، وبالمقابل فالعرب تسمّي الغمّ والهمّ ضيق صدر، والمغزى أن إقبال المرء على الإسلام يرافقه إزاحة الغمّ والهمّ من الصدر ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ لأن المرء يصبح على يقين من أمور الدنيا والآخرة، وتتمة الخطاب محذوف وتقديره: إن الذي انشرح صدره للإسلام ليس كمن بقي يتخبط في الظلام ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ الذين إذا قرئ عليهم القرآن اشمأزوا واستكبروا وازدادت قلوبهم","vol":"3","page":488},{"text":"قساوة، وهنالك معنى آخر؛ إذ يحتمل أن يكون في الخطاب محذوف وتقديره:\nفويل للقاسية قلوبهم من نسيان ذكر الله، أي بحذف المضاف، وهو شائع في التنزيل، انظر إعراب القرآن للزجاج، الباب الثاني ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ذوو القلوب القاسية الذين يشمأزون من سماع القرآن، أو يهملون دراسته، يقعون في أقصى درجات الضلال.\n\n<span id=\"aya-4081\"></span>﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٢٣)\n٢٣ - في هذه الآية عودة إلى بداية السورة بالآيات (١ - ٢)، وهي في الوقت ذاته استمرار للآية المتقدمة لأن انشراح الصدر للإسلام مترتب على قراءة القرآن وفهمه واستيعاب معانيه:\n﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ هو القرآن الكريم ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ لأن القصص والحقائق تتكرر فيه من عدة أوجه فهي تشبه بعضها بعضا ﴿مَثانِيَ﴾ بمعنى التكرير والإعادة ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ من الرهبة ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ تسكن وتطمئنّ إلى ذكر رحمته تعالى ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ من يشاء الهداية، أو يشاءتعالى أن يوفقه للهدى ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ لسوء استعداد الفرد ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ فيخليه تعالى لنفسه ويخذله ولا يجبره على الهدى.\n\n<span id=\"aya-4082\"></span>﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٢٤)\n٢٤ - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ عطف على الآية (٢٢)﴾ واستمرار لمعنى القاسية قلوبهم من ذكر الله لأنهم سوف يواجهون عذاب الآخرة بوجوههم وليس من شيء يتّقون به، وتتمة الخطاب محذوف تقديره: هل يكون كمن هو آمن من العذاب؟ ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ استخدام","vol":"3","page":489},{"text":"الفعل الماضي في الخطاب للإشعار بتحقق العذاب لا محالة ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي هذا العذاب نتيجة طبيعية لما كسبتم لأنفسكم وليس اعتباطا.\n\n<span id=\"aya-4083\"></span>﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٥)\n٢٥ - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كذّبوا الرسل والوحي ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ظنّوا أنفسهم في مأمن من العذاب بإنكارهم الآخرة والمسؤولية، وغاب عنهم أن العذاب مترتب على التكذيب.\n\n<span id=\"aya-4084\"></span>﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦)\n٢٦ - ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ عذاب الذل والهوان في الدنيا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ من عذاب الخزي في الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ نظام الأسباب والمسببات.\n\n<span id=\"aya-4085\"></span>﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٧)\n٢٧ - عودة إلى موضوع الآيات (٢٣، ٢، ١)، وبعد أن ذكرت الآيات (١٦، ٢٦، ٢٤، ٢٠، ١٩) أحوال أهل الجنة وأصحاب النار، تبيّن هذه الآية أن القرآن الكريم يضرب الكثير من الأمثال بما يعهده الناس من المحسوس في الدنيا، تمثيلا لما لا نعرفه من عالم الغيب: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ لما هو خارج إدراك البشر ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيتّعظون.\n\n<span id=\"aya-4086\"></span>﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨)\n٢٨ - ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نزل على العرب أولا بلغتهم ليفهموه ويحيطوا بمعانيه، وثانيا ليكونوا واسطة الرسالة إلى العالم أجمع لكونهم أمّة أمّية لم يسبق لها التعصّب إلى رسالة أو رسالات سابقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨/ ٢٦ - ١٩٩]، بالنظر لتعصب الأعجمين لما هم عليه من التمسك بالتقليد، انظر شرح [يوسف","vol":"3","page":490},{"text":"٢/ ١٢]، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ خال من التفاوت والاختلاف والخلل، انظر [النساء ٨٢/ ٤]، وهو أيضا واضح خال من الغموض، متماسك ومتناسق ومحكم، غير ملتبس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ العواقب السيئة.\n\n<span id=\"aya-4087\"></span>﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٩)\n٢٩ - استمرار الخطاب من الآية (٢٧) في ضرب الأمثال:\n﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ مشركا ﴿فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ رجل مملوك، له أسياد كثر متشاكسون، أي مختلفون عسرون، كناية عن كثرة معبوديه، فهو مشرك يتنازعه معبودوه ﴿وَرَجُلًا﴾ ورجلا موحّدا ﴿سَلَمًا﴾ خالصا ﴿لِرَجُلٍ﴾ فرد، أي له سيد واحد فقط ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ المعنى لا يستويان، الأول في لوم وعناء دائمين، والثاني في راحة بال وسكينة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ وحده، بعد إبطال القول بالشركاء ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الناس مشركون ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله وحده مستحق الشكر على نعمائه.\n\n<span id=\"aya-4088\"></span>﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٣٠)\n٣٠ - بعد أن ضربت الآية المتقدمة مثلا بالمشركين والموحّدين، وأن أكثر الناس مشركون، تبين هذه الآية والتي تليها أن الحسم بين المشركين وبين دعوة النبي لهم يكون يوم القيامة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أيها النبي ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ لا محالة، لأن الدنيا ليست دار قرار، والمشركون في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت.\n\n<span id=\"aya-4089\"></span>﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٣١)\n٣١ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ إذ لا سبيل لردع المشركين عن شركهم رغم الدلائل القاهرة، بسبب تمسكهم بالتقليد وابتعادهم عن الفكر المستقل، فلا ينفتحون على الحقيقة إلا في الآخرة.","vol":"3","page":491},{"text":"<span id=\"aya-4090\"></span>﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٣٢)\n٣٢ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بزعم تعدد الآلهة، أو الزعم بتجسد الإله في بشر، أو بنسب بعض خصائص الألوهية للقديسين والأولياء ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ﴾ كذّب ببعثة النبي ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ مثوى لا مفرّ منه، والسبب أن الكافر يجلب الدمار على نفسه.\n\n<span id=\"aya-4091\"></span>﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣)\n٣٣ - ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هم الرسل والأنبياء ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم أتباع الرسل ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يتّقون عذاب جهنم، بنتيجة أعمالهم المترتبة على تصديق الرسل.\n\n<span id=\"aya-4092\"></span>﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٤)\n٣٤ - ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من حسن المآب ﴿ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا العبادة والعمل.\n\n<span id=\"aya-4093\"></span>﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٥)\n٣٥ - ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بعد أن صدّقوا الرسل وعملوا بحسب صدقهم، يسقط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أجورهم متناسبة مع أحسن أعمالهم.\n\n<span id=\"aya-4094\"></span>﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٦)\n٣٦ - ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ عطف على الآية (٣٣)﴾، والمقصود أن الله تعالى يكفي عبده محمدا ﷺ شرور الكفار، كما يكفي غيره من الرسل ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ أيها الرسول، أو أيها المؤمن ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الآلهة","vol":"3","page":492},{"text":"المزعومة، والمنسوب إليهم من خصائص الألوهية أحياء كانوا أم أمواتا، كما يخوفونك بالزعامات وأصحاب النفوذ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ لدرجة أن يغفل عن كفايته تعالى لعبده ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ يهديه إلى خير ما.\n\n<span id=\"aya-4095\"></span>﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ﴾ (٣٧)\n٣٧ - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ ليس من مضلّ يستطيع أن يصرفه عن طريق الخير ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالب على أمره ﴿ذِي اِنْتِقامٍ﴾ ينتقم من مروّجي الشر، والانتقام بهذا المعنى يفيد تحقيق العدالة.\n\n<span id=\"aya-4096\"></span>﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣٨)\n٣٨ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقولون ذلك بصورة عفوية؛ لأن فطرة العقل شاهدة بصحة هذا القول ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الشركاء المزعومين أو الأشخاص المؤلهين ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ لا يستطيعون كشف الضر إذ لا خالق سواه ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ فيمنعهاسبحانه عني؟ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ يكفيني في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته.\n\n<span id=\"aya-4097\"></span>﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٩)\n٣٩ - ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ الذين تنكرون الحقيقة ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ اعملوا كل ما بإمكانكم في الإنكار، فالعواقب تعود عليكم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ كل ما بإمكاني في سبيل الله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في المستقبل القريب والبعيد:\n\n<span id=\"aya-4098\"></span>﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾","vol":"3","page":493},{"text":"٤٠ - ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الحياة الدنيا، والمغزى أنّ استسلام المجتمع للكفر وللقيم الزائفة يؤدي به إلى الانحطاط الروحي، ومن ثمّ إلى الكوارث الاجتماعية والعذاب الدنيوي ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-4099\"></span>﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٤١)\n٤١ - عودة لموضوع الآيات (٢٨، ٢٧، ٢٣، ١٨، ٢، ١):\n﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿لِلنّاسِ﴾ لأجل الناس قاطبة ولأجل مصالحهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ متضمنا ومبيّنا الحق ﴿فَمَنِ اِهْتَدى﴾ بهدي القرآن ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ يكون ذلك لمنفعته ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن هدي القرآن ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يكون ذلك وبالا عليه ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لا تستطيع، وليس من واجبك أن تجبرهم على الهدى، فلست مسؤولا عن سلوكهم وما وظيفتك إلاّ البلاغ.\n\n<span id=\"aya-4100\"></span>﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٢)\n٤٢ - قال الرازي عن ارتباط هذه الآية بما قبلها: إن الهداية أشبه بالحياة واليقظة، والضال أو الغافل الذي يتوصل للهداية أشبه بالنائم الذي يستيقظ على الحقيقة، كما أنّ الضلال أشبه بالموت، انظر [الأنعام ١٢٢/ ٦]:\n﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ التوفّي يعني أخذ الشيء وافيا، وقد استعمل التعبير مجازا بمعنى الموت لأن الإماتة تقتضي استيفاء جميع الإشارات الحيوية من النفس بشكل دائم ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ تشبيه النوم بالموت لأن الأنفس وقت النوم تبدو غائبة عن الوعي مؤقتا وإلى حدّ ما ﴿فَيُمْسِكُ﴾ الله تعالى الأنفس ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الدائم ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ يرسل الأنفس النائمة فيعيدها إلى اليقظة ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى حين موتها الدائم،","vol":"3","page":494},{"text":"ويجب الانتباه هنا إلى دقيقة وهي التفريق بين النفس وبين الروح، فالموت هو للنفس، أما الروح فلا تموت بل تستمر في الحياة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كيفية تعلق الأنفس بالأجساد، والفرق بين النفس والروح.\n\n<span id=\"aya-4101\"></span>﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٣)\n٤٣ - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ مع كل هذه البراهين القاهرة على قدرته تعالى، فإن معظم الناس يميلون إلى تجاهلها، بل يظنون أن الشفيع يمكنه أن يشفع من دون إذنه تعالى، وقد نقض القرآن الكريم ظنهم بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كانُوا﴾ الشفعاء ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ من المقدرة ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم إما جمادات أو أموات أو شخصيات مؤلهة أو آلهة مزعومة.\n\n<span id=\"aya-4102\"></span>﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤٤)\n٤٤ - ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ يملك الشفاعة كلها، فلا يستطيع أحد أن يشفع عنده إلا أن يكون المشفوع له مرتضى والشفيع مأذونا له بالشفاعة، وما في ذلك من تكريم للشفيع والمشفوع له ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يتصرف أحد بدون إذنه ورضاه ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتتحقق العدالة في الآخرة على أتم وجه.\n\n<span id=\"aya-4103\"></span>﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٥)\n٤٥ - ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ ولم تذكر معه آلهتهم ﴿اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لأن الإيمان بالآخرة يتضمّن اعترافهم بالمسؤولية الأخلاقية ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من المعبودات الوهمية ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لأن تلك المعبودات لا تفرض عليهم أي مسؤولية.","vol":"3","page":495},{"text":"<span id=\"aya-4104\"></span>﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤٦)\n٤٦ - نتيجة الخلاف بين المؤمنين والكفار: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق، انظر شرح [الأنعام ١٤/ ٦]، ﴿عالِمَ الْغَيْبِ﴾ الغيب ما يغيب عن إدراك البشر ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ما تدركه حواسهم من عالم المشاهدة ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ من المهتدين، ومن الضالين، المشار إليهم بالآيات (٤١ - ٤٥)، ﴿فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من العقائد، لأن الإنسان مكرّم بالعقل وبحرية الخيار فيتحمل مسؤولية خياره كما هو مذكور في الآيات التالية:\n\n<span id=\"aya-4105\"></span>﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٤٧)\n٤٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ظلموا أنفسهم بالكفر وبإنكار الآخرة ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ المغزى أن جميع أعمالهم (الحسنة) في الحياة الدنيا، ولو كانت مضاعفة، تذهب هباء فلا تفديهم من عذاب يوم القيامة للسبب المذكور تاليا: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ يصبح واضحا لهم أن مآل الإنسان في الآخرة، وسعادته أو تعاسته فيها، مترتبة بشكل طبيعي على سلوكه وحسن استخدام ملكاته العقلية في الدنيا من الإيمان أو الكفر.\n\n<span id=\"aya-4106\"></span>﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٤٨)\n٤٨ - ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ من عقائد فاسدة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاطت بهم حقيقة الحياة بعد الموت، والحقائق التي جاء بها الأنبياء والرسل، بعد أن كانوا يستهزئون بها.\n﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾","vol":"3","page":496},{"text":"٤٩ - بعد أن بينت الآية (٤٣) إنهم اتخذوا شفعاء من دون الله، وإن قلوبهم تشمئز من ذكر الله وحده، الآية (٤٥)، تضيف هذه الآية خصلة أخرى من خصالهم الفاسدة:\n﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ يفزعون إلى الله تعالى عند وقوعهم في الضرّ من مرض أو فقر ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ أعطيناه على سبيل التفضّل ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ كالعافية والغنى ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أوتيت النعمة أو شيء منها ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي استحقاقي لها كان بسبب مهارتي وحذاقتي لا غير ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ردّ لقوله ذلك، فهي فتنة على سبيل الاختبار المقصود منها إظهار حقيقة المفتونين أو لتصفيتهم وتمحيصهم، انظر شرح [الأنفال ٢٥/ ٨]، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون أن التخويل كان على سبيل الاختبار، كي تبرز خصال المرء إلى حيّز الواقع.\n\n<span id=\"aya-4108\"></span>﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥٠)\n٥٠ - ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لأن الكلام عن جنس الإنسان ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا، وما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل.\n\n<span id=\"aya-4109\"></span>﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٥١)\n٥١ - ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ من الأعمال والعقائد الفاسدة ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ﴾ المشركين في كل زمن ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ فتلك قاعدة عامة، لأنّ أمور الدنيا والآخرة لا تسير اعتباطا ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا يستطيعون التنصل من العواقب ولا الهرب منها.\n\n<span id=\"aya-4110\"></span>﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾","vol":"3","page":497},{"text":"٥٢ - استمرار الخطاب من الآية (٤٩): ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أن يبسط ﴿وَيَقْدِرُ﴾ لمن يشاء أن يقدر، فلا يكون للإنسان يد في ذلك ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ إشارات ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بمدلولات الأمور والحكمة منها، فكم من عاقل كادح قدر عليه رزقه، وكم من جاهل مبذّر بسط له في رزقه.\n\n<span id=\"aya-4111\"></span>﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٣)\n٥٣ - ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الذين أفرطوا في المعاصي، من أمثال المشار إليهم بالآية (٤٩)، ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ لا تيأسوا من مغفرته سبحانه، فتوبوا إليه قبل أن تداهمكم المنية وقبل فوات أوان التوبة، انظر الآية التالية (٥٤)، ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ بالتوبة والإنابة، انظر شرح آية [النساء ٤٨/ ٤] حيث تستثني الشرك لما فيه من مذلة للإنسان ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ المراد؛ التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مفرّ له من العذاب البتة، لأن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله، فعليه أن يتوب ويعود عن غيّه عاجلا قبل الفوات، انظر قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١١٠/ ٤].\n\n<span id=\"aya-4112\"></span>﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (٥٤)\n٥٤ - استمرار الخطاب، والمغزى: لا تقنطوا من رحمة الله فتظنوا أنه لا يقبل توبتكم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ ارجعوا إليه وتوبوا ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ﴾ في الدنيا قبل الآخرة ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ بعد فوات أوان التوبة، وفي الحديث: «من آيس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله، ولكن","vol":"3","page":498},{"text":"لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله تعالى عليه»، ذكره الألوسي، وأخرجه الطبري، وفي الآية التالية الأمر باتّباع هدي القرآن قبل مجيء العذاب بغتة:\n\n<span id=\"aya-4113\"></span>﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٥)\n٥٥ - ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن الكريم ختمت به الرسالات السماوية، انظرالآية (١٨)، اتّبعوا هديه وتعاليمه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً﴾ فجأة بلا سابق إنذار ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بقرب وقوعه.\n\n<span id=\"aya-4114\"></span>﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ (٥٦)\n٥٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة والمعنى: أنذركم وآمركم باتّباع هدي القرآن كراهة أن تقول نفس بعد فوات الأوان: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ التفريط هو التقصير، والمعنى حصول الحسرة، في وقت متأخر، على التقصير في طاعة الله ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ اعتراف الجاحد المقصّر أنه كان من المستهزئين بالحقيقة وبدين الله تعالى وأهله.\n\n<span id=\"aya-4115\"></span>﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥٧)\n٥٧ - ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ نسي الجاحد أو تناسى أن الله تعالى أنعم عليه بنعمة العقل، وببعث الرسل، وتنزيل الوحي، وحرية الخيار، فلم يستفد منها في دنياه شيئا.\n\n<span id=\"aya-4116\"></span>﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٨)\n٥٨ - ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ عودة إلى الدنيا مرة ثانية ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ زعم الجاحد أن لو كانت له فرصة أخرى في الدنيا لكان من المحسنين، وهذا الزعم تكذّبه الآية التالية، انظر شرح آية","vol":"3","page":499},{"text":"الأنعام: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦].\n\n<span id=\"aya-4117\"></span>﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاِسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٥٩)\n٥٩ - ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ في الحياة الدنيا ﴿فَكَذَّبْتَ بِها﴾ ولم تستفد من نعمتي العقل والوحي ﴿وَاِسْتَكْبَرْتَ﴾ أعمى الاستكبار بصيرتك ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ تعمّدت تغييب الحقيقة عن نفسك.\n\n<span id=\"aya-4118\"></span>﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٦٠)\n٦٠ - ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ بأن زعموا له شركاء، أو زعموا أن الله يتجسد على شكل بشر، أو نسبوا من صفات الألوهية للزعماء والأولياء ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ من الذل والهوان، فهي مسودّة على المجاز أو في الحقيقة، كناية عن تعاستهم، على النقيض من الذين ابيضّت وجوههم، انظر [آل عمران ١٠٧/ ٣]، الذين في غاية السعادة ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ فبعد أن كانوا متكبّرين في حياتهم الدنيا أصابهم الذل والهوان في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-4119\"></span>﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦١)\n٦١ - ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ أي بفوزهم على أنفسهم وشهواتهم ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ يسلمون من أي مكروه ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا يحزنون على فوات شيء من دنياهم.\n\n<span id=\"aya-4120\"></span>﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢)\n٦٢ - ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ هو الوكيل على خلقه، يتولّى حفظ مخلوقاته، فالأشياء محتاجة إليه في بقائها، وتستمدّ وجودها منه.","vol":"3","page":500},{"text":"<span id=\"aya-4121\"></span>﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٦٣)\n٦٣ - ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مفاتيح الغيب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ جحدوها ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ يخسرون أنفسهم، وليس أكبر من خسارة النفس.\n\n<span id=\"aya-4122\"></span>﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ (٦٤)\n٦٤ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي أو أيها المؤمن: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ الذين تجهلون الصواب من الخطأ، والحق من الباطل؟ أي تريدون منّي عبادة الأوهام والزيف؟\n\n<span id=\"aya-4123\"></span>﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٥)\n٦٥ - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها النبي، وأيها الإنسان ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ بالله تعالى ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يفشل ويبطل ثوابه ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ المشار إليهم بالآية (٦٣).\n\n<span id=\"aya-4124\"></span>﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٦)\n٦٦ - ﴿بَلِ اللهَ﴾ وحده ﴿فَاعْبُدْ﴾ إنقاذا لك من مذلة الشرك والهوان ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لله أن منحك نعمة العقل وأتبعها بالوحي.\n\n<span id=\"aya-4125\"></span>﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٧)\n٦٧ - عودة إلى موضوع الآيات (٦٠ - ٦١)، حيث تلخص هذه الآية إلى آخر السورة مآل المؤمنين الذين أخلصوا العبادة في مقابل مآل الكفار الذين اختاروا تغييب الحقيقة عن ناظرهم:","vol":"3","page":501},{"text":"﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لم يفهموه حق الفهم، ولم يدركوا كنهه، والخطاب عن المشركين ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ الكون بكامله لا شيء بالنسبة إليه ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ اليمين كناية عن سيطرته الكاملة، وهيمنته سبحانه على ملكه ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيها له عن الشركاء العاجزين عن أي شيء من ذلك.\n\n<span id=\"aya-4126\"></span>﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٦٨)\n٦٨ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أغشي عليهم ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ هم المشار إليهم بقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل ٨٩/ ٢٧]، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-4127\"></span>﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٩)\n٦٩ - ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ انظر قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٣٥/ ٢٤]، ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي صحائف الأعمال، انظر قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ يشهدون بأداء رسالاتهم ﴿وَالشُّهَداءِ﴾ يشهدون على أنفسهم، انظر قوله تعالى: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام ١٣٠/ ٦]، وقوله تعالى:\n﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤/ ٢٤]، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ بل تتحقق العدالة على أكمل وجه.\n\n<span id=\"aya-4128\"></span>﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾","vol":"3","page":502},{"text":"٧٠ - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ من خير أو شر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ الله تعالى أعلم بما كانوا يفعلون في دنياهم، فيحاسبهم بأعمالهم، انظر قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].\n\n<span id=\"aya-4129\"></span>﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧١)\n٧١ - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ جماعات ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ على سبيل التوبيخ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من جنسكم ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ﴾ من الوحي الذي نزل لمصلحتكم ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ يوم القيامة ﴿قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أقرّوا بسوء اختيارهم، ومعصيتهم بلا توبة.\n\n<span id=\"aya-4130\"></span>﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٧٢)\n٧٢ - ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ الذين تكبّروا على الأنبياء والرسل والوحي، وهكذا تبيّن الآية أن الكبرياء الزائف أصل الكفر، انظر قوله: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل ٢٢/ ١٦].\n\n<span id=\"aya-4131\"></span>﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٧٣)\n٧٣ - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أبوابها مفتّحة لهم قبل وصولهم ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ من المعاصي ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾.","vol":"3","page":503},{"text":"<span id=\"aya-4132\"></span>﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (٧٤)\n٧٤ - ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أرض الجنة مجازا ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-4133\"></span>﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٥)\n٧٥ - ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ مجازا، لأن العرش كناية عن سلطانه تعالى على خلقه ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بين العباد ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ على تحقق العدالة.","vol":"3","page":504},{"text":"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\n﷽\n﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾\n[الحجر ١٥/ ٩٠ - ٩٣]","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4254>مقدّمة</span>\n﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت/ ٤٤٤١].\nتتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن البعض، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن حتى أنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم.\nوالمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم، الوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة وطبقا","vol":"4","page":9},{"text":"لمتطلباتها في كل مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد أنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء / ١٠٦١٧]، وما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة.\nفالوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى،\nفهنالك إذا نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما: الأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنالك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي","vol":"4","page":10},{"text":"المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار أن يأتوا بسورة من مثله، والنقطة الثانية أن ترتيب السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب في بيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض.\nوإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ.\nوليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هج ١٢٠٨ / م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هج ١٨٥٤ / م) في تفسيره (روح المعاني) ذات المحاولة الجزئية، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا،\nوقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هج ١٣٩٢ / م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: \"معرفة المناسبات بين الآيات\" فكتب: \"وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة\"، وكتب أيضا: \"قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ،","vol":"4","page":11},{"text":"وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له\"، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: \"أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هج ٩٣٦ / م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قريء عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة\" انتهى.\nوقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم ابن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هج ١٤٨٠ / م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: \"هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه\" فلم يخل من التصنّع والتكلّف،\nومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام / ٦٤٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام / ٦٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام / ١٠٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُورًا﴾ [الإسراء / ٤١١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الإسراء / ٨٩١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ","vol":"4","page":12},{"text":"كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف/ ٥٤١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُورًا﴾ [الفرقان/ ٥٠٢٥]، وهنالك أيضا آيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أو سورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية،\nوتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم وبالتالي عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك.\nمعظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هج ١٠٧٥ / م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١٠ هج ١٥٠٥ / م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السيرة والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم - عدا الفاتحة -، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسما قليلا من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يعتبرها البعض ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!","vol":"4","page":13},{"text":"واليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذو إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن البعض منها قد يناقض بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): \"وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال:\" نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها\".\nوالنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشير الآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص بها والتعامل معها بحذر شديد.\nكما يبين الملحق (ب) أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده.\nوقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه\" إحياء علوم الدين \"أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه،\nأولا: حين ينصرف همّ القاريء إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل له أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟\nثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له،","vol":"4","page":14},{"text":"ثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا،\nرابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة،\nومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني وبالتالي المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاث مواضيع:\n١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض.\n٢ - بيان موضوع كل سورة أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله.\n٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة.\nوفي العصر الحديث، وفي الباكستان بالذات، قام أحد علمائهم وهو مولانا أمين احسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا.\nوقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، مما يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عندما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه \"نظم الدرر\" في كثير من","vol":"4","page":15},{"text":"الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف / ٩٩١٨]، فالواو في قوله:\n﴿وَتَرَكْنا﴾ واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين،\nوآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.\n\nشوال ١٤٢٣ هـ - ديسمبر ٢٠٠٢ م\nمحمد فاروق فارس الزين\nfaruk@zein.org\n\n<span data-type='title' id=toc-4255>مراجع الكتاب:</span>\n١ - رسالة القرآن - محمد أسد.\n٢ - التفسير الكبير - الرازي.\n٣ - الكشاف - الزمخشري.\n٤ - روح المعاني - الألوسي.\n٥ - جامع أحكام القرآن - القرطبي.\n٦ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي.\n٧ - أنوار التنزيل - البيضاوي.\n٨ - كيف نتعامل مع القرآن العظيم - الشيخ د. يوسف القرضاوي.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4256>سورة غافر - ٤٠ - مكية</span>\nهذه أولى سور الحواميم السبعة، أي التي تبدأ بحرفي ﴿حم﴾، وهي: (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف) وقد نزلت جميعا في النصف الثاني من الفترة المكية، وتفتتح ببيان أصالة القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4257>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتركيز سورة الزمر المتقدمة على براهين التوحيد ودحض الشرك، وأنّ أحسن الهدي الإسلام لقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر / ٢٣٣٩]، وأحسن الوحي القرآن: ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر / ٥٥٣٩]، وأنّ الله تعالى كرّم العباد في الدنيا بحرية الخيار بلا إكراه، وحسابهم على الله في الآخرة: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر / ٤٦٣٩]، لكنّ الجهلة، الذين لا يميزون الحق من الباطل، مصرّون على اتّباع أوهامهم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ [الزمر / ٦٤٣٩]، والتكبّر عن الذكر يورد أصحابه موارد الهلاك: ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر / ٧٢٣٩].","vol":"4","page":17},{"text":"ثمّ تبيّن سورة غافر أنّ الكثير من الناس معرضون عن أحسن الهدي مصرّون على الكفر: ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر / ٥٤٠]، وأنّ ذلك نابع من استكبارهم وغرورهم واعتقادهم بالاكتفاء بما عندهم من العلوم الدنيوية دونما حاجة إلى وحي إلهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر / ٥٦٤٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-4258>محور السورة</span>\nمحور السورة يدور حول الاستكبار الزائف أو الكبر في نفوس المصرّين على الكفر ممّن يظنّون أنفسهم مكتفين ذاتيا بما عندهم من العلم: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [٤/ ٤٠]، فيجادلون الحقّ بالباطل: ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [/ ٥٤٠]، ومن صفات المصرّ على الكفر المتمسّك بالباطل أن يكون - لشدة غروره - متكبرا منكرا للحساب: ﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ [/ ٢٧٤٠]،\nومن سننه تعالى في خلقه أنّ المتكبر الجبار يجادل بالباطل بلا برهان يقيني فيطبع على قلبه: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [/ ٣٥٤٠]، فليس من وجود حقيقي للباطل: ﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ [/ ٤٣٤٠]، ولقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [/ ٥٠٤٠]، ولأن شعور المبطلين بالكبر واعتقادهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم ليسا سوى وهم محض، ومن ثمّ ما هم ببالغي الغاية من غرورهم وأهوائهم، لأنهم في الحقيقة يعبدون أوهامهم","vol":"4","page":18},{"text":"وثرواتهم وسلطانهم الزائف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [/ ٥٦٤٠].\nومن سننه تعالى أيضا أنّ الجحود بالآيات يصرف أصحابه عن بلوغ الحقيقة:\n﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [/ ٦٣٤٠]، وكذا الجدل بالباطل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ﴾ [/ ٦٩٤٠]، ثم يكتشف المستكبرون ويقرّون، بعد فوات الأوان، أنّ الباطل لم يكن سوى وهم: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ [/ ٧٣٤٠ - ٧٣]، بعد أن كانوا يخدعون أنفسهم بإنكار أي حقيقة مهما كانت باهرة إذا كانت تخالف شعورهم بالأهمية وبالكبر: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [/ ٨٣٤٠]، أي بعد أن كانوا مبتهجين بمعارفهم ومكتفين بذواتهم، وشعورهم بعدم الحاجة إلى الوحي الإلهي حاقت بهم، بعد الفوات، حقيقة الوحدانية والحساب الذي أصرّوا على نكرانه وكانوا يستهزئون به من قبل.\nوكما هي العادة في القرآن الكريم تبين السورة هذه النقاط بالإشارة إلى قصص الأقوام والحضارات البائدة،\n\n<span data-type='title' id=toc-4259>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4134\"></span>\n\n<span id=\"aya-4135\"></span>تبدأ السورة بتأكيد أصالة القرآن الكريم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (١ - ٢)، وهذا التأكيد يتكرر في أوائل سور ال ﴿حم﴾ السبعة من زوايا مختلفة،","vol":"4","page":19},{"text":"وأنه تعالى أنعم على عباده بالعدالة بحيث يؤول مصير الجميع إليه لتحقيقها:\n\n<span id=\"aya-4136\"></span>﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣)،\n\n<span id=\"aya-4137\"></span>ثم تنتقل السورة إلى موضوعها الرئيسي وهو جدل المصرّين على الكفر، المبتهجين بما عندهم من \"العلم\"، في حين يبدو لمن يغترّ بالمظاهر أنهم يفعلون ما يشاؤون في الدنيا بلا حساب: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ (٤)،\n\n<span id=\"aya-4138\"></span>وتضرب السورة مثلا بالمجادلين قبلهم من الأمم البائدة الذين حاولوا دحض الحق بالجدل بالباطل - وهو أمر مستمر إلى اليوم -: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ (٥)،\n\n<span id=\"aya-4139\"></span>ثم يكون عذاب المكذّبين عاقبة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الباطل:\n﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ (٦)،\n\n<span id=\"aya-4140\"></span>\n\n<span id=\"aya-4141\"></span>\n\n<span id=\"aya-4142\"></span>في مقابل مغفرته تعالى للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧ - ٩)،\n\n<span id=\"aya-4143\"></span>\n\n<span id=\"aya-4144\"></span>وأن الله تعالى - كما يفرح بتوبة عباده - فهو يمقت لهم الكفر أكثر من مقت الكفار لأنفسهم يوم يقرّون بالحقيقة ويعاينون العذاب، ويندمون على ما كانوا عليه من ضلال وإصرار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ﴾","vol":"4","page":20},{"text":"﴿أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ * قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١٠ - ١١)،\n\n<span id=\"aya-4145\"></span>\n\n<span id=\"aya-4146\"></span>﴿وأن مشكلة أمثالهم تكمن في الشرك وما به من حطّ لكرامة الإنسان وامتهان لعقله الذي كرّمه تعالى به: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٢ - ١٣)،\n\n<span id=\"aya-4147\"></span>في حين أنّ الإخلاص لله وحده يعفي الإنسان من عبادة الأوهام، ومن الخيلاء والغرور، ومن الجري وراء أطماع زائلة كالسلطة أو الثروة أو الزعامات: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (١٤)،\n\n<span id=\"aya-4148\"></span>\n\n<span id=\"aya-4149\"></span>\n\n<span id=\"aya-4150\"></span>\n\n<span id=\"aya-4151\"></span>\n\n<span id=\"aya-4152\"></span>وقد أنذرهم تعالى بالوحي وأنه يوم الحساب لا تخفى منهم خافية: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ * الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ * يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١٥ - ١٩)،\n\n<span id=\"aya-4153\"></span>وأن الأمر كله بيد الله، أما الشركاء المزعومون من أولياء وأضرحة وقديسين وملائكة وزعماء فليس بيدهم شيء البتة: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢٠)،\n\n<span id=\"aya-4154\"></span>وأن العاقل يعتبر بما مضى من تاريخ الأمم وعاقبة الكفار والمستكبرين: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١)﴾،","vol":"4","page":21},{"text":"<span id=\"aya-4155\"></span>﴿وأن إنكار رسالات الرسل أدّى بالمستكبرين إلى سوء العاقبة: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢٢)،\n\n<span id=\"aya-4156\"></span>\n\n<span id=\"aya-4157\"></span>\n\n<span id=\"aya-4158\"></span>وتضرب السورة مثلا بقصة فرعون مع موسى وإنكار فرعون للرسالة وكيده ضد من آمن له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ * إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ * فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاِسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ (٢٣ - ٢٥)\nلكن مكر وتخطيط الكافرين صائر إلى الفشل: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (٢٥)،\n\n<span id=\"aya-4159\"></span>وأن التشنج الفكري والخوف أمام الحقيقة - بالإضافة للتمسك بمطامع الدنيا - أسباب كافية للنكران، عند أصحابها: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ (٢٦)،\n\n<span id=\"aya-4160\"></span>وأنّ الكبر ليس سوى إنكار لمسؤولية الفرد الأخلاقية أمام حسابه في الآخرة:\n﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ (٢٧)،\n\n<span id=\"aya-4161\"></span>وأن محاربة حرية الفكر من طبيعة الطغاة: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وأن رسالة موسى من الوضوح بحيث يستحيل أن يكون موسى مسرفا كاذبا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨)﴾،","vol":"4","page":22},{"text":"<span id=\"aya-4162\"></span>﴿وأن الغرور بالازدهار الحاضر ليس سوى قصر نظر خادع: ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا﴾ (٢٩) وأن القسر والقهر وادعاء الرشد والزعم باحتكار الحقيقة من دأب الطغاة:\n﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾،\n\n<span id=\"aya-4163\"></span>\n\n<span id=\"aya-4164\"></span>\n\n<span id=\"aya-4165\"></span>\n\n<span id=\"aya-4166\"></span>ومع ذلك فمن الواجب إبلاغ المصرّين على الكفر وإنذارهم: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ * وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٠ - ٣٣)،\n\n<span id=\"aya-4167\"></span>وأنّ من درجوا على تكذيب الرسل في موقع الاستخفاف وخداع النفس، فقد شكّك المصريون ببعثة يوسف إليهم قبل موسى بأربعة قرون: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ (٣٤)،\n\n<span id=\"aya-4168\"></span>ثم تعود السورة إلى موضوع الكبر الذي هو سمة المجادلين المكتفين بما عندهم من \"العلم\" ما يغلق عقولهم أمام أي معرفة مخالفة لما اعتادوا عليه:\n﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ (٣٥)،\n\n<span id=\"aya-4169\"></span>\n\n<span id=\"aya-4170\"></span>وقد نسب تعالى الطبع على القلوب إلى ذاته العليّة - مع أنه نتيجة ميل الإنسان وخياره - لأن كل شيء يسير وفق سننه تعالى في الكون، وبنتيجة الطبع على القلوب يهيم الطغاة في طغيانهم: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ * أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾","vol":"4","page":23},{"text":"﴿كاذِبًا﴾ (٣٦ - ٣٧) فيرى الطغاة سوء أعمالهم حسنات، لأن الطغيان أول ما يطغى على عقل صاحبه فيضلّه عن الطريق القويم: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٣٧) ثم يقوده إلى هلاك محتّم: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ (٣٧)،\n\n<span id=\"aya-4171\"></span>\n\n<span id=\"aya-4172\"></span>\n\n<span id=\"aya-4173\"></span>\n\n<span id=\"aya-4174\"></span>﴿غير أنه لا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الدعوة إلى الإسلام: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ * يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ * وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ﴾ (٣٨ - ٤١)،\n\n<span id=\"aya-4175\"></span>\n\n<span id=\"aya-4176\"></span>\n\n<span id=\"aya-4177\"></span>\n\n<span id=\"aya-4178\"></span>\n\n<span id=\"aya-4179\"></span>بالمقارنة مع دعوة الكفار للناس - كما هي حال الكنيسة والمنصّرين اليوم - إلى أوهام لا وجود لها: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ * لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ * فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ (٤٢ - ٤٦)،\n\n<span id=\"aya-4180\"></span>\n\n<span id=\"aya-4181\"></span>وفي عذاب الآخرة يستوي المستكبرون وأتباعهم، لأنّ الأتباع - ضعاف العقول - استخفّوا بنعمة العقل فلم يستفيدوا منها في دنياهم: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ * قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ (٤٧ - ٤٨)،\n\n<span id=\"aya-4182\"></span>\n\n<span id=\"aya-4183\"></span>فلا يفيدهم الندم ولا ما كانوا يدعون من آلهة خيالية وشركاء مزعومين:\n﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ *﴾","vol":"4","page":24},{"text":"﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (٤٩ - ٥٠)،\n\n<span id=\"aya-4184\"></span>\n\n<span id=\"aya-4185\"></span>﴿والنتيجة أنه تعالى ينصر رسله والمؤمنين في الدنيا والآخرة: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ (٥١ - ٥٢)،\n\n<span id=\"aya-4186\"></span>وفي حين رفض فرعون وقومه رسالة موسى وهديه فقد حمّل بنو إسرائيل عبء الرسالة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ﴾ (٥٣)،\n\n<span id=\"aya-4187\"></span>غير أن الهدى لا يستفيد منه إلاّ ذوو الألباب: ﴿هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٥٤)،\n\n<span id=\"aya-4188\"></span>أما من أغلقوا عقولهم وتوارثوا القيم الزائفة عن آبائهم فلا بد من الصبر معهم: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ (٥٥)،\n\n<span id=\"aya-4189\"></span>كما لا بد من الصبر مع المجادلين في الوحي بلا برهان يقيني إذ هم مستكبرون بأوهام لا يمكن بلوغها - موضوع الآيات ٣٥، ٥، ٤ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥٦)،\n\n<span id=\"aya-4190\"></span>وأن خلق الإنسان ليس سوى جزء يسير جدا من خلق الكون الهائل، فمن التفاهة أن يخالط الكبر نفس الإنسان أو يظن نفسه محور الكون: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٧)،\n\n<span id=\"aya-4191\"></span>ومن عمي عن الحقيقة ليس كمن يراها: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾،","vol":"4","page":25},{"text":"<span id=\"aya-4192\"></span>﴿بل إنهم لشدة استكبارهم وإنكارهم لمسؤوليتهم الأخلاقية ينكرون إمكانية انتهاء العالم المادي: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٩)،\n\n<span id=\"aya-4193\"></span>مع أنّ باب الهدى والتوبة والدعاء الحقّ مفتوح لهم: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ (٦٠)،\n\n<span id=\"aya-4194\"></span>\n\n<span id=\"aya-4195\"></span>والآيات ماثلة أمامهم فكيف يصرفون عنها؟ ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٦١ - ٦٢)،\n\n<span id=\"aya-4196\"></span>ويصرّون على خداع أنفسهم: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٦٣)،\n\n<span id=\"aya-4197\"></span>ولا يدركون مغزى الخلق ومعجزاته: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٦٤)،\n\n<span id=\"aya-4198\"></span>\n\n<span id=\"aya-4199\"></span>بل يصرّون على الشرك والشركاء الموهومين، رغم البيّنات الداعية للإخلاص: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦٥ - ٦٦)،\n\n<span id=\"aya-4200\"></span>\n\n<span id=\"aya-4201\"></span>ومن هذه البيّنات خلق الإنسان في أطوار ثمّ وفاته: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ كل ذلك ممّا يوجب","vol":"4","page":26},{"text":"استخدام العقل على النحو السليم: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦٨ - ٦٧)،\n\n<span id=\"aya-4202\"></span>﴿لكنهم أصرّوا على تغييب الحقيقة عن ناظرهم رغم بعث الرسل ودلائل القدرة الإلهية والخلق ومعجزات الكون: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ﴾ (٦٩)،\n\n<span id=\"aya-4203\"></span>\n\n<span id=\"aya-4204\"></span>\n\n<span id=\"aya-4205\"></span>\n\n<span id=\"aya-4206\"></span>\n\n<span id=\"aya-4207\"></span>ولم يعوا الكتب والوحي والرسل، فإنكار القرآن إنكار لكل ما سبقه من الكتب والوحي: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ (٧٠) ثم يأتي إدراكهم للحقيقة متأخرا وبعد الفوات: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٧٠ - ٧٤) وحينئذ يدركون ويقرّون أنّ ما كانوا يعبدون من قوى خيالية وقيم زائفة وسلطة مادية بنتيجة الجري وراء الدنيا لم تكن جميعا سوى وهم محض: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ (٧٤) غير أن ضلالهم كان بمحض اختيارهم فالله تعالى لم يكن ليجبرهم على الهدى: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ (٧٤) بل يتركهم لخيارهم،\n\n<span id=\"aya-4208\"></span>إذ يخدعون أنفسهم باتّباع الأهواء والحماقات: ﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (٧٥)،\n\n<span id=\"aya-4209\"></span>ثمّ يحصدون جزاء تكبّرهم: ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٧٦)،\n\n<span id=\"aya-4210\"></span>فما على الرسول إذن، وبالتالي على كل مؤمن، سوى الصبر، فالحياة الدنيا ليست سوى برهة وجيزة أمام الحياة الآخرة حيث تتحقق العدالة على أتم وجه:\n﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾،","vol":"4","page":27},{"text":"<span id=\"aya-4211\"></span>﴿وأنّ آيات الله من القوة والإعجاز بحيث يستحيل على الرسول - أو من قبله من الرسل - أن يأتي بها من عنده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (٧٨) فمن يحاول إقناع نفسه ببطلان الوحي أو بطلان المسؤولية أو التشكيك بالعدالة يخسر نفسه: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٧٨)،\n\n<span id=\"aya-4212\"></span>\n\n<span id=\"aya-4213\"></span>\n\n<span id=\"aya-4214\"></span>ثم تختم السورة بالتذكير ببعض نعمه تعالى في الأرض ممّا يبهر العقول: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ (٧٩ - ٨١)،\n\n<span id=\"aya-4215\"></span>وتحثّ الإنسان على الاعتبار بمصير الحضارات البائدة التي لم تنفعها قوّتها، بل أضرّت بها نظرتها المادية المحضة للحياة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٢)،\n\n<span id=\"aya-4216\"></span>فعندما استخفّت بالرسل وبالوحي، وداخلها الغرور والكبرياء بانجازاتها (الفكرية والمادية)، حلّت بها في النتيجة عاقبة ما كانت تنكره من الوحدانية والحساب: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٨٣)،\n\n<span id=\"aya-4217\"></span>فتنهار الحضارات، وتتفكك المجتمعات، وتحل الكوارث بنتيجة الاسترسال في إنكار القيم الروحية والإعراض عن الوحي الإلهي، وبعد فوات الأوان يتبين للمستكبرين زيف العقائد التي طالما خدعوا أنفسهم بها وظنّهم في مقدرتهم (الفائقة) في السيطرة على مقدّراتهم وعلى الطبيعة وعلى الكون بلا حدود:\n﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾،","vol":"4","page":28},{"text":"غير أن إيمان أمثالهم المتأخر لا يفيد لسببين:\nأولا أن عقارب الزمن لا تعود إلى الوراء، فلا يمكن تغيير حقيقة ما وقع،\n\n<span id=\"aya-4218\"></span>﴿وثانيا أن إيمانهم المفاجيء مصطنع إذ لم يكن نتيجة نمو روحي ناتج من قناعة، ولا بنتيجة خيار حر، وإنما هو إلجاء بنتيجة ما حل بهم من كارثة: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾ فمن سننه تعالى في الكون أن الإيمان لا قيمة روحية له إن لم يكن ناتجا عن قناعة داخلية أصيلة في النفس.","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4311>سورة فصّلت - ٤١ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-4312>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nركّزت سورة غافر المتقدمة على استكبار المصرّين على الكفر، وزهوّهم وغرورهم بالباطل وبالأوهام وغلبة الهوى عليهم، وشعورهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم واستغنائهم عن القرآن: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [غافر / ٨٣٤٠]،\nثمّ تبيّن سورة فصّلت أن تصميم الكفار على إنكار القرآن سببه إغلاق عقولهم سلفا، وعدم إعطاء أنفسهم الفرصة لدراسة القرآن دراسة جدية بلا تحيز فكري مسبق: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت ٥/ ٤١]، بل تجازوا ذلك إلى الصد عنه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت / ٢٦٤١]،\n\n<span data-type='title' id=toc-4313>محور السورة</span>\nتدور السورة حول أصالة القرآن الكريم من حيث أنه وحي إلهي مفصّل يستفيد منه منفتحو الذهن الذين لديهم استعداد لدراسة القرآن من حيث جدارته: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾","vol":"4","page":30},{"text":"﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [/ ١٤١ - ٣]، غير أن المصرّين على الكفر يستبعدون سلفا مجرد التفكير في دعوة القرآن بل هم عاملون في الصد عنه: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [/ ٥٤١]، حتى أنهم لا يكتفون بالصد عنه بل يتعمّدون تشويه معانيه والعمل على اللغو فيه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [/ ٢٦٤١]، غير أنّ جهودهم لتشويه القرآن تذهب سدى، لأن الله تعالى تعهّد بأن لا يأتيه الباطل لا بشكل سافر ولا بشكل خفيّ مدسوس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [/ ٤١٤١ - ٤٢] وأن القرآن هدى وشفاء لما في الصدور من الشك والحيرة - لمن لديه استعداد لذلك - أمّا المصممون على إغلاق عقولهم سلفا فلا سبيل للوصول إليهم: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [/ ٤٤٤١]، فما الذي يمنعهم من دراسة القرآن دراسة جدية، بلا تحيّز مسبق، كي يوقنوا بمصدره الحقيقي، فمن لا يفعل ذلك لا ترجى هدايته:\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [/ ٥٢٤١]،\n\n<span data-type='title' id=toc-4314>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4219\"></span>\n\n<span id=\"aya-4220\"></span>﴿تأكيد على أن القرآن وحي إلهي: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (١ - ٢)،\n\n<span id=\"aya-4221\"></span>مفصّل بوضوح لمنفتحي الذهن: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)،","vol":"4","page":31},{"text":"<span id=\"aya-4222\"></span>﴿أما الذين استولت عليهم الغفلة والتشنج الفكري فيفوتهم - من ثمّ - فهم القرآن: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (٤)،\n\n<span id=\"aya-4223\"></span>بل هم مصممون على سلبيتهم فيصرحون بانغلاق فكرهم سلفا عن أية مفاهيم جديدة تناقض ما توارثوه وما اعتادوا عليه، ويترجمون ذلك إلى تحدّ للرسول وإلى عمل ضد الإسلام: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ (٥)،\n\n<span id=\"aya-4224\"></span>\n\n<span id=\"aya-4225\"></span>وقد أجابهم الرسول أنه مجرّد بشر يبلغهم أمر الوحي بالتوحيد والاستقامة والاستغفار عمّا سلف من ذنوبهم، وينذرهم بعاقبة الشرك، وأن الإيمان مرتبط بالزكاة - عمل الخير - وأنّ إنكار أيّ من الإيمان بالله أو الزكاة ليس سوى إنكار للمسؤولية الفردية ومن ثمّ فهو إنكار للآخرة وما يترتب على ذلك من عذاب:\n﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٦ - ٧)،\n\n<span id=\"aya-4226\"></span>وبالمقابل لا ينقطع أجر من يؤمن ويعمل الخير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٨)،\n\n<span id=\"aya-4227\"></span>\n\n<span id=\"aya-4228\"></span>\n\n<span id=\"aya-4229\"></span>\n\n<span id=\"aya-4230\"></span>وأنّ الكفار عمون عن خلق السماوات والأرض وما فيهما من إعجاز وقوانين وسنن باهرة، ولا يدركون أنّ مشيئته تعالى فيهما نافذة لا محالة، وهو سبب إصرارهم على الكفر والشرك: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ * ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٩ - ١٢)،","vol":"4","page":32},{"text":"<span id=\"aya-4231\"></span>\n\n<span id=\"aya-4232\"></span>\n\n<span id=\"aya-4233\"></span>\n\n<span id=\"aya-4234\"></span>﴿بل إنهم عمون عن أخذ العبر من مصير الأمم البائدة قبلهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١٣ - ١٦)،\n\n<span id=\"aya-4235\"></span>ومثل ثمود التي استحبت العمى على الهدي الإلهي فلاقت عاقبة أمرها:\n﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٧)،\n\n<span id=\"aya-4236\"></span>في حين نجا المؤمنون الذي اتقوا العمل السيئ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١٨)،\n\n<span id=\"aya-4237\"></span>\n\n<span id=\"aya-4238\"></span>\n\n<span id=\"aya-4239\"></span>\n\n<span id=\"aya-4240\"></span>ويوم الحساب لا يخفى على الله من أعمال المجرمين شيء: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٩ - ٢٢)،\nونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء / ١٣١٧ - ١٤]،\n\n<span id=\"aya-4241\"></span>وأنّ من حسن الظن بالله أن يحسن المرء العمل، ومن سوء الظن بالله أن يتّبع الإنسان هواه ويتمادى ويسوّف ويتحدّث عن المغفرة فيهلك: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾،","vol":"4","page":33},{"text":"<span id=\"aya-4242\"></span>﴿ولا ينفع الندم في الآخرة إذ يطلبون فرصة دنيوية أخرى فلا يستجاب لهم:\n﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢٤)،\nونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام / ٢٧٦ - ٢٨]،\n\n<span id=\"aya-4243\"></span>وأنّ قرناء السوء - من شياطين الإنس والجن - يزيّنون للمسيئين أعمالهم ويحضّونهم على التمتع بمباهج الحياة - ما بين أيديهم - مطلقا بلا قيود ولا رادع أخلاقي، وينفون لهم حقيقة القيامة والحساب - ما خلفهم - حتى يكفروا بالآخرة أو يستبعدونها فيصبح لديهم شعور زائف بالأمان يؤدي بهم إلى الخسران:\n﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ (٢٥)،\nونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف / ٣٦٤٣]، وقوله تعالى على لسان الغافل مخاطبا قرينه في الآخرة:\n﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف / ٣٨٤٣]،\n\n<span id=\"aya-4244\"></span>بل هم يجتهدون في الصد عن القرآن بزعم أنه من عند محمد أو أنه مقتبس عن الكتب السابقة أو نتيجة هلوسة، والسبب الحقيقي أنه يهدد نظرتهم المادية للحياة - ما بين أيديهم -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦)،\n\n<span id=\"aya-4245\"></span>ثم يذوقون عذاب الآخرة بسوء أعمالهم، وأسوأ العمل الصدّ عن القرآن، إذ لا يكتفون بكفرهم بل يجتهدون بنشر الكفر في غيرهم: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾،","vol":"4","page":34},{"text":"<span id=\"aya-4246\"></span>﴿ويكون خلودهم في العذاب جزاء وفاقا لجحود ما أيقنت نفوسهم أنه حقّ:\n﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (٢٨)،\nونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل / ١٤٢٧]،\n\n<span id=\"aya-4247\"></span>وبعد فوات الأوان يتبرّأ الكفار من قرناء السوء (الآية ٢٥) الذين زيّنوا لهم الدنيا وصدّوهم عن الإيمان بالآخرة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٢٩)،\n\n<span id=\"aya-4248\"></span>\n\n<span id=\"aya-4249\"></span>\n\n<span id=\"aya-4250\"></span>والذين آمنوا بالله وحده، واستقاموا بعمل الخيرات، ينعمون بالسكينة وأنّ الله تعالى مولاهم في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٣٠ - ٣٢)،\n\n<span id=\"aya-4251\"></span>\n\n<span id=\"aya-4252\"></span>وأمّا دفع شرور الكفار - المشار إليها بالآية ٢٦ - فيجب أن يكون بالأحسن وليس بالمثل، والأحسن هو الدعوة إلى الله والقدوة الحسنة بالعمل الصالح:\n﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣٣ - ٣٤)،\n\n<span id=\"aya-4253\"></span>ولا يستطيع ذلك إلاّ من يتحلّى بالصبر والحلم وكظم الغيظ عند الغضب، فيكون بسلوكه هذا ذا حظّ عظيم عند الله تعالى: ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾،","vol":"4","page":35},{"text":"<span id=\"aya-4254\"></span>﴿ولأنه تعالى وحده العليم بما في صدور الناس ودوافعهم في الصدّ عن القرآن، فلا يستجيبنّ المؤمن لنزغ الشيطان في رد السيئة بمثلها، بل يستعيذ بالله منها:\n﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٦)،\n\n<span id=\"aya-4255\"></span>\n\n<span id=\"aya-4256\"></span>وهنا تعود السورة لموضوع الدعوة إلى الإسلام المشار إليها بالآية (٣٣)، وأنّ المستكبرين عن إجابة الدعوة لا يضرّوا الله شيئا: ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٣٧ - ٣٨)،\n\n<span id=\"aya-4257\"></span>وأن إحياء موتى القلوب من الكفار بيده تعالى وحده فلا ييأس المؤمن من هدي الآخرين بل يصبر ويدفع بالتي هي أحسن: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٩)،\n\n<span id=\"aya-4258\"></span>فالله تعالى أعلم بالكفار الملحدين (الآية ٢٦) الذين يحاولون تشويه معاني القرآن، لكنّ رحمته اقتضت إمهالهم ليوم الحساب لعلّ هنالك من يتوب منهم:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤٠)،\n\n<span id=\"aya-4259\"></span>ثم يحصد المصرّون على الكفر والمصرّون على الصدّ عن القرآن سوء عملهم:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ (٤١)،\n\n<span id=\"aya-4260\"></span>وأن جهودهم في اللغو بالقرآن (الآية ٢٦) كما يفعل كثير من المستشرقين اليوم، باطلة، ولن تبلغ غايتها، لأنه تعالى حفظ القرآن من التحريف والتغيير والتبديل، فيستحيل أن يأتيه الباطل لا بشكل خفي ولا بشكل مكشوف: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقالوا","vol":"4","page":36},{"text":"أنّ هذه الآية حجّة على مدّعي النسخ في القرآن الكريم، لأنّ النسخ إبطال، والآية تنصّ أن لا يأتيه الباطل.\n\n<span id=\"aya-4261\"></span>﴿وقد زعم الكفار في الماضي، كما في الحاضر، أن القرآن من عند محمد ﷺ فأغلقوا عقولهم عنه (الآية ٥) والأمر ليس بجديد، فإنكار الوحي الذي نزل على الرسل تكرّر على لسان الكفار في الماضي: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤٣)، والله تعالى يغفر للتائبين، ويلاقي المصرّون عاقبة كفرهم.\n\n<span id=\"aya-4262\"></span>في حين أنّ القرآن شفاء من الشك والحيرة للمؤمنين ذوي الذهن المنفتح، وفي نفس الوقت هو عمى على المصرين على عدم السماع (الآيات ٥ و٢٦) إذ لا يتيحون لأنفسهم فرصة لفهمه: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٤٤) والقرآن نزل بلسان عربيّ مبين لأن الله تعالى اختار العرب لحمل الرسالة للعالم أجمع فوجب أن يكون القرآن بلغتهم،\nونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم / ٤١٤].\n\n<span id=\"aya-4263\"></span>وأن الاختلاف في الرأي والمعتقد مقصود في الخلق وليس مصادفة، إذ كرّم الله تعالى بني آدم بحرية الخيار لكي يستفيدوا - من تلقاء أنفسهم - من عقولهم ومن الوحي الذي نزل على الأنبياء، فليس من الضرورة أن يعاجل الكفار بالعقوبة في الدنيا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾،","vol":"4","page":37},{"text":"<span id=\"aya-4264\"></span>﴿ولذا بإمكان الإنسان أن يعمل صالحا - لنفسه - أو سيئا فيعود الضرر عليه، وقد تتحقق العدالة في الدنيا، أما في الآخرة فهي تتحقق على أتم وجه: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤٦)،\n\n<span id=\"aya-4265\"></span>وأما علم الساعة والغيب فعنده تعالى وحده ما ينفي ادعاء المدّعين بحسابها معتمدين على شركاء موهومين: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ (٤٧)،\n\n<span id=\"aya-4266\"></span>ثم يقرّون يوم القيامة أن ما كانوا يدعون في الدنيا لم يكن سوى أوهام ومصالح دنيوية: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٤٨)،\n\n<span id=\"aya-4267\"></span>ومن الناس من يكثر الدعاء لنفسه بالخير فإذا لحقت به أقل مصيبة وقع في حالة من اليأس والقنوط الروحي: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ (٤٩)،\n\n<span id=\"aya-4268\"></span>ثمّ يظن أن ما يحصل عليه من نعم - بعد الشدّة - إنما استحقه بمجهوده الصرف لا غير، فتغلب عليه عقليته المادية حتى يشكك بوقوع الساعة والحساب، ولشدة غروره يزيّن لنفسه أنها لو وقعت يضمن أنّ مآله سيكون حسنا: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾ فيذوق الكفار العذاب بنتيجة حالة العمى الروحي التي كانوا عليها في دنياهم لقوله: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء / ٧٢١٧]","vol":"4","page":38},{"text":"<span id=\"aya-4269\"></span>﴿فمن أعمته المادة يتكبّر ويعرض عن الله في حال إقبال الدنيا عليه، ثمّ يدعوه في حال إدبارها: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ (٥١)،\n\n<span id=\"aya-4270\"></span>وهنا تعود السورة للنقطة التي بدأت منها (بالآية ٢) فتخاطب السورة الذين يتخبطون في الشك بين الحق والباطل، وبين مادية الدنيا وحتمية الآخرة، أن ينفوا الشكوك ويؤمنوا بالقرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢)،\n\n<span id=\"aya-4271\"></span>وتختم السورة بالعودة إلى موضوع (الآيات ٥ و٢٦ و٤٤) فتحضّ المنكرين على التفكير في كون القرآن منزلا قبل وقوع العاقبة المترتبة على تشنجهم الفكري، وأنه تعالى سوف يريهم الآيات في أنفسهم وفي الآفاق من خلال تعميق إدراكهم لمعجزة خلق الكون ومزيد من الفهم للنفس البشرية حتى يتبين لهم وجود الخالق المدبّر: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٥٣).\n\n<span id=\"aya-4272\"></span>وفي حين أنهم يشكّكون في الساعة والحساب فإنّ الله تعالى محيط بهم وبأعمالهم، فلا شيء يذهب سدى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾.","vol":"4","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4354>سورة الشورى - ٤٢ - مكية</span>\nاشتق اسم السورة من كلمة (الشورى) المذكورة بالآية (٣٨) بأنها من صفات المجتمع المسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-4355>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاختتمت سورة فصّلت المتقدمة بنفي شكوك المشكّكين في أصالة القرآن:\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت / ٥٢٤١]\nثم تفتتح سورة الشورى بتأكيد نزول الوحي على النبي ﷺ: ﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى / ١٤٢ - ٣] وأنه استمرار لما سبق من نزول الوحي على الرسل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى / ١٣٤٢]،\nوكان تركيز سورة فصّلت السابقة أن الكفار أصرّوا على الكفر لأنهم أغلقوا عقولهم سلفا عن محاولة فهم القرآن أو دراسته دون تحيز ذهني مسبق،","vol":"4","page":40},{"text":"بل هم عاملون في الصدّ عنه: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت / ٦٤١]،\nثم تبين سورة الشورى أن هنالك مغزى من حرية الخيار التي كرّم الله تعالى بها البشر: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى / ٦٤٢]، وأن لو شاء تعالى لجعل الناس كلهم على الإيمان:\n﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى / ٨٤٢]،\n\n<span data-type='title' id=toc-4356>محور السورة</span>\nتركيز السورة أنّ الوحي الذي نزل على الأنبياء واحد منذ الأزل: ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [/ ٣٤٢]، غير أنّ رسالة الإسلام غير مقتصرة على العرب بل هي عالمية للناس كافة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [/ ٧٤٢]،\nومع ذلك فقد كرّم الله تعالى الناس بحرية الخيار: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [/ ٨٤٢]، وأنّ الاختلاف بين الناس يحكم به الله يوم القيامة: ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [/ ١٠٤٢]،\nوأنّ من أهداف الرسالة الإسلامية تحقيق المودة بين الناس والأقرباء: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [/ ٢٣٤٢]، وأنّ الشورى من صفات المجتمع المسلم:\n﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [/ ٣٨٤٢]، ومن صفات هذا المجتمع أنه لا يستكين ولا يخلد إلى الضعف، بل يدفع البغي بلا تجاوز، مع تفضيل العفو والإصلاح:\n﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [/ ٣٩٤٢ - ٤٠]، لكن الرسول -","vol":"4","page":41},{"text":"وبالأحرى غيره من البشر - ليس حفيظا على الناس: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [/ ٤٨٤٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-4357>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4273\"></span>\n\n<span id=\"aya-4274\"></span>\n\n<span id=\"aya-4275\"></span>﴿تبدأ السورة بالبيان أن الوحي السماوي الذي نزل على النبي استمرار للوحي الذي نزل على من قبله من الأنبياء والرسل: ﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١ - ٣)،\n\n<span id=\"aya-4276\"></span>لأن الله تعالى المتصرّف بشؤون عباده لا يتركهم بلا هداية: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤)،\n\n<span id=\"aya-4277\"></span>وأن الملائكة تسبح بحمده وتستغفر للإنسان كونه ميالا للخطأ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء / ٢٨٤]، فمن صفاته تعالى أنه الغفور الرحيم: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥)،\n\n<span id=\"aya-4278\"></span>ومن ثمّ فإن النبي، ومن باب أولى غيره من الناس، ليس وكيلا على المصرّين على الكفر أو الشرك، فالله تعالى هو الذي يحفظ عليهم أعمالهم ويحاسبهم عليها: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦)،\n\n<span id=\"aya-4279\"></span>وأنّ القرآن، بخلاف الرسالات السابقة، نزل رسالة عالمية للبشر كافة:\n﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾،","vol":"4","page":42},{"text":"<span id=\"aya-4280\"></span>﴿ولو شاء تعالى لجعل الناس أمة واحدة بأن ألجأهم إلى الإسلام طوعا أو قسرا، ولكنّ حكمته اقتضت تكريم الإنسان بحرية الخيار، فمنهم من يختار الهداية ومنهم من يظلم نفسه، ثم في النتيجة يلقى كل فرد عاقبة خياره: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٨)،\n\n<span id=\"aya-4281\"></span>وبإساءة استخدام حرية الخيار اتّخذ الكفار والمشركون لأنفسهم أولياء وهميين لا يقدرون على شيء: ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٩)،\n\n<span id=\"aya-4282\"></span>وعلى المؤمنين بعد أن يستنفدوا إمكانات الحوار والإقناع والتفاهم مع الآخرين أن يتركوا الحكم لله يحكم به بينهم يوم القيامة (انظر الآية ١٥): ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٠)،\n\n<span id=\"aya-4283\"></span>لأن الله تعالى ليس كالأولياء المزعومين، بل مختلف عن كل ما يمكن للإنسان أن يتخيل أو يتصور أو يحدّد أو يقارن، وحتى كيفية وجوده ليست بوسع الفكر البشري: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١)،\n\n<span id=\"aya-4284\"></span>وهو وحده المهيمن على الخلق، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر بحسب المصلحة: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٢)،\n\n<span id=\"aya-4285\"></span>وأن النبي ﷺ علم من خلال الوحي ما نزل عليه وعلى الأنبياء قبله من الدين الواحد، غير أنّ استكبار المشركين واعتدادهم بالشركاء المزعومين أدّى بهم إلى التفرّق شيعا رغم أن دعوة الأنبياء واحدة لقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران / ١٩٣]:","vol":"4","page":43},{"text":"﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣)، وفي ذلك عودة لموضوع (الآية ٣)،\n\n<span id=\"aya-4286\"></span>﴿وأنّ تفرق أتباع الأديان السماوية طوائف وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، سببه البغي وحب الدنيا والتعصّب للأفكار المتوارثة وعدم الاستفادة من حرية الفكر التي أكرمهم بها تعالى بأن أجّل القضاء بينهم إلى يوم الدين، حتى أن الذين توارثوا التوراة والإنجيل بعد موسى وعيسى وصلوا إلى حد التشكيك بالوحي: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١٤)، انظر أيضا آية [المؤمنون / ٥١٢٣ - ٥٢].\n\n<span id=\"aya-4287\"></span>فلذلك لزم الدعوة إلى التوحيد، مع الاستقامة والقدوة الصالحة في العمل، والإيمان بالأنبياء والعدل بين الناس والتسامح، والتأكيد بأن المسؤولية فردية فكل إنسان يحاسب على عمله، واستبعاد التشنج الفكري، والإيمان أن الفصل بين الناس يكون يوم الحساب: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٥)،\n\n<span id=\"aya-4288\"></span>أما الكفار الذين يحاجّون في رسالات الله بالباطل، أو في صفاته وأسمائه ممّا هو في علم الغيب، ويجادلون المؤمنين المستجيبين لله ورسوله ليصرفوهم عن سبيل الهدى فإن جهودهم تذهب سدى، وتؤدي بهم إلى أسوأ العواقب:\n﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾،","vol":"4","page":44},{"text":"<span id=\"aya-4289\"></span>﴿لأن الله تعالى أنزل الوحي على الأنبياء والرسل مبيّنا للناس معايير الصواب من الخطأ، وموضحا أسس العدالة، ثم يكون الحساب يوم وقوع الساعة: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (١٧)،\n\n<span id=\"aya-4290\"></span>وفي حين يتهكم الكفار باستعجال الساعة كونهم منكرين لها بلا برهان يقيني، فإن المؤمنين في رهبة من وقوعها إذ بها تتحقق العدالة والثواب والعقاب:\n﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (١٨)،\n\n<span id=\"aya-4291\"></span>غير أنه تعالى يلطف بعباده إذ يمهلهم ولا يعاجلهم، ويظهر مناقبهم ولا يكشف مثالبهم، وفي الحديث: \"يا من أظهر الجميل وستر القبيح\"، وهو يرزق من يشاء بحسب المصلحة فلا ينازعه في ذلك أحد: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (١٩)،\n\n<span id=\"aya-4292\"></span>ومن لطفه تعالى بعباده أنه يرزق المؤمن والكافر على السواء بحسب سننه في الكون، ولكن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف فلا تتحقق العدالة بالكامل إلا في الآخرة: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٢٠)،\n\n<span id=\"aya-4293\"></span>ما يؤدي بالكفار إلى الغرور والانهماك في الدنيا والمادة حتى تصبح المادية دينا لهم ومقياسا لم يأذن به الله، في حين اقتضت المشيئة الإلهية أن تكون الحياة الدنيا مرحلة أولى فقط من الحياة الكاملة: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢١)،\n\n<span id=\"aya-4294\"></span>وعندها تقع بالظالمين عواقب ما كسبوا من السيئات، ويتمتع المؤمنون الذي عملوا الصالحات بحياة هانئة كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الهدى:","vol":"4","page":45},{"text":"﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٢٢)،\n\n<span id=\"aya-4295\"></span>﴿وأن النبي لا يسأل المؤمنين أجرا على الرسالة سوى تحقق المودة والمحبة بين بعضهم البعض: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (٢٣)،\n\n<span id=\"aya-4296\"></span>ومع ذلك فإنّ الكفار في كل زمان يدّعون أنّ النبي افترى الرسالة، فلو كان الأمر كذلك لما أنزل تعالى عليه القرآن المعجز، بل على النقيض من ذلك فإنه ثبّت الإسلام بنزول القرآن منجّما على لسان نبيّه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢٤)،\n\n<span id=\"aya-4297\"></span>وفيه قبول توبة العباد وإحاطة علمه تعالى بهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٢٥)،\n\n<span id=\"aya-4298\"></span>وفيه من الإعجاز والعبر ما يستجيب له ذوو الفطرة السليمة والعقول النيّرة، في حين ينكره من فسدت فطرته وتشنّج فكره على التقليد المتوارث:\n﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ (٢٦)،\n\n<span id=\"aya-4299\"></span>وأن العبرة من بسط الرزق في الحياة الدنيا بالقدر المحدد تتضح تماما في الآخرة عندما يجمع الخلائق وتتحقق العدالة على أكمل وجه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٧)،\n\n<span id=\"aya-4300\"></span>ومن الرزق تنزيل الغيث على العباد القانطين: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾،","vol":"4","page":46},{"text":"<span id=\"aya-4301\"></span>﴿وأن آيات الخلق تشير إلى وجود الخالق وإلى وجود مغزى من الحياة ومن ثمّ البعث: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ (٢٩)، انظر آية [الطلاق / ١٢٦٥]، وما بها من إشارة إلى تعدد الخلق في الأكوان،\n\n<span id=\"aya-4302\"></span>ومن ذلك أن الإنسان يحصد نتيجة عمله السيئ فيلقاه إن في الدنيا أو في الآخرة، وأنه تعالى يعفو عن الكثير من العصاة فلا يعاجلهم: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٠)،\n\n<span id=\"aya-4303\"></span>وهو محيط بهم لا يفوته منهم شيء: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٣١)،\n\n<span id=\"aya-4304\"></span>والآيات محيطة بهم من كل جانب ليدّبروا، فهنالك السفن الجارية بفعل الرياح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (٣٢)،\n\n<span id=\"aya-4305\"></span>فإذا سكنت الريح ظلّت السفن راكدة بلا حراك: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣٣)،\n\n<span id=\"aya-4306\"></span>وقد يهلكها تعالى بمن فيها بالريح العاصفة، وبما كسب أهلها من الذنوب، مع سبق عفوه تعالى عن الكثير من ذنوبهم: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٤)،\n\n<span id=\"aya-4307\"></span>أما المصرّون منهم فمصيرهم المحتوم إلى العذاب والدمار الروحي، فينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٣٥) أي إنهم يجادلون في مصداقية الوحي أو إمكانية حدوثه مطلقا أو في الوحدانية والبعث والحساب، ثم يوقنون بعد فوات الأوان أن لا مهرب لهم من الحقيقة.\n\n<span id=\"aya-4308\"></span>وأنّ ما اغترّوا به من متاع الدنيا زائل، ويبقى للمؤمنين رضوان الله ونعيمه دائمين: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾،","vol":"4","page":47},{"text":"<span id=\"aya-4309\"></span>\n\n<span id=\"aya-4310\"></span>\n\n<span id=\"aya-4311\"></span>﴿وهم المؤمنون الذين من صفاتهم اجتناب الكبائر والفواحش، ومن صفاتهم التسامح عند الغضب، وإقامة الصلاة والإنفاق، واعتماد الشورى في شؤونهم، ولا يخلدون ويستكينون إلى الضعف، بل يدفعون البغي عن أنفسهم: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٣٧ - ٣٩)،\n\n<span id=\"aya-4312\"></span>أمّا من يتجاوز الحد في ردّ السيئة - البغي - فيكون قد ارتكب سيئة مثلها ويصبح باغيا بدوره، ولذا لا يحب الله المتجاوزين في الانتقام والعدوان، في حين يؤجر من يعفو ويصلح: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠)،\n\n<span id=\"aya-4313\"></span>غير أن العفو ليس إلزاميا فهو راجع إلى صاحب الحق، والعفو دليل على السمو الروحي والأخلاقي لصاحبه، أمّا إن اختار الانتصار لنفسه بلا تجاوز فلا إشكال عليه: ﴿وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤١)،\n\n<span id=\"aya-4314\"></span>ويؤاخذ تعالى الظالمين البغاة المفسدين في الأرض فيعاقبهم إن في الدنيا أو في الآخرة: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤٢)،\n\n<span id=\"aya-4315\"></span>وهنالك الصبر والمغفرة الناتجين عن ارتفاع الفرد وسموّه عن نوازع الانتقام:\n﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤٣)،\n\n<span id=\"aya-4316\"></span>وأن على الظالمين أن يستجيبوا لله قبل فوات الأوان: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾،","vol":"4","page":48},{"text":"<span id=\"aya-4317\"></span>﴿والمصرّون منهم يحاولون أن يستخفوا من العذاب المقيم حين يعرضون عليه، في حين يرى المؤمنون تحقق الخسران ليس للظالمين الطغاة فقط وإنما لأتباعهم - أهليهم - أيضا: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ (٤٥)،\n\n<span id=\"aya-4318\"></span>فلا يكون بمقدرة الطغاة نصرة أنفسهم، ناهيك عن نصرة أتباعهم: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فمن يختار الكفر والطغيان يخليه الله لنفسه فلا يمنحه الهداية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤٦)،\n\n<span id=\"aya-4319\"></span>والعاقل يستجيب لربّه قبل الفوات، على النقيض ممّن يظلم نفسه فلا ينفعه في الآخرة إنكار ما قدّمت يداه: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (٤٧)،\n\n<span id=\"aya-4320\"></span>لكن الرسول ليس حفيظا على المعرضين الذين جعلوا مادية الدنيا مبلغ همّهم ومبتغاهم، فما على الرسول إلا البلاغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (٤٨)،\n\n<span id=\"aya-4320\"></span>وأن الإنسان يطغى عند حصول النعم فينسب حصولها إلى مهارته وذكائه، أما إذا أصابه البلاء فيكفر ويشكك بالعدالة الإلهية ناسيا أن كل شيء يسير وفق السنن الإلهية وبعلاقة المسببات بأسبابها وبالتالي ما قدّمت يداه من سوء:\n﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ (٤٨)،\n\n<span id=\"aya-4321\"></span>\n\n<span id=\"aya-4322\"></span>وأن الحكمة الإلهية من وهب ذرية الأناث أو الذكور أو كلاهما للبعض، أو جعل البعض الآخر عقيما، من أسباب السعادة أو عدمها، خافية على معظم الخلق: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا﴾","vol":"4","page":49},{"text":"﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٤٩ - ٥٠)،\n\n<span id=\"aya-4323\"></span>﴿ثم تعود السورة لموضوع المعرضين المشككين بالوحي، المشار لهم بالآية (٤٨)، فتحدد هذه الآية أن الله تعالى يوحي للبشر بثلاث وسائل لا غير: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥١)،\n\n<span id=\"aya-4324\"></span>\n\n<span id=\"aya-4325\"></span>وهكذا أوحى تعالى إلى النبي ﷺ عن طريق جبريل، فتختم السورة بالموضوع الذي بدأته (الآيات ١٣، ٧، ٣) أنه تعالى أوحى للرسل من قبل، كما أوحى بالقرآن الكريم إلى النبي فجعله نورا يهتدي به من يشاء الهداية (الآية ٨) إلى صراط الله الذي تصير إليه الأمور في الدنيا والآخرة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٥٢ - ٥٣).","vol":"4","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4406>سورة الزخرف - ٤٣ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-4407>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهنالك ارتباط واضح بين أواخر السورة السابقة في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى / ٥٢٤٢]، وبداية هذه السورة تصف النور أنه كتاب عربي مبين تستسيغه العقول: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف / ١٤٣ - ٣].\nوبعد أن بينت سورة الشورى المتقدمة عالمية رسالة الإسلام: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى / ٧٤٢]، وحدّدت صفات المجتمع المسلم ومنها الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى / ٣٨٤٢]، ودفع البغي دون تجاوز: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى / ٣٩٤٢]، وأن ما على المسلمين سوى البلاغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [الشورى / ٤٨٤٢]،\nتنتقل سورة الزخرف لبيان بعض الأسباب التي أدت إلى إعراض المعرضين عن الرسالة الإسلامية، ومن ذلك الشرك: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف / ١٥٤٣]، والتقليد: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا﴾","vol":"4","page":51},{"text":"﴿عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف / ٢٢٤٣]، وظلم العقل وحب الدنيا وتغليب الهوى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف / ٤٠٤٣]،\n\n<span data-type='title' id=toc-4408>محور السورة</span>\nإن الله تعالى لم يكن ليترك البشر على جهلهم وشركهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم لعلهم يذّكرون ويستخدمون عقولهم بالشكل السوي:\n﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [/ ٥٤٣]، ثم يكاد يكون تركيز السورة بكامله على دحض الشرك بكل أشكاله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [/ ١٥٤٣]، وذم التقليد الذي يتمسك به المترفون خوفا على امتيازاتهم: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [/ ٢٣٤٣]،\nولولا أن يطغى الناس فيصبحوا أمة واحدة على الكفر لأغدق الله تعالى على عباده من متاع الدنيا ما لا يوصف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [/ ٣٣٤٣ - ٣٥]،\nولكنّ الطغاة يستخفّون بعقول أقوامهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [/ ٥٤٤٣]، وأكثر الناس كارهون للحق يفضلون الأهواء عليه: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [/ ٧٨٤٣]، فما على المؤمنين تجاه ذلك، بعد استنفاد محاولات الحوار والإقناع، سوى الصبر على المصرّين على الكفر والصفح عنهم وترك حسابهم على الله: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [/ ٨٨٤٣ - ٨٩].","vol":"4","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4409>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4326\"></span>\n\n<span id=\"aya-4327\"></span>\n\n<span id=\"aya-4328\"></span>﴿تبدأ السورة بالإشارة للكتاب المبين الذي جعله تعالى قرآنا عربيا لعل العرب الذين هم واسطة الوحي، والناس من بعدهم، تعمل عقولها في مضمونه: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١ - ٣)،\n\n<span id=\"aya-4329\"></span>وأن القرآن الكريم من منبع الوحي وأصله، وأنه عال على الكتب المنزلة قبله كونه ناسخا لها ومهيمنا عليها، انظر آيات [البقرة / ١٠٦٢] و[المائدة / ٤٨٥]، وقيل علوّه في علوّ المنزلة التي يمكن للإنسان أن يصل إليها من خلاله، وهو أيضا حكيم أي محكم، أو ذو حكمة بالغة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤)،\n\n<span id=\"aya-4330\"></span>ولذا فإنه تعالى لم يكن ليدع الناس يتخبطون في ضلالهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم فيدلّهم على الطريق السوي: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (٥)،\n\n<span id=\"aya-4331\"></span>وأن القرآن الكريم لم يكن أول الرسالات السماوية: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-4332\"></span>إذ طالما بعث الله تعالى الرسل إلى الناس فكان دأبهم الاستهزاء بهم كما يفعل العابثون في كل وقت بدلا من التعقل والتفكير بمضمون الرسالة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-4333\"></span>فكان أن نزل الهلاك بمن هم أشد بطشا من المكذّبين المشار لهم بالآية ٥ وكانوا عبرة لمن يعتبر: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-4334\"></span>وأنّ أكثر الضالّين مقرّون بأنّ الله خالق الكون، ولكن مشكلتهم تكمن في الشرك، انظر آية [يوسف / ١٠٦١٢]، في حين أنّ إقرارهم بأن الله وحده خالق","vol":"4","page":53},{"text":"الكون إقرار منهم بعجز الشركاء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٩)،\n\n<span id=\"aya-4335\"></span>\n\n<span id=\"aya-4336\"></span>\n\n<span id=\"aya-4337\"></span>\n\n<span id=\"aya-4338\"></span>\n\n<span id=\"aya-4339\"></span>﴿والآيات الكونية الدالة على وحدة الخالق لا تحصى، وهي بادية في انسجام الخلق: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١٠ - ١٤)،\n\n<span id=\"aya-4340\"></span>ومع ذلك فهم مصرّون على الشرك بما فيه من استخفاف بالعقل، فمنهم مّن يدّعي أن المسيح ابن الله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (١٥)،\n\n<span id=\"aya-4341\"></span>ومنهم من يدّعي أنّ الملائكة بنات الله كما فعل مشركو قريش: ﴿أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (١٦)،\n\n<span id=\"aya-4342\"></span>ومن السخرية أنهم لا يرضون بالبنات لأنفسهم: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١٧)،\n\n<span id=\"aya-4343\"></span>ويزعمون أنّ الإناث خلقت للزينة لا غير، وأنها غير مؤهلة للنقاش: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١٨)،\n\n<span id=\"aya-4344\"></span>وزعموا، ظنّا وتخرّصا، أنّ الملائكة من جنس الإناث: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-4345\"></span>كما زعموا، بلا علم يقيني، أنهم مجبرون غير مخيّرين فيما هم عليه من الضلال: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾،","vol":"4","page":54},{"text":"<span id=\"aya-4346\"></span>﴿مع أنّ العقل والنقل معا يبطلان زعمهم: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (٢١)،\n\n<span id=\"aya-4347\"></span>ولكنّهم عطّلوا عقولهم وتمسّكوا بتقليد الآباء والأجداد: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢٢)،\n\n<span id=\"aya-4348\"></span>وقد تكرر التقليد والتمسك بالمتوارثات الزائفة، وإضفاء القداسة على فكر الآباء، لدى المجتمعات المترفة خاصة، لأن من شأن الترف أن يؤدي بصاحبه إلى الجمود الفكري بنتيجة تجاهل القيم الروحية والأخلاقية خوفا من التغيير الاجتماعي الذي قد يلغي امتيازاته: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٢٣)، راجع آية [هود ١١٦/ ١١].\n\n<span id=\"aya-4349\"></span>وهم مصممّون سلفا على الرفض وعلى الجمود الفكري قبل النظر في الأفكار الجديدة التي نزل بها الوحي وقبل دراستها من حيث مصداقيتها وجدارتها: ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٢٤)، انظر آية [الأنبياء ٢/ ٢١]،\n\n<span id=\"aya-4350\"></span>ومن شأن مثل هذا الجمود الفكري أن يؤدي بأصحابه إلى الهلاك:\n﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٥)،\n\n<span id=\"aya-4351\"></span>وتضرب السورة مثلا على ذلك بعثة إبراهيم ﵇ إلى قومه إذ أدرك بفطرته السليمة ضحالة التقليد المتوارث عندما يتعارض مع العقل السليم ومع الوحي الصحيح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾، وقصة بحث إبراهيم عن الحقيقة مذكورة بالتفصيل في آيات: [الأنعام ٧٤/ ٦ - ٨٣] و[الأنبياء ٥١/ ٢١ - ٦٧].","vol":"4","page":55},{"text":"<span id=\"aya-4352\"></span>﴿فكان يقين إبراهيم بالهداية الإلهية نابعا من فطرته السليمة: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٢٧)،\n\n<span id=\"aya-4353\"></span>ثم جعل تعالى كلمة الإسلام باقية في ذرية إبراهيم لعلهم ينبذون التقليد ويرجّحون العقل: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢٨)،\n\n<span id=\"aya-4354\"></span>ولم يكن تعالى ليحاسب الناس على ضلالهم قبل أن يبين لهم الصواب من الخطأ، والخير من الشر، فأنزل القرآن على لسان رسوله محمد ﷺ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (٢٩)،\n\n<span id=\"aya-4355\"></span>فلما انبهرت به قريش زعمت من إعجازه أنه سحر: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ (٣٠)،\n\n<span id=\"aya-4356\"></span>ولشدة ترفهم زعموا أن لو كان هذا القرآن وحيا إلهيا لكان الأجدر به أن ينزل على رجل عظيم من وجهاء مكة أو الطائف، لا على رجل مثل محمد ليس له من الثروة ولا الزعامة في قومه: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣١)،\n\n<span id=\"aya-4357\"></span>مع أنه تعالى قسم المعايش بين الناس وجعل من سنن الحياة ونظامها أن يكون كل فرد مسخّر للآخر، فليس أحد مستغنيا عن أحد، فمن باب أولى أن ليس بطاقتهم ولا من اختصاصهم تحديد منصب النبوة، وأن رحمته تعالى التي يختصّ بها بعض عباده في الدين خير من أموال الدنيا الفانية التي يحرص الآخرون على جمعها: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾، وفي العبارة: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ التي تكررت مرتين في الآية إشارة لقوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]، وإشارة للوحي القرآني: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾","vol":"4","page":56},{"text":"[الدخان ٦/ ٤٤]، وقد وردت عبارة ﴿رَحْمَةً﴾ بمعنى الوحي الإلهي في أربع آيات من سورة هود: هود [٧٣/ ١١، ٦٣، ٢٨، ١٧]،\n\n<span id=\"aya-4358\"></span>\n\n<span id=\"aya-4359\"></span>﴿وأنّ الإنسان خلق ضعيفا [النساء ٢٨/ ٤] تعميه الدنيا والمادة والثراء الفاحش عن الحياة الروحية والأخلاقية فيزداد جشعا وأنانية وقسوة، ولولا أن يغتر البشر بالدنيا فيصبحوا جميعا أمة واحدة على الكفر لبسط الله لهم متاع الدنيا وزخرفها: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ (٣٣ - ٣٤)،\n\n<span id=\"aya-4360\"></span>فلا يكون ذلك لهم سوى متاع الحياة الدنيا في حين أنّ حسن الختام في الآخرة يكون للمتقين: ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣٥)،\n\n<span id=\"aya-4361\"></span>وأن الغفلة عن (ذكر الرّحمن)، أي القرآن، تفتح الأبواب للشيطان ليدخل حياة الإنسان ويتحكم بها، وقالوا أن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد من اكتساب السيئات: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦)، وذلك اتصال المعنى مع الآية ٣٣ لأن من حصل على الجاه والمال الكثير غفل فصار كالأعشى أي الأعمى عن ذكر الله، وقد تحدّث القرآن الكريم عن شياطين الإنس والجن [الأنعام ١١٢/ ٦].\n\n<span id=\"aya-4362\"></span>فالشياطين يصدّون الغافلين عن السبيل الصحيح، في حين يحسب الغافلون أنهم مهتدون: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٧)،\n\n<span id=\"aya-4363\"></span>ثم يوم الحساب يتمنى الغافل أو الكافر لو كان بينه وبين قرين السوء مسافة بعيدة جدا كبعد المشرقين المتتالين بعضهما عن بعض: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾،","vol":"4","page":57},{"text":"<span id=\"aya-4364\"></span>﴿فماذا يفيد أحدهما الآخر أن يؤول مصيرهما معا إلى العذاب: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٣٩)،\n\n<span id=\"aya-4365\"></span>وأن من أصمّ أذنيه عن سماع الحقيقة وأغلق عينيه عن نورها لا يمكن هديه:\n﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٠)،\n\n<span id=\"aya-4366\"></span>ومع ذلك كان لا بدّ أن تظهر رسالة الإسلام قبل أو بعد رحيل النبي ﷺ ثم يؤول مصير الجاحدين إلى العذاب: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤١)،\n\n<span id=\"aya-4367\"></span>وقد يشاهد النبي تحقق ذلك في حياته، وقد لا يشاهده، وفي جميع الأحوال فإنّ قدرة الله تعالى محيطة بالكفار: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ (٤٢)،\n\n<span id=\"aya-4368\"></span>وذلك مدعاة للصمود تجاه الكفار والتمسّك بالوحي، لأنه يؤدي إلى السلام والرضوان: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤٣)،\n\n<span id=\"aya-4369\"></span>وأن القرآن الكريم ذكر أو تذكير للناس بالحقيقة المطلقة وبالميثاق، انظر آية [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وأنهم بعد نزول القرآن صاروا في موقع المسؤولية حيث لا ينفع الادعاء بالجهل: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (٤٤)، انظر أيضا آية [الأنبياء ١٠/ ٢١]،\n\n<span id=\"aya-4370\"></span>ثم تحضّ السورة النبي - وبالتالي كلّ فرد - على النظر فيما سبق من بعث الرسل وما كان في رسالاتهم من الدعوة للتوحيد ونبذ الشرك: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥)،\n\n<span id=\"aya-4371\"></span>وتضرب السورة مثلا ببعثة موسى إلى فرعون، والقصة مثال أيضا على ما ورد في الآيات (٢٣ و٣٣ - ٣٧) أنّ من شأن الترف أن يؤدي بأصحابه إلى","vol":"4","page":58},{"text":"الجمود الفكري خوفا من التغيير الاجتماعي الذي قد يلغي امتيازاته: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٦)،\n\n<span id=\"aya-4372\"></span>﴿فقابل فرعون وقومه الآيات بالاستهزاء والضحك: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ (٤٧)،\n\n<span id=\"aya-4373\"></span>وتتالت الآيات وازداد الضغط على آل فرعون لعلهم يرجعون إلى معرفة الله وإلى الفطرة السليمة: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤٨)،\n\n<span id=\"aya-4374\"></span>حتى أدركوا أنّ هنالك قوة خفيّة، لا يملكون معرفتها، تدعم موسى فنسبوها، لشدة ضلالهم، إلى ما اعتادوا عليه من السحر، وبعد أن تحملوا من العذاب فوق طاقتهم أذعنوا لموسى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ (٤٩)،\n\n<span id=\"aya-4375\"></span>وسرعان ما ارتكسوا إلى وثنيتهم لأن قناعتهم الفكرية والروحية برسالة موسى لم تكن جدية: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (٥٠)،\n\n<span id=\"aya-4376\"></span>واستبدت بفرعون رغبته المحافظة على ملكه وسلطانه فجعل يستجدي الثقة ممّن حوله مشيرا إلى نظام الري الرائع الذي اشتهرت به مصر في عهده:\n﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٥١)،\n\n<span id=\"aya-4377\"></span>وقارن سلطانه ومركزه مع ضعف موسى ورسالته التي لم تبد مقنعة له: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (٥٢)،\n\n<span id=\"aya-4378\"></span>فأين فرعون وكنوزه وترفه من فقر موسى الذي لا يملك شيئا، وأين الملائكة لتشهد على صدق رسالته: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾،","vol":"4","page":59},{"text":"<span id=\"aya-4379\"></span>﴿وهكذا كان الاستخفاف بعقول الناس وتفضيل الهوى سببا للفشل في تقييم الرسالة السماوية من حيث مضمونها وكفاءتها: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ (٥٤)،\n\n<span id=\"aya-4380\"></span>ثم الهلاك نتيجة طبيعية لمن يتحدّى الرسالة السماوية: ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٥)،\n\n<span id=\"aya-4381\"></span>فأصبحوا من الماضي المنصرم ومثلا للمترفين من بعدهم: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ (٥٦)، انظر الآيات (٢٣ - ٢٥).\n\n<span id=\"aya-4382\"></span>وهنا تعود السورة لمغزى آخر من معاني (الآية ٤٥) فقد ضجّ كفار قريش بأن المسيحية يؤلهون ويعبدون عيسى ابن مريم ومع ذلك فالقرآن يصفهم بأنهم أهل كتاب: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (٥٧)،\n\n<span id=\"aya-4383\"></span>\n\n<span id=\"aya-4384\"></span>وقالوا، لمجرد الخصومة وقياس الباطل بالباطل، كما ذكر الزمخشري، لماذا لا نعبد الملائكة (الآية ٢٠) ما دام أنّ النصارى يعبدون عيسى، فالملائكة أحقّ أن تعبد بزعمهم ما دام أن عيسى بشر كما هو مذكور في (الآية ٥٩)، والملائكة فوق جنس البشر: ﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٨ - ٥٩)،\n\n<span id=\"aya-4385\"></span>ولو شاء تعالى لجعل من الناس ملائكة يخلفون بعضهم بعضا في الأرض، فما هو وجه اعتبار الملائكة فوق جنس البشر وعبادة قريش لها: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٦٠)،\n\n<span id=\"aya-4386\"></span>\n\n<span id=\"aya-4387\"></span>وبعد ضرب المثل بموسى وعيسى (الآيات ٤٦ - ٦٠) تعود السورة لصفة أخرى من صفات القرآن الكريم المشار له في (الآية ٤٤)، وهي أنه دليل على حتمية وقوع الساعة والحساب، وبالتالي يكون الإنسان مسؤولا يومها تجاه","vol":"4","page":60},{"text":"الخالق وحده فوجب لذلك اتباعه دون غيره: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاِتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦١ - ٦٢)،\n\n<span id=\"aya-4388\"></span>\n\n<span id=\"aya-4389\"></span>﴿وتلك فحوى رسالة عيسى بالتوحيد ونفى الشرك: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦٣ - ٦٤)،\n\n<span id=\"aya-4390\"></span>ولكنّ المسيحيين الذين ضلّوا في اتّباعه تفرقوا أحزابا من بعده بلغ عددها اليوم حوالي/ ٢١٠٠٠ /طائفة مسيحية مختلفين في حقيقة رسالته، وأكثرهم يؤلهونه: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٦٥)،\n\n<span id=\"aya-4391\"></span>فماذا ينتظرون، قبل أن تباغتهم الساعة، كي يصححوا مسارهم ويستجيبوا لدعوة الإسلام لهم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٦٦)، انظر آية [آل عمران ٦٤/ ٣]،\n\n<span id=\"aya-4392\"></span>فمن هم على المسيحية أخلاّء في الدنيا، والأخلاّء جمع خليل، لكنهم في الآخرة يصبحون أعداء لبعضهم البعض لأنهم أضلّوا بعضهم بعضا، فالذي ضلّ - من الرعية - يصبح عدوا لمن أضلّه - من الكهنة -، والذي أضلّه - من الكهنة - يعادي الضالين لكونه يحمل أوزار ضلالهم، وهذه الآية عامة بمعنى أن الخلّة في الدنيا إن كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة، كما في آية [العنكبوت ٢٥/ ٢٩]، أمّا المتقون المتحابّون في الله الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى والنصح فإن خلّتهم تبقى يوم القيامة: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾،","vol":"4","page":61},{"text":"<span id=\"aya-4393\"></span>\n\n<span id=\"aya-4394\"></span>\n\n<span id=\"aya-4395\"></span>\n\n<span id=\"aya-4396\"></span>\n\n<span id=\"aya-4397\"></span>\n\n<span id=\"aya-4398\"></span>﴿فيخاطب تعالى المتقين بقوله: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٦٨ - ٧٣)،\n\n<span id=\"aya-4399\"></span>\n\n<span id=\"aya-4400\"></span>\n\n<span id=\"aya-4401\"></span>وتكون حال المجرمين على النقيض من ذلك: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ (٧٤ - ٧٦)،\n\n<span id=\"aya-4402\"></span>ولشدة يأسهم يتمنون الموت فلا يأتيهم: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ (٧٧)\n\n<span id=\"aya-4403\"></span>والسبب أنهم كرهوا الإسلام والقرآن في حياتهم، ورفضوا التوحيد الذي دعاهم إليه عيسى من قبل (الآية ٦٤)، وهنا تعود السورة إلى النقطة التي بدأت منها في (الآية ٥): ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (٧٨)،\n\n<span id=\"aya-4404\"></span>وقد أصرّوا على تأليه عيسى وناقضوا ما جاء به القرآن، فهل كانوا يظنون أن بإمكانهم تكييف الحقيقة على هواهم: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ (٧٩)،\n\n<span id=\"aya-4405\"></span>ثم تشير السورة من طرف خفي إلى استغراق المسيحية عبر القرون في النقاش حول \"طبيعة\" عيسى وتأليهه والزعم أنه ابن الله خلافا للنصرانية الصحيحة: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٨٠)،\n\n<span id=\"aya-4406\"></span>وأن الرسول ﷺ أول العابدين للرحمن وحده ناقضا زعمهم أن المسيح إله أو ابن الله: ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١)﴾ أي أوّل العابدين","vol":"4","page":62},{"text":"للرحمن، إذ في الخطاب محذوف وتقديره: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ - ويستحيل أن يكون ذلك - فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ - للرحمن -).\n\n<span id=\"aya-4407\"></span>﴿فتنزّه تعالى عمّا يدّعون له من الذرية: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٨٢)،\n\n<span id=\"aya-4408\"></span>وما على المؤمن - بعد استنفاد محاولات الحوار والإقناع معهم - سوى أن يذرهم لحرية خيارهم وما يخوضون فيه من ابتداع نظريات لاهوتية بحسب ما قرروه في مؤتمر نيقية في سنة ٣٢٥ م وفي المؤتمرات المسكونية بعده، فيتركهم حتى يحين حسابهم: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٨٣)،\n\n<span id=\"aya-4409\"></span>\n\n<span id=\"aya-4410\"></span>فالله تعالى وحده إله السماوات والأرض، بخلاف ما زعموا أنّ المسيح تجوّل في الأرض متقمصا شخصية إله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٤ - ٨٥)،\n\n<span id=\"aya-4411\"></span>وأنّ من يدّعون فيهم الشفاعة لا يملكون شيئا، كزعمهم أن المسيح افتدى خطاياهم بالنيابة: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٨٦)،\n\n<span id=\"aya-4412\"></span>وهم مع كل ذلك مقرّون أن الله وحده خالقهم، فمن العجب أن يصرفوا إلى الشرك وينكروا القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٨٧)،\n\n<span id=\"aya-4413\"></span>\n\n<span id=\"aya-4414\"></span>وأن على الرسول - والمؤمنين من بعده - ألا يتحسروا عليهم بل يتركوا المصرّين منهم لشأنهم ويصفحوا عنهم حتى يوم الحساب: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٨٨ - ٨٩).","vol":"4","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4480>سورة الدخان - ٤٤ - مكية</span>\nهذه السورة الخامسة من سور الحواميم السبعة واشتق اسمها من ورود كلمة الدخان بالآية (١٠) إشارة لقيام الساعة،\n\n<span data-type='title' id=toc-4481>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن بينت سورة الزخرف المتقدمة أن الله تعالى لم يكن ليترك البشر على جهلهم وشركهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم لعلهم يهتدوا ويستخدموا عقولهم بالشكل السوي: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف ٥/ ٤٣]،\nتبيّن سورة الدخان أن للحياة الدنيا مغزى، في حين يظنونها لهوا ولعبا:\n﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان ٩/ ٤٤]، ويتضح مغزاها من كونها مرحلة أولى لا تكتمل العدالة بها إلاّ بتحقق البعث والحساب في الحياة الآخرة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان ٣٨/ ٤٤ - ٣٩]، ممّا يضع الإنسان أمام مسؤولياته الأخلاقية: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان ٥٩/ ٤٤]،","vol":"4","page":64},{"text":"وفي سورة الزخرف قصة موسى مع فرعون [الزخرف ٤٦/ ٤٣ - ٥٦]، ثمّ في سورة الدخان بعثة موسى إلى فرعون مع إبراز عبر جديدة منها، ثمّ جانبا من بعثته إلى بني إسرائيل [الدخان ١٧/ ٤٤ - ٣٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-4482>محور السورة</span>\nبلوغ الوحي الإلهي ذروته بنزول القرآن الكريم: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [٥/ ٤٤]، ومع ذلك فالكثير من الناس بين الشك واليقين: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [٤٤ - ٩]، فلا يستفيدون من فرصة التوبة: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [١٥/ ٤٤]، بل ينكرون الآخرة والمسؤولية الأخلاقية والحساب: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [٣٥/ ٤٤]، مع أنّ الحياة ذات معنى وهدف رغم جهل الأكثرية بذلك: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٣٨/ ٤٤ - ٣٩]، وقد أنزل تعالى القرآن بلسان النبي ﷺ لعلّ البشر يفقهون الحقيقة قبل فوات الأوان: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [٥٨/ ٤٤ - ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-4483>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4415\"></span>\n\n<span id=\"aya-4416\"></span>\n\n<span id=\"aya-4417\"></span>تشير السورة إلى بدء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر من رمضان، وختم الرسالات السماوية التي ما فتئت تنزل على البشر منذ بدء الخليقة، تعرّفهم بوجود الخالق وبمسؤوليتهم الأخلاقية وبيان ما يحتاجونه في دينهم ودنياهم، وتنذرهم من الانغماس في المطامع المادية: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ (١ - ٣)،","vol":"4","page":65},{"text":"<span id=\"aya-4418\"></span>﴿وفي ليلة القدر اكتملت الرسالات، وبلغ الوحي ذروته بنزول القرآن الكريم، فظهر الفرق بين الحق والباطل واضحا ولذا سمّي القرآن فرقانا: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٤)،\n\n<span id=\"aya-4419\"></span>أمرا من عند الله بتتابع الرسالات وختمها بالقرآن: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-4420\"></span>وفي نزول القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب رحمة منه تعالى، العالم بمصالح عباده والسميع لدعائهم، لا يتركهم في حيرة بين الحق والباطل:\n﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦)، وشبيه به قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]،\n\n<span id=\"aya-4421\"></span>\n\n<span id=\"aya-4422\"></span>وذلك هو الأمر الذي يقطع الشك باليقين: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٧ - ٨)\n\n<span id=\"aya-4423\"></span>لكنهم على النقيض من اليقين يترددون بين الإيمان والكفر، بل هم في شك من الوحي يصل بهم إلى مستوى اللعب والعبث: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4424\"></span>\n\n<span id=\"aya-4425\"></span>فهل ينتظر العابثون مجيء الساعة والعذاب حتى يوقنوا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠ - ١١)\n\n<span id=\"aya-4426\"></span>ويعلنوا إيمانهم بعد الفوات: ﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-4427\"></span>\n\n<span id=\"aya-4428\"></span>فالإيمان عند المعاينة لا ينفع أصحابه بعد أن كفروا ببعثة النبي محمد ﷺ واتهموه بالجنون: ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (١٣ - ١٤)","vol":"4","page":66},{"text":"<span id=\"aya-4429\"></span>\n\n<span id=\"aya-4430\"></span>﴿لكنّ فرصة التوبة متاحة لهم الآن قبل وقوع الساعة وقبل نزول العذاب بهم، ومع ذلك فإنّهم لا يتوبون ولا يعتبرون بل يعودون إلى غيّهم: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (١٥ - ١٦)، وكشف العذاب قليلا أي إنه تعالى يعطيهم الفرصة من حاضرهم حتى وقوع الساعة،\n\n<span id=\"aya-4431\"></span>وهنا تضرب السورة مثلا بعاقبة بعض الأوّلين الذين أصرّوا على تكذيب الأنبياء، كما في بعثة موسى إلى فرعون: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ (١٧)، والفتنة، الاختبار، بمعنى أن فرعون وقومه لم يستفيدوا من بعث الرسول موسى إليهم.\n\n<span id=\"aya-4432\"></span>إذ طلب موسى منهم أن يؤدّوا ما هو واجب عليهم من الإيمان والاستجابة لدعوته، وعلّل ذلك بأنه لهم رسول أمين: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-4433\"></span>وحذّرهم من إنكار دعوته بعد أن حشد البراهين على صحتها: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-4434\"></span>وأنه يستعيذ بالله ربّ العالمين من أن يقتلوه أو يرجموه بسفيه الكلام: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-4435\"></span>وفي حال إنكارهم لرسالته طلب منهم أن يتركوه وشأنه يدعو غيرهم إلى الله، وفي ذلك دعوة ضمنية لاحترام حرية الفكر التي كرم بها تعالى بني آدم:\n﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-4436\"></span>لكنهم على النقيض من اعتزاله همّوا بقتله، انظر آية [غافر ٢٦/ ٤٠]، فلجأ إلى الله تعالى بالدعاء: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾","vol":"4","page":67},{"text":"<span id=\"aya-4437\"></span>﴿فأمره تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا، وأوحى إليه أن فرعون وجنده سيطاردونه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-4438\"></span>كما أمره أن يترك طريق البحر بينه وبين فرعون وجنده كما كان، يدخلون فيغرقون: ﴿وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-4439\"></span>\n\n<span id=\"aya-4440\"></span>\n\n<span id=\"aya-4441\"></span>فغرقوا وتركوا وراءهم ما كانوا مخوّلين به من نعم كثيرة في الدنيا: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ (٢٥ - ٢٧)\n\n<span id=\"aya-4442\"></span>وورث بنو إسرائيل هذه النعم في فلسطين مؤقتا: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (٢٨)، إلى أن فشلوا في الاختبار بدورهم، انظر آيات [الأعراف ١٣٧/ ٧] و[الشعراء ٥٩/ ٢٦].\n\n<span id=\"aya-4443\"></span>والنتيجة أن فرعون وجنده لم يكونوا جديرين أن يكترث لهلاكهم، إذ فوّتوا على أنفسهم فرصة التوبة، وليس من فرصة بعد الفوات: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-4444\"></span>\n\n<span id=\"aya-4445\"></span>ونجّى تعالى بني إسرائيل من طغيان فرعون وعذابه واستكباره وإسرافه:\n﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣٠ - ٣١)\n\n<span id=\"aya-4446\"></span>وقد اختار تعالى بني إسرائيل لحمل رسالة التوحيد لكونهم موحّدين غير مشركين في ذلك الزمن، وعلى علمه تعالى المسبق أنهم سيفشلون في الاختبار بعد حين: ﴿وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٢)،\n\n<span id=\"aya-4447\"></span>ثمّ ضلّوا واعتبروا أنفسهم \"الشعب المختار\" استعلاء وتفضيلا لأنفسهم على غيرهم من البشر، ونسوا أن الرسالة السماوية مسؤولية وعبء وليست امتيازا كما ظنّوا ويظنّون: ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)﴾،","vol":"4","page":68},{"text":"<span id=\"aya-4448\"></span>\n\n<span id=\"aya-4449\"></span>\n\n<span id=\"aya-4450\"></span>﴿وأعمتهم الحياة الدنيا وماديتها عن الآخرة، حتى أنكروا البعث والآخرة كما هو واضح من كتبهم \"المقدسة\" وسلوك رجال الدين منهم وعصبيتهم تجاه الأمم الأخرى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٤ - ٣٦)\n\n<span id=\"aya-4451\"></span>ولم يعتبروا بتاريخ من قبلهم من الأمم البائدة، وخاصة اليهود منهم، كقوم تبّع، وهم ملوك حمير الذين كانوا يهودا وقد ملكوا جنوب شبه الجزيرة العربية لقرون عديدة حتى استولت الحبشة عليهم في العام ٥٢٥ م: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٣٧)، انظر الآية [ق ١٤/ ٥٠].\n\n<span id=\"aya-4452\"></span>\n\n<span id=\"aya-4453\"></span>وفاتهم أن هنالك مغزى من الخلق ومن الحياة الدنيا لا يتم إلاّ بحقيقة الآخرة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٨ - ٣٩)\n\n<span id=\"aya-4454\"></span>غير أنهم، والجاهلين من أمثالهم، لا يستفيقون من ضلالهم إلا يوم البعث، يوم يفصل بين العباد فيما كانوا عليه من الخلاف ويظهر الحق واضحا من الباطل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٠)\n\n<span id=\"aya-4456\"></span>يومئذ لا يغني قريب عن قريب ولا صاحب عن صاحب، ولا يستطيعون نصرة بعضهم بعضا، فلا ينجو إلاّ من رحم الله: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٤٢)\n\n<span id=\"aya-4457\"></span>\n\n<span id=\"aya-4458\"></span>\n\n<span id=\"aya-4459\"></span>\n\n<span id=\"aya-4460\"></span>\n\n<span id=\"aya-4461\"></span>\n\n<span id=\"aya-4462\"></span>\n\n<span id=\"aya-4463\"></span>ويؤول مصير الآثمين إلى عذاب الآخرة: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤٣ - ٤٩) والآية الأخيرة إشارة لأنّ إنكار الآخرة والمسؤولية والحساب ناتج عن التكبّر.","vol":"4","page":69},{"text":"<span id=\"aya-4464\"></span>﴿فيومئذ فقط يصبح أمثالهم على يقين ممّا كانوا فيه من شك بالقيامة والحساب: ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ (٥٠)،\n\n<span id=\"aya-4465\"></span>\n\n<span id=\"aya-4466\"></span>\n\n<span id=\"aya-4467\"></span>\n\n<span id=\"aya-4468\"></span>\n\n<span id=\"aya-4469\"></span>\n\n<span id=\"aya-4470\"></span>أما الذين اتقوا سوء العاقبة، فيؤول مصيرهم إلى النعيم الخالد: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ (٥١ - ٥٦)\n\n<span id=\"aya-4471\"></span>بفضله تعالى الذي منّ عليهم بالهداية: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥٧)\n\n<span id=\"aya-4472\"></span>ولإيضاح كل ذلك نزل القرآن في الحياة الدنيا لمن ترجى ذكراه من ذوي العقول السليمة المنفتحة: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥٨)،\n\n<span id=\"aya-4473\"></span>أما ذوي العقول المتحجرة من مقلّدي الضلال فالعاقبة الوخيمة ستكون نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من العناد والجحود: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ وفي حين يرتقب المؤمن تحقق العدالة إن في الدنيا أو في الآخرة، فالمشكّكون يرتقبون الفناء والعدم في ظنّهم وأنه ليس من بعث ولا حساب.","vol":"4","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4519>سورة الجاثية - ٤٥ - مكية</span>\nهذه السورة السادسة من سور الحواميم السبع، واشتقّ اسمها من كلمة (الجاثية) في الآية (٢٨) وهي تعبير عن حالة الخضوع التام التي يكون عليها البشر يوم البعث والحساب.\n\n<span data-type='title' id=toc-4520>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nسورة الجاثية استمرار لسورة الدخان المتقدمة من حيث التأكيد على هدي القرآن، ومغزى الحياة، وحتمية الآخرة والثواب والعقاب، وهنالك ارتباط واضح بين أواخر سورة الدخان التي تشير للقرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان ٥٨/ ٤٤]، وبداية سورة الجاثية بأنّه تنزيل من العزيز الحكيم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية ١/ ٤٥ - ٢]،\nكما نلاحظ في الآيات [١٦/ ٤٥ - ١٧] من سورة الجاثية استمرارا لقصة بني إسرائيل التي بدأت في سورة الدخان، مع الإشارة لانتقال النبوة من بني إسحاق لبني إسماعيل: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية ١٨/ ٤٥]،","vol":"4","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4521>محور السورة</span>\nآيات الآفاق والخلق تؤكد حقيقة القرآن، ومع ذلك فهنالك من يؤفك عنه:\n﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [٦/ ٤٥ - ٧]، فالقرآن هدى، ومن يصرّ على إنكاره يكون العذاب الأليم الذي يلحق به في الآخرة نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه من الرجز: ﴿هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [١١/ ٤٥]،\nوقد جعل تعالى النبيّ ﷺ، وبالتالي كل مسلم، على بيّنة واضحة من أمره فما عليه سوى اتخاذ الخيار الصحيح والحذر من اتّباع من يعتبرون الدنيا منتهى أملهم: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [١٨/ ٤٥]، الذين غفلوا عن مغزى الحياة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [٢١/ ٤٥]، وأنكروا القيامة والحساب: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [٣٢/ ٤٥]، فمن يتخذ الخيار الخاطيء يخسر نفسه ويظهر بطلان حساباته يوم تقوم الساعة: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [٢٧/ ٤٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-4522>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4474\"></span>\n\n<span id=\"aya-4475\"></span>القرآن الكريم تنزيل من الله العزيز الحكيم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١ - ٢)","vol":"4","page":72},{"text":"<span id=\"aya-4476\"></span>\n\n<span id=\"aya-4477\"></span>\n\n<span id=\"aya-4478\"></span>﴿بدليل آيات الخلق في كل شيء التي تشير، لكل عاقل، إلى وجود سلطة خالقة واعية تنزّل الرسالات الروحية على البشر: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣ - ٥)\n\n<span id=\"aya-4479\"></span>فمعجزة الإتقان في خلق البشر والحيوان والأفلاك يستحيل أن تكون مصادفة، كما يستحيل أن تكون عبثا بل هنالك مغزى منها وهي دليل على الحق، وقد أشار إليها وبيّنها القرآن، فماذا يريدون أكثر من ذلك كي يؤمنوا: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-4480\"></span>\n\n<span id=\"aya-4481\"></span>لكنّ الذين اعتادوا الكذب على أنفسهم استكبروا وصمّوا آذانهم عن الرسالة، فالاستكبار سبب لانحراف العقول - الإفك -: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧ - ٨)، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٩/ ٥١].\n\n<span id=\"aya-4482\"></span>وحتى لو علم المستكبر من الآيات ما لا سبيل إلى إنكاره فهو يلجأ إلى الهزء والسخرية تهربا من الحقيقة وتمسّكا بالدنيا: ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اِتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4483\"></span>ثم يؤول مصير أمثاله إلى جهنم، فلا يفيدهم ما كسبوا في دنياهم من المادة، ولا تنفعهم القيم الزائفة التي اعتقدوها، ولا السلطة التي طالما ركضوا وراءها، ولا الجاه ولا الثروات التي جمعوها، بل على النقيض تكون مصدر عذاب عظيم لهم: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ وحتى أعمالهم الحسنة تذهب هباء، انظر آية [النور ٣٩/ ٢٤].","vol":"4","page":73},{"text":"<span id=\"aya-4484\"></span>﴿فالقرآن هدى، ومن يصرّ على إنكاره يكون العذاب الأليم الذي يلحق به في الآخرة نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه من الرجز: (هذا) القرآن ﴿هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١١) فتقدير الخطاب:\nلهم عذاب أليم من رجز، أي بنتيجة الرجز الذي كانوا عليه في دنياهم وبسببه يلحق بهم العذاب، وقالوا أن الرجز هو الرجس أو النجاسة أي القيم الزائفة التي يعتقدها المرء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثّر ٥/ ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠] أي الذين لا يستخدمون عقولهم بالطريق السوي يصبحون ضحية للاعتقاد بالقيم الزائفة، ومنه قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]،\n\n<span id=\"aya-4485\"></span>\n\n<span id=\"aya-4486\"></span>وللاستعانة على هجر الرجز يجب التفكر في معجزات الآيات الكونية: ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٢ - ١٣)\n\n<span id=\"aya-4487\"></span>أما المصرّون على الكفر وإنكار الآخرة فمن واجب المؤمنين أن يغفروا لهم، بعد تذكيرهم، ثمّ يتركوا حسابهم على الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-4488\"></span>فنتيجة العمل الصالح تعود على صاحبه، تماما كنتيجة السيّيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-4489\"></span>ومثال ذلك أنه تعالى منّ على بني إسرائيل بالرزق المعنوي، ببعث الرسل فيهم، وبالرزق المادي بأن أخرجهم من عبودية فرعون إلى أرض فلسطين، واختارهم في زمنهم لحمل رسالة التوحيد: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦)﴾","vol":"4","page":74},{"text":"<span id=\"aya-4490\"></span>﴿وبيّن لهم أمور العقيدة فاختلفوا فيها وارتكسوا إلى الوثنية في حقب كثيرة من تاريخهم، واعتبروا أنفسهم \"الشعب المختار\" استعلاء واستكبارا على غيرهم، فلا يغتر المرء بقوتهم وغناهم اليوم: ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-4491\"></span>ثم بعث تعالى النبيّ ﷺ وأوكل إلى المسلمين حمل رسالة التوحيد وجعلهم على الطريق الصحيح لإرشاد البشرية بعد ضلال بني إسرائيل وفشلهم في حمل الرسالة، ولذا وجب الحذر من اتّباعهم: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨)، وانتقال السورة من بعثة موسى إلى بعثة النبي مباشرة دون ذكر لبعثة عيسى، لأن بعثة عيسى كما بعثة موسى ﵈ كانتا لبني إسرائيل، وفي الآية أيضا إشارة خفية لانتقال النبوة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل.\n\n<span id=\"aya-4492\"></span>وفي هذه الآية تهديد لمن يتّبعهم، وأن الظالمين من أمثالهم ينصرون بعضهم بعضا كما هي الحال اليوم من نصرة الغرب لهم، في حين ينصر الله تعالى المتقين: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-4493\"></span>وأن القرآن الكريم، في إشارة للآيات (٢ - ٤)، وعلى النقيض من التوراة التي تلاعبوا بها، يكشف للناس الغرض من الإيمان: ﴿هذا﴾ القرآن ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ كافة جاهلهم وعالمهم، سوى المستكبرين المشار إليهم بالآية (٨)، وهو بشكل خاص هدى ورحمة لمنفتحي العقل منهم والذين يستطيعون الارتفاع من حضيض الحيوانية إلى قمة الإنسانية: ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-4494\"></span>فلا تستوي حياة المحسنين والمسيئين، لأنّ المحسن يتمتع بالسلام الروحي في حياته وعند مماته، ممّا لا يعرفه المسيء: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ﴾","vol":"4","page":75},{"text":"﴿نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-4495\"></span>﴿وأن العدالة تقتضي أن تكون الحياة الدنيا مرحلة أولى فقط كي تكون ذات معنى، وليست نهاية المطاف: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-4496\"></span>غير أنه لا طائل من محاولة هدي من يجري وراء مادية الدنيا وقد جعل الهوى إلها، فالله تعالى يخلّيه لنفسه لعلمه أنّه أغلق عقله سلفا عن التفكّر:\n﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-4497\"></span>وأمثاله يزعمون، بلا علم يقيني، أن أمور الكون تسير وفق قوانين عشوائية عمياء بالمصادفة، وأن ليس من خطة إلهية ولا مغزى من الحياة: ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-4498\"></span>وإذا سمعوا آيات القرآن البينات لم يفكّروا بمعناها بل يكون جوابهم تحدّيا يليق بسذاجة الأغبياء: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-4499\"></span>ومعظم الناس جاهلون أو غافلون عن حقيقة القيامة: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-4500\"></span>غير أنّ بطلان حساباتهم يظهر لهم جليا يوم قيام الساعة فتكون النتيجة خسران أنفسهم: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾","vol":"4","page":76},{"text":"<span id=\"aya-4501\"></span>﴿وعندها يكون الناس كافة في حالة خضوع تام يرون أعمالهم ماثلة أمامهم للجزاء: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-4502\"></span>فلا يفوت من أعمالهم شيء: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-4503\"></span>ويدخل المحسنون في رحمة الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (٣٠)\n\n<span id=\"aya-4504\"></span>أما الآخرون فقد أدّى بهم الانغماس في مادية الدنيا إلى الكفر والاستكبار والإجرام: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ (٣١)\n\n<span id=\"aya-4505\"></span>بل إلى إنكار المسؤولية الأخلاقية والتشكيك بالساعة والحساب: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٣٢)\n\n<span id=\"aya-4506\"></span>ويوم الحساب يفيقون على الحقيقة التي طالما هزئوا بها، فتحيط بهم عواقب سوء عملهم: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٣)\n\n<span id=\"aya-4507\"></span>فلا يكترث تعالى بهم ويتركهم لنتيجة عملهم السيّئ في الدنيا: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٤)\n\n<span id=\"aya-4508\"></span>إذ لم يستفيدوا من الهدي الإلهي بل ركضوا وراء مباهج الدنيا واغتروا بماديتها فلا بد أن يتحملوا مسؤولية أعمالهم في الآخرة: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾","vol":"4","page":77},{"text":"<span id=\"aya-4509\"></span>\n\n<span id=\"aya-4510\"></span>فالحمد لله الذي جعل الحياة دنيا وآخرة، تكمّل الآخرة الأولى وتتحقق بها العدالة والحكمة: ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣٦ - ٣٧) فالكبرياء لله وحده لا ينبغي للعباد أن يشاطروه بها.","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4554>سورة الأحقاف - ٤٦ - مكية</span>\nالأحقاف آخر مجموعة سور الحواميم السبع: (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف) التي تبدأ بحرفي المقطعات ﴿حم﴾، نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة (الأحقاف) المذكورة في (الآية ٢١)، وهي سلاسل الهضاب الرملية اللتين تميّز شمال حضرموت واليمن اللتين كان يقطنهما قوم عاد، وبعث فيها نبيهم هود، وبها ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٧/ ٨٩ - ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-4555>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nسورة الأحقاف استمرار لسورة الجاثية من حيث التأكيد أنه لا هدي إلاّ هدي القرآن: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية ٤٥ - ١/ ٤٦ - ٢]،\nوفي سورة الجاثية أن من ينكر الآخرة والمسؤولية يخسر نفسه: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية ٢٢/ ٤٥]، ثمّ في سورة الأحقاف: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف ٣٤/ ٤٦]،","vol":"4","page":79},{"text":"وفي سورة الأحقاف استمرار لقصة بني إسرائيل المذكورة في سورة الجاثية، الآيات [الجاثية ١٦/ ٤٥ - ١٧]، والتي بدأت في سورة الدخان، الآيات [الدخان ٣٠/ ٤٤ - ٣٦]، ثمّ في هذه السورة يشهد شاهد من بني إسرائيل، وهو موسى ﵇، على مبعث النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل، الآية [الأحقاف ١٠/ ٤٦]،\n\n<span data-type='title' id=toc-4556>محور السورة</span>\nبعد تأكيد أصالة القرآن، تبين السورة أن الخلق ليس عبثا، وأنه ينتهي إلى أجل مسمّى: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [٣/ ٤٦]، وتنفي الشرك والشركاء عنه تعالى، وتحض الإنسان على تفهم ذلك لما في الشرك من حطّ بكرامة البشر:\n﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [٥/ ٤٦]، وأن من شأن المستكبرين المصرّين على الكفر الاستهزاء بضعاف الناس من الأقليات المؤمنة بزعم أن ضعفهم ناتج من تدينهم، جاهلين أن الضعف، إن وجد، سببه سوء فهم للدين: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [١١/ ٤٦]، وأنّ الإيمان من دون العمل الصالح لا يستقيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [١٣/ ٤٦]، وأن لا ملجأ ولا مفر ولا بديل لمن لا يستجيب للهدي الإلهي: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [٣٢/ ٤٦]، وأن مفهوم الزمن بالمقياس الدنيوي لا معنى له بمقاييس الآخرة:\n﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ [٣٥/ ٤٦].","vol":"4","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4557>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4511\"></span>\n\n<span id=\"aya-4512\"></span>﴿تأكيد، كما في أول سورة الجاثية، على أصالة القرآن الكريم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-4513\"></span>وأن خلق الكون ليس عبثا بل ينتهي إلى أجل مسمّى في الزمان والمكان:\n﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4514\"></span>وأن ليس لدى المشركين من برهان على ما يزعمون من آلهة أو قوى إلهية غير الله ﷾: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-4515\"></span>وغاية الضلال أن يدعو الإنسان من ليس بطاقته الإجابة البتّة، بل إن المدعو في تمام الغفلة عمّن يدعوه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-4516\"></span>ثم يظهر للمرء يوم القيامة بطلان ضلالاته، فما كان يدعو سوى أوهام:\n﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-4517\"></span>بعد نفي الشرك والشركاء عنه تعالى، (الآيات ٤ - ٦)، تعود السورة لموضوع (الآية ٢)، فالمصممّون على الكفر يبتدعون الأعذار كي لا يواجهوا إعجاز القرآن: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾","vol":"4","page":81},{"text":"<span id=\"aya-4518\"></span>﴿بل يضلّون أنفسهم بزعم أنّ النبي ﷺ افتراه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٨)، وفي ذلك إشارة لموضوع (الآية ٢)،\n\n<span id=\"aya-4519\"></span>في حين أن بعث النبي ﷺ لم يكن من الغرابة في شيء، فبعث الأنبياء كان مستمرا منذ بدء الخليقة، والنبي لم يدّع علم الغيب، والرسالة الإسلامية استمرار لما سبقها من الرسالات: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4520\"></span>فما مبرر كفرهم ببعث النبي سوى أنهم مستكبرون؟ علما أنّ موسى بشّر بمجيء النبي وهو مذكور في كتبهم، \"سفر التثنية ١٥/ ١٨ و١٨/ ١٨\"، والخطاب هنا صار موجّه لليهود: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠) والشاهد من بني إسرائيل هو موسى نفسه،\n\n<span id=\"aya-4521\"></span>فإنّهم من واقع ماديتهم وسلطانهم ينظرون إلى المؤمنين نظرة عجرفة وفوقية، وينسبون ضعف المؤمنين إلى ديانتهم، في حين أن هذا الضعف - إن وجد - ناتج عن سوء فهم للدين: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-4522\"></span>وقد نزلت التوراة بما فيها من البشارة بمقدم النبي ﷺ، وهذا القرآن يصدّق التوراة الأصلية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا﴾ القرآن ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾، وفي انتقال الآية من ذكر بعثة موسى ﵇ إلى الإشارة لبعثة محمد ﷺ ما فيه من إغفال ذكر بعثة عيسى ﵇ كونه بعث إلى اليهود خاصة، وإشارة ضمنية أيضا لانتقال النبوة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل،","vol":"4","page":82},{"text":"<span id=\"aya-4523\"></span>﴿وفي التوراة التي تلاعب بها اليهود فاتهم أنّ العبرة ليست بالإيمان شكلا ولا التبجح بأنهم \"الشعب المختار\" ولكن العبرة بالإيمان الذي يرافقه الاستقامة في العمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-4524\"></span>فحسن الختام لمن أتبع الإيمان بالعمل الصالح: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-4525\"></span>ومن العمل الصالح بر الوالدين، وتربية الذرية الصالحة، وشكر النعمة بالعمل، والتوبة والإسلام: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-4526\"></span>ويثيب تعالى أمثال هؤلاء بأحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-4527\"></span>ومن أهم واجبات الوالدين تربية الذرية الصالحة: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-4528\"></span>\n\n<span id=\"aya-4529\"></span>غير أن المسؤولية فردية، ولذا يتحمل كل فرد نتيجة خياره: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٨ - ١٩)","vol":"4","page":83},{"text":"<span id=\"aya-4530\"></span>﴿فالمستكبرون المصرّون على الكفر يؤول مصيرهم إلى عذاب الذلّ والهون في الآخرة بعد أن كانوا يستمتعون بالطيبات في حياتهم الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-4531\"></span>وتضرب السورة مثلا ببعثة النبي هود إلى قومه عاد يدعوهم لعبادة الله وحده وينهاهم عن الشرك، وفي ذلك عودة لموضوع (الآيات ٤ - ٦): ﴿وَاُذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢١) والنّذر بين يديه إشارة للآيات الآفاقية، ومن خلفه أي ما قبله من بعث الرسل.\n\n<span id=\"aya-4532\"></span>لكنّ عاد تمسّكت بما توارثته عن الآباء من التقليد وظلم العقل، وتحدّث نبيّها أن يأتيها بالعذاب الموعود: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-4533\"></span>لكن مهمة النبي مقتصرة على البلاغ وليس القهر، والعلم عند الله بتوقيت العذاب واستحقاقه: ﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-4534\"></span>فلما رأوا العاصفة متجهة نحوهم استبشروا بها وظنّوهات مطرا في حين كانت ما استعجلوا من العذاب: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-4535\"></span>فلم تترك في ديارهم سوى مساكن فارغة من أهلها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾، وتفصيله قوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ *﴾","vol":"4","page":84},{"text":"﴿* سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ [الحاقّة ٦/ ٦٩ - ٨]، وهكذا انتهت حضارتهم العظيمة في عصرها التي وصفها تعالى بقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٨/ ٨٩].\n\n<span id=\"aya-4536\"></span>﴿ثم ينتقل الخطاب إلى كفار مكة، بل إلى مجتمعات الكفار في كل عصر، فقد مكّن تعالى قوم عاد من أساليب الحضارة المادية في عصرهم ما إن مكّن فيه الكفّار بعدهم لازدادوا طغيانا، لكن جحودهم بآيات الله منعهم من استخدام الحواس والعقل بالأسلوب السليم: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ (٢٦)، وأن الجحود ينعكس سلبا على أصحابه بشكل طبيعي: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-4537\"></span>فمن سننه تعالى في أمثالهم أن يؤول مصير مجتمعاتهم إلى الهلاك: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-4538\"></span>فلم تنفعهم الآلهة التي أشركوا بها، وهي ليست مقتصرة على الأصنام والآلهة المزعومة التي ظنّوا أنها تقربهم إلى الله زلفى - قربانا - بل تتجاوزها إلى ما عبدوه من الدنيا والمادة والشهوات والثروات والجاه والسلطان والأوهام - الإفك - والافتراء: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-4539\"></span>وفي حين أنّ الجن استفادت من وحي القرآن فقد فشل في ذلك كثير من الإنس: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾، وتفصيل القصة مذكور في سورة الجن.","vol":"4","page":85},{"text":"<span id=\"aya-4540\"></span>﴿وقد أنذروا قومهم بنزول القرآن، وقولهم: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ دون أي ذكر لبعثة عيسى، يفيد أنهم يهود وأن القرآن يصدّق ما تبقى بين يديه في التوراة من الوحي الصحيح، وفي ذلك إشارة لمضمون الآيات (١٢، ١٠): ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٠)،\n\n<span id=\"aya-4541\"></span>ودعوا قومهم إلى الإسلام: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣١)، وفي سورة الجن أن صار منهم مسلمون: ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن ١٤/ ٧٢].\n\n<span id=\"aya-4542\"></span>وأن ليس هنالك من مفرّ ولا بديل لمن لا يستجيب لهدى الله: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٢)\n\n<span id=\"aya-4543\"></span>وأن الآيات الكونية حول الإنسان دليل وإثبات على البعث: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٣)\n\n<span id=\"aya-4544\"></span>لكنّ المصرّين على الكفر لا يكتشفون حقيقة الآخرة إلا بعد فوات الأوان:\n﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٤)\n\n<span id=\"aya-4545\"></span>وأن مفهوم الزمن كما يعرفه البشر في دنياهم يصبح غير ذي معنى في الآخرة: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾.","vol":"4","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4591>سورة محمد - ٤٧ - مدنية</span>\nنزلت في وقت مبكر جدا من الفترة المدنية، واشتق اسمها من ورود اسم النبي ﷺ بالآية (٢)، وهي الأولى في مجموعة سور مدنية ثلاث: (محمد - الفتح - الحجرات) تنظّم المجتمع الإسلامي من نواح ثلاث،\n\n<span data-type='title' id=toc-4592>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبينت سور الحواميم المكّية السبعة (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف) أنّ الكثير من الناس مصرّون على الكفر وإنكار القرآن بنتيجة استكبارهم وغرورهم واعتقادهم بالاكتفاء بما عندهم من العلوم الدنيوية، وانغلاق عقولهم سلفا على الشرك والتقليد وحب الدنيا وتغليب الهوى، ولذا لا يعطون أنفسهم الفرصة لدراسة القرآن دراسة جدية بلا تحيز فكري مسبق.\nكما بينت أن مغزى الحياة الدنيا لا يتضح إلا من حيث كونها مرحلة أولى تكتمل بتحقق البعث والحساب في الحياة الآخرة، وأن الإيمان مرتبط بالعمل الصالح، ممّا يضع الإنسان أمام مسؤولياته الأخلاقية، وأن من ينكر الآخرة والمسؤولية يخسر نفسه.","vol":"4","page":87},{"text":"ومع ذلك فما على المسلم سوى البلاغ، لأنه ليس حفيظا على الناس، ولكن الكفار عاملون في الصدّ عن الإسلام، لذا تنتقل سورة محمد إلى موضوع الدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية وحماية العقيدة.\nوهنالك ارتباط مباشر بين آخر سورة الأحقاف السابقة: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦] وبداية هذه السورة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد ١/ ٤٧]، أي أن أعمال \"الخير\" التي قد يقوم بها الكفار تذهب هباء - يوم الحساب - بنتيجة كفرهم وصدّهم عن الإسلام، والسبب تفسره السورة،\nوفي سورة الأحقاف أن آلهة المشركين وأوهامهم لا تفيدهم شيئا: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف ٢٨/ ٤٦]، ثم في سورة محمد أن الكفار لا مولى حقيقي لهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد ١١/ ٤٧]،\nوفي سورة الأحقاف أن طيبات الكفار مقتصرة على الحياة الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف ٢٠/ ٤٦]، وفي سورة محمد أنهم يتمتعون في الدنيا ويأكلون كما تأكل الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد ١٢/ ٤٧]،\n\n<span data-type='title' id=toc-4593>محور السورة</span>\nيدور حول الدفاع عن الأمة تجاه العدوان ووجوب التضحية في سبيل ذلك:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [٧/ ٤٧]، وأن عدم الامتثال لأوامر الوحي وترك الدفاع عن العقيدة وحرية الدين سبب","vol":"4","page":88},{"text":"لانتشار الفساد والحروب الأهلية وقطع الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [٢٢/ ٤٧] فما لهم لا يحاولون فهم القرآن بقلوب مفتوحة بدلا من التشنج الفكري المسبق: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [٢٤/ ٤٧] وأن الله تعالى يختبر الناس بظهور أفعالهم واستعدادهم للتضحية إلى حيّز العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [٣١/ ٤٧] وتبيّن السورة أن الهوان على المعتدين واستجداء السلام منهم لا يليق بالمؤمنين ما داموا على الحق: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ [٣٥/ ٤٧]،\n\n<span data-type='title' id=toc-4594>النظم في السورة</span>\n﷽\nالكفار الذين لم يقتصر كفرهم على أنفسهم بل تجاوزه بأن صدّوا غيرهم عن الإسلام، أو منعوا المسلمين من اتّباع دينهم، وعملوا على منع حرية الفكر والعبادة، فهؤلاء إن كان لهم أعمال \"حسنة\" فهي تذهب عند الله هباء:\n\n<span id=\"aya-4546\"></span>﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (١)، أنظر أيضا آية [النور ٣٩/ ٢٤ - ٤٠]، وآية [الفرقان ٢٣/ ٢٥]، والآية (٣٢) من هذه السورة،\n\n<span id=\"aya-4547\"></span>في حين أن المؤمنين الذين اقترن إيمانهم بالعمل الصالح وتصديق القرآن، فالله تعالى يغفر لهم سيئاتهم ويسترها ويصلح قلوبهم فينعموا بالراحة النفسية:\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-4548\"></span>وذهاب حسنات الكفار هباء ليس سوى نتيجة طبيعية لاتّباعهم الباطل، كما أن مغفرة سيئات المؤمنين نتيجة لاتّباعهم الحق: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا﴾","vol":"4","page":89},{"text":"﴿الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4549\"></span>﴿وعندما يبدأ الكفار الحرب بغرض الصدّ عن سبيل الله (الآية ١) يصبح من واجب المؤمنين الدفاع عن أنفسهم بغرض إنهاء الحرب، أي حتى تضع الحرب أوزارها، والشريعة تسمح لهم بأخذ الأسرى بعد إضعاف العدو ثم تحريرهم بعد ذلك أو أخذ الفدية عنهم، والمغزى من تضحيات المؤمنين أنه تعالى يختبر العباد بظهور أفعالهم إلى حيّز العلن، وبالتالي لا تذهب تضحيات الشهداء سدى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-4550\"></span>\n\n<span id=\"aya-4551\"></span>فتنعم أرواح الشهداء بالسلام وينالون ثواب أعمالهم: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ (٥ - ٦)\n\n<span id=\"aya-4552\"></span>وينصر تعالى المؤمنين إن كانت مجتمعاتهم قائمة على الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ (٧)، أنظر أيضا آية [النور ٥٥/ ٢٤].\n\n<span id=\"aya-4553\"></span>في حين تنتظر الكفار التعاسة وتذهب أعمالهم - الحسنة - سدى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-4554\"></span>والسبب أنهم كرهوا القيم والالتزام وأشركوا وأنكروا المسؤولية تجاه الخالق مما جرّد أعمالهم من كل قيمة أخلاقية: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)﴾.","vol":"4","page":90},{"text":"<span id=\"aya-4555\"></span>﴿والأمثلة على دمار الأمم البائدة من أمثالهم متكررة في التاريخ، وسنة الله في الخلق لا تتغير: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-4556\"></span>لأنّ الله تعالى يهدي عباده المؤمنين، أما المصرّون على الكفر فيخلّيهم لأنفسهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-4557\"></span>فيتمتع الكفار بنصيبهم من الحياة الدنيا كالبهائم، لكن مصيرهم في الآخرة يؤول إلى النار: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-4558\"></span>وقد شهد التاريخ من المجتمعات الكافرة (الآية ١٠) من هم أشد قوة من كفار قريش ومع ذلك انتهى مصيرها إلى الهلاك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-4559\"></span>فلا يستوي في العاقبة من كان ثابتا على حجج ظاهرة مستندة على الوحي وعلى البراهين العقلية، ومن اتّبع الهوى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-4560\"></span>فعاقبة الأول في الجنة والآخر في النار، و(الآية ١٥) تضرب لنا مثلا عن الجنة والنار، وضرب المثل لأن حقيقتهما خارج إدراك البشر، قال الزمخشري: ذلك تمثيل لما غاب عنّا بما نشاهد، أي بما نعرفه من المحسوس: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾","vol":"4","page":91},{"text":"<span id=\"aya-4561\"></span>﴿وهنالك من المنافقين من قارب الكفر، أو هم عليه، يستمعون إلى خطاب الوحي استماع سخرية وهزء في حين يظهرون ويدّعون له الاحترام، والسبب تغليبهم الهوى على العقل، إذ ليس لأمثالهم استعداد في حقيقة دخيلتهم أن يقرّوا بإعجاز القرآن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-4562\"></span>أما منفتحو الذهن الذين لديهم استعداد لتفهم الحقيقة فإنّ الله تعالى يهديهم إليها: ﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-4563\"></span>وعندما تحين الساعة بغتة وتكشف الحجب لا يستفيد المنافقون والكفار من الذكرى لأن الإيمان يصير قسريا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ (١٨) وأشراط الساعة تحققت ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل.\n\n<span id=\"aya-4564\"></span>وبعدما نزل القرآن آن لكل فرد أن يوقن أنّ كل شيء ما خلا الله باطل، ويستغفر لذنوبه وذنوب المؤمنين والمؤمنات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-4565\"></span>\n\n<span id=\"aya-4566\"></span>بل إن المؤمنين الصادقين ينتظرون الأذن بالقتال دفاعا عن الدين ويتشوقون لذلك، أما ضعاف الإيمان والمنافقون فتزيغ أعينهم من الخوف عند نزول الإذن بالقتال - آية [الحج ٣٩/ ٢٢]- وقد كان الأولى لهم إبداء جدّيتهم واستعدادهم للدفاع والتضحية: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ * طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٢٠ - ٢١)","vol":"4","page":92},{"text":"<span id=\"aya-4567\"></span>﴿لأن عدم الامتثال لأوامر الوحي وترك الدفاع عن حرية الدين سبب لانتشار الفساد والحروب الأهلية وقطع الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ (٢٢).\n\n<span id=\"aya-4568\"></span>ومثل الذين أعرضوا عن الوحي كمن أصمّ أذنيه عن سماع الحق وأعمى بصيرة نفسه بنفسه: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ (٢٣)، انظر آية (البقرة ٧/ ٢).\n\n<span id=\"aya-4569\"></span>فما لهم لا يحاولون فهم القرآن بقلوب مفتوحة بدلا من التشنج الفكري المسبق، والتأرجح بين الشك واليقين؟ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤)، وفي ذلك إشارة للمنافقين المذكورين بالآية (١٢)،\n\n<span id=\"aya-4570\"></span>ومن أهل الكتاب من نكص بعد ما تبيّن لهم صدق القرآن، ومن ضعاف الإيمان الذين ارتدّوا بعد إيمانهم، ومن المنافقين اللاهثين وراء الدنيا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-4571\"></span>يريدون أن يحافظوا على مصالحهم لدى الطرفين، المسلمين والكفار: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-4572\"></span>ولكنهم يذوقون ثمار عملهم عندما تزهق أرواحهم إذ يعاينون هول آخرتهم رأي العين فلا يستطيعوا منها فكاكا ويتوقون للتمسك بالدنيا فلا يستطيعون:\n﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-4573\"></span>وتلك نتيجة طبيعية لإصرارهم على الإنكار في الدنيا رغم قناعتهم وانبهارهم بنور القرآن، فبالتالي تحبط أي أعمال \"حسنة\" لهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)﴾","vol":"4","page":93},{"text":"<span id=\"aya-4574\"></span>﴿بل إن الله تعالى يظهر أحقادهم إلى العلن فلا تبقى مستورة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-4575\"></span>وأن بإمكان المؤمن الصادق فرز المنافقين من سلوكهم ولو لم تكن بهم علامات فارقة: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٠)\n\n<span id=\"aya-4576\"></span>ومع علمه تعالى بالغيب فإنه يختبر الناس بظهور أفعالهم إلى حيّز العلن فيبرز استعدادهم الفعلي للتضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيله وليس بمجرد النوايا:\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ (٣١)\n\n<span id=\"aya-4577\"></span>فيظهر منهم المنافقون الذين أصرّوا على الكفر والجحود، ولا يعود الضرر إلاّ عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ (٣٢)\n\n<span id=\"aya-4578\"></span>وبعد بيان مآل الكفار والمنافقين تحذر السورة المؤمنين أن يحذو حذوهم:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٣)\n\n<span id=\"aya-4579\"></span>ثم تعود السورة إلى النقطة التي بدأت منها بالآية (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (٣٤)\n\n<span id=\"aya-4580\"></span>وتبيّن أن الهوان على المعتدين واستجداء السلام منهم لا يليق بالمؤمنين ما داموا على الحق، فالله تعالى لا يضيع أعمالهم: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٥)،\n\n<span id=\"aya-4581\"></span>ومع أن الحياة الدنيا لعب ولهو في جنب الآخرة فإن الله تعالى لا يفرض على المؤمنين التضحية بجميع أموالهم بل بجزء يسير منها - الزكاة ربع العشر فقط -:\n﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦)﴾،","vol":"4","page":94},{"text":"<span id=\"aya-4582\"></span>﴿فالقرآن الكريم يأخذ بالاعتبار أنّ الإنسان خلق ضعيفا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨/ ٤] ولو فرض عليه متطلبات قاسية كالتضحية بجميع ماله لفشل في أدائها: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ (٣٧)،\n\n<span id=\"aya-4583\"></span>إذن المتطلبات القرآنية من الإنسان معقولة وليس بها مغالاة، بل هي متناسبة مع الطبيعة البشرية، ولذا عندما تحجم الأكثرية عن التضحية وتتمسك بالبخل فالعاقبة تنعكس سلبا على المجتمع بكامله وتسبب زواله: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾.","vol":"4","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4631>سورة الفتح - ٤٨ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-4632>نبذة تاريخية</span>\nفي أواخر السنة السادسة من الهجرة عزم الرسول ﷺ على التوجه مع صحبه من المدينة إلى مكة لأداء العمرة بعد مضي قرابة ستة أعوام من الغزوات والحروب بين المسلمين وكفار قريش، ولما كان النبي ﷺ بصدد العمرة فقط فلم يكن يتوقع حدوث أي قتال أو مواجهة بينه وبين كفار قريش، خاصة أن شهر ذي القعدة من الأشهر الحرم الأربعة التي اتفق العرب منذ القدم أن يحرم فيها القتال وخاصة في منطقة مكة، ثم إن النبي ﷺ بعث إلى القبائل المتحالفة معه حول المدينة يدعوها للاشتراك معه بأداء العمرة فتخلّف معظمها بأعذار واهية ظنا منهم أن قريش سوف تهاجم المسلمين العزّل وتدحرهم (الآية ١٢) فانطلق النبي ومعه حوالي ١٤٠٠ رجل فقط من صحابته بلباس الإحرام وهم عزّل من السلاح سوى السيوف التي في أغمادها.\nوعندما علمت قريش باقتراب النبي وصحبه من مكة بعثت خالد ابن الوليد - الذي كان مقدّرا له دخول الإسلام بعد ذلك بأقل من عامين - على رأس مئتين من الفرسان لقطع الطريق على المسلمين واتخذ الألوف من المشركين المسلحين مواقع حصينة حول مكة لمنعهم من دخولها، ولما كان النبي لم يأت","vol":"4","page":96},{"text":"مقاتلا، ولم يكن مستعدا للقتال، فقد اتجه غربا عند وصوله بئر عسفان ونزل في سهل الحديبية حيث أمضى فيه بضعة أيام مع أصحابه بدأت خلالها المفاوضات بينه وبين المشركين، ثم بعث النبي عثمان بن عفان مندوبا إلى مكة للتفاوض مع زعمائها، وبعد وصول عثمان إلى مكة انتشرت الشائعات في الحديبية بأنه قتل، مما جعل النبي ﷺ يتوقع هجوما غادرا عليه من المشركين فجمع أصحابه واستشارهم فبايعوه على الثبات والقتال معه حتى الموت في حال هاجمهم المشركون (الآية ١٨) وهي البيعة التي سميت بيعة الرضوان، وبعد أيام تبين زيف الشائعات وعاد عثمان سالما كما تبين أن كفار قريش على استعداد لعقد هدنة مع النبي وبالفعل تم توقيع هدنة مدتها عشر سنوات، من شروطها أن يرجع النبي وصحبه إلى المدينة هذا العام على أن يعودوا لأداء العمرة العام القادم، كما وافق النبي في المعاهدة أنه في حال هروب بعض أغرار وموالي المشركين من مكة إلى المدينة فإن الرسول يعيدهم إلى مكة، في حين لا يلتزم المشركون بإعادة من يهرب إليهم من المسلمين، وقد بدت المعاهدة في ظاهرها مجحفة بحق المسلمين غير أن الأحداث برهنت بعد ذلك أن صلح الحديبية كان ذا أهمية ايجابية كبرى في تاريخ الإسلام وفي انتشاره في جزيرة العرب إذ ترتب على الهدنة أن يختلط المشركون مع المسلمين في مكة والمدينة ويدخل الألوف منهم في الإسلام بعد اقتناعهم بالحجة والبرهان، حتى أنه عندما نقضت قريش صلح الحديبية بعد عامين من إبرامه تمكن الرسول وصحبه من فتح مكة دون قتال، وهكذا كان صلح الحديبية بداية ظفر الإسلام السياسي والمعنوي في جزيرة العرب.\nوالجمهور على أن سورة الفتح نزلت بعد صلح الحديبية (ذي القعدة عام ٦ للهجرة) خلال عودة الرسول ﷺ من الحديبية إلى المدينة.","vol":"4","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4633>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن بينت سورة محمد المتقدمة أنّ على المؤمنين الدفاع عن الأمة تجاه العدوان ووجوب التضحية في سبيل ذلك، وأن الله تعالى يختبر الناس باستعدادهم للتضحية وبظهور أفعالهم إلى حيّز العلن وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧]،\nتضرب سورة الفتح مثالا على ذلك بالأحداث التي بدأت من صلح الحديبية وانتهت بفتح مكة وتبين الأسلوب الصحيح للتعامل مع المشركين والكفار كي ينتشر الإسلام سلما وبالقدوة الحسنة، الآية [الفتح ٢٩/ ٤٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-4634>محور السورة</span>\nالآية الأخيرة من السورة تلخص الأحداث المشار إليها بنموذج اجتماعي يتكرر في كل العصور، فهي تشبّه جماعة المؤمنين الناشئة في جزيرة العرب زمن البعثة - وبالتالي في كل مجتمع آخر وفي كل زمن - بالنبتة الصغيرة التي تنمو وتكبر وتشتد، وهو ما برهنت الأحداث في صلح الحديبية وما بعده على صحته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ فلا يتوصلون معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي لشدة تقواهم وتواضعهم تجاه بعضهم البعض ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ كما كان المفترض في أتباع الديانات السابقة فكذلك في الإسلام ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ فالصلح يؤتي ثماره باختلاط الكفار مع المسلمين وانتشار ونمو الإسلام سلما بالقناعة والقدوة الحسنة، وبالتالي فإنّ مغفرة الله والأجر العظيم بانتظار من يؤمن من الكفار ويقرن إيمانه بالعمل الصالح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح ٢٩/ ٤٨].","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4635>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4584\"></span>﴿الآية الأولى من السورة إخبار بالغيب لأنها تشير إلى النصر المعنوي الذي تحقق للرسول ﷺ وللمسلمين عامة بصلح الحديبية والذي بدوره فتح الباب لانتشار الإسلام في جزيرة العرب: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-4585\"></span>ليكون في الفتح، فيما يكون، إبداء لمغفرته تعالى لما تقدم من ذنبه، ﵊، في الجاهلية وما تأخّر في الإسلام، وقالوا أنّ الذنب بالنسبة للنبي ﷺ هو خلاف الأولى، والآية إشارة غير مباشرة أن العصمة من الخطأ هي لله وحده: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢)، أي يتمّ تعالى نعمته على النبي بإعلاء شأن الإسلام ويهديه لتحقيق بعثته النبوية.\n\n<span id=\"aya-4586\"></span>فيتحقق ذلك بانتشار الإسلام من الأندلس إلى الصين في زمن خلفائه ﷺ:\n﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4587\"></span>ومن نعمته تعالى على النبي أن أنزل السكينة، أي الطمأنينة والثبات، على قلوب صحبه في الحديبية رغم ما كانوا عليه من قلة في العدّة والعدد أمام قوة وكثرة مشركي مكة، فأيقنوا أن لله جنود السماوات والأرض مما زادهم إيمانا مع إيمانهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-4588\"></span>ومن نتائج هذا الفتح المبين وانتشار الإسلام في جزيرة العرب أن يدخل تعالى المؤمنين والمؤمنات في جنات الخلد ويكفّر عنهم سيئاتهم، أي يمحوها، وذلك عند الله غاية ما يطمح إليه كل مؤمن ومؤمنة من الفوز: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾","vol":"4","page":99},{"text":"<span id=\"aya-4589\"></span>﴿أما المذبذبون ضعاف الإيمان من المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الذين لم يوقنوا بالتوحيد بل أنكروا الآخرة والمسؤولية فيحيط بهم السوء الذي يتربصونه للمؤمنين ويحل عليهم غضب الله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-4590\"></span>فهم في قبضة الله تعالى ليس لهم من محيص: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-4591\"></span>ولم يكن الله تعالى ليترك الناس بلا هداية، فبعث لهم الرسول شاهدا على الوحدانية والحقيقة، بشيرا للمؤمنين، نذيرا للمصرّين على الكفر: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-4592\"></span>ليؤمن من يؤمن بالله ورسوله، ولينصر المؤمنون دين الله، ويعظّموه سبحانه ويسبّحوه على الدوام: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4593\"></span>ومع أن الآية التالية تشير إشارة مباشرة إلى بيعة الرضوان، راجع النبذة التاريخية، إلا أن مغزاها عام لكل العصور، بمعنى أن الإيمان بالرسول كالإيمان بالله تعالى، وتكون بالتالي طاعة الرسول واتباع سنته واجبة على المؤمنين بالله:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-4594\"></span>ولكن المنافقين وأنصاف المؤمنين ومن قلوبهم مع الدنيا يختلقون شتّى الأعذار في كل زمن للتخلف وللتهرب من التضحية، ولا يقرنون القول بالعمل، وكان ذلك شأن معظم القبائل حول المدينة عندما دعاها الرسول للاشتراك معه في أداء العمرة: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾","vol":"4","page":100},{"text":"﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-4595\"></span>﴿إذ كانت قلوبهم مع الدنيا، فظنّوا لضعف إيمانهم أن قريشا سوف تقاتل المسلمين العزّل وتقضي عليهم: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-4596\"></span>وفاتهم أن من لا يجمع بين الإيمان بالله والإيمان برسوله يؤول إلى أسوأ العواقب: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-4597\"></span>ومع ذلك فإن الله تعالى يغفر للتائبين إذا تابوا بصدق وقرنوا التوبة بالعمل:\n﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-4598\"></span>والآية التالية تخبر بالغيب أيضا لأنه في العام ٧ هجرية، أي بعد بضعة شهور من صلح الحديبية، أراد المخلّفون اللحاق بالمؤمنين في غزوة خيبر بغرض الاشتراك في الغنائم: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ مع أن القتال يجب أن يكون خالصا لوجه الله، انظر آية [البقرة ١٩٣/ ٢]، وقد سبق نزول الوحي في سورة الأنفال أن الأنفال لله ورسوله فلم يفقهوه:\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (١٥)، وعدم فقه المخلّفين من الأعراب قادهم إلى ظن الحسد بالمؤمنين.\n\n<span id=\"aya-4599\"></span>ثم تتنبأ السورة بحروب الردّة وحروب المسلمين مع فارس والروم، وأنه سوف تتاح الفرصة وقتئذ للمخلّفين من الأعراب، الذين تخلّفوا عن الحديبية، لبيان حسن نواياهم بالعمل وليس بالقول: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦)﴾","vol":"4","page":101},{"text":"<span id=\"aya-4600\"></span>﴿وأن المعوّقين من الناس كالأعمى والأعرج والمريض ليس عليهم حرج في التخلّف عن القتال إذا نصحوا لله ورسوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-4601\"></span>\n\n<span id=\"aya-4602\"></span>وتتنبأ السورة بفتح خيبر، بل بفتح مكة، في القريب العاجل الذي يلي بيعة الرضوان، وبالفعل فتحت خيبر بعد الحديبية بأشهر، وفتحت مكة بعد أقل من عامين من الحديبية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١٨ - ١٩)\n\n<span id=\"aya-4603\"></span>وقد وعد الله المؤمنين مغانم الدنيا والآخرة، فعجّل لهم مغانم الدنيا، وكفّ أيدي يهود المدينة عنهم كما كفّ عنهم أيدي كفار قريش ففتحت مكة دون قتال، مما هو آية للمؤمنين من بعدهم، وهداية لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من الإعداد والتوكل على الله: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-4604\"></span>وهنالك مغانم أكثر للمؤمنين من سعادة الآخرة ما هي في علم الغيب:\n﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-4605\"></span>ونبوءة أخرى تحققت بهزائم الكفار المتتالية منذ صلح الحديبية حتى انتشار الإسلام، ليس في جزيرة العرب فقط، بل من الصين إلى الأندلس أيام الخلفاء:\n﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-4606\"></span>غير أن هذا الوعد بنصر المسلمين وهزيمة الكفار مشروط بأنه تعالى ينصر من ينصره، انظر آية [محمد ٧/ ٤٧]، وبكون المسلمين أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، انظر آيات [آل عمران ١١٠/ ٣ - ١١١، ١٣٩] وأن الله لا يغير ما","vol":"4","page":102},{"text":"بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم سلبا أو إيجابا، انظر آية [الأنفال ٥٣/ ٨]، فكل ذلك من سننه تعالى التي لا تتبدل: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-4607\"></span>﴿وقد أنعم تعالى على المؤمنين في الحديبية بأن توصلوا إلى الصلح مع قريش دون قتال، وفي رواية أن المسلمين أوقعوا في الأسر مجموعة من ٣٠ - ٨٠ من فرسان قريش حاولوا الانقضاض على المسلمين في الحديبية ثم أطلق المسلمون سراحهم بعد الصلح: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-4608\"></span>وأنه يستحيل على المرء أن يعرف إن كان غيره من الناس يستحق رحمة الله أو عقابه، وذلك من أسباب عودة الرسول وصحبه إلى المدينة دون أداء العمرة تفاديا لدخول مكة عنوة وتفاديا لوقوع ضحايا أبرياء: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-4609\"></span>وأنّ استكبار مشركي مكة الذي بدا في حميّتهم الجاهلية وتحكّمهم في شكليات نصوص صلح الحديبية قابله من جانب المؤمنين السكينة والطمأنينة وكان جوهر المعاهدة في صالح المؤمنين فلم يتمكن المشركون من استفزاز المسلمين: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-4610\"></span>وما لبثت ثمار صلح الحديبية أن تحققت، فبعد عام من إبرامها عاد المسلمون فدخلوا مكة سلما وأدوا مناسك العمرة، وبعد أقل من عام آخر أي في رمضان","vol":"4","page":103},{"text":"العام ٨ هجرية فتح المسلمون مكة دون قتال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-4611\"></span>﴿ونبوءة أخيرة بحتمية انتشار الإسلام في أنحاء العالم وظهوره على كافة الأديان: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-4612\"></span>والآية الأخيرة من السورة تلخص أحداثها بنموذج اجتماعي يتكرر في كل العصور، فهي تشبّه جماعة المؤمنين الناشئة في جزيرة العرب زمن البعثة - وبالتالي في كل مجتمع آخر وفي كل زمن - بالنبتة الصغيرة التي تنمو وتكبر وتشتد، وهو ما برهنت الأحداث في صلح الحديبية وما بعده على صحته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ فلا يتوصلون معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي لشدة تقواهم وتواضعهم تجاه بعضهم البعض ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ كما كان المفترض في أتباع الديانات السابقة فكذلك في الإسلام: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾، فالصلح يؤتي ثماره باختلاط الكفار مع المسلمين وانتشار ونمو الإسلام سلما بالقناعة والقدوة الحسنة، وبالتالي فإنّ مغفرة الله والأجر العظيم بانتظار من يؤمن من الكفار ويقرن إيمانه بالعمل الصالح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.","vol":"4","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4664>سورة الحجرات - ٤٩ - مدنية</span>\nنزلت في العام ٩ هجرية،\n\n<span data-type='title' id=toc-4665>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nالحجرات، الثالثة من مجموعة السور المدنية الثلاث (محمد - الفتح - الحجرات) المتتالية في الترتيب القرآني ومختلفة في سنوات النزول، والمجموعة تتعامل مع تنظيم المجتمع الإسلامي خارجيا لجهة الدفاع عنه (سورة محمد)، ولجهة نشر الإسلام والتبشير به بالقناعة والقدوة الحسنة (سورة الفتح)، وداخليا لجهة أخلاقيات أفراده (سورة الحجرات).\n\n<span data-type='title' id=toc-4666>محور السورة</span>\nأخلاقيات المجتمع الإسلامي تجاه الرسول والعلماء من بعده، والمسلمون تجاه بعضهم بعضا، ودعوة الإسلام تجاه الإنسانية عامة.","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4667>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4613\"></span>﴿تبدأ السورة بنهي المؤمنين أن يجعلوا رغباتهم الشخصية متقدمة على ما يأمر به القرآن الكريم وما تقتضيه السنة الشريفة، وبعبارة أخرى عدم تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-4614\"></span>وترشد المؤمنين إلى الأدب في التعامل مع النبي ﷺ، وبالتالي مع العلماء من بعده لقوله ﷺ: \"العلماء ورثة الأنبياء\": ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٢)، فرفع الصوت على وجه الإيذاء أو الاستهانة محبط للعمل، وخفض الصوت أفضل للاستفهام وللحوار، وقد يحبط العمل دون شعور من صاحبه.\n\n<span id=\"aya-4615\"></span>والذين يلتزمون قواعد الأدب المشار لها يظهر إلى العلن مظهر من مظاهر تقواهم الموجبة للمغفرة والأجر العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4616\"></span>\n\n<span id=\"aya-4617\"></span>أما الذين يستعجلون خروج النبي إليهم بندائه من بيته فذلك مما لا يعقل:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤ - ٥)\n\n<span id=\"aya-4618\"></span>وبعد أن بينت السورة قواعد الأدب مع النبي، وبالتالي العلماء وأولياء الأمر من بعده، تنتقل للإرشاد لوجوب الحفاظ على سمعة الأفراد وبالتالي سلامة المجتمع، فتحذّر من التسرع في تصديق ناقلي الإشاعات وتسمي ناقل الإشاعة فاسقا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)﴾","vol":"4","page":106},{"text":"<span id=\"aya-4619\"></span>\n\n<span id=\"aya-4620\"></span>﴿ومن ذلك أن الرسول ﷺ قدوة المسلمين في التعامل، فهو لا يقبل الأخبار عن طرف ثالث قبل التوثق منها، ولو فعل لكان في ذلك إجهاد المجتمع وهلاكه:\n﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٧ - ٨)\n\n<span id=\"aya-4621\"></span>وإن وقع الخلاف أو الاقتتال بين المؤمنين بنتيجة نقل الإشاعات الكاذبة وجب الإصلاح بينهم بالعدل حتى لو اقتضى الأمر قتال الفئة الباغية: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4622\"></span>وأن بين المؤمنين أخوّة دينية توجب السعي للصلح بينهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-4623\"></span>كما توجب ترك الإعجاب بالنفس وبالتالي عدم احتقار المؤمنين بعضهم بعضا والاستهزاء بهم، أو التشهير بهم، أو إطلاق ما يكره من الألقاب عليهم، كل ذلك منعا لتفسخ المجتمع، ممّا يكاد يكون فسقا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-4624\"></span>وتنهى عن سوء الظن بالآخرين بمجرد التخمين، فتجعل بعض الظن إثما لأن الظن قد يوجب الشك بالآخرين بما ليس له أساس، كما تنهى عن التجسس على الغير والغيبة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾","vol":"4","page":107},{"text":"<span id=\"aya-4625\"></span>﴿ثم تنتقل السورة من كيفية التعامل بين أفراد المجتمع الواحد من المؤمنين إلى كيفية التعامل بين الشعوب فتنهى عن التفاخر والفوقية والعصبية بين الأمم، وتحض على التعارف والحوار ما يؤدي إلى التفاهم بينها سلما، وأن العبرة هي بالتقوى ودعوة الإسلام وليست بالحسب والنسب ودعوة الجاهلية: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-4626\"></span>\n\n<span id=\"aya-4627\"></span>وأنّ العبرة ليست بالإسلام باللسان، وإنما بالإيمان الذي يدخل القلب فيقترن بالعمل بطاعة الله ورسوله: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (١٤ - ١٥)\n\n<span id=\"aya-4628\"></span>وأن الله تعالى يعلم السرائر فلا موجب للتبجّح بكون المرء مسلما أو مؤمنا:\n﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٦).\n\n<span id=\"aya-4629\"></span>وأن المسلم الحق، إن كان صادقا في دعواه، يحمد الله تعالى أن هداه للإيمان:\n﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-4630\"></span>والله تعالى عالم الغيب والسر والعلانية عالم بأعمال الناس، فدعوى الإيمان عند أحدهم يلزم أن يصدّقها العمل: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾","vol":"4","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4683>سورة ق - ٥٠ - مكية</span>\nقيل أنها نزلت في السنة الرابعة بعد البعثة، واشتق اسمها من افتتاح السورة بالحرف قاف، وهي السورة الثانية - بعد سورة القلم - التي تفتتح بما يسمى (الحروف المقطعات)، كما هي الأولى في مجموعة سور مكية سبعة متتالية هي:\n(ق - الذاريات - الطور - النجم - القمر - الرحمن - الواقعة) تبحث في الغيبيات،\n\n<span data-type='title' id=toc-4684>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن انتهت مجموعة السور المدنية الثلاثة (محمد - الفتح - الحجرات) من التعامل مع تنظيم المجتمع الإسلامي خارجيا لجهة الدفاع عنه: (سورة محمد)، وعالميّا لجهة نشر الإسلام والتبشير به: (سورة الفتح)، وداخليا لجهة أخلاقيات أفراده: (سورة الحجرات)، وبتعبير آخر التعامل مع أحوال الحياة الدنيوية، تبدأ سورة ق المكّية في بحث مستقبل الإنسان المتمثل في الموت والبعث والجزاء، وتفتتح كما افتتحت سور الحواميم السبعة ببيان منزلة القرآن المجيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-4685>محور السورة</span>\nتبدأ السورة وتنتهي بالتذكير بالقرآن المجيد، وتركّز على الموضوعين التوأمين: الموت والبعث، وعجب الكفار من ذلك: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا ذلِكَ﴾","vol":"4","page":109},{"text":"﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [٣/ ٥٠]، واختلاط الأمور عليهم فيما يظنون من عشوائية الأقدار وقسوتها وغياب العدالة الدنيوية: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [٥/ ٥٠]، ما لا يمكن فهمه إلا على خلفية الدار الآخرة، فالأمور لا تنتهي بموت الجسد، وبالتالي وجود مغزى من الخليقة: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [٤/ ٥٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-4686>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4631\"></span>﴿تدعو السورة لتدبر رسالة القرآن المجيد الذي لا يماثله كتاب في العلو والإعجاز: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-4632\"></span>ورغم نزول القرآن المجيد الذي يخاطب العقول والإدراك السليم يتعجب الكفار من إنذارهم بواسطة رجل منهم، وتختلط عليهم الأمور، لأنهم يتوهمون أن الرسول يجب أن يكون فوق جنس البشر، والرسالة عندهم يلزم أن تكون معجزات مادية وشعوذات: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-4633\"></span>وتهربا من مسؤوليتهم الأخلاقية يودّون استبعاد حقيقة البعث والحساب:\n﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4634\"></span>مع أنّ الإنسان لا ينتهي بفناء الجسد كما يظنون: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ بل إنّ عمل المرء في دنياه يسجّل له أو عليه: ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-4635\"></span>لكنّ هذه الحقائق اضطربت في أذهانهم واختلطت عليهم الأمور، لأن من ينكر الآخرة والحساب تداخله الحيرة في مغزى الحياة وما يظنّ من عشوائية الأقدار وقسوتها: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾","vol":"4","page":110},{"text":"<span id=\"aya-4636\"></span>\n\n<span id=\"aya-4637\"></span>\n\n<span id=\"aya-4638\"></span>﴿مع أن التفكر في معجزة خلق السماء والأرض جدير بأن يفتح بصيرتهم ويذكّرهم بالحقيقة ويعيدهم للصواب: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٦ - ٨)\n\n<span id=\"aya-4639\"></span>\n\n<span id=\"aya-4640\"></span>\n\n<span id=\"aya-4641\"></span>وكذلك التفكر في معجزة تجدد الخلق في النبات: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (٩ - ١١)\n\n<span id=\"aya-4642\"></span>\n\n<span id=\"aya-4643\"></span>\n\n<span id=\"aya-4644\"></span>والتفكر في تاريخ الأمم البائدة يفيد أن تكذيبها بالحقيقة أوردها موارد الهلاك: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ (١٢ - ١٤)\n\n<span id=\"aya-4645\"></span>فكيف يشكّون في البعث مع أنه تعالى خلقهم أول مرة: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-4646\"></span>\n\n<span id=\"aya-4647\"></span>\n\n<span id=\"aya-4648\"></span>والله تعالى غير محدود بالزمان والمكان، حتى أنه محيط بوساوس الإنسان:\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١٦ - ١٨)\n\n<span id=\"aya-4649\"></span>وأن طول الأمل والتسويف سبب غرور الإنسان ممّا يؤدي إلى مباغتة المنية له قبل أن يستعدّ لها: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-4650\"></span>\n\n<span id=\"aya-4651\"></span>ثم يبعث فيشهد عليه عمله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٢٠ - ٢١) وشبيه بذلك قوله: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤/ ١٧].","vol":"4","page":111},{"text":"<span id=\"aya-4652\"></span>﴿وتكشف حجب الغيب فلا يبقى عند المكابرين - بعد فوات الأوان - أي شك في حقيقة الحساب: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢٢) وحديد بمعنى حادّ،\n\n<span id=\"aya-4653\"></span>وأن قرين السوء - الشيطان - يورد صاحبه مورد الهلاك: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (٢٣) وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف ٣٦/ ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [لزخرف ٣٨/ ٤٣].\n\n<span id=\"aya-4654\"></span>\n\n<span id=\"aya-4655\"></span>\n\n<span id=\"aya-4656\"></span>فيلقى في جهنم الذين كابروا وأصرّوا على الكفر والشرك، وارتابوا في الآخرة وفي الثواب والعقاب: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ * مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ (٢٤ - ٢٦)، وخطاب المثنّى في ﴿أَلْقِيا﴾ إلى السائق والشهيد، الآية ٢٠، فعمل المرء يشهد عليه، ويسوقه إلى عاقبته الطبيعية.\n\n<span id=\"aya-4657\"></span>وأن ليس باستطاعة الشيطان إجبار أحد على الغواية إلا من كان عنده ميل إلى الضلال فيزيّن له ضلاله: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (٢٧)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤].\n\n<span id=\"aya-4658\"></span>\n\n<span id=\"aya-4659\"></span>\n\n<span id=\"aya-4660\"></span>كما الأعذار لا تفيد أحدا بعد كشف الحجب: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٢٨ - ٣٠)\n\n<span id=\"aya-4661\"></span>\n\n<span id=\"aya-4662\"></span>\n\n<span id=\"aya-4663\"></span>\n\n<span id=\"aya-4664\"></span>\n\n<span id=\"aya-4665\"></span>وبعد أن بينت الآيات (١ - ٣٠) إصرار الكفار على تكذيب الوحي ومنعهم الخير وارتيابهم في البعث وسوء مآلهم في الآخرة، تبين الآيات (٣١ - ٣٥) بالمقابل حسن مآل المتقين الذين آمنوا بالغيب: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ﴾","vol":"4","page":112},{"text":"﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * اُدْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (٣١ - ٣٥)\n\n<span id=\"aya-4667\"></span>﴿ثم تعود السورة لموضوع الآيات (١٢ - ١٤) فتبرز العبرة من هلاك الحضارات السابقة مهما بلغت قوتها وجبروتها: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) والعبر لا يعيها إلاّ منفتحو الذهن.\n\n<span id=\"aya-4668\"></span>وتنفي زعم اليهود في كتبهم \"المقدسة\" أن الله تعالى بعد أن خلق الكون في ستة حقب زمنية استراح بعدها من التعب، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا:\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٣٨) والخلق في ستة أيام أي في ستة أطوار أو ستة حقب زمنية.\n\n<span id=\"aya-4670\"></span>فتحضّ على الصبر عليهم والاستعانة على ضلالهم بالتسبيح والصلاة:\n﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (٤٠) وقالوا إن الأمر بالتسبيح كناية عن الأمر بالصلوات المكتوبة.\n\n<span id=\"aya-4671\"></span>\n\n<span id=\"aya-4672\"></span>\n\n<span id=\"aya-4673\"></span>\n\n<span id=\"aya-4674\"></span>فلا يلبث أن يحين يوم البعث فيسمع الإنسان النداء من مكان قريب، وليس أقرب إليه من داخله، فلا يملك سوى أن يسارع إلى الإجابة: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ (٤١ - ٤٤)\n\n<span id=\"aya-4675\"></span>أما في الحياة الدنيا فما على المؤمن سوى تذكير من يرجى إيمانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وهنا تعود السورة للنقطة التي بدأت منها: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾،","vol":"4","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4710>سورة الذاريات - ٥١ - مكية</span>\nنزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة الذاريات، أي الرياح، المذكورة في أول السورة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4711>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nختمت سورة ق المتقدمة بوصف البعث والحشر، الآيات [ق ٤١/ ٥٠ - ٤٥]، وتبدأ هذه السورة بتأكيد وقوعهما: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات ٥/ ٥١ - ٦]، وأن الإيمان بالبعث طبيعي في فطرة الإنسان وفي عقله وشعوره، خلا من يؤفك عن ذلك فتفسد فطرته: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٨/ ٥١ - ٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-4712>محور السورة</span>\nأن ما يلقاه الإنسان من عواقب إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [٤٠/ ٥١]، وأن نجاة الإنسان لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [٥٠/ ٥١] وكيفية اللجوء تفسرّه الآية [٥٦/ ٥١]، وأن طغيان البشر هو الذي يؤدي بهم إلى تكذيب","vol":"4","page":114},{"text":"الرسل: ﴿أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [٥٣/ ٥١]، ولكن ما على المؤمنين سوى البلاغ وترك الحساب على الله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [٥٤/ ٥١]،\nوتبلغ السورة أوجها بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [٥٦/ ٥١] بمعنى أن الغاية من الخلق أن يعرف الإنسان خالقه وأن يكيّف وجوده الدنيوي بحسب إرادته تعالى المبيّنة فيما نزل على الأنبياء والرسل من الوحي، وهذا المفهوم المزدوج المتمثّل في معرفة الله والتكيف بحسب مشيئته في الخلق يفسر المعنى الحقيقي للعبادة، ولأن العبادة لا يستفيد منها سوى المخلوق: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [٥٧/ ٥١]، وأن كل عمل شر يحمل في طياته بذور عواقبه إن في الدنيا أو في الآخرة: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [٥٩/ ٥١].\n\n<span data-type='title' id=toc-4713>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4676\"></span>\n\n<span id=\"aya-4677\"></span>\n\n<span id=\"aya-4678\"></span>\n\n<span id=\"aya-4679\"></span>﴿تبدأ السورة بتذكير الإنسان بواحدة من عجائب الخلق، وهي الرياح التي تذرو الغبار وتحمل الغيوم وتجري بها بسهولة وتوزّع الأمطار على البلاد، فتتحقق معجزة الحياة، ممّا يؤكد وجود خالق مدبّر، ومغزى للخلق: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْوًا * فَالْحامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجارِياتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا﴾ (١ - ٤)\n\n<span id=\"aya-4680\"></span>وبالتالي حتمية البعث: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-4681\"></span>وحتمية الحساب: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ (٦)، والدين بمعنى الحساب، ومنه الحديث: \"كما تدين تدان\".\n\n<span id=\"aya-4682\"></span>وتحضّ على التفكر في معجزة خلق السماوات الهائلة: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ والحبك مسارات الكواكب والنجوم،","vol":"4","page":115},{"text":"<span id=\"aya-4683\"></span>﴿ومع ذلك فهنالك من البشر من يختلف مع هذا الواقع فيشكك في الوحي والبعث والحساب، ويذهبون في ذلك نظريات متعددة: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-4684\"></span>رغم أن الإيمان بالله والتصديق بالبعث بعد الموت مغروس طبيعيا في فطرة الإنسان وفي عقله وشعوره، لكن من الناس من تفسد فطرته فيؤفك عن ذلك:\n﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4685\"></span>\n\n<span id=\"aya-4686\"></span>\n\n<span id=\"aya-4687\"></span>وفساد الفطرة يؤدي بالضرورة إلى هلاك أصحابها بسبب الغفلة والتشكيك بيوم الحساب: ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ * يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٠ - ١٢) والخراصون الكذابون القائلون تخمينا بما لا يصحّ، فهم يسألون تهكما: متى يوم الحساب؟\n\n<span id=\"aya-4688\"></span>\n\n<span id=\"aya-4689\"></span>فذلك يوم يعذّبون على النار التي كانوا يتهكمون باستعجالها: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١٣ - ١٤)\n\n<span id=\"aya-4690\"></span>\n\n<span id=\"aya-4691\"></span>\n\n<span id=\"aya-4692\"></span>\n\n<span id=\"aya-4693\"></span>بخلاف المتقين ذوي الفطرة السليمة الموصوفين بالإحسان في كل شيء: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ * كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١٥ - ١٨)\n\n<span id=\"aya-4694\"></span>وفي إيتاء جزء من أموالهم للسائل والمحروم كحقّ من حقوق السائلين والمحرومين: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-4695\"></span>\n\n<span id=\"aya-4696\"></span>\n\n<span id=\"aya-4697\"></span>والآيات التي عمي عنها الخرّاصون كثيرة في الأرض وفي الأنفس، وجديرة أن يبصرها كل فرد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١ - ٢٢)\nومن الآيات أيضا أنه تعالى يرزق العباد الرزق المادي والرزق الروحاني:\n﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ (٢٠ - ٢٢)","vol":"4","page":116},{"text":"<span id=\"aya-4698\"></span>﴿كل ذلك ما يؤكد حقيقة البعث: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-4699\"></span>\n\n<span id=\"aya-4700\"></span>\n\n<span id=\"aya-4701\"></span>\n\n<span id=\"aya-4702\"></span>\n\n<span id=\"aya-4703\"></span>\n\n<span id=\"aya-4704\"></span>\n\n<span id=\"aya-4705\"></span>\n\n<span id=\"aya-4706\"></span>\n\n<span id=\"aya-4707\"></span>\n\n<span id=\"aya-4708\"></span>\n\n<span id=\"aya-4709\"></span>\n\n<span id=\"aya-4710\"></span>\n\n<span id=\"aya-4711\"></span>ومن هذه الآيات قصة إبراهيم ﵇ ومجيء الملائكة له مبشرين بولادة إسحاق وبنزول العقاب بالمجرمين من قوم لوط وما يؤول إليه أمثالهم من العذاب الأليم: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢٤ - ٣٦)\n\n<span id=\"aya-4712\"></span>لكن المنتفع من الآيات هو الذي يأخذ العبر منها فيخاف سوء العاقبة:\n﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٣٧)، والآية المشار لها هي الدمار التام لأرض قرى لوط،\n\n<span id=\"aya-4713\"></span>\n\n<span id=\"aya-4714\"></span>\n\n<span id=\"aya-4715\"></span>ثم قصة موسى وبعثته إلى فرعون الذي أدّى به سلطانه واستكباره إلى عمى القلب حتى اتّهم موسى بالسحر أو الجنون، فكانت عاقبة أمره أن غرق في اليم مع جنوده: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٣٨ - ٤٠)، فما يلقاه الإنسان من عواقب سيئة إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٤٠)\n\n<span id=\"aya-4716\"></span>\n\n<span id=\"aya-4717\"></span>\n\n<span id=\"aya-4718\"></span>ومثل ذلك كانت قصص قوم عاد وثمود ونوح الذين تمتعوا في الحياة الدنيا لأمد معلوم: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ﴾","vol":"4","page":117},{"text":"﴿عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ (٤١ - ٤٣) فمتاع الدنيا لا يدوم.\n\n<span id=\"aya-4719\"></span>\n\n<span id=\"aya-4720\"></span>﴿حتى لقوا عاقبة أمرهم: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اِسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ (٤٤ - ٤٥)\n\n<span id=\"aya-4721\"></span>ومثلهم قوم نوح من قبلهم: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ (٤٦)\n\n<span id=\"aya-4722\"></span>ثم تعود السورة لتضرب مثلا بعض معجزات الخلق الباهرة كمعجزة خلق الكون الذي يتسع باستمرار: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٤٧)\n\n<span id=\"aya-4723\"></span>ومعجزة خلق الأرض بما فيها من موارد صالحة لتمهيد حياة البشر:\n﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ (٤٨)\n\n<span id=\"aya-4724\"></span>ومعجزة خلق زوجين من كل شيء، كخلق الذكر والأنثى في الإنسان والحيوان والنبات، والليل والنهار، والحار والبارد، والموجب والسالب في الكهرباء والمغناطيس وشحنات البروتون والالكترون: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤٩)\n\n<span id=\"aya-4725\"></span>والنتيجة: أنّ من يبصر كل ذلك يفهم أن النجاة لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى وحده دون غيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥٠)\n\n<span id=\"aya-4726\"></span>ولذا فإنّ الشرك أعظم الكبائر: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥١)\n\n<span id=\"aya-4727\"></span>\n\n<span id=\"aya-4728\"></span>وأن من البشر من دأب على تكذيب الرسل، ومردّ ذلك يعود إلى الطغيان والتكبر: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٥٢ - ٥٣)","vol":"4","page":118},{"text":"<span id=\"aya-4729\"></span>\n\n<span id=\"aya-4730\"></span>﴿ولكن ما على المؤمنين سوى تذكير من تنفعه الذكرى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٤ - ٥٥)\n\n<span id=\"aya-4731\"></span>وأن مغزى خلق الجن والإنس هو العبادة، بمعنى معرفة الله ﷿ والإقرار بالتوحيد، والاستسلام لمشيئته تعالى في الخليقة المتمثلة في قبول الرسالات المتتالية التي نزلت على الأنبياء والرسل وختامها الإسلام، وتكييف الحياة والمعيشة وفق ذلك: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦)\n\n<span id=\"aya-4732\"></span>\n\n<span id=\"aya-4733\"></span>فالعبادة تعود بالسعادة وبالنفع على العباد وحدهم، لأنه تعالى غني عن العالمين: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٧ - ٥٨)\n\n<span id=\"aya-4734\"></span>\n\n<span id=\"aya-4735\"></span>وأن أعمال الشر تحمل في طياتها بذور العواقب الوخيمة لمرتكبيها، إن في الدنيا أو في الآخرة، فماذا يستعجل منها المجرمون: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٥٩ - ٦٠).","vol":"4","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4742>سورة الطور - ٥٢ - مكية</span>\nنزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من ذكر كلمة الطور - جبل سيناء - بأول السورة، إشارة إلى بدء الرسالات السماوية الثلاث الأخيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4743>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتبدو أول السورة وكأنها استمرار لآخر الخطاب في سورة الذاريات المتقدمة حيث يتهكم المجرمون باستعجال العذاب: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩/ ٥١]، فتبدأ سورة الطور بتأكيد وقوعه لأمثالهم لا محالة: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ * ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ [الطور ٧/ ٥٢ - ٨]،\nكما أن تركيز سورة الذاريات على قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١] يتبعه في سورة الطور أن المكذّبين يشكّون في صحة الوحي دون دليل عقلي، بل إن طغيان عقولهم يزيّن لهم الشعور بالاكتفاء الذاتي وعدم حاجتهم إلى الوحي: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور ٣٢/ ٥٢]، مع أنهم قاصرون عن خزائن العلم والغيب والقدرة الإلهية: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور ٣٧/ ٥٢].","vol":"4","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4744>محور السورة</span>\nتحشد السورة البراهين الواضحة على صدق الوحي الذي نزل على الرسل مفهوما لمن أراد أن يفهم، ما لا يترك عذرا للمكابرين، وبالتالي العاقبة الوخيمة التي تحيق بهم بما هو ضرورة متلازمة مع سلوكهم في الحياة الدنيا: ﴿اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [١٦/ ٥٢]، وأن الطغيان أول ما يطغى على عقل صاحبه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [٣٢/ ٥٢]، وأنهم عاجزون كل العجز عن الإتيان بمثل القرآن:\n﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [٣٤/ ٥٢]، بل إنهم قاصرون عن خزائن العلم والغيب والقدرة الإلهية: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [٣٧/ ٥٢]، وأن الصبر وانتظار حكم الله واجب: ﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [٤٨/ ٥٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-4745>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4736\"></span>﴿تبدأ السورة بالإشارة لجبل الطور بسيناء حيث نزل الوحي على موسى ﵇: ﴿وَالطُّورِ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-4737\"></span>وإشارة أيضا إلى كتب الوحي التي نزلت على الأنبياء: ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-4738\"></span>والوحي واضح ومنشور لمن أراد الفهم: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4739\"></span>وإشارة إلى بيوت العبادة، وقيل إلى المسجد الحرام خاصة المعمور بزوّاره:\n﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-4740\"></span>وإشارة أيضا إلى معجزته خلق السماوات التي تبهر العقول: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾","vol":"4","page":121},{"text":"<span id=\"aya-4741\"></span>﴿والبحار التي تموج وما فيها من مخلوقات: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-4742\"></span>\n\n<span id=\"aya-4743\"></span>كل ذلك الإعجاز ما يشير أن الخلق ليس عبثا، بل إلى حتمية الحساب والمسؤولية الأخلاقية تجاه الخالق: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ * ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-4744\"></span>\n\n<span id=\"aya-4745\"></span>وأنّ النظام النظام الكوني والدنيوي الذي نعرفه محدود في الزمان والمكان، وبعده تبدأ مرحلة جديدة من الخلق: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ (٩ - ١٠)\n\n<span id=\"aya-4746\"></span>\n\n<span id=\"aya-4747\"></span>كل ذلك ما ينذر المكابرين المكذّبين بالوحي، الخائضين فيما لا يعلمون:\n﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (١١ - ١٢)\n\n<span id=\"aya-4748\"></span>\n\n<span id=\"aya-4749\"></span>أن لا مفر من تحمل جزائهم المترتب على سلوكهم: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٣ - ١٤)\n\n<span id=\"aya-4750\"></span>فيوقنوا وقتئذ بما كانوا يظنونه عبقرية وسحرا: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-4751\"></span>وأن العذاب الذي ينتظر أمثالهم ليس سوى نتيجة طبيعية ومنطقية لسلوكهم خلال حياتهم الدنيا، فيستوي إذن أن يصبروا أو لا يصبروا عليه: ﴿اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-4752\"></span>\n\n<span id=\"aya-4753\"></span>\n\n<span id=\"aya-4754\"></span>\n\n<span id=\"aya-4755\"></span>كما أن النعيم الذي ينتظر المتقين نتيجة طبيعية أيضا لما كانوا عليه في حياتهم من عمل واستبصار: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ * فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١٧ - ٢٠)\n\n<span id=\"aya-4756\"></span>ومن ذلك أنّ تربية الذرية على الصلاح ما يؤدي لتقواها تزيد من حسنات الآباء: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ﴾","vol":"4","page":122},{"text":"﴿عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ غير أن المسؤولية فردية، فتقوى الآباء لا تعفي الأبناء من المسؤولية في حال ضلّوا عن الطريق السوي: ﴿كُلُّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-4757\"></span>\n\n<span id=\"aya-4758\"></span>\n\n<span id=\"aya-4759\"></span>﴿وأنهم ينعمون بالرضا الداخلي التام وبالسلام الروحي: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ * يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ (٢٢ - ٢٤)\n\n<span id=\"aya-4760\"></span>\n\n<span id=\"aya-4761\"></span>\n\n<span id=\"aya-4762\"></span>\n\n<span id=\"aya-4763\"></span>وإقبال بعضهم على بعض في الآخرة يتساءلون عما كانت عليه أحوالهم في الدنيا دليل على أن الآخرة استمرار للدنيا ونتيجة طبيعية لها: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ * قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ * إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٢٥ - ٢٨)\n\n<span id=\"aya-4764\"></span>وأن ليس على الرسول - وبالتالي المؤمنين - سوى التذكير لا الإكراه:\n﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-4765\"></span>\n\n<span id=\"aya-4766\"></span>لأن المكابرين في حالة ريب وتخبط في أقوالهم وأفكارهم بسبب قصور فكرهم على الحياة الدنيا، وهم يتربصون أن يتضح زيف الرسالة بزعمهم، في حين الرسول والمؤمنون يتربصون تحقق صدقها على وجه اليقين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (٣٠ - ٣١)\n\n<span id=\"aya-4767\"></span>وأن الطغيان أول ما يطغى على عقل صاحبه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٣٢) والأحلام هي العقول.\n\n<span id=\"aya-4768\"></span>فيؤدي به إلى التكبر والشعور بالاكتفاء الذاتي وإلى الزعم أن القرآن ليس سوى قول البشر: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾","vol":"4","page":123},{"text":"<span id=\"aya-4769\"></span>﴿في حين أنهم عاجزون كل العجز عن الإتيان بمثله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٣٤)\n\n<span id=\"aya-4770\"></span>\n\n<span id=\"aya-4771\"></span>وأن ضعف اليقين يقود إلى التخبط في حقيقة الخلق: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ (٣٥ - ٣٦)\n\n<span id=\"aya-4772\"></span>\n\n<span id=\"aya-4773\"></span>وأن لله وحده خزائن الغيب والعلم النهائي والقدرة المطلقة ما لا يستطيعون الإحاطة به: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٣٧ - ٣٨)\n\n<span id=\"aya-4774\"></span>ومن تخبط المشركين في الجاهلية أن زعموا الأصنام بنات الله، فنسبوا لله ما يكرهون لأنفسهم: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (٣٩)\n\n<span id=\"aya-4775\"></span>وأن النبي كان بصدد تصحيح مفاهيمهم المغلوطة وليس بصدد نفع مادي شخصي يثقل كاهلهم: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (٤٠)\n\n<span id=\"aya-4776\"></span>وبكل تأكيد لا يحيطون بشيء من علوم الغيب التي خارج النطاق البشري، وإنما يجرون وراء الأوهام التي تزيّن لهم أنهم محور الكون وقادرون على السيطرة عليه كما هي حال الكثيرين اليوم ممن أصابهم غرور التكنولوجيا: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤١)\n\n<span id=\"aya-4777\"></span>وإن كانوا يترصدون السيرة النبوية والقرآن الكريم لاستنباط ما يتوهمون أنه تناقضات كما يفعل بعض المستشرقين اليوم، فقد غفلوا عن وقوعهم هم في التناقضات: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ (٤٢)\n\n<span id=\"aya-4778\"></span>ويظنّون أنّ بإمكانهم الاعتماد على حولهم وقوّتهم مع أنّ القوة لله جميعا:\n﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾","vol":"4","page":124},{"text":"<span id=\"aya-4779\"></span>﴿وأنهم يفسرون إشارات العذاب بصورة سطحية: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ (٤٤)\n\n<span id=\"aya-4780\"></span>\n\n<span id=\"aya-4781\"></span>ومع ذلك فعلى المؤمن الصبر عليهم حتى تحين العاقبة: ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٥ - ٤٦)\n\n<span id=\"aya-4782\"></span>وأن العذاب لا بد أن يقع بهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة فيبقى أكثرهم عمون عن سببه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٧) ومن عذاب الدنيا شعورهم بالوحدة والتيه والضياع.\n\n<span id=\"aya-4783\"></span>\n\n<span id=\"aya-4784\"></span>ولذا فإن الصبر وانتظار حكم الله واجب وجوب التسبيح والحمد على الدوام: ﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٤٨ - ٤٩).","vol":"4","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4778>سورة النجم - ٥٣ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية، غير أن بعضا من آياتها (١٣ - ١٨) - كالتي تشير إلى حادثة المعراج - نزلت في وقت مكّي متأخر أي حوالي سنة واحدة قبل الهجرة النبوية، واشتق اسم السورة من كلمة النجم المذكورة في أولها والتي تشير إلى بداية نزول القرآن منجّما.\n\n<span data-type='title' id=toc-4779>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتبدو الاستمرارية بين هذه السورة وسورة الطور التي قبلها إذ تحض سورة الطور في آخرها المؤمنين على الصبر على الكفار وتأمرهم بالتسبيح وقت الصبح - إدبار النجوم -: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٩/ ٥٢]، ثم بداية هذه السورة بقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ [النجم ١/ ٥٣]، إشارة إلى ابتداء نزول القرآن منجّما على النبي ﷺ.\nوإذ حشدت سورة الطور البراهين الواضحة على صدق الوحي، وأن المكابرين عاجزون كل العجز عن الإتيان بمثل القرآن: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤/ ٥٢]، تظهر سورة النجم الإعجاز القرآني في نزوله منجّما على النبي ﷺ على مدى بعثته النبوية بترتيب مختلف عن ترتيب النزول.","vol":"4","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4780>محور السورة</span>\nالإعجاز في نزول القرآن منجّما على مدى ٢٣ عاما من البعثة النبوية دليل قاطع على استحالة ضلال النبي، ودليل أيضا على أنه وحي عن طريق جبريل الذي رآه النبي بصورته الحقيقية مرتين: الأولى في بداية الوحي كما في قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ [٦/ ٥٣ - ٩]، والثانية ليلة المعراج عندما رأى بعضا من مظاهر الحقيقة الغيبية المطلقة: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ [١٨/ ٥٣]\nوفي مقابل تلك الحقيقة الغيبية المطلقة تلفت السورة النظر إلى رموز زائفة يسبغ عليها بعض الجهلة صفات وقدرات إلهية مزعومة كما كانت العرب تفعل في الجاهلية مع أوثانها، وكما يفعل البعض في كل زمان ومكان اتّباعا للظن والهوى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ [٢٣/ ٥٣] وأن الظن لا يغني عن العلم اليقيني: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [٢٨/ ٥٣]\nوالنتيجة أن السورة تأمر المؤمنين بالإعراض عن أمثال هؤلاء الغافلين اللاهين، لأن تولّيهم عن الذكر جعل الحياة الدنيا واستغراقهم بها منتهى علمهم: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ [٢٩/ ٥٣] ولأنه تعالى يجازي كلاّ بعمله: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [٣٨/ ٥٣]،\nوتختم السورة بنهي المؤمنين عن الفخر والإعجاب بالنفس غرورا، وتحشد شواهد المعجزات الكونية وعبرا من نماذج الأمم البائدة والسنن الكونية، وبالتالي تنذر الناس بقرب وقوع الساعة والحساب، وتحذرهم من الغفلة:\n﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [٦١/ ٥٣] وتدعوهم لعبادة الله الواحد الأحد والسجود له.","vol":"4","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4781>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4785\"></span>﴿تبدأ السورة بالتنبيه على زاوية من زوايا الإعجاز القرآني المذهلة وهي تنزّل القرآن نجوما على مدى ثلاثة وعشرين عاما من البعثة النبوية الشريفة، لأنّ ترتيب النزول بالآيات والسور غير ترتيب القرآن، فهو كلوحة من الفسيفساء هائلة، كان النبي الأميّ يأمر بوضع كل آية وقت نزولها في مكانها الصحيح من تلك اللوحة ولم يكن لديه مجال للتنقيح أو التعديل أو التغيير كما لم يكن لديه من مرونة وتكنولوجيا وسائل الكتابة والطباعة ما نعرفه اليوم، ومع ذلك يكتمل الوحي بعد ثلاثة وعشرين عاما من البعثة بقرآن متكامل متماسك معجز، كل سورة من سوره متسلسلة الآيات من أولها لآخرها بنظم فائق الإحكام، وكل سورة في ترتيبها القرآني متصلة مع ما قبلها وما بعدها من السور كأن القرآن كلّه سورة واحدة، كل ذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ (١)، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة ٧٥/ ٥٦]، ما يدلّ أن ترتيب السور والآيات توقيفي من الله ﷿.\n\n<span id=\"aya-4786\"></span>فيستحيل إذن اتهامهم للنبي بالضلال مع هذا الإعجاز، فهو قطعا لم يضل ولم يعتقد باطلا: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ (٢)، وتعبير \"صاحبكم\" إشارة لسيرته الشريفة في قومه وما عرف عنه طيلة حياته من الاستقامة والأمانة.\n\n<span id=\"aya-4787\"></span>ويستحيل أن يكون الوحي من عنده، فهو لا يتّبع هواه: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4788\"></span>وما القرآن الذي ينطق به سوى وحي من الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤)﴾","vol":"4","page":128},{"text":"<span id=\"aya-4789\"></span>﴿والذي علّمه القرآن هو واسطة الوحي جبريل ﵇: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ (٥)، وجبريل شديد القوى لما به من قوى خارقة كما سيرد وصف بعضها بالآيات التالية.\n\n<span id=\"aya-4790\"></span>\n\n<span id=\"aya-4791\"></span>وقد استوى جبريل للنبي في الأفق الأعلى بمنظر وهيبة عظيمين: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ (٦ - ٧)\n\n<span id=\"aya-4792\"></span>\n\n<span id=\"aya-4793\"></span>ثم اقترب من النبي متدلّيا من الأفق حتى صار شديد القرب منه: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٨ - ٩)\n\n<span id=\"aya-4794\"></span>فأوحى تعالى إلى عبده محمد، بواسطة جبريل، ما قضى تعالى بإيحائه:\n﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ (١٠) وفي الآية إشارة ضمنية أن الله تعالى لا يكشف حجب الغيب كاملة حتى لأنبيائه المختارين.\n\n<span id=\"aya-4795\"></span>وإذ كان النبي واعيا تمام الوعي لما رأى فلم يكن لديه أدنى شك في حقيقته، بل إن ما رآه الفؤاد - روحانيا - تطابق مع الواقع فلم يكذّبه: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-4796\"></span>ولمّا لم يكن ما رآه النبي ضلالا فأنّى للمشككين أن يجادلوا فيما لا يعلمون:\n﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-4797\"></span>\n\n<span id=\"aya-4798\"></span>\n\n<span id=\"aya-4799\"></span>ولقد رأى النبيّ جبريل مرة أخرى ليلة المعراج عندما نزل إليه جبريل، كما سبق أن نزل إليه في غار حراء عندما دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى:\n﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (١٣ - ١٥) ووصف السدرة بالمنتهى قد يكون إشارة لأنها منتهى ما يمكن أن يعرفه البشر - بمن فيهم الأنبياء - عن الحقيقة المطلقة التي احتفظ بها الخالق ﷿ لنفسه.","vol":"4","page":129},{"text":"<span id=\"aya-4800\"></span>﴿وقد غشي السدرة ما يغشى من الجلال والهيبة والروعة ما لا يمكن لوصف أن يعبّر عنه أو يحيط به: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-4801\"></span>ولم يكن هنالك من زيغ في بصر النبي إذ لم ينحرف عن حقيقة ما رآه، ولا طغى عن الواقع فما زاد عليه: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-4802\"></span>فرأى النبي ﷺ بعضا من آيات ربه: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ (١٨) بمعنى أنه لم يرها جميعا تأكيدا لما سبق ذكره بالآية (١٠)\n\n<span id=\"aya-4803\"></span>\n\n<span id=\"aya-4804\"></span>ومن قمة الحقائق الغيبية السامية التي رآها الرسول ﷺ ابتداء من نزول الوحي القرآني عليه في غار حراء ثم ما شاهده ليلة المعراج، تنتقل السورة فتقارن ذلك مع حضيض الأوهام والرموز الزائفة التي كان يتعلق بها مشركو مكة كأصنام اللات والعزّى ومناة التي زعموا أنها والملائكة بنات الله ونسبوا إليها قدرات إلهية مزعومة: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (١٩ - ٢٠)\n\n<span id=\"aya-4805\"></span>\n\n<span id=\"aya-4806\"></span>وهذا الزعم من طرفهم في منتهى السخافة والتناقض، إذ هم يحتقرون الأناث ويئدون البنات ثم ينسبون إلى الله تعالى ما يكرهون: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٢١ - ٢٢) أي قسمة جائرة،\n\n<span id=\"aya-4807\"></span>كما أن أصنامهم في منتهى العجز فهي لا تعدو كونها أسماء فارغة، وعلى النقيض من الهدى اليقيني الذي جاءهم به الرسول، فإنهم من قبيل الظنّ يعتقدون أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-4808\"></span>ومن قبيل التمنّي أيضا يظنون أنّ أوثانهم تشفع لهم عند الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤)﴾","vol":"4","page":130},{"text":"<span id=\"aya-4809\"></span>﴿مع أنّ مقاليد الحياة الآخرة والحياة الدنيا بيده تعالى وحده فليس بحاجة إلى شفعاء: ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-4810\"></span>وإن كانت الملائكة لا تغني شفاعتها شيئا فمن باب أولى أن آلهتهم المزعومة لا تقدر على شيء: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ (٢٦) وحتى الملائكة لا تشفع إلا لمن يشاء تعالى أن تشفع له ويراه سبحانه أهلا للشفاعة.\n\n<span id=\"aya-4811\"></span>وإن تسميتهم الملائكة بنات الله من الشناعة بحيث لا يجترئ عليها إلاّ كمن لا يؤمن بالآخرة أصلا ويأمن عقابها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-4812\"></span>وهم يتخبّطون في أمور الغيب، ويستخدمون الظنّ في مواضع اليقين: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-4813\"></span>فلا على المؤمن المبالغة في الحرص على هداية من أصرّ على التولّي عن القرآن وانهمك في الجري وراء الدنيا: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-4814\"></span>والسبب في الأمر بالاعراض عنهم أنّ منتهى علمهم مقتصر على الحياة الدنيا دون الآخرة فلا فائدة من المبالغة في الحرص على هداهم، ولا يقابلهم المرء بصنيعهم، وأمرهم إلى الله: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى﴾ (٣٠)، وأنه تعالى أعلم بمن يؤول به استعداده السيء وفطرته التي فسدت إلى الضلال، وأعلم أيضا بمن يؤول به استعداده الحسن والفطرة السليمة إلى الهداية.\n\n<span id=\"aya-4815\"></span>وأن الله تعالى يجازي كلاّ بعمله، وفي حين أن المسيء يلاقي جزاء إساءته تطبيقا للعدالة، فإن المحسن يلاقي أضعاف إحسانه: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ﴾","vol":"4","page":131},{"text":"﴿وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٣١)، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦].\n\n<span id=\"aya-4816\"></span>﴿أما الذين أحسنوا الموصوفون باجتناب الكبائر والفواحش: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ فليس من إنسان معصوم عن الخطأ: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لأن الإنسان خلق ضعيفا، انظر [٢٨/ ٤]، وقد خلق تعالى البشر من سلالة من طين، انظر آية [١٢/ ٢٣]: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ثم خلقهم أجنّة ضعافا في بطون أمهاتهم: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ فهو أعلم بهم من أنفسهم فلا يفخرنّ أحد بصلاحه ولا يعجب بنفسه: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى﴾ (٣٢)، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٤٩/ ٤].\n\n<span id=\"aya-4817\"></span>وهنا تعود السورة لموضوع الآيات (٢٩ - ٣١): ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ (٣٣)، أي الذي تولّى عن الذكر المشار إليه بالآية (٢٩).\n\n<span id=\"aya-4818\"></span>ولم يتصدّق إلاّ بالقليل على مضض واتّبع شحّ نفسه: ﴿وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى﴾ (٣٤)\n\n<span id=\"aya-4819\"></span>فأنّى له التأكد أن ليس من آخرة ولا حساب؟ ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى﴾ (٣٥)\n\n<span id=\"aya-4820\"></span>\n\n<span id=\"aya-4821\"></span>رغم أنه سبق بعث الرسل، كإبراهيم وموسى، بحقيقة الآخرة والحساب:\n﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٣٦ - ٣٧)\n\n<span id=\"aya-4822\"></span>وأنّ المسؤولية فردية، فآلهتهم المزعومة كاللات والعزّى ومناة وأمثالها لا تفيد شيئا ولا تشفع لأحد، كما لا يفيد أحدا الزعم أن المسيح افتدى خطايا البشر بالنيابة عنهم: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨)﴾","vol":"4","page":132},{"text":"<span id=\"aya-4823\"></span>\n\n<span id=\"aya-4824\"></span>\n\n<span id=\"aya-4825\"></span>﴿بل إن الإنسان يحاسب على ما قدّم من عمل في دنياه، وما أخّر أي ما ترك من عمل فلم يقم به: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ (٣٩ - ٤١)\n\n<span id=\"aya-4826\"></span>وأن ليس من شيء في الوجود إلاّ وينتهي أمره إليه تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ (٤٢)\n\n<span id=\"aya-4827\"></span>وقد أودع في الإنسان قابلية الضحك والبكاء وأوجد سنن السعادة والشقاء:\n﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ (٤٣)\n\n<span id=\"aya-4828\"></span>\n\n<span id=\"aya-4829\"></span>\n\n<span id=\"aya-4830\"></span>وخلق في الدنيا معجزة الموت والحياة، ومعجزة الذكر والأنثى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ (٤٤ - ٤٦)\n\n<span id=\"aya-4831\"></span>ثم يكمل ذلك بنشأة الآخرة: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ (٤٧)\n\n<span id=\"aya-4832\"></span>ومنه وحده العطاء الذي يغني الإنسان فيقتني ما يحلو له: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ (٤٨)\n\n<span id=\"aya-4833\"></span>ومع ذلك كان من العرب في الجاهلية من يعبد نجم الشعرى المضيء وينسبون له تأثيرات معينة فالآية تنفي ذلك: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ (٤٩) والآية أيضا مجاز أنه تعالى رب الكون بأكمله ومدبّر أموره.\n\n<span id=\"aya-4834\"></span>\n\n<span id=\"aya-4835\"></span>\n\n<span id=\"aya-4836\"></span>وأن من سننه تعالى في الحياة الدنيا أن الظلم والطغيان يؤديان إلى هلاك أصحابه كما حدث لعاد وثمود وقوم نوح والمؤتفكة - قوم لوط - كلّهم هلكوا بظلمهم وطغيانهم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ (٥٠ - ٥٢)\n\n<span id=\"aya-4837\"></span>\n\n<span id=\"aya-4838\"></span>وجعل مصير قرى قوم لوط إلى الهاوية إذ انقلب عاليها سافلها وغشّاها من العذاب ما لا يعرف مداه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشّاها ما غَشّى﴾ (٥٣ - ٥٤)","vol":"4","page":133},{"text":"<span id=\"aya-4839\"></span>﴿فكيف للإنسان، الآيات (٣٣ - ٣٥)، أن يشكك في عظمة الخلق والقدرة الإلهية: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ (٥٥)\n\n<span id=\"aya-4840\"></span>فهذا القرآن ليس سوى استمرار للرسالات الأولى التي سبقته في الإنذار بالقيامة والحساب: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ (٥٦) وفي الآية عودة ضمنية إلى أول السورة التي تشير لنزول القرآن منجّما.\n\n<span id=\"aya-4841\"></span>فالساعة قريبة وهي تقترب أكثر فأكثر: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (٥٧)\n\n<span id=\"aya-4842\"></span>ولا يكشف ساعة وقوعها إلا الله: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ (٥٨) والمعلوم أنّ اقتراب وقوعها لا علاقة له بالمفهوم البشري للزمن.\n\n<span id=\"aya-4843\"></span>فكيف يعجبون من آيات القرآن الكريم وإنذاره لهم بوقوع الساعة: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ (٥٩) وهنا أيضا إشارة ضمنية لإعجاز القرآن وعودة لموضوع أول السورة.\n\n<span id=\"aya-4844\"></span>فالآخرة المحتومة والحساب القادم يستحقان البكاء وليس الضحك:\n﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ (٦٠)\n\n<span id=\"aya-4845\"></span>ومع ذلك فإنّهم لاهون غافلون يضيعون أوقاتهم في أعمال دنيوية ليست في واقعها سوى خيلاء فارغ: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ (٦١) في إشارة إلى المذكورين بالآيات (٢٨ - ٣٠) و(٣٣ - ٣٧).\n\n<span id=\"aya-4846\"></span>في حين من الخير لهم معرفة خالقهم واتباع قرآنهم وتكييف حياتهم وفق ما خلقوا لأجله والسجود والعبادة لخالقهم قولا وفعلا: ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاُعْبُدُوا (٦٢)﴾","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4830>سورة القمر - ٥٤ - مكية</span>\nنزلت في أوائل الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-4831>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهنالك استمرارية واضحة بين آخر سورة النجم: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم ٥٧/ ٥٣]، وبين بداية هذه السورة: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤]،\nوأيضا الإشارة لإعراض المعرضين في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم ٣٣/ ٥٣]، والإشارة لإعراضهم في هذه السورة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢/ ٥٤]،\nوإخبار سورة النجم عن معراج النبي ورؤيته جبريل ما يقابل قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر ٤/ ٥٤]،\nوقوله تعالى في سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم ٥٩/ ٥٣]، ثم قوله في هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧/ ٥٤]،\nوقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم ٦٠/ ٥٣] في إشارة لقوله في سورة القمر: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر ٤٦/ ٥٤]،","vol":"4","page":135},{"text":"وقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣]، ثم تفصيل هلاكهم في سورة القمر.\nوإن فسّرنا قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ [النجم ١/ ٥٣] على ظاهره، فتكون هنالك علاقة بين الإشارة لهويّ النجم في السورة السابقة والإشارة لانشقاق القمر في هذه السورة، ما يفيد اختلال النظام الكوني عند وقوع الساعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4832>محور السورة</span>\nتقرر السورة اقتراب الساعة وحتمية وقوعها وعندها يختل النظام الكوني الذي نعرفه: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [١/ ٥٤] ومع ذلك فالناس في إعراض وتكذيب واتّباع للهوى، مع أن الأحداث زاخرة بالعبر وبالحكم البالغة:\n﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [٤/ ٥٤] والقليل من الناس من يتواضع ويعتبر: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [٥/ ٥٤] ما يوجب على العاقل التولّي عن المستكبرين: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [٦/ ٥٤]،\nثم تضرب السورة أمثلة على ذلك قصصا من سننه تعالى في خلقه كأخبار قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط والعبر منها والعواقب الوخيمة التي انتهت إليها هذه الأقوام كنتيجة طبيعية لما كانت عليه من الاعتداد بالنفس والتولّي عن الذّكر، وأن الكفار في كل وقت لا يشذّون عن هذه القاعدة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [٥١/ ٥٤]، وأن كثرة من هم على الباطل ليست بالضرورة مؤشرا أنهم على صواب: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [٤٤/ ٥٤]، بل على النقيض من ذلك فإن نهايتهم المحتومة لا مفر منها: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [٤٥/ ٥٤]،","vol":"4","page":136},{"text":"وأنه تعالى لم يكن ليهلك قوما قبل إنذارهم بمعايير الصواب من الخطأ:\n﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [٥٢/ ٥٤]، وأنه ختم الرسالات السماوية بالقرآن الكريم ميسّرا لمن أراد أن يتذكر الحقائق ومعايير الأخلاق والعبر، ويتذكر الميثاق الفطري المأخوذ عليه في الأصلاب: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [٤٠/ ٥٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-4833>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4847\"></span>﴿تبدأ السورة بتأكيد اقتراب الساعة، وعندئذ يختل النظام الكوني من قمر وغيره، واستخدام الفعل الماضي لبيان تحقق وقوعها لا محالة فكأنها وقعت فعلا، وقيل إنهم رأوا القمر منشقا وقت بعثة النبي ﷺ: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) والواضح من آيات قرآنية عديدة أن لا علاقة لاقتراب الساعة بالمفهوم البشري للزمن.\n\n<span id=\"aya-4848\"></span>ومع ذلك فالكفار مكابرون معرضون يعزون الآيات الباهرة من حولهم إلى السحر والصدفة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-4849\"></span>وتوضح السورة أن سبب التكذيب يعود إلى اتّباع الهوى، ولكن لا بد للحقيقة أن تستقر وتظهر للمكذّبين، إن عاجلا في الدنيا أو آجلا في الآخرة:\n﴿وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4850\"></span>والحكم البالغة فيما جاء من إخبار الوحي عن الحياة الآخرة، وأنّ أعمال المرء في هذه الدنيا يترتب عليها نتائج معينة في الآخرة، وما سبق من العبر في تاريخ الأمم البائدة، وما يشاهد في الكون من آيات الخلق وتجدده، كل هذه الأنباء تزجر منفتحي الذهن غير أنها لا تفيد المصرّين على التكذيب: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾","vol":"4","page":137},{"text":"<span id=\"aya-4851\"></span>﴿فالنذر وما فيها من الحكم البالغة لا تنفع المكابرين ولا تزجرهم لأنهم في حالة من التشنج الفكري واتخاذ القرار المسبق: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-4852\"></span>ولا سبيل للمؤمن في هذه الحالة سوى التولّي عنهم فليس عليه إلجاء غيره إلى الإيمان قسرا: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-4853\"></span>\n\n<span id=\"aya-4854\"></span>فلا سبيل إلى إيمان المصرّين على الكفر إلاّ يوم الحشر، عندما لا ينفعهم إيمان المعاينة: ﴿خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٧ - ٨)\n\n<span id=\"aya-4855\"></span>وأن مثلهم كمثل قوم نوح من قبلهم كذّبوا بالبعث والجزاء، كما كذّبوا نبيّهم ونسبوه إلى الجنون وزجروه بدلا من أن تكون بعثته زجرا لهم عما كانوا عليه من الضلال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4856\"></span>فلما أيس منهم ومن إيمانهم دعا ربّه: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١٠)، ونظيره دعاؤه عليهم بآية [نوح ٢٦/ ٧١].\n\n<span id=\"aya-4857\"></span>\n\n<span id=\"aya-4858\"></span>فلاقوا جزاءهم في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (١١ - ١٢) عندما التقت مياه السماء بينابيع الأرض.\n\n<span id=\"aya-4859\"></span>ونجا نوح والمؤمنون على سفينة أعدّوها سلفا من ألواح خشبية ومسامير أو رباطات من ليف، ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-4860\"></span>وقوله ﴿ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ دلالة على ضعف التدبير البشري لولا أنّ السفينة تجري بعناية الله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)﴾","vol":"4","page":138},{"text":"<span id=\"aya-4861\"></span>﴿فبقيت السفينة، أو جنس السفن عامة، آية من آيات الخلق إذ هي دليل على ما أودعه تعالى في عقول البشر من إمكانات الإبداع: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-4862\"></span>وهذا المثال يتكرر في المجتمعات التي تظلم نفسها بتكذيب النذر السماوية:\n﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-4863\"></span>وفي القرآن الكريم الكثير من العبر لمن أراد أن يتذكّر الفطرة السليمة التي فطره الله عليها، ولمن أراد أن يتذكر العهد المأخوذ عليه في الأصلاب [الأعراف ١٧٢/ ٧]: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-4864\"></span>\n\n<span id=\"aya-4865\"></span>\n\n<span id=\"aya-4866\"></span>\n\n<span id=\"aya-4867\"></span>\n\n<span id=\"aya-4868\"></span>وتضيف السورة مثلا ثانيا قصة عاد، وكيف هلكوا بنتيجة استكبارهم وتكذيبهم بعثة نبيهم هود: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٨ - ٢٢)\n\n<span id=\"aya-4869\"></span>\n\n<span id=\"aya-4870\"></span>وقصة ثمود مثلا ثالثا حيث زعموا - كما يزعم الكثيرون في كل وقت - استحالة نزول الوحي على بشر، وهو سبب كاف عندهم لتكذيب الرسالة:\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقالُوا أَبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٢٣ - ٢٤)\n\n<span id=\"aya-4871\"></span>\n\n<span id=\"aya-4872\"></span>فظلموا عقولهم وعموا عن تقييم بعثة هود من حيث جدارتها: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ (٢٣ - ٢٦) وقوله ﴿غَدًا﴾ ما يفيد المستقبل إن في الدنيا أو الآخرة.\n\n<span id=\"aya-4873\"></span>\n\n<span id=\"aya-4874\"></span>\n\n<span id=\"aya-4875\"></span>\n\n<span id=\"aya-4876\"></span>\n\n<span id=\"aya-4877\"></span>وقد فتنهم تعالى بناقة سائبة لا مالك لها، فأمرهم نبيهم صالح أن يذروها تأكل في أرض الله وأن يشاطروها مورد الماء، وهو أضعف تعبير عن فعل الخير مع مخلوقات الله الضعيفة، فقابلوه بعقرها إمعانا في إبداء سوء استعدادهم","vol":"4","page":139},{"text":"وإظهارا للشر الكامن في نفوسهم وسوء سريرتهم، فحقّ عليهم العذاب: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ * فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (٢٧ - ٣١)، والمغزى أنّ الله تعالى لا يعاقب الناس بما يعلمه من سوء سرائرهم ولكن حتى تظهر أفعالهم إلى حيز التنفيذ.\n\n<span id=\"aya-4878\"></span>﴿والقرآن بما فيه من أمثال هذه الحكم والعبر ميسّر لكل ذي عقل سليم أن يتذكّر الفطرة السليمة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٣٢)\n\n<span id=\"aya-4879\"></span>ثم تنتقل السورة إلى قصة قوم لوط مثلا رابعا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ (٣٣)\n\n<span id=\"aya-4880\"></span>\n\n<span id=\"aya-4881\"></span>\n\n<span id=\"aya-4882\"></span>\n\n<span id=\"aya-4883\"></span>\n\n<span id=\"aya-4884\"></span>\n\n<span id=\"aya-4885\"></span>وقد استغرقوا في الفحش الشاذ وكذّبوا بالنذر استكبارا وعتوّا فكان عاقبة أمرهم حجب إدراكهم السليم وطمس قلوبهم بميولهم الشريرة وفساد فطرتهم كما هي سنته تعالى في أمثالهم: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (٣٤ - ٣٩)\n\n<span id=\"aya-4886\"></span>﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٤٠) بأمثال هذه العبر.\n\n<span id=\"aya-4887\"></span>ومثلا خامسا قصة قوم فرعون وبعثة موسى إليهم: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾، وقبل موسى جاءتهم بعثة يوسف فشكّكوا بها ثم بعد موته أيقنوا على ضلال أن ليس من رسل: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر ٣٤/ ٤٠].","vol":"4","page":140},{"text":"<span id=\"aya-4888\"></span>﴿حتى أخذهم تعالى أخذ عزيز مقتدر ولم ينفعهم ما كانت عليه دولتهم من قوة وجبروت عظيمين في عصرهم: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٤٢)\n\n<span id=\"aya-4889\"></span>فإن كانت هذه سنة الله في خلقه منذ الأزل فما بال الكفار بعدهم وفي كل زمن يظنون أنفسهم خيرا من سابقيهم عاقبة، أو يظنون أنفسهم شعب الله المختار جاهلية واستعلاء ويفترون على الله في الكتب التي يسمونها \"مقدسة\":\n﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ (٤٣)\n\n<span id=\"aya-4890\"></span>وإن كانوا مغترين بكثرتهم وغالبيتهم فالعبرة ليست بالأكثرية التي قد تكون على ضلال، كما أنّ الأكثرية لا تجعل الباطل حقا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ (٤٤)\n\n<span id=\"aya-4891\"></span>والباطل مهما كثر واجتمع فهو إلى زوال في الدنيا قبل الآخرة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤٥)\n\n<span id=\"aya-4892\"></span>أما في الآخرة فعاقبة المغترين بالباطل أدهى وأمرّ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (٤٦)\n\n<span id=\"aya-4893\"></span>\n\n<span id=\"aya-4894\"></span>والمجرمون اليوم في ضلال، وغدا في السعر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤٧ - ٤٨)\n\n<span id=\"aya-4895\"></span>وأنه تعالى خلق كل شيء بقدر موزون، وعجائب هذا التقدير نراه حولنا في دقائق الكون التي لو كانت على غير ما هي عليه لما قامت حياة ولا ختلّ النظام الكوني: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤٩)\n\n<span id=\"aya-4896\"></span>وأن وقوع قضائه تعالى في خلقه أسرع من لمح البصر: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾","vol":"4","page":141},{"text":"<span id=\"aya-4897\"></span>﴿وأن إهلاك أشياعهم من الأمم البائدة جدير بالتذكر: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٥١)\n\n<span id=\"aya-4898\"></span>وأن ما ارتكبوه من شرور لا عذر لهم فيه فالكتب المنزلة سبق أن بيّنت لهم معايير الحق من الباطل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٥٢)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨/ ٢٦].\n\n<span id=\"aya-4899\"></span>وأنه لا يغيب عن علمه تعالى من عمل الإنسان شيء، صغيرا أم كبيرا:\n﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٥٣)\n\n<span id=\"aya-4900\"></span>\n\n<span id=\"aya-4901\"></span>فيجازي كلاّ بعمله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٥٤ - ٥٥).","vol":"4","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4870>سورة الرحمن - ٥٥ - مكية، وقيل مدنية، وقيل فيها مكي ومدني</span>\nالاكثرون على أن هذه السورة مكية، لكن البعض ينسبها إلى الفترة المدنية، وقيل بعض آياتها مكية والبعض الآخر مدنية، وقيل أيضا أنها نزلت بعد سورة الرعد، والنتيجة أنه مختلف في كونها مكية أو مدنية.\n\n<span data-type='title' id=toc-4871>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن ختمت سورة القمر المتقدمة بقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٥٥/ ٥٤] تبدأ هذه السورة بقوله: ﴿الرَّحْمنُ﴾ [الرحمن ١/ ٥٥]، وبعد أن أشارت السورة السابقة في أكثر من موضع إلى أن القرآن ميسّر لمن أراد الذكرى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠/ ٥٤]، تبين هذه السورة أنّ الرحمن تبارك اسمه علّم القرآن - لمنفتحي الذهن -: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن ١/ ٥٥ - ٢]،\nوإشارة السورة السابقة أن الكتب السماوية بينت للناس معايير الصواب من الخطأ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٥٢/ ٥٤]، ما يفيد قوله تعالى في هذه لسورة: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ [الرحمن ٧/ ٥٥]،","vol":"4","page":143},{"text":"وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر ٥٣/ ٥٤]، ما يفيد قوله في هذه السورة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥]،\nوقوله تعالى في سورة القمر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر ٤٧/ ٥٤]، يقابله قوله في هذه السورة: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن ٤١/ ٥٥]،\nوقوله تعالى في سورة القمر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر ٥٤/ ٥٤]، وتفصيله قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن ٤٦/ ٥٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-4872>محور السورة</span>\nتقرر السورة أنّ الرحمن تبارك اسمه أنزل على الإنسان علم القرآن - لمن أراد أن يتعلّم -: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [١/ ٥٥]، وكرّم الإنسان بأن أمكنه من التعبير عن المسمّيات والفكر المجرّد: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ [٤/ ٥٥]، ووضع القوانين والسنن لتنتظم بها الأكوان والخلق، وأمر بتحقيق العدالة: ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ [٨/ ٥٥]، وخلق الإنس والجان، وسخّر الأرض ومعجزاتها للكائنات، وكتب عليها ألاّ يكون لها خلود على الأرض: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [٢٦/ ٥٥]، وأنّ جلاله تعالى وتدبيره العجيب في الخلق دائم الظهور: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [٢٩/ ٥٥]، وأن لا بد لكل مخلوق أن يواجه الحساب يوما: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [٣١/ ٥٥]، حيث لا مفر يومئذ من ملك الله تعالى ولا من قضائه وسلطانه: ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [٣٣/ ٥٥]، وتجد كل نفس ما عملت محضرا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [٣٩/ ٥٥]، فيجزى","vol":"4","page":144},{"text":"المجرمون بأعمالهم، ويجزي الذين خافوا مقام ربهم بجنان ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [٤٦/ ٥٥] من بعدها جنان ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [٦٢/ ٥٥]، لا يحيط بنعمائها مفهوم البشر، وبنتيجة كل ذلك يتكرر الخطاب في السورة موجّها إلى الذكور والأناث من البشر - كما قال الرازي - أو إلى جنس البشر والجانّ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي يستحيل إنكار أيّ من نعمائه تعالى أو قدرته في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4873>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4902\"></span>﴿الرَّحْمنُ﴾ (١) الذي أنزل القرآن رحمة للناس، وجعل من سننه في خلقه أن يتعلّمه منفتحو الذهن:\n\n<span id=\"aya-4903\"></span>﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-4904\"></span>\n\n<span id=\"aya-4905\"></span>وكرّم الإنسان فوق غيره من الخلق بأن أقدره على الفهم والفكر المجرّد، والتعبير عنه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (٣ - ٤)\n\n<span id=\"aya-4906\"></span>\n\n<span id=\"aya-4907\"></span>وأن جعل الأكوان تسير وفق قوانين منتظمة ثابتة وسنن ذات مغزى بلا فوضى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ (٥ - ٦)\n\n<span id=\"aya-4908\"></span>\n\n<span id=\"aya-4909\"></span>وأقام أسس العدالة بين البشر لئلاّ يطغوا على بعضهم البعض: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ (٧ - ٨)\n\n<span id=\"aya-4910\"></span>وأمر بتحقيق العدالة بينهم: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-4911\"></span>وسخّر الأرض لمعاشهم: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-4912\"></span>\n\n<span id=\"aya-4913\"></span>بما فيها من عجائب ومعجزات مدهشة: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ (١١ - ١٢)","vol":"4","page":145},{"text":"<span id=\"aya-4914\"></span>﴿فأنّى لجنس الإنس والجن أن يكذّب بمقدرته تعالى ونعمائه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-4915\"></span>\n\n<span id=\"aya-4916\"></span>\n\n<span id=\"aya-4917\"></span>وقد خلقهما تعالى من ضعف: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-4919\"></span>وخلق معجزة المشرقين والمغربين، فعندما يتقدم المشرق على أحد أطراف الكرة الأرضية يتقدم المغرب على طرفها الآخر في حركة مستمرة من الشرق إلى الغرب، وبعد دوران الكرة ١٨٠ درجة يصبح المشرق مغربا والمغرب مشرقا:\n﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٨)، وفي آية المعارج: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج ٤٠/ ٧٠] لأن كل خطوط الطول للكرة الأرضية تصبح مشارقا ومغاربا على مدار الأربعة وعشرين ساعة.\n\n<span id=\"aya-4920\"></span>\n\n<span id=\"aya-4921\"></span>\n\n<span id=\"aya-4922\"></span>ومعجزة التقاء المياه العذبة مع المياه المالحة عندما تصب الأنهار الضخمة في البحار فتجري مياه الأنهار العذبة في المحيط مخترقة مياه البحر لمسافات طويلة دون أن تختلط معها فلا يبغي أحدهما على الآخر كما لو كان هنالك حاجز بينهما: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٩ - ٢١)\n\n<span id=\"aya-4923\"></span>\n\n<span id=\"aya-4924\"></span>ومعجزة تشكل اللؤلؤ والمرجان: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٢ - ٢٣)\n\n<span id=\"aya-4925\"></span>\n\n<span id=\"aya-4926\"></span>ومعجزة السفن الضخمة تجري في المحيطات والبحار بما كرّم الله تعالى الإنسان على سائر المخلوقات وما حباه من مقدرة على الإبداع والاختراع ليس فقط للسفن وإنما لسائر أنواع التقانة التي نراها اليوم، وقد نسب تعالى السفن إلى ذاته العليّة لكونه هو الذي أودع في البشر مقدرة الإبداع: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٤ - ٢٥)","vol":"4","page":146},{"text":"<span id=\"aya-4927\"></span>\n\n<span id=\"aya-4928\"></span>\n\n<span id=\"aya-4929\"></span>﴿وكتب على المخلوقات أن يكون لبثها في الدنيا قليلا فلا يتمكن أحدهم من الخلود فيها رغم كل العلوم والتقانة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [٢٦ - ٢٨]\n\n<span id=\"aya-4930\"></span>\n\n<span id=\"aya-4931\"></span>بل إنّ كل من في السماوات والأرض يستمدّ وجوده من الله، فلا موجود بحق غيره: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأن مظاهر جلاله وعظمته تتجلّى في الخليقة بلا انقطاع: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٩ - ٣٠)\n\n<span id=\"aya-4932\"></span>\n\n<span id=\"aya-4933\"></span>وأن لا مفر للمخلوقات من مواجهة المسؤولية والحساب يوم الدينونة:\n﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣١ - ٣٢) وقيل معنى الثقلين أنهما مثقلان بالمسؤولية، بل بالذنوب.\n\n<span id=\"aya-4934\"></span>\n\n<span id=\"aya-4935\"></span>كما لا مفر ولا ملجأ لمخلوق من ملكه تعالى وقضائه إلاّ لقضائه: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٣ - ٣٤)\n\n<span id=\"aya-4936\"></span>\n\n<span id=\"aya-4937\"></span>ولا مفر من أهوال الساعة: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٥ - ٣٦)\n\n<span id=\"aya-4938\"></span>\n\n<span id=\"aya-4939\"></span>وأن النظام الكوني ينتهي وينقطع يوم الحساب: ﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٧ - ٣٨)\n\n<span id=\"aya-4940\"></span>\n\n<span id=\"aya-4941\"></span>فتمثل ذنوب المخلوقات أمامهم: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٩ - ٤٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]،\n\n<span id=\"aya-4942\"></span>\n\n<span id=\"aya-4943\"></span>ولا يكون هنالك أي لبس في سيماء المجرمين من غيرهم فيكبلون بحالة من","vol":"4","page":147},{"text":"الإذلال جزاء استكبارهم وغرورهم اللذين كانا يدفعانهم إلى الكفر: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤١ - ٤٢)\n\n<span id=\"aya-4944\"></span>\n\n<span id=\"aya-4945\"></span>\n\n<span id=\"aya-4946\"></span>﴿ثم يلاقون عيانا ما كانوا يكذّبون به من العذاب ويعانون الحسرة والندم:\n﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤٣ - ٤٥)\nوينعم المتّقون بجنان من بعدها جنان لا نهاية لها، وفي الحديث: \"لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\":\n\n<span id=\"aya-4947\"></span>\n\n<span id=\"aya-4948\"></span>\n\n<span id=\"aya-4949\"></span>\n\n<span id=\"aya-4950\"></span>\n\n<span id=\"aya-4951\"></span>\n\n<span id=\"aya-4952\"></span>\n\n<span id=\"aya-4953\"></span>\n\n<span id=\"aya-4954\"></span>\n\n<span id=\"aya-4955\"></span>\n\n<span id=\"aya-4956\"></span>\n\n<span id=\"aya-4957\"></span>\n\n<span id=\"aya-4958\"></span>\n\n<span id=\"aya-4959\"></span>\n\n<span id=\"aya-4960\"></span>\n\n<span id=\"aya-4961\"></span>\n\n<span id=\"aya-4962\"></span>\n\n<span id=\"aya-4963\"></span>\n\n<span id=\"aya-4964\"></span>\n\n<span id=\"aya-4965\"></span>\n\n<span id=\"aya-4966\"></span>\n\n<span id=\"aya-4967\"></span>\n\n<span id=\"aya-4968\"></span>\n\n<span id=\"aya-4969\"></span>\n\n<span id=\"aya-4970\"></span>\n\n<span id=\"aya-4971\"></span>\n\n<span id=\"aya-4972\"></span>\n\n<span id=\"aya-4973\"></span>\n\n<span id=\"aya-4974\"></span>\n\n<span id=\"aya-4975\"></span>\n\n<span id=\"aya-4976\"></span>\n\n<span id=\"aya-4977\"></span>\n\n<span id=\"aya-4978\"></span>\n\n<span id=\"aya-4979\"></span>﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) * ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) * فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) * فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) * مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) * فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) * كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) * هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) * وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) * مُدْهامَّتانِ (٦٤) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) * فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ (٦٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) * فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ (٦٨) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) * فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) * حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) * مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) * تَبارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾","vol":"4","page":148},{"text":"وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢]، في إشارة لأنّ الأوصاف المذكورة مجازية بالضرورة - فهي من الآيات المتشابهات [آل عمران ٧/ ٣]- لاستحالة أن يستوعب العقل البشري حقيقة النعيم في الآخرة، وكذا حقيقة العذاب.","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4898>سورة الواقعة - ٥٦ - مكية</span>\nنزلت خلال الفترة المكية الأولى حوالي السنة الرابعة بعد البعثة، واشتق اسمها من كلمة الواقعة المذكورة في الآية الأولى التي تذكر حتمية وقوع الساعة، وهي آخر مجموعة السور المكية السبع: (ق - الذاريات - الطور - النجم - القمر - الرحمن - الواقعة) وموضوعها في الغيبيات وعلاقة الحياة الدنيوية بالآخرة،\n\n<span data-type='title' id=toc-4899>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن وصفت سورة الرحمن وقوع الساعة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن ٣٧/ ٥٥] تبدأ هذه السورة بتأكيد ذلك بقوله: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ [الواقعة ١/ ٥٦]،\nوبعد أن ذكرت سورة الرحمن أنّ: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن ١/ ٥٥ - ٢]، تقرر هذه السورة أن المطهّرون فقط يمسّون معاني القرآن: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٩/ ٥٦]،\nوبعد أن أوضحت سورة الرحمن مآل المجرمين في الآخرة: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن ٤١/ ٥٥]، ومآل المتقين في الجنان ومراتبها: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن ٤٦/ ٥٥]، تفصّل هذه","vol":"4","page":150},{"text":"السورة مراتب ثلاثة أصناف من الناس في العاقبة، وهم السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-4900>محور السورة</span>\nتؤكد السورة وقوع الساعة لا محالة: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [٢/ ٥٦]، فترفع وقتئذ من ترفع، وتخفض من تخفض، وينقسم الناس أمام الحساب أصنافا ثلاثة:\n﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [٧/ ٥٦]، وهم المتّقون أصحاب الميمنة: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [٨/ ٥٦]، والمجرمون أصحاب المشأمة:\n﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ [٥٦ - ٩] والمقرّبون السابقون بالخيرات: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [١٠/ ٥٦ - ١١]، وتصف مآل كلّ من هذه الأصناف يوم الدين،\nثم تتحدى السورة المجرمين بمعجزة الخلق والموت والبعث: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [٦١/ ٥٦]، بدليل معجزة إنبات الزرع من العدم: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [٦٤/ ٥٦]، ودورة الماء في الطبيعة ونزول المطر: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [٦٩/ ٥٦]، ومعجزة الطاقة ومنشأ الوقود:\n﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ [٧٢/ ٥٦]، ومعجزة تنزيل القرآن منجّما لمدّة ٢٣ عاما من بعثة النبي ﷺ خاليا من الاختلاف سليما من التناقض:\n﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [٧٥/ ٥٦]، فلا يفقه معناه إلاّ المطهّرون سليمو القلب منفتحو الذهن: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [٧٩/ ٥٦]، أما المكذّبون الذين يزعمون أنهم مكتفون بذواتهم غير معتمدين على الذات الإلهية في شيء فيظهر عجزهم سافرا بيّنا وقت الموت وخروج الروح: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [٨٦/ ٥٦ - ٨٧].","vol":"4","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4901>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-4980\"></span>\n\n<span id=\"aya-4981\"></span>﴿تبدأ السورة بتأكيد حتمية وقوع الساعة لضرورة تحقق العدالة: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-4982\"></span>وباعتبار الدنيا مزرعة الآخرة فتكون الساعة خافضة للمجرمين إلى الدرك الأسفل، ورافعة للمؤمنين إلى المنازل العليا: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4983\"></span>\n\n<span id=\"aya-4984\"></span>\n\n<span id=\"aya-4985\"></span>يوم تهتز الأرض وتزول الجبال، ويختفي العالم المادي أمام الخلق الجديد:\n﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (٤ - ٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا * لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧].\n\n<span id=\"aya-4986\"></span>وتصف السورة حساب ثلاثة أصناف من الناس: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-4987\"></span>كما تصف مآل كل من هذه الأصناف في الآخرة: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (٨) وهم المتّقون أهل الجنّة، وسمّوا أصحاب الميمنة لكون اليمين عند العرب ترمز إلى الخير، والعرب تقول: ميمون وأيمن، تفاؤلا.\n\n<span id=\"aya-4988\"></span>وفي مقابلته وضعوا المشأمة من الشؤم: ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ (٩) وهم المجرمون أهل النار.\n\n<span id=\"aya-4989\"></span>\n\n<span id=\"aya-4990\"></span>\n\n<span id=\"aya-4991\"></span>أما الصنف الثالث فهم السابقون: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (١٠ - ١٢) أي السابقون بالخيرات في الدنيا، كما هم السابقون إلى النعيم والمنازل العليا في الآخرة، مقرّبون بين يدي الله جلّ شأنه.\n\n<span id=\"aya-4992\"></span>\n\n<span id=\"aya-4993\"></span>وإن السابقين في الخيرات في تناقض عن الزمن الأول: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *﴾","vol":"4","page":152},{"text":"﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (١٣ - ١٤)، وربما يكون ذلك لقرب الأوّلين من البعثة النبوية، أو لكثرة مشاغل الحياة وتعقيداتها لدى الآخرين.\n\n<span id=\"aya-4994\"></span>\n\n<span id=\"aya-4995\"></span>\n\n<span id=\"aya-4996\"></span>\n\n<span id=\"aya-4997\"></span>\n\n<span id=\"aya-4998\"></span>\n\n<span id=\"aya-4999\"></span>\n\n<span id=\"aya-5000\"></span>\n\n<span id=\"aya-5001\"></span>\n\n<span id=\"aya-5002\"></span>﴿وما يعيش به السابقون من نعيم الآخرة ما لا يمكن وصفه والإحاطة به إلا بالمجاز: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ * وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (١٥ - ٢٣)، فهو تمثيل لما غاب عنّا بما نعرف من الدنيا.\n\n<span id=\"aya-5003\"></span>ويكون ذلك نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من السبق بالخيرات والسمو الروحي: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5004\"></span>\n\n<span id=\"aya-5005\"></span>ومنتهى السلام الذي يعيشون فيه أنهم لا يسمعون لغوا من القول ولا سفسطة، فلا يخاطب أحد صاحبه بما لا فائدة منه من الكلام، لأنهم في حالة سامية من العيش الفكري والروحي: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلاّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ (٢٥ - ٢٦)\n\n<span id=\"aya-5006\"></span>\n\n<span id=\"aya-5007\"></span>\n\n<span id=\"aya-5008\"></span>\n\n<span id=\"aya-5009\"></span>\n\n<span id=\"aya-5010\"></span>\n\n<span id=\"aya-5011\"></span>\n\n<span id=\"aya-5012\"></span>\n\n<span id=\"aya-5013\"></span>\n\n<span id=\"aya-5014\"></span>\n\n<span id=\"aya-5015\"></span>\n\n<span id=\"aya-5016\"></span>\n\n<span id=\"aya-5017\"></span>ونعيم أصحاب اليمين: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَماءٍ مَسْكُوبٍ * وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا * عُرُبًا أَتْرابًا * لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ (٢٧ - ٣٨)\n\n<span id=\"aya-5018\"></span>\n\n<span id=\"aya-5019\"></span>وهم كثرة في الجيل الماضي الذي عاصر البعثة النبوية ومن بعدهم، وكثرة في الأجيال اللاحقة التي التزمت الإسلام: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٤٠)\n\n<span id=\"aya-5020\"></span>\n\n<span id=\"aya-5021\"></span>\n\n<span id=\"aya-5022\"></span>\n\n<span id=\"aya-5023\"></span>في مقابل جحيم المجرمين أصحاب الشمال: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ (٤١ - ٤٤)","vol":"4","page":153},{"text":"<span id=\"aya-5024\"></span>﴿الذين أدّى بهم ترفهم في الحياة الدنيا إلى التكبر والاعتداد بالنفس والغرور، بلا أدنى اعتبار للقيم الروحية والأخلاقية: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (٤٥)\n\n<span id=\"aya-5025\"></span>فأنكروا الوحي والأنبياء وانهمكوا في الشرك والكبائر: ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ (٤٦)\n\n<span id=\"aya-5026\"></span>\n\n<span id=\"aya-5027\"></span>وكذّبوا بالبعث والآخرة: ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (٤٧ - ٤٨)\n\n<span id=\"aya-5028\"></span>\n\n<span id=\"aya-5029\"></span>\n\n<span id=\"aya-5030\"></span>\n\n<span id=\"aya-5031\"></span>\n\n<span id=\"aya-5032\"></span>\n\n<span id=\"aya-5033\"></span>\n\n<span id=\"aya-5034\"></span>\n\n<span id=\"aya-5035\"></span>فوجب إنذارهم بالحقيقة قبل الفوات: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٤٩ - ٥٦)\n\n<span id=\"aya-5036\"></span>\n\n<span id=\"aya-5037\"></span>\n\n<span id=\"aya-5038\"></span>ثمّ تتحدّاهم السورة بالمعجزات التي غفلوا عنها، كمعجزة خلقهم من ماء مهين: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ (٥٧ - ٥٩)\n\n<span id=\"aya-5039\"></span>\n\n<span id=\"aya-5040\"></span>وتتحداهم بحتمية الموت فلا يستطيعون منه فكاكا، فما الذي يؤكد لهم أن لن يبعثوا وينشؤوا مرة أخرى في عالم الغيب: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٠ - ٦١)\n\n<span id=\"aya-5041\"></span>مثلما أنشأهم تعالى أول مرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) وهي النشأة التي هم عنها عمون.\n\n<span id=\"aya-5042\"></span>\n\n<span id=\"aya-5043\"></span>ثم تواجههم السورة بالمعجزة التي تتكرر في إنبات الزرع من العدم:\n﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ (٦٣ - ٦٤)","vol":"4","page":154},{"text":"<span id=\"aya-5044\"></span>\n\n<span id=\"aya-5045\"></span>\n\n<span id=\"aya-5046\"></span>﴿وفي حين أنهم يرون إنبات الزرع شيئا بديهيا مفروغا منه وأنه حق طبيعي لهم، لكنه في الحقيقة إعجاز لو منعه تعالى منهم لندبوا حظهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٦٥ - ٦٧)\n\n<span id=\"aya-5047\"></span>\n\n<span id=\"aya-5048\"></span>وكذا معجزة نزول المطر العذب من السماء: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (٦٨ - ٦٩)\n\n<span id=\"aya-5049\"></span>فلو شاء تعالى لجعله ماء شديد الملوحة: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ (٧٠) وهنا أيضا يغفلون عن الإعجاز في دورة الماء في الطبيعة وتبخر المياه العذبة من البحار المالحة.\n\n<span id=\"aya-5050\"></span>\n\n<span id=\"aya-5051\"></span>ومعجزة النار - الوقود - المتجدد الذي لولاه لكانت حياة الإنسان مستحيلة:\n﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ (٧١ - ٧٢) فهذه الأشجار التي يحرقون منها حطبا، وتتحول على مر الزمن إلى أشكال أخرة من الطاقة كالنفط.\n\n<span id=\"aya-5052\"></span>وأنّ النار أو الطاقة على الأرض بجميع أشكالها والتي هي مصدر النور ليلا ذكرى بنور الله ﷿ وهديه لمن كان حائرا تائها يبحث عن نور الهدى:\n﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (٧٣)\n\n<span id=\"aya-5053\"></span>فكل هذه المعجزات ممّا يوجب التسبيح بحمده تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤)\n\n<span id=\"aya-5054\"></span>\n\n<span id=\"aya-5055\"></span>\n\n<span id=\"aya-5056\"></span>\n\n<span id=\"aya-5057\"></span>ثم تضيف السورة معجزة كبرى تضاهي كل ما سبق ألا وهي معجزة نزول القرآن منجّما - مفرّقا - على مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثة النبي ﷺ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٧٥ - ٧٨)","vol":"4","page":155},{"text":"فيأمر الوحي بوضع كل آية وكل سورة في مكانها الصحيح من الترتيب القرآني الذي نعرفه، وهو ترتيب غير ترتيب النزول التاريخي، فكان من الإعجاز بقاء القرآن خاليا من الاختلاف سليما من التناقض شاهدا على قوله تعالى:\n﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢/ ٤]،\n\n<span id=\"aya-5058\"></span>﴿ثم تشير السورة إلى معنى لطيف جدّا وهو أن المعنى الحقيقي للقرآن لا يصل إليه ولا يستفيد من هديه إلاّ من هو منفتح الذهن سليم النية مطهّر من التحيّز والتشنج والتقليد والفكر المسبق: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩)\n\n<span id=\"aya-5059\"></span>فيعلم على وجه اليقين أنه وحي من الله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨٠)\n\n<span id=\"aya-5060\"></span>فأنّى لهم الكفر بالقرآن بعد كل هذا الإعجاز: ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ (٨١)\n\n<span id=\"aya-5061\"></span>ومع ذلك فمنهم من يجعل ديدنه تكذيب القرآن: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٨٢) أي في الصدّ عنه كما هي حال بعض المستشرقين اليوم أو من يدّعون \"العلمانية\".\n\n<span id=\"aya-5062\"></span>ثم تتحداهم السورة أن يتغلبوا على الموت إن استطاعوا: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) أي الروح:\n\n<span id=\"aya-5063\"></span>﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ (٨٤) لأنهم ينظرون إلى المشرف على الموت وهم في حالة من العجز التام:\n\n<span id=\"aya-5064\"></span>﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (٨٥)\n\n<span id=\"aya-5065\"></span>\n\n<span id=\"aya-5066\"></span>فإن كانوا مكتفين بذواتهم كما يزعمون، وغير مدينين بالحياة لله سبحانه فليتغلّبوا على الموت وقت وقوعه ويعيدوا الروح إلى صاحبها: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٨٦ - ٨٧) لكن الموت الذي يفرّون","vol":"4","page":156},{"text":"منه فإنه ملاقيهم، وذلك دليل على منتهى عجزهم وزيف شعورهم بالاكتفاء الذاتي.\n\n<span id=\"aya-5067\"></span>\n\n<span id=\"aya-5068\"></span>\n\n<span id=\"aya-5069\"></span>\n\n<span id=\"aya-5070\"></span>\n\n<span id=\"aya-5071\"></span>\n\n<span id=\"aya-5072\"></span>\n\n<span id=\"aya-5073\"></span>﴿وهنا تعود السورة إلى الموضوع الذي بدأت منه: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (٨٨ - ٩٤)\n\n<span id=\"aya-5074\"></span>فمرجعهم جميعا إلى الله ﷿ يقينا: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٩٥)،\n\n<span id=\"aya-5075\"></span>﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ الذي تجلّت عظمته فيما تجلّت بأن تحققت العدالة للجميع.","vol":"4","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4942>سورة الحديد - ٥٧ - مدنية</span>\nيظهر من الإشارة إلى فتح مكة بالآية (١٠) أنّ السورة نزلت ابتداء من أواخر العام ٨ للهجرة، فهي مدنية على قول الجمهور وقيل بعض آياتها مكية، واشتق اسمها من ورود كلمة الحديد في (الآية ٤٢) بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وهي الأولى في مجموعة سبع سور مدنية متتالية: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) تتناول تطبيقات عملية حياتية لتنظيم المجتمع الإسلامي داخليا، وتوجيه هذا المجتمع أيضا لجهة التعامل مع أعداء الإسلام خارجيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-4943>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتبيّن من السور المكية السبع السابقة (ق - الذاريات - الطور - النجم - القمر - الرحمن - الواقعة) أن الأمور مختلطة على الكفار فيما يظنون من عشوائية الأقدار وقسوتها وغياب العدالة الدنيوية، إذ غاب عنهم أن كل عمل يحمل في طياته بذور عواقبه، وأنّ العاقبة الوخيمة التي يتحتّم أن تحيق بالكفار هي ضرورة متلازمة مع سلوكهم في الحياة الدنيا، وأنّ ما يلقاه الإنسان من عواقب إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله، وأنّ نجاة الإنسان لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى، وأنهم قاصرون عن خزائن العلم والغيب والقدرة الإلهية،","vol":"4","page":158},{"text":"وأنّ الرحمن تبارك اسمه أنزل على الإنسان علم القرآن لمن أراد أن يتعلّم، والإعجاز في نزول القرآن منجما على مدى ٢٣ عاما من البعثة النبوية دليل قاطع على استحالة ضلال النبي، وأنه تعالى ختم الرسالات السماوية بالقرآن الكريم ميسّرا لمن أراد أن يتذكر الحقائق ومعايير الأخلاق والعبر ويتذكر الميثاق الفطري المأخوذ عليه في الأصلاب، وأن الله جل شأنه لم يكن ليهلك قوما قبل إنذارهم بمعايير الصواب من الخطأ، حتى تصير معروفة عندهم، أما الظن والتخمين فلا يغنيان عن العلم اليقيني، والساعة اقتربت وتحتّم وقوعها، ومع ذلك فالناس في إعراض وتكذيب واتّباع للهوى، ولكن لا بد لكل مخلوق أن يواجه الحساب عندما تقع الواقعة.\nوبعد أن أمرت الآية الأخيرة في سورة الواقعة بالتسبيح: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٩٦/ ٥٦]، تبدأ سورة الحديد بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الواقعة ١/ ٥٧]،\nثم توضح أنه كما الله تعالى هو الظاهر والباطن، كذا الإيمان بالله والإنفاق لا ينفكّان، لذا وجب تجنب الغرور، والتماسك وقت المصيبة، وعدم الانعزال عن الدنيا كما فعل الرهبان، وحضّ النصارى على الإيمان، لأن الوحي لم يكن مقتصرا عليهم.\nونلاحظ أن السور المدنية السبعة التالية: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) تتناول تطبيقات عملية حياتية لتنظيم المجتمع الإسلامي داخليا، وتوجيه هذا المجتمع أيضا لجهة التعامل مع أعداء الإسلام خارجيا.\nثم تليها سورة (التغابن) - المختلف في كونها مدنية أم مكية - التي تعود فتذكّر الإنسان أن خلق السماوات والأرض لم يكن عبثا وإنّما خلقها تعالى بالحق، كما خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرّمه بحرية الخيار وبعث له الرسل","vol":"4","page":159},{"text":"بالبيّنات، فاقتضى أن يكتمل مغزى الخلق يوم القيامة يوم يجمع الناس ليوم التغابن فيخسر الكفار أنفسهم ويربح المؤمنون، أما الدنيا فهي دار ابتلاء للمؤمن والكافر معا، سوى أن قلب المؤمن يكون مطمئنّا على الدوام لا تفتنه مشاغل الدنيا.\nويلي سورة التغابن سورتان مدنيتان: (الطلاق - التحريم) تتناولان مزيدا من التطبيقات العملية الحياتية في تنظيم المجتمع الإسلامي.\n\n<span data-type='title' id=toc-4944>محور السورة</span>\nالله تعالى جلّ شأنه مستمرّ الوجود، ظاهر بحسب الدلائل، وباطن عن الحواس، محتجب عن الأبصار: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [٣/ ٥٧]،\nوأن الإيمان والإنفاق لا ينفكّان: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [٧/ ٥٧]، وقد أوجد تعالى في العقول من الدلائل ما يوجب قبول دعوة الرسل: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾، في حال أراد الإنسان الإيمان والعمل على أسس من البراهين القاطعة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٨/ ٥٧]، وإن معرفة الله ﷿، والعمل بمقتضى الإيمان، يشكلان النور الذي يفيد المؤمنين يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [١٢/ ٥٧]، ولذا وجب على المؤمنين تجنّب الكبر الزائف وتجنّب الإعجاب بالنفس والرضا عنها:\n﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [١٦/ ٥٧]، وتجنّب اعتبار الحياة الدنيا غاية المنى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [٢٠/ ٥٧]،\nوأن كل شيء في الكون يسير وفق علم الله الأزلي وحكمته الخافية بما هو كائن وما سيكون: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي﴾","vol":"4","page":160},{"text":"﴿كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [٢٢/ ٥٧]، وبالتالي تحضّ السورة المؤمنين على الثبات والتماسك وقت المصائب والرضا بما كتب الله:\n﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [٢٣/ ٥٧]، وتحذّرهم من نسب النعم التي يتمتعون بها إلى جدارتهم و\"حسن حظّهم\": ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [٢٣/ ٥٧]،\nوأنه تعالى أرسل الرسل بالبينات لتمكين الإنسان من تمييز الحق من الباطل ولتحقيق العدالة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [٢٥/ ٥٧]، وزوّده بالوسائل الكافية لاستخدام موارد الطبيعة - ومنها الحديد - لبناء حضارته: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [٢٥/ ٥٧]، ولذا تحذّر السورة من الانعزال عن الدنيا، وأنه تعالى لم يفرض الرهبانية على النصارى وإنما كتب عليهم ابتغاء رضوانه: ﴿وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ [٢٧/ ٥٧]، ولكنّ أكثرية النصارى فسقت عن رسالة عيسى وأفسدتها: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [٢٧/ ٥٧]، وبالتالي تحضّهم السورة على الإيمان بخاتم الأنبياء والرسل وعلى التخلّي عن الاعتقاد أن الرسالات السماوية والوحي مقتصرة عليهم: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [٢٩/ ٥٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-4945>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5076\"></span>﴿التسبيح تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ حقيقة ومجازا، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧] فالمعنى عام حقيقي ومجازي شامل.","vol":"4","page":161},{"text":"<span id=\"aya-5077\"></span>﴿هو المتصرّف بملكوته، خالق الحياة والموت، لا حدود لقدرته: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5078\"></span>كان منذ الأزل قبل كل شيء، وباق بعد كل شيء، مستمرّ الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل، خالق الزمن الذي خارج إدراك البشر، ظاهر لعباده بالدلائل، وباطن غير مدرك بالحواس، محيط بكل شيء: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5079\"></span>خلق الكون في ستة مراحل زمنية وهو مهيمن عليه، عالم بدقائقه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5080\"></span>لا شريك له في الملك، ترجع إليه أمور الخلائق: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5081\"></span>ومن آياته أن الليل يدخل على النهار شيئا فشيئا فيظلمه، وفي الوقت نفسه وعلى الطرف الآخر من الكرة الأرضية يدخل النهار في الليل شيئا فشيئا فيضيئه، فمن كانت هذه قدرته لا يخفى عليه شيء: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٦) وهذه الآية من دلائل كروية الأرض.\n\n<span id=\"aya-5082\"></span>كل ذلك ممّا يوجب الإيمان وقرن الإيمان بالفعل: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧) فالإنسان مستخلف في مال الله، والإنفاق يصدّق الإيمان.\n\n<span id=\"aya-5083\"></span>وقد أوجد تعالى في الإنسان ملكة العقل والمنطق فلم يترك له عذرا بالجهالة:\n﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ﴾","vol":"4","page":162},{"text":"﴿مِيثاقَكُمْ﴾ أي ما دام الإيمان مستندا على الأدلة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨) فأي شيء يمنعه من الإيمان؟\n\n<span id=\"aya-5084\"></span>﴿ومع أن الإنسان يلزم أن يكون مؤمنا بالفطرة، وبمجرد استخدامه العقل والتفكر في معجزة الخلق، فقد أنعم تعالى على البشر بإنزال الوحي على رسوله حتى تطابقت الدلائل العقلية والنقلية: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٩) فلا يترك العباد يتخبطون بلا هدي.\n\n<span id=\"aya-5085\"></span>والإنسان بمنزلة الوكيل المؤقت فيما يملك إذ لا يلبث أن يذهب ويترك ماله، وأن الإنفاق قبل تحقق النصر أكثر ثوابا من الإنفاق بعده، فأي شيء يمنعه من الإنفاق؟ ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5086\"></span>ومن إحسانه تعالى وفضله على العباد أن جعل الإنفاق في سبيل الله بمثابة قرض يؤتي ثماره في الآخرة، مع أن المال هو مال الله أصلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5087\"></span>وأن معرفة الله ﷿، والعمل بمقتضى الإيمان، يكونان نورا لصاحبهما يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٢)، وقوله: ﴿وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ إشارة ضمنية إلى صالح العمل الذي أنجزوه في دنياهم.\n\n<span id=\"aya-5088\"></span>في حين يصاب المنافقون والمنافقات بالخذلان، فيقولون للمؤمنين انتظرونا أو انظروا إلينا حتى نقتبس من نوركم، وهو كلام ينمّ عن جهل ويأس، لأن تلك","vol":"4","page":163},{"text":"الأنوار نتيجة طبيعية للأعمال الصالحة لأصحابها، فمن لم يعمل صالحا لا يتأتّى له ذلك النور: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فيقال للمنافقين والمنافقات كان عليكم اقتباس هذا النور في دنياكم وقد فات الأوان، فإن هذه الأنوار تتولد من اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة: ﴿قِيلَ اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ فيفصل بينهما حاجز له باب، باطنه الرحمة من جهة المؤمنين، وظاهره العذاب من قبل المنافقين والمنافقات:\n﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5089\"></span>﴿فالمنافقون المرتابون في البعث، المغترّون بمكاسب الدنيا، لا تنفعهم يوم القيامة الأموال التي كانوا مستخلفين فيها، ولم يؤدوا حق الله بها، فينادي المنافقون المؤمنين قائلين: ﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ فيقولون لهم نعم كنتم معنا في الظاهر، ولكن فتنتم أنفسكم بالنفاق والمعاصي، وتربصتم بغيركم دائرة السوء، وغرّتكم الأماني الكاذبة في الدنيا حتى وافتكم المنية وأنتم على حالكم من الغرور: ﴿قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَاِرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5090\"></span>فالتوبة والندم لا ينفعان بعد الفوات: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٥) ونلاحظ أن الآية تضع المنافقين بمنزلة الذين كفروا.\n\n<span id=\"aya-5091\"></span>وهنا تحذّر السورة المؤمنين من الرضا عن النفس والاغترار والإعجاب بها:\n﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ وتنهاهم أن يكونوا كاليهود من قبلهم إذ اغترّوا باعتقادهم أنهم شعب الله المختار فجمدت عقولهم على الجاهلية والعصبية والاستعلاء: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وفسقت أكثريتهم","vol":"4","page":164},{"text":"عن الدين، كما فسقت النصارى بابتداعهم التثليث وتأليه المسيح: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-5092\"></span>﴿وإن الله تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها فكذلك بيده إحياء القلوب القاسية التي ماتت بالجهل وبالغفلة والضلال إن كان بها بقية من فطرة: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5093\"></span>وأن على الذين يسمّون أنفسهم مؤمنين أن يشفعوا القول بالعمل ولا سيما لجهة الصدقات والإنفاق: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5094\"></span>وتقارن الآية بين مآل المؤمنين الذين هم على استعداد للتضحية (الشهداء) وبين مآل الكفار المكذّبين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5095\"></span>ثم تنبه السورة على أن الكافر يشتغل طيلة حياته بطلب زينة الحياة الدنيا وفي اللهو والتفاخر والتكاثر في الأموال ولا يعمل شيئا للآخرة، وتشبّه الدنيا بالنبات الذي ينمو بنزول المطر ثم لا يلبث أن يصفّر وينتهي: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5096\"></span>فالمطلوب أن يعمل الإنسان لآخرته كما يعمل لدنياه: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾","vol":"4","page":165},{"text":"<span id=\"aya-5097\"></span>﴿والمطلوب أيضا أن يصبر الإنسان على مصائب الدنيا لأنّ كل شيء يتم وفق علم الله الأزلي بما هو كائن وما سيكون وفق حكم بالغة كثيرا ما تخفى على الخلق: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-5098\"></span>وكما يصبر المؤمن على المصائب عليه أنّ لا يغتر بالنعم فينسبها فقط \"لجدارته واستحقاقه\" وينسى المنعم بها: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فيقع ضحية لغروره وإعجابه بنفسه: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-5099\"></span>لأن المغرور المعجب بنفسه ينأى عن عمل الخير ويسخر ممّن يقوم به:\n﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فتعود عاقبة البخل عليه لأن الله غنيّ عنه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5100\"></span>وأن الله تعالى بعث الرسل وأنزل عليهم الوحي مبيّنا للناس معايير العدالة كي لا يظلم بعضهم بعضا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢٥) ومكّن الناس من استخدام موارد الطبيعة ومن ذلك الحديد لتسهيل معيشتهم، في إشارة إلى صنع الأدوات والآلات والوصول إلى مستويات من التقانة التي تمتع بها الإنسان في الماضي والحاضر: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ وقد يستعمله الإنسان للعدوان والتخريب إذ ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أو للدفاع ولما ينفع البشر: ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ وأن الذين يستفيدون من نعم الله بالطريق الإيجابي الصحيح هم المؤمنون حقا، فيحاسبهم تعالى بظهور أعمالهم إلى حيّز العلن وليس بمجرد علمه المسبق بهم:\n﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾ وهم مؤمنون بما غاب عن إدراكهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ فلا يفوته تعالى من حسابهم شيء: ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾","vol":"4","page":166},{"text":"<span id=\"aya-5101\"></span>﴿ومن بعث الرسل، نوح وإبراهيم، والأنبياء من بني إسحاق وبني إسماعيل:\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-5102\"></span>ومنهم عيسى آخر أنبياء بني إسرائيل، والمعلوم أن الإنجيل الذي نزل عليه غير الكتاب الذي بين أيدي النصارى اليوم: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ وتنهى الآية عن الرهبنة ونبذ الدنيا كما فعل بعض النصارى في عصورهم الأولى مع أنه تعالى لم يكتبها عليهم: ﴿وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ وإنما كتب عليهم ابتغاء رضوان الله: ﴿إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ ومع ذلك لم يرعوا الرهبنة التي ابتدعوها، انظر آية [التوبة ٣٤/ ٩]: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ وأن النصارى الذين اتّبعوا رسالة عيسى على حقيقتها لا يفوتهم الأجر إذ دخلوا الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ولكن فسق الأكثرون منهم باختلاق التثليث والزعم بألوهية المسيح:\n﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5103\"></span>وهنا تخاطب السورة أهل الكتاب وتحضّهم على الإيمان بخاتم الأنبياء والرسل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ وتعدهم ثواب إيمانهم الصحيح بعيسى وموسى، ثم ثواب إيمانهم بخاتم الأنبياء: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وتعدهم بالنور، كالمشار له في (الآية ١٣): ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-5104\"></span>ثم تدعوهم السورة إلى نبذ اعتقادهم بأنهم الوحيدون المخوّلون بنزول الوحي الإلهي عليهم، لأنه تعالى يؤتي الفضل العظيم - أي الوحي - من يشاء من عباده: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾، انظر آيات [الجمعة ٤/ ٦٢] و[البقرة ١٠٥/ ٢ - ١٠٦] و[آل عمران ٢٦/ ٣].","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4975>سورة المجادلة - ٥٨ - مدنية</span>\nنزلت بين السنة الخامسة حتى السابعة للهجرة، واشتق اسمها من الإشارة لمجادلة المرأة للرسول ﵊ بخصوص عادة الظهار، وهو طلاق جائر كان شائعا في الجاهلية.\n\n<span data-type='title' id=toc-4976>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهذه السورة الثانية في مجموعة السور المدنية السبع المتتالية: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) التي تتناول تطبيقات حياتية عملية في تنظيم المجتمع الإسلامي.\n\n<span data-type='title' id=toc-4977>محور السورة</span>\nتشير السورة إلى أحقية المرأة برفع قضيتها إلى ولي الأمر وجداله لعلاج حالات مستعصية من زواجها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ [١/ ٥٨]، وتبين فساد عادة الظهار في الجاهلية: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [٢/ ٥٨] وتبطلها وتحدد كفّارتها، ثم تنهى السورة عن نجوى السوء كونها سببا للتباغض والتنافر بين المؤمنين وتأمر بنجوى الخير: ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ [٩/ ٥٨]، كما تأمر المؤمنين بتوسيع أبواب الخير والراحة على عباد الله: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ [١١/ ٥٨]، وتحضّ من يريد التعمّق في دراسة","vol":"4","page":168},{"text":"السنة النبوية أن يبدأ بعمل الخير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ [١٢/ ٥٨]،\nوتذم السورة المنافقين المشككين الذين غلبت عليهم مصالح الدنيا فيخدعون أنفسهم ويبررون لها الانحياز إلى أعداء المسلمين: ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [١٥/ ٥٨]، وأن مخادعتهم أنفسهم لن تفيدهم شيئا لأنه تعالى غالب على أمره: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [٢١/ ٥٨]، أما المؤمنون حقا فإنه تعالى يؤيدهم بروح منه: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [٢٢/ ٥٨] لأنهم لا يوادّون من يعمل ضد المسلمين مهما كانت درجة قرابتهم أو المصلحة معهم: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [٢٢/ ٥٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-4978>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5105\"></span>﴿تبدأ السورة ببيان أحقية المرأة في رفع مظلمتها إلى وليّ الأمر ومجادلته لرفع الظلم عنها بخصوص الظروف السيئة لزواجها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ فإن كان الله تعالى يسمع التحاور بهذا الموضوع فمن باب أولى أن يسمعه وليّ الأمر: ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5106\"></span>وتبطل عادة الجاهلية في الطلاق الجائر المسمّى ظهارا إذ كان يترتب عليه تجريد المرأة من كل حقوقها بالإضافة لمنعها من الزواج ثانية ولذا وصفه تعالى بالزور والمنكر: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ وكان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته أنت عليّ كظهر أمي، أي محرّمة علي جنسيا كحرمة أمّي عليّ.","vol":"4","page":169},{"text":"<span id=\"aya-5107\"></span>﴿وتفرض كفّارة الظهار بحال حدوثه لأن الندم وحده لا يكفي فلا بد من خطوات عملية لتأكيده: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-4905\"></span>﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ومبرر الكفارة: ﴿ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي بإظهار نبذكم عادات الجاهلية باتباع إجراءات عملية ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5109\"></span>وتبيّن مآل الذين يختارون تجاهل ومعاداة أحكام الله المنزلة في الآيات البينات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي يكون الخذلان عاقبتهم ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5110\"></span>﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5111\"></span>وأنه تعالى محيط بجميع أحوالهم فلا تخفى عليه مكائدهم السرية ضد الإسلام: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) والنجوى هو الحديث السري بين أكثر من اثنين.\n\n<span id=\"aya-5112\"></span>وأنّ المنافقين والكفار يكيدون للإسلام فيأتمرون سرا فيما بينهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ويشكّكون في نبوة محمد ﵊: ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ أي إن كان محمد نبيّا حقّا فلماذا لا يعذّبنا الله؟ فيأتيهم الجواب:\n﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ والإشارة إلى يهود المدينة وقت البعثة، وإن كانت تنطبق على المشكّكين في كل زمن.","vol":"4","page":170},{"text":"<span id=\"aya-5113\"></span>﴿وتأمر السورة المؤمنين أن تكون مداولاتهم السرية فيما بينهم في سبيل البرّ والتقوى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩)، ونظيره قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٤/ ٤]،\n\n<span id=\"aya-5114\"></span>وأن النجوى بالإثم والعدوان من شأن من استحوذ عليهم الشيطان من شرار الناس: ﴿إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)، مع أنّ الشيطان ليس له من سلطة حقيقية على البشر: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤].\n\n<span id=\"aya-5115\"></span>ثم تأمر السورة المؤمنين بأن يوسّع بعضهم على بعض في مجالسهم أو في مجتمعاتهم بإيصال الخيرات إلى المحتاجين منهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ وأن لا يكونوا سلبيين بل يبادروا ويجيبوا إلى ما يرفع منازلهم من العمل الصالح: ﴿وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ وخصّصت من العمل الصالح طلب العلم إذ يرفع تعالى المؤمنين من الذين أوتوا العلم درجات على باقي المؤمنين: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١) والرفعة هي في درجات الثواب والرضوان.\n\n<span id=\"aya-5116\"></span>ومن ذلك تحدد السورة آداب مناجاة الرسول ﵇ في حياته والتعامل مع السنة الشريفة بعده بتقديم الصدقات أو عمل الخير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾","vol":"4","page":171},{"text":"<span id=\"aya-5117\"></span>﴿ولكن لا يأثم من لا يستطيع الإنفاق على الخير بأكثر ممّا يترتّب عليه من الزكاة: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5118\"></span>\n\n<span id=\"aya-5119\"></span>ثم تذمّ السورة المنافقين، أنصاف المؤمنين، الذين يحرصون على منافعهم الدنيوية العاجلة بموالاة المغضوب عليهم من الذين وصلتهم الرسالة ومع ذلك يكابرون ويجتهدون في إنكارها ومقاومتها ومحاربتها، وهم اليهود خاصة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَلا مِنْهُمْ﴾ أي ولا اليهود يعتبرون المنافقين منهم ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤ - ١٥)\n\n<span id=\"aya-5120\"></span>يستخفون بالأيمان الكاذبة كي لا يظهر نفاقهم: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ ويبذرون الشبهات في قلوب الناس: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-5121\"></span>فما تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5122\"></span>ولشدة خداعهم أنفسهم يعتقدون أن الجري وراء مكاسب الدنيا المادية أمر طبيعي له ما يبرره وهو بنظرهم مقدّم على الدين والعقيدة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ وهذا هو قمة الكذب وخداع النفس: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5123\"></span>ولذا تصفهم السورة بأنهم حزب الشيطان: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)﴾","vol":"4","page":172},{"text":"<span id=\"aya-5124\"></span>﴿وعلى النقيض من خداعهم أ؟نفسهم وظنهم أنهم على صواب فإن مآلهم في الآخرة إلى الذل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5125\"></span>فمن سننه تعالى في خلقه أن الغلبة للحق: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5126\"></span>وأنه يستحيل على المؤمنين بالله واليوم الآخر أن يتولوا الكفار أو يوادّوهم ولو كانوا على درجة من القرابة منهم، فمن باب أولى أنهم لا يتولّون اليهود ولا يوادّوهم: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ولذلك تصير عاقبتهم إلى الفلاح:\n﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾\nوقد لاحظنا في سورة الممتحنة أن القرآن الكريم يستثني الكفار المسالمين ويأمر تجاههم بالبر والعدل: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠].","vol":"4","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5000>سورة الحشر - ٥٩ - مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-5001>الخلفية التاريخية</span>\nمعظم سورة الحشر (الآيات ٢ - ١٧) متعلقة بالنزاع الذي حدث بين مجتمع المدينة المسلم وبين يهود المدينة من بني النضير والذي انتهى بطردهم منها، وتسمى أيضا (سورة بني النضير)، فبعد هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة عقد النبي مع يهود بني النضير اتفاقا تعهدوا بموجبه الوقوف على الحياد في نزاع المسلمين مع كفار قريش، ثم بعد ظفر المسلمين على قريش في غزوة بدر العام ٢ للهجرة أعلن زعماء بنو النضير من تلقاء أنفسهم أن محمدا ﵇ هو حقا النبي المنتظر المذكور في كتبهم (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، ثمّ بعد عام من ذلك عندما انتهت غزوة أحد بشبه هزيمة للمسلمين، راجع سورة [آل عمران ١٢١/ ٣ - ٧٥]، خان بنو النضير عهدهم مع الرسول ﷺ وتآمروا على قتله، وعقدوا حلفا مع قريش بهدف التخلص من المسلمين نهائيا بحسب زعمهم، فكان أن أنذرهم النبي ﵇ بأحد أمرين: إما الحرب، أو مغادرة المدينة بجميع ممتلكاتهم، وفي الحالة الثانية يسمح لهم بالعودة إلى المدينة سنويا لقطف ثمار نخيلهم بمعنى أن تبقى مزارعهم ملكا لهم، فتظاهر اليهود بقبول العرض الثاني وطلبوا مهلة عشرة أيام للمغادرة وافق عليها النبي فاتصلوا خلالها مع","vol":"4","page":174},{"text":"منافقي المدينة وزعيمهم عبد الله بن أبيّ الذي وعد أن يدعمهم بألفي رجل يقاتلون إلى جانبهم إن أرادوا البقاء في حصونهم بضواحي المدينة، كما وعد أن يخرج من المدينة معهم في حال هزيمتهم، وفي ذلك نقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [١١/ ٥٩]، فقبل اليهود عرض ابن أبيّ وحملوا السلاح ضد المسلمين، فكان أن حاصرهم النبي ﵇ في حصونهم واحدا وعشرين يوما دون قتال، وعندما أيقنوا بعدم وفاء زعيم المنافقين عبد الله بن أبيّ بوعده لهم بالدعم العسكري، وهو مصداق قوله تعالى - والآية نبوءة بالغيب -: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [١٢/ ٥٩]، استسلموا للنبي ﵊ في ربيع الأول بالعام ٤ هجرية فأمرهم بالخروج من المدينة، وسمح لهم أن يحملوا معهم كافة ممتلكاتهم، فخرجوا بها إلى بلاد الشام في قافلة من ستمئة بعير، واستقر القليل منهم في خيبر، والباقون في أريحا بفلسطين، وأصبحت أراضيهم وزراعتهم ملكا للمسلمين، تم توزيع معظمها على فقرائهم كما تبين الآيات (٧ - ٨) من السورة.\nوكما هو دأب القرآن الكريم تفيد الإشارات التاريخية فيه دروسا وعبرا، وفي هذه الحالة يستفاد من السورة حتمية انتصار المسلمين على عدوهم حتى لو كانوا قليلي العدد والعدّة بشرط التزامهم بروح الإسلام وشريعته، وقد نزلت السورة بالعام الرابع الهجري واشتق اسمها من كلمة الحشر المذكورة بالآية ٢ واختلفوا في مغزاها، وقد رأى بسام جرار في كتابه (زوال إسرائيل) أنّ ذلك كان أول حشر اليهود إلى أريحا في فلسطين بعد البعثة النبوية، أما آخر الحشر فهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء ١٠٤/ ١٧].","vol":"4","page":175},{"text":"وفي هذه الفترة أيضا نزلت سورة الجمعة التي تنص على نسخ الديانة اليهودية بالإسلام، أنظر آيات [الجمعة ٢/ ٦٢ - ٥]، وقد يكون ذلك سبب نكوص بني النضير عن عهدهم مع الرسول ﵊.\n\n<span data-type='title' id=toc-5002>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتبدو سورة الحشر في وصفها لقصة يهود بني النضير وتحالف منافقي المدينة معهم وغدرهم بالمسلمين [الحشر ٢/ ٥٩ - ١٧]، وكأنها مثال عملي على ما ورد في سورة المجادلة [المجادلة ٨/ ٥٨ - ١٠ و١٤ - ٢٢] من نهي المؤمنين عن نجوى الإثم والعدوان ومعصية الرسول، وذمّ المنافقين الذين يتولّون أعداء الإسلام: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر ١١/ ٥٩]،\nوقد وصفت سورة المجادلة المنافقين بأنهم حزب الشيطان إذ نسوا ذكر الله: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المجادلة ١٩/ ٥٨] وفي سورة الحشر نقرأ قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦/ ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩/ ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5003>محور السورة</span>\nإصرار اليهود على الكفر: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [٤/ ٥٩]، وأن المنافقين إخوان للكفار: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾","vol":"4","page":176},{"text":"﴿نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [١١/ ٥٩]، ولكن الغلبة تكون للمخلصين من المؤمنين: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ﴾ والسبب أن المنافقين لا يحسنون استخدام مداركهم العقلية ولذا فإنّ جلّ اهتمامهم مرتكز على أمور الدنيا: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [١٣/ ٥٩] والمغزى أن المؤمنين - بخلاف المنافقين - يحسنون استخدام مداركهم وملكاتهم العقلية، ولذا تحذرهم السورة أن يكونوا مثلهم:\n﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [١٩/ ٥٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5004>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5127\"></span>﴿تبدأ السورة وتنتهي بأن كل ما في السماوات والأرض يسبّح لله تعالى، والتسبيح ليس بمجرد القول، ومعناه تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل نقص وسوء: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5128\"></span>وتصف اليهود بأنهم مصممون على الكفر ممّا كان سببا لإخراجهم من الديار، في إشارة لوصفه تعالى في الآية السابقة بأنه العزيز الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ في حين ظنّ المؤمنون أن لا سبيل لإخراجهم: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ كما كان ظنّ اليهود بمنعتهم المادية: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ بأن ثبّط عنهم حلفاءهم المنافقين ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وبسبب خيانتهم الإسلام ونقضهم العهد كانوا كمن يخرب بيته بيده:\n﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممّا هو عبرة لذوي الفكر والبصيرة: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)﴾","vol":"4","page":177},{"text":"<span id=\"aya-5129\"></span>﴿وأنه تعالى منحهم فرصة أخرى للتوبة بأن كتب عليهم الجلاء عن جزيرة العرب: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ لكي تظهر معصيتهم وإصرارهم على الكفر إلى حيّز العلن فيستحقّوا عذاب الآخرة:\n﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5130\"></span>كل ذلك لأنهم جعلوا أنفسهم في شقّ وجعلوا الهدي الإلهي في شقّ آخر فكأنهما على طرفي نقيض: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5131\"></span>ومع أنّ الشرع الإسلامي في الحالة العامة يحرّم تخريب المحاصيل الزراعية وقطع الأشجار، كما هو معروف من وصية أبي بكر الصدّيق الشهيرة لأمراء الجيوش، إلاّ أن الضرورات تبيح المحظورات، فاضطر المسلمون أثناء حصارهم بني النضير أن يقطعوا بعض نخيلهم لضرورة الحرب، وهو من قبيل ارتكاب أخفّ الضررين: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5132\"></span>وأنه خلافا للقاعدة العامة المذكورة بآية [الأنفال ٤١/ ٨] أن يكون خمس الغنائم لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والباقي للمقاتلين، فإن الفيء، وهو ما غنمه المسلمون من بني النضير بلا قتال، يكون بأكمله للأصناف الخمسة المذكورة فيوضع بتصرف الرسول أو الإمام: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي من بني النضير ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) والسبب تفسره الآيات التالية:\n\n<span id=\"aya-5133\"></span>لأن العبرة من توزيع الفيء بكامله على الأصناف الخمسة المذكورة أن لا يكون تداول المال محصورا بين الأغنياء: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ﴾","vol":"4","page":178},{"text":"﴿الْقُرى﴾ أي من جميع البلدان التي تفتح بلا قتال فحكمها حكم أموال بني النضير ﴿فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5134\"></span>﴿فيوزّع على فقراء المهاجرين الذين بدافع الإيمان تركوا ممتلكاهم في مكة وقت الهجرة: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5135\"></span>كما يوزّع على فقراء الأنصار في المدينة الذين استقبلوا المهاجرين وآثروهم على أنفسهم رغم فقرهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ وتبيّن أن الشحّ يقف عائقا أمام صاحبه في الوصول إلى السعادة والفلاح: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5136\"></span>والقاعدة عامة في كل وقت بأن يستقبل المسلمون إخوانهم المهاجرين إليهم من البلاد التي يعانون فيها الاضطهاد الديني: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5137\"></span>والآية التالية إشارة لعرض منافقي المدينة أن يدعموا يهود بني النضير ويتكافلوا معهم، وهي تصف المنافقين بأنهم إخوان الكفار: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وأنّ المنافقين لا يملكون الشجاعة المعنوية الكافية كي يعلنوا كفرهم: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)﴾","vol":"4","page":179},{"text":"<span id=\"aya-5138\"></span>﴿كما ليس لديهم أدنى قدر من الالتزام الروحي أو المعنوي أو الأخلاقي للوفاء بوعدهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وأنهم يتخلّون عن حلفائهم في أول فرصة: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5139\"></span>ولضعف إيمانهم بالله والبعث والجزاء فإنّ خوفهم من حاضرهم أكثر من خوفهم من آخرتهم: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5140\"></span>وأن اعتمادهم بالكامل على مادية الدنيا: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ﴾ ولذا ينقلب بعضهم على بعض تهافتا وراء المصالح الدنيوية المباشرة: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ كل ذلك لأن عقولهم قاصرة عن حقيقة الدنيا والآخرة: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5141\"></span>فمثل فريقي المنافقين ويهود بني النضير كمثل من قبلهم من كفار قريش الذين ذاقوا مرارة الهزيمة في وقعة بدر في رمضان العام ٢ هجرية، وكمثل يهود بني قينقاع ذاقوا عاقبة خيانتهم في شوال من العام نفسه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٥) والقاعدة عامة في كل الأوقات لأمثالهم.\n\n<span id=\"aya-5142\"></span>ومثل المنافقين مع الكفار شبيه بموقف الشيطان من الإنسان يغرّر به ثم يخذله:\n﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤].","vol":"4","page":180},{"text":"<span id=\"aya-5143\"></span>﴿فكانت عاقبة المنافقين والكفار واحدة في النار: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5144\"></span>فما يفعله المرء في دنياه يلقاه في الآخرة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5145\"></span>وتحذّر الآية المؤمنين أن يكونوا كالمنافقين والكفار أعمتهم الدنيا عن حقيقة الآخرة: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5146\"></span>فمن اقتصر همّه على الدنيا ليس كمن وضع الآخرة نصب عينيه: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5147\"></span>وأنه لو كان للجبال عقل - كما للإنسان - فنزل عليها القرآن لعقلته وخشعت وتصدّعت: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ فكأنّ المصرّين على الكفر لا عقول لهم: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5148\"></span>وأنه تعالى محيط بعالم الغيب وبما يضمر المنافقون من مكائد، كما هو محيط بعالم الشهادة: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-5149\"></span>\n\n<span id=\"aya-5150\"></span>وتختم السورة بأسماء الله الحسنى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٣ - ٢٤).","vol":"4","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5028>سورة الممتحنة - ٦٠ - مدنية</span>\nنزلت في العام ٧ هجرية بعد صلح الحديبية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5029>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nالسورة استمرار لسورتي المجادلة والحشر لجهة تحريم موالاة الكفار الناشطين في حرب المسلمين، ففي سورة المجادلة قرأنا قوله تعالى في ذمّ المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة ١٤/ ٥٨]، وفي سورة الحشر أنّ المنافقين إخوان للكفار: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر ١١/ ٥٩]،\nثم تنتقل سورة الممتحنة هذه إلى صيغة الأمر صراحة بنهي المؤمنين عن موالاة أعداء الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠]، ثمّ تنهى عن موالاة اليهود بالذات: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة ١٣/ ٦٠].","vol":"4","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5030>محور السورة</span>\nتحريم مولاة الكفار الناشطين في حرب المسلمين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [١/ ٦٠]، وأن الله تعالى مقلّب القلوب، فالكفار قد ينقلبون مؤمنين: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٧/ ٦٠]، والأمر بالبر والقسط تجاه المسالمين منهم: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [٨/ ٦٠]، وبيان القواعد الاجتماعية للتعامل مع الكفار الذي حرمت السورة موالاتهم [١٠/ ٦٠ - ١١]، وتحريم موالاة اليهود خاصة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [١٣/ ٦٠]، وفي ذلك تأكيد على آيات [آل عمران ١١٨/ ٣، ٢٨] و[المائدة ٥١/ ٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-5031>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5151\"></span>﴿بعد أن ذمّت سورة المجادلة المنافقين لموالاتهم الكفار، ووصفت سورة الحشر المنافقين بأنهم إخوان للكفار، ترقى هذه السورة إلى درجة تحريم موالاة أعداء الإسلام الناشطين في حرب المسلمين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾، والسبب أنهم ناشطون في حرب الإسلام والمسلمين لدرجة إخراجهم من الديار: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَاِبْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)﴾ أي إن كانت هجرتكم في سبيل الله حقّا فكيف توادّوهم وقد أخرجوكم من دياركم؟","vol":"4","page":183},{"text":"<span id=\"aya-5152\"></span>﴿وهم يتربّصون الشر بالمسلمين ويودّون لو ترتدّوا عن دينكم: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5153\"></span>وتحدد أن روابط الإيمان أقوى من روابط القربى مع الكفار: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5154\"></span>وتضرب في ذلك مثلا قصّة إبراهيم وصحبه إذ تبرؤوا من قومهم ما داموا على الكفر: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5155\"></span>ودعاء إبراهيم وأصحابه: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي لا تسلط الكفار علينا فيفتنونا، أي نصبح مفتونين منصرفين عن هذا الدين الحق بظلمهم وقهرهم، ولا تفتنهم بنا فيزدادوا كفرا وعنادا لظنهم أن لو كنّا على الحق لما استطاعوا أن يظهروا علينا ﴿وَاِغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) والمعروف أنّ الدعاء يجب أن يقترن باتخاذ الأسباب.\n\n<span id=\"aya-5156\"></span>فالآية تحث المسلمين أن يكونوا كإبراهيم وصحبه: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5157\"></span>غير أن عدواة الكفار للمسلمين ليست نهائية فقد يهتدي البعض منهم للإسلام: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ إذا تابوا وأسلموا ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ فالله تعالى قادر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة.","vol":"4","page":184},{"text":"<span id=\"aya-5158\"></span>﴿وتأمر السورة المسلمين بالبر والقسط تجاه المسالمين من الكفار الذين لم يشتركوا في القتال والاضطهاد: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5159\"></span>وإن تحريم موالاة الكفار قصد به حصرا الذين يشتركون في قتال المسلمين واضطهادهم ويخرجونهم من الديار وكلّ من ينصرهم على ذلك: ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5160\"></span>وهنا تبين الآيات (١٠ - ١٢) بعض التفاصيل الاجتماعية للتعامل مع الكفار الذين حرّمت السورة موالاتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ أي إذا جئن مهاجرات إليكم من أرض العدو فيجب امتحانهنّ لمعرفة إن كانت هجرتهن لأغراض دنيوية أم في سبيل الله، والامتحان أن يقسمن أنّ هجرتهنّ ليست لدنيا وإنما حبّا بالله ورسوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ في الظاهر، والله تعالى يتولّى السرائر، فالشريعة الإسلامية تقتضي الاكتفاء بظاهر الإيمان، ما لم يظهر برهان يناقض ذلك: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ﴾ وإن حلفن أنهنّ مؤمنات فلا يجوز إعادتهنّ إلى أزواجهنّ الكفار: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ﴾ لأنّ كفر أحد طرفي الزواج يكون سببا لفسخه: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وعندئذ يجب إعادة مهر المرأة التي أسلمت إلى الكافر: ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا﴾ ويحلّ لها الزواج من جديد: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ كما أنّ على المسلم أن يطلّق زوجته الكافرة: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ ويحق له أن يطالب بمهرها، مثلما يطالب الكفار بمهور زوجاتهم اللواتي أسلمن: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾","vol":"4","page":185},{"text":"<span id=\"aya-5161\"></span>﴿وفي حال انحازت بعض زوجات المسلمين إلى الكفار فمن واجب المجتمع المسلم تعويض الأزواج ما أنفقوا من مهور الزوجات اللواتي تخلّين عنهم: ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١١)\nوالآيتان (١٠ - ١١) نزلتا بعد صلح الحديبية لأنه كان من شروط الصلح أن يعيد المسلمون إلى قريش من يلجأ إليهم من أغرار قريش ومواليها، ولكن النبي ﷺ رأى أن ذلك الشرط لا ينطبق على النساء المتزوجات كونهنّ بالغات عاقلات.\n\n<span id=\"aya-5162\"></span>بعد امتحان المؤمنات المهاجرات، الآية ١٠، والتأكد من إخلاصهنّ بحسب الظاهر، فلم يبق سوى أن يبايعن الرسول، أو الإمام من بعده: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ كما كانت عادة وأد البنات في الجاهلية ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي لا يسعين إلى البهتان عمدا ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢) لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.\n\n<span id=\"aya-5163\"></span>وكما بدأت السورة بالنهي عن موالاة أعداء الإسلام الناشطين في الصدّ عنه، فهي تختم بالنهي عن موالاة اليهود خاصة، إذ غضب الله عليهم لإنكارهم الآخرة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ والدليل في آية [المجادلة ١٤/ ٥٨] أن اليهود هم المقصودون بهذا الخطاب، فلشدّة ماديتهم وتكالبهم على الدنيا أنكروا الآخرة: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ مثلما يئس الكفار من بعث الأموات: ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾،\nوفي إنكار اليهود للآخرة نقرأ أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان ٣٤/ ٤٤ - ٣٥].","vol":"4","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5045>سورة الصف - ٦١ - مدنية</span>\nنزلت سورة الصفّ على الأغلب بعد وقعة أحد أواخر العام ٣ هجرية حتى أوائل العام ٤ هجرية واشتق اسمها من كلمة الصف بالآية ٤،\n\n<span data-type='title' id=toc-5046>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن ذمّت سورة المجادلة المنافقين الذين يتولّون الكفار الناشطين في الصد عن الإسلام، وأكّدت سورة الحشر أن المنافقين بمنزلة إخوان للكفار، ثم حرّمت سورة الممتحنة على المؤمنين صراحة أن يكونوا موالين لأعداء الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠]، وبالذات اليهود منهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة ١٣/ ٦٠]، توضح هذه السورة أن اليهود دأبوا على تكذيب كبار أنبيائهم كموسى وعيسى ﵈ [الصف ٥/ ٦١ - ٦]، فمن باب أولى أن لا يأمن المسلمون جانبهم، ثم تحثّ السورة المؤمنين أن يكون عملهم، بخلاف اليهود، مطابقا لعقيدتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢/ ٦١]،","vol":"4","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5047>محور السورة</span>\nوجوب اجتماع كلمة المؤمنين على العمل والنظام والتضحية في سبيل عقيدتهم: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [٤/ ٦١] في مواجهة الكفار الذين يختلقون الأكاذيب للافتراء على الإسلام:\n﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ حتى يكون الفوز للمؤمنين: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [٨/ ٦١]، بانتشار رسالة القرآن: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٣/ ٦١]، وأنه تعالى أيّد نصارى المسيح - الحقيقيين - بظهور الإسلام على اليهودية وعلى المسيحية المنحرفتين عن رسالتي موسى وعيسى ﵉: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [١٤/ ٦١]، أي ظاهرين عليهم بالحجة الصحيحة والمنطق السليم، وأما السلطان فيجعله تعالى في الدنيا لمن يتبع سننه في خلقه، مؤمنا كان أم كافرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-5048>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5164\"></span>﴿كما افتتحت سورة الحشر تفتتح هذه السورة بأنّ كل ما في السماوات وما في الأرض يسبّح لله تعالى، والتسبيح ليس بمجرد القول، ومعناه تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل ما لا يليق به من نقص أو سوء: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5165\"></span>والقول يجب أن يصدّقه العمل والاستعداد للتضحية بما يتطلبه الإيمان، لذا تنهى السورة المؤمنين عن ازدواجية المعايير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5166\"></span>فغاية البغض عند الله تعالى أن يكون قول المؤمن مغايرا لفعله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾","vol":"4","page":188},{"text":"<span id=\"aya-5167\"></span>﴿وتحثهم على جمع الكلمة تجاه العدو: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5168\"></span>وأن سبب فشل اليهود أنهم صدّقوا رسالة موسى قولا ولم يعملوا بمقتضاها:\n﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ فالنبي موسى لم يترك عند اليهود أدنى شك أنه رسول الله إليهم حتى أقرّوا بذلك، لكن سلوكهم وعصيانهم المتكرر كان مغايرا لإقرارهم، وهذا الأمر واضح جدا ليس فقط في القرآن الكريم، بل في كتبهم \"المقدسة\"، والنتيجة الطبيعية لهذه الحال أن ينعكس الإصرار على المعصية سلبا على العقيدة: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5169\"></span>ثم تكررت معصيتهم على أشنع حال مع آخر أنبيائهم عيسى ﵇:\n﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ إذ جاءهم ليصدّق ما تبقى بين يديه، وقت بعثته، من الوحي الصحيح الذي بقي في التوراة، بعد أن كتبوا وأضافوا الكثير من عندهم وزعموا أنه وحي، انظر آية [البقرة ٧٩/ ٢]: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ وليبشرّهم بمقدم النبي الأحمد المذكور في كتبهم (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، وهو خاتم الأنبياء والرسل المخلّص المنقذ من الضلال الذي كانوا يستعجلون قدومه: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ولكنهم لعصبيتهم كانوا يتوقون أن يبعث النبي الأحمد من بين ظهرانيهم، لاعتقادهم أن الرسالات السماوية حكر عليهم، وقد فنّد القرآن الكريم دعواهم باقتصار الرسالات السماوية عليهم، انظر آية [الحديد ٢٩/ ٥٧]، كما حذّرهم عيسى ﵇ من هذا الاعتقاد بل أنذرهم أن عبء الرسالات السماوية سوف ينزع منهم ويعطى لأمة تؤتي ثمارها، أنظر كتابهم المقدس سفر (متّى ٤٣/ ٢١)، فزعموا أنه ساحر، ثم لما جاءهم النبي الأحمد بمعجزة القرآن الكريم نسبوه أيضا إلى السحر: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾","vol":"4","page":189},{"text":"<span id=\"aya-5170\"></span>﴿وهذا غاية الظلم والشرور أن يجحد الإنسان الفضل المطلق وهو نعمة الهداية الإلهية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ﴾ فمن شأن هؤلاء أن يمعنوا في الضلال: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5171\"></span>وأن الكفار لم يكتفوا بإنكار بعثة النبي ﷺ الذي بشّر به عيسى بالاسم، بل كانوا وما زالوا منكبّين على اختلاق الافتراءات ضد الرسالة الإسلامية:\n﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ وبالطبع دون جدوى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5172\"></span>وأن الله تعالى بعث النبيّ الأحمد خاتم الأنبياء والرسل بالهداية إلى البشرية كي يظهر الحق واضحا من الباطل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ ولكي يظهر على الأديان التي انحرفت عن مسارها كاليهودية والمسيحية: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ مهما كره ذلك المشركون وعارضوه:\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5173\"></span>وهنا تعود السورة إلى موضوع الآيات (٢ - ٣) من حيث إن المؤمن يلزم أن يكون مستعدا للتضحية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (١٠) أي في الدنيا والآخرة، والتجارة المشار إليها موضحة في آية [التوبة ١١١/ ٩] أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.\n\n<span id=\"aya-5174\"></span>فلا بدّ للمؤمنين، الجديرين بهذا اللقب، أن يكونوا على استعداد للتضحية:\n﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5175\"></span>حتى يكون الفوز لهم في الآخرة: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾","vol":"4","page":190},{"text":"<span id=\"aya-5176\"></span>﴿والفوز في الدنيا عندما ينتشر الإسلام بالقناعة والقدوة الحسنة بين أناس لم يسبق لهم معرفة الرسالة القرآنية: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5177\"></span>فيكونون كما كان الحواريون وأتباعهم النصارى في نصرة عيسى ﵇: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ وقد أظهرهم تعالى بمبعث الإسلام رغم قلتهم وتعرضهم للاضطهاد من قبل اليهود والأكثرية المسيحية: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾","vol":"4","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5063>سورة الجمعة - ٦٢ - مدنية</span>\nنزلت في أوائل الفترة المدنية واشتق اسمها من ذكر يوم الجمعة بالآية (٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-5064>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن عصى اليهود كبار أنبيائهم موسى وعيسى ﵉، انظر آيات [الصف ٥/ ٦١ - ٦]، وبعد أن بشّر عيسى المسيح اليهود في سورة الصف السابقة بمقدم النبي الأحمد: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦/ ٦١]، تذكر هذه السورة مبعث النبي ﷺ وانتقال الرسالة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢/ ٦٢]، والسبب ارتكاس اليهود المتكرر عن رسالة موسى وتشويه التوراة وتأليف كتب \"مقدسة\" من عندهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5065>محور السورة</span>\nاقتضت الحكمة الإلهية انتقال عبء الرسالة السماوية من بني إسحق إلى بني إسماعيل بنزول الوحي على النبي ﷺ: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [٤/ ٦٢] بعد فشل اليهود في حمل رسالة التوحيد: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [٥/ ٦٢]،","vol":"4","page":192},{"text":"والإسلام دين وسطية، لا رهبانية كما في المسيحية، ولا انكباب على الدنيا كما عند اليهود، فالمسلمون يبتغون نصيبهم من الآخرة كما يطلبون نصيبهم من الدنيا: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [١٠/ ٦٢]، وبلا مبالغة في طلب الدنيا: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ﴾ [١١/ ٦٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-5066>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5178\"></span>﴿التسبيح تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل ما لا يليق به، واستخدام الفعل المضارع بما يفيد الحاضر والمستقبل، وفي سورة الصف الفعل الماضي، ما يفيد أنّ كل ما في السماوات وما في الأرض يسبح الله تعالى على الدوام: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5179\"></span>والقرآن الكريم نزل على أمّة أمّية لا كتاب لها فأنقذها من الضلال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ والرسول من هذه الأمة الأمّية، فهو أيضا أمّي لم يطّلع على الكتب السابقة ولم يعلم عنها إلاّ بطريق الوحي: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5180\"></span>لكن الرسالة الإسلامية غير مقتصرة على العرب وحدهم وإنما لتنتقل منهم إلى العالم أجمع في كل وقت وعصر: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5181\"></span>وقد منّ الله تعالى على العرب بنزول رسالة القرآن عليهم وذلك هو الفضل المطلق: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ وهذا الفضل أيضا يؤتيه تعالى كلّ من يشاء الاستفادة من رسالة القرآن في كل زمن.","vol":"4","page":193},{"text":"<span id=\"aya-5182\"></span>﴿وأن اليهود كانوا مكلفين بحمل رسالة التوحيد ففشلوا فيها بارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية ممّا هو مسطّر في كتبهم قبل غيرهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ وبعصيانهم كبار أنبيائهم كموسى وعيسى ﵈: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥) وظنّوا ويظنّون أنهم شعب الله المختار عصبية واستعلاء وتفضيلا على غيرهم من الأمم فقد قصر فهمهم وإدراكهم عن كون الرسالة عبئا ومسؤولية، وليست تمييزا لهم عن باقي البشر، انظر آية [البقرة ٩٠/ ٢].\n\n<span id=\"aya-5183\"></span>وأن خوفهم من الموت يفضح زعمهم أنّهم شعب الله المختار: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5184\"></span>خاصة بما ارتكبوا من مخازي ومعصية الرسل ما هو موثّق في كتبهم: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5185\"></span>وأن تكالبهم على الدنيا وتعلقهم بها، على النقيض ممّا يأملون، قصير الأمد فلا يلبثوا أن يواجهوا حسابهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5186\"></span>وأنّ سبت اليهود قد نسخ بيوم الجمعة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5187\"></span>وأنّ النسخ اقتضى إبطال تشدّدهم في منع أي عمل حتى عمل الخير خلال العطلة الأسبوعية: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ﴾","vol":"4","page":194},{"text":"﴿اللهِ وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ (القصص ٧٧/ ٢٨).\n\n<span id=\"aya-5188\"></span>﴿وأنّه يجدر بالمسلم أن لا يتهالك على الدنيا كما فعل اليهود: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١)﴾","vol":"4","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5078>سورة المنافقون - ٦٣ - مدنية</span>\nنزل معظم هذه السورة بعد وقعة أحد أي أواخر العام ٣ وخلال العام ٤ هجرية، والبعض من آياتها (٧ - ٨) نزل بعد غزوة بني المصطلق العام ٥ هجرية،\n\n<span data-type='title' id=toc-5079>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهنالك استمرارية في سور (المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) لجهة ذمّ المنافقين، ونهي المؤمنين أن يكونوا مثلهم، انظر آيات [المجادلة ٢٢/ ٥٨] و[الممتحنة ١/ ٦٠]، ونهي المؤمنين من تولّي المغضوب عليهم من اليهود، انظر آيات [المجادلة ١٤/ ٥٨ - ١٦] و[الصف ١٣/ ٦٠]، ثم أوضحت سورة الجمعة أن رسالة القرآن نسخت الديانة اليهودية، انظر آيات [الجمعة ٢/ ٦٢ - ٥]، فارتدّ اليهود في المدينة، أنظر الخلفية التاريخية لسورة الحشر، ثم إن المنافقين لم يكتفوا بالتعاون مع يهود المدينة، انظر آيات [الحشر ١١/ ٥٩ - ١٢]، بل حاولوا تحريض الأنصار ضد النبي ﵊: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون ٧/ ٦٣].","vol":"4","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5080>محور السورة</span>\nتعرض السورة لظاهرة النفاق بين ضعاف النفوس في المدينة بعد الهجرة النبوية، غير أن العبرة منها تنسحب على كل زمان ومكان.\nفتبيّن بعض سمات المنافقين: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [٤/ ٦٣]، وتصفهم بالاستكبار:\n﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [٥/ ٦٣]، وهم يظهرون الإيمان في حين أنهم يحرّضون الناس على الكفر ويأمرون الناس بعدم الإنفاق: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [٧/ ٦٣]، والله تعالى يأمر المؤمنين أن يصدّقوا إيمانهم بالإنفاق قبل فوات الأوان: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [١١/ ٦٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-5081>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5189\"></span>﴿المنافقون يقولون بألسنتهم خلاف ما يبطنون: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5190\"></span>ويستترون وراء أيمان كاذبة للصد عن الإسلام: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5191\"></span>وهم قد آمنوا بالقول، وكفروا بالفعل: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ وأنّ من شأن أمثالهم أن تعمي عادة النفاق بصيرتهم حتى لا يفقهوا الحق من الباطل: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ والطبع من الله تعالى بنتيجة سوء أفعالهم وإعراضهم فيخلّيهم تعالى لأنفسهم.","vol":"4","page":197},{"text":"<span id=\"aya-5192\"></span>﴿والمنافق يكون مظهره وقوله خدّاعا وإن كان مستساغا في الظاهر: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ ولكنهم لقلة جدواهم كأعمدة الخشب المسنّدة إلى الحائط: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ كما هم في حالة من الذعر والترقّب الدائمين: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ ولكن يجب الحذر من مظهرهم المخادع وألسنتهم المعسولة: ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ فقد لعنهم الله وأبعدهم من رحمته: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ بالنظر لإعراضهم وانصرافهم عن الحق: ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5193\"></span>وهم في الصدّ عن سبيل الله مستكبرون في باطنهم، يعتقدون في أنفسهم المكر والدهاء: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5194\"></span>فمن شأن أمثالهم أن يتركهم تعالى في تخبطهم ولا يجبرهم على الهدى:\n﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٦) أي لسوء استخدامهم مداركهم العقلية.\n\n<span id=\"aya-5195\"></span>وهم لجهالتهم وضيق أفقهم ينهون الناس عن الإنفاق في سبيل الله، ولا يفقهون أن الله غالب على أمره، إذ بيده وحده خزائن السماوات والأرض:\n﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5196\"></span>ومغترّون بواقعهم الزائف لا يستوعبون أن العزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5197\"></span>ولذا تحذّر السورة المؤمنين من الانخداع بمتاع الدنيا الزائل كالمال والبنين، وتحضّهم على النظر في القرآن والتفكر والتأمل فيه كي لا يخسروا أنفسهم: ﴿يا﴾","vol":"4","page":198},{"text":"﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5198\"></span>﴿لكنّ ذكر الله وحده بلا إنفاق لا يكفي إذ هو دليل النفاق، فعليهم المسارعة إلى الإنفاق قبل فوات الأوان: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5199\"></span>ولذا وجب الحذر من التسويف وطول الأمل: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)﴾.","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5093>سورة التغابن - ٦٤ - مدنية، وقيل مكية، وقيل بها مكّي ومدني</span>\nاشتق اسم السورة من كلمة (التغابن) المذكورة بالآية (٩)، يوم يخسر الكفار أنفسهم ويربح المؤمنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5094>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن بيّنت السور المدنية السبعة السابقة: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) قواعد هامة لتطبيقات عملية حياتية داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، تعود سورة (التغابن) - المختلف في كونها مكية أو مدنية - لبحث مغزى الخلق وبعث الرسل والجزاء، وابتلاء البشر في الدنيا، ثم تختم في الآيات [التغابن ١٤/ ٦٤ - ١٨] بوجوب تقديم الروابط الدينية على الروابط العائلية والدنيوية، وتحضّ على الإنفاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-5095>محور السورة</span>\nخلق السماوات والأرض لم يكن عبثا وإنّما خلقها تعالى بالحق، وكرّم الإنسان بحرية الخيار: ﴿فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾","vol":"4","page":200},{"text":"[٢/ ٦٤]، كما خلقه في أحسن تقويم: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [٣/ ٦٤]، وبعث له الرسل بالبيّنات: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [٦/ ٦٤]، فاقتضى أن يكتمل مغزى الخلق يوم القيامة يوم يجمع الناس ليوم التغابن فيخسر الكفار أنفسهم ويربح المؤمنون: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [٩/ ٦٤]، أما الدنيا فهي دار ابتلاء للمؤمن والكافر معا، سوى أن قلب المؤمن يكون مطمئنّا على الدوام لا تفتنه مشاغل الدنيا: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [١١/ ٦٤]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5096>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5200\"></span>﴿التسبيح تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل ما لا يليق به، وكل ما في السماوات وما في الأرض يسبح الله تعالى على الدوام، فله الحمد على نعمائه، يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5201\"></span>كرّم الناس بحرية الخيار، فكان منهم الكافر ومنهم المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5202\"></span>والخلق لم يكن عبثا: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ خلق الناس في أحسن تقويم، ووهبهم نعمة العقل، ثم إليه يكون المعاد والحساب: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5203\"></span>لا يخفى عليه من عباده شيء: ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤)،\n\n<span id=\"aya-5204\"></span>وأنّ العاقل يعتبر بعاقبة من سبق من الأمم الكافرة، لأنّ سنّته تعالى في الخلق لا تتغير فيمن يرفض الهدي الإلهي والمسؤولية الأخلاقية، فتلك الأمم ذاقت","vol":"4","page":201},{"text":"وبال أمرها في الدنيا قبل الآخرة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5205\"></span>﴿وسبب الكفر أن الرسل كانت تأتيهم من بين ظهرانيهم فاستكبروا اعتقادا منهم أن لا فضل للرسل عليهم لكونهم بشرا: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾ في حين أن الله غني عنهم وعن العالمين: ﴿وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5206\"></span>فالذين كفروا ظلموا عقولهم وأنكروا المسؤولية والبعث والحساب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5207\"></span>فوجب على كل عاقل أن يؤمن بالله والرسول والقرآن: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا﴾ ويوقن بالمسؤولية والحساب: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5208\"></span>يوم يجمع تعالى الناس فيحاسبهم على ما سبق منهم في دنياهم، فيفوز المؤمنون الذين عملوا صالحا: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5209\"></span>ويخسر الكفار أنفسهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5210\"></span>وأنّ الدنيا دار ابتلاء للمؤمن والكافر معا، ولو كان الإيمان يقي صاحبه من البلاء في الدنيا لبطل التكليف والاختبار ولصار الإيمان قسريا، غير أن المؤمن بخلاف الكافر يكون قلبه مطمئنّا على الدوام: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾","vol":"4","page":202},{"text":"<span id=\"aya-5211\"></span>﴿والمطلوب أن يعرف الإنسان خالقه فيكيّف وجوده بحسب الهدي الإلهي، غير أنّ الإيمان ليس قسريا بل يترك لخيار المرء: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5212\"></span>والله تعالى وحده المهيمن على أمور خلقه المتصرف بشؤونهم: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5213\"></span>وأن طاعة الله والرسول، والعمل بمقتضى القرآن، مقدّمان على الروابط الزوجية والعائلية، فإن حصل تناقض يصبح الطرف غير الملتزم عدوا - من الناحية الروحية والعملية - للطرف المؤمن: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ في حال توبتهم ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5214\"></span>كما أن طاعة الله والرسول مقدّمة على الروابط الدنيوية التي قد تكون سببا للفتنة: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5215\"></span>وأنه تعالى لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-5216\"></span>وتختم السورة كما ختمت سورة (المنافقون) قبلها بالحض على الإنفاق:\n﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5217\"></span>فلا يفوته تعالى شيء من أمور خلقه: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾","vol":"4","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5115>سورة الطلاق - ٦٥ - مدنية</span>\nنزلت في أواسط الفترة المدنية\n\n<span data-type='title' id=toc-5116>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nكما في السور المدنية السبعة: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون)، وبعد أن أوضحت سورة التغابن - المختلف في كونها مكية أم مدنية - مغزى الخلق وبعث الرسل والجزاء وابتلاء البشر في الدنيا، تعود سورتا (الطلاق - التحريم) المدنيّتان المتتاليتان لمواضيع تطبيقات حياتية عملية أخرى في تنظيم المجتمع، وتبدأ هذه السورة بموضوع الطلاق، وتداخل آيات التشريع مع آيات الإيمان والغيب شائع في التنزيل، في إشارة للارتباط الوثيق في الإسلام بين الإيمان وبين انعكاسه العملي في تنظيم الحياة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5117>محور السورة</span>\nالسورة مكرّسة في معظمها لبيان أحكام الطلاق وتفصّل ما سبق ذكره في آيات [البقرة ٢٢٦/ ٢ - ٢٣٣]، كما تبين العاقبة الوخيمة التي تحل بالمجتمعات نتيجة اتباعها تشريعات وضعية ولمعصيتها التشريع الربّاني.","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5118>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5218\"></span>﴿تخاطب الآية الأولى مجتمع المسلمين - من خلال النبي ﷺ بوجوب العدة في الطلاق، وقد أجمعوا أن طلاق النساء يجب أن يقع في فترة طهر من غير جماع:\n﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وأنه يجب إحصاء العدة:\n﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ كما هو مفصل بآية [البقرة ٢٢٨/ ٢]، وأنه خلال مدة العدّة لا يحق للرجل إخراج المرأة من بيتها: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ ولا يكون الرجل سببا لإخراجها من تلقاء نفسها: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ إلاّ أنه يحقّ له إخراجها في حالات استثنائية دامغة: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وأنّ من مقاصد مدة الانتظار - العدّة - أنها تتيح الفرصة لتهدئة خواطر الطرفين والمراجعة الهادئة وتفادي اتخاذ قرارات متسرّعة: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5219\"></span>\n\n<span id=\"aya-5220\"></span>وأن اتخاذ القرار بالصلح أو الفراق بنهاية العدّة يجب أن يكون عن حسن نية بعيدا عن مشاعر الكراهية أو الانتقام، بلا ضرر ولا ضرار: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والشهادة أن لا يكون القرار متّخذا عن جهالة وحماقة: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وأن تقوى الله تقي المرء مواقع الضيق والكرب: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وأن أمر الله جلّ وعلا نافذ لا محالة فلم يبق إلاّ التوكل عليه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٢ - ٣)\n\n<span id=\"aya-5221\"></span>ثم تحدد السورة مدة العدّة لمن لا حيض لهنّ: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ومدة العدة","vol":"4","page":205},{"text":"للحوامل: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5222\"></span>﴿وإن العمل بنصوص الشرع من شأنه تكفير السيئات وتعظيم الثواب:\n﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5223\"></span>وإن سكن المطلقة خلال مدة العدة يجب أن يستمر بذات المستوى المعيشي المعتاد للزوج بلا مضايقة ولا تضييق عليها: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وأن على الزوج الإنفاق على مطلّقته الحامل حتى تضع حملها: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولها الخيار في إرضاع الولد مع استمرار النفقة لها خلال فترة الرضاعة: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وأن يكون التفاهم بينهما مستمرّا بالمعروف: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ وقد لا تستطيع المطلقة الإرضاع لأسباب صحية أو نفسية أو لكونها تريد الزواج من آخر: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5224\"></span>وإن إنفاق الزوج خلال كل هذه المدة يجب أن يكون بحسب طاقته المادية:\n﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ ما آتاها﴾ وأنه تعالى يجعل اليسر بعد العسر: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٧).\n\n<span id=\"aya-5225\"></span>\n\n<span id=\"aya-5226\"></span>\n\n<span id=\"aya-5227\"></span>ثم تنتقل السورة إلى التعميم أن المجتمعات الإنسانية التي تعتمد على التشريع الوضعي بدلا عن التشريع الربّاني تؤول عاقبتها إلى الخسران: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا * فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾ وأن المؤمنين المتقين هم الذين يستفيدون من عقولهم في فهم القرآن:\n﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ (٨ - ١٠)","vol":"4","page":206},{"text":"<span id=\"aya-5228\"></span>﴿فيخرج الذين صدّقوا إيمانهم بالعمل الصالح من ظلمات الجهالة إلى نور العلم والإيمان، وذلك هو الرزق المطلق: ﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5229\"></span>وأن الله تعالى الذي خلق السماوات السبع ومن الأرض مثلهنّ متكفّل بأمور عباده ومخلوقاته، حتى بأدق تفاصيلها كما سيرد في موضوع السورة التالية:\n﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.\nوفي كتاب (الخصائص) لابن بابويه عن النبي ﷺ: \"إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم، كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين، ما يرى عالم منهم أن لله ﷿ عالما غيرهم\".\nوقد نقل الرازي في تفسير آية [الحجر ٢٦/ ١٥] عن كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر ﵇ أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، انظر أيضا آية [الشورى ٢٩/ ٤٢].","vol":"4","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5128>سورة التحريم - ٦٦ - مدنية</span>\nنزلت خلال النصف الثاني من الفترة المدنية، وقيل حوالي العام ٧ هجرية، وقيل إن الآيات (١٠ - ١٢) منها مكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5129>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهي استمرار للسورة السابقة من حيث تنظيم الشرع الإسلامي لحياة البشر، فبعد أن ختمت سورة الطلاق المتقدمة بأنّ أمره تعالى يتنزّل في شؤون مخلوقاته وعباده بين السماوات والأرض، تبين هذه السورة أحد جوانب تنظيم هذه الشؤون ومنه التأكيد على عدم جواز تحريم ما أحل الله تعالى في سبيل إرضاء البشر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5130>محور السورة</span>\nعدم جواز تحريم ما أحل الله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [١/ ٦٦]، ووجوب التكفير عن الأيمان المعارضة للشرع: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [٢/ ٦٦]، وأنّ الندم لا يفيد صاحبه يوم الحساب فالعقاب نتيجة طبيعية ملازمة للعمل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٧/ ٦٦]،","vol":"4","page":208},{"text":"وعدم جواز التوصل لحلول وسط في شؤون العقيدة مع الكفار: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [٩/ ٦٦]، وأن قرابة الأنبياء والصالحين لا تنفع الخاطئين يوم القيامة [١٠/ ٦٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-5131>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5230\"></span>﴿التأكيد على عدم جواز تحريم ما أحل الله تعالى في سبيل إرضاء البشر: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) لأن النبي ﵊ كان قد حلف أن لا يقرب أزواجه لمدة شهر، واختلفت الروايات في سبب ذلك، غير أنها لا تخرج عن عاطفة الغيرة بين بعض أزواج النبي ﷺ، ومن العبر في القصة أن النبي بشر معرّض للخطأ سوى أن الوحي سرعان ما يرشده إلى الصواب، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣/ ٩]،\n\n<span id=\"aya-5231\"></span>فتبيّن السورة في هذه الحالة وجوب التحلل من اليمين المناقض للشرع، والكفارة عنه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وكفّارة الأيمان مذكورة في آية [المائدة ٨٩/ ٥].\n\n<span id=\"aya-5232\"></span>وتسرد جانبا من قصة النبي ﵊ مع بعض أزواجه، وبحسب بعض الروايات فقد تنبأ لزوجته حفصة بخلافة أبي بكر وعمر، ثم أعرض عن إعلان ذلك وكتمه لكي يبقى الأمر شورى بين المسلمين: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5233\"></span>وتنتقل السورة لمخاطبة زوجتي الرسول عائشة وحفصة فتعاتبهما، لأن حفصة أفشت السر إلى عائشة فلم تكتمه: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ﴾ فالتوبة أجدر","vol":"4","page":209},{"text":"بكما، فقد مالت قلوبكما عن حق الرسول ﵇: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي مالت عن الصواب، وإن تعاونا عليه: ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ فليس ذلك بضائره شيئا لأن الله تعالى ناصره، وكذا جبريل وكل من صلح من المؤمنين، والملائكة أيضا تنصره: ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5234\"></span>﴿ثم لموعظة أزواج الرسول ﵊: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5235\"></span>وتأمر السورة المؤمنين أن يبادروا - قبل فوات الأوان - لنشر الدعوة بين أهليهم، بالمعنى الضيق والأعمّ لكلمة الأهل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5236\"></span>وأن اعتذار الكفار بالجهالة لن يفيدهم يوم الحساب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ لأن الجزاء نتيجة طبيعية وعاقبة ملازمة لجنس العمل: ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5237\"></span>وتحث المؤمنين على التوبة لأن كل ابن آدم خطّاء حتى المؤمنين منهم:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) والتوبة النصوح التي تنصح صاحبها بعدم العودة إلى ما تاب منه.\n\n<span id=\"aya-5238\"></span>ثم تأمر النبي - والمؤمنين من بعده - بمجاهدة الكفار والمنافقين معا، وحيث لا يجوز قتال المنافقين لأنهم يظهرون الإسلام، فالمقصود أن تكون مجاهدة الفريقين","vol":"4","page":210},{"text":"بالحجة والفكر والإقناع: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وتنهى الآية عن التوصل لحلول وسط معهم: ﴿وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وتبين مآلهم في حال عدم توبتهم عن الكفر: ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5239\"></span>﴿وتبيّن أن الروابط العائلية مع الصالحين، وحتى مع الأنبياء، لا تفيد الكفار شيئا إن لم يتوبوا: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5240\"></span>وبالمقابل فإن المؤمن الحقيقي لا يلزم نفسه بكفر أفراد عائلته بل ينفرد بإيمانه عنهم: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5241\"></span>وتضرب مثلا بمريم ﵍ وصلاحها وإخلاصها: ﴿وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي في عيسى ﵇ ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾","vol":"4","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5144>سورة الملك - ٦٧ - مكية</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية، وفي الحديث: \"وددت لو أنّها في قلب كلّ مؤمن\"، ذكره القرطبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-5145>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nاستكملت السور المدنية السبعة المتقدمة: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) ثم السورتان المدنيتان (الطلاق - التحريم) تشريعات حياتية للمجتمع المسلم داخليا بين أفراده، وخارجا تجاه الغير، وقد تخللتهما سورة التغابن - المختلف في كونها مدنية أم مكية - التي بحثت في مغزى الخلق وبعث الرسل والجزاء، وابتلاء الناس في الدنيا، ثم ينتقل القرآن الكريم في السور المتبقية في الجزأين التاسع والعشرين والثلاثين - ومعظمها مكية - إلى بحث مواضيع الإيمان والغيب وحث الإنسان على استخدام العقل في التوصل إلى الفلاح.\n\n<span data-type='title' id=toc-5146>محور السورة</span>\nمهما بلغت علوم الإنسان على الأرض يستحيل عليه الإحاطة بأسرار الكون: ﴿ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾","vol":"4","page":212},{"text":"[٤/ ٦٧]، وهو معتمد بشكل كلّي وقاطع على الهداية الإلهية التي تنزّلت على البشر من خلال الوحي، ومع ذلك فإنّهم يرجمون بالغيب: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [٥/ ٦٧]، ويفضّل الكفار الرجم بالغيب على السمع والعقل السليم: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [١٠/ ٦٧]، ولقصر فكرهم على دنيا المادة لا يرون أبعد من أنوفهم: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٢٢/ ٦٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-5147>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5242\"></span>﴿تَبارَكَ﴾ تفاعل من البركة، وقيل تقدّس، وقيل دام، فهو الدائم لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ومن دلائل قدرته أنه خلق الموت والحياة، وخلق الكون خلقا محكما يحيّر العقول:\n\n<span id=\"aya-5243\"></span>وقد خلق الموت كما خلق الحياة، بمعنى أنّ الموت له حقيقة إيجابية بذاته، فالموت ليس معناه العدم إذ يشمل حالة البرزخ قبل الآخرة كما يشمل حالة الكمون قبل الحياة الدنيا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١/ ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١/ ٧٦]،\n\n<span id=\"aya-5244\"></span>وخلق الكون محكما متجانسا بلا تفاوت: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾","vol":"4","page":213},{"text":"<span id=\"aya-5245\"></span>﴿لا يستطيع الإنسان - مهما بلغ - أن يحيط بأسراره: ﴿ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5246\"></span>ومع ذلك فشياطين الإنس ترجم بالغيب زاعمة أنّها تعتمد على النجوم، أو تظن أن بإمكانها الإحاطة بأسرار الكون بالتنجيم: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ لكن الرجم بالغيب يؤدي بصاحبه لأسوأ العواقب: ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5247\"></span>\n\n<span id=\"aya-5248\"></span>والزعم بمعرفة الغيب والمستقبل من النجوم - ما لا يعلمه إلا الله وحده - بمثابة كفر: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ (٦ - ٧)\n\n<span id=\"aya-5249\"></span>وأن جهنم تكاد تميّز من الغيظ لبلادة الكفار وعجزهم عن الإفادة من مداركهم العقلية ما أدّى بهم إلى ورودها: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٨) فقد زعموا في دنياهم أن لا حقيقة في الوحي الإلهي.\n\n<span id=\"aya-5250\"></span>واتهموا رسلهم بالضلال: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5251\"></span>فلم يدركوا أهمية السماع للرسل والوحي وقيمة العقل إلاّ بعد فوات الأوان: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5252\"></span>ولم يفدهم الاعتراف بالذنب بعد كشف الحجب: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5253\"></span>في حين أن استخدام العقل على الوجه الصحيح يقود صاحبه يقينا بأن هنالك مغزى وراء الخلق، ومن ذلك تتالي بعث الرسل وتنزّل الوحي الإلهي عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾","vol":"4","page":214},{"text":"<span id=\"aya-5254\"></span>\n\n<span id=\"aya-5255\"></span>﴿وفي كل الأحوال فالله تعالى يعلم ما يخفون من معتقدات وما يبدون منها:\n﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٣ - ١٤)\n\n<span id=\"aya-5256\"></span>وأنه قد وهبهم العقل والذكاء لاستخدام موارد الأرض حتى صارت تحت تصرفهم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ ثم يحاسبهم على حسن أو سوء استخدامها: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5257\"></span>\n\n<span id=\"aya-5258\"></span>فكيف يأمن أحدهم عواقب عمله فيعتقد أن لا مسؤولية ولا حساب:\n﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (١٦ - ١٧)\n\n<span id=\"aya-5259\"></span>والأمثلة التاريخية كثيرة في عاقبة الأمم البائدة: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5260\"></span>ومعجزات الكون محيطة بهم من كل جانب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ﴾ ما لا يعقل أن يكون مصادفة: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5261\"></span>وإنهم في منتهى العجز باعتمادهم على ذواتهم: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ فلا يدعمهم مؤقتا سوى الغرور: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5262\"></span>وهم معتمدون على رزقه تعالى في أبسط أمور معاشهم: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ ما يناقض استكبارهم ونفورهم من الهدي الإلهي:\n﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5263\"></span>بل إنهم لانغماسهم في الحياة المادية كمن لا يرى أبعد من أنفه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾","vol":"4","page":215},{"text":"<span id=\"aya-5264\"></span>﴿مع أنه تعالى وهبهم نعمة السمع والبصر والفكر السليم: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ فقليلا ما استفادوا منها:\n﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-5265\"></span>ونشرهم في الأرض: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ثم يحشرهم للحساب: ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5266\"></span>وهم مصرّون على إنكار الحشر وعلى المكابرة والتحدي في تعارض فاضح مع المنطق السليم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-5267\"></span>مع أنّ علم الساعة مما استأثر به تعالى لنفسه: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-5268\"></span>وعند تحقق وعدها يغشى وجوه الذين أصرّوا على الكفر الذل والكآبة:\n﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقال لهم هذا ما كنتم تستعجلونه في الدنيا: ﴿وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5269\"></span>وسواء انتشرت رسالة الإسلام كما هو مقدّر لها، أم لم تنتشر كما يتمنّون، ففي الحالين لن يفيدهم ذلك شيئا من عذاب الجحيم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-5270\"></span>فالمؤمنون في حالة من الاطمئنان والتوكل على الله حتى يأتي الوقت الذي تنكشف فيه الحجب: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٩)، وذلك الجواب على قولهم لرسلهم في الآية ٩: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ (٩).\n\n<span id=\"aya-5271\"></span>ومع أنّ الكفار في منتهى العجز، فإنهم عن عجزهم عمون: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ والمعين العذب النقي، أي إن غار الماء العذب في الأرض من يأتيكم به؟","vol":"4","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5175>سورة القلم - ٦٨ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية، الثالثة في ترتيب النزول بعد سورتي العلق والمدّثر، وقيل بل الثانية - في معظم آياتها - بعد سورة العلق.\n\n<span data-type='title' id=toc-5176>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nأوضحت سورة الملك المتقدمة أنه رغم الإعجاز الهائل في خلق الموت والحياة، وخلق الكون خلقا محكما بلا تفاوت ما هو مثال على مقدرته تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك ١/ ٦٧]، فإن الكفار يرجمون بالغيب في محاولة لتلمس الواقع: ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧]، ومن رجمهم بالغيب أنهم أنكروا الوحي واتهموا النبي ﷺ بالجنون في حين أن الجنون واقع بهم: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم ٥/ ٦٨ - ٦]،\nوقد أوضحت سورة الملك أن الكفار يدركون ضلالهم بعد فوات الأوان:\n﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠/ ٦٧]، وفي سورة القلم هذه يدرك الطغاة في دنياهم - قبل آخرتهم - مدى الضلال الذّي تاهوا فيه: ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم ٢٦/ ٦٨ - ٢٧]،","vol":"4","page":217},{"text":"وفي سورة الملك أن الكافر كمن يمشي مكبّا على وجهه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك ٢٢/ ٦٧]، وفي سورة القلم أن الكفار لشدة بغضهم وعداوتهم وحسدهم وجهلهم وحيرتهم في أمر النبي ﷺ يحاولون تنفير الناس عن القرآن: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (القلم ٥١/ ٦٨ - ٥٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-5177>محور السورة</span>\nتشير السورة إلى معجزة القلم الذي بواسطته تناقلت البشرية معرفتها التراكمية: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ [١/ ٦٨]، وأن الكفار يظنّون الجنون بالنبي ﵇ ولكن المستقبل يكشف لهم العكس: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [٥/ ٦٨ - ٦]، وأن لا حلول وسطا معهم في شؤون العقيدة:\n﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [٨/ ٦٨ - ٩]، والأجدر بالمكذّبين أن لا يغتروا بأموالهم وبنفوذهم: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ [١٤/ ٦٨]، إذ يحكمون بأهوائهم: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [٣٦/ ٦٨]، فالله وحده يحاسبهم بعد إمهالهم: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٤٤/ ٦٨]، وأنّ القرآن، على النقيض من ظنّهم، ليس سوى ذكر للعالمين: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [٥٢/ ٦٨]، فهو يذكّر الناس بفطرتهم السليمة وبالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، انظر آية [الأعراف ١٧٢/ ٧].","vol":"4","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5178>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5272\"></span>﴿تبدأ السورة بالإشارة للقلم وما يسطرون، كرمز لفن الكتابة وتسطير السجلات وبالتالي للمعرفة التراكمية، وإلى مقدرة الإنسان الفريدة لنقل المعرفة والفكر بواسطة القلم - ومشتقاته - من فرد لآخر ومن ثقافة لأخرى ومن جيل لآخر حتى صارت المعرفة والعلوم تراكمية على مرّ العصور: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ (١) وفيه إشارة أيضا إلى أوّل ما نزل من الوحي على النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق ٣/ ٩٦ - ٤] في إشارة لتعلم الإنسان من الوحي.\n\n<span id=\"aya-5273\"></span>ورغم معجزة الوحي والقلم فقد اتهموا النبي ﷺ عند نزول الوحي عليه بالجنون، وهذا الاتهام لم يكن مقتصرا على النبي في عصره، بل هو شائع في كل وقت بين الكفار إذ يتهمون كل مؤمن بالله واليوم الآخر بالجنون، وهو ما تفنّده الآية: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5274\"></span>بل إن اتهامهم للنبي بنقيض ما هو عليه يستوجب له الأجر العظيم لعلوّ منزلته عند الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (٣) وأن أجره ﵇ لا انقطاع فيه ولا منّة.\n\n<span id=\"aya-5275\"></span>وأن الدين الذي جاء به دين الخلق العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤) وفي حديث عائشة أنّ النبي ﷺ كان خلقه القرآن.\n\n<span id=\"aya-5276\"></span>\n\n<span id=\"aya-5277\"></span>وما دام الأمر بهذا الوضوح فإن الجنون واقع بهم وليس بالنبي، وإن هذا الأمر من الوضوح بحيث لا يلبث أن يظهر: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (٥ - ٦)\n\n<span id=\"aya-5278\"></span>وأنّ علمه تعالى قد سبق فيمن يميل إلى الضلال وفيمن يميل إلى الهدى: ﴿إِنَّ﴾","vol":"4","page":219},{"text":"﴿رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٧) فليس على المؤمن سوى البلاغ.\n\n<span id=\"aya-5279\"></span>﴿وأن المكذّبين يحاولون التوصل لحلول وسط مع المؤمنين: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5280\"></span>في حين لا مجال لحلول وسط في شؤون العقيدة: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5281\"></span>وأن أهواء شرار الناس - المذكور نموذج منها في الآيات التالية - غير جديرة بالاتّباع، ومن هؤلاء من هو كثير الحلف في الحق والباطل متجريء على اسمه تعالى، فهو حقير الرأي والتدبير: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5282\"></span>والذي من شأنه الطعن في الغير، والمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم:\n﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5283\"></span>والبخيل، الظالم، كثير الآثام: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5284\"></span>المؤذي، الذي لا يفيد المجتمع بشيء: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5285\"></span>والذي يظنّ في نجاحه الدنيوي وكثرة المال والولد والأتباع دليلا على مصداقيته: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5286\"></span>وبالتالي فهو مستغن عن الوحي بزعمه: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5287\"></span>في حين أنّ عاقبة أمثاله تصير إلى الخنوع: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (١٦) وقوله ﴿الْخُرْطُومِ﴾ إشارة لأن مثل هذا الشخص كالحيوان غير مستفيد من نعمة العقل.\n\n<span id=\"aya-5288\"></span>وتضرب السورة مثلا على شرار الناس بأصحاب جنة - بستان - صمّموا سلفا على حصاد المحصول دون إعطاء الفقراء حقهم منه، مع أن الله تعالى","vol":"4","page":220},{"text":"أغدق عليهم من النعم الكثيرة - على سبيل الابتلاء - ما لا يقارن مع نظرتهم الدنيوية المادية المحضة: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أي الكفار ﴿كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ (١٧)، والمفترض أن يأخذ الفقراء حقهم أولا، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١/ ٦]، فلم يأبهوا لذلك، وفيه إشارة لقوله: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (١٢).\n\n<span id=\"aya-5289\"></span>﴿وصمموا أن لا يستثنوا للمساكين أي جزء من الحصاد: ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ (١٨) وقيل بل المعنى أنهم عندما عزموا على فعلتهم لم يعلّقوا الأمر بالمشيئة العليا فلم يقولوا \"إن شاء الله تعالى\" وتلك كانت خطيئتهم الثانية، لقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا * إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الكهف ٢٣/ ١٨ - ٢٤]، وفي سلوكهم أيضا إشارة للمذكور بالآيات (١٤ - ١٥) لجهة اعتدادهم بالدنيا وإنكارهم الوحي.\n\n<span id=\"aya-5290\"></span>فأحاط البلاء بجنتهم ليلا: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5291\"></span>ولم تلبث أن أصبحت كالبستان الذي صرمت ثماره وأشجاره بحيث لم يبق منها شيء: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (٢٠) أي صرم عنها الخير إذ يبست وذهبت خضرتها، فالصريم بمعنى المصروم.\n\n<span id=\"aya-5292\"></span>\n\n<span id=\"aya-5293\"></span>ثم أصبحوا وهم غافلون تمام الغفلة عما جرت به المقادير: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ (٢١ - ٢٢)\n\n<span id=\"aya-5294\"></span>\n\n<span id=\"aya-5295\"></span>\n\n<span id=\"aya-5296\"></span>فانطلقوا مصمّمين على فعلتهم الشنيعة: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ (٢٣ - ٢٥) والحرد الانفراد أي أرادوا الانفراد بالجنة وغلّتها.\n\n<span id=\"aya-5297\"></span>فلمّا رأوها كالصريم ظنّوا أنهم ضلّوا الطريق إليها: ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ أو أنهم أدركوا خبث نفوسهم وضلالهم عن الصواب وأقرّوا","vol":"4","page":221},{"text":"به بدليل الآية التالية.\n\n<span id=\"aya-5298\"></span>﴿أقرّوا أنهم حرموا الخير بسبب منع الفقراء نصيبهم: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5299\"></span>فقال لهم أحسنهم وأرجحهم عقلا: ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ (٢٨) إذ لا شيء يمكن أن يتم إلاّ بمشيئة الله.\n\n<span id=\"aya-5300\"></span>﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عن أن يجري في ملكه شيء إلاّ بإرادته ومشيئته، ثم اعترفوا بسوء فعلهم ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-5301\"></span>وصار يلوم بعضهم بعضا: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ (٣٠)\n\n<span id=\"aya-5302\"></span>\n\n<span id=\"aya-5303\"></span>فلم يدركوا الحقيقة إلا بعد معاينة عذاب الدنيا: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ * عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها﴾ وليس خيرا منها إلاّ مغفرته تعالى:\n﴿إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ (٣١ - ٣٢)\n\n<span id=\"aya-5304\"></span>﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ في الدنيا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٣) أي لو كانوا من أهل العلم لعلموا أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة ٢١/ ٣٢]،\n\n<span id=\"aya-5305\"></span>وفي مقابل شرار الناس تصف السورة حال خيارهم: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٣٤) أي النعيم الخالص من شوائب الدنيا،\n\n<span id=\"aya-5306\"></span>إذ يستحيل أن تكون عاقبة المسلمين كعاقبة المجرمين: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣٥)\n\n<span id=\"aya-5307\"></span>ثم تقرّعهم الآية: ﴿ما لَكُمْ﴾ أيها الخاطئون، إذ ليس من دليل عقلي يؤيد ما ذهبتم إليه، فعلى ماذا تبنون أحكامكم؟ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾","vol":"4","page":222},{"text":"<span id=\"aya-5308\"></span>\n\n<span id=\"aya-5309\"></span>﴿وتختارون لأنفسكم بصورة كيفية مقاييس الحق من الباطل: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ (٣٧ - ٣٨) وليس من دليل نقلي يناسب هواكم؟\n\n<span id=\"aya-5310\"></span>وكيف تضمنون أن ما توصلتم إليه بالتخمين والظن هو الصحيح؟ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ (٣٩)\n\n<span id=\"aya-5311\"></span>ومن منكم قادر على الزعم بذلك؟ ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ (٤٠)\n\n<span id=\"aya-5312\"></span>أم من يشاركهم في هذا القول حتى يزعمون تقليده؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٤١) وليدعوا هؤلاء الشركاء، يوم الشدّة، لنصرتهم إن كانوا حقا على الصواب:\n\n<span id=\"aya-5313\"></span>﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم، وقد يحصل ذلك في الدنيا، أو في الآخرة، وفي الحالتين يفوتهم أوان الاستجابة بعد المعاينة:\n﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٤٢)\n\n<span id=\"aya-5314\"></span>لشدة ما يرهقهم الذل والهوان: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ وقد فاتتهم الاستجابة وقتما كانوا في أحسن تقويم: ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ﴾ (٤٣)\n\n<span id=\"aya-5315\"></span>وأن حساب الذين يكذّبون القرآن على الله وحده، فهو وحده يحدد متى وكيف يحاسبهم: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ وإنهم يظنون ما بهم من النعم الكثيرة تفضيلا لهم على المؤمنين: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٤) فلا يشعرون أنها ابتلاء في واقعها، كما في قصة أصحاب الجنة.\n\n<span id=\"aya-5316\"></span>وأن الخطة والحكمة الإلهية البالغة في إمهال الكفار لا يحيط بها بشر:\n﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ فليس من مصادفة في شيء، ولا يغتر أحد بما قد ينعم به شرار الناس في الدنيا.","vol":"4","page":223},{"text":"<span id=\"aya-5317\"></span>﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ﴾ على البلاغ والإرشاد ﴿أَجْرًا﴾ دنيويا ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ من غرامة مالية ﴿مُثْقَلُونَ﴾ (٤٦)، أي مرهقون بثقل الغرامة؟ والمعنى أنك - أيها النبي أو أيها المؤمن - لا تسألهم أجرا على البلاغ والدعوة.\n\n<span id=\"aya-5318\"></span>أم يظنون أنهم محيطون بعلوم الغيب، أم أنهم لغرورهم يظنون أن أسرار الكون قاربت أن تكون في متناولهم بنتيجة تقدمهم العلمي والتقني: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤٧)\n\n<span id=\"aya-5319\"></span>ثم تحض السورة النبي ﵊ ومن ثمّ كل مؤمن - أن لا يستسلم لليأس من سلوك الكفار، كما يئس يونس ﵇ من دعوة قومه:\n﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (٤٨) ونداؤه قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١ - ٨٨]،\n\n<span id=\"aya-5320\"></span>\n\n<span id=\"aya-5321\"></span>﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٩ - ٥٠)، وفيه إشارة لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات ١٤٣/ ٣٧ - ١٤٥].\n\n<span id=\"aya-5322\"></span>وأن الكفار كلّما سمعوا القرآن الكريم يتلى عليهم من النبي ﵇ يكادون يزلقونه عن ثباته بعين الشر والبغضاء والعداوة: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ ويتهمونه ﵇ بالجنون:\n﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (٥١)\n\n<span id=\"aya-5323\"></span>في حين أن القرآن الكريم ليس سوى النقيض الأكبر لذلك: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٥٢) يذكّر الناس بالفطرة السليمة،\nفالجنون الحقيقي في المكذّبين: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ وهي النقطة التي بدأت منها السورة.","vol":"4","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5224>سورة الحاقّة - ٦٩ - مكية</span>\nنزلت خلال الفترة المكية الأولى، واشتق اسمها من ذكر الحاقة، وهي الساعة التي تحقّ فيها الأمور فتعرف على حقيقتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5225>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن ختمت سورة القلم أمثولة أصحاب الجنة بقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٣٣/ ٦٨]، ووصفت تخبط الكفار في أحكامهم وظنونهم: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم ٣٦/ ٦٨ - ٣٧]، تبدأ هذه السورة بذكر الحاقة، أي الساعة التي تحق فيها الأمور وتظهر على حقيقتها فتبطل ظنون الكفار ويبطل تخبطهم:\n﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١/ ٦٩ - ٣]،\nوبعد أن أكدت سورة القلم أن على الله وحده حساب الكفار المكذّبين بالقرآن: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤/ ٦٨] تؤكد هذه السورة أن القرآن يكون يوم الحساب حسرة على الكافرين: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الحاقة ٥٠/ ٦٩]، وتصف يوم الحساب: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٨/ ٦٩]،","vol":"4","page":225},{"text":"وبعد أن ذكرت سورة القلم زعم الكفار بعلوم الغيب: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم ٤٧/ ٦٨] تبين هذه السورة أنهم عن علم الغيب عمون: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨/ ٦٩ - ٣٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5226>محور السورة</span>\nحتمية وقوع الحاقّة، ما يقطع الشك باليقين: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [٣/ ٦٩]، وأن عذاب الكفار قد يقع في الدنيا قبل الآخرة كما حدث للأمم البائدة: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [١٠/ ٦٩]، وأن ما يلقاه المرء من عاقبة في آخرته ليس سوى نتيجة طبيعية لأعماله في دنياه: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [٣٣/ ٦٩ - ٣٤]، وأن القرآن الكريم يفوق بكثير كل ما يمكن للبشر أن يتوصّل إليه من تلقاء نفسه: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [٥١/ ٦٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5227>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5324\"></span>\n\n<span id=\"aya-5325\"></span>﴿تبدأ السورة بالتذكير بالحاقّة أي القيامة التي تحقّ فيها الأمور فتدرك على حقيقتها، عندما تزول عن الإنسان الأوهام وخداع النفس ويبدو له على وجه اليقين مغزى حياته الدنيوية وآخرته: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-5326\"></span>وأنّ إدراكها المفاجيء ساعة وقوعها خارج أي تصور بشري ممكن: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5327\"></span>لكنّ عذاب الدنيا قد يقع قبل عذاب الآخرة، وتضرب مثلا بما نزل من عذاب المكذّبين من الأمم البائدة: كذّبت ثمود رسولها صالح، وكذّبت عاد رسولها هود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)﴾ لأنّ رسلهم أنذرتهم","vol":"4","page":226},{"text":"بالقارعة وهي اسم للقيامة لأنها تقرع الناس، والمعنى أنهم رفضوا التصديق بالقيامة اعتقادا منهم أن لا مسؤولية ولا حساب إذ يتصرفون في دنياهم كما يشاؤون.\n\n<span id=\"aya-5328\"></span>﴿حتى جاءهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (٥) والطاغية الزلزلة، أنظر آية [الأعراف ٧٨/ ٧].\n\n<span id=\"aya-5329\"></span>\n\n<span id=\"aya-5330\"></span>\n\n<span id=\"aya-5331\"></span>وهلكت عاد بعواصف رملية شديدة استمرت سبع ليال وثمانية أيام بلا انقطاع فلم تبق منهم أحدا: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ (٦ - ٨)\n\n<span id=\"aya-5332\"></span>وقد أنكر فرعون ومن قبله من الأمم رسالات الرسل، وكذا قوم لوط الذين ائتفكت أي انقلبت بلادهم عاليها سافلها: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5333\"></span>فعقاب معصية الرسل قد يأتي في الدنيا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5334\"></span>وينجّي الله تعالى المؤمنين كما نجّا العباد الذين استجابوا لدعوة نوح: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ (١١)، والجارية السفينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن ٢٤/ ٥٤٥]،\n\n<span id=\"aya-5335\"></span>لكي يكون في كل ذلك عبرة لمن يعي مجريات الأمور: ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)﴾\nوقصص ثمود وعاد وقوم لوط وقوم نوح مذكورة بتفصيل في آيات [الأعراف ٥٩/ ٧ - ١٠٢]، وكذلك قصة موسى وفرعون في آيات [الأعراف ١٠٣/ ٧ - ١٣٦].","vol":"4","page":227},{"text":"<span id=\"aya-5336\"></span>\n\n<span id=\"aya-5337\"></span>\n\n<span id=\"aya-5338\"></span>\n\n<span id=\"aya-5339\"></span>\n\n<span id=\"aya-5340\"></span>﴿غير أن العواقب ليست مقتصرة على الدنيا، فالإنسان يتحمل عواقب عمله في الآخرة: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (١٣ - ١٧)،\n\n<span id=\"aya-5341\"></span>عندما تعرض أعمال الدنيا على أصحابها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ (١٨)،\n\n<span id=\"aya-5342\"></span>\n\n<span id=\"aya-5343\"></span>\n\n<span id=\"aya-5344\"></span>\n\n<span id=\"aya-5345\"></span>\n\n<span id=\"aya-5346\"></span>\n\n<span id=\"aya-5347\"></span>فيكون الحساب يسيرا على من قدّم من إيمان وعمل صالح، وكان موقنا بالآخرة: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * قُطُوفُها دانِيَةٌ * كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ (١٩ - ٢٤)،\n\n<span id=\"aya-5348\"></span>\n\n<span id=\"aya-5349\"></span>\n\n<span id=\"aya-5350\"></span>\n\n<span id=\"aya-5351\"></span>\n\n<span id=\"aya-5352\"></span>\n\n<span id=\"aya-5353\"></span>\n\n<span id=\"aya-5354\"></span>\n\n<span id=\"aya-5355\"></span>في حين يعاني الهول كلّ من أنكر الآخرة والحساب واتّبع الهوى في دنياه، فيتمنّى لو كانت ميتته في الدنيا نهائية: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ * ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (٢٥ - ٣٢)\n\n<span id=\"aya-5356\"></span>\n\n<span id=\"aya-5357\"></span>\n\n<span id=\"aya-5358\"></span>\n\n<span id=\"aya-5359\"></span>\n\n<span id=\"aya-5360\"></span>وتكون عاقبته الأخروية نتيجة طبيعية لكفره وإحجامه عن عمل الخير في دنياه: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ * وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾ (٣٣ - ٣٧)\n\n<span id=\"aya-5361\"></span>ثم تنتقل السورة لتأكيد مصدر الوحي القرآني الذي يشكّك به المكذّبون:\n﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾ وهو ما يبصر الإنسان من عالم الشهادة ومعجزة الخلق والأكوان.","vol":"4","page":228},{"text":"<span id=\"aya-5362\"></span>﴿وما لا يبصر الإنسان من عالم الغيب: ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ (٣٩)\n\n<span id=\"aya-5363\"></span>أن القرآن وحي نزل على الرسول الكريم محمد: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٤٠)\n\n<span id=\"aya-5364\"></span>\n\n<span id=\"aya-5365\"></span>\n\n<span id=\"aya-5366\"></span>يفوق بكثير كل ما يمكن أن يتوصّل إليه البشر من شعراء وكهّان، مهما التبست الأمور على ضعاف الإيمان: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤١ - ٤٣)،\n\n<span id=\"aya-5367\"></span>\n\n<span id=\"aya-5368\"></span>\n\n<span id=\"aya-5369\"></span>\n\n<span id=\"aya-5370\"></span>وهو من الإعجاز بحيث يستحيل على الرسول ﵇ أن يتقوّله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ (٤٤ - ٤٧)،\n\n<span id=\"aya-5371\"></span>وأن القرآن ليس سوى تذكرة لمن عنده استعداد للفهم واتّقاء العواقب السيئة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٨)،\n\n<span id=\"aya-5372\"></span>ولأنه تعالى كرّم بني آدم بحرية الخيار فمنهم المؤمن ومنهم المكذّب: ﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ (٤٩)،\n\n<span id=\"aya-5373\"></span>فتكون عاقبة التكذيب حسرة على صاحبه لأنه تمّ بمحض اختياره: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٥٠)،\n\n<span id=\"aya-5374\"></span>وأن القرآن يخبر عن الحقيقة المطلقة: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٥١)،\n\n<span id=\"aya-5375\"></span>فلذلك وجب التسبيح لله تعالى إذ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأنزل عليه الوحي والميزان، وكرّمه بحرية الخيار: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾.","vol":"4","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5252>سورة المعارج - ٧٠ - مكية</span>\nنزلت خلال النصف الثاني من الفترة المكية، واشتقّ اسمها من كلمة المعارج المذكورة بالآية (٣)، إشارة للوسائل المتعددة التي يمكن للمرء التوصل بها إلى معرفة الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-5253>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة الحاقّة أنّ العقاب نتيجة لازمة للمعصية: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة ١٠/ ٦٩]، ثم في هذه السورة أن عذاب الكافرين واقع بهم لا محالة: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج ١/ ٧٠ - ٢]،\nوفي سورة الحاقّة أن الكافر لا يلبث أن يتمنى لو كانت ميتته نهائية: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة ٢٧/ ٦٩]، ولذا تحض سورة المعارج المؤمنين على الصبر لأن العدالة لن تلبث أن تتحقق: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج ٥/ ٧٠ - ٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-5254>محور السورة</span>\nالعدالة لا بد لها من التحقق يوما: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [١/ ٧٠]،","vol":"4","page":230},{"text":"والزمن الدنيوي ذو حقيقة ظاهرة فقط: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [٤/ ٧٠]، ولكن الإنسان خلق هلوعا جزوعا أنانيا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [١٩/ ٧٠ - ٢١]، إلا المصلّين، المتصفين منهم بصفات الأخلاق السامية:\n﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [٢٢/ ٧٠]، وفي حين يرفض الكفار إبصار حقيقة الوجود الإلهي ويحاولون إيجاد مفهوم للخليقة خاص بهم: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [٣٦/ ٧٠ - ٣٨]، فإنّ الحكمة الإلهية اقتضت إمهالهم حتى يوم الدين: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [٤٢/ ٧٠]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5255>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5376\"></span>﴿الكثرة من الكفار ترتكب الشرور والجرائم كونها تنكر حقيقة الآخرة أو تستبعدها، ثمّ إنّ أمور بعضهم قد تزدهر في الحياة الدنيا، ممّا يجعل البعض الآخر يشكّ في حقيقة الأمور ويسأل أو يتساءل أولا إن كانت العدالة ستتحقق؟ وفي حال الإيجاب متى يكون ذلك؟ ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5377\"></span>فالجواب عن السؤال الأول تجيب عنه الآية ٢: ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ (٢) إذ العقاب واقع بالكفار لا محالة،\n\n<span id=\"aya-5378\"></span>وأن لا شيء يدفع العذاب عنهم من الله ﷿ الذي يمكن التوصل لمعرفته بوسائل متعددة: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ (٣)،\n\n<span id=\"aya-5379\"></span>أمّا جواب \"متى؟ \" فتشير إليه (الآية ٤) بشكل خفي: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾، والمعنى أن لا حقيقة مطلقة لمفهوم الزمن الدنيوي، فالله تعالى بلا بداية ولا نهاية، وإنّما خلق تعالى","vol":"4","page":231},{"text":"الزمن النسبي في مفهومنا البشري الدنيوي، أما في خلود الآخرة فيصبح الزمن بلا معنى، وبعبارة أخرى أن الزمن الدنيوي ذو حقيقة ظاهرية فقط،\n\n<span id=\"aya-5380\"></span>\n\n<span id=\"aya-5381\"></span>﴿ومن ثمّ يصبح التساؤل عن موعد نزول العقاب بالكفار بلا معنى أيضا، وهو سبب الأمر بالصبر: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (٥ - ٦) أي في مفهومهم لزمن الدنيا\n\n<span id=\"aya-5382\"></span>﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ (٧) في الحقيقة،\nقال الرازي: معنى عروج الملائكة والروح إليه سبحانه أنّ جميع الأمور تصير إلى مراده، وهو كقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (هود ١٢٣/ ١١).\n\n<span id=\"aya-5383\"></span>وفي ذلك اليوم يتغير الكون الذي نعرفه: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ (٨) أي كالفلز المذاب،\n\n<span id=\"aya-5384\"></span>﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ (٩) كالصوف المنفوش، والمعنى كقوله تعالى:\n﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (إبراهيم ٤٨/ ١٤)،\n\n<span id=\"aya-5385\"></span>ولهول الموقف ينشغل كل امريء بنفسه: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ (١٠)،\n\n<span id=\"aya-5386\"></span>\n\n<span id=\"aya-5387\"></span>\n\n<span id=\"aya-5388\"></span>\n\n<span id=\"aya-5389\"></span>حتى يبصر الحميم الحميم ويعرفه ولكن لانشغاله بنفسه لا يسأله عن شأنه، ويودّ المجرم أن يفدي نفسه بعشيرته: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ (١١ - ١٤)،\n\n<span id=\"aya-5390\"></span>\n\n<span id=\"aya-5391\"></span>فلا يجد لنفسه فداء من العذاب: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى * نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ (١٥ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-5392\"></span>فقد سبق له أن أدار ظهره للوحي وتولّى عن الصواب: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى (١٧)﴾","vol":"4","page":232},{"text":"<span id=\"aya-5393\"></span>﴿وانشغل بمادية الدنيا، وحبس ماله عن الإنفاق في وجوه الخير: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5394\"></span>فالإنسان خلق هلوعا ضجورا يستعجل الأمور: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ (١٩)، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء ٣٨/ ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨/ ٤]،\n\n<span id=\"aya-5395\"></span>وهو لضعف إيمانه يجزع لما يصيبه من الفقر والمرض: ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5396\"></span>ولشدة أنانيته يمتنع عن الإنفاق في وجوه الخير إذا جمع المال، فيصبح معتدّا بصحته وحوله وقوّته الجسمية: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٢١) ونظيره قوله تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣/ ١٢]،\n\n<span id=\"aya-5397\"></span>\n\n<span id=\"aya-5398\"></span>وعلاج هذا الضعف في النفس البشرية لا يتحقق إلاّ بأن يكون المرء على صلة دائمة بالله تعالى، ولا يتم ذلك إلا بدوام الصلاة والدعاء: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ (٢٢ - ٢٣)\n\n<span id=\"aya-5399\"></span>\n\n<span id=\"aya-5400\"></span>وأن يقرن القول بالعمل بأن يكره الإنسان نفسه على التضحية من ماله بأداء الزكاة والصدقات: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢٤ - ٢٥)\n\n<span id=\"aya-5401\"></span>وأن يوقن بالبعث والحساب والجزاء: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢٦) وفي ذلك عودة إلى موضوع الآيات (١ - ٣)،\n\n<span id=\"aya-5402\"></span>وأمثال هؤلاء لا يغترّون بتقواهم رغم صلاحهم واستقامتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾","vol":"4","page":233},{"text":"<span id=\"aya-5403\"></span>﴿فيلزمون الحذر ولا يدّعون الكمال لأنفسهم: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ (٢٨)، لأنّ الغواية والضلال غير مقتصرة على الكفار بل قد تطال المؤمنين أيضا لقوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨]،\n\n<span id=\"aya-5404\"></span>\n\n<span id=\"aya-5405\"></span>\n\n<span id=\"aya-5406\"></span>ولا يتهالكون وراء رغباتهم الجنسية بما يخالف الشريعة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٢٩ - ٣١)\n\n<span id=\"aya-5407\"></span>ويردّون الأمانات ويحفظون العهد: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ (٣٢)، وفي الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له).\n\n<span id=\"aya-5408\"></span>ويحفظون حقوق العباد بعدم التهرب من الشهادة بل بإقامتها على وجهها الصحيح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ (٣٣)\n\n<span id=\"aya-5409\"></span>وصلاتهم ليست رياء ونفاقا ولا مجرد طقوس: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٣٤) بل يقومون بجميع حقوقها بما يقتضيه الإسلام من حسن الخلق وحسن المعاملة والأمانة.\n\n<span id=\"aya-5410\"></span>فهؤلاء المصلّون، على النقيض من المشار إليهم بالآية (٢)، يؤول مصيرهم إلى النعيم: ﴿أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (٣٥)\n\n<span id=\"aya-5411\"></span>وإذا كانت الأمور على هذا النحو فما للكفار يستعجلون ويتخبطّون:\n﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ (٣٦)\n\n<span id=\"aya-5412\"></span>ويحاولون تبرير أعمالهم وأفكارهم بنظريات متناقضة، علما أنّ الأغلبية ليست دليلا على الصواب: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧)﴾","vol":"4","page":234},{"text":"<span id=\"aya-5413\"></span>﴿وكيف يأملون التوصّل إلى السعادة بمحاولة نقض الحقيقة الغيبية: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ (٣٨)\n\n<span id=\"aya-5414\"></span>\n\n<span id=\"aya-5415\"></span>\n\n<span id=\"aya-5416\"></span>\n\n<span id=\"aya-5417\"></span>وإن الله الذي خلقهم من تراب قادر على إبدال الكفار بمؤمنين، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت حرية البشر في الدنيا، وتحدّي الباطل للإيمان، والإيمان للباطل: ﴿كَلاّ إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ خلقهم تعالى من تراب ثم رفعهم إلى منزلة المخلوقات المسؤولة معنويا وأدبيا ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٣٩ - ٤٢) فهم يخوضون ويلعبون بفلسفة أن الكون لم يخلق بل وجد من تلقاء نفسه، وينكرون الآخرة بلا دليل يقيني ولا هدى ولا كتاب منير.\nوالإشارة للمشارق والمغارب دليل على كروية الأرض، لأن كل خط من خطوط الطول يكون مشرقا أو مغربا في وقت من الأوقات كل أربع وعشرين ساعة.\n\n<span id=\"aya-5418\"></span>\n\n<span id=\"aya-5419\"></span>ثم لا يلبث الكافر أن يلاقي جزاءه في اليوم الموعود: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٤٣ - ٤٤) وهي النقطة التي بدأت منها السورة.","vol":"4","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5287>سورة نوح - ٧١ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-5288>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتبدو سورة نوح وكأنها مثال لموضوع سورة المعارج في حتمية تحقق العدالة:\n﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج ١/ ٧٠ - ٢]، ففي سورة نوح نقرأ قوله تعالى عن قوم نوح: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا﴾ [نوح ٢٥/ ٧١]، وقد وردت قصة نوح بعبر متنوعة في عدة سور قرآنية بإيجاز، وفي سورة هود بتفصيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5289>محور السورة</span>\nالسورة بالكامل مخصصة لقصة نوح مع قومه، وتبرز العبر منها في قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا﴾ [١٣/ ٧١ - ١٤]، وأنّ الكبر الزائف والاعتداد بالمال والولد يؤدي بأصحابه إلى الدمار الروحي: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسارًا﴾ [٢١/ ٧١].\n\n<span data-type='title' id=toc-5290>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5420\"></span>\n\n<span id=\"aya-5421\"></span>\n\n<span id=\"aya-5422\"></span>\n\n<span id=\"aya-5423\"></span>دعوة نوح لقومه لا تختلف عن دعوة غيره من الرسل، أنه في حال توبة القوم","vol":"4","page":236},{"text":"يغفر تعالى ما سبق من ذنوبهم، إذ الإيمان يجبّ ما قبله، ثم يصبحون في موقع المسؤولية، وفي حال معصيتهم يمهلهم حتى يحين أجلهم، فإذا حان الأجل لم ينفع الإيمان: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١ - ٤)\n\n<span id=\"aya-5424\"></span>\n\n<span id=\"aya-5425\"></span>﴿لكنّ من أصمّ أذنيه سلفا عن الحقيقة لا تفيده دعوة الرسل: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِرارًا﴾ (٥ - ٦)\n\n<span id=\"aya-5426\"></span>وأن المصممّين على الكفر يخشون مواجهة الحقيقة خوفا من أن تزعزع معتقداتهم الباطلة وخشية أن يفارقوا دين آبائهم، ولا يملكون الشجاعة الكافية للاستماع للدعوة وتقييمها من حيث جدارتها: ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا﴾ وأنهم يستكبرون بالباطل: ﴿وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبارًا﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5427\"></span>\n\n<span id=\"aya-5428\"></span>ولشدة تمسكهم بالتقليد لا ينفع معهم الجهر بالدعوة أمام الناس ولا الإسرار بها لتدخل قلوبهم: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5429\"></span>\n\n<span id=\"aya-5430\"></span>\n\n<span id=\"aya-5431\"></span>وأنّ من شأن الإيمان والاستغفار والتواضع الارتقاء بأصحابه إلى نعيم الدنيا، وهو ما دعاهم نوح إليه: ﴿فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا﴾ (١٠ - ١٢)\n\n<span id=\"aya-5432\"></span>وأنّ كفر الكفّار من العجب إذ المعجزات الباهرات محيطة بهم من كلّ جانب: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارًا (١٣)﴾","vol":"4","page":237},{"text":"<span id=\"aya-5433\"></span>﴿ومنها خلقهم في بطون أمهاتهم أطوارا، من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة:\n﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا﴾ (١٤)، انظر آية [المؤمنون ١٤/ ٢٣].\n\n<span id=\"aya-5434\"></span>ومنها خلق الكون الهائل بإحكام يذهل العقول: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5435\"></span>وخلق الشمس مصدرا للطاقة في النظام الشمسي، والقمر ينعكس عليه نور الشمس: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-5436\"></span>ومعجزة خلق البشر من المادة العضوية وغير العضوية الموجودة في التراب، في عودة لموضوع الآية (١٤)، ونفخ الروح في هذه المادة كي يصبح الإنسان ذا مقدرة عقلية تتلقى الوحي وتميز بين الخير والشر: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5437\"></span>ثم تحلله بعد الموت إلى التراب، ثم بعثه من جديد للحساب: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5438\"></span>ومعجزة تسخير الدنيا لمعاش الإنسان: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5439\"></span>وسعي الإنسان فيها طلبا للرزق: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5440\"></span>ومع كل هذه المعجزات المذهلة ورغم تكريم الإنسان بالعقل وبحرية الفكر وحرية الخيار، يسيء الكفار استخدام ملكاتهم العقلية والروحية ويتكالبون على مادية الدنيا - كالمال والولد - ويغترّون بالكبر الزائف والاستعلاء والبطر والوجاهة ما يؤدي إلى انهيار القيم الروحية والأخلاقية وتفكك وانهيار المجتمع: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَسارًا﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5441\"></span>وقد بالغوا في الكفر وإنكار النعم: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا (٢٢)﴾","vol":"4","page":238},{"text":"<span id=\"aya-5442\"></span>﴿وعطّلوا فكرهم سلفا وأصرّوا على تقليد آبائهم بعبادة الأوهام: ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وعبادة آلهة وثنية، ما فيه إهانة للفكر والعقل السليم: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-5443\"></span>فدعا نوح ربّه أن لا يتحقق لهم ما يطمحون من مطامع الدنيا التي يتكالبون عليها: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالًا﴾ (٢٤) أي لا تزدهم إلا ضلالا عن مطامعهم الدنيوية.\n\n<span id=\"aya-5444\"></span>غير أنّ الفساد المستشري يؤدي بأصحابه إلى عذاب الدنيا قبل الآخرة:\n﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا﴾ (٢٥)، انظر آية [هود ١١٧/ ١١]،\n\n<span id=\"aya-5445\"></span>ثمّ دعا نوح ربّه ألاّ يذر على ظهر الأرض كافرا يقطن الديار: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ (٢٦) بمعنى أن تتحقق الهداية لجميع البشر.\n\n<span id=\"aya-5446\"></span>﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِرًا كَفّارًا﴾ (٢٧) والمقصود دعاؤه على الكفر والفجور، لأن مغزى الخلق اقتضته الحكمة الإلهية الموضحة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١٨/ ١١].\n\n<span id=\"aya-5447\"></span>ولمّا اقتضت سنته تعالى في خلقه أن يكون للناس حرية الفكر والخيار، وبالتالي أن يخرج منهم المؤمن والكافر فتكون الحياة الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل، وأن ليس بالضرورة أن يخرج من أصلاب الكفّار كفّار مثلهم لأنه تعالى يخرج من يشاء من الظلمات إلى النور، فقد استدرك نوح ﵇ بالاستغفار: ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ ثم دعا أن لا يتحقق للظالمين مرادهم: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَبارًا (٢٨)﴾ أي هلاكا.","vol":"4","page":239},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5312>سورة الجن - ٧٢ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-5313>الخلفية التاريخية</span>\nنزلت قبل عامين من هجرته ﵊ إلى المدينة، وكان قد أيس من دعوته أهل مكة بعد أن لبث يدعوهم إلى الإسلام عشر سنين، فذهب يدعو أهل الطائف فرفضوا، فلمّا كان في طريق عودته إلى مكة استمع إليه نفر من الجن وهو في واحة نخلة يتلو القرآن، وقالوا أنّ النفر هو العدد القليل ما بين الثلاثة إلى العشرة، وروي أن ذلك النفر كانوا يهودا (الرازي)، وهنالك إشارة أخرى لهذه الحادثة في آيات [الأحقاف ٢٩/ ٤٦ - ٣٢]، ثم بعد هذه الحادثة بشهرين التقى النبي ﵇ بغرباء آخرين من المدينة قبلوا دعوته وبايعوه، ثم كانت الهجرة بداية انطلاق الدعوة بعد اثني عشر عاما من مقاومة مكة والطائف لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5314>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nضربت سورة نوح مثالا على إصرار القوم على الكفر حتى النهاية: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصارًا﴾ [نوح ٢٥/ ٧١] إذ لم تنفع فيهم دعوة نوح رغم لبثه فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما، ثم تبين سورة الجن أنه في مثل هذه الحالة يسخّر تعالى من يؤمن بالرسالة من الجنّ والإنس: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن ١٣/ ٧٢]،","vol":"4","page":240},{"text":"مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦].\n﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ من كفار قريش، أو غيرهم من العرب، أو أهل الكتاب، أو الكفار في كل العصور والأمكنة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ أي بالرسالة ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهم المسلمون في كل الأزمنة، إذ يوكّل تعالى بالرسالة أقواما آخرين يستحيل أن يكفروا بها، بل يتمسكوا بها ويعملوا بمقتضاها، فهنالك دوما من هو جدير بحمل راية الدين، وهؤلاء الأقوام موجودون في الدنيا على مرّ العصور، وليسوا مقتصرين على جنس معين، وقد يتتابعون في حمل راية الإسلام من قوم إلى قوم آخرين فيشرّفهم تعالى بحمل رسالته، وهذه الآية إخبار بالغيب، واستخدام الفعل الماضي للدلالة أنّ نصره تعالى لدينه متحقق لا محالة.\nومن ذلك رأينا في سورة الجمعة أنه بعد كفر أهل الكتاب من بني إسرائيل ثم رفضهم آخر أنبيائهم العظام عيسى المسيح ﵇، ثم انحراف المسيحية نحو ديانة بولس، فقد أوكل تعالى الرسالة السماوية إلى المسلمين من ذرية إسماعيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5315>محور السورة</span>\nنزول الوحي على النبي ﵇ يخبره باستماع الجن له وهو يتلو القرآن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [١/ ٧٢]، فآمنوا به وتبرؤوا من عقائد اليهود الفاسدة ومن شرك المسيحية، وتبلغ السورة أوجها بإخباره تعالى عن عباده: ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [١٧/ ٧٢]، فالنعم قد تكون ثوابا وفتنة في الوقت ذاته، ثمّ إنّ الإعراض عن القرآن يكون مقدمة لأسوأ العواقب.","vol":"4","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5316>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5448\"></span>\n\n<span id=\"aya-5449\"></span>\n\n<span id=\"aya-5450\"></span>﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) قيل أن الجن الذين استمعوا النبي ﵇ وهو يتلو القرآن هم من يهود نصيبين (الرازي) بدليل أنهم خاطبوا قومهم بعد ذلك قائلين: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠/ ٤٦]، فقولهم: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ يدلّ على أنهم لم يعترفوا ببعثة المسيح ﵇ من جهة، ومن جهة ثانية أنهم موحّدون استنكروا الشرك المسيحي القائل بالتثليث والزعم أن المسيح ابن الله، لقولهم: ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ (١ - ٣)\n\n<span id=\"aya-5451\"></span>ثم قولهم: ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطًا﴾ (٤) ممّا قد يكون إشارة لشطط اليهود في اعتقادهم أنهم شعب الله المختار الأمر الذي يدحضه القرآن الكريم تماما،\n\n<span id=\"aya-5452\"></span>وقولهم: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ (٥) فالكذب قد يكون إشارة لسفسطة اليهود عن طبيعة الذات الإلهية وعلاقتها مع الكون.\n\n<span id=\"aya-5453\"></span>وقولهم: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٦) قد يكون إشارة لمحاولة بعضهم تلمّس طريقه في الحياة بمحاولة اللجوء إلى قوى غيبية بدلا من ترقّب الهداية عن طريق خاتم الأنبياء والرسل، ورجال بمعنى أفراد منهم.\n\n<span id=\"aya-5454\"></span>وقولهم: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا (٧)﴾ كون اليهود","vol":"4","page":242},{"text":"يعتبرون النبوّات ختمت بأنبيائهم المذكورين في العهد القديم فقط وهم لذلك لم يعترفوا ببعثتي عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام،\n\n<span id=\"aya-5455\"></span>\n\n<span id=\"aya-5456\"></span>﴿وقولهم: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ (٨ - ٩) إشارة لتخبّط قدماء اليهود في محاولة التوصّل للغيب والتحكّم بالمستقبل عن طريق علوم الفلك راجع آية [البقرة ١٠٥/ ٢]، وأيضا آية [الملك ٥/ ٦٧].\n\n<span id=\"aya-5457\"></span>وقد أقرّوا بعد سماعهم القرآن أنهم عن علم الغيب عمون لا يفيدهم التنجيم شيئا في معرفة المستقبل: ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5458\"></span>وأنهم كانوا قبل ذلك أصناف مختلفة تتراوح بين الصلاح ومن هم دون ذلك بكثير: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5459\"></span>ثمّ بعد سماع الوحي القرآني أيقنوا أن لا مفر لهم من المسؤولية والحساب:\n﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ (١٢) والظنّ هنا بمعنى اليقين.\n\n<span id=\"aya-5460\"></span>فأعلنوا إيمانهم: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ﴾ لأن المؤمن يكون مطمئنا للعدالة الإلهية: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ (١٣) فلا يبخس حقه ولا يرهق ظلما.\n\n<span id=\"aya-5461\"></span>فصار منهم المسلمون، ومنهم ظالمون منحرفون عن الطريق السوي: ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١٤)،\n\n<span id=\"aya-5462\"></span>والقاسطون الظالمون، والمقسطون الذين يحكمون بالعدل كما في قوله تعالى:\n﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢/ ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾","vol":"4","page":243},{"text":"[الحجرات ٤٩ - ٩]، فيقال أقسط الرجل إذا عدل، أمّا قسط فمعناها جار ويقال قسط الرجل إذا ظلم صاحبه في قسطه أو نصيبه الذي يستحقه.\nفالقاسطون عاقبتهم وخيمة جدا: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (١٥)،\n\n<span id=\"aya-5463\"></span>\n\n<span id=\"aya-5464\"></span>﴿ثم يخبر تعالى أن إغداق النعم على العباد هو في ذات الوقت ابتلاء واختبار لهم: ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي على طريقة الإسلام ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ (١٦ - ١٧) والماء الغدق أي الخيرات الكثيرة.\nوأنّ الإعراض عن القرآن يقود صاحبه لأسوأ العواقب: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5465\"></span>وأنّ العبادة يجب أن تكون مكرّسة لله وحده بلا شرك: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5466\"></span>وأن الداعي إلى الله كثيرا ما يتعرض لعداء الغالبية من الناس: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (١٩) وقد سبق لقريش أن تجمهرت ضد دعوة النبي ﷺ،\n\n<span id=\"aya-5467\"></span>مع أنه كان يدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك: ﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5468\"></span>فلم يكن يملك لهم سوى الدعوة ولا يكرههم على الإيمان: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5469\"></span>بل كان عليه القيام بمهام الرسالة النبوية الموكلة إليه: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٢٢) فهي ملاذه الوحيد:\n\n<span id=\"aya-5470\"></span>﴿إِلاّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ (٢٣)﴾","vol":"4","page":244},{"text":"لينذر الناس بعاقبة معصية الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-5471\"></span>﴿وعندما يحين موعد القيامة: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ فوقتئذ يعلم الكفار على وجه اليقين أن الأغلبية الضالة ليست على شيء، وأن العبرة ليست بالأكثرية: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5472\"></span>وأن تحدّيهم النبي والمؤمنين بموعد الساعة لا معنى له إذ هي في علم الغيب، وليس من حكمة في إبداء موعدها: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-5473\"></span>وأن الله تعالى وحده يعلم الغيب ما هو خارج استيعاب الفهم البشري:\n﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (٢٦).\n\n<span id=\"aya-5474\"></span>أما الرسل فالله تعالى يحميهم ممّا بين أيديهم من القوى المادية في دنياهم، وممّا لا يعلمون من القوى الغيبية: ﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5475\"></span>لكي يكون أداء الرسل وإبلاغهم الرسالات السماوية على أكمل وجه:\n﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ فالله تعالى محيط بما لديهم من البلاغ:\n﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ كما هو محيط بالجزئيات: ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5341>سورة المزّمل - ٧٣ - مكية</span>\nالمزّمل السورة الرابعة في ترتيب النزول بعد العلق - القلم - المدّثّر، وقيل بل الثالثة، وإن تكن بعض آياتها قد تأخرت عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5342>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nختمت سورة الجن بأن الله تعالى يحمي رسله ممّا بين أيديهم من القوى المادية في الدنيا، وممّا يخفى عليهم من القوى الغيبية: ﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [لجن ٢٧/ ٧٢] لكي يكون أداؤهم وإبلاغهم الرسالات السماوية على أكمل وجه: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن ٢٨/ ٧٢]، ثم تنتقل سورة المزّمل إلى دعوة النبي ﷺ للقيام بمهام بعثته النبوية من البلاغ والصبر على الكفار: ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزّمل ١٠/ ٧٣]، وأن الله تعالى متولّي أمور المكذّبين: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزّمل ١١/ ٧٣]،\nوفي سورة الجنّ أنّ النعم قد تكون ثوابا وفتنة في ذات الوقت، ثمّ إنّ الإعراض عن القرآن يكون مقدمة لأسوأ العواقب: ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا﴾","vol":"4","page":246},{"text":"﴿صَعَدًا﴾ [الجن ١٧/ ٧٢]، وفي سورة المزمل أن القرآن الكريم تذكرة لمن أراد الخيار الصحيح: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزّمل ١٩/ ٧٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-5343>محور السورة</span>\nالسورة دعوة للنبي ﵊ للبدء بحمل الرسالة: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [١/ ٧٣ - ٤]، وتهيأته للصبر على تكذيب المكذّبين: ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [١٠/ ٧٣]،\nثم إنّ الرسالة الإسلامية تذكرة للناس لما فطروا عليه من التوحيد ومعرفة الخالق: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [١٩/ ٧٣] لأنه تعالى كرّم بني آدم بحرية الخيار.\n\n<span data-type='title' id=toc-5344>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5476\"></span>﴿المزّمل بمعنى المتلفّف أو الملتحف فيقال تزمّل وتدثّر بثوبه إذا تغطّى، فالمعنى على الحقيقة، كأنّه قيل يا أيها النائم المزّمل بثوبه قم للعبادة، أو هو بالمعنى المجازي أي يا أيها المزّمل نفسه اترك نصيب النفس واشتغل بالدعوة: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5477\"></span>فهي دعوة للنبي ﵇ في بداية بعثته لقيام جزء من الليل والتعمّق في القرآن تمهيدا لبعثته: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5478\"></span>والقليل هو نصف الليل: ﴿نِصْفَهُ﴾ أو أقل من النصف: ﴿أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾","vol":"4","page":247},{"text":"<span id=\"aya-5479\"></span>﴿أو أكثر من النصف: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ والنتيجة أنّ النبي ﷺ بالخيار أن يقوم نصف الليل أو أقل أو أكثر، وأن يتمعّن في معاني القرآن حين تلاوته: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤) وقالوا الترتيل بمعنى التبيين.\n\n<span id=\"aya-5480\"></span>تمهيدا لما سينزل على النبي من عظيم القرآن: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5481\"></span>وتكريس النفس للقرآن خلال الليل بعيدا عن مشاغل الدنيا: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ حتى يواطيء القلب ما يقوله اللسان: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5482\"></span>ولأن كثيرا من مهام الدعوة تنتظر النبي ﷺ خلال النهار: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5483\"></span>وأن ينشغل الرسول بذكر الله ويكرس حياته لمهام البعثة: ﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5484\"></span>وأن يفوّض كل أموره إليه تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (٩)، قال الرازي: لأن من لا يفوّض كل أموره إلى الله تعالى فهو غير عالم بحقيقة (لا إله إلاّ الله).\n\n<span id=\"aya-5485\"></span>وأن يتهيأ ﵊ للصبر على العنت الذي سيلقاه من خصومه - كما هي حال كل داع في كل وقت ومكان - ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (١٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف ٨٨/ ٤٣ - ٨٩]،\n\n<span id=\"aya-5486\"></span>وأن يترك عقاب المكذّبين على الله وحده: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ والإمهال قليلا أي حتى يراجع المكذّبون أنفسهم ويتوبوا، أو إمهالهم ليوم الحساب،","vol":"4","page":248},{"text":"<span id=\"aya-5487\"></span>\n\n<span id=\"aya-5488\"></span>﴿وقد ذكر الرازي أربعة مراتب من العذاب الروحاني الذي يترتب على المكذّبين لشدة تعلقهم بمادية الدنيا حتى يتجرع أحدهم غصة الحرمان وألم الفراق: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا * وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا﴾ (١٢ - ١٣)\n\n<span id=\"aya-5489\"></span>يوم تزلزل الأرض والجبال، وتصبح الجبال كالرمال المتحركة: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5490\"></span>ثم تبيّن السورة أن ليس ما يدعو للاستغراب من بعثته ﵇ فهي استمرار لما سبق من بعث الرسل، كبعثة موسى إلى فرعون: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5491\"></span>وأن عاقبة من يعصون الأنبياء واحدة في الماضي والحاضر، وهي عاقبة ثقيلة وخيمة: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-5492\"></span>\n\n<span id=\"aya-5493\"></span>فكيف للناس أن يتقوا أوخم العواقب مع كفرهم برسالة النبي ﷺ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا * السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ (١٧ - ١٨)\n\n<span id=\"aya-5494\"></span>وأن الرسالة الإسلامية، تذكرة للناس فهي ليست قسرا ولا إجبارا، فمن شاء اهتدى بها: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5495\"></span>وتختم السورة بالعودة إلى النقطة التي بدأت منها وهي التركيز على فوائد قيام الليل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ وأن المؤمنين مقبلون بشوق على قيام الليل في الوقت الذي لا يكون تركيزهم على المدة الزمنية التي أمضوها في القيام: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ فقبل تعالى توبتهم ورخّص لهم بقراءة ما تيسّر من القرآن دون التركيز على المدة الزمنية: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ فمنهم المرضى ضعاف الأجسام، ومنهم الذين يضربون في الأرض","vol":"4","page":249},{"text":"ابتغاء الرزق الحلال، ومنهم المجاهدون في سبيل الله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فما جعل تعالى عليهم من حرج: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ وتحثهم الآية أن يقدموا أعمال الخير لآخرتهم:\n﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بتقديم الصدقات ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ وأن يستغفروا الله لذنوبهم:\n﴿وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠)\nوقد لاحظ الرازي من لطائف الآية أنه تعالى سوّى بين المسافرين الساعين للرزق الحلال وبين المجاهدين.","vol":"4","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5363>سورة المدّثر - ٧٤ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية، الثالثة في ترتيب النزول،\nوقيل بل الرابعة في معظم آياتها\n\n<span data-type='title' id=toc-5364>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nالسورة استمرار لسورة المزّمل من حيث دعوة الرسول ﵊ للخروج من عزلته والتصدّي للدعوة، والصبر على المكذّبين: ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزّمل ١٠/ ٧٣]، وفي سورة المدّثر هذه:\n﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدّثر ٧/ ٧٤] أي في أمور الدعوة،\nوفي سورة المزّمل أن رسالة الإسلام تذكرة لما فطر الناس عليه من التوحيد:\n﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزّمل ١٩/ ٧٣]، وفي هذه السورة أن القرآن الكريم تذكرة لمن كانت فطرته سليمة واستفاد من العقل السليم: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدّثر ٥٤/ ٧٤ - ٥٥] لأن الإنسان مكرّم على باقي المخلوقات بحرية الفكر والاختيار.\n\n<span data-type='title' id=toc-5365>محور السورة</span>\nالسورة تلخص المباديء القرآنية الأساسية للدعوة، وأنه بعد الدعوة يبقى","vol":"4","page":251},{"text":"الحساب على الله وحده: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [١١/ ٧٤]، وأن الكفار لاستكبارهم يتخبطون في إعجاز القرآن: ﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [٢٤/ ٧٤ - ٢٥]، فلا تلوح لهم الحقيقة إلا بعد الفوات:\n﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [٢٦/ ٧٤ - ٢٩]، وأنّ الثواب والعذاب نتيجة طبيعية لكسب الإنسان وتجاوبه أو عدم تجاوبه مع الهداية الإلهية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [٣٨/ ٧٤]، وأن أصل الضلال الإصرار على إنكار الغيب: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [٥٢/ ٧٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-5366>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5496\"></span>\n\n<span id=\"aya-5497\"></span>﴿المدّثر الملتحف بالدثار أو الغطاء، وهو على الحقيقة أو على المجاز، والمعنى دعوة الرسول ﵊ إلى الخروج من عزلته وحمل عبء الرسالة:\n﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١ - ٢)،\n\n<span id=\"aya-5498\"></span>وأن يكبّر ربّه عن الشركاء والأنداد وعن مشابهة الممكنات وعن اللغو والعبث: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5499\"></span>وتطهير الثياب على الحقيقة والمجاز أيضا، فقد تكون الثياب كناية عن النفس فيقال رجل طاهر الثياب أي هو طاهر عن الصفات الذميمة: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5500\"></span>وأن يهجر القيم الزائفة التي يتمسك بها قومه وكل ما هو مستقبح:\n﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ وقالوا إن الرجز هو الرجس، أو النجاسة المعنوية، أي القيم الزائفة التي قد يعتقدها المرء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠]، أي الذين لا يستخدمون عقولهم بالطريق","vol":"4","page":252},{"text":"السوي يصبحون ضحية للاعتقاد بالقيم الزائفة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]،\n\n<span id=\"aya-5501\"></span>﴿وأن لا يكون عطاؤه للناس بغرض الاستكثار من مال الدنيا، كما لا يستكثر ما يمنن به على الفقراء: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5502\"></span>والصبر على ما هو مقبل عليه من مصاعب الدعوة: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5503\"></span>وأن ينذر الناس بيوم القيامة والحساب: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5504\"></span>\n\n<span id=\"aya-5505\"></span>يوم يكون حساب الكافرين عسيرا: ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (٩ - ١٠)، ونلاحظ أن هذا أول ذكر للكفار في القرآن الكريم إذ هذه السورة الثالثة أو الرابعة في ترتيب النزول، فالكافر ليس بالمعنى الفقهي، وإنما بمعنى منكر الحقيقة كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد ٢٠/ ٥٧] فسمّى الزرّاع كفارا لأنهم يغطون البذور بالتراب، فصار كل من يغطي الحقيقة عن نفسه أو ينكرها كافرا.\n\n<span id=\"aya-5506\"></span>وأنه بعد إنذار الناس بيوم الحساب يبقى حساب الكفار على الله تعالى وحده: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (١١)، ويحتمل المعنى أيضا أنه تعالى وحده الخالق، وأيضا أن الإنسان يولد وحيدا ويموت وحيدا،\n\n<span id=\"aya-5507\"></span>وأنّه تعالى أنعم على الكافر من المال الكثير: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5508\"></span>ووهبه من البنين يكونون إلى جانبه: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5509\"></span>ومهّد له سبل معاشه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5510\"></span>وهو يطمع بالمزيد: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5511\"></span>مع أنه معاند للوحي الإلهي مصرّ على إنكار الحقيقة: ﴿كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦)﴾","vol":"4","page":253},{"text":"<span id=\"aya-5512\"></span>﴿وهو لا يدرك أنّ فساد الفطرة وسوء استخدام النعم تؤولان بحياة المرء إلى المصاعب والمآسي في الدنيا، وإلى عاقبة أسوأ في الآخرة: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5513\"></span>لقد فكّر في الوحي وقدّر، كيف يمكن له إنكاره: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5514\"></span>\n\n<span id=\"aya-5515\"></span>وهذا النوع من التفكير المنحرف يؤدي بصاحبه إلى الدمار: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5516\"></span>ثم نظر في حجج واهية أخرى كيف يدحض الوحي برأيه: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5517\"></span>ثم عبس ونظر مغضبا لأنه يعلم في قرارة نفسه أن حججه ضعيفة: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-5518\"></span>لكنه قرر أن يدير ظهره للحقيقة، إذ غلبه الاستكبار: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاِسْتَكْبَرَ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-5519\"></span>فنسب إعجاز القرآن إلى عبقرية الرسول، والعبقرية في اللغة من العبقر وهو مكان زعمت العرب أنه من أرض الجن ثم نسبوا إليه كل شيء يعجبون من حذاقته فيقال عبقري، فالسحر في الآية بمنزلة العبقرية: ﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5520\"></span>وأنه من خداع البشر: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-5521\"></span>\n\n<span id=\"aya-5522\"></span>\n\n<span id=\"aya-5523\"></span>غير أنّ عاقبة إنكار الحقيقة والاستكبار وخيمة جدا: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ (٢٦ - ٢٨)\n\n<span id=\"aya-5524\"></span>وعند معاينة العذاب تلوح الحقيقة للكافر: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-5525\"></span>﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ الله أعلم بمراده، أنظر آية [آل عمران ٧/ ٣] عن الآيات المتشابهات.","vol":"4","page":254},{"text":"<span id=\"aya-5526\"></span>﴿وأن المصممين على الكفر سيجدون في هذا العدد فرصة لبثّ الشبهات:\n﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أما الذين أوتوا علم الكتاب فيكون ذلك سببا لزيادة إيمانهم وعدم ريبتهم:\n﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ بعكس ضعاف الإيمان والمصمّمين على الكفر الذين يثيرون الشبهات على المثل الذي أوردته الآية السابقة في عدّة أصحاب النار:\n﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا﴾ وأنه بمثل هذه الآيات المتشابهات يضلّ من فسدت فطرته ويهتدي من يهتدي، لأن الآية تشير إلى سقر بصورة رمزية فهي من أمور الغيب وخارج إدراك البشر:\n﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ وما هذه الآيات سوى ذكرى للبشر: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١)\n\n<span id=\"aya-5527\"></span>\n\n<span id=\"aya-5528\"></span>\n\n<span id=\"aya-5529\"></span>وكما القمر يدور في فلكه، وكما يتتابع الليل والنهار، وفق السنن الكونية:\n﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ﴾ (٣٢ - ٣٤)\n\n<span id=\"aya-5530\"></span>\n\n<span id=\"aya-5531\"></span>\n\n<span id=\"aya-5532\"></span>فكذلك الإنذار بسقر من عظائم الأمور لمن شاء اختيار طريق الهداية من طريق الضلال: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (٣٥ - ٣٧)\n\n<span id=\"aya-5533\"></span>فتصبح كل نفس مرتهنة بعملها، والعقاب نتيجة لازمة للعمل السيء: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣٨)\n\n<span id=\"aya-5534\"></span>عدا المتقين المرموز لهم بأصحاب اليمين: ﴿إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ (٣٩)، والعرب تقول ميمون وأيمن تفاؤلا،\n\n<span id=\"aya-5535\"></span>\n\n<span id=\"aya-5536\"></span>\n\n<span id=\"aya-5537\"></span>فأصحاب اليمين في نعيم الجنان يتعجبون من سلوك المجرمين ما أدّى بهم إلى الجحيم: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾","vol":"4","page":255},{"text":"(٤٠ - ٤٢) وهو سؤال تعجّب من بلادة المجرمين، ونظيره قوله تعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٨/ ٦٧] أي لبلادة الكفار،\n\n<span id=\"aya-5538\"></span>﴿أولا أنهم لم يكونوا مؤمنين عابدين لله: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٤٣) ولأنه وقت نزول السورة لم تكن الصلاة المكتوبة قد فرضت، فالمقصود من الصلاة الدعاء، أنظر آية [غافر ٦٠/ ٤٠]، وفي الحديث: \"الدعاء مخ العبادة\"، وقالوا: معنى الدعاء الإيمان،\n\n<span id=\"aya-5539\"></span>وثانيا أنهم لم ينفقوا في عمل الخير: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٤٤) لأن الإيمان يجب أن يصدّقه العمل،\n\n<span id=\"aya-5540\"></span>وكانوا يخوضون مع أمثالهم في أحاديث الباطل: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ (٤٥)\n\n<span id=\"aya-5541\"></span>وكذّبوا بالمسؤولية والبعث والحساب: ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤٦)\n\n<span id=\"aya-5542\"></span>حتى وافتهم المنية: ﴿حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ (٤٧)\n\n<span id=\"aya-5543\"></span>فلم تنفعهم شفاعة من توهّموا فيهم الشفاعة: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ (٤٨)\n\n<span id=\"aya-5544\"></span>فأي عذر للكفار في إعراضهم عن القرآن؟ ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (٤٩)\n\n<span id=\"aya-5545\"></span>\n\n<span id=\"aya-5546\"></span>إذ هم في إعراضهم عن القرآن كالحمر النافرة من الأسد: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٥٠ - ٥١)، وتشبيههم بالحمر أنهم لم يستفيدوا من عقولهم، وهو كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢]،\n\n<span id=\"aya-5547\"></span>والكافر لشدة استكباره ينكر الرسل ويريد نزول الوحي عليه شخصيا حتى يؤمن: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾","vol":"4","page":256},{"text":"<span id=\"aya-5548\"></span>﴿في حين أنه جاحد لا يؤمن بالبعث والحساب: ﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٥٣)\n\n<span id=\"aya-5549\"></span>\n\n<span id=\"aya-5550\"></span>لكن القرآن ليس سوى تذكرة لمن مال نحو الفطرة السليمة واستفاد من العقل السليم: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٥٤ - ٥٥)\n\n<span id=\"aya-5551\"></span>غير أن الإنسان في منتهى الضعف ومعتمد بالكامل على العناية واللطف والتوفيق: ﴿وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.","vol":"4","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5410>سورة القيامة - ٧٥ - مكية</span>\nنزلت خلال النصف الأول من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5411>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة المدّثر أن حساب الكفار يكون عسيرا يوم القيامة: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ * فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ٨/ ٧٤ - ١٠]، وتفتتح هذه السورة بتأكيد وقوع القيامة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة ١/ ٧٥]،\nوفي سورة المدّثر أن الكفار مصرّون على إنكار الحساب: ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٦/ ٧٤]، ثم تبين هذه السورة أن الإنكار من صفات الفجّار:\n﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة ٥/ ٧٥ - ٦]،\nوفي سورة المدّثر أن الجزاء مترتب على العمل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤]، وهذه السورة تبين مسؤولية الفرد فيما قدّم من عمل وما ترك من واجبات: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥]،\nوفي سورة المدّثر أنّ إعراض الكفار عن القرآن من العجب: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩/ ٧٤]، وتبين هذه السورة أن السبب هو تهالكهم على الدنيا: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة ٢٠/ ٧٥ - ٢١].","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5412>محور السورة</span>\nتأكيد مسؤولية الفرد يوم الحساب عمّا قام به من عمل وما ترك من واجب:\n﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [١٣/ ٧٥]، وأن علم الساعة في القرآن الكريم من الوضوح ما يوجب التأنّي في استيعاب معاني القرآن: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [١٦/ ٧٥]، فكيف يليق بالإنسان التفكير أنه غير مسؤول عن أعماله وأن لن يحاسب عليها؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [٣٦/ ٧٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-5413>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5552\"></span>﴿تفتتح السورة بالتنبيه على حتمية وقوع الساعة والحساب: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5553\"></span>والتنبيه أنّ النفوس في قرارتها تدرك نقائصها وقصورها وفجورها، ثم لا تستجيب لداعي الحق، وفي نهاية المطاف تلوم نفسها يوم الحساب: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5554\"></span>فكيف يليق بها التعامي عن القيامة؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5555\"></span>رغم المعجزات الماثلة ومنها تسوية البنان والبصمات الفردية التي لا يتشابه منها اثنان: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5556\"></span>\n\n<span id=\"aya-5557\"></span>فالإنسان المشكّك يفجر فيما بقي أمامه من الزمن، إذ يسوّف ويتعلق بالأمل كما لو كان موقنا بعدم البعث: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ (٥ - ٦)\n\n<span id=\"aya-5558\"></span>ثمّ عندما تقع الواقعة يحار البصر في هولها: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾","vol":"4","page":259},{"text":"<span id=\"aya-5559\"></span>\n\n<span id=\"aya-5560\"></span>﴿فتبدّل الأرض غير الأرض والسماوات: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٨ - ٩)\n\n<span id=\"aya-5561\"></span>ويوقن المشكّك يومئذ أن لا مفرّ: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5562\"></span>\n\n<span id=\"aya-5563\"></span>وأن لا ملجأ له من الله إلاّ إليه، ولا شيء يعتصم به من أمر الله: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (١١ - ١٢)\n\n<span id=\"aya-5564\"></span>ويجد نفسه في مواجهة أعماله، ليس فقط ما قام به، بل أيضا ما أهمل من العمل الذي كان عليه أن يقوم به: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5565\"></span>وتشهد نفسه عليه: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5566\"></span>فلا تنفعه الأعذار إذ هو شاهد على نفسه: ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5567\"></span>\n\n<span id=\"aya-5568\"></span>وعلم الساعة من الوضوح في القرآن الكريم بحيث لا ينكرها إلاّ مكابر مستكبر كما في قوله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ - أي القرآن الكريم - ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾) [الزخرف ٦١/ ٤٣]،\nلذا تحضّ الآيات التالية الإنسان على التمعن في فهم القرآن وتنهى عن العجلة في التوصل لمعانيه اعتمادا على نصوص مجتزأة منه إذ لا يمكن فهم القرآن إلا بالنظر إليه ودراسته كوحدة متكاملة: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ أي أيها الإنسان ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (١٦ - ١٧)\n\n<span id=\"aya-5569\"></span>وعليك أيها الإنسان تتبّع معانيه: ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١٨) والقراءة منسوبة للذات العلية لأنه تعالى مصدر الوحي،\n\n<span id=\"aya-5570\"></span>ومن التأني والتمعن في القراءة تتبين المعاني من فهم القرآن ككلّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه ١١٤/ ٢٠]، لأنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر ٩١/ ١٥].","vol":"4","page":260},{"text":"<span id=\"aya-5571\"></span>﴿ثم تبين السورة سبب استكبار المستكبرين عن فهم القرآن، وبالتالي عن الإقرار بالآخرة، بأنه التهالك على الدنيا العاجلة: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5572\"></span>والتعامي عن الآخرة: ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5573\"></span>\n\n<span id=\"aya-5574\"></span>يوم تكون وجوه المؤمنين ناضرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢٢ - ٢٣)\n\n<span id=\"aya-5575\"></span>وتكون وجوه الكفار من يأسها شديدة العبوس: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5576\"></span>وقد أيقنت بأن تقع بها داهية تكسر فقار الظهر: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ (٢٤ - ٢٥)\n\n<span id=\"aya-5577\"></span>ثم تتحداهم السورة أن لو كان استكبار المستكبرين في محلّه أن يمنعوا خروج الروح من صاحبها وهو على فراش الموت: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ (٢٦) والتراقي جمع ترقوة وهي عظم الكتف، والكناية بها عن القرب من الموت،\n\n<span id=\"aya-5578\"></span>فأي رقية تفيدهم في دفع الموت؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5579\"></span>مع يقين المرء وقتئذ أنه مفارق الدنيا: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-5580\"></span>وهو يعاني من سكرات الموت وشدته: ﴿وَاِلْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-5581\"></span>حتى يصير إلى ربّه: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ (٣٠)\n\n<span id=\"aya-5582\"></span>\n\n<span id=\"aya-5583\"></span>وماذا تفيده التوبة والإيمان بعد المعاينة، فقد كان في حياته مكذّبا: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (٣١ - ٣٢)\n\n<span id=\"aya-5584\"></span>مصرّا على الكبر في أهله وعشيرته معتدّا بحوله وقوّته: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (٣٣)﴾، ظانّا أنه مكتف ذاتيا بما عنده من العلم غنيّ عن الوحي الإلهي،","vol":"4","page":261},{"text":"<span id=\"aya-5586\"></span>﴿في حين الهلاك قارب منه شيئا فشيئا وهو غافل: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (٣٥)\n\n<span id=\"aya-5587\"></span>فكيف يظنّ أن لن يحاسب على عمله؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (٣٦)\n\n<span id=\"aya-5588\"></span>\n\n<span id=\"aya-5589\"></span>\n\n<span id=\"aya-5590\"></span>\n\n<span id=\"aya-5591\"></span>إذ خلقه تعالى وسوّاه ونفخ فيه الروح بعد أن كان مجرد نطفة تافهة في الرحم: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣٧ - ٣٩)، وهي معجزة بحد ذاتها كافية للدلالة على حتمية البعث والحساب: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)﴾.","vol":"4","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5444>سورة الإنسان - ٧٦ - مدنية، وقيل مكية، وقيل بها مكي ومدني</span>\n<span data-type='title' id=toc-5445>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتعلّق السورة بما قبلها واضح، فبعد قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة ٤٠/ ٧٥]، تبين سورة الإنسان أنه أتى حين من الدهر لم يكن للإنسان وجود على هذه الأرض: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١/ ٧٦]، ثمّ خلقه تعالى من نطفة:\n﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان ٢/ ٧٦]، فما الذي يمنع بعثه من جديد بعد موته؟ وفي ذلك إشارة لقوله تعالى:\n﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥/ ٥٠].\nوقد نفت سورة القيامة أن يترك الإنسان بلا حساب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة ٣٦/ ٧٥]، وتوضح هذه السورة السبب في ذلك لأن الله تعالى بيّن للإنسان طريق الخير من الشر فصار في موقع المسؤولية: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان ٣/ ٧٦].","vol":"4","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5446>محور السورة</span>\nخلق الله تعالى الإنسان واختصّه - ابتلاء - بموهبة الفهم والبصيرة وإدراك الخير من الشر: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ [٣/ ٧٦]، وأنزل عليه الوحي تبيانا لكل شيء: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [٢٣/ ٧٦]، فوجب على الإنسان تحمل المسؤولية والصبر على التكليف وعدم طاعة الكفار بما يخالف القرآن: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [٢٤/ ٧٦]، والاستعانة على ذلك بالذكر والصلاة والتسبيح: ﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [٢٥/ ٧٦ - ٢٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-5447>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5592\"></span>﴿انقضت حقبة طويلة جدا من الزمن قبل وجود الإنسان على الأرض، ممّا يدحض زعم الكفار أن الإنسان هو الكائن الأعلى في الكون: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5593\"></span>وأن خلق الإنسان ليس عبثا فقد زوّده تعالى بموهبة الفهم وإمكانية التمييز بين الخير والشر، والصواب من الخطأ، وبالتالي أصبح في موقع المسؤولية: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٢) ونطفة أمشاج أي خليط من نطفة الرجل والمرأة.\n\n<span id=\"aya-5594\"></span>ثم بيّن له تعالى طريق الهداية بالدليل العقلي، ثم بواسطة الوحي الذي تنزّل على الأنبياء والرسل: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ (٣) وبالتالي فإنّ الكفر ليس سوى كبت متعمّد من قبل الكافر لما فيه من معرفة الإله الأحد.\n\n<span id=\"aya-5595\"></span>ما يوجب العقاب الشديد للكفار: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾","vol":"4","page":264},{"text":"<span id=\"aya-5596\"></span>\n\n<span id=\"aya-5597\"></span>﴿وما يوجب الثواب العظيم للأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ (٥ - ٦)\n\n<span id=\"aya-5598\"></span>الذين يوفون بواجباتهم المترتبة على الإيمان: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ويخشون يوم الحساب: ﴿وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5599\"></span>\n\n<span id=\"aya-5600\"></span>\n\n<span id=\"aya-5601\"></span>ويقومون بأعمال الخير بلا منّة: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا * إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ (٨ - ١٠)\n\n<span id=\"aya-5602\"></span>\n\n<span id=\"aya-5603\"></span>\n\n<span id=\"aya-5604\"></span>\n\n<span id=\"aya-5605\"></span>\n\n<span id=\"aya-5606\"></span>\n\n<span id=\"aya-5607\"></span>\n\n<span id=\"aya-5608\"></span>\n\n<span id=\"aya-5609\"></span>\n\n<span id=\"aya-5610\"></span>\n\n<span id=\"aya-5611\"></span>\n\n<span id=\"aya-5612\"></span>فيلاقوا ثواب أعمالهم يوم الحساب بما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا * وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا﴾ (١١ - ٢١)\n\n<span id=\"aya-5613\"></span>فيكون نعيم الآخرة نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم: ﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-5614\"></span>وهنا تنتقل السورة للإشارة إلى معجزة نزول القرآن الكريم منجّما على النبي ﷺ خلال ثلاثة وعشرين عاما من بعثته النبوية بترتيب يلائم ظروف الرسالة ومختلف عن الترتيب القرآني: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ وفي هذه الإشارة ما فيها من إفحام الكفّار.","vol":"4","page":265},{"text":"<span id=\"aya-5615\"></span>﴿ثم تأمر الرسول ﷺ، وبالتالي المؤمنين من بعده، الصبر على مشاقّ الدعوة والبلاغ والرسالة، والصبر على معاندة الكفار، وتحذّر من قبول الحلول الوسط معهم في أمور العقيدة: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5616\"></span>والاستعانة على كل ذلك بمداومة التسبيح وذكر اسم الله في كل الأوقات:\n﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢٥)، قال الرازي: هذه إشارة إلى أنّ العقول البشرية ليس لديها إلا معرفة الأسماء والصفات أما معرفة الحقيقة فلا.\n\n<span id=\"aya-5617\"></span>والتقرب إليه تعالى في أوقات الظلمة والشدة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-5618\"></span>في مواجهة الغافلين المنهمكين في دنياهم العاجلة: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5619\"></span>وأنه تعالى بمقتضى مشيئته وحكمته الخافية على الكثير من الخلق يستبدل بمنكري الآخرة، إن شاء، من هم أقدر منهم على استخدام ملكاتهم الفكرية بالطريق السوي: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-5620\"></span>ثم تعود السورة إلى التذكير بفحوى الآية الثالثة فتحثّ الإنسان على اختيار طريق الهداية: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-5621\"></span>وأن مشيئته تعالى فوق كل مشيئة: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾.","vol":"4","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5465>سورة المرسلات - ٧٧ - مكية</span>\nقيل إنها نزلت خلال العام الرابع من بعثته ﵊، وقيل بعد ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5466>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة الإنسان أن القرآن الكريم نزل نجوما على النبي ﷺ: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣/ ٧٦]، وتفتتح سورة المرسلات بالإشارة لنزول الآيات القرآنية منجّمة: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات ١/ ٧٧]،\nواختتمت سورة الإنسان بأن القرآن تذكرة لمن شاء الهداية: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان ٢٩/ ٧٦]، كما تختم هذه السورة بأن لا علم ينفع صاحبه إن لم يؤمن بالقرآن: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات ٥٠/ ٧٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-5467>محور السورة</span>\nتلخص السورة مزايا نزول آيات القرآن الكريم على الناس: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [١/ ٧٧]، من حيث أنها تعصف بالباطل: ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [٢/ ٧٧]، وتنشر الهداية: ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ [٣/ ٧٧]، ومن حيث كونها فرقانا: ﴿فَالْفارِقاتِ﴾","vol":"4","page":267},{"text":"﴿فَرْقًا﴾ [٤/ ٧٧]، وذكرا: ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [٥/ ٧٧] فلا تترك للناس عذرا بالجهالة: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [٦/ ٧٧]، ولذا تقطع السورة بمسؤولية البشر وبوقوع الساعة والحساب: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [٧/ ٧٧]، يوم تظهر الحقيقة المحجوبة بالظاهر وتزول الأوهام عن المتوهّمين، ويفصل الرحمن بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [١٤/ ٧٧]، وأن متاع المجرمين في الدنيا قليل في جنب الآخرة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [٤٦/ ٧٧]، ثم تختم السورة بأن لا علم ينفع صاحبه مع التكذيب بالقرآن: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [٥٠/ ٧٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-5468>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5623\"></span>﴿تنوّه السورة بنزول آيات القرآن الكريم متتابعة على مدى بعثة النبي ﵇: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ (١) وقوله عرفا أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير، أي ما هو معروف لذوي العقول السليمة، فالدليل النقلي - الوحي - يؤيد العقل السليم،\n\n<span id=\"aya-5624\"></span>ثم تنبّه إلى أن آيات الرسالة الإسلامية سوف تعصف بسائر الأديان والملل لتنسخها وتظهر بطلانها: ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5625\"></span>فتنشر الهداية للباحثين عنها في أنحاء العالم: ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5626\"></span>وتمكّن الإنسان من التفريق بين الحق والباطل، ولذا سمّي القرآن فرقانا:\n﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقًا﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5627\"></span>وتذكره بالميثاق الفطري المأخوذ عليه في الأصلاب [الأعراف ١٧٢/ ٧]:\n﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥)﴾","vol":"4","page":268},{"text":"<span id=\"aya-5628\"></span>﴿فتنذر الإنسان بما لا يترك له عذرا بالجهالة: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ (٦)، انظر أيضا آية [فاطر ٣٧/ ٣٥].\n\n<span id=\"aya-5629\"></span>بأنّه محاسب على عمله لا محالة: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5630\"></span>\n\n<span id=\"aya-5631\"></span>\n\n<span id=\"aya-5632\"></span>يوم ينهار النظام الكوني الذي نعرفه: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ﴾ (٨ - ١٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤]،\n\n<span id=\"aya-5633\"></span>في ذلك الوقت تشهد الرسل على الأمم بالتبليغ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5634\"></span>وقد أجّلت لذلك اليوم العظيم: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5635\"></span>يوم يفصل الرحمن بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون من العقائد والنظريات، ويدرك المرء على وجه اليقين الدوافع التي كانت وراء أعماله وتوجهاته الدنيوية: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ (١٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة ٢٥/ ٣٢].\n\n<span id=\"aya-5636\"></span>يوم الفصل الذي يفوق وصفه إدراك البشر: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5637\"></span>يوم يحيق الويل بالذين أصرّوا على تكذيب الحقيقة: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5638\"></span>فكيف فاتتهم العبرة من هلاك الأمم البائدة؟ ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-5639\"></span>ومصير من بعدهم في الآخرة، إن لم يكن في الدنيا: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5640\"></span>\n\n<span id=\"aya-5641\"></span>فالعذاب نتيجة طبيعية لازمة للإجرام والتكذيب: ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٨ - ١٩)","vol":"4","page":269},{"text":"<span id=\"aya-5642\"></span>﴿ثم تذكّر السورة الإنسان بمهانة نشأته ودليل منتهى ضعفه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5643\"></span>\n\n<span id=\"aya-5644\"></span>\n\n<span id=\"aya-5645\"></span>والإعجاز في تطور خلقه في رحم أمه حتى ولادته: ﴿فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ (٢١ - ٢٣)\n\n<span id=\"aya-5646\"></span>فالجحود بهذا الإعجاز والتعامي عنه يوجب الويل لأصحابه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5647\"></span>\n\n<span id=\"aya-5648\"></span>والإعجاز في الأرض التي تنبت الحياة وتضم الأموات: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا * أَحْياءً وَأَمْواتًا﴾ (٢٥ - ٢٦)\n\n<span id=\"aya-5649\"></span>والإعجاز في خلق الجبال بحيث تتوازن بها القشرة الأرضية، وإخراج الماء العذب منها: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5650\"></span>وهكذا اشتملت الآيات (٢٠ - ٢٧) على بيان الإعجاز في المخلوقات العضوية وغير العضوية، ما يوجب الويل للمكذّبين بالقدرة الإلهية وبوجود خالق مهيمن: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-5651\"></span>انطلقوا إذن أيها المكذّبون إلى يوم القيامة: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-5652\"></span>فلا بد لكم من مواجهة الموت ثم البعث ثم الجزاء: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ (٣٠)\n\n<span id=\"aya-5653\"></span>وليس لكم من ذلك مفر ولا ملجأ: ﴿لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (٣١)\n\n<span id=\"aya-5654\"></span>يوم ترمي جهنم بشرر كجذوع الشجر الضخمة المشتعلة: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (٣٢)\n\n<span id=\"aya-5655\"></span>كأنّ ذلك الشرر، لتواصله الواحد تلو الآخر، حبال غلاظ مشتعلة صفراء بلون النار: ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾","vol":"4","page":270},{"text":"<span id=\"aya-5656\"></span>﴿ما يسبّب الويل للمكذّبين: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٤)\n\n<span id=\"aya-5657\"></span>فلشدة ذهولهم وحيرتهم يمتنع عليهم النطق: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٣٥)\n\n<span id=\"aya-5658\"></span>إذ لا يليق لهم التكلم بأعذار فاسدة: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٣٦)\n\n<span id=\"aya-5659\"></span>﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٧)\n\n<span id=\"aya-5660\"></span>يوم يفصل بين الناس، أولهم وآخرهم، فيما كانوا يختلفون فيه من العقائد:\n﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨)\n\n<span id=\"aya-5661\"></span>\n\n<span id=\"aya-5662\"></span>فلا تنفع المكذّبين مكائدهم لكونهم يومئذ في منتهى العجز: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٩ - ٤٠)\n\n<span id=\"aya-5663\"></span>\n\n<span id=\"aya-5664\"></span>\n\n<span id=\"aya-5665\"></span>\n\n<span id=\"aya-5666\"></span>أما الذين اتقوا الشرك والمعاصي فمآلهم إلى النعيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤١ - ٤٤)\n\n<span id=\"aya-5667\"></span>بالمقارنة مع مآل الذين كذبوا على أنفسهم: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٥)\n\n<span id=\"aya-5668\"></span>وأن متاع المجرمين في الدنيا وإن طال فهو قليل في جنب الآخرة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ (٤٦)\n\n<span id=\"aya-5669\"></span>حيث الويل ينتظرهم: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٧)\n\n<span id=\"aya-5670\"></span>والسبب أنهم عاندوا الرسل والرسالات المشار إليها بأول السورة: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨)\n\n<span id=\"aya-5671\"></span>فلا بد أن يلاقوا مصيرهم العادل: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٩)\n\n<span id=\"aya-5672\"></span>إذ لا علم ينفع صاحبه بعد التكذيب بالقرآن: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ وفي اختتام السورة عودة إلى البداية التي بدأت بها وهي ﴿الْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ أي آيات القرآن الكريم.","vol":"4","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5509>سورة النبأ - ٧٨ - مكية</span>\nمن أواخر السور المكية،\n\n<span data-type='title' id=toc-5510>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nارتباطها بسورة المرسلات أنها تركّز على (يوم الفصل) من زاوية مختلفة، ففي سورة المرسلات: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات ٣٨/ ٧٧]، وفي هذه السورة: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [٧ النبأ ١٧/ ٨]،\nوفي سورة المرسلات أن الذهول يصيب المجرمين يوم القيامة فيمتنع النطق عليهم: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥/ ٧٧ - ٣٦]، وفي سورة النبأ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ [النبأ ٣٧/ ٧٨]،\nوفي سورة المرسلات: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات ٧/ ٧٧]، وفي هذه السورة: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ ٤٠/ ٧٨].","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5511>محور السورة</span>\nاختلف الناس في وقوع القيامة مع أن كل الدلائل العقلية والدنيوية تشير إليها، فلا يصح أن يكون هنالك انقطاع نهائي بعد الحياة الدنيا، ولا بد من يوم تفصل فيه المظالم والحقوق ويظهر الحق من الباطل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [١٧/ ٧٨]، فلا ينفع يومئذ النادمين ندمهم: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [٤٠/ ٧٨].\nوقد سبق أن علّلت سورة النحل السبب في ضرورة البعث وحتميته بقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ [٣٩/ ١٦]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5512>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5673\"></span>\n\n<span id=\"aya-5674\"></span>\n\n<span id=\"aya-5675\"></span>﴿السؤال الكبير الشاغل لكثير من الخلق عمّا إن كان هنالك بعث بعد الموت:\n﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (١ - ٣)\n\n<span id=\"aya-5676\"></span>\n\n<span id=\"aya-5677\"></span>ويتخبطون في ذلك بنظريات كثيرة إلى أن يحين الوقت الذي يعلمون فيه الحقيقة على وجه اليقين: ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ (٤ - ٥)\n\n<span id=\"aya-5678\"></span>مع أن الشواهد والمعجزات الكثيرة ماثلة أمامهم فيما لا يدع مجالا للشك، ومنها معجزة الأرض سخرها تعالى للإنسان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5679\"></span>ومعجزة خلق الجبال التي بها تتوازن القشرة الأرضية: ﴿وَالْجِبالَ أَوْتادًا﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5680\"></span>ومعجزة خلق الأزواج في الحيوان والنبات كالذكر والأنثى، وكالموجب والسالب في المغناطيس وفي الكهرباء شحنات البروتون والنوترون، وفي الكون كالليل والنهار والحار والبارد: ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨)﴾، ونظيره قوله تعالى:","vol":"4","page":273},{"text":"﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٣٦/ ٣٦].\n\n<span id=\"aya-5681\"></span>﴿ومعجزة النوم الذي هو انقطاع مؤقت عن الحياة لأن النائم معطّل الحواس:\n﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5682\"></span>والليل يستر الناس بظلامه كما يسترهم اللباس فتخلد فيه النفوس إلى الراحة:\n﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5683\"></span>واليقظة في النهار لطلب الرزق: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5684\"></span>ومعجزة خلق الأكوان المتعددة: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5685\"></span>وخلق الشمس التي تزود الأرض بالطاقة: ﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وَهّاجًا﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5686\"></span>\n\n<span id=\"aya-5687\"></span>\n\n<span id=\"aya-5688\"></span>ومعجزة إحياء النبات من الأرض الموات: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا * وَجَنّاتٍ أَلْفافًا﴾ (١٤ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-5689\"></span>\n\n<span id=\"aya-5690\"></span>ولذا تعود السورة للتذكير بيوم الفصل المذكور في السورة السابقة (١٤/ ٧٧): ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا﴾ (١٧ - ١٨)\n\n<span id=\"aya-5691\"></span>حيث تظهر للإنسان بعض جوانب الغيب: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5692\"></span>ولا يبقى أي أثر للجبال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ (٢٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا * لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ (طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧)\n\n<span id=\"aya-5693\"></span>\n\n<span id=\"aya-5694\"></span>\n\n<span id=\"aya-5695\"></span>\n\n<span id=\"aya-5696\"></span>\n\n<span id=\"aya-5697\"></span>\n\n<span id=\"aya-5698\"></span>يومئذ لا مناص للطغاة من جهنم جزاء لما كانوا عليه في دنياهم: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا * لِلطّاغِينَ مَآبًا * لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا * لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا * إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا * جَزاءً وِفاقًا﴾ (٢١ - ٢٦)","vol":"4","page":274},{"text":"<span id=\"aya-5699\"></span>\n\n<span id=\"aya-5700\"></span>﴿جزاء إنكارهم القرآن والبعث والحساب: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا * وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ (٢٧ - ٢٨)\n\n<span id=\"aya-5701\"></span>فلا يفوت من حسابهم شيء: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-5702\"></span>ويزدادون عذابا بمقدار خطيئاتهم في الدنيا: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذابًا﴾ (٣٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]،\n\n<span id=\"aya-5703\"></span>\n\n<span id=\"aya-5704\"></span>\n\n<span id=\"aya-5705\"></span>\n\n<span id=\"aya-5706\"></span>بخلاف المتقين: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا * حَدائِقَ وَأَعْنابًا * وَكَواعِبَ أَتْرابًا * وَكَأْسًا دِهاقًا﴾ (٣١ - ٣٤)\n\n<span id=\"aya-5707\"></span>فهم ينعمون بالسكينة النفسية والروحية بعيدا عن الكذب واللغو والمشاحنات الفارغة: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذّابًا﴾ (٣٥)\n\n<span id=\"aya-5708\"></span>فيجزون أضعاف حسناتهم: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ (٣٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]،\n\n<span id=\"aya-5709\"></span>ولا يكون بمقدور أحد خطاب الرحمن ليزيد في ثوابه أو ينقص من عقابه:\n﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ (٣٧)\n\n<span id=\"aya-5710\"></span>يوم تقوم أرواح الخلائق ومعها الملائكة أمام الخالق فلا يتكلم أحد بالشفاعة إلاّ من أراد تعالى تشريفه بالشفاعة لمن قبل توبته: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ أي أرواح الناس ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا﴾ (٣٨)\n\n<span id=\"aya-5711\"></span>وفي ذلك اليوم يعلم الإنسان على وجه اليقين حقيقة حياته الأولى والآخرة:\n﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ فمن شاء اتخذ سبل الهداية في دنياه قبل آخرته: ﴿فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾","vol":"4","page":275},{"text":"<span id=\"aya-5712\"></span>﴿وبعد كل هذه النذر لا يبقى للكافر يومئذ من عذر: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا﴾ ولا يفيد المرء أو يضرّه سوى ما قدّم من عمل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ ويتمنى الكافر لو لم يكن هنالك بعث: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة ٢٧/ ٦٩].","vol":"4","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5538>سورة النازعات - ٧٩ - مكية</span>\nنزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة (النازعات) في الآية الأولى، وهي النجوم التي تظهر وتغيب، إشارة إلى واحدة من معجزاته تعالى في خلق الكون.\n\n<span data-type='title' id=toc-5539>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة النبأ أن المشكّكين يتساءلون عن النبأ العظيم ويختلفون فيه: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ ١/ ٧٨ - ٣]، وفي سورة النازعات أيضا يتهكمّون على البعث والحساب: ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ [النازعات ١٠/ ٧٩]، ويسألون تهكّما عن موعد الساعة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات ٤٢/ ٧٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5540>محور السورة</span>\nالله تعالى يتيح فرصة الهداية حتى لأعتى الطغاة: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ [١٧/ ٧٩ - ١٨]، لكن الإنسان الطاغية المغرور - في كل زمن - يظن نفسه محور الكون: ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [٢٤/ ٧٩]، مع أنّ الإعجاز في خلق الإنسان لا يقارن مع الإعجاز في خلق الكون الهائل:","vol":"4","page":277},{"text":"﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [٢٧/ ٧٩ - ٢٨]، غير أنّ الكافر لا يدرك حقيقة الآخرة والحساب إلا بعد الفوات: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [٤٦/ ٧٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5541>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5713\"></span>﴿تبدأ السورة بالإشارة لواحدة من معجزاته تعالى في الفلك، وهي النجوم التي تطلع ثم تغيب: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ (١) فالنازعات إشارة لطلوعها، وغرقا إشارة لغروبها، أي هي تنزع ثم تغرق غرقا،\n\n<span id=\"aya-5714\"></span>ثم هي تنتقل من برج إلى برج: ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5715\"></span>وتسبح في الفلك: ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ (٣)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس / ٤٠٣٦]،\n\n<span id=\"aya-5716\"></span>كما هي تسبق بعضها بعضا في السير لكون حركة بعضها أسرع من بعض:\n﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5717\"></span>وبحركتها تتميز الأوقات وتنتظم أمور الكون: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا﴾ (٥)، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠]، ثم تقع الواقعة باختلال حركتها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ﴾ [التكوير ٢/ ٨١]،\n\n<span id=\"aya-5718\"></span>\n\n<span id=\"aya-5719\"></span>وبعد الإشارة إلى معجزات النجوم والفلك، ما يفيد وجود خالق مهيمن يخضع الكون والبشر لحكمته وتقديره وقضائه، تبدأ السورة بوصف يوم البعث يوم ترجف الأرض أو تزلزل في رجفة تلو الأخرى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ (٦ - ٧)","vol":"4","page":278},{"text":"<span id=\"aya-5720\"></span>﴿يومها تكون قلوب الكفار في غاية القلق: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ (٨)، وقوله ﴿قُلُوبٌ﴾ بالتنكير أي ليس جميع القلوب تكون قلقة، بل قلوب الكفار فقط بدليل الآية ١٠،\n\n<span id=\"aya-5721\"></span>أبصارها مضطربة خائفة ذليلة: ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5722\"></span>ومع ذلك، ومع كل الدلائل على حتمية وقوعها يتهكم المتهكمّون في القيامة والبعث: ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ (١٠) أي كانوا يقولون عندما كانوا في الدنيا أنردّ بعد الموت إلى الحياة مرة ثانية، والحافرة الطريق التي يمشي فيها المرء فيحفرها بقدميه أي يترك فيها أثرا بمشي القدمين، فهي محفورة وحافرة ومنه يقال رجع فلان في حافرته أي في الطريق التي جاء منها.\n\n<span id=\"aya-5723\"></span>ويتساءل الكفار في دنياهم كيف نردّ ونبعث بعد أن تصبح عظامنا منخورة:\n﴿أَإِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ (١١) وهو سؤال منبثق من ماديتهم لأنهم ينكرون الروح ولا يقيمون أي اعتبار سوى للمادة.\n\n<span id=\"aya-5724\"></span>ثم بمزيد من التهكم يقولون لو كان الأمر على هذا النحو لكنّا خاسرين، أي سيظهر فساد نظرياتهم الدنيوية المادية التي يعتبرونها في حاضرهم \"معقولة\":\n﴿قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5725\"></span>وهكذا لا يستفيقون من ضلالهم إلا عند ما تقع الواقعة فكأنها يومئذ تزجرهم: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5726\"></span>وقتئذ تنفتح بصيرتهم على الحقيقة ولا يبقى عندهم أدنى شك بها: ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ (١٤) والساهرة الآخرة إذ في الخلود يضمحل مفهوم الزمن الدنيوي.\n\n<span id=\"aya-5727\"></span>وهنا تضرب السورة مثلا على إصرار الكفار على كفرهم بقصة فرعون وبعثة موسى إليه: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥)﴾، والقصة مذكورة بمزيد من التفصيل في سورة [طه ٩/ ٢٠ - ٩٨].","vol":"4","page":279},{"text":"<span id=\"aya-5728\"></span>﴿إذ ناداه ربه لبعثته النبوية، عند جبل الطور في سيناء بالوادي المقدس طوى، أي الذي بورك فيه مرتين، مرة حيث سمع موسى نداء ربه ومرة حيث تكرست نبوّته: ﴿إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (١٦)، وطوى مثل ثنى، والطيّ الثني، وطوى اسم للشيء المثنّى، وقد يكون المعنى أيضا الوادي المقدّس المبارك.\n\n<span id=\"aya-5729\"></span>وأنه ﷾ برحمته التي وسعت كل شيء يتيح فرصة الهداية حتى لأعتى الطغاة: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (١٧) فقد تجاوز فرعون كل الحدود بادعائه الألوهية،\n\n<span id=\"aya-5730\"></span>وقد أمر الله تعالى موسى أن يدعو فرعون برفق ولين: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ (١٨) أي هل لك رغبة أن تكون زاكيا، أي طاهرا من العيوب؟\n\n<span id=\"aya-5731\"></span>فأوضح موسى لفرعون أنّ معرفة الله هي السبيل الوحيد للتفريق بين الصواب من الخطأ: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5732\"></span>ثم بيّن لفرعون طريق الهداية الكبرى، أي طريق الهداية الإلهية: ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ (٢٠) في إشارة أن الله تعالى لا يترك أحدا يتخبط في ضلاله دون أن يبيّن له الطريق الصحيح، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ﴾ أي بظلم منها لأن الله ليس بظلاّم للعبيد ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ عن الحقيقة [الأنعام ١٣١/ ٦].\n\n<span id=\"aya-5733\"></span>\n\n<span id=\"aya-5734\"></span>\n\n<span id=\"aya-5735\"></span>\n\n<span id=\"aya-5736\"></span>وفي مقابل ظهور الآية الكبرى الباهرة يكون ادعاء الألوهية من قبل فرعون منتهى الطغيان: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى * فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (٢١ - ٢٤)\n\n<span id=\"aya-5737\"></span>فكانت عاقبته تنكيلا في الآخرة والدنيا: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥)﴾","vol":"4","page":280},{"text":"<span id=\"aya-5738\"></span>﴿أي إنّ العاقبة الوخيمة تعاجل الطغاة في الدنيا قبل الآخرة، وفيها عبرة لمن يخشى الله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-5739\"></span>\n\n<span id=\"aya-5740\"></span>ثم تبين السورة أنّ الإعجاز في خلق الإنسان لا يقارن مع الإعجاز في خلق الكون الهائل، ومع ذلك يدّعي الإنسان الألوهية أو يظن بغروره أنه محور الكون: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ (٢٧ - ٢٨) أي سوّاها لما خلقت له، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠]،\n\n<span id=\"aya-5741\"></span>ومعجزة تتابع الليل والنهار: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ (٢٩)\n\n<span id=\"aya-5742\"></span>\n\n<span id=\"aya-5743\"></span>\n\n<span id=\"aya-5744\"></span>\n\n<span id=\"aya-5745\"></span>وتمهيد الأرض لسكنى البشر والأنعام: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها * أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها * وَالْجِبالَ أَرْساها * مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٣٠ - ٣٣) كل ذلك يوجب شكر الله على نعمائه،\n\n<span id=\"aya-5746\"></span>\n\n<span id=\"aya-5747\"></span>ومع ذلك لا ينتهي غرور البشر إلا عند مواجهة الحساب: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ (٣٤ - ٣٥)\n\n<span id=\"aya-5748\"></span>﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ (٣٦)، ونظيره قوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء ٩١/ ٢٦]\n\n<span id=\"aya-5749\"></span>\n\n<span id=\"aya-5750\"></span>\n\n<span id=\"aya-5751\"></span>فيكون عذاب جهنم نتيجة طبيعية لما كان عليه الطغاة في دنياهم: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (٣٧ - ٣٩)\n\n<span id=\"aya-5752\"></span>\n\n<span id=\"aya-5753\"></span>كما نعيم الجنة نتيجة طبيعية لمن تجنّب الهوى: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (٤٠ - ٤١)\n\n<span id=\"aya-5754\"></span>وأما قبل مجيء الطامّة الكبرى فالكافر بين الشك والتهكّم يتحدّى النبي بموعد مجيئها: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها (٤٢)﴾","vol":"4","page":281},{"text":"<span id=\"aya-5755\"></span>﴿وموعد الساعة في علم الغيب لا ينكشف حتى للأنبياء: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ (٤٣)\n\n<span id=\"aya-5756\"></span>ومنتهى علمها عند الله لم يؤته أحدا من خلقه: ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ (٤٤)\n\n<span id=\"aya-5757\"></span>غير أنّ ذوي الإدراك السليم فقط يستفيدون من إنذار النبي بها: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (٤٥)\n\n<span id=\"aya-5758\"></span>وتختم السورة بالإشارة إلى نسبية الزمن، لأن المفهوم البشري للزمن الدنيوي لا معنى له في الآخرة، وبالتالي لا معنى لسؤالهم عن موعد الساعة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾.","vol":"4","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5576>سورة عبس - ٨٠ - مكية</span>\nنزلت في أوائل الفترة المكية وسميت بأول كلمة منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-5577>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة النازعات تنبيه أنّ الإعجاز في خلق الكون أكبر بكثير من الإعجاز في خلق الإنسان: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النازعات ٢٧/ ٧٩ - ٢٨] فلا موجب لتكبر المرء وطغيانه، وفي هذه السورة بيان لمهانة خلق الإنسان: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس ١٨/ ٨٠ - ١٩]،\nوفي سورة النازعات أنّ الإنسان يتذكر يوم القيامة نتيجة سعيه في الدنيا:\n﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ [النازعات ٣٤/ ٧٩ - ٣٥]، وفي هذه السورة أن الإنسان لا يحسن استخدام ملكاته الفكرية والعقلية لقضاء ما هو ميسّر له في دنياه: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ [عبس ٢٣/ ٨٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-5578>محور السورة</span>\nلا يضير الداعية عدم استجابة الكافر وما عليه سوى البلاغ، فالآيات القرآنية ليست سوى تذكرة لمن يرجى إيمانه من سليمي الفطرة: ﴿كَلاّ إِنَّها﴾","vol":"4","page":283},{"text":"﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [١١/ ٨٠]، ثم إنّ الإنسان ميسّر أن يختار سبيل الهدى أو الضلال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [٢٠/ ٨٠]، غير أنه في حياته الدنيوية لم يستفد بالكامل من ملكة العقل التي منحها له الله ولا الفطرة السليمة التي غرسها فيه، إذ لا يخلو إنسان من تقصير: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ [٢٣/ ٨٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-5579>النظم في السورة</span>\n﷽\nعبس النبي ﷺ بوجه عبد الله بن أم مكتوم وهو ابن خال خديجة، وكان أعمى من الصحابة ألحّ عليه أن يعلمه من القرآن أثناء انشغال النبي بدعوة أعيان قريش إلى الإسلام، فكره النبي ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت الآيات ١ - ١٠، ثم كان النبي بعد ذلك يكرمه ويقول: \"مرحبا بمن عاتبني فيه ربي\" وقد ولاّه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما،\n\n<span id=\"aya-5759\"></span>\n\n<span id=\"aya-5760\"></span>﴿عَبَسَ وَتَوَلّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ (١ - ٢)، تبرز من عتاب السورة للرسول ﷺ موضوعية الوحي، فالرسول لا ينطق عن الهوى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ [النجم ٣/ ٥٣]،\nوقد ذكر بعض العلماء أن سلوك ابن أم مكتوم مع الرسول لا يخلو من فظاظة، ولكنّ في الآية إشارة أنّ كل ضعيف يستحق الاهتمام كغيره، وقد عاتب الله تعالى رسوله حتى لا تنكسر قلوب أمثاله، وبالمقابل كان قصد الرسول تأليف قلوب المشركين من كبار قريش، وفي الحديث: \"إني لأصل الرجل وغيره أحبّ إلي منه، مخافة أن يكبّه الله في النار\" ذكره القرطبي.\n\n<span id=\"aya-5761\"></span>﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أيها النبي ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣)﴾ أي لعل الأعمى ينتفع بموعظتك ويصبح زاكيا، أي طاهرا من العيوب؟","vol":"4","page":284},{"text":"<span id=\"aya-5762\"></span>﴿أو على الأقل قد يتذكّر الأعمى مطابقة الوحي للفطرة السليمة والدليل العقلي فينفعه ذلك: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5763\"></span>أما من استغنى عن الإيمان وعن الهدي الإلهي، وزعم أنه مكتف بذاته غير محتاج للوحي: ﴿أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5764\"></span>﴿فَأَنْتَ﴾ أيها الرسول تقبل عليه حرصا على إسلامه: ﴿لَهُ تَصَدّى﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5765\"></span>مع أنه ليس على الرسول - وبالتالي كل مؤمن - سوى البلاغ، فلا يضير الداعية عدم استجابة الغير: ﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5767\"></span>\n\n<span id=\"aya-5768\"></span>وفي مسعى الداعي لإيمان من لا يرجى إيمانه تضيع الفرص على المؤمنين:\n﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5769\"></span>فالآيات القرآنية ليست سوى تذكرة لمن يرجى إيمانه من سليمي الفطرة:\n﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ (١١)، والقرآن الكريم قد بلغ مبلغا من الإعجاز والعظمة بحيث لا يتنكر له إلاّ كل مكابر مستكبر فأي حاجة للإصرار على هداهم.\n\n<span id=\"aya-5770\"></span>والرسالة الإسلامية ليست قسرا: ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5771\"></span>\n\n<span id=\"aya-5772\"></span>\n\n<span id=\"aya-5773\"></span>\n\n<span id=\"aya-5774\"></span>والذكر يكون على ضوء الصحف القرآنية المكرّمة المطهّرة من كل عوج (الكهف ١/ ١٨)، المرفوعة بأيدي دعاة كرام بررة يسفرون عن معناها الحقيقي:\n﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ (١٣ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-5775\"></span>أما الإنسان المصرّ على الكفر رغم هذه الصحف المسفرة عن الحقيقة فهو كمن يقتل نفسه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5776\"></span>فلينظر هذا المستكبر كيف بدأ خلقه: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5777\"></span>خلقه تعالى من نطفة ثمّ قدّره بما هو لائق لمصلحته جسميا ونفسيا وعقليا:\n﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾","vol":"4","page":285},{"text":"<span id=\"aya-5778\"></span>﴿ويسّره ليختار سبيل الخير من الشر، والتيسير يدخل فيه التقدير - الآية السابقة - والعقل والتعلّم وبعث الأنبياء وإنزال الوحي: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5779\"></span>كما قدّر أن يكون لبثه في الدنيا قليلا حتى يصير إلى القبر: ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5780\"></span>إلى أن يصير وقت البعث والنشور: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-5781\"></span>وفي تلك المرحلة الدنيوية من حياته لم يكن الإنسان جديرا بالاستفادة من ملكة العقل التي منحها له الله ولا الفطرة السليمة التي غرسها فيه، إذ لا يخلو إنسان من تقصير: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-5782\"></span>وإن كان الإنسان يظنّ أنه مستغن عن العناية الإلهية ومكتف بحوله وقوّته فلينظر في أبسط الأمور كطعامه مثلا من أين يأتي: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5783\"></span>\n\n<span id=\"aya-5784\"></span>\n\n<span id=\"aya-5785\"></span>\n\n<span id=\"aya-5786\"></span>\n\n<span id=\"aya-5787\"></span>\n\n<span id=\"aya-5788\"></span>\n\n<span id=\"aya-5789\"></span>\n\n<span id=\"aya-5790\"></span>ولينظر في معجزة إحياء الأرض الميتة بنزول المطر عليها وإنبات الزرع والحبوب وأنواع الطعام والفواكه وما في ذلك من دليل على حتمية البعث والنشور بعد الموت: ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدائِقَ غُلْبًا * وَفاكِهَةً وَأَبًّا * مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٢٥ - ٣٢) وقالوا إن (الأبّ) هي الفاكهة التي يجري تيبيسها، لأنها تؤبّ للشتاء أي تعدّ له، ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ أي كثيفة.\n\n<span id=\"aya-5791\"></span>\n\n<span id=\"aya-5792\"></span>\n\n<span id=\"aya-5793\"></span>\n\n<span id=\"aya-5794\"></span>\n\n<span id=\"aya-5795\"></span>فليكن الإنسان إذن على يقين من مجيء يوم القيامة حيث ينشغل كل امريء بنفسه: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٣ - ٣٧)\n\n<span id=\"aya-5796\"></span>\n\n<span id=\"aya-5797\"></span>ثم يوم الحساب يكون الناس أحد صنفين: صنف الضاحكين المستبشرين:\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (٣٨ - ٣٩)\n\n<span id=\"aya-5798\"></span>\n\n<span id=\"aya-5799\"></span>\n\n<span id=\"aya-5800\"></span>وصنف الكالحين من الكفار: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (٤٠ - ٤٢).","vol":"4","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5602>سورة التكوير - ٨١ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية وقيل إنها السادسة أو السابعة في ترتيب النزول، وسميت التكوير اشتقاقا من فعل ﴿كُوِّرَتْ﴾ بالآية الأولى، في إشارة رمزية إلى قيام الساعة والبعث والحساب، وانكشاف الحقيقة الغيبية المحجوبة بالظاهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5603>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nختمت سورة عبس السابقة بوصف أحوال صنفين من الناس يوم القيامة:\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٣٨/ ٨٠ - ٤٢]، ثم تبدأ سورة التكوير بوصف أحوال القيامة عندما تنكشف الحقيقة المحجوبة بظاهر الكون فتعلم كل نفس ما أحضرت من استحقاقها الجنة أو النار: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير ١٤/ ٨١]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5604>محور السورة</span>\nكما خلق الله تعالى الكون المعجز يسير وفق نظام مبهر، فكذلك أنزل القرآن الكريم على البشرية مظهرا آخر من مظاهر الإعجاز الطبيعية والمعنوية:\n﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾","vol":"4","page":287},{"text":"[١٩/ ٨١ - ٢١]، ثم إنّ الإنسان مكرّم أن يختار طريق الهداية إن لم تفسد فطرته:\n﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [٢٧/ ٨١]، ومع أن طريق الاستقامة والهداية متاح لذوي الفطرة السليمة بلا إكراه، فإنّ كل شيء متعلق بعلم الله الأزلي المسبق، فيما هو كائن وما سيكون: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [٢٩/ ٨١].\n\n<span data-type='title' id=toc-5605>النظم في السورة</span>\n﷽\nتبدأ السورة بوصف القيامة بصورة رمزية، والوصف من قبيل قوله تعالى:\n﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤]:\n\n<span id=\"aya-5801\"></span>﴿عندما يلفّ الظلام الشمس فيذهب نورها: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5802\"></span>كما يذهب نور النجوم: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5803\"></span>وتزول الجبال من أماكنها: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (٣)، ونظيره قوله تعالى:\n﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠].\n\n<span id=\"aya-5804\"></span>وتهمل النوق الحوامل فيذرها أصحابها لمصيرها: ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾ (٤) كناية عن إهمال الناس يومئذ لأعز ممتلكاتهم، لأن العرب كانت تعتبر النوق الحوامل من أملاكها النفيسة،\n\n<span id=\"aya-5805\"></span>وتحشر الوحوش فيقتصّ لها من ظلم بني آدم: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5806\"></span>وتغيض مياه البحار وتتفجر نيران البراكين من قاعها: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5807\"></span>وتقرن النفوس بأعمالها فتحاسب عليها، فلا يستطيع أحد الفكاك من مسؤوليته: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾","vol":"4","page":288},{"text":"<span id=\"aya-5808\"></span>\n\n<span id=\"aya-5809\"></span>﴿ويحاسب الذين قتلوا بناتهم بغير ذنب: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٨ - ٩)\n\n<span id=\"aya-5810\"></span>وتنشر صحائف الأعمال لكل إنسان: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (١٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء ١٣/ ١٧]،\n\n<span id=\"aya-5811\"></span>وتظهر بعض أسرار الغيب: ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5812\"></span>\n\n<span id=\"aya-5813\"></span>كما تظهر الجحيم والنعيم لمستحقيهما: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ (١٢ - ١٣)\n\n<span id=\"aya-5814\"></span>فيصبح كل فرد على يقين ممّا قدّم لنفسه من خير أو شر، وما يستحقه من نعيم أو جحيم، ويوقن أنّ الحياة الدنيا لم تكن نهاية المطاف: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5815\"></span>\n\n<span id=\"aya-5816\"></span>ثم تربط السورة نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ ببعض مظاهر الطبيعة المرئية كمغيب الكواكب في النهار (خنوسها) وظهورها للبصر في الليل (كنوسها): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ (١٥ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-5817\"></span>\n\n<span id=\"aya-5818\"></span>وإدبار الليل وإقبال النهار: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ (١٧ - ١٨)\n\n<span id=\"aya-5819\"></span>\n\n<span id=\"aya-5820\"></span>\n\n<span id=\"aya-5821\"></span>فكما أن الله تعالى خلق الكون المعجز يسير وفق نظام يبهر العقول فكذلك أنزل القرآن الكريم على البشرية مظهرا آخر من مظاهر الإعجاز الطبيعية والمعنوية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (١٩ - ٢١)، والرسول الكريم هو جبريل ﵇ يتنزّل بالوحي على الأنبياء ﵈.","vol":"4","page":289},{"text":"<span id=\"aya-5822\"></span>﴿ولئلاّ يجنح البعض لتأليه النبي ﷺ كما فعلت المسيحية في تأليه عيسى ﵇ تؤكد السورة أنّ النبي مجرد بشر: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢٢) وقوله صاحبكم بمعنى هو الإنسان الذي عرفتموه طيلة حياتكم رجلا عاقلا أمينا أقام بين ظهرانيكم.\n\n<span id=\"aya-5823\"></span>ولقد رأى النبيّ جبريل بلا أي إبهام في الأفق المبين عندما دنا منه فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢٣)، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم ١١/ ٥٣].\n\n<span id=\"aya-5824\"></span>وأن النبي ﵊ لم يكن ليكتم ما نزل عليه من الوحي وعلوم الغيب، فهو ملزم بتبليغ الرسالة: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5825\"></span>وما النبي كمن يرجم بالغيب من شياطين الإنس والجنّ فذلك من قبيل المستحيل: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ (٢٥)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء ٢١٠/ ٢٦ - ٢١٢].\n\n<span id=\"aya-5826\"></span>ولذا فإن أي منحى آخر يتخذه البشر، غير القرآن الكريم، فهو إلى ضلال:\n﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-5827\"></span>وأن رسالة القرآن عالمية لجميع البشر، بيان وهداية وذكرى وليست إكراها:\n﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٢٧)\n\n<span id=\"aya-5828\"></span>وأن الإنسان مكرّم بالخيار، أن يقبل رسالة القرآن ويختار طريق الاستقامة:\n﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢٨)\n\n<span id=\"aya-5829\"></span>ومع أن طريق الاستقامة والهداية متاح بلا إكراه لمن تميل إليه فطرته السليمة، فإنّ كل شيء متعلق بعلم الله الأزلي المسبق، فيما هو كائن وما سيكون: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾.","vol":"4","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5629>سورة الانفطار - ٨٢ - مكية</span>\nمن أواخر السور المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5630>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nسورة الانفطار متصلة بسورة التكوير اتصالا واضحا: يوم يزول هذا الكون تظهر الحقيقة المطلقة في إطارها الصحيح، وحتى الموت بمرحليّته الوجيزة جدا يظهر كبداية لحياة جديدة: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار ٤/ ٨٢]، ويزول الغرور عن بني آدم: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار ٦/ ٨٢]، الغرور الذي طالما أدّى به إلى التخبط والشك والتكذيب: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار ٩/ ٨٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-5631>محور السورة</span>\nالله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ملائم لمعيشته ولبيئته، وزوده بالإمكانات الفكرية والروحية التي تسمو به، وبحيث لا يكون عنده من تناقض بين حاجاته الفكرية والجسدية بل يكمل بعضها بعضا، ومع ذلك فالإنسان لا يخلو من غرور: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [٦/ ٨٢ - ٨]،","vol":"4","page":291},{"text":"بل إن البعض من الناس في حالة بين الشك واليقين ليس فقط في الإسلام، وإنما أيضا في العاقبة والحساب: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [٨٢ - ٩]، في حين أن العقل البشري عاجز كل العجز عن إدراك كنه ذلك اليوم: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [١٧/ ٨٢ - ١٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-5632>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5830\"></span>\n\n<span id=\"aya-5831\"></span>\n\n<span id=\"aya-5832\"></span>﴿تبدأ السورة بالإشارة إلى نهاية الكون المادي الظاهر: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ (١ - ٣)\n\n<span id=\"aya-5833\"></span>إيذانا بوقوع الساعة والبعث: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5834\"></span>وقتئذ تدرك كل نفس فجأة الدوافع الحقيقية لما قامت به من عمل - أو ما تعمّدت أن تترك من عمل - في حياتها الدنيا، بما في ذلك العمل الصالح الذي قامت به، والطالح الذي تفادته، وكذلك العمل الطالح الذي ارتكبته والصالح الذي لم تعمل به: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5835\"></span>وأن الإنسان في دنياه لا يخلو من غرور: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨] أي حتى المتقين عرضة للوقوع في الإغراء المادي والشهواني عندما يقعون ضحية لغرورهم بأنهم من أهل التقوى والصلاح.\n\n<span id=\"aya-5836\"></span>\n\n<span id=\"aya-5837\"></span>مع أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ملائم لمعيشته ولبيئته وزوده بالإمكانات الفكرية والروحية التي تسمو به وبحيث لا يكون عنده من تناقض بين حاجاته الفكرية والجسدية بل يكمل بعضهما الآخر: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٧ - ٨)","vol":"4","page":292},{"text":"<span id=\"aya-5838\"></span>﴿ثم يصل الغرور بالبعض إلى حالة بين الشك واليقين ليس فقط في الإسلام، وإنما أيضا في العاقبة والحساب: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (٩)،\n\n<span id=\"aya-5839\"></span>\n\n<span id=\"aya-5840\"></span>\n\n<span id=\"aya-5841\"></span>والله تعالى محيط بأفعالهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِرامًا كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5842\"></span>فيؤول مصير الأبرار منهم إلى النعيم كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الإيمان والاستبصار والعمل الصالح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5843\"></span>\n\n<span id=\"aya-5844\"></span>\n\n<span id=\"aya-5845\"></span>وكذا مصير الفجار إلى الجحيم كنتيجة استمرارية لفجورهم في دنياهم:\n﴿وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ (١٤ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-5846\"></span>\n\n<span id=\"aya-5847\"></span>وأن العقل البشري بل خياله وخبرته كلها قاصرة عن استيعاب أو معرفة حقيقة الآخرة والنعيم والجحيم إلا بصورة رمزية كما تشير لها الآيات المتشابهات، فلا نعرف إلاّ قبسا ضئيلا من حقيقتها: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٧ - ١٨)\n\n<span id=\"aya-5848\"></span>حيث المسؤولية يومئذ فردية، وحيث تنزع السلطات من الزعماء والرؤساء والملوك ويعود الأمر لله وحده: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧].","vol":"4","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5644>سورة المطففين - ٨٣ - مختلف في كونها مكية أو مدنية، وقيل فيها مكي ومدني</span>\nنزلت في آخر الفترة المكية وقيل بل في أول الفترة المدنية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5645>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة الانفطار أن الله تعالى خلق الإنسان ليعيش دنياه في أحسن حال وأحسن تقويم: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦/ ٨٢ - ٧]، غير إن الذين لا يؤمنون بالعاقبة والمسؤولية والحساب ينتابهم الغرور بدنياهم فيبخسون حقوق الغير، ثم لا يلبثون أن يلاقوا جزاءهم العادل في آخرتهم: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-5646>محور السورة</span>\nإن التطفيف وبخس حقوق الناس المادية والمعنوية بمثابة تكذيب بالبعث والحساب: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [٤/ ٨٣ - ٥]، ومن شأن هذا التكذيب في الدنيا أن يزداد أصحابه عدوانا وإثما، خلافا لكل مقياس أخلاقي: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [١٢/ ٨٣]، بل إنهم يفقدون كل شعور بالمسؤولية الأخلاقية: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾","vol":"4","page":294},{"text":"[١٤/ ٨٣]، فلا يفيقون على الحقيقة إلاّ عند معاينة العذاب: ﴿ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [١٧/ ٨٣]\n\n<span data-type='title' id=toc-5647>﴿النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5849\"></span>تبين السورة المصير الذي يؤول إليه من يمضون حياتهم في الاحتيال والغش المادي والمعنوي وتكديس المال بطرق غير شرعية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (١) والتطفيف بخس الحق،\n\n<span id=\"aya-5850\"></span>\n\n<span id=\"aya-5851\"></span>فأمثال هؤلاء يستوفون حقوقهم من الآخرين بالكامل، أما إذا كالوهم أو وزنوا لهم فيبخسون حقوقهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٢ - ٣) والكيل والوزن بالمعنى المادي والمعنوي للحقوق.\n\n<span id=\"aya-5852\"></span>\n\n<span id=\"aya-5853\"></span>\n\n<span id=\"aya-5854\"></span>وهم بسلوكهم هذا كمن ينكر المسؤولية الأخلاقية: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤ - ٦)\n\n<span id=\"aya-5855\"></span>لكن على النقيض ممّا يظنون من انعدام المسؤولية لا مفر لهم من أن يلقوا جزاء التطفيف: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-5856\"></span>\n\n<span id=\"aya-5857\"></span>فكأن سجل غشهم وتدليسهم مسجون في كتاب لا يبلى ولا يمحى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٨ - ٩)\n\n<span id=\"aya-5858\"></span>\n\n<span id=\"aya-5859\"></span>ثم توضح السورة أن هؤلاء المطففين بمثابة المكذّبين بالبعث والحساب:\n﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (١٠ - ١١)\n\n<span id=\"aya-5860\"></span>ومن شأن هذا التكذيب أن يزداد أصحابه عدوانا وإثما: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾","vol":"4","page":295},{"text":"<span id=\"aya-5861\"></span>﴿بل إنهم يتمادون في تكذيب الآيات القرآنية كما يلائم هواهم: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5862\"></span>ثم يفقدون كل شعور بالمسؤولية الأخلاقية: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5863\"></span>\n\n<span id=\"aya-5864\"></span>\n\n<span id=\"aya-5865\"></span>فتحجب رحمة الله عنهم يوم القيامة حتى يشاهدوا جحيم أعمالهم عيانا:\n﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١٥ - ١٧)\n\n<span id=\"aya-5866\"></span>وعلى النقيض من ذلك يكون كتاب الأبرار في أعلا المراتب: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5867\"></span>والإبهام المقصود في الاستفهام التالي - كما في بعض السور المكية - يفيد استحالة تمكن البشر من استيعاب حقيقة الآخرة ضمن إطار المكان والزمان المعروفين لديهم: ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ (١٩)\n\n<span id=\"aya-5868\"></span>وكتاب حسنات الأبرار لا يمحى ولا يبلى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٢٠)\n\n<span id=\"aya-5869\"></span>يشهده المقربون من الملائكة والنبيين والصالحين فينالوا منهم الدعاء:\n﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5870\"></span>\n\n<span id=\"aya-5871\"></span>\n\n<span id=\"aya-5872\"></span>\n\n<span id=\"aya-5873\"></span>\n\n<span id=\"aya-5874\"></span>\n\n<span id=\"aya-5875\"></span>\n\n<span id=\"aya-5876\"></span>وفي تفصيل نعيم الأبرار يخاطب الله تعالى البشر بما تعارفوا عليه من مفاهيم الدنيا: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ * وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢٢ - ٢٨)، لأن حقيقته لا كعين رأت ولا خطر على قلب بشر.\n\n<span id=\"aya-5877\"></span>\n\n<span id=\"aya-5878\"></span>وبالمقابل تصف السورة سخرية المجرمين في الدنيا وتهكمهم على المؤمنين، ليس فقط وقت البعثة، ولكن كما هو دأبهم في كل مكان وزمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ (٢٩ - ٣٠)","vol":"4","page":296},{"text":"<span id=\"aya-5879\"></span>﴿بل كانوا مع أقرانهم معجبين بما هم عليه من الشرك والمعصية: ﴿وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ (٣١)\n\n<span id=\"aya-5880\"></span>ويظنّون الضلال في المؤمنين: ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ (٣٢)\n\n<span id=\"aya-5881\"></span>كما يظنون في أنفسهم الوصاية على عقول غيرهم من البشر: ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ (٣٣)\n\n<span id=\"aya-5882\"></span>\n\n<span id=\"aya-5883\"></span>\n\n<span id=\"aya-5884\"></span>ثم تنقلب الأمور في الآخرة على النقيض مما كانوا عليه في دنياهم: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤ - ٣٦)\nوالواضح في الإشارة لضحك المؤمنين من الكفار في الآخرة أنّه لا يفيد التشفّي والانتقام لقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ [الأعراف ٤٣/ ٧] إنما هو تصوير رمزي للعاقبة النهائية وهي فوز المؤمنين وخيبة الكفار.","vol":"4","page":297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5668>سورة الانشقاق - ٨٤ - مكية</span>\nمن أواخر السور المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5669>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي السورة المتقدّمة أن المطففّين لاهثون وراء المادة وبخس حقوق الآخرين:\n﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣ - ٣]، وفي هذه السورة أن المادة رغم ذلك لا تحقق لهم السعادة بل يغلب عليهم المشقة والتعب والتعاسة: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦/ ٨٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-5670>محور السورة</span>\nعندما تقع الساعة وتتخلّى الأرض عن ظاهر الحياة الدنيا: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [٣/ ٨٤ - ٤]، وبعد أن يكون الإنسان قد قضى الجزء الأكبر من حياته الدنيوية في الكدح والتعب والمشقة إلى أن يبعث فيلاقي ربّه: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [٦/ ٨٤]، تؤول حاله وقتئذ من حال إلى حال سلبا أو إيجابا: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [١٩/ ٨٤]، وكان الأجدر به قبل الفوات أن يؤمن ويفقه القرآن ويعمل به: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [٢٠/ ٨٤ - ٢١].","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5671>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5885\"></span>﴿عندما تحين الساعة، وتظهر الحقيقة في واقعها وفي إدراك الإنسان لها: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5886\"></span>وتطيع السماء خالقها كما هي حقيقة بطاعته: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5887\"></span>وتزول الجبال عن الأرض: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (٣)، كما في قوله:\n﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧].\n\n<span id=\"aya-5888\"></span>حتى تفقد الأرض حقيقتها الظاهرية، إن كان لها من حقيقة، ويتبيّن أنها كانت تحجب الحقيقة الغيبية: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5889\"></span>وتطيع الأرض خالقها كما هي حقيقة بطاعته: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5890\"></span>بعد أن كان الإنسان لا ينفك في دنياه عن الكدح والمشقة والتعب، بفترات أطول بكثير من فترات السعادة التي قد ينعم بها، وأن حاله هذه من الدنيا تستمر حتى يبعث فيلاقي ربّه: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-5891\"></span>ويحين وقت الحساب ويفوز من عمل لآخرته: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (٧) كناية عن حسن عاقبته، - وقد خاطب تعالى العرب بما تعارفت عليه من التفاؤل إذ تقول ميمون وأيمن -\n\n<span id=\"aya-5892\"></span>فيتجاوز الله تعالى عن سيئاته: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨)﴾","vol":"4","page":299},{"text":"<span id=\"aya-5893\"></span>﴿ويعود إلى أهله وأقرانه من منفتحي الذهن أمثاله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5894\"></span>أما الشقي فيكون كمن يريد إخفاء حسابه عن نفسه لشدة ما كان عليه من الجهل وما ارتكب من مظالم في الدنيا: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5895\"></span>\n\n<span id=\"aya-5896\"></span>فيتمنى لنفسه الهلاك ولا يأتيه: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا * وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ (١١ - ١٢)\n\n<span id=\"aya-5897\"></span>بعد أن كان في دنياه مسرورا مع أقرانه من رفاق السوء: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ (١٣)، - وفي الحديث: \"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر\" -\n\n<span id=\"aya-5898\"></span>وهو على شدة تعلقه بالحياة الدنيا لم يضع الآخرة في حسبانه: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5899\"></span>وغفل أن الله تعالى كان بصيرا بأعماله: ﴿بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5900\"></span>\n\n<span id=\"aya-5901\"></span>\n\n<span id=\"aya-5902\"></span>مع أن كل الدلائل تشير أنه من المحال دوام الحال، ومن ذلك أنّ الكون في حركة وتغير دائمين: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ﴾ (١٦ - ١٨) فالشفق يتبعه الليل بالتدريج ويتبعه القمر،\n\n<span id=\"aya-5903\"></span>فلا بد من انتقال الإنسان من حاله الدنيوية القلقة العابرة إلى حال أخرى مستقرة: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (١٩) فهو يولد ويكبر ويهرم ويموت ثم يبعث.\n\n<span id=\"aya-5904\"></span>وليس من سبب واقعي يقنع بأن تنتهي رحلة الإنسان لمجرد موته فكل شيء في تغير وحياة الإنسان لا تشذّ عن القاعدة: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾، والإيمان منسجم مع الفطرة، والقرآن الكريم تذكرة للميثاق المأخوذ على الإنسان في الأصلاب أنظر آيات [الرعد ٢٠/ ١٣]، [الأعراف ١٧٢/ ٧]،","vol":"4","page":300},{"text":"<span id=\"aya-5905\"></span>﴿كما ليس من مبرر لعدم تفقه المرء في القرآن والعمل به: ﴿وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢١)،\n\n<span id=\"aya-5906\"></span>سوى أن العقول المتشنّجة صممّت سلفا على التكذيب بالمسؤولية والحساب: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-5907\"></span>في الوقت الذي يعلم الله ما يخفون ويبيّتون من سوء النوايا: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ (٢٣)\n\n<span id=\"aya-5908\"></span>فالمصرّون على الكفر بعد أن ظلموا عقولهم بالإنكار تؤول عاقبتهم الطبيعية إلى العذاب: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٤)\n\n<span id=\"aya-5909\"></span>إلا من تاب منهم فانفتح عقله على الحقيقة قبل الفوت: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5694>سورة البروج - ٨٥ - مكية</span>\nنزلت في أوائل الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5695>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة الانشقاق المتقدمة أن الذين صمّموا على الكفر يكذّبون، وأن الله تعالى أعلم بما يبيّتون من سوء النوايا: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الانشقاق ٢٢/ ٨٤ - ٢٣]، وفي هذه السورة أنهم باضطهادهم المؤمنين كمن يقتل نفسه: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج ٤/ ٨٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-5696>محور السورة</span>\nموضوع السورة يدور حول الاضطهاد وقمع الحرية الدينية للآخرين: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [٨/ ٨٥]، ما تعود عواقبه سلبا على المضطهدين بالدرجة الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ [١٠/ ٨٥]،\nوأن القرآن المجيد - بخلاف الكتب السابقة - ورغم جهود المكذّبين في اضطهاد المؤمنين والصدّ عنه، محفوظ على مدى الدهر من كل تغيير وتحريف أو إضافة أو نقصان، وبالتالي فهو المعيار النهائي والأخير للحق والباطل: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [٢١/ ٨٥ - ٢٢].","vol":"4","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5697>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5910\"></span>\n\n<span id=\"aya-5911\"></span>﴿التفكّر في خلق الكون يلزم الإيمان باليوم الموعود، يوم البعث والحساب:\n﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-5912\"></span>والله تعالى شاهد على خلقه لا تخفى عليه خافية: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5913\"></span>\n\n<span id=\"aya-5914\"></span>\n\n<span id=\"aya-5915\"></span>\n\n<span id=\"aya-5916\"></span>\n\n<span id=\"aya-5917\"></span>\n\n<span id=\"aya-5918\"></span>أما قصة أصحاب الأخدود فقد تكون رمزية تتكرر في كل العصور، لأنّ الطغاة أصحاب العقول المنحازة لا يملّون من محاولة فرض معتقداتهم الدينية - أو اللادينية - على الآخرين قهرا وقسرا، بوسيلة أو بأخرى تصل إلى الحرق بالنار، ثمّ إنهم لا يدمّرون بهذا الأسلوب سوى أنفسهم: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ * النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ * وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤ - ٩)\n\n<span id=\"aya-5919\"></span>وتوضح الآية التالية معنى قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ إذ تبيّن المصير النهائي للذين يضطهدون المؤمنين في محاولة منهم لتغيير دينهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي اضطهدوهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5920\"></span>بالمقارنة مع مآل المؤمنين الذين أتبعوا إيمانهم بالعمل الصالح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5921\"></span>وأن الله تعالى قد يمهل الكفار في الدنيا، ولا يهملهم في العاقبة: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾","vol":"4","page":303},{"text":"<span id=\"aya-5922\"></span>﴿وأنه لا بد لذلك من المعاد: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5923\"></span>﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لمن تاب وآمن، كثير الإحسان ﴿الْوَدُودُ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-5924\"></span>ذو الملك والسلطان العظيم: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-5925\"></span>لا يتخلّف عن إرادته شيء: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-5926\"></span>\n\n<span id=\"aya-5927\"></span>\n\n<span id=\"aya-5928\"></span>\n\n<span id=\"aya-5929\"></span>وأن جموع الكفار والمكذّبين - كمثل فرعون وثمود - لا يشذّون عن سنته تعالى في الخلق، والله تعالى محيط بهم من حيث لا يشعرون: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (١٧ - ٢٠)\n\n<span id=\"aya-5930\"></span>فكان الأولى بالطغاة المكذّبين إمعان الفكر في القرآن الكريم: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ (٢١)\n\n<span id=\"aya-5931\"></span>إذ القرآن المجيد - بخلاف الكتب السابقة - محفوظ من كل تغيير أو حذف أو إضافة: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٢١ - ٢٢) فلا عذر لهم في الرجوع إلى غيره من الكتب الدنيوية أو \"الدينية\" لتحديد معايير مصطنعة للحق والباطل.","vol":"4","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5711>سورة الطارق - ٨٦ - مكية</span>\nنزلت في وقت مبكر من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5712>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة البروج أن منحازي الفكر المصرّين على التكذيب جاهدون في قمع الحريات الدينية وفي اضطهاد المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠/ ٨٥]، وفي هذه السورة أن نور الحقيقة يطرق قلوب التائبين من الناس الجاهدين في البحث عنها: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ [الطار ١/ ٨٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-5713>محور السورة</span>\nشبّه تعالى السكينة تنزل على قلوب المؤمنين في اللحظات الحرجة كأنّها طارق الليل - انظر أيضا آيات [الأنفال ١١/ ٨] و[التوبة ٢٦/ ٩، ٤٠] و[الفتح ٢٦/ ٤٨]-، وكذا الحقيقة تنير فجأة قلوب الباحثين عنها: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [٢/ ٨٦ - ٣]، لأن الله تعالى لا يترك عباده الحائرين بلا هداية: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [٤/ ٨٦]، أما المصرّون على التكذيب فلا بد من إمهالهم لعلهم يتوبون: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [١٧/ ٨٦].","vol":"4","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5714>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5932\"></span>\n\n<span id=\"aya-5933\"></span>\n\n<span id=\"aya-5934\"></span>﴿السكينة تنزل على قلب المؤمن في لحظات اليأس الحالكة، أو الاستنارة تطرق قلب الحائر الشاكّ، أو الإلهام الرباني يهدي قلب الضالّ الباحث عن الحقيقة فينزل عليه كالنجم الثاقب في ظلام الليل، أو كزائر الليل يطرق الباب:\n﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ (١ - ٣)\n\n<span id=\"aya-5935\"></span>لأنّ الله تعالى القيوم الحافظ على عباده لا يترك عباده الباحثين عن الحقيقة بلا هداية: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5936\"></span>\n\n<span id=\"aya-5937\"></span>\n\n<span id=\"aya-5938\"></span>فليتأمّل الإنسان في معجزة خلقه ومنتهى ضعفه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ (٥ - ٧)\n\n<span id=\"aya-5939\"></span>وأن من خلقه أول مرة قادر على بعثه بعد الموت: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5940\"></span>فلا تخفى منه على الله خافية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-5941\"></span>وتبدو قلة حيلته يوم الحساب: ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5942\"></span>وليتأمل الإنسان أيضا معجزات الخلق في الأفلاك التي تدور حوله ثم ترجع:\n﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5943\"></span>ومعجزة الأرض تنشق عن النبات: ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-5944\"></span>فماذا ينتظر المشكّكون كي يؤمنوا بالقرآن الذي هو القول الفصل، الفاصل بين الحق والباطل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-5945\"></span>فقد نزل القرآن بالجدّ ولم ينزل باللعب: ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾","vol":"4","page":306},{"text":"<span id=\"aya-5946\"></span>\n\n<span id=\"aya-5947\"></span>﴿وما تفيد مكائدهم وظنونهم الباطلة أمام المشيئة العليا: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (١٥ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-5948\"></span>غير أنه على المؤمن إمهالهم لعلهم يهتدون، أو إمهالهم ليوم الحساب، وكلّ آت قريب: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.","vol":"4","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5727>سورة الأعلى - ٨٧ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية، وقيل إنها الثامنة في ترتيب النزول.\n\n<span data-type='title' id=toc-5728>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة الطارق أن الإلهام القرآني يطرق قلوب الحائرين الباحثين عن الحقيقة فيحقق لها الهداية والسكينة: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق ١/ ٨٦ - ٣]، وفي هذه السورة أنّ من تكون هذه حاله يطهر قلبه عن ظلمة الكفر كما تطهر أعماله عن الرياء والتقصير إن ثابر على الذكر وعلى الدعاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى ١٤/ ٨٧ - ١٥]،\nكما ختمت سورة الطارق بتوجيه المؤمنين للصبر على الكفار لعلّهم يتوبوا:\n﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٧/ ٨٦]، ثم افتتحت سورة الأعلى بتوجيههم للاستعانة على ذلك بالتسبيح: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١/ ٨٧]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5729>محور السورة</span>\nأنّ من واجب المؤمنين تذكير الكفار والجاحدين دون القسر: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [٩/ ٨٧]، وأن الفلاح الدنيوي والأخروي مرتبط بطهارة القلب","vol":"4","page":308},{"text":"والقول والعمل عن الرياء وعن التقصير: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [١٤/ ٨٧ - ١٥]، ولكن بصيرة البعض قاصرة على الدنيا فقط دون الآخرة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [١٦/ ٨٧ - ١٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-5730>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5949\"></span>﴿الأمر بتنزيه اسمه تعالى عمّا لا يليق به من الأوصاف والمعاني وعمّا يقوله المبطلون: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5950\"></span>إذ خلق ﷾ الخلق متناسبا مع ما هو مخلوق له من متطلبات:\n﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-5951\"></span>وحدّد طبيعة المخلوقات فهداها لما خلقت له: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-5952\"></span>\n\n<span id=\"aya-5953\"></span>وجعل الحياة والموت: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى * فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ (٤ - ٥)\n\n<span id=\"aya-5954\"></span>وعلّم الإنسان ما لم يعلم فجعل علوم البشر والحضارات تراكمية:\n﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أيها الإنسان ﴿فَلا تَنْسى﴾ (٦)، ونظيره قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٥/ ٩٦].\n\n<span id=\"aya-5955\"></span>إلاّ ما أصبح من العلوم والتقنية باليا فحلّت محلّه علوم جديدة أحدث من سابقتها: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ (٧)\nغير أنّ علوم البشر محصورة بالظاهر - الجهر -، قاصرة دون علم الغيب - ما يخفى - ودون الحقيقة المطلقة التي لا يدرك الإنسان من كنهها شيئا إلاّ بطريق الوحي الإلهي: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)﴾ فالله تعالى يعلم الجهر من عالم الشهادة، كما يعلم ما يخفى على الإنسان من عالم الغيب،","vol":"4","page":309},{"text":"<span id=\"aya-5956\"></span>﴿ومن يؤمن بالوحي ييسّر تعالى حياته إلى اليسر والسكينة: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-5957\"></span>فيكون من واجبه تذكير الآخرين بالحقيقة، سواء نفعت الذكرى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ (٩) أم لم تنفع بدليل تتمة الخطاب:\n\n<span id=\"aya-5958\"></span>فالنفع يحصل لمن في قلبه خشية لله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-5959\"></span>ولا ينتفع من الذكرى من أعجبته نفسه واختار التكبّر: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-5960\"></span>\n\n<span id=\"aya-5961\"></span>فيجعل نفسه في عداد الأشقياء المعذّبين كنتيجة طبيعية لما كان عليه من الكبر: ﴿الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (١٢ - ١٣)\n\n<span id=\"aya-5962\"></span>\n\n<span id=\"aya-5963\"></span>وتحصل السعادة كنتيجة طبيعية لمن تطهّر عمله عن الرياء والتقصير، وثابر على الذكر والدعاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١٤ - ١٥) والصلاة بمعنى الدعاء لأن الصلاة المكتوبة لم تكن وقت نزول السورة المبكّر في مكة،\n\n<span id=\"aya-5964\"></span>\n\n<span id=\"aya-5965\"></span>غير أن النفس البشرية ميّالة للدنيا غافلة عن الآخرة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٦ - ١٧) وليس معنى ذلك أن القرآن الكريم ينظر إلى الدنيا نظرة سلبية فالمسلم الحق يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا [القصص ٧٧/ ٢٨].\n\n<span id=\"aya-5966\"></span>\n\n<span id=\"aya-5967\"></span>وكل ذلك مذكور في الوحي الذي سبق ونزل على الأنبياء ومنهم إبراهيم وموسى، فالقرآن الكريم استمرار لما سبقه من الوحي وخاتمه: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ (١٨ - ١٩).\nالوجه الآخر لمعنى الآيات (٦ - ٩) أن يكون الخطاب بالدرجة الأولى للنبي ﷺ، وأن جبريل ﵇ كان يقرؤه القرآن فلا ينسى النبي العمل به","vol":"4","page":310},{"text":"- ذكره القرطبي والألوسي -، وقال الرازي: المعنى سنعلمك أيها النبيّ هذا القرآن حتى تحفظه وليعلم أن عدم النسيان من فضله تعالى وإحسانه - انتهى -، وأما قوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ فلا يفيد سوى تعلق الأمر بالمشيئة العليا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد ذكر الألوسي أن الاستثناء على هذا النحو لتأكيد عموم النفي في قوله ﴿فَلا تَنْسى﴾ لا لنقض عمومه، وليس في الآية ما يفيد النسخ كما يعتقد البعض.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ (٧)، فيحتمل المعنى أيضا أن الإنسان يخفي أمورا عن الآخرين كما يخفي عن نفسه الكثير، فالله تعالى أعلم بالنفس من صاحبها.","vol":"4","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5745>سورة الغاشية - ٨٨ - مكية</span>\nنزلت في النصف الثاني من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5746>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nسورة الغاشية تفصيل لسورة الأعلى المتقدّمة، ففي سورة الأعلى قوله تعالى:\n﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ [الأعلى ١٠/ ٨٧]، ثم تبيّن سورة الغاشية عاقبة من اختار الذكرى [الغاشية ١/ ٨٨ - ٧]، وفي سورة الأعلى قوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى ١١/ ٨٧]، ثم تبين سورة الغاشية عاقبة من اختار تجنبها [الغاشية ٨/ ٨٨ - ١٦]،\nوفي سورة الأعلى أن من واجب المؤمن تذكير غيره من الغافلين: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى ٨٧ - ٩]، ثم تنهى هذه السورة المؤمن عن تجاوز واجبه من الذكرى إلى القهر: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-5747>محور السورة</span>\nأنّ النبي ﷺ، وبالتالي غيره من البشر، لا يستطيع، ولا يجب عليه، إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [٢١/ ٨٨ - ٢٢]، والحساب على الله: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [٢٥/ ٨٨ - ٢٦].","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5748>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5968\"></span>﴿تبدأ السورة بالتذكير بيوم الحساب الذي يغشى الناس جميعا فيكون وحده وقتئذ دون غيره شغلهم الشاغل: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-5969\"></span>\n\n<span id=\"aya-5970\"></span>\n\n<span id=\"aya-5971\"></span>\n\n<span id=\"aya-5972\"></span>\n\n<span id=\"aya-5973\"></span>\n\n<span id=\"aya-5974\"></span>عندما يكون الناس قسمين، أحدهما من الذين اختاروا الشقاء لدنياهم وآخرتهم، لأنهم اجتنبوا الذكرى واتّبعوا أهواءهم، آية [الأعلى ١١/ ٨٧]، فهم يومئذ في منتهى الذلّ والعذاب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى نارًا حامِيَةً * تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ (٢ - ٧)\n\n<span id=\"aya-5975\"></span>\n\n<span id=\"aya-5976\"></span>\n\n<span id=\"aya-5977\"></span>\n\n<span id=\"aya-5978\"></span>\n\n<span id=\"aya-5979\"></span>\n\n<span id=\"aya-5980\"></span>\n\n<span id=\"aya-5981\"></span>\n\n<span id=\"aya-5982\"></span>\n\n<span id=\"aya-5983\"></span>والقسم الآخر من الذين اختاروا الذكرى وعملوا بها فنفعتهم، آية [الأعلى ١٠/ ٨٧]، فهم وقتئذ في منتهى السكينة والرضا والسعادة الروحية المنزّهة عن اللغو: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ * لِسَعْيِها راضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً * فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ * فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٨ - ١٦)،\n\n<span id=\"aya-5984\"></span>فكيف للكفار أن ينكروا الآخرة وعجائب الخلق محيطة بهم من كل جانب، ومنها السحاب المحمّل بالمطر: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-5985\"></span>والأفلاك السماوية فوقهم لا نهاية لاتساعها: ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-5986\"></span>\n\n<span id=\"aya-5987\"></span>ومعجزة الجبال والأرض تحت ناظرهم: ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (١٩ - ٢٠)","vol":"4","page":313},{"text":"<span id=\"aya-5990\"></span>\n\n<span id=\"aya-5991\"></span>\n\n<span id=\"aya-5992\"></span>\n\n<span id=\"aya-5993\"></span>فما على النبيّ ﷺ والمؤمنين من بعده - بعد كل هذا الإعجاز سوى تذكير المكابرين المصرّين على الكفر، فالإيمان لا يكون بالإكراه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٢١ - ٢٢)، أما الحساب فهو على الله وحده:\n﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ (٢٣ - ٢٦).","vol":"4","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5756>سورة الفجر - ٨٩ - مكية</span>\nنزلت في أوائل الفترة المكية، العاشرة، أو هي من العشر الأوائل في ترتيب النزول.\n\n<span data-type='title' id=toc-5757>ارتباط السورة بما قبلها:</span>\nتركيز سورتي الأعلى والغاشية المتقدّمتين على واجب المؤمن تذكير الغافلين:\n﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى ٩/ ٨٧]، و﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨]، ثم تفتتح هذه السورة أن التذكير يجب أن يكون بالإسلام الذي بزغ فجره: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر ١/ ٨٩ - ٢]، ثمّ إنّ ذوي العقول المنفتحة فقط هم الذين يستفيدون من الذكرى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥/ ٨٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5758>محور السورة</span>\nبزوغ فجر الإسلام على البشرية وإفاقتها الروحانية من ظلام الشرك والجهل ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل وبدء نزول القرآن الكريم في العشر الأواخر من رمضان: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [١/ ٨٩ - ٢]، ما هو أكثر من كاف لإقناع أولي الألباب: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [٥/ ٨٩]، أما","vol":"4","page":315},{"text":"المصرّون على الجحود والإنكار فلا سبيل لتذكرهم إلاّ يوم وقوع الساعة عندما لا تفيدهم الذكرى شيئا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [٢٣/ ٨٩]، ويومئذ لا ينفع الندم صاحبه أنه لم يقدم خيرا لآخرته: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [٢٤/ ٨٩]، بخلاف النفس المطمئنة التي طرحت الشكوك في حياتها الدنيا وأيقنت بالكتاب وعملت به، فيقال لها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَاُدْخُلِي جَنَّتِي﴾ [٣٠/ ٨٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5759>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5994\"></span>\n\n<span id=\"aya-5995\"></span>﴿انبلاج فجر الهداية الروحية على البشرية ببعثة النبي ﷺ وبدء نزول القرآن الكريم في العشر الأواخر من رمضان: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-5996\"></span>فنزل القرآن برسالة التوحيد ونبذ الشرك: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣)، فالشفع ليس فقط دلالة على تعددية الخلق من ذكر وأنثى وأزواج شتّى بل دلالة أيضا على شرك المشركين أن جعلوا لله شركاء، أما الوتر فهو دلالة الوحدانية،\n\n<span id=\"aya-5997\"></span>وهكذا انسلخ ليل الباطل عن نور الحق: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-5998\"></span>ما هو كاف بذاته لإقناع كل عاقل غير مكابر: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-5999\"></span>\n\n<span id=\"aya-6000\"></span>\n\n<span id=\"aya-6001\"></span>أما المعاندون المكابرون فقد مضت سنّة الله في سوء عاقبتهم، كقوم عاد الذين سكنوا الأحقاف في جزيرة العرب: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ (٦ - ٨)\n\n<span id=\"aya-6002\"></span>وثمود الذين لا تزال حضارتهم ماثلة في صخور الجبال بوداي القرى شمال المدينة: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)﴾","vol":"4","page":316},{"text":"<span id=\"aya-6003\"></span>﴿وفرعون وقومه ذوو الجبروت: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-6004\"></span>\n\n<span id=\"aya-6005\"></span>\n\n<span id=\"aya-6006\"></span>لاقوا جميعا وبال أمرهم: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ (١١ - ١٣)\n\n<span id=\"aya-6007\"></span>فلا بد من تحقق العدالة في الدنيا أو الآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-6008\"></span>وابتلاء الله تعالى لعباده يكون بالنعم تارة وبالمصائب تارة أخرى لأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، فمن كان غافلا يرى في ما ابتلاه الله تعالى به من التكريم والنعم حقا طبيعيا له يستحقه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ (١٥)\n\n<span id=\"aya-6009\"></span>وإذا ما ابتلاه تعالى بشيء من المصاعب والنوائب، انظر آية [البقرة ١٥٥/ ٢]، لم يعتبر ذلك ابتلاء، بل يميل إلى الجحود فيشكك بالعدالة الإلهية وقد ينتهي إلى إنكار الخالق: ﴿وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ (١٦)\n\n<span id=\"aya-6010\"></span>\n\n<span id=\"aya-6011\"></span>\n\n<span id=\"aya-6012\"></span>\n\n<span id=\"aya-6013\"></span>مع أنّ البلاء قد يكون نزل به نتيجة كسب يديه من سوء استخدام النعمة والغش وأكل مال الآخرين والتهالك على المادة: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (١٧ - ٢٠)\n\n<span id=\"aya-6015\"></span>حتى إذا قامت الساعة وتبدّلت الأرض غير الأرض والسماوات: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢٢)\n\n<span id=\"aya-6016\"></span>\n\n<span id=\"aya-6017\"></span>فيومئذ يندم ويتحسّر الغافل على ما فاته في دنياه ويتذكّر أنه لم يقدّم خيرا لحياته الآخرة، فلا تنفعه الذكرى في ذلك الوقت المتأخر: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى * يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ (٢٣ - ٢٤)","vol":"4","page":317},{"text":"<span id=\"aya-6018\"></span>﴿فيلقى جزاءه العادل كنتيجة طبيعية لما كان عليه في حياته الدنيا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ (٢٥)\n\n<span id=\"aya-6019\"></span>وتصبح روحه حبيسة لما كان عليه من الشرك والظلمات: ﴿وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ (٢٦)\n\n<span id=\"aya-6020\"></span>\n\n<span id=\"aya-6021\"></span>أما النفوس المطمئنة بالإيمان فتلقى ثوابها كنتيجة طبيعية أيضا لما قدّمت لآخرتها من عمل صالح: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٢٧ - ٢٨) فهي راضية بما تلاقيه من ثواب، مرضيّ عنها بما قامت من عمل في دنياها.\n\n<span id=\"aya-6022\"></span>\n\n<span id=\"aya-6023\"></span>فتنضم إلى عباد الله المقربين: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَاُدْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢٩ - ٣٠).","vol":"4","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5778>سورة البلد - ٩٠ - مكية</span>\nنزلت في أواسط الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5779>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nتصف سورة الفجر المتقدمة حالة الإنسان النفسية في حالتي ابتلائه بالنعم أو بالمصائب، ففي الحالة الأولى ينتابه الغرور وينسب النعم بالكلية إلى حذاقته وجدارته الطبيعية بها: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر ١٥/ ٨٩]، وفي الحالة الثانية يقنط ويميل إلى الجحود والنكران:\n﴿وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ [الفجر ١٦/ ٨٩]، ثم توضح هذه السورة أن الإنسان معرض للابتلاء على الدوام: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤/ ٩٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-5780>محور السورة</span>\nأن الدنيا ليست دار سعادة بالمعنى المطلق فالإنسان مضطر للكفاح والعمل الشاق وهو معرض دوما للابتلاء: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ [٤/ ٩٠]، والإنسان الغافل يلهث وراء هواه معتمدا على حوله وقوته: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [٦/ ٩٠]، متوهّما أن ليس من مسؤولية وحساب: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ﴾","vol":"4","page":319},{"text":"﴿يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [٧/ ٩٠]، مع أنه تعالى بيّن للإنسان طريق الصواب من الخطأ:\n﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [١٠/ ٩٠]، وحضّه على عمل الخير: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [١١/ ٩٠]، فلا بدّ للعصاة في النهاية من تحمل العواقب: ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [٢٠/ ٩٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-5781>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6024\"></span>\n\n<span id=\"aya-6025\"></span>﴿الخطاب بالدرجة الأولى للنبي ﷺ، والإشارة لبلده مكة المكرمة، وهو حلّ بها أي مقيم بها، أو بمعنى أن المشركين أحلّوا إيذاءه وقتله بها رغم حرمته وحرمتها، أو أنها أحلّت له يوم الفتح: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-6026\"></span>ويحتمل أن يكون الخطاب لبني آدم عامة، والبلد بمعنى الأرض أي الدنيا بمجملها بدليل تتمة الخطاب الذي يشير إلى جنس البشر بقوله: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ (٣)، وتعبير الوالد يشمل الوالدة أيضا فيقال الوالدان،\n\n<span id=\"aya-6027\"></span>والإنسان بالرغم من فترات السعادة القصيرة التي قد يمر بها في دنياه فإنه غالبا يكابد المصاعب والمشاق والابتلاء من كل نوع في الأمن والصحة والمال والولد - راجع آية [البقرة ١٥٥/ ٢]- ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-6028\"></span>والغافل يلهث وراء الدنيا والمادة والسلطة والجاه والتسلّط غافلا عن حقيقة ضعفه وقلة حيلته: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6029\"></span>بل قد يظنّ الإنسان أنه يستطيع الوصول بإمكاناته المادية إلى أبعد الحدود معتمدا على حوله وقوته، ثم يتوهّم مقاييس الصواب والخطأ من خلال مصالحه الدنيوية فقط: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦)﴾","vol":"4","page":320},{"text":"<span id=\"aya-6030\"></span>﴿بل يتوهّم أن ليس هنالك من مسؤولية وحساب في نهاية المطاف:\n﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6031\"></span>\n\n<span id=\"aya-6032\"></span>إذ عمي عن الحقيقة الواضحة في آيات الخلق حوله ولم يستعن بالله في طلب الهداية: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (٨ - ٩)\n\n<span id=\"aya-6033\"></span>بل فضّل الهوى على العقل مع أن الله تعالى بيّن له الصواب من الخطأ:\n﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-6034\"></span>\n\n<span id=\"aya-6035\"></span>فكان حريّا به تحمل التضحيات للوصول إلى الطريق السويّ: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ (١١ - ١٢)\n\n<span id=\"aya-6036\"></span>كالعمل على تحرير الآخرين من العبودية ومن التسلّط ومن الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-6037\"></span>\n\n<span id=\"aya-6038\"></span>\n\n<span id=\"aya-6039\"></span>ومكافحة المجاعة بإطعام اليتيم القريب أو المسكين الذي التصق بالتراب لشدة جوعه: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ (١٤ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-6040\"></span>وأن يجمع العمل الصالح إلى الإيمان والصبر على الشدائد ورحمة الآخرين والتواصي بها: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (١٧)\n\n<span id=\"aya-6041\"></span>حتى تكون عاقبته في الآخرة خيرا: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (١٨)\n\n<span id=\"aya-6042\"></span>\n\n<span id=\"aya-6043\"></span>أما المصرّون على الكفر فتذهب أعمالهم هباء: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (١٩ - ٢٠)، والميمنة والمشأمة أي اليمين والشمال، من اليمن والشؤم، وأصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم، كما أصحاب المشأمة المشائيم عليها.","vol":"4","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5796>سورة الشمس - ٩١ - مكية</span>\nنزلت في أوائل الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5797>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة البلد أنّ الله تعالى بيّن للإنسان طريق الخير من طريق الشر:\n﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠]، وحضّه على التضحية في سبيل عمل الخير: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ١١/ ٩٠]، وفي هذه السورة أن الله تعالى سوّى النفس الإنسانية في أحسن تقويم، غير أنّ بإمكان الإنسان بكسبه الدنيوي أن يختار الهبوط إلى حضيض الحيوانية أو السموّ إلى الخلق الرفيع: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [الشمس ٧/ ٩١ - ٨]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5798>محور السورة</span>\nأنه تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم وفطرة سليمة، وبيّن له معايير الباطل من الحق: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [٧/ ٩١ - ٨]، غير أن النفس الإنسانية بكسبها الدنيوي قد ترتفع إلى الخلق القويم والسمو الروحي أو تهبط إلى حضيض المادة والشهوانية والهوى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [٩/ ٩١ - ١٠].","vol":"4","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5799>النظم في السورة</span>\n﷽\nالآيات (١ - ١٠) تشير إلى ثنائية الخلق في كل مظاهره الفيزيائية والروحية الباهرة، في مقابل وحدانية الخالق ﷿، انظر آية [الذاريات ٤٩/ ٥١].\n\n<span id=\"aya-6044\"></span>﴿فهنالك الشمس والنور الوهّاج المنبعث منها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6045\"></span>والقمر يعكس ضوء الشمس: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6046\"></span>\n\n<span id=\"aya-6047\"></span>وتعاقب الليل والنهار على الأرض: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها * وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ (٣ - ٤)\n\n<span id=\"aya-6048\"></span>ونظام الأفلاك السماوية المذهل: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6049\"></span>ومعجزة خلق الأرض: ﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-6050\"></span>والنفس البشرية المذهلة أو شخصية الإنسان التي في منتهى الإعجاز مكوّنة من جسدها المادي ومن الروح التي تعطي الجسد الحياة دون أن يدرك كنهها، وحاجاتها المادية ودوافعها ومحفّزاتها وعواطفها وفكرها وما يدخل ضمن إدراكها من ظاهر الخلق وما يغيب عن إدراكها، فسوّاها تعالى لما خلقت لأجله:\n﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6051\"></span>فصار بإمكانها أن تهبط بأفعالها وفكرها إلى حضيض الحيوانية أو ترتفع لأعلا درجات الخلق القويم والسمو الروحي: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-6052\"></span>بحيث يدرك السعادة من حافظ على فطرته السليمة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩)﴾","vol":"4","page":323},{"text":"<span id=\"aya-6053\"></span>﴿ويتعس من دسّ نفسه في الفجور والرذائل وانغمس فيها: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-6054\"></span>ومثال ذلك أنّ الطغيان والكبرياء أدّى بثمود - من ضمن أقوام بائدة أخرى - إلى التكذيب بهذه الحقيقة: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-6055\"></span>فغلب على أفرادها الفجور وأخذتهم العزة بالإثم واتّبعوا أشقى أشقيائهم حتى صار لهم رائدا: ﴿إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-6056\"></span>وبلغ بهم الشر مبلغا أن منعوا مخلوقات الله السائبة - الناقة - من مورد الماء بالرغم من تحذير رسولهم صالح: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-6057\"></span>فكذّبوه وقتلوها إمعانا في التحدّي حتى جاءهم العقاب الدنيوي عاجلا غير آجل فسوّى أرضهم عاليها بسافلها: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-6058\"></span>ذلك أنهم استخفّوا بالرسالة وكفروا ولم يخف أحد منهم - وبالأخص أشقى أشقيائهم - عاقبة عمله: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾.","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5814>سورة الليل - ٩٢ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية، ورجّحوا أنها التاسعة في ترتيب النزول.\n\n<span data-type='title' id=toc-5815>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة الشمس المتقدمة أن الفلاح نتيجة مّن يزكّي نفسه باتباع سبيل الخير:\n﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١]، وتفصيله في هذه السورة قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل ٥/ ٩٢ - ٧]،\nوفي سورة الشمس أنّ الخيبة عاقبة من يدسّ نفسه في الشرور والآثام: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ١٠/ ٩١]، وتفصيله قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل ٨/ ٩٢ - ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-5816>محور السورة</span>\nشتّان ما بين سعي الإنسان للخير وسعيه للشر: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [٤/ ٩٢] وعواقب كلّ منهما، فقد هدى تعالى البشرية لمعايير الحق من الباطل: ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [١٢/ ٩٢]، وأن الدنيا والآخرة ليستا سوى مرحلتين من حياة واحدة لا تكتمل الأولى منهما إلاّ بأن تعقبها الآخرة: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ [١٣/ ٩٢]،","vol":"4","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5817>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6059\"></span>\n\n<span id=\"aya-6060\"></span>﴿كما في السورة السابقة، تشير الآيات (١ - ٣) إلى معجزات من ثنائية الخلق المشار إليها في آية [الذاريات ٤٩/ ٥١]، في مقابل وحدانية الله سبحانه، فهنالك الليل الذي يغشى الأرض، والنهار الذي ينيرها: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-6061\"></span>ومعجزة خلق الذكر والأنثى: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6062\"></span>وحتى تفاوت أهداف الإنسان ودوافعه ومساعيه نحو الخير أو الشر، أو الدنيا أو الآخرة، فشتّان ما بينهما: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-6063\"></span>وشتّان ما بين عواقب كلّ منها، فمن أنفق من ماله لوجه الله واجبا أو نفلا واتّقى كل ما لا ينبغي وجعل خشية الله نصب عينيه: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6064\"></span>وآمن بالخير المطلق الذي نزل به الوحي: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-6065\"></span>فيوفّقه تعالى لحياة السكينة والسلام الروحاني: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6066\"></span>وأمّا من أعمته المادة واللهاث وراء الدنيا والهوى والشهوات واعتقد بنفسه الاكتفاء والاستغناء عن الهدي الإلهي: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-6067\"></span>وكذّب بمعايير الحق والباطل واتّبع معايير وضعية من عنده: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-6068\"></span>فيخلّيه تعالى لنفسه يتخبط في الباطل ويكابد مشاق الحياة فيتعزز سلوكه بمكاسب دنيوية قصيرة الأمد ويعتاد عقله على الباطل فينغمس فيه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)﴾","vol":"4","page":326},{"text":"<span id=\"aya-6069\"></span>﴿حتى إذا وافت المنيّة أحدهم وتردّى في قبره لم يغن عنه ماله شيئا: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ (١١)\n\n<span id=\"aya-6070\"></span>وقد بيّن الله تعالى للناس طريق الهدى من الضلال فلا يجبرهم على أحدهما:\n﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ (١٢)\n\n<span id=\"aya-6071\"></span>وللإنسان اتخاذ طريقه في دنياه بمحض اختياره سوى أنه يتحمّل عواقب عمله إن عاجلا أو آجلا، فالدنيا والآخرة ليستا سوى مرحلتين لحياة واحدة:\n﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-6072\"></span>\n\n<span id=\"aya-6073\"></span>\n\n<span id=\"aya-6074\"></span>فتكون سوء العاقبة نتيجة طبيعية لمن اختار لنفسه الشقاء وكذّب بالأنبياء والوحي وأعرض عن الحقيقة: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى * لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (١٤ - ١٦)\n\n<span id=\"aya-6075\"></span>\n\n<span id=\"aya-6076\"></span>ويتقي سوء العاقبة من زكّى نفسه بالإنفاق من ماله واجبا ونفلا:\n﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ (١٧ - ١٨)\n\n<span id=\"aya-6077\"></span>\n\n<span id=\"aya-6078\"></span>\n\n<span id=\"aya-6079\"></span>إنفاقا ليس على سبيل المنّة ولكن ابتغاء رضوانه تعالى فقط: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ (١٩ - ٢١).","vol":"4","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5833>سورة الضحى - ٩٣ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية، ورجّحوا أنها الحادية عشرة في ترتيب النزول.\n\n<span data-type='title' id=toc-5834>الخلفية التاريخية</span>\nقالوا في مناسبة النزول أن الوحي احتبس عن النبي مدّة فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه، ولو كان رسولا لما احتبس عنه، فشكا النبي ﷺ مخاوفه لخديجة فقالت: كلاّ والذي بعثك بالحق ما ابتدأك الله بهذه الكرامة إلاّ وهو يريد أن يتمّها لك، وطعن الأصوليون في صحة الرواية - ذكره الرازي - وقالوا إنه لا يليق بالرسول ﷺ أن يظن احتباس الوحي عنه فهو يعلم أن عزل النبي عن النبوة غير جائز في حكمته تعالى، كما يعلم أن نزول الوحي يكون بحسب المصلحة،\nوبغضّ النظر عن صحة الرواية، وحتى لو قبلنا أن الخطاب موجه بالدرجة الأولى إلى النبي ﷺ، فلا يمنع أن تكون السورة ذات مغزى أوسع وأعمّ، لأنهم قالوا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون الخطاب عندئذ تثبيتا وطمأنة ليس فقط للدعاة في كل وقت، بل لكل مؤمن ومؤمنة في حالات البؤس والمشاق التي تعصف بكل إنسان في بعض مراحل حياته ولو كان طاهرا تقيا نقيّا، انظر آية [البلد ٤/ ٩٠]، حتى أن بعض المبتلين قد يصل به اليأس إلى التشكيك بالعدالة الإلهية، انظر آية [الفجر ١٦/ ٨٩].","vol":"4","page":328},{"text":"وفي السورة إشارة ليتم النبي ﷺ، فقد ولد بعد وفاة والده بشهور، ثم توفيت والدته وهو في السادسة من عمره.\n\n<span data-type='title' id=toc-5835>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن أكّدت سورة الليل المتقدمة فلاح من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى، وأن الله تعالى ييسّر شأنه إلى اليسر والسهولة: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل ٥/ ٩٢ - ٧]، تفصّل سورة الضحى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى ١/ ٩٣ - ٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-5836>محور السورة</span>\nأنه تعالى لا يترك عباده المؤمنين وقت الشدة: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ [٣/ ٩٣]، بل يعطيهم ما يرضي قلوبهم، ويؤويهم، ويهديهم من ضلالة، ويغنيهم من فقر، فوجب عليهم إكرام اليتيم والسائل، والتحدث بنعم الله الكثيرة لا بالبؤس والمعاناة ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [١١/ ٩٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-5837>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6080\"></span>\n\n<span id=\"aya-6081\"></span>يبدو أن تعبير الضحى - أو ساعات الصبح المشرق - يرمز إلى فترات السعادة القليلة المتباعدة في حياة الإنسان، بالمقارنة مع ساعات الليل الطويلة التي ترمز إلى فترات الأسى والمشقة التي تميز حياة الإنسان عامة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد ٤/ ٩٠]، والخطاب وإن كان أولا للنبي ﷺ فهو بالتالي لكلّ داعية، بل لكلّ مؤمن ومؤمنة: ﴿وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ (١ - ٢)","vol":"4","page":329},{"text":"أي كما ينجلي الليل بالضحى فلا بد للفرج أن يأتي بعد الشدة، إن في الدنيا أو في الآخرة، لأنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، انظر آية [الأنعام ١٢/ ٦].\n\n<span id=\"aya-6082\"></span>\n\n<span id=\"aya-6083\"></span>﴿فالله تعالى يرعى مصالح عباده ولا يتخلّى عنهم وقت الشدة: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ (٣ - ٤)\n\n<span id=\"aya-6084\"></span>وأنه تعالى يمنح عباده ما يرضيهم في الوقت المناسب بحسب الحكمة:\n﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6085\"></span>فقد أنعم على عباده بالمأوى، والعباد كلّهم يتامى بمعنى، يوم الولادة ويوم المعاد لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]، ومن هنا قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ (٦) ما ينطبق على الخلق جميعا،\n\n<span id=\"aya-6086\"></span>ثم بعث الأنبياء والرسل إلى الناس لهدايتهم من الضلال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6087\"></span>وقنّعهم وأغنى قلوبهم: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-6088\"></span>فوجب عليهم إكرام اليتيم: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ (٩)\n\n<span id=\"aya-6089\"></span>والانتهاء عن نهر السائل الذي يسأل المال، أو يطلب العلم: ﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ (١٠)\n\n<span id=\"aya-6090\"></span>وأن يتحدث الإنسان بنعمه تعالى عليه لا ببؤسه ومعاناته: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.","vol":"4","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5847>سورة الشرح - ٩٤ - مكية</span>\nنزلت بعد سورة الضحى.\n\n<span data-type='title' id=toc-5848>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nسورة الشرح استمرار واضح لسورة الضحى، فبعد أن أنعم تعالى على عباده بالهداية وبالنعم المادية، الآيات [الضحى ٥/ ٩٣ - ٨]، شرح صدرهم للقيام بمهام الدعوة، فوجب عليهم الاستفادة من وقتهم بما يفيد، الآيات [الشرح ٧/ ٩٤ - ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-5849>محور السورة</span>\nأنّ الله تعالى شرح صدر النبي ﷺ للقيام بمهام الدعوة والتغلب على مصاعبها حتى كان الإنجاز الهائل بانتشار الإسلام، وأن من سننه تعالى في المؤمنين أن لا يدوم عسر: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [٥/ ٩٤]، لذا من واجب المؤمنين الاستفادة من فراغهم بما يفيد دنياهم وآخرتهم: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [٧/ ٩٤ - ٨].","vol":"4","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5850>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6091\"></span>﴿شرح الله تعالى صدر النبي ﷺ للقيام بمهام النبوة، ومعنى شرح الصدر الإراحة من الهمّ والغمّ، والعرب تسمّي الغمّ والهمّ ضيق صدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر ٩٧/ ١٥]، حتى أنّ النبيّ احتمل أعباء الدعوة منشرح الصدر منشغلا بمهام التكليف متلهّفا على إسلام المعاندين من قومه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6092\"></span>\n\n<span id=\"aya-6093\"></span>فخفّف عنه تعالى عبء ختم النبوّات الهائل الذي يثقل ظهر العظماء:\n﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (٢ - ٣)\n\n<span id=\"aya-6094\"></span>فكان الإنجاز العظيم الذي قدّر للنبي ﷺ أن يحقّقه أعظم من منجزات الأنبياء من قبله مجتمعين: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-6095\"></span>\n\n<span id=\"aya-6096\"></span>وأنّ من سننه تعالى في عباده المؤمنين أن لا دوام للأوضاع الصعبة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٥ - ٦)\n\n<span id=\"aya-6097\"></span>\n\n<span id=\"aya-6098\"></span>فوجب على النبيّ ﷺ وبالتالي كل مسلم - أن يستفيد من فراغه بما يفيد دنياه وآخرته: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٧ - ٨)، والنصب:\nالتعب، فالقاعدة لكلّ مسلم أن لا يمضي فراغه من غير شغل مفيد، ولا يشتغل بما لا يعنيه ولا يفيده من سفه الرأي وتفاهة العقل واستيلاء الغفلة، بل يجتهد في العبادة ويرغب إلى الله في كل أموره فيجده عند الحاجة لأنه المهيمن على أمور عباده، وفي الحديث الشريف: \"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ\" رواه البخاري وغيره.","vol":"4","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5856>سورة التين - ٩٥ - مكية</span>\nنزلت خلال النصف الأول من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5857>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن بينت سورة الشرح المتقدمة أن الله تعالى شرح صدر نبيّه للقيام بمهام بعثته النبوية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١/ ٩٤]، وخفف عنه عبء ختم النبوات الهائل: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح ٢/ ٩٤ - ٣]، تبين سورة التين أن رسالة الإسلام استمرار لما سبقها من بعث الأنبياء والرسل:\n﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين ١/ ٩٥ - ٢]، كما تشير من طرف خفي إلى انتقال النبوة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ١/ ٩٥ - ٣] إشارة لمكة المكرمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5858>محور السورة</span>\nأنه تعالى هدى البشرية بنزول الرسالات السماوية عليها من خلال بعث الأنبياء والرسل، كما خلق الإنسان في أحسن تقويم جسمي ومعنوي، وفي أحسن فطرة، غير أنّ الإنسان من خلال حرية إرادته التي كرّمه بها تعالى يستطيع السمو إلى أعلا المراتب، أو الانحطاط إلى أسفلها.","vol":"4","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5859>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6099\"></span>\n\n<span id=\"aya-6100\"></span>﴿التين والزيتون إشارة إلى البلدان التي انتشرت فيها هاتان الشجرتان في شرق البحر الأبيض المتوسط منذ القدم، وهي البلدان التي تميزت ببعثات الأنبياء، من إبراهيم إلى موسى إلى عيسى ﵈، والإشارة إلى جبل الطور في سيناء حيث نزل الوحي على موسى، ثم كانت بعثة عيسى ﵇ في فلسطين، آخر أنبياء بني إسرائيل: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-6101\"></span>إلى أن نسخت ديانتيهما ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل في البلد الأمين مكة الذي جعله تعالى حرما آمنا: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6102\"></span>ثم تشير السورة إلى مغزى خلق الإنسان في أحسن تقويم فيزيائي ومعنوي بحيث يستطيع من خلال إرادته الحرة وباستفادته من الهدي السماوي أن يسمو روحيا إلى أعلا المراتب التي خلق لأجلها: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-6103\"></span>أو ينحط إلى الدرك الأسفل بإفساد فطرته السليمة التي فطر عليها باتباعه الشهوانية والحيوانية والشذوذ والإجرام: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ (٥)، كما يحتمل المعنى أيضا أن الإنسان يرتد في شيخوخته إلى أسفل سافلين جسديّا وعقليا لكي لا يعلم من بعد علم شيئا، انظر آية [الحج ٥/ ٢٢]،\n\n<span id=\"aya-6104\"></span>وفي المقابل يتمتع الذين آمنوا وأثبتوا إيمانهم بالعمل الصالح بأجر لا ينقطع ولا ينقص: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-6105\"></span>\n\n<span id=\"aya-6106\"></span>فأنّى للإنسان بعد ذلك أن يكذّب بالوحي وبالمعايير السامية التي نزل بها أو يشكك بمغزى الخلق والفطرة السليمة، فذاك معناه تكذيب بالقيامة والحساب والآخرة والعدالة الإلهية: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ (٧ - ٨).","vol":"4","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5866>سورة العلق - ٩٦ - مكية</span>\nالجمهور على أن الآيات (١ - ٥) من هذه السورة كانت أول ما نزل من الوحي، وابتدأ بها نزول القرآن الكريم في العشر الأخير من رمضان عام ١٣ قبل الهجرة (الموافق تموز - آب ٦١٠ م)، أما تتمة السورة، الآيات (٦ - ١٩)، فنزلت بعد ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-5867>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن ألمحت سورة التين لانتقال عبء رسالة التوحيد من بني إسحاق إلى بني إسماعيل بقوله تعالى: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ٣/ ٩٥]، تفتتح سورة العلق ببدء نزول الوحي على النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١/ ٩٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-5868>محور السورة</span>\nالأمر للنبي ﷺ وبالتالي لكل مسلم - أن يقرأ القرآن قراءة استيعاب وتعلّم واستعداد للدعوة: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [١/ ٩٦]، فقد كرّم الله تعالى الإنسان ورفعه من بويضة ملقحة - علقة - تافهة إلى شخصية ذات إمكانات فكرية وروحية متكاملة وزوّده بعلوم الدنيا ومن علوم الآخرة: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ﴾","vol":"4","page":335},{"text":"﴿الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [٤/ ٩٦ - ٥]، ومع ذلك فمنهم من يستكبر ويطغى، ويكتفي بنفسه ويظن أنه مستغن عن الوحي، وينكر الحساب والآخرة، ويدّعي \"العلمانية\" فليس عنده للدين أي دور في سلامة المجتمع، بل يتطاول على المؤمنين ويضطهدهم، فإن لم يقلع عن غيّه ولم يتب قبل الفوت تكون عاقبته الوخيمة نتيجة طبيعية لما كان عليه من ضلال في دنياه:\n﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [١٥/ ٩٦]، وما على المؤمنين في دنياهم سوى الثبات على دينهم والاقتراب من الله قولا وعملا: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ﴾ [١٩/ ٩٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-5869>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6107\"></span>﴿أمر جبريل ﵇ النبيّ ﷺ أن يقرأ القرآن قراءة استيعاب لكي يدعو الناس للإسلام، وأن تكون القراءة مفتتحة ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، أي قل بسم الله ثم اقرأ، وفيها دلالة على وجوب التسمية في ابتداء كل سورة، وقيل المعنى اقرأ القرآن مستعينا باسم ربّك خالق كل شيء: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6108\"></span>خلق الله الإنسان من بويضة ملقّحة، فشتّان ما بين البداية العضوية البسيطة المتواضعة للإنسان وبين ما يؤول إليه العلق من شخصية متكاملة ناضجة ذات امكانات فكرية وروحية هائلة، فأنّى يكون ذلك بالصدفة، بل الله الخالق المدبّر لحياة ذات معنى ومغزى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6109\"></span>ثم تكرار الأمر بالقراءة، وهو وإن كان بالدرجة الأولى للنبي ﷺ فإنه بالتالي للناس جميعا أن يقرؤوا القرآن الذي أكرم به تعالى بني آدم فيتعلمون منه ما لا يمكنهم التوصل إليه بمعارفهم الدنيوية المجردة: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6110\"></span>\n\n<span id=\"aya-6111\"></span>ثم جعل تعالى القلم الذي هو وسيلة الكتابة الأولى رمزا لحفظ علوم البشرية","vol":"4","page":336},{"text":"وتوثيقها وتوارثها وتوارث الخبرات عبر الأجيال حتى تصبح تراكمية تنتقل من ثقافة إلى أخرى ومن جيل لآخر فيتعلّم الإنسان ما لا يمكنه تحصيله بمفرده:\n﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٤ - ٥)، وفي كل ذلك عودة إلى الأمر بالقراءة في الآية الأولى: ﴿اِقْرَأْ﴾،\n\n<span id=\"aya-6112\"></span>\n\n<span id=\"aya-6113\"></span>﴿ومع ذلك ورغم تلك البداية المتواضعة لخلق الإنسان من علق، وما توصّل إليه من العلوم التي حباه تعالى بها من علوم دينية ودنيوية، فإنه يغتر بنفسه فتداخله الخيلاء والكبرياء بما توصل إليه من ثروة أو سلطان أو جاه أو إمكانات فيظن بنفسه الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الوحي الإلهي: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (٦ - ٧)\n\n<span id=\"aya-6114\"></span>بل يظنّ أن بإمكانه تسيير الأمور في دنياه بالمطلق، وفق هواه دون حساب ولا رقيب ولا مسؤولية أخلاقية تجاه سلطة عليا، غافلا عن يوم الحساب: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ (٨)\n\n<span id=\"aya-6115\"></span>\n\n<span id=\"aya-6116\"></span>\n\n<span id=\"aya-6117\"></span>\n\n<span id=\"aya-6118\"></span>بل يتمادى في اضطهاد غيره من المؤمنين وينكر للدين أي وظيفة مفيدة أو شرعية في تكوين المجتمع السليم، ولا يعير لعقيدة غيره أي تفكير أو احتمال أن يكون الطرف الآخر على الهدى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْدًا إِذا صَلّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى﴾ (٩ - ١٢)\n\n<span id=\"aya-6119\"></span>فهو يدّعي \"العلمانية\" ويتمسك بوهم أنّ الإنسان ليس بحاجة للهداية السماوية: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (١٣)\n\n<span id=\"aya-6120\"></span>بل يعتقد أن ليس من حساب أمام سلطة محيطة فوق البشر: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ (١٤)\n\n<span id=\"aya-6121\"></span>\n\n<span id=\"aya-6122\"></span>فإن هو أصرّ على غيّه بلا توبة كانت نهايته الحتمية نتيجة طبيعية لإصراره على الكذب على نفسه: ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾","vol":"4","page":337},{"text":"﴿خاطِئَةٍ﴾ (١٥ - ١٦) أي فليرتدع هذا الإنسان عن ضلاله وإلاّ نشدّه إلى جهنّم من شعر جبهته، والسفع الجذب بشدة،\n\n<span id=\"aya-6123\"></span>﴿فلا ينفعه حينئذ أعوانه ولا عشيرته الذين كانوا يؤيدونه على الباطل:\n﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ (١٧) إن كان منهم فائدة،\n\n<span id=\"aya-6124\"></span>بل الملائكة الموكلون بعذابه يأخذونه: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ (١٨) فلا يستطيع دفع العذاب عن نفسه وقد يأتيه عاجلا في الدنيا أو آجلا في الآخرة،\n\n<span id=\"aya-6125\"></span>والنتيجة أن على المسلمين أن ينبذوا كل أنواع الضغوط لحملهم على ترك صلاتهم أو لحرفهم عن الصواب، بل يثبتوا ويسجدوا ويقتربوا من الله تعالى بأقوالهم وأفعالهم: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ (١٩)﴾.","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5883>سورة القدر - ٩٧ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5884>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن افتتحت سورة العلق ببدء نزول الوحي على النبي ﷺ بقوله تعالى:\n﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١/ ٩٦]، تبين هذه السورة أن ابتداء نزول القرآن كان في ليلة القدر: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١/ ٩٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-5885>محور السورة</span>\nبدء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر وتشريف الإنسان بختم الرسالات:\n﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [٣/ ٩٧]، وحلول السلام الروحي في نفوس المؤمنين: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [٥/ ٩٧].","vol":"4","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5886>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6126\"></span>﴿بدء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) وضمير الغائب في ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ يعود للقرآن، فالقرآن يقال للآية وللسورة وللمصحف كلّه، والمعروف أن القرآن نزل منجّما أي مفرّقا على مدى ثلاثة وعشرين عاما هي بعثة النبي ﷺ، قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة ٧٥/ ٥٦]،\n\n<span id=\"aya-6127\"></span>والقدر والقدر أيضا بمعنى واحد: ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٢)، فهي الليلة التي قدّر فيها بدء نزول القرآن الكريم، خاتم الرسالات السماوية لبني آدم، وليلة القدر أيضا بمعنى ليلة العظمة والشرف بالنظر لعظمة الرسالة الجديدة وتشريف الإنسان بها،\n\n<span id=\"aya-6128\"></span>ويدلّ على ذلك قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٣) أي هي خير من ألف شهر ليس فيها ليلية قدر، والألف شهر بمعنى التكثير وليس بالضرورة ألف بالمفهوم البشري للزمن، أمّا إن كان المقصود من الشهر:\nالإشهار - كما يقولون في مصر عن الشهر العقاري - فإن إشهار القرآن على البشرية خير من ألف إشهار آخر غير مشتمل على القرآن،\n\n<span id=\"aya-6129\"></span>فقد تنزّلت الملائكة وفيها جبريل ﵇ بالوحي بإذن ربّهم، ليكون القرآن شاملا كلّ أمر يحتاجه الإنسان لدنياه وآخرته: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-6130\"></span>ففي ليلة القدر يتبدّد ظلام الجهل ويحلّ السلام الروحي في نفوس المؤمنين ويطهّرهم من وساوس السوء: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾.","vol":"4","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5892>سورة البيّنة - ٩٨ - مختلف في كونها مكية أم مدنية</span>\nاختلفوا في كونها من أواخر السور المكية أم من أوائل السور المدنية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5893>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة القدر بيان لبدء نزول القرآن الكريم على البشرية بما هو خير من ألف شهر أو إشهار أيّ رسالة أخرى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ٣/ ٩٧]، وفي هذه السورة أنّ من أهل الكتاب والمشركين من أصرّ على الإنكار، وأصمّ أذنيه، وأغلق عقله عن الحق حتى بعد نزول القرآن: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤/ ٩٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-5894>محور السورة</span>\nالله تعالى لم يكن ليترك أهل الكتاب والمشركين على ضلالهم بلا بعث الرسل إليهم وعرض الهداية عليهم، لقوله: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]، وقوله: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٦]، وقوله جلّ ثناؤه: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥/ ٩].","vol":"4","page":341},{"text":"فبعث لهم الأنبياء والرسل ثم ختم الرسالات ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل ﷺ إلى الناس كافة، ورغم ذلك بقي الكثير منهم على الكفر والجمود الفكري، وتفرقوا أحزابا وطوائف كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5895>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6131\"></span>﴿بحسب القاعدة القرآنية: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]، فإن الله تعالى لم يكن ليترك أهل الكتاب والمشركين هائمين في ضلالهم، أو يدينهم، قبل أن يبين لهم طريق الهداية بيانا لا لبس فيه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6132\"></span>\n\n<span id=\"aya-6133\"></span>فبعث لهم الرسل وختم ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل الذي بعث بالقرآن للناس عامة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢ - ٣)\n\n<span id=\"aya-6134\"></span>ولكن أهل الكتاب الذين انحرفوا عن رسالات أنبيائهم بشكل سافر: اليهود عن رسالة موسى، والمسيحية عن رسالة عيسى، ثم لما جاءهم النبي الأحمد المذكور بشارته في كتبهم أنكروه وتفرقوا طوائف وشيعا كثيرة كلّ حزب بما لديهم فرحون: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٤)، والبيّنة هي رسالة الإسلام بيّنت الحق من الباطل.\n\n<span id=\"aya-6135\"></span>فاختاروا الشرك والطقوس وعادات الوثنية على استقامة الحنيفية السمحة:\n﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6136\"></span>لذا يكون العذاب في الآخرة نتيجة طبيعية لإصرارهم على الكفر، لما في","vol":"4","page":342},{"text":"الكفر من ظلم للنفس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٦)\n\n<span id=\"aya-6137\"></span>﴿غير أن الكثيرين منهم دخلوا الإسلام طواعية بعد الفتوحات الإسلامية التي انتشرت من الأندلس إلى الصين، وحسن إسلامهم، ولا يزال اليوم يدخل الكثير منهم الإسلام في أنحاء العالم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6138\"></span>ممّا هو في صالح دنياهم وآخرتهم: ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ﵃﴾ ورضوا بما جزاهم من الثواب: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾.","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5903>سورة الزلزلة - ٩٩ - مختلف في كونها مكية أم مدنية</span>\nالمحتمل أنها نزلت في أوائل الفترة المدنية، مع قول البعض أنها من أواخر الفترة المكية\n\n<span data-type='title' id=toc-5904>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة البيّنة المتقدمة أنّ أهل الكتاب تفرقوا من بعد أن جاءتهم البينة:\n﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤/ ٩٨]، وفي هذه السورة أنهمّ يلاقون حسابهم في الآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-5905>محور السورة</span>\nيوم الحساب - المرموز له بزلزلة الأرض - ينقضي به العالم الظاهر الذي نعرفه ليحل محله عالم الغيب الذي تتحقق فيه العدالة وتظهر به الحقيقة المطلقة، يوم يحاسب الناس فرادى، فلا يفوت من حسابهم مثقال ذرّة من خير أو شرّ،","vol":"4","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5906>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6139\"></span>﴿الخطاب استمرار واضح لآخر سورة البينة لجهة الحساب يوم القيامة، يوم وقوع الزلزلة: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6140\"></span>عندما يخرج للحساب ما كان خفي في الأرض من أموات: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6141\"></span>ويذهل من بقي شاهدا على زلزلتها: ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6142\"></span>\n\n<span id=\"aya-6143\"></span>فتشهد يومئذ - بإيحائه تعالى لها - بكلّ ما جرى عليها منذ الخليقة، تشهد لكل فرد أو عليه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٤ - ٥)\n\n<span id=\"aya-6144\"></span>ويأتي الناس للحساب أشتاتا متفرقين يرى كلّ منهم عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (٦) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]،\n\n<span id=\"aya-6145\"></span>\n\n<span id=\"aya-6146\"></span>فلا يفوت من ميزان حسنات الفرد أو سيئاته مثقال ذرّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧ - ٨)","vol":"4","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5913>سورة العاديات - ١٠٠ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5914>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة الزلزلة أنه يوم القيامة لا يفوت من حساب الإنسان مثقال ذرة من خير أو شر: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩ - ٨]، وفي هذه السورة أن الفاسق غافل عن ذلك: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات ٩/ ١٠٠ - ١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-5915>محور السورة</span>\nاندفاع النفوس الشريرة نحو الفساد والإفساد: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا﴾ [١/ ١٠٠]، وعمايتها عن الحق: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [٤/ ١٠٠]، وأن الإنسان عندما يستسلم لشهواته يصبح جاحدا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [٦/ ١٠٠]، ويغفل عن الآخرة حيث لا يخفى من حسابه شيء: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [١١/ ١٠٠].","vol":"4","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5916>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6147\"></span>\n\n<span id=\"aya-6148\"></span>\n\n<span id=\"aya-6149\"></span>\n\n<span id=\"aya-6150\"></span>\n\n<span id=\"aya-6151\"></span>﴿قالوا إنّ الخمس آيات الأولى من السورة تشير إلى الخيل المغيرة وقت انبلاج الصبح، والشرر يقدح تحت حوافرها مثيرة الغبار - النقع - حتى تتوسط جمع العدوّ، وزعم آخرون أنها الإبل تسرع بالحجيج من عرفة إلى مزدلفة إلى منى فتتوسط جموع الحجاج: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِياتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ (١ - ٥)،\n\n<span id=\"aya-6152\"></span>وذكروا حججا واهية في الربط بين الآيات (١ - ٥) والآيات (٦ - ١١) من السورة، وحيث لا بد من وجود رابط قوي وتسلسل منطقي بين الآيات (٦ - ٨) وما قبلها، وما دامت الآيات (٦ - ٨) تدين الإنسان بأنه كفور متهالك على الدنيا، فعلينا أن نستنتج أن الآيات (١ - ٥) منسجمة مع هذه الإدانة وليست مديحا لما توهّموا أنهم حجيج أو مقاتلون في سبيل الله يغيرون على العدو، وقد رأى محمد أسد في العاديات ضبحا كناية عن النفس الإنسانية العاصية المنهمكة في اللحاق بأهداف شريرة وهي خلوّ من أي توجّه روحاني بسبب اختلاط الأمور عليها وكثرة الذنوب وهيمنة الشهوات والأنانية ومادية الدنيا، فتندفع بصورة عمياء إلى الفساد والإفساد لا يردعها ضمير ولا تعقّل، إذ أعماها غبار الجهل والشهوة فتعيث في الأرض فسادا، والسبب أن أصحاب هذه النفوس جاحدون فاسقون وهم المعنّيون بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٦) أي جاحد مستسلم لشهواته،\n\n<span id=\"aya-6153\"></span>وتشهد أعماله الشريرة على ضلاله وكفره: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6154\"></span>وهو بالنظر لماديته وتهالكه على الدنيا شديد الحب للمال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾","vol":"4","page":347},{"text":"<span id=\"aya-6155\"></span>\n\n<span id=\"aya-6156\"></span>\n\n<span id=\"aya-6157\"></span>ناسيا الآخرة والحساب والمسؤولية تجاه الخالق الذي لا يخفى عليه شيء:\n﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ (٩ - ١١).","vol":"4","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5922>سورة القارعة - ١٠١ - مكية</span>\nنزلت في وقت مبكر من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5923>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة العاديات أن ما يخفيه الإنسان في صدره - عن نفسه وعن الآخرين - يظهر يوم القيامة: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات ٩/ ١٠٠ - ١١]، وفي هذه السورة أنه يجزى بحسب ميزان حسناته وسيئاته: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة ٦/ ١٠١ - ٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-5924>محور السورة</span>\nتصف سورة القارعة جانبا من يوم القيامة حيث تتحقق موازين العدالة على أكمل وجه، فتكون الحياة الآخرة لكل فرد نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه من اتّباع الحق أو الباطل.","vol":"4","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5925>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6158\"></span>\n\n<span id=\"aya-6159\"></span>﴿اتفقوا أنّ القارعة اسم من أسماء القيامة: ﴿الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-6160\"></span>أما حقيقتها فمن أمور الغيب: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ (٣) أي لا علم للناس بكنهها،\n\n<span id=\"aya-6161\"></span>وقد شبّه تعالى الناس يومها بالفراش المنتشر لضعفهم وتهافتهم وذهاب جبروتهم الذي كانوا يظنونه في الدنيا: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-6162\"></span>وحتى الجبال التي تبدو لنا صلبة في ظاهرها تصبح كالصوف المنفوش، كناية عن ضعف المخلوقات في ذلك اليوم: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6163\"></span>\n\n<span id=\"aya-6164\"></span>يومها تتحقق موازين العدالة على أكمل وجه، فمن ثقلت موازينه بنتيجة اتّباعه الحق في دنياه: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ (٦) تكون معيشته في الآخرة راضية: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6165\"></span>\n\n<span id=\"aya-6166\"></span>وأما من خفّت موازينه - لأنّ الباطل خفيف لا قرار له، لقوله: ﴿إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء ٨١/ ١٧]- بنتيجة اتّباعه الباطل في دنياه: ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ (٨) فيهوي إلى أسفل سافلين في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ (٩) والاستعارة في كلمة الأم تعني أن الهاوية تحضنه كما تحضن الأم ابنها، كناية عن عذاب الآخرة،\n\n<span id=\"aya-6167\"></span>لقوله: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ (١٠) أي ما أدراك أيها الإنسان ما كنهها؟\n\n<span id=\"aya-6168\"></span>فلذلك كنّى تعالى عنها بنار حامية، وتنكير النار بحذف أل التعريف لكونها تمثيلا لما غاب عنّا من أمور الغيب بما نعرف من أمور الدنيا: ﴿نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾.","vol":"4","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5934>سورة التكاثر - ١٠٢ - مكية</span>\nنزلت في وقت مبكر من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5935>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهي استمرار لما قبلها لأن التكاثر غالبا ما يكون سمة الذين خفّت موازينهم،\n\n<span data-type='title' id=toc-5936>محور السورة</span>\nرأى محمد أسد أن هذه السورة تنبأت بما آل إليه الإنسان في عصرنا الحاضر من تكاثر وجشع أدّيا إلى تخريب البيئة على مستوى الكرة الأرضية، وبحيث أصبح \"النمو الاقتصادي\" مقياسا وحيدا لتقدم الأفراد والأمم ممّا جرّ الويلات على البيئة العالمية من الناحيتين الاجتماعية والطبيعية، والتكاثر ينطبق على الإنسان بشقيه الفردي والاجتماعي مما أفقد حياة الفرد والمجتمعات كل قيمها الأخلاقية والروحية: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ [التكاثر ٢/ ١٠٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-5937>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6169\"></span>التكاثر بذل الجهد للحصول على المزيد، وفي هذه الحالة هو تكاثر بالعدد والثروة والسلطة والجاه، فمنها ما هو ملموس ومنها ما هو وهم، فالإنسان","vol":"4","page":351},{"text":"ينهمك في زيادة النسل أو الجري وراء مادية الدنيا ووسائل الراحة ومزيد من التسلط على بني جنسه، بل هو منهمك بالتأثير في الطبيعة سلبا من خلال جهله، أو من خلال تقدمه الهائل في العلوم والتقانة وما يلحق الطبيعة بالتالي من تخريب وتلوث، مثل هذا الانهماك في التكاثر يلهي الإنسان عما سوى ذلك من الجوانب الروحية والأخلاقية في حياته: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6170\"></span>﴿حتى تنقضي حياته الدنيوية كلها على هذا النمط: ﴿حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ﴾ (٢) وقوله ﴿زُرْتُمُ﴾ لأن المقابر ليست مستقرا نهائيا إذ لا يلبث الأموات أن يغادروها إلى الحياة الآخرة،\n\n<span id=\"aya-6171\"></span>\n\n<span id=\"aya-6172\"></span>\n\n<span id=\"aya-6173\"></span>\n\n<span id=\"aya-6174\"></span>والنتيجة أن جري الفرد والمجتمعات وراء السعادة المادية الوهمية و\"النمو الاقتصادي\" المطلق بلا ضوابط ولا حدود ينتج عنه تفسخ البيئة والمجتمعات:\n﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٣ - ٦) فالجحيم المشار إليه قد يكون جحيم الدنيا قبل الآخرة ممّا نشاهده الآن من تفسخ القيم والمجتمعات والتلويث المتسارع للبيئة والأنهار والهواء وشح موارد المياه وتغير المناخ وذوبان الجليد في القطبين مما لم يسبق له مثيل،\n\n<span id=\"aya-6175\"></span>أما الجحيم الحقيقي فيراه في الآخرة - على وجه اليقين - الذين ألهاهم التكاثر في الدنيا: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (٧)\n\n<span id=\"aya-6176\"></span>فبنتيجة سوء استخدام نعم الحياة الدنيا يسبّب المكثرون لأنفسهم ما يستحقون من عذاب الآخرة: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.","vol":"4","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5943>سورة العصر - ١٠٣ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5944>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nفي سورة التكاثر أن الأكثرين يمضون حياتهم في التكاثر: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر ١/ ١٠٢]، وفي هذه السورة أنّهم رغم ذلك في حالة من الخسران الشديد: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١/ ١٠٣ - ٢]،\n\n<span data-type='title' id=toc-5945>محور السورة</span>\nكل يوم ينقضي من حياة المرء بلا عمل صالح خسارة محققة لا يمكن استعادتها، وفي الحديث: \"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ\" رواه البخاري وغيره،\n\n<span data-type='title' id=toc-5946>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6177\"></span>\n\n<span id=\"aya-6178\"></span>العصر غير الدهر كما ذكر الرازي، فالدهر يعني الزمن اللامتناهي بلا بداية ولا نهاية أي الزمن المطلق، أما العصر فهو الوقت الذي نقيسه بالسنين والشهور","vol":"4","page":353},{"text":"ينقضي من الأعمار فلا يمكن استعادة ما انقضى منه، فكل يوم ينقضي هو خسارة تهدم من عمر الإنسان لا تعود: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١ - ٢)\n\n<span id=\"aya-6179\"></span>﴿غير أنه يستثنى من ذلك المؤمنون الذين يستفيدون من الوقت في إنجاز الأعمال الصالحة: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فالإيمان ليس مجرد ترقّ في فكر الإنسان إن لم يتجاوزه إلى الانشغال في العمل الصالح ومن ذلك طلب العلم ونشره، والدعوة للإسلام بالقدوة الحسنة، والدفاع عن المؤمنين ضد الاضطهاد، ومساعدة الضعفاء والمستضعفين، والإنفاق في وجوه الخير، وإقام الصلاة، وغيره، وهكذا يصبح الإيمان ملاذا للفرد وإن تعرض للاضطهاد والأخطار والابتلاء، وكل ذلك يسلتزم الصبر وأن يحب المؤمن لغيره ما يحب لنفسه: ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.","vol":"4","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5949>سورة الهمزة - ١٠٤ - مكية</span>\nنزلت في وقت مبكر من الفترة المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5950>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nذكرت سورة العصر الخاسرين أعمارهم من الناس: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١/ ١٠٣ - ٢]، ثم تبين هذه السورة وجوها من هذه الخسارة كالنميمة وجمع المال لذاته: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة ١/ ١٠٤ - ٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-5951>محور السورة</span>\nتدين السورة الذين يمشون بين الناس بالنميمة، ويستنبطون عيوب الغير حقيقية كانت أم وهمية فيطعنون فيهم حسدا وحقدا، وينشغلون بتكديس المال فتستولي عليهم الغفلة وطول الأمل، وفي حين يظنّون أنهم يعدّون أنفسهم لنوائب الأيام فإنهم بالنتيجة يحطمون أنفسهم.","vol":"4","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5952>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6180\"></span>﴿تبدأ السورة بإدانة من ينشغل بإيقاع الأذى في الآخرين بتتبّع عيوبهم بالهمز واللمز - سواء كانت هذه العيوب حقيقية أم وهمية - ويمشي بين الناس بالنميمة، وقالوا الهمزة: المستغيب غيره الطاعن فيه بغير حق، والعائب له بما ليس بعيب، واللمزة: الذي يعيب جليسه بسوء لفظه، والأصل فيهما الطعن بالغير وإظهار العيب حقيقيا كان أم وهميا بنتيجة الحسد والحقد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6181\"></span>ومن صفات أمثال هؤلاء أن يكون ماديا متهالكا على جمع المال وتعداده أو يحسبه عدّة وذخيرة لنوائب الدهر: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6182\"></span>حتى يصبح تكديس المال عنده هدفا بذاته فيطول أمله وتزداد غفلته:\n﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6183\"></span>\n\n<span id=\"aya-6184\"></span>\n\n<span id=\"aya-6185\"></span>\n\n<span id=\"aya-6186\"></span>في حين أنه على النقيض مما يتوهم من طول الأمل والإعداد للمستقبل فإنه بالنتيجة يحطم كيانه: ﴿كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ * نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ (٤ - ٧)، قال الألوسي إنّ الخطاب على سبيل المجاز فالنار تطّلع على الأفئدة التي هي مقر الذنوب فتعلم ما فيها وتجازي كلاّ بحسب ما يقتضيه من العذاب،\n\n<span id=\"aya-6187\"></span>\n\n<span id=\"aya-6188\"></span>وقال هو كناية عن العذاب الروحاني الذي هو أشد أنواع العذاب: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ (٨)، أي مطبقة ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾، لا يستطيعون منها فكاكا.","vol":"4","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5958>سورة الفيل - ١٠٥ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-5959>الخلفية التاريخية</span>\nكان أبرهة الأشرم يحكم اليمن من قبل نجاشي الحبشة إذ كانت اليمن تابعة للحبشة، وقد أراد أبرهة - وكان ثملا بالسلطة متعصبا مهووسا بالمسيحية - أن يصرف أنظار العرب عن الكعبة وعن حجّهم إليها فبنى في صنعاء كنيسة مهيبة مؤمّلا أن يؤمها العرب بدلا من الكعبة، فلمّا فشل في تحقيق مبتغاه قرّر اجتياح مكة وهدم الكعبة بالقوة، وكان ذلك في العام ٥٧٠ م، فحشد جيشا كبيرا ضمّنه عددا من الفيلة كانوا يستخدمونها في الحروب ممّا أرهب العرب وقتئذ وأذهلهم، إذ لم يسبق لهم أن شاهدوا مثل هذه الوسائل \"الحربية\" حتى أنهم أطلقوا على ذلك العام اسم (عام الفيل)، غير أنه في النتيجة دمّر جيش أبرهة تدميرا تامّا، ومات أبرهة نفسه وهو في طريق عودته إلى اليمن، والحادثة من إرهاصات النبوة لأن مولده ﷺ كان في عام الفيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-5960>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهي استمرار لسورة الهمزة من حيث أنها تضرب مثلا بمن جمع مالا وعدّده، ويحسب أن ماله وسلطانه أخلده، مغترا بضلاله وبطول الأمل غافلا عن الحقيقة،","vol":"4","page":357},{"text":"وهو في هذه الحالة أبرهة الأشرم وأتباعه، وأمثالهم كثر في كل عصر، من أكابر القوم وأصاغرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-5961>محور السورة</span>\nإن كان الله تعالى يحمي بيته فمن باب أولى أنه يحمي دينه ليظهره على الدين كله، انظر آية [الصف ٩/ ٦١]، رغم تخاذل من يتخاذل لقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-5962>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6189\"></span>﴿تشير السورة إلى العاقبة الوخيمة التي انتهى إليها أصحاب الفيل، وهم أبرهة الأشرم وحاشيته وجيشه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ (١)\n\n<span id=\"aya-6190\"></span>والعبرة من القصة أنّ جبروتهم وتخطيطهم وكيدهم لم يفدهم شيئا بل كان في ضلال وضياع أدّى إلى دمارهم: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6191\"></span>\n\n<span id=\"aya-6192\"></span>\n\n<span id=\"aya-6193\"></span>﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٣ - ٥) واختلفوا في تفسير الطير الأبابيل التي رمت جيش أبرهة بحجارة من سجّيل فأفنته عن آخره، حين كان أهالي مكة مختبئين في الجبال دون مقاومة منهم للغزاة، وليس من شك أنّ ما حدث كان معجزة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ويوم تلا الرسول هذه السورة على أهل مكة حوالي السنة الثالثة من البعثة كان فيهم الكثير ممّن شهدوا تلك الواقعة إذ لم يكد ينصرم حتى مبعث الرسول سوى نيف وأربعين عاما، فلم يعارضه أحد منهم على كثرة كفار مكة ممّن كانوا يتشوقون لتكذيبه.\nوبما أنه لا يوجد في القرآن الكريم أو الحديث الصحيح ما يؤيد ما ذهب إليه","vol":"4","page":358},{"text":"المفسرون من تفصيل عن الطير الأبابيل والحجارة من سجّيل فلنا أن نعتقد أن الطير الأبابيل أي المتفرقة قد تكون طيورا أو حشرات طائرة نقلت إلى جيش أبرهة وباء من الأوبئة كمرض الحصبة - أو الحصباء - فهي بهذا المعنى تحصبهم أي ترميهم بحجارة من سجّيل - من السجلّ - أي بما كتبه الله تعالى عليهم منذ الأزل من العقاب والفناء حتى جعلهم كعصف مأكول، والعصف: التبن إذ تعصف به الريح فتفرّقه عن الحبّ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ [الرحمن ١٢/ ٥٥]، والتبن إذا كان مأكولا فقد بطل ولا رجعة فيه ولا منعة، والعصف أيضا ورق الزرع الجاف يبقى على الأرض بعد الحصاد فتعصف به الريح وتأكله المواشي فيخرج منها روثا متفرقا، وهكذا يكون تشبيه فلول جيش أبرهة بالعصف المأكول من بلاغة القرآن وآدابه في نفس الوقت، دون التطرق إلى التفصيل.","vol":"4","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5966>سورة قريش - ١٠٦ - مكية</span>\nنزلت في أوائل الفترة المكية بعد سورة التين.\n\n<span data-type='title' id=toc-5967>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nهي استمرار واضح لسورة الفيل المتقدّمة بأنه تعالى جعل البيت حرما آمنا وجعل أصحاب الفيل كعصف مأكول: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٣/ ١٠٥ - ٥]، من أجل إيلاف قريش: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش ١/ ١٠٦]، إذ جعل ذلك لهم إلفا يألفونه في ما اعتادوا عليه في مكة من الاستقرار الأمني والاقتصادي.\n\n<span data-type='title' id=toc-5968>محور السورة</span>\nجعل الله تعالى لقريش حرما آمنا في حين يتخطّف الناس من حولهم، وجعل الناس في حالة إلف معهم في رحلتي تجارتهم إلى الشام وإلى اليمن لتأمين مورد رزقهم ومعاشهم، فحقّ عليهم شكر نعمه تعالى بعبادته، كما حقّ عليهم حمل رسالة الإسلام التي شرفّهم تعالى بها وبمبعث النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل بين ظهرانيهم.","vol":"4","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5969>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6194\"></span>﴿الخطاب مستمر من ختام السورة السابقة بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل ٥/ ١٠٥]، إلى بداية هذه السورة بقوله: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ (١) أي إنه تعالى جعل أبرهة وجيشه كعصف مأكول من أجل إيلاف قريش،\n\n<span id=\"aya-6195\"></span>لكي ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم، في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فلا يجترئ عليهم في طريقهم أحد، ويألفهم الناس لما اشتهروا به أنهم أهل حرم الله وولاة بيته: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6196\"></span>فحقّ عليهم أن يعبدوا الله تعالى الذي جعل لهم حرما آمنا: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6197\"></span>الذي هيأ لهم فرص التجارة الآمنة مع الشام واليمن انطلاقا من بركة البيت فصارت مصدر رزقهم ومعاشهم: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.","vol":"4","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5974>سورة الماعون - ١٠٧ - مختلف في كونها مكية أم مدنية</span>\nالجمهور على أنها مكية، وقيل مدنية، وقيل نصفها مكي ونصفها مدني، فالآيات (١ - ٣) نزلت في أوائل الفترة المكية، والآيات (٤ - ٧) مدنية،\n\n<span data-type='title' id=toc-5975>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن ضرب تعالى مثلا بقصة أصحاب الفيل، وما جعله لقريش بين الناس من إيلاف، وتشريف قريش بمبعث النبي الأحمد فيها - وقد ولد بعام الفيل - فكيف يليق بها وبأمثالها التكذيب بيوم الدين، يوم القيامة والحساب، الآيات (١ - ٣)، أما تتمة السورة فنزلت في منافقي المدينة، وفي المنافقين في كل مكان وزمان لأنهم يصلّون نفاقا ورياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-5976>محور السورة</span>\nأساس الفضائل: الإيمان بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الخالق، أما من ينكر البعث والحساب فلا يبالي أن يرتكب الشرور ويؤذي الضعفاء ويمنع المعروف:\n﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [٢/ ١٠٧ - ٣]، ثمّ هنالك من يدّعي الإيمان بالآخرة فيؤدّي الصلاة نفاقا ورياء: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [٤/ ١٠٧ - ٥].","vol":"4","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5977>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6198\"></span>﴿الخطاب لكل عاقل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (١)، والمقصود بالدين:\nالقيامة والحساب وهو أحد معانيه، ومنه الحديث: \"كما تدين تدان\"، فيكون المعنى أرأيت الذي يكذّب بالحساب والجزاء؟ لأن الأصل في الشرور إنكار الحساب، وقد يأتي بالأفعال الحميدة حتى من ينكر الإسلام إذا كان مقرّا بالقيامة والحساب،\n\n<span id=\"aya-6199\"></span>ثم بيّن تعالى - على سبيل المثال - صفتين من صفات الذي يكذّب بالدين، الأولى أنه يدفع اليتيم بعنف وجفاء عن حقه وماله، أو يعنّفه ولا يعينه: ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (٢) وهذه الصفة من باب الفعل،\n\n<span id=\"aya-6200\"></span>أما الصفة الثانية فهي من باب الإهمال والترك إذ يترك الحض على طعام المسكين: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣) أي لا هو يطعمه ولا يحض غيره على إطعامه، وقوله ﴿طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ إشارة لأنّ ذلك الطعام حقّ للمسكين فلا يجوز الامتنان به، والخلاصة أنّ السورة تجعل تكذيب المرء بالقيامة والحساب سببا لإقدامه على إيذاء الضعيف ومنع المعروف،\n\n<span id=\"aya-6202\"></span>ثمّ إن من ينكر القيامة والحساب قد يؤدي الصلاة نفاقا ورياء: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٤) أي المنافقين منهم الذين يؤذون الضعفاء ويمنعون المعروف:\n﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6203\"></span>\n\n<span id=\"aya-6204\"></span>لأنّ صلاتهم لا تأمرهم بالمعروف ولا تنهاهم عن المنكر: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ * وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ (٦ - ٧) فليس فقط أنهم يصلّون رئاء الناس، بل إنهم لخسّتهم ولؤمهم يمنعون أقل قدر من المعونة عن الغير، والفرق بين المنافق والمرائي أن المنافق يظهر الإيمان ويبطن الكفر، والمرائي يظهر ما ليس في قلبه من خشوع ليعتقد من يراه أنه متديّن.","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5983>سورة الكوثر - ١٠٨ - مكية وقيل مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-5984>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nقال الرازي إنّ سورة الكوثر كالمقابلة لسورة الماعون المتقدّمة، لأنه في سورة الماعون وصف الذي ينكر الآخرة والجزاء بالبخل بقوله: ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون ٢/ ١٠٧ - ٣]، وفي مقابل ذلك قوله تعالى في سورة الكوثر: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١/ ١٠٨] أي إنّا أعطيناك الكثير فأعط أنت الكثير ولا تبخل.\nوفي سورة الماعون وصف ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون ٥/ ١٠٧] بأنهم يصّلون رئاء الناس: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ [الماعون ٦/ ١٠٧]، وفي مقابل ذلك قوله في سورة الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي لتكن صلاتك خالصة لله دون مراءاة.\nوفي سورة الماعون وصف المنافقين من المصلّين أنهم يمنعون الماعون أي يمنعون أقل قدر من المعونة للغير: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ﴾ [الماعون ٧/ ١٠٧]، وفي مقابل ذلك قوله تعالى في سورة الكوثر: ﴿وَاِنْحَرْ﴾ [الكوثر ٢/ ١٠٨] أي انحر الأضاحي وتصدّق بها، ثم ختم السورة: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣/ ١٠٨] أي من يبغضك ويأتي بتلك الأفعال الذميمة لن يبقى من دنياه ولا لآخرته أي","vol":"4","page":364},{"text":"أثر حميد وذلك معنى الأبتر، وأما أنت فيبقى لك الذكر الجميل في الدنيا والثواب في الآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-5985>محور السورة</span>\nالله تعالى أنعم على النبي ﷺ وعلى عباده بالخير الكثير، وعلى رأس ذلك نعمة القرآن، وعلى المؤمنين بنعمة الإسلام، فوجب عليهم الصلاة وتحمل التضحيات، حتى تكون العاقبة لهم وللإسلام، وينقطع دابر الكفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5986>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6205\"></span>﴿الخطاب وإن كان في الأصل للنبي ﷺ فهو بالتالي لكل مؤمن ومؤمنة: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) أي أعطيناك الخير الكثير في الدين بنعمة القرآن والإسلام، ومن نعم الدنيا ما لا يحصى، فلا تغتر بمال الكفار ولا تتوصل إلى حلول وسط في العقيدة معهم، فالآية وعد للنبي وللمؤمنين بالنصرة والحفظ وأن يصير أمرهم إلى الازدياد والمنعة،\n\n<span id=\"aya-6206\"></span>فأمرهم بالصلاة والتضحية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ﴾ (٢) أي لتكن صلاتك خالصة لله، بخلاف صلاة الكفار الذين يصلّون لغير الله وينحرون القرابين لغير الله وللأوثان،\n\n<span id=\"aya-6207\"></span>ولما كانت صلاة المؤمنين وعزة الإسلام تبعث الغيظ والحسد والبغضاء لدى الكفار أضاف قوله: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ والشنآن البغض والشانيء المبغض، والمعنى إن مبغضك مقطوع دابره، وقد تحقق ذلك بالفعل في صدر الإسلام بهزيمة أعدائه في جزيرة العرب وانتشاره بالقدوة الحسنة في مشارق الأرض ومغاربها، وهو يتحقق دوما على قاعدة: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧].","vol":"4","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5990>سورة الكافرون - ١٠٩ - مكية</span>\n<span data-type='title' id=toc-5991>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن أنعم تعالى على عباده بالخير الكثير: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١/ ١٠٨]، والخير المطلق هو الوحي أو القرآن، وأنعم على المؤمنين بنعمة الإسلام، ووعدهم بقطع دابر مبغضيهم: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣/ ١٠٨]، تبيّن هذه السورة أن لا مجال للحلول الوسط مع الكفار في مجال العقيدة: ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ [الكافرون ٤/ ١٠٩]،\nكما أنّ بداية هذه السورة بقوله: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون ١/ ١٠٩ - ٢]، ذات استمرارية مع آخر آية من سورة الكوثر:\n﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣/ ١٠٨]، فهي بمثابة جواب على مبغضي الإسلام الذين يظنون أنّ بإمكانهم القضاء عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-5992>محور السورة</span>\nفي حين لا مجال للحلول الوسط مع الكفار في شؤون العقيدة الإسلامية، فإنه لا مبرر لاضطهاد الآخرين بسبب عقائدهم، فحساب الجميع على الله وليس على العباد: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [٦/ ١٠٩].","vol":"4","page":366},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5993>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6208\"></span>\n\n<span id=\"aya-6209\"></span>﴿أمر تعالى الرسول ﷺ وبالتالي كل مسلم بالرفض الحاسم لأي تسوية مع الكفار في شؤون العقيدة: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ (١) الذين تكفرون بالله أو بالتوحيد: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (٢) من الآلهة أو الشركاء أو الوسطاء المزعومين أو الأوثان،\n\n<span id=\"aya-6210\"></span>وبالمقابل فإنّ الكفار لا يؤمنون بالإسلام ما تمسّكوا بالقيم الزائفة التي تحجب الحقيقة عنهم: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6211\"></span>كما يستحيل على المسلم أن يرتد عن دينه، لا حاضرا ولا مستقبلا، كما يظنّون ويعملون من خلال بعثاتهم التبشيرية: ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ (٤)\n\n<span id=\"aya-6212\"></span>وليس من احتمال في دخولهم الإسلام ما استمرّوا في إخفاء الحقيقة عن أنفسهم: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ (٥)\n\n<span id=\"aya-6213\"></span>غير أن هذه الحال ليست مبررا لاضطهاد الآخرين بسبب عقيدتهم، فما على الرسول والمؤمنين سوى البلاغ، أما الحساب فهو على الله وحده: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.","vol":"4","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5999>سورة النصر - ١١٠ - مدنية</span>\nإذا اعتبرنا المقصود بالفتح فتح مكة، فإن الفتح تم في رمضان سنة ثمان للهجرة،\nوللناس في وقت نزول هذه السورة قولان: أحدهما أنّ هذه السورة نزلت بعد الفتح، سنة عشر خلال حجة الوداع، والقول الثاني: أن السورة نزلت قبل فتح مكة لأن قوله: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١/ ١١٠] يقتضي الاستقبال فتكون السورة من جملة معجزات القرآن الكريم في الإخبار عن الغيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-6000>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن ختمت السورة السابقة بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦/ ١٠٩] بمعنى أن لا إكراه في الدين وحساب الجميع على الله، افتتحت هذه السورة بقوله: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١/ ١١٠] فهي بشارة بأن النصر سيكون للإسلام، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣٣/ ٩].","vol":"4","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6001>محور السورة</span>\nالسورة بشارة للمسلمين بفتح مكة ودخول أهالي جزيرة العرب في الإسلام، وإذا أخذنا العبرة من عموم اللفظ لا من خصوص السبب فهي بشارة بانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وأن ذلك يكون موجبا لتواضع المسلم وتسبيح الله وحمده واستغفاره، مع التوبة من الذنوب: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [٣/ ١١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-6002>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6214\"></span>﴿الآية الأولى تشير إلى عون الله لرسوله وللمؤمنين بفتح مكة في رمضان من سنة ثمان للهجرة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) وقالوا إن فتح مكة هو فتح الفتوح، وإذا اعتبرنا قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فتكون الآية بشارة للمسلمين في كل زمن بالنصر والفتح على قاعدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧]،\n\n<span id=\"aya-6215\"></span>وقد دخل أهالي جزيرة العرب بعد فتح مكة في الإسلام أفواجا: ﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا﴾ (٢)، وفي (مسند أحمد) عن النبي ﷺ أنه قال:\n\"ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزّا يعزّ به الإسلام، وذلاّ يذلّ به الكفر\"،\n\n<span id=\"aya-6216\"></span>غير أن انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها على هذا النحو لا ينبغي أن يدفع المسلم إلى الخيلاء والإعجاب بالنفس والتكبر، بل عليه التمسك بالتواضع والتسبيح وحمد الله على نعمائه والاستغفار من الذنوب والتوبة:\n﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا (٣)﴾، وقوله ﴿تَوّابًا﴾ أي يقبل التوبة من عباده لأنّ الاستغفار إنّما ينفع إذا كان مع التوبة.","vol":"4","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6006>سورة المسد - ١١١ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية، وهي السادسة في ترتيب النزول.\n\n<span data-type='title' id=toc-6007>الخلفية التاريخية</span>\nأبو لهب عم الرسول ﷺ واسمه عبد العزّى ابن عبد المطّلب، وكان يكنّى أبو لهب قبل الإسلام، لتلهّب وجنتيه وإشراقهما، وامرأته أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، عمّة معاوية، كان أبو لهب وامرأته من ألد أعداء النبي ﷺ، عداوة منبثقة من الكبرياء والتكبّر بالثروة والجاه، وكراهية ما جاءت به دعوة الإسلام من التوحيد ونبذ الأوثان والمساواة بين الناس، وفي (البخاري ومسلم) أنّ النبي ﷺ صعد الصفا مرّة في مكة وجعل ينادي الناس ليدعوهم إلى الإسلام فاجتمعوا إليه فلما سمع أبو لهب مقالته قال له: تبّا لك ألهذا جمعتنا، فنزلت السورة، وهي الوحيدة في القرآن الكريم التي تسمّي أحدا من أعداء الإسلام بالاسم، وفيها إخبار بالغيب، لأن الغالبية من كفار قريش دخلوا الإسلام في نهاية المطاف، والسورة من إعجاز القرآن إذ تفيد أنّ أبا لهب لا يؤمن البتّة، وقد بقي مصرّا على كفره حتى مات قهرا ومرضا في مكة بعد وقعة بدر ببضعة أيام.","vol":"4","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6008>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد البشارة في السورة السابقة بنصر الإسلام والمسلمين تفيد هذه السورة أن أمر المصرّين على الكفر - كما كان أمر أبي لهب - سائر إلى تباب لا محالة، والتباب الهلاك، وهذه المجانسة بين السورتين من إعجاز القرآن لأن سورة النصر مدنية من أواخر ما نزل من السور بالمدينة وسورة أبي لهب من أوائل ما نزل بمكة، بل السادسة في ترتيب النزول، لنعلم أن ترتيب السور من الله تعالى وبأمره ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-6009>محور السورة</span>\nأنّ مقاومة الإسلام عديمة الجدوى، ومن يقم بها ينته مع جهوده إلى تباب لا محالة.\n\n<span data-type='title' id=toc-6010>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6217\"></span>﴿اليدان في اللغة كناية عن السلطة والنفوذ، والتباب الهلاك، ومنه قوله تعالى:\n﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) أي أنّ سلطة ونفوذ أبي لهب سائران إلى تباب لا محالة،\n\n<span id=\"aya-6218\"></span>فلا تفيده ثروته ولا ما كسبه من عمله الخبيث الذي ظنّ أنه منه على شيء:\n﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6219\"></span>بل سيلقى وبال أمره: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ (٣)، وفي الآية تجانس \"ذات لهب\" مع \"أبي لهب\" لفظا ومعنى،\n\n<span id=\"aya-6220\"></span>أما امرأته أم جميل فقد كانت تمشي بالنميمة: ﴿وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ ويقال لمن يمشي بها أنه يحمل الحطب بين الناس أي يوقد بينهم العداوة","vol":"4","page":371},{"text":"والبغضاء ويؤجج الشرور، وقالوا أيضا المعنى على الحقيقة فقد كانت تجمع أغصان الشوك فتطرحها ليلا في طريقه ﵊،\n\n<span id=\"aya-6221\"></span>﴿ويحتمل المعنى أنّ ما حملت من الآثام في عداوتها للنبي كالحطب في تصييرها إلى عذاب النار:\n﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ أي في عنقها حبل مفتول كالذي كانت تجمع به حزم الشوك، وقيل على المجاز إنه حبل عبوديتها للشر.","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6016>سورة الإخلاص - ١١٢ - مكية</span>\nمن أوائل السور المكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-6017>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nارتباط السورة بما قبلها من القرآن المجيد أنها تختصر العقيدة القرآنية في وصف الله تعالى وعلاقة الخلق به.\n\n<span data-type='title' id=toc-6018>محور السورة</span>\nمحورها التوحيد، وهي سورة الإخلاص لأن الإخلاص متعلق بالتوحيد، وقد ذكر الزمخشري أنها تسمى أيضا (سورة الأساس) لاشتمالها على أصول الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-6019>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6222\"></span>﴿تبدأ السورة بالأمر بالإقرار بشهادة التوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ وفي تفسير \"من وحي القرآن\" عن تفسير الميزان: \"إن الأحد إنما يطلق على ما لا يقبل الكثرة لا خارجا ولا ذهنا، ولذلك لا يقبل العدّ ولا يدخل في العدد، بخلاف الواحد، فإنّ كل واحد له ثان وثالث إمّا خارجا وإمّا ذهنا، بتوهّم أو","vol":"4","page":373},{"text":"بفرض العقل، فيصير بانضمامه كثيرا، وأمّا الأحد فكلّما فرض له ثان كان هو هو لم يزد عليه شيء.\"\n\n<span id=\"aya-6223\"></span>﴿الله الصمد: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) أي السيّد المطلق المقصود في كلّ الحوائج، يحتاج إليه الخلق في كل أمورهم فيقصدونه بها ولا يقصدون غيره إلاّ من حيث إنه أداة من أدواته ووسيلة من وسائله، لأنه الخالق لهم والمدبّر لهم والمهيمن على الأمر والوجود كله،\n\n<span id=\"aya-6224\"></span>ذكر الرازي عن الحسن البصري قوله: هو الذي لم يزل ولا يزال ولا يجوز عليه الزوال، كان ولا مكان، ولا أين ولا أوان، ولا عرش ولا كرسي، وهو الآن كما كان: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) فهو الأزليّ الذي لم يسبقه العدم، ولم يسبقه وجود آخر، الغنيّ في ذاته، العليّ عن التجزئة،\n\n<span id=\"aya-6225\"></span>وهو الأحد المتفرّد بكل شيء لا مثيل له في صفاته الإلهية ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.","vol":"4","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6024>سورة الفلق - ١١٣ - مختلف في كونها مكية أو مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-6025>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nبعد أن أوضح القرآن الكريم مقاييس الحق والباطل والفرق بينهما بما لا يقبل اللبس، ومنه تسمية القرآن فرقانا، وجب الاستعاذة بالله تعالى الذي أنزل الفرقان على عبده، واللجوء إليه والاعتصام به من شرور الجهل والظلمات والانحراف، وشرور اليأس والقنوط، ومن شرور المخلوقات.\n\n<span data-type='title' id=toc-6026>محور السورة</span>\nاللجوء إليه تعالى والاعتصام به من شرور الظلمات والجهل والشك، ومن شرور المخلوقات والغاسق والساحر والحاسد.\n\n<span data-type='title' id=toc-6027>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6226\"></span>الفلق الانشقاق، كانشقاق الحب والنوى عن النبات، وعن الحياة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام ٩٥/ ٦]، والفلق الفجر لأنه","vol":"4","page":375},{"text":"ينشق عن ظلمة الليل كما في قوله: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، وهو على الحقيقة والمجاز، إذ هو أيضا انفلاق الفجر الروحاني على الباحث عن نور الحقيقة كما في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ١٢٢/ ٦] وقد شبّه تعالى الكافر بالميت، وانفلاق فجر الهداية عليه بالإحياء، فتكون الاستعاذة برب الفلق كمن يبحث عن الحقيقة ونور المعرفة، وكمن يهتدي بها بعد فترة من الحيرة والشك والترقّب:\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١)، والاستعاذة بمعنى اللجوء إليه تعالى والاعتصام به.\n\n<span id=\"aya-6227\"></span>﴿ولذا وجب الاستعاذة من شر إبليس، ومن كل شر في الدنيا والآخرة: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ (٢)\n\n<span id=\"aya-6228\"></span>والاستعاذة من شر الغسق، وهو أول ظلام الليل إذا خيّم ظلامه، وتنكيره بمعنى أن ليس كل غاسق ذا شر، وهو أيضا على الحقيقة والمجاز، فتكون الاستعاذة مجازا من شر اليأس والقنوط والقلق والجحود والكفر: ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ (٣)\n\n<span id=\"aya-6229\"></span>والاستعاذة من كل مساعي الشر التي قد يلجأ إليها الآخرون مستعينين بطرق غيبية، بغض النظر عن الاعتقاد بفعالية تلك المساعي من عدمه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾، وعبارة النفاثات في العقد إشارة لما كان بعض السحرة يقومون به من ربط الخيط عقدا والنفث فيها، وفي آية البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠٢/ ٢] ما يدل أن الساحر يأثم ويرتدّ عليه مسعاه بالسوء.","vol":"4","page":376},{"text":"<span id=\"aya-6230\"></span>﴿كما وجب الاستعاذة من شرور مساعي الحسّاد، لأن الحاسد الذي تشتد رغبته لإزالة نعمة الغير يجتهد في مساعي قد تكون سببا للفساد ولأضرار اجتماعية وأخلاقية: ﴿وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾، رغم أن مساعي الحاسد قد يرتد ضررها عليه، وفي قول أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: \"لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله\".","vol":"4","page":377},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6033>سورة الناس - ١١٤ - مختلف في كونها مكية ام مدنية</span>\n<span data-type='title' id=toc-6034>ارتباط السورة بما قبلها</span>\nركّزت سورة الفلق المتقدمة على الاستعاذة من شرور خارجية كظلام الجهل والشك، ومن شرور المخلوقات ومن شر الغاسق والساحر والحاسد، ثم تكمل سورة الناس بالاستعاذة من شرور الوساوس من داخل النفس.\n\n<span data-type='title' id=toc-6035>محور السورة</span>\nالاستعاذة من وسواس النفس الناتج من وساوس الجن والإنس، ما يجعل المرء في حيرة بين الصواب والخطأ، والحق والباطل.\n\n<span data-type='title' id=toc-6036>النظم في السورة</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-6231\"></span>\n\n<span id=\"aya-6232\"></span>\n\n<span id=\"aya-6233\"></span>وجوب اللجوء إليه تعالى والاعتصام به، من حيث إنه رب الناس ومتولي أمورهم، وهو أيضا ملكهم الحقيقي، وإلههم الأحد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ * مَلِكِ النّاسِ * إِلهِ النّاسِ﴾ (١ - ٣)","vol":"4","page":378},{"text":"<span id=\"aya-6234\"></span>\n\n<span id=\"aya-6235\"></span>\n\n<span id=\"aya-6236\"></span>فوجب اللجوء إليه من شرور وساوس النفس التي تظهر وتختفي - تخنس - فتزيّن الشر للمرء وتجعله في حيرة من أمره، حتى تختلط عليه الأمور في الفارق بين الصواب والخطأ، فتزيّن له الحق باطلا والباطل حقا، وحتى يصاب بعمى القلب تحت تأثير شهواته وشهوانيته، وتحت تأثير القيم الزائفة التي قد يكون متمسكا بها، وبتأثير التقليد الذي توارثه من أقرانه وآبائه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ (٤ - ٦)،\nوفي سورة الأنعام إشارة لشياطين الإنس والجن: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢/ ٦].","vol":"4","page":379}]}