{"ً":{"ٌ":30073,"ٍ":"اليوم الآخر أحداث وعبر","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30073/yomkhr.pdf"]},"ّ":"الكتاب: اليوم الآخر أحداث وعبر\nالمؤلف: إيمان بنت عبد اللطيف كردي\nالناشر: مكتبة دار الزمان للنشر والتوزيع - المدينة المنورة\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nعدد الصفحات: ١٣٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2907,"ٕ":24,"ٖ":1781462465,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أسماء يوم القيامة","level":1,"page":5},{"title":"كيف يقومون؟","level":1,"page":16},{"title":"إلى أين يذهبون؟","level":1,"page":21},{"title":"والحشر يكون لجميع الخلائق","level":1,"page":22},{"title":"كيف يكون حالهم عند قيامهم؟","level":1,"page":24},{"title":"من يستقبلهم؟","level":1,"page":37},{"title":"كيف نشرب؟","level":1,"page":42},{"title":"ما هو مصدر الماء؟ ومن أين ينبع؟","level":1,"page":48},{"title":"مميزات الشرب","level":1,"page":49},{"title":"موانع الشرب؟","level":1,"page":51},{"title":"كيف يعرف الرسول ﷺ أمته؟","level":1,"page":56},{"title":"ماذا بعد الحوض؟","level":1,"page":57},{"title":"وفي الموقف","level":1,"page":61},{"title":"الحرارة شديدة!! فهل من مظلات؟","level":1,"page":63},{"title":"الشفاعة العظمى","level":1,"page":65},{"title":"قصاص الخلائق","level":1,"page":68},{"title":"تطاير الصحف","level":1,"page":71},{"title":"أعمالك حجة لك أو عليك","level":1,"page":73},{"title":"﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾","level":1,"page":76},{"title":"عن ماذا يسألهم؟","level":1,"page":78},{"title":"الميزان","level":1,"page":82},{"title":"صفة الميزان","level":2,"page":83},{"title":"ماذا يوضع في الميزان؟","level":2,"page":85},{"title":"ولنا عند الميزان وقفة","level":2,"page":89},{"title":"لا توزن أعمالهم","level":2,"page":93},{"title":"ويبدأ الجزاء","level":1,"page":97},{"title":"الصراط","level":1,"page":100},{"title":"إيمانك هو كشافك","level":1,"page":103},{"title":"شفاعة النبي ﷺ لأمته عند الصراط","level":1,"page":105},{"title":"وماذا بعد الصراط؟","level":1,"page":110},{"title":"شفاعة رب العالمين","level":1,"page":113},{"title":"أصحاب الأعراف","level":1,"page":115},{"title":"القنطرة","level":1,"page":120},{"title":"وبعد التطهير الروحي يأتي التطهير الجسدي","level":1,"page":122},{"title":"الموت للموت","level":1,"page":126},{"title":"ثبت المراجع","level":1,"page":128}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132},"ٜ":{"1":[4,135]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"16":[3],"21":[4],"22":[5],"24":[6],"37":[7],"42":[8],"48":[9],"49":[10],"51":[11],"56":[12],"57":[13],"61":[14],"63":[15],"65":[16],"68":[17],"71":[18],"73":[19],"76":[20],"78":[21],"82":[22],"83":[23],"85":[24],"89":[25],"93":[26],"97":[27],"100":[28],"103":[29],"105":[30],"110":[31],"113":[32],"115":[33],"120":[34],"122":[35],"126":[36],"128":[37]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثا﴾\n[النساء: ٨٧]","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمدُ لله الذي خلقَنا فسوَّانا، وبشرعه الحنيف امتحن طاعتنا وتقوانا، وجعلَ لنا أجَلًا لا ريبَ فيه لتُجزَى كلُّ نفسٍ بما عمِلتْ ويزيدَ المحسنين مِنْ فضلِه بِرًا وإحسانًا. وأصلِّي وأسلِّم على الرحمةِ الْمُهداة، وصاحبِ المقامِ المحمودِ والشفاعةِ العُظمى ومَن اهتدَى بِهُداه، وسار على نهجه واقتفاه، إلى يوم الدين .. آمين.\nوبعد .. فإنَّ إلهنا العظيم ربّ السمواتِ والأرضِ وما فيهنَّ هو الذي خلقَنا وإليه مَآلُنا ومرجِعُنا .. فيا ابنَ آدمَ اعملْ ما شئتَ فإنَّك موقوفٌ بين يديْه غدًا، طوْعًا أو كَرهًا، وعملُك معروضٌ عليه لا محالة، فيا لسعادة الفائزين ويا لتعاسة الجاحدين.\nوقد قضى اللهُ أمرًا كان مفعولًا .. أمرًا لا مَردَّ له .. وهو أن يَخلقَ هذا الإنسانَ ويجعلَ حياتَه خالدةً دائمةً، وأنْ يجعلَ حياتَه مُقسَّمةً إلى مراحلَ أربعةٍ ينتقلُ فيها من حالٍ إلى حالٍ ومن مرحلةٍ إلى أخرى.\nفالمرحلةُ الأولى: هي الحياةُ الدنيا وهي دارُ الابتلاءِ والامتحانِ والعملِ.","vol":"1","page":5},{"text":"المرحلةُ الثانية: دارُ البرزخِ والانتظارِ يمكثُ فيها العبدُ مُنعَّمًا أو معذَّبًا، متنقلًا بين قبرِه ومآلِه إلى أنْ تَنتهيَ الحياةُ من هذه الأرضِ.\nالمرحلةُ الثالثة: هي إعادةُ الحياةِ لجميعِ الخلائقِ للوقوفِ للحسابِ واستيفاءِ الحقوقِ.\nالمرحلةُ الرابعة: وهي دارُ الجزاءِ ومرحلةُ الاستقرارِ في الجنةِ أو النارِ عياذًا بالله.\nوإن القرآن الكريم والسنة المطهرة لم يغادرا شاردة ولا واردة عن هذا اليوم العظيم إلا بيناها وأجلياها، وكشفا عن كثير من ملامح ذلك اليوم العبوس وقسماته.\nوهذا البحث محاولة للجمع بين الأصلين العظيمين لرسم صورة شاملة مركبة الأجزاء عما سيكون فيه من أهوال عظام، وأحداث جِسام. قمت بترتيبها على هذا النحو وفق الرؤية العامة لجميع الأحداث، وهناك خلاف بين العلماء في تقديم وتأخير بعضها عن بعض والعلم أولًا وآخرًا عند الله تعالى.\nوقد سبقني في الكتابة عن اليوم الآخر علماء أفاضل، فلا أدعي أنني جئت بجديد ولكنه جُهدٌ متواضع يربط الحدث مع العبرة في أسلوب مختصر مبسّط لنمثّل لأنفسنا، ونستبق الأحداث، ونضع الخطط، ونعقد العزم على توقّي شرور ذلك اليوم وكرباته، ونحوز من الله على رحمته ونفحاته.","vol":"1","page":6},{"text":"ولا يخلو عمل العبد من خطأ أو نقصان فما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان، وما أصبْت فيه فمن فضل الله المنّان.\n\nإيمان كردي\nغرة صفر ١٤٢٨ هـ\nالموافق ١٨ فبراير ٢٠٠٧ م","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>أسماء يوم القيامة</span>\nهذا اليومُ الرهيبُ الْمُفزِعُ الذي يَشِيبُ له الوليدُ وتَذهَلُ المُرضِعةُ عن مولودِها أخبرَ عنه اللهُ تعالى بأسماءٍ عدةٍ في القرآنِ الكريمِ، وكثرةُ الأسماءِ دلالةٌ على عِظَمِ المُسمَّى، وأشهرُ هذه الأسماءِ:\n١ - يومُ القيامةِ: سُمِّيَ بذلك لطولِ قيامِ الخلْقِ فيه بين يدَيِ ربِّ العالمين. قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥].\n٢ - يومُ البعثِ: سُمِّيَ بذلك لبعثِ الموْتَى فيه من القبورِ، قال ﷻ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦].\n٣ - يومُ الدينِ: أي يومُ الجزاءِ واستيفاءِ الحقوقِ. قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢].\n٤ - يومُ الفصلِ: لأنَّ اللهَ تعالى يَفصلُ فيه بين أهل الجنة وأهل النار ويفصل في الحكم والقضاء بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، ويُظهر حال كل أحد كما هو فلا يبقى في حاله ريبة ولا شبهة فتنفصل الخيالات والشبهات وتبقى الحقائق والبينات (^١).\n_________\n(^١) انظر التفسير الكبير ج ٢٧/ ص ٢١٤.","vol":"1","page":8},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠].\n٥ - اليومُ الآخرُ: لأنه آخرُ الأيامِ فلا يومَ بعدَه، قال جَلَّ مِنْ قائلٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].\n٦ - الدار الآخرة: لأنها آخر المنازل فلا انتقال عنها ألبتّة إلى دار أخرى قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢].\n٧ - يومُ الخروجِ: لخروجِ الخلائقِ من القبورِ للحسابِ. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢].\n٨ - يومُ الخلودِ: لأنَّ الناسَ بعده مآلُهم إلى الخلودِ الدائم حيث يُقال: يا أهلَ الجنةِ خلودٌ فلا موتَ ويا أهلَ النارِ خلودٌ فلا موتَ. ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣٤].\n٩ - يومُ الحسرةِ: قيل له يوم الحسرة لشدة ندم الكفار فيه على ما كان منهم من التفريط ولأنهم حين يرون بيوتهم في الجنة وما أبدلهم الله بها من بيوت في النار، تأخذهم الحسرة والندامة. وقد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم من التقصير ففي الحديث «ما من ساعة تمر بابن آدم، لم يذكر الله فيها إلا حَسِر عليها يوم القيامة» (^١) وقال الحسن: (تعرض\n_________\n(^١) حسنه الألباني في صحيح الجامع.","vol":"1","page":9},{"text":"على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره فأي ساعة لم يحدث فيها خيرًا تتقطّع نفسه عليها حسرات) (^١).\nقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].\n١٠ - يومُ الحسابِ: سُمِّيَ بذلك لأنَّ الله يُحصِي فيه أعمالَ الخلائقِ ويُحاسِبُهم عليها، ويُعدِّدُ نِعَمَه عليهم، فيومئذٍ يظهرُ الكافرُ من الشاكرِ قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣].\n١١ - يومُ الجمعِ: سُمِّيَ بذلك لأنَّ اللهَ تعالى يجمعُ فيه الخلائقَ أولهم وآخرهم على صعيد واحد في أرضِ المحشَرِ للحسابِ. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩].\n١٢ - يومُ الآزفةِ: سُمِّيَ بالآزفةِ أي القريبةُ وذلك لاقترابِها وقرب وقوعها قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧].\n١٣ - يومُ الوَعيدِ: سُمِّيَ بذلك لتحقُّقِ ما توعّدَ اللهُ به العصاة من عذاب. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠].\n١٤ - يومُ التَّنادِ: سُمِّيَ بذلك لكثرةِ ما يكونُ فيه من نداءٍ فكلٌّ ينادَى باسمِه للحسابِ، وأصحابُ الجنةِ يُنادُون أصحابَ النارِ أنْ هل وجدتُّم ما وعدَ ربُّكم حقًا. وأصحابُ النارِ يُنادُون أصحابَ الجنةِ أنْ أفيضُوا علينا من الماءِ أو مِمَّا رزَقَكم اللهُ. وأصحابُ الأعرافِ يُنادون،\n_________\n(^١) التبصرة ج ١ ص ٣٣١.","vol":"1","page":10},{"text":"ويُنادى على كل أمة بإمامِهم. قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢].\n١٥ - يومُ التلاقِ: سُمِّيَ بذلك لأنه يومٌ يلتقي فيه المخلوق بالخالق، وأهلُ السماوات بأهلِ الأرضِ، والأوَّلون بالآخِرين، والظالِمُ بالمظلومِ، قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].\n١٦ - يومُ التغابُنِ: مِنْ الغَبْنِ وهو فَوْتُ الحظِّ والتقصيرُ في نيْلِه ففيه يَغبِنُ المؤمنُ نفسَه بتقصيرِه في الإحسانِ وفواتِ حظِّه من الرِّفعةِ، ويُغبَنُ كلُّ كافرٍ بتركِه الإيمانَ وفواتِ حظِّه من الجنة قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩].\n١٧ - الساعة: سُميت بذلك لقربِ وقوعها ولأنَّها تأتي بغتةً فتفجأ الناس في ساعةٍ لا يعلمها إلا الله ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧].\n١٨ - القارعة: سُميت بذلك لأنَّها تَقرَعُ القلوبَ بأهوالِها. قال ﷿: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤].\n١٩ - الطامَّة الكبرى: الطامَّةُ عند العربِ هي الدَّاهيةُ ومُصيبةُ المصائبِ لأنَّها تطُمُّ كلَّ شيءٍ بهولِها قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤].","vol":"1","page":11},{"text":"٢٠ - الغاشية: سُميتْ بذلك لأنَّها تغشَى الناسَ بهوْلِها وفزَعِها قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].\n٢١ - الصاخَّة: سُميت بذلك لأنها تَصُخُّ الآذانَ وتصُمُّها بصوتِها المفزعِ وهو النفخُ في الصورِ قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣].\n٢٢ - الحاقة: سُميتْ بذلك لأنَّها أحَقَّتْ لكلِّ عاملٍ عملَه قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ ١ مَا الْحَاقَّةُ ٢ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ٣﴾ [الحاقة: ١ - ٣].\n٢٣ - الواقعة: سُميت بذلك لتحقُّقِ وقوعِها قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥].\n* * *\nهذا اليومُ مليءٌ بالأحداثِ الْمُفزِعةِ، والأمورِ المرعبةِ، ففيه يكون النفخُ في الصورِ، والقيامُ للنشورِ، والحوضُ والميزانُ، وتطايرُ الصحفِ، والشفاعةُ والصراطُ، والقنطرة .. وطوله خمسون ألفَ سنةٍ.\nويبدأُ هذا اليومُ مع نهايةِ آخرِ يومٍ من أيامِ الدنيا ويكونُ يومَ جمُعة (^١) حيث تقوم القيامةُ على شرارِ الخلقِ الذين لا خيرَ فيهم حيث لا يبقَى\n_________\n(^١) قال ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أُدخل الجنّة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». رواه مسلم باب فضل يوم الجمعة، ورقمه ٨٥٤.","vol":"1","page":12},{"text":"إلا لُكَعٌ ابنُ لُكَعٍ ليس فيهم مَنْ يقولُ (الله). هؤلاء (^١) هم الذين تقومُ عليهم زلزلةُ الساعةِ فالمؤمنونَ يُميتُهم الله من قبلُ بريحٍ خفيفةٍ تأخذُهم كالزكامِ.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ١ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ٢﴾ [الحج: ١ - ٢] فعليهم يُنْفَخُ في الصورِ النفخةُ الأولى وهم لاهون يتكلمون ويختصمون في أمور دنياهم ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ٤٩ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ٥٠﴾ [يس: ٤٩ - ٥٠]\nففي الحديث:\n«لا تقومُ الساعةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مَغربِها، فإذا طلعتْ فرآها الناسُ آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفعُ نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنتْ من قبلُ أو كسبتْ في إيمانِها خيرًا، ولَتَقومَنَّ الساعةُ وقد نَشرَ الرَّجلان ثوبَهما بينهما فلا يتبايعانِه ولا يطويانِه ولَتقومنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بلبن لقْحتِه فلا يَطعَمُه ولَتقومنَّ الساعة وهو يُليطُ حوضَه فلا يسقي فيه ولَتقومَنَّ الساعةُ وقد رَفع أكْلتَه إلى فيه فلا يَطعَمُها» (^٢).\n_________\n(^١) للحديث «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» صحيح الجامع وقال الألباني صحيح.\n(^٢) صحيح البخاري، باب طلوع الشمس من مغربها، ورقمه ٦١٤١.","vol":"1","page":13},{"text":"هذه النفخةُ تدمِّرُ كلَّ شيء على رؤوسِهم وتَهزُّ الأرضَ من تحتِ أقدامِهم؛ فالأرضُ تتزلزلُ والبحارُ تهيجُ وتشتعلُ وتتفجّرُ، والسماءُ تمور وتتشققُ ويذهبُ لونُ الزرقةِ الصافيةِ فتتلونُ إلى صفراءَ وحمراءَ وتتناثر النجومُ، والخلْقُ من هولِ الأحداثِ يفزعون ومِن عِظم صوتِ النفخةِ يُصعقون ويُصمُّون. فهذه النفخةُ نفخةُ فزَعٍ ثُم إماتةٍ للأحياءِ (إلاَّ مَنْ شاء الله) قال العلماءُ هم سكانُ الجنةِ من حُورٍ وغِلمانٍ وسكانُ النارِ من عقاربَ وحيّاتٍ لأنهم خُلقوا للبقاءِ لا للفناءِ واختلفوا في كبارِ الملائكةِ. وهي كذلك نفخةُ صعقٍ للأرواحِ فالأرواحُ لا تموتُ بل تُصعَق وذاك كالإغماءِ، والدليل كما ذكر ابن القيم ﵀ قول النبيّ ﷺ: «فأنا أولُ من يُفيقُ» فإنه لم يقلْ أول من يحيا فالإفاقةُ إنما تكون من إغماءٍ وغَشيةٍ وليست من موت. فالموتُ لا يكون إلا مرةً واحدةً وذلك عند انفصالِ الروحِ عن الجسدِ قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].","vol":"1","page":14},{"text":"ما هو الصور؟ ومن هو النافخ فيه؟\nالصورُ فهو قرْنٌ عظيمٌ كهيئة البُوق ورَد في بعض الأحاديثِ الضعيفةِ أنَّ أعظم دارةٍ فيه كعرض السمواتِ والأرضِ أي أنّ مُحيطه كعرض السموات والأرض، وأنه مخلوقٌ من لؤلؤٍ في صفاءِ الزجاجة (^١).\nوالنافخُ فيه إسرافيلُ ﵇ أحدُ كبارِ الملائكةِ وحَمَلةِ العرشِ، قد مرقتْ قدماه الأرضَ السفلى وأحدُ زوايا العرش على كاهلِه، هذا الملَكُ العظيمُ هو الذي نزلَ على رسولِ الله ﷺ وخيّرَه في أن يكون نبيًا عبدًا أو نبيًا ملِكًا فأشار إليه جبريلُ ﵇ أنْ تواضعْ فاختار أن يكون نبيًا عبدًا (^٢).\nوقال ﷺ: «إن طَرْف صاحبِ الصورِ منذ وُكّلَ به مستعدٌ ينظرُ نحو العرشِ مخافةَ أنْ يُؤمر قبل أن يرتدَّ إليه طرْفُه كأن عينيه كوكبان دُرِّيان» (^٣).\nبعد هذه النفخة يعمُّ السكونُ أرجاءَ الكونِ ويمكثُ العالَمُ على تلك الحال أربعين.\n_________\n(^١) انظر فتح الباري ج ١١/ ص ٣٦٧.\n(^٢) فتح الباري، باب ذكر الملائكة، ج ٦/ ص ٣٠٨.\n(^٣) الصحيحة ٣/ ١٠٧٨.","vol":"1","page":15},{"text":"ففي الحديث الصحيح «ما بين النفختين أربعون» (^١) لا ندري أربعون يومًا أم شهرًا أم سنة.\nثم ينادي الربُّ جلَّ وعلا: (لِمَنْ الملكُ اليومَ) فلا يُجيبُه أحدٌ فيجيبُ نفسَه ﷿ فيقول سبحانه (للهِ الواحدِ القهارِ) (^٢). وفي الحديث «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» (^٣).\nبعد ذلك يأمرُ الله جميعَ الأشلاءِ والأعضاءِ بالعودةِ إلى أجسادِها، فينادي منادٍ: (أيتُها العظامُ النَّخِرةُ والجلودُ المتمزقةُ والأشعارُ المتقطِّعةُ إنَّ اللهَ يأمرُكنَّ أنْ تجتمعنَ لفصلِ القضاءِ).\nفتعودُ كلُّ شعرةٍ وكلُّ عضو وكلُّ مفصل وكلُّ عظمة إلى صاحبِها واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ٣ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ٤﴾ [ق: ٣ - ٤] فيجمع ما نقص من أبدانهم وعظامهم وأشعارهم ليعود كل جسد بعينه يوم القيامة (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري ورقمه ٣٥٣٦.\n(^٢) انظر تفسير ابن كثير ج ٤/ ص ٦٤.\n(^٣) صححه الألباني في صحيح الجامع.\n(^٤) انظر تفسير الآية لابن كثير.","vol":"1","page":16},{"text":"ثم يُنْزل اللهُ تعالى ماءً من السماءِ فتَنبت الأجسادُ داخلَ قبورِها (^١) من جديد من عظمة صغيرة أسفل سلسلة الظهر تسمى عجب الذنب (^٢) فتتماسكُ وتكتملُ ففي الحديث: «ثم ينزل الله مطرًا كأنه الطلّ فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» (^٣)\nفبعد اكتمال الأجساد ليومِ النشورِ تَعقُبها النفخةُ الثانيةُ نفخةُ البعثِ والقيامِ:\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ٦ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ٧﴾ [النازعات: ٦ - ٧].\nفالنفخةُ الثانيةُ نفخةُ إحياءٍ وبعثٍ، قال بعض العلماء منهم البيهقي وابن القيم بأنَّ الأرواحَ كلَّها تُجمعُ في الصورِ فإذا نُفِخَ النفخةُ الثانيةُ\n_________\n(^١) المصدر السابق ص ٢٣١. وقال ابن القيم: (ما قد علم بالضرورة أن رسول الله ﷺ جاء به وأخبر به الأمة أنه تنبت أجسادهم في القبور فإذا نفخ في الصور رجعت كل روح إلى جسدها فدخلت فيه فانشقت الأرض عنه فقام من قبره) الروح ج ١/ ص ١٨٥.\n(^٢) «… ثُمَّ يُنْزِلُ الله من السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ الْبَقْلُ ليس من الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إلا يَبْلَى إلا عَظْمًا وَاحِدًا وهو عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يوم الْقِيَامَةِ» صحيح البخاري ج ٤/ ص ١٨٨١، ورقمه ٤٦٥١.\n(^٣) رواه مسلم في صحيحه برقم ٢٩٤٠ وفيه شك الراوي الطل أم الظل.","vol":"1","page":17},{"text":"خرجتْ الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض (^١)، فتذهب كلُّ روحٍ إلى جسدِها فيقومون جميعًا لربِّ العالمين.\nفإذا قاموا تكون أجسادهم أشدَّ قوّةً وصلابة وذلك لتحمُّل ما سيواجهون من أهوال. ويبيّضُ للمؤمنِ في وجهِه ويزادُ في نَضرتِه بحسب صلاحِه ويسوّدُ وجهُ الكافر ويزْرقُّ ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]. وتعلوه الغبَرةُ والقتامةُ بحسب جُرمِه ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١].\n_________\n(^١) الروح، ج ١، ١٨٥. ولم نجد سندا لهذا القول","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>كيف يقومون؟</span>\nوهنا يا ابنَ آدم قدِّمْ لنفسِك فإمَّا التكريمُ والحفاوةُ وإما الذِّلةُ والمهانةُ:\nوأولُ من ينشقُّ عنه القبر هو سيد الخلق محمد ﷺ وربما الأنبياءُ من بعده - ثم أبو بكرٍ وعمرُ ثم أهلُ البقيع فيُحشَرون مع الرسول ﷺ ثم أهل مكة (^١) ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤].\nويقوم الناسُ إلى أرض المحشرِ على ثلاثة أحوال:\n١) الصنف الأول: وهم صنفان ظالِمٌ كافرٌ وظالِمٌ موحِّدٌ، فالكفرةُ يقومون من قبورِهم وجوهُهم زرقاءُ مغبرّةٌ يعلوها العارُ والمذلةُ فزِعون مرعوبون قد بلغ بهم القلق والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله، يتناجون\n_________\n(^١) قال رسول الله ﷺ «أول من تنشق عنه الأرض أنا ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فتنشق عنهم فأبعث بينهم» رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج ٣/ ص ٧٢ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي رواية (أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبوبكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة حتى يحشروا بين الحرمين) ضعفه الأرناؤوط في صحيح ابن حبان برقم ٦٨٩٩.","vol":"1","page":19},{"text":"بينهم ويتخافتون في قصر مدة الدنيا وسرعة الآخرة فيقول بعضهم ما لبثتم إلا عشرة أيام ويقول بعضهم غير ذلك والله يعلم تخافتهم ويسمع ما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة أي أعدلهم وأقربهم إلى التقدير إن لبثتم إلا يومًا والمقصود منه الندم العظيم إذ كيف ضيّعوا الأوقات القصيرة وقطعوها ساهين لاهين معرضين عما ينفعهم مقبلين على ما يضرهم فها قد حضر الجزاء وحق الوعيد فلم يبق إلا الندم والدعاء بالويل والثبور (^١)، وإنهم ليتساءلون من هول الفاجعة يقولون ﴿مَن بَعَثَنَا مِنْ مَّرْقَدِنَا …﴾ ثم يردّون على أنفسِهم ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] لأنهم ساعتئذٍ يكونون قد عرفوا وظهرَ لهم الحقُّ الذي كانوا يُنكرون فيؤمنون حيث لا ينفعُ الإيمانُ، أو أنَّهم يسمعون ذلك الردَّ من الملائكةِ الشهودِ عليهم.\nفإذا قاموا وجدوا أنفسَهم لا يستطيعون المشيَ على الأقدامِ .. ولا على الأيدي .. ولا على الأرجلِ ولا كما يفعل الحيوانُ، بل ولا يستطيعون البقاءَ في قبورِهم إن عجزوا عن المشيِ، بل يجدون أنفسَهم مدفوعين للقيامِ يمشون على وجوهِهم عُميًا لا يروْن طريقَهم، وصُمًّا لا يسمعون تحذيرًا وتنبيهًا، وبُكمًا ليس لهم القدرةُ على الكلامِ والعياذ بالله تعالى.\n﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقا﴾ [طه: ١٠٢].\n_________\n(^١) انظر تفسير السعدي ج ١/ ص ٥١٣.","vol":"1","page":20},{"text":"﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١﴾ [عبس: ٤٠: ٤١].\n﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧].\nأما الظالم الموحِّدُ فقد قيل إنَّ مَنْ قال لا إله إلا الله لا ينتكسُ على وجهِه وقيل بل يُحشَر مثلَهم لأنَّه عرف الحقَّ ثم أعرض عنه ففي الحديث «مُدمنُ الخمرِ إنْ مات لقيَ الله كعابدِ وثنٍ» (^١) ولكنْ من سجدَ لله سجدةً قد لا ينتكسُ، وكيف ينتكس وقد ورد تكريمُ الله له في النارِ فيأمرُها ألاَّ تَمَسَّ مواضعَ السجودِ كما ثبتَ في الحديث (^٢) والله أعلم.\n٢) الصنفُ الثاني: وهم أهلُ اليمينِ يَمشون على أرجلِهم.\n٣) الصنفُ الثالث: وهم فئةُ الرُّكبان لا يمشون بل يُحمَلون على النجائبِ وهي نُوقُ الجنةِ البيضُ عليها رِحالُ الذهبِ.\nإننا لنلمسُ مثلَ هذه المفاضلةِ بين الناسِ في الدنيا ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١]. ففي الدنيا نجد الفئةَ المميَّزةَ هي فئةُ الأغنياءِ وأصحابِ المنصبِ والجاهِ فلهم عالَمٌ خاصّ .. لا يتساوَوْن فيه مع بقيةِ البشرِ؛ ففي المطاراتِ نجدُ لهم حجوزاتٍ خاصةً وغرفَ استقبالٍ تليقُ\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد، وقد ذكره الألباني بلفظ «مدمن الخمر كعابد وثن» وصححه في صحيح الجامع.\n(^٢) انظر الحديث في صحيح ابن ماجة للألباني ورقمه ٥١. وانظر فتح الباري ج ١١ ص ٣٤٠ باب من جاهد نفسه في طاعة الله.","vol":"1","page":21},{"text":"بأمثالِهم، وفي الفنادقِ لهم أجنحةٌ مميَّزةٌ، وفي البنوكِ ترى الناسَ يزدحمون ويقفون صفوفًا لقضاء مصالحِهم .. أما هؤلاء فلهم غُرفٌ مكيَّفةٌ تُدارُ عليهم أصنافُ الحلوى والقهوةِ ريثما تُقضى شئونُهم .. يشيرُ إليهم الناسُ بالبَنانِ فهم الفئة الذين حازوا قصَبَ السَّبْقِ وتبوؤوا المكانةَ الرفيعةَ .. إننا نسمعُ الناسَ يقولون عنهم (هؤلاء أناسٌ قد وصلوا ..) ولا أدري لعمرُ اللهِ وصلوا إلى أين ..؟ فقد يكون أحدُهم قد وصلَ إلى ما هو فيه من غنىً بالربا وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ، وقد يكون وصل إلى الجاهِ والمنصبِ بالحيلةِ والمكرِ، ولكن على أية حالٍ فهذا الواصلُ هو كذلك في نظر الناسِ القاصرِ. أما هؤلاء فإنَّهم قد وصلوا بتكريم ربِّهم ﷿ وتسجيلِهم عنده في لوائحِ الشرف، قوم قد وصلوا ذُرَى المعالي، طابت سجاياهم، واستقامت خلائقهم، فتأتي إلى قبورِهم النوقُ البيضُ عليها رِحالُ الذهبِ فتستقبلُهم فيقومون من قبورِهم في سكينة وطمأنينة لا يفزعون إذا فزع الناس، ولا يحزنون إذا حزنوا ينفُضون الترابَ عن أنفسِهم يقولون (الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عنَّا الحزَنَ) هؤلاء هم المقرَّبون .. السابقون بالخيراتِ .. لطالما سهِروا في طاعةِ ربِّهم والناسُ نائمون .. ولطالما وقفوا يتهجَّدون في جُنْحِ الليالي والناسُ في ملذَّاتِهم سادرون .. كان أحدُ السلفِ يُطيل قيامَ الليل وكانت ابنتُه الصغيرةُ تراه يفعلُ ذلك فتُشفق عليه فسألتْه ذاتَ مرةٍ: يا أبَتِ أراك","vol":"1","page":22},{"text":"تُطيلُ قيامَ الليلِ، لقد أتعبتَ نفسَك، فقال لها: يا ابنتي راحتَها أريدُ .. فليهنأوا الآن ولينعموا بالراحةِ .. والتميُّزِ والمكانةِ الرفيعة.\nقال ﷺ في بيان الأصناف الثلاثة: «يُحشرُ الناسُ يوم القيامةِ ثلاثةَ أصنافٍ: صنفٌ مُشاةٌ، وصنفٌ رُكبانٌ، وصنفٌ على وجوهِهم. فقالوا: يا رسولَ الله وكيف يَمشون على وجوهِهم قال: إنَّ الذي أمشاهم على أرجلِهم قادرٌ على أن يُمشيَهم على وجوهِهم، أمَا إنَّهم يتَّقون بوجوهِهم كلَّ حدبٍ وشوكٍ» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) رواه أحمد وقال الأرناؤوط حديث حسن ورقمه ٨٦٣٢.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>إلى أين يذهبون؟</span>\nيقومون من قبورِهم متَّبعين صوتَ الداعي يدعوهم إلى\nحيث يجتمعون .. في أرضِ المحشرِ وهي أرضُ الشام (فلسطين)\n﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسا﴾ [طه: ١٠٨].\nوالشامُ لها فضلٌ عظيمٌ فقد اختارَها الله واختصَّها بأنَّها أرضُ المحشرِ والمنشرِ فيها يجتمعُ العالَمون.\nوبها ينْزلُ عيسى بنُ مريم.\nوبها يُهلِكُ اللهُ المسيحَ الدجالَ (^١).\nوعند ذهابِهم يصحَبُ كلاًّ منهم ملَكان وهما الملَكان اللذان كانا يكتبان حسناتِ العبادِ وسيئاتِهم في الدنيا فسائقٌ يسوقُه وشاهدٌ يشهدُ عليه ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] يقولان له هَذا يومُك الَّذِي كنتَ تُوعَدُ فيُطمْئنان المقرَّبين وأهلَ اليمين، ويُنذران الظالمين المجرمين بالويلِ والثُّبورِ وسوءِ العاقبةِ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر حديث رقم ١١٧٩ في صحيح الترغيب وصححه الألباني دال على أنها أرض المحشر والمنشر، وصحيح مسلم، حديث رقم ٢٩٣٧، باب ذكر الدجال، دال على نزول عيسى بها وقتله الدجال بباب لُد.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>والحشر يكون لجميع الخلائق</span>\nيجمع الله تعالى الخلق في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق. وتنشق السماء الدنيا فتنزل ملائكتها، وتشقق السماء الثانية والتي تليها إلى السماء السابعة فينزل أهلهم من الملائكة وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلق فيحيطون بالخلائق (^١)، فلا مفر يومئذٍ ولا مهرب ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].\nتخيّل ذلك الكظيظ وتلك الأمم القادمة إلى ربها الدواب والوحوش والطيور والجن والناس ويأجوج ومأجوج. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nوقال ﷿: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥].\nوقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن كثير ج ٣/ ص ٣١٧.","vol":"1","page":25},{"text":"إذن كلُّ مخلوقٍ سيأتي ذلك اليوم .. كلُّ مُتَخَفٍّ سيظهرُ .. كلُّ غائبٍ سيعودُ .. كلُّ ميتٍ سيقومُ .. مهما طالت بهم حياة، ومهما امتدّ بهم أجل.\n* * *","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>كيف يكون حالهم عند قيامهم؟</span>\nيقومون أول ما يقومون عُراةً .. حُفاةً .. غُرْلًا (أي بدون ختان).\nعِطاشٌ أعطشَ ما كانوا عليه قَطُّ. وجِياعٌ أجْوَعَ ما كانوا عليه قطُّ.\nفإذا قاموا على تلك الحال، يُبعَثُ كلٌّ منهم على ما ماتَ عليه.\nقال ﷺ: «يُبعَثُ كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليه» (^١).\nولذلك يُستحبُّ تلقينُ الميتِ الشهادة لعله يُبعثُ على التوحيدِ ناطقًا بها.\nفمن مات مُحرِمًا قام وهو يُلبِّي، يَمشي إلى أرضِ المحشرِ وكأنه ذاهبٌ إلى مكة.\nففي الحديث أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وهو مُحْرِمٌ فقال النبي ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولا تَمَسُّوهُ بطِيب، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإن اللَّهَ يَبْعَثُهُ يوم الْقِيَامَةِ ملبيًا» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، باب الأمر بحسن الظن، ورقمه ٢٨٧٨.\n(^٢) صحيح البخاري، باب سنة المحرم إذا مات، ورقمه ١٨٥١.","vol":"1","page":27},{"text":"والشهيدُ يُبعثُ والدمُ يَقطُرُ من جُرحِه، اللونُ لونُ الدمِ والرِّيحُ ريحُ المسكِ (^١).\nومن مات على الغناءِ يُبعَثُ وهو يُدندنُ، وهذا لا ينافي خوفَه وفزعَه ساعتئذٍ بل قد يجدُ لسانَه يردِّد تلك العباراتِ رغمًا عنه وبغير إرادةٍ منه وهو في الحقيقةِ خائفٌ مذعورٌ يريدُ أن يتوقفَ ويذكرَ ربَّه فلا يقوَى على ذلك عياذًا بالله.\nويبعث ذو الوجهين وله لسانان من نار. ففي الحديث: «مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).\nويأتي الذي يبصقُ تُجاه القبلة في صلاته ونخامتُه في وجهِه. «مَنَ تفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلَتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» (^٣).\nوذلك المتكبِّرُ المتعجرفُ الذي كان منتفشَ الريشِ كالطاووسِ يأتي وأشباهُه حقيرًا صغيرًا كأمثال الذَّرِّ يطؤُه الناسُ بأقدامهم؛ ففي الحديث:\n_________\n(^١) قال ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ إلا جاء يوم الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» صحيح البخاري ج ٣/ ص ١٠٣٢ ورقمه ٢٦٤٩.\n(^٢) صحيح ابن حبان ورقمه ٥٧٥٦ وقال الأرناؤوط صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) صحيح ابن حبان ورقمه ١٦٣٩ وقال الأرناؤوط صحيح على شرط مسلم. وفي صحيح الجامع قال ﷺ: «تبعث النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجه صاحبها».\nوفي الأمر تفصيل عند أهل العلم يُرجع إليه.","vol":"1","page":28},{"text":"«يجاء بالجبارين والمتكبرين رجال في صورة الذر يطؤهم الناس من هوانهم على الله ﷿ حتى يُقضى بين الناس قال ثم يُذهب بهم إلى نار الأنيار قال: قيل يا رسول الله وما نار الأنيار قال عصارة أهل النار» (^١).\nويقوم مانعُ الزكاةِ كالهاربِ من الخطرِ يجري .. يحاولُ الفرارَ .. ويتمثّل له كنْزُه الذي منع زكاتَه على شكل شجاعٍ أقرعَ وهو ثعبانٌ عظيمٌ ينهشُه بفمه حتى يُقضَى بين الخلائقِ (^٢).\nويُبعثُ الْمُرابي كالمجنونِ من قُبحِ حاله وسوءِ قيامه\nك ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ …﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nوتأتي النائحةُ شعثاءَ كالحةَ الوجهِ من غضبِ الله وعليها سربالٌ من قطِرانٍ، وثوب من جَرَب (^٣).\nويأتي الذي كان يسأل الناس وعنده ما يغنيه وفي وجهه كدوح وخدوش أو يأتي وليس في وجهه مزعة لحم بحسب مسألته (^٤).\n_________\n(^١) الزهد لابن حنبل ج ١/ ص ٢٢ وذكر نحوه الترمذي وصححه وحسنه الألباني وذكر نحوه الإمام أحمد في مسنده وحسنه الأرناؤوط ولم ترد جملة يطؤهم الناس.\n(^٢) سيأتي ذكر الحديث في فقرة (وفي الموقف).\n(^٣) في صحيح مسلم برقم ٩٣٤ قال ﷺ: «النَّائِحَةُ إذا لم تَتُبْ قبل مَوْتِهَا تُقَامُ يوم الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ من قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ من جَرَبٍ» وفي رواية «درع من لهب».\n(^٤) في صحيح البخاري برقم ١٤٠٥ قال ﷺ: «ما يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ الناس حتى يَأْتِيَ يوم الْقِيَامَةِ ليس في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» وقال «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو كدوحًا في وجهه …» الصحيحة برقم ٤٩٩.","vol":"1","page":29},{"text":"وفوق تلك الحالِ المفزعةِ وذلك الكرب للعاصِين فإنَّهم يومئذٍ يَحملون أوزارَهم على ظهورِهم ذاهبين بها إلى أرضِ المحشرِ ويقفون بين يديْ ربِّهم في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ وظهورُهم تنوءُ بتلك الأحمالِ وتراهم الخلائقُ على تلك الحال المزرية، عياذًا بالله، فيالَفضيحتِهم ويالَخزْيِهم يومئذ.\nفتمثّل لهم أعمالهم في أقبحِ شيءٍ صورةً وأنْتنِها ريحًا فيقول هل تعرفُني فيقول لا، إلا أن الله قد قبَّح صورتَك وأنتَنَ ريحَك، فيقول كذلك كنتَ في الدنيا أنا عملُك السيئُ طالما ركبْتَني في الدنيا فأنا اليوم أركبُك ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] (^١) فتراه يحمل نمائمهُ التي مشى بها بين الناس، وكذبه الذي أوقد به النائرة في قلوبهم، وغِشه وحقده وسائر ما لم يكفّر من ذنبه .. ينْفِر الناس منه لنتن ريحه ودنَس حِمله.\nهذا ومن أخذَ شيئًا بغير حقٍّ يقومُ يوم القيامةِ وهو يحملُه على ظهرِه. قال ﷺ: «لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه بعيرٌ لها رُغاء يقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه فرسٌ له حمحمةٌ يقول يا رسولَ\n_________\n(^١) انظر تفسير الطبري ج ٧/ ص ١٧٩.","vol":"1","page":30},{"text":"الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه شاةٌ لها ثُغاء، يقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه نفسٌ لها صياح، فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه رقاعٌ تخفق (^١)، فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه، صامتٌ (^٢) فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئًا قد أبلغتك» (^٣).\nمن اغتصبَ أرضًا جاء يوم القيامة يحملُها في عنقه طوقا من عمقِ سبعِ أرضينَ (^٤).\n_________\n(^١) أي الثياب تتحرك وتضطرب إذا حركتها الرياح، انظر فتح الباري ج ٦ ورقمه ٢٩٠٨.\n(^٢) على رقبته صامت أي: يحمل على رقبته ما سرقه مما ليس له صوت من صنوف المال والذهب والفضة وغيرها، انظر المرجع السابق.\n(^٣) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح وذكر نحوه البخاري ومسلم في صحيحيهما.\n(^٤) قال ﷺ: «من ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ من الأرض طُوِّقَهُ من سَبْعِ أَرَضِينَ» صحيح البخاري ورقمه ٢٣٢١ قال ابن عثيمين ﵀ في شرح رياض الصالحين ج ١ ص ٤٠٦: يكون في عنقه طوق من سبع أرضين يحمله في يوم المحشر.","vol":"1","page":31},{"text":"ويأتي الوالي الظالم مغلولة يده إلى عنقه ففي الحديث «مامن أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا، حتى يفكه العدل أو يُوبقه الجور» (^١).\nويجيءُ المقتولُ متعلقًا بقاتلِه (^٢).\nثم أدهَى من ذلك وأعظم ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].\nإلهنا ومُغيثنا .. أما يكفى حمل كل تلك الأوزار .. أفنحمل فوق ذلك أوزار غيرنا ..؟\nنعم .. إنه ميزان العدل الإلهيّ الذي لا يُغادر مثقال ذرة.\nقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\nتخيَّل الآن .. يقومُ الناسُ إلى أرضِ المحشرِ، هذا يمشي على وجهِه أعمَى وأصمَّ وأبكمَ كالكفرةِ الفجرةِ وبعضُهم يمشي على قدميه ولكنهم خائفون مضطربون من الخطايا والكبائرِ التي كانوا يبارزون بها العظيم الجبار ولم يتوبوا منها .. فيقوم أحدُهم مُثقَلًا مجهدًا يحملُ\n_________\n(^١) صححه الألباني في صحيح الجامع وفي الحديث «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه» صحيح الجامع.\n(^٢) قال ﷺ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ يوم القيامة متعلقا بِقَاتِلِهِ فيقول الله: فيم قتلت هذا؟ فيقول في ملك فلان» صحيح/ صحيح الجامع.","vol":"1","page":32},{"text":"أوزارَه وسيئاتِه على ظهرِه وأوزارَ كلِّ مَنْ دلَّهم على ضلالةٍ في يومٍ من الأيامِ.\nقد يدلُّ شخصٌ صاحبَه على تجارةٍ محرمة.\nوقد يُهدي شخص لصاحبِه مجلةً ماجنةً أو شريطًا إباحيًا.\nوقد يُزَيِّنُ شخصٌ لغيرِه العملَ ببدعةٍ أو شُبهةٍ أو شركٍ.\nومنهم الذي يُعلن في الصحف عن قناة ماجنة، أو أفلام فاسقة، مزيّنا تجارته البائرة بكل حيلة وحيلة، وصورٍ مائلة مميلة.\nومنهم من صمم زيًا خاصا لموظفات مؤسسة أو شركة يتنافى مع الحجاب الساتر للمرأة المسلمة فيجمعُ على ظهرِه ما يكسبنه من أوزارٍ جرَّاءَ ارتدائه.\nوذلك الموظف في أحدِ البنوكِ الرِّبويةِ يتّصل بمئاتِ العملاءِ لإقناعِهم بالاستفادةِ من أحدِ العروضِ الربويةِ. فيالَقبحِ مقامِهم بين يدي ربِّهم.\nوفوق ذُعرِ هؤلاء وفزعِهم يَفِرُّ كلُّ واحدٍ من الآخَرِ يخافُ أن يطالبَه بحسنةِ أو بحقٍّ كان له في الدنيا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. إنه يومُ الفضيحةِ الكبرى للعاصي ويومُ التكريمِ والتشريفِ للطائعِ.","vol":"1","page":33},{"text":"تطالعنا الصحف المحلية كل يوم عن تحقيق في اختلاس لمبالغ طائلة من إحدى الوزارات أو الدوائر الحكومية أو إحدى المؤسسات، أو عن ما يسمونه بهامور الأسهم الذي اختلس مبلغ كذا وكذا ثم هرب من البلاد ..\nوكم من رجلٍ اغتصب أرضًا بغير حقٍّ وبنى دارًا مُنيفةٍ يسكنُها والله مُسبِلٌ عليه سِترَه. وكم من ظالمٍ أخذَ حقًّا أو هتكَ عِرضًا، أو استباحَ دمًا، أو غدَرَ بشخصٍ واحتالَ عليه .. لا يعلمهم إلا الله.\nسيأتي اليومُ الذي تنكشفُ فيه عيوب هؤلاء، ويُظهِر قبح عوراتهم، ويُفتضَحُ فيه كلُّ من كان يُمثِّلُ نفسَه كإنسانٍ محترمٍ، وشخصٍ شريفٍ، وهو يُخفي ما يُخفي .. ستظهرُ فيه الحقائقُ جليةً، ويكشف الله كلّ ما يُخفون من سوء طويّة.\nقال الرسول ﷺ:\n«ألا إنَّه يُنصبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ بقدرِ غَدْرتِه ولا غَدرةَ أعظمَ من غدرةِ إمامِ عامةٍ يركزُ لواءه عند استِه» (^١) (أي على مؤخّرته) مكتوبٌ عليه هذه غَدْرةُ فلانٍ .. فيالَلخزيِ والعارِ.\nومن رحمةِ اللهِ بعبادِه المؤمنين يومَ القيامةِ تكفيرُ ذنوبِهم وخطاياهم بهذا العذابِ قبل ولوجِ جهنَّمَ فمن هؤلاء من تتساقطُ عنه ذنوبُه لمسافةٍ\n_________\n(^١) الترغيب والترهيب، وصححه الألباني في صحيحه ج ٣ ورقمه ٢٧٥١ وروى نحوه البخاري والترمذي وابن حنبل.","vol":"1","page":34},{"text":"معينةٍ بحسب جرمِهم وخطاياهم ومنهم من قد يصلُ إلى الحوضِ وقد تساقطَ ما عليه من ذنوبٍ، ومنهم من يُمنع من الحوض لعِظَم جُرمه فلا يكفّر عنه إلا في الموقف، ومنهم من لا تُكفِّر جرائمه إلا نار السموم وهذا ما أشار إليه ابنُ القيمِ ﵀ في طرقِ التمحيصِ والتخليصِ من الذنوبِ.\nولعلنا نوردُها هنا كاملةً للمنفعة:\nقال ابن القيم ﵀: (فإذا طالع [العبدُ] جنايتَه شَمَّرَ لاستدراكِ الفارطِ بالعلمِ والعملِ وتخلَّصَ من رقِّ الجنايةِ بالاستغفارِ والندمِ وطلب التمحيصِ وهو تخليصُ إيمانِه ومعرفتِه من خَبَثِ الجنايةِ كتمحيصِ الذهبِ والفضةِ وهو تخليصُهما من خبَثِهما ولا يمكن دخولُه الجنةِ إلا بعد هذا التمحيصِ فإنها طيِّبةٌ لا يدخلُها إلا طيبٌ ولهذا تقولُ لهم الملائكةُ سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢] فليس في الجنةِ ذرةُ خَبَثٍ.\nوهذا التمحيصُ يكونُ في دار الدنيا بأربعةِ أشياءٍ: بالتوبةِ والاستغفارِ وعملِ الحسناتِ الماحيةِ والمصائبِ المكفِّرةِ، فإنْ مَحَّصتْه هذه الأربعةُ وخلَّصتْه كان من الذين تتوفاهم الملائكةُ طيبين يُبشِّرونَهم بالجنةِ وكان من الذين تتنَزَّلُ عليهم الملائكةُ عند الموتِ ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ","vol":"1","page":35},{"text":"الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ٣٢﴾ [الصف: ٣١ - ٣٢].\nوإنْ لم تفِ هذه الأربعةُ بتمحيصِه وتخليصِه فلم تكن التوبةُ نَصوحًا وهي العامةُ الشاملةُ الصادقةُ ولم يكن الاستغفارُ كاملًا تامًا وهو المصحوبُ بمفارقةِ الذنبِ والندمِ عليه وهذا هو الاستغفارُ النافعُ لا استغفار مَنْ في يده قَدحُ السُّكْرِ وهو يقولُ أستغفرُ اللهَ ثم يرفعُه إلى فيه ولم تكن الحسناتُ في كميتِها وكيفيتِها وافيةً بالتكفيرِ ولا المصائبِ وهذا إمَّا لعِظَمِ الجنايةِ وإما لضعفِ الْمُمَحِّصِ وإما لهما مُحِّصَ في البرزخِ بثلاثةِ أشياءٍ:\nأحدها صلاةُ أهلِ الإيمانِ الجنازةَ عليه واستغفارُهم له وشفاعتُهم فيه.\nالثاني تمحيصُه بفتنةِ القبرِ وروْعةِ الفتَّانِ والعصرةِ والانتهارِ وتوابعِ ذلك.\nالثالث ما يُهدِي إخوانُه المسلمون إليه من هدايا الأعمالِ من الصدقةِ عنه، والحجِّ، والصيامِ عنه وقراءةِ القرآنِ عنه والصلاةِ وجعلِ ثواب ذلك له، وقد أجمعَ الناس على وصولِ الصدقةِ والدعاءِ، قال الإمام أحمد لا يختلفون في ذلك وما عداهما فيه اختلاف والأكثرون يقولون بوصولِ الحجَّ، وأبو حنيفة يقولُ إنَّما يصلُ إليه ثوابُ الإنفاقِ، وأحمدُ ومَن وافقه مذهبُهم في ذلك أوسعُ المذاهب يقولون يصلُ إليه","vol":"1","page":36},{"text":"ثوابُ جميعِ القُرَبِ بدَنيِّها وماليِّها والجامع للأمرين واحتجُّوا بأن النبي ﷺ قال لمن سأله يا رسولَ الله هل بقيَ من بِرِّ أبويَّ شيءٌ أبَرُّهما به بعد مماتِهما؟ قال نعم فذكر الحديث وقد قال ﷺ: «من ماتَ وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه» (^١).\nفإن لم تفِ هذه بالتمحيصِ مُحِّصَ بين يدي ربِّه في الموقفِ بأربعةِ أشياءٍ أهوالِ القيامةِ وشدةِ الموقفِ وشفاعةِ الشفعاءِ وعفوِ اللهِ ﷿.\nفإن لم تفِ هذه الأربعة بتمحيصِه فلا بدَّ له من دخولِ الكِيرِ رحمةً في حقِّه ليتخلَّصَ ويتمحَّصَ ويتطهَّرَ في النارِ فتكون النار طُهْرةً له وتمحيصًا لخَبَثِه ويكون مُكثُه فيها على حسبِ كثرةِ الخبَثِ وقلَّتِه وشدَّتِه وضعفِه وتراكمِه، فإذا خرجَ خبَثُه وصُفِّيَ ذهبُه وصارَ خالصًا طيبًا أُخرجَ من النارِ وأُدخلَ الجنة) انتهى (^٢).\nوانظر إلى حال تلك الفئة الخاصة فئة المقربين فإنهم إذا قاموا من قبورهم كما أسلفنا يركبون نُوقًا بيضاءَ من نُوقِ الجنةِ عليها رِحالُ الذهبِ خَطْوُها مدُّ بصرِها، لا يركبونَها وهم عُراةٌ، فانظر إلى الكرامةِ والمنزلةِ العاليةِ، يُكسَوْن وغيرُهم عُراةٌ، يُحملون وغيرُهم حُفاة، يتلقوْن البُشرياتِ من الملائكةِ. وأولُ من يُكسَى منهم خليل\n_________\n(^١) رواه مسلم، باب قضاء الصيام عن الميت، ج ٢ ورقمه ١١٤٧.\n(^٢) مدارج السالكين لابن القيم ج ١ ص ١٤١.","vol":"1","page":37},{"text":"الله إبراهيمُ ﵇ (^١)، يُكسَى حُلةً بيضاءَ تَكرِمةً من الله لأنه جُرّد في ذات الله حينما قذفه قومه في النارِ بالمنجنيقِ وقيل لأنه أول من لبس السراويل. ثم خليله محمدٌ ﵊ يُكسَى حُلةً خضراءَ (^٢) ثم النبيون، وأهلُ القرآن يكسون حلّة الكرامة (^٣) اللهم اجعلنا منهم ويكسى المؤذنون وأهل الحسبة والصلاح. هذه الزمرة المباركة (^٤) قال الله تعالى في حقِّهم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ [مريم: ٨٥].\nعن النعمانِ بن سعدٍ قال كنا جلوسًا عند عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ فقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ قال: لا واللهِ ما على أرجلِهم يُحشَرون ولا يُساقون سَوْقًا ولكنهم يُؤتَوْن بنُوقٍ من نوقِ الجنةِ لم تنظر الخلائقُ إلى مثلِها، رِحالُها الذهبُ وأزِمَّتُها الزَّبَرجدُ فيقعدون عليها حتى يَقرعوا بابَ الجنةِ (^٥).\n_________\n(^١) لحديث «أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم …» رواه البخاري في صحيحه ٣١٧١.\n(^٢) قالَ ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ …» رواه ابن حبان وقال الأرناؤوط صحيح على شرط مسلم ورقمه ٦٤٧٩.\n(^٣) ففي الحديث «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة ثم يقول يا رب حَله فيلبس تاج الكرامة فيقول يا رب زده فيلبس حُلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه ثم يقال له اقرأ وارقأ ويزاد بكل آية حسنة» صحيح الجامع.\n(^٤) قال الحسن البصري: (أهل الصلاة والحسبة من المؤذنين أول من يكسى يوم القيامة) كنز العمال ج ٨/ ص ١٦٥، لعله يريد من أول من يكسى.\n(^٥) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ٦٠٩ وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وضعفه الأرناؤوط في مسند أحمد.","vol":"1","page":38},{"text":"وكما أن أصحابَ المعاصي يَحملون أوزارَهم على ظهورِهم، فإن أهلُ الطاعاتِ تحملُهم طاعاتُهم فلعلها تُشكَّلُ لهم في هذا اليوم على هيئةِ النُّوقِ فيركبونَها والله أعلم.\nففي تفسير الطبري: (إن المؤمنَ إذا خرجَ من قبرِه استقبلَه عملُه في أحسنِ صورةٍ وأطيبِها رِيحًا فيقول له هل تعرفُني فيقول لا، إلاَّ أنَّ الله قد طيَّبَ رِيحَك وحَسَّنَ صورتَك، فيقول كذلك كنتَ في الدنيا أنا عملُك الصالحُ طالما ركبتُك في الدنيا فاركبْنِي أنت اليومَ وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ (^١).\nوهنا تكرمة خاصة أيضًا لأهل القرآن يستقبلهم ويُطمئنهم ففي الحديث: «يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه هل تعرفني؟ أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها فيقولان يارب أنى لنا هذا؟ فيقال بتعليم ولدكما القرآن …» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) تفسير الطبري ج ٧/ ص ١٧٩.\n(^٢) الأحاديث الصحيحة للألباني ورقمه ٢٨٢٩.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>مَنْ يستقبلهم؟</span>\nإذا وصلوا إلى أرضِ المحشرِ عِطاشًا يتلمَّظون يكون الأنبياءُ قد سبقوا أُمَمَهم إليها، فيستقبلُ كلُّ نبيٍّ أُمتَه، وكلُّ نبيٍّ له حوضٌ وأكبرُ الأحواضِ حوضُ نبيِّنا محمد ﷺ حيث قال: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا وإنهم ليتباهوْن أيُّهم أكثرُ واردة؟! وإنِّي أرجو أن أكونَ أكثرَهم واردة» (^١).\nوهناك يقفُ رسولُ الله ﷺ على مِنبرِه حيث يُرفَع منبرُه الشريفُ الذي كان يخطبُ عليه فيُنصبُ على حوضِه (^٢) ينادي أمتَه وكأنَّه يلوِّح إليهم بيده ألا هَلُمُّوا .. ألا هَلُمُّوا. وها هي أمَّتُه الآن قادمةٌ إليه حثيثةٌ بعضُهم يركبُ وبعضُهم يمشي وبعضُهم يمشي على وجهه.\n- وكلٌ يدَّعي وصْلًا بليلَى - كلٌّ يدَّعي أنه من هذه الأمةِ والحوضُ واسعٌ، والقومُ قد بلغ بهم العطشُ مبلغَه قال ﷺ: «لَتزدَحِمَنَّ هذه الأمةِ على الحوضِ ازدحامَ إبِلٍ وردتْ لخمسٍ» (^٣).\n_________\n(^١) الترمذي وقال حديث غريب وصححه الألباني في الصحيحة ورقمه ٢٤٤٣.\n(^٢) ففي الحديث «ومنبري على حوضي» البخاري ورقمه ٦٢١٦.\n(^٣) صحيح الجامع وحسنه الألباني. (وردت لخمس أي حُبست عن شرب الماء خمسة أيام).","vol":"1","page":40},{"text":"وعلى الحوضِ حراسةٌ مشددَّةٌ فحُرّاسُه كرامٌ برَرةٌ لا يَعصُون الله ما أمرَهم قد وُكِّلوا بكلِّ من لا يستحقُّه أن يَنبذوه، ويدفعونه عن الحوضِ بعصيٍّ من نارٍ وبكلِّ من هو أهلٌ له أن يَحتفُوا به ويُكرموه فيراهم الرسولُ ﵊ وهم يَدفعون أقوامًا فيقولُ أمتي .. أمتي، فيقولون إنَّهم ليسوا من أمَّتِك لا تدري ما أحدَثوا بعدك فيقول: سُحقًا سُحقًا.\nففي الحديث: «إني فَرَطُكُمْ على الْحَوْضِ من مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لم يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ ويعرفونني ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي» (^١).\nحسنًا .. هاهو الحوض يلوح من بعيد، وتتفاوت سرعة القادمين إليه فهذا الذي كان يمشي متباطئًا إلى الصلاةِ سيكون كذلك في الوصولِ إليه، وذاك الذي كان يُسارعُ لإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ، فمن شدةِ حرصِه على طاعةِ ربِّه تجدُه راكبًا في المقدمةِ فمنهم من يصلُ سريعًا ومنهم من يستغرقه الوقت.\nوها هو الوفدُ الكريمُ، وفد السابقين وهم السبعون ألفًا الذين يدخلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ ومنهم فقراءُ المهاجرين لا ينْزِلون عن رواحلِهم منذ خرجوا من قبورِهم فيكونون أول الشاربين وفي مقدَّمتِهم\n_________\n(^١) صحيح البخاري ورقمه ٦٢١٢.","vol":"1","page":41},{"text":"صحابةُ الرسولِ وزوجاتُه الكريمات .. وقد وردت بعض الآثار لا ترقى إلى الصحة منها قوله ﷺ لأبي بكر:\n«أنت صاحبي على الحوضِ وصاحبي في الغارِ» (^١)، وفي شأنِ السيدةِ خديجةِ ﵂ قال: «أوَّلُكم واردًا على الحوضِ أوَّلُكم لي إسلامًا» (^٢).\nوهاهم اللئامُ يُذادون عن الحوضِ ويُضرَبون بالسياطِ.\n* * *\nولنتوقفْ عند حوض نبينا قليلًا ولنتفرسْ فيه\nونتمعنْ في شكله وحجمه وصفة مائه\nقال ﷺ: «إني فَرَطٌ لكم (^٣) وأنا شهيدٌ عليكم وإنِّي والله لأنظرُ إلى حوضي الآن ..» (^٤).\nفيصفه النبي ﵊ فيقول:\n«حوضي مسيرةُ شهرٍ ماؤُه أبيضُ من اللبنِ ورِيحُه أطيبُ من المسكِ وكيزانُه كنجومِ السماءِ مَنْ شربَ منها فلا يظمأ أبدًا» (^٥).\n_________\n(^١) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وضعفه الألباني ورقمه في السنن ٣٦٧٠.\n(^٢) رواه الحاكم في المستدرك برقم ٤٦٦٢.\n(^٣) أي أنا متقدمكم إليه.\n(^٤) جزء من حديث في صحيح البخاري ج ٤/ ص ١٤٩٨ ورقمه ٣٨٥٧.\n(^٥) صحيح البخاري ج ٥/ ص ٢٤٠٥ ورقمه ٦٢٠٨.","vol":"1","page":42},{"text":"ويقول:\n«حوضي مسيرةُ شهرٍ وزواياه سواءٌ وماؤُه أبيضُ من الوَرِقِ [أي من الفّضة] …» (^١).\nوفي رواية: «عرضُه مثلُ طولِه» (^٢).\nإذن حوضُ نبيِّنا مربَّعُ الشكلِ عظيمُ الاتساعِ كأحدِ المحيطاتِ الهائلةِ لا يُدرَكُ منتهاه فقد جاءت روايات عدّة منها: «إنَّ حوضي أبعدُ من أَيْلَة من عدَن» (^٣) وجاء: «ما بين ناحيتَيْ حوضي كما بين صنعاءَ والمدينةِ» وفي رواية «ما بين الكعبةِ وبيتِ المقدس» (^٤). وفي الحديث: «هو ما بين البيضاءِ إلى بُصْرَى ثم يَمُدُّني اللهُ فيه بكراعٍ فلا يَدري بشرٌ ممن خلقَ اللهُ أيَّ طرفيْه» (^٥).\nأما ماؤُه فورَدَ أنه أبيضُ من اللبنِ، وأبيضُ من الوَرِقِ (أي الفضة)، في الصفاءِ والنقاءِ، وريحُه أطيبُ من المسكِ وطعمُه أحلى من العسلِ، وأبردُ من الثلجِ.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٧٩٣ ورقمه ٢٢٩٢.\n(^٢) سنن الترمذي ج ٤/ ص ٦٣٠ ورقمه ٢٤٤٥. وقال حديث حسن صحيح وقال الألباني صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم، ج ١ ص ٢١٧، ورقمه ٢٤٧.\n(^٤) ابن ماجة، باب ذكر الحوض ورقمه ٤٣٠١، وقال الألباني صحيح.\n(^٥) كتاب السنة، ورقمه ٧١٥ وقال الألباني صحيح.","vol":"1","page":43},{"text":"إننا قد لا يسوغ لنا - لقصور فهمِنا- بعضَ الصفاتِ ولكننا نأخذ من مُجملِها أنه ماءٌ لذيذٌ طعمه، حلوٌ مذاقه، شهيّةٌ رائحته، جميلٌ لونه .. فماءُ الدنيا لا طعمَ له ولا لونَ ولا رائحةَ ..\nتخيلْ حالك وأنت صائم في يومٍ شديدِ الحرّ إذا قُدّم لك كأسٌ من الشرابِ الباردِ وفيه قطعٌ من الثلجِ أو كوبٌ من المثلوج (الآيس كريم) لذيذٌ طعمُه، زكيةٌ رائحتُه، فإن تلك الرائحةَ تزيدُه في الطعمِ لذّةً وتُنعشُ شاربَه. فكيف بحوضٍ ماؤُه من الجنةِ وكيف بمن يَرِدونه عِطاشًا كإبِلٍ حُبستْ عن الماءِ خمسةَ أيامٍ.!\nوهذا الماءُ المبارك لا يجري على الطينِ، ولا على الترابِ، بل يجري على المسكِ الخالصِ .. مسكِ الجنةِ وتُربتِها.\n* * *","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>كيف نشرب؟</span>\nهل نخوضُ فيه بأقدامِنا وننحني لنشربَ كما يشربُ الفلاحُ من جدولِ بستانِه أم أنَّ هناك تكرمةً خاصةً، .. نعم .. ما ظنُّك بحفاوةِ أكرمِ الأكرمين بهذه الأمَّةٍ المُصطفاةِ .. فهناك كؤوسٌ وأكوابٌ وأباريقُ وأقداحٌ وكيزانُ .. فتعدُّدُ الرواياتِ يُفيد أن هناك أحجامًا وأشكالًا بحسب صلاحِ العبدِ المؤمنِ. أما ما انتشر بين الناس: عن الشرب من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، فهذا قول لا أصل له.\nوفي روايةٍ لمسلم: «تُرى فيه أباريقُ الذهبِ والفضةِ» (^١).\nإنَّ ملوكَ الدنيا يشربون في كؤوسِ الذهبِ والفضةِ والزجاجِ المعشَّقِ والمُموَّهِ بماء الذهبِ. فهؤلاء ملوكُ الآخرة، أفلا يليقُ بهم أن يشربوا في مثل هذه الكؤوسِ الناعمةِ؟ .. بلى إنه يومُهم .. يومُ ظهورِهم ورفاهيتِهم.\nحسنًا، هذه الكؤوسُ قد بانتْ على حوافِّ الحوضِ تتلألأُ كنجومِ السماءِ عددًا وإشراقًا. وقد قال النبي ﷺ: «لَتزدحِمَنَّ هذه الأمةُ على الحوضِ …» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٨٠١ ورقمه ٢٣٠٣.\n(^٢) حسنه الألباني في صحيح الجامع.","vol":"1","page":45},{"text":"فقد يتصوّر البعض أنهم يَنكبُّون على الكؤوسِ من شدةِ الازدحامِ والتنافسِ كما كانوا ينكبّون في الدنيا ويقفون صفوفًا في قيظ الصيف للحصول على صِهريجٍ للماء من مصلحة المياه.\nأوكما كانوا يتزاحمون إذا ذهبوا إلى مأدُبةٍ أو وليمةِ عُرسٍ فقد تنتهي تلك الأطباقُ المتراصَّةُ وأدواتُ الطعامِ بل الطعامُ نفسه فيقعد أحدهم ملومًا محسورًا، هكذا هو الازدحام في الدنيا. فلا تحسبنّ أن هذا بفتوّتِه سيحوز على أكبرِ الكؤوسِ، وذاك لضعفه قد يحصل على أصغرِها أو من شدةِ الكظيظِ والتدافُعِ قد لا يجدُ أحدُهم موطئَ قدمٍ؟ كلا .. فهذه الخواطرُ قد ترِدُ على عقولِ أهلِ الدنيا لمحدوديتِها، أما هنا فالأمر أرقى من ذلك، أشدُّ تنظيمًا وأعظمُ ترتيبًا .. كيف لا وهم وُفودُ الرَّحمنِ إلى حوضِ خليلِه ورسولِه ﵊.\nفلا تخفْ ولتطمئنَّ .. فأنت هنا في ضيافةٍ من نوعٍ آخرَ .. ضيافةٌ القائمُ عليها هو أشرفُ الخلقِ ﵊. فكيزانُ الحوض وأكوابُه بعددِ نجومِ السماءِ، وكلُّ عبدٍ كوبُه مقدَّرٌ له، فهو في انتظارِه لا يأخذُه أحدٌ سواه، ويحتمل أنهم إذا اقتربوا من الحوضِ وقعَت الأكوابُ في أيديهم كما هو الحال في الجنة إذا اشتهوا الشراب (^١)، فهي مقدَّرةٌ تقديرًا\n_________\n(^١) ففي الحديث «إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الشراب من شراب الجنة فيجيئ الإبريق فيقع في يده، فيشرب ثم يعود إلى مكانه» حسنه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٧٣٨. وهذا الحوض من الجنة وتجري عليه أحكامها والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":46},{"text":"دقيقًا، فهذا الكوبُ لفلان ويقع بين يديْه، والإبريقُ لفلانٍ، والكوزُ لفلانٍ، والقدحُ لهذا، والكأسُ لذاك بحسب صلاحهم؛ وهذا التفاوتُ في الحجمِ يبينُ أنه ليس لأحدٍ أن يَعُبَّ من الماء بلا حسابٍ. وقد يكونون مسيَّرين في نيل أكوابِهم غير مخيَّرين. بل إن التفاوت أيضًا في جمالِ الكأسِ وفخامتِه فالإبريقُ أكبرُ من الكوزِ، وإبريق الذهب أجمل من مثله من الفضة والكأسُ أكبر من الكوبِ (^١).\nوالسَّبقُ في الشربِ والأولويةُ لأول السابقين وهم المهاجرون الذين كانوا من أوائلِ المؤمنين باللهِ ورسولِه. ووالله إنَّ مقدارَ شربةٍ واحدةٍ منه لَكافٍ لحصولِ ارتواءٍ لا ظمأَ بعدَه أبدًا ففي الحديث:\n«… من شَرِبَ منه شَرْبَةً لم يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا …» (^٢).\nإذن أكبرُ الأكوابِ وأجملُها لمن هم أكثرُ صلاحًا .. الذين بلغتْ محبتُهم للنبي ﷺ أن يُتابعوه في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.\nفلننظر هل نحن ممن يتابعه ويتأسى بسنته؟\n_________\n(^١) إن ناموس الله تعالى وعدله في الحساب يقتضي هذا التفاوت فحسابه ﷿ على مثقال الذرة، كما أنه لابد من أن كل كوب مقدر لصاحبه بعلم الله السابق وليس للإنسان بعد موته سباق في مصالحه أو أخذٍ لحق غيره والله أعلم.\n(^٢) مسند أحمد بن حنبل ورقمه ٦١٦٢ وقال الأرناؤوط صحيح لغيره وهو ضعيف.","vol":"1","page":47},{"text":"كان ﷺ إذا وقعَت اللقمةُ على الأرض ينفضُها ويأكلُها ولا يدَعُها للشيطانِ ما دامت نظيفةً وإن منا اليوم من يُلقي بالموائد العامرة في سلال المهملات.\nومن سنَّته الأكلُ باليمين، وإن أقوامًا من حبهم لما يسمونه بالإتيكيت الغربي أصبحوا يأكلون باليد اليسرى أو باليدين كليْهما وما ذاك من سنَّته.\n- ومن سُنّته السلام بتحيةِ الإسلام. وإن منّا اليوم من يستبدلها بالدُّون فيقول: هاي وباي ومرحبًا.\n- ومن سنَّته الحياءُ وسترُ العورةِ بل من الواجباتِ. وما أكثرَ المدَّعين والمدَّعياتِ حبَّ رسولِ الله ﷺ ثم تراهم لا يستطيعون مفارقةَ ذلك البنطالِ الضيق المحدد لعوراتِهم والمتشبهين في لُبسِه بأهلِ الفسق والضلالِ.\n- ومن سنته ﷺ تقليمُ الأظفارِ، ألا ما أكثرَ المدَّعيات حُبَّه وأظفارُهن كمخالب الطير يتّبعْنَ سنن الغربِ.\nقال ﷺ: «مَنْ تشبَّه بقومٍ فهو منهم» (^١) قال العلماء: حتى في أدقِّ الأمورِ كإطالةِ الأظفارِ وقَصةِ الشعرِ. ألا يخشى هؤلاء الذين يفضلون سنن الغربِ والتشبه بهم أن يُذادوا عن الحوضِ.\n_________\n(^١) سنن أبي داوود، باب لبس الشهرة، ورقمه ٤٠٣١ وقال الألباني حسن صحيح.","vol":"1","page":48},{"text":"فعن عَدِيِّ بن حاتم ﵁ قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ فقال: «يا عديُّ اطرحْ هذا الوثنَ من عُنُقِك. قال فطرحتُه وانتهيتُ إليه وهو يقرأ في سورة براءة فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال قلت: يا رسولَ الله إنا لسنا نعبدُهم. فقال: أليس يُحرِّمون ما أحلَّ اللهُ فتُحرمونه ويُحِلُّون ما حَرَّمَ اللهُ فتُحِلُّونَه؟ قال قلت: بلى. قال: فتلك عبادتُهم» (^١).\nأليس هؤلاء المتشبهون والمتشبهاتِ يُتابعون الغرب والشرق ويتشبهون بهم في أمورٍ حرَّمها الإسلامُ فهؤلاء يُخشى عليهم أن يكون ذلك نوعٌ من العبادة لهم: يلبسون الملابسَ الكاسيةَ العاريةَ التي حرَّمها الإسلامُ ويُتابعون سُنَنَ الغربِ، يخالفون بذلك الأمر والنهي ومن ذلك ما يفعلُه معظم نسائِنا اليوم من نمصِ الحاجبِ وتغييرِ خلْقِ الله بما يفعلنَه من تصغيرٍ وتكبيرٍ للشفايفِ وما شابه ذلك وانتشارُ الوشمِ بينهنَّ بطريقةٍ حديثةٍ وهو ما يسمُّونه بالمكياج الدائم والتاتو. ومن احتفال بأعيادهم وغير ذلك والله المستعان.\nوانظر إلى حجاب بعض النسوة من ارتداء ما يسمّى بالعباءةَ المخصّرة والمزركشة التي تُزينُ أكثرَ من كونِها تسترُ.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ج ١٠/ ص ١١٤.","vol":"1","page":49},{"text":"وتلك التي تختلط بالرجال في كلِّ مجالٍ. وتخضع بالقول، وتميل بها الحال، ثم تدَّعي بأنها محبةٌ لرسول الله! .. هذا مُحال .. إنه تباينٌ بين الأقوال والأفعال.\nينبذون سننَ الحبيبِ المصطفى ويخالفون أمره ونهيه وهم يعلمون! كيف إذن وبأيِّ وجهٍ يتزاحمون على الحوضِ بعد ذلك؟\nللهِ دَرُّ عبد الله بن عمر ﵄ فقد بلغتْ محبتُه أن يتتبعَ أثرَ الدُّبَّاءِ لأنه رأى النبي يفعلُه مع أنها سنة جِبِلِّيّةٌ غير تعبديّة فلنتَّقِ الله أن نكون على هذه الحالِ من البُعد عن الدينِ ثم نناديه عند الحوضِ فيقول: سُحقًا سُحقًا.\n* * *","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>ما هو مصدر الماء؟ ومن أين ينبع؟</span>\nماءُ الحوضِ قادمٌ من الجنةِ .. من نهرِ الكوثر قال ﷺ ففي الصحيح: «يشخبُ فيه ميزابان من الجنةِ» (^١).\nوقال: «يغتُّ فيه ميزابان يَمُدانِه من الجنةِ أحدُهما من ذهبٍ والآخَرُ من وَرِقٍ [أي من فضّة]» (^٢).\nفله ميزابان يصبان فيه ويَمُدانِه من الكوثر .. فماء الحوض دائمٌ متدفقٌ لا تخشى له انقطاعًا أو نقصانًا.\nولنتركِ العنانَ لخيالِنا المحدودِ ففي أحكامِ الدنيا نجدُ أن الشرابَ الحلوَ يتهافتُ عليه النملُ والذبابُ والحشراتُ إذا كان مكشوفًا فيُفسدُ لذّتَه، أو تلتصقُ به الأيدي وتتسخُ عند مسِّه، وهنا فلنتخيلْ صفاءَ ذلك الماءِ المباركِ ونقاءَه، فهذا الماءُ من الجنةِ وتجري عليه أحكامُها، فليس فيه ذرةُ خبَثٍ ولا تُعكِّرُ صفاءَه شائبة.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٧٩٨، ورقمه ٢٣٠٠.\n(^٢) صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٧٩٩، ورقمه ٢٣٠١.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>مميزات الشرب</span>\nمَنْ شربَ من حوض النبي ﷺ فيالَسعادتِه ويالَهنائِه، ومن حُرِم منه فيالَتعاستِه ويالَشقائِه.\n_ قال ﷺ: «… ومَن شربَ لم يظمأْ أبدًا …» (^١)، إنَّه يقفُ بعد ذلك في عَرَصاتِ القيامةِ وطولِ الموقفِ رَيَّانَ لا يشعرُ بعطشٍ أبدًا حتى دخولِه الجنة بل وفي الجنةِ نفسِها فإن أهلَها لا يشربون من عطشٍ بل عن لذةٍ ومتعةٍ فأثرُ تلك الشربةِ إذن يبقى معهم أبدَ الآبدين.\n_ وقال الرسول ﷺ: «… من شرب منه لم يظمأْ أبدًا ولم يسودَّ وجهُه أبدًا …» (^٢) إذن ما إن تشربْ منه يا وَليّ الله حتى تسريَ في وجهِك نضرةُ الإيمانِ وإشراقُه.\nإنها تهنئةٌ للسابقين وأصحابِ اليمينِ أما الظالِمُ لنفسِه الموحدُ من أصحابِ الكبائرِ التي لم تُكفَّرْ عنه كالْمُرابي والزَّاني وشاربِ الخمرِ ولاعبِ الميسرِ من الْمُصِرِّين على ذنوبِهم وخطاياهم فظاهرُ\n_________\n(^١) صحيح البخاري ج ٥/ ص ٢٤٠٦ ورقمه ٦٢١٢.\n(^٢) صحيح ابن حبان ج ١٤ ورقمه ٦٤٥٧ وقال شعيب الأرناؤوط إسناده صحيح.","vol":"1","page":52},{"text":"الأحاديث (^١) يدلُّ على أنَّهم سيُحرَمون من الشربِ البتة وذلك تكفيرًا لذنوبِهم فقد يقفُ للحسابِ مع شدةِ العطشِ حتى يُمحَّصَ بذلك من ذنوبِه عسى أن يُعفَى من دخولِ جهنمَ إلا إذا كان جُرمُه يستحق أكبرَ من ذلك (^٢) والله أعلم.\n- وقال: ﷺ «… أنا فَرَطُكُمْ على الْحَوْضِ فَمَنْ وَرَدَ أَفْلَحَ …» (^٣).\nفلاح وأي فلاح، فهو يبشر بنجاته من النار، وفوزه برضا الجبّار.\n* * *\n_________\n(^١) انظر الأحاديث في هذا الكتاب في باب موانع الشرب.\n(^٢) انظر فقرة التمحيص في فقرة (كيف يكون حالهم عند قيامهم).\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ج ١: ص ٢٥٧ ورقمه ٢٣٢٧، وقال الأرناؤوط حديث صحيح وهذا الإسناد ضعيف.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>موانع الشرب؟</span>\nما دام الأمر بهذه الأهميةِ فلنُعِدَّ العُدةَ ولنأخذ الأُهبةَ من الآن، ولنبتعدْ عن كلِّ ما يكون سببًا في حرمانِنا ذلك الفضلَ، ولندرس الموانعَ التي تجعل حُرَّاسَ الحوضِ يَذودون أقوامًا عنه ويَحرمونَهم من الشرب ومنها:\n١ - إعانة الظالم على ظلمِه قال ﷺ: «إنَّه سيكونُ أمراءُ من بعدي فلا تُصدِّقوهم بكذبِهم ولا تُعينوهم على ظلمِهم فإنه من صدَّقهم بكذبِهم وأعانَهم على ظلمِهم فلن يرِدَ عليَّ الحوضَ» (^١).\n٢ - كبائرُ الذنوبِ كالزنا وعقوقِ الوالدين وقطعِ الأرحامِ وأواصرِ الأُخوةِ وعدم قبول الأعذار: قال رسول الله ﷺ: «عِفُّوا عن نساءِ الناسِ تَعِفَّ نساؤُكم وبَرُّوا آباءَكم تَبَرّكم أبناؤُكم ومن أتاه أخوه متنصِّلا [أي معتذرًا] فليقبلْ ذلك منه مُحقًا كان أو مُبطلًا فإنْ لم يفعلْ لم يَرِدْ عليَّ الحوضَ» (^٢).\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين ج ١/ ص ١٥١ وقال حديث صحيح على شرط مسلم. وذكر نحوه الترمذي وصححه الألباني.\n(^٢) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ١٧٠ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وضعف الذهبي أحد رواته وهو (سويد).","vol":"1","page":54},{"text":"- ومنها القتلُ العمدُ «… ألا إنه لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له ولا دينَ لمن لا عهدَ له ومن نَكثَ ذمتي لم ينلْ شفاعتي ولم يَرِدْ عليَّ الحوضَ، ألا إن الله ﷿ لم يُرخِّصْ في القتلِ إلا ثلاثًا: مرتدٌّ بعد إيمانٍ أو زانٍ بعد إحصانٍ أو قاتلِ نفسٍ فيُقتل بقتلِه ألا هل بلغتُ …» (^١).\nويدخل في ذلك ما ورد في النصوص العامة الدالة على المحرمات المصحوبة بالوعيد والتهديد ومنها:\n- الكهانةُ والسحرُ ومن يذهب للكهنةِ والسحَرةِ، قال ﷺ: «ليس منا مَنْ تَطيَّر أو تُطُيِّرَ له أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له أو سَحَرَ أو سُحِرَ له ومن أتَى كاهنًا فصدَّقَه بما يقولُ فقد كفرَ بما أُنزل على محمدٍ ﷺ» (^٢).\n- ومنها النياحةُ وضربُ الخدودِ وشقُّ الجيوبِ، قال ﷺ: «ليس منا من ضربَ الخدودَ وشقَّ الجيوبَ ودعا بدعوَى الجاهليةِ» (^٣).\n- ومنها الربا والتصويرُ أي تشخيصُ ذواتِ الأرواحِ على هيئةِ تماثيلَ، وقيل رسمُهم أيضًا بلا حاجةٍ وكذلك الواشمةُ والمستوشمةُ:\nففي الحديث: «… ولعنَ آكل الرِّبا ومُوكلَه والواشمةَ والمستوشِمةَ والمصوِّر» (^٤).\n_________\n(^١) جزء من حديث في المعجم الكبير ج ١١/ ص ٢١٣ ورقمه ١١٥٣٢.\n(^٢) الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ١٧ ورقمه ٤٦٠٦. وصححه الألباني في صحيح الترغيب.\n(^٣) صحيح البخاري ج ١/ ص ٤٣٦ ورقمه ١٢٣٥.\n(^٤) صحيح البخاري ج ٥/ ص ٢٢٢٣ ورقمه ٥٦١٧.","vol":"1","page":55},{"text":"والحديثُ فيه لعنٌ وهو الطردُ من رحمةِ اللهِ فكيف يَرِدُ الحوضَ عبدٌ مطرودٌ.\nوأحاديثُ اللعنِ كثيرةٌ منها لعنُ النامصةِ والمتنمصةِ والواصلةِ والمستوصلةِ والمتشبهين من الرجالِ بالنساءِ والمتشبهاتِ والمخنثين والمترجلاتِ ومن يُفسدُ المرأةَ على زوجِها وغيرِهم نسألُ اللهَ العافيةَ.\n٣ - المتهاونون في أوامرِ اللهِ والمبتدعون في الدين والآخذون حقوقَ الغيرِ:\nففي الحديث: «إني مُمسكٌ بِحُجزِكم عن النارِ هَلُمَّ عن النارِ هلم عن النار وتغلبونني تَقاحمون فيها تقاحُمَ الفرَاشِ أو الجنادبِ فأوشكُ أن أرسلَ بحُجزِكم وأنا فَرَطُكم على الحوضِ فتَرِدُون عليَّ معًا وأشتاتًا فأعرفُكم بسيماكم وأسمائِكم كما يعرفُ الرجلُ الغريبةَ من الإبلِ في إبِلِه ويُذهَبُ بكم ذاتَ الشِّمالِ وأُناشدُ فيكم ربَّ العالمين فأقول أي ربِّ قومي أي ربِّ أمتي فيقول يا محمدُ إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنَّهم كانوا يَمشون بعدك القَهقرَى على أعقابِهم فلا أعرِفَنَّ أحدَكم يوم القيامة يحملُ شاة لها ثُغاءٌ فينادي يا محمدُ يا محمد فأقول لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرًا له رُغاءٌ فينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقول لا أملكُ لك شيئًا قد بلغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحملُ فَرَسًا له حمحمةٌ فينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي","vol":"1","page":56},{"text":"يوم القيامةِ يحملُ سِقاءً من أَدمٍ ينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك» (^١).\nقال القرطبي: (وكلُّ مَنْ أحدثَ في الدينِ ما لا يرضاه الله ولم يأذنْ به فهو من المطرودين عن الحوضِ والْمُبعَدين والله أعلم).\nوأشدُّهم طردًا مَنْ خالَفَ جماعةَ المسلمين وفارقَ سبيلَهم مثل الخوارجِ على اختلاف فرقِها والروافضِ على تباينِ ضلالِها والمعتزلةِ على أصنافِ أهوائِها وجميعِ أهلِ الزيْغِ والبدعِ فهؤلاء كلهم مُبَدِّلون. وكذلك الظلمةُ المسرفون في الجوْرِ والظلمِ وتطميسِ الحقِّ وقتلِ أهلِه وإذلالِهم كلُّهم مبدِّلٌ يَظهرُ على يديْه من تغييرِ سُنَنِ الإسلامِ أمرٌ عظيمٌ …) (^٢).\nإلهي .. نعوذُ بك أن نرى الحوضَ فنُذاد عنه ونُذَبَّ عن حياضِه. نعوذُ بك أن نُحرَمَ الارتواءَ يومَ العطشِ الأكبرِ .. ما أكثرَ الظَلمَةَ .. لو يرتدعون .. وما أكثر العقوقَ وقطعَ الأرحامِ .. وما أكثر القتَلةَ والمجرمين، فقد رأينا من يَقتلُ ذوي قرابتِه وأهلَ بيته نسأل اللهَ السلامة .. وما أكثر الفسَقةَ والمخنثين الذين يرضوْن المنكرَ في بناتِهم\n_________\n(^١) الترغيب والترهيب ج ١/ ص ٣١٨ ورقمه ١١٦٩. وقال الألباني في صحيح الترغيب حسن صحيح.\n(^٢) الاستذكار ص ١٩٥.","vol":"1","page":57},{"text":"وزوجاتِهم نراها تمشي معه متطيبةً متبرجةً وهو يُضاحكها والناس ينظرون.\nوما أكثر آكلي الرِّبا ولاعبيّ الميسرِ في يومنا هذا وهم يعلمون، ولكن التطلُّعَ إلى الغِنَى طبعَ على قلوبِهم وشهوةَ المالِ أعمتْ بصائرَهم فلم يعودوا يروْن إلا الدراهم والدنانير، ولم يعودوا يسمعون إلاَّ رنينَها ..\nوما أكثر ما نسمع أن فلانةَ خشيتْ من زوجِها أو صديقتِها فاستعانت عليهم بأعمالِ السحَرةِ.\nوما أكثر المتنمِّصاتِ .. إنني لم أتفرَّسْ في وجهِ متبرجةٍ قَطُّ في الطريقِ أو في أيِّ مكانٍ إلاَّ ووجدتُها قد نَمصَتْ ما شاءتْ، وأكثرهنَّ يعلمن الحقَّ ولكن تطاول عليهم العمر، وحجبتْهنَّ شهواتٌ تافهةٌ ومطالبُ دنيئةٌ، عن تذكُّرِ الحوضِ والفزعِ الأكبرِ.\nوالآن .. هاهم الناس يتدافعون عند الحوضِ والرسولُ ﷺ يرحبُ بأمَّتِه ويستقبلُ أفرادها كلُّ واحدٍ باسمه، ويعرفُهُ بسيماه فكيف له أن يميزَهم في هذا الحشد الهائل؟\n* * *","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>كيف يعرف الرسول ﷺ أُمَّتَه؟</span>\nقال ﷺ: «… وإنِّي لأصُدُّ الناسَ عنه كما يَصُدُّ الرجلُ إبِلَ الناسِ عن حوضِه. قالوا يا رسول الله أتعرفُنا يومئذٍ؟ قال نعم لكم سِيما ليست لأحدٍ من الأممِ تَرِدُون عليَّ غُرًّا مُحَجَّلين من أثرِ الوضوءِ» (^١).\nفي وسطِ الظلمةِ ظلمةِ المكانِ وظلمةِ الأجسادِ التي عليها غَبَرةٌ وترهَقُها قَتَرةٌ يرى هذه الوجوهَ المشرقةَ، والنفوس النيّرة، فيعرفُهم، إنَّهم أفرادُ أمتِه الغرَّاءِ، لطالَما سَمعوا (حيَّ على الصلاةِ) فقاموا يتطهَّرون ووقفوا بين يدي ربِّهم صفوفًا يصلّون، كأنَّهم بنيانٌ مرصوصٌ .. هذه العباداتُ أكسبَهم بِها اللهُ نورًا أبديًا يبقى معهم، تُشرق به وجوههم، ويُضيء لهم الظلماتِ ويُنير لهم الدروبَ .. اللهمَّ اجعلنا منهم .. آمين\n_________\n(^١) صحيح مسلم ج ١/ ص ٢١٧ ورقمه ٢٤٧.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>ماذا بعد الحوض؟</span>\nها هم الذين شرِبوا من الحوضِ يقفون في طمأنينةٍ وارتواءٍ .. ومن لم يشربْ فهو لا يزال في خوف ووجل، وفي عطشٍ ولَهَثٍ فقد كان يلهَثُ في طلبِ دنياه وهو يلهثُ في آخرتِه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: ١٧٦]. والشمسُ تدنو من الرؤوسِ قدرَ مِيلٍ يُطفَأُ نورُها ويُضاعَف حرُّها عشرَ سنين (^١). فتَلفحُه حرارتها، ويصيبه لهيبُها.\nإنه لايزال على تلك الحال يحملُ أوزارَه وأوزارَ مَنْ أضلَّهم على ظهرِه فيتصبَّب عرَقًا، ويزفرُ فَرَقًا. ويبلغ العرقُ يومئذٍ على قدرِ الذنوب، كما ثبت في الصحيح؛ فمنهم مَنْ يبلغُ العرَقُ منه إلى كعبيْه ومنهم من يبلغُ عرَقُه إلى ركبتيْه ومنهم إلى حِقويه ومنهم مَنْ يُلجِمِه العرقُ إلجامًا حتى يقولَ غِقْ غِقْ .. ويؤتَى بجهنمَ لها سبعون ألف زمام، يجرُّها من كل زمامٍ سبعون ألفَ ملَكٍ (^٢) .. سوداءُ مظلمةٌ فقد أُوقِدَ عليها ألفَ سنةٍ حتى احمرَّتْ ثم أُوقد عليها ألفَ سنةٍ حتى ابيضَّتْ ثم أُوقد عليها ألفَ سنةٍ حتى اسودَّتْ فهي سوداءُ مُظلمةٌ.\n_________\n(^١) انظر كتاب السنة للحافظ الشيباني، حديث رقم (٨١٣)، ذكر الألباني أنه صحيح على شرط الشيخين.\n(^٢) انظر الحديث الصحيح في صحيح الجامع وطرفه «يؤتى بجهنم …».","vol":"1","page":60},{"text":"يَخرجُ منها عُنُقٌ طويلٌ له عينان تُبصران وأُذنان تسمعان ولسانٌ ينطقُ يتطايرُ منها الشرَرُ أسودَ كسوادِ القارِ في عظمِ القلاعِ والقصورِ. ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]. وفي الحديث: «يخرجُ عنُقٌ من النارِ يومَ القيامةِ له عينان يُبصرُ بهما وأذنان يسمعُ بهما ولسانٌ ينطقُ به فيقول إنِّى وُكِّلتُ بثلاثةٍ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ وبكلِّ من ادَّعى مع اللهِ إلهًا آخرَ والمصوِّرين» (^١).\nوأعظمُ من ذلك فإنَّ لها زفيرًا وشهيقًا، وإن أقصى ما نعانيه من شدة الحرِّ في أشهُرِ الصيفِ وما يُسببه من وفاة كثير من الناس في هذه الدنيا، لهو زَفْرةٌ من زفراتِ جهنمَ (^٢) كما ثبت عن النبي ﷺ وهو كذلك من بعد ملايين السنين الضوئيةِ فكيف إذا زفرَتْ أمام هذه الحشودِ الهائلةِ لا يحجُبُهم عنها حاجب، .. إنه لولا أن الله قدَّرَ للخلائقِ ألاَّ يموتوا ذلك اليوم لاحترقوا عن بَكرةِ أبيهم.\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ورقمه ٨٤٣٠ وقال الأرناؤوط إسناده صحيح وذكر نحوه الترمذي وصححه الألباني.\n(^٢) قال ﷺ: «قالت النَّارُ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأْذَنْ لي أَتَنَفَّسْ فأذن لها بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ في الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ فما وَجَدْتُمْ من بَرْدٍ أو زَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ وما وَجَدْتُمْ من حَرٍّ أو حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ» صحيح مسلم ج ١/ ص ٤٣٢ ورقمه ٦١٧.","vol":"1","page":61},{"text":"عندئذٍ ولدَى معاينةِ هذه الأهوالِ تَجثُو الأممُ على الرُّكَبِ هلَعًا وفَرَقًا ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَة﴾ [الجاثية: ٢٨].\nقال كعب ﵁: والذي نفسي بيده إنَّ لِجهنمَ يومَ القيامةِ لَزَفرةً ما مِنْ ملَكٍ مُقرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسَلٍ إلاَّ يَخِرُّ لركبتيْه حتى إنَّ إبراهيمَ خليلَ الله ليقولُ ربِّ نفسي نفسي، حتى لو كان لك عملُ سبعين نبيًا إلى عملِك لظننتَ أنَّك لا تنجو (^١).\nونكملُ الأحداث ..\nهاهم يقفون في ظلامٍ دامسٍ، وحَرٍّ لاهبٍ، وخوفٍ هالعٍ .. قد نُفكرُ بعقولِنا القاصرةِ فنقولُ أين الأحواضُ؟ لربما يتغافلُ أحدُهم الجموعَ فيغمسُ نفسَه في تلك المياهِ الباردةِ ويروي عطشَه. والذي يظهر من تسلسلِ الأحداثِ أنه أثناءَ تجمُّعِ الخلائقِ وحضورِ جهنمَ وهم في هذه الظلمةِ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ فيحتمل أن تُرفَعَ مع ذلك الأحواضُ. ويدلُّ على ذلك حديثُ الرسول ﷺ حينما سأله يهوديُّ: أين يكونُ الناسُ يوم تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ؟ فقال رسول الله ﷺ: «هم في الظُّلمةِ دون الجسرِ» (^٢) فالأرضُ الجديدةُ بيضاءُ مستويةٌ ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ ولا حوضٌ لنبيٍّ (والله أعلم).\n_________\n(^١) جزء من حديث طويل صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ورقمه ٣٧٠٣.\n(^٢) صحيح مسلم ج ١/ ص ٢٥٢ ورقمه ٣١٥.","vol":"1","page":62},{"text":"يمكثُ الناسُ وقوفًا على تلك الحال شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ أربعين سنةً .. رُحْماك ربَّاه .. لقد كانوا يتذمَّرون للحصولِ على مصالِحِهم في الدنيا عند وقوفِهم لساعةٍ أو ساعتين فكيف بيومٍ شديدٍ حَرُّه، كثيرٍ هلَعُه، ينتظرون فيه أربعين سنةً.\nقال ﷺ: «يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لِميقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيَامًَا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ.» (^١).\nإنَّ طولَ يومِ الحشرِ والحسابِ خمسون ألفَ سنةٍ أربعون منها تقف الخلائقُ شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ ينتظرون نزولَ ربِّهم ﷿ لفصلِ الخطابِ وفي الحديث قال ﷺ: «كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النّبل في الكِنانة خمسين ألف سنة ثم لا ينظر إليكم؟!» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر الحديث بتمامه في صحيح الرغيب والترهيب للألباني برقم ٣٥٩١\n(^٢) الصحيحة ٢٨١٧.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>وفي الموقف ..</span>\nهاهي الخلائق كلها قد اجتمعت في الموقف. يطول الانتظار بهم ويطول ويطول .. والشمس الدانية تكاد تغلي منها رؤوسهم، وجهنم التي تتربص بهم تكاد تلتهمهم لولا أزمّتها التي بيد الملائكة الشداد .. يمنعونها من الانقضاض عليهم.\nوهاهم عبدة الأوثان واقفون وجاءت أوثانهم معهم، وعبدة النجوم وعبدة عيسى وعبدة عزير وعبدة فرعون مع فرعونهم وكل معبود وعبدته والأمم بأنبيائها وهذه الأمة الكريمة بمحمدها صلوات ربي وسلامه عليه.\nفي هذه الأثناءِ وفي هذا الموقفِ الرهيب يتفاوتُ الموحّدون في أحوالِهم وانتظارِهم .. وقد ذكرنا أن كل صاحب خطيئة لم تكفر عنه أو لم يتب منها فإنه يأتي وهو يحملها على ظهره.\nويأتي مانعُ الزكاةِ يَجري رُعبًا يَفِرُّ من كنْزِه الذي كان يجمعُ بعد أن رآه وبالًا عليه فقد ربَّاه وسَمَّنه حتى أضحَى وحشًا كاسرًا يَسومُه سوءَ العذابِ.","vol":"1","page":64},{"text":"قال ﷺ: «ما من رجلٍ تكونُ له إبِلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ لا يؤدِّي حقَّها إلا أُتيَ بها يوم القيامةِ أعظمَ ما تكونُ وأسْمَنَه تَطَؤُه بأخفافِها وتنطحُه بقرونِها كلما جازتْ أُخراها رُدَّتْ عليه أُولاها حتى يُقضَى بين الناسِ» (^١).\nوقال: «ما من صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّي حقَّها إلا جُعلتْ له يومَ القيامةِ صفائحَ ثم أُحْمِيَ عليها في نارِ جهنَّمَ ثم يُكوَى بها جبينُه وجبهتُه وظهرُه في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ حتى يُقضَى بين الناسِ فيرى سبيلَه إمَّا إلى الجنةِ أو إلى النارِ».\nوفي روايةٍ: «… ولا صاحبُ كنْزٍ لا يفعلُ فيها حقَّها إلا جاءتْ يوم القيامةِ شجاعًا أقرعَ [أي ثعبانٌ هائلٌ] يتبعُه فاغرًا فاه فإذا أتاه فَرَّ منه فيناديه خُذْ كنْزَك الذي خبَّأتَه فأنا عنه غنيٌّ [وقال الراوي] فأنا عنه أغنَى فإذا رأى أنَّه لا بُدَّ منه سلَكَ يدَه في فيه فيقضِمُها قَضْمَ الفحْلِ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري ج ٢/ ص ٥٣٠ ورقمه ١٣٩١.\n(^٢) المسند المستخرج على صحيح مسلم ج ٣/ ص ٦٩ ورقمه ٢٢٢٨.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>الحرارة شديدة!! فهل من مظلاّت؟</span>\nفي ذلك الحرِّ اللاهبِ يتمنَّى المرءُ ولو شجرةً من شوكٍ تقيه لفحَ الشمسِ وحرَّ جهنمَ ليستظلَّ بظلِّها، والظلُّ هناك ليس من نور الشمسِ وأشعتها فالأجواءُ يومئذٍ مظلمةٌ بل إنَّ الظلَّ يكون عازلًا عن الحرارةِ والله أعلم، فهل هناك ظلٌّ؟\nقال ﷺ: «ظِلُّ المؤمنِ يوم القيامةِ صدقتُه» (^١) فقد يكون هناك مظلاتٌ تتفاوتُ في أحجامِها وسماكتِها بحسب طيب الصدقة وقبولها (^٢) يتفيَّأُ تحتَها المؤمنُ ويستظلُّ أو أنه يكون في كنفها وحمايتها.\nوقال: «… وَالْمُتَحَابُّونَ في اللَّهِ على مَنَابِرَ من نُورٍ في ظِلِّ الْعَرْشِ يوم لاظل إلا ظِلُّهُ» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة ج ٤/ ص ٩٥ ورقمه ٢٤٣٢. وفي مسند الإمام أحمد ج ٤/ ص ١٤٧ «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس» ورقمه ١٧٣٧١. وذكره الألباني في صحيح الجامع.\n(^٢) وذلك بحسب الإخلاص فيها والرغبة وهل هي من الفائض أو من جهد المقل.\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ج ٥/ ص ٢٣٦ ورقمه ٢٢١١٧ وقال الأرناؤوط حديث صحيح.","vol":"1","page":66},{"text":"وهذا أشرف ظل وأعلاه، ظل عرش الرحمن ﷿، وفي قوله لا ظل إلا ظله قال القرطبي: فإن قيل حديث المرء في ظل صدقته حتى يقضي الله بين الخلائق وحديث سبعة يظلهم الله يدل على أن في القيامة ظلالا غير ظل العرش بحسب الأعمال تقي أصحابها حر الشمس والنار وأنفاس الخلائق ولكن ظل العرش أعظمها وأشرفها يخص الله به من شاء من عباده الصالحين …\nويحتمل أنه ليس هناك إلا ظل العرش .. ولكن لما كانت تلك الظلال لا تنال إلا بالأعمال وكانت الأعمال تختلف حصل لكل عامل ظل يخصه من ظل العرش بحسب عمله (^١).\nوأقول لربما تكون هذه الظلال وقت الانتظار قبل نزول الرب جل وعلا واستظلال البعض بظل عرشه، فإذا استظلوا بظله، استغنوا به عن كل ظل، قال ﷺ فيما يرويه عن رَبِّهِ ﵎:\n«حَقَّتْ محبتي على الْمُتَزَاوِرِينَ في وَحَقَّتْ محبتي على المتبَاذِلِينَ فيّ على مَنَابِرَ من نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر شرح الزرقاني ج ٤/ ص ٤٣٦.\n(^٢) مسند أحمد بن حنبل ج ٥/ ص ٣٢٨ ورقمه ٢٢٨٣٤. وقال الأرناؤوط إسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>الشفاعة العظمى</span>\nإذنْ يبقَى الخلقُ في ذلك الانتظارِ أربعين سنةً حتى يبلغَ منهم الكربُ مبلغَه فيتشاورون فيمَن يشفعُ لهم عند الله فيقولون نذهب لآدمَ فيذهبون إليه فيقولون يا آدمُ أنت أبو البشر خلقَكَ الله بيدِه ونفخَ فيك من روحِه وأمرَ الملائكةَ فسجدوا لك وأسكنك الجنةَ، ألا تشفعُ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغَنا فيقول ربِّي غضبَ غضبًا لم يغضبْ قبله مثلَه ولا يغضبُ بعدَه مثلَه ونهانِي عن الشجرةِ فعصيتُه، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوحٍ. فيأتون نوحًا فيقولون يا نوحُ أنت أولُ الرسلِ … والحديث معروف في صحيح البخاري وكلُّ نبيٍّ يقول نفسي نفسي ويُحيلُهم إلى من بعده حتى يأتوا نبيَّنا محمدًا ﵊ فيقول أنا لها فيسجدُ تحت العرشِ ويفتحُ الله عليه بمحامدَ وحسنِ ثناءٍ فيُقالُ يا محمدُ ارفعْ رأسَك واشفعْ تُشَفَّعْ وسلْ تُعْطَه: فيسألُه فصلَ القضاءِ وهي الشفاعةُ العظمى لأهلِ المحشرِ كافة مؤمنِهم وكافرِهم، إنسِهم وجنِّهم.\nوفي هذا المقام المحمود الذي لا يكون إلا له صلوات الله وسلامه عليه حيث ينسى كل حميم حميمه وكل نبي أمته فالكل يقول نفسي نفسي،","vol":"1","page":68},{"text":"يسألُ نبينا الكريم محمدٌ ﷺ ربه كذلك شفاعةً خاصةً لأمتِه قائلًا: «أمتي يا ربّ أمتي يا ربّ. فيُقال يا محمدُ أَدخِلْ من أمتِك مَنْ لا حسابَ عليهم من البابِ الأيمنِ من أبوابِ الجنةِ وهم شركاءُ الناس فيما سوى ذلك من الأبوابِ» (^١) فيدخل بشفاعته السبعون ألفًا أو السبعمائة ألف وفي رواية «مع كل ألف سبعون ألفا» وبحساب ذلك يكون عددهم أربعة ملايين وتسعمائة (^٢) بل وأكثر من ذلك بكثير فإن من فضل الله تعالى وكرمه الذي لا يحدّ أن يحثو بكفيه سبحانه حثيات ثلاث من أمة الحبيب المصطفى ﷺ فيدخلهم معهم بغير حساب قبل أن يبدأ الفصل بين الناس (^٣)، اللهم اجعلنا منهم ففي الحديث: «وَعَدَنِي رَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عليهم ولا عذاب مع كل أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ من حَثَيَاتِ رَبِّي ﷿» (^٤).\nوبعد الشفاعة العظمى ينْزل اللهُ ﷿ لفصل القضاء في ظُلَلٍ من الغَمامِ من العرشِ إلى الكرسيِّ ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ\n_________\n(^١) جزء من حديث في صحيح البخاري ج ٤/ ص ١٧٤٦ ورقمه ٤٤٣٥.\n(^٢) لحديث: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا، لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا». صحيح/ صحيح الجامع.\n(^٣) يحتمل أن يكون دخولهم هذا أي تنعّمهم في مكان عند أبواب الجنة لأنه ثبت في الصحيح أن أول من يدخل الجنة هو الرسول ﷺ ..\n(^٤) سنن ابن ماجه ج ٢: ص ١٤٣٣ ورقمه ٤٢٨٦ وقال الألباني صحيح. وذكره الترمذي وصححه.","vol":"1","page":69},{"text":"الْكِتَابُ وَجِايءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩]، فعند نزول الربِّ جلَّ وعلا تُشرقُ الأنوارُ على الأرضِ من جديدٍ.\n* * *","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>قصاص الخلائق ..</span>\nويبدأ القِصاصُ بين الدوابِّ والبهائمِ والطيورِ والوحوشِ فإذا فُرغَ منها قيل لها كوني ترابًا فعندئذٍ يَغبِطُها الكافرُ فيقولُ يا ليتَنِي كنتُ ترابًا.\nفعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديمِ وحشرَ اللهُ الخلائقَ الإنسَ والجنَّ والدوابَّ والوحوشَ فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاصَ بين الدوابِّ حتى تقصَّ الشاةُ الجمَّاءُ من القرناءِ بنطحتِها فإذا فَرغَ اللهُ من القصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني ترابًا فتكون ترابًا فيراها الكافر فيقول يا ليتَنِي كنتُ ترابًا) (^١).\nفيومئذٍ يقف الكافر بائرًا حاسرًا، ولات ساعة مندم.\nهاهم وقد جا دورهم ينادَى عليهم أفواجا وأمما مع معبوداتهم ففي الحديث:\n: «ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيُّهَا النَّاسُ: أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَنْ\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ٦١٩ ورقمه ٨٧١٦ وذكر الحاكم نحوه برقم ٣٢٣١ في المستدرك وقال احتج به مسلم وهو صحيح على شرطه ولم يخرجه.","vol":"1","page":71},{"text":"يُوَلِّي كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ في الدُّنْيَا، أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنْ رَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلَى، فَيَنْطَلِقُ كُلُّ قَوْمٍ إِلى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيَتَوَلَّوْنَ فِي الدُّنْيَا، قالَ: فَيَنْطَلِقُونَ وَيُمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْطَلِقُ إِلى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلى الْقَمَرِ وَالأَوْثَانِ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. قالَ: وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ ....» (^١).\nويحهم ينطلقون إلى أين … إلى أمهم الهاوية يتقدم كل أمة معبودها يقودها إلى غياهب جهنم والعياذ بالله\nويُرى فرعون يتقدّم شرذمته من وفد الفراعنة عليهم الصّغار والمهانة فيكون فَرَطٌ لهم إلى أمِّه الهاويةِ. بعد أن كان يقول لهم - أنا ربكم الأعلى -،، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]\nفها هي اليوم تلعنه وتشكوه إلى الله ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]\n_________\n(^١) انظر الحديث بتمامه في صحيح الرغيب والترهيب للألباني برقم ٣٥٩١","vol":"1","page":72},{"text":"فيكبكَبون في جهنمَ زُرافاتٍ ووحدانًا لا ينفعُهم يومئذٍ أنهم في العذابِ مشتركون فلا يجدون في ذلك عزاءً ولا سلوانًا فمقولة (الموتُ مع الجماعةِ رحمةٌ) مقولةٌ خاطئةٌ يرُدُّ عليها الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿وَلَن يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]،\nفيُكَبُّون فيها على وجوهِهم ومناخرهم وتدفعهم زبانية العذاب دفعا إليها قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ٩٤ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ٩٥﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥] وقال: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]\nفيدفعون إليها بقوة وعنف وهم عطاش ظماء. فهذه الوفود التي غلبت عليها شقوتها ليس لها صراطٌ، إنما الصراطُ للموحِّدين وقد نُصبَ لتمحيصِهم من الْخَبَثِ وتنقيَتِهم منه كما يُصَفِّي الكيرُ خبثَ الحديدِ والذهبِ.\nفبكفرهم حبطت أعمالهم فليس لهم يومئذ حسنة توزن. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ (^١) [الكهف: ١٠٥]\n* * *\n_________\n(^١) هذه الآية تحتمل معنيين لا يتعارضان، أن الكفار لا ميزان لهم أو أنهم لا وزن لهم ولا قيمة.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>تطاير الصحف ..</span>\nذهب المكذبون الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وفُرغ من الفصل بينهم وبقي أتباع الرسل ومنهم الذين أشركوا مع الله والمنافقون ومن ادعى أنه من هذه الأمة ولكنه حرّف وبدّل.\nتتطايرُ الصحفُ فكلٌّ يأخذُ كتابَه .. فها قد انتهت الدنيا .. وانتهى وقتُ الامتحانِ وجاء يومُ الحصادِ فآخذٌ كتابَه بيمينِه، وآخذٌ كتابَه بشمالِه، وآخذٌ كتابَه من وراء ظهرِه، فأما مَنْ أخذَه بيمينِه فيصيحُ فرِحًا مسرورًا ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ١٩ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ٢٠﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]. لقد كان على يقينٍ بأنه سيُلاقي ذلك الجزاءَ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملًا فهو اليومَ رافعٌ رأسَه بابتهاجٍ في أسعدِ موقفٍ مرَّ عليه منذ يوم خُلقَ … أين تلك اللحظاتُ المفعمةُ بالفرحةِ والسرورِ يوم أن تَخرّج من الجامعةِ بل يوم زواجِه، لا بل يوم أن تَحققَ حلمُه الجميلُ وبنى بيتًا جميلًا وعاش فيه أيامَه القلائلَ في تلك الدارِ الفانيةِ .. كل تلك الأفراحِ تضمحِلُّ وتتلاشَى يوم الفرحِ الأكبرِ والسعادةِ الأبديةِ. أما الظالِمُ لنفسِه الموحِّدُ من أصحابِ الكبائرِ والمقصِّرين في الفرائضِ فإنَّه يأخذُ كتابَه بشِمالِه ويشعر بالخزْيِ والعارِ وظلمِ النفسِ.","vol":"1","page":74},{"text":"وأما المشركون الفجار فيأخذون كتبَهم من وراء ظهورِهم، قيل تُحوَّل أيديهم إلى الوراءِ فيأخذون كتبَهم بها جزاءً من جنسِ العملِ لأنَّهم نبذوا كلامَ رسلِهم وراءَ ظهورِهم ولم يستمعوا إليهم .. وعندئذٍ يُنادُون بالويْلِ والثبورِ ويوقنون بالخسارةِ والهلاكِ.\n* * *","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>أعمالك حجة لك أو عليك</span>\nوهنا تنفع المرء أعماله التي احتسبها لله لا يريد بها إلا وجهه الكريم، فتأتي يوم القيامة تحاجّ عن صاحبها تشهد له:\nفيأتي القرآن قال ﷺ: «اقرأوا الْقُرْآنَ فإنه يَأْتِي يوم الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقرأوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يوم الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أو كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ من طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عن أَصْحَابِهِمَا» (^١)\nويأتيه صيامه وهو أحوج ما يكون إليه يومئذٍ ففي الحديث: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فيشفعان» (^٢).\nويكون له حصنٌ وحماية من النار قال ﷺ: «الصيام جُنّة …» (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم، باب فضل قراءة القرآن ورقمه ٨٠٤\n(^٢) المستدرك على الصحيحين ج ١: ص ٧٤٠ ورقمه ٢٠٣٦ وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ورواه الإمام أحمد في مسنده وضعفه الأرناؤوط.\n(^٣) جزء من حديث في صحيح البخاري، باب فضل الصوم، ورقمه ١٧٩٥.","vol":"1","page":76},{"text":"وتأتي الصدقة فتظلله من حرّ ذلك اليوم: «كُلُّ امْرِئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حتى يُفْصَلَ بين الناس …» (^١).\nوتأتيه صلاته منيرة مُشرقة: ففي الحديث: «… وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيْكَ …» (^٢).\nويأتي ذكره لربه وتسبيحه لمولاه يحاجّ عنه ويحيط به من كل جنب قال ﷺ: «خذوا جنتكم من النار؛ قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مُقدِمات، ومُعقبات، ومُجنّبات، وهن الباقيات الصالحات» (^٣).\nأما إذا كان عمله رياء وسمعة فيا لبؤسه وشقائه فإنه يقف خصمًا له وحجّة عليه ففي الحديث:\n«إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعوا به رجل جمع القرآن، ورجل يُقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل وآناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ويؤتى بصاحب المال\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ج ٤: ص ١٤٧ ورقمه ١٧٣٧١ وصححه الأرناؤوط.\n(^٢) صحيح مسلم، باب فضل الوضوء، ج ١: ص ٢٠٣ ورقمه ٢٢٣.\n(^٣) صحيح الجامع، وقال الألباني صحيح.","vol":"1","page":77},{"text":"فيقول الله ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال بلى قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت فيقول الله بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذاك ويؤتي بالذي قتل في سبيل الله فيقال له فيم قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله ﷿ له بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» (^١).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة ج ٤/ ص ١١٦ ورقمه ٢٤٨٢.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾</span> [الصافات: ٢٤]\nويبدأُ السؤالُ والحسابُ والنقاش وينادَى على كلِّ واحدٍ باسمِه فتوقفُه الملائكةُ بين يدي ربِّ العالمين لا تُخطئُه من بين كلِّ البشرِ. والناس يتفاوتون في الحسابِ أشدَّ التفاوتِ؛ فمن الناسِ من يكونُ حسابُه عسيرًا مصحوبًا بالعذابِ والضربِ والتنكيلِ والفضيحةِ على رؤوسِ الخلائقِ ويقابلُ ذلك بالإنكارِ والكذبِ فيشهدُ الشهودُ من أعضاءِ جسدِه (^١) والأرضُ التي عملَ عليها الخطيئةَ تأتي يوم القيامةِ كشريطٍ مسجَّلٍ شاهدٍ على صاحبِه حتى تقومَ الحجةُ عليه .. ثم ينادى ألا إن فلانًا قد كذبَ على اللهِ ألا لعنةُ اللهِ على فلانٍ. نسألُ اللهَ السلامة. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ\n_________\n(^١) فعن أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قال: كنا عِنْدَ رسول اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فقال «هل تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ» قال قُلْنَا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قال: «من مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يقول يا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي من الظُّلْمِ قال يقول بَلَى قال فيقول فإني لَا أُجِيزُ على نَفْسِي إلا شَاهِدًا مِنِّي قال فيقول كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا قال فَيُخْتَمُ على فيه فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ انْطِقِي قال فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ قال ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ قال فيقول بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كنت أُنَاضِلُ» صحيح مسلم ورقمه ٢٩٦٩.","vol":"1","page":79},{"text":"الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. ومن الناس من يكون حسابُه يسيرًا فتُعرضُ عليه أعمالُه عرضًا خفيفًا فيُقرُّ بها ويعترف، ويُلقي الربُّ كنَفَه عليه ويسترُه ويغفرُها له.\nومنهم من لا يُحاسَبُ ولا يناقَشُ وهم المقرَّبون جعلَنا الله منهم.\n* * *","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>عن ماذا يسألهم؟</span>\n١ - عن الشرك بالله .. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].\nقد يتبادرُ إلى أذهانِنا أننا بعيدون كلَّ البعدِ عن الشركِ وأنواعه، ولكن مع عصرِ العولمةِ، وموجات التغريب، وانفتاحِ الدنيا على المسلمين وازديادِ الفتنِ والمغرياتِ ظهرَ الشركُ من جديدٍ في ثيابٍ جديدةٍ، وألوانٍ جذابةٍ فلبّسَتْ على كثيرٍ من الناسِ، ومع دخولِ بعض العلومِ الحديثةِ تحملُ مسمياتٍ براقةً، وفي طياتِها الكثيرَ من الشركياتِ والبدعِ ملفَّعةً بحججِ الاستشفاءِ والتداوي تارةً وباسم التطورِ وتحسينِ الأنماطِ المعيشيةِ تارةً أخرى. ومنها بعضٌ من أنواعِ العلاجِ بالطبِّ البديلِ وعلمِ البرمجةِ العصبيةِ، والرّيكي، والعلاجِ بالطاقةِ وغيرِ ذلك. أصبح الناسُ يستشفون بالحجارةِ ويعتقدون بنفعِها؛ فحجَرُ كذا يمنحُ الثقةَ وذاك يمنح السعادةَ وآخرُ للحمايةِ حتى بِتْنا نرى من يشتري خاتَمًا بمئاتِ الألوفِ من الريالاتِ لذلك الغرضِ .. ولو كانت الحجارةُ تنفعُ وتضرُّ لكان أوْلَى بذلك كلِّه الحجرُ الأسودُ الذي قال فيه عمرُ بن الخطاب ﵁ عندما جاء إلى الحجرِ الأسودِ فقبَّلَه فقال","vol":"1","page":81},{"text":"إنِّي أعلمُ أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ ولولا أنِّي رأيتُ النبيَّ ﷺ يقبِّلُك ما قبلتُك (^١).\nومنها الاستغراق في حبُّ شهوةٍ من شهواتِ الدنيا حتى يفضلَها على أوامرِ اللهِ فتكونُ شريكًا مع اللهِ من حيث لا يعلمُ فذاك يَهيمُ بالكرةِ حتى يذهبَ وقتُ الصلاةِ وتلك تَهيمُ بالأزياءِ والملابسِ حتى تعصيَ اللهَ في كشفِ عورتِها من أجلِ ما يسمُّونه بالموضةِ الحديثةِ وقد بشَّرَهم الرسولُ ﷺ بالتعاسةِ والشقاءِ ففي الحديثِ: «تَعِسَ عبدُ الدينارِ تَعِسَ عبدُ الدرهمِ وعبدُ القطيفةِ وعبدُ الخميصةِ إنْ أُعطِيَ رضِيَ وإنْ لم يُعطَ غَضبَ تَعِسَ وانتكسَ وإذا شِيك فلا انتقشَ» (^٢).\n٢ - ويُسألُ كلُّ إنسانٍ عن مواردِه التي أعطاه اللهُ وكيف أنفقها، قال ﷺ: «لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعِ خصالٍ: عن عمرِه فيما أفناه، وعن شبابِه فيما أبلاه، وعن مالِه من أين اكتسبِه وفيمَ أنفقَه وعن عِلمِه ماذا عمل فيه» (^٣).\nباستطاعتنا أن نلخصَ هذه المواردَ في الآتي:\n_________\n(^١) صحيح البخاري ج ٢/ ص ٥٧٩ ورقمه ١٥٢٠.\n(^٢) الفردوس بمأثور الخطاب ج ٢/ ص ٦٤ ورقمه ٢٣٦٣ وذكر نحوه البخاري والترمذي وابن ماجه وغيرهم.\n(^٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٦٠ - ٦١)، واللفظ له، والبزار في مسنده رقم (٢٤٣٧)، وهو صحيح بشواهده، وذكر نحوه الألباني في صحيح الجامع برقم (٧٣٠٠).","vol":"1","page":82},{"text":"أ العمر متمثلًا في الوقتِ، وأخصُّه وقتُ الشبابِ والفراغِ.\nب المال.\nج العلم.\nد الصحة.\n٣ - عن الحواسِّ التي خلقَها اللهُ له لتكونَ عونًا على طاعته ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].\nليتَ شِعري مَنْ ينجو من هذا السؤالِ اليومَ بعد دخولِ الفضائياتِ والأقراصِ المضغوطةِ التي يتداولُها الشبابُ فيما بينهم والتي يتسع القرصُ منها جميعَ ما في العالم من مجلاتِ الدعارةِ والْخَنا، وتلك الذاكرةِ الدقيقةِ الحجمِ التي توضعُ في الهواتفِ الخلويةِ فتهتكُ الأعراضَ وتكشفُ الستورَ وقد خُصَّ السمعُ والبصرُ في الآية لأنَّهما مصدرُ التلقي لمعظمِ المعلوماتِ التي يستقبلُها الإنسان.\n٤ - عن جميعِ النعمِ ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] وهل أدّى حقّ الله في شكرها.\n٥ - عن عبادتِهم وأعمالهِم وأولُها الصلاةُ، أمَّا ما يتعلق بالغير فإن أول ما يُسأل عنه الدماء، هذه الدماء التي نراها تُهراق هنا وهناك ظلمًا وعدوانًا.","vol":"1","page":83},{"text":"٦ - عن الأمانة والوفاء بالعهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٤] فيسألهم عن الأمانة العظمى التي حملها آدم وذريته، وكل مستأمن عن أمانته: الوالي عن رعيته والأبآء عن أبنائهم، وكل مستأمن على ملك غيره، وعن العهود والمواثيق هل خانوا وغدروا أم حفظوا ووفوا.\n* * *","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>الميزان ..</span>\nبعد السؤالِ وإقرارِ كلٍّ بذنبِه واعترافِ كلٍّ بعملِه تُنصَب الموازينُ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ليرى كلٌ نتيجةَ عملِه ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ١٠٣﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. وقد اختلفَ العلماءُ في تعددِ الموازين فمنهم من قال ميزانٌ واحدٌ ومنهم من قال بل عدةُ موازينَ.\n* * *","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>صفة الميزان</span>\nوالميزانُ .. ميزانٌ حسيٌّ له كفَّتان ولسانٌ (^١) لو وُزنتْ فيه السمواتُ والأرضُ لوزَنَهنَّ ولذلك فإنَّ الملائكةَ إذا رأتْ عِظَمَ الميزانِ أشفقت على من سيكون الوزنُ من نصيبَهم، قال النبي ﷺ: «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وُزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب! لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» (^٢).\nهذا الميزان شديد الحساسية .. بالغ الدقة، كيف لا؟ وهو يزن الذرة، وهل تعلم ماهي الذرة؟ قال المفسرون هي الهباءة التي لا وزن لها، وهي في العلم الحديث ولا يتعارض أن يشمل معنى (ولا أصغر من ذلك) تلك الذرة متناهية في الصغر بحيث أن نقطة من النقاط التي تجدها على هذه الحروف تحتوي على بلايين منها. وهنا يظهر مدى عدل الله عزوجل قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ\n_________\n(^١) انظر لمعة الاعتقاد للمقدسي ج ١ ص ٢٦. وانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ج ٦ ص ١١٧٣.\n(^٢) الأحاديث الصحيحة للألباني ورقمه ٩٤١.","vol":"1","page":86},{"text":"يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٨﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] فلا تحتقرن أن تبذل ما في وسعك من خير مهما قلّ وتضاءل، ولا تحتقرن ما تفعله من ذنب مهما قلّ وتضاءل.\n* * *","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>ماذا يوضع في الميزان؟</span> ..\n١ - الحسناتُ والسيئاتُ: يأتي الحفَظةُ الذين يكتبون أعمالَ العبادِ يومَ القيامةِ معهم سجلاتُهم تَنوءُ بما فيها فتتحولُ تلك الأمورُ العرَضيةُ إلى أشياء حسيةٍ ملموسةٍ فتظهرُ الحسناتُ في أبْهَى صورةٍ وأجملها، وتبدو السيئاتُ في أسوءِ صورةٍ وأقبحِها.\nووزنُ الحسناتِ يتفاوتُ من عبدٍ لآخَرَ؛ فمن الناسِ من تُوزَنُ حسناتُه الحسنةُ بعشرِ أمثالِها ومنهم من توزن حسنتُه الواحدةُ بأكثرَ من ذلك، ومنهم من تُوزنُ الحسنةُ من حسناتِه بسبعمائةِ ضعفٍ ومنهم من تصلُ إلى ألفيْ ألفٍ وأكثرَ وأكثرَ والله يضاعفُ لمن يشاءُ. ونحن نجدُ ذلك التفاوتَ في الدنيا فقد يصدُرُ العملُ من رجلين ولكنَّ الأولَ يكون معروفًا بين الناسِ بصلاحِه أو شهرتِه بالخيرِ فيحمدُه الناسُ ويُثنون عليه أما الآخَرُ فيعملُ العملَ نفسَه لا يجدُ من الثناءِ والشكرِ ما وجدَه الأولُ لقِصَرِ باعِه وقلةِ إنتاجِه.\nوقد يكونُ تضعيفُ الحسناتِ لسببٍ آخرَ فلا يكونُ التضعيفُ بحسبِ صلاحِ العاملِ بل بصلاحِ العملِ ذاتِه، فقد يصعدُ العملُ إلى اللهِ خالصًا لوجهِه من رجلٍ لم يبلغْ من الصلاحِ ما يجعل جميعَ أعمالِه","vol":"1","page":88},{"text":"تُضاعفُ فيضاعَفُ له العملُ الذي وَجدَ من اللهِ الرضا والقبولَ فيُثيبُه عليه بما لم يكنْ في حسبانِه وفي ذلك قال حسانُ بن عطية:\n(إن الرجلين ليكونان في الصلاةِ الواحدةِ وإن ما بينهما في الفضلِ كما بين السماءِ والأرضِ وذلك أن أحدَهما مُقبلٌ على اللهِ ﷿ والآخَرُ ساهٍ غافلٌ) (^١).\nومن الأعمالِ التي يُضاعفُ الله لصاحبِها الثوابَ إذا أدَّاها على وجهِها المطلوبِ أجرُ الصبرِ، فالصابرُ المحتسبُ موعودٌ من الله بالثوابِ الجزيلِ بغير حسابٍ، فلا يدخلُ ذلك في المضاعَفاتِ المعروفةِ بل تُكالُ له الحسناتُ من لدُنْ أكرمِ الأكرمين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ومثلُ ذلك أجرُ الصومِ فحسناتُه لا تُحسَبُ بعشرٍ ولا سبعمائةِ ضعفٍ بل يُضاعفُها بكرمِه وجودِه وبما هو أهلُه ﷾.\nقال رسول الله ﷺ: «قال اللهُ كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامُ فإنَّه لي وأنا أجزي به» (^٢).\n٢ - الصحائفُ والسجلاتُ التي تُكتب بها الأعمالُ:\nتوزن الصحائف والسجلات ففي الحديث: «إنَّ اللهَ سيخلصُ رجلًا من أمتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشرُ عليه تسعةً وتسعين\n_________\n(^١) الوابل الصيب ج ١/ ص ٣٦.\n(^٢) صحيح البخاري ج ٢/ ص ٦٧٣ ورقمه: ١٨٠٥.","vol":"1","page":89},{"text":"سجلًا كلُّ سجلٍ مثلُ مَدِّ البصرِ ثم يقولُ أتُنكرُ من هذا شيئًا؟ أظلَمَك كَتَبَتِي الحافظون؟ فيقولُ لا يا ربِّ. فيقولُ أفلَك عذرٌ؟ فيقول لا يا ربِّ. فيقولُ بلى إنَّ لك عندَنا حسنةً فإنَّه لا ظلمَ عليك اليومَ؛ فتخرجُ بطاقةٌ فيها أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. فيقولُ أحضرْ وزنَك، فيقول يا ربِّ ما هذه البطاقةُ مع هذه السجلاتِ؟ فقال إنك لا تُظلم. قال فتوضَعُ السجلاتُ في كِفةٍ والبطاقةُ في كفةٍ فطاشت السجلاتُ وثقُلت البطاقةُ فلا يثقلُ مع اسم الله شيءٌ» (^١).\n٣ - الأعمالُ: تُوزَنُ الأعمالُ كذلك فتأتي الأعمالُ الحسَنةُ والخصالُ الحميدةُ مشرقةً وضيئةً وتأتي القبائحُ سوداءَ مظلمةً، قال ﷺ: «ما من شيءٍ يوضعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخُلُقِ، …» (^٢) وقال:\n«كلمتان خفيفتان على اللسانِ ثقيلتان في الميزانِ حبيبتان إلى الرحمنِ سبحانَ اللهِ وبحمدِه سبحان اللهِ العظيمِ» (^٣).\n٤ - وهناك وزنٌ آخَرُ فالإنسانُ بذاتِه يُوزنُ ولكنه وزنٌ مُخالفٌ لما عهِدناه في الدنيا فلا يوزنُ منه شَحمُه ولَحمُه بل لا يُنظرُ إلى ذلك، فقد يأتي السمينُ البادنُ العظيمُ فلا يَزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ قال ﷺ:\n«إنَّه لَيأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامةِ لا يزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ،\n_________\n(^١) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح.\n(^٢) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح.\n(^٣) صحيح البخاري ج ٦/ ص ٢٤٥٩.","vol":"1","page":90},{"text":"وقال اقرأوا إنْ شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ (^١). إذنْ كيف يكون الوزنُ؟ .. يكون الوزنُ يومئذٍ بصلاحِ العبدِ فكلَّما امتلأَ العبدُ صلاحًا وإيمانًا زادَ وزنُه وثَقُلَ في ميزانِ الله، فهذا عبد الله بنَ مسعودٍ رضي الله عنهرآهُ الصحابة وهو يصعدُ شجرةً ليجتني سواكًا من أراك فجعلت الرياحُ تَكفؤُه وتُميلُه ذات اليمينِ وذاتَ الشمالِ فضحكوا فقال رسول الله ﷺ ممَّ تضحكون؟ قالوا يا نبيَّ الله من دقةِ ساقيْه. فقال: «والذي نفسي بيدِه لَهُما أثقلُ في الميزانِ من أُحُدٍ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري ج ٤/ ص ١٧٥٩ ورقمه ٤٤٥٢.\n(^٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ١/ ص ٤٢٠ ورقمه ٣٩٩١. وقال الأرناؤوط صحيح لغيره.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>ولنا عند الميزان وقفة ..</span>\nمن الناسِ من يأتون بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بيضاءَ مشرقة فيجعلُها الله هباءً منثورًا .. ! ماذا فعلوا يا ترى؟ وما الْجُرمُ الذي اقترفوه فذهبَ بحسناتِهم وخسِروا من جرّائِه كلَّ ما جمعوا؟\nتخيلْ كم من الناسِ أصابتْهم انهياراتٌ عصبيةٌ، وأزماتٌ قلبيةٌ، وذبحاتٌ صدريةٌ، إذا داهمتْهم جائحةٌ في أموالِهم وممتلكاتِهم ومنهم مَنْ حاول الانتحارَ عياذًا باللهِ كما حدث عند انْهيارِ بورصةِ الأسهمِ (^١) المفاجئِ بعد أن جمعوا من الأموالِ ما جمعوا مع أنَّ ذلك بالإمكانِ تعويضُه مع الأيامِ المقبلةِ .. أما انهيارُ سوقِ الحسناتِ فلا يمكنُ أن يُعوَّضَ ولا يمكنُ أن تجدَ له بديلًا، فلنحذرْ من أسبابِه كلَّ الحذرِ قال ﷺ: «لأَعلَمَنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بِيضًا فيجعلُها اللهُ ﷿ هباءً منثورًا. قال ثوبانُ يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا جَلِّهِمْ لنا أن لا نكونَ منهم ونحن لا نعلمُ. قال أمَا إنَّهم\n_________\n(^١) وهذا النوع من التجارة في وضعه الحالي وفي كثير من حالاته حرّمه العلماء؛ لأنه نوع من القمار. فانتبه يا رعاك الله.","vol":"1","page":92},{"text":"إخوانُكم ومن جلدتِكم ويأخذون من الليلِ كما تأخذون ولكنهم أقوامٌ إذا خَلَوْا بمحارمِ اللهِ انتهَكوها» (^١).\nيخلو بتلك الصورِ المرسلةِ إليه سرًا عبر هاتفِه أو حاسبِه الشخصيِّ .. أو بمحطاتِ الدعارةِ الفضائيةِ في جُنْحِ الليلِ فلا يأتي الصباحُ إلاَّ وقد خسِرَ دينَه وما جمع. وقد قِيلَ إنَّ اللهَ خبَّأَ سَخَطَه في معاصيه فلا تدري أيَّ معصيةٍ خبأَ اللهُ سخطَه فيها، وخبَّأَ رضاه في طاعتِه فلا تدري أيَّ طاعةٍ خبأَ الله رضاه فيها .. فاتَّقِ الله يا رعاك الله وإياك ومُحَقَّراتِ الذنوبِ.\nومن آكلاتِ الحسناتِ الاعتداء على الغير فقد قال الرسولُ ﷺ: «هل تدرون ما المفلسُ؟ قالوا يا رسولَ الله المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. قال إنَّ المفلسُ من أمتي من يأتي يوم القيامةِ بصيامٍ وصلاةٍ وصدقةٍ ويأتي وقد ظلمَ هذا وأكلَ مالَ هذا وضربَ هذا وشتمَ هذا فيقعد فيُقتَصُّ لهذا من حسناتِه ولهذا من حسناتِه فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يَقضيَ الذي عليه من الخطايا أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم طُرِحَ به في النارِ» (^٢) فإياك والاعتداءَ على حقوقِ الغيرِ وإياك والغِيبةَ\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه ج ٢/ ص ١٤١٨ ورقمه ٤٢٤٥. وصححه الألباني.\n(^٢) المعجم الأوسط ج ٣/ ص ١٥٦ ورقمه ٢٧٧٨. وذكر نحوه الإمام أحمد في مسنده ورقمه ٨٠١٦ وقال عنه الأرناؤوط إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":93},{"text":"والنميمةَ والحسدَ؛ ففي الحديث: «إيَّاكم والحسدَ فإنَّ الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ» (^١).\nوفي الحديث: قيل لرسولِ الله ﷺ إنَّ فلانةَ تُصلِّي الليلَ وتصومُ النهارَ وفي لسانِها شيءٌ يؤذي جيرانَها [أي سليطةُ اللسانِ] قال: «لا خيرَ فيها هي في النارِ». وقيل له إن فلانةَ تُصلي المكتوبةَ وتصومُ رمضانَ وتتصدقُ بالأثوارِ وليس لها شيءٌ غيرَه ولا تُؤذي أحدًا قال «هي في الجنةِ» (^٢).\nفلنبتعدْ عن آكلاتِ الحسناتِ ولنحاولْ أن نثقِّلَ موازينَنا بالطاعاتِ والذكرِ والخلُقِ الحسَنِ، ولنحرصْ على الاستثمارِ في الأعمالِ الجاريةِ المستمرةِ الأجورِ.\nقال رسول الله ﷺ: «إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ من عملِه وحسناتِه بعد موتِه علمًا علَّمَه ونشرَه، وولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورّثَه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيلِ بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجَها من مالِه في صحتِه وحياتِه تلحقُه من بعد موتِه» (^٣) ومن مضاعفاتِ\n_________\n(^١) سنن أبي داود ج ٤/ ص ٢٧٦ ورقمه ٤٩٠٣. وضعفه الألباني وذلك لا ينافي صحة معناه.\n(^٢) المستدرك على الصحيحين ج ٤/ ص ١٨٣ ورقمه ٧٣٠٤ قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكر نحوه الإمام أحمد في مسنده ورقمه ٩٦٧٣ وحسنه الأرناؤوط.\n(^٣) الترغيب والترهيب ج ١/ ص ٥٥ ورقمه ١٢٣. وحسنه الألباني.","vol":"1","page":94},{"text":"الأجورِ قوله ﷺ: «مَنْ احتبسَ فرسًا في سبيلِ اللهِ إيمانًا بالله وتصديقًا بوعدِه فإنَّ شِبَعَه ورِيَّه ورَوْثَه وبولَه في ميزانِه يومَ القيامةِ» (^١) وفي يومِنا هذا يُمكن استبدالُ الفرسِ بالسيارةِ فإنَّ وقودَها وزيْتَها وماءَها وكلَّ لفَّةِ من عجلاتِها حسناتٌ في ميزانِه يومَ القيامةِ، ومن ذلك من يُوقفُ عربةً للمُقعَدين لوجهِ اللهِ في المسجدِ الحرامِ ليطوفَ عليها ذوو الحاجةِ ويسعَوْن، فإنَّ كلَّ خطواتِها في ميزانِه يومَ القيامةِ.\n* * *\n_________\n(^١) صحيح البخاري ج ٣/ ص ١٠٤٨ ورقمه ٢٦٨٩.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>لا توزن أعمالهم ..</span>\nقال ابن القيم: والمقبولُ من العملِ قسمان:\nأحدُهما أن يصلِّيَ العبدُ ويعملَ سائرَ الطاعاتِ وقلبُه متعلقٌ باللهِ ﷿ ذاكرٌ للهِ ﷿ على الدوامِ فأعمالُ هذا العبدِ تُعرَضُ على اللهِ ﷿ حتى تقفَ قُبالتَه فينظرُ الله ﷿ إليها فإذا نظر إليها رآها خالصةً لوجهه مَرضيةً قد صدرتْ عن قلبٍ سليمٍ مخلصٍ مُحِبٍّ للهِ ﷿ ومتقرِّبٍ إليه أحبَّها ورضِيَها وقبلَها.\nوالقسمُ الثاني أن يعملَ العبدُ الأعمالَ على العادةِ والغفلةِ وينويَ بها الطاعةَ والتقربَ إلى اللهِ فأركانُه مشغولةٌ بالطاعةِ وقلبُه لاهٍ عن ذكرِ اللهِ وكذلك سائرُ أعمالِه فإذا رُفعتْ أعمالُ هذا إلى الله ﷿ لم تقفْ تُجاهَه ولا يقعُ نظرُه عليها ولكنْ توضعُ حيث توضعُ دواوينُ الأعمالِ حتى تُعرَضَ عليه يومَ القيامةِ فتُميَّزُ فيُثيبُه على ما كان له منها ويَرُدُّ عليه ما لَم يُرِدْ وجهَه به منها فهذا قبولُه لهذا العملِ إثابتُه عليه بمخلوقٍ من مخلوقاتِه من القصورِ والأكلِ والشربِ والحورِ العينِ وإثابةُ الأولِ","vol":"1","page":96},{"text":"رضا العملِ لنفسِه ورضاه عن عاملِه وتقريبُه منه وإعلاءُ درجتِه ومنْزلتِه فهذا يُعطيه بغيرِ حسابٍ فهذا لونٌ والأولُ لونٌ) (^١).\nتلك هي الفئةُ المتميزة .. الفئةُ التي تستحق أن تُدعى بفئة المهمِّين للغايةِ .. أصحابِ الهممِ العاليةِ، والعزائمِ الصادقةِ، هؤلاء كان الرحمن ﷿ يتقبَّلُ أعمالهم بيمينِه ويُربِيها ويُنَمِّيها فاليومَ يُنادَى عليهم ليَطرقوا بابَ الجنةِ قبلَ بدءِ الحسابِ، وأولُ هؤلاء الأوَّلون الْمُقِلُّون من مَلَذَّاتِ الدنيا وأولُهم فقراءُ المهاجرين يدخلون الجنةَ قبل الناس بأربعين سنةً، قال ﷺ لعبد الله بن عمروٍ ﵄: «أتعلمُ أولَ زُمرةٍ تَدخلُ الجنةَ من أمتي؟ فقراءُ المهاجرين يأتون يومَ القيامةِ إلى بابِ الجنةِ ويستفتحون فتقولُ لهم الخزَنةُ أَوَقَدْ حُوسبْتُم قالوا بأيِّ شيءٍ نُحاسَبُ وإنَّما كانت أسيافُنا على عواتقِنا في سبيلِ اللهِ حتى مِتْنا على ذلك قال فيُفتَحُ لهم فيَقِيلون فيه أربعين عامًا قبل أن يدخلَ الناسُ» (^٢).\nومن تلك الفئةِ المتميزةِ، فئةُ الأغنياءِ الصالحين الذين كانوا يقولون بالمالِ هكذا وهكذا في وجوهِ الخيرِ، ومنهم ذوو السلطانِ وغيرُهم حيث ينادَى عليهم ليُظلَّهم الرَّبُّ ﷿ بظلِّ عرشِه حتى يفرغوا من الحسابِ .. إننا في الدنيا نرى فئةً خاصة يقالُ لها فئةُ المهمِّين للغاية (vip) ..  هؤلاء .. إذا مشَوْا فُرشتْ تحت أرجلِهم البُسُطُ، وإذا جلسوا\n_________\n(^١) الوابل الصيب ص ٣٨.\n(^٢) صحيح الجامع، وقال الألباني صحيح.","vol":"1","page":97},{"text":"أُحضرتْ لهم المياثرُ، وإن أشرقتْ على رؤوسِهم الشمسُ نُصبتْ لهم المظلاتُ ووُضعتْ بين أيديهم أدواتُ الترفيهِ والراحةِ. ذلك فضلُهم في الدنيا أما الآن فقد ذهبَ كلُّ ما ليس للهِ وفي الله أدراجَ الرياحِ، وليس على الغبراءِ اليومَ عَلَمٌ لأحدٍ؛ فهذا يومُ الفائزين بحقٍّ، وظلُّ عرشِ الرحمنِ اليومَ من نصيبِهم.\nمنهم شابٌّ نشأَ في طاعةِ اللهِ، ورجُلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ، والمتحابُّون فيه، والذي يُخفي صدقتَه والمتعفِّفُ الذي حَمَى نفسَه من فتنةِ النساءِ والذي يذكرُ اللهَ حتى تفيضَ عيناه بالدموعِ .. وغيرُهم كمَن أَنظَرَ مُعسِرًا ومن نفَّسَ عن أخيه كُربةً .. فيناديهم في ظلِّ العرشِ حيث لا يشعرون بِحَرِّ جهنمَ ولا سمومِ الشمسِ ولا كُرُباتِ القيامةِ فيكونُ عليهم ذلك اليومُ الثقيلُ كصلاةِ ظهرٍ أو كصلاةِ عصرٍ ففي الحديثِ: قيل لرسولِ اللهِ ﷺ: يومًا كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ ما أطولَ هذا اليومَ؟ فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيدِه إنَّه ليُخفَّفُ على المؤمنِ حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يصلِّيها في الدنيا» (^١).\nوفي الحديث: «تجتمعون يوم القيامة فيقال أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيقومون فيقال لهم: ماذا عملتم؟ فيقولون: ربنا ابتلينا\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج ٣/ ص ٧٥ ورقمه ١١٧٣٥. وضعفه الأرناؤوط وذكر الألباني نحوه في صحيح الجامع وصححه بلفظ «يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر».","vol":"1","page":98},{"text":"فصبرنا، ووليت الأموال والسلطان غيرنا، فيقول الله جلّ وعلا: صدقتم، قال: فيدخلون الجنة قبل الناس، وتبقى شدة الحساب، على ذوي الأموال والسلطان، قالوا: فأين المؤمنون يومئذٍ؟ قال توضع لهم كراسيُّ من نور، ويظلّلُ عليهم الغمامُ، يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار» (^١).\nوفي مقابلِ هذه الفئةِ الراضيةِ المرضيّةِ هناك فئةٌ ملعونةٌ - عياذًا بالله - عليها سَخَطٌ من الله وغضبٌ.\nقال رسول الله ﷺ: «يَخرجُ عُنُقٌ من النارِ يومَ القيامةِ له عينان يبصران، وأذنان يسمعان ولسانٌ ينطقُ، يقول إنِّي وُكِّلتُ بثلاثةٍ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ وبكلِّ مَنْ ادَّعَى مع اللهِ إلهًا آخَرَ وبالمصوِّرين» (^٢) فيلتقطُهم فيكونون في طليعة المقذوفين في جهنمَ قبل الناسِ بخمسمائة عام.\nوفي رواية قال ﷺ: «يخرُجُ عُنقٌ مِنَ النار يتكَلَّمُ يقولُ: وُكِّلتُ اليوم بثَلاثَةٍ: بكلِّ جَبَّارٍ عنيدٍ، وَمَنْ جعلَ مع الله إلهًا آخَر، ومَنْ قَتَل نَفْسًا بغيرِ حقٍّ، فَينْطَوي عليهِم، فيقْذِفُهُم في غمرات جَهَّنمَ» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ج ٣/ ورقمه ٣٥٩٠.\n(^٢) صحيح الجامع، وقال الألباني صحيح.\n(^٣) صححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب برقم ٢٤٥١.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>ويبدأ الجزاء ..</span>\nوبعد الفراغِ من الكفَرةِ الفجَرةِ يبقَى محمدٌ ﷺ وأمَّتُه وباقي أمم الرسل بمن فيهم منافقوها والذين بدلوا وابتدعوا. فأمة محمد الأولون على سائر أمم الرسل قال ﷺ «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ» (^١).\nوقال: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (^٢).\nوقال: «نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يوم\nالْقِيَامَةِ …» (^٣).\nقال العلماء: معناه الآخرون في الزمان والوجود، السابقون بالفضل ودخول الجنة فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر الحديث بتمامه في صحيح مسلم برقم ٢٠\n(^٢) صححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٦٧٤٩\n(^٣) صحيح مسلم، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، ج ٢/ ص ٥٨٥، ورقمه ٨٥٥.\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٦/ ص ١٤٢.","vol":"1","page":100},{"text":"ونكمل الأحداث .. فها قد جاء دور هذه الأمة وهي أول أمة تحاسب بعد كبكبة الكفار في النار.\nوفي الحديث: «وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ فيتمثَّلُ الرَّبُّ ﵎ فيأتيهم فيقولُ ما لكم لا تنطلِقون كما انطلقَ الناسُ فيقولون إنَّ لنا إلَهًا ما رأيناه بعد، فيقول هل تعرفونه إنْ رأيتُموه فيقولون إنَّ بيننا وبينه علامةً إذا رأيناها عرفناه. فيقولُ ما هي فيقولون يكشفُ عن ساقِه فعند ذلك يكشفُ عن ساقِه فيخرون له سجدا، ويَخِرُّ كلُّ مَنْ كان مُشركًا يُرَائِي لظهرِه ويبقَى قومٌ ظهورُهم كصياصي (^١) البقَرِ يريدون السجودَ فلا يستطيعون وقد كانوا يُدعَوْن إلى السجودِ وهم سالمون (^٢). فيكشف الرب ﵎ عن ساقه وهي علامة معرفة أهل الإيمان لربهم.\nفالناسُ في ذلك على ثلاثِ فئاتٍ:\n- كلُّ مَنْ كان يسجدُ للهِ خالصًا من قلبِه فإنَّه يسجدُ يومَئذٍ في طمأنينة وسعادة.\n- وكلُّ مَنْ كان يسجدُ رياءً ونفاقًا يَخِرُّ على ظهرِه.\n- وكلُّ مَنْ كان يَدَّعي الإسلامَ فإذا جاء وقتُ الصلاةِ اختبأَ في مكانٍ حتى يخرجَ المصلُّون من المساجدِ، سيأتي ذلك اليوم الذي\n_________\n(^١) أي كقرون البقر لصلابتها.\n(^٢) انظر الحديث بنصه في الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ٢١١ ورقمه ٥٤٤٢ وصححه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٥٩١.","vol":"1","page":101},{"text":"يَعَضُّ فيه أصابعَ الندمِ يريدُ السجودَ فيجدُ فَقَارَ ظهرِه عظمًا واحدًا لا يستطيعُ الانحناءَ. وواللهِ لقد رأيناهم تقومُ الصلاةُ صلاةُ المغربِ لا تحتملُ التأخيرَ لنُحسنَ الظنَّ بهم ونقول لرُبما يُصلونَها بعد ذلك في منازلِهم .. منهم التاجرُ يعملُ في محلِّه فيغلقُه خشيةَ رجالِ الحسبةِ ومنهم المشتري يتجوَّلُ في السوقِ فإذا قامت الصلاةُ ذهب إلى مكانٍ فانْزوى فيه وأشعل سيجارتَه وراح ينفث دخانَها حتى يَفرغَ الناسُ من الصلاةِ .. ما أشدَّ حماقتَهم يبيعون آخرتَهم .. بلحظاتٍ نحِسة .. ونفثاتٍ مسمومةٍ.\nفهنا يتميزُ الصالِحُ من الطالِحِ وينادى عليهم أن تميزوا عن المؤمنين وكونوا على حدة ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]\nثم يُقال للساجدين ارفعوا رؤوسَكم فيرفعون رؤوسَهم فيُعطيهم نورَهم على قدرِ أعمالِهم.\n* * *","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>الصراط ..</span>\nوفي الحديثِ الحسَنِ «.. والربُّ ﵎ أمامَهم حتى يَمرَّ بهم إلى النارِ فيبقى أثرُه كحدِّ السيفِ …» (^١) وهذا هو الصراطُ وسُمكُه أدقُّ من الشعرةِ دَحضٌ مَزَلَّةٌ وعليه كلاليبُ وأشواكٌ، وترسل على جنبيه الأمانة والرّحم (^٢) تتخطفان كل خائنٍ وقاطع.\nفإذا مرَّ الرَّبُّ ﷿ عادتْ أرضُ المَحشَرِ فأظلمتْ (والله تعالى أعلمُ) فيبقوْن في ظلامٍ دامسٍ وليلٍ داكنٍ، ليس هناك من نورٍ إلا بقدرِ ما عندَ كلِّ واحدٍ منهم من إيمانٍ وصلاحٍ .. ولنا هنا أن نتخيَّلَ صعوبةَ الموقفِ.\nرأيتُ في صحيفة صورةً لهاوٍ مُدرَّب وفي قدميه حذاء خاص يَمشي على حبلٍ قد نُصبَ بين جبلين شاهقين، وبين يديه عصًا طويلة تساعده على الاتزان. ورغم ذلك فقد كان منظره يدعو إلى الرهبة لبعد الهوّة من تحت أقدامه، ولما تخيلت موقفه، حبستُ أنفاسي خوفًا من سقوطِه وطارت نفسي من بين جوانِحي من رهبةِ الموقفِ وتساءلتُ في نفسي\n_________\n(^١) انظر الحديث بنصه في الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ٢١١ ورقمه ٥٤٤٢ وصححه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٥٩١.\n(^٢) انظر الحديث في صحيح الجامع ورقمه ٨٠٢٧.","vol":"1","page":103},{"text":"ماذا لو اختلَّ توازنُه؟ ماذا لو سقطَ هذا الأحمقُ؟ ماذا لو كنتُ مكانَه والله لو أُعطيتُ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما فعلتُ فعلتَه. وما لبثتُ أن تذكرتُ الصراطَ وكلُّنا سيَعبُرُه مُكرَهًا لا طائعًا.\nولن يكون حبلًا غليظًا بل أدقَّ من الشعرةِ.\nلا ولن يكون سميكًا أو مفتولًا بل أحدُّ من السيفِ.\nولن يكون خشِنًا تثبتُ عليه الأقدامُ بل دحضٌ مزَلَّةٌ.\nولن يكون في قدميْك ساعتئذٍ حذاءٌ خاصٌ يساعدُك على العبورِ كما فعل ذلك الرجلُ بل ستكون حافِيَ القدمين.\nولن تستطيعَ يومئذ أن تُمسِكَ بعصًا كما فعل ذلك الشابُّ لتحفظَ توازنَك بل ستجدُ عليه من العقباتِ ما يُعيقُ العبورَ من شوكٍ وحَسَكٍ وكلاليبَ لا يعلمُ قدرَ عظمِها إلا اللهُ، تَخطفُ الناسَ بأعمالِهم، وستجد الرحِم واقفة متربّصة بالقاطع، والأمانةُ تترقب كل خائن مضيّع فإن كان لأحدها منك مُطالِبٌ تشبَّثتْ بك فأسقطتْك وقد يتشبثون جميعهم نسأل الله السلامة ..\nوالأدهَى من ذلك أنه لن يكونَ منصوبًا على ارتفاعِ مئات الأقدامِ بل على هوةٍ سحيقةٍ لا يُعلَمُ مُنتهاها ولا يُدرَكُ آخرُها.\nلا ولن يكونَ منصوبًا على نَهرٍ جارٍ أو ماءٍ رَقراقٍ بل على نارٍ تلَظَّى، وجحيمٍ تَسَعَّرُ ..","vol":"1","page":104},{"text":"والساقطُ فيها هو مَنْ رجَحتْ سيئاتُه على حسناتِه إلاَّ مَنْ تَجاوزَ اللهُ عنه والساقطُ من الموحِّدين يُعذَّبُ ما شاء اللهُ ثم يَخرجُ بالشفاعةِ (^١).\nرُحماك يا ربِّ والمخرَجَ .. والنجاةَ؟\n* * *\n_________\n(^١) انظر فتح الباري ج ١١/ ص ٣٩٩.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>إيمانك هو كشَّافُك ..</span>\nبقدرِ ما في قلبِك من إيمانٍ يكونُ حجمُ النورِ بين يديْك ولا يُضيءُ هذا النورُ إلاَّ لك وحدَك .. فمن الناسِ من يُعطَى نورَه مثلَ الجبلِ العظيمِ يسعَى بين يديْه .. ومنهم من يُعطَى نورَه أصغرَ من ذلك ومنهم من يُعطَى نورَه كالنخلةِ بيدِه ومنهم من يُعطَى أصغرَ من ذلك حتى يكونَ آخرُهم رجلًا يُعطَى نورَه على إبْهامِ قدمِه يضيءُ مرةً ويُطفَأُ مرةً.\nوشعارُ الملائكةِ والأنبياءِ يومَئذٍ مِنْ شدةِ الهوْلِ اللَّهمَّ سَلِّمْ .. اللَّهمَّ سَلِّمْ ..\nثم يُؤمرُ الناسُ بالجوازِ على الصراطِ المنصوبِ فوقَ جهنمَ السوداءِ فيمرُّون على قدرِ نورِهم وبقدر ما في قلوبهم من إيمان تكون مهارتهم في سرعة العبور، فمنهم مَنْ يَمرُّ كطرفِ العينِ ومنهم من يَمرُّ كالبرقِ ومنهم مَنْ يَمرُّ كالسحابِ ومنهم مَنْ يَمرُّ كانقضاضِ الكوكبِ ومنهم مَنْ يَمرُّ كالريحِ ومنهم من يَمرُّ كشدِّ الفرسِ ومنهم من يَمرُّ كشدِّ الرجُل حتى يَمرُّ الذي يُعطَى نورَه على إبْهامِ قدمِه فإذا أضاءَ قدّمَ قدمَه ومشى وإذا أُطفئَ توقف، يَحبُو على وجهِه ويديْه ورجليْه يَجُرُّ يدًا وتَعلقُ يدٌ .. ويَجُرُّ رجلًا .. وتعلقُ رجلٌ وتصيبُ جوانبَه النارَ ..","vol":"1","page":106},{"text":"ولندعْه الآن وشأنَه حتى يفرغ من العبور فقد يطول به المقام ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وسنعودُ له فيما بعدُ لنرى ماذا فعل الله به.\nفإذا رأى المنافقون والعصاةُ ذلك الهوْلَ توسَّلُوا إلى المؤمنين يركُضون خلفَهم يستجدُونَهم أن انتظرونا نَمشي خلفَكم لتُنيروا لنا الطريقَ وهيهاتَ .. آلآن ..؟؟: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].\nفإذا مرُّوا تساقَطوا فيها كالذبابِ وهي تبتلعهم بنهمٍ شديد، وتقول هل من مزيد .. هل من مزيد، ويسقط فيها من الموحِّدين كلُّ من لم يزل في قلبه خَبَث حتى يُنقَّى .. فقد يُغمَسُ غمسةً .. وقد يَمكثُ حِقَبًا من الزمانِ ..\n* * *","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>شفاعة النبي ﷺ لأمته عند الصراط</span>\nفي الحديث قال ﷺ: «… ونبيكم قائم على الصراط يقول يا رب سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا، وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة، تأخذ من أُمرت بأخذه فمخدوشٌ ناجٍ، ومَكدوسٌ في النار» (^١).\nوهنا يبقى نبينا الرؤوف الرحيم مشفقٌ على أمته يتابع جواز أفرادها على الصراط في لهفةٍ ووجل، وفي الحديث: «لِلأنبياء منابر من ذهَب قال فيجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه أو لا أقعد عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يُبعث بي إلى الجنة ويبقي أمتي من بعدي فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول الله ﷿ يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول يا رب عجّل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمة الله ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي فما أزال أشفع حتى أُعطى صِكاكا (^٢) برجال قد بُعث بهم إلى النار، وآتي مالكا\n_________\n(^١) انظر الحديث في صحيح الجامع ورقمه ٨٠٢٧ وقال الألباني صحيح.\n(^٢) أي صكوك مكتوبة فيها الأمر بالإفراج عنهم.","vol":"1","page":108},{"text":"خازن النار فيقول يا محمد ما تركت للنار لغضب ربك في أمتك من بقية» (^١).\nفأول من يمر على الصراط من الموحدين (وهم أمم الأنبياء) أمة نبينا محمد ﷺ وذلك لشفاعته ﵊ بتعجيل حسابها.\n* * *\nولنَعُدْ لذلك العبد المسكين الذي أوتي نورَه على إبهام قدمه .. فيا ترى. هل اجتاز الطريق ونجا .. أم ماذا فعل الله به؟ ..\nيا لها من ساعاتٍ رهيبةٍ لم يكنْ يَحسِبُ لها أيَّ حسابٍ، إنَّه يَحصدُ الآن ما زرعَه في الدنيا جَرّاء تفريطِه في أوامرِ الله يُقدِّمُ رجلًا ويُؤخِّرُ أخرَى ويَحبُو على وجهِه ويديْه ورجليْه، وتَسفَعُ جوانبَه النارُ وتُلهبُ أعضاءَه حرارتها، حتى يصل إلى نِهايةِ الصراطِ ويضعُ قدمَه على شَفيرِ جهنَّمَ، ويقفُ عليها غير مُصدِّقٍ أنه قد نجا ببدنِه من ذلك الهول، فيكون مُمْتَنًّا للهِ أنْ نَجَّاه منها فيقفُ عليها ويقولُ: الحمدُ للهِ الذي أعطانِي ما لَم يُعطِ أحدًا إذْ نَجَّاني منها بعد إذْ رأيتُها ويبقى هنالك\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين ج ١/ ص ١٣٥ وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد غير أن الشيخين لم يحتجا بمحمد بن ثابت البناني وهو قليل الحديث يجمع حديثه والحديث غريب في أخبار الشفاعة ولم يخرجاه. وانظر تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، تأليف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ج ٢ ص ٥٢٨.","vol":"1","page":109},{"text":"ما شاء اللهُ أن يبقَى مقبِلًا بوجهِه قبلَ النارِ، وفي الحديث: «فيقولُ يا ربِّ اصرفْ وجهي عن النارِ قد قشَبَنِي ريحُها وأحرقَنِي ذكاؤُها فيقولُ اللهُ تعالى له هل عسيْتَ إن فُعِلَ ذلك بك أنْ تَسألَ غيرَ ذلك فيقولُ لا وعزَّتِك ويُعطي اللهَ ما يشاءُ من عهدٍ وميثاقٍ فيَصرفُ اللهُ وجهَه عن النارِ ثمَّ يُنطَلَقُ به إلى غديرٍ عند بابِ الجنةِ فيَغتسلُ فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنةِ وألوانُهم فيَرى ما في الجنةِ من خللِ البابِ فيقولُ ربِّ أدخلْنِي الجنةَ فيقول اللهُ له أتسألُ الجنةَ وقد نَجَّيتُك من النارِ؟ فيقولُ ربِّ اجعلْ بيني وبينَها حجابًا لا أسْمَعُ حَسيسَها، قال فيدخلُ الجنةَ. فيرَى أو يُرفَعُ له منْزلٌ أمام ذلك كأنَّما الذي هو فيه إليه حلمٌ ليدخله فيقول ربِّ أعطني ذلك المنْزلَ. فيقولُ: فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه، فيقولُ لا وعزَّتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيعطاه فينزله، قال ويرى أو يُرفعُ له أمام ذلك منْزلٌ آخرُ فيقول ربِّ أعطِني ذلك المنْزلَ فيقول اللهُ ﷿ فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه قال لا وعزتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيُعطاه فينْزلُه قال ويرى أو يُرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما الذي هو فيه إليه حلم، فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول الله ﷻ: فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره قال لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال فيُعطاه فينزله ثم يسكتُ فيقولُ اللهُ ﷿ ما لك لا تسألُ فيقولُ ربِّ لقد سألتُك حتى استحييْتُك وأقسمتُ لك","vol":"1","page":110},{"text":"حتى استحييْتُك فيقولُ الله تعالى: ألا ترضَى أنْ أُعطيكَ مثلَ الدنيا منذُ خلقتُها إلى يومِ أفنيتُها وعشرةَ أضعافِه؟ فيقولُ أتستهزئ بي وأنت ربُّ العزَّةِ فيضحكُ الربُّ ﷿ من قوله (^١) ويقول له لا ولكني على ذلك قادرٌ سَلْ. فيقولُ ألْحِقْني بالناسِ فيقولُ: الْحَقْ بالناسِ. فينطلقُ يَرملُ في الجنةِ حتى إذا دنَا من الناسِ رُفِعَ له قصرٌ من درةٍ فيَخِرُّ ساجدًا فيُقال له ارفعْ رأسَك مالك فيقول رأيتُ ربِّي أو تراءَى لي ربِّي [وهو معذورٌ في ذلك فقد رأَى نعيمًا ومُلكًا كبيرًا لم يَحلمْ به قطُّ ولم يَدُرْ يومًا في مُخَيّلتِه] (^٢) فيُقال له إنَّما هو منْزلٌ من منازلِك قال ثم يَلقَى رجلًا فيتهيأُ للسجودِ له فيقالُ له مَهْ مالَك فيقول رأيتُ أنَّك ملَكٌ من الملائكةِ فيقولُ إنَّما أنا خازنٌ من خُزَّانِك عبدٌ من عبيدِك تحت يديَّ ألفُ قهرمانٍ على مثلِ ما أنا عليه. قال فينطلقُ أمامَه حتى يفتحَ له القصرَ قال وهو في دُرَّةٍ مجوَّفةٍ سقائفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها تستقبلُه جوهرةٌ خضراءُ مبطَّنةٌ بحمراءَ كلُّ جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ على غيرِ لونِ الأخرى في كلِّ جوهرةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووصائفُ أدناهنَّ حوراءُ عيناءُ عليها سبعون\n_________\n(^١) وعند هذه الجملة يضحك راوي الحديث أسوة برسول الله ﷺ قال الراوي ﴿فرأيت عبد الله ابن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغت هذا المكان ضحكت فقال إني سمعت رسول الله ﷺ يحدث بهذا الحديث مرارا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه﴾\n(^٢) ما بين المعقوفتين ليس من الحديث.","vol":"1","page":111},{"text":"حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها كَبِدُها مرآتُه وكبدُه مرآتُها إذا أَعرضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عينِه سبعين ضعفًا عمَّا كانت قبل ذلك وإذا أعرضتْ عنه إعراضةً ازدادَ في عينِها سبعين ضعفًا عما كان قبل ذلك فيقولُ لها والله لقد ازددتِ في عيْنَيَّ سبعين ضعفًا وتقول له وأنت والله لقد ازددتَ في عيْنَيَّ سبعين ضعفًا فيُقالُ له أَشرِفْ قال فيُشرِفُ فيُقال له مُلكُك مسيرةُ مائةِ عامٍ يَنفُذُه بصرُك» (^١).\nوبعدُ .. فهذا نصيبُ أدنَى أهلِ الجنةِ منْزلةً فكيف بأعلاهم؟\n* * *\n_________\n(^١) جزء من حديث في صحيح حادي الأرواح ص ٢٨٠ وذكر نحوه المنذري في الترغيب والترهيب وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ج ٣ ورقمه ٣٥٩١.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>وماذا بعد الصراط؟</span>\nوبعد عبور الصراط وبعد نجاة من نجا، وسقوط من سقط في النار من الموحّدين (^١)، يؤذن للشفعاء بالشفاعة بما فيهم الملائكة فقد كانوا يحضرون مجالس الذكر ويحفّون أهلها بالسكينة والرحمة أفلا يشفعون اليوم لمن رأوه هناك ولو لمرة. ويشفع الرُّسل والشهداء والعلماء والصالحون .. ومن الناس من يُحرم الشفاعة (^٢).\nويشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته وعشيرته (^٣) والعلماء لمن حضروا مجالسهم ومن يعرفونهم، ومن الصالحين من يشفع في\n_________\n(^١) الموحدون هم من قالوا لا إله إلا الله.\n(^٢) إنهم اللعانون ففي مسلم: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ ولا شُفَعَاءَ يوم الْقِيَامَةِ» وفي رواية «لا يكون الطعانون واللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» قال ابن القيم في الصواعق المرسلة: ومن يكون كثير الطعن على الناس وهو الشهادة عليهم بالسوء وكثير اللعن لهم وهو طلب السوء لهم لا يكون شهيدا عليهم ولا شفيعا. وقال النووي: فمعناه لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار ولا شهداء، فيه ثلاثة أقوال: أصحها وأشهرها لا يكونون شهداء يوم= = القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات، والثاني لا يكونون شهداء في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم لفسقهم، والثالث لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله. فاحترس يا رعاك الله ..\n(^٣) انظر الحديث في صحيح الجامع وطرفه (يشفع الشهيد …","vol":"1","page":113},{"text":"الفئام من الناس ومنهم خير التابعين أويس القرني ففي الحديث:\n«ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجلٍ ليس بنبيّ مثل الحيَّين: ربيعةَ ومُضَر» (^١) ويرى المؤمنون أن لهم إخوانا ورفاقا كانوا معهم في الدنيا فسقطوا في النار فيجادلون الله تعالى فيهم. ومن الناس من يحظى بالشفاعة من الصالحين لحضوره مجالسهم وإن لم يكن منهم .. فإنهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.\nقال ﷺ: «إذا خَلَّصَ الله الْمُؤْمِنِينَ من النَّارِ وَأَمِنُوا فما مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ في الْحَقِّ يَكُونُ له في الدُّنْيَا أَشَدَّ مُجَادَلَةً من الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ في إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قال يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ فيقول اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا من عَرَفْتُمْ منهم فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ فَمِنْهُمْ من أَخَذَتْهُ النَّارُ إلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ من أَخَذَتْهُ إلى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرَجْنَا من قد أَمَرْتَنَا ثُمَّ يقول أَخْرِجُوا من كان في قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ من الْإِيمَانِ ثُمَّ من كان في قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ ثُمَّ من كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح. وقيل إنه أويس القرني انظر المستدرك على الصحيحين ج ٣/ ورقمه ٥٧٢١.\n(^٢) سنن ابن ماجه ج ١ ورقمه ٦٠ وقال الألباني صحيح ورقمه في صحيح ابن ماجه ٥١.","vol":"1","page":114},{"text":"فيخرجونهم من النار بعد أن احترقوا وتفحّموا إلا أن النار لا تأكل وجوههم ومواضع السجود منهم فيعرفونهم وفي الحديث قال ﷺ: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أو قال بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حتى إذا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا على أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عليهم فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحبَّةِ تَكُونُ في حَمِيلِ السَّيْلِ» (^١).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار ج ١/ ص ١٧٢ ورقمه ١٨٥.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>شفاعة رب العالمين</span>\nإذا شفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون قالوا: (… رَبَّنَا قد أَخْرَجْنَا من أَمَرْتَنَا فلم يَبْقَ في النَّارِ أَحَدٌ فيه خَيْرٌ، قال ثُمَّ يقول الله شَفَعَتِ الملَائِكَةُ وَشَفَعَ الأَنْبِيَاءُ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وبقي أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ أو قال قَبْضَتَيْنِ نَاسٌ لم يَعْمَلُوا لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ قَدِ احْتَرَقُوا حتى صَارُوا حُمَمًا قال فَيُؤْتَى بِهِمْ إلى مَاءٍ يُقَالُ له مَاءُ الْحَيَاةِ فَيُصَبُّ عليهم فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ فَيَخْرُجُونَ من أَجْسَادِهِمْ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ في أَعْنَاقِهِمُ الْخَاتَمُ عُتَقَاءُ اللَّهِ قال فَيُقَالُ لهم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فما تَمَنَّيْتُمْ أو رَأَيْتُمْ من شيء فَهُوَ لَكُمْ، عندي أَفْضَلَ من هذا قال فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وما أَفْضَلُ من ذلك قال فيقول رضائي عَلَيْكُمْ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا» (^١).\n_________\n(^١) جزء من حديث في مسند أحمد بن حنبل ج ٣/ ص ٩٤ ورقمه ١١٩١٧ وقال الأرناؤوط صحيح على شرط الشيخين. إن الله تعالى قد حرم على الكفرة الجاحدين الجنة بقوله ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. أما هؤلاء فيحتمل أن لا يكونوا جاحدين ولكن أعاقهم عائق أو سوّفوا ففاتهم قول الشهادتين أو خافوا الله = = تعالى في مقام أو غير ذلك والله أعلم. وقال ابن القيم في كتابه حادي الأرواح ج ١/ ص ٢٦٩.\n(إن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا قال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه إن ﵀ فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يقول الله ﷿ اخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر به يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة …)","vol":"1","page":116},{"text":"وعند معاينة الكفار من أهل النار خروج جميع الموحّدين ونجاتهم يعضّون أصابع الندم ويتقطعون حسرة وندامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ٢٩﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].\nفهم اليوم يتلاعنون ذهبت عنهم مودة الدنيا وصداقتها، فكل خليل يلعن خليله وكل صديق يلعن صديقه، ويتبرأ بعضهم من بعض .. قد سقطت كل محبة زائفة، ودعوى باطلة، ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾ [العنكبوت: ٢٥] ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].\n* * *","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>أصحابُ الأعراف</span>\nبعد جوازِ أمَّةِ محمدٍ ﵊ على الصراطِ ينجُو كلُّ من زادتْ حسناتُه على سيئاتِه ولو بحسنةٍ واحدةٍ ولذلك فهم يتفاوتون في سرعتِهم على الصراطِ كما ذُكرَ سابقًا فمنهم مَنْ لا يشعرُ بِحَرِّها من سرعتِه ومنهم من تَلفَحُه ومنهم من يُشوَى ويتقلقلُ بِحَرِّها ولَهَبِها. أما مَنْ رجحتْ سيئاتُهم فمُكردَسون في بطنِها عياذًا باللهِ، إلاَّ أنْ يعفُوَ اللهُ عنهم أو يخرجون بعد ذلك بالشفاعة. ويبقَى قومٌ تساوتْ حسناتُهم مع سيئاتِهم حتى ينظرَ اللهُ فيهم وهم أصحابُ الأعرافِ فيقفون على سورٍ بين الجنةِ والنارِ قيل هو سورُ الأعرافِ فإذا رأَوْا أصحابَ الجنةِ ونجاتَهم غَبِطوهم وسألوا اللهَ أن يُدخلَهم معهم ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] فيَبقوْن على هذه الحالِ حتى يعفوَ اللهُ عنهم بشفاعةِ محمدٍ ﷺ.\nفعن حذيفةَ ﵁ قال: (أصحابُ الأعرافِ قومٌ تجاوزتْ بهم حسناتُهم النارَ وقَصُرتْ بهم سيئاتُهم عن الجنةِ) (^١).\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين، ج ٢/ ص ٣٥٠ وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"1","page":118},{"text":"وقال ابن عباس ﵁: (السابقُ بالخيراتِ يدخلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ والمقتصدُ يدخلُ الجنةَ برحمةِ اللهِ والظالِمُ لنفسِه وأصحابُ الأعرافِ يدخلون الجنةَ بشفاعةِ محمدٍ ﷺ (^١).\nيا له من موقف رهيب يوم تنظر عن يمينك فترى الجنة وأهلها ينعّمون فيها، وتنظر ذات الشمال فترى النار وأهلها يعذّبون فيها، ولا تعلم من أي الفريقين أنت .. بل وتخيَّل كيف يكون موقفك في أرض المحشر وقد تساوتْ حسناتُك مع سيئاتِك وبِتَّ تبحثُ عمَّن يتصدقُ عليك بحسنةٍ واحدةٍ .. هذه الحسناتُ التي كانت في الدنيا بضاعةً كاسدةً وكان الرجلُ منّا يزهدُ فيها وكأنَّه في غنىً عنها .. ها أنت اليوم تتوسلُ إلى أُمِّك (إنْ وجدْتَها في تلك الظلمةِ وذلك الزحام الشديد) فتقولُ لك نفسي نفسي، لا أوثِرُك اليومَ على نفسي.\nفتبحثُ عن أبيك .. وتبحثُ .. وتسألُ، وكلٌّ في شغلٍ عنك، كلٌّ يريدُ أن ينجوَ بنفسِه وكلٌّ يبحثُ عمَّا أنت باحثٌ عنه، تخيلْ كم ستستغرقُ من الزمن كي تجدَه بين هؤلاء البشرِ في تلك الظلمةِ، وإن وجدته .. كم ستكونُ فرحتُك غامرةً وكأنَّك وجدْت كنْزًا، وتظنُّ أنَّ كُربتَك قد فُرجَتْ، فها قد وجدت والدَك العطوفَ الذي كان يُغدقُ عليك ويبذلُ من أجلِك كلَّ غالٍ ونفيسٍ، إنه لن يبخلَ عليك الآن بتلك الحسنةِ .. ولكن يالَخيبةِ أملِك؛ فما تلبثُ أنْ يَدبَّ اليأسُ إلى قلبِك من جديدٍ\n_________\n(^١) المعجم الكبير ج ١١/ ص ١٨٩.","vol":"1","page":119},{"text":"بعد أن تسمعَ منه تلك العبارةَ (نفسي … نفسي) فتتذكرُ زوجتك الحبيبةَ، أمَّ أولادِك، التي طالما أغدقت عليها من الدلالِ والملبسِ والمأكلِ، فكم ستستغرقُ أيضًا في سبيلِ البحثِ عنها، كم من السنين الطوالِ التي تساوي أضعافَ عمرِك في الدنيا في سبيلِ البحثِ عن تلك الزوجةِ، ولكن ما إن تجدْها حتى تسمعَ منها الإجابةَ نفسَها، فتذهبُ إلى كلِّ مَنْ يَخطرُ ببالِك تستنجدُ به، إلى ولدِك، فلذةِ كبدك، إلى ابنتك، إلى أخيك، وأختِك، وخالِك، وعمِّك، ثم إلى سائرِ عشيرتِك فتسمعُ الإجابةَ اليائسةَ في كلِّ مرةٍ: (نفسي … نفسي).\nلقد مضَى عليك أكثرُ من عمرِك في الدنيا، بل أضعافُه، خمسون ألفَ سنةٍ وأنت تبحثُ عن حسنةٍ، كان بإمكانِك الحصولُ عليها بل على العديدِ من الحسناتِ في الدنيا في أقلَّ من الجزءِ من الدقيقةِ.\nإنَّ احتمالَ عثورِك على أبيك أو أمِّك أو أحدٍ من أقربائِك في ذلك الوقت بين ملياراتِ البشرِ احتمالٌ ضئيلٌ جدًا، يستغرقُ آلافَ السنين من الخمسين ألف سنة، وذلك في علمِ الاحتمالاتِ كمن يبحثُ عن كرةٍ ذاتِ نقطةٍ سوداءَ بين ملايينِ الكراتِ المماثلةِ بدونِ النظرِ إليها، وذلك بالطبعِ سوف يستغرقُ من الوقتِ ما لا يُحصَى. هذا مع احتماليةِ فرارِهم منك ومحاولةِ التخفِّي عن أنظارِك خشيةَ أن تكونَ لك مظلمةٌ عليهم يومَ لا يتحملُ أحدٌ عن أحدٍ وزنَ جناحِ بعوضةٍ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ","vol":"1","page":120},{"text":"مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].\nأرأيتَ كيف أصبحتْ سوقُ الحسناتِ الآن غاليةً؛ تلك التي لم تكن تأبَهُ لقيمتِها في الدنيا، لم تكن تساوي عندَك سيجارةً واحدةً من التي ينفثُها صاحبُها لدقائقَ ثم ما يلبثُ أن يسحقَها تحت قدميْه، كم كان يستغرقُ من الوقتِ في شربِها، إن ما استغرقَه في شربِها ونفْثِ دخانِها كنتَ تستطيعُ أنت الحصولُ فيه على آلافٍ مؤلَّفةٍ من الحسناتِ، نعم واللهِ آلافٌ مؤلفةٌ من الحسناتِ.\nولنفترضْ جدلًا أنك قد تَحصَّلت على تلك الحسنةِ عند أحدِهم كم كنت على استعدادٍ لأن تدفعَ في سبيلِ امتلاكِها؟ أليس كنت ستدفعُ كلَّ ما تملك من غالٍ ونفيسٍ، نعم، كيف لا؟ فبها بعد رحمةِ اللهِ يترجح ميزانك فتدخل الجنةَ وتُعتَقُ من النارِ؛ يقولُ الله تعالى في شأنِ الكفارِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وينطبقُ عليك هذا القولُ: إنْ لم يرحَمْك ربُّك فلن يُقبلَ منك لو كنت تملكُ ما في الأرضِ جميعًا ومثلَه معه، لأنَّ سوقَ المالِ والمادةِ الآن لا قيمةَ له ولا وزنَ .. وبضاعتُه اليومَ أصبحتْ كاسدةً وحتمًا سوف تبحثُ عن شيءٍ آخرَ، تفتدي به في سبيلِ الحسنةِ الغاليةِ؛ يقول تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ","vol":"1","page":121},{"text":"لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ١١ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ١٢ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ١٣ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ١٤﴾ [المعارج: ١١ - ١٤].\nإذن تلك الحسنةُ تساوي مَنْ في الأرضِ وما في الأرضِ جميعًا؛ لو أنَّهم ملكٌ لك لبذلتهم جميعًا فداءً في سبيلِ الحصولِ عليها.\nلعلك لا تكادُ تصدِّقُ أن تلك الحسنةَ التي كانت حقيرةً في عينيْك سوف يأتي عليها يومٌ من الأيامِ وإذا بقيمتِها ترتفعُ في (بورصةِ) الأسعارِ يومَ العرضِ الأكبرِ حتى تساوي الدنيا وما فيها.\nأرأيتَ، يا من كنت تَعُدُّ نفسَك من الأذكياءِ، أمَا اتَّضحتْ لك (الجدوى الاقتصاديةُ) للحسنةِ بعد هذه الدراسةِ المسهَبةِ والأكيدةِ التي لا احتمالَ فيها ولا مُخاطَرةَ؟ لقد كنتَ تُخاطِرُ بأموالِك في تجارةٍ غيرِ مؤكدةِ الربحِ، فهذه مضمونةُ الأرباحِ سليمةٌ من الخسارةِ.\nسارعْ يا رعاك الله قبلَ أن يُغلقَ بابُ العرضِ والطلبِ فلا يعودُ لما تملكُ قيمةٌ إلا الحسناتُ، سارعْ باقتنائِها فإن التجارةَ رابِحةٌ والسوقَ يومئذٍ رائجةٌ وأبوابَها اليومَ لا حصرَ لها.\n* * *","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>القنطرة ..</span>\nقالصلى الله عليه وسلم: «إذا خلصَ المؤمنون من النارِ حُبسوا بقنطرةٍ بين الجنةِ والنارِ فيَتقاصُّون مظالِمَ كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبوا أُذِنَ لهم بدخولِ الجنةِ فو الذي نفسُ محمدٍ ﷺ بيده لأَحدُهم بمسكنِه في الجنةِ أدَلُّ بمنْزلِه كان في الدنيا» (^١).\nوهنا يظهرُ مدى العدلِ المطلقِ للحَكَمِ العدلِ سبحانه الذي حرَّمَ الظلمَ على نفسِه وجعلَه بين عبادِه مُحَرمًا فالظلمُ عند اللهِ ﷿ يومَ القيامةِ له دواوينُ ثلاثةٌ:\n١ - ديوانٌ لا يغفرُ اللهُ منه شيئًا وهو الشِّركُ به فإن اللهَ لا يغفرُ أن يُشرَكَ به، ولا يُمحَى هذا الديوانُ إلاَّ بالتوحيدِ.\n٢ - وديوانٌ لا يَتركُ الله تعالى منه شيئًا وهو ظلمُ العبادِ بعضِهم بعضًا فإنَّ الله تعالى يستوفيه كلَّه؛ فديوانُ المظالِمِ لا يُمحَى إلاَّ بالخروجِ منها إلى أربابِها واستحلالِهم منها.\n٣ - وديوانٌ لا يَعبأ اللهُ به وهو ظلمُ العبدِ نفسَه بينه وبين ربِّه ﷿ فإنَّ هذا الديوانَ أخفُّ الدواوينِ وأسرعُها مَحْوًا فإنَّه يُمحَى\n_________\n(^١) صحيح البخاري ج ٢/ ص ٨٦١ ورقمه ٢٣٠٨.","vol":"1","page":123},{"text":"بالتوبةِ والاستغفارِ والحسناتِ الماحيةِ والمصائبِ (^١) الْمُكفِّرةِ ونحو ذلك.\nقال ﷺ: «الظلمُ ثلاثةٌ فظلمٌ لا يَغفرُه اللهُ وظلمٌ يغفرُه اللهُ وظلمٌ لا يتركُ اللهُ منه شيئًا؛ فأمَّا الظلمُ الذي لا يغفرُه اللهُ فالشركُ «وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأما الظلمُ الذي يغفرُه اللهُ فظلمُ العبادِ لأنفسِهم فيما بينهم وبين ربِّهم وأما الظلمُ الذي لا يتركُه فظلمُ العبادِ بعضِهم بعضًا حتى يدينَ لبعضِهم من بعضٍ» (^٢).\nفعلى هذه القنطرةِ يقفُ عبادُ الله الناجون من النارِ فيُقتادُ منهم .. مَنْ ضَربَ يُضرَبُ، ومن جَرحَ يُجرَحُ، ويؤخَذُ لبعضِهم من بعضٍ ظلاماتُهم في الدنيا، وقد يُثيبُ اللهُ المظلومَ خيرًا من مظلمتِه ويعفو عن الظالِمِ برحمتِه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر الوابل الصيب ج ١/ ص ٣٣.\n(^٢) صحيح الجامع وقال الألباني حسن.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>وبعد التطهير الروحي يأتي التطهير الجسدي ..</span>\nهاهي الوفود الكريمة قد وصلت بعد لأيٍ ومشقّة، وحطت رحالها على أعتاب الجنة تنتظر أن يستفتحها سيد الخلق ﵊ ففي الحديث: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يوم الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فيقول الْخَازِنُ من أنت فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فيقول بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (^١).\nفيدخلونها بعده جماعاتٍ جماعاتٍ لا يتقدمُ أحدُهم على الآخَرِ لقوةِ شدِّه، أو لسرعةِ ركضِه، بل لصلاحِه وتقواه.\n﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\nقال ابن كثير: (زُمرا، أي جماعة بعد جماعة، المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضا) (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم ج ١/ ص ١٨٨ ورقمه ١٩٧.\n(^٢) تفسير ابن كثير ج ٤/ ص ٦٦.","vol":"1","page":125},{"text":"ويدخلُ كلُّ أهلِ درجةٍ متحاذيةً أكتافُهم، متصافيةً قلوبُهم، صفًا واحدًا لا يتأخرُ أحدُهم عن الآخَرِ، لا يتدافعون ولا يتجاذبون فهم وفودٌ مُكرَمون، ففي الحديث: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أو سبعمائة أَلْفٍ - شَكَّ في أَحَدِهِمَا- مُتَمَاسِكِينَ آخذ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حتى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وآخرهم الْجَنَّةَ …» (^١) قال النووي: (ومعنى متماسكين ممسك بعضهم بيد بعض ويدخلون معترضين صفًا واحدًا بعضهم بجنب بعض وهذا تصريحٌ بعِظَم سعة باب الجنة نسأل الله الكريم رضاه) (^٢).\nحتى إذا انتهَوْا إلى بابٍ من أبوابِها وجدوا عنده شجرةً يَخرجُ من تحتِ ساقِها عينان تَجريان فعَمَدوا إلى إحداهما كأنَّما أُمروا بها فشربوا منها فأذهبتْ ما في بطونِهم من أذىً أو قذىً أو بأسًا ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهَّروا منها فجرتْ عليهم بنضرة النعيمِ فلن تتغيرَ أبشارُهم بعدَها أبدًا ولن تشعثَ أشعارُهم كأنَّما دهنوا بالدهانِ، على طول آدم ستين ذراعا وعلى حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون سنة وعلى لسان محمد ﷺ جردٌ مردٌ مكحلون (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ج ٥/ ص ٢٣٩٦ ورقمه ٦١٧٧.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٣/ ص ٩٢.\n(^٣) انظر حادي الأرواح ج ١/ ص ٢٧٧.","vol":"1","page":126},{"text":"فإذا انتهوْا إلى خَزَنَةِ الجنةِ رحّبوا بهم وقالوا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\nنعم .. لقد طابوا الآن وتطهروا من كل خَبَث، وأصبحوا لائقين بدخول دار السلام والنقاء والطهر فإنه لا يدخلها إلا كل طاهر نقيّ.\nوفي ساحات الجنة يتلقَّاهم الوِلْدانُ المخلَّدون يُطيفون بهم كما يُطيف وِلدانُ أهلِ الدنيا بالقريبِ الحميمِ يَقدُمُ من غَيْبتِه ويُبشِّرونَه فيقولون أبشِرْ بِما أَعَدَّ اللهُ لك من الكرامةِ. ثم ينطلقُ غلامٌ منهم إلى بعضِ أزواجِه من الحورِ العينِ فيقولُ لها قد جاء فلانٌ باسمِه الذي يُدعَى به في الدنيا فتقولُ أنتَ رأيتَه؟ فيقول أنا رأيتُه وهو ذا بأثَري فيستخِفُّها الفرحُ حتى تقومَ على عتبةِ بابِها تنتظرُه. فإذا انتهى إلى منْزلِه نظرَ إلى أساسِ بُنيانِه فإذا جندلُ اللؤلؤِ فوقَه صرحٌ أخضرُ وأصفرُ وأحمرُ ومن كلِّ لونٍ ثم رفعَ رأسَه فنظرَ إلى سقفِه فإذا مِثلُ البرقِ لولا أن الله قدَّرَ له أن يتحمّلَ ذلك الضوءَ لذهبَ ببصرِه ثم طأطأَ رأسَه فنظرَ إلى أزواجِه وأكوابٍ موضوعةٍ، ونَمارقَ مصفوفةٍ، وزرابِيَّ مبثوثةٍ فنظرَ إلى تلك النعمةِ ثم اتَّكأَ وقالَ ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ثم ينادي مُنادٍ تَحيَوْن فلا تَموتون أبدًا وتُقيمون فلا تَظعَنون أبدًا وتَصِحُّون فلا تَمرَضون أبدا (^١).\n_________\n(^١) يؤثر مثل ذلك عن علي ﵁ انظر نصه في الترغيب والترهيب ج ٤/ ص ٢٧٢.","vol":"1","page":127},{"text":"وقد رأينا حال أدنَى أهلِ الجنةِ منْزلةً من غير الجهنميين، وهو الذي كان يحبو على الصراط وما ناله من ملك عظيم .. فكيف بأعلاهم منزلة؟\nقال كعبٌ ﵁ (إنَّ الله ﷿ جعلَ دارًا فجعلَ فيها ما شاء من الأزواجِ والثمراتِ والأشربةِ ثم أطبقَها ثم لم يَرَها أحدٌ من خلْقِه لا جبريلُ ولا غيرُه من الملائكةِ ثم قرأ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] قال وخلَقَ دون ذلك جنَّتيْن وزيَّنَهما بما شاء وأراهُما مَنْ شاء من خلقِه ثم قال مَنْ كان كتابُه في عِليِّينَ نزلَ تلك الدارَ التي لم يَرَها أحدٌ حتى إنَّ الرجُلَ من أهلِ عِلَّيِّينَ لَيخرجُ فيسيرُ في مُلكِه فما تبقَى خيمةٌ من خِيَمِ الجنةِ إلا دخلَها من ضوءِ وجهِه فيستبشرون بريحِه فيقولون واهًا لهذا الريحِ هذا رجلٌ من أهل عِلِّيِّينَ قد خرجَ يسيرُ في مُلكِه) (^١).\nفياللهِ أيُّ نعيمٍ هذا وأيُّ مُلكٍ .. اللَّهُمَّ إنَّا نسألُك الفردوسَ الأعلَى من غيرِ سابقةِ عذابٍ ولا سابقةِ حسابٍ .. اللَّهُمَّ آمين .. آمين.\n* * *\n_________\n(^١) جزء من حديث انظر صحيح حادي الأرواح ص ٢٨١. وقد صححه الألباني في صحيح الترغيب ورقمه ٣٧٠٤.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>الموت للموت</span>\nوبعد استتباب الأمر وثباته ودخول الفريقين إلى مثواهم الأخير، ينادَى على أهل الجنة وأهل النار ففي الحديث: «يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة! فيطّلعون خائفين وجلين مخافة أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال أتعرفون هذا؟ فيقولون نعم، هذا الموت، فيأمر به فيذبح على الصراط فيقال للفريقين كلاهما: خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا» (^١).\nوقال: «يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فَيُقَالُ يا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيُقَالُ يا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ فَيُقَالُ هل تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ: نعم هذا الموْتُ، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَيَاةَ وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا فَرَحًا، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لِأَهْلِ النَّارِ الْحَيَاةَ وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا تَرَحًا» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح.\n(^٢) صحيح الجامع وقال الألباني صحيح.","vol":"1","page":129},{"text":"وبعد ..\nفهذا يوم القيامة فماذا أعددنا؟\nهذا يوم الحصاد فليت شعري ماذا زرعنا؟\nوهنا مناخ الراحلة فماذا هيئنا؟\nوهنا محطة الوصول فهل أعددنا العدّة وتأهبنا للسفر؟\nوفي الختام لا أقول لنفسي ولكم إلا كما قال ﷺ لأصحابه حينما كان معهم في جنازة فَجَلَسَ على شَفِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى حتى بَلَّ الثَّرَى ثُمَّ قال: «يا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هذا اليوم فَأَعِدُّوا» (^١).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه ج ٢/ ص ١٤٠٣ ورقمه ٤١٩٥ وحسنه الألباني في صحيح الجامع.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>ثبت المراجع</span>\n١ - الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت. ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n٢ - الاستذكار، أبو عمر يوسف ابن عبد الله القرطبي، تحقيق سالم محمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣ - التبصرة في أصول الفقه، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي أبو إسحاق، تحقيق د. محمد حسن هيتو دار النشر: دار الفكر، ط: ١، دمشق، ١٤٠٣.\n٤ - الحوض، شريط مسموع للداعية علي أبو الحسن.\n٥ - الدر المنثور، عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، بيروت: دار الفكر، ١٩٩٣ هـ.\n٦ - الزهد، أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني أبو بكر، تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد، دار الريان للتراث، القاهرة، ط: ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٧ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي تحقيق:","vol":"1","page":131},{"text":"د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط ٣، ١٤١٨ - ١٩٩٨.\n٨ - الفردوس بمأثور الخطاب، الديلمي، تحقيق السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n٩ - المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله النيسابوري، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط ١، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ ١٩٩٠ م.\n١٠ - المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم، أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الهراني الأصبهاني، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي دار الكتب العلمية، ط: ١، بيروت، لبنان، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.\n١١ - الوابل الصيب، شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد عبد الله عوض، دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٢ - اليوم الآخر. القيامة الكبرى، الدكتور عمر سليمان الأشقر، دار النفائس، بيروت ط ٣، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n١٣ - المعجم الأوسط، أبو قاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق طارق الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":132},{"text":"١٤ - المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط ٢، الموصل: مكتبة العلوم والحكم، ١٤٠٤ هـ.\n١٥ - تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٦ - تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١ هـ.\n١٧ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق ابن عثيمين مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م.\n١٨ - حادي الأرواح، شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، دار القلم، بيروت.\n١٩ - سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، حققه محمد عبد الباقي، دار الفكر.\n٢٠ - سنن أبي داود، أبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.\n٢١ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي\nأبو القاسم،","vol":"1","page":133},{"text":"تحقيق د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ١٤٠٢. شرح الزرقاني\n٢٢ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، دار الكتب العلمية، ط ١، بيروت، ١٤١١ هـ.\n٢٣ - صحيح البخاري، الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المطبعة العصرية، ط ١، بيروت: ١٤١٧ هـ ١٩٩٧ م.\n٢٤ - صحيح ابن حبان، أبو حاتم ابن حبان البستي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الرسالة، ط ٢ بيروت: ١٤١٤ هـ.\n٢٥ - صحيح ابن خزيمة، محمد ابن إسحاق النيسابوري، تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي بيروت: المكتب الإسلامي، ١٣٩٠ هـ.\n٢٦ - صحيح الجامع وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، بيروت: المكتب الإسلامي.\n٢٧ - صحيح الترغيب والترهيب، محمد ناصر الدين الألباني، الرياض: مكتبة المعارف، ١٤٢١ هـ.\n٢٨ - صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، الرياض: مكتبة المعارف.\n٢٩ - صحيح مسلم بشرح النووي، الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج، بشرح الإمام يحيى بن شرف.","vol":"1","page":134},{"text":"٣٠ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي. بيروت.\n٣١ - فتح الباري، أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، حققه محبّ الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت.\n٣٢ - كتاب السنة، للحافظ أبي بكر عمر بن أبي عاصم الشيباني، بقلم محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٣٣ - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، تحقيق محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية ط: ١، بيروت، ١٤١٩ هـ ١٩٩٨ م.\n٣٤ - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق بدر بن عبد الله البدر، ط: ١، الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٦ هـ.\n٣٥ - مسند الإمام أحمد، أحمد بن حنبل، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤٢١ هـ ٢٠٠١ م.\n٣٦ - مدارج السالكين، شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"1","page":135}]}