{"ً":{"ٌ":30090,"ٍ":"جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/moselhi/","files":["gmsq_1.pdf","gmsq_2.pdf","gmsq_3.pdf","gmsq_4.pdf"]},"ّ":"الكتاب: جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد\nالمؤلف: عبد الفتاح بن محمد مصيلحي\nالناشر: دار اللؤلؤة للنشر والتوزيع - المنصورة، مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٢ م\nعدد الأجزاء: ٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":1373,"ٕ":11,"ٖ":1770155623,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":1},{"title":"المقدمات","level":1,"page":14},{"title":"الفصل الأول بعض الشبه الواردة على علم أصول الفقه، والجواب عنها","level":2,"page":15},{"title":"الفصل الثاني: المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه","level":2,"page":28},{"title":"أولا: الحد","level":3,"page":28},{"title":"أولا: باعتبار مفرديه","level":4,"page":28},{"title":"ثانيا: تعريف أصول الفقه باعتباره لقبا لهذا العلم","level":4,"page":30},{"title":"ثانيا: الموضوع","level":3,"page":32},{"title":"ثالثا: الثمرة، وهى الفائدة","level":3,"page":38},{"title":"رابعا: فضله","level":3,"page":40},{"title":"خامسا: النسبة","level":3,"page":41},{"title":"سادسا: الواضع","level":3,"page":43},{"title":"سابعا: الاسم","level":3,"page":44},{"title":"ثامنا: الاستمداد","level":3,"page":44},{"title":"تاسعا: حكم الشارع","level":3,"page":46},{"title":"عاشرا: مسائله","level":3,"page":46},{"title":"الفصل الثالث نشأة علم أصول الفقه والأطوار التي مر بها","level":2,"page":47},{"title":"المبحث الأول: علم أصول الفقه في عهد النبوة","level":3,"page":48},{"title":"المبحث الثاني: أصول الفقه في عصر الصحابة","level":3,"page":64},{"title":"المبحث الثالث: علم أصول الفقه في عصر التابعين","level":3,"page":71},{"title":"المبحث الرابع: نبذة مختصرة عن الإمام الشافعي ﵀","level":3,"page":75},{"title":"أولا: اسمه ونسبه","level":4,"page":75},{"title":"ثانيا: مولده ونشأته وطلبه للعلم","level":4,"page":75},{"title":"ثالثا: عبادته","level":4,"page":77},{"title":"رابعا: أقوال بعض العلماء وثناؤهم على الشافعي","level":4,"page":78},{"title":"خامسا: شدة تمسكه بالدليل","level":4,"page":82},{"title":"سادسا: وفاته ﵀","level":4,"page":84},{"title":"المبحث الخامس: رسالة الإمام الشافعي ﵀ المتوفى (٢٠٤ هـ)","level":3,"page":85},{"title":"سبب تأليف الرسالة","level":4,"page":88},{"title":"أهمية كتاب الرسالة ومميزاته","level":4,"page":89},{"title":"موضوعاتها وترتيب مسائل العلم فيها","level":4,"page":90},{"title":"المبحث السادس: ما بعد رسالة الشافعي","level":3,"page":93},{"title":"أ- منهم من اتجه شارحا لرسالة الشافعي مفصلا لما أجمل مخرجا عليه","level":4,"page":93},{"title":"ب- ومنهم من أخذ بكثير مما قرر الشافعي، ولكنهم ناقشوه في بعض ما ذكر، وزادوا عليه","level":4,"page":94},{"title":"القرن الثالث الهجري","level":5,"page":94},{"title":"القرن الرابع الهجري","level":5,"page":95},{"title":"القرن الخامس والسادس الهجري","level":5,"page":96},{"title":"الإمام الكبير القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة (٤٠٣ هـ).","level":6,"page":96},{"title":"طريقة الباقلاني في التقريب والإرشاد وترتيبه لمباحث علم الأصول","level":6,"page":97},{"title":"طريقة الجويني في البرهان وترتيبه مسائل العلم","level":6,"page":102},{"title":"القرن السابع وما بعده","level":5,"page":109},{"title":"المبحث السابع: المذاهب الأصولية وطرق التصنيف","level":4,"page":114},{"title":"أولا: بناء على منهجية التأليف","level":5,"page":115},{"title":"ثانيا: بناء على تقرير الحنفية في بعض المسائل التي هي أمهات مسائل علم الأصول على خلاف تقرير الجمهور","level":5,"page":117},{"title":"المبحث الثامن: طرق التصنيف في أصول الفقه، والكتب المصنفة فيه","level":4,"page":119},{"title":"الطريقة الأولى: طريقة الأحناف (الفقهاء)","level":5,"page":119},{"title":"الطريقة الثانية: طريقة الجمهور (المتكلمين)","level":5,"page":120},{"title":"أولا: بعض الكتب المصنفة على المذهب المالكي","level":6,"page":120},{"title":"ثانيا: بعض الكتب المصنفة على المذهب الشافعي","level":6,"page":121},{"title":"ثالثا: بعض الكتب المصنفة على المذهب الحنبلي","level":6,"page":121},{"title":"رابعا: الكتب المؤلفة على المذهب الظاهري","level":6,"page":122},{"title":"خامسا: الكتب المؤلفة على مذهب المعتزلة","level":6,"page":122},{"title":"الطريقة الثالثة: الجمع بين طريقة الحنفية والجمهور","level":5,"page":122},{"title":"الطريقة الرابعة: وهي طريقة تخريج الفروع على الأصول","level":5,"page":123},{"title":"الطريقة الخامسة: عرض أصول الفقه من خلال المقاصد","level":5,"page":124},{"title":"المبحث التاسع: أثر دخول المسائل الكلامية والمباحث الاعتقادية على علم أصول الفقه","level":4,"page":125},{"title":"سمات ظهور المذاهب العقدية داخل علم الأصول","level":5,"page":126},{"title":"أولا: المبالغة في التجريد العقدي للمسألة مع إهمال أثرها الفقهي، وإهمال وإغفال دلالات النصوص.","level":6,"page":126},{"title":"ثانيا: نزعة المذهب العقدي للمصنف في تقرير مسائل الأصول","level":6,"page":127},{"title":"ثالثا: انقلاب بعض أبواب الأصول إلى معترك عقدي.","level":6,"page":128},{"title":"آثار دخول المسائل الكلامية والمنطقية في علم الأصول","level":5,"page":129},{"title":"أقسام مسائل الأصول التي تأثرت بمسائل الاعتقاد","level":5,"page":129},{"title":"١ - مسائل لا أثر للخلاف فيها (الخلاف لفظي)","level":6,"page":129},{"title":"٢ - مسائل الخلاف فيها متكلف","level":6,"page":130},{"title":"٣ - مسائل ذات الأثر العلمي (الخلاف فيها معنوي)","level":6,"page":130},{"title":"الفصل الرابع المقدمات والمصطلحات المهمة لدارس علم أصول الفقه","level":2,"page":131},{"title":"المبحث الأول: مقدمات مهمة في دراسة علم الأصول","level":3,"page":132},{"title":"ذكر الشاطبي ﵀ بعض المقدمات المهمة المرتبطة بعلم أصول الفقه","level":4,"page":132},{"title":"مسألة: هل يمكن حصول العلم دون معلم؟","level":4,"page":134},{"title":"مسألة: أمارات العالم المتحقق","level":4,"page":135},{"title":"المبحث الثاني: علاقة علم الأصول بغيره من العلوم وتأثيره فيها","level":3,"page":136},{"title":"الأول: التداخل الاستمدادي","level":4,"page":136},{"title":"الثانى: التداخل التحصيلي","level":4,"page":137},{"title":"الثالث: التداخل الموضوعي","level":4,"page":137},{"title":"الرابع: التداخل التأثيري","level":4,"page":137},{"title":"أولا: علم الفقه","level":5,"page":142},{"title":"ثانيا: علم التفسير","level":5,"page":143},{"title":"ثالثا: علم الحديث","level":5,"page":147},{"title":"رابعا: علم العقيدة","level":5,"page":148},{"title":"المبحث الثالث: مصطلحات مهمة","level":3,"page":157},{"title":"شروط صحة الحد","level":4,"page":157},{"title":"أقسام العلم","level":4,"page":158},{"title":"١ - من حيث القطعية والظنية","level":5,"page":158},{"title":"٢ - من حيث التصور والتصديق","level":5,"page":159},{"title":"٣ - باعتبار اكتسابه وعدم ذلك","level":5,"page":159},{"title":"المبحث الرابع: مباحث لغوية متعلقة بعلم الأصول (أحكام الحروف)","level":3,"page":167},{"title":"أحكام الحروف ومعانيها","level":4,"page":167},{"title":"حروف العطف","level":5,"page":167},{"title":"١ - أحكام الواو","level":6,"page":167},{"title":"٢ - أحكام الفاء.","level":6,"page":173},{"title":"٣ - أحكام ثم.","level":6,"page":174},{"title":"٤ - أحكام حتى","level":6,"page":175},{"title":"٥ - إلى: ومعانيها","level":6,"page":181},{"title":"٦ - في: ومعانيها.","level":6,"page":182},{"title":"٧ - رب، ومعانيها.","level":6,"page":182},{"title":"٨ - حروف تفيد الشرط.","level":6,"page":182},{"title":"٩ - من معاني لو.","level":6,"page":183},{"title":"١٠ - حروف تفيد الاستثناء: مثل (إلا)، (حاشا- عدا- خلا) أحيانا.","level":6,"page":183},{"title":"مسألة: اختلاف معاني الكلمات باختلاف حال الحرف","level":5,"page":185},{"title":"أولا: أثر قوة الحرف وضعفه في معنى الحرف","level":6,"page":185},{"title":"ثانيا: اختلاف الحركات يؤدي إلى اختلاف المعنى","level":6,"page":190},{"title":"ثالثا: إنابة الحروف بعضها عن بعض يؤدي إلى تداخل المعاني","level":6,"page":191},{"title":"الأحكام الشرعية","level":1,"page":194},{"title":"الفصل الأول تعريف الأحكام الشرعية","level":2,"page":195},{"title":"تعريف الحكم","level":3,"page":195},{"title":"شرح التعريف","level":3,"page":197},{"title":"مسألة: الفرق بين الحكم عند الأصوليين، والحكم عند الفقهاء","level":4,"page":200},{"title":"أنواع الحكم الشرعي","level":3,"page":201},{"title":"النوع الأول: الحكم التكليفي","level":4,"page":201},{"title":"النوع الثاني: الحكم الوضعي","level":4,"page":206},{"title":"الفصل الثاني الحاكم","level":2,"page":207},{"title":"أولا: المراد بالحسن والقبح","level":3,"page":210},{"title":"ثانيا: الأقوال في المسألة","level":3,"page":211},{"title":"ثالثا: أصول مهمة عند أهل السنة","level":3,"page":211},{"title":"رابعا: تفصيل مذهب أهل السنة","level":3,"page":215},{"title":"خامسا: مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين","level":3,"page":217},{"title":"سادسا: تنبيهات","level":3,"page":220},{"title":"الفصل الثالث الأحكام التكليفية","level":2,"page":224},{"title":"تعريف الأحكام التكليفية","level":3,"page":224},{"title":"هل تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؟","level":3,"page":224},{"title":"الأحكام التكليفية","level":3,"page":228},{"title":"أولا: الواجب","level":4,"page":228},{"title":"تعريف الواجب","level":5,"page":228},{"title":"شرح التعريف","level":5,"page":229},{"title":"مرادفات الواجب","level":5,"page":232},{"title":"صيغ الوجوب","level":5,"page":233},{"title":"قواعد الواجب","level":5,"page":237},{"title":"قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)","level":6,"page":237},{"title":"قاعدة تزاحم الواجبات","level":6,"page":239},{"title":"أوجه الاتفاق والافتراق بين التداخل والتزاحم","level":7,"page":245},{"title":"أولا: أوجه الاتفاق","level":8,"page":245},{"title":"ثانيا: أوجه الافتراق","level":8,"page":246},{"title":"ثالثا: شروط الواجب المخير","level":8,"page":254},{"title":"مسألة: هل يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها؟","level":5,"page":255},{"title":"فائدة: معظم العبادات على التخيير","level":5,"page":256},{"title":"مسألة: فرض الكفاية قد يصبح فرض عين","level":5,"page":260},{"title":"مسألة: أيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟","level":5,"page":261},{"title":"أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي","level":5,"page":262},{"title":"أولا: الواجب المؤقت بوقت مضيق","level":6,"page":267},{"title":"ثانيا: الواجب المؤقت بوقت موسع","level":6,"page":267},{"title":"ثالثا: الواجب المؤقت ذو الشبهين","level":6,"page":269},{"title":"ثانيا: المندوب","level":4,"page":283},{"title":"قواعد الصرف","level":5,"page":285},{"title":"مرادفات المندوب","level":5,"page":287},{"title":"الأساليب التي تفيد الندب","level":5,"page":287},{"title":"قواعد ومسائل","level":5,"page":290},{"title":"أولا: ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب.","level":6,"page":290},{"title":"ثانيا: أقسام المندوب","level":6,"page":290},{"title":"أولا: السنة المؤكدة","level":7,"page":291},{"title":"ثانيا: السنة غير المؤكدة","level":7,"page":291},{"title":"ثالثا: فضيلة وأدب","level":7,"page":292},{"title":"ثالثا: أهمية المندوب","level":6,"page":293},{"title":"رابعا: حكم من ترك المندوب بالكلية","level":6,"page":294},{"title":"خامسا: هل المندوب مأمور به؟","level":6,"page":294},{"title":"سادسا: حكم الشروع في المندوب","level":6,"page":299},{"title":"أولا: مندوب مضيق، وهو ما لا يسع وقته غيره من جنسه.","level":7,"page":303},{"title":"ثانيا: مندوب موسع، وهو الذى يسع وقته غيره من جنسه، وهو قسمان","level":7,"page":303},{"title":"سابعا: كل تنوع دخل في الوجوب فهو داخل في المندوب، ومن هنا ينقسم المندوب بعدة اعتبارات منها","level":6,"page":303},{"title":"ثامنا: أقسام المندوب باعتبار الفاعل ينقسم إلي قسمين","level":6,"page":303},{"title":"تاسعا: المندوب خادم الواجب","level":6,"page":304},{"title":"عاشرا: المندوب واجب بالكل","level":6,"page":305},{"title":"ثالثا: المباح","level":4,"page":309},{"title":"شرح التعريف، وبيان محترزاته","level":5,"page":310},{"title":"الأساليب التي تفيد الإباحة","level":5,"page":313},{"title":"أقسام المباح","level":5,"page":315},{"title":"مسألة: أنواع الإباحة باعتبار مصدرها","level":6,"page":318},{"title":"الفرق بين الإباحة العقلية والشرعية","level":6,"page":319},{"title":"ثمرة التفريق بين الإباحة العقلية والشرعية","level":6,"page":319},{"title":"المباح من حيث الجزء والكل","level":6,"page":320},{"title":"رابعا: الحرام","level":4,"page":325},{"title":"تعريف الحرام","level":5,"page":325},{"title":"شرح التعريف، وبيان محترزاته","level":5,"page":325},{"title":"مسألة: هل كل من ترك الحرام يثاب؟","level":6,"page":326},{"title":"الأساليب التي تفيد التحريم","level":5,"page":327},{"title":"أقسام الحرام","level":5,"page":332},{"title":"١ - محرم لذاته «محرم في أصله»","level":6,"page":333},{"title":"٢ - محرم لغيره «محرم بوصفه»","level":6,"page":333},{"title":"مسألة: هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ أو هل يكون الفعل واجبا وحراما معا؟","level":6,"page":338},{"title":"مسألة: تزاحم المحرمات","level":6,"page":341},{"title":"مسألة: هل يقال: هذا أحرم من هذا؟","level":6,"page":343},{"title":"مسألة: ترك الواجب أعظم من فعل الحرام في الجملة","level":6,"page":343},{"title":"خامسا: المكروه","level":4,"page":345},{"title":"شرح التعريف، وبيان محترزاته","level":5,"page":345},{"title":"قواعد الصرف في المكروه","level":5,"page":346},{"title":"الأساليب التي تدل على الكراهة","level":5,"page":347},{"title":"مسألة: هل تتفاوت الكراهة؟","level":5,"page":350},{"title":"خاتمة الحكم التكليفي","level":3,"page":357},{"title":"الأهلية وعوارضها","level":3,"page":358},{"title":"تعريف الأهلية","level":4,"page":358},{"title":"القسم الأول: عوارض كونية","level":4,"page":363},{"title":"١ - الجنون","level":5,"page":364},{"title":"٢ - العته","level":5,"page":364},{"title":"أثر الجنون في العبادات البدنية","level":6,"page":365},{"title":"٣ - النسيان","level":5,"page":368},{"title":"أولا: الحكم الأخروي","level":6,"page":370},{"title":"ثانيا: الحكم الدنيوي","level":6,"page":370},{"title":"٤ - النوم والإغماء","level":5,"page":371},{"title":"أثر الإغماء في الأهلية","level":6,"page":372},{"title":"أثر الإغماء في التصرفات القولية","level":6,"page":379},{"title":"أثر الإغماء في عقود المعاوضة","level":6,"page":380},{"title":"أثر الإغماء في التبرعات","level":6,"page":381},{"title":"أثر الإغماء في الجنايات","level":6,"page":381},{"title":"٥ - الصغر","level":5,"page":381},{"title":"٦ - المرض","level":5,"page":383},{"title":"٧ - الحيض والنفاس","level":5,"page":385},{"title":"٨ - الموت","level":5,"page":386},{"title":"القسم الثاني: عوارض مكتسبة","level":4,"page":388},{"title":"١ - الجهل","level":5,"page":388},{"title":"٢ - الخطأ","level":5,"page":395},{"title":"٣ - الهزل","level":5,"page":396},{"title":"٤ - السكر","level":5,"page":398},{"title":"٥ - الإكراه","level":5,"page":399},{"title":"شرائط الإكراه","level":6,"page":400},{"title":"تقسيم الإكراه","level":6,"page":406},{"title":"أولا: الإكراه بحق","level":7,"page":406},{"title":"ثانيا: الإكراه بغير حق","level":7,"page":407},{"title":"الإكراه الملجئ، والإكراه غير الملجئ","level":6,"page":407},{"title":"أثر الإكراه","level":6,"page":410},{"title":"أثر الإكراه عند الحنفية","level":7,"page":410},{"title":"أثر الإكراه عند المالكية","level":7,"page":416},{"title":"أثر الإكراه عند الشافعية","level":7,"page":419},{"title":"أ - الإكراه بالقول","level":8,"page":419},{"title":"ب - الإكراه بالفعل","level":8,"page":420},{"title":"أثر الإكراه عند الحنابلة","level":7,"page":421},{"title":"مسألة: أثر إكراه الصبي على قتل غيره","level":8,"page":423},{"title":"أقسام فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الله تعالى","level":4,"page":425},{"title":"القسم الأول: الحق الخالص لله تعالى.","level":5,"page":425},{"title":"القسم الثاني: الحق الخالص للعبد.","level":5,"page":427},{"title":"القسم الثالث: ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب فيه.","level":5,"page":428},{"title":"القسم الرابع: ما اجتمع فيه الحقان، وحق العبد غالب.","level":5,"page":428},{"title":"الفصل الرابع الأحكام الوضعية","level":2,"page":430},{"title":"أقسام الأحكام الوضعية","level":3,"page":430},{"title":"الحكمة من خطاب الوضع","level":4,"page":431},{"title":"الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية","level":4,"page":432},{"title":"مسألة: في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب الوضع، وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف","level":4,"page":435},{"title":"أولا: السبب","level":3,"page":437},{"title":"تعريف السبب","level":4,"page":437},{"title":"شرح التعريف","level":4,"page":438},{"title":"تعريف آخر للسبب","level":4,"page":439},{"title":"شرح التعريف وبيان محترزاته","level":4,"page":439},{"title":"أنواع السبب","level":4,"page":441},{"title":"أولا: أنواع السبب من حيث موضوعه","level":5,"page":441},{"title":"ثانيا: أنواع السبب باعتبار علاقته بالمكلف","level":5,"page":442},{"title":"ثالثا: أنواع السبب باعتبار المشروعية","level":5,"page":444},{"title":"رابعا: أنواع السبب باعتبار تأثيره في الحكم","level":5,"page":445},{"title":"العلاقة بين العلة والسبب","level":6,"page":446},{"title":"خامسا: أنواع السبب باعتبار نوع المسبب","level":5,"page":447},{"title":"سادسا: أنواع السبب باعتبار مصدر العلاقة بينه وبين المسبب","level":5,"page":448},{"title":"حكم السبب","level":4,"page":449},{"title":"مسألة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء","level":5,"page":452},{"title":"ثانيا: الشرط","level":3,"page":456},{"title":"بيان محترزات التعريف","level":4,"page":457},{"title":"العلاقة بين الركن والشرط (شرط الصحة)","level":4,"page":458},{"title":"العلاقة بين السبب والشرط","level":4,"page":460},{"title":"أنواع الشرط","level":4,"page":462},{"title":"أولا: تقسيم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب","level":5,"page":462},{"title":"ثانيا: تقسيم الشرط باعتبار جهة اشتراطه","level":5,"page":463},{"title":"ثالثا: تقسيم الشرط باعتبار إدراك الرابطة مع المشروط","level":5,"page":466},{"title":"ثالثا: المانع","level":3,"page":468},{"title":"العلاقة بين السبب والشرط والمانع","level":4,"page":469},{"title":"أنواع المانع","level":4,"page":471},{"title":"أولا: أنواع المانع باعتبار تأثيره على الحكم والسبب","level":5,"page":471},{"title":"ثانيا: أنواع المانع باعتبار مصدره","level":5,"page":473},{"title":"ثالثا: أنواع المانع باعتبار تأثيره في الحكم","level":5,"page":473},{"title":"رابعا: أنواع المانع عند الحنفية","level":5,"page":475},{"title":"رابعا: الصحيح","level":3,"page":477},{"title":"مسألة: متى يكون الشيء صحيحا؟","level":4,"page":479},{"title":"مسألة: هل هناك تلازم بين الصحة والثواب؟","level":4,"page":480},{"title":"خامسا: الباطل","level":3,"page":483},{"title":"هل الفاسد والباطل مترادفان؟ اختلف في ذلك على مذهبين","level":4,"page":483},{"title":"أساس الاختلاف في الفساد والبطلان","level":4,"page":487},{"title":"العزيمة","level":4,"page":491},{"title":"شرح التعريف وبيان محترزاته","level":5,"page":491},{"title":"مسألة: في أنواع العزيمة","level":5,"page":493},{"title":"الرخصة","level":4,"page":495},{"title":"شرح التعريف وبيان محترزاته","level":5,"page":495},{"title":"مسألة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي أم الحكم الوضعي؟","level":6,"page":497},{"title":"مسألة: أقسام الرخصة","level":6,"page":500},{"title":"مسألة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟","level":6,"page":504},{"title":"تقسيم الحكم باعتبار متعلقه","level":5,"page":512},{"title":"أولا: الأداء","level":6,"page":513},{"title":"ثانيا: الإعادة","level":6,"page":516},{"title":"ثالثا: القضاء","level":6,"page":517},{"title":"مسألة: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فهل يسمى فعلهم هذا قضاء أو أداء.","level":7,"page":521},{"title":"مسألة: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟","level":7,"page":526},{"title":"مسألة: الدليل الموجب للقضاء","level":7,"page":527},{"title":"رابعا: التعجيل","level":6,"page":531},{"title":"أدلة الأحكام","level":1,"page":534},{"title":"المقدمة","level":2,"page":535},{"title":"تعريف أدلة الأحكام","level":3,"page":536},{"title":"تعريف الأدلة","level":4,"page":536},{"title":"الفصل الأول القرآن الكريم","level":2,"page":539},{"title":"المطلب الأول تعريف القرآن الكريم","level":3,"page":541},{"title":"المطلب الثاني شروط قبول القراءة القرآنية","level":3,"page":546},{"title":"فصل في حصر المتواتر في العشر.","level":4,"page":550},{"title":"المطلب الثالث حكم الاحتجاج بالقراءات الشاذة","level":3,"page":551},{"title":"المسألة الأولى حكم القراءة بها","level":4,"page":551},{"title":"المسألة الثانية في حكم الاحتجاج بالقراءات الشاذة.","level":4,"page":554},{"title":"مسالك المحتجين بالقراءات الشاذة","level":4,"page":558},{"title":"الاحتجاج بالقراءة الشاذة عند الشافعية","level":4,"page":561},{"title":"حجة القائلين بعدم حجية القراءات الشاذة","level":4,"page":562},{"title":"المطلب الرابع الحقيقة والمجاز في القرآن.","level":3,"page":564},{"title":"المسألة الأولى تعريف الحقيقة","level":4,"page":564},{"title":"المسألة الثانية أقسام الحقيقة","level":4,"page":564},{"title":"المسألة الثالثة تعريف المجاز","level":4,"page":565},{"title":"المسألة الرابعة أقوال العلماء فى المجاز","level":4,"page":566},{"title":"بعض المسائل التى ادعى فيها المجاز ومناقشتها","level":4,"page":573},{"title":"المطلب الخامس المحكم والمتشابه","level":3,"page":579},{"title":"حكم العمل بالمحكم والمتشابه","level":4,"page":585},{"title":"المطلب السادس دلالة القرآن على الأحكام.","level":3,"page":587},{"title":"أولا من حيث القطعي والظني","level":4,"page":587},{"title":"ثانيا من حيث الإجمال والبيان","level":4,"page":591},{"title":"ثالثا من حيث العموم والخصوص","level":4,"page":591},{"title":"رابعا بيان القرآن للأحكام من حيث الإفراد والتركيب","level":4,"page":592},{"title":"خامسا بيان القرآن للأحكام من حيث المنطوق والمفهوم","level":4,"page":593},{"title":"سادسا دلالة القرآن على الأحكام بالإشارة والإيماء","level":4,"page":594},{"title":"الفصل الثاني السنة النبوية","level":2,"page":596},{"title":"تعريف السنة","level":3,"page":597},{"title":"حجية السنة وأنها مصدر من مصادر التشريع","level":3,"page":600},{"title":"استقلال السنة بالتشريع","level":3,"page":604},{"title":"أحوال السنة مع القرآن في البيان","level":3,"page":607},{"title":"أقسام السنة","level":3,"page":609},{"title":"الأول السنة القولية","level":3,"page":609},{"title":"القسم الثاني أفعال النبي ﷺ","level":3,"page":613},{"title":"القسم الثالث تقرير النبي ﷺ","level":3,"page":623},{"title":"القسم الأول ما تركه النبي ﷺ من أمور العادات أو الأمور الجبلية","level":4,"page":626},{"title":"القسم الثاني الترك في باب العبادات.","level":4,"page":629},{"title":"الفصل الثالث الإجماع","level":2,"page":632},{"title":"تعريف الإجماع لغة واصطلاحا.","level":3,"page":633},{"title":"كيف يعلم الإجماع؟","level":3,"page":635},{"title":"شروط الإجماع","level":3,"page":635},{"title":"إمكانية الإجماع","level":3,"page":636},{"title":"أثر التقنية الحديثة في إمكان انعقاد الإجماع، والاطلاع عليه ونقله","level":3,"page":639},{"title":"أدلة حجية الإجماع","level":3,"page":641},{"title":"مستند الإجماع","level":3,"page":650},{"title":"مسألة هل يجب على المجتهد أن يبحث عن مستند الإجماع أم لا؟","level":4,"page":652},{"title":"أنواع الإجماع","level":3,"page":652},{"title":"الفرق بين الإجماع القطعى والإجماع الظنى","level":3,"page":654},{"title":"مراتب الإجماع السكوتي","level":3,"page":658},{"title":"مسألة انقراض عصر المجمعين","level":4,"page":661},{"title":"فائدة الإجماع","level":3,"page":662},{"title":"مسألة إن خالف النص الإجماع","level":4,"page":664},{"title":"مسألة الإجماع بعد خلاف","level":4,"page":665},{"title":"مسألة اتفاق أكثر المجتهدين","level":4,"page":666},{"title":"اتفاق أهل المدينة","level":3,"page":667},{"title":"مسألة إذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيها","level":4,"page":669},{"title":"مسألة إذا بلغ التابعى رتبة الإجتهاد، واتفق الصحابة جميعا على رأي، وهو خالفهم فيه هل يعتبر ذلك إجماعا أم ليس إجماعا؟","level":4,"page":670},{"title":"هل يعتبر بخلاف الظاهرية في الإجماع؟","level":3,"page":672},{"title":"الإجماع الكاذب","level":3,"page":677},{"title":"شروط تحقق الاختلاف","level":3,"page":684},{"title":"الفصل الرابع القياس","level":2,"page":686},{"title":"بعض المقدمات فى باب القياس","level":3,"page":687},{"title":"تعريف القياس","level":3,"page":688},{"title":"أهمية مبحث القياس","level":3,"page":689},{"title":"من فوائد القياس","level":3,"page":690},{"title":"حجية القياس","level":3,"page":691},{"title":"الأدلة على حجية القياس","level":3,"page":693},{"title":"أولا من الكتاب","level":4,"page":693},{"title":"ثانيا الأدلة من السنة على حجية القياس","level":4,"page":702},{"title":"ثالثا الإجماع","level":4,"page":709},{"title":"رابعا احتجاج الصحابة بالقياس","level":4,"page":711},{"title":"خامسا العقل","level":4,"page":714},{"title":"أدلة منكري القياس","level":4,"page":715},{"title":"أركان القياس","level":4,"page":724},{"title":"الركن الأول: الأصل","level":5,"page":725},{"title":"شروط القياس","level":6,"page":725},{"title":"أولا شروط القائس","level":7,"page":725},{"title":"ثانيا الشروط المتعلقة بأركان القياس","level":7,"page":727},{"title":"الركن الثاني الفرع.","level":5,"page":739},{"title":"الركن الثالث الحكم","level":5,"page":742},{"title":"الركن الرابع العلة","level":5,"page":742},{"title":"الفرق بين العلة والحكمة","level":6,"page":742},{"title":"شروط العلة","level":6,"page":743},{"title":"مسالك العلة","level":6,"page":755},{"title":"أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية المتعلقة بالأقيسة","level":6,"page":756},{"title":"النوع الأول تحقيق المناط","level":7,"page":756},{"title":"النوع الثاني تنقيح المناط","level":7,"page":758},{"title":"النوع الثالث تخريج المناط.","level":7,"page":764},{"title":"المسلك الأول الإجماع.","level":6,"page":767},{"title":"المسلك الثاني النص.","level":6,"page":770},{"title":"المسلك الثالث الإيماء والتنبيه.","level":6,"page":776},{"title":"أنواع الإيماء","level":7,"page":778},{"title":"المسلك الرابع السبر والتقسيم.","level":6,"page":792},{"title":"طرق حصر أوصاف المحل","level":7,"page":797},{"title":"طرق إبطال الأوصاف الغير صالحة للتعليل أو طرق السبر.","level":7,"page":797},{"title":"المسلك الخامس الدوران.","level":6,"page":801},{"title":"حجة أن الدوران دليل العلية","level":7,"page":803},{"title":"المسلك السادس المناسبة.","level":6,"page":806},{"title":"المسلك السابع الشبه.","level":6,"page":809},{"title":"المسلك الثامن الطرد.","level":6,"page":815},{"title":"الخلاف في حجية الطرد","level":7,"page":817},{"title":"المسلك التاسع تنقيح المناط.","level":6,"page":819},{"title":"أنواع القياس","level":3,"page":821},{"title":"الأول قياس العلة","level":4,"page":821},{"title":"النوع الثاني قياس الدلالة","level":4,"page":832},{"title":"النوع الثالث قياس الشبه","level":4,"page":834},{"title":"شروط اعتبار قياس الشبه عند القائلين به","level":5,"page":845},{"title":"رابعا قياس العكس","level":4,"page":853},{"title":"حكم الاستدلال بقياس العكس","level":5,"page":856},{"title":"فصل المسائل التي اختلف في جريان القياس فيها","level":5,"page":857},{"title":"أولا القياس في الأسباب","level":6,"page":857},{"title":"ثانيا القياس في العبادات","level":6,"page":861},{"title":"ثالثا جريان القياس في الحدود والكفارات، والمقدرات، والرخص","level":6,"page":862},{"title":"الفصل الخامس الاستصحاب","level":2,"page":884},{"title":"حجية الاستصحاب","level":3,"page":888},{"title":"صور الاستصحاب","level":3,"page":890},{"title":"الأولى استصحاب العدم الأصلي أو البراءة الأصلية","level":4,"page":890},{"title":"القسم الثاني استصحاب الحكم الشرعي (استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي) حتى يثبت خلافه","level":4,"page":892},{"title":"القسم الثالث استصحاب الأصل","level":4,"page":894},{"title":"القسم الرابع استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع","level":4,"page":897},{"title":"القسم الخامس الاستصحاب المقلوب","level":4,"page":900},{"title":"أثر الاختلاف في جواز الاحتجاج بالاستصحاب","level":5,"page":904},{"title":"بعض القواعد والضوابط الفقهية المبنية على الاستصحاب","level":5,"page":907},{"title":"الفصل السادس شرع من قبلنا","level":2,"page":909},{"title":"تحرير محل النزاع","level":3,"page":911},{"title":"مسألة هل كان النبي ﷺ متعبدا بشرع من قبله قبل نبوته؟","level":3,"page":946},{"title":"الفصل السابع قول الصحابي","level":2,"page":950},{"title":"تعريف الصحابي","level":3,"page":951},{"title":"حجية أقوال الصحابة","level":3,"page":958},{"title":"مسائل فقهية بنيت على أقوال الصحابة","level":3,"page":983},{"title":"الفصل الثامن المصالح المرسلة","level":2,"page":989},{"title":"المصالح المرسلة أو الاستصلاح","level":3,"page":990},{"title":"تعريف المصلحة المرسلة","level":3,"page":990},{"title":"أسماء المصلحة","level":3,"page":998},{"title":"فصل تقسيم المصالح بالنسبة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار.","level":3,"page":1002},{"title":"أسماؤها","level":3,"page":1006},{"title":"أقوال العلماء في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة","level":3,"page":1012},{"title":"سبب الخلاف في العمل بالمصلحة المرسلة","level":3,"page":1019},{"title":"نماذج تطبيقية معاصرة للمصلحة المرسلة","level":3,"page":1026},{"title":"الفصل التاسع سد الذرائع","level":2,"page":1028},{"title":"الأدلة على قاعدة سد الذرائع","level":3,"page":1032},{"title":"قيمة سد الذرائع","level":3,"page":1040},{"title":"أقسام سد الذرائع","level":3,"page":1041},{"title":"ضوابط العمل بقاعدة سد الذرائع","level":3,"page":1051},{"title":"الفصل العاشر العرف أو العادة","level":2,"page":1053},{"title":"تعريف العرف","level":3,"page":1054},{"title":"أقسام العرف","level":3,"page":1056},{"title":"شروط اعتبار العرف لبناء الأحكام عليه","level":3,"page":1069},{"title":"من المسائل المبنية على العرف","level":3,"page":1071},{"title":"قواعد في العرف","level":3,"page":1078},{"title":"من الكتب المهمة في موضوع العرف والعادة","level":3,"page":1086},{"title":"الفصل الحادي عشر الاستقراء","level":2,"page":1087},{"title":"أنواع الاستقراء","level":3,"page":1088},{"title":"من المجالات التي يستعمل فيها الاستقراء التام","level":3,"page":1091},{"title":"الدليل على أن الاستقراء حجة","level":3,"page":1094},{"title":"الفصل الثاني عشر الاستحسان","level":2,"page":1100},{"title":"أنواع الاستحسان","level":3,"page":1107},{"title":"وقد قسم علماء الحنفية الوجوه الدالة على الاستحسان إلى أقسام","level":3,"page":1108},{"title":"طرق الاستنباط","level":1,"page":1121},{"title":"الفصل الأول: الأمر","level":2,"page":1123},{"title":"تمهيد","level":3,"page":1124},{"title":"صيغ الأمر","level":3,"page":1131},{"title":"ما تقتضيه صيغة الأمر","level":3,"page":1133},{"title":"أولا الوجوب","level":4,"page":1133},{"title":"ثانيا الفورية","level":4,"page":1141},{"title":"ثالثا التكرار.","level":4,"page":1151},{"title":"الفصل الثاني النهي","level":2,"page":1163},{"title":"تمهيد","level":3,"page":1164},{"title":"صيغ النهى، وما في معناها","level":3,"page":1168},{"title":"الفصل الثالث العام والخاص","level":2,"page":1192},{"title":"أولا العام","level":3,"page":1193},{"title":"تعريف العام","level":4,"page":1193},{"title":"شرح التعريف","level":4,"page":1194},{"title":"مسألة الصورة النادرة وغير المقصودة هل تدخل في العموم؟","level":4,"page":1197},{"title":"مسألة هل تدخل النساء في خطاب الرجال؟ أو هل الجمع الذي فيه علامة التذكير يتناول النساء؟","level":4,"page":1202},{"title":"مسألة أقل الجمع","level":4,"page":1214},{"title":"مسألة العموم من عوارض الألفاظ.","level":4,"page":1221},{"title":"مسألة هل العموم من عوارض المعاني؟","level":4,"page":1222},{"title":"صيغ العموم","level":4,"page":1232},{"title":"مسألة النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، ولا تفيد العموم إلا بقرينة.","level":4,"page":1236},{"title":"مسألة حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم؟.","level":4,"page":1238},{"title":"أقسام العام","level":4,"page":1242},{"title":"ثانيا الخاص","level":3,"page":1254},{"title":"شروط التخصيص","level":4,"page":1258},{"title":"أنواع المخصص","level":4,"page":1260},{"title":"أنواع التخصيص المتصل","level":4,"page":1261},{"title":"أولا الاستثناء","level":5,"page":1261},{"title":"الأحكام المتعلقة بالمستثنى","level":6,"page":1262},{"title":"ثانيا الشرط.","level":5,"page":1280},{"title":"ثالثا الصفة.","level":5,"page":1286},{"title":"رابعا الغاية.","level":5,"page":1287},{"title":"أنواع التخصيص المنفصل","level":4,"page":1290},{"title":"الفصل الرابع المطلق والمقيد","level":2,"page":1321},{"title":"المطلق والمقيد","level":3,"page":1322},{"title":"أوجه الشبه والاختلاف بين العام والمطلق","level":3,"page":1342},{"title":"الفصل الخامس الظاهر والمؤول","level":2,"page":1346},{"title":"أولا الظاهر","level":3,"page":1347},{"title":"المسألة الأولى تعريفه لغة واصطلاحا.","level":4,"page":1347},{"title":"المسألة الثانية حكم العمل بالظاهر.","level":4,"page":1348},{"title":"ثانيا المؤول","level":3,"page":1350},{"title":"المسألة الأولى تعريفه لغة واصطلاحا","level":4,"page":1350},{"title":"المسألة الثانية معاني التأويل","level":4,"page":1351},{"title":"المسألة الثالثة شروط التأويل الصحيح","level":4,"page":1352},{"title":"الفصل السادس المجمل والمبين","level":2,"page":1358},{"title":"أولا المجمل","level":3,"page":1359},{"title":"المسألة الأولى تعريفه لغة واصطلاحا","level":4,"page":1359},{"title":"المسألة الثانية فائدة الإجمال قبل البيان","level":4,"page":1360},{"title":"المسألة الثالثة حكم العمل بالمجمل قبل ورود البيان.","level":4,"page":1362},{"title":"المسألة الرابعة هل يدخل الإجمال الأفعال؟","level":4,"page":1366},{"title":"المسألة الخامسة: أسباب الإجمال في نصوص الشريعة","level":4,"page":1367},{"title":"المسألة السادسة هل يجوز بقاء المجمل دون بيان بعد وفاة النبي ﷺ؟","level":4,"page":1370},{"title":"ثانيا المبين","level":3,"page":1372},{"title":"المسألة الأولى المراد بالمبين، والمبين، والبيان.","level":4,"page":1372},{"title":"المسألة الثانية هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟","level":4,"page":1373},{"title":"المسألة الثالثة قواعد متفرعة على قاعدة عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.","level":4,"page":1374},{"title":"المسألة الرابعة هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة؟","level":4,"page":1376},{"title":"المسألة الخامسة هل يقع البيان بالفعل؟","level":4,"page":1382},{"title":"الفصل السابع المنطوق والمفهوم","level":2,"page":1385},{"title":"أولا المنطوق","level":3,"page":1386},{"title":"المسألة الأولى تعريف المنطوق.","level":4,"page":1386},{"title":"المسألة الثانية الفرق بين المنطوق والمجمل.","level":4,"page":1386},{"title":"المسألة الثالثة أقسام المنطوق","level":4,"page":1387},{"title":"ثانيا المفهوم","level":3,"page":1388},{"title":"المسألة الأولى توطئة","level":4,"page":1388},{"title":"المسألة الثانية تعريف مفهوم الموافقة","level":4,"page":1389},{"title":"المسألة الثالثة أسماء مفهوم الموافقة","level":4,"page":1389},{"title":"المسألة الرابعة شروط مفهوم الموافقة","level":4,"page":1390},{"title":"المسألة الخامسة أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أولى أو مساويا","level":4,"page":1392},{"title":"المسألة السادسة هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، أو دلالة ظنية؟","level":4,"page":1393},{"title":"المسألة السابعة هل يجوز التخصيص بالمفهوم","level":4,"page":1398},{"title":"المسألة الرابعة أنواع مفهوم المخالفة","level":4,"page":1417},{"title":"الفصل الثامن النسخ","level":2,"page":1444},{"title":"المسألة الأولى النسخ لغة واصطلاحا","level":3,"page":1445},{"title":"المسألة الثانية مصطلح النسخ بين المتقدمين والمتأخرين","level":3,"page":1447},{"title":"المسألة الثالثة هل النسخ جائز عقلا وشرعا؟","level":3,"page":1450},{"title":"المسألة الثالثة عشر أقسام النسخ","level":3,"page":1502},{"title":"المسألة الرابعة عشر هل يقع مفهوم الموافقة ناسخا ومنسوخا؟","level":3,"page":1519},{"title":"المسألة الخامسة عشر مفهوم المخالفة هل يقع منسوخا؟","level":3,"page":1521},{"title":"الفصل التاسع: ترتيب الأدلة والتعادل والتعارض والترجيح","level":2,"page":1526},{"title":"مقدمات بين يدي البحث","level":3,"page":1527},{"title":"أولا: التعارض","level":3,"page":1527},{"title":"المسالك العامة عند إيهام التعارض","level":4,"page":1533},{"title":"المسلك الأول الجمع","level":5,"page":1533},{"title":"المسلك الثاني فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول المنسوخ.","level":5,"page":1535},{"title":"المسلك الثالث فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح","level":5,"page":1537},{"title":"المسلك الرابع فإن لم يوجد مرجح في نظر المجتهد وجب التوقف.","level":5,"page":1538},{"title":"ثانيا الترجيح","level":3,"page":1544},{"title":"المرجحات (بعض صور الترجيح)","level":4,"page":1547},{"title":"الاجتهاد، الفتوى، التقليد، وعلم المقاصد","level":1,"page":1558},{"title":"الفصل الأول الاجتهاد، والفتوى والتقليد","level":2,"page":1560},{"title":"المبحث الأول الاجتهاد.","level":3,"page":1561},{"title":"تعريف الاجتهاد","level":4,"page":1561},{"title":"نبذة تاريخية عن الاجتهاد","level":4,"page":1562},{"title":"مكانة الاجتهاد","level":4,"page":1567},{"title":"أركان الاجتهاد","level":4,"page":1572},{"title":"شروط المجتهد","level":4,"page":1573},{"title":"حكم الاجتهاد","level":4,"page":1575},{"title":"مسألة تجزؤ الاجتهاد","level":5,"page":1576},{"title":"مراتب المجتهدين","level":4,"page":1577},{"title":"مجالات الاجتهاد","level":4,"page":1580},{"title":"طريقة الاجتهاد","level":4,"page":1581},{"title":"نقض الاجتهاد","level":4,"page":1586},{"title":"الشق الثاني عدم نقض الاجتهاد","level":4,"page":1588},{"title":"آثار تغير الاجتهاد، ونقض الاجتهاد وعدمه","level":4,"page":1589},{"title":"مسألة تغير الاجتهاد","level":5,"page":1592},{"title":"وأسباب تغير الاجتهاد","level":4,"page":1593},{"title":"مسألة هل كل مجتهد مصيب؟","level":5,"page":1595},{"title":"مسألة هل كل من يجتهد يتردد بين الأجر والأجرين؟","level":5,"page":1600},{"title":"مسألة هل يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ؟","level":5,"page":1600},{"title":"مسألة هل يجوز للنبي ﷺ الاجتهاد؟","level":5,"page":1602},{"title":"بيان نوع الخلاف","level":4,"page":1608},{"title":"مسألة هل وقع الاجتهاد من النبي ﷺ؟","level":5,"page":1608},{"title":"بيان نوع الخلاف","level":4,"page":1613},{"title":"مسألة هل يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ؟","level":5,"page":1613},{"title":"مسألة هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين في وقت واحد؟","level":5,"page":1616},{"title":"مسألة هل يجوز للمجتهد أن يقلد غيره؟","level":5,"page":1617},{"title":"مسألة إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة ذكرها، ووجدت تلك العلة في مسألة أخرى؟","level":5,"page":1618},{"title":"مسألة إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان مختلفتان، وصح هذا النقل عنه، ففيه تفصيل","level":5,"page":1619},{"title":"مسألة هل يجوز خلو عصر من مجتهد؟","level":5,"page":1620},{"title":"الاجتهاد في العصر الحاضر","level":4,"page":1625},{"title":"المبحث الثاني الفتوى","level":3,"page":1629},{"title":"تعريف الفتوى","level":4,"page":1629},{"title":"والقضاء شبيه بالفتوى إلا أن بينهما فروقا","level":4,"page":1630},{"title":"أهمية منصب الفتوى وخطورته","level":4,"page":1631},{"title":"تنبيهات","level":4,"page":1632},{"title":"حكم الإفتاء والاستفتاء","level":4,"page":1634},{"title":"مسألة أنواع الفتاوى","level":4,"page":1637},{"title":"شروط المفتي","level":4,"page":1638},{"title":"صفات المفتي","level":4,"page":1639},{"title":"آداب المفتي في نفسه","level":4,"page":1640},{"title":"آداب إصدار الفتوى","level":4,"page":1642},{"title":"آداب المستفتي","level":4,"page":1645},{"title":"المبحث الثالث التقليد","level":3,"page":1647},{"title":"تعريف التقليد والاتباع","level":4,"page":1647},{"title":"الفرق بين التقليد والاتباع","level":4,"page":1648},{"title":"تاريخ التقليد والاتباع","level":4,"page":1649},{"title":"تقليد المفضول","level":4,"page":1650},{"title":"تقديم الأعلم على الأورع","level":4,"page":1651},{"title":"طرق معرفة العامي للمفتي","level":4,"page":1651},{"title":"فتوى المقلد","level":4,"page":1651},{"title":"أقسام التقليد","level":4,"page":1653},{"title":"مسألة هل يجوز التقليد في الأصول؟","level":5,"page":1656},{"title":"مسألة هل يجوز التقليد في الفروع؟","level":5,"page":1659},{"title":"أحكام تتعلق بالتقليد","level":4,"page":1663},{"title":"الفصل الثاني علم المقاصد","level":2,"page":1674},{"title":"المبحث الأول المبادئ العشرة لعلم المقاصد","level":3,"page":1675},{"title":"أولا الحد","level":4,"page":1675},{"title":"التعريف الاصطلاحي لمقاصد الشريعة","level":5,"page":1676},{"title":"ثانيا الموضوع","level":4,"page":1680},{"title":"ثالثا الثمرة","level":4,"page":1680},{"title":"رابعا فضله","level":4,"page":1680},{"title":"خامسا نسبته","level":4,"page":1681},{"title":"سادسا الواضع","level":4,"page":1681},{"title":"سابعا الاسم","level":4,"page":1681},{"title":"ثامنا الاستمداد","level":4,"page":1682},{"title":"تاسعا حكم الشارع","level":4,"page":1683},{"title":"عاشرا مسائله","level":4,"page":1683},{"title":"المبحث الثاني نشأة علم المقاصد","level":3,"page":1684},{"title":"المسألة الأولى هل كان علم المقاصد موجودا في زمن النبوة؟","level":4,"page":1685},{"title":"المسألة الثانية مراعاة النبي ﷺ لمقاصد الشريعة","level":4,"page":1688},{"title":"المسألة الثالثة مراعاة الصحابة للمقاصد","level":4,"page":1691},{"title":"المسألة الرابعة المؤلفون في العصر القديم","level":4,"page":1702},{"title":"القرن الرابع الهجري","level":5,"page":1702},{"title":"سمة هذا العصر","level":6,"page":1702},{"title":"القرن الخامس","level":5,"page":1702},{"title":"القرن الثامن","level":5,"page":1703},{"title":"المسألة الخامسة المؤلفون في العصر الحديث","level":4,"page":1705},{"title":"المسألة السادسة اهتمام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم-رحمهما الله- بالمقاصد","level":4,"page":1707},{"title":"المبحث الثالث أقسام المقاصد","level":3,"page":1714},{"title":"المسألة الأولى أقسام المقاصد باعتبار جهة صدورها","level":4,"page":1715},{"title":"المسألة الثانية أقسام المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام","level":4,"page":1717},{"title":"أولا مقصود الخطاب","level":5,"page":1717},{"title":"أهمية معرفة مقاصد الخطاب","level":5,"page":1718},{"title":"المسألة الثالثة أقسام المقاصد باعتبار النظر للأحكام","level":4,"page":1729},{"title":"فائدة","level":5,"page":1731},{"title":"المسألة الرابعة أقسام المقاصد باعتبار الحاجة إليها","level":4,"page":1732},{"title":"الضروريات","level":5,"page":1732},{"title":"أولا حفظ الدين","level":6,"page":1739},{"title":"كيفية حفظ الدين","level":7,"page":1743},{"title":"حفظ الدين من جانب الوجود","level":7,"page":1744},{"title":"حفظ الدين من جانب العدم","level":7,"page":1745},{"title":"ثانيا حفظ النفس","level":6,"page":1747},{"title":"ثالثا حفظ العقل","level":6,"page":1752},{"title":"رابعا حفظ النسل","level":6,"page":1756},{"title":"خامسا حفظ المال","level":6,"page":1759},{"title":"الحاجيات","level":5,"page":1763},{"title":"التحسينيات","level":5,"page":1767},{"title":"العلاقة بين الأنواع الثلاثة","level":6,"page":1769},{"title":"المبحث الرابع حاجة الناس إلى معرفة مقاصد الشريعة، وسوء استخدام بعض الناس لها","level":3,"page":1771},{"title":"المصلحة الإيمانية والقلبية (المعنوية)","level":4,"page":1777},{"title":"حاجة المجتهدين إلى المقاصد","level":4,"page":1785},{"title":"حاجة الداعية إلى المقاصد","level":4,"page":1789},{"title":"سوء استخدام الناس للمقاصد في العصر الحديث","level":4,"page":1791},{"title":"بعض الأمثلة على سوء استعمال الناس للمقاصد","level":4,"page":1793},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1797},{"title":"الأسئلة النظرية، والتطبيقات العملية","level":1,"page":1798},{"title":"أولا الأسئلة النظرية","level":2,"page":1799},{"title":"ثانيا التطبيقات العملية","level":2,"page":1807},{"title":"التطبيق العملي الأول","level":3,"page":1808},{"title":"التطبيق العملي الثاني","level":3,"page":1818},{"title":"التطبيق العملي الثالث","level":3,"page":1822},{"title":"التطبيق العملي الرابع","level":3,"page":1826},{"title":"التطبيق العملي الخامس","level":3,"page":1828},{"title":"التطبيق العملي السادس","level":3,"page":1833},{"title":"التطبيق العملي السابع","level":3,"page":1835},{"title":"التطبيق العملي الثامن","level":3,"page":1838},{"title":"التطبيق العملي التاسع","level":3,"page":1839},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":1840},{"title":"كتب التفسير وعلوم القرآن","level":2,"page":1840},{"title":"كتب السنة","level":2,"page":1842},{"title":"كتب شروح السنة","level":2,"page":1845},{"title":"كتب العقيدة","level":2,"page":1846},{"title":"كتب الفقه والفتاوى","level":2,"page":1846},{"title":"كتب الأصول والمقاصد والقواعد الفقهية","level":2,"page":1849},{"title":"كتب علوم الحديث، وعلوم القرآن","level":2,"page":1860},{"title":"كتب التاريخ والسير","level":2,"page":1860},{"title":"كتب اللغة","level":2,"page":1862},{"title":"كتب الأدب والأخلاق","level":2,"page":1862},{"title":"كتب أخرى","level":2,"page":1863}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,17":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,199":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,494":488,"1,495":489,"1,496":490,"1,497":491,"1,498":492,"1,499":493,"1,500":494,"1,501":495,"1,502":496,"1,503":497,"1,504":498,"1,505":499,"1,506":500,"1,507":501,"1,508":502,"1,509":503,"1,510":504,"1,511":505,"1,512":506,"1,513":507,"1,514":508,"1,515":509,"1,516":510,"1,517":511,"1,518":512,"1,519":513,"1,520":514,"1,521":515,"1,522":516,"1,523":517,"1,524":518,"1,525":519,"1,526":520,"1,527":521,"1,528":522,"1,529":523,"1,530":524,"1,531":525,"1,532":526,"1,533":527,"1,534":528,"1,535":529,"1,536":530,"1,537":531,"1,538":532,"2,1":533,"2,3":534,"2,4":535,"2,5":536,"2,6":537,"2,7":538,"2,9":539,"2,10":540,"2,11":541,"2,12":542,"2,13":543,"2,14":544,"2,15":545,"2,16":546,"2,17":547,"2,18":548,"2,19":549,"2,20":550,"2,21":551,"2,22":552,"2,23":553,"2,24":554,"2,25":555,"2,26":556,"2,27":557,"2,28":558,"2,29":559,"2,30":560,"2,31":561,"2,32":562,"2,33":563,"2,34":564,"2,35":565,"2,36":566,"2,37":567,"2,38":568,"2,39":569,"2,40":570,"2,41":571,"2,42":572,"2,43":573,"2,44":574,"2,45":575,"2,46":576,"2,47":577,"2,48":578,"2,49":579,"2,50":580,"2,51":581,"2,52":582,"2,53":583,"2,54":584,"2,55":585,"2,56":586,"2,57":587,"2,58":588,"2,59":589,"2,60":590,"2,61":591,"2,62":592,"2,63":593,"2,64":594,"2,65":595,"2,67":596,"2,69":597,"2,70":598,"2,71":599,"2,72":600,"2,73":601,"2,74":602,"2,75":603,"2,76":604,"2,77":605,"2,78":606,"2,79":607,"2,80":608,"2,81":609,"2,82":610,"2,83":611,"2,84":612,"2,85":613,"2,86":614,"2,87":615,"2,88":616,"2,89":617,"2,90":618,"2,91":619,"2,92":620,"2,93":621,"2,94":622,"2,95":623,"2,96":624,"2,97":625,"2,98":626,"2,99":627,"2,100":628,"2,101":629,"2,102":630,"2,103":631,"2,105":632,"2,107":633,"2,108":634,"2,109":635,"2,110":636,"2,111":637,"2,112":638,"2,113":639,"2,114":640,"2,115":641,"2,116":642,"2,117":643,"2,118":644,"2,119":645,"2,120":646,"2,121":647,"2,122":648,"2,123":649,"2,124":650,"2,125":651,"2,126":652,"2,127":653,"2,128":654,"2,129":655,"2,130":656,"2,131":657,"2,132":658,"2,133":659,"2,134":660,"2,135":661,"2,136":662,"2,137":663,"2,138":664,"2,139":665,"2,140":666,"2,141":667,"2,142":668,"2,143":669,"2,144":670,"2,145":671,"2,146":672,"2,147":673,"2,148":674,"2,149":675,"2,150":676,"2,151":677,"2,152":678,"2,153":679,"2,154":680,"2,155":681,"2,156":682,"2,157":683,"2,158":684,"2,159":685,"2,161":686,"2,163":687,"2,164":688,"2,165":689,"2,166":690,"2,167":691,"2,168":692,"2,169":693,"2,170":694,"2,171":695,"2,172":696,"2,173":697,"2,174":698,"2,175":699,"2,176":700,"2,177":701,"2,178":702,"2,179":703,"2,180":704,"2,181":705,"2,182":706,"2,183":707,"2,184":708,"2,185":709,"2,186":710,"2,187":711,"2,188":712,"2,189":713,"2,190":714,"2,191":715,"2,192":716,"2,193":717,"2,194":718,"2,195":719,"2,196":720,"2,197":721,"2,198":722,"2,199":723,"2,200":724,"2,201":725,"2,202":726,"2,203":727,"2,204":728,"2,205":729,"2,206":730,"2,207":731,"2,208":732,"2,209":733,"2,210":734,"2,211":735,"2,212":736,"2,213":737,"2,214":738,"2,215":739,"2,216":740,"2,217":741,"2,218":742,"2,219":743,"2,220":744,"2,221":745,"2,222":746,"2,223":747,"2,224":748,"2,225":749,"2,226":750,"2,227":751,"2,228":752,"2,229":753,"2,230":754,"2,231":755,"2,232":756,"2,233":757,"2,234":758,"2,235":759,"2,236":760,"2,237":761,"2,238":762,"2,239":763,"2,240":764,"2,241":765,"2,242":766,"2,243":767,"2,244":768,"2,245":769,"2,246":770,"2,247":771,"2,248":772,"2,249":773,"2,250":774,"2,251":775,"2,252":776,"2,253":777,"2,254":778,"2,255":779,"2,256":780,"2,257":781,"2,258":782,"2,259":783,"2,260":784,"2,261":785,"2,262":786,"2,263":787,"2,264":788,"2,265":789,"2,266":790,"2,267":791,"2,268":792,"2,269":793,"2,270":794,"2,271":795,"2,272":796,"2,273":797,"2,274":798,"2,275":799,"2,276":800,"2,277":801,"2,278":802,"2,279":803,"2,280":804,"2,281":805,"2,282":806,"2,283":807,"2,284":808,"2,285":809,"2,286":810,"2,287":811,"2,288":812,"2,289":813,"2,290":814,"2,291":815,"2,292":816,"2,293":817,"2,294":818,"2,295":819,"2,296":820,"2,297":821,"2,298":822,"2,299":823,"2,300":824,"2,301":825,"2,302":826,"2,303":827,"2,304":828,"2,305":829,"2,306":830,"2,307":831,"2,308":832,"2,309":833,"2,310":834,"2,311":835,"2,312":836,"2,313":837,"2,314":838,"2,315":839,"2,316":840,"2,317":841,"2,318":842,"2,319":843,"2,320":844,"2,321":845,"2,322":846,"2,323":847,"2,324":848,"2,325":849,"2,326":850,"2,327":851,"2,328":852,"2,329":853,"2,330":854,"2,331":855,"2,332":856,"2,333":857,"2,334":858,"2,335":859,"2,336":860,"2,337":861,"2,338":862,"2,339":863,"2,340":864,"2,341":865,"2,342":866,"2,343":867,"2,344":868,"2,345":869,"2,346":870,"2,347":871,"2,348":872,"2,349":873,"2,350":874,"2,351":875,"2,352":876,"2,353":877,"2,354":878,"2,355":879,"2,356":880,"2,357":881,"2,358":882,"2,359":883,"2,361":884,"2,363":885,"2,364":886,"2,365":887,"2,366":888,"2,367":889,"2,368":890,"2,369":891,"2,370":892,"2,371":893,"2,372":894,"2,373":895,"2,374":896,"2,375":897,"2,376":898,"2,377":899,"2,378":900,"2,379":901,"2,380":902,"2,381":903,"2,382":904,"2,383":905,"2,384":906,"2,385":907,"2,386":908,"2,387":909,"2,389":910,"2,390":911,"2,391":912,"2,392":913,"2,393":914,"2,394":915,"2,395":916,"2,396":917,"2,397":918,"2,398":919,"2,399":920,"2,400":921,"2,401":922,"2,402":923,"2,403":924,"2,404":925,"2,405":926,"2,406":927,"2,407":928,"2,408":929,"2,409":930,"2,410":931,"2,411":932,"2,412":933,"2,413":934,"2,414":935,"2,415":936,"2,416":937,"2,417":938,"2,418":939,"2,419":940,"2,420":941,"2,421":942,"2,422":943,"2,423":944,"2,424":945,"2,425":946,"2,426":947,"2,427":948,"2,428":949,"2,429":950,"2,431":951,"2,432":952,"2,433":953,"2,434":954,"2,435":955,"2,436":956,"2,437":957,"2,438":958,"2,439":959,"2,440":960,"2,441":961,"2,442":962,"2,443":963,"2,444":964,"2,445":965,"2,446":966,"2,447":967,"2,448":968,"2,449":969,"2,450":970,"2,451":971,"2,452":972,"2,453":973,"2,454":974,"2,455":975,"2,456":976,"2,457":977,"2,458":978,"2,459":979,"2,460":980,"2,461":981,"2,462":982,"2,463":983,"2,464":984,"2,465":985,"2,466":986,"2,467":987,"2,468":988,"2,469":989,"2,471":990,"2,472":991,"2,473":992,"2,474":993,"2,475":994,"2,476":995,"2,477":996,"2,478":997,"2,479":998,"2,480":999,"2,481":1000,"2,482":1001,"2,483":1002,"2,484":1003,"2,485":1004,"2,486":1005,"2,487":1006,"2,488":1007,"2,489":1008,"2,490":1009,"2,491":1010,"2,492":1011,"2,493":1012,"2,494":1013,"2,495":1014,"2,496":1015,"2,497":1016,"2,498":1017,"2,499":1018,"2,500":1019,"2,501":1020,"2,502":1021,"2,503":1022,"2,504":1023,"2,505":1024,"2,506":1025,"2,507":1026,"2,508":1027,"2,509":1028,"2,511":1029,"2,512":1030,"2,513":1031,"2,514":1032,"2,515":1033,"2,516":1034,"2,517":1035,"2,518":1036,"2,519":1037,"2,520":1038,"2,521":1039,"2,522":1040,"2,523":1041,"2,524":1042,"2,525":1043,"2,526":1044,"2,527":1045,"2,528":1046,"2,529":1047,"2,530":1048,"2,531":1049,"2,532":1050,"2,533":1051,"2,534":1052,"2,535":1053,"2,537":1054,"2,538":1055,"2,539":1056,"2,540":1057,"2,541":1058,"2,542":1059,"2,543":1060,"2,544":1061,"2,545":1062,"2,546":1063,"2,547":1064,"2,548":1065,"2,549":1066,"2,550":1067,"2,551":1068,"2,552":1069,"2,553":1070,"2,554":1071,"2,555":1072,"2,556":1073,"2,557":1074,"2,558":1075,"2,559":1076,"2,560":1077,"2,561":1078,"2,562":1079,"2,563":1080,"2,564":1081,"2,565":1082,"2,566":1083,"2,567":1084,"2,568":1085,"2,569":1086,"2,571":1087,"2,573":1088,"2,574":1089,"2,575":1090,"2,576":1091,"2,577":1092,"2,578":1093,"2,579":1094,"2,580":1095,"2,581":1096,"2,582":1097,"2,583":1098,"2,584":1099,"2,585":1100,"2,587":1101,"2,588":1102,"2,589":1103,"2,590":1104,"2,591":1105,"2,592":1106,"2,593":1107,"2,594":1108,"2,595":1109,"2,596":1110,"2,597":1111,"2,598":1112,"2,599":1113,"2,600":1114,"2,601":1115,"2,602":1116,"2,603":1117,"2,604":1118,"2,605":1119,"2,606":1120,"3,1":1121,"3,3":1122,"3,4":1123,"3,5":1124,"3,6":1125,"3,7":1126,"3,8":1127,"3,9":1128,"3,10":1129,"3,11":1130,"3,12":1131,"3,13":1132,"3,14":1133,"3,15":1134,"3,16":1135,"3,17":1136,"3,18":1137,"3,19":1138,"3,20":1139,"3,21":1140,"3,22":1141,"3,23":1142,"3,24":1143,"3,25":1144,"3,26":1145,"3,27":1146,"3,28":1147,"3,29":1148,"3,30":1149,"3,31":1150,"3,32":1151,"3,33":1152,"3,34":1153,"3,35":1154,"3,36":1155,"3,37":1156,"3,38":1157,"3,39":1158,"3,40":1159,"3,41":1160,"3,42":1161,"3,43":1162,"3,45":1163,"3,47":1164,"3,48":1165,"3,49":1166,"3,50":1167,"3,51":1168,"3,52":1169,"3,53":1170,"3,54":1171,"3,55":1172,"3,56":1173,"3,57":1174,"3,58":1175,"3,59":1176,"3,60":1177,"3,61":1178,"3,62":1179,"3,63":1180,"3,64":1181,"3,65":1182,"3,66":1183,"3,67":1184,"3,68":1185,"3,69":1186,"3,70":1187,"3,71":1188,"3,72":1189,"3,73":1190,"3,74":1191,"3,75":1192,"3,77":1193,"3,78":1194,"3,79":1195,"3,80":1196,"3,81":1197,"3,82":1198,"3,83":1199,"3,84":1200,"3,85":1201,"3,86":1202,"3,87":1203,"3,88":1204,"3,89":1205,"3,90":1206,"3,91":1207,"3,92":1208,"3,93":1209,"3,94":1210,"3,95":1211,"3,96":1212,"3,97":1213,"3,98":1214,"3,99":1215,"3,100":1216,"3,101":1217,"3,102":1218,"3,103":1219,"3,104":1220,"3,105":1221,"3,106":1222,"3,107":1223,"3,108":1224,"3,109":1225,"3,110":1226,"3,111":1227,"3,112":1228,"3,113":1229,"3,114":1230,"3,115":1231,"3,116":1232,"3,117":1233,"3,118":1234,"3,119":1235,"3,120":1236,"3,121":1237,"3,122":1238,"3,123":1239,"3,124":1240,"3,125":1241,"3,126":1242,"3,127":1243,"3,128":1244,"3,129":1245,"3,130":1246,"3,131":1247,"3,132":1248,"3,133":1249,"3,134":1250,"3,135":1251,"3,136":1252,"3,137":1253,"3,138":1254,"3,139":1255,"3,140":1256,"3,141":1257,"3,142":1258,"3,143":1259,"3,144":1260,"3,145":1261,"3,146":1262,"3,147":1263,"3,148":1264,"3,149":1265,"3,150":1266,"3,151":1267,"3,152":1268,"3,153":1269,"3,154":1270,"3,155":1271,"3,156":1272,"3,157":1273,"3,158":1274,"3,159":1275,"3,160":1276,"3,161":1277,"3,162":1278,"3,163":1279,"3,164":1280,"3,165":1281,"3,166":1282,"3,167":1283,"3,168":1284,"3,169":1285,"3,170":1286,"3,171":1287,"3,172":1288,"3,173":1289,"3,174":1290,"3,175":1291,"3,176":1292,"3,177":1293,"3,178":1294,"3,179":1295,"3,180":1296,"3,181":1297,"3,182":1298,"3,183":1299,"3,184":1300,"3,185":1301,"3,186":1302,"3,187":1303,"3,188":1304,"3,189":1305,"3,190":1306,"3,191":1307,"3,192":1308,"3,193":1309,"3,194":1310,"3,195":1311,"3,196":1312,"3,197":1313,"3,198":1314,"3,199":1315,"3,200":1316,"3,201":1317,"3,202":1318,"3,203":1319,"3,204":1320,"3,205":1321,"3,207":1322,"3,208":1323,"3,209":1324,"3,210":1325,"3,211":1326,"3,212":1327,"3,213":1328,"3,214":1329,"3,215":1330,"3,216":1331,"3,217":1332,"3,218":1333,"3,219":1334,"3,220":1335,"3,221":1336,"3,222":1337,"3,223":1338,"3,224":1339,"3,225":1340,"3,226":1341,"3,227":1342,"3,228":1343,"3,229":1344,"3,230":1345,"3,231":1346,"3,233":1347,"3,234":1348,"3,235":1349,"3,236":1350,"3,237":1351,"3,238":1352,"3,239":1353,"3,240":1354,"3,241":1355,"3,242":1356,"3,243":1357,"3,245":1358,"3,247":1359,"3,248":1360,"3,249":1361,"3,250":1362,"3,251":1363,"3,252":1364,"3,253":1365,"3,254":1366,"3,255":1367,"3,256":1368,"3,257":1369,"3,258":1370,"3,259":1371,"3,260":1372,"3,261":1373,"3,262":1374,"3,263":1375,"3,264":1376,"3,265":1377,"3,266":1378,"3,267":1379,"3,268":1380,"3,269":1381,"3,270":1382,"3,271":1383,"3,272":1384,"3,273":1385,"3,275":1386,"3,276":1387,"3,277":1388,"3,278":1389,"3,279":1390,"3,280":1391,"3,281":1392,"3,282":1393,"3,283":1394,"3,284":1395,"3,285":1396,"3,286":1397,"3,287":1398,"3,288":1399,"3,289":1400,"3,290":1401,"3,291":1402,"3,292":1403,"3,293":1404,"3,294":1405,"3,295":1406,"3,296":1407,"3,297":1408,"3,298":1409,"3,299":1410,"3,300":1411,"3,301":1412,"3,302":1413,"3,303":1414,"3,304":1415,"3,305":1416,"3,306":1417,"3,307":1418,"3,308":1419,"3,309":1420,"3,310":1421,"3,311":1422,"3,312":1423,"3,313":1424,"3,314":1425,"3,315":1426,"3,316":1427,"3,317":1428,"3,318":1429,"3,319":1430,"3,320":1431,"3,321":1432,"3,322":1433,"3,323":1434,"3,324":1435,"3,325":1436,"3,326":1437,"3,327":1438,"3,328":1439,"3,329":1440,"3,330":1441,"3,331":1442,"3,332":1443,"3,333":1444,"3,335":1445,"3,336":1446,"3,337":1447,"3,338":1448,"3,339":1449,"3,340":1450,"3,341":1451,"3,342":1452,"3,343":1453,"3,344":1454,"3,345":1455,"3,346":1456,"3,347":1457,"3,348":1458,"3,349":1459,"3,350":1460,"3,351":1461,"3,352":1462,"3,353":1463,"3,354":1464,"3,355":1465,"3,356":1466,"3,357":1467,"3,358":1468,"3,359":1469,"3,360":1470,"3,361":1471,"3,362":1472,"3,363":1473,"3,364":1474,"3,365":1475,"3,366":1476,"3,367":1477,"3,368":1478,"3,369":1479,"3,370":1480,"3,371":1481,"3,372":1482,"3,373":1483,"3,374":1484,"3,375":1485,"3,376":1486,"3,377":1487,"3,378":1488,"3,379":1489,"3,380":1490,"3,381":1491,"3,382":1492,"3,383":1493,"3,384":1494,"3,385":1495,"3,386":1496,"3,387":1497,"3,388":1498,"3,389":1499,"3,390":1500,"3,391":1501,"3,392":1502,"3,393":1503,"3,394":1504,"3,395":1505,"3,396":1506,"3,397":1507,"3,398":1508,"3,399":1509,"3,400":1510,"3,401":1511,"3,402":1512,"3,403":1513,"3,404":1514,"3,405":1515,"3,406":1516,"3,407":1517,"3,408":1518,"3,409":1519,"3,410":1520,"3,411":1521,"3,412":1522,"3,413":1523,"3,414":1524,"3,415":1525,"3,417":1526,"3,419":1527,"3,420":1528,"3,421":1529,"3,422":1530,"3,423":1531,"3,424":1532,"3,425":1533,"3,426":1534,"3,427":1535,"3,428":1536,"3,429":1537,"3,430":1538,"3,431":1539,"3,432":1540,"3,433":1541,"3,434":1542,"3,435":1543,"3,436":1544,"3,437":1545,"3,438":1546,"3,439":1547,"3,440":1548,"3,441":1549,"3,442":1550,"3,443":1551,"3,444":1552,"3,445":1553,"3,446":1554,"3,447":1555,"3,448":1556,"3,449":1557,"4,1":1558,"4,3":1559,"4,4":1560,"4,5":1561,"4,6":1562,"4,7":1563,"4,8":1564,"4,9":1565,"4,10":1566,"4,11":1567,"4,12":1568,"4,13":1569,"4,14":1570,"4,15":1571,"4,16":1572,"4,17":1573,"4,18":1574,"4,19":1575,"4,20":1576,"4,21":1577,"4,22":1578,"4,23":1579,"4,24":1580,"4,25":1581,"4,26":1582,"4,27":1583,"4,28":1584,"4,29":1585,"4,30":1586,"4,31":1587,"4,32":1588,"4,33":1589,"4,34":1590,"4,35":1591,"4,36":1592,"4,37":1593,"4,38":1594,"4,39":1595,"4,40":1596,"4,41":1597,"4,42":1598,"4,43":1599,"4,44":1600,"4,45":1601,"4,46":1602,"4,47":1603,"4,48":1604,"4,49":1605,"4,50":1606,"4,51":1607,"4,52":1608,"4,53":1609,"4,54":1610,"4,55":1611,"4,56":1612,"4,57":1613,"4,58":1614,"4,59":1615,"4,60":1616,"4,61":1617,"4,62":1618,"4,63":1619,"4,64":1620,"4,65":1621,"4,66":1622,"4,67":1623,"4,68":1624,"4,69":1625,"4,70":1626,"4,71":1627,"4,72":1628,"4,73":1629,"4,74":1630,"4,75":1631,"4,76":1632,"4,77":1633,"4,78":1634,"4,79":1635,"4,80":1636,"4,81":1637,"4,82":1638,"4,83":1639,"4,84":1640,"4,85":1641,"4,86":1642,"4,87":1643,"4,88":1644,"4,89":1645,"4,90":1646,"4,91":1647,"4,92":1648,"4,93":1649,"4,94":1650,"4,95":1651,"4,96":1652,"4,97":1653,"4,98":1654,"4,99":1655,"4,100":1656,"4,101":1657,"4,102":1658,"4,103":1659,"4,104":1660,"4,105":1661,"4,106":1662,"4,107":1663,"4,108":1664,"4,109":1665,"4,110":1666,"4,111":1667,"4,112":1668,"4,113":1669,"4,114":1670,"4,115":1671,"4,116":1672,"4,117":1673,"4,119":1674,"4,121":1675,"4,122":1676,"4,123":1677,"4,124":1678,"4,125":1679,"4,126":1680,"4,127":1681,"4,128":1682,"4,129":1683,"4,131":1684,"4,133":1685,"4,134":1686,"4,135":1687,"4,136":1688,"4,137":1689,"4,138":1690,"4,139":1691,"4,140":1692,"4,141":1693,"4,142":1694,"4,143":1695,"4,144":1696,"4,145":1697,"4,146":1698,"4,147":1699,"4,148":1700,"4,149":1701,"4,150":1702,"4,151":1703,"4,152":1704,"4,153":1705,"4,154":1706,"4,155":1707,"4,156":1708,"4,157":1709,"4,158":1710,"4,159":1711,"4,160":1712,"4,161":1713,"4,162":1714,"4,163":1715,"4,164":1716,"4,165":1717,"4,166":1718,"4,167":1719,"4,168":1720,"4,169":1721,"4,170":1722,"4,171":1723,"4,172":1724,"4,173":1725,"4,174":1726,"4,175":1727,"4,176":1728,"4,177":1729,"4,178":1730,"4,179":1731,"4,180":1732,"4,181":1733,"4,182":1734,"4,183":1735,"4,184":1736,"4,185":1737,"4,186":1738,"4,187":1739,"4,188":1740,"4,189":1741,"4,190":1742,"4,191":1743,"4,192":1744,"4,193":1745,"4,194":1746,"4,195":1747,"4,196":1748,"4,197":1749,"4,198":1750,"4,199":1751,"4,200":1752,"4,201":1753,"4,202":1754,"4,203":1755,"4,204":1756,"4,205":1757,"4,206":1758,"4,207":1759,"4,208":1760,"4,209":1761,"4,210":1762,"4,211":1763,"4,212":1764,"4,213":1765,"4,214":1766,"4,215":1767,"4,216":1768,"4,217":1769,"4,218":1770,"4,219":1771,"4,220":1772,"4,221":1773,"4,222":1774,"4,223":1775,"4,224":1776,"4,225":1777,"4,226":1778,"4,227":1779,"4,228":1780,"4,229":1781,"4,230":1782,"4,231":1783,"4,232":1784,"4,233":1785,"4,234":1786,"4,235":1787,"4,236":1788,"4,237":1789,"4,238":1790,"4,239":1791,"4,240":1792,"4,241":1793,"4,242":1794,"4,243":1795,"4,244":1796,"4,245":1797,"4,247":1798,"4,249":1799,"4,250":1800,"4,251":1801,"4,252":1802,"4,253":1803,"4,254":1804,"4,255":1805,"4,256":1806,"4,257":1807,"4,259":1808,"4,260":1809,"4,261":1810,"4,262":1811,"4,263":1812,"4,264":1813,"4,265":1814,"4,266":1815,"4,267":1816,"4,268":1817,"4,269":1818,"4,270":1819,"4,271":1820,"4,272":1821,"4,273":1822,"4,274":1823,"4,275":1824,"4,276":1825,"4,277":1826,"4,278":1827,"4,279":1828,"4,280":1829,"4,281":1830,"4,282":1831,"4,283":1832,"4,284":1833,"4,285":1834,"4,286":1835,"4,287":1836,"4,288":1837,"4,289":1838,"4,290":1839,"4,291":1840,"4,292":1841,"4,293":1842,"4,294":1843,"4,295":1844,"4,296":1845,"4,297":1846,"4,298":1847,"4,299":1848,"4,300":1849,"4,301":1850,"4,302":1851,"4,303":1852,"4,304":1853,"4,305":1854,"4,306":1855,"4,307":1856,"4,308":1857,"4,309":1858,"4,310":1859,"4,311":1860,"4,312":1861,"4,313":1862,"4,314":1863},"ٜ":{"1":[3,538],"2":[1,606],"3":[1,449],"4":[1,314]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,199","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","2,1","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,67","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,105","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,161","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,361","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,571","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","3,1","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,45","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,245","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,417","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","4,1","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,119","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,131","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,247","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314"],"ٞ":{"1":[1],"14":[2],"15":[3],"28":[4,5,6],"30":[7],"32":[8],"38":[9],"40":[10],"41":[11],"43":[12],"44":[13,14],"46":[15,16],"47":[17],"48":[18],"64":[19],"71":[20],"75":[21,22,23],"77":[24],"78":[25],"82":[26],"84":[27],"85":[28],"88":[29],"89":[30],"90":[31],"93":[32,33],"94":[34,35],"95":[36],"96":[37,38],"97":[39],"102":[40],"109":[41],"114":[42],"115":[43],"117":[44],"119":[45,46],"120":[47,48],"121":[49,50],"122":[51,52,53],"123":[54],"124":[55],"125":[56],"126":[57,58],"127":[59],"128":[60],"129":[61,62,63],"130":[64,65],"131":[66],"132":[67,68],"134":[69],"135":[70],"136":[71,72],"137":[73,74,75],"142":[76],"143":[77],"147":[78],"148":[79],"157":[80,81],"158":[82,83],"159":[84,85],"167":[86,87,88,89],"173":[90],"174":[91],"175":[92],"181":[93],"182":[94,95,96],"183":[97,98],"185":[99,100],"190":[101],"191":[102],"194":[103],"195":[104,105],"197":[106],"200":[107],"201":[108,109],"206":[110],"207":[111],"210":[112],"211":[113,114],"215":[115],"217":[116],"220":[117],"224":[118,119,120],"228":[121,122,123],"229":[124],"232":[125],"233":[126],"237":[127,128],"239":[129],"245":[130,131],"246":[132],"254":[133],"255":[134],"256":[135],"260":[136],"261":[137],"262":[138],"267":[139,140],"269":[141],"283":[142],"285":[143],"287":[144,145],"290":[146,147,148],"291":[149,150],"292":[151],"293":[152],"294":[153,154],"299":[155],"303":[156,157,158,159],"304":[160],"305":[161],"309":[162],"310":[163],"313":[164],"315":[165],"318":[166],"319":[167,168],"320":[169],"325":[170,171,172],"326":[173],"327":[174],"332":[175],"333":[176,177],"338":[178],"341":[179],"343":[180,181],"345":[182,183],"346":[184],"347":[185],"350":[186],"357":[187],"358":[188,189],"363":[190],"364":[191,192],"365":[193],"368":[194],"370":[195,196],"371":[197],"372":[198],"379":[199],"380":[200],"381":[201,202,203],"383":[204],"385":[205],"386":[206],"388":[207,208],"395":[209],"396":[210],"398":[211],"399":[212],"400":[213],"406":[214,215],"407":[216,217],"410":[218,219],"416":[220],"419":[221,222],"420":[223],"421":[224],"423":[225],"425":[226,227],"427":[228],"428":[229,230],"430":[231,232],"431":[233],"432":[234],"435":[235],"437":[236,237],"438":[238],"439":[239,240],"441":[241,242],"442":[243],"444":[244],"445":[245],"446":[246],"447":[247],"448":[248],"449":[249],"452":[250],"456":[251],"457":[252],"458":[253],"460":[254],"462":[255,256],"463":[257],"466":[258],"468":[259],"469":[260],"471":[261,262],"473":[263,264],"475":[265],"477":[266],"479":[267],"480":[268],"483":[269,270],"487":[271],"491":[272,273],"493":[274],"495":[275,276],"497":[277],"500":[278],"504":[279],"512":[280],"513":[281],"516":[282],"517":[283],"521":[284],"526":[285],"527":[286],"531":[287],"534":[288],"535":[289],"536":[290,291],"539":[292],"541":[293],"546":[294],"550":[295],"551":[296,297],"554":[298],"558":[299],"561":[300],"562":[301],"564":[302,303,304],"565":[305],"566":[306],"573":[307],"579":[308],"585":[309],"587":[310,311],"591":[312,313],"592":[314],"593":[315],"594":[316],"596":[317],"597":[318],"600":[319],"604":[320],"607":[321],"609":[322,323],"613":[324],"623":[325],"626":[326],"629":[327],"632":[328],"633":[329],"635":[330,331],"636":[332],"639":[333],"641":[334],"650":[335],"652":[336,337],"654":[338],"658":[339],"661":[340],"662":[341],"664":[342],"665":[343],"666":[344],"667":[345],"669":[346],"670":[347],"672":[348],"677":[349],"684":[350],"686":[351],"687":[352],"688":[353],"689":[354],"690":[355],"691":[356],"693":[357,358],"702":[359],"709":[360],"711":[361],"714":[362],"715":[363],"724":[364],"725":[365,366,367],"727":[368],"739":[369],"742":[370,371,372],"743":[373],"755":[374],"756":[375,376],"758":[377],"764":[378],"767":[379],"770":[380],"776":[381],"778":[382],"792":[383],"797":[384,385],"801":[386],"803":[387],"806":[388],"809":[389],"815":[390],"817":[391],"819":[392],"821":[393,394],"832":[395],"834":[396],"845":[397],"853":[398],"856":[399],"857":[400,401],"861":[402],"862":[403],"884":[404],"888":[405],"890":[406,407],"892":[408],"894":[409],"897":[410],"900":[411],"904":[412],"907":[413],"909":[414],"911":[415],"946":[416],"950":[417],"951":[418],"958":[419],"983":[420],"989":[421],"990":[422,423],"998":[424],"1002":[425],"1006":[426],"1012":[427],"1019":[428],"1026":[429],"1028":[430],"1032":[431],"1040":[432],"1041":[433],"1051":[434],"1053":[435],"1054":[436],"1056":[437],"1069":[438],"1071":[439],"1078":[440],"1086":[441],"1087":[442],"1088":[443],"1091":[444],"1094":[445],"1100":[446],"1107":[447],"1108":[448],"1121":[449],"1123":[450],"1124":[451],"1131":[452],"1133":[453,454],"1141":[455],"1151":[456],"1163":[457],"1164":[458],"1168":[459],"1192":[460],"1193":[461,462],"1194":[463],"1197":[464],"1202":[465],"1214":[466],"1221":[467],"1222":[468],"1232":[469],"1236":[470],"1238":[471],"1242":[472],"1254":[473],"1258":[474],"1260":[475],"1261":[476,477],"1262":[478],"1280":[479],"1286":[480],"1287":[481],"1290":[482],"1321":[483],"1322":[484],"1342":[485],"1346":[486],"1347":[487,488],"1348":[489],"1350":[490,491],"1351":[492],"1352":[493],"1358":[494],"1359":[495,496],"1360":[497],"1362":[498],"1366":[499],"1367":[500],"1370":[501],"1372":[502,503],"1373":[504],"1374":[505],"1376":[506],"1382":[507],"1385":[508],"1386":[509,510,511],"1387":[512],"1388":[513,514],"1389":[515,516],"1390":[517],"1392":[518],"1393":[519],"1398":[520],"1417":[521],"1444":[522],"1445":[523],"1447":[524],"1450":[525],"1502":[526],"1519":[527],"1521":[528],"1526":[529],"1527":[530,531],"1533":[532,533],"1535":[534],"1537":[535],"1538":[536],"1544":[537],"1547":[538],"1558":[539],"1560":[540],"1561":[541,542],"1562":[543],"1567":[544],"1572":[545],"1573":[546],"1575":[547],"1576":[548],"1577":[549],"1580":[550],"1581":[551],"1586":[552],"1588":[553],"1589":[554],"1592":[555],"1593":[556],"1595":[557],"1600":[558,559],"1602":[560],"1608":[561,562],"1613":[563,564],"1616":[565],"1617":[566],"1618":[567],"1619":[568],"1620":[569],"1625":[570],"1629":[571,572],"1630":[573],"1631":[574],"1632":[575],"1634":[576],"1637":[577],"1638":[578],"1639":[579],"1640":[580],"1642":[581],"1645":[582],"1647":[583,584],"1648":[585],"1649":[586],"1650":[587],"1651":[588,589,590],"1653":[591],"1656":[592],"1659":[593],"1663":[594],"1674":[595],"1675":[596,597],"1676":[598],"1680":[599,600,601],"1681":[602,603,604],"1682":[605],"1683":[606,607],"1684":[608],"1685":[609],"1688":[610],"1691":[611],"1702":[612,613,614,615],"1703":[616],"1705":[617],"1707":[618],"1714":[619],"1715":[620],"1717":[621,622],"1718":[623],"1729":[624],"1731":[625],"1732":[626,627],"1739":[628],"1743":[629],"1744":[630],"1745":[631],"1747":[632],"1752":[633],"1756":[634],"1759":[635],"1763":[636],"1767":[637],"1769":[638],"1771":[639],"1777":[640],"1785":[641],"1789":[642],"1791":[643],"1793":[644],"1797":[645],"1798":[646],"1799":[647],"1807":[648],"1808":[649],"1818":[650],"1822":[651],"1826":[652],"1828":[653],"1833":[654],"1835":[655],"1838":[656],"1839":[657],"1840":[658,659],"1842":[660],"1845":[661],"1846":[662,663],"1849":[664],"1860":[665,666],"1862":[667,668],"1863":[669]},"ٟ":[1840,1841,1842,1843,1844,1845,1846,1847,1848,1849,1850,1851,1852,1853,1854,1855,1856,1857,1858,1859,1860,1861,1862,1863],"numbers":{"1":2,"2":3,"3":4,"4":5,"5":6,"6":7,"7":8,"8":9,"9":10,"10":11,"11":12,"12":13,"13":14,"14":15,"15":16,"16":17,"17":18,"18":19,"19":20,"20":21,"21":22,"22":23,"24":24,"23":23,"25":25,"26":26,"27":27,"30":28,"28":27,"29":27,"31":29,"32":30,"33":31,"34":32,"35":33,"36":34,"37":35,"38":36,"39":37,"40":38,"41":39,"42":40,"43":41,"44":42,"45":43,"46":44,"47":45,"48":46,"49":47,"50":48,"51":49,"52":50,"53":51,"54":52},"number_max":"54","number_pages":{"2":"1","3":"2","4":"3","5":"4","6":"5","7":"6","8":"7","9":"8","10":"9","11":"10","12":"11","13":"12","14":"13","15":"14","16":"15","17":"16","18":"17","19":"18","20":"19","21":"20","22":"21","23":"23","24":"24","25":"25","26":"26","27":"29","28":"30","29":"31","30":"32","31":"33","32":"34","33":"35","34":"36","35":"37","36":"38","37":"39","38":"40","39":"41","40":"42","41":"43","42":"44","43":"45","44":"46","45":"47","46":"48","47":"49","48":"50","49":"51","50":"52","51":"53","52":"54"}},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة المؤلف</span>\nالحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.\nأحمده حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به.\nوأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو (^١).\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، والهادي إلى الصراط المستقيم، القائل في جوامع كَلِمه: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٢).\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي بتصرف (١/ ٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٨٩)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"1","page":3},{"text":"الذي من تمسك بهديه وسنته فقد هُدي ورشدَ ونجا، ومن حاد عن سبيله فقد ضل سواء السبيل، وهلك يوم المصير.\nأما بعد،\nفينبغي على الإنسان العاقل أن يكون سَعيُهُ وكَدُّه في حياته، تحصيلَ ما ينفعه، وأن يدفع عن نفسه ما يضره، بل يعودُ عليه بالهلكة في دنياه وآخرته.\nفرأس مال الإنسان الحقيقي في هذه الحياة هو عمره -سنوات حياته وأيامها ولياليها وساعاتها-، وقد اتفق العقلاء على الحكم بالحمق على من يُبَدِّدُ رأس ماله وثروته فيما لا يفيد.\nوكم من أناس عاشوا أيامهم وأضاعوا أعمارهم فيما لا ينفع، وفي مخالطة ومجالسة من تضر مخالطته ومجالسته، ولا تعود عليهم بصلاحهم.\nفضاعت بذلك أعمارهم، وفسدت قلوبهم؛ وكل آفة تدخل على العبد فبسبب ضياع الوقت وفساد القلب.\nومتى ضاع الوقت وفسد القلب انفرطت على العبد أموره كلها، وكان ممن قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].","vol":"1","page":4},{"text":"ومن تأمل حال كثير من الخلق وجدهم ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله تعالى، واتَّبعوا أهواءهم، وصارت أمورهم ومصالحهم فرطًا.\nففرطوا فيما ينفعهم ويعود بصلاحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم بل يعود بضررهم عاجلًا وآجلًا.\nوكل إنسان مسؤول يوم القيامة عن عمره ماذا فعل فيه، كما أخبر النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأَل عن عمره فيما أفناه» (^١).\nوالإنسان ما خُلِقَ إلا لغاية عظيمة ومهمة جسيمة، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nوالعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.\nولا تكون تلك العبادة تامة ومحبوبة ومرضية إلى الله ﷾، إلا أن يكون الله تعالى شرعها في كتابه، أوسنة رسوله ﷺ.\nفلا يُعلم المحبوبُ والمرضي له سبحانه إلا بالوحي كتابًا وسنة.\n_________\n(^١) صحيح بشواهده: أخرجه الترمذي (٢٤١٧)، وقال: حسن صحيح، والدارمي (٥٥٤)، وأبو يعلى (٧٤٣٤) وغيرهم من حديث أبي برزة مرفوعًا، وله شواهد منها: ما أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١١) من حديث معاذ مرفوعًا.","vol":"1","page":5},{"text":"فصار بذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما أصل الأصول، وطريق الوصول إلى تحصيل محبة الله ومرضاته (العبادة).\nوانقسم الناس بحسب ذلك إلى فريقين:\nفريق يعبد الله ﵎ بغير ما شرع، فيَتعب ويَنصب ويحسب أنه يحسن صُنْعًا.\nوفريق يعبد الله ﵎ بما شرع وعلى بصيرة من أمره.\nوهذه البصيرة التي انقسم الناس بحسبها لا تحصل إلا بالعلم؛ لذلك كان أمرُ الله ﷾ لنبيه ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]، فقدَّم العلم قبل القول والعمل.\nفلما كان العلم مقدمًا ومطلوبًا قبل القول والعمل، بل هو الموصل إلى تحقيق العبادة على بصيرة -التي هي الغاية من الخلق- كان من أجَلِّ ما تُنفَق فيه الأوقات، ويُبذَل في سبيل تحصيله كل غالٍ ونفيس؛ طلب العلم النافع، وكان أحق الناس بالمخالطة والمجالسة العلماء.\nولِمَ لا؟! وفضل طلب العلم وشرفُ أهله عظيم وردت به الآيات والأحاديث والآثار.\nقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا","vol":"1","page":6},{"text":"بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].\nفقرن شهادته سبحانه بشهادتهم دلالة على فضلهم، وفضل ما أوتوه من العلم.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فقصر الخشية وحصولها في عباده عليهم.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].\nونفي الاستواء بين أهل العلم وأهل الجهل؛ دلالة على الفضل في الدنيا، وعظم الجزاء في الآخرة.\nوما أمر الله نبيه ﷺ أن يستزيد من شيء من الدنيا إلا من العلم، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nوقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].\nوقال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقِّههُ في الدين» (^١)، فالفقه في الدين إرادة خير من الله بالعبد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا.","vol":"1","page":7},{"text":"عن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإنَّ العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا؛ ولكن ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (^١).\nقال علي ﵁: كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نسب إليه (^٢).\nوقال الشاعر الأبرش:\nتعلَّم فليس المرء يولد عالمًا … وليس أخو علم كمن هو جاهلُ\n_________\n(^١) صحيح لطرقه وشواهده، أخرجه أبوداود (٣٦٤١)، (٣٦٤٢)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٦٨)، وغيرهم من طرق عن أبي الدرداء مرفوعًا، وإن كانت هذه الطرق لا تخلو من ضعف، إلا إنها تتقوى مع بعضها، وللفقرة الأولى منه شاهد عند مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) المجموع للنووي (١/ ٤١)، وتذكرة السامع لابن جماعة (١/ ٨).","vol":"1","page":8},{"text":"وإن كبيرَ القومِ لا علم عنده … صغيرٌ إذا التفَّت عليه المحافلُ (^١)\nوقال أبو الدرداء ﵁: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة (^٢).\nوقال أيضًا: (كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا، ولا تكن الرابع فتهلك) (^٣).\nوقال الماوردي: (اعلم أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجَدَّ فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله يُنمي على طالبه) (^٤).\nونُسِب إلى علي بن أبي طالب ﵁:\nما الفخر إلا لأهل العلم إنهم … على الهدى لمن استهدى أدِلَّاءُ\nووزن كل امرئ ما كان يحسنه … والجاهلون لأهل العلم أعداءُ (^٥)\nوقال بعض الحكماء: (ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فاته من أدرك العلم) (^٦).\n_________\n(^١) الحلم لابن أبي الدنيا (٧٥)، مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي (٧/ ٢٤٦).\n(^٢) إحياء علوم الدين للغزالي (١/ ٩).\n(^٣) إحياء علوم الدين للغزالي (١/ ٩).\n(^٤) أدب الدنيا والدين للماوردي (٣١).\n(^٥) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ١٥٠).\n(^٦) التبصرة لابن الجوزي (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":9},{"text":"وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد الرجلين: رجلًا تتعلم منه شيئًا في أمر دينك فينفعك، أو رجلًا تعلمه شيئًا في أمر دينه فيتقبل منك، وأما الثالث فاهرب منه (^١).\nوقال الشافعي في الصبر على العلم:\nاصبر على مر الجفا من معلم … فإن رسوب العلم في نفراته\nمن فاته التعلم وقت شبابه … تجرع مر الجهل طول حياته\nمن لم يذق ذل التعلم ساعة … كَبِّر عليه أربعًا لوفاتهِ (^٢)\nوقال بعضهم في طريق تحصيل العلم:\nأخي لن تنال العلم إلا بستَّةٍ … سأنبيك عن تفصيلها ببيان\nذكاء وحرص وافتقار وبلغة … وتلقين أستاذ وطول زمان (^٣)\nفإذا كان من فضل العلم وأهله ما عرفت، فاعلم أنه من أجَلِّ العلوم قدرًا وأعلاها شرفًا وذكرًا بعد علم العقيدة علم الفقه؛ لما يتعلق به من مصالح العباد في المعاش والمعاد، لذلك كان أولى العلوم بالالتفات إليه.\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين للغزالي (٢/ ١٧٢).\n(^٢) ديوان الشافعي تحقيق خفاجي (ص ٨٣).\n(^٣) مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي (٧/ ٣٢٥).","vol":"1","page":10},{"text":"قال سلمان الفارسي: العمر قصير، والعلم كثير (^١)، فالأولى أن يتجه المرء إلى ما ينفعه، وأنفع العلوم في هذه العصور بعد علم العقيدة هو علم الفقه.\nوقد قال ﷺ: «نضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلِّغه، فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيه» (^٢).\n• فإذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ، فلك فيه طريقان:\nالطريق الأول: إثبات سنده.\nالطريق الثاني: فَهم متنه، وفقه المتن هو رأس الأمر.\nولا سبيل إلى هذا الفقه إلا بالنظر في الأدلة -الكتاب والسنة-، واستنباط الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية منها، ولا يتأتى ذلك إلا بعلم جليل هو علم أصول الفقه.\nفليس الفقيه من يحفظ المسائل والفروع والأحكام، إنما الفقيه الذي يملك القدرة، وله من الملكة والنظر ما يُمَكِّنُه من استنباط هذه\n_________\n(^١) صفة الصفوة لابن الجوزي (١/ ٢٠٨) ط دار الحديث.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٤١٠٥)، وأحمد (٢١٥٩٠) وغيرهم من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا، وله شواهد تزيده قوة.","vol":"1","page":11},{"text":"الأحكام من الأدلة.\nفموضع علم أصول الفقه من الفقه موضع الأساس من البناء، وموضع الأصل من الفرع.\nلذلك يقول الإمام الزركشي: أشرف العلوم بعد الاعتقاد الصحيح معرفة الأحكام العملية (الفقه)، ومعرفة ذلك بالتقليد، ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن، ولا ينشرح به الصدر، لعدم أخذه بالدليل.\nوشتان بين من يأتي بالعبادة تقليدًا لإمامه بمعقوله، وبين من يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض من ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وادرع ملابسه الضافية، وسبح في بحره، وربح من مكنون دره (^١) اه.\nوقال أبو بكر الشاشي في كتابه الأصول: اعلم أنَّ النص على حكم كل حادثة عينًا معدوم، وأنَّ للأحكام أصولًا وفروعًا، وأنَّ الفروع لا تدرك إلا بأصولها، وأنَّ النتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، فحق أن يبدأ بالإبانة عن الأصول؛ لتكون سببًا إلى معرفة\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ٢١).","vol":"1","page":12},{"text":"الفروع (^١) اه.\nفلا ترسخ للفقيه قدمٌ في الفقه إلا برسوخه في أصول الفقه، بل لا يكون فقيهًا إلا إذا حصَّل مسائله وسلك مسالكه.\nقال الزركشي: الأصولي غير الفقيه كالطبيب الذي لا عقار عنده، أما الفقيه غير الأصولي كالعطار عنده كل عقار، لكنه لا يعلم النافع من الضار (^٢) اه.\nفلا غنى عن الأصول مع الفقه بحال من الأحوال، ومن أراد الرسوخ في الفقه؛ فعليه البداءة في طلبه بعلم الأصول على الصحيح.\nفهو العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يُلجأ إليه عند تحرير المسائل وتقرير الدلائل في غالب الأحكام.\nولأجل شرف علم الأصول ورفعته؛ وفَّر الله دواعي الخلق على طلبته، وكان العلماء به أرفع مكانًا وأجلهم شأنًا، وأكثرهم أتباعًا وأعوانًا.\nفهو علم الفحول من الرجال، ألا ترى -كما قال الشوكاني-: إذا استشهد أحدهم لما قاله بكلمة من كلام أهل الأصول أذعن له\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":13},{"text":"المنازعون وإن كانوا من الفحول؛ لاعتقادهم أنَّ مسائل هذا العلم قواعد مؤسسة على الحق الحقيق بالقبول (^١).\nومن أجل ذلك جمعنا هذا الجمع استطردنا فيه في مسائل هذا العلم، وحاولنا بعون الله وتوفيقه الإلمام بما استطعنا من شارده ووارده، وجمعنا فيه بين فرعي علم الأصول، الأول منهما: هو ما يبحث في الدليل، وكيفية الاستدلال، وبيان حال المستدل ونحوه، والثاني هو: علم المقاصد الذي هو روح الشريعة وقطب رحاها، الذي يبحث عن علل الأحكام، وإظهار الحِكَم التي من أجلها شرع الله تعالى أحكامه؛ لذا سميته (جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد)، ولما كان المقصود من دراسة علم الأصول هو التطبيق العملي لقواعده في أحكام الشريعة فقهًا، وعقيدة، وغيرها من فهم الواقع ومعالجته، والربط بين أحكام الشريعة وواقع الناس في صورة من التوافق والفهم والعلم، والحفاظ على ثوابت الشريعة مع مراعاة حال الناس وعاداتهم وأعرافهم ختمنا الكتاب بجزء خاص سطَّرنا فيه بعض التدريبات والتطبيقات العملية لقواعد ومسائل هذا العلم المبارك لكي تحصل لطالب العلم والباحث الدربةُ على تطبيق قواعد هذا العلم في مظانه، ويكون بذلك قد حقق المراد من تعلم علم\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٥٤).","vol":"1","page":14},{"text":"الأصول إن شاء الله تعالى.\nواللهَ تعالى أسأل أن يكتب له القبول، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفعنا به، وأن ينفع به طلبة العلم وأهله.\nولا يفوتني الشكر لإخواني في الله، وطلبة العلم الفضلاء لما قدموا من جهد وافر معنا في هذا الكتاب، فأسأل الله تعالى أن يتقبل منهم، وأن يجعله في ميزان حسناتهم، وأخص بالذكر الأخوة الفضلاء - دون قصد للترتيب -:\nالأخ/ محمد جاد.\nوالأخ/ أحمد عزت.\nوالأخ/ مجدي محمود.\nوالأخ/ إبراهيم زكريا.\nوالأخ/ عمر السيد عمر.\nوالأخ/ سيد سويلم.\nوالأخ/ محمد نبيل.\nوالأخ/ محمود العوفي، ومن ساعده في تحقيق أحاديث الكتاب.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nعبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي","vol":"1","page":15},{"text":"<span class='title'>الجزء الأول: المقدمات </span>\nويشتمل على أربعة فصول:\n• الفصل الأول: بعض الشبه الواردة على علم أصول الفقه، والجواب عنها.\n• الفصل الثاني: المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه.\n• الفصل الثالث: نشأة علم أصول الفقه وأطواره التي مر بها.\n• الفصل الرابع: بعض المقدمات والمصطلحات المهمة لدارس علم أصول الفقه.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الفصل الأول بعض الشبه الواردة على علم أصول الفقه، والجواب عنها:</span>\nإنه مع جلالة هذا العلم وشرفه وعظيم خطره، قد أثيرت حوله شبهات قعدت بالهمم عن سلوك دربه، وتحصيل مسائله وطلبه، فأدى ذلك إلى إهمال هذا العلم، والعزوف عنه عند البعض؛ مما أدى إلى فشو التقليد والجمود، وانتشار التعصب للمذاهب وأقوال الرجال، ففشى الجهل وادعاء العلم، وقعدت الهمم والعقول عن الاجتهاد في النصوص.\nوالسبب في ذلك ما أشرنا إليه من إثارة بعض الشبه حول هذا العلم؛ لذا كان لزامًا أن نبدأ بها لإزالة هذه الشبه قبل تناول مباحث هذا العلم وتأصيله وبيانه، فإنه لا بد من التخلية قبل التحلية.","vol":"1","page":19},{"text":"• الشبهة الأولى: قيل هو ليس علمًا، بل هو نُبَذٌ جُمِعَت من علوم متفرقة.\nفقالوا: إنَّ بعضه مأخوذ من اللغة، كالكلام عن الأمر والنهي والعام والخاص وغيرها، وبعضه مأخوذ من النحو، كالكلام عن حروف المعاني، والاستثناء، وغيرها، وبعضه مأخوذ من القرآن وعلومه، كالكلام عن مباحث النسخ والمحكم والمتشابه، وبعضه مأخوذ من علم الحديث، كالكلام عن التواتر والآحاد وحجية كل منهما، وغير ذلك من المباحث.\nفمن أراد أن يتعلم تلك المباحث؛ فليتعلمها من تلك العلوم دون الرجوع إلى علم أصول الفقه.\nوبهذا لو جرد علم الأصول من هذا، لصار ما انفرد به أصول الفقه شيئًا يسيرًا جدًّا لا فائدة فيه.\nوالجواب عن ذلك:\nأنه لا يُنْكر أنَّ علم الأصول قد استمد بعض مباحثه من تلك العلوم التي ذكرتموها، ولكن اهتم الأصوليون بتلك المباحث ودرسوها دراسة تختلف عن دراستها لو أخذت من تلك العلوم مباشرة، فقد دقق الأصوليون في فهم أشياء لم يصل إليها المتخصصون بتلك العلوم.\nفمثلًا: توصل الأصوليون إلى فهم أشياء من كلام العرب لم يصل","vol":"1","page":20},{"text":"إليها النحاة ولا اللغويون، فالنظر في كلام العرب متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي المتعمق.\nفلقد توصل الأصوليون إلى أحكام في الاستثناء لم يتوصل إليها النحاة في كتبهم.\nوكذلك عني الأصوليون بدلالات لم يعتن بها النحاة واللغويون كدلالة صيغة الأمر (افعل) على الوجوب، ودلالة صيغة النهي (لا تفعل) على التحريم، وكون (كل) تفيد العموم، ونحو ذلك لا تجده في كتب اللغة والنحو.\nفهم يبحثون في هذه المباحث التي أخذت من هذه العلوم بحثًا خاصًّا، من جهة الدلالة الموصلة إلى الأحكام الشرعية.\nولذلك يقول الطوفي: الكلام يشتمل على لفظ ومعنى، فحظ اللغوي النظر في ألفاظه ببيان ما وضعت له كقوله: العموم: الشمول، والعام: الشامل والتخصيص: تمييز شئ عما شاركه بحكم، وحظ النحوي بيان ما يستحقه من الحركات اللاحقة لآخره إعرابًا أو بناءًا، وحظ التصريفي بيان وزنه، وصحيحه من معتله، وأصله من زائده أو بدله، وغير ذلك من أحكامه.","vol":"1","page":21},{"text":"أما كون العام بعد تخصيصه حجة أو ليس بحجة، حقيقة أو مجازًا، فهذا ليس حظ واحد من هؤلاء، بل حظ الأصولي، والأصولي موضوع علمه المعنى، وإنما ينظر في الألفاظ بطريق العرض في مبادئ الأصول (^١).\nويقول تقي الدين السبكي: إن الأصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراء زائد على استقراء اللغوي، مثاله دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، و(لا تفعل) على التحريم، وكون (كل وأخواتها) للعموم، وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاء في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التى تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٥٣٣).\n(^٢) الإبهاج شرح المنهاج (١/ ٧).","vol":"1","page":22},{"text":"فنظرة الأصولي إلى تلك المباحث تختلف عن نظرة المتخصصين بها.\nوالعلوم تختلف جهات بحثها للموضوعات المشتركة بينها، فالموضوع الواحد قد تشترك عدد من العلوم في بحثه، ولكن كل علم يبحثه من جهة مناسبة لطبيعته، والخلط بين تلك الجهات يؤدي إلى أغلاط متعددة في الاستدلال والفهم، وبعض الموضوعات يكون اختصاصها ببعض العلوم أكثر من غيرها، وتكون تلك العلوم هي الأصل فيها من جهة توسع البحث والدخول في التفاصيل المتعلقة بها (^١).\nفهذا التداخل الموضوعي وهو أن ثمة موضوعات تُبحَث في عدد من العلوم الشرعية لكونها متعلقة بها جميعًا هو نمط من أنماط تأثر العلوم الشرعية وعلاقتها ببعضها البعض، وهذا لا يُنكَر عند من عَمَّقَ النظر في علوم الشريعة.\nوبهذا لا يمكن تعلم مباحث الأصول إلا بالرجوع إلى ما وضع في علم أصول الفقه.\n_________\n(^١) قانون التأسيس العقدي د/ سلطان بن عبد الرحمن العميري: (٦٣).","vol":"1","page":23},{"text":"• الشبهة الثانية: قيل هذا العلم لا فائدة منه لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nوجواب هذا: أنَّ هذا نتج من عدم المعرفة بحقيقة هذا العلم وثمرته، وقد قيل: من جهل شيئًا عاداه، فهذا العلم هو من أهم شروط الاجتهاد، بل لا يتوصل إلى درجة الاجتهاد إلا به، ولا يمكن للفقيه استنباط حكم شرعي من دليل إلا به.\nبل لو جهل مسألة -كالقياس مثلًا- من مسائله لا يعد فقيهًا عند البعض.\nقال الشافعي: من لم يعرف القياس فليس بفقيه.\nوقال أحمد: لا يستغني أحد عن القياس (^١).\nفإن قيل: إنكم جعلتم علم أصول الفقه أهم شرط من شروط الاجتهاد، فلا يمكن لأحد أن يبلغ درجة الاجتهاد إلا بالرسوخ فيه، فكيف يستقيم ذلك وهو علم مبتدع محدث، فلقد كان الصحابة ﵃ وأتباعهم من كبار المجتهدين، ولم يكن هذا العلم موجودًا حتى جاء الشافعي وصنف فيه وسماه بهذا الاسم.\n_________\n(^١) الفيه والمتفقه للخطيب (١/ ٥٠٠).","vol":"1","page":24},{"text":"والجواب عن هذا: أن الصحابة ﵃ وأتباعهم من كبار التابعين كانوا أعلم الخلق بالعلوم، وكانوا أفهم الخلق بدلالات الألفاظ ومقاصد الشريعة متتبعين لها، محيطين بها، وكانوا متمرسين على ذلك.\nفأكسبتهم تلك الممارسة قوة يفهمون بها مراد الشارع، وما يصلح وما لا يصلح من الأدلة.\nعرفوا ذلك جزءًا منه سليقة وبلغة العرب، وجزءًا أخذوه عن رسول الله ﷺ، فعلم أصول الفقه كان موجودًا في زمن النبوة، وفي عصر الصحابة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ثم انتقل من الصحابة إلى التابعين، ولكن لما اتسعت الرقعة الإسلامية وفتحت البلاد فسدت الألسن، وتغيرت الفهوم، وكثرت الحوادث التي تحتاج إلى المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية لتلك الحوادث، مستندة إلى الدليل من الكتاب والسنة؛ فوضع الإمام الشافعي قواعد لذلك، وجمعها في علم مستقل سمي \"علم أصول الفقه\"، كما جُمِعَت قواعد علم النحو لنفس السبب.","vol":"1","page":25},{"text":"• الشبهة الثالثة: قيل هذا العلم لا يتعلم لقصد صحيح، بل يتعلم للرياء والسمعة.\nالجواب عن ذلك: إنَّ هذا غير صحيح جملة وتفصيلًا، فالقصد من تعلم علم أصول الفقه معرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، أما إذا فسدت نية صاحبه فتعلمه للرياء والسمعة، فهذا وارد على كل العلوم ولا يختص بأصول الفقه، وكل شخص سيحاسب عن قصده في تعلم أي علم من العلوم قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١).\n• الشبهة الرابعة: قيل هذا العلم يتعلم للجدال والمناظرة، لا لقصد صحيح ونحن نُهينا عن كثرة الجدال.\nوالجواب عن ذلك: أنَّ الجدال الموجود في أصول الفقه وسيلة إلى الحق، وإذا كان الجدال بهذه الصفة لا يعاب، بل الجدال بالحق للحق من شأن رسل الله تعالى وأنبيائه.\nبل ذكر الله تعالى في كتابه أنه أقام سبحانه الحجج، وعامل عباده بالمناظرة، فقال سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"1","page":26},{"text":"وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].\nوقال الله لملائكته: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، وذلك لما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nوجادلت الأنبياء أممها وحاجَّتها، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فالجدال في نفسه لا يُذم ولا يُمدح، ولربما المدح والذم حسب الاستعمال، فمن استعمل الجدال للوصول إلى الحق الذي أمر الله به فهو ممدوح، ومن استعمل الجدال في صرف الحق إلى الباطل فهو مذموم.\nوالجدال الذي جاء به أصول الفقه يستعمل للوصول به إلى الحق الذي أمر الله به، فيكون على هذا ممدوحًا. (^١).\n_________\n(^١) المهذب في أصول الفقه المقارن للدكتور عبد الكريم النملة بتصرف (١/ ٤٥ - ٥١).","vol":"1","page":27},{"text":"• الشبهة الخامسة: قيل إنه علم قائم على المنطق وعلم الكلام، وهي علوم مذمومة:\nوجوابه: أن دخول علم الكلام والمنطق على علم الأصول متأخر عن نشأة العلم، بل هو أجنبى عنه، وعلم الأصول عارٍ عنه، وجدير بالذكر أن دخول علم الكلام على علم أصول الفقه كان في القرن الرابع أو الخامس تقريبًا مع كتابة المعتزلة في علم الأصول، كالقاضى عبد الجبار في العمد، والقاضي أبو الحسين في المعتمد، وكذلك الأشاعرة كما فعل الباقلاني في التقريب والإرشاد؛ حيث كانت كتب الأصول سجالًا عقديًّا بين الفريقين.\nوأما علم المنطق فأول من أدخله على علم الأصول الغزالى في المستصفى، فقدم بمقدمة منطقية، وتبعه في ذلك ابن قدامة فى روضة الناظر، وفي بعض النسخ الخطية أزالها؛ قيل أنه لما عوتب في ذلك.\nلكن إذا نظرتَ الى كتاب الرسالة للإمام الشافعى، وهو أول ما دُوِّن في هذا العلم تجده خال تمامًا من هذه المباحث الكلامية والمنطقية؛ إذ لا علاقة لها بعلم الأصول.\nوقد كان الأئمة من التابعين قبل الشافعي ومِن قبلهم صحابة النبي ﷺ يمارسون هذا العلم تطبيقًا، وما يدرون ما المنطق ولا علم الكلام والفلسفة، ومع ذلك كانوا أفهم وأعلم الناس على الإطلاق، بل مَنْ","vol":"1","page":28},{"text":"بعدهم عالة على فقههم وعلمهم.\nونحن نسلم بذم هذه العلوم، وأنها أجنبية عن علوم الشريعة، بل أفسدت في علوم الشريعة.\nلكن هل معنى دخول هذه العلوم على علم أصيل من علوم الشريعة كعلم أصول الفقه أن نهجر هذا العلم على أهميته، أم أن الواجب علينا أن ننقي علومنا مما أُدخِل عليها، ونردها إلى أصلها ونبعها الصافي.\nوخاصة أن هذه العلوم - الفلسفة والمنطق وعلم الكلام - دخلت في كثير من علوم الشريعة في نفس الوقت الذي أُدْخِلت في علم الأصول، فدخلت في علم التفسير، فكثيرًا ممن كتب في التفسير في تلك الآونة وكان أشعري العقيدة أو معتزليًّا أدخل عقيدة الأشعرية والمعتزلة في التفسير.\nوكذلك في علم العقيدة كثر في ذاك الزمن القول بقول الأشاعرة، بل أصبح علم العقيدة يسمى علم الكلام.\nومع ذلك لم يقل أحد يجب ترك علم التفسير وهجره، أو علم العقيدة من أجل دخول هذه العلوم فيهما في زمن ما، بل أصبح الواجب تنقية هذه العلوم حتمًا من هذه العلوم المبتدعة المذمومة.","vol":"1","page":29},{"text":"فنقول: وكذلك علم الأصول إذًا يجب تنقيته من هذه العلوم، لا هجره وتركه بحجة دخول هذه العلوم فيه في بعض الأزمان.\nوإلا كيف يهمل علم وظيفته بيان مراد الله تعالى ورسوله ﷺ، بل وربط الأحكام الشرعية بالواقع وملاءمة العرف بضوابط الشريعة، وكذلك ربط الحاضر بالماضي، وربط المستجدات والمحدثات بالمسائل القديمة والأحكام المقررة في الشريعة.\nبل في رأيي - والله أعلم -: أن هذه الحملة على هذا العلم، ومحاولة إقصائه عن العمل وتأدية دوره؛ لأنه هو العلم الوحيد الذي يستطيع إثبات أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان، وكل ما يستجد يُستطاع بفضل الله تعالى إيجاد حكمه المبني على الأدلة، والأسس السليمة المنضبطة الموافقة للنصوص، والمرتبطة بالقواعد الثابتة المقررة والملائمة للواقع الجديد مهما كان تغيره، والله أعلم.\nفهذه جملة من الشُبه قعدت بأصحابها عن سلوك درب الاجتهاد، فما شموا رائحة العلم، ولا ذاقوا حلاوة الفقه في الدين، وإنما البكاء على ضعف الهمم.\nفإذا زالت عنك غمامة وضباب الشُبَه، وعلت همتك، وتاقت نفسك لتكون من أصحاب هذا العلم وتسلك طريق تحصيله؛ فحُقَّ على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن يتصور معناه أولًا","vol":"1","page":30},{"text":"بالحد ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه تمييزًا له عن غيره، وما الغاية المقصودة من تحصيله حتى لا يكون سعيه عبثًا، وما عناه البحث فيه من الأحوال التي هي مسائله ليتصور طلبها، وما منه استمداده لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سَبْقِ معرفتها فيه لإمكان البناء عليها (^١).\nلذلك كان من الواجب قبل الولوج إلى صلب الأصول، أن يحيط الدارس بهذا العلم بداياته ونهايته؛ ليحصل له من تصور هذا العلم ما يمكنه من الإبحار فيه بسلاسة.\nلذا سنتناول دراسة ذلك في الفصول التالية إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ١٩).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الفصل الثاني: المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه</span>\nقال الصبان:\nإنَّ مبادئ كل فن عشرة … الحد والموضوع ثم الثمرة\nوفضله ونسبة والواضع … والاسم الاستمداد حكم الشارع\nفمسائل والبعض بالبعض اكتفى … ومن درى الجميع حاز الشرفا\n\n•<span data-type='title' id=toc-5> أولًا: الحد:</span>\nهو الذى يبين الشيء على حقيقته ولابد أن يكون جامعًا مانعًا (^١).\nحد علم أصول الفقه:\n\n<span data-type='title' id=toc-6>أولًا: باعتبار مفرديه:</span>\nالأصل لغة: هو الأساس (^٢)، وقيل عبارة عما يُفتَقَر إليه، ولا يَفتَقِر هو إلى غيره (^٣).\n_________\n(^١) إحكام الفصول للباجي (١٧٠)، والواضح لابن عقيل (١/ ١٥).\n(^٢) موسوعة القواعد الفقهية (٢/ ١٨٧).\n(^٣) التعريفات للجرجاني (١/ ٢٨).","vol":"1","page":32},{"text":"واصطلاحًا: ما يُبنَى عليه غيره، ولا يُبنَى هو على غيره (^١).\nوقيل: ما له فرع (^٢). ويطلق الأصل أيضًا على معاني كثيرة منها:\n١ - الدليل: يقال الأصل في وجوب الزكاة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].\n٢ - القاعدة: يقال: الأصل في الأشياء الإباحة.\n٣ - الأصل قد يطلق على المقيس عليه، وهو أحد أركان القياس.\n٤ - الأصل بمعنى الراجح، تقول الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز.\n٥ - الأصل بمعنى المستصحب، تقول الأصل في الأشياء الإباحة والأصل براءة الذمة.\nالفقه لغة: الفهم (^٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].\nواصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة\n_________\n(^١) الورقات للجويني (١)، والتعريفات للجرجاني (١/ ٢٨).\n(^٢) مختصر التحرير (١٤).\n(^٣) لسان العرب لابن منظور (١١/ ٢١٠).","vol":"1","page":33},{"text":"التفصيلية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>ثانيًا: تعريف أصول الفقه باعتباره لقبًا لهذا العلم:</span>\nبعض أهل العلم لم يذكر عبارة محررة في حد علم أصول الفقه\nمثل الباقلاني قال: أصول الفقه العلوم التي هي أصول العلم بأحكام أفعال المكلفين (^٢).\nوالبعض اقتصر على جزء من علم أصول الفقه فعرفه به.\nمثل الجويني في البرهان قال: أصول الفقه أدلة الفقه (^٣).\nوكذلك فعل الغزالى في المستصفى قال أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام ومعرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل (^٤).\nوأضاف الآمدي مكونًا ثالثًا على تعريف الغزالي فقال أصول الفقه أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية وكيفية حال المستدل\n_________\n(^١) وورد في جمع الجوامع (٢٠٩) بلفظ العلم بالأحكام، وعدل عن لفظ العلم بالمعرفة؛ لأن مسائل الفقه منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظني، وكلاهما فقه فلفظ معرفة الأحكام أدق.\n(^٢) التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ١٧٢).\n(^٣) البرهان للجويني (١/ ٨٥).\n(^٤) المستصفى للغزالي (١/ ٧).","vol":"1","page":34},{"text":"من حيث الجملة (^١) وعرفه الرازي في المحصول بنحو عبارة الآمدي.\nوأشهر التعريفات لعلم أصول الفقه ومن أفضلها ما عرفه ابن الحاجب في مختصره وإن كان اقتصر فقط في تعريفه على القواعد وهي جزء من علم الأصول فقال:\nهو العلم بالقواعد التى يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية (^٢).\nوقد يكون أجمع التعريفات لعلم الأصول ما عرفه البيضاوي في المنهاج؛\nقال: أصول الفقه هو معرفة دلائل الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد (^٣).\nفهذا التعريف جمع كل أبواب علم أصول الفقه؛ فهو يتعلق بالأدلة الإجمالية التي هي مصادر الأحكام، كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكالقواعد الإجمالية الكلية مثل الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي التحريم، وكيفية استفادة الأحكام من هذه القواعد\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ٧).\n(^٢) المنتهى لابن الحاجب (٣)، شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ١٢٠).\n(^٣) المنهاج للبيضاوي (٥).","vol":"1","page":35},{"text":"والأدلة، ثم البحث في حال الشخص المنوط به هذه الاستفادة وهو المجتهد، فتعلق البحث في أحواله كالبحث في الشروط التي تأهله لذلك، وأنواع المجتهد، وهل يخلو الزمان منه، وغير ذلك من المباحث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-8> ثانيًا: الموضوع:</span>\nقيل: هو الأدلة الإجمالية (^١) وهى الكتاب والسنة، وما يحتويانه كالعام والخاص والمطلق والمقيد، ونحو ذلك.\nوقيل: هو الكتاب والسنة، وبيان حال المستفيد، وكيفية الاستفادة منهما (^٢).\nوقيل: هو بيان طرق الاستنباط (^٣).\nوهذا من فوائد علم أصول الفقه أيضًا، فهو علم يبين كيفية استنباط الأحكام، فلا يستطيع الفقيه أن يستنبط أحكامًا إلا إذا كان أصوليًّا.\nمثال: قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾\n_________\n(^١) المنهاج للبيضاوي (٥).\n(^٢) وهو تعريف البيضاوي لعلم أصول الفقه بأنه معرفة الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.\n(^٣) التأسيس في أصول الفقه للشيخ مصطفى سلامة (١١).","vol":"1","page":36},{"text":"[البقرة: ١٨٧]، فالحكم الظاهر من الآية هو حل الجماع في ليل رمضان.\n• مسألة: هل يجوز للصائم أن يصبح جنبًا؟\nمن الفقهاء من يقول: نعم يجوز له ذلك. ومنهم من يقول: يجب أن يغتسل بالليل. وهذه الآية دليل للقائلين بالجواز؛ لدلالة إشارتها، حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والليل يبدأ من غروب الشمس وينتهى ببزوغ الفجر، والآية تبين أنَّ كل الليل يحل فيه للرجل أن يجامع زوجته، وما دام أنَّ الشرع أحل له كل الليل، فهذا يلزم منه أنه قد يصبح جنبًا، ولو قيل يجب أن يصبح طاهرًا، فهذا يلزم منه أنه لابد من وجود وقتٍ من الليل يحرم الجماع فيه، وهو الوقت الكافى للاغتسال، وهذا يُحَرِّم الرفث في جزء من الليل، وهذا مناقض لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوكقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، والفصال هو الفطام، فتمام الفطام في عامين، والآية الأولى تبين أنَّ الحمل والفطام في ثلاثين شهرًا، وبالنظر للآيتين علم أنه من الجائز أن تلد المرأة بعد ستة أشهر","vol":"1","page":37},{"text":"من الحمل.\n• مسألة أخرى: حكم صلاة المرأة في المسجد؟ وهل الأفضل صلاتها في بيتها أم في المسجد؟\nأولًا: حكم الصلاة في المسجد الجواز؛ لقوله ﵊: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (^١)، أما في بيتها فهو أفضل، فعن أم حميد امرأة أبى حميد الساعدي ﵄ أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنى أحب الصلاة معك قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معى، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدى»، قال: فأمرت فبُنِى لها مسجد في أقصى شاء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلى فيه حتى لقيت الله ﷿ (^٢)، وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) صحيح بمجموع شواهده: أخرجه أحمد (٢٧٠٩٠)، وابن خزيمة (١٦٨٩)، وغيرهما من حديث أم حميد مرفوعًا، وسنده فيه ضعف، ولكن له شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود (٥٧٠) وغيره بسند حسن، وشاهد آخر عند ابن أبي شيبة (٧٦٩٧) من حديث ابن عباس، وسنده لا بأس به.","vol":"1","page":38},{"text":"خير لهن» (^١)،\nوعن ابن مسعود بلفظ: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (^٢)، فالحكم العام ذكره رسول الله ﷺ، وهو جواز صلاة المرأة في المسجد، لكن صلاتها في بيتها أفضل.\nوبالنظر للقواعد يمكن أيضًا إخراج هذا الحكم بدلالة الإشارة من القرآن.\nوقد استُنبِط هذا الحكم من القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وذلك على النحو التالي.\n١ - الخطاب في الآية متوجه لمريم، والقاعدة: شرع من قبلنا شرع\n_________\n(^١) صحيح بشواهده: أخرجه أبو داود (٥٦٧)، وأحمد (٥٤٦٨) وغيرهما من حديث ابن عمر، ولكن فيه عنعنة مدلس، ويشهد له حديث أم حميد السابق، وحديث ابن مسعود التالي، كذلك يشهد للفقرة الأولى منه: حديث البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر أيضًا.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٥٧٠)، والحاكم (٥٧٥) وغيرهما من حديث ابن مسعود، وفيه راو صدوق، وانظر حديث ابن عمر السابق.\nمخدعها: هو الحجرة الصغيرة داخل الحجرة الكبيرة التى يحفظ فيها الأمتعة النفيسة.","vol":"1","page":39},{"text":"لنا ما لم ينسخ. إذن فقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٣٧] هو خطاب لكل نساء المسلمين.\n٢ - إنَّ كل ذات لها أركان وواجبات وسنن، والأركان هى التى لا توجد الذات إلا بها، والواجبات هى شيء هام للذات، لكن يمكن وجود الذات بدونها، والسنن هى كماليات للذات، فالأصل في الذات هو الركن؛ لأنه بوجوده توجد الذات، وبانعدامه تنعدم الذات؛ لذلك صحَّ شرعًا ولغةً إطلاق الجزء وإرادة الكل ما دام هذا الجزء ركنًا في الشيء، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالذى يحرر لا يحرر رقبة فقط، بل يحرر الجسد كله، ولكنه أطلق الرقبة التى هى جزء وأراد بها كل الجسد؛ لأنَّ الرقبة ركن في الجسد، ومثله عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ في الْحَجِّ أَوِ الْعمرَة أول مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمروة (^١). أى أنه صلى ركعتين، فعبر عن الركعة بالسجدة، فأطلق الجزء وأراد الكل، إذن فقوله تعالى لمريم ولنساء المسلمين: اسجدي. أى صلي، فأطلق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦١٦)، ومسلم (١٢٦١) من حديث ابن عمر مرفوعًا.","vol":"1","page":40},{"text":"الجزء من الصلاة وهو السجود، وأراد به الكل أى الصلاة، وكذلك قوله «واركعي».\n٣ - العطف يقتضى المغايرة؛ لأنه يمتنع عطف الشيء على نفسه، وعلى هذا لما ذُكِرَ في الآية: اسجدي واركعي. وعلم أنَّ المراد بهما الصلاة؛ عُلِمَ أن الصلاتين مختلفتان، فاسجدي تعبر عن صلاة، واركعي تعبر عن صلاة أخرى.\n٤ - قال تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، فالمراد بالسجود الصلاة بمفردها، والمراد بالركوع الصلاة في جماعة، بدليل قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وعليه يجوز للمرأة الصلاة في بيتها، والصلاة في المسجد.\n٥ - عبَّر عن الصلاة في البيت مفردة بالسجود، وعبر عن الصلاة في المسجد جماعة بالركوع، ومعلوم شرعًا وعرفًا أنَّ السجود أفضل من الركوع، فعلم أنَّ صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد.\nوالخلاصة أن موضوعات علم أصول الفقه: الأحكام الشرعية باعتبارها الثمرة، والأدلة الإجمالية على الأحكام كالكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها، وطرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، وأبواب الاجتهاد والفتوى والتقليد.","vol":"1","page":41},{"text":"وقد نظم بعض المعاصرين (^١) ذلك فقال:\nعلم الأصول أربعٌ أحكام … أدلة دلالة حكام\n\n•<span data-type='title' id=toc-9> ثالثًا: الثمرة، وهى الفائدة:</span>\n١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فائدة علم أصول الفقه: هى معرفة الدارس مراد الله، ومراد رسوله ﷺ، من الكتاب والسنة (^٢). وهي من أعظم ثمرات هذا العلم.\nمثال توضيحي:\nقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]: أى أكلها. لكن الآية لم تصرح بذلك، إنما عُلم ذلك بالقاعدة التى تقول: إذا علق الحكم بعين رجع عرفًا ولغةً لما جُعِلت له هذه العين.\nفالحلال والحرام لا يتعلقان بذوات، إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة بتلك الذوات، فقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأم ذات، فليس المراد تحريم ذات الأم، وإنما حرم الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذى جُعِلت له المرأة وهو\n_________\n(^١) وهو الدكتور عامر بهجت: النظم الصغير من مختصر التحرير.\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٤٩٧).","vol":"1","page":42},{"text":"النكاح، ومنه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فالميتة المحرم منها الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذى أعدت له الأنعام وهو الأكل.\n٢ - التمكن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها، على أسس سليمة.\n٣ - يثبت أنَّ أحكام الإسلام صالحة لكل زمان ومكان.\n٤ - يزيد في الفهم والفقه في الدين، وعليه فهو دليلٌ على إرادة الخير بالعبد؛ لأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (^١).\n٥ - يُمَكِّن من تعليم الأحكام وبيانها أحسن بيان.\n٦ - هو الذى تأمن من خلاله الأمة بقاء الأحكام الشرعية منضبطة.\n٧ - طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد يستفيد من دراسة أصول الفقه، حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه عند استنباطه للأحكام، فمتى وقف الطالب على طرق الأئمة وأصولهم، فإنه تطمئن نفسه إلى مدرك ذلك الإمام الذي قلده في عين هذا الحكم أو ذاك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا.","vol":"1","page":43},{"text":"٨ - المتخصص بعلم التفسير، وعلم الحديث يحتاج إلى دراسة علم أصول الفقه، حيث إنه يبين دلالات الألفاظ كتابًا أو سنة، وما يتعلق بها من أحكام.\n٩ - هو علم يجمع بين العقل والنقل، ومن تعمق فيه عرف طريقة إيراد المسألة وتصورها، والاستدلال عليها، والاعتراض على بعض الأدلة، والجواب عن تلك الاعتراضات بأسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم ..\n\n•<span data-type='title' id=toc-10> رابعًا: فضله:</span>\nوالفضل يتناسب مع الثمرة، فكلما كانت الثمرة عالية؛ فالفضل يكون عظيمًا، فلما كانت ثمرته الفهم والبيان لكلام الله ورسوله ﷺ؛ كان علمًا عظيم الفضل جليل القدر.\nيقول الزركشى بعد أن قسم العلوم إلى عقلى وشرعى ولغوى: ولا شك أنَّ أشرف العلوم بعد الاعتقاد معرفة الأحكام العملية …، وشتان بين من يأتى بالعبادة تقليدًا، وبين من يأتى بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله، ولا يحصل هذا إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وادرع ملابسه","vol":"1","page":44},{"text":"الضافية، وسَبَح في بحره، وربح من كنوز درِّه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-11> خامسًا: النسبة:</span>\nهو من العلوم الشرعية، فهو ليس من العلوم العربية مثلًا أو العلوم العقلية، بل هو من العلوم الشرعية، ونسبته إلى غيره التباين والاختلاف، فعلم أصول الفقه يعمل في القواعد الأصولية، وعلم الفقه يعمل في الأحكام العملية، وعلم العقيدة يعمل في المسائل العلمية وهكذا، مع العلم أن جميع العلوم الشرعية يخدم بعضها البعض.\nومن ذلك ما يشير إليه الإمام الشاطبي فيقول:\nوالتاسع: حمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده حتى تحصل الفتيا في أحدها بقاعدة الآخر من غير أن تجتمع القاعدتان في أصل واحد حقيقي، كما يحكى عن الفراء النحوي أنه قال: من برع في علم واحد سهل عليه كل علم، فقال له محمد بن الحسن القاضي - وكان حاضرًا في مجلسه ذلك- وكان ابن خالة الفراء: فأنت قد برعت في علمك، فخذ مسألة أسألك عنها من غير علمك، ما تقول فيمن سها في صلاته، ثم سجد لسهوه، فسها في سجوده أيضا؟\nقال الفراء: لا شاء عليه، قال: وكيف؟ قال: لأن التصغير عندنا لا\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ٢١) دار الكتبي.","vol":"1","page":45},{"text":"يصغر، فكذلك السهو في سجود السهو لا يسجد له؛ لأنه بمنزلة تصغير التصغير، فالسجود للسهو هو جبر للصلاة، والجبر لا يجبر كما أن التصغير لا يصغر، فقال القاضي: ما حسبت أن النساء يلدن مثلك.\nوقال: رُوِيَ أن أبا يوسف دخل على الرشيد والكسائي يداعبه ويمازحه، فقال له أبو يوسف: هذا الكوفي قد استفرغك: وغلب عليك: فقال يا أبا يوسف إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي.\nفأقبل الكسائي على أبي يوسف، فقال: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟ فقال: نحو أم فقه؟ قال: بل فقه، فضحك الرشيد حتى فحص برجله، ثم قال: تلقي على أبي يوسف فقهًا، قال: نعم، قال: يا أبا يوسف ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق أن دخلت الدار، وفتح أن؟ قال: إذا دخلت طلقت، قال أخطأت يا أبا يوسف، فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال \"أن\" فقد وجب الفعل، ووقع الطلاق، وإن قال \"إن\"، فلم يجب، ولم يقع الطلاق، قال فكان أبو يوسف بعدها لا يدع أن يأتي الكسائي، فهذه المسألة جارية على أصل لغوي لا بد من البناء عليه في العلمين (^١).\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (١/ ٨٤).","vol":"1","page":46},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-12> سادسًا: الواضع:</span>\nإنَّ علم أصول الفقه كان موجودًا في زمن النبي وصحابته، ومن بعدهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، لكنَّ أول من جمعه في كتاب مستقل هو الإمام الشافعي ﵀، وذلك في كتابه الرسالة، ووضع الشافعى هذه الرسالة لمّا طلب منه عبد الرحمن بن مهدى أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجيَّة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنَّة، فكتبها وأرسلها إليه؛ ولهذا سمِّيت بالرسالة.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: لما نظرت في \" كتاب الرسالة \" لمحمد بن إدريس أذهلني؛ لأنني رأيت كلام رجل عاقل فقيه ناصح، وإني لأكثر الدعاء له. وقال يحيى بن سعيد القطان مثل قول عبد الرحمن بن مهدي (^١).\nوقال أحمد بن حنبل: ما عَلِمْنا المجمَل مِنْ المفسَّر، ولا ناسخ الحديث مِنْ مَنسوخِه حتى جالسنا الشافعي (^٢).\nقال المزني: قرأت «كتاب الرسالة» للشافعي خمسمائة مرة، ما من\n_________\n(^١) طبقات الشافعيين لابن كثير.\n(^٢) تاريخ دمشق (٥١/ ٣٢٤).","vol":"1","page":47},{"text":"مرة منها إلا واستفدت منها فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى.\nوفي كتاب أبي الحسن العاصمي عن أبي نعيم: عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: قال أبو القاسم الأَنْمَاطِيّ: قال المُزَني: أنا أنظر في «كتاب الرسالة» عن الشافعي منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيه من مرة إلا وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-13> سابعًا: الاسم:</span>\nعلم أصول الفقه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-14> ثامنًا: الاستمداد:</span>\nيستمد علم أصول الفقه من الكتاب والسنة، حيث إنَّ أفضل البيان لكلام الله بكلام الله، وهذه القواعد الأصولية نعمل بها في الكتاب والسنة، فالأولى استخراجها من الكتاب والسنة ليُحكَم بالكتاب والسنة على الكتاب والسنة، قال ابن تيمية: فمن بنى الكلام في علم الأصول والفروع على الكتاب والسنة، والآثار المأثورة عن السابقين؛ فقد أصاب طريق النبوة (^٢).\nوكذلك يستمد من اللغة وذلك في أبواب دلالات الألفاظ، وغيرها.\n_________\n(^١) مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٢٣٦).\n(^٢) مجموع الفتاوي لابن تيمية (١٠/ ٣٦٣) ط مجمع الملك فهد.","vol":"1","page":48},{"text":"وقيل: إنه يستمد من العقل المجرد عن النص. وهذا غير صحيح؛ لأنَّ العقل في هذه الحالة سيكون حاكمًا على الشرع، وهذا خطأ؛ لأنَّ الشرع هو الحاكم على العقل، قال الزركشي: العقل مدرك للحكم لا حاكم. (^١) لذا يقول ابن تيمية: الشرع قاض، والعقل شاهد، ويجوز للقاضي طرد الشاهد متى شاء (^٢).\nوما أجمل قول القائل:\nعِلْمُ الْعَلِيمِ وَعَقْلُ الْعَاقِلِ اخْتَلَفَا … مَنْ ذَا الَّذِى مِنْهُمَا قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا\nفَالْعِلْمُ قَالَ أَنَا قَدْ حُزْتُ غَايتَهُ … وَالْعَقْلُ قَالَ أَنَا الرَّحْمَنُ بِى عُرِفَا\nفأَفْصَحَ الْعِلْمُ إفْصَاحًا وَقَالَ لَهُ … بَأينَا اللَّهُ في تَنْزِيلِهِ اتَّصَفَا\nفَأيقَنَ الْعَقْلُ أَنَّ الْعِلْمَ سَيِّدُه … وَقَبَّلَ الْعَقْلُ رَأْسَ الْعِلْمِ وَانْصَرَفَا (^٣)\nوقيل: يستمد من المنطق والفلسفة وعلم الكلام وغيرها، حتى ظن البعض بأنه لا يمكن أن تستغني علوم الشريعة عن هذه العلوم.\nوهذا قول غير صحيح؛ لأمور منها:\nأولًا: أنها في غالبها علوم مذمومة في الشريعة؛ إذ إن كثيرًا منها جاء مناقضًا لما في الكتاب والسنة.\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ١٩٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٩٠).\n(^٣) صفوة التفاسير للصابوني (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":49},{"text":"ثانيًا: هى علوم حادثة لم تكن موجودة في زمان الوحى، ورغم عدم وجودها كان الصحابة يفهمون النصوص أحسن فهم، ويبينونها أحسن بيان.\nثالثًا: إن كان في هذه العلوم بعض الخير، فكل خير فيها موجود في علوم الكتاب والسنة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-15> تاسعًا: حكم الشارع:</span>\nتعلم علم أصول الفقه فرض كفاية (^١)، إذا قام به البعض الكافي سقط عن الجميع، فإن لم يخرج البعض الكافى بقي الإثم على القادر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-16> عاشرًا: مسائله:</span>\nهى تدوين المسالك التى يلتزمها المجتهد، ويسترشد بها، ويجتهد على ضوئها (^٢).\n_________\n(^١) المسودة لآل تيمية (ص ٥٧١) ط دار الكتاب العربي.\n(^٢) التأسيس في أصول الفقه للشيخ مصطفى سلامة (ص ١١).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>الفصل الثالث\nنشأة علم أصول الفقه والأطوار التي مر بها</span>\nوفيه مباحث:\n• المبحث الأول: علم أصول الفقه في زمن النبوة.\n• المبحث الثاني: علم أصول الفقه في عصر الصحابة.\n• المبحث الثالث: علم أصول الفقه في عصر التابعين.\n• المبحث الرابع: نبذة مختصرة عن الإمام الشافعي ﵀.\n• المبحث الخامس: رسالة الإمام الشافعي.\n• المبحث السادس: ما بعد رسالة الشافعي.\n• المبحث السابع: المذاهب الأصولية وطرق التصنيف.\n• المبحث الثامن: طرق التصنيف في أصول الفقه، والكتب المصنفة فيه.\n• المبحث التاسع: أثر دخول المسائل الكلامية والمباحث الاعتقادية في\nعلم أصول الفقه.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المبحث الأول:\nعلم أصول الفقه في عهد النبوة</span>\n• تنبيه: إن معرفة تاريخ أي علم من العلوم نشأة وتطورًا له فوائد منها:\n١ - الإحاطة بجوانب هذا العلم بداياته ونهاياته، فيسهل على الدارس أن يضع لنفسه منهجًا يستطيع من خلاله أن يرتقي في هذا العلم.\n٢ - معرفة فضل السلف على الخلف، فكم ترك السلف المبارك نتاجًا تذخر به المكتبة الإسلامية اليوم.\n٣ - علو همة الدارس في أن ينظر في بناء هذا العلم، ما ينقصه فيكمله، فيضيف لبنة في بناء العلم الشامخ؛ فإن العلماء في التصنيف في كل علم على أضرب:\nفمن تصانيفهم ما بُسط ليسهل فهمه، ومنها ما اختُصِر ليسهل حفظه.","vol":"1","page":52},{"text":"ثم يأتي اللاحق فإما أن يختصر ما بسطه السابق، أو يستدرك عليه مسائل، أو يرتب أبوابه.\nأو يأتي إلى ما اختصره السابق فيشرحه ويبين فوائده، ويفتح أبواب كنوزه.\nأو يأتي إلى مسألة واحدة من مسائله فيصنف فيها استقلالًا، فيجمع أقوال العلماء وخلافهم، ويستفرغ وسعه في بحثها، ثم يرجح فيها ما يترجح لديه.\n٤ - الرد على الشبهات المثارة حول هذا العلم، وغير ذلك من الفوائد.\nوعليه لابد من معرفة تاريخ علم أصول الفقه، وتطوره بداية من عصر النبوة إلى يومنا هذا، وهذه ما سنتناوله في هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وأول ذلك أصول الفقه في عصر النبوة.\nكان الصحابة ﵃ يعيشون في صدر الإسلام، والوحي ينزل، فيتلقون من النبي ﷺ الأحكام والشريعة والعقيدة وسائر أبواب الدين، فكانوا يتلقون هذا الدين منه ﷺ غضًّا طريًّا.\nوعلم أصول الفقه كان علمًا مبثوثًا، وملكة راسخة عند الصحابة في عصر النبوة وبعده، بل كانوا منضبطين في تعاملهم بجملة من القواعد","vol":"1","page":53},{"text":"استحالت بعد ذلك في عصر التدوين إلى علوم، وصنفت فيها المدونات وأخرجت للناس.\nيقول الزركشي: علم أصول الفقه قاعدة الشرع، وأصلٌ يرد إليه كل فرع، وقد أشار المصطفى ﷺ في جوامع كلمه إليه، ونبه أرباب اللسان عليه، فصدر في الصدر الأول منه جملة سنِّية، ورموز خفية (^١).\n• وقد كان هذا العلم في عصر النبوة على جزأين أو مستويين:\nالأول: جزء كان ملكة عندهم بحكم السليقة واللسان العربي، والصحابة كانوا عربًا قِحاحًا، فكانوا لا يجدون عنتًا وتكلفًا في معرفة مراد الله في كتابه، ومراد رسوله ﷺ في سنته.\nولا شك أن معرفة دلالات الألفاظ هي مناط الاستنباط الدقيق للأحكام من الوحيين (الكتاب والسنة)، بل هو المقصد الأعظم من أصول الفقه.\nوالثاني: كان تربية وتلقيًا من رسول الله ﷺ، يدلهم فيها النبي ﷺ على طرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، وكان جزءًا من الممارسة العملية لهذا العلم.\nفالصحابة كانوا أعلم الناس بلغة العرب مصدرًا وموردًا مع\n_________\n(^١) البحرالمحيط للزركشي (١/ ٤).","vol":"1","page":54},{"text":"مشاهدتهم التنزيل، فتحصَّل لهم من ذلك الرسوخ العلمي بدلالات الألفاظ مما يحتاج إليه المشتغل باستخراج الأحكام من الكتاب والسنة.\nقال ابن القيم: فإنَّ الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقوها من فيِّ رسول الله، فلا يُظن بأحد منهم أن يُقْدِمَ على قول: أمَرَ رسول الله، أو حرَّم، أو فرض إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه واحتمال خلاف هذا، كاحتمال الغلط والسهو في الرواية بل دونه، فإن رد قوله أَمَرَ ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر (^١).\nونقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أنَّ الصحابة ﵃ أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم (^٢)؛ لذلك بنى العلماء على ذلك أحكامًا أصولية، منها:\n١ - قول الصحابي: حرَّم رسول الله ﷺ كذا أو أمر بكذا، وقضى بكذا، أو أوجب كذا. في حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ.\n٢ - جواز رواية الحديث بالمعنى.\n_________\n(^١) تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٩/ ٢٤٢).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٣/ ٣٧٤).","vol":"1","page":55},{"text":"قال السبكي: إنَّ الصحابة ﵃ ربما نقلوا القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، وكتب الحديث تشهد بذلك، ومن الظاهر أنَّ النبي ﷺ لم يذكر تلك القصة بجميع تلك الألفاظ، بل نحن في بعضها قاطعون بذلك، وكان هذا شائعًا بينهم ذائعًا غير منكر من أحد، فكان إجماعًا على نقل الحديث بالمعنى (^١).\n٣ - اعتبار بيان الصحابة النصوص وتفسيرها.\nفعلماء الأصول يقررون أنَّ القرآن يبين مجمل القرآن، وكذلك السنة تبين مجمل القرآن ومجمل السنة، ثم يأتي بيان الصحابة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية.\nقال شيخ الإسلام: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين مثل عبد الله بن مسعود (^٢).\n_________\n(^١) الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (٣/ ٣٤٥).\n(^٢) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية (٢٦).","vol":"1","page":56},{"text":"قال ابن حجر: وتفاسير الصحابة عند جمهور الأئمة المتقدمين على ما نقله الحاكم أبو عبد الله محمولة على الرفع، وبعض المحققين حمل ذلك على ما يتعلق بأسباب النزول وما أشبهها، وهو واضح والله أعلم (^١).\nلذلك كان خطأ أكثر المستدلين بالألفاظ على غير وجهها الصحيح، إنما كان بسبب استعمالهم الألفاظ في معانٍ غير ما استعمله الصحابة.\nفمن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ، وعادتهم في الكلام حرَّف الكلم عن مواضعه.\nلذلك فالرجوع إلى فهم الصحابة للألفاظ أمر متعين سواء في معانيها اللغوية أو الشرعية.\nفهذا العلم (أصول الفقه) كان موجودًا بين الصحابة وكانوا يعرفونه.\nقال السبكي: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين به -يعني أصول الفقه- بطباعهم، كما كانوا عارفين النحو بطباعهم قبل مجيء الخليل وسيبويه، فكانت ألسنتهم قويمة، وأذهانهم مستقيمة، وفهمهم لظاهر\n_________\n(^١) تغليق التعليق لابن حجر (٢/ ٢٥).","vol":"1","page":57},{"text":"كلام العرب دقيق عتيد؛ لأنهم أهله الذين يؤخذ عنهم، أما بعدهم فسدت الألسن، وتغيرت الفهوم، فيُحتَاج إليه كما يُحتَاج إلى النحو (^١).\nفالصحابة كانوا يفهمون نصوص الوحي بحكم سليقتهم العربية، لذا لم تبرز الحاجة إلى تسطير قواعد تساعد على فهم النصوص، ولم تُرْوَ عنهم تلك القواعد؛ لأنها كانت مركوزة في الفِطَر بحكم الطبيعة واللسان العربي.\nوكانت محاولاتهم واجتهادهم في فهم النصوص في حياة النبي ﷺ، فمنهم مصيب، ومنهم مخطئ، والنبي ﷺ يُقَوِّمُ ذلك، يُصَوِّب هذا ويُخطِّئ هذا، ويبين لهم الراجح والمرجوح.\nوالأدلة والأمثلة على استعمال الصحابة لتلك القواعد التي يصدرون عنها في فهم النصوص كثيرة:\nمنها: إقراره ﷺ لاجتهاد الصحابة، وإن أدى ذلك إلى اختلافهم نتيجة اجتهادهم في فهم المراد.\nفعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في\n_________\n(^١) الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (١/ ٨).","vol":"1","page":58},{"text":"الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذُكِرَ للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم (^١).\nففريق اعتمد على ظاهر اللفظ، وفريق اعتمد على المعنى والنظر والحكمة المقصودة من اللفظ؛ وهذان مسلكان يحتاجهما الفقيه.\nومنها: أنَّ عمرو بن العاص ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت له ذلك، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم، إني احتلمت في ليلة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (^٢).\nفعمرو بن العاص ﵁ استدل بعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، على جواز أن يصلي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٤٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) صحيح لطرقه: أخرجه أبوداود (٣٣٤)، والدارقطني في سننه (٦٨١) وغيرهما من حديث عمرو بن العاص، وله طرق ومتابعات فيها بعض الاختلاف الذي\nلا يضر.","vol":"1","page":59},{"text":"بأصحابه متيممًا حفاظًا لنفسه من الهلكة، وهذا باب العموم من أبواب أصول الفقه، وأقره النبي ﷺ على ذلك، بل لم يأمره بالإعادة، بل إنَّ ضحك النبي ﷺ يدل على ما هو أعلى من مجرد الإقرار، إنه يدل على الإعجاب بالفهم والعمل.\nومنها: عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه. قال: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (^١).\nوهذا فيه دلالة على أنَّ قواعد أصول الفقه كانت حاضرة في أذهان الصحابة فالآية: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على الصحابة للعموم الوارد في الآية.\nفهذه القواعد كانت مستقرة في أذهان الصحابة؛ لذا شق ذلك عليهم فقالوا: فأينا لا يظلم نفسه. فبين لهم النبي ﷺ أنَّ الأمر ليس كما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٢٩)، ومسلم (١٢٤) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.","vol":"1","page":60},{"text":"فهموا، بل هو عموم مخصوص، أو عموم يراد به الخصوص وهو الشرك.\nومنها: حديث ابن عمر قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، إذ جاءهم آت، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أُنْزِل عليه الليلة، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى القبلة (^١).\n• وهذا فيه دلالة على قواعد ومسائل أصولية عدة، منها:\nأولًا: أنَّ ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وهذا كان مقررًا في أذهان الصحابة؛ لذلك استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة، مع ما يلزم ذلك من محظورات ككثرة الحركة والاستدارة ونحوها في الصلاة.\nثانيًا: أنَّ الأمر على الفور، فلم ينتظروا ولو لمجرد إنهاء الصلاة.\nثالثًا: أنَّ العلم شرط في التكليف، فمع أنَّ النص نزل قبل ذلك بزمن، لكنهم لم يُكَلَّفوا به إلا بعد وصوله إليهم، بدليل إكمالهم للصلاة مع أنهم صلوا منها ركعتين لقبلة منسوخة.\nرابعًا: أنَّ التكليف بالنص يكون إذا سلم من المعارض، فالحركة والدوران والانتقال للرجال مكان النساء والعكس، كل ذلك محظور\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٩٤)، ومسلم (٥٢٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا.","vol":"1","page":61},{"text":"ممنوع، لكنهم غير مكلفين به لوجود العارض، وهو وصول نص تحويل القبلة إليهم.\nخامسًا: حجية خبر الواحد، وأنه دليل معتبر من أدلة الأحكام؛ لذا قبلوا قول الصحابي وعملوا به.\nومنها: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: «لمن عمل بها من أُمتي» (^١).\nوفي رواية: فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: «للناس كافة» (^٢).\nفلما نزلت الآية جوابًا على سؤال السائل فهم منها أنها له خاصة، فسأل النبي ﷺ؛ فبين أنها للناس كافة.\nوهذه دلالة على قاعدة أصولية وهي: العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٨٧)، ومسلم (٣٩) (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٢) (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود أيضا مرفوعًا.","vol":"1","page":62},{"text":"ومنها: سؤالهم النبي ﷺ عن تعليل الأحكام، كما في حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل؛ فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود»، فقال أبو ذر: يا رسول الله، فما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ فقال ﷺ: «الكلب الأسود شيطان» (^١).\nوهذا فيه أيضًا العمل بمفهوم المخالفة، فأبو ذر فهم أنَّ حكم الأحمر والأصفر مخالف لحكم الأسود، وأقره النبي ﷺ على ذلك.\nومنها: أن النبي ﷺ أَقَرَّ معاذًا ﵁ على اجتهاد رأيه فيما لا يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فكان هذا إجازة في الاجتهاد فيما لا نص فيه.\nوذلك لما بعثه إلى اليمن فقال: بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يحبه الله ورسوله» (^٢). فبين معاذ الأدلة التي يأخذ منها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥١٠) من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذي (١٣٢٧)، وأبو داود (٣٥٩٢)، وأحمد (٢٢٠٦١) وغيرهم، من حديث معاذ بن جبل، وفيه: الحارث بن عمرو، على الجهالة، وشيوخه على الجهالة أيضا، وقد ضعف الحديث غير واحد من أهل العلم منهم: البخاري والترمذي، وإن كان هناك من الأئمة من صححه.","vol":"1","page":63},{"text":"الأحكام، وهي الكتاب والسنة والرأي والاجتهاد، وأقره النبي ﷺ على ذلك.\nومنها: أنَّ القياس -وهو من الأدلة- عمل به النبي ﷺ وقرره وعلَّمه الصحابة -رضوان الله عليهم-.\nومن هذا ما كان تعليمًا وتربية منه ﷺ لصحابته كيف يتعاملون مع ما يستجد لهم من الحوادث إن لم يكن معهم نص فيها، فكان القياس تقريرًا شرعيًّا لمبدأ من مبادئ التعامل مع النصوص.\nومن ذلك عن ابن عباس ﵄: أنَّ امرأة جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: اقضوا الله الذي له، فإنَّ الله أحق بالوفاء» (^١).\nوفي حديث ابن عباس ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣١٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٤٨) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"1","page":64},{"text":"فكلا الحديثين قياس من النبي ﷺ، وهو قياس الأولى، فالأصل الدين المادي، والفرع الحج والصيام، والجامع بينهما أنَّ كليهما دين؛ لذلك أعطى النبي ﷺ حكم الأصل للفرع بجامع العلة، وقوله ﷺ: «أرأيت لو كان … الحديث»، هذه تربية منه للصحابة وتعليم لهم كيف يستنبطون الأحكام.\nوجاء من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ جاءه أعرابي، فقال: يا رسول الله إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال: «هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى كان ذلك؟ قال: أراه عرق نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (^١).\nومن ذلك ما ورد من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «وفي بُضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ» (^٢).\nوهذا نوع من أنواع القياس يسمى قياس العكس، وهو إثبات نقيض حكم الأصل للفرع؛ لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤٧)، ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر مرفوعًا.","vol":"1","page":65},{"text":"ومنها: تعليمه ﷺ كيفية التعامل مع النصوص عند إيهام التعارض، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من حوسب يوم القيامة عُذِّب»، فقلت: أليس قد قال الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]، فقال: «ليس ذلك الحساب إنما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب» (^١).\nفعائشة ﵂ فهمت العموم في قول النبي ﷺ، وقابلته بآية من كتاب الله ظاهرها التعارض.\nومنها: أبواب مقاصد الشريعة وتقديم خير الخيرين، ودفع شر الشرين، فلقد قرر قواعدَ هذا الباب النبيُّ ﷺ.\nكما في حديث عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «لولا أنَّ قومك حديث عهد بشرك، لهدمت الكعبة … الحديث» (^٢).\nوكما في حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنَّ عبد الله بن أبي لما قال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦) واللفظ له، من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٦)، ومسلم (١٣٣٣) واللفظ له، من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":66},{"text":"المنافق. فقال النبي ﷺ: «دعه، لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه» (^١).\nوهذا باب من أبواب أصول الفقه، وهو باب التزاحم، ماذا يقدم إذا تزاحم واجب مع واجب، أو محرم مع محرم، وغير ذلك.\nوغير ذلك من الأمثلة الكثيرة.\nفتطبيق الأصول علمًا ذا قواعد وطرقًا للاستنباط والفهم، كان موجودًا في عصر النبوة، جزءًا منه كان موجودًا سليقة باللسان العربي الذي يمتلكونه، وجزءًا كان تربية من النبي ﷺ يعرفهم مبادئ الاستنباط، ومآخذ الحكم من الدليل.\nفتكوَّن بذلك ملكة عند الصحابة أهَّلَتْهم بعد وفاة النبي ﷺ، ليكونوا فقهاء وعلماء مجتهدين يقوون على استنباط الأحكام من الأدلة، للمسائل التي لم يكن لها تعيين في القرآن ولا في السنة.\nوقد كان ذلك واضحًا منذ اليوم الأول لهم بعد وفاة النبي ﷺ، فلم يكونوا عالة على النصوص، بل وفقهم الله تعالى لاتخاذ المواقف الصحيحة، واستنباط الأحكام الصحيحة، وأن يكونوا علماء مجتهدين منذ اليوم الأول بعد وفاة النبي ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر مرفوعًا.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المبحث الثاني:\nأصول الفقه في عصر الصحابة</span>\nعاش الصحابة مرحلة لا وحي فيها بعد وفاة النبي ﷺ، لكنهم امتلكوا قدرًا كبيرًا من فهم الشريعة، وإدراك مقاصدها.\nوبعد وفاة النبي ﷺ أصبح هذا العلم أكثر بروزًا، وهذه التطبيقات أكثر وضوحًا، وكانوا يجتهدون في كثير من المسائل المستجدة، وظهر في اجتهادهم النظر السديد، والفقه الدقيق.\nفصار تعامل الصحابة مع النصوص وفهمها بمثابة وضع القواعد للفهم والاستنباط فيما يتعلق بدلالات الألفاظ.\nقال عبد الله بن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ كلمة، وقلتُ أخرى، قال النبي ﷺ: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار»، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًّا دخل الجنة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٩٧)، ومسلم (٩٢) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.","vol":"1","page":68},{"text":"فهذه إشارة إلى دلالة مفهوم المخالفة الذي عبر عنه الخطيب البغدادي فقال: ولم يقل عبد الله هذا إلا من ناحية دليل الخطاب (^١) اه.\nومنها: أنَّ عمر ﵁ أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فهَمَّ برجمها، فبلغ ذلك عليًّا ﵁ فقال: ليس عليها رجم. فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه، فقال: قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فستة أشهر حمله وحولين تمام لا حد عليها، فخلى عمر عنها (^٢).\nوهذه إشارة إلى دلالة القرآن للحكم من دليلين، باستخراج حكم لم يدل عليه أحدهما، وإنما استفيد من مجموعهما، وتسمى (دلالة إشارة).\nومنها: إجماع الصحابة أنَّ ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، كاحتجاج أبي بكر على عمر ﵄ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٣٢٣) ط ابن الجوزي.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٤٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٢٦٤)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١٧٤٦)، وغيرهم من طرق عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي حرب بن أبي الاسود الديلي عن أبيه عن عمر بن الخطاب فذكره.","vol":"1","page":69},{"text":"[البقرة: ٤٣]، وذلك في نفي التفريق بين تارك الصلاة ومانع الزكاة في الحكم بالوجوب.\nوكذلك فهم أنَّ هناك من الأوامر على الوجوب، ومنها ما ليس بواجب، كما في حديث علي ﵁: الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنَّه رسول الله ﷺ وقال: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» (^١).\nوكذلك فهم الصحابة أنَّ النهي قد يأتي للتحريم، وقد يأتي لغير التحريم.\nكما في الصحيحين من حديث أم عطية ﵂ قالت: نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا (^٢).\nومنها: إجماع الصحابة على أنَّ للعموم صيغًا تخصه.\nقال الآمدي: وأما الإجماع فمنه احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، والنسائي في «الكبرى» (٤٤٠)، وابن ماجه (١١٦٩) من طريق عاصم بن ضمرة - وهو صدوق- عن علي بن أبي طالب به.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) من حديث أم عطية به.","vol":"1","page":70},{"text":"الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» (^١) (^٢).\nولم ينكر عليه أحد من الصحابة احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر إلى التعليق بالاستثناء، وهو قوله ﷺ: «إلا بحقها» فدل ذلك على أنَّ لفظ الجمع المعرَّف للعموم.\nومنها: احتجاج فاطمة ﵂ على أبي بكر ﵁ في توريثها من أبيها ﷺ فدك والعوالي، بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة.\nبل عدل أبو بكر ﵁ إلى ما رواه عن النبي ﷺ من دليل التخصيص، وهو قوله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (^٣) اه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) الإحكام للآمدي الكتاب العربي (٢/ ٢٢٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠٩٢)، ومسلم (١٧٥٩) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":71},{"text":"• وكذلك في استخدامهم القياس لاستنباط الأحكام في المسائل الغير منصوص فيها:\nمنها: قياسهم شارب الخمر على المفتري في جلده ثمانين جلدة قياسًا على المفتري، فقد أخرج مالك في الموطأ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ استشار في الخمر يشربها الرجل؟ فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سَكَر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى (^١). فَجَلد عمر في الخمر ثمانين.\nومنها: قياسهم قتل الجماعة بالواحد قياسًا على سرقتهم.\nومنها: جعلهم الرقيق على النصف من الحُر في النكاح والطلاق والعدة قياسًا على الحدود.\nوقولهم بالعول في الفرائض، لإدخال النقص على جميع الورثة قياسًا على النقص على الغرماء في الدين، وغيرها الكثير.\nقال الجويني: ونحن نعلم أنَّ الصحابة ﵃ كانوا يبتدرون إلى القياس بالحوادث ما شذ منها وما ظهر، ونعلم قطعًا بألفاظ مصرح بها،\n_________\n(^١) حسن بمجموع طرقه: أخرجه مالك في الموطأ (٢٤٤٢)، ولكن سنده معضل،\nوأخرجه النسائي في «الكبرى» (٥٢٦٩) وغيره من حديث ابن عباس، ولكن فيه راو مجهول، وأخرجه عبد الرزاق (١٤٣٤٢) وفيه انقطاع، والأثر له طرق أخرى، وحاصله أنها تقوي بعضها.","vol":"1","page":72},{"text":"وهذا ما لا سبيل إلى جحده، والذي يوضح ذلك أنهم اعتبروا طريق القياس في غوامض المسائل مع شغورها عن العلل المنصوصة في أصولها (^١).\nوقد اختصر الإمام الشاطبي منهج الصحابة في الاستدلال والقياس بكونه منطلقًا من أمرين: الوحي، والمقاصد. فيقول: الصحابة ﵃ قصروا أحكامهم على اتباع الأدلة، وفهم مقاصد الشرع (^٢).\nوكان من منهجهم أيضًا في الاستدلال اعتناؤهم بتعليل الأحكام، وهو كثير في اجتهادهم، فبنوا الأحكام المقيسة على العلل؛ كتعليلهم أولوية أبي بكر بالخلافة، لأنَّ النبي ﷺ رضيه لدينهم، وتعليل علي ﵁ جلد شارب الخمر ثمانين بأنه إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، والفرية حدها ثمانون جلدة.\nفلذلك كان من أسباب اختلاف الصحابة اختلافهم في التعليل.\nفالصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا علماء مجتهدين، وقد تفاوتوا في الفقه والفهم غاية التفاوت، وكانوا يجتهدون ويختلفون وينكر بعضهم على بعض، ويستدرك بعضهم على بعض.\n_________\n(^١) التلخيص في أصول الفقه للإمام الجويني (٣/ ٢٤٧).\n(^٢) الاعتصام للشاطبي (٢/ ١٥٣).","vol":"1","page":73},{"text":"وفي كل ذلك كانت قواعد علم أصول الفقه حاضرة في أذهانهم، وفي اجتهادهم، لكنها لم تكن مدونة، بل كانت في أذهانهم.\nوورَّث الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا العلم إلى جيل التابعين، كما ورَّثوا غيره من العلوم.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>المبحث الثالث:\nعلم أصول الفقه في عصر التابعين</span>\nما زال علم أصول الفقه إلى الآن قواعد على ألسنة العلماء من الصحابة وتلاميذهم من التابعين لم يُدوَّن كعلم مستقل.\nوقد وَرِث التابعون هذا العلم من الصحابة بملازمتهم، والتفقه عليهم، فتشكلت حلق ومدارس للصحابة يُدَرِّسون فيها العلم للتابعين.\nفكان ابن عباس في مكة، وابن عمر في المدينة، وعبد الله بن مسعود في الكوفة، وأنس بن مالك في البصرة، وأبو الدرداء في الشام، وكان من سياسة عمر ﵁ أن يرسل مع الجيوش في الفتوحات من يعلِّم أهلها.\nفتأثر أهل كل بلد بفقه الصحابي الذي فيه، فورثوا علم الصحابة من خلال التأثر بطرائق الصحابة في الفهم والفتوى.\nوقد يرحل التابعي إلى الصحابي، فيجمع فقهه وعلمه، ثم يرحل إلى آخر، فيجمع فقهه وعلمه.","vol":"1","page":75},{"text":"وقد يلزم التابعي صحابيًّا بعينه حتى يُشتهر بالأخذ عنه.\nومن ذلك: سعيد بن المسيب اشتهر بالأخذ عن أبي هريرة.\nوكذلك نافع مولى ابن عمر اشتهر بالأخذ عنه، وتشرب فقهه.\nواشتهر عكرمة بالأخذ عن ابن عباس، والتفقه عليه.\nفورَّث الصحابة العلم بانتشارهم في الآفاق والبلاد، وتدريسهم العلم لطلابهم، والآخذين عنهم.\nفتشرب به التابعون، وورَّثوه بدورهم إلى غيرهم من أتباعهم، بل إنَّ المذاهب الفقهية الكبرى كانت متأثرة بفقه الصحابة.\nففقه أبي حنيفة ينتهي في إسناده إلى عبد الله بن مسعود.\nوفقه مالك ينتهي في إسناده إلى ابن عمر (مالك عن نافع عن ابن عمر).\nوفقه الشافعي ينتهي في إسناده إلى ابن عباس (الشافعي عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس)، وقد جمع ﵁ بين علم الحجاز (مالك)، وعلم العراق (أبو حنيفة).\nوفقه أحمد بن حنبل متأثر بفقه الشافعي، فهو أجل من أخذ عنه.\nفالصحابة ورَّثوا العلم للتابعين، ثم تلت تلك المرحلة مرحلة تابعة","vol":"1","page":76},{"text":"لها، فاتسعت بلاد الإسلام والفتوحات الإسلامية، وامتد الزمان، وانقرض عهد الصحابة بموت أحدهم تلو الآخر، ولم يبق إلا جيل التابعين الذين أخذوا من الصحابة، ثم ورَّثوا أتباعهم الذين جدت في عهدهم أمور منها:\n١ - كثرة الفتوحات الإسلامية واتساع رُقعة البلاد الإسلامية.\n٢ - ضعف اللغة وانتشار العجمة.\n٣ - قلة الصحابة ﵃.\n٤ - قلة رواية الحديث كما في العراق والشام والبصرة.\n٥ - نشأة الفرق أو المذاهب المخالفة (الخوارج، والشيعة، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة)، وأصحاب هذه الفرق كانوا يستدلون لمذاهبهم بالأدلة.\nفكانوا يعتمدون في فهم النصوص على قواعد عقيمة، وفهوم سقيمة تخالف ما كان عليه الصحابة الكرام والسلف الأطهار.\nفهذه الأمور كانت عائقًا أمام انتقال العلم بصورته الوراثية بين الأجيال، كما كان في الصحابة مع التابعين، والتابعين مع أتباعهم.\nلذلك دعت الحاجة إلى أن يدون علم أصول الفقه، حتى يحفظ من الضياع بين تلك المآخذ والمذاهب، وذلك كان في منتصف القرن الثاني","vol":"1","page":77},{"text":"الهجري.\nوكانت أولى المحاولات في جمع هذا العلم المبارك على يد الإمام المطلبي الشافعي محمد بن إدريس ﵀.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>المبحث الرابع:\nنبذة مختصرة عن الإمام الشافعي ﵀</span>-\nإن من أقل الواجب علينا، والاعتراف بالفضل والجميل لمن أسس هذا العلم (علم أصول الفقه)، وأرسى قواعده وأسسه أن نذكر نبذة موجزة عن سيرته (الإمام الشافعي) وحياته، وبيان بعض مناقبه، وكلام العلماء في ذكر فضائله ومكانته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-22> أولًا: اسمه ونسبه </span>(^١):\nالإمام الشافعي هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، الإمام العلم أبو عبد الله المكي المطلبي الفقيه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-23> ثانيًا: مولده ونشأته وطلبه للعلم </span>(^٢):\nولد سنة خمسين ومائة بغزة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام للذهبي بتصرف.\n(^٢) تاريخ الإسلام للذهبي بتصرف.","vol":"1","page":79},{"text":"بها، وأقبل على الأدب والعربية والشعر، فبرع في ذلك، وحبب إليه الرمي حتى فاق الأقران.\nوعن ابن عبد الحكم قال: لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشترى خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، فتأول المعبرون أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان.\nوعن الشافعي قال: لم يكن لي مال، فكنت أطلب العلم في الحداثة أذهب إلى الديوان أستوهب الظهور أكتب فيها.\nوقال الشافعي: كنت أكتب في الأكتاف والعظام.\nوقال الحميدي: سمعت الشافعي يقول: كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب، وأخفف عنه.\nوقال عمرو بن سواد: قال لي الشافعي: كانت نهمتي في شيئين: في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة، وسكت عن العلم، فقلت له: أنت والله في العلم أكبر منك في الرمي.","vol":"1","page":80},{"text":"قال الشافعي: أتيت مالكا وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ابن عم لي والي المدينة، فكلم لي مالكا فأتيته، فقال: اطلب من يقرأ لك، فقلت: أنا أقرأ، فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر: أَعِدْه، فأعيده حفظًا، وكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة فأجابني، ثم أخرى، فقال: أنت تحب أن تكون قاضيًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-24> ثالثًا: عبادته </span>(^١):\nقال محمد بن إسماعيل، أظنه السلمي: حدثني حسين الكرابيسي قال: بت مع الشافعي غير ليلة، وكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية فإذا أكثر فمائة، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها.\nوقال إبراهيم بن محمد بن الحسن الأصبهاني: حدثنا الربيع قال: كان الشافعي يختم القرآن ستين مرة في رمضان.\nوكان الشافعي من أحسن الناس قراءة، قال: بحر بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة.\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام للذهبي بتصرف.","vol":"1","page":81},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-25> رابعًا: أقوال بعض العلماء وثناؤهم على الشافعي </span>(^١):\nكان الشافعي ﵀ عظيم الأثر في الأمة، وخاصة أنه أول من وضع قواعد علم أصول الفقه كما سبق، ونبه الناس عليه، وذلك مع وفور ذكائه، وقوة حفظه، وثاقب فهمه، وجمعه بين علوم الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والأشعار، والأنساب والتاريخ، وغيرها؛ لذا كان له المكانة العظيمة، والقدر الرفيع العالي عند أكابر علماء الأمة؛ لذا كثر كلامهم في بيان فضله ومكانته، ومن ذلك:\nقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت مالكًا يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى، يعني: الشافعي.\nوقال أبو ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي، ﵁، وهو شاب أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة.\nقال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو الله للشافعي فيها.\nوعن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: إني لأدعو الله للشافعي في كل صلاة، أو في كل يوم، يعني: لما فتح الله عليه من العلم، ووفقه للسداد\n_________\n(^١) طبقات الشافعيين لابن كثير بتصرف.","vol":"1","page":82},{"text":"فيه.\nوذكر يحيى بن سعيد القطان الشافعي، فقال: ما رأيت أعقل، أو أفقه منه.\nوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَوْحٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيُّ حَاضِرٌ، فَحَدَّثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، وَهُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ، فَقَالَ: «تَعَالَ، هَذِهِ امْرَأَتِي صَفِيَّةُ».\nفَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ»\nفقال ابن عيينة للشافعي، ﵁: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ قال: إن كان القوم اتهموا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كانوا بتهمتهم إياه كفارًا، لكن رسول الله، أدَّب مَنْ بعده، فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا، حتى لا يُظَنَّ بكم، لا أن النبي، ﷺ يُتَّهَم، وهو أمين الله في أرضه، فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه.\nوقال قتيبة بن سعيد: الشافعي إمام.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلًا أعقل من الشافعي،","vol":"1","page":83},{"text":"وفي رواية: ما رأيت رجلًا قط أعقل ولا أورع ولا أفصح من الشافعي.\nوقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدًا أعقل من الشافعي، لو جمعت أمة فجعلت في عقل الشافعي، لوسعهم عقله.\nوعن الربيع، أنه قال: لو وزن عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم.\nوعن معمر بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول: قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء فوجدته كاملًا.\nقال أحمد بن حنبل: كانت أقفيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي.\nقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال: تعال حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله، قال: فجاء فأقامني على الشافعي.\nوكان أحمد بن حنبل يقول: ما أحد مس محبرة وقلمًا، إلا وللشافعي في عنقه منَّة.\nوقال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل عن الشافعي؟ فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت دبيسًا، قال: كنت مع أحمد بن حنبل في المسجد الجامع، فمر حسين، يعني: الكربيسي، فقال: هذا، يعني:","vol":"1","page":84},{"text":"الشافعي، رحمة من الله تعالى لأمة محمد ﷺ، ثم جئت إلى حسين، فقلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الكتاب، والسنة، والاتفاق؟! وما كنا ندري ما الكتاب والسنة، نحن ولا الأولون، حتى سمعنا من الشافعي، ﵁: الكتاب، والسنة، والإجماع.\nوقال إسحاق بن راهويه: الشافعي إمام.\nوروى الخطيب عن أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، أنه كان إذا ذكر عنده الشافعي، يقول: حدثنا سيد الفقهاء الشافعي.\nقال أبو الوليد بن أبي الجارود: ما رأيت أحدًا إلا وكتبه أكبر من مشاهدته، إلا الشافعي، فإن لسانه كان أكبر من كتابه.\nوقال هارون بن سعيد الأيلي: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة أنه من خشب لغلب، لاقتداره على المناظرة.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: ما أحد ممن خالفنا، يعني: خالف مالكًا، أحب إلي من الشافعي.\nوقال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا، فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي، كأن كلامه نظم درا إلى در.","vol":"1","page":85},{"text":"وقال زكريا الساجي: سمعت هارون بن سعيد الأيلي، يقول: ما رأيت مثل الشافعي، قدم علينا مصر، فقالوا: قدم رجل من قريش، فجئناه وهو يصلي، فما رأيت أحسن صلاة، ولا أحسن وجهًا منه، فلما تكلم، ما رأينا أحسن كلامًا منه، فافتتنا به.\nوقال الحسن بن محمد الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا، حتى جاء الشافعي، فأيقظهم، فتيقظوا.\nوقال الربيع: كان أصحاب الحديث لا يعرفون مذاهب الحديث وتفسيره حتى جاء الشافعي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-26> خامسًا: شدة تمسكه بالدليل:</span>\nومما كان يمتاز به الشافعي ﵀ أنه جمع بين القواعد والأصول، والأدلة والنصوص، فمع قوة ترسيخه للقواعد كان أيضًا شديد التمسك بالنصوص، ومما يدل على ذلك:\nقال هارون بن سعيد الأيلي: سمعت الشافعي، يقول: لولا أن يطول على الناس لوضعت في كل مسألة جزء حجج وبيان.\nوقال البويطي: سمعت الشافعي ﵁ يقول: لقد ألفت هذه الكتب، ولم آل فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فما","vol":"1","page":86},{"text":"وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة، فقد رجعت عنه.\nوقال البيهقي: عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الأصم، عن الربيع، سمعت الشافعي، يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ، فقولوا بها، ودعوا ما قلته.\nوقال البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن الربيع: سمعته يقول:\nوقال له رجل: يا أبا عبد الله تأخذ بهذا الحديث؟ فقال: متى رويتُ عن رسول الله، ﷺ، حديثًا صحيحًا، ولم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي، يقول: وذكر نحوه، وقال: سمعته، يقول: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا رويتُ عن رسول الله، ﷺ، حديثًا ولم أقل به.\nوقال الحميدي: روى الشافعي يومًا حديثًا، فقلت: أتأخذ به؟ فقال: أرأيتني خرجت من كنيسة وعليَّ زنَّار؟ حتى إذا سمعت من رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ حديثًا لا أقول به!.\nوقال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن رسول الله ﷺ، فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني.","vol":"1","page":87},{"text":"وكان الشافعي يقول: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ، خلاف قولي مما يصح، فحديث رسول الله، ﷺ أولى فلا تقلدوني.\n\n•<span data-type='title' id=toc-27> سادسًا: وفاته ﵀</span>-:\nقال الربيع بن سليمان توفي الشافعي ليلة الجمعة، بعدما صلى المغرب، آخر يوم من رجب، ودفناه يوم الجمعة وانصرفنا، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين (^١).\nقال الربيع: رأيت فى النوم أن آدم، ﵇ مات، فسألت عن ذلك، فقيل: هذا موت أعلم أهل الأرض؛ لأن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسير فمات الشافعى ﵀، ورأى غيره ليلة مات الشافعى قائلًا يقول: الليلة مات النبى ﷺ، وحزن الناس لموته الحزن الذى يوازى رزيتهم به (^٢).\n_________\n(^١) تاريخ دمشق لابن عساكر (٥١/ ٤٣٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٤٥).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>المبحث الخامس:\nرسالة الإمام الشافعي ﵀ المتوفى (٢٠٤ هـ)</span>\nكتاب الرسالة للإمام الشافعي أول كتاب أُلف في علم أصول الفقه، وكان ذلك سنة (١٨٠ هـ).\nقال الرازي: كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون، ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كُلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كُليًّا يُرجع إليه في معرفة مراتب الشرع (^١).\nوقال ابن خلكان: والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه، وهو الذي استنبطه (^٢).\n_________\n(^١) مناقب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي (٥٧).\n(^٢) وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٦٥).","vol":"1","page":89},{"text":"وقال الإسنوي: وكان إمامنا الشافعي هو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع، وأول من صنف فيه بالإجماع (^١).\nوقال ابن خلدون: كان أول من كتب فيه الشافعي ﵀، أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر، والنواهي، والبيان، والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة من القياس.\nفأولية التأليف في هذا العلم ثابتة للإمام الشافعي ﵀ وخالف في ذلك جماعة.\nفالشيعة -وهم أكذب الخلق- ادَّعَوا أنَّ أئمتهم أول من ألف في علم الأصول.\nفقال آية الله حسن الصدر: اعلم أنَّ أول من أسس أصول الفقه، وفتح بابه، وفتق مسائله الإمام محمد الباقر، ثم من بعد الإمام جعفر، وقد أمليا على أصحابهما قواعد، وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه (^٢).\nومن كلامهم تبين كذب دعواهم، فيذكر أنهم أملوا مسائل، ولم يذكروا تأليفًا خاصًّا بهم في أصول الفقه.\n_________\n(^١) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص ٤٥).\n(^٢) مقدمة ابن خلدون (٢/ ٢٠١).","vol":"1","page":90},{"text":"وقالت الحنفية: إن أول من ألف فيه قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم. وذكر بعضهم أنَّ أول من صنف في علم الأصول الإمام أبو حنيفة. وقال بعضهم: إن أول من ألف في أصول الفقه محمد بن الحسن الشيباني المتوفى (١٨٩ هـ) (^١). وقد ذكر ابن النديم: أنَّ له كتاب أصول الفقه، وكتاب الاستحسان، وكلاهما مفقود غير موجود (^٢).\nفالصحيح أنَّ الشافعي هو أول من ألف في أصول الفقه على الإطلاق.\nوقد نقل الزركشي أنه لم يسبق الشافعيَّ أحدٌ في تصانيف الأصول ومعرفتها، وقد حكى عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول بالمفهوم، ومِن بعدهم لم يقل في الأصول شيء ولم يكن لهم فيه قدم، فإنا رأينا كتب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم، فما رأيناهم صنفوا فيه (^٣).\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي زهرة (١٤).\n(^٢) الفهرست لابن النديم (٢٨٨).\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (١/ ٨) عن إمام الحرمين الجويني في شرح الرسالة.","vol":"1","page":91},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-29> سبب تأليف الرسالة:</span>\nإن الإمام عبد الرحمن بن مهدي كتب إليه وهو شاب، أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجية الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة.\nوروى ابن عبد البر أنَّ علي بن المديني قال: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك وهو متشوق إلى جوابك. قال: فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة التي عنه بالعراق وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي، وأرسل الكتاب إلى ابن مهدي مع الحارث بن سريج النقال، وذلك كان في عام (١٨٠ هـ) (^١).\nوقد صنف الشافعي الرسالة مرتين، مرة ببغداد، وهي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي، ولما رجع مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة.\nوالرسالة القديمة والتي هي المرسلة إلى ابن مهدي مفقودة، وليس بين أيدي الناس اليوم إلا الرسالة الجديدة (^٢)، كما حققه الشيخ أحمد شاكر في مقدمة الرسالة.\n_________\n(^١) الانتقاء لابن عبد البر (٧٢).\n(^٢) شرح وتحقيق الرسالة للشيخ أحمد شاكر (٨).","vol":"1","page":92},{"text":"ومن نافلة القول أيضًا: أنَّ الشافعي لم يُسَمِّ الرسالة بهذا الاسم، بل سمى كتابه (الكتاب) (^١) كما حققه أيضًا الشيخ أحمد شاكر، ولكن غلب عليها الرسالة فاشتهرت بذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-30> أهمية كتاب الرسالة ومميزاته:</span>\n١ - أول مُصَنَّف في أصول الفقه.\n٢ - مؤلِّفه الإمام الشافعي، إمام في الفقه والحديث واللغة.\n٣ - استيفاء مسائل الأصول على خلاف المعتاد في بدايات التصنيف في أي علم.\n٤ - جودة الترتيب وحسن التنظيم لمسائل الكتاب.\n٥ - أورد مسائل الأصول مرتبطة بالثمرة المرجوة منها، وهي الفقه، فأكثر من الأمثلة، فهو يورد القواعد وعملها في الأدلة، وكيف تُسْتَنْبَط بها الأحكام.\n_________\n(^١) شرح وتحقيق الرسالة للشيخ أحمد شاكر (٨).","vol":"1","page":93},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-31> موضوعاتها وترتيب مسائل العلم فيها:</span>\nابتدأ الشافعي كتاب الرسالة بمقدمة وصف فيها حال الناس عند بعثة النبي ﷺ، ثم ذكر أنَّ الله تعالى أنقذ الناس بمحمد ﷺ من هذا الضلال، وأنزل عليه الكتاب، فنقلهم من الكفر والعمى إلى الضياء والهدى.\nوتكلم عن منزلة القرآن من الدين واشتماله على ما قد أحل الله وما حرم، وما تعبد الناس فيه، وما أعد لأهل طاعته من الثواب، وما أوجب لأهل معصيته من العقاب، ووعظهم بالإخبار عن من كان قبلهم.\nورتب الشافعي على ذلك ما يحق على طلبة العلم بالدين من بلوغ جهدهم في الاستكثار من علم القرآن وإخلاص النية لله، لاستدراك علمه نصًّا واستنباطًا.\nثم ختم الشافعي خطبة الرسالة بقوله: فليست بأحد من أهل دين الله نازلة إلا في كتاب الله جل ثناؤه الدليل على سبيل الهدى فيها.\nثم جعل الشافعي ما أبان الله لخلقه مما تعبدهم به وجوه خمسة، وهي مراتب البيان للأحكام.\nأولها: ما أبان الله في كتابه نصًّا جليًّا لا يتطرق إليه التأويل، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره.","vol":"1","page":94},{"text":"ثانيها: ما أبانه القرآن بنص يحتمل أوجهًا، فدلت السنة على تعيين المراد به من هذه الأوجه.\nثالثها: ما أتى الكتاب على غاية البيان في فرضه، وبين رسول الله كيف فرضه، وعلى من فرضه، ومتى يزول فرضه ويثبت.\nرابعها: ما بين الرسول مما ليس لله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه.\nخامسها: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه وهو القياس.\nوبعد أن أجمل الشافعي مراتب البيان الخمس أخذ يفصلها، ويبين لها الأمثلة، والشواهد في أبواب خمسة، ثم أخذ يبين وجوه البيان العربي، ووجودها في القرآن في أبواب مرتبة:\n١ - باب ما نزل من القرآن عام الظاهر، وهو يجمع العموم والخصوص.\n٢ - باب ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص.\n٣ - باب الصنف الذي يبين معناه وسياقه.\n٤ - باب الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره.\n٥ - باب ما نزل عامًّا فدلت السنة على أنه يراد به الخاص.\nثم تطرق إلى السنة وحجيتها ومنزلتها من الدين، فوضع لذلك","vol":"1","page":95},{"text":"أبوابًا:\n١ - باب بيان ما فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه ﷺ.\n٢ - باب فرض الله طاعة رسوله مقرونة بطاعة الله جل ذكره، ومذكورة وحدها.\n٣ - باب ما أمر الله به من طاعة رسوله.\n٤ - باب ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه.\nثم وضع فصلًا عنوانه: الناسخ والمنسوخ. وذكر فيه حكمة النسخ، وذكر أنَّ الكتاب يُنسخ بالكتاب، والسنة تُنسخ بالسنة، وغيرها من المباحث المتعلقة بالنسخ.\nثم عقد باب: العلل في الأحاديث، وذكر فيه ما يكون من اختلاف الأحاديث بسبب النسخ، وما يكون من الاختلاف بسبب الغلط في الأحاديث، وذكر بعض مناشئ الغلط، ثم تكلم عن النهي وأقسامه، ثم وضع بابًا للعلم وأنه قسمان: فرض عين، وفرض كفاية.\nثم عقد بابين في خبر الواحد، وحجية خبر الواحد.\nثم باب في الإجماع، وباب في إثبات القياس والاجتهاد، ثم باب في الاستحسان.\nثم ختم الشافعي الرسالة بالكلام عن الاختلاف.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>المبحث السادس:\nما بعد رسالة الشافعي</span>\nفبعد أن كان علم أصول الفقه علمًا متوارثًا مأخوذًا بالتلقي والمشافهة أصبح الآن مسطورًا مصنفًا، فبعد الرسالة اتجه أهل العلم إلى جمع مسائل وقواعد هذا العلم، والكتابة والتصنيف فيه، واتجهوا اتجاهات شتى:\n\n<span data-type='title' id=toc-33>أ- منهم من اتجه شارحًا لرسالة الشافعي مُفَصِّلًا لما أجمل مُخَرِّجًا عليه:</span>\nفظهر شروح كثيرة للرسالة، أبرز هذه الشروح خمسة:\n١ - شرح الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله الصيرفي المتوفى سنة (٣٣٠ هـ).\n٢ - الإمام حسان بن محمد القرشي الأموي أبو الوليد النيسابوري المتوفى سنة (٣٤٩ هـ).\n٣ - الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي","vol":"1","page":97},{"text":"الكبير المتوفى سنة (٣٦٥ هـ).\n٤ - الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الشيباني الجوزقي المتوفى سنة (٣٨٨ هـ).\n٥ - الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفى سنة (٤٣٨ هـ).\nوكل هذه الشروح مفقودة، ولا يوجد منها شيء كما ذكره كثير من المحققين.\n\n<span data-type='title' id=toc-34>ب- ومنهم من أخذ بكثير مما قرر الشافعي، ولكنهم ناقشوه في بعض ما ذكر، وزادوا عليه:</span>\nفالحنفية زادوا الاستحسان والعرف، والمالكية زادوا إجماع أهل المدينة الذي أنكره الشافعي على مالك، والاستحسان، والمصالح المرسلة وهما الأمران الذي حاول الشافعي إبطالهما، وكما زادوا عليه في باب سد الذرائع.\nفهم وافقوا الشافعي في كثير مما قرر، وخالفوه في جملة من التفصيلات.\n\n•<span data-type='title' id=toc-35> القرن الثالث الهجري:</span>\nالمتأمل في المصنفات الأصولية في هذا القرن يجدها لا تعدوا على","vol":"1","page":98},{"text":"أن تكون رسائل مختصرة عادة ما تحمل عنوانًا واحدًا، أو بابًا واحدًا، أو مسألة من مسائل الأصول.\nفرسالة الشافعي حملت أهل العلم على التتابع في التدوين والكتابة في قضايا الأصول، لكنها لم تكن على هيئة كتاب تجمع فيه مسائل الأصول بقدر ما كانت تأليف في المسائل الجزئية، فتجد رسالة في حجية الخبر الواحد، وأخرى في الإجماع، وأخرى في القياس.\nفلم تكن المؤلفات تتميز بالشمول الأصولي في التأليف، ولكن ارتبط التصنيف في مسائل جزئية من علم الأصول يستفرغ المصنف وسعه في بيانها، وجمع أقوال العلماء فيها وبحثها.\nوتميزت هذه التصانيف بتبني منهج معين، أو الرد على المخالف.\n\n•<span data-type='title' id=toc-36> القرن الرابع الهجري:</span>\nبدأ التدوين يتكامل ويشمل جميع أبواب العلم، فظهر علم الأصول على شكل كتاب متكامل يشمل جميع الأبواب في الأصول.\nفظهر كتاب الفصول للإمام أبي بكر الجصاص الرازي الحنفي المتوفى سنة (٣٧٠ هـ).\nوكانت قبله وبعده محاولات متعددة في هذا الاتجاه.\nحتى جاء القاضيان أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار","vol":"1","page":99},{"text":"المعتزلي فصنفا في علم الأصول.\n\n•<span data-type='title' id=toc-37> القرن الخامس والسادس الهجري:</span>\nقال الزركشي: وجاء مَنْ بَعده -يقصد الشافعي- فبينوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا، حتى جاء القاضيان قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم وساروا على لاحب نارهم، فحرروا، وصوروا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>الإمام الكبير القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة (٤٠٣ هـ).</span>\nصنف ثلاث كتب في الأصول:\n١ - التقريب والإرشاد الصغير.\nوهو موجود منه جزء مطبوع في ثلاثة أجزاء بتحقيق د. عبد الحميد بن علي أبو زيد، مؤسسة الرسالة.\n٢ - التقريب والإرشاد الأوسط.\n٣ - التقريب والإرشاد الكبير.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ٥).","vol":"1","page":100},{"text":"وهو الحاوي للخلاف، والأدلة، والترجيحات أبان فيه عن سعة علم واطلاع، فكتاب التقريب للباقلاني يعتبر أول كتاب مستوعب لجميع مباحث أصول الفقه.\nويمتاز عن غيره بخلوه من قواعد المعتزلة الأصولية، كما هو موجود في كتاب (العمد) لمعاصره القاضي عبد الجبار المعتزلي.\nبل وجَّه الباقلاني همه فيه إلى إبطال قواعد المعتزلة التي لها علاقة بأصول الفقه، كالقول بالتحسين والتقبيح العقليين، ووجوب الأصلح على الله، وخلق العباد أفعالهم، وغيرها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-39> طريقة الباقلاني في التقريب والإرشاد وترتيبه لمباحث علم الأصول:</span>\nبدأ الباقلاني كتابه التقريب بمقدمات، هي بمثابة حدود لاصطلاحات هذا الفن، فعرف علم الأصول وحقيقته.\nثم ذكر بعض الحدود: حد العلم وحقيقته، وحد العقل، وأقسام العلوم، وغير ذلك.\nثم حصر أصول الفقه ورتبها فقال: اعلموا أنَّ أصول الفقه محصورة:\nفأولها: الخطاب الوارد في الكتاب والسنة.","vol":"1","page":101},{"text":"ثانيها: الكلام في حكم أفعال الرسول ﷺ.\nثالثها: القول في الأخبار وطرقها وأقسامها.\nرابعها: بعض الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ، وهي أخبار الآحاد الواردة بشروط قبولها في الأحكام.\nخامسها: الإجماع.\nسادسها: القياس.\nسابعها: صفة المفتي والمستفتي والقول في التقليد.\nثامنها: الحظر والإباحة.\nثم قال: ولهذه الأصول لواحق تتصل بها، وليست منها.\nقال: وقد دخل في الخطاب الأمر والنهي، والخصوص والعموم، ودخل فيه الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، ولحن الخطاب، ومفهومه وفحواه.\nودخل فيه دليل الخطاب، ومراتب البيان.\nوالواجب عندنا في الترتيب تقديم الخطاب الوارد في الكتاب والسنة (^١) اه.\n_________\n(^١) التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ٣١٠ - ٣١١) بتصرف.","vol":"1","page":102},{"text":"وقد لخص إمام الحرمين الجويني كتاب التقريب والإرشاد في كتاب سماه التلخيص، وعمد فيه إلى اختيار أصول المسائل، وشيء من الأدلة والترجيح، وهو مطبوع في مجلدين، وكان شديد التأثر به.\nويعد القرن الخامس والسادس المرحلة الذهبية للتدوين في علم الأصول، فصنفت فيه أمهات كتب الأصول، ومراجعه الكبار، وأصوله المعتمدة في الفقه.\nفشهدت هذه المرحلة نضوج علم الأصول، والتدوين المتكامل فيه الذي يشمل أبواب الأصول مرتبة ترتيبًا منطقيًّا منهجيًّا، وإخراج كتب تتناول علم الأصول من أوله إلى آخره.\nودونت فيها الكتب الأربعة التي تعد أركان علم أصول الفقه عند المتخصصين، فهذه الكتب كانت نتاج هذه المرحلة.\n١ - العمد للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي المتوفى سنة (٤١٥ هـ).\n٢ - المعتمد لأبي الحسين القاضي البصري المعتزلي المتوفى سنة (٤٣٦ هـ).\n٣ - البرهان لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني المتوفى سنة (٤٧٨ هـ).","vol":"1","page":103},{"text":"٤ - المستصفى لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة (٥٠٥ هـ).\nفألفوا هذه الكتب على وجه الشمول في أبواب الأصول، فيجمع الأقوال، ويورد الأدلة، ويجمع الخلاف، ويناقش، ويرجح، ويخرج برأي.\nفهذه كتب موسوعية في علم الأصول.\nوامتازت هذه الكتب بميزات:\n١ - تناول المسائل الأصولية بشمول.\n٢ - تناول المذاهب المختلفة حول المسألة الواحدة.\n٣ - إيراد الأدلة لكل مذهب مع مناقشتها.\n٤ - ترجيح مذهبه فيما يراه راجحًا، ولو خرج عن حدود مذهبه الفقهي.\nومن نافلة القول أنَّ الأربعة كانوا شافعية.\nوهذه الكتب الأربعة لا تشبه بعضها، فلكل واحدة طريقة وترتيب يختلف عن الآخر.","vol":"1","page":104},{"text":"١ - العمد للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي.\nالمتواجد منه بين أيدينا جزء يسير والباقي مفقود، وقد شرح تلميذه أبو الحسن جزءًا منه سماه (شرح العمد) مطبوع.\n٢ - المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي.\nاختط فيه أبو الحسين ترتيبًا جديدًا لمادة أصول الفقه، وتجنب فيه التكرار الذي وقع في العمد، فحذف بعض المسائل التي ليست من صميم علم الأصول، وأضاف بعض المسائل التي لم يشتمل عليها العمد، وقد طبع الكتاب في مجلدين.\nفهو كتاب مستقل، وليس شرحًا للعمد، كما وهم ابن خلدون في مقدمته.\nوقد وهم أيضًا من ظن أن المعتمد مختصر للعمد، والناظر في الكتابين يجد فرقًا واضحًا جليَّا، كما أنَّ القاضي أبا الحسين صرح في مقدمة المعتمد أنَّ المعتمد يغاير العمد في ترتيب أبوابه ومسائله، وفيه زيادة ونقص (^١).\n_________\n(^١) شرح العمد (١/ ١٧).","vol":"1","page":105},{"text":"٣ - البرهان لإمام الحرمين الجويني:\nصنف إمام الحرمين كتابه بطريقة مختلفة، وعرف المسائل الأصولية بشمول واستيعاب.\nفقال السبكي: إن هذا الكتاب وضعه إمام الحرمين في أصول الفقه على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد.\nوإمام الحرمين كان صاحب لغة وفصاحة، وبلغ من الفصاحة أنَّ ألفاظه تستعصي على طالب العلم إلا بالرجوع إلى المعاجم.\nوهذه اللغة كانت أحد الأسباب التي صرفت عن الاشتغال بالبرهان لصعوبة ألفاظه.\nوسبب آخر أدى إلى عدم انتشار البرهان؛ هو مخالفة الجويني لكثير من أصول الشافعية في ترجيحاته، فلذلك لم يشتغل به الشافعية.\nلذلك نجد أنَّ كل من شرح البرهان مالكية، رغم أنَّ الجويني شافعي المذهب، فالله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-40> طريقة الجويني في البرهان وترتيبه مسائل العلم:</span>\nيمتاز كتاب البرهان بتلك المقدمات، فقدم بتعريف أصول الفقه، وبيان مصادره، والمقصود منه.\nثم يتبع ذلك بمقدمات أخرى، فيعرف الأحكام الشرعية، ويناقش","vol":"1","page":106},{"text":"المعتزلة في بعض شبههم التي تتصل بأصول الفقه كالتحسين والتقبيح.\nثم يعرض لشكر المنعم ووجوبه مناقشًا المعتزلة، مبينًا فساد مذهبهم حيث صاروا إلى وجوبه بالعقل.\nثم يعرض للنظر وحقيقته، والتكليف ومعناه، والقول في العلوم ومداركها، والقول في مدارك العقول.\nثم ينتقل إلى تعريف العلم وما يتعلق به.\nوبعد هذه المقدمات ينتقل إلى أصول الفقه وأدلته.\nفيبدأ بالبيان، ويعني بالبيان الكتاب والسنة، وفي هذا القسم يعرض تفصيلًا لمسائل الأوامر والنواهي، والمطلق والمقيد، والعام والخاص.\nثم يتحدث عن أفعال الرسول وحجيتها، وطرق التأويل، ثم يتكلم عن الأخبار، وشروط الخبر المتواتر، وما يفيده خبر الواحد من وجوب العمل، والرواية والرواة وصفاتهم، والجرح والتعديل، والتحمل والأداء.\nثانيًا: الإجماع وما يتعلق به من مسائل.\nثالثًا: القياس وما يتعلق به من مسائل.\nرابعًا: القول في الاستدلال، وفيه يعرض للآراء في الأخذ","vol":"1","page":107},{"text":"بالاستحسان والمصالح المرسلة.\nخامسًا: القول في النسخ (^١) اه.\n٤ - المستصفى للغزالي:\nكان الغزالي وكتابه المستصفى أيضًا معلمًا مستقلًّا في التأليف الأصولي، خالف شيخه الجويني في الترتيب والتبويب، وخالفه في الترجيح في المسائل.\nفقال: اعلم أنَّ هذا الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في هذا الكتاب، وبنيناه على مقدمة، وأربعة أقطاب، المقدمة لها كالتوطئة والتمهيد، والأقطاب هي المشتملة على الباب المقصود (^٢).\nثم ذكر في صدر الكتاب: التعريف بعلم أصول الفقه وما يتعلق به.\nوهو أول من أدخل المقدمة المنطقية على علم أصول الفقه، وهذه الأقطاب الأربعة التي تدور عليها جملة الأصول كما قال:\nالقطب الأول: في الأحكام والبداءة بها أولى؛ لأنها الثمرة المطلوبة.\nالقطب الثاني: في الأدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وبها\n_________\n(^١) البرهان للجويني (١/ ٤١ - ٥٠) بتصرف.\n(^٢) المستصفى للغزالي (١/ ٦).","vol":"1","page":108},{"text":"التثنية؛ إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر.\nالقطب الثالث: في طريق الاستثمار، وهي وجه دلالة الأدلة، وهي أربعة:\nدلالة بالمنطوق، دلالة بالمفهوم، دلالة بالضرورة والاقتضاء، دلالة بالمعنى المعقول.\nالقطب الرابع: في المستثمر، وهو المجتهد الذي يحكم بظنه، ويقابله المقلد الذي يلزمه اتباعه، فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما (^١).\nوقد اعتبر المتخصصون في هذا الفن هذه الكتب الأربعة عمدًا وأركانًا وأمهات لهذا العلم.\nفالتأليف الأصولي فيما بعد هذه المرحلة كان متأثرًا لحد كبير بهذه الكتب، فإما أن يحذوا حذوها، أو يشرحها، أو يجعلها أصلًا يعتمد عليه، وإما أن يتبع طريقتها في الترتيب.\nومن الجدير بالذكر أنَّ هذه التصانيف خالفت في طريقتها ومنهجها طريقة ومنهج الشافعي في كتابه الرسالة رغم انتمائهم للمذهب الشافعي.\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (١/ ١٠).","vol":"1","page":109},{"text":"فأدخلوا على علم الأصول مسائل ليست من صلب علم الأصول، فأدخلوا علم الكلام، ومسائل الاعتقاد، والمقدمات المنطقية على علم الأصول.\nولكن كان هناك من العلماء الذين لم يتأثروا بعلم الكلام، وانحرافات العقيدة، فكانوا على هدي السلف الصالح وطريقتهم؛ فنقوا علم الأصول مما شابهُ من المباحث الكلامية والمنطقية، وعادوا به مرة أخرى غضًّا طريًّا كما صنف فيه الإمام الشافعي ﵀.\nومن هؤلاء:\n١ - القاضي أبو الوليد الباجي المتوفى سنة (٤٧٤ هـ)، صنف كتاب الإشارة في معرفة الأصول.\n٢ - أبو اسحاق الشيرازي المتوفى سنة (٤٧٦ هـ) في كتابه اللمع.\n٣ - أبو المظفر السمعاني المتوفى سنة (٤٨٩ هـ) في كتابه القواطع.\nوقد أثنى على كتاب القواطع أهل العلم.\nوقال تاج الدين السبكي: ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع (^١).\n_________\n(^١) طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٣٤٣).","vol":"1","page":110},{"text":"وقال الزركشي: والقواطع لأبي المظفر السمعاني، وهو أجل كتاب للشافعية في أصول الفقه نقلًا وحجاجًا (^١). وكان أبو المظفر السمعاني أحد أئمة أهل السنة من أصحاب الشافعي (^٢).\nوقال الذهبي: تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكًا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة (^٣).\n• وقد أفصح أبو المظفر عن دافعه في تصنيف القواطع، فذكر سببين:\nالأول: طلب جماعة من أصحابه منه أن يؤلف مجموعًا في أصول الفقه.\nالثاني: قصور كتب الأصحاب عن معاني الفقه، وانتهاجها في الأصول سبيل المتكلمين.\n• مميزات كتاب القواطع:\n١ - توسعه في ذكر المسائل والدلائل، وإيضاحه للحق بأقوى البراهين وتفنيد شبهات المخالفين.\n٢ - سهولة عبارته، وعذوبة ألفاظه، وبُعده عن التقعر والتشدق في\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ١١).\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) سيرأعلام النبلاء للذهبي (١٩/ ١٣).","vol":"1","page":111},{"text":"الكلام.\n٣ - خلو كتابه من المباحث الكلامية التي امتلأت بها كتب أصول المعتزلة والأشاعرة التي لا شأن لها بالأصول أو الفقه.\n٤ - انتقاده الشديد لطريقة المتكلمين، ونقد مسالكهم، والتحذير من تبعاتها، فهو سني العقيدة، والمنهج، والطريقة.\n٥ - توسعه وتفرده بذكر مسائل أغفلت في عامة كتب الأصول.\n٦ - الصنعة الحديثية، فغالب الأحاديث التي يستدل بها صحيحة أو حسنة (^١).\nورغم هذه الميزات تجد تجاهل الأصوليين اللاحقين -وجلهم من المتكلمين- لكتاب القواطع ومؤلفه، فلا تجد له ذكر في كتب كالإحكام، والمحصول، وغيرها من الكتب المتأخرة.\nوظل الأمر على هذا الحال إلى أن جاء تاج الدين السبكي في القرن الثامن الهجري، فكان أول من اكتشف كتاب القواطع، فنفض عنه غبار الإهمال، وأكثر من النقل عنه، والثناء على أبحاثه في شرحه لمختصر ابن الحاجب.\n_________\n(^١) قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني (١/ ٤٦) بتصرف.","vol":"1","page":112},{"text":"وضمن كثير من اختياراته مختصره الشهير في الأصول كتاب (جمع الجوامع).\nفهذه المصنفات امتازت بالتزامها طريقة الشافعي في التصنيف، في إيراد مباحث الأصول المتعلقة بالفقه، وخلوها من المباحث الكلامية والمنطقية؛ وذلك لاشتغال أصحابها واهتمامهم بالفقه والحديث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-41> القرن السابع وما بعده:</span>\nجاءت هذه المرحلة عقب المرحلة التي استقرت فيها كتب الأصول وأرسيت القواعد.\nوكانت الأربع: العمد، والمعتمد، والبرهان، والمستصفى عليها المعول وإليها المآل.\nفجاء الإمامان من المتكلمين المتأخرين فلخصا هذه الكتب الأربعة وهما:\n١ - الإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة (٦٠٦ هـ) في كتابه المحصول.\n٢ - الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة (٦٣١ هـ) في كتابه الإحكام في أصول الأحكام.\nواكتسب هذان الكتابان مكانة معتبرة عند الأصوليين، باعتبار أنَّ","vol":"1","page":113},{"text":"كل ما جاء من جهد أصولي بعدهما هو دائر حولهما في الجملة، أو سالك طريق أحدهما في الجملة.\nفالمؤلفون في الأصول بعد القرن السابع سلكوا أحد الطريقين:\n١ - طريقة الرازي في المحصول.\n٢ - طريقة الآمدي في الإحكام.\nإما اختصارًا أو تعليقًا أو شرحًا.\nوهناك فرق بين طريقة الرازي في المحصول، وطريقة الآمدي في الإحكام في التحقيق والحجاج.\nفالرازي أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل.\nالمحصول للإمام فخر الدين الرازي:\nاعتنى به العلماء شرحًا واختصارًا، ومن شروحه:\n١ - شرح لشهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ).\n٢ - شرح لشهاب الدين الأصفهاني المتوفى سنة (٦٨٨ هـ).\nوأما من اختصره:\n١ - اختصره تلميذه سراج الدين الأرموي المتوفى سنة (٦٧٢ هـ) في","vol":"1","page":114},{"text":"كتاب سماه (التحصيل).\n٢ - اختصره الإمام تقي الدين الأرموي المتوفى سنة (٦٥٢ هـ) في كتاب سماه (الحاصل).\n٣ - مختصر تنقيح الفصول للإمام شهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ).\nثم جاء المختصر الذي أصبح مرجعًا لطلاب العلم يحفظونه ويدرسونه في المدارس والمعاهد، وهو مختصر الإمام البيضاوي ناصر الدين أبي الخير عبد الله بن عمر الشافعي المتوفى سنة (٦٨٥ هـ)، وقد أسمى مختصره (منهاج الوصول إلى علم الأصول).\nفهو اختصر مختصرات المحصول (الحاصل التحصيل) فجمع منهما كتابا مختصرًا على طريقة المتون بعبارة موجزة في عرض الخلاف والأدلة.\n• وقد اعتنى العلماء وطلبة العلم بمنهاج البيضاوي دراسة وشرحًا، فمن شروحه:\n١ - نهاية السول في شرح منهاج الأصول، للإمام جمال الدين الإسنوي المتوفى سنة (٧٧٣ هـ).\n٢ - شرح للإمام تقي الدين السبكي المتوفى سنة (٧٥٦ هـ)، ولم","vol":"1","page":115},{"text":"يكمله فشرحه إلى قول البيضاوي: الواجب إن تناول كل واحد فهو فرض عين.\nثم أتم شرحه ابنه تاج الدين السبكي المتوفى سنة (٧٧١ هـ) في كتابه الإبهاج شرح المنهاج.\n٣ - منهاج العقول في شرح منهاج الأصول، للإمام محمد بن الحسن البدخشي.\nونظمه الشيخ شمس الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦ هـ) نظمًا سماه النجم الوهاج، وشرح هذا النظم ابنه أحمد المشهور بابن العراقي.\n• الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.\nاختصره الإمام أبو عمرو عثمان بن عمرو، المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة (٦٤٦ هـ)، وسمى مختصره منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ثم اختصر المنتهى في كتاب سماه مختصر المنتهى.\nوقد أكبَّ العلماء على مختصر المنتهى شرحًا وتعليقًا ودراسة، فكثرت شروحه؛ ومن أهم شروحه: كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، للإمام تاج الدين السبكي.","vol":"1","page":116},{"text":"ثم انحصر بعد ذلك جهد الأصوليين على كلا المختصرين:\nمنهاج البيضاوي، ومختصر ابن الحاجب. وما عليهما من شروح.\nثم تلت تلك المرحلة مرحلة ما بعد القرن السابع، وهي التي يؤرخ لها المؤرخون بفترة الركود والجمود في كل العلوم؛ فانتشر التقليد، وعكف العلماء على المختصرات، والحواشي، والشروح، وعدم الاجتهاد والتجديد.\nوظل الأمر كذلك حتى جاء تاج الدين السبكي الإمام الفحل الكبير في القرن الثامن، فشرح منهاج البيضاوي، وشرح مختصر ابن الحاجب؛ فاستوعب الكتابين فصنف استقلالًا كتابه المختصر في الأصول المسمى (جمع الجوامع)، فغطى كتاب جمع الجوامع على كلا الكتابين واشتغل العلماء وطلاب العلم به، واعتنوا به ما بين شارح له، ومحشي عليه، أو مختصر له، أو ناظم له، أو منكت عليه، حتى قاربت الكتب المصنفة عليه سبعين كتابًا.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>المبحث السابع:\nالمذاهب الأصولية وطرق التصنيف</span>\nكما أنَّ في الفقه مذاهب: حنفي، ومالكي، وشافعي، وحنبلي.\nأيضًا في أصول الفقه مذاهب، فالمذاهب فيه تنقسم إلى ثلاثة مذاهب:\n١ - مذهب الحنفية (الفقهاء).\n٢ - مذهب الجمهور (المتكلمون).\n٣ - مذاهب أخرى.\nوهذا التقسيم باعتبارين:\nالأول: بناء على طريقة التدوين في علم الأصول (منهجية التأليف).\nالثاني: الخلاف في مسائل تعد من أصول هذا العلم.","vol":"1","page":118},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-43> أولًا: بناء على منهجية التأليف:</span>\n١ - طريقة الحنفية (الفقهاء):\nفهم اعتمدوا في تدوين مسائل علم الأصول على طريقة استنباط القاعدة من خلال فتاوى وأقوال وفقه أئمة المذهب الحنفي؛ فهو يستنبط القاعدة من خلال النظر إلى تصرفات فقهاء المذهب (كأبي حنيفة، والقاضي أبي يوسف، والإمام محمد بن الحسن الشيباني).\nلذلك سميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء؛ لأنها أمس بالفقه، وأليق بالفروع.\nمثال: مذهبهم عدم الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى.\nكانت هذه القاعدة بالنظر إلى تصرف أئمتهم، وجدوا أنهم لا يحتجون ببعض الأحاديث، ولا يرونها محلًّا للاستنباط، فنظروا فإذا سبب ذلك كونها أخبار آحاد، والمسألة واقعة ضمن عموم البلوى؛ فجعلوا ذلك قاعدة، ثم اختبروها في مسألة وأخرى وأخرى حتى استقرت عندهم قاعدة.\nوهذه الطريقة تتميز بأمرين:\nالأول: أنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من الفروع عن أئمتهم.\nالثاني: أنها تغوص للبحث عن النكات الفقهية.","vol":"1","page":119},{"text":"٢ - طريقة الجمهور (المتكلمين).\nوالجمهور عند الأصوليين هم (الشافعية، والحنابلة، والمالكية).\nفهم لا يتقيدون بمذهب أئمتهم، ولا مسائلهم، ولا إلى الفقه الذي دُوِّن عنهم، بل يقررون المسائل والقواعد بالنظر إلى المسائل والقواعد من حيث هي مجردة عن الفروع الفقهية.\nمثال: الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى.\nفهو يحاكم القاعدة إلى الأدلة الشرعية والعقلية، ويكثر في تقرير القواعد وتعزيزها بالاستدلال لها من النقل والعقل ما يشهد لصحتها.\nلذلك يرى الجمهور أنَّ طريقتهم أكثر حيادية، وإنصافًا، وموضوعية في تقرير القواعد، فهي لا تخضع إلى اجتهاد فقهي هو في الأصل ثمرة وفرع.\nوينتقدون الحنفية لأنهم جعلوا الفروع الفقهية أصلًا للأصول، وهذا خلاف العقل والمنطق، فالأصل يبنى عليه الفرع، وليس العكس.\nوسميت طريقتهم بالمتكلمين؛ نظرًا لطريقتهم في التأليف التي تعتمد على تقرير المسائل ومحاكمتها عقلًا، فهم لا يكادون يخلون مسألة من المسائل من دليل عقلي يعززها ويقويها.","vol":"1","page":120},{"text":"وهذه الطريقة تتميز بأمور:\nالأول: أنها اهتمت بتحرير المسائل، وتقرير القواعد على المبادئ المنطقية.\nالثاني: الميل الشديد إلى الاستدلال العقلي.\nالثالث: البسط في الجدل والمناظرات.\nالرابع: تجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية.\nوهناك من الجمهور من صنف على طريقة الفقهاء، وهناك بعض الحنفية صنف على طريقة الجمهور، وهناك من جمع بين الطريقتين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-44> ثانيًا: بناء على تقرير الحنفية في بعض المسائل التي هي أمهات مسائل علم الأصول على خلاف تقرير الجمهور:</span>\nمثال: الخلاف بين الجمهور والحنفية في دلالة العام هل هي قطعية أم ظنية.\nفالجمهور يقررون أنَّ دلالة العام ظنية، والأحناف يقررون أنَّ دلالة العام قطعية.\nفأثمر هذا الخلاف في هذه المسألة خلافًا كبيرًا في مسائل جزئية كثيرة.\nمثال: العمل إذا تعارض دليلان ولم يثبت النسخ.","vol":"1","page":121},{"text":"فالأحناف يقدمون الترجيح، والجمهور يقدمون الجمع.\nفالأحناف قالوا: الترجيح مقدم، وأي نص كان فيه وجه من وجوه الترجيح فالحكم له، ويعتبر الدليل الآخر مرجوح فلم يعد دليلًا. فهم ألغوا الدليل الآخر بحكم الترجيح.\nأما الجمهور، فالجمع عندهم مقدم، فمتى أمكن الجمع بوجه من وجوه الجمع المعتبر السائغ؛ فيجب العمل به.\n• مذهب الظاهرية:\nالظاهرية مذهب مستقل لاعتماده على أصول مستقلة عن المذاهب الأربعة، كجمودهم على ظاهر النصوص وإغفال ما عداها.\nوالأصل الذي خالف فيه الظاهرية المذاهب الأربعة: إنكارهم القياس. وقد أغلظ ابن حزم في كتابه (الإحكام) على من اعتبر القياس.\nولكنهم يلتقون مع الجمهور في كثير من المسائل، لكن لخلافهم في أصل كالقياس اعتُبِروا مذهبًا مستقلًّا.\nوالظاهرية أيضًا لا يعتبرون مفهوم المخالفة، ويعدونه حكم بالهوى.\nتنبيه: خلاف الظاهرية لا يقبل جملة، ولا يهمل جملة، فهو معتبر فيما عدا خلافهم في القياس.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>المبحث الثامن: طرق التصنيف في أصول الفقه، والكتب المصنفة فيه</span>\nاختلف العلماء في الطرق التي اتبعوها في التأليف والتصنيف في أصول الفقه فنشأ عن ذلك عدة طرق:\n\n•<span data-type='title' id=toc-46> الطريقة الأولى: طريقة الأحناف (الفقهاء):</span>\nوقد أُلف على هذه الطريقة كتب كثيرة منها:\n١ - مآخذ الشرائع لأبي منصور الماتريدي.\n٢ - رسالة في الأصول لأبي الحسن الكرخى.\n٣ - الفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص.\n٤ - تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي.\n٥ - أصول البزدوي.\n٦ - أصول السرخسي.","vol":"1","page":123},{"text":"٧ - المنار لأبي البركات النسفي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-47> الطريقة الثانية: طريقة الجمهور (المتكلمين):</span>\nوهذه الطريقة سار عليها علماء الشافعية، والحنابلة، والمالكية، والظاهرية، والمعتزلة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-48> أولًا: بعض الكتب المصنفة على المذهب المالكي:</span>\n١ - التقريب والإرشاد للباقلاني.\n٢ - إحكام الفصول في أحكام الأصول، والإشارة، والحدود كلها لأبي الوليد الباجي.\n٣ - منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب، ومختصره مختصر المنتهى.\n٤ - الضياء اللامع شرح جمع الجوامع لحلولو المالكي.\n٥ - شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي.\n٦ - نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي.\n٧ - شرح البرهان للمازري.","vol":"1","page":124},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-49> ثانيًا: بعض الكتب المصنفة على المذهب الشافعي:</span>\n١ - الرسالة للإمام الشافعي.\n٢ - التبصرة، واللمع، وشرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي.\n٣ - البرهان، وتلخيص التقريب، والورقات للجويني.\n٤ - قواطع الأدلة للسمعاني.\n٥ - المستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل للغزالي.\n٦ - الوصول إلى الأصول لابن برهان.\n٧ - المحصول للرازي ومختصراته (الحاصل، والتحصيل).\n٨ - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.\n٩ - منهاج الوصول لعلم الأصول للبيضاوي، وشروحه كالإبهاج للسبكي.\n١٠ - البحر المحيط للزركشي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-50> ثالثًا: بعض الكتب المصنفة على المذهب الحنبلي:</span>\n١ - العدة لأبي يعلى.\n٢ - التمهيد لأبي الخطاب.","vol":"1","page":125},{"text":"٣ - الواضح لابن عقيل.\n٤ - روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة.\n٥ - مختصر الروضة للطوفي.\n٦ - شرح الكوكب المنير لابن النجار.\n\n•<span data-type='title' id=toc-51> رابعًا: الكتب المؤلفة على المذهب الظاهري:</span>\n١ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم.\n٢ - النبذ لابن حزم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-52> خامسًا: الكتب المؤلفة على مذهب المعتزلة:</span>\n١ - العمد للقاضي عبد الجبار.\n٢ - شرح العمد لأبي الحسين البصري.\n٣ - المعتمد لأبي الحسين البصري.\n\n•<span data-type='title' id=toc-53> الطريقة الثالثة: الجمع بين طريقة الحنفية والجمهور:</span>\nوهذه الطريقة هي إثبات للقواعد الأصولية بالأدلة النقلية والعقلية، وتطبيقها في الفروع الفقهية.","vol":"1","page":126},{"text":"من أهم الكتب المؤلفة على هذه الطريقة:\n١ - بديع النظام الجامع بين أصول البزدوى والأحكام للساعانى.\n٢ - جمع الجوامع لتاج الدين السبكي.\n٣ - التحرير لكمال الدين ابن الهمام.\n٤ - مسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور الحنفي، وقد شرحها الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه فواتح الرحموت.\n\n•<span data-type='title' id=toc-54> الطريقة الرابعة: وهي طريقة تخريج الفروع على الأصول:</span>\nوهي تتميز بذكر خلاف الأصوليين في المسألة، مع الإشارة إلى بعض أدلة الفرق المختلفة، ثم ذكر عدد من المسائل الفقهية المتأثرة بهذا الخلاف.\nولا يذكر في هذه الكتب إلا المسائل التي اختلف فيها العلماء، والخلاف فيها معنوي له ثمرة، ومنها:\n١ - تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (شافعي).\n٢ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (شافعي).\n٣ - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني (مالكي).","vol":"1","page":127},{"text":"٤ - القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (حنبلي).\n\n•<span data-type='title' id=toc-55> الطريقة الخامسة: عرض أصول الفقه من خلال المقاصد:</span>\nلم تسلك هذه الطريقة مسلك المتقدمين، وهي ذكر القواعد تحت عناوين وأبواب معينة، لكن تعرض أصول الفقه من خلال مقاصد الشريعة، وقد ألف على هذه الطريقة الإمام الشاطبي كتابه (الموافقات)، وسوف يتم لها مزيد من البسط إن شاء الله تعالى في نهاية الكتاب.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>المبحث التاسع: أثر دخول المسائل الكلامية والمباحث الاعتقادية على علم أصول الفقه</span>\nانتهج الإمام الشافعي في كتابه الرسالة نهجًا معينًا، وهو أنه يلج مباشرة إلى المسائل الأصولية متعلقة بثمرتها من المسائل الفقهية كما سبق بيانه.\nومَن جاء بعد الإمام الشافعي مِنْ القرن الثاني إلى القرن الرابع حافظ على هذا المنهج وهو إيراد المسائل الأصولية كقواعد تعين على الاستنباط، فلم تكن بمعزل عن الثمرة المرجوة منها وهي الفقه.\nثم في القرن الخامس دخلت مسائل علم الكلام إلى صلب علم الأصول، ومباحث الاعتقاد، كصفة الكلام وما يتعلق بها، وتعريف الإيمان، وعلاقة العمل به، والتحسين والتقبيح.\nوكان من أبرز من أدخل تلك المباحث في علم الأصول القاضي عبد الجبار المعتزلي.","vol":"1","page":129},{"text":"ثم صارت واستمرت صفة لازمة لم تنفك عنها كتب الأصول فيما بعد، خاصة مع وجود بعض التشابه في مباحث علم الأصول مع مباحث علم العقيدة في بعض النواحي، مما أغرى مَنْ كتب في العقيدة أن يكتب في الأصول وإن لم تكن له عناية بالفقه.\nثم اشتد الأمر بعد إدخال الغزالي المقدمة المنطقية على علم الأصول.\nولم يستطع الأصوليون أن يعودوا بكتب الأصول إلى منهج الإمام الشافعي في الرسالة، وإن كان الله قد مَنَّ على الأمة بوجود بعض الأصوليين الذين لم يغلب عليهم علم الكلام، وكانوا على طريقة السلف، فلم تمتزج تصانيفهم بعلم الكلام.\nبل اشتدوا وأنكروا على من انتهج هذا النهج كأبي اسحاق الشيرازي في اللمع، وأبي المظفر السمعاني في القواطع.\n\n•<span data-type='title' id=toc-57> سمات ظهور المذاهب العقدية داخل علم الأصول:</span>\n<span data-type='title' id=toc-58>أولًا: المبالغة في التجريد العقدي للمسألة مع إهمال أثرها الفقهي، وإهمال وإغفال دلالات النصوص.</span>\nمثال: مسألة دلالة الأمر، وهل يقتضي الأمر النهي عن ضده أم لا، وما دلالة الأمر بعد الحظر.","vol":"1","page":130},{"text":"ففي هذه المسائل تجد نقاشًا يتسم ب:\n١ - البعد عن النصوص الشرعية، والتطبيقات الفقهية.\n٢ - إيغال في إلزام لوازم عقلية، وترتيب قضايا منطقية كلامية بعيدة تمام البعد عن التطبيق الشرعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>ثانيًا: نزعة المذهب العقدي للمصنف في تقرير مسائل الأصول:</span>\nفإن كان المصنف معتزليًّا قرر مذهب المعتزلة، وإن كان المصنف أشعريًّا قرر مذهب الأشاعرة، مع أنَّ علم أصول الفقه ليس له علاقة بالمذهب العقدي، فهو قائم على الأدلة الشرعية وطرق الاستنباط، فهذه المسائل ليست من مباحثه.\n• مثال: صفة الكلام.\nفإذا جاء الكلام عن الأدلة، فمن الأدلة القرآن، والكل يقر بأن القرآن دليل شرعي حجة ينبغي المصير إليه. هذا القدر هو القدر الكافي في علم أصول الفقه، لكنهم أدخلوا هنا المذهب العقدي، فتكلموا عن صفة الكلام، وهل يوصف الله بذلك أم لا؟ وهل الكلام حقيقة أم كلام نفسي؟ إلى غير ذلك.\nوهذا من مباحث علم الاعتقاد، وليس من أصول الفقه.","vol":"1","page":131},{"text":"• مثال آخر: صيغ العموم، والأمر، والنهي.\nوهذه متعلقة باللسان العربي، فكل عاقل يثبت ذلك، وإنكار ذلك مصادمة للعقول، لكن للتأثر بالمذهب العقدي، جاء من يقول بأنه لا توجد صيغ للألفاظ، ولا علاقة للألفاظ بالمعاني، فكان قولًا محدثًا في العربية، مخالفًا لما علم من العقول بداهة.\n• مثال آخر: القياس والعلة، وهل أحكام الشريعة معللة أم لا:\nوكانت هذه المسائل أيضًا متأثرة بالمذاهب العقدية في القضاء والقدر.\nفالمعتزلة نفوا القدر، فنفوا تعليل الأحكام، وقالوا بالتحسين والتقبيح العقلي، وارتباط الأحكام بذلك.\nوالأشاعرة قالوا بالجبر، ونازعوا المعتزلة في مسألة التحسين والتقبيح، وشحنت كتب الأصول بالأخذ والرد.\nوهذا قدر زائد عن علم أصول الفقه.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>ثالثًا: انقلاب بعض أبواب الأصول إلى معترك عقدي.</span>\nفإيراد هذه المباحث في علم الأصول أدى إلى وجود أبواب كاملة ما هي إلا إيراد للأقوال ومناقشات لها، وأخذ ورد؛ فشحنت كتب الأصول بمباحث ليست من صلب علم الأصول.","vol":"1","page":132},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-61> آثار دخول المسائل الكلامية والمنطقية في علم الأصول:</span>\n١ - الانتصار للمذهب العقدي داخل كتب الأصول.\n٢ - ضعف الأثر الفقهي، فلا توجد الأمثلة الفقهية بكثرة، وهذا غياب للثمرة المرجوة أصلًا من الأصول.\n٣ - تعقيد كتب الأصول بالمباحث الكلامية والمنطقية؛ مما أدى إلى زهد طلاب العلم في علم الأصول، مع عظم فائدته وأهميته، وأغرى البعض أن يقول: علم الأصول ما هو إلا تعلم لعلم الكلام والمنطق.\n\n•<span data-type='title' id=toc-62> أقسام مسائل الأصول التي تأثرت بمسائل الاعتقاد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-63>١ - مسائل لا أثر للخلاف فيها (الخلاف لفظي):</span>\nمثال: مسألة انقسام الواجب إلى واجب معين ومخير، كالتخيير في الكفارات.\nفقد خالف المعتزلة، وقالوا: لا يصح التقسيم، وأن هذا تناقض أن يكون واجب ومخير؛ لأن مقتضى التخيير الإباحة، ووصف الإباحة مناقض للوجوب.\nلكنهم مع ذلك لا ينكرون أنَّ المكلف مخير في كفارة اليمين بين الإطعام والكسوة والعتق.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>٢ - مسائل الخلاف فيها متكلف:</span>\nكأن يأتي للمسألة الأصولية فيلتزم فيها قولًا ضعيفًا جدًّا؛ لأنه يوافق أصله، ومذهبه العقدي.\nكإنكار أنَّ للعموم والأمر والنهي صيغًا، فهذه مكابرة وتجاوز لمقتضى اللغة ومصادمة للعقول، لذلك تجد المحققين منهم يتوقفون في هذه المسائل.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>٣ - مسائل ذات الأثر العلمي (الخلاف فيها معنوي):</span>\nمثال: الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، والاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، والاحتجاج بالمصلحة، وتقديمها على النص.\nفهذه المسائل وغيرها ظهر فيها الخلل في التقرير الأصولي بناءًا على المذهب العقدي الذي استصحبه المصنف.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>الفصل الرابع المقدمات والمصطلحات المهمة لدارس علم أصول الفقه</span>\nوفيه مباحث:\n• المبحث الأول: مقدمات مهمة في دراسة علم الأصول.\n• المبحث الثاني: علاقة علم الأصول بغيره من العلوم وتأثيره فيها.\n• المبحث الثالث: مصطلحات مهمة.\n• المبحث الرابع: مباحث لغوية متعلقة بعلم الأصول (أحكام الحروف).","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>المبحث الأول: مقدمات مهمة في دراسة علم الأصول</span>\n•<span data-type='title' id=toc-68> ذكر الشاطبي ﵀ بعض المقدمات المهمة المرتبطة بعلم أصول الفقه </span>ومنها:\n١ - الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم؛ فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة؛ لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع.\n٢ - كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية.\n٣ - كل مسألة لا ينبنى عليها عمل، فالخوض فيها خوض في ما لم يدل على استحسانه دليل شرعي.\n٤ - كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد إلى الله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة","vol":"1","page":136},{"text":"أخرى فبالتبع والقصد الثانى.\n٥ - العلم الذى هو العلم المعتبر شرعًا هو العلم الباعث على العمل.\n٦ - إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا.\n٧ - لما ثبت أنَّ العلم المعتبر شرعًا هو ما ينبنى عليه عمل صار ذلك منحصرًا فيما دلت عليه الأدلة الشرعية.\n٨ - من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.\n٩ - من العلم ما هو من صلب العلم، ومنه ما هو ملح العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه؛ فهذه ثلاثة أقسام.\n- القسم الأول: هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، وذلك ما كان قطعيًّا، أو راجعا إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؛ لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين، وهي: الضروريات، والحاجيات،","vol":"1","page":137},{"text":"والتحسينات، وما هو مكمل لها ومتمم لأطرافها، وهي أصول الشريعة.\nوالقسم الثاني: وهو المعدود في ملح العلم لا في صلبه: وهوما لم يكن قطعيًّا ولا راجعًا إلى أصل قطعي، كالعلوم المأخوذة من الرؤيا، وكحمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده؛ حتى تحصل الفتيا في أحدها بقاعدة الآخر.\nالقسم الثالث: وهو ما ليس من الصلب، ولا من الملح: وهوما لم يرجع إلى أصل قطعي ولا ظني، وإنما شأنه أن يكر على أصله أو على غيره بالإبطال، ومثال هذا القسم ما انتحله الباطنية في كتاب الله من إخراجه عن ظاهره، وأن المقصود وراء هذا الظاهر، ولا سبيل إلى نيله بعقل ولا نظر، وإنما ينال من الإمام المعصوم، تقليدًا لذلك الإمام (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-69> مسألة: هل يمكن حصول العلم دون معلم؟</span>\nقال الشاطبى: الإمكان مسلَّم، ولكن الواقع في مجارى العادات أنه لا بد من المعلم، وهو متفق عليه في الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل … وقد قالوا: إنَّ العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتحه بأيدى الرجال. وهذا الكلام يقضى بأنه لا بد\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي بتصرف (١/ ٢٧ وما بعدها).","vol":"1","page":138},{"text":"في تحصيله من الرجال، إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم (^١).\nوأصل هذا في الصحيح: (إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء) (^٢)، فإذا كان كذلك فالرجال هم مفاتحه بلا شك (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-70> مسألة: أمارات العالم المتحقق:</span>\n١ - العمل بما علم حتى يكون قوله مطابقًا لفعله، فإن كان مخالفًا فليس أهلًا لأن يؤخذ عنه.\n٢ - أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم؛ لأخذه عنهم وملازمته لهم.\n٣ - الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبى ﷺ، واقتداء التابعين بالصحابة (^٤).\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (١/ ١٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.\n(^٣) الموافقات للشاطبي (١/ ١٤٠).\n(^٤) الموافقات للشاطبي (١/ ١٤١).","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>المبحث الثاني: علاقة علم الأصول بغيره من العلوم وتأثيره فيها</span>\nالعلوم الشرعية بينها وبين بعضها قدر كبير من الترابط والتداخل، وإن كان الأصل فيها التمايز والاختلاف في موضوعاتها وغاياتها؛ وهذا القدر العالي من التداخل راجع إلى أن العلوم الشرعية كلها متمحورة حول النص الشرعي.\n• ويمكن أن يُقسَّم هذا التداخل والترابط إلى أربعة أنماط (^١):\n\n•<span data-type='title' id=toc-72> الأول: التداخل الاستمدادي:</span>\nومعناه: أن العلوم الشرعية يحتاج بعضها إلى بعض في تكميل متطلباتها البحثية، فلا يوجد علم يستقل بكل البحوث التى تندرج فيه من غير أن يحتاج إلى علم آخر يعينه ويساعده فى تكميل النظر والتدقيق في بعض مكوناتها.\n_________\n(^١) مستفاد من قانون التأسيس العقدي د/ سلطان بن عبد الرحمن العميري بتصرف (٥٦).","vol":"1","page":140},{"text":"ومن أظهر الصور التى يظهر فيها هذا النمط من التداخل قضية الاستمداد المذكورة فى المبادئ العشرة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-73> الثانى: التداخل التحصيلي:</span>\nومعناه: أن المرء لا يستطيع أن يفهم علمًا تمام الفهم دون أن يكون له إدراك لأصول العلوم الأخرى؛ فلا يوجد علم شرعى مستقل بذاته بحيث لا يكون له ارتباط بالعلوم الأخرى، أو يمكن للمرء أن يحصله من غير أن يدرك شيئًا من غيره، بل كل علم شرعى محتاج الى آخر فى الفهم والتحصيل.\nومن أظهر صور هذا النمط تقسيم العلماء العلوم إلى علوم أدوات وعلوم غايات، وكذلك كلام العلماء عن الشروط التى ينبغى توفرها في الفقيه والمفسر من تحصيل معارف من علوم متعددة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-74> الثالث: التداخل الموضوعي:</span>\nومعناه: أن ثمة موضوعات تُبحَث فى عدد من العلوم الشرعية لكونها متعلقة بها جميعًا، ومن أظهر صورها هنا المسائل المشتركة بين علم أصول الفقه وعلوم العربية كدلالات الألفاظ وغيرها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-75> الرابع: التداخل التأثيري:</span>\nومعناه: أن العلوم الشرعية يؤثر بعضها فى بعض من جهة تقرير المسائل والدلائل، وينبغى التنبيه هنا إلى أن التأثر الواقع بين العلوم","vol":"1","page":141},{"text":"مختلف، فبعضه محمود وبعضه مذموم، وبعضه كثير وبعضه قليل.\n• فعلاقة علم أصول الفقه بغيره من العلوم نستطيع أن نحددها من خلال هذه الأنماط:\n• الأول: التداخل الاستمدادي:\nوقد سبق بيانه في مبدأ الاستمداد في المبادئ العشرة.\n• الثانى: التداخل التحصيلي:\nفعلم أصول الفقه من علوم الآلات التى يُحتاج إليها في سائر العلوم لأنه علم يضبط لك أصول الفهم والاستنباط والاستدلال، وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\n• الثالث: التداخل الموضوعى:\nوذلك: مثل كثير من المسائل المشتركة بين علوم اللغة، وعلم أصول الفقه، كمبحث دلالات الألفاظ، كالأمر والنهى، والعام والخاص والاستثناء، وغيره، وإن كان لعلم أصول الفقه اختصاص زائد في هذه المباحث من جهة دلالاتها على الأحكام ليس لأهل اللغة، وقد وضح ذلك الإمامان الطوفى وتقى الدين السبكى وقد سبق بيان ذلك (^١)، ولا مانع من إعادة ذكر بعضه هنا.\n_________\n(^١) فى الرد على شبهة أن علم الأصول ليس علمًا مستقلًّا.","vol":"1","page":142},{"text":"ومن ذلك قول الطوفي: الكلام يشتمل على لفظ ومعنى، فحظ اللغوي النظر في ألفاظه ببيان ما وضعت له كقوله: العموم: الشمول، والعام: الشامل، والتخصيص: تمييز شيء عما شاركه بحكم، وحظ النحوي بيان ما يستحقه من الحركات اللاحقة لآخره إعرابًا أو بناءًا، وحظ التصريفي بيان وزنه، وصحيحه من معتله، وأصله من زائده أو بدله، وغير ذلك من أحكامه.\nأما كون العام بعد تخصيصه حجة أو ليس بحجة، أو حقيقة أو مجازًا، فهذا ليس حظ واحد من هؤلاء، بل حظ الأصولي، والأصولي موضوع علمه المعنى، وإنما ينظر في الألفاظ بطريق العرض في مبادئ الأصول (^١).\nويقول تقي الدين السبكي: إن الأصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدًّا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراء زائد على استقراء اللغوي، مثاله دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، و(لا تفعل) على التحريم، وكون (كل وأخواتها) للعموم، وما أشبه ذلك مما ذُكِر\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٥٣٣).","vol":"1","page":143},{"text":"أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاءًا في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التى تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه (^١).\nوكذلك في علم التفسير نجد مسائل يتناولها المفسرون بالبيان لأهميتها فى التفسير، مثل مباحث النسخ، والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وإن كانت هذه المباحث تناولها الأصوليون بزيادة تأصيل وضبط ليس عند المفسرين (^٢).\nيقول أبو حيان: وقد تكلم المفسرون هنا في حقيقة النسخ الشرعي وأقسامه، وما اتفق عليه منه، وما اختلف فيه، وفي جوازه عقلًا، ووقوعه شرعًا، وبماذا ينسخ، وغير ذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك\n_________\n(^١) الإبهاج شرح المنهاج للسبكي بتصرف يسير (١/ ٧).\n(^٢) من الدراسات الجيدة في هذا الباب كتاب: المسائل المشتركة بين علوم القرآن وأصول الفقه وأثرها في التفسير. د/ فهد الوهبي.","vol":"1","page":144},{"text":"الأحكام، وطوَّلوا في ذلك. وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كله فيه.\nوهكذا جرت عادتنا: أن كل قاعدة في علم من العلوم يُرجَع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علم التفسير مُسَلَّمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير (^١).\nوكذلك فى علم الحديث هناك قدر من هذه المسائل، وذلك كالكلام عن السنة باعتبارها مصدرًا ودليلًا من مصادر الأحكام، وكذلك في تقسيم الأخبار الى متواتر وآحاد، ومباحث القطعى والظنى، وأي هذه الأخبار حجة.\nوكذلك فى علم العقيدة نجد قدرًا من المباحث العقدية والكلامية تُبحَث في علم الأصول (^٢) مع أجنبية هذه المسائل عن علم أصول الفقه، مثل مسألة التحسين والتقبيح العقلي، والحقيقة والمجاز، وهل للأمر صيغة أم لا؟\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥١١).\n(^٢) من الكتب التى عنيت بذكر هذه المسائل كتاب المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين د. محمد العروسي عبد القادر.","vol":"1","page":145},{"text":"وهذا القدر من الاشتراك راجع إلى أن كثيرًا ممَّن كتب في الأصول قديمًا من المعتزلة والأشاعرة، فجعلوا كتب الأصول سجالًا عقديًّا فيما بينهم، وتقرير مثل هذه المعتقدات في كتب الأصول يدل على أهمية هذا العلم، فإن تقررت هذه الأصول العقدية كانت حاكمة بعد ذلك على كل الأصول والفروع؛ لذلك نجد كثيرًا من القواعد الأصولية قررت تفريعًا على هذه المباحث العقدية.\n• أما النمط الرابع فهو التداخل التأثيري:\nوالمراد هنا تأثير علم أصول الفقه في غيره من العلوم:\n\n•<span data-type='title' id=toc-76> أولًا: علم الفقه:</span>\nفأظهر العلوم تأثرًا بعلم أصول الفقه علم الفقه؛ إذ هو فرع عنه، ونتيجة له، ومبناه عليه، ويظهر ذلك جليًّا في اختلاف الفقهاء، فأحد أقوي أسباب اختلاف الفقهاء الخلاف في تقرير القواعد الأصولية (^١).\nفما من حكم فقهي إلا وهو يستند إلى قاعدة، أو مسألة في علم أصول الفقه، وهذا أمر واضح جلي لا يحتاج إلى كثير بيان، وأدل دليل على ذلك اسمه، فتسميته علم أصول الفقه لأكبر دليل على هذا،\n_________\n(^١) من الكتب النافعة في هذا الباب كتاب أثر الاختلاف في القواعد الأصولية د. مصطفى الخن.","vol":"1","page":146},{"text":"وسيأتي في ثنايا الكتاب ذكر كثير من الأمثلة الدالة على ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-77> ثانيًا: علم التفسير:</span>\nفعلم أصول الفقه من العلوم التى لابد أن يعتني بها المفسر، وسبق بيان قدر من المسائل المشتركة بين علم التفسير وعلم الأصول التي تشتد حاجة المفسر لها، بل لا يكاد يتصور عالم بالتفسير دارس له، وليس له علم واسع بعلم أصول الفقه؛ إذ القرآن هو أصل القواعد وأساسها، فعليه تُبنَى القواعد، وإليه ترجع، وفيه تعمل.\nومن ذلك مثلًا: فيه الأمر المقتضي للوجوب كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوفيه: الأمر المصروف للندب أو الإرشاد كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، صرف للندب أو الإرشاد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nوفيه: الأمر المصروف للإباحة: كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧].","vol":"1","page":147},{"text":"وفيه: النهي الذي للتحريم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].\nوفيه: الإشارة إلى بعض شروط التكليف كالاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والعلم كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].\nوفيه: العام المخصوص كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nوفيه: المطلق والمقيد كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وجاءت الرقبة مقيدة في كفارة القتل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\nوفيه الظاهر كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي الصيام الشرعي فهذا هو الظاهر من النص.","vol":"1","page":148},{"text":"وفيه المؤول بقرينة كقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، فالمراد الصيام اللغوي أي عن الكلام.\nوفيه المجمل كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وبينت السنة المراد بالاعتزال بقوله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح».\nوفيه مفهوم الموافقة الأَوْلى كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فمن باب أولى أقل من ذلك.\nوفيه: مفهوم المخالفة كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وبمفهوم المخالفة إن لم يتوبوا، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخواننا في الدين.\nوفيه: الناسخ والمنسوخ كنسخ قوله تعالى في العدة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].","vol":"1","page":149},{"text":"وفيه، بل هو مليء بمقاصد الشريعة ومنه: قوله تعالى عن الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] مبينًا المقصد منها وهو النهي عن الفحشاء والمنكر.\nوقال في الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] مبينا المقصد من الصيام وهو التقوى.\nوقال في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] مبينا المقصد من الزكاة وهو التطهير والتزكية.\nوقال في المقصد العام من خلق الجن، الإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nبل قال عن بعثة النبي ﷺ كلها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وهذا هو المقصد العام من إرسال النبي ﷺ، وهو أنه أُرسِل رحمة للعالمين جميعًا.","vol":"1","page":150},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-78> ثالثًا: علم الحديث:</span>\nوكذلك علم الحديث تأثر بعلم أصول الفقه، ومن ذلك كما في بحث تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وإفادة كل واحد منهما للعلم، وهذا أجنبي عن علم مصطلح الحديث (^١)، وكان هذا تأثرًا بعلم الأصول، وهذا ما بينه ابن حجر في كتابه \"نزهة النظر\" بعدما تكلم عن تقسيم الأخبار الى آحاد ومتواتر وذكر شروط التواتر ثم قال ﵀ \" وإنما أبهمت شروط المتواتر في الأَصْلِ - يقصد نخبة الفكر - لأنَّهُ على هذهِ الكيفيَّةِ ليسَ من مباحثِ علمِ الإسناد، وإنما هو من مباحث أصول الفقه؛ إذْ علمُ الإسنادِ يُبحث فيهِ عن صِحَّةِ الحديثِ أَوْ ضعفه؛ لِيُعْمَلَ به أَوْ يُتْرَكَ مِنْ حيثُ صفاتُ الرِّجالِ وصِيَغُ الأداءِ، والمتواتر لا يُبْحَث عن رجاله بل يجِبُ العملُ بهِ مِنْ غيرِ بَحْثٍ (^٢).\nوتجدر الإشارة هنا إلى أن أول من أدخل تقسيم الأخبار الى متواتر وآحاد الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، وإلى هذا أشار ابن الصلاح في كتابه معرفة علوم الحديث حيث قال: ومن المشهور: المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاصِّ\n_________\n(^١) يراجع كتاب المنهج المقترح لفهم المصطلح للشيخ حاتم العوني فقد توسع في بيان هذا التأثر بعلم أصول الفقه.\n(^٢) نزهة النظر لابن حجر (٨٠).","vol":"1","page":151},{"text":"المُشْعِر بمعناه الخاصِّ، وإن كان الحافظ الخطيب قد ذكره، ففي كلامه ما يُشْعِر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم (^١).\nومنها أفعال النبي ﷺ وتقسيمها بين أفعال جِبِلِّية وعادية ونحوها، وأفعال خاصة به، وأفعال عامة له وللأمة؛ لبيان ما هو مصدر التشريع منها، والمطلوب من الأمة اتباعه، وما هو غير مطلوب شرعًا، وغير ذلك من المسائل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-79> رابعًا: علم العقيدة:</span>\nومن العلوم التى كان لعلم الأصول تأثيرٌ واضح فيها أيضًا علم العقيدة، وهذا أمر من الأهمية بمكان؛ وذلك حيث إن علم أصول الفقه يدور موضوعه حول الأدلة بما فيها من أحكام الفقه والعقيدة وغيرها، وكذلك فإن حفظ العقيدة الإسلامية يكون بحماية أصول الاستدلال، والرد على شبه المنحرفين، ونحو ذلك، وكل ذلك محله علم أصول الفقه.\nومما يبين ذلك نجد تطبيق قواعد علم أصول الفقه في كثير من الأحكام العقدية التي لا يمكن فهمها على الوجه الأكمل إلا بالرجوع\n_________\n(^١) معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ٢٦٧).","vol":"1","page":152},{"text":"لمسائل أصول الفقه وقواعده، فكم من عامٍّ في العقيدة خص بالأدلة، ومطلق قُيِّد، وناسخ ومنسوخ، وغيرها.\nومن ذلك: عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه.\nففهم الصحابة من ذلك العموم؛ حيث إن كلمة \"ظلم\" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فبين النبي ﷺ أن هذا العام أريد به الخصوص؛ حيث بين أن المراد بالظلم هنا هو الشرك قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه»: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (^١).\nومنه: عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٢٩)، ومسلم (١٢٤) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.","vol":"1","page":153},{"text":"عذبه» (^١).\nقال النووي في شرحه لهذا الحديث: واعلم أن هذا الحديث عام مخصوص، وموضع التخصيص قوله ﷺ: «ومن أصاب شيئًا من ذلك» إلى آخره، المراد به ما سوى الشرك؛ وإلا فالشرك لا يغفر له (^٢).\nومنه أيضًا: تحريم سجود التحية فهو يخضع لقاعدة شرع من قبلنا المنسوخ بشرعنا ليس شرعًا لنا بالإجماع؛ حيث إن سجود التحية كان جائزًا في شريعة من قبلنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، لكنه نُسِخ في شريعتنا، وهذه قاعدة أصولية تخص أدلة الأحكام المختلف فيها، وضوابط الاستدلال بها، ومنها شرع من قبلنا.\nومنه أيضًا: الحكم على أفعال العباد، وإثبات أنها مخلوقة، والاستدلال على ذلك بالعموم في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فلفظ \"كل\" لفظ عموم يشمل جميع أفراده ما لم يخصص، ومن ذلك أفعال العباد فهي مخلوقة أيضًا لدخولها في العموم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٣)، مسلم (٣/ ١٣٣٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":154},{"text":"ومن ذلك رفع التكليف عمن قال قول الكفر لتخلف شرط الاختيار في حقه، وهو من شروط التكليف فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].\nومن ذلك الاستدلال بمفهوم المخالفة: فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، قال ابن مسعود: وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (^١).\nومن ذلك: مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج، فقد احتج من نفى الرؤية بقول النبي ﷺ «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت» (^٢)، فيدخل في ذلك النبي ﷺ؛ لأن المقرر في علم الأصول أن النبي ﷺ داخل في خطابه للأمة.\nومن ذلك رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فمما استُدِل به على هذا: مفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٥]، فلما حُجِب الكفار عن رؤية الله تعالى عقابًا علم أن المؤمنين يرونه عطاء ورضا.\nواستدل أيضا بالحديث السابق: «تعلموا أن أحدًا لن يرى ربه حتى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٢٣٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩).","vol":"1","page":155},{"text":"يموت»، فهذا مفهوم الغاية، ومعناه: أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، والمعنى: لما كانوا لا يرونه قبل الموت علم أنهم يرونه بعد الموت.\nومن ذلك قاعدة عامة وهامة وهي: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره حتى يرد دليل صارف إلى المعنى المؤول.\nوهذه القاعدة يستخدمها علماء أهل السنة في باب الأسماء والصفات في إثباتها على ظاهرها وحقيقتها، والرد لتحريف من حرفها أو أولها لعدم وجود الدليل الصحيح الصالح.\nومن ذلك أيضًا: الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض، كأحاديث النهي عن الطيرة مع حديث الشؤم في ثلاث، وكذلك أحاديث نفي العدوى وأحاديث يفهم منها وجودها، وهكذا.\nوكذلك استخدم العلماء القواعد الأصولية في تقرير مسائل العقيدة والرد على الشبهات. ومثال ذلك: قال شيخ الإسلام وهو يعدد وجوه الرد على القائلين بالكلام النفسي: وهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، فإذا لم يكن في صدر الأمة إلا قول السلف وقول المعتزلة تعين أن يكون الحق في أحد القولين، ومن المعلوم بالشرع والعقل أن قول المعتزلة باطل للوجوه","vol":"1","page":156},{"text":"الكثيرة … تعين صحة مذهب السلف (^١).\nفقرر ﵀ مذهب السلف، ورد شبهة الأشاعرة بقاعدة أصولية وهي عدم جواز إحداث قول ثالث؛ لأنه يكون مخالفًا للإجماع السابق أن الحق في أحد القولين، فيكون القول الثالث شاذًّا.\nومن ذلك أيضًا: ما استدل به ﵀ على ضلال الرافضة القائلين بإمامة المهدي المنتظر الذي اختفى صغيرًا بقواعد أصولية تخص شروط التكليف في علم أصول الفقه؛ حيث قال: فإن هؤلاء الجهال الضلال يزعمون أن هذا المنتظر كان عمره عند موت أبيه: إما سنتين أو ثلاثًا أو خمسًا على اختلاف بينهم في ذلك، وقد علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع الأمة: أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله، فيكون هو نفسه محضونًا مكفولًا لآخر يستحق كفالته في نفسه وماله تحت من يستحق النظر، والقيام عليه، وهو قبل السبع طفل لا يؤمر بالصلاة، فإذا بلغ العشر ولم يصلِّ أدب على فعلها، فكيف يكون مثل هذا إمامًا معصومًا يعلم جميع الدين، ولا يدخل الجنة إلا من آمن به، ثم بتقدير وجوده وإمامته وعصمته: إنما يجب على الخلق أن يطيعوا من يكون قائما بينهم: يأمرهم بما أمرهم الله به\n_________\n(^١) التسعينية لابن تيمية (٢/ ٦٨٩ - ٦٩٠).","vol":"1","page":157},{"text":"ورسوله، وينهاهم عما نهاهم عنه الله ورسوله، فإذا لم يروه ولم يسمعوا كلامه لم يكن لهم طريق إلى العلم بما يأمر به وما ينهى عنه، فلا يجوز تكليفهم طاعته؛ إذ لم يأمرهم بشيء سمعوه وعرفوه، وطاعة من لا يأمر ممتنعة لذاتها، وإن قدر أنه يأمرهم ولكن لم يصل إليهم أمره، ولا يتمكنون من العلم بذلك: كانوا عاجزين غير مطيقين لمعرفة ما أمروا به، والتمكن من العلم شرط في طاعة الأمر (^١).\nوغير ذلك الكثير من مسائل العقيدة بُنِيَت وأُسِّسَت على القواعد الأصولية، بل ورُدَّ كثير من شبه أهل البدع بالاستناد والرجوع إلى قواعد أصول الفقه.\nلذا قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل … \" (^٢).\nقال ابن تيمية: صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي، وينظر في مراتب الأدلة\n_________\n(^١) انظر الفتاوى لابن تيمية بتصرف يسير (٢٧/ ٤٥٢).\n(^٢) الفقيه والمتفقه للخطيب (٢/ ٣٣١).","vol":"1","page":158},{"text":"حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض (^١).\nقال ابن جُزَى: وإنه لنعم العون على فهم كتاب الله وسنة الرسول ﷺ (^٢).\nومما يعلم بالضرورة أنه ليس الفقه وحده يقوم على الأدلة، بل الدين بأسره قائم على الأدلة، سواء كان اعتقادًا بالقلب، أو نطقًا باللسان، أو عملًا بالجوارح، وسواء أكان في العقيدة، أم العبادات، أم المعاملات، أم الأخلاق.\nوكذلك يعلم أنه ليس الفقيه وحده هو من يستدل بالأدلة في المسائل الفقهية، بل المفسر يحتاج أيضًا إلى الأدلة والاستدلال بها، وكذلك من يبحث في المسائل العقدية، وهكذا.\nفلما كان كل ذلك قيامه وإثباته وصوابه راجعًا للأدلة وما فُهِم منها، علم بذلك أهمية علم أصول الفقه وشدة تأثيره وارتباطه بالعلوم الأخرى؛ حيث إنه هو العلم الذي يضبط التعامل مع الأدلة، بل إن الدليل هو موضوع أصول الفقه، فكل من يتعامل مع الأدلة لا بد إذًا من علمه بعلم أصول الفقه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٩/ ١٧٣).\n(^٢) تقريب الوصول إلى علم الأصول لأبي القاسم ابن جزى الكلبي (١٣٧).","vol":"1","page":159},{"text":"ومما سبق يُعلَم أن المتبادر لأذهان البعض أن أصول الفقه تقتصر فائدته على علم الفقه فقط بسبب إضافة الأصول إلى الفقه في تسمية هذا العلم فهو فهم خاطئ.\nنعم. الفائدة الكبرى منه تظهر في علم الفقه لسعته، وكثرة مسائلة ومستجداته، وكثرة الاجتهاد فيه، ونحو هذا، لكن هذا لا يعني أنه أصول للفقه فقط دون غيره من العلوم، بل هو كما سبق بيانه آنفًا أصلٌ للعلوم الشرعية، والمعين على فهم النصوص من الكتاب والسنة.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>المبحث الثالث: مصطلحات مهمة</span>\nالحد: هو اللفظ الجامع المانع (^١).\n\n• و<span data-type='title' id=toc-81>شروط صحة الحد:</span>\n١ - أن يكون الحد أو التعريف جامعًا لأفراد المحدود، مانعًا من دخول غيره فيه.\n٢ - أن يكون الحد بلفظ أو ألفاظ لها معنى واحد راجح عند السامع، فلا يصح الحد بلفظ مشترك أو مجمل.\n٣ - أن يكون الحد واضحًا جليًّا في ألفاظه، معلوم الابتداء والانتهاء، لا إبهام ولا لبس فيه.\n٤ - أن يكون الحد بألفاظ قصيرة، فالأصل في التعاريف أن تصان عن الإسهاب.\n٥ - أن يكون الحد خاليًا من الألفاظ الغريبة على السامع (^٢).\n_________\n(^١) إحكام الفصول للباجي (١٧٠)، والواضح لابن عقيل (١/ ١٥).\n(^٢) الواضح لابن عقيل (١/ ١٦، ١٧)، وشرح تنقيح الفصول للقرافي (٨).","vol":"1","page":161},{"text":"والشيء يعرف لغة، واصطلاحًا، وقد يعرف بالمثال، أو الثمرة، أو الضد، فهي أقسام خمسة.\nالدليل لغة: هو المرشد إلى المطلوب.\nواصطلاحًا: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.\nوهو قسمان: دليل نقلي، ودليل عقلي.\nالعلم: لغة مأخوذ من علمتُ الشيء وعلمتُ به، والمراد به: عرفته على ما هو به، ومصدره علمته علمًا، وهو: عرفانه (^١).\nالعلم اصطلاحًا: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا (^٢).\nوقيل: معرفة المعلوم (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-82> أقسام العلم:</span>\n<span data-type='title' id=toc-83>١ - من حيث القطعية والظنية:</span>\nعلم قطعي: وهو معرفة المعلوم معرفة لا يتطرق إليها أي احتمال.\nعلم ظني: وهو معرفة المعلوم معرفة يتطرق إليها احتمال مرجوح.\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (١٢/ ٤١٨).\n(^٢) قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني (١/ ١٧).\n(^٣) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى الفراء (١/ ٧٦).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>٢ - من حيث التصور والتصديق:</span>\nعلم تصور: وهو معرفة وإدراك صورة الشيء في العقل، من غير أن يحكم عليه بنفي أو إثبات.\nمثال: كأن يقول شخص: زيد. فأنت تصورت أنَّ زيدًا إنسان، وأنه ذكر بدون أن تحكم عليه بحكم معين.\nعلم تصديق: معرفة وإدراك الشيء وماهيته مع الحكم عليه بالنفي أو الإثبات.\nمثال: كأن يقول لك شخص: زيد كاتب. فهو حكم على زيد أنه كاتب، فأنت تتأكد من صحة وصدق هذا الحكم من عدمه بالأدلة، فإن كان كاتبًا يكون الحكم مثبتًا، وإلا كان الحكم منفيًّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>٣ - باعتبار اكتسابه وعدم ذلك:</span>\nعلم ضروري: وهو ما لزم نفس الإنسان لزومًا لا يمكنه الانفكاك عنه، ولا الخروج منه.\nوهو يقع للإنسان إما عن طريق الحواس، أو عن طريق ما علمه ابتداءًا من غير إدراك حاسة، كالعلم بحال نفسه من الصحة والمرض، أو عن طريق الأخبار المتواترة.","vol":"1","page":163},{"text":"علم مكتسب: ويسمى بالعلم النظري الذي لا يعلمه إلا بسبب النظر، والاستدلال.\nالجهل البسيط: هو عدم إدراك الشيء.\nالجهل المركب: إدراك الشيء على غير حقيقته.\nالظن: هو إدراك راجح مع احتمال ضد مرجوح.\nالوهم: هو إدراك مرجوح مع احتمال ضد راجح.\nالشك: تردد الإدراك بين شيئين.\nيقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري؛ فهذا عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري؛ فهذا غافل فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري؛ فهذا جاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري؛ فهذا مائق (مائق: أى أَبْلَه، أَحْمَق، أَخْرَق، غَبِىّ، مُغَفَّل) فاجتنبوه (^١).\nوكان قديمًا رجلٌ يدعي الحكمة يسمى توما الحكيم، ويفتى الناس بالجهل؛ فكانوا يقولون شعرًا على لسان حماره قائلًا:\nقال حمارُ الحكيمِ توما … لو أنصفَ الناسُ لكنتُ أركبْ\n_________\n(^١) أدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٧٥).","vol":"1","page":164},{"text":"لأننى جهلٌ بسيطٌ … وصاحبي جهلٌ مركبْ (^١)\nالنظر: التفكر في حال المنظور فيه، والتوصل بأدلته إلى المطلوب.\nالمنظور فيه: هي الأدلة والأمارات الموصلة إلى المطلوب من حكم شرعي وغيره.\nالمنظور له: هو الحكم المطلوب، الذي نُظِرَ في الدليل لاستنباطه.\nالناظر: هو الفاعل للنظر والفكر وهو المجتهد (^٢).\nوينقسم إلى:\nالنظر الصحيح: وهو ما وقف الناظر فيه على وجه دلالة الدليل، فأفاد المطلوب.\nالنظر الفاسد: وهو مالم يقف فيه الناظر على وجه دلالة الدليل، ولم يفد المطلوب (^٣).\nالفكر: هو في اللغة إعمال الخاطر في الشيء، ويسمى فكرة وجمعه\n_________\n(^١) نهاية الأرب للنويري (١٠/ ١٠٠).\n(^٢) قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني (١/ ٤١)، الشامل في حدود وتعريفات علم أصول الفقه للدكتور النملة (١/ ١٦٥).\n(^٣) الإحكام للآمدي (١/ ٢٥)، البحر المحيط (١/ ٤٤).","vol":"1","page":165},{"text":"أفكار (^١).\nواصطلاحًا: انتقال النفس من المعاني انتقالًا بالقصد، وهذا تعريف إمام الحرمين (^٢).\nوالفرق بينه وبين النظر: أنَّ الفكر أعم من النظر؛ فالفكر قد يكون بطلب علم أو ظن، وقد لا يكون، بل يكون حديثًا في النفس وخيالات.\nالجدل: هو في اللغة مشتق من قول القائل: جدلتُ الحبل أجدله جدلًا. إذا فتلته وأكثرت الفتل فيه فتلًا محكمًا (^٣).\nوهذا المعنى يناسب ما يريده الأصوليون من الجدل؛ حيث إنَّ المجادل يفتل صاحبه بالحجاج عن رأيه ومذهبه إلى رأي غيره كما قال ابن السمعاني (^٤).\nالجدل اصطلاحًا: هو تردد الكلام بين الخصمين بطلب كل واحد منها تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه (^٥).\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (٥/ ٦٥).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (١/ ٤٢).\n(^٣) لسان العرب لابن منظور (١٣/ ١٠٨).\n(^٤) قواطع الأدلة (١/ ٤٢).\n(^٥) المصدر السابق (١/ ٤٢).","vol":"1","page":166},{"text":"وهو قسمان:\nالأول: ممدوح، وهو إذا كان لإحقاق حق أو إبطال باطل، وأن يسلك فيه المسالك الشرعية.\nالثاني: مذموم، وهو إذا كان لصرف الحق إلى الباطل، أو سُلِك فيه مسلك أهل الباطل.\nالوصف الطردي: هو الوصف الذي لا يترتب عليه مصلحة غالبًا إذا عُلِّق الحكم به، كالطول والقصر، والبياض والسواد (^١).\nالركن: هو جزء من حقيقة ماهية الشاء، ويتوقف عليه الشيء وجودًا وعدمًا، ولذا يصح إطلاقه وإرادة الكل به مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فالمراد تحرير كل الجسد لكنه أطلق الجزء وأراد الكل؛ لأنَّ الجزء ركن في الكل ومنه، قوله ﷺ: «من صلى في يوم ثنتى عشرة سجدة تطوعًا بني له بيت في الجنة» (^٢).\nوكذلك قد يطلق الكل ويراد به الجزء إن كان هذا الجزء ركنًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ\n_________\n(^١) التأسيس في أصول الفقه للشيخ مصطفى سلامة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٢٨ [١٠٢]) من حديث أم حبيبة مرفوعًا.","vol":"1","page":167},{"text":"الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. قَالَ: مجَّدنى عَبدِي. وَقَالَ مرَّة: فوَّض إِلَىَّ عَبدِي. فَإِذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. قَالَ: هَذَا بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (^١). والصلاة هنا المراد بها الفاتحة بدليل تتمة الحديث، ومنه قوله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان» (^٢)، قال النووي: قيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة؛ فدل ذلك على أنَّ الصلاة ركن في الإيمان (^٣).\nالشرط: هو جزء خارج عن ماهية الشيء، وقد يتوقف عليه صحة الشيء كالوضوء للصلاة، أو قبول الشيء كالإسلام للأعمال، أو وجوب الشيء كالبلوغ لوجوب الأعمال (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا.\n(^٣) شرح مسلم للنووي (٢/ ١٠٢).\n(^٤) الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (ص ١٥).","vol":"1","page":168},{"text":"• الفرق بين الركن والشرط:\nأنَّ الركن جزء من الشيء أما الشرط خارج عن الماهية، ولذا يقول ﷺ: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (^١)، فعبر عن الطهور بالمفتاح؛ لأنَّه شرط، فكما أنَّ المفتاح خارج عن الباب لكنه لازم له، فكذلك الوضوء خارج عن الصلاة لكنه لازم لها.\nالأصولي: هو الذى يبحث عن الأدلة الإجمالية من حيث دلالتها على الأحكام الشرعية من أدلتها الجزئية (^٢).\nالفقيه: هو الذى يبحث في الأدلة التفصيلية ليستخرج حكمًا جزئيًّا (^٣).\nالكلام الخبري: ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب لذاته كالإخبار عن الشيء (^٤).\nالكلام الإنشائي: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب، ومنه الأمر والنهي والاستفهام وغير ذلك (^٥).\n_________\n(^١) صحيح بشواهده: أخرجه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه، وغيرهم من حديث علي بن أبي طالب، وفيه راو صدوق، وله شواهد ترفعه للصحة.\n(^٢) الإعلام في أصول الأحكام (ص ١٥).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":169},{"text":"الكلام الخبري الإنشائي: هو ما يكون خبريًّا باعتبار اللفظ، إنشائيًّا باعتبار المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى» (^١): أى صلوا الليل مثنى مثنى، ومنه «الصلاة جامعة» (^٢)، فهو أمر بالاجتماع.\nالكلام الإنشائي الخبري: هو ما يكون إنشائيًّا باعتبار اللفظ، خبريًّا باعتبار المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]: أى ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، ومنه قوله ﷺ عندما سُئل أيصلى أحدنا في الثوب الواحد قال: «أولكلكم ثوبان» (^٣).\nالنقيضان: هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، مثل الموت والحياة، والوجود والعدم (^٤).\nالضدان: هما اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، مثل الواجب والحرام (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٤٥)، ومسلم (٩١٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٥٨)، ومسلم (٥١٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٤) الإعلام في أصول الأحكام (ص ١٥).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>المبحث الرابع:\nمباحث لغوية متعلقة بعلم الأصول (أحكام الحروف)</span>\n•<span data-type='title' id=toc-87> أحكام الحروف ومعانيها:</span>\nتعريف الحرف: هو ما دل على معنى في غيره.\nوأهمية معرفة معاني الحروف، ووجه تعلق ذلك بعلم الأصول؛ أن ذلك له صلة وطيدة بفهم المراد، واستنباط الأحكام؛ لأن كثيرًا من المسائل الفقهية يتوقف فهمها على فهم الدلالة التي يؤديها الحرف في النص، فقد تؤدي دلالة الحرف في النص إلى الاختلاف في الحكم.\n\n• أولًا:<span data-type='title' id=toc-88> حروف العطف:</span> وهي عشرة، على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: حروف تفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، غير أنها تختلف في أمور أخرى، وهي: الواو، الفاء، ثم، حتى.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>١ - أحكام الواو:</span> الواو لها أحكام عدة، منها (^١):\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٨٨)، مختصر التحرير (٤٩).","vol":"1","page":171},{"text":"١) تأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، مثال: أتى محمدٌ وعلىٌّ، فهنا اشترك المتعاطفان في الحكم وهو الإتيان.\n٢) ومن أحكامها أنها لا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، فالواو لا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل، فاقتضاؤها الترتيب مثل قوله ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (^١)، ففى قوله ﵊: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، الواو تفيد الترتيب؛ لأنه لابد من الجلد قبل الرجم، وإلا فلا فائدة من الجلد بعد الموت.\nوقول النبي ﷺ: «بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة … الحديث» (^٢)، فالواو هنا تقتضى الترتيب بدليل خارج، فلا بد من الشهادة قبل العمل.\nوكذلك في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦ [٢١]) من حديث ابن عمر مرفوعًا.","vol":"1","page":172},{"text":"وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، فلابد من الكفر أولًا، ثم الموت عليه؛ فيترتب على ذلك الجزاء الوارد في الآية.\nومنافاتها الترتيب مثل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣]، هنا تنافى الترتيب؛ لقوله: من قبلك.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، هنا تنافي الترتيب بدليل أن الحياة قبل الموت.\nولما سُئل ﷺ عن الرجل يجامع ولم ينزل، قال: «توضأ واغسل ذكرك»، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نم» (^١)، فهنا الواو تنافي الترتيب، وعن علي قال: «كنت رجلًا مذاءًا، فقال لي رسول الله: إذا رأيت المذى فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل» (^٢)، وهنا تقتضي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٠)، ومسلم (٣٠٦ [٢٥]) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣ [١٧])، (٣٠٣ [١٩])، واللفظ له من حديث علي مرفوعًا.","vol":"1","page":173},{"text":"الترتيب.\nتنبيه: مع أنَّ الواو لا تقتضى الترتيب ولا تنافيه، ولكن لابد للتقديم والتأخير من سبب ومن ذلك:\n١ - التقديم قد يكون للأفضلية، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤].\n٢ - التقديم للأهمية، مثل قوله ﵊: «إياكُم والجلوسَ في الطُّرُقات»، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدّ نتحدَّث فيها. فقال رسولُ الله ﷺ: «فإِذا أَبيتُم إِلا المجلسَ فَأعْطُوا الطريقَ حقَّهُ»، قالوا: وَمَا حَقُّ الطريق يا رسولَ الله؟ قال: «غَضُّ البصرِ، وكَفُّ الأَذَى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ» (^١).\n٣ - التقديم للخطورة، مثل قوله ﵊: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (^٢).\n٤ - التقديم للسهولة، مثل قوله ﵊: «ليدخلنَّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين، أو مثل أحد الحيين ربيعة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٧٤) من حديث سهل بن سعد مرفوعًا.","vol":"1","page":174},{"text":"ومضر» (^١).\n٣) ومن أحكامها: أنها لا تقتضى التسوية إلا بدليل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فلا يلزم أن تقسم بالتساوي، ولكن تفيد الاشتراك في الحكم فله أن يأكل منها، ويهدي، ويتصدق، ولكن لا تفيد التسوية في المقدار إلا إذا دل الدليل على التسوية، ولا دليل هنا.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ …﴾ [التوبة: ٦٠] فإنها لا تقتضي التسوية بين مصارف الزكاة.\n٤) ومن أحكامها: أنها لا تنقل الحكم، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهذا لا يعنى أنَّ العمرة حكمها حكم الحج، فهذا واجب وهذه مستحبة عند من قال بالاستحباب.\nومن الاستدلال بذلك: استدلال بعض الأحناف على حرمة أكل الخيل بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، لأنَّ الخيل عطف على البغال والحمير، وحكم أكل البغال\n_________\n(^١) حسن لطريقيه: أخرجه أحمد (٢٢٢٥٠) من حديث أبي أمامة، وفيه راو لين، وله متابعة عند الطبراني في «الكبير» (٨٠٥٨)، وفيه عنعنة مدلس.","vol":"1","page":175},{"text":"والحمير حرام؛ إذن فحكم أكل الخيل حرام.\nوالصحيح: أنَّ الواو لا تنقل الحكم؛ لأن النبي ﷺ أحل أكل لحوم الخيل فمن حكم بحرمة أكل لحوم الخيل لعطفها على ما حرم أكله بدلالة الاقتران، فقوله غير صحيح؛ لأنَّ الواو لا تنقل الحكم، ولكنها تفيد التشريك في الحكم وهو الركوب والزينة، وكذلك دلالة الاقتران ضعيفة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والدليل على إباحة أكل لحوم الخيل، عن جابر قال: نهى النبي يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في الخيل (^١).\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فالواو هنا تفيد التشريك في أنَّ الجميع رجس، لكن حكم الخمر ليس كحكم الميسر، وليس كحكم الأزلام، فالأزلام كفر، والخمر والميسر من الكبائر.\nملحوظة:\nالواو قد تأتي بمعاني أخر غير العطف والتشريك في الحكم.\nفقد تأتي بمعنى (مع)، فتفيد المعية مثل: سرت والنهر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢١٩)، ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا.","vol":"1","page":176},{"text":"وتأتي بمعنى (أو)، مثل قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١].\nوقد تفيد القسم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢].\nوتأتي تفيد الاستئناف، مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٥، ٦٦]، وعير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>٢ - أحكام الفاء </span>(^١).\nالفاء لها أحكام عدة، منها:\n١ - تأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، وتقتضى الترتيب والتعقيب، كقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢].\n٢ - تنقل الحكم: كقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، فالقيام حكمه الوجوب للأمر، والإنذار حكمه الوجوب للأمر والعطف بالفاء.\n٣ - تأتي سببية تفيد التعليل، مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٩٤)، مختصر التحرير (٥٠).","vol":"1","page":177},{"text":"آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].\n٤ - تأتي رابطة للجواب بالشرط، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-91>٣ - أحكام ثم </span>(^١).\nتأتي عاطفة تفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، وتفيد الترتيب مع التراخي، مثاله: عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني» قال: «ويسمي حاجته» (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٩٥)، مختصر التحرير (٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٨٢) من حديث جابر مرفوعًا.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>٤ - أحكام حتى:</span>\n\"حتى العاطفة للغاية\" نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، فلا يكون المعطوف بها إلا غايةً لما قبلها - من زيادة أو نقص نحو: \"مات الناس حتى الأنبِيَاءُ\"، و\"قدم الحُجَّاج حتى المُشَاةُ\".\n\"ولا ترتيب فيها\" فهي كالواو، فَإِنَّك تقول: \"حفظت القرآن حتى سورة البقرة\"، وإن كانت أَوَّل ما حفظْت أو متوسِّطًا \" (^١).\nالقسم الثاني: عاطفة لكنها تفيد تعليق الحكم بأحد المعطوفين وهى: (أو- إما- أم) (^٢).\n(أو) و(إما) يقعان في الخبر والأمر والاستفهام، بخلاف (أم) فلا تقع إلا في الاستفهام، فإذا وقعت (أو- إما) في الخبر أفادتا الشك، تقول: جاء زيد أو عمرو، جاء إما زيد وإما عمرو.\nوإذا وقعتا في الأمر أفادتا التخيير والإباحة، كأن تقول: خذ درهمًا أو دينارًا، جالس فلانًا أو فلانًا.\n_________\n(^١) مختصر التحرير (١/ ٢٢٦).\n(^٢) الإحكام للآمدي (١/ ٩٥).","vol":"1","page":179},{"text":"القسم الثالث: عاطفة تفيد مخالفة المعطوف للمعطوف عليه في حكمه (^١)، وهي (لا- بل- لكن).\nمثل: جاءني زيد لا عمرو، جاءني زيد بل عمرو، ما جاءني زيد لكن عمرو.\n١ - أحكام اللام ومعانيها (^٢).\nاللام الجارة لها معان، منها:\nوَ\" تَأْتِي \"اللامُ\" الْجَارَّةُ \"لِلْمِلْكِ حَقِيقَةً، لا يُعْدَلُ عَنْهُ\" أَيْ عَنِ الْمِلْكِ إلا بِدَلِيلٍ.\n\"وَلَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ\":\nأَحَدُهَا: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ \"زُرْتُك لِشَرَفِكَ\"، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥].\nالثَّانِي: الاسْتِحْقَاقُ، نَحْوُ: \"النَّارُ لِلْكَافِرِينَ\".\nالثَّالِثُ: الاخْتِصَاصُ، نَحْوُ \"الْجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ\".\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ٩٥).\n(^٢) مختصر التحريرلابن النجار بتصرف (٥٣).","vol":"1","page":180},{"text":"وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الاسْتِحْقَاقِ وَالاخْتِصَاصِ، بِأَنَّ الاسْتِحْقَاقَ أَخَصُّ، فَإِنَّ ضَابِطَهُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَمَا شَهِدَتْ لِلْفَرَسِ بِالسَّرْجِ، وَبِالْبَابِ لِلدَّارِ.\nوَقَدْ يَخْتَصُّ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَادَةً، نَحْوُ: \"هَذَا ابْنٌ لِزَيْدٍ\". فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.\nالرَّابِعُ: لامُ الْعَاقِبَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بلامِ الصَّيْرُورَةِ، وَبِلامِ الْمَآلِ نَحْوُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\nالْخَامِسُ: التَّمْلِيكُ، نَحْوُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠].\nالسَّادِسُ: شِبْهُ الْمِلْكِ، نَحْوُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢].\nالسَّابِعُ: تَوْكِيدُ النَّفْيِ، أَيُّ نَفْيٍ كَانَ، نَحْوُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]،\nوَيُعَبَّرُ عَنْهَا بلام الْجُحُودِ، لِمَجِيئِهَا بَعْدَ نَفْيٍ.\nالثَّامِنُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى \"إلَى\"، نَحْوُ: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧].","vol":"1","page":181},{"text":"الْعَاشِرُ: التَّعْدِيَةُ: وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ مَالِكٍ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].\nالْحَادِيَ عَشَرَ: بِمَعْنَى \"عَلَى\"، نَحْوُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حَرْمَلَةَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ: «وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلاءَ» أَنَّ الْمُرَادَ: عَلَيْهِمْ.\nالثَّانِي عَشَرَ: بِمَعْنَى \"فِي\"، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nالثَّالِثَ عَشَرَ: بِمَعْنَى \"عِنْدَ\"، كَقَوْلِهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\nالرَّابِعَ عَشَرَ: بِمَعْنَى \"مِنْ\" نَحْوُ، \"سَمِعْت لَهُ صُرَاخًا\" أَيْ مِنْهُ.\nالْخَامِسَ عَشَرَ: بِمَعْنَى \"عَنْ\" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أَيْ قَالُوا عَنْهُمْ ذَلِكَ.","vol":"1","page":182},{"text":"٢ - الباء ومعانيها (^١).\nالباء لها معان، منها:\n١ - الإلصاق: كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\n٢ - التبعيض: وهي عند البعض كالآية السابقة.\n٣ - المجاوزة: يقول: مررت بالوادى. أي جاوزته.\n٤ - الاستعانة.\n٥ - التبرك.\n٦ - المصاحبة.\nمثل: بسم الله الرحمن الرحيم. فقد يراد بها الاستعانة، أو التبرك، أو المصاحبة، وغير ذلك من المعاني.\n٣ - على ومعانيها (^٢).\nوهو حرف جر أصلي، والمعنى الأصلي له الاستعلاء قال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢].\n_________\n(^١) انظر: مختصر التحرير لابن النجار (٥٦)، والإحكام للآمدي (١/ ٨٦).\n(^٢) (الإحكام للآمدي (١/ ٨٧)، مختصر التحرير لابن النجار (٥٢).","vol":"1","page":183},{"text":"على لها معان، منها:\n١ - الوجوب: كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].\n٢ - الظرفية: مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والمعنى في ملك سليمان.\n٣ - التعليل: نحو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n٤ - التفويض: نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\n٥ - المصاحبة: نحو قوله تعالى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] بمعنى مع حبه.\n٤ - من: ومن معانيها (^١).\n١ - تكون لابتداء الغاية في المكان والزمان، نحو قولك: خرجت من البيت، خرج من الصباح.\n_________\n(^١) (الإحكام للآمدي (١/ ٨٥)، مختصر التحرير (٥١).","vol":"1","page":184},{"text":"٢ - التبعيض: مثل: أكلت من الخبز.\n٣ - البدل: نحو قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨].\n٤ - التعليل: نحو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩].\n٥ - لبيان الجنس: نحو قولك: خاتم من فضة.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>٥ - إلى: ومعانيها </span>(^١):\n١ - تكون لانتهاء الغاية (^٢): كقولك: سرت إلى مكة.\n٢ - تأتي بمعنى مع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].\n_________\n(^١) (الإحكام للآمدي (١/ ٨٦)، مختصر التحرير (٥١).\n(^٢) (فائدة: انتهاء الغاية لا يدخل في المغيا إلا اذا كان منتهى الغاية من جنس المحدود، فلو قيل له: من درهم إلى عشرة. فهل يكون له تسعة أم عشرة دراهم؟ والجواب: يكون له العشرة؛ لاتحاد الجنس. كذا لو قيل: من أول نخلة إلى أول شجرة تفاح، فهل تدخل شجرة التفاح في ملكه؟ والجواب: لا، لاختلاف جنس المحدود، وفهم هذا يفيد في مسائل فقهية هامة: كغسل المرفق، والكعب في الوضوء، ونحو ذلك.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>٦ - في: ومعانيها </span>(^١).\n١ - تأتي للظرفية سواء للزمان أو المكان كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].\n٢ - تأتي للاستعلاء بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].\n٣ - تأتي للمصاحبة بمعنى على كقوله تعالى ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-95>٧ - رُبَّ، ومعانيها </span>(^٢).\nتأتي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة، مثل: رب رجل عالم.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>٨ - حروف تفيد الشرط </span>(^٣).\nوهي: إن، لو.\nكأن تقول: إن جاءك محمد فأكرمه، لو جئتني لأكرمتك.\n_________\n(^١) (الإحكام للآمدي (١/ ٨٧)، مختصر التحرير (٥٣).\n(^٢) (الإحكام للآمدي (١/ ٨٦).\n(^٣) (الإحكام للآمدي (١/ ٩٦).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>٩ - من معاني لو </span>(^١).\n١ - حرف امتناع لامتناع، كقولك: لو جئتني لأكرمتك. فامتنع الإكرام لامتناع المجيء.\n٢ - تأتي للتمني، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٧].\n٣ - تأتي للعرض، كقولك: لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا.\n٤ - تأتي للتقليل، نحو: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».\n\n<span data-type='title' id=toc-98>١٠ - حروف تفيد الاستثناء (^٢): مثل (إلا)، (حاشا- عدا- خلا) أحيانًا.</span>\n١١ - حروف تفيد النفي (^٣): وهي (ما- لا- لم- لن- لما).\n١٢ - قد ومعانيها:\n١ - تدخل على الفعل الماضي، فيكون لها معنيان:\nأ- تفيد التحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١].\n_________\n(^١) (مختصر التحرير لابن النجار (٥٧).\n(^٢) (الإحكام للآمدي (١/ ٩٦).\n(^٣) (الإحكام للآمدي (١/ ٩٥).","vol":"1","page":187},{"text":"ب- تفيد التقريب مثل: قد قامت الصلاة. والمعنى اقتربت من القيام.\n٢ - تدخل على الفعل المضارع فتفيد:\nأ- التقليل، مثل: قد ينجح الكسول، قد يغلب الضعيف.\nب- التكثير، مثل: قد ينجح المجتهد، قد يغلب القوي.\nج- التحقيق، كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨].\n١٤ - حروف الاستقبال: وهي (سوف، والسين):\nفالسين تكون للمستقبل القريب، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢].\nوسوف تكون للمستقبل البعيد، كقوله تعالى: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] (^١).\n_________\n(^١) (قيل: استغفر لهم في السحر، وذلك لأن الفعل المضارع اقترن بسوف التي تدل على المستقبل البعيد، والثاني: أن السحر أفضل أوقات الاستغفار.","vol":"1","page":188},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-99> مسألة: اختلاف معاني الكلمات باختلاف حال الحرف </span>(^١):\nمن بديع اللغة العربية وجمالها، وحسن تناسقها، وقوة ترابطها أن قوة الحرف وضعفه في صفاته يؤثر على معناه، ويكون هناك توافق بين قوة الحروف وقوة المعنى الدال عليه اللفظ، وضعف صفات الحرف وضعف معناه، وكذلك مما يدل على قوة ذلك الارتباط اختلاف المعاني باختلاف الحركات على الحروف، بل ويختلف المعنى ويتداخل باختلاف إنابة الحروف بعضها مكان بعض، وغير ذلك مما يدل على سعة هذه اللغة وجمالها وحسن تناسقها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-100> أولًا: أثر قوة الحرف وضعفه في معنى الحرف:</span>\nمثال لذلك:\nقال الله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥].\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].\nفلفظتا: \"الهزُّ\"، و\"الأزُّ\" بينهما فارق، فإحداهما تبدأ ب \"الهاء\"، والثانية تبدأ ب\"الهمزة\"، والهاء حرف رخو، والهمزة حرف شدة،\n_________\n(^١) مستفاد من كتاب أصول الفهم للشيخ مصطفى سلامة.","vol":"1","page":189},{"text":"وعليه لابد وأن تكون معنى \"أز\" أقوى في المعنى من \"هز\".\nوبرهان هذا:\nأولًا: معنى \"تؤزهم\" أي تهيجهم على المعاصي، \"أزًّا\" أى تهييجًا شديدًا، وعليه فالأزُّ قول يسوق إلى فعل، وهو المعاصي.\nثانيًا: معنى \"هُزِّي\" أي حركى أصل النخلة تحريكًا عنيفًا إلى جهتك، وعليه \"فالهز\" فعل يسوق الى فعل، تساقط أى تسقط النخلة عليك رطبًا بحسب الهز.\nثالثا: وحيث إن القول أقوى من الفعل تبين أن \"الأز\" أقوى من \"الهز\".\nمثال آخر:\nلفظتا \"السبيل\"، و\"الطريق\":\nأولًا: ينبغي أن يعرف أن تعريف إحداهما بالأخرى من باب التقريب لا التحقيق.\nثانيًا: السر فى ذلك أن حرف السين غير حرف الطاء، فحرف السين مهموس بمعنى: أن الهواء يجري به، وهو حرف رخو أي أن الصوت يمتد، وهذا يعني أن الصوت مستمر، وهذا يدل على عدم الانقطاع، إذًا فالسبيل فيه سهولة وخيرية لا تنقطع؛ لذلك يقال سبل السلام.","vol":"1","page":190},{"text":"ولكن حرف الطاء حرف قوي، وعليه فالطريق فيه شدة وعسر، ولا يأتى في سياق الخير إلا بوصف أو إضافة غالبًا، ومع الخيرية لا تتخلف عنه الشدة؛ لذلك يقال الطريق المستقيم، وهذا يتناسب مع الصراط المستقيم لما في الصاد والطاء من الشدة لذلك على جانبيه أهوال تريد أن تختطف المار.\nمثال آخر:\nلفظتا \"سكب\"، و\"صبَّ\":\nفهناك فارق في القوة بين حرف السين والصاد:\nفحرف السين سبق بيانه، وحرف الصاد حرف قوي.\nوعليه فالصب أقوى من السكب.\nفالصب يعنى اندفاع الماء بقوة لذلك قال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥ - ٢٦].\nومن لوازمه أن صب الماء يكون من أعلى إلى أسفل كما في الآية السابقة.\nولكن السكب هو جريان الماء على الأرض لذلك يقول تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أى جار على وجه الأرض من غير","vol":"1","page":191},{"text":"حفر.\nمثال آخر:\nلفظتا \"لا\"، و\"لن\":\n\"لا\" حرف نفى، و\"لن\" حرف نفي فما الفارق بينهما؟\n\"لا\" ختمت بالألف وهذا يدل على طول النفي ودوامه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فهنا نفى فعل الإدراك ب \"لا\"، فإنه سبحانه لا يُدرَك أبدًا.\nتنبيه: الآية هنا تنفي الإدراك وهو الإحاطة، ولا تنفي الرؤية.\nأما \"لن\" ختمت بالنون الساكنة، وهذا لا يدل على طول النفي، ولا على دوامه، فالنفي ب\"لن\" يكون لما هو ممكن الحدوث عند المخاطب، ولهذا شواهد كثيرة.\nقال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢].\nفقولهم: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ [المائدة: ٢٤] هنا نفى دخولهم ب\" لن\" إذ من الممكن أن يدخلوا والذي يدلك على ذلك أمران:\nالأول: قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ","vol":"1","page":192},{"text":"عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].\nالثاني: قال تعالى بعدها: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ﴾ [المائدة: ٢٤]، وحتى مع إضافة أبدا إلى السياق، فهي لا تفيد التأبيد المطلق، بل تفيد التأبيد المؤقت.\nوتأمل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥].\nفهنا نفى التمني ب \"لن\"، وب \"أبدًا\"، وهذا مؤقت بحال الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nإذًا يتبين مما سبق أن قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] لا علاقة لها بالآخرة بأي وجه من الوجوه، ولو فرض أن الآية \" لن تراني أبدًا \" لكان المراد حال الدنيا لا الآخرة، وبهذا يبطل كلام الزمخشري بأن \"لن\" تفيد التأبيد.","vol":"1","page":193},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-101> ثانيًا: اختلاف الحركات يؤدي إلى اختلاف المعنى:</span>\nمثال: لفظتا \"كُره\"، و\"كَره\":\nلفظ \"كُره\" بضم الكاف هو الشيء الذي في نفسه مكروه، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].\nأما لفظ: \"كَره\" بفتح الكاف هو كراهة الشيء، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].\nفإسلام الوجه لله ليس مكروهًا في نفسه، لذلك لم يقل كُرهًا، إنما الكاره هو العبد لذلك قال \"كَرهًا\".\nوكذلك اختلاف الحركات (الفتحة، الكسرة، الضمة) له أثر في اختلاف المعنى، فحركة الحرف متى تغيرت أحدثت تغيرًا في المعني.\nمثال: الفعل عَزَّ، ومضارعه: يعَزُّ، يعِزُّ، يعُزُّ.\nفالأول: بمعنى: اشتد، وقوي، وصلب.\nوالثاني: بمعنى امتنع، والامتناع أشد من الصلابة.\nوالثالث: بمعنى غلب، والغلبة أشد من الامتناع.","vol":"1","page":194},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-102> ثالثًا: إنابة الحروف بعضها عن بعض يؤدي إلى تداخل المعاني:</span>\nكثيرًا في الآيات ما تأتي الحروف - أقصد حروف المعاني، وهي من جملة حروف الجر - مكان غيرها من الحروف في المعنى.\nفمثلا قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فهنا جاءت \"في\" مكان \"على \" في المعنى، فبعض أهل العلم يقولون هنا أن \"في\" بمعنى \"على\"، وأن \"في\" جاءت بدل \"على\" فيأخذ البدل معنى المبدل منه.\nوهذا الكلام فيه نظر، وهو غير دقيق لأمور:\nأولًا: لأنهم جعلوا اختلاف المباني لا أثر له في اختلاف المعاني، وهذا قطعا لا وجود له في لغة العرب، سواء في باب الأسماء أو الأفعال أو الحروف، بل حركة الحرف متى تغيرت أحدثت تغيرا في المعنى فكيف إذا تغير الحرف كلية.\nثانيًا: أن القول أن معنى \"في\" بمعنى \"على\" نقض لإجماع الأمة بوجوب العمل بظواهر الألفاظ، ولا عدول عن ذلك إلا بمسوغ، وهو غير موجود.\nثالثًا: أن هذا يفسد المعنى حيث يتم إلغاؤه، بمعنى أن من قال \"في\" بمعنى \"على\" فقد ألغى معنى \"في\" وهي مرادة.","vol":"1","page":195},{"text":"والصواب في ذلك: أنه ينبغي اعتبار الحرفين من جهة المعنى، فيكون المراد مجموع المعنيين بمعنى إضافة معنى لآخر.\nوبهذا يتم الحفاظ على المعنى المستور للحرف المحذوف، والمعنى الملحوظ للحرف المنطوق.\nوبهذا يتبين أن إطلاق لفظ البدل على الحرف المنطوق لا يصح بحال؛ لأن فيه إهمالًا لمعنى الحرف المنطوق.\nمثال:\nقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، جاءت \"من\" هنا التى تفيد الابتداء مكان \"الباء\" التى تفيد التعليل.\nفالنص هنا تضمن معنيين:\nمعنى \"الباء\" وهو أن الذنوب سبب الإغراق، ومعنى \"من\" وهو أنهم أخذوا بكل ذنب اقترفوه سواء كان صغيرًا أو كبيرًا لأن مبدأ الذنوب الصغائر، ثم الكبائر، ثم الكفر.\nمثال آخر:\nقال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤].","vol":"1","page":196},{"text":"أتى ب \"من\" التى تفيد ابتداء الغاية مكان \"عن\" التى تفيد المجاوزة.\nفالنص هنا تضمن معنيين:\nمعنى \"عن\" وهو أن الإطعام كان كافيًا فجاوز الجوع، والأمن كان تامًّا فجاوز الخوف.\nومعنى \"من\" وهو أن الإطعام حصل بمجرد الجوع - أي في ابتدائه-، والأمن حدث في ابتداء الخوف، وفى هذا الابتداء مظهر من مظاهر الرحمة، وغير ذلك.","vol":"1","page":197},{"text":"<span class='title'>الجزء الثاني: الأحكام الشرعية </span>\nويشتمل على أربعة فصول:\n• الفصل الأول: تعريف الأحكام الشرعية.\n• الفصل الثاني: الحاكم.\n• الفصل الثالث: الأحكام التكليفية.\n• الفصل الرابع: الأحكام الوضعية.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>الفصل الأول\nتعريف الأحكام الشرعية</span>\n<span data-type='title' id=toc-105>تعريف الحكم:</span>\nالحكم لغة: القضاء أو المنع.\nفالحكم بمعنى القضاء، مثل قول النبي ﷺ لسعد ﵁: «لقد حكمت فيهم بحكم الله» (^١)، وحكمت بين الناس: أي قضيت بينهم وفصلت.\nويأتي الحكم بمعنى المنع، ومنه الحَكَمة؛ لأنها تمنع صاحبها عن أخلاق الأراذل والفساد، ومنه حكمة اللجام وسميت حكمة؛ لأنها تمنع الفرس من الجري (^٢).\nومنه قول جرير لبنى حنيفة:\nأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم … إني أخاف عليكم أن أغضبا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد مرفوعًا.\n(^٢) المصباح المنير للفيومي (١/ ١٤٥) المكتبة العلمية.","vol":"1","page":201},{"text":"أبني حنيفة إنني إن أهجكم … أدع اليمامة لا تواري أرنبا (^١)\nفأحكموا سفهاءكم: بمعنى امنعوا سفهاءكم.\nأما الحكم في الاصطلاح العام: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه (^٢).\nوهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام (^٣):\nالأول: حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقل النسبة إيجابًا أو سلبًا، نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا، والجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.\nالثاني: حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة، مثل: كون حرارة الجسم دليلًا على المرض، وتعاطي الدواء مزيلًا لها.\nالثالث: حكم شرعي، وهو المقصود هنا: وهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (^٤).\nفائدة: الألفاظ المستعملة في الحدود تعتبر فيها الحيثية، وإن لم يصرح بها (^٥).\n_________\n(^١) الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد الهروي (٢/ ٤٧٧) مكتبة نزار الباز.\n(^٢) مذكرة الشنقيطي (١/ ١٠) مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.\n(^٣) هامش روضة الناظر للزحيلي (١/ ٩٧) دار الريان.\n(^٤) مذكرة الشنقيطي (١/ ٩).\n(^٥) شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي للإيجي (٢/ ١١٠) دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":202},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-106> شرح التعريف:</span>\nخطاب الشارع: هو خطاب الله تعالى المباشر كالوحي بالقرآن والسنة، أو المبني على خطابه المباشر كالإجماع والقياس (^١).\nالمتعلق: أي المرتبط، والمراد به: الذي من شأنه أن يتعلق، من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه.\nوالمقصود: أنه يشترط في خطاب الله تعالى أن يكون مرتبطًا بفعل من أفعال المكلف على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوبًا فعله كالصلاة، والزكاة، ووجوب الغرامات على المتلف، ونحو ذلك، أو كونه مطلوبًا تركه كالزنا والسرقة ونحو ذلك، وأشير بالتعلق إلى أن حاصل الحكم مجرد التعلق من غير أن يكون له تأثيرٌ في ذات الحاكم أو المحكوم عليه أو فيه (^٢).\nبأفعال: الفعل لغة: ما يقابل القول والاعتقاد والنية، ولكنه في العرف يطلق على كل ما صدر عن المكلف، وتتعلق به قدرته من قول، أو فعل، أو نية، أو الفعل الذى بمعنى الترك، فالترك فعل، قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا\n_________\n(^١) تيسير علم أصول الفقه للجديع (١) مؤسسة الرسالة.\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (١/ ١٥٦) دار الكتبي.","vol":"1","page":203},{"text":"يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]، وما صنعوه هو عدم النهى عن قول الإثم وأكل السحت، فترك النهي سماه الله تعالى صنعًا وعملًا فقال سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾، وهو المراد هنا.\nبأفعال المكلفين: أخرج الأحكام العقائدية؛ لأن المعرف إنما هو الحكم الشرعي العملي، وليس المعرف مطلق الحكم الشرعي، وأخرج الخطابات الواردة من الله التي لا تتعلق بفعل المكلف، وهي:\n١ - الخطاب المتعلق بذاته سبحانه، كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨].\n٢ - الخطاب المتعلق بصفته سبحانه، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n٣ - الخطاب المتعلق بفعله سبحانه، كقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].\n٤ - الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧].\n٥ - الخطاب المتعلق بالحيوانات، كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠].","vol":"1","page":204},{"text":"٦ - الخطاب المتعلق بذات المكلفين، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١].\nفهذه خطابات، ولكنها لا تتعلق بفعل المكلف (^١).\n٧ - الخطاب المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٢]، فإنه خطاب من الله متعلق بفعل المكلف من حيث إن الحفظة يعلمونه لا من حيث إنه مكلف به (^٢).\nالمكلفين: جمع مكلف، وهو الإنسان البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة، وإن طرأ عليه عارض بنفي كالإكراه والنسيان، ولفظ المكلفين جمع، والمراد منه المفرد، وهو من إطلاق العام وإرادة الخاص أي المكلف الواحد، ويكثر استعماله في اللغة، مثل قولهم: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، ويخدمه العبيد، أي جنس الخيل والبرود والعبيد، مع أنه يركب فرسًا واحدًا، ويلبس بردًا واحدًا، وقد يخدمه عبد واحد، ويؤكد ذلك القاعدة الأصولية القائلة: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا. مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٣٥) مكتبة العبيكان.\n(^٢) مذكرة الشنقيطي (١/ ١٠).","vol":"1","page":205},{"text":"أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nويدخل في التعريف الأحكام الخاصة بمكلف واحد، مثل خصوصيات الرسول ﷺ، وخصوصية أحد الصحابة كخزيمة وأبي بردة (^١).\nاقتضاءً: الاقتضاء هو الطلب، والطلب قسمان: طلب فعل، وطلب ترك. وكل واحد منهما ينقسم إلى قسمين: جازم، وغير جازم.\nأو تخييرًا: معناه استواء الطرفين، أي: لا يوجد فيه طلب فعل، ولا طلب ترك.\nوضعًا: ما جعله الشارع سببًا لشيءٍ، كدلوك الشمس لوجوب الصلاة، أو شرطًا لشيءٍ، كالوضوء لصحة الصلاة، أو مانعًا من شيءٍ، كالقتل مانعًا من الإرث، أو حكم الشارع بصحة شيءٍ أو فساده أو بطلانه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-107> مسألة: الفرق بين الحكم عند الأصوليين، والحكم عند الفقهاء:</span>\nالحكم عند الأصوليين: هو الخطاب، أي خطاب الشارع. أما الحكم عند الفقهاء: فهو ما اقتضاه خطاب الشارع.\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (٢٩٠).","vol":"1","page":206},{"text":"ففي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، الحكم عند الفقهاء أن الصلاة واجبة، أما الحكم عند الأصوليين هو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فنفس الخطاب هو الحكم عند الأصوليين، أما المترتب على هذا الخطاب هو الحكم عند الفقهاء.\nوالسبب في اختلاف التعريفين: أن علماء الأصول نظروا إليه من ناحية مصدره، وهو الله تعالى، فالحكم صفة له، فقالوا: إن الحكم خطابٌ، والفقهاء نظروا إليه من ناحية متعلقه، وهو فعل المكلف، فقالوا: إن الحكم مدلول الخطاب وأثره (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-108> أنواع الحكم الشرعي:</span>\nوبناء على التعريف المتقدم؛ يتنوع الحكم الشرعي إلى نوعين: حكم تكليفي، وحكم وضعي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-109> النوع الأول: الحكم التكليفي:</span>\nوهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.\n_________\n(^١) هامش مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":207},{"text":"فالأحكام التكليفية خمسة:\n١ - الإيجاب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].\n٢ - الندب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا غير جازم، نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].\nفالأمر بمكاتبة العبد حتى يعتق ليست واجبة، وإنما هي مندوبة حث عليها الإسلام تحقيقًا للحرية التي أرادها الإسلام للجميع، فالمالك حر التصرف فيما يملك، فالأمر هنا على سبيل الندب.\n٣ - التحريم: وهو الخطاب الدال على طلب الكف طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].\n٤ - الكراهة: وهي الخطاب الدال على طلب الكف عن الفعل طلبًا غير جازم، مثل قوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» (^١). فالجلوس بدون صلاة مكروه على قول.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧١٤) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.","vol":"1","page":208},{"text":"٥ - الإباحة: وهي الخطاب الدال على تخيير المكلف بين الفعل والترك (^١)، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوجه هذه القسمة:\nأن خطاب الشرع إما أن يراد به اقتضاء الفعل، أو الترك، أو التخيير بينهما.\nفالذي يرد باقتضاء الفعل أمر، فإن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا، والذي يرد باقتضاء الترك نهي، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة، وإلا فحظر وإن ورد بالتخيير فهو مباحٌ (^٢).\nتنبيه: أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية سبعة: الفرض، والإيجاب، والندب، والإباحة، والحرام، والكراهة التحريمية، والكراهة التنزيهية.\nوسبب تفريقهم بين الفرض والإيجاب؛ أنهم يقسمون طلب الفعل على سبيل الجزم إلى قسمين:\nالأول: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا\n_________\n(^١) هامش روضة الناظر للزحيلي (١/ ١٠١).\n(^٢) روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٩٧)، المستصفى للغزالي (٥٣).","vol":"1","page":209},{"text":"يسمونه فرضًا.\nالثاني: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه الواجب.\nوسبب تفريقهم بين الحرام، والكراهة التحريمية: أنهم يقسمون طلب الترك على سبيل الجزم إلى قسمين:\nالأول: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا يسمونه حرامًا.\nالثاني: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه كراهة تحريم (^١).\nالحكمة من تنوع الأحكام التكليفية:\nلقد تنوعت الأحكام التكليفية لحكم كثيرة، ومنها:\nالحكمة الأولى: رفع الحرج والمشقة عن المكلفين.\nوبيان ذلك: أن الأحكام التكليفية وضعت لمصلحة العباد، فلو قصرت تلك التكاليف على الوجوب والتحريم فقط؛ للزم من ذلك الحرج والتضييق عليهم، فبعض العباد قد لا يستطيع امتثال جميع\n_________\n(^١) المهذب للدكتور عبد الكريم النملة (١/ ١٤٢) مكتبة الرشد.","vol":"1","page":210},{"text":"الأوامر والنواهي، ففتح الله ﷿ باب المباحات، والمندوبات، والمكروهات، تخفيفًا عليهم، وذلك لعلمه سبحانه أن العبد فيه ضعف من فعل الواجبات، وترك المحرمات.\nالحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان من الله تعالى للمكلفين.\nوبيان ذلك: أن امتثال الواجبات، واجتناب المحرمات أقرب إلى النفس الضعيفة التي تخاف العقاب، دون رغبة في زيادة الثواب؛ لكن إذا قوي إيمان العبد، وعرف أن هذه الأحكام التكليفية جميعها إنما شرعت لمصلحته، وهي السبيل لسعادته في الدنيا والآخرة؛ فإنه لا يرضى أن يقف عند حدود الواجب، بل يتعداه إلى فعل المندوبات والفضائل؛ ليتقرب إلى الله تعالى بذلك، كما ورد في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (^١)، وكذلك لا يرضى هذا العبد أن يقتصر على اجتناب المحرمات، بل يتعدى ذلك فيجتنب المكروهات (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) المهذب في أصول الفقه المقارن للدكتور عبد الكريم النملة (١/ ١٤١).","vol":"1","page":211},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-110> النوع الثاني: الحكم الوضعي:</span>\nوهو خطاب الله تعالى الذي اقتضى جعل أمر علامة لحكم تكليفي، وجعله مرتبطًا به بكونه سببًا له، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فالدلوك سبب لإيجاب الصلاة، أو شرطًا له، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فالوضوء شرط لصحة الصلاة، أو مانعًا له كقوله ﷺ: «ليس للقاتل ميراث» (^١)، فالقتل يمنع الإرث، والأبوة تمنع القصاص من الابن، أو صحة أو فسادًا، وهذا يرجع للأسباب والشروط والموانع كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥) من حديث أبي هريرة وسنده ضعيف جدًّا، وله شاهد من حديث علي كما عند الدارمي (٣١٢٥) وسنده ضعيف، وله شاهد من حديث عمر كما عند الدارقطني في العلل (١٤٦) وسنده منقطع، وله شاهد عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما عند ابن أبي شيبة (٣١٣٩٨)، وضعفه الترمذي ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم، ورواه البيهقي في الكبرى (١٢٢٤٣) وضعفه، ثم قال وشواهده تقويه، والله أعلم.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>الفصل الثاني\nالحاكم</span>\nالحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها.\nفالحاكم هو الله ﵎، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من الله تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف في ذلك أحد منهم يؤمن بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن دستورًا، وبالإسلام دينًا.\nفمصدر الأحكام كلها حقيقة هو الله ﷿، سواء أظهر هذا الحكم بالنص الذي أوحى به إلى محمد ﷺ، أم فيما يتوصل إليه المجتهد بالقياس والدلائل والأمارات التي شرعها الله لاستنباط أحكامه، وليست السنة والإجماع والقياس وبقية المصادر إلا مبينة وكاشفة عن حكم الله تعالى، ولا تعتبر حجة ولا دليلًا إلا لثبوت حجيتها من قبل الله تعالى، فهي سبل ومناهج لمعرفة حكم الله الواحد","vol":"1","page":213},{"text":"الأحد (^١).\nفالله هو المشرع للأحكام، وهو الموجب لها باتفاق، ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة \"لا حكم إلا لله\" (^٢)، واتفقوا على تعريف الحكم -كما سبق- بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فالحاكم هو الله تعالى الذي يصدر عنه الخطاب، وترجع إليه الأحكام.\n* واستدل العلماء على ذلك بأدلة كثيرة أهمها:\nقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالآية الكريمة حصرت الحاكمية لله تعالى، واستعمل القرآن الكريم أداة الحصر لتأكيد هذا المعنى.\nقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فالآية الكريمة بينت أن الحكم الواجب على المؤمنين هو ما أنزله الله تعالى، وليس ما تميل إليه الأهواء والنفوس والعقول البشرية.\n_________\n(^١) أصول الفقه لخلاف ص (١٠٨).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٢٨)، حاشية العطار على جمع الجوامع (١/ ٧٨).","vol":"1","page":214},{"text":"٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]، فالآيات الثلاث نددت بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى، واعتبرت ذلك كفرًا أو ظلمًا أو فسوقًا.\n٤ - بين القرآن وجوب الرجوع إلى أحكام الله تعالى في القرآن والسنة عند التنازع وعلق الإيمان عليه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].\n٥ - نفى القرآن الكريم الإيمان عن الناس حتى يحتكموا إلى أحكام الله تعالى، ويرضوا بذلك، وتستسلم نفوسهم لها، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].\nومما سبق يتبين أن الحاكم هو الله في قرآنه، أو ما أمر به كالذي يأتي عن النبي ﷺ في سنته، أو ما يشهد له القرآن والسنة كالإجماع والقياس، وغيرها مما يطلق عليه في الأصول أدلة الأحكام، وهو ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في بابه.","vol":"1","page":215},{"text":"* مسألة التحسين والتقبيح العقليين:\nوالنظر في مسألة التحسين والتقبيح العقليين لبيان هل يصلح التحسين والتقبيح العقلي أن يكون حاكمًا يُحلَّل ويُحرَّم به كما يقول البعض أم لا؟.\nوالكلام في هذه المسألة يمكن ضبطه في النقاط التالية:\n\n*<span data-type='title' id=toc-112> أولًا: المراد بالحسن والقبح:</span>\nيطلق الحسن والقبح بثلاثة اعتبارات (^١):\nالاعتبار الأول: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، فما لاءم الطبع فهو حسن؛ كإنقاذ الغريق، وما نافر الطبع فهو قبيح؛ كاتهام البريء.\nالاعتبار الثاني: بمعنى الكمال والنقص، فالحسن: ما أشعر بالكمال كصفة العلم، والقبيح: ما أشعر بالنقص؛ كصفة الجهل.\nوالحسن والقبح بهذين الاعتبارين: لا خلاف أنهما عقليان، بمعنى أن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.\nوالاعتبار الثالث: بمعنى المدح والثواب، والذم والعقاب.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٤٧)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٤٤)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٠٠، ٣٠١).","vol":"1","page":216},{"text":"والحسن والقبح بهذا الاعتبار: محل نزاع بين الطوائف، وذلك على النحو الآتي:\n\n*<span data-type='title' id=toc-113> ثانيًا: الأقوال في المسألة:</span>\nالقول الأول: إثبات الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل يدرك الحسن والقبح، فهو يحسن ويقبح، وهذا مذهب المعتزلة (^١).\nالقول الثاني: نفي الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل لا يدرك الحسن والقبح، فالعقل لا يحسن ولا يقبح، وهذا مذهب الأشاعرة (^٢).\nالقول الثالث: مذهب أهل السنة، وهم وسط بين الطرفين، وقبل تفصيل مذهبهم في هذه المسألة لا بد من ذكر أصولٍ لهم يحتاج إلى بيانها في هذا المقام، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في النقطة الثالثة:\n\n*<span data-type='title' id=toc-114> ثالثًا: أصول مهمة عند أهل السنة:</span>\nالأصل الأول: أنهم يثبتون الحكمة والتعليل في أفعال الله ﷾ وأحكامه، فجميع الأوامر والنواهي مشتملة على مصالح\n_________\n(^١) المعتمد لأبي الحسين البصري (٢/ ٣١٥).\n(^٢) الإحكام للآمدي (١/ ٧٩)، والمواقف للإيجي (٣٢٣).","vol":"1","page":217},{"text":"العباد (^١).\nقال ابن القيم: كيف والقرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجود الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة.\nفتارة يذكر لام التعليل الصريحة، وتارة يذكر المفعول لأجله، الذي هو المقصود بالفعل، وتارة يذكر \"من أجل\" الصريحة في التعليل، وتارة يذكر أداة \"كي\"، وتارة يذكر \"الفاء\" و\"إن\"، وتارة يذكر أداة \"لعل\" المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارة ينبه على السبب بذكره صريحًا، وتارة يخبر بكمال حكمته وعلمه المقتضي أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين مختلفين، وأنه ينزل الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها (^٢).\nالأصل الثاني: أن أفعال الله سبحانه كلها حسنةٌ جميلة، لا يقبح منها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٤٣٤، ١٧/ ٣٠٠)، وشفاء العليل لابن القيم (١٩٠).\n(^٢) مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٢، ٢٣) بتصرف. وانظر الأمثلة على ما تقدم (ص ١٩٩ - ٢٠١) من هذا الكتاب.","vol":"1","page":218},{"text":"شيء، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧].\nوقال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» (^١)، فأفعال الله إذن مباينة لأفعال المخلوقين تمامًا (^٢).\nالأصل الثالث: أنهم يصفون الله سبحانه بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي ما أثبته الله لنفسه من الصفات، ولا أن تمثل صفاته بصفات المخلوقين، ولا أفعاله سبحانه بأفعال المخلوقين (^٣).\nالأصل الرابع: أنهم لا يوجبون على الله شيئًا إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلا منه وتكرمًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].\nقال ابن تيمية: وأما الإيجاب عليه ﷾ والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٥١، ٣٥٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٢).","vol":"1","page":219},{"text":"يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا (^١).\nالأصل الخامس: أن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله وكتبه (^٢)، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\nوقال ﷺ: «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (^٣).\nالأصل السادس: أن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول -ومن ذلك تحسين الحسن والأمر به، وتقبيح القبيح والنهي عنه- فلا تعارض بين الشرع والعقل، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].\nقال ابن القيم: وأنه [أي الشرع] لم يجئ بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به،\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (٢/ ٧٧٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٥)، وطريق الهجرتين لابن القيم (٤١١ - ٤١٤).\n(^٣) رواه البخاري بهذا اللفظ: (١٣/ ٣٩٩) برقم (٧٤١٦)، ومسلم (١٧/ ٧٨) وانظر (ص ٣٤٢)، وما بعدها من هذا الكتاب فيما يتعلق بهذا الأصل.","vol":"1","page":220},{"text":"فالشرائع جاءت بمحارات (^١) العقول لا محالاتها، وفرق بين ما لا تدرك العقول حسنه، وبين ما تشهد بقبحه، فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني (^٢).\nالأصل السابع: أن العقل لا مدخل له في إثبات الأحكام الشرعية، ولا في تعلق المدح والذم بالأفعال عاجلًا أو تعلق الثواب والعقاب بها آجلًا، وإنما طريق ذلك السمع المجرد (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-115> رابعًا: تفصيل مذهب أهل السنة:</span>\nيمكن إيضاح مذهب أهل السنة في هذه المسألة وأدلتهم عليه في ثلاث نقاط (^٤):\n١ - أن الحسن والقبح صفات ثابتة للأفعال، وهذا الثبوت قد يكون بطريق العقل، وقد يكون بطريق الفطرة، وقد يكون بطريق الشرع، فالعقل والفطرة يحسنان ويقبحان، ولا يمكن أن يأتي الشرع على\n_________\n(^١) في الأصل: \"بمجازات\" وهو محتمل.\n(^٢) مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٥٩).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٤٤). وانظر (ص ٣٥٥)، وما بعدها من هذا الكتاب فيما يتعلق بهذا الأصل.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٩٠، ٤٢٨، ٤٣١)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٧، ١٢، ٤٣، ٥٧، ٥٩).","vol":"1","page":221},{"text":"خلاف ذلك، والشرع أيضًا يحسن ويقبح فكل ما أمر به الشرع فهو حسن، وكل ما نهى عنه فهو قبيح؛ فثبت إذن أن الحسن والقبح قد يعرفان بالعقل، وقد يعرفان بالفطرة، وقد يعرفان بالشرع.\n٢ - أن ما أدرك العقل أو الفطرة حسنه أو قبحه فحكمته معلومة لدينا ولا شك، أما ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقد تغيب حكمته وعلته عن عقولنا القاصرة، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن جميع ما حسنه الشرع أو قبحه له علة وحكمة يعلمها الله - والواجب التسليم لشرع الله - فإن من صفاته العلم والحكمة، وهذا يقتضي أيضًا أنه لا يجوز عليه سبحانه أن يأمر بالظلم وينهى عن العدل، لكمال حكمته سبحانه.\n٣ - أن ما عرف حسنه وقبحه بطريق العقل والفطرة لا يترتب عليه مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب ما لم تأت به الرسل؛ لأن الدليل الشرعي إنما أثبت المدح والذم، والثواب والعقاب على من قامت عليهم الحجة بالرسل والكتب، فالمدح والذم، والثواب والعقاب إنما يترتب على ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقط.","vol":"1","page":222},{"text":"وبهذا التفصيل يتبين لنا أن مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين، وبيان ذلك كالآتي:\n\n*<span data-type='title' id=toc-116> خامسًا: مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين </span>(^١):\nذلك أن المعتزلة الذين أثبتوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما قالوا: إن العقل يحسن ويقبح:\nالمحذور الأول: أنهم مجدوا العقل وجعلوا ما أدركته عقولهم أصلًا قاطعًا، فالحسن ما حسنته عقولهم والقبيح ما قبحته عقولهم، والشرع عندهم إنما هو كاشف عن حكم العقل.\nوالمحذور الثاني: أنهم رتبوا على تحسين العقل وتقبيحه أن أوجبوا على الله فعل الأصلح، وهو الأمر بما حسنته عقولهم والنهي عما قبحته.\nوالمحذور الثالث: أنهم رتبوا على تحسين العقل: المدح والثواب، وعلى تقبيحه: الذم والعقاب، ومعلوم أن المدح والذم والثواب والعقاب مما لا يدرك إلا بالسمع المجرد.\nوالمحذور الرابع: أنهم شبهوا الله ﷾ بخلقه، وذلك أنهم قالوا: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣١)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٧، ٥٧، ٥٩).","vol":"1","page":223},{"text":"المخلوق قبح من الخالق، ومن المعلوم أنه سبحانه لكمال حكمته لا يقبح منه شيء أبدًا، ولا يجوز أيضًا تشبيه الله بخلقه، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nومن جهة أخرى نجد أن الأشاعرة الذين نفوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما صاروا إلى ذلك:\nالمحذور الأول: أنهم خالفوا بداهة العقل والفطرة السليمة، ذلك أنهم قالوا باستواء الأفعال حسنها وقبيحها، فلا فرق عندهم بين الظلم والفواحش وبين العدل والإحسان، بل قالوا: إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك وينهى عن التوحيد، ومعلوم أن الشرع موافق للفطرة والعقل، ولا يمكن أن يستقر في العقول والفطر ما يناقض الشرع، فالعقل يدرك حسن عبادة الله وحده وقبح عبادة ما سواه.\nوالمحذور الثاني: أنهم نفوا عن الله الحكمة والتعليل في أفعاله، إذ قالوا: إن الله يأمر وينهى لا لحكمة، ولا يخلق الله شيئًا لحكمة لكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع، فهم لا يثبتون إلا محض الإرادة، وهذا مما علم بطلانه بأدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ومخالف أيضًا للمعقول الصريح (^١)، فإن الله وصف نفسه بالحكمة في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٤).","vol":"1","page":224},{"text":"غير موضع، ونزه نفسه عن الفحشاء، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ونزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥]، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨].\nوالمحذور الثالث: أنهم جعلوا انتفاء العذاب قبل بعثه الرسل دليلًا على انتفاء التحسين والتقبيح العقليين واستواء الأفعال في أنفسها، ومعلوم أنه لا يلزم من إثبات التحسين والتقبيح العقليين إثبات الثواب والعقاب؛ لأن الثواب والعقاب من الأمور التي لا تثبت إلا بالسمع المجرد.\nأما أهل السنة فقد توسطوا بين الطرفين ولم يرتكبوا شيئًا من المحاذير التي وقع فيها الفريقان، فإنهم: أثبتوا ما أثبته الله لنفسه من الحكمة والتعليل، ونزهوا الله ﷾ عن أن يأمر بالقبائح والنقائص لكمال حكمته وعلمه وعدله، ولذلك لا يمكن أن يجيء الشرع عندهم بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقل عن فهمه وإدراكه، ولذلك أيضًا أثبت أهل السنة تحسين العقل وتقبيحه، لكن لا يترتب عندهم على ذلك مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب؛ لأن ترتيب ذلك مما لا يثبت بالعقل، وإنما يستقل السمع المجرد في إثباته.","vol":"1","page":225},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-117> سادسًا: تنبيهات:</span>\n١ - بني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة: شكر المنعم، هل هو واجب سمعًا أم عقلًا؟\nفمن قال: إن العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب عقلًا، وهؤلاء هم المعتزلة.\nومن نفى كون العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب سمعًا لا عقلًا وهؤلاء هم الأشاعرة.\nأما أهل السنة فعندهم أن شكر المنعم واجب بالسمع والعقل والفطرة (^١).\n٢ - كثر الخلط بين مذهب أهل السنة ومذهب الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وكذلك في مسألة شكر المنعم، بل جعل البعض المذهبين مذهبًا واحدًا، فقال: إن أهل السنة والأشاعرة متفقون على أن العقل لا يحسن ولا يقبح.\nوهذا خلط عظيم (^٢)، سببه: اتفاق الفريقين في بعض الجوانب؛ إذ\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨).\n(^٢) انظر في هذا الخلط على سبيل المثال: مختصر ابن اللحام (٥٥، ٥٦)، والمسودة (٤٧٣). وانظر للاعتذار لهم ما سيأتي في فقرة رقم (٥) من هذه التنبيهات.","vol":"1","page":226},{"text":"الكل متفق على إثبات أن الشرع يحسن ويقبح، ويوجب ويحرم، وأن الثواب والعقاب والمدح والذم لا يعرف بالعقل، وإنما يعرف ذلك بالشرع وحده، وفي حقيقة الأمر نجد أن هناك جوانب أخرى في المسألة اختلفوا فيها، فأهل السنة يثبتون للعقل دورًا في التحسين والتقبيح بينما ينكر الأشاعرة دور العقل تمامًا، وأهل السنة أيضًا يثبتون لله الحكمة والتعليل في أفعاله، بينما ينفي الأشاعرة ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي سبق بيانها في النقاط السابقة.\nوبذلك يتبين تباعد الفريقين وافتراق المذهبين.\n٣ - يمكن إرجاع الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ إذا فسر الحسن بكون الفعل نافعًا للفاعل ملائمًا له، والقبح بكون الفعل ضارًّا للفاعل منافرًا له، أو فسر الحسن بمعنى الكمال، والقبح بمعنى النقص، وذلك بأن يُعطَى هذا المعنى حقه وتُلتَزَم لوازمه.\nإذ الجميع متفق على أن الحسن والقبح بهذين المعنيين عقليان، بمعنى أن العقل يمكنه معرفة ما يلائم الطبع وما ينافره، وما هو صفة كمال أو نقص، إذ يلزم من الملاءمة والمنافرة الكمال والنقص، ولا شك أن المدح والذم مرتب على الحب والبغض المستلزم للكمال","vol":"1","page":227},{"text":"والنقص (^١).\nقال ابن القيم: قال هؤلاء: فيطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة، وهو عقلي، وبمعنى الكمال والنقصان، وهو عقلي، وبمعنى استلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع، وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد المسألة اتفاقية، وأن كون الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثبات تعلق الملاءمة والمنافرة، لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له، ولا معنى للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض، والله سبحانه يحب كل ما أمر به، ويبغض كل ما نهى عنه، فأما المدح والذم فترتبه على النقصان والكمال المتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به أمر عقلي فطري، وإنكاره يزاحم المكابرة (^٢).\n٤ - بني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع.\n٥ - إثبات تحسين العقل وتقبيحه، وأن العقل يحسن ويقبح، أو نفي ذلك يحتاج إلى تفصيل؛ إذ إن ذلك من الألفاظ المجملة التي لا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٩٠)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤٤).\n(^٢) مفتاح دار السعادة بتصرف (٢/ ٤٤).","vol":"1","page":228},{"text":"يجوز إطلاقها دون تقييد أو بيان، والتفصيل في ذلك أن يقال:\nإن أريد بإثبات تحسين العقل وتقبيحه ترتيب الثواب والعقاب عليه فالصواب نفيه، وإن أريد بإثباته أن العقل يدرك حسن الحسن وقبح القبيح من غير ترتيب ثوابٍ ولا عقاب على ذلك فالصواب إثباته.\nولعل هذا التفصيل هو مراد بعض من نفى أو أثبت التحسين والتقبيح العقليين مطلقًا دون تفصيل أو تقييد.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>الفصل الثالث\nالأحكام التكليفية</span>\n*<span data-type='title' id=toc-119> تعريف الأحكام التكليفية:</span>\nالتكليف لغة: هو إلزام ما فيه كلفة أي مشقة (^١).\nومنه قول الخنساء:\nيكلفه القوم ما نابهم … وإن كان أصغرهم مولدًا (^٢)\nواصطلاحًا: إلزام مقتضى خطاب الشرع.\nوالمراد بمقتضى خطاب الشرع الأمر والنهي والإباحة (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-120> هل تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؟</span>\nالجواب:\nأنكر بعض العلماء أن تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؛ إذ إن\n_________\n(^١) التوقيف علي مهمات التعاريف لعبد الرءوف المناوي ص (١٠٧).\n(^٢) مذكرة الشنقيطي (١/ ١١) مكتبة العلوم والحكم.\n(^٣) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":230},{"text":"التكليف والمشقة وإن كان موجودًا، لكنه ليس مقصودًا أصالة بل بالتبع.\nقال تقي الدين ابن تيمية: نفس الإيمان بالله، وعبادته، ومحبته، وإجلاله هو غذاء الإنسان، وقوته، وصلاحه، وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم إن عبادته تكليف ومشقة، وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم، فإنه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]، وقال ﷺ لعائشة: «أجرك على قدر نصبك»، فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعي، وإنما وقع ضمنًا وتبعًا لأسباب.\nولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، أي وإن وقع في الأمر تكليف فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمى جميع الشريعة","vol":"1","page":231},{"text":"تكليفًا، مع أن غالبها قرة العيون، وسرور القلوب، ولذات الأرواح، وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله، والإنابة إليه وذكره، وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدًا قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥] (^١).\nوأجاز البعض: صحة التسمية؛ وذلك من جهة أن التسمية جاءت من قولهم: كَلِفت بالأمر، إذا أحببته، وتكاليف الشرع محبوبة للمؤمن، أو من جهة أن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، ولكنها مشقة معتادة؛ ولذلك قال النبي ﷺ: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (^٢)، وتكون المشقة المنفية هي المشقة الخارجة عن المعتاد المؤدية إلى اختلال الحياة أو المعاش.\nومما يدل على صحة تسمية أوامر الشرع تكليفًا قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فالآية تدل على امتناع التكليف بما خرج عن الوسع والطاقة، وتدل على صحة التكليف بما يدخل تحت الوسع والقدرة بطريق المفهوم (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٥، ٢٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٢٢) من حديث أنس مرفوعا.\n(^٣) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي (١/ ٦٨، ٦٩).","vol":"1","page":232},{"text":"والخلاف في المسألة لفظي، فالمنع إنما يتجه لوصف جميع الأحكام الشرعية بأن فيها مشقة، وأن ذلك شرط لكي يصح نسبتها للشرع.\nوالإثبات إنما يتجه لكون بعض الأحكام الشرعية فيها نوع مشقة، وهي المشقة العادية كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، ورجم الزناة، ونحو ذلك.\nوقد اتفق الفريقان على خروج المشقة العظيمة التي تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كالتي تؤدي إلى هلاك أحد الضرورات الخمس، فنحو هذه المشقات إنما هي مرفوعة عن الأمة، ولم يكلفنا الله بها، بل هي موجبة للرخصة والتخفيف كنحو إباحة التيمم للخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد، ووجوب الفطر، لكن خاف على نفسه التضرر بالصوم، ونحو ذلك مما هو معروف في محله (^١).\n_________\n(^١) الشرح الكبير لمختصر الأصول لمحمود بن محمد المنياوي (١/ ٩٢، ٩٣).","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>الأحكام التكليفية</span>\n*<span data-type='title' id=toc-122> أولًا: الواجب</span>\nتنبيه: الفرق بين الإيجاب، والواجب.\nالإيجاب هو نفس خطاب الشارع، أما الوجوب فهو الأثر المترتب على ذلك الخطاب، والواجب هو وصف لفعل المكلف الذي طلبه الشارع.\nمثال قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا خطاب من الله تعالى بإيجاب الصلاة على المكلف، وأثر هذا الخطاب أو ما ينتج عنه هو وجوب الصلاة على المكلف، وأما إقامة الصلاة فهي الواجب.\n\n*<span data-type='title' id=toc-123> تعريف الواجب:</span>\nالواجب لغة: من وجب بمعنى ثبت أو سقط، يقال: وجب البيع والحق: ثبت ولزم، ووجب الحائط سقط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]: أى سقطت (^١).\n_________\n(^١) المصباح المنير للفيومي (٢/ ٦٤٨)، القاموس المحيط للفيروز آبادي (١/ ١٤١).","vol":"1","page":234},{"text":"حيث إنا نتخيل الحكم أو الشيء الواجب جزمًا سقط، أي: وقع على المكلف من الله تعالى (^١).\nالواجب اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا جازمًا (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-124> شرح التعريف:</span>\n١ - ما: بمعنى الذي، وهي صفة الفعل؛ لأن الإيجاب إذا تعلق بفعل المكلف فيكون الفعل واجبًا، والفعل يشمل الأحكام الخمسة.\n٢ - طلب الشارع فعله: أي القيام به وأداؤه، فيدخل في التعريفات الواجب والمندوب؛ لأن الشارع طلب فعلهما، ويخرج من التعريف المباح؛ لأن الشارع لم يطلب فعله ولا تركه، ويخرج المكروه والمحرم؛ لأن الشارع لم يطلب فعلهما بل طلب تركهما.\n٣ - طلبًا جازما: أي طلبًا لازمًا؛ بحيث لا يسوغ تركه، فيخرج المندوب؛ لأن الشارع طلبه بدون حتم.\n_________\n(^١) المهذب للدكتور عبد الكريم نملة (١/ ١٤٧).\n(^٢) الإبهاج شرح المنهاج للسبكي (٢/ ١٤١).","vol":"1","page":235},{"text":"* تعريفات أخرى للواجب منها:\n١ - تعريفه بالثمرة: هو ما يثاب فاعله امتثالًا، وتاركه متوعد بالعقاب مطلقًا.\nومنه قول صاحب «نظم الورقات»:\nفالواجب المحكوم بالثواب … في فعله والترك بالعقاب\nامتثالًا: أي أن الذي يفعل الواجب يثاب بشرط أن يفعله امتثالًا، فلو ترك أحد الأكل لمرض أو علة من الفجر إلى غروب الشمس لا يعد صائمًا؛ لأنه لم يصم امتثالًا.\nتاركه: تارك الواجب متوعد بالعقاب، فهو متوعد بالعقاب ولا يقال: معاقب. لأن الله تعالى قد يتوب عليه ويغفر له، فالله تعالي لا يخلف وعده بالثواب، لكنه قد يعفو عن من توعده بالعقاب؛ لأن رحمته سبقت غضبه.\nوقوله: \"مطلقًا\" فيه تقديران:\nأحدهما: أن \"مطلقًا\" عائدٌ إلى الترك، والتقدير تركًا مطلقًا، ليدخل الواجب الموسع، والمخير، والكفائي، وبيان ذلك أن:\n- الواجب الموسع: كالصلاة التي يجوز تركها في أول الوقت مع فعلها في أثنائه، فلولا زيادة لفظ مطلقًا لقيل إن الواجب الموسع في أول","vol":"1","page":236},{"text":"الوقت ليس بواجب؛ لأنه لا يذم تاركه.\n- الواجب المخير: مثل وجوب التكفير عن اليمين الحانثة بواحد من ثلاثة: العتق، والإطعام، والكسوة. فكل واحد من هذه الثلاثة بخصوصه يجوز تركه من غير ذم لكن بشرط أن يفعل غيره، فلولا زيادة وصف الترك بالإطلاق لقيل الواجب المخير ليس داخلا.\n- الواجب الكفائي: مثل غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فهذا واجب على عموم المسلمين العالمين بموت ذلك المسلم، ولكن لو تركه بعضهم وفعله آخرون لم يأثم التارك ولم يذم، فلو لم نصف الترك بقولنا مطلقًا، للزم خروج الواجب الكفائي لأن تاركه لا يذم، ولما زدنا هذا الوصف دخل الواجب الكفائي؛ لأن تركه ليس مطلقًا، بل من بعض المكلفين دون بعض (^١).\nوالتقدير الثاني: أن \"مطلقًا\" عائدٌ إلى الذم والتقدير ذمًّا مطلقًا.\nوبيان ذلك أن الذم على الواجب الموسع وعلى المخير وعلى الكفاية من وجهٍ دون وجهٍ، والذم على الواجب المضيق والمحتم والمعين من كل وجهٍ؛ فلذلك قال: مطلقًا. ليشمل ذلك كله بشرطه، ولو لم يذكر ذلك لورد عليه من ترك شيئًا من ذلك.\n_________\n(^١) مختصر التحرير لابن النجار (١/ ٣٤٩) مكتبة العبيكان.","vol":"1","page":237},{"text":"٢ - تعريفه بالضد: الواجب ضد الحرام، ومنه قول صاحب «نظم الورقات»:\nوضابط المكروه عكس ما ندب … كذلك الحرام عكس ما يجب.\nفعرَّف الحرام بأنه عكس الواجب، فعلم بالضرورة منه أن الواجب عكس الحرام.\n٣ - تعريفه بالمثال: الواجب مثل الصلاة، والتعريف بالمثال استخدمه العلماء في هذا العلم وغيره من العلوم، ومنه قول صاحب «المنظومة البيقونية»:\nمعنعنٌ كعن سعيدٍ عن كرم ...............\nفقد عرف المعنعن بالمثال.\n\n*<span data-type='title' id=toc-125> مرادفات الواجب:</span>\nالمرادفات هي أسماء وأوصاف متعددة لذات واحدة.\nومن مرادفات الواجب: الفرض، والأمر، والحتم، والمكتوب، وغير ذلك (^١).\n١ - الفرض: ومنه قوله ﵊: «إن الله فرض عليكم الحج\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٣٥٤)، البحر المحيط للزركشي (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":238},{"text":"فحجوا» (^١).\n٢ - الأمر: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\n٣ - الحتم: ومنه قول علىٍّ ﵁: الوتر ليس بحتم (^٢).\n٤ - المكتوب: ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وغير ذلك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-126> صيغ الوجوب:</span>\nالصيغ الدالة على إفادة الوجوب في نصوص الكتاب والسنة كثيرةٌ، أهمها:\n١ - صيغة الأمر بلفظ الإنشاء، بفعل الأمر «افعل» كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، أو المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩]، أو اسم فعل الأمر كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أو المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٦٥٢)، والترمذي (٤٥٤)، وغيرهما من طريق عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب قوله، وعاصم صدوق حسن الحديث.","vol":"1","page":239},{"text":"تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤].\n٢ - صيغة «أمر» وما يتصرف عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله ﷺ: «وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة» (^١).\n٣ - صيغة «كَتَبَ» و«كُتِبَ»، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» (^٢).\n٤ - صيغة «فرض» وما يتصرف عنها، كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]: أي أوجبنا العمل بها.\nوعن عبد الله بن عباسٍ ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٧١٧٠)، والترمذي (٢٨٦٣)، وأبو يعلى (١٥٧١)، وابن خزيمة (٤٨٣)، وغيرهم من طرق عن زيد بن سلام عن ممطور الحبشي عن الحارث الأشعري مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٥٥) من حديث شداد بن أوس مرفوعًا.","vol":"1","page":240},{"text":"إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قومٍ أهل كتابٍ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلواتٍ في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم» (^١).\n٥ - صيغة الخبر التي فيها تنزيل المطلوب منزلة التام الحاصل تأكيدًا للأمر به، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\n٦ - ما ورد فيه ترتيب المؤاخذة على ترك الامتثال، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقول النبي ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم» (^٢).\n٧ - وصف ترك الامتثال بالمخالفة، كحديث أبي هريرة ﵁ قال: «شر الطعام طعام الوليمة، يُدعَى لها الأغنياء ويُترَك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":241},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].\n٨ - ما رتب على تركه عدم الاعتداد بالعمل، كقوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^١)، وقوله ﷺ: «لا نكاح إلا بوليٍّ» (^٢).\n* مسألة مهمة:\nالفعل النبوي إذا جاء تفسيرًا لواجبٍ مجملٍ، كقوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٣)، وقد صلى بفعله، وقوله ﷺ: «خذوا عني مناسككم» (^٤)، وقد حج بفعله، هل يكون ذلك الفعل واجبًا؟\nالتحقيق الذي عليه أكثر أهل العلم أن البيان بالفعل واقعٌ على ما هو واجبٌ كالركوع والسجود في الصلاة، وعلى ما هو مندوبٌ كرفع اليدين وصف القدمين ووضع اليمنى على اليسرى، فمجرد الفعل النبوي لم يجعل المندوب منها واجبًا، وذلك لو صح فإنه يعني أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (١١٠١)، وأبو داود (٢٠٨٥)، وغيرهما من طرق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعًا، وهذا الحديث قد اختلف فيه على أبي إسحاق في وصله وإرساله، ولكن صحح الرفع عدد من الأئمة منهم ابن المديني والبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي والترمذي.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (٦٧٤) من حديث مالك بن الحويرث مرفوعًا.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر مرفوعًا.","vol":"1","page":242},{"text":"المندوبات في حقه ﷺ انقلبت واجباتٍ بفعله في حق أمته، وهذا معنى لا يتصور، فالتكليف في حقه ﷺ مقطوعٌ بأنه آكدٌ منه في حق أمته.\nفلا يصلح إذًا إطلاق أن فعل النبي ﷺ إذا كان بيانًا لواجبٍ فكل أجزاء ذلك الفعل واجبةٌ على أمته، وإنما يستفاد وجوبها من غير ذات الفعل، وتبقى مشروعية المتابعة للنبي ﷺ واجبةً في الواجب، ومندوبةً في المندوب (^١).\nوقيل: إن الأصل في بيان الواجب بالفعل أنه للوجوب إلا ما خرج للندب بصارف، ووضعوا لذلك قاعدة\" إن الفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير لقول سابق فله حكمه\" (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-127> قواعد الواجب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-128> قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ)</span> (^٣):\nما يتوقف عليه الإتيان بالواجب، وهو مقدمته التي ينبني عليها تحصيله، يرجع إلى ثلاثة أقسامٍ:\n_________\n(^١) تيسير علم أصول الفقه للجديع (١/ ٢٢).\n(^٢) التأسيس في أصول الفقه للشيخ مصظفى سلامة (٣٦).\n(^٣) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٥٧)، الإحكام للآمدي (١/ ١١٠).","vol":"1","page":243},{"text":"الأول: ما لا يدخل تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب صلاة الظهر، فهذه مقدمةٌ لا تتم صلاة الظهر إلا بها لكنها ليست تحت قدرة المكلف.\nفهذا القسم لا يندرج تحت القاعدة المذكورة.\nالثاني: ما يدخل تحت قدرة المكلف لكنه غير مأمورٍ بتحصيله، كبلوغ النصاب لوجوب الزكاة، والاستطاعة لوجوب الحج، فإنه تحت قدرته أن يجمع النصاب، وأن يكتسب ليحقق الاستطاعة للحج، لكن ذلك لا يجب عليه.\nفهذا لا يدخل أيضًا تحت القاعدة المذكورة.\nالثالث: ما يدخل أيضًا تحت قدرة المكلف وهو مأمورٌ بتحصيله، فهذا يجب عليه الإتيان به، وهو المقصود بالقاعدة (^١).\nوالمعنى: أن الواجب قد يتعلق بأمر، ولا يتم فعل هذا الواجب إلا بفعل ذاك الأمر، فيصبح فعل هذا الأمر واجبًا.\nمثال: غسل بعض الشعر من الرأس مع الوجه غير واجب، ولكن لا يتم التأكد من غسل الوجه إلا بغسل بعض الشعر، فيصبح غسل بعض الشعر مع الرأس واجبًا.\n_________\n(^١) مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (١٧)، تيسير علم أصول الفقه للجديع (٢٣).","vol":"1","page":244},{"text":"ومنه لو أن أحدًا لا يستطيع القيام لصلاة الفجر إلا بالنوم مبكرًا أو بضبط المنبه، فالقيام لصلاة الفجر واجب، فإن لم يتم هذا الواجب إلا بتلك الصورة أصبحت هذه الصورة واجبة له أجر القيام بها، ومتوعد بالعقاب إن لم يأت بها فعليه عقاب ترك الواجب.\nومنه في الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فغسل اليد حده إلى المرفق، ولا يتيقن غسل اليد إلى المرفق إلا إذا أدخلت المرفق في الغسل من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وغير ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-129> قاعدة تزاحم الواجبات </span>(^١):\nالتزاحم من حيث هو يأتي على صور ثلاث:\nالأولى: تزاحم حسنة مع حسنة، فيقدم الأعلى من الحسنتين، ومثاله: اجتماع واجب ومستحب، كدين مطلوب في الذمة، ونفقة مستحبة كالصدقة، فالمقدم قضاء الدين؛ لأنه واجب.\nالثانية: اجتماع سيئة وسيئة، كمحرم وآخر أخف منه، أو محظور\n_________\n(^١) المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (١/ ٣٣٩)، الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (٤٧).","vol":"1","page":245},{"text":"ومكروه، ومثاله: ما يقع الإنسان فيه بين شيئين من المحاذير المعروفة، فإنه يرتكب الأدنى ليتقي به الأعلى، ومثل لها بعض فقهاء الشافعية برجل صلى في ثوب لا يستر تمام عورته الواجبة، فإنه حينئذ يلزمه أن يجلس ويصلي جالسًا، فالصلاة جالسًا مع القدرة محظور، فارتكب الأدنى ليتقي الأعلى من المحظورين.\nالثالثة: اجتماع حسنة وسيئة، قال شيخ الإسلام: ينظر في الراجح منهما فيعمل به، فقد تترجح الحسنة على السيئة فتعمل، وهذا كله إذا كان يلزم من فعل الحسنة الوقوع في السيئة، أو يلزم من ترك السيئة ترك الحسنة (^١).\nومثال ذلك: لو أسلمت المرأة في دار الكفر وليس لها محرم، فسفرها بغير محرم سيئة ومحظور، والهجرة واجبة وهي حسنة، فترجح فعل الحسنة على السيئة من البقاء في دار الكفر، فشرع لها الشارع الهجرة.\nومن هنا يتبين أن تلازم الأحكام وتزاحمها يحتاج إلى أمرين لكي يبت في ذلك:\nالأول: معرفة واقع الواقعة.\n_________\n(^١) مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية لصالح آل عمير (١/ ٤٦).","vol":"1","page":246},{"text":"الثاني: العلم بمراتب الحسنات والسيئات ومقاصد الشريعة.\nيقول ابن تيمية ﵀: والشرع دائمًا يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما (^١).\nبعض صور التزاحم:\nمثل: إعادة الكعبة إلى البناء القديم الأصلي حسنة ومصلحة، بل قيل بوجوبه، والحفاظ على جماعة المسلمين وعدم تفريقهم حسنة ومصلحة وهو واجب، فقدم النبي ﷺ المصلحة الأعلى، وهي الحفاظ على جماعة المسلمين، ولم يُعِد الكعبة على قواعد إبراهيم.\nوقال ﷺ لعائشة: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، فبلغت به أساس إبراهيم» (^٢).\nوهناك واجبات عامة في الشريعة تقدم دائمًا، فالحفاظ على جماعة المسلمين وعدم إشاعة الفتنة بينهم وعدم تفريقهم واجب لا يكاد يعادله واجب في الشريعة، فلا تكاد تجد واجبًا يقدم على هذا الواجب.\nومن ذلك فعل النبي ﷺ مع المنافقين، فمع عظيم خطرهم لما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٣/ ١٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٨٦)، ومسلم (١٣٣٣)، من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":247},{"text":"عرض على النبي ﷺ قتلهم أبى، وقال: «حتى لا يقال إن محمدًا يقتل أصحابه» (^١).\nوكذلك من أعظم وأعلى هذه الواجبات في الشريعة هو واجب العمل لله والدعوة إليه، فلو تزاحم مع أي واجب آخر يقدم هو على غيره، وهذا الذى فهمه الغلام في قصة أصحاب الأخدود حين أرسلهم الملك ليقتلوه، فنجا فصار بين واجبين: إما أن ينجو بنفسه ويحافظ عليها من الهلاك، وإما أن يقدم واجب الدعوة إلى الله ويذهب مرة أخرى ليدعو الملك وأتباعه؛ فقدم الواجب الأعلى، وهو الدعوة إلى الله، بل لما رأى أن هذه الدعوة لم تؤت ثمارها، ووجد أنه لا بد أن يضحي بحياته كي ينشر هذا الدين، فقدم واجب نشر الدين على واجب الحفاظ على حياته.\nومن ذلك أيضًا: ما فعله النبي ﷺ مع أبي جندل حينما فر من المشركين، وجاء إلى النبي ﷺ فارًّا بدينه، وكان النبي عاقدًا لصلح الحديبية، فرده النبي ﷺ، وقال أبو جندل: «أُرَد إلى الكفار يفتنونني في ديني» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة مرفوعًا بنحوه، واللفظ المذكور لفظ البيهقي في الكبرى.","vol":"1","page":248},{"text":"ومن المعلوم أن الحفاظ على المسلم من الابتلاء والفتنة أمر واجب، ولكن يوجد واجب أعلى، وهو الحفاظ على مقام النبوة، وعدم نقض العهد؛ لذلك قدم النبي ﷺ هذا الواجب، ورده مع أنه يرد إلى ابتلاء وفتنة.\n• مسألة: الثواب ثوابان:\nثواب العمل: وهو الذي يناله العبد على ما عمل من الأعمال.\nثواب الفضل: وهو الثواب الذى يؤخذ بغير عمل؛ لأنه منع منه مانع.\nوبيان هذه المسألة ليعلم أن ترك الواجب الأدنى لا إثم فيه، بل له فيه الأجر؛ وذلك لأن الثواب ثوابان، فثواب العمل وهو الثواب الذى يأخذه العبد على عمل عمله، وثواب الفضل وهو ثواب يأخذه العبد على عمل لم يعمله فضلًا من الله تعالى، وذلك بشرط أن يمنعه العذر مع كونه صادق النية في إرادته للقيام بهذا العمل، وهذا مفهوم حديث النبي ﷺ: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة» (^١)، فلما وُجِد المانع من الخارج وحال بينه وبين العمل بهذه الحسنة وهو يريد فعلها، بل وهم بها؛ كتبها الله له عنده حسنة كاملة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣٠) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"1","page":249},{"text":"ومنه قول النبي ﷺ: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شركوكم الأجر»، قيل: وهم بالمدينة. فقال النبي ﷺ لهم: «حبسهم العذر» (^١)، فلما حبسهم العذر وكانوا صادقين حقًّا؛ أعطاهم الله تعالى الثواب بفضله، قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢]، فلما حبسهم العذر أخذوا ثواب الفضل، أما السيئة فهي على العكس من ذلك فلكي يترتب على تركها ثواب لا بد أن يكون المانع الذى حال بين العبد وبينها من عند نفسه، كما حدث مع صاحب الغار لما قالت له: «اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه قام عنها وتركها» (^٢)، يعنى كان المانع من عند نفسه وهو تقوى الله تعالى، فكان هذا العمل من أعظم حسناته، وصالح أعماله.\n• الفرق بين التزاحم والتداخل:\nالتزاحم: هو توارد الحقوق وازدحامها على محل واحد (^٣).\nأما التداخل: فهو اجتماع مخصوص، لحكمين شرعيين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٢٣) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٣) المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (١/ ٢٨٤) وزارة الأوقاف الكويتية.","vol":"1","page":250},{"text":"مخصوصين، والاكتفاء بواحد منهما، علي سبيل التخيير غالبًا، مع حصول ثوابهما معًا، أو ثواب واحد منهما (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-130> أوجه الاتفاق والافتراق بين التداخل والتزاحم:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-131> أولًا: أوجه الاتفاق:</span>\nيشترك كل من التداخل والتزاحم في أمور:\nالأمر الأول: أن كلًّا من التداخل والتزاحم إنما يحصلان عند وجود جمع من الأمور، كما لو قام بالإنسان حدث أصغر وأكبر، وكما لو وجبت عليه حدود من جنس واحد، وكما لو أوصى لأكثر من جهة، أو تعدد غرماؤه وماله لا يفي بالجميع، فالملحوظ في هذه المسائل؛ أن كل صورة تشتمل على أكثر من أمر.\nوعلى هذا فلا يتصور وقوع التداخل والتزاحم في حال التفرد وعدم الجمع، بل إن كلًّا من لفظتي التداخل والتزاحم في مدلولهما اللغوي يدلان على حصول التداخل والتزاحم بين أكثر من واحد، كما تقتضيه صيغة تفاعل مما هو مقرر عند أهل اللغة.\nالأمر الثاني: أن كلًّا من التداخل والتزاحم إنما يحصلان إذا كانت الأمور المجتمعة مجتمعة في محل واحد، كالحدود المتماثلة إذا كانت\n_________\n(^١) التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي لخالد الخشلان (ص ٧٨).","vol":"1","page":251},{"text":"على شخص واحد، وكالديون إذا كانت على مفلس، أو الوصايا إذا كانت من شخص واحد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-132> ثانيًا: أوجه الافتراق:</span>\nيفترق كلٌّ من التداخل والتزاحم عن الآخر في بعض الأمور:\nالأمر الأول: في حالة التداخل تندرج الأشياء المتداخلة بعضها في بعض، مثل اندراج الوضوء في الغسل، واندراج تحية المسجد في الفريضة، ونحو ذلك.\nأما في حالة التزاحم فلا تندرج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، بل قد تقع المحاصة بينها، كما لو تزاحم الغرماء في مال المفلس، والدين محيط بجميع المال وزيادة، فإن الغرماء يتحاصون ماله على نسبة ديونهم.\nالأمر الثاني: في حالة التداخل، وبعد اندراج الأمور المتداخلة بعضها في بعض، يكتفي حينئذ بفعل واحد، كما لو زنى عدة مرات فإن الزنيات يندرج بعضها في بعض، فتكون كالزنية الواحدة، ويترتب عليها حينئذ حد واحد.\nأما في حالة التزاحم، فقد لا يكتفى بواحد من هذه الأشياء التي وقع بينها التزاحم كما في تزاحم الغرماء، بل يقسم المال على قدر ديونهم،","vol":"1","page":252},{"text":"وإذا حصل الاكتفاء بواحد في بعض مسائل التزاحم، فقدم بعض الحقوق على بعض، فإنما حصل ذلك التقديم لوجود مرجح من المرجحات التي ذكرها أهل العلم، كالسبق أو القرعة أو القوة، وليس هذا الاكتفاء ناشئًا من اندراج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، وذلك كما لو أوصى إنسان بحج، ولم يكن قد حج حجة الإسلام، وأوصى بصدقة للفقراء ولا يفي ما وراءه بجميع وصاياه، فإنه يقدم الحج على صدقة التطوع، وكما لو قتل شخص جماعة مرتبًا، فإنه يحصل حينئذ تزاحم في الحقوق بين أولياء المقتولين، لكنه يقتل بالأول وللباقين الدية.\nالأمر الثالث: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة جنسًا، كالتداخل بين الحدود والأحداث، ونحو ذلك مما هو متحد جنسًا، وليس هذا الشرط بلازم في التزاحم، فقد يقع التزاحم بين حقوق متحدة جنسًا كتزاحم الغرماء في مال المفلس، وقد يقع التزاحم بين حقوق مختلفة، كالتزاحم بين حقوق الله وحقوق العباد في تركة الميت مثلًا إذا لم تف التركة بالجميع.\nالأمر الرابع: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة في المقصود، كالتداخل بين الطهارتين الصغرى والكبرى، فإنهما متحدتان قصدًا من حيث كون المقصود منها رفع","vol":"1","page":253},{"text":"الحدث، أو استباحة فعل العبادة التي تشترط لها الطهارة، ونحو ذلك.\nأما التزاحم فلا يشترط له اتحاد المقصود من الحقوق المتزاحمة، كما لو حصل التزاحم في تركة الميت بين حقوق مختلفة قصدًا، كالزكاة والكفارات وحقوق الآدميين؛ إذ كل واحد من هذه الحقوق مقصود بنفسه.\nالأمر الخامس: التداخل يقع مع إمكان فعل الأمور المتداخلة جميعًا، وذلك في عامة مسائل التداخل، كالتداخل بين الطهارة الصغرى والكبرى، والتداخل بين الحدود والكفارات، ونحو ذلك.\nوقد يقع التداخل أحيانًا مع تعذر الجمع -بين الأمور المتداخلة- واقعًا، كما لو كرر محصن الزنا، فإن بكل مرة يثبت حد الرجم، فتتداخل الحدود الواجبة عليه حكمًا وضرورة، لعدم إمكان الجمع بينها تطبيقًا وواقعًا.\nأما التزاحم فإنه لا يتصور وقوعه إلا عند تعذر الجمع حقيقة بين الحقوق المتزاحمة؛ إذ لو أمكن الجمع حقيقة بينها لارتفع التزاحم (^١).\n_________\n(^١) التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي لخالد الخشلان (٥٩ - ٦٣).","vol":"1","page":254},{"text":"٣ - قاعدة تزاحم الواجب مع السنة (^١):\nإذا تزاحم الواجب مع السنة في وقت واحد في حق شخص واحد يجب عليه أن يختار الواجب، ولا يجوز له أن يختار السنة، فلو اختارها بقي عليه إثم ترك الواجب.\nيقول ابن تيمية: ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا (^٢) أي المستحبات.\nوسئل ابن تيمية ﵀ عن طلب القرآن أفضل أم العلم؟ فأجاب: العلم الذى يجب على الإنسان عينًا مقدم على حفظ القرآن، فطلب العلم واجب، وحفظ القرآن مستحب، والواجب مقدم على المستحب (^٣).\nومن ذلك: تقبيل الحجر الأسود فهو سنة، وقد يتسبب فعله في فعل محرم كأذية المسلمين، فيكفي في الزحام الإشارة له، فيحصل أجر السنة، وأجر القيام بالواجب، وهو عدم أذية المسلمين.\n_________\n(^١) المنثور في القواعد الفقهية للزركشي (٢/ ٢٦٥)، الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف ص (٥٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٠٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٤).","vol":"1","page":255},{"text":"• قاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه:\nما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه ينقسم إلى الأقسام التالية (^١).\nالأول: ما كان من أجزائه كالزنى، فإن النهي عنه نهيٌ عن أجزائه، وهي الإيلاجات والإخراجات، ولا فرق بين أن يقول: لا تزن، وبين أن يقول: لا تولج ولا تخرج.\nوالثاني: ما كان من شروطه وأسبابه:\nكمقدمات الوطء من المفاخذة، والقبلة، وسائر الدواعي بعد ذلك، ومنه العقد على الأم، فإنه لما كان سبب الوطء، وهو منهيٌّ عنه كان العقد الذي هو سببٌ إليه منهيًّا عنه.\nالثالث: ما كان من ضروراته:\nوهذا القسم هو المعني بقاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب:\nوالمعنى أنه قد يوجد محرم متعلقٌ بمباح - والمحرم تركه\nواجب-، ولا يمكن ترك هذا المحرم إلا بترك هذا المباح فيصبح ترك هذا المباح واجبًا وفعله يكون محرمًا.\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٣٣٩)، مذكرة الشنقيطي (١٨).","vol":"1","page":256},{"text":"مثال: رجل يريد الزواج، ولديه أخت من الرضاعة في قرية لكنه لا يعلمها، فالزواج من نساء هذه القرية مباح، والزواج من أخته محرم، ولكنه لا يستطيع أن يبتعد عن هذا المحرم يقينًا إلا إذا ترك الزواج من نساء هذه القرية كلها فيكون هذا الترك واجبًا فى حقه.\nمسألة: حكم الزيادة على الواجب:\nلها حالتان:\n«الأولى»: أن تكون الزيادة على الواجب متميزة عنه كصلاة النافلة بالنسبة إلى الصلوات الخمس، وهذه الزيادة غير واجبة كما هو واضح.\n«الثانية»: أن تكون الزيادة غير متميزة عن الواجب، كالزائد على قدر الفرض من الطمأنينة في الركوع والسجود، ونحو ذلك.\nفقال قوم: الزيادة هنا واجبة لأن الجميع امتثال للأمر الواجب، ولم يتميز فيه واجب عن غيره، فالكل واجب لأنه امتثال للواجب.\nوالحق: أن الزائد غير واجب، والدليل على ذلك جواز تركه، والاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط من الطمأنينة من غير شرط ولا بدل (^١).\n_________\n(^١) مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص (١٩).","vol":"1","page":257},{"text":"فائدة: ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب.\nبيان ذلك من حيث إن حقيقة الواجب تخالف حقيقة ما ليس بواجب.\nفالآتي بإحدى الحقيقتين مكان الأخرى كمن لم يأت بشيء أصلًا، ولهذا نقول: إن صلاة ركعة الوتر لا تجزئ عن ركعة من صلاة الصبح، وألف دينار صدقةً لا تجزئ عن شاة وجبت عليه، وأمثال هذا، وكل ما جاء على هذا الحساب فقد جاء على الأصل، وما جاء على غير هذا فهو على غير الأصل (^١).\n* تقسيمات الواجب (^٢):\nالواجب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات مختلفة:\n• التقسيم الأول: الواجب باعتبار ذاته -أي بحسب الفعل المكلف به- ينقسم إلى قسمين (^٣):\nالقسم الأول: الواجب المعين.\n_________\n(^١) ترتيب الفروق واختصارها للبقوري (١/ ١٣٣).\n(^٢) روضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٠٥)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للرجراجي (٢/ ٥٧١)، شرح العضد على مختصر المنتهى (٢/ ١٥٢).\n(^٣) مختصر التحرير لابن النجار (١/ ٣٧٩).","vol":"1","page":258},{"text":"القسم الثاني: الواجب المخير.\nالواجب المعين:\nفي اللغة: مأخوذ من التعيين، وهو: التخصيص، فيكون الواجب المخصص.\nوفي الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا بعينه، دون تخيير بينه وبين غيره.\nأي: أنه الذي تعين المطلوب به بشيء واحد لا خيار للمكلف في نوعه، فلا يمكن أن تبرأ ذمته، وهو المطالب به إلا إذا فعله بعينه.\nومن أمثلته: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة، والحج، وأداء الديون، والوفاء بالعهد، أو نذر عتق هذا العبد، ونحو ذلك.\nالواجب المُخيَّر:\nفي اللغة: من التخيير، وهو: التفويض. يقال: خيرته بين الشيئين إذا فوضت إليه الاختيار.\nوهو في الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا لا بعينه، بل خير في فعله بين أفراده المحصورة المعينة.\nأي: أنه الذي لم يتعين المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له","vol":"1","page":259},{"text":"أفراد، وخير المكلف فيه بأن يأتي بما شاء منها.\nمثاله: كفارة اليمين الواردة في قوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩] حيث إن الشرع قد طلب من المكلف أن يكفر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق.\nومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوالمكلف إذا فعل واحدًا من الأفراد المُخيَّر بينها، فإن ذمته تبرأ، فإن تركها جميعًا أثم بذلك، ويسميه بعضهم ب «الواجب المبهم».\n\n•<span data-type='title' id=toc-133> ثالثًا: شروط الواجب المُخيَّر:</span>\nالشرط الأول: أن تكون الأشياء المُخيَّر بينها معلومة للمخاطب، ومحصورة ومعينة حتى يحيط بها المكلف، ويوازن بينها، ويرى ما هو الأصلح، فيختاره ويقوم به.\nالشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المُخيَّر بينها في الرتبة. أي: تكون متساوية في الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فلا يجوز التخيير بين واجب ومندوب، ولا بين واجب ومباح، ونحو ذلك؛ فإن التخيير","vol":"1","page":260},{"text":"بين الوجوب وتركه يرفع الوجوب.\nولهذا لما استدل داود الظاهري على وجوب النكاح بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] رده العلماء؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فيه تخيير بين النكاح وملك اليمين، ومعروف أن ملك اليمين لا يجب إجماعًا.\nالشرط الثالث: أن تكون الأشياء المخير بينها متميزة للمكلف، أي: أن يتميز بعض الأشياء عن بعض، فلا يجوز التخيير بين متساويين من جميع الوجوه لا يتميز أحدها عن الآخر بوصف، كما لو خُيِّر بين أن يصلي أربع ركعات، وأن يصلي أربع ركعات مع تساويهما في جميع الصفات.\nالشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وشيء لا يستطيعه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>مسألة: هل يجوز الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها؟</span>\nالأمور المعينة المحصورة المُخيَّر بينها قد يحرم على المكلف الجمع بينها، وقد يباح الجمع بينها، وقد يندب الجمع بينها.\n_________\n(^١) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (١/ ٣٠٢)، البحر المحيط للزركشي (١/ ٢٦١)، الوجيز للزحيلي (١/ ٣٢٨)، وما بعدها.","vol":"1","page":261},{"text":"فمثال الأول -وهو ما يحرم فيه الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها-: تزويج المرأة من كفأين متساويين معًا، وكذا مبايعة إمامين للأمة.\nومثال الثاني -وهو ما يباح فيه الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها-: ستر العورة بثوب بعد سترها بثوب آخر، فستر العورة واجب، والمكلف مُخيَّر بسترها بأي ثوب شاء متى تعددت عنده الثياب، ويباح له سترها بأكثر من ثوب واحد، فيكون الجمع بين الأثواب في الستر مباحًا.\nومثال الثالث -وهو ما يندب فيه الجمع بين الأمور المخير بينها-: خصال كفارة اليمين، فإننا نعلم أن الخطاب قد تعلق بها على سبيل التخيير بينها، والواجب يسقط بفعل واحد منها، ولكن قد يندب له الجمع بين الإطعام، والكسوة، والعتق زيادة له في الثواب (^١)، ولبعضهم بعض الاعتراضات على ما ذكر من أمثلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>فائدةٌ: معظم العبادات على التخيير:</span>\nمعظم العبادات في الشرع على التخيير، إلا ما شذ وندر. ألا ترى أنه يتوضأ بأي ماءٍ شاء، ويصلي في أي مكان مع أيٍ لبوسٍ شاء، ومن لزمه عتقٌ فهو مُخيَّرٌ من أي الرقاب المجزئة، ومن لزمته الصدقة فهو\n_________\n(^١) المهذب للنملة (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":262},{"text":"مُخيَّرٌ بين أعيان الدراهم (^١).\n• التقسيم الثاني: الواجب باعتبار فاعله، أي: باعتبار المخاطبين به ينقسم إلى قسمين (^٢):\nالقسم الأول: الواجب العيني.\nالقسم الثاني: الواجب الكفائي.\nفالواجب العيني: هو ما يتحتم أداؤه على مكلف بعينه.\nأو هو: ما طلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين.\nوالمعنى: لا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه، ويأثم بالترك، ولا يغني عنه فعل غيره، ولذلك سمي بفرض العين.\nمثل: التوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والوفاء بالعقود، واجتناب الشرك، والخمر، والميسر.\nوالواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين من غير نظر إلى فاعله؛ لأن مقصود الشارع حصول الفعل فقط، فإذا فعله البعض الكافي سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعل\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ٢٦٧).\n(^٢) مذكرة في أصول الفقه (ص ١٥).","vol":"1","page":263},{"text":"نهائيًّا أثم الجميع، لتعلق الطلب بالكل.\nفالطلب هنا منصب على إيجاد الفعل في حد ذاته لا إلى الفاعل.\nومن أمثلته: الجهاد، والقضاء، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد الصناعات والحرف المختلفة، والعلوم التي تحتاج إليها الأمة، وإعداد القوة بأنواعها، ونحو ذلك مما يحقق مصلحة الأمة.\nمسألة: لا خلاف بين الأصوليين في أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين، وعلى أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يستوجب تأثيم الجميع؛ لأنهم فوَّتوا ما قُصِد من الفعل، وكذلك لو قام به عدد أقل ممن يسد بهم الحاجة، فالفاعلون مثابون، وغيرهم آثمون.\nلكنهم مختلفون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين، ويسقط بفعل البعض، أو هو موجه إلى بعض غير معين؟\nفالجمهور على أنه متعلق بجميع المكلفين، بمعنى أن القادر على الفعل عليه أن يقوم بنفسه، وغير القادر يحث غيره على القيام به.","vol":"1","page":264},{"text":"واستدلوا بأدلة منها:\n١ - أن الواجبات الكفائية الواردة في القرآن والسنة جاءت بصيغة العموم كالواجبات العينية، فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة ٢١٦]، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، مع أن الأول كفائي، والثاني عيني.\n٢ - أن الإثم يلحق الجميع إذا تركوا، ولو لم يكونوا مخاطبين به ما أثموا.\nوذهب بعض الأصوليين إلى أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة؛ لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل.\nواستدل القائلون بأنه موجه إلى بعض مبهم بدليلين:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة ١٢٢]. فالخطاب هنا موجه إلى بعض مبهم، وهو متعلق بواجب كفائي.\n٢ - أنه يسقط بفعل بعض المكلفين، ولو خوطب به الجميع لما سقط إلا بفعل الجميع كسائر الواجبات العينية.\nوتظهر ثمرة هذا الخلاف: فيمن علم بشيء من فروض الكفايات، كتغسيل ميت وتكفينه، والصلاة عليه، وشك هل هناك من قام بهذا","vol":"1","page":265},{"text":"الواجب أم لا؟ فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر؛ لأن الأمر متعلق به على سبيل الوجوب المحقق، ولا يسقط بالشك.\nأما على الرأي الثاني فلا يلزمه ذلك؛ لأن الخطاب لم يتوجه إليه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-136> مسألة: فرض الكفاية قد يصبح فرض عين </span>(^٢):\nقد يصير الواجب الكفائي واجبًا عينيًا، إذا انحصر الفعل المطلوب في شخص معين أو فئة معينة، فإنه يصبح فرض عين على كل قادر عليه، إذا لم يحصل بعدد محدد.\n- إذا تعين في حق شخص معين للقيام به، كأن يختار الإمام شخصًا معينًا يصلي مكانه.\n- الشروع في بعض الأعمال كالجهاد.\n- كذلك الفقيه الذى يريد أن يجتهد في المسائل، فيتحول تعلم علم أصول الفقه في حقه من فرض كفاية إلى فرض عين؛ لأنه لن يستطيع أن يجتهد أو أن يستنبط إلا بتعلمه، وهكذا.\n- ومنه إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكرًا، فعليه إنكاره بقدر\n_________\n(^١) هامش روضة الناظر للزحيلي (١/ ١٢٣).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ٣٣٠)، الإعلام للمؤلف ص (٥٨).","vol":"1","page":266},{"text":"استطاعته، ومثله الطبيب في مكان ناء عن المدن، ولم يوجد غيره أصبح إسعاف المريض بالنسبة له فرض عين.\n• لطيفة:\nمن الأمثلة التي تجمع فرض الكفاية مع فرض العين قوله ﵊: «إذا رأيتموه فصوموا» (^١)، ففرض الكفاية في قوله ﵊: «إذا رأيتموه»، وفرض العين في قوله: «فصوموا».\n\n•<span data-type='title' id=toc-137> مسألة: أيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟</span>\nللعلماء في هذه المسألة رأيان:\nالرأي الأول: أن فرض العين أفضل؛ لشدة اعتناء الشرع به، ولذلك طلب فعله من كل مكلف، ولذلك يكره ترك فرض العين لأداء فرض الكفاية، فلا يحسن ترك الطواف المفروض لصلاة الجنازة؛ لأن الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية، وهذا هو رأي الشافعية وغيرهم.\nالرأي الثاني: أن فرض الكفاية أفضل؛ لأن فاعل الكفاية ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، أما فرض العين فإنه يصان به الإثم عن الفاعل فقط، ولا شك أن ما يتعلق بالأمة كلها أهم وأولى مما يتعلق بالبعض، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق الاسفراييني، وإمام الحرمين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر مرفوعًا.","vol":"1","page":267},{"text":"ووالده (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-138> أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي:</span>\n١ - أن الواجب العيني مطلوب من كل واحد من المكلفين بعينه، وأما الواجب الكفائي فلا يطلب من واحد بعينه.\n٢ - أن الواجب العيني مصلحته ترجع إلى فاعله، أما الواجب الكفائي فمصلحته عامة.\n٣ - الواجب العيني: ما تكررت مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس وغيرها، فإن مصلحتها الخضوع لله، وتعظيمه، ومناجاته، والتذلل والمثول بين يديه، وهذه الآداب تكثر كلما كررت الصلاة.\nوأما الواجب الكفائي: قد لا تتكرر مصلحته بتكرره: كإنجاء الغريق، وغسل الميت، ودفنه، ونحوها.\n٤ - الواجب الكفائي ينوب فيه البعض عن الكل، وأما الواجب العيني فلا يكفي فعل بعض المكلفين عن بعضهم الآخر.\n٥ - الأمر في الواجب العيني موجه لجميع المكلفين، أي لكل واحد منهم.\n_________\n(^١) هامش مختصر الروضة (١/ ١٢٤)، التمهيد للإسنوي ص ٧٧).","vol":"1","page":268},{"text":"أما الأمر في الواجب الكفائي اختلف فيه:\nفقيل: إنه موجه للجميع لكن يسقط بفعل البعض.\nوقيل: موجه إلى بعض غير معين.\nوقيل: متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع (^١).\nتنبيه: إن فرض الكفاية لو نظرت له نظرة عامة لوجدته متعلقًا بكل الأمة، فإن القادر يجب عليه أن يقوم به، وغير القادر يجب عليه أن يقيمه.\nقال الشاطبي: لكن قد يصح أن يقال: إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز؛ لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلًا لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرًا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر، وإجباره على القيام بها، فالقادر إذن مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر؛ إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب\n_________\n(^١) الفروق للقرافي (١/ ١٢٧)، أصول الفقه لعياض السلمي (٣٨).","vol":"1","page":269},{"text":"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (^١).\n• التقسيم الثالث: الواجب باعتبار تحديد الشارع للمكلف فيه وعدم تحديده (^٢):\nينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الواجب المحدد.\nالقسم الثاني: الواجب غير المحدد.\nأما الواجب المحدد: فهو مأخوذ من الحد، وهو الفصل والمنع، يقال: حد بين الشيئين أي فصل بينهما.\nالواجب المحدد هو: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا، وقد حدده وقدره بمقدار معين، وفصله عن غيره، كالصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، وكزكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر إذا كان محددًا، وغسل الرجلين واليدين، وزكاة كل مال واجبة فيه الزكاة مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدى بمقدارها في مصرفها، ونحو ذلك.\nوأما الواجب غير المحدد: فهو الذي لم يعين له الشارع مقدارًا\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (١/ ٢٨٤) دار ابن عفان.\n(^٢) علم أصول الفقه لخلاف (١٠٩).","vol":"1","page":270},{"text":"معينًا، بل طلبه بغير تحديد، كالطمأنينة في الركوع والسجود. والإنفاق في سبيل الله، والتعاون على البر، والتصدق على الفقراء إذا وجب بالنذر، وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف، وغير ذلك من الواجبات التي لم يحددها الشارع، لأن المقصود بها سد الحاجة، ومقدار ما تسد به الحاجة يختلف باختلاف الحاجات والمحتاجين والأحوال.\n• التقسيم الرابع: الواجب باعتبار وقته وزمن أدائه ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الواجب المؤقت.\nالقسم الثاني: الواجب غير المؤقت، وهو الواجب المطلق.\nأولًا: الواجب المؤقت: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا في وقت معين، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج.\nفالوقت جزء من الواجب، ولا يلتزم المكلف بالواجب إلا بعد دخول الوقت، ولا يصح أداؤه غالبًا إلا في وقته المحدد له، بدون تقديم ولا تأخير، فإن قدمه عن الوقت فإنه باطل، وإن أخره عن وقته بدون عذر أثم؛ ولذا قال العلماء: الواجب في الصلاة واجبان، وللمؤدي أجران، واجب الأداء وواجب الوقت، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، وكذا الصيام، فمن","vol":"1","page":271},{"text":"صام في رمضان فله أجران: أجر الصيام وأجر فضيلة الشهر المبارك، ومن فعل الواجب في غير وقته؛ فقد قام بأحد الواجبين، وترك الواجب الآخر، وله أجر في الأول، ويستحق الإثم على ترك الثاني.\nثانيًا: الواجب المطلق عن الوقت: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا مطلقًا عن الوقت، مثل الكفارة الواجبة، والنذور المطلقة، فمن حلف يمينًا وحنث، أو نذر، ولم يقيد نذره بوقت، فليس لفعله وقت معين، فإن شاء كفَّر عن يمينه، وأدى نذره فورًا، وإن شاء أخره إلى الوقت الذي يريده، وكذا الحج في العمر عند الشافعية، وقضاء رمضان عند الحنفية.\nويطلق الفقهاء على الواجب المطلق اصطلاح: واجب على التراخي، فيجوز للمكلف أن يفعله في أي وقت شاء، دون أن يترتب عليه إثم في التأخير، ولا يسمى فعله أداء ولا قضاء، والفائدة من هذا التقسيم: أن الأول يثبت في الذمة، فإذا انقضى الوقت ولم يقم المكلف به ثبت في ذمته، وصارت الذمة مشغولة به حتى يقضى، أما الثاني فلا يثبت في الذمة؛ لأنه لم يمض وقته لأنه غير مؤقت.\n* تقسيم الواجب المؤقت:\nينقسم الواجب المؤقت بحسب ارتباطه بالوقت إلى ثلاثة أنواع: واجب مضيق، وواجب موسع، وواجب ذي شبهين.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>أولًا: الواجب المؤقت بوقت مضيق:</span>\nهو الواجب المؤقت الذي يستغرق فعله جميع الوقت المحدد له، والوقت معيار له، فلا يسع واجبًا آخر معه من جنسه، مثل الصيام في شهر رمضان، فالصيام يستغرق جميع الشهر، ولا يستطيع المكلف أن يصوم في شهر رمضان تطوعًا أو نذرًا أو قضاءًا؛ لأن الوقت بقدر الواجب، فلا يزيد عنه، ولا ينقص، ووقته سبب لوجوبه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-140>ثانيًا: الواجب المؤقت بوقت موسع:</span>\nوهو الواجب المؤقت الذي يتسع وقته لأدائه، ولأداء غيره من جنسه، فالوقت أوسع من الواجب، مثل الصلوات الواجبة المؤقتة بأوقات معينة، فإن وقت كل منها يتسع لأداء الفرض، وأداء غيره من الصلوات الأخرى، ويستطيع المكلف أن يصلي في وقت الظهر فرض الظهر، وسننه، ونوافله، وما يرغب من التطوع، وأن يقضي فرضًا آخر عليه.\nواتفق العلماء في الواجب الموسع على أن وقته سبب لوجوبه، فوقت دلوك الشمس سبب لوجوب الظهر، ولا تجب الصلاة قبل دخول وقته؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].","vol":"1","page":273},{"text":"وذهب جمهور الأصوليين إلى أن جميع وقت الظهر وقت لأدائه، والمكلف مخير في الأداء في أي جزء منه، وأن الشرع وسعه على المكلف.\nفائدة: كما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير، كخصال كفارة اليمين إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق؛ كذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة، فإن الصلاة في أول الوقت كالصلاة في وسطه، والصلاة في آخره، ولا فرق بينها في سقوط الفرض وحصول المصلحة (^١).\n• مسألة مهمة\nمتى ينقلب الواجب الموسع إلى واجب مضيق؟\nوذلك إذا غلب على ظن المكلف العجز عن أداء الواجب طوال وقته.\nمثال: شخص ظن الموت بالقصاص أو نحوه بعد فترة من دخول الوقت، وأنه لن يعيش إلى آخر الوقت الموسع، فيصبح الموسع مضيقًا عليه، ويجب أداؤه على الفور.\nومثال ذلك أيصًا: إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد دخول\n_________\n(^١) الجامع لمسائل أصول الفقه للدكتور عبد الكريم النملة (٢٩، ٣٠).","vol":"1","page":274},{"text":"الوقت بفترة تستطيع فيها الصلاة، فيجب عليها الأداء فورًا، وإن أخرت فهي آثمة.\nفإن لم يصل المكلف في مثل هذه الحالة ولم يقتل، أو لم يأت الحيض، ثم أدى الواجب، فاختلف العلماء فيه، فقال أكثرهم: يعتبر فعله أداءً لبيان خطأ ظنه. وقال بعضهم: يعتبر فعله قضاء؛ لأن الوقت صار مضيقًا، فإن أخر فهو قضاء. لكنهم اتفقوا على أنه آثم في التأخير؛ لغلبة الظن بضيق الوقت (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>ثالثًا: الواجب المؤقت ذو الشبهين:</span>\nوهو الواجب الذي لا يسع غيره من جنسه، ولكن لا يستغرق فعله كل الوقت المحدد له، مثل الحج، فإن أشهر الحج تسع فريضة الحج، ولا تسع حجًّا آخر في نفس العام، ولكن أعمال الحج لا تستغرق جميع أشهر الحج، فيمكن أداء أعمال الحج عدة مرات وقت الحج، ولكن لا يحسبها الشارع إلا حجًّا واحدًا، فيمكن الوقوف في عرفة عدة مرات في يوم عرفة، ويمكن للحاج أن يطوف أكثر من مرة، وأن يسعى مرارًا، وأن يرمي الجمار، وغير ذلك من أعمال الحج، فالوقت يسع الواجب\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٣١٢)، المستصفى للغزالي (٥٥)، علم أصول الفقه لخلاف (١٠٥)، الوجيز للزحيلي (١/ ٣١٤)، وما بعدها.","vol":"1","page":275},{"text":"وزيادة من جهة، ولا يسع غيره من جنسه من جهة أخرى، ولذا سمي ذا الشبهين.\nويرى بعض العلماء أن الحج واجب غير مؤقت فهو واجب مطلق، لأنه يجب على المكلف على التراخي طوال العمر، ولكن إذا أراد المكلف أداءه في سنة معينة فهو محدد بأشهر معينة، ومن هنا فالحج واجب ذو شبهين، فهو يشبه الواجب المقيد من جهة، ويشبه الواجب المطلق من جهة أخرى.\n• تنبيهات:\nالتنبيه الأول: للقضاء درجةٌ متوسطةٌ بين الصلاة والحج، وهي قضاء رمضان هو بالنسبة للمعصية كالصلاة، وبالنسبة لعدم الفوات كالحج.\nوقد قال بعض العلماء: لو مات بين الرمضانين لم يعص لكن يطعم عنه. وقال البعض: لا يجب عليه شيءٌ لا الإطعام ولا الصيام؛ لأن القضاء محدودٌ بما بين الرمضانين، فإذا مات في أثنائه لم يلزمه، كما لو مات في أثناء وقت الصلاة بخلاف الحج؛ لأن ابتداءه معلومٌ، ولا حد لانتهائه.","vol":"1","page":276},{"text":"التنبيه الثاني: التوسيع كما يكون في الواجب يكون في السنة، كالأضحية (^١).\nالتنبيه الثالث: من دخل في فرضٍ مُوَسَّعٍ حرم عليه قطعه، والفرض المضيق من باب أولي.\n• التقسيم الخامس: باعتبار الموجب، وهو نوعان:\nالنوع الأول: واجب بالشرع، كالصلاة.\nالنوع الثاني: واجب بالشرط، كالنذر.\n• التقسيم السادس: باعتبار المواظبة، وهو نوعان:\nالنوع الأول: راتب، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج.\nالنوع الثاني: عارض، كصلاة الاستسقاء، والكسوف، والجنازة.\nمسألة: التفريق بين الفرض والواجب:\nالوجوب في اللغة: السقوط. والفرض: التأثير. وإلى معناه يرجع أكثر فروع مادته.\nقال الجوهري: الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: هو الحز الذي يقع فيه الوتر، وإذا ثبت ذلك، فالفرض أخص من السقوط، إذ لا\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":277},{"text":"يلزم مثلًا من سقوط الحجر ونحوه على الأرض أن يحز ويؤثر فيها، ويلزم من حزه وتأثيره في الأرض أن يكون قد سقط، واستقر عليها، وإذا كان كذلك وجب اختصاص الفرض بقوةٍ في الحكم، كما اختص بقوةٍ في اللغة، حملًا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ إذ الأصل عدم التغيير (^١).\nمعاني الفرض:\n١ - التقدير، ومنه قوله ﷾: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]: أي قدَّرتم، وقوله سبحانه: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ [النساء: ١١٨]: أي معلومًا.\n٢ - التأثير، قال الجوهري: الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: الحز الذي يقع به الوتر.\n٣ - الإلزام، ومنه قوله ﷾: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]: أي أوجبنا العمل بها.\n٤ - العطية، يقال: فرضت له كذا وافترضته أي أعطيته، وفرضت له في الديوان (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٢٧٦) مؤسسة الرسالة.\n(^٢) الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٩٧) دار العلم للملايين.","vol":"1","page":278},{"text":"٥ - الإنزال، ومنه قوله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]: أي أنزل عليك القرآن (^١)، قال البغوي: هو قول أكثر المفسرين.\n٦ - الإباحة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]: أي أباح الله له (^٢).\nوقبل مناقشة مسألة التفريق بين الفرض والواجب، لا بد من النظر لبعض المقدمات، وهى:\nالمقدمة الأولى: لا يلزم من الاختلاف في المعنى الاختلاف في المسمى، بل قد يكون الاختلاف في الاسم فقط.\nوالمسمى هو الذات، والاسم هو اللفظ الموضوع على الذات لتمييزها، فلا يلزم من تغير الاسم تغير الذات، فالنبي ﵊ اسمه محمد، واسمه أحمد أيضًا، واسمه الحاشر، وغير ذلك، فكل اسم له معنى، ولكن ليس اختلاف معانى الأسماء يعنى اختلاف الذات والمسمى، فالذات واحدة، وهى ذات النبي محمد ﷺ.\nالمقدمة الثانية: زيادة الرواة الذين ينقلون الخبر تزيد في التصديق،\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٦/ ٢٢٦) دار طيبة.\n(^٢) مختصر التحرير (١/ ٣٥١) مكتبة العبيكان.","vol":"1","page":279},{"text":"لا في الأجر والثواب.\nفلو روى الحديث ثقة لا بد من تصديقه، ولكن لو كانوا اثنين فأكثر فالتصديق سيزداد، وإن كان الأول مُصَدَّقًا، ولكن ليس معنى ذلك أنه كل ما ازداد الرواة ازداد أجر العمل، أو ازداد عقاب العمل، فالأجر والثواب والإثم والعقاب متوقف على ذات العمل وقيمته، وليس متوقفًا على عدد الرواة، فقد يكون العمل عظيمًا ويرويه واحد أو اثنان، وقد يكون العمل قليلًا ويرويه عدد من الرواة، فحديث النية: «إنما الأعمال بالنيات» (^١)، رواه عمر ﵁، وهو حديث آحاد، وهو من الأحاديث التي بني عليها الدين.\nالمقدمة الثالثة: الأحكام بين الصحابة وبين سائر الأمة أحكام واحدة.\nوذلك لأننا أمة واحدة، فلا يصح أن يكون العمل بالنسبة للصحابة فرضًا، وبالنسبة لغيرهم واجبًا على الاختلاف المذكور عند الحنفية؛ حيث قالوا: منكر الفرض كافر، ومنكر الواجب لا يكفر، وفاعل الفرض ثوابه أكبر من ثواب فاعل الواجب، وتارك الفرض وزره وعقابه أكبر من وزر تارك الواجب. هكذا فرق الحنفية بين الفرض\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"1","page":280},{"text":"والواجب في الأحكام المترتبة عليهما، فالصحابة سمعوا الحديث من النبي ﷺ وثبت لديهم هذا الحديث قطعي الثبوت لا ظن فيه، فالحديث في حقهم فرض، فلو نَقَل الحديث لنا واحدٌ أو اثنان مثلًا يكون الحديث في حقنا على مذهب الحنفية واجبًا، وهذا يعنى أن الأحكام بيننا وبين الصحابة ستختلف فيكون العمل في حق الصحابة فرضًا قطعي الثبوت، ويكون نفس العمل في حقنا واجبًا ظني الثبوت.\nمثال: قراءة الفاتحة في الصلاة مثلًا تعتبر فرضًا بالنسبة إلى رسول الله، وإلى الصحابي الذي سمع الحديث منه، فإن تركها بطلت صلاته، بينما تعتبر قراءة الفاتحة واجبًا بالنسبة إلى بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تبطل الصلاة بتركها لثبوتها بخبر الآحاد (^١).\nالمقدمة الرابعة: فهم الصحابة لمسائل الدين هو الفهم الصحيح.\nلأنهم هم الذين عاصروا الوحي، ففهمهم للمسائل هو الفهم الصحيح، وهم لم يفرقوا بين الفرض والواجب، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nالمقدمة الخامسة: كل تقسيم ينبني عليه عمل لا بد عليه من دليل.\nفتقسيم الحنفية وتفريقهم بين الفرض والواجب، هذا أمر ينبني\n_________\n(^١) أصول الفقه للخضري.","vol":"1","page":281},{"text":"عليه عمل؛ إذن لا بد من دليل على هذا التقسيم، ولا دليل، بل إن الدليل يثبت عكس ذلك.\nوالخلاصة أن الحنفية قالوا بالتفريق بينهما واستدلوا بدليلين:\nالأول: من ناحية اللغة.\nالثاني: من ناحية درجة الثبوت.\nالدليل الأول: قالوا الواجب في اللغة: هو الساقط اللازم، أما الفرض هو: الحز أو التأثير.\nوجه استدلالهم: أن الفرض له معنى، والواجب له معنى، فإذا ثبت الفرق في اللغة ثبت الفرق في الشرع.\nوهذا قول غير صواب؛ لأن الشرع هو الحاكم على اللغة لا العكس، فقد يثبت الفرق في اللغة، لكن الشرع يبين أن المعنى واحد شرعًا.\nالدليل الثاني: قالوا الفرض: هو ما ثبت بدليل قطعي، أي في القرآن أو في السنة المتواترة، أما الواجب: هو ما ثبت بدليل ظني، مثل أحاديث الآحاد.","vol":"1","page":282},{"text":"وبالنظر للأدلة الشرعية يتبين أنه لا فرق بينهما، ومن هذه الأدلة:\n١ - الحديث القدسي: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (^١).\nوجه الاستدلال: الانتقال من الفرض إلى النافلة مباشرة، ولو كان هناك شيء بينهما كما قال الحنفية لذكره الله لنا، بل سيكون ذكر الشيء الذى بينهما وهو الواجب على قول الحنفية أولى من ذكر النافلة، وخاصة أنه على تقسيم الحنفية سيكون الواجب أكثر بكثير في الشريعة من الفرض؛ لأن الأحاديث المتواترة قليلة.\n٢ - الحديث النبوي: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال النبي ﷺ: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» (^٢)، فانتقل النبي ﷺ من الفرض إلى النفل بدون ذكر واسطة؛ فدل ذلك على أن الفرض هو الواجب.\nوقال ﷺ: «يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا» فقال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١) من حديث طلحة مرفوعًا.","vol":"1","page":283},{"text":"رجل: يا رسول الله أكل عام؟ فسكت، فقال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» (^١).\nووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ سمى الحج فرضًا، وسماه واجبًا، ولا يمكن أن يجتمعا عند الحنفية؛ لأن الفرض ثبت بدليل قطعي والواجب ثبت بدليل ظني، ولكن لما جمع بينهما النبي في شيء واحد؛ دل ذلك على أنه لا فرق بينهما.\n٣ - فهم الصحابة: فعن ابن محيريز أن رجلًا من بنى كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فقلت: إن أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال عبادة: كذب «أي أخطأ» أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» (^٢)، كتبهن أي فرضهن وهذا المعنى عند الجميع من يفرق ومن لم يفرق، والمعنى: فلو كان الوتر واجبًا لم تكن الفروض خمسة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢٢٧٠٤)، وأبو داود (٤٢٥) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا، وصححه الألباني وغيره.","vol":"1","page":284},{"text":"٤ - بيان نوع الخلاف:\nإن الخلاف في هذه المسألة قد اختلف العلماء فيه على قولين:\nالقول الأول: إن الخلاف معنوي له ثمرة، فقد رتب أصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- على الحكم بفرضية الشيء كفر جاحده، وعدم إمكان جبره، أما الحكم بوجوب الشيء فلا يكفر جاحده، ويمكن جبره، ولذلك قالوا: إن قراءة القرآن في الصلاة فرض، لثبوته بدليل قطعي، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، أما قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبة؛ لثبوت ذلك بالدليل الظني، وهو خبر الواحد الذي رواه عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^١).\nالقول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأنه لا نزاع بين أصحاب المذهبين في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف إلى قطعي وظني، ولا نزاع بينهم أيضًا على تسمية الظني واجبًا، ولكن النزاع حصل في القطعي، فأصحاب المذهب الثاني يسمونه فرضًا، وواجبًا بطريق الترادف.\nوأصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- يسمونه باسم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.","vol":"1","page":285},{"text":"الفرض، وذلك مما لا يضر أصحاب المذهب الثاني، فليسم كل فريق بما شاء وهو مجرد اصطلاح.\nوالراجح: التفصيل، فإن نظر إلى الأمر وأنه حقيقة للوجوب بمعنى الطلب الجازم بقطع النظر عن كون الدليل قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن الخلاف يكون لفظيًّا.\nوإن نظر إلى أحكام كل منهما وما يفيده، فإن الخلاف يكون معنويًّا؛ فإن أصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- قد ذكروا أحكامًا شرعية وفرقوا بينها وبين الأحكام الأخرى، وكان سبب هذا التفريق هو تفريقهم بين الفرض والواجب (^١).\n* المسألة الخامسة: التفاضل بين الواجبات:\nإذا قلنا: إنه لا فرق بين الفرض والواجب، فهل كل الواجبات على درجة واحدة؟\nالتفاضل بين الواجبات أمر حاصل؛ إذ بعض الواجبات آكد من البعض الآخر.\nقال ابن تيمية مقررًا لذلك وممثلًا: وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله، وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به\n_________\n(^١) العدة للقاضي أبي يعلى (٢/ ٣٧٦، ٣٨٤)، المهذب للنملة (١٥٤).","vol":"1","page":286},{"text":"الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين، فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت (^١).\nولا شك أن التفاضل في الواجبات يتضمن تفاضلها في الثواب، ويكون التفاضل أيضًا في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وفي الخبر والإنشاء، فليس الخبر المتضمن للحمد لله، والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أعدائه كفرعون وإبليس (^٢)، وإذا عرف أن بين الأعمال تفاضلًا وتفاوتًا، وأنها على درجات ومراتب؛ كان طلب الأفضل أكمل من طلب المفضول، والطالب إذا كان حكيمًا يكون طلبه للأفضل آكد، ومعلوم أن التفاضل يختلف حسب الأحوال والأشخاص والأوقات.\nقال ابن القيم: فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥١٣، ١٧/ ٦٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٨).","vol":"1","page":287},{"text":"ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق (^١).\nوقد مثل ابن القيم لذلك بأمثلة كثيرة، فمن ذلك قوله: فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلًا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١١١).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٠٩).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>ثانيًا: المندوب</span>\nالندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل، قال الجوهري: ندبه للأمر، فانتدب له، أي: دعاه له، فأجاب (^١).\nومنه قول الشاعر الحماسي:\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانًا (^٢)\nوقال الآمدي: الندب في اللغة، هو الدعاء إلى أمرٍ مهمٍ، وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب، وعليه يحمل عموم كلام غيره (^٣).\nومنه الحديث: «انتدب الله لمن يخرج في سبيله» (^٤): أي أجاب له طلب مغفرة ذنوبه (^٥).\n_________\n(^١) الصحاح للجوهري (١/ ٢٢٣) دار العلم للملايين.\n(^٢) الإحكام للآمدي (١/ ١١٩).\n(^٣) شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٣٥١) ط الرسالة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٦)، ومسلم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٥) مختصر التحرير لابن النجار (١/ ٤٠٢) العبيكان.","vol":"1","page":289},{"text":"اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازمٍ (^١).\nما طلب الشارع فعله: يدخل فيه الواجب والمندوب، وخرج المحرم والمكروه؛ لأنهما طلب الشارع تركهما، والمباح؛ لأنه لا طلب فيه.\nطلبًا غير جازمٍ: خرج الواجب؛ لأنه أمر جازم.\nالتعريف بالثمرة: هو ما يثاب فاعله امتثالًا، وتاركه غير معاقب.\nومنه قول صاحب نظم الورقات:\nوالندب ما في فعله الثواب … ولم يكن في تركه عقاب\nالتعريف بالضد: هو ضد المكروه.\nالتعريف بالمثال: مثل صلاة الضحى، وصلاة الوتر، وأذكار الصباح والمساء، وصوم عرفة، وغير ذلك.\nتنبيه: المندوب قد يكون بأصل وضعه، أو بعد صرفه بدليل.\nالمعنى: أن المندوب قد يكون بأصل وضعه مندوبًا، كصلاة الضحى لم يأت أمر بها إِذَنْ فهي بأصلها مندوبة.\nوقد يكون مندوبًا بعد صرفه بدليل: أي يأتي بلفظ الأمر، ومعلوم أن\n_________\n(^١) الإبهاج شرح المنهاج للسبكي (١/ ٥٢).","vol":"1","page":290},{"text":"الأمر يقتضي الوجوب في أصله، فيأتي دليل ليصرفه إلى الندب، مثل قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم جاء الصارف: أن النبي ﷺ اشترى فرسًا ولم يشهد (^١).\nوجه الاستدلال: أنه ﷺ لما ترك الأمر؛ علمنا أن الأمر الأول لم يكن للوجوب، بل صرف إلى الندب.\nومثل قول النبي ﷺ: «صلوا قبل المغرب، لمن شاء» (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-143> قواعد الصرف:</span>\n١ - الصرف بيان: حيث إنه جاء ليبين حقيقة الأمر الأول، وأنه على الندب وليس على الوجوب، ويجب أن يعلم أنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.\n٢ - الصارف والمصروف كأنهما دليل واحد؛ لأن الشيء لا يستغني عن مبينه.\n٣ - معنى الصرف: أن الأمر لما نزل كان مندوبًا، والذى أعلمنا بذلك هو الصارف نفسه، وليس المعنى أن الأمر كان واجبًا شرعًا، ثم انتقل إلى الندب، فهذا باب النسخ وليس الصرف.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢١٨٨٣)، وأبو داود (٣٦٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٨٣) من حديث عبد الله المزني مرفوعًا.","vol":"1","page":291},{"text":"٤ - الصرف يعمل في الأزمنة المتزاحمة، بخلاف النسخ فإنه يعمل في الأزمنة المتلاحقة.\nتنبيه: إذا لم يعلم التاريخ تعتبر الأزمنة متزاحمة.\n٥ - الأمر يصرف إلى المندوب بالقول والفعل: فالقول مثل حديث سنة المغرب القبلية، والفعل كصرف الأمر بالإشهاد الوارد في الآية بفعل النبي ﷺ، وهو ترك الإشهاد.\n٦ - اللفظ المصروف لا بد أن يحتمل معنى الندب، وإلا لما صح الصرف؛ ولذا اختلفوا في كلمة \"واجب\" هل تصرف أم لا؟\nقال بعضهم: إن لفظ \"واجب\" لا يصرف؛ لأن كلمة \"واجب\" في اللغة لا تأتي بمعنى الندب، فكلمة \"واجب\" عندهم لا يراد بها إلا الوجوب، ولا تستخدم في اللغة أو الشرع بمعنى الندب، وأيد ذلك العلامة أحمد شاكر ﵀ وناقشه في تحقيقه لكتاب «الرسالة» للشافعي.\nوقال بعضهم: إن لفظ \"واجب\" يصرف إلى الندب لاحتمال اللفظ لمعنى الندب لغة ووروده شرعًا.\nملحوظة: اعلم- رحمك الله - أن أصحاب النبي ﷺ ما كانوا يفرقون في فعلهم بين الواجب والمستحب، وفي تركهم بين الحرام","vol":"1","page":292},{"text":"والمكروه، فكانوا مقبلين على الآخرة، وإن كانوا يفرقون من الناحية النظرية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-144> مرادفات المندوب:</span>\nيسمى سنةً، ومستحبًّا، وتطوعًا، وطاعةً، ونفلًا، وقربةً، ومرغبًا فيه، وإحسانًا (^١).\nفائدة:\nسمي المندوب بالمندوب؛ لأن الشرع ندب ودعا إليه، وسمي بالمستحب؛ لأن الشارع يحبه، وسمي بالنفل؛ لأنه زائد على الفرض، ويزيد في الثواب، وسمي بالتطوع؛ لأن فاعله يأتي به تبرعًا، وسمي فضيلة؛ لأن فعله يفضل تركه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-145> الأساليب التي تفيد الندب:</span>\nالأساليب التي تدل على الندب كثيرة، وأهمها:\n١ - التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، ونحوها.\n٢ - الطلب غير الجازم، وذلك بأسلوب الأمر السابق المقترن بقرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وقد تكون القرينة\n_________\n(^١) أصول الفقه لعياض السلمي (١/ ٤٥)، دار التدمرية بالرياض.\n(^٢) مغني المحتاج لمحمد الخطيب الشربيني (١/ ٤٤٩).","vol":"1","page":293},{"text":"قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فلفظ «اكتبوه» أمر يقتضي الوجوب، وصرف من الوجوب إلى الندب بقرينة لاحقة في الآية بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فكتابة الدين مندوبة؛ لأن الدائن إن وثق بمدينه فلا حاجة لكتابة الدين عليه، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فلفظ «كاتبوهم» أمر بمكاتبة العبد ليصبح حرًّا فيما بعد، ولكن هذا الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة: أن المالك له حرية التصرف في ملكه. وأول الآية نصت على ثبوت الملك له: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب.\n٣ - عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كإتيان الرخص، فلم يرتب الشرع عقوبة على ترك الرخصة، مع طلبه لفعلها.\n٤ - مواظبة الرسول ﷺ على الفعل في معظم الأحيان، أوتركه في حالة أو في بعض الأحيان، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو","vol":"1","page":294},{"text":"بعدها.\n٥ - الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم، مثل قوله ﷺ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (^١)، ومثل قوله: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (^٢)، وقوله: «إن الله جميل يحب الجمال» (^٣).\nفهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب، وبيان الفضل، والترغيب في الفعل (^٤).\n_________\n(^١) حسن لشواهده: أخرجه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، وغيرهما من طريق الحسن عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة كما قال النسائي، ورواه ابن ماجه (١٠٩١)، وعبد الرزاق (٥٣١٢)، وغيرهما من طريق يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا، ويزيد ضعيف، ورواه عبد الرزاق (٥٣١٣) من طريق أبي نضرة عن جابر لكن الطريق إليه به رجل مبهم، ولكنه يحسن بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٣)، والترمذي (٢٠٠٦) من حديث مالك بن نضلة مرفوعًا، وأخرجه أحمد (٦٧٠٨)، والترمذي (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه أحمد (١٩٩٣٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٠٣٧) من حديث عمران بن حصين.\n(^٣) أخرجه مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.\n(^٤) مباحث الحكم، مدكور: (٩٣)، الوجيز للزحيلي (١/ ٣٣٦)، وما بعدها.","vol":"1","page":295},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-146> قواعد ومسائل:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-147> أولًا: ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب </span>(^١).\nوالمعنى: أن الفعل المندوب قد يتعلق بفعل مباح، ولا يتم فعل المندوب إلا بفعل هذا المباح، فيصبح هذا المباح مندوبًا.\nومثاله: وضع الطيب مندوب، وشراؤه مباح، فإن لم يتم وضع الطيب إلا بالشراء يصبح شراء الطيب مندوبًا.\nومثل استخدام السواك مندوب، وشراؤه مباح، فإن لم يتم استخدام السواك إلا بالشراء يصبح الشراء مندوبًا.\nومثل ضبط المنبه لقيام الليل يصبح مندوبًا إن لم يقم الليل إلا به، ومعنى أن يصبح المباح مندوبًا أي يؤجر عليه أجر المندوب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-148> ثانيًا: أقسام المندوب:</span>\nالمندوب ينقسم عند البعض إلى ثلاثة أقسامٍ:\nأحدها: ما يعظم أجره، فيسمي سنةً.\nالثاني: ما يقل أجره، فيسمى نافلةً.\nالثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين فيسمى فضيلةً ورغيبةً (^٢).\n_________\n(^١) القواعد الفقهية لنادين العامري (ص ٨٩).\n(^٢) مختصر التحرير (١/ ٤٠٤).","vol":"1","page":296},{"text":"• وينقسم المندوب من جهة الندب إليه إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type='title' id=toc-149>أولًا: السنة المؤكدة:</span>\nوالضابط لهذا القسم: أنه ما واظب عليه النبي ﷺ، ولم يتركه إلا نادرًا ليبين جواز الترك، وأنه ليس واجبًا، ويسمى سنة الهدي، مثل السنن المكتوبة قبل الفرائض أو بعدها، كركعتي الصبح، وسنة الظهر، وسنة المغرب البعدية، وكذلك سنة العشاء، ومثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء عند من قال بسنيتهما.\nوحكم السنن المؤكدة: أن صاحبها يستحق الثواب والأجر من الله تعالى، وأن تاركها لا يعاقب، ولكنه يعاتب ويلام؛ لأن تركها إهمال وإغفال لسنة رسول الله ﷺ، وأن ما يتعلق من هذا القسم بالشعائر الدينية كالأذان والجماعة إذا اتفق أهل بلد على تركه وجب قتالهم لاستهانتهم بالسنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>ثانيًا: السنة غير المؤكدة:</span>\nوالضابط لهذا القسم: أنه ما لم يواظب عليه النبي ﷺ، وإنما كان يفعله النبي ﷺ في بعض الأحيان، ويسمى هذا القسم مستحبًا، كما يسمى نافلة.","vol":"1","page":297},{"text":"مثل الصدقة غير المكتوبة، وصلاة الضحى، وسنة العصر قبل الفرض لمن صحح حديثها، وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع.\nوحكم السنة غير المؤكدة: أن فاعلها يستحق الثواب، وتاركها لا يستحق اللوم والعتاب أو العقاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>ثالثًا: فضيلةٌ وأدبٌ:</span>\nوتسمى كذلك بسنة الزوائد، وسنة العادة، وهي الأفعال النبوية في غير أمر التعبد (^١).\nوالضابط لهذا القسم: أنه يشمل أفعال الرسول عليه الصلاة السلام الجبلية التي يفعلها بحكم صفته البشرية مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية، أو العادية التي يفعلها بحكم العادة، وذلك مثل النوم، والمشي، ولبس البياض من الثياب، والاختضاب بالحناء.\nوحكم هذا القسم: قيل لا يثاب فاعله، بل لا يشرع له المتابعة؛ إذ إن النبي ﷺ لم يفعله بنية التشريع حتى يُتَّبَع فيه، والمشروع التأسي والاتباع فيه هو ما جاء على سبيل التشريع دون غيره.\nوقيل: يثاب فاعله إن نوى بها متابعة رسول الله ﷺ والتأسي به، ولا\n_________\n(^١) كشف الأسرار عن أصول البزدوي للبخاري الحنفي (٢/ ٣٠٨)، تيسير علم أصول الفقه للجديع (٣١)، علم أصول الفقه لخلاف (١٠٧).","vol":"1","page":298},{"text":"شيء على تاركها مطلقًا، فهذا القسم لا يعتبر من الحكم التكليفي إلا بنية متابعة الرسول ﷺ التي تدل على شدة التعلق والاقتداء به عند بعض العلماء.\nوالفرق بين السنة غير المؤكدة والسنة الزائدة: أن الأولى يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، والثانية لا يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، ولا بد من نية الاقتداء والتأسي، وقيل: لا يثاب عليها؛ إذ إنها لم تفعل من النبي بقصد التشريع، بل قد لا يستحب فعلها أصلًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-152> ثالثًا: أهمية المندوب:</span>\n١ - يُذَكِّر بالواجب، مثل: الصيام يذكر الصيام الواجب.\n٢ - يُهَيِّئ للواجب، مثل: السنة القبلية فهي مقدمة للفريضة.\n٣ - جبر للواجب، مثل: السنة البعدية وغيرها «نوافل كل فريضة».\n٤ - حماية من ترك الواجب (^١).\nقال الإمام أحمد ﵀: من ترك المندوب أوشك أن يترك الواجب، وقال: تارك الوتر رجل سوء (^٢).\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (١/ ٢٣٩).\n(^٢) مسائل أحمد رواية ابنه صالح (١٥٩).","vol":"1","page":299},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-153> رابعًا: حكم من ترك المندوب بالكلية:</span>\nبالنسبة للفرد لا إثم عليه، لكنه قد يضره؛ حيث إنه يضره في عدم جبر الفريضة، أو يضره في أنه يوصله لترك الواجب، أو يجعله يقوم بالواجب بخلل، أو قد ينسى الواجب لتجاهل المندوب.\nأما في حق الأمة، فلا تترك الأمة مندوبًا أبدًا، فلو اجتمعت على ترك شيء دل على أنه ليس من الدين؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد قال النبي ﷺ: «لا تجتمع أمتى على ضلالة» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-154> خامسًا: هل المندوب مأمور به؟</span>\nبما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة مهمة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟\nاتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين:\nالقول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة أي مطلوب، وهو رأي الجمهور من الشافعية، والحنابلة، وقول عند المالكية، والمحققين من\n_________\n(^١) أسانيده ضعيفة، وصح عن أبي مسعود موقوفًا: كما عند ابن أبي شيبة (٣٧٨٧٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٥)، والله أعلم.","vol":"1","page":300},{"text":"الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - أن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر الله تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به.\nواعترض على هذا الدليل فقيل: الطاعة تكون في الأمر، وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به.\n٢ - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين: أمر إيجاب، وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به.\nواعترض على هذا الاستدلال أيضًا بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد، وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة.\n٣ - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به.\nالقول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي، والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة؛ لكان تركه معصية،","vol":"1","page":301},{"text":"والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب، ولا يذم -كما سبق في حكمه-، فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط.\nويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه؛ لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، والله تعالى يقضي لعباده ما فيه صلاحهم، ويقضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا.\n٢ - قال رسول الله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (^١)، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول ﵊، ولو أمر به لكان واجبًا.\nواعترض عليه: بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: أن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":302},{"text":"حقيقة.\n٣ - الأمر حقيقة في لفظ افعل، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب.\nواعلم أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا يترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية (^١).\nوالصحيح: أن المندوب مأمور به، كما أن الواجب مأمور به؛ لأن الأمر قسمان: مطلق الأمر، والأمر المطلق.\nفمطلق الأمر ينقسم إلى أقسام: منه المندوب، ومنه الواجب.\nأما الأمر المطلق هو الأمر الأعلى أي الواجب، وعليه فالمندوب مأمور به بالنظر لمطلق الأمر، أما بالنظر للأمر المطلق ليس مأمورًا به.\nقال ابن القيم: إنك إذا قلت الأمر المطلق، فقد أدخلت اللام على الأمر، وهي تفيد العموم والشمول، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق، بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة وغيرهما، فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا شأنها، وأما مطلق الأمر\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٣٣٨ - ٣٤٠).","vol":"1","page":303},{"text":"فالإضافة فيه ليست للعموم، بل للتمييز، فهو قدر مشترك مطلق لا عام، فيصدق بفرد من أفراده، وعلى هذا فمطلق البيع جائز، والبيع المطلق ينقسم إلى جائز وغيره (^١)، والأمر المطلق للوجوب، ومطلق الأمر ينقسم إلى الواجب والمندوب، والماء المطلق طهور، ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره، والملك المطلق هو الذي يثبت للحر، ومطلق الملك يثبت للعبد.\nفإذا قيل: هل يملك العبد أم لا يملك؟ كان الصواب إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق.\nوإذا قيل: هل الفاسق مؤمن أم غير مؤمن؟ فهو على هذا التفصيل، والله تعالى أعلم.\nفبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ وفي مسألة الفاسق هل هو مؤمن أم لا؟ (^٢).\n_________\n(^١) هكذا في بدائع الفوائد، والظاهر العكس بدليل ما بعده، والله أعلم.\n(^٢) بدائع الفوائد لابن القيم (٤/ ١٨)، الإحكام للآمدي (١ - ١١٩)، المستصفى للغزالي (٦٠).","vol":"1","page":304},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-155> سادسًا: حكم الشروع في المندوب:</span>\nسبق في التعريف أن المندوب ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه لا يستحق العقاب، أي: أن المسلم مخير بين الفعل لكسب الثواب، وبين الترك وعدم الأجر، أو أن المكلف إذا أراد الثواب والأجر فعل المندوب، وإلا تركه بدون عقاب، أما إذا شرع بالمندوب، فهل يبقى له الخيار في استكمال الفعل أو تركه، وإن تركه فلا شيء عليه، أم يجبر على الاستمرار؟ وبتعبير آخر، هل يبقى المندوب بعد الشروع به على حاله السابقة قبل الشروع أم ينقلب إلى واجب؟\nاختلف علماء الأصول في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن المندوب يبقى على حاله بعد الشروع فيه، ولا يجب إتمامه، وإن تركه الفاعل فلا إثم عليه، ولا يجب عليه قضاؤه (^١)، وهو مذهب الشافعية.\nالقول الثاني: أن المندوب ينقلب إلى واجب، ويصبح لازمًا بالشروع، وأن المكلف إذا شرع بالمندوب وجب عليه إكماله، لكن يجوز تركه استثناء بلا إثم للنص عليه، وإن تركه وجب عليه قضاؤه، وهو مذهب الحنفية.\nوفصل الإمام مالك وأبو ثور، فقالا: يلزم الإتمام، فإن خرج بلا\n_________\n(^١) شرح التلويح علي التوضيح للتفتازاني (٢/ ٢٥٠)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤٣).","vol":"1","page":305},{"text":"عذر لزمه القضاء، وإن خرج بعذر فلا قضاء (^١)، وهو ما نقله النووي في المجموع.\n• أدلة الفريقين:\nأولًا: استدل الحنفية على رأيهم بالأدلة التالية:\n١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، فالمندوب بعد الشروع به صار عملًا يستحق صاحبه الثواب، فإن تركه فقد أبطل عمله وثوابه، والقرآن الكريم ينهى عن إبطال العمل، فكان إتمامه واجبًا.\n٢ - قياس الشروع في المندوب على النذر بطريق الأولى، وذلك أن النذر التزام قولي، والناذر قبل النذر مخير بين الالتزام وعدمه، وبعد الكلام أصبح النذر واجبًا، وكذا المندوب، فالمكلف قبل الشروع مخير بين الفعل وعدمه، وبعد الشروع ينقلب إلى واجب بالأولى؛ لأن الفعل أقوى من القول.\nويعترض على الاستدلال بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الناذر التزم الوجوب قولًا، وألزم نفسه به لولايته عليها، وأما الشروع فليس بالتزام، بل هو أداء بعض المندوب بنية النفل، وليس بنية الوجوب أو الالتزام به.\n_________\n(^١) المجموع للنووي (٦/ ٣٩٤) دار الفكر بيروت.","vol":"1","page":306},{"text":"٣ - إن الشروع بالمندوب يجعله حقًّا لله، وحقوق الله تعالى يجب صيانتها والحفاظ عليها، وطريق صيانة المندوب هو بإلزام المكلف بالباقي أو بقضائه بعد ذلك احتياطًا في العبادات.\nثانيًا: استدل الشافعية على رأيهم بما يلي:\n١ - إن المندوب يجوز للمكلف أن يتركه في البدء، فكذلك بعد الشروع به يجوز له تركه، والمكلف مخير بين الاستمرار في الفعل وبين تركه، فالمندوب لا يتغير بالشروع، لأن حقيقة الشيء لا تتغير بالشروع، وأن المندوب يبقى بعد الشروع مندوبًا بدليل أنه يتأدى بنية النفل، وأن إتمام المندوب لا يعتبر إسقاطًا لواجب بل هو أداء لنفل.\n٢ - قياس الصلاة والصيام على الصدقة، وذلك أن الانسان إذا أخرج عشرة دراهم للتصدق بها، فتصدق بدرهم فقط، فهو بالخيار في الباقي، ولا يجب عليه التصدق بالعشرة، وكذا الصلاة والصوم نفلًا، إذا شرع بهما المكلف فلا ينقلب الباقي إلى واجب.\n٣ - قال رسول الله ﷺ: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (^١)، وهو نص صريح في حكم المندوب بعد الشروع به، وأن إتمامه عائد إلى المكلف إن شاء استمر، وإن شاء ترك، ولا شيء\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٢٦٨٩٣)، والترمذي (٧٣٢) من حديث أم هانيء مرفوعًا، وفيه جعدة من ولد أم هانيء مجهول، وضعف هذا الحديث البخاري والترمذي وابن عدي والعقيلي، وغيرهم، وحكم عليه النسائي بالاضطراب.","vol":"1","page":307},{"text":"عليه.\nويظهر من الأدلة ترجيح قول الشافعية لقوة استدلالهم، وموافقة قولهم للأصول، ويرد استدلال الحنفية بالآية ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، أنها عامة وتنصرف للأعمال الواجبة جمعًا بين الأدلة، ويتأكد بقاء حكم المندوب على حاله بسبب ورود الحديث، فقد جاء فيه عن أم هانئ ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ: «الصائم المتطوع أمير نفسه»، وفي رواية: «أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (^١).\nوروى أبو داود، والترمذي حديثًا آخر، وفيه: «ثم ناوله أم هانئ، فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرت، وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئًا؟ فقالت: لا، قال: «فلا يضرك إن كان تطوعًا» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) انظر ما قبله.\n(^٢) مضطرب: أخرجه أبو داود (٢٤٥٦) وغيره من حديث أم هانيء، وحدث فيه اختلاف كبير على سماك بن حرب بينه الدارقطني في العلل (٤٠٦٩)، وحكم عليه بالاضطراب، وكذلك النسائي رحمهما الله.\n(^٣) شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٤٠٧) الوجيز للزحيلي (٣٤٣ - ٣٤٦) بتصرف.","vol":"1","page":308},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-158> سابعًا: كل تنوع دخل في الوجوب فهو داخل في المندوب، ومن هنا ينقسم المندوب بعدة اعتبارات منها:</span>\nأقسام المندوب باعتبار الوقت ينقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-156>أولًا: مندوب مضيق، وهو ما لا يسع وقته غيره من جنسه.</span>\nكصيام يوم عرفة، فصيامه لا يمكن أن يأتي بصيام مندوب آخر معه في نفس وقته.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>ثانيًا: مندوب موسع، وهو الذى يسع وقته غيره من جنسه، وهو قسمان:</span>\n١ - مندوب موسع بين وقتين: وهو ما له وقت بداية، وله وقت نهاية، كصيام الست من شوال، أو كقيام الليل، أو السنن البعدية للصلاة.\n٢ - مندوب موسع مطلقًا: وهو له وقت بداية، وليس له وقت نهاية كالعمرة عند من قال بندبها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-159> ثامنًا: أقسام المندوب باعتبار الفاعل ينقسم إلي قسمين:</span>\nفكما ينقسم الواجب إلى عيني وكفائي، فكذلك المندوب ينقسم إلى مندوب عيني ومندوب كفائي.\nالمندوب العيني: وهو الذي إذا فعله البعض لا يزال موجودًا في حق","vol":"1","page":309},{"text":"الباقين، مثل: الوتر، وصيام الأيام الفاضلة.\nالمندوب الكفائي: هو أن يقع الامتثال لأمر الاستحباب بفعل البعض، وينقطع دلالة النص على الاستحباب فيما زاد على ذلك، ولا يبقى مستحبًّا، بل داخلًا في حيز المباح أو غيره، مثل: الأذان، والإقامة، والتسليم، والتشميت، وكذا الأضحية والتسمية عند الأكل -عند بعض العلماء - وكذا ما يفعل بالميت مما يندب إليه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-160> تاسعًا: المندوب خادم الواجب:</span>\nقال الشاطبي: المندوب خادم للواجب؛ لأنه إما مقدمة له، أو تكميلًا له، أو تذكارًا به، سواء كان من جنس الواجب أو لا، فالذي من جنسه كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام والصدقة والحج، والذي من غير جنسه كطهارة الخبث في الجسد والثوب والمُصَلَّى «هذه الأحكام على مذهب الإمام مالك الذي يجعل الطهارة في الصلاة مندوبًا وسنة، وقال الأئمة الثلاثة: ومالك في قول ثان: إنها شرط صحة الصلاة»، والسواك وأخذ الزينة وغير ذلك مع الصلاة، وكتعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وكف اللسان عما لا يعني مع الصيام، فإن كان ذلك فهو لاحق بقسم الواجب بالكل، وقلما يشذ عنه مندوب\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٣٨٨).","vol":"1","page":310},{"text":"يكون مندوبًا بالكل والجزء (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-161> عاشرًا: المندوب واجب بالكل:</span>\nإذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل، كالأذان في المساجد والجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة «عند من قال بسنيتها»، وصلاة العيدين، وصدقة التطوع، والنكاح، والوتر، والعمرة «عند من قال بسنية ما سبق»، وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء، ولو فرض تركها جملة لجُرِح التارك لها، ويستحق أهل المصر القتال إذا تركوا الأذان، وقد توعد الرسول من داوم على ترك الجماعة منهم أن يحرق عليهم بيوتهم، والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع من تكثير النسل، وبقاء النوع الإنساني، وما أشبه ذلك، فالترك لها جملة، مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائمًا، أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له، فلا محظور في الترك (^٢).\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ٢٣٩).\n(^٢) الموافقات بتصرف يسير (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":311},{"text":"• مسألة: الفرق بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب، وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب:\nالمندوب الذي لا يقدم على الواجب هو ما لم تعرض ضرورةٌ لا تندفع إلا بتقديمه عليه، فيقدم الواجب حينئذٍ عليه جريًا على القاعدة الأغلبية من تقديمه عليه؛ لأنه أفضل منه، ففي مسلمٍ وغيره أنه ﷺ قال: «قال الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (^١)، فقد صرح بأن الواجب أفضل من غيره.\nوالمندوب الذي يقدم على الواجب هو ما دعت الضرورة التي لا تندفع إلا بتقديمه على الواجب إلى تقديمه عليه على خلاف القاعدة المذكورة، وله مثلٌ منها: الجمع للمسافر، وكذا للمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت، فهو متعينٌ لرفع الضرر، ومنها الظهر والعصر عند الزوال يوم عرفة فإنه مندوبٌ قدم على واجبين أحدهما تأخير الصلاة لوقتها، وهي العصر ترك لأن الجمع لضرورة الحجاج في ذلك اليوم للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة، وهو يومٌ لا يكاد يحصل في العمر إلا مرةً بعد ضنك الأسفار، وقطع البراري والقفار، وإنفاق الأموال من الأقطار البعيدة والأوطان النائية ناسب أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":312},{"text":"يقدم على مصلحة وقت العصر؛ لأن فوات الزمان هنا للضرورة المذكورة أعظم من فوات الزمان بجمع التقديم بين الصلاتين للمسافر لضرورة السفر؛ لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقةٌ موافقون على النزول في أوقات الصلوات، فهو ضررٌ يمكن التحرز منه من حيث الجملة، بخلاف ضرورة مصالح الحج فإنها أمرٌ لازمٌ للعبد لا خروج له عنها، ولا يمكنه العدول عنها إلى غيرها.\nوثانيها: ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة؛ لأنها وإن كانت أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان كما قال أبو يوسف للإمام مالك لما اجتمع به في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام حجه مع هارون الرشيد، إلا أن مالكًا قال له إن ذلك خلاف السنة، فقال له أبو يوسف: من أين لك ذلك، وأنه خلاف السنة، وقد صلى رسول الله ﷺ بالناس ركعتين قبلهما خطبة، وهذه هي صلاة الجمعة، فقال له مالك: جهر فيهما، أو أسر؟! فسكت أبو يوسف، وظهرت الحجة لمالك -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- بسبب الإسرار؛ لأن الجمعة جهرية، فلما صلى ﵊ ركعتين سرًّا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة (^١).\n_________\n(^١) الفروق للقرافي (٢/ ١٤٧) دار عالم الكتب.","vol":"1","page":313},{"text":"• مسألةٌ: لا يُترَك المندوب إذا صار شعارًا للمبتدعة:\nولا يترك لكونه صار شعارًا للمبتدعة خلافًا لابن أبي هريرة، ولهذا ترك الترجيع في الأذان، والجهر بالبسملة، والتختم في اليمين، وتسطيح القبور محتجًا بأنه ﷺ ترك القيام للجنازة لما أخبر أن اليهود تفعله.\nوأجيب بأن له ذلك؛ لأنه مشرعٌ بخلاف غيره لا يترك سنةً صحت عنه.\nوفصل الغزالي بين السنن المستقلة وبين الهيئات التابعة، فقال: لا يترك القنوت إذا صار شعارًا للمبتدعة بخلاف التسطيح، والتختم في اليمين ونحوهما فإنها هيئاتٌ تابعةٌ، فحصل ثلاثة أوجهٍ، والصحيح: المنع مطلقًا (^١).\n• مسألةٌ: لا يترك المندوب لخوف اعتقاد العامة وجوبه:\nولا يترك المندوب لخوف اعتقاد العامة وجوبه خلافًا لمالكٍ، ووافقه أبو إسحاق المروزي فيما حكاه الدارمي في «الاستذكار» أنه قال: لا أحب أن يداوم الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعةٍ بالجمعة ونحوه؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٣٨٧).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>ثالثًا: المباح</span>\nتعريفه لغة: مشتقٌّ من الإباحة، وهي الإظهار والإعلان، ومنه يقال: باح بسره: إذا أظهره.\nوقد يرد أيضًا بمعنى الإطلاق والإذن، ومنه يقال: أبحته كذا، أي: أطلقته فيه وأذنت له (^١).\nوقيل: من باحة الدار وهي ساحتها، وفيه معنى السعة وانتفاء العائق؛ لأن الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتفٍ فيها (^٢).\nواصطلاحًا: هو ما أذن الله تعالى للمكلفين في فعله وتركه مطلقًا من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته (^٣).\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ١٢٣).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (١/ ٣٨٦).\n(^٣) البحر المحيط (١/ ٣٦٤)، الجامع لمسائل أصول الفقه للنملة (١/ ٤١).","vol":"1","page":315},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-163> شرح التعريف، وبيان محترزاته:</span>\nقولنا: ما للجنس، ويقصد بها الفعل، أو الشيء، ويدخل في ذلك الأحكام التكليفية كلها الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.\nقولنا: أذن الله تعالى أي: صدر هذا من الله وهو الشارع الحكيم.\nقولنا: للمكلفين جمع مكلف، والمكلف هو: البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي.\nوخرج بهذا: الصبي والمجنون، والساهي، والنائم، والبهيمة، فأفعال هؤلاء ليست مباحة؛ لعدم التكليف في حقهم.\nقولنا: في فعله وتركه مطلقًا أي: من غير بدل.\nوخرج بهذا: الواجب الموسع، والواجب المخير؛ حيث إن المكلف مخير بين أن يفعل هذه الخصلة، أو تلك من غير ذم ولا مدح في تركها؛ فالمكلف مخير بين أن يفعل الصلاة في أول وقتها، أو يفعلها في وسط وقتها، أو يفعلها في آخر وقتها، لكن هذا مشروط بأن لا يترك الصلاة في أول وقتها، إلا إذا كان عازمًا على فعلها في وسط أو آخر وقتها.\nوكذلك في الواجب المخير: لا يترك خصلة إلا إذا كان عازمًا على","vol":"1","page":316},{"text":"فعل الخصلة الأخرى، من خصال كفارة اليمين مثلًا.\nفذكرنا في التعريف مطلقًا؛ لإخراج ذلك، أي: أن الترك في المباح يكون مطلقًا غير مشروط.\nقولنا: من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه: أي أن التارك لا يذم، ولا يمدح، والفاعل لا يذم ولا يمدح، فالفعل والترك وهما الطرفان متساويان عند الشارع.\n• وهذا القيد أخرج الأحكام التكليفية الأربعة وهي:\n١ - الواجب؛ لأنه يتعلق بفعله مدح، وبتركه ذم.\n٢ - المندوب؛ لأنه يتعلق بفعله مدح، ولا ذم في تركه.\n٣ - الحرام؛ لأنه يتعلق بتركه مدح، وبفعله ذم.\n٤ - المكروه؛ لأنه يتعلق بتركه مدح، ولا يتعلق بفعله ذم.\nقولنا: لذاته أي: تارك المباح وفاعله لا يذم، ولا يمدح لذات المباح من غير اعتبارات أخرى.\nفخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجبًا، وأخرج المباح الذي يستعين به على واجب (^١).\n_________\n(^١) المهذب للنملة (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"1","page":317},{"text":"التعريف بالثمرة: ما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب لذاته.\nالتعريف بالضد: ليس له ضد؛ لأنه وسط.\nالتعريف بالمثال: كالنوم، والأكل والشرب، والبيع والشراء.\nسبب وضع المباح في الأحكام التكليفية مع أنه ليس فيه طلب:\nقال بعض العلماء: إنه وضع مسامحة، ولتتمة القسمة.\nوقال بعض العلماء: إن هذا الحكم مباح، فيجب اعتقاد أن هذا الأمر مباح، لكن يعترض عليه أنه بهذا الاعتقاد خرج من باب المباح وصار واجبًا.\nوقيل: إنه ليس لذاته، ولكن لتعلقه أحيانًا بأمور خارجية تغير حكمه إلى واجب أو مندوب أو محرم أو مكروه، فليس التكليف في المباح، وإنما فيما يتعلق به.\nوقيل: لأن الحكم بالإباحة متوقف على حكم الشارع.\nوقيل: إن المباح وضع في الأحكام التكليفية؛ لأن المخاطب به هو المكلف، فالفعل لا يسمى مباحًا إلا إذا كان يخاطب به المكلفون، ففعل المجنون لا يسمى مباحًا، كما أن الواجب لا يسمى في حقه واجبًا، وكذلك الحرام لا يسمى في حقه حرامًا، فكذلك المباح لا يسمى في حقه مباحًا؛ لأنه مرفوع عنه التكليف، فحينما يخاطب الله","vol":"1","page":318},{"text":"الناس بالمباح يخاطب المكلف، وهذا القول هو الأقرب، والله أعلم.\nتنبيه:\nالإباحة منصبةٌ على الجزئيات لا على الكليات فالأكل مباح لكن تركه كليةً حرام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-164> الأساليب التي تفيد الإباحة:</span>\n١ - الصيغة الصريحة في الحل، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقوله ﷺ في البحر حين سألوه عنه: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (^١).\n٢ - رفع الحرج أو الإثم أو الجناح أو ما في معنى ذلك، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، وعن أبي المنهال عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) حديث صحيح: أخرجه مالك (٤٥)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وصححه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والألباني، وغيرهم.","vol":"1","page":319},{"text":"مطعمٍ قال: سألت البراء بن عازبٍ وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ، فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف؟ فقال: «إن كان يدًا بيدٍ فلا بأس، وإن كان نساءً فلا يصلح» (^١).\n٣ - صيغة الأمر الواردة بعد الحظر لما كان مباحًا في الأصل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فهذا أمرٌ جاء بعد حظر البيع عند سماع نداء الجمعة وإيجاب السعي إليها، فلما انتهى الغرض من ذلك عاد الأمر إلى الإباحة السابقة بصيغة طلبٍ أريد بها رفع الجناح العارض لأجل الجمعة.\nومنها: صيغة الأمر الواردة لإفادة نسخ الحظر والعودة بحكم الشيء إلى الإباحة كما لو لم يرد الحظر، كقوله ﷺ: «نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا» (^٢)، فهذه أوامر جاءت لإزالة الحظر الذي ورد لسببٍ، وقد كانت الأشياء المذكورة قبل الحظر مباحةً، فعادت بهذا الأمر إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٦٠)، ومسلم (١٥٨٩) من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٧٧) من حديث بريدة مرفوعًا.","vol":"1","page":320},{"text":"ما كانت عليه.\n٤ - استصحاب الإباحة الأصلية، وهذا الذي يقال فيه: «الأصل في الأشياء الإباحة»، فكل شيءٍ مباحٌ ما لم يرد دليلٌ ينقله من تلك الإباحة إلى غيرها من الأحكام التكليفية، فلا يدعى وجوبٌ أو استحبابٌ أو تحريمٌ أو كراهةٌ إلا بدليلٍ ناقلٍ إليها من الإباحة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-165> أقسام المباح:</span>\nينقسم المباح من حيث تعلقه بالنفع والضرر إلى ثلاثة أقسام:\n١ - قسم لا ضرر على المكلف في فعله وتركه، كالأكل والشرب، واللباس، والصيد، وصبغ الثياب، والتنزه في الهواء الطلق، وغير ذلك.\n٢ - وقسم لا ضرر على المكلف في فعله مع فساده وثبوت ضرره وتحريم أصله، وهو ما أباح الشارع فعله من المحرمات للضرورة أو للإكراه، وما أباح الشارع تركه من الواجبات في حالات خاصة، أو لا ضرر على المكلف بتركه مع وجوب أصله، كالإفطار للحامل المرضع والمسافر، وترك القيام في الصلاة للعاجز، وما أباح الشارع فعله بعد تحريمه لسبب طارئ مثل دم المرتد يباح، ولا ضرر على إراقته، وقد كان دمه حرامًا، فلما ارتد زالت حرمة دمه، بل ينقلب إلى وجوب قتله\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٣٦٧)، تيسير علم أصول الفقه (٤٧ - ٤٨).","vol":"1","page":321},{"text":"على الحاكم، وكذلك أخذ جزء من مهر المرأة، فإنه حرام لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، أما إذا استمر الشقاق بين الزوجين فيباح للرجل أن يأخذ من مال زوجته ما تفتدي به نفسها في الخلع كما سبق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n٣ - قسم ثبت فساده وضرره، ولكن الله تعالى عفا عن صاحبه، فصار فعله مباحًا، فلا يذم على تركه، ولا يثاب على فعله، ويعرف عند الفقهاء بمرتبة العفو.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة، كارتكاب المحرمات قبل الإسلام، مثل الزواج من المحارم، والزواج من زوجة الآباء، والجمع بين الأختين، ثم جاء الشرع السماوي فحرم هذه الأفعال، ونص على العفو عنها فيما سبق، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]، وأكد هذا العفو رسول الله ﷺ بقوله: «الإسلام يجب ما قبله» (^١)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١)، وأحمد (١٧٨٢٧) من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا، وهذا لفظ أحمد، ولفظ مسلم \"أن الإسلام يهدم ما قبله\".","vol":"1","page":322},{"text":"ومثله ما كان شائعًا في أول الإسلام ولم يحرم، واستمر المسلمون على فعله، ثم نص الشرع على تحريمه، كالخمر، وتعدد الزوجات فوق الأربع، وبعض بيوع الجاهلية، وغيرها مما حرمته الشريعة، فكانت قبل التحريم مباحة لا يعاقب فاعلها.\nوهذا القسم يعتبر من المباح تبعًا لا أصالة.\nواعتبر بعض الفقهاء هذا القسم مرتبة مستقلة عن الأحكام الخمسة، وأنها مرتبة بين الحلال والحرام؛ لأن المباح هو ما تساوى طرفاه في النفع والضرر، وهذا القسم ثبت ضرره أكثر من نفعه قطعًا لتحريم الشارع له، ولكن الله تعالى عفا عنه، ولم يعذب صاحبه كشارب الخمر مثلًا، واستدل الفقهاء على قولهم بما ورد من النصوص التي تدل على هذه المرتبة المستقلة مثل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، وما ثبت من العفو عن الخطأ والنسيان والاستكراه، وأن رسول الله ﷺ كان يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على البراءة الأصلية، والأمثلة كثيرة على الأمور المعفو عنها، كالرخص أيضًا، والترجيح بين الدليلين عن التعارض وعدم إمكان الجمع، وما سكت الشارع عنه.\nويمكن أن تدخل هذه الأمور تحت حكم المباح الذي لا يؤاخذ","vol":"1","page":323},{"text":"الله ﷾ فاعله، ويعفو عنه، لما ورد فيها من العفو وعدم المؤاخذة، وأن الفاعل لا يثاب ولا يعاقب على الفعل، وإن كان ضرره أكثر من نفعه، ولكن قد تحيط به ظروف وقرائن وحالات تجعل الضرر متساويًا مع النفع، أو تجعل النفع أكثر من الضرر كأكل لحم الميتة في المخمصة، وشرب الخمر عند خوف الهلاك (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-166> مسألة: أنواع الإباحة باعتبار مصدرها:</span>\n١ - إباحة شرعية: وهى الثابتة بدليل شرعي، مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذه الصور غالبًا تكون في باب النسخ أي أن الشرع يحرم شيئًا، ثم بعد ذلك يبيحه ويحله، فليلة الصيام كان الرفث فيها غير مباح، ثم جاء قوله تعالى في الآية السابقة فأحل ليلة الصيام وأباحها بنسخ الحكم الأول.\n٢ - إباحة عقلية: وهى التي كانت مباحة من جهة العقل وبالنظر إلى البراءة الأصلية، مثل الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، والمقام مقام امتنان، والله تعالى لا يمتن إلا بمباح وطاهر.\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٣٨٠ - ٣٨٣).","vol":"1","page":324},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-167> الفرق بين الإباحة العقلية والشرعية:</span>\nالإباحة العقيلة تباح من قبل العقل، أو من جهة البراءة الأصلية؛ حيث إن الأصل براءة الذمة، فهذه هي البراءة الأصلية، وهي الإباحة العقلية.\nومنه ما كان يعمل به الناس قبل نزول الشرع، ففي الربا مثلًا قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهم كانوا يتعاملون بالربا واكتسبوا أموالًا من الربا، لكن قبل ورود التحريم كان حلالًا من جهة العقل والبراءة الأصلية؛ لذلك عفا الله عنهم.\nوقال تعالى أيضًا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، فالذي جمع بين الأختين فعل شيئًا مباحًا عقلًا قبل ورود الشرع، وقبل العلم بالتحريم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-168> ثمرة التفريق بين الإباحة العقلية والشرعية:</span>\nأن رفع الإباحة الشرعية يسمي نسخا، مثل قوله تعالي ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nكرفع إباحة الفطر في نهار رمضان لمن لزمه الصيام، وجعل الإطعام","vol":"1","page":325},{"text":"بدلًا عنه هذه إباحة شرعية.\nوقد دل قوله تعالي «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» على نسخ هذ الإباحة وإيجاب الصيام على من شهد الشهر.\nأما رفع الإباحة العقلية فلا يسمى نسخًا: مثل تحريم الربا، والخمر، والجمع بين الأختين (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-169> المباح من حيث الجزء والكل:</span>\nوقد قسم الشاطبي المباح بحسب الكلية والجزئية إلى أربعة أقسام، وهي:\nأولًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل من جهة الوجوب، كالتمتع بالطيبات من المأكل والمشرب والمركب والملبس، فإن هذه الأمور مباحة بالجزء، ويكون المكلف بالخيار في فعلها أو تركها في بعض الأوقات أو الأحوال، أو إذا قام بها غيره من الناس، أما من حيث الجملة، فإن الأكل والشرب يجب فعلهما، وإن ترك المكلف الأكل والشرب بشكل كلي حتى أصابه الهلاك والموت أو المرض فهو آثم، ويكون تركه حرامًا، فيجب عليه الأكل والشرب، ومثله البيع والشراء، ووطء الزوجات، وممارسة وسائل الاكتساب.\n_________\n(^١) مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص (٢١).","vol":"1","page":326},{"text":"ثانيًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل على جهة الندب، كالتمتع بالأكل والشرب بما فوق الحاجة، فهذه الأشياء مباحة بالجزء، ويخير المكلف بين فعلها وتركها في بعض الأحوال أو الأزمان، لكنها مندوبة بالكل بحيث لو تركها المكلف لكان تركه مكروهًا لمخالفة طلب الشارع لها طلبًا غير جازم، مثل قوله ﷺ: «إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» (^١)، وقوله ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» (^٢)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].\nثالثًا: المباح بالجزء المحرم بالكل، كالمباحات التي تقدح المداومة عليها في العدالة، كالتمتع باللذائذ، والمجازفة في الكلام، واعتياد الحلف، وشتم الأولاد، فإنها مباحة في الأصل، ولكن الإكثار منها والاعتياد عليها يصبح حرامًا، ومثله الأكل فوق الشبع مما يؤدي إلى التخمة والمرض.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٤٠٦٣)، والترمذي (٢٠٠٦) من حديث مالك ابن نضلة مرفوعًا، وأخرجه أحمد (٦٧٠٨)، والترمذي (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه أحمد (١٩٩٣٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٠٣٧) من حديث عمران بن حصين.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.","vol":"1","page":327},{"text":"رابعًا: المباح بالجزء المكروه بالكل، كالتنزه في البساتين، وسماع تغريد الحمام واللعب به، فإنها مباحة بالجزء في أصلها إذا فعلها المكلف مرة أو مرتين في يوم ما، ولكن الاستمرار عليها، وقضاء الأوقات فيها، وجعلها عادة للمرء يترتب عليها بعض الضرر بمخالفة محاسن العادات، فتصبح مكروهة (^١).\nقال الشاطبي: إن المباح بحسب الكلية والجزئية يتجاذبها الأحكام البواقي، فالمباح يكون مباحًا بالجزء مطلوبًا بالكل على جهة الندب أو الوجوب، ومباحًا بالجزء منهيًّا عنه بالكل على جهة الكراهة أو المنع (^٢).\n• مسألة: ما هو الجائز؟\nالجائز لغةً: العابر.\nواصطلاحًا: يطلق على ما لا يمتنع شرعًا، فيعم غير الحرام، مباحًا كان أو واجبًا، أو مندوبًا أو مكروهًا.\nويطلق الجائز أيضًا على ما استوى فيه الأمران شرعًا كمباحٍ، وعلى ما استوى فيه الأمران عقلًا، كفعل صغيرٍ، ويطلق الجائز أيضًا على\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ١٠٠).\n(^٢) الموافقات (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":328},{"text":"مشكوكٍ فيه فيهما أي في الشرع والعقل بالاعتبارين (^١).\nتتمة:\nيطلق المباح شرعًا فيعم: الواجب، والمندوب، والمكروه.\nويطلق الحلال فيعم: الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح.\nودليل ذلك قوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس ٥٩].\nلكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل بمعنى أن لفظ المباح في الأصل في استعمال الأصوليين والفقهاء أنه ما استوى طرفاه، واعلم أن التداخل هذا للتوسع فقط، أما في تحرير المسائل فيراعى ما استقرت عليه المصطلحات عند الأصوليين.\nفائدة: المباحات تنقلب عبادات بالنيات الصالحات، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك» (^٢).\n_________\n(^١) مختصر التحرير (١/ ٤٣٠) مكتبة العبيكان.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨).","vol":"1","page":329},{"text":"قال النووي «ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله فإنه يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا» (^١).\nمثل: الأكل والشرب، والنوم، والجماع، والنفقة علي النفس والأهل، والتنزه المباح، والمزاح المباح، وبهذا تحول حياتك كلها عبادة لله تعالى.\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي (١١/ ٧٨).","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>رابعًا: الحرام</span>\n•<span data-type='title' id=toc-171> تعريف الحرام:</span>\nالحرام لغةً: المنع، قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] أي: حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن؛ إذ لم يكن حينئذٍ مكلفًا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ [الأعراف: ٥٠] (^١).\nواصطلاحًا: ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-172> شرح التعريف، وبيان محترزاته:</span>\nما: اسم موصول، صفة لفعل المكلف.\nطلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع.\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٣٣٦).\n(^٢) تقريب الوصول إلي علم الأصول لابن جزى الكلبي (١٦٩).","vol":"1","page":331},{"text":"على وجه الحتم والإلزام: فيخرج المكروه، ويبقى الحرام.\nالتعريف بالثمرة: هو ما يثاب تاركه امتثالًا، وفاعله متوعد بالعقاب.\nيثاب تاركه امتثالًا: لأن وجود الثواب وعدمه في ترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية «الامتثال»، إذا وجدت النية حينئذ ترتب الثواب، وان انتفت صح ترك المحرم، ولكن لا ثواب.\nمتوعد بالعقاب: لأن التوعد بالعقاب لا يلزم منه وجود العقاب، فقد يستحق الشيء ولا يأخذه، ولم نجزم بالعقاب؛ لأن فاعل المحرم قد لا يعاقب، فقد يغفر الله له قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٧].\n\n•<span data-type='title' id=toc-173> مسألة: هل كل من ترك الحرام يثاب؟</span>\nالجواب: فيه تفصيل لأن ترك الحرام له عدة صور وهي:\n١ - ترك الحرام الذي لم يخطر بباله فهذا لا يستحق تاركه ثوابًا ولا عقابًا.\n٢ - ترك الحرام الذي هم بفعله خوفًا من الله فهذا يثاب على تركه.\n٣ - ترك الحرام لمانع منعه من الفعل مع همه وعزمه على فعله، فهذا تاركه متوعد بالعقاب.","vol":"1","page":332},{"text":"التعريف بالضد: هو ضد الواجب.\nالتعريف بالمثال: كشرب الخمر، والزنا، والسرقة، والربا.\n• مرادفات الحرام (^١):\nمن مرادفات الحرام: المحظور، والمعصية، والذنب، والممنوع، والقبيح، والسيئة، والفاحشة، والإثم، والمزجور عنه، والمتوعد عليه.\n\n• الأساليب التي تفيد التحريم (^٢):\n<span data-type='title' id=toc-174>الأساليب التي تفيد التحريم </span>في الكتاب الكريم والسنة الشريفة كثيرة، أهمها:\n١ - أن يرد الخطاب صريحًا بلفظ التحريم، وما يشتق منه.\nمثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ومثل قوله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» (^٣).\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٨٦).\n(^٢) أصول الفقه للخضري (٥٢)، أصول الفقه لأبي زهرة (٤١)، الوجيز للزحيلي (١/ ٣٥١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":333},{"text":"٢ - نفي الحل، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله ﷺ: «لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ» (^١).\n٣ - صيغة النهي، وهي أنواعٌ تعود جملتها إلى:\n[١] لفظ النهي الصريح، كقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].\n[٢] صيغة الزجر، كحديث أبي الزبير قال: سألت جابرًا -يعني ابن عبد الله- عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك (^٢).\n[٣] صيغة الأمر بالانتهاء، كقوله تعالى للنصارى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله ﷺ: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» (^٣).\n[٤] صيغة الفعل المضارع المقترن ب «لا» الناهية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله ﷺ: «لا يبع بعضكم على بيع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٦٩) من حديث جابر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":334},{"text":"بعضٍ» (^١).\n[٥] صيغة «لا ينبغي»، كقوله ﷺ في الحرير: «لا ينبغي هذا للمتقين» (^٢).\n[٦] صيغة الأمر بالترك بغير صيغة النهي الصريحة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وماهن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، …» (^٣).\n٤ - ما رتب على فعله عقوبةٌ، أو وعيدٌ دنيويٌّ، أو أخرويٌّ، فهو دليلٌ على تحريمه، فمن صوره:\n[١] عقوبة الحدود، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٥)، ومسلم (٢٠٧٥) من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":335},{"text":"[٢] التهديد بالعقاب، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، وقوله ﷺ: «لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» (^١)، وقوله ﷺ: «لكل غادرٍ لواءٌ يعرف به يوم القيامة» (^٢).\n[٣] ترتيب اللعنة على الفعل، وهي نوعٌ من العقوبة، وفيه نصوصٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنة.\n٥ - وصف الفعل بأنه من الذنوب، أو وصفه بأنه كبيرةٌ، ونحو ذلك، كقوله ﷺ: «ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي، وقطيعة الرحم» (^٣)، وعن أنسٍ ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر؟ قال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٦٥) من حديث أبي هريرة، وابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٨٦)، ومسلم (١٧٣٦) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٤٩٠٢)، والترمذي (٢٥١١) من حديث أبي بكرة مرفوعًا، وصححه الترمذي، والألباني.","vol":"1","page":336},{"text":"«الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور» (^١).\n٦ - وصف الفعل بالعدوان، أو الظلم، أو الإساءة، أو الفسق، أو نحو ذلك، كحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم» (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\n٧ - تشبيه الفاعل بالبهائم، أو الشياطين، أو الكفرة، أو الخاسرين، أو نحوهم، كقوله ﷺ: «ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» (^٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقوله ﷺ: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٣)، ومسلم (٨٨) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١٤٠) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وصححه ابن الملقن، والألباني، وقال الزيلعي حديث صحيح لمن يصحح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦٢٢)، ومسلم (١٦٢٢) من حديث ابن عباس مرفوعًا، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":337},{"text":"الآخرة» (^١).\n٨ - تسمية الفعل باسم شيءٍ آخر محرمٍ معلوم الحرمة، كوصف الفعل بأنه زنا أو سرقة أو شركٌ، أو غير ذلك، ومن ذلك قوله ﷺ: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق» (^٢)، وقوله ﷺ: «أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق صلاته» قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-175> أقسام الحرام </span>(^٤):\nالتحريم لم يأت في شريعة الإسلام إلا لشيءٍ كانت مفسدته خالصةً أو غالبةً، وجميع المحرمات لا تخلو من أن تكون على واحدٍ من الوصفين، وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ في الفقه لإدراك ما يمكن أن يلحق بالحرام بحسب رجحان جانب المفسدة، أو فقدان المصلحة.\nوالمفسدة في المحرم تكون في ذات الشيء المحرم، أو يكون المحرم سببًا فيها، وعليه فالمحرمات قسمان:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٣٥)، ومسلم (٢٠٦٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٣) صحيح بمجموع طرقه وشواهده.\n(^٤) علم أصول الفقه لخلاف (١٠٨)، تيسير علم أصول الفقه (٣٥/ ٤١).","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>١ - محرمٌ لذاته «محرم في أصله»:</span>\nوهو ما حرمه الشارع ابتداء وأصالة، مثل أكل الميتة والدم والخنزير، ولعب الميسر، وشرب الخمر، والزنا، وقتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل، وزواج المحارم.\nويكون المحرم لذاته غير مشروع أصلًا؛ لأن منشأ الحرمة فيه عين المحل أو ذات الفعل، فهذه حرمت لذواتها، ومفاسدها خالصةٌ أو راجحةٌ، ويترتب على فعلها الإثم والعقاب، وبطلان كونها أسبابًا شرعيةً لثبوت شيءٍ من الأحكام، فالزنا مثلًا لا يثبت به النسب، ولا يأخذ أحكام الزواج الصحيح، والسرقة لا تثبت الملكية للمال المسروق، وهكذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>٢ - محرمٌ لغيره «محرم بوصفه»:</span>\nوهو مباحٌ في الأصل، أو مشروعٌ لخلوه من المفسدة، أو رجحان مصلحته، لكنه في ظرف معينٍ كان سببًا لمفسدةٍ راجحةٍ، فتعتريه الحرمة في تلك الحال.\nمثل: البيع والشراء، فإنه مباحٌ مشروعٌ، إلا أنه يحرم عند سماع النداء الأول للجمعة، لما يقع بمزوالته حينئذٍ من تفويت الجمعة، والرجل يخطب امرأةً أجنبيةً ليتزوجها حلالٌ مباحٌ، لكنه يحرم إذا علم","vol":"1","page":339},{"text":"أن مسلمًا غيره قد تقدم لخطبتها حتى ينصرف عنها أو تنصرف عنه، وإنما كانت الحرمة العارضة لما يسبب ذلك من العداوة بين المسلمين بسبب ما يقع من الإيذاء، ومثله أن يبيع على بيع أخيه، وكذلك الصلاة مشروعةٌ في كل وقتٍ إلا في ساعاتٍ منعت الشريعة من الصلاة فيها دفعًا لمشابهة الكفار؛ حيث يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها.\nوينظر العلماء إلى المحرم لغيره من جهتين:\nفمن جهة أصله فهو مشروع لعدم وجود المفسدة والمضرة فيه، ومن جهة ما اقترن به فهو حرام لما يترتب عليه من مفسدة ومضرة، وهو أمر خارجي عن المحل أو الفعل، ولذا فقد اختلفت آراء الأئمة في حكم كل مسألة من المسائل السابقة، وانقسموا في تكييف المحرم لغيره إلى قسمين كل منهما يرجح أحد الجانبين على الآخر، وظهر قولان:\nالقول الأول: أن التعاقد على المحرم لغيره يكون فاسدًا لا باطلًا، وهو رأي الحنفية، الذين يفرقون بين البطلان والفساد، وأن الفساد مرتبة بين البطلان والصحة، وأن العقد الفاسد منعقد، ولكنه غير صحيح، وأنه يجب فسخه، فإن نفذ ترتبت آثاره عليه، ويكون المال خبيثًا.\nالقول الثاني: أن العقد على المحرم لغيره باطل كالعقد على المحرم","vol":"1","page":340},{"text":"لذاته، وأنه لا فرق بين الفساد والبطلان، وهما مرتبة واحدة، وهو رأي جمهور الأئمة، قال الآمدي: مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله، أي: أن التحريم للوصف كالتحريم للأصل تمامًا.\nونتيجة للاختلاف السابق اختلفت الأنظار في حكم كل مسألة محرمة لغيرها، ففرق الحنفية بين الصفة الجوهرية التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون العقد فاسدًا كالربا، وبين الصفة العارضة التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون حكمها الكراهة فقط، أي: التحريمية، كالبيع وقت أذان الجمعة.\nوفرق الشافعية بين المحرم لغيره لوصف فيه كالصلاة بدون طهارة، وحكمها البطلان، وبين التحريم لأمر خارج عن المحل، وحكمه الصحة مثل الطلاق في زمن الحيض، فهو صحيح لصرف التحريم إلى أمر خارج عن الطلاق، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، وكذا الصلاة في الأوقات والأماكن المنهي عنها.\nوهذا الاختلاف يرجع إلى مقتضى النهي، وهو ما سنبينه -إن شاء الله- في المجلد الثالث، الفصل الثاني: النهي.\nوينتج عن تقسيم الحرام إلى حرام لذاته وحرام لغيره، جواز استباحة المحرم في بعض الحالات، فالمحرم لذاته يباح بهدف الحفاظ على الضروريات، وهي حفظ الدين، والمال، والنفس، والعقل،","vol":"1","page":341},{"text":"والعرض، فيباح الخمر للحفاظ على الحياة عند التهلكة، ويرخص بالكفر ظاهرًا للحفاظ على النفس عند الإكراه بالقتل، وهكذا.\nأما المحرم لغيره، فإنه يباح من أجل الحفاظ على الضروريات السابقة، ومن أجل الحفاظ على الحاجيات، وهي التي يؤدي تركها إلى مشقة بالغة على المكلف، مثل كشف العورة، فتباح للحفاظ على الحياة أحيانًا، وتباح للطبيب من أجل الاستشفاء من الأمراض، وتخفيف الألم عن المريض (^١).\n• أقسام المحرم باعتبار التعيين والتخيير.\nالمحرم ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: محرم معين، وهو غالب المحرمات التي نهى عنها الشارع، ورتب على فاعلها العقوبة، كالعبودية لغير الله، وتحريم قتل النفس، وعقوق الوالدين.\nالقسم الثاني: محرم مخير، وهو أن يحرم الشارع أحد الأمرين فقط، فإذا فعل أحدهما أصبح الآخر محرمًا، وأن المكلف له أن يفعل عدة أشياء إلا واحدًا منها، وهذا القسم محصور وقليل جدًّا، وله عدة أمثلة:\n١ - أن يقول رجل لزوجاته: إحداكن طالق. فتحرم واحدة منهن،\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٣٥٥ - ٣٥٦).","vol":"1","page":342},{"text":"فإذا عاشر الزوج ثلاثًا فالرابعة محرمة، كما يجوز أن يعين إحداهن للطلاق أيضًا.\n٢ - النهي عن الجمع بين الأختين في وقت واحد، فالشريعة أجازت الزواج بكل منهما، لكن إذا تزوج إحدى الأختين حرمت عليه الأخرى، ما لم يطلق الأولى أو تموت، وكذلك الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها.\n٣ - نص القرآن الكريم والسنة الشريفة على التخيير في التحريم بين الأم وبنتها، فكل منهما يجوز الزواج منها، ولكن إذا تزوج من إحداهما حرمت عليه الأخرى.\n٤ - كان العرب يعددون الزوجات بدون حد، وجاء الإسلام وبعضهم عنده عشر زوجات، فقال رسول الله ﷺ لبعض أصحابه: «أمسك أربعًا وطلق سائرهن» (^١)، فتعدد الزوجات زيادة على الأربع زوجات حرام، ولكن لم يعين الشارع المحرمة منهن، وترك الخيار للزوج (^٢).\n_________\n(^١) مرسل: أخرجه مالك (١٧١٧)، والترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣)، وغيرهم من طريق الزهري، واختلف عليه اختلافًا شديدًا في وصله وإرساله، ورجح الإرسال الترمذي، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم.\n(^٢) شرح مختصر الروضة (١/ ٣٦٠)، الوجيز للزحيلي (٣٥٧).","vol":"1","page":343},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-178> مسألة: هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ أو هل يكون الفعل واجبًا وحرامًا معًا؟</span>\nالجواب: إن الواجب والحرام ضدان، والضدان لا يجتمعان في الأمر الواحد باتفاق العقلاء، ولكن اختلفوا في المقصود من الواحد الذي يعتبر محلًّا للواجب والحرام، ويتعلق به الإيجاب والتحريم، ويتفرع الكلام حسب الحالات الأربع التالية:\nالحالة الأولى: إذا كان الفعل واحدًا بالجنس فيجوز أن يتعلق به الواجب والحرام، أو ينقسم إلى واجب وحرام، وتكون القسمة بحسب الأوصاف والإضافات، كالسجود لله تعالى، والسجود للصنم، فالسجود الأول واجب، والسجود الثاني حرام، ولا تناقض بينهما في تعلق الإيجاب والتحريم في السجود، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]، فلا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من وجوب الثاني وجوب الأول، للتغاير بالشخصية بين السجود لله، والسجود للصنم.\nالحالة الثانية: إذا كان الواحد متعلقًا بشخص واحد، وليس له إلا جهة واحدة فلا يجوز وجوب الفعل وحرمته في آن واحد؛ لأنه مستحيل، لأن الطلب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض طلب الترك، فيكون تكليفًا بالمحال، ومعنى هذا أن الفعل يجوز تركه، ولا يجوز","vol":"1","page":344},{"text":"تركه في آن واحد كوجوب الصلاة على زيد المكلف الصحيح، وحرمة الصلاة عليه في وقت واحد.\nالحالة الثالثة: إذا تعددت الجهة التي يتعلق بها الخطاب، وكانت الجهتان متلازمتين؛ فلا يجتمع الفعل وطلب الترك، لأن الجهتين المتلازمتين ترجعان إلى جهة واحدة، كصوم يوم النحر نذرًا، ففيه مطلق الصوم، والصوم في ذلك اليوم، والمطلق في ضمن المقيد، ومثل الصلاة في الوقت المكروه مكروهة، فلا يثاب عليها، وبالتالي فالصوم باطل، والصلاة باطلة عند بعض العلماء، وقال الحنفية: الصلاة والصوم فاسدان؛ لأن التحريم ورد لأمر عارض، بينما الصلاة والصوم مشروعان بأصلهما، فالصلاة والصوم منعقدان عندهم مع الفساد، وقال بعض الشافعية بصحة الصلاة والصوم لصرف النهي فيهما عن الصلاة والصوم إلى أمر خارج منهما.\nالحالة الرابعة: إذا تعددت الجهة، وكانت الجهتان غير متلازمتين، كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهنا اختلف العلماء في اجتماع الوجوب والحرمة في هذا الفعل على قولين:\nالقول الأول: جواز تعلق الطلب مع تعلق النهي في فعل المكلف، ويصح التكليف به، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في قول؛ لأن النهي لأمر خارج عن ذات الفعل، فلا","vol":"1","page":345},{"text":"يقتضي الفساد، فالصلاة والغصب جهتان منفكتان ولا تلازم بينهما، لإمكان وجود أحدهما دون الآخر، ولتغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف الجهتين من الغصب والصلاة، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة واجبة بالنظر إلى جهة الصلاة، ومحرمة بالنظر إلى جهة الغصب، ويقيسون ذلك على الأمر لشخص بالخياطة وعدم السفر، فإذا خاط وسافر فهو مطيع في الخياطة عاص في السفر قطعًا، ولأن التغاير بين الشيئين إما أن يكون بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وإما بتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو، وإما أن يكون باختلاف الصفات في الموضوع الواحد كهذا المثال.\nواحتجوا أيضًا بإجماع السلف على عدم أمر الظالمين عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، وعدم نهي الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة.\nالقول الثاني: عدم تعلق الطلب والنهي في أمر واحد ولو تعددت جهته، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين والظاهرية.\nوقالوا: إن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة، ولا يسقط الواجب عندها؛ لأن الصلاة استمرار ومكث في الأرض المغصوبة، وهذا منهي عنه، والمنهي عنه يستحيل أن يكون واجبًا، وإن إقامة الصلاة في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة، وإن","vol":"1","page":346},{"text":"الفعل الصادر من المكلف واحد، فلا يكون مثابًا عليه ومعاقبًا عليه في آن واحد (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-179> مسألة: تزاحم المحرمات </span>(^٢):\nمعنى تزاحم المحرمات: أنه قد يتزاحم محرمان في حق شخص واحد في وقت واحد، ولا بد من فعل واحد منها، فيلزمه أن يفعل الأدنى.\nمثال: حديث الأعرابى لما بال في المسجد وقام الصحابة وزجروه، فقال النبي ﷺ: «لا تزرموه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء» (^٣)، ففعل الأعرابي حرام تعارض مع محرمات أخرى منها إيذاء المسلم؛ لأنه إن قطع بوله قد يتضرر بحبسه، ومنها زيادة الحرام لأنه كان لا يعلم أن البول في المسجد حرام فزَجْرُهم إياه قد يؤدى إلى نفوره، فيؤدى ذلك إلى زيادة النجاسة في المسجد، وذلك زيادة في الحرام، فالنبي ﷺ أذن في فعل المحرم الأدنى تجنبًا لمحرمات أكبر.\nوهذه القاعدة أصل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ١١٥)، شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٣٦١)، الوجيز للزحيلي (١/ ٣٦٦).\n(^٢) الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":347},{"text":"فلو أدى النهي عن المنكر لمفسدة أعظم يحرم النهي عن المنكر حينها.\nمثال آخر: امرأة أسلمت في دار الكفر، ولا ضرورة لها في البقاء، ولزمها أن تهاجر إلى بلاد الإسلام، فإنها تسافر ولو بغير محرم، فبقاؤها في بلاد الكفر حرام، والسفر بغير محرم حرام، فتقدم الأدنى، وتسافر بلا محرم.\nومن أمثلة ذلك: فعل موسى ﵇ والخضر، فخرق الخضر للسفينة إتلاف للمال، وهو محرم، ولكنه رأى أن هناك محرمًا أكبر وهو ضياع السفينة يقينًا لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، وكلمة \"كل\" من صيغ العموم، والتقدير أنه يأخذ كل سفينة سليمة غصبًا، وهذا أمر يقيني، فأتلف الخضر بعض المال من باب تزاحم المحرمات كي لا يضيع المال كله.\nوقد يدخل في ذلك مسألة الختان: فإنه يفعل مع أن فيه إيلامًا للجسد، وهو محرم فدل ذلك على وجود محرم أعلى منه ترك هذا من أجل ذاك، ففي الرجل قد يكون الختان للحفاظ عليه من الضرر المترتب على بقاء بعض البول في مجرى البول، كذلك طهارة البدن، وفي الأنثى قد يكون لتعديل الشهوة؛ إذ زيادتها يؤدي إلى انتشار","vol":"1","page":348},{"text":"الفواحش في المجتمع، ففعل المحرم لا يكون إلا من أجل ترك محرم أعلى منه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-180> مسألةٌ: هل يقال: هذا أحرم من هذا؟</span>\nيصح ذلك باعتبار كثرة الثواب، أو كثرة الزواجر، لا بالنسبة إلى نفس الطلب.\nوقد اتفق العلماء على أن الزنى بالأم أشد من الزنى بالأجنبية،\nوكذلك الزنى في المسجد آثم من الزنى في الكنيسة.\nوقد رد بعض المحققين شدة التحريم فيه إلى أنه فعل حرامين، والكلام لم يقع إلا في محلٍّ واحدٍ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-181> مسألة: ترك الواجب أعظم من فعل الحرام في الجملة:</span>\nقيل: ترك الواجب في الشريعة بل وفي العقل أعظم من فعل الحرام لوجوهٍ:\nالأول: أن أداء الواجب مقصودٌ لنفسه، وترك المحرم مقصودٌ لغيره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فبين أن ما في الصلاة\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":349},{"text":"من ذكر الله أكبر مما فيها من النهي عن الفحشاء.\nالثاني: أن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله وهو أداء واجبٍ، وترك هذا الواجب كفرٌ (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>خامسًا: المكروه</span>\nالمكروه: اسم مفعول من كره بمعنى أبغض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾: يعني أبغضهم، فهو إذن في اللغة: المبغض سواء كان عينًا أو وصفًا أو عملًا، فأي شيء تبغضه فهو مكروه عندك (^١).\nواصطلاحًا: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-183>شرح التعريف، وبيان محترزاته:</span>\n- ما: اسم موصول صفة لفعل المكلف.\n- طلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع.\n_________\n(^١) تاج العروس للزبيدي (٣٦/ ٤٨٥)، الأصول من علم الأصول لابن عثيمين (١٢).\n(^٢) شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢١٧).","vol":"1","page":351},{"text":"- طلبًا غير جازم: فيخرج الحرام، ويبقى المكروه.\nالتعريف بالثمرة: ما يثاب تاركه امثالًا وفاعله غير معاقب.\nالتعريف بالضد: هو ضد المندوب، قال صاحب نظم الورقات:\nوضابط المكروه عكس ما ندب … كذلك الحرام عكس ما يجب\nالتعريف بالمثال: كالأكل متكئًا.\nفائدة: المكروه يكون مكروهًا بأصل الوضع، أو بعد صرفه بدليل.\nبأصل الوضع أي لم يأت بلفظ النهي كالأخذ بالشمال والإعطاء بها لكن فهمت الكراهة من السياق، أو بعد صرفه بدليل أي يأتي بلفظ النهي، ولفظ النهي يفيد التحريم، فلو أريد به المكروه فلابد معه من صارف كالشرب قائمًا - عند من قال بكراهيته - نُهِي عنه، ثم ورد فعله عن النبي ﷺ.\n\n*<span data-type='title' id=toc-184> قواعد الصرف في المكروه:</span>\n١ - الصرف بيان.\n٢ - معنى الصرف: أن النهى أول ما نزل كان مكروهًا علمنا ذلك بالصارف، أما إذا كان محرمًا ثم انتقل إلى المكروه كان ذلك نسخًا.\n٣ - الصرف يعمل في الأزمنة المتزاحمة بخلاف النسخ الذي يعمل في الأزمنة المتلاحقة، وعمله في الأزمنة المتزاحمة كي لا","vol":"1","page":352},{"text":"يتأخر عن وقت الحاجة للبيان.\nملحوظة:\nالمكروه قد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته راجحةٌ، وإن لم يكن منهيًّا عنه كترك المندوبات، وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، كالصلاة في الأوقات والأماكن المخصوصة، وقد يراد به ما في القلب منه حزازةٌ، وإن كان غالب الظن حله كأكل لحم الضبع.\nوعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام.\nومن نظر إلى الاعتبار الثاني حده بترك الأولى.\nومن نظر إلى الاعتبار الثالث حده بالمنهي الذي لا ذم على فعله.\nومن نظر إلى الاعتبار الرابع حده بأنه الذي فيه شبهةٌ وترددٌ (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-185> الأساليب التي تدل على الكراهة:</span>\nتعرف الكراهة في الأحكام الشرعية باستعمالاتٍ تدل عليها، ترجع إلى ثلاثة أنواعٍ:\n١ - لفظ الكراهة، كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":353},{"text":"النبي ﷺ: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (^١).\nومنها: حديث المهاجر بن قنفذٍ ﵁: أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: «إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهرٍ أو قال: على طهارةٍ» (^٢)، مع ما ثبت عنه ﷺ أنه كان يذكر الله على كل أحيانه (^٣).\n٢ - صيغة النهي التي قام برهانٌ على صرفها عن التحريم، وذلك كحديث عبد الله بن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الشفاء في ثلاثةٍ: في شرطة محجمٍ، أو شربة عسلٍ، أو كيَّةٍ بنارٍ، وأنا أنهى عن الكي» (^٤)، فهذا النهي للكراهة لا للتحريم، ومما دل عليه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن كان في شيءٍ من أدويتكم خيرٌ ففي شربة عسلٍ، أو شرطة محجمٍ، أو لذعةٍ من نارٍ، وما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (٣٨)، وغيرهم من حديث المهاجر بن قنفذ مرفوعًا، وسنده صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والألباني.\n(^٣) أخرجه مسلمٌ (٣٧٣) من حديث عائشة مرفوعًا، ورواه البخاري (١/ ١٢٩) عنها تعليقًا.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٦٨٠) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"1","page":354},{"text":"أحب أن أكتوي» (^١)، فهذا إذنٌ لهم في التداوي بالثلاث المذكورات، مع كراهة الكي.\nومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل الثوم (^٢)، وهذا النهي ليس للتحريم بأدلةٍ عديدةٍ منها:\nحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعامٍ أكل منه وبعث بفضله إليَّ، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلةٍ لم يأكل منها؛ لأن فيها ثومًا، فسألته: أحرامٌ هو؟ قال: «لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه» (^٣) قال: فإني أكره ما كرهت، وفي روايةٍ: وكان النبي ﷺ يؤتى، والمقصود أنه كان يأتيه الملك.\n١ - التروك النبوية التي قصد بها التشريع لا التي جرت بمقتضى الطبع البشري، وهذا يقابل ما يفيده الفعل النبوي من الاستحباب، فكذلك يفيد الترك الكراهة (^٤)، وذلك كتركه للأذان في صلاة العيدين مع أمره بالأذان في شبيهها كالجمعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٠٢)، ومسلم (٢٢٠٥) من حديث جابر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢١٥) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠٥٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا.\n(^٤) تيسير علم أصول الفقه (٤٤ - ٤٥).","vol":"1","page":355},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-186> مسألة: هل تتفاوت الكراهة؟</span>\nنعم تتفاوت مراتب الكراهة فهي ترتقي بارتقاء المفسدة حتي تكون أعلى مراتب المكروه بأدني مراتب التحريم.\nقال القرافي: اعلم أن الأوامر تتبع المصالح كما أن النواهي تتبع المفاسد، والمصلحة إن كانت في أدنى الرتب كان المرتب عليها الندب، وإن كانت في أعلى الرتب كان المرتب عليها الوجوب، ثم إن المصلحة تترقى، ويرتقي الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب، وكذلك نقول في المفسدة التقسيم بجملته، وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة حتى يكون أعلى مراتب المكروه يلي أدنى مراتب التحريم.\n* مسائل مهمة:\n١ - الصحابة ﵃ ما كانوا يفرقون بين الواجب والمندوب، والمحرم والمكروه من ناحية العمل، ولكنهم كانوا يفرقون من الناحية النظرية والاعتقادية فقط، وذلك لشدة عزيمتهم، فقد لا تجد في كلامهم أن النبي ﷺ أوجب هذا، وندب هذا، أو حرم هذا، وكره هذا، ولكن تجد في كلامهم أمر رسول الله ﷺ، أو نهى رسول الله ﷺ.\n٢ - المكروه في الغالب كان إذا أطلق في الشرع أي في الكتاب","vol":"1","page":356},{"text":"والسنة، وفى لسان السلف كان يراد به الحرام.\nيقول ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وقد غلط كثيرٌ من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرفاتهم؛ فحصل بسببه غلطٌ عظيمٌ على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول هو حرامٌ، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان.\nوقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة، ومذهبه أنه لا يجوز، وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة، وكل شيءٍ ذبح لغير الله، قال الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣].\nفتأمل كيف قال: لا يعجبني. فيما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه، وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروهٍ فهو حرامٌ، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًّا لم يطلق عليه","vol":"1","page":357},{"text":"لفظ الحرام؛ وروى محمدٌ أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب؛ وقد قال في «الجامع الكبير»: يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم؛ وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ: يكره النوم على فرش الحرير والتوسد على وسائده، ومرادهما التحريم.\nوقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير، وقد صرح الأصحاب أنه حرامٌ، وقالوا: إن التحريم لما ثبت في حق الذكور، وتحريم اللبس يحرم الإلباس، كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها، وقالوا: يكره بيع العذرة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا أضر بهم وضيق عليهم، ومرادهم التحريم، وقالوا: يكره بيع السلاح في أيام الفتنة، ومرادهم التحريم.\nوقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومراده التحريم عندهم؛ قالوا: ويكره اللعب بالشطرنج، وهو حرامٌ عندهم؛ قالوا: ويكره أن يجعل الرجل في عنق عبده أو غيره طوق الحديد الذي يمنعه من التحرك، وهو الغل، وهو حرامٌ؛ وهذا كثيرٌ في كلامهم جدًّا.\nوأما أصحاب مالكٍ فالمكروه عندهم مرتبةٌ بين الحرام والمباح، ولا يطلقون عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي نابٍ من","vol":"1","page":358},{"text":"السباع مكروهٌ غير مباحٍ؛ وقد قال مالكٌ في كثيرٍ من أجوبته: أكره كذا، وهو حرامٌ، فمنها أن مالكًا نص على كراهة الشطرنج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم.\nوقال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهوٌ شبه الباطل، أكرهه ولا يتبين لي تحريمه، فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه؛ فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائزٌ وأنه مباحٌ، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه، والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟!\nوقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] إلى آخر الآيات؛ ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨] وفي الصحيح: «إن الله ﷿ كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة","vol":"1","page":359},{"text":"المال» (^١).\nفالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرمٍ، وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك، وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعًا وقدرًا وفي المستحيل الممتنع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وقوله على لسان نبيه: «كذبني ابن آدم وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له» (^٢)، وقوله ﷺ: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» (^٣)، وقوله ﷺ في لباس الحرير: «لا ينبغي هذا للمتقين» (^٤)، وأمثال ذلك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى مرفوعًا.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٧٥)، ومسلم (٢٠٧٥) من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا.\n(^٥) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٣٢ - ٣٥).","vol":"1","page":360},{"text":"• ملحوظة:\nبعد استقرار المصطلحات لا يجوز استخدام لفظ المكروه بمعنى المحرم؛ لأن هذا سيحدث لبسًا.\n٣ - اختلف العلماء في المكروه، هل هو منهيٌّ عنه أم لا؟ كما اختلفوا في المندوب هل هو مأمور به أم لا؟\nوالجمهور على أن المكروه منهي عنه حقيقة، خلافًا للحنفية، كما أن المندوب مأمور به، والأدلة واحدة، والخلاف واحد، وقد سبق الكلام عنه في المندوب.\n٤ - إن الحنفية يقسمون المكروه إلى قسمين: مكروه تحريمي، ومكروه تنزيهي.\nوالمكروه التحريمي: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني، مثل لبس الحرير والذهب على الرجال الثابت بحديث رسول الله ﷺ: «هذان حرام على رجال أمتي حلٌّ لإناثهم» (^١)، والبيع على بيع\n_________\n(^١) صحيح لشواهده: أخرجه ابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب وفيه ضعف، وأخرجه ابن ماجه (٣٥٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا وفيه ضعف، والبزار (٤٨٣٦) من حديث ابن عباس مرفوعًا وفيه ضعف، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٦٤٥) من حديث أبي موسى وفيه اختلاف شديد، لكنه يصح بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.","vol":"1","page":361},{"text":"الآخر، والخطبة على خطبة غيره (^١)، وحكمه أنه إلى الحرام أقرب، وهو قسم من الحرام عند الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف، وإن أطلق عليه لفظ المكروه، ويأخذ أحكام الحرام تقريبًا من تحريم الفعل وطلب الترك واستحقاق العقاب على الفعل، ولكن لا يكفر جاحده.\nوالمكروه التنزيهي: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، وحكمه مثل حكم المكروه المذكور عند الجمهور سابقًا، وأن فاعله يخالف الأولى، مثل الوضوء من سؤر سباع الطير.\n٥ - قسم بعض الشافعية المكروه إلى قسمين، بحسب الدليل في النهي، فإن كان النهي غير الجازم مخصوصًا بأمر معين فهو مكروه، مثل قوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (^٢)، وإن كان النهي غير الجازم غير مخصوص بأمر معين فيكون فعله خلاف الأولى، كالنهي عن ترك المندوبات، وإفطار المسافر في رمضان (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٥١٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤) من حديث أبي قتادة السلمي مرفوعًا.\n(^٣) الوجيز للزحيلي بتصرف (١/ ٣٧١).","vol":"1","page":362},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-187> خاتمة الحكم التكليفي:</span>\nوإلى هنا ننتهي من الحكم التكليفي، وأنه يقسم عند الجمهور إلى خمسة أقسام وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، والمكروه، وزاد الحنفية قسمين: وهما: الفرض، والمكروه تحريمًا، فصار المجموع عندهم سبعة أقسام.\nوهذه الأحكام التكليفية تتعلق بأفعال المكلف، فقد يكون الفعل واجبًا كالصلاة، وقد يكون مندوبًا كالنوافل، وقد يكون مباحًا كالبيع والأكل، وقد يكون مكروهًا مثل كثرة الكلام، وقد يكون محرمًا كالسرقة والقتل.\nوقد تتعلق هذه الأحكام بفعل واحد، وتعتريه الأحكام الخمسة كلها أو بعضها بحسب الظروف والأحوال التي تحيط به، كالزواج يكون واجبًا على المكلف إذا استطاع تكاليف الزواج وتأكد من نفسه الوقوع في الحرام، إذا لم يتزوج، ويكون مندوبًا في الأحوال العادية مع القدرة على الباءة، ويكون محرمًا إذا تأكد من نفسه ظلم زوجته وعدم قيامه بحقوقها، ويكون مكروهًا إذا خاف أو ظن ذلك، ويكون مباحًا إذا تساوت المحاسن والمفاسد، مثل الزواج، فكثير من أفعال المكلفين تعتريها الأحكام الخمسة أو بعضها بحسب القرائن المحيطة بها، كما أن الأحكام تختلف من حيث الجزئية والكلية، وسبق بيان ذلك في المندوب والمباح.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>الأهلية وعوارضها</span>\n•<span data-type='title' id=toc-189> تعريف الأهلية:</span>\nلغةً: الصلاحية، تقول: فلانٌ أهلٌ لكذا. أي صالحٌ ومستوجبٌ له، وتقول: أهلته لكذا. إذا جعلته صالحًا له.\nواصطلاحًا: نوعان (^١):\n١ - أهلية وجوبٍ:\nوهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له الحقوق، وتجب عليه الواجبات.\nويعبر عن هذه الأهلية بالذمة، فكل إنسانٍ له ذمةٌ تتعلق بها حقوقٌ وواجباتٌ.\nوتثبت هذه الأهلية للإنسان بمجرد الحياة، فكل إنسانٍ حيٍّ له أهلية وجوبٍ.\n_________\n(^١) فصول البدائع في أصول الشرائع للفناري (١/ ٣١٣)، كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٤/ ٢٣٧)، شرح التلويح علي التوضيح للتفتازاني (٢/ ٣٢١)، علم أصول الفقه لخلاف (١٣٥)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤٨٢).","vol":"1","page":364},{"text":"قيل: أصل هذه الأهلية مستفادٌ من العهد الأول الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، كما قال ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ذلك أن الذمة هي العهد، والعهد الثابت للإنسان بمجرد إنسانيته هو هذا العهد.\nأما تسميتها ذمة فقيل: لأن نقض العهد يوجب الذم، فسمي العهد بما يؤول إليه نقضه.\n٢ - أهلية أداءٍ:\nوهي صلاحية الإنسان للمطالبة بالأداء بأن تكون تصرفاته معتدًّا بها، وهذه الأهلية تثبت للإنسان ببلوغه سن التمييز.\n• الأهلية كاملة وناقصة:\nأهلية الإنسان تختلف كمالًا ونقصًا بحسب كماله أو نقصه في الحياة والعقل، ويمكن إدراكها من خلال أدوار الإنسان، وهي كالتالي:\n١ - الجنين: هو موصوفٌ بالحياة، وهو نفسٌ، وإن لم يستقل بعد عن أمه، يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى في امرأتين من هذيلٍ اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ، فأصاب بطنها وهي حاملٌ، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقضى أن دية ما في بطنها غرةٌ عبدٌ أو أمةٌ، فقال ولي المرأة التي","vol":"1","page":365},{"text":"غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال النبي ﷺ: «إنما هذا من إخوان الكهان» (^١).\nفهذا الحديث فيه اعتبار حياة الجنين شرعًا، لكن النبي ﷺ لم يجعل ديته دية المولود، بل نقصت عن ذلك، وذلك لأجل عدم انفصاله واستقلاله.\nلهذا فأهليته أهلية وجوبٍ ناقصةٌ يجب له لا عليه، ومن فروع هذه الأهلية: استحقاقه الميراث والوصية.\n٢ - الطفل غير المميز: ليس للتمييز سنٌّ محددٌ في الشرع، إنما هو أمرٌ تقديريٌّ يعود إلى ما غلب عليه من التفريق بين المنافع والمضار وإدراك الخطأ والصواب، ويمكن أن يجعل له ضابطٌ بفهم الطفل للاستئذان قبل الدخول في الساعات الثلاث التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، وكذلك بتمييز الطفل بين ما هو عورةٌ، وما ليس بعورةٍ، فإن الله تعالى ذكر فيمن استثناهم فيمن تبدي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":366},{"text":"المرأة بحضرتهم زينتها الأطفال الذين لم يميزوا بقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].\nوالأهلية الثابتة للطفل الذي لم يميز أهلية وجوبٍ كاملةٌ، تجب له الحقوق وعليه، أما وجوب الحقوق فإذا صحت للجنين فله أولى، فتثبت حقوقه في الميراث، والوصية، وغير ذلك، وأما الوجوب عليه فليس على معنى أنه مطالبٌ بها، فإنه ليس عليه أهلية أداءٍ، وإنما تجب عليه حقوقٌ يؤديها عنه وليه، كوجوب الزكاة في ماله، فإن على وليه أن يخرج من ماله الزكاة، ولو أتلف شيئًا وجب الضمان في ماله يؤديه عنه وليه، لكنه لا يؤاخذ في نفسه ولا يوصف بالتقصير لفقدانه شرط التكليف.\nعن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: رفعت امرأةٌ صبيًّا لها فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: ««نعم، ولك أجرٌ» (^١)، فهذا فيه صحة حج الصبي، وجمهور العلماء على أن ذلك في حقه تطوعٌ، لا يسقط به فرضه لعدم التكليف، ووجه اعتبار حجه لما يعانيه وليه من حمله وأداء المناسك به.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٦) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"1","page":367},{"text":"٣ - الطفل المميز الذي لم يبلغ: تثبت له أهلية وجوبٍ كاملةٍ، فهو أولى بهذا الحكم من غير المميز، وتقدم أنها ثابتةٌ له.\nوكذلك تثبت له أهلية أداءٍ ناقصةٍ بسبب نقصان عقله، يصح منه الإيمان وجميع العبادات، ولا يجب عليه ذلك، فهو غير مؤاخذٍ بالإخلال لكنه مأجورٌ على الامتثال، كما تقدم في حديث الحج، وأمر الأولاد بالصلاة ونحوها من العبادات من جهة الأولياء قبل أن يبلغوا الحلم ليس لوجوب ذلك عليهم، إنما لتأديبهم وتمرينهم، فقد تقدم الحديث الصحيح في رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم (^١).\nوأما تصرفاته المالية فهي على ثلاثة أنواعٍ:\n[١] ما فيه منفعةٌ خالصةٌ للطفل، كالهبة والصدقة له، فلو قبلها فقبوله صحيحٌ معتبرٌ، بناءًا على الأصل في مراعاة منفعته.\n[٢] ما فيه ضررٌ خالصٌ له، فتصرفه فيه غير معتبرٍ، كأن يهب من ماله، فهو ليس أهلًا للتصرف في المال لقصور العقل، وقد قال الله تعالى لولي مال اليتيم: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه النسائي (٣٤٤٢)، وأبو داود (٤٣٩٨) من حديث عائشة مرفوعًا، وسنده حسن، وأخرجه أبو داود (٤٤٠٢)، والترمذي (١٤٢٣) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا، وسئل البخاري عن حديث علي فقال حديث حسن كما عند الترمذي في العلل الكبير (٤٠٥).","vol":"1","page":368},{"text":"[٣] ما تردد بين المنفعة والضرر، كمزاولة البيع والشراء من قبل الطفل، فاحتمال الربح والخسارة واردٌ فيها، فهذا النوع من العقود صحيحٌ منه إذا أذن الولي، فإذنه يجبر النقص في أهلية الأداء عند الصبي.\n٤ - البالغ العاقل: هذا سن الاكتمال الذي تثبت فيه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء كاملتين، فهو صالحٌ لجميع التكاليف الشرعية، ومسؤولٌ عن جميع تصرفاته.\nعوارض الأهلية (^١):\nالأهلية الكاملة قد يعتريها ما يزيلها أو ينقصها أو يؤثر فيها بتغيير بعض الأحكام.\nوتسمى تلك المؤثرات بعوارض الأهلية.\nوتنقسم إلى قسمين:\n\n*<span data-type='title' id=toc-190> القسم الأول: عوارض كونية:</span>\nوهي المؤثرات في الأهلية الخارجة عن إرادة الإنسان وتصرفه، ويندرج تحتها:\n_________\n(^١) فصول البدائع في أصول الشرائع للفناري (١/ ٣٢٢)، التقرير والتحبير لابن أمير حاج (٢/ ١٧٢)، تيسير علم أصول الفقه للجديع (١/ ٨٩).","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>١ - الجنون:</span>\nوهو اختلال العقل بحيث يمنع من صدور الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا.\nلا يمنع أهلية الوجوب، لأنها تثبت بمجرد الحياة، فله أهلية وجوبٍ كاملةٌ، لكن ليس له أهلية أداءٍ، فهي منعدمةٌ في حقه لزوال العقل.\nوتقدم فيه قول النبي ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-192>٢ - العته:</span>\nوهو اختلالٌ في العقل يصير به صاحبه مختلطًا، يشبه حاله أحيانًا حال العقلاء، وأحيانًا حال المجانين.\nفهذا له حالان: الإلحاق بالمجنون حين تغلب عليه أوصافه، وبالعاقل حين تغلب عليه أوصافه، لكنه لا يكون له منزلة العاقل البالغ من أجل ما يعتريه من وصف المجانين، فلذا: تثبت له أهلية وجوبٍ كاملةٌ، وتنعدم في حقه أهلية الأداء عندما يلحق بالمجنون، وتثبت له أهلية أداءٍ ناقصةٌ حين يلحق بالعقلاء.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه النسائي (٣٤٤٢)، وأبو داود (٤٣٩٨) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":370},{"text":"وفيه قوله ﷺ في بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في رفع القلم: «وعن المعتوه حتى يعقل» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-193> أثر الجنون في العبادات البدنية:</span>\n- في الوضوء والتيمم:\n- أجمع الفقهاء على أن الجنون قليلًا كان أو كثيرًا ناقضٌ للوضوء (^٢).\nكما صرحوا بأن كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم أيضًا (^٣).\n- أثر الجنون في سقوط الصلاة:\nلا خلاف بين الفقهاء في أن المجنون غير مكلفٍ بأداء الصلاة في حال جنونه، فلا تجب الصلاة على مجنونٍ لا يفيق؛ لأن أهلية الأداء تفوت بزوال العقل (^٤)، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا:\n_________\n(^١) انظر ما قبله.\n(^٢) القوانين الفقهية لابن جزى (٢٩)، وروضة الطالبين (١/ ٧٤)، والمغني لابن قدامة (١/ ١٧٢).\n(^٣) حاشية الدسوقي (١/ ١٥٨)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ١١٥)، والمغني (١/ ٢٧٢).\n(^٤) كشف الأسرار (٤/ ٢٦٤)، والاختيار لمجد الدين الحنفي (١/ ١٣٥)، والقوانين الفقهية ص (٤٩)، وروضة الطالبين (١/ ١٨٦) وما بعدها، والمغني (١/ ٤٠٠).","vol":"1","page":371},{"text":"«رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل».\nأثر الجنون في الصوم:\n- اتفق الأئمة على أن الجنون مسقطٌ للصوم إذا كان مطبقًا، وذلك بأن يمتد إلى أن يستغرق شهر رمضان؛ لأنه لم يشهد الشهر، وهو السبب لوجوب الصوم، ولذا فلا يجب الصوم على المجنون.\nأثر الجنون في الحج:\nالجنون كما سبق من عوارض الأهلية، فالمجنون لا يتأتى منه أداء أفعال الحج، وكذلك لو وقف بعرفة وهو مجنونٌ ولم يفق حتى خرج منها لم يجزئه.\n- أثر الجنون في الزكاة:\nذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه تجب الزكاة في مال المجنون ويخرجها الولي من ماله، فإن لم يخرج، أخرج المجنون بعد الإفاقة زكاة ما مضى، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ولي يتيمًا له مالٌ، فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة»، وروي موقوفًا على عمر ﵁، وإنما تأكله الصدقة بإخراجها، وإنما يجوز للولي إخراجها","vol":"1","page":372},{"text":"إذا كانت واجبةً؛ لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم؛ ولأن الشارع جعل ملك النصاب سببًا في الزكاة، والنصاب موجودٌ، والخطاب بإخراجها يتعلق بالولي، والمجنون والصبي سواءٌ في هذا الحكم.\n- أثر الجنون في التصرفات القولية:\nأجمع الفقهاء على أن الجنون كالإغماء والنوم، بل هو أشد منهما في فوات الاختيار، وتبطل عبارات المغمى عليه والنائم في التصرفات القولية، كالطلاق، والإسلام، والردة، والبيع والشراء، وغيرها من التصرفات القولية، فبطلانها بالجنون أولى؛ لأن المجنون عديم العقل والتمييز والأهلية، واستدلوا لذلك بقوله ﵊: رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل (^١)، ومثل ذلك كل تصرفٍ قوليٍّ لما فيه من الضرر (^٢).\n- أثر الجنون في عقود المعاوضة:\nلا خلاف بين الفقهاء في أن كل تصرفٍ قوليٍّ يصدر في حال الجنون فهو باطلٌ، فالمجنون لا تصح عقوده لرجحان جانب الضرر\n_________\n(^١) القوانين الفقهية ص (٢٣٢، ٢٥٠، ٣٦٩)، والمغني (٧/ ١١٣، ١١٤).\n(^٢) الاختيار (٢/ ٩٥).","vol":"1","page":373},{"text":"نظرًا إلى سفهه، وقلة مبالاته، وعدم قصده المصالح (^١).\n- أثر الجنون في التبرعات:\n- سبق بيان أن التصرفات القولية لا تصح من المجنون؛ لأنه بالجنون تسلب الولايات، واعتبار الأقوال، فلا تصح هبته ولا صدقته، ولا وقفه، ولا وصيته، وما إلى ذلك؛ لأن التصرفات يشترط فيها كمال العقل، والمجنون مسلوب العقل أو مختله، وعديم التمييز والأهلية، وهذا بإجماع الفقهاء.\n- أثر الجنون في الولاية:\nلا خلاف بين جمهور الفقهاء في أن الجنون يزيل الولاية؛ لعدم تمييزه؛ ولأن الولاية إنما ثبتت نظرًا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، وأيضًا المجنون لا يلي نفسه، فلا يلي غيره بالأولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-194>٣ - النسيان:</span>\nوالنسيان لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، لبقاء تمام العقل ولكنه عذرٌ في إسقاط الإثم والمؤاخذة الأخروية لما وقع\n_________\n(^١) الاختيار (٢/ ٩٥)، والقوانين الفقهية ص (٢٥٠)، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة لمحمد بن عبد الرحمن الدمشقي ص (١٢٨).","vol":"1","page":374},{"text":"بسببه من الأفعال أو التصرفات، أما المطالبة بالأداء فثابتةٌ عليه لا تسقط بالنسيان إلا فيما استثناه الشرع من ذلك.\nوهذه ثلاثة أمثلةٍ:\n[١] رجلٌ نسي صلاةً، فلا يعذر بتركها بعد التذكر، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من نسي صلاةً فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» (^١).\n[٢] رجلٌ استودع أمانةً فتركها في موضعٍ نسيانًا فذهبت عليه، وجب عليه الضمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وهذا من حقوق العباد، وحقوق العباد لهم، وهم أصحاب الحق فيها مطالبةً وإسقاطًا.\n[٣] رجلٌ نسي فأكل أو شرب وهو صائمٌ، فليتم صومه فأكله وشربه صدقةٌ من ربه ﵎ عليه، وهذا حقه سبحانه، فأسقط المطالبة به عند النسيان، كما قال النبي ﷺ: «إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (^٢).\nالأحكام المترتبة على النسيان: يترتب على النسيان أحكامٌ في الدنيا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":375},{"text":"وفي الآخرة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-195> أولًا: الحكم الأخروي:</span>\n- اتفق العلماء على أن النسيان مسقطٌ للإثم مطلقًا لقوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وقول الرسول ﷺ: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (^١). ولأن النسيان من باب ترك الحقيقة بدلالة محل الكلام؛ لأن عين الخطأ وأخويه غير مرفوعٍ، فالمراد حكمها وهو نوعان: أخرويٌّ، وهو المأثم، ودنيويٌّ وهو الفساد، والحكمان مختلفان، فصار بعد كونه مجازًا مشتركًا لا يعم، فإذا ثبت الأخروي إجماعًا لم يثبت الآخر (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-196> ثانيًا: الحكم الدنيوي:</span>\n- إن وقع النسيان في ترك مأمورٍ لم يسقط، بل يجب تداركه ولا يحصل الثواب المترتب عليه لعدم الائتمار. وإن وقع النسيان في فعلٍ منهيٍّ عنه ليس من باب الإتلاف فلا شيء فيه، أما إن وقع في فعلٍ منهيٍّ عنه فيه إتلافٌ لم يسقط الضمان، فإن وقع في فعلٍ منهيٍّ عنه يوجب\n_________\n(^١) حديث: \" إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان .. \" تقدم تخريجه.\n(^٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (٣٠٢ - ٣٠٣)، والأشباه والنظائر للسيوطي ص (١٨٧)، والمنثور في القواعد للزركشي (٣/ ٢٧٢) - (٢٧٣) وشرح الكوكب المنير (١/ ٥١١)، وما بعدها، وشرح مختصر الروضة (١/ ١٨٨) وما بعدها.","vol":"1","page":376},{"text":"عقوبةً كان النسيان شبهةً في إسقاطها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>٤ - النوم والإغماء:</span>\nالنائم والمغمى عليه ساقطةٌ عنهما أهلية الأداء في حال النوم والإغماء، ومطالبان بها لما فاتهما بسبب تلك الحال بعد زوال هذا العارض بالانتباه والاستيقاظ، فالشريعة رفعت في الحقيقة الإثم واللوم في التفويت أو الخطأ يقعان في حال النوم والإغماء.\nفعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاةٌ حتى يدخل وقت الأخرى» (^٢)، وتقدم في حديث رفع القلم: «وعن النائم حتى يستيقظ» (^٣).\nأما المطالبة بالفائت، واحتمال نتيجة الخطأ بعد زوال هذ العذر فهي ثابتةٌ.\nفعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ: «من نسي صلاةً\n_________\n(^١) المراجع السابقة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه النسائي (٣٤٤٢)، وأبو داود (٤٣٩٨) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":377},{"text":"أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (^١)، وفي روايةٍ: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]» (^٢).\nولو فعل النائم أو المغمى عليه خطأً فيما هو من حقوق العباد، كأن انقلب على إنسانٍ فقتله، فإنه يحتمل نتيجة الخطأ لا نتيجة العمد، لعدم القصد يقينًا.\nومن الفقهاء من شبه «المغمى عليه» بالمجنون، فلم يلزمه بشيء بعد الإفاقة، ومنهم من فرق بين ما إذا كان الوقت طويلًا أو قصيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>أثر الإغماء في الأهلية:</span>\n- الإغماء لا يؤثر في أهلية الوجوب لأن مناطها الإنسانية، أما أهلية الأداء فإنه ينافيها، لأن مدارها العقل، وهو مغلوبٌ على عقله.\n• أثر الإغماء في العبادات البدنية:\n- في الوضوء والتيمم:\nأجمع الفقهاء على أن الإغماء ناقضٌ للوضوء قياسًا على النوم، بل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس مرفوعًا، واللفظ المذكور لفظ مسلم.","vol":"1","page":378},{"text":"هو أولى، لأن النائم إذا أوقظ استيقظ بخلاف المغمى عليه.\nونص الفقهاء على أن كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم (^١).\n- أثر الإغماء في سقوط الصلاة:\nذهب المالكية والشافعية، وهو قولٌ عند الحنابلة، إلى أن المغمى عليه لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزءٍ من وقتها.\nوقد يشهد لهذا ما ورد عن عاصم قال: أغمي على أنس بن مالك، فلم يقض صلاته (^٢).\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن أغمي عليه خمس صلواتٍ قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار فأسقط القضاء كالجنون، وقال محمدٌ: يسقط القضاء إذا صارت الصلوات ستًّا ودخل في السابعة، لأن ذلك هو الذي يحصل به التكرار.\nلكن أبا حنيفة وأبا يوسف أقاما الوقت مقام الصلوات تيسيرًا فتعتبر الزيادة بالساعات.\nوقد يشهد لذلك ما رواه نافع: أن ابن عمر أغمي عليه؛ فذهب عقله، فلم يقض الصلاة، وفي رواية: أن ابن عمر أغمي عليه شهرًا، فلم\n_________\n(^١) المغني (١/ ٢٧٢)، وابن عابدين (١/ ١٦٩)، والدسوقي (١/ ١٥٨).\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٣٣٣).","vol":"1","page":379},{"text":"يقض ما فاته، وصلى يومه الذي أفاق فيه (^١).\nوذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى أن المغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه، مستدلين بما روي أن عمارًا غشي عليه أيامًا لا يصلي، ثم استفاق بعد ثلاثٍ، فقال «أي عمارٌ»: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت منذ ثلاثٍ، فقال: أعطوني وضوءًا فتوضأ ثم صلى تلك الليلة (^٢). وروى أبو مجلزٍ أن سمرة بن جندبٍ قال: المغمى عليه يترك الصلاة يصلي مع كل صلاةٍ صلاةً مثلها قال: قال عمران: زعم، ولكن ليصلهن جميعًا (^٣)، وروى الأثرم هذين\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه مالك في الموطأ (٢٤)، وعبد الرزاق (٤١٥٣)، وابن أبي شيبة (٦٦٠٠).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٣٣٥) من طريق محمد بن الحسن وهو محمد بن الحسن بن أبي الحسن المخزومي وهو يسرق الحديث، والحارث الأنصاري وأم سعيد لم أجد لهما ترجمة، وأخرجه عبد الرزاق (٤١٥٦)، والدارقطني (١٨٥٩)، والبيهقي في المعرفة (٢٤٦٨) من طرق عن الثوري عن السدي عن يزيد مولى عمار عن عمار بلفظ \" أن عمار بن ياسر رمي، فأغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء»، ويزيد مولى عمار مجهول.\n(^٣) منقطع: أخرجه ابن أبي شيبة (٦٥٨٥)، وابن المنذر (٢٣٣٦) من طرق عن سليمان التيمي عن أبي مجلز لاحق بن حميد عن سمرة وعمران، وأبو مجلز ثقة، لكنه لم يلق سمرة ولا عمران، ولا سمع منهما، كما قال ابن المديني، فالسند منقطع.","vol":"1","page":380},{"text":"الحديثين في سننه وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا يعرف لهم مخالفٌ فكان إجماعًا. ولأن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم (^١)، ولكن سبق بيان أن بعض الصحابة خالفوا هذا كأنس وابن عمر فالإجماع منتقض.\n- أثر الإغماء في الصيام:\nأجمع الفقهاء على أن الإغماء لا يسقط قضاء الصيام، فلو أغمي على شخصٍ جميع الشهر، ثم أفاق بعد مضيه يلزمه القضاء إن تحقق ذلك، وهو نادرٌ، والنادر لا حكم له، إلا عند الحسن البصري فإنه يقول: سبب وجوب الأداء لم يتحقق في حقه لزوال عقله بالإغماء، ووجوب القضاء يبتني على وجوب الأداء.\nواستدل فقهاء المذاهب بأن الإغماء عذرٌ في تأخير الصوم إلى زواله لا في إسقاطه، لأن سقوطه يكون بزوال الأهلية أو بالحرج، ولا تزول الأهلية به ولا يتحقق الحرج به، لأن الحرج إنما يتحقق فيما يكثر وجوده، وامتداده في حق الصوم نادرٌ، لأنه مانعٌ من الأكل والشرب.\n_________\n(^١) الدسوقي (١/ ١٨٢، ١٨٤، ١٨٥)، والمجموع (٣/ ٧)، وكشف الأسرار (٤/ ٢٨٩)، والمغني (١/ ٤٠٠)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٣٩٠).","vol":"1","page":381},{"text":"وحياة الإنسان شهرًا بدون الأكل والشرب لا يتحقق إلا نادرًا فلا يصلح لبناء الحكم عليه.\n- ومن نوى الصوم من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس، فقد قال الشافعية والحنابلة: لا يصح صومه لأن الصوم هو الإمساك مع النية. قال النبي ﷺ: يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي (^١) فأضاف ترك الطعام والشراب إليه. فإذا كان مغمًى عليه فلا يضاف الإمساك إليه فلم يجزه.\nوقال أبوحنيفة: يصح صومه لأن النية قد صحت وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم (^٢).\nومن أغمي عليه بعد أن نوى الصيام وأفاق لحظةً في النهار أجزأه الصوم، أي لحظةٍ كانت، اكتفاءً بالنية مع الإفاقة في جزءٍ، لأن الإغماء في الاستيلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون. فلو قيل: إن المستغرق منه لا يضر لألحق الأقوى بالأضعف. ولو قيل: إن اللحظة منه تضر كالجنون لألحق الأضعف بالأقوى فتوسط بين الأمرين.\n_________\n(^١) حديث: \" يقول الله كل عمل ابن آدم له إلا الصوم … \" أخرجه البخاري (الفتح (١٠/ ٣٦٩) ط السلفية).\n(^٢) كشف الأسرار (٤/ ٢٨١)، والمغني (٣/ ٩٨).","vol":"1","page":382},{"text":"وقيل: إن الإفاقة في أي لحظةٍ كافيةٌ. وفي قولٍ ثانٍ للشافعية: إن الإغماء يضر مطلقًا قل أو كثر (^١).\nد - أثره في الحج:\nالإغماء كما تقدم من عوارض الأهلية. فالمغمى عليه لا يتأتى منه أداء أفعال الحج، ولكن هل يصح إحرام الغير عنه بدون إذنٍ منه؟ وهل إذا أناب أحدًا تقبل الإنابة؟\nقال المالكية والشافعية والحنابلة: إن المغمى عليه لا يحرم عنه غيره، لأنه ليس بزائل العقل وبرؤه مرجوٌّ على القرب. ولو أيس من برئه بأن زاد إغماؤه على ثلاثة أيامٍ فعند الشافعية يحرم الولي عنه في المعتمد، وقاسوا ذلك على أنه ليس لأحدٍ أن يتصرف في ماله وإن لم يبرأ.\nومن يرجى برؤه ليس لأحدٍ أن ينوب عنه، وإن فعل لم يجزئه عند الشافعية والحنابلة، لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه إن وقعت، وفارق الميئوس من برئه، لأنه عاجزٌ على الإطلاق آيسٌ من القدرة على الأصل فأشبه الميت (^٢).\n_________\n(^١) حاشية الجمل على منهج الطلاب (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) المغني (٣/ ٢٢٩)، وحاشية الجمل (٢/ ٣٧٧)، والدسوقي (٢/ ٤٨).","vol":"1","page":383},{"text":"وعند أبي حنيفة أن من أغمي عليه فأهل عنه رفقاؤه جاز. وقال الصاحبان (^١): لا يجوز. ولو أمر إنسانًا بأن يحرم عنه إذا أغمي عليه، أو نام فأحرم المأمور عنه صح بإجماع الحنفية، حتى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج جاز.\nاستدل الصاحبان على الأول بأنه لم يحرم بنفسه ولا أذن لغيره به؛ وهذا لأنه لم يصرح بالإذن، والدلالة تقف على العلم وجواز الإذن به لا يعرفه كثيرٌ من الفقهاء فكيف يعرفه العوام؟ بخلاف ما لو أمر غيره بذلك صريحًا.\nولأبي حنيفة أنه لما عاقد رفقاءه عقد الرفقة فقد استعان بكل واحدٍ منهم فيما يعجز عن مباشرته بنفسه، والإحرام هو المقصود بهذا السفر، فكان الإذن به ثابتًا دلالةً، والعلم ثابتٌ نظرًا إلى الدليل، والحكم يدار عليه (^٢).\nوعند المالكية أنه لا يصح الإحرام عن المغمى عليه ولو خيف فوات الحج، لأنه مظنة عدم الطول ثم إن أفاق في زمنٍ يدرك الوقوف فيه أحرم وأدرك، ولا دم عليه في عدم إحرامه من الميقات.\n_________\n(^١) يقصد بهما أبو يوسف ومحمد بن الحسن.\n(^٢) فتح القدير لابن الهمام (٢/ ٤٠٢، ٤٠٣)، والمغني (٣/ ٤١٦).","vol":"1","page":384},{"text":"- أما بالنسبة للوقوف بعرفة، فالكل مجمعٌ على أنه لو أفاق المغمى عليه في زمن الوقوف ولو لحظةً أجزأه. وإن لم يفق من إغمائه إلا بعد الوقوف فمذهب المالكية والحنابلة إلى أنه فاته الحج في ذلك العام، ولا عبرة بإحرام أصحابه عنه ووقوفهم في عرفة، وللشافعية قولان في إجزاء وقوف المغمى عليه أو عدمه.\nوالحنفية يكتفون بالكينونة في محل الوقوف وزمنه مع سبق الإحرام، فوقوف المغمى عليه مجزئٌ.\nأما أثر الإغماء على باقي أعمال الحج فيراجع في كتب الفرع.\nأثر الإغماء على الزكاة:\nالمغمى عليه بالغٌ عاقلٌ فتجب في ماله الزكاة، فإذا أغمي عليه بعد وجوبها فلا يتأتى منه الأداء، وعليه إذا أفاق قضاؤها ولو امتد به الإغماء؛ إذ امتداده نادرٌ والنادر لا حكم له.\n\n*<span data-type='title' id=toc-199> أثر الإغماء في التصرفات القولية:</span>\nذهب الفقهاء إلى أن الإغماء كالنوم بل أشد منه في فوت الاختيار، لأن النوم يمكن إزالته بالتنبيه بخلاف الإغماء. وتبطل عبادات النائم في الطلاق والإسلام والردة والبيع والشراء. فبطلانها بالإغماء أولى.\nواستدلوا على عدم وقوع طلاق المغمى عليه بأحاديث، منها قوله","vol":"1","page":385},{"text":"ﷺ: رفع القلم عن ثلاثةٍ، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل (^١)، وقد أجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه لا طلاق له، والمغمى عليه أشد حالًا من النائم.\nوقال الإمام أحمد في المغمى عليه إذا طلق فلما أفاق علم أنه كان مغمًى عليه وهو ذاكرٌ لذلك قال: إذا كان ذاكرًا لذلك فليس هو مغمًى عليه، يجوز طلاقه (^٢)، ومثل ما ذكر كل تصرفٍ قوليٍّ.\n\n*<span data-type='title' id=toc-200> أثر الإغماء في عقود المعاوضة:</span>\nكل تصرفٍ قوليٍّ يصدر في حال الإغماء فهو باطلٌ، لكن إذا تم التصرف في حال الصحة ثم طرأ الإغماء لا ينفسخ لتمامه في حالٍ تصح فيها (^٣).\nولا تصح وصية المغمى عليه في حالة الإغماء المؤقت، ولا المغمى عليه الذي يئس من إفاقته (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من حديث علي ﵁ مرفوعا، وقال: حديثُ عليٍّ حديث حسن غريب من هذا الوجه تحفة الأحوذي (٤/ ٦٨٥ - ٦٨٦).\n(^٢) ابن عابدين (٢/ ٤٢٦)، والمغني (٧/ ١١٣، ١١٤).\n(^٣) الموسوعة الفقهية الكويتية (٥/ ٢٧٠).\n(^٤) حاشيتا قليوبي وعميرة (٣/ ١٥٧).","vol":"1","page":386},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-201> أثر الإغماء في التبرعات:</span>\n- سبق بيان أن التصرفات القولية كلها لا تصح من المغمى عليه، فلا تصح هبته ولا صدقته ولا وقفه وما إلى ذلك، لأن المغمى عليه مغلوب العقل فلا يتوفر فيه شرط صحة التصرف، وهذا بإجماع الفقهاء، ولأن التصرفات يشترط فيها كمال العقل؛ والمغمى عليه ليس كذلك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-202> أثر الإغماء في الجنايات:</span>\n- تقدم أن الإغماء عارضٌ وقتيٌّ تسقط فيه المؤاخذة وفهم الخطاب، فإن حالة المغمى عليه هي سترٌ للعقل ينشأ عنه فقدٌ للوعي وفقدٌ للاختيار، لذلك كان سببًا من أسباب عدم المؤاخذة بالنسبة لحقوق الله تعالى حسب البيان السابق.\nأما بالنسبة لحقوق العباد فإنها لا تسقط. فإذا وقعت منه جرائم أخذ بها. فإذا انقلب النائم على غيره فمات فإنه يعامل معاملة المخطئ وتجب الدية، وإذا أتلف مال إنسانٍ وهو مغمًى عليه وجب عليه ضمان ما أتلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>٥ - الصغر:</span>\nوهو من عوارض الأهلية لقوله ﷺ \" رفع القلم عن ثلاثة … وعن الصبى حتى يحتلم \"؛ وعلى ذلك فالصبى المميز غير مكلف؛ لأننا","vol":"1","page":387},{"text":"لاندرى متى ميز، ومتى فهم الخطاب، ولما كان التمييز علامة غير منضبطة لم يعلق بها الشارع التكليف، وإنما علقه بالمنضبط وهو البلوغ، ورفع القلم يكون فى الترك للمأمورات، وفعل المنهيات، أما فعل المأمورات فهو مجزي بها فلو فعل مأمورًا به له فيه أجر، بدليل أن امرأة رفعت للنبى ﷺ صبيًّا صغيرًا فى الحج، وقالت يارسول الله «ألهذا حج» قال \" نعم ولك أجر \" (^١).\nويعرف البلوغ بأحد أمور:\n- الاحتلام وهو الأصل (^٢).\n- الحيض فى حق الأنثى (^٣).\n- وقيل قد يعرف البلوغ بالسن وهو عند الجمهور خمس عشرة\n_________\n(^١) رواه مسلم فى كتاب الحج باب صحة حج الصبى.\n(^٢) دليل الاحتلام وإنزال المنى قوله تعالى ﴿وإذا بلغ الأطفال …﴾ [النور: ٥٩] والدليل قوله تعالى (فليستأذنوا)، وهذا فعل مضارع مقرون بلام الأمر يدل على الأمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، والواجب يطالب به المكلف، والله لا يأمر إلا المكلف، ومنه أيضًا قوله ﷺ \" رفع القلم عن ثلاث … وعن الصبى حتى يحتلم \".\n(^٣) واستدلوا على ذلك بما روي عن النبي ﷺ \" لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار\"، اختلف في وصله وإرساله والراجح الإرسال.","vol":"1","page":388},{"text":"سنة (^١).\n- الإنبات، وقال به جمع من العلماء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-204>٦ - المرض:</span>\nالمريض ثابتةٌ في حقه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، لكن للمريض تأثيرٌ في بعض الأحكام يسببها هذا العارض، فلذا تسقط عنه المطالبة بما يعجز عنه من حقوق الله تعالى، كعجزه عن القيام في الصلاة، وجواز الفطر من رمضان، وغير ذلك.\nأما عقوده وتصرفاته، فإنها صحيحةٌ جميعًا، فإن له تمام العقل وكمال الأهلية، فبيعه ونكاحه وطلاقه، وغير ذلك من عقوده صحيحٌ\n_________\n(^١) ومن الأدلة على بلوغ من كان سنه خمس عشرة سنة هجرية حديث ابن عمر قال \" عُرِضتُ على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعُرِضتُ عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني \"، وقالوا ذلك لأن النبي كان يأخذ من كانوا بالغين مكلفين للجهاد فى سبيل الله تعالى. أخرجه البحاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨).\n(^٢) واستدلوا على ذلك بما جاء عن عطية القرظي قال عن اليهود \" أنهم عُرِضُوا على رسول الله ﷺ يوم قريظة فمن كان محتلمًا أو نبتت عانته قتل، ومن لم يكن احتلم أو لم تنبت عانته ترك \". أخرجه أبو داود (٤٤٠٤)، والنسائي (٣٤٣٠)، والترمذي (١٥٨٤) من طرق عن عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي موقوفًابإسناد صحيح.","vol":"1","page":389},{"text":"نافذٌ.\nلكن اختلف الفقهاء في نكاحه وطلاقه في مرض الموت، فأما النكاح فأبطله بعضهم، وصححه الجمهور، وعلة من أبطله أنه قصد به الإضرار بالورثة بإدخال وارثٍ جديدٍ عليهم، وقول الجمهور هو الموافق للأصل، وأما طلاقه إذا كان بائنًا فصحيحٌ ماضٍ عندهم، لكنهم اختلفوا في توريث المطلقة منه، فجمهورهم على أنها ترث منه، وطائفةٌ منهم الشافعي أنها لا ترث منه.\nوصح أن عبد الرحمن بن عوفٍ طلق امرأته البتة وهو مريضٌ، فورثها عثمان ﵁ بعد انقضاء عدتها (^١).\nوليس في إبطال الحقوق بهذه التصرفات شيءٌ في الكتاب والسنة، وما دام المريض كامل الأهلية فتصرفه صحيحٌ معتبرٌ، وتصحيحه يعني تصحيح ما يترتب عليه.\n_________\n(^١) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه مالك (٤٠) من طريق طلحة بن عبد الله بن عوف وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرزاق (١٢١٩٤) من طريق هشام بن عروة، ثلاثتهم عن عثمان بن عفان به.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>٧ - الحيض والنفاس:</span>\nهما من العوارض الكونية المختصة بالنساء، وهما لا ينافيان أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء، لكن يحولان بين المرأة وبين الصلاة، والصوم، والطواف بالبيت في وقت وقوعهما من المرأة، وتبقى المطالبة بقضاء الصوم والإتيان بطواف الإفاضة دون طواف الوداع، على تفصيلٍ يعرف في كتب الفقه، أما سائر العبادات فلا يحول بين المرأة وبينها عارض الحيض أو النفاس على التحقيق.\nعن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريةٌ أنت؟ قلت: لست بحروريةٍ، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟»، قلت: لوددت والله أني لم أحج العام، قال: «لعلك نفست» قلت: نعم، قال: «فإن ذلك شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٢٣٥) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":391},{"text":"وعن عائشة أيضًا قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «ناوليني الخمرة من المسجد»، قالت: فقلت إني حائضٌ، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-206>٨ - الموت:</span>\nالموت تنعدم فيه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء.\nلكن هل يبقى شيءٌ يطالب به الميت يمكن أداؤه عنه؟\nنعم، دل الكتاب والسنة على بقاء الدَّين حقًّا يطالب به الميت لا يبرأ منه إلا بأدائه عنه، ولذا لا يقسم ميراثه ويصير إلى ورثته إلا بعد استيفاء ديونه منه، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وكذا يصح تحمله عنه من قبل غيره فتسقط عنه به المؤاخذة، كما ثبت في السنة عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أتي بجنازةٍ ليصلي عليها، فقال: «هل عليه من دينٍ؟» قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازةٍ أخرى، فقال: «هل عليه من دينٍ؟»، قالوا: نعم، قال: «صلوا على صاحبكم»، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلمٌ (٢٩٨) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٩٥) من حديث سلمة بن الأكوع مرفوعًا.","vol":"1","page":392},{"text":"واختلف الفقهاء في زكاة ماله لو وجبت عليه قبل موته، ولم يخرجها، فهل يلزم الورثة إخراجها أم لا، فذهب الحنفية إلى عدم إخراجها حيث كان هو المكلف بها، وماله من بعده بعد استيفاء حقوق الخلق التي كانت عليه يعود لورثته، وذهب الشافعية إلى وجوب إخراجها عنه من ماله؛ لأن وجوبها عندهم في نفس المال، ومذهب الحنفية أصح في هذا، فإنه كان المكلف بها، وهو إما أن يكون قصد عدم الإخراج، أو التأخير فتلك خطيئةٌ لا يحتمل أثرها عنه غيره، وإما أن يكون عجز عنها، أو لم يزل وقتها حين مات موسعًا، فليس عليه فيها مؤاخذةٌ، لكن لو أخرجها الورثة كانت صدقةً نافعةً، فقد صح عن عائشة ﵂: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: «إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٨)، ومسلم (١٠٠٤) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":393},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-207> القسم الثاني: عوارض مكتسبة:</span>\nوهي المؤثرات في الأهلية التي للإنسان فيها كسبٌ واختيارٌ، ويندرج تحتها:\n\n<span data-type='title' id=toc-208>١ - الجهل:</span>\nالجهل في اللغة: نقيض العلم، ويطلق على السفه والخطأ، يقال جهل على غيره سفه وأخطأ.\nوالجهل اصطلاحًا: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه (^١).\nوالجهل يأتي على ثلاثة أضرب:\n- الأول: هو خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل.\n- والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.\n- والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا، كمن يترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧]، فجعل فعل الهزو جهلًا، وقال ﷿: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].\n_________\n(^١) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني مادة (جهل).","vol":"1","page":394},{"text":"والجاهل تارة يذكر على سبيل الذم، وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذم، نحو: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: من لا يعرف حالهم، وليس يعني المتخصص بالجهل المذموم، والمجهل: الأمر والخصلة التي تحمل الإنسان على الاعتقاد بالشيء خلاف ما هو عليه، واستجهلت الريح الغصن: حركته، كأنها حملته على تعاطي الجهل، وذلك استعارة حسنة (^١).\nفالجهل في عمومه من العوارض المكتسبة وذلك لأمرين:\n١ - كونه ثابتًا في حالٍ دون حالٍ كالصغر.\n٢ - لأن إزالته باكتساب العلم في قدرة العبد فكان ترك تحصيل العلم منه اختيارًا بمنزلة اكتساب الجهل باختيار بقائه (^٢).\n• مسألة مهمة: هل يعفى عن المكلف بالجهل مع إمكان العلم أم يؤاخذ؟\nالجواب: أنه يأثم بالتفريط في طلب العلم مع القدرة عليه، وذلك من حيث الجملة لا بخصوص جهله بحكمٍ معينٍ، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].\nومن الأصوليين من فرق بين الجهل بالأحكام لمن يعيش في بلادٍ\n_________\n(^١) مفردات الراغب (٢٠٩).\n(^٢) كشف الأسرار (٤/ ٥٣٠).","vol":"1","page":395},{"text":"إسلاميةٍ، ومن يعيش في بلادٍ غير إسلامية، وليس التفريق بظاهرٍ في الأدلة، فإن الجهل واردٌ على أي حالٍ، لكن الذي يقع في دار الإسلام، فالمعلوم من الدين بالضرورة لا يخفى، والحجة به قائمةٌ، فلو زنى رجلٌ من المسلمين وقد تربى في الإسلام وبين أهله وادعى أنه لا يعلم حرمة الزنا لما كان عذرًا يحول بينه وبين العقوبة، لأن الحجة ظاهرةٌ في مثل ذلك، وقوله محمولٌ على الكذب، إلا أن يكون في بيئةٍ ذهبت عنها معالم الدين، والأقرب في هذا أن يعود الأمر إلى أن يقدر كل ظرفٍ بما يناسبه، والعمدة فيه على بلوغ الحجة، أما الجهل ذاته فهو مانعٌ من التكليف (^١).\nقال القرافي: وضابط ما يعفى عنه من الجهالات الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادةً، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه (^٢).\nملحوظة: إعذار الجاهل من باب التخفيف لا من حيث جهله.\nولهذا قال الشافعي: لو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ\n_________\n(^١) تيسير علم أصول الفقه للجديع (٧٥).\n(^٢) الفروق للقرافي (٢/ ١٥٠).","vol":"1","page":396},{"text":"والتمكين (^١).\nفالجاهل ثابتةٌ له الأهليتان: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، والجهل عارضٌ مطلوبٌ منه إزالته.\nلكنه لو كان جاهلًا لم يكن مكلفًا، فلو جهل إنسانٌ كون الوضوء شرطًا لصحة الصلاة وكان يصلي زمانًا بغير وضوءٍ، ثم علم هذا الحكم، فإنه لا يطالب بقضاء ما صلاه بغير وضوءٍ إلا صلاةً لم يزل في وقتها.\nومن الدليل عليه الحديث المشهور عن الرجل الذي أساء في صلاته، فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ، فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر …» (^٢).\nوموضع الشاهد منه: أن هذا الرجل كان يصلي صلاةً غير صحيحةٍ، وهو لا يعلم حتى علمه النبي ﷺ كيف يصلي، ولم يأمره النبي ﷺ أن يعيد شيئًا من الصلوات التي صلاها على تلك الصفة إلا الصلاة الباقي\n_________\n(^١) المنثور للزركشي (٢/ ١٥ - ١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":397},{"text":"وقتها.\n• أقسام الجهل:\n- قسم بعض العلماء الجهل إلى أنواعٍ هي:\nالأول: الجهل الذي يكون من مكابرة العقل وترك البرهان القاطع وهو جهل الكافر، لا يكون عذرًا بحالٍ، بل يؤاخذ به في الدنيا والآخرة.\nالثاني: الجهل الذي يكون عن مكابرة العقل وترك الحجة الجلية أيضًا، لكن المكابرة فيه أقل منها في الأول؛ لكون هذا الجهل ناشئًا عن شبهةٍ منسوبةٍ إلى الكتاب أو السنة. وهذا الجهل للفرق الضالة من أهل الأهواء، وهذا الجهل لا يكون عذرًا، ولا نتركهم على جهلهم، فإن لنا أن نأخذهم بالحجة لقبولهم التدين بالإسلام.\nالثالث: جهلٌ نشأ عن اجتهادٍ ودليلٍ شرعيٍّ لكن فيما لا يجوز فيه الاجتهاد بأن يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع.\nوحكمه: أنه وإن كان عذرًا في حق الإثم، لكن لا يكون عذرًا في الحكم حتى لا ينفذ القضاء به.\nالرابع: جهلٌ نشأ عن اجتهادٍ فيه مساغٌ كالمجتهدات، وهو عذرٌ وينفذ القضاء على حسبه.\nالخامس: جهلٌ نشأ عن شبهةٍ وخطأٍ كمن وطئ أجنبيةً يظن أنها","vol":"1","page":398},{"text":"زوجته، وهذا عذرٌ يسقط الحد.\nالسادس: جهلٌ لزمه ضرورةً بعذرٍ، وهو أيضًا عذرٌ يسقط به الحد، كجهل المسلم في دار الحرب أحكام الإسلام، فلا يحد بالشرب (^١).\nملحوظة: المقصود هنا الجهل بالحكم لا بما يترتب عليه.\nمثال: إنسان سرق ولم يعلم بحرمة السرقة لا تقطع يده، وليس عليه إثم، وآخر سرق ويعلم أن السرقة حرام، ولا يعلم أن السارق تقطع يده فهذا تقطع يده؛ لأنه علم الحكم أي التحريم، ولا يلزم أن يعلم المترتب.\nففي الحديث: جاء رجل للنبي ﷺ، فقال للنبي ﷺ: احكم بيننا بكتاب الله، قال: إن ابني كان عسيفًا عند هذا وزنا بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة، فسألت أهل العلم، فقالوا: إن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم. فهم لم يعلموا الحد بدليل فدية الرجل لابنه وسؤالهم أهل العلم، فقال النبي ﷺ: «والذى نفسى بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، على ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى\n_________\n(^١) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (١/ ١٦٠ - ١٦١)، وينظر الفروق للقرافي (٢/ ١٤٨) الفرق الرابع والتسعون.","vol":"1","page":399},{"text":"امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (^١).\n• مسألة: الجهل عذرٌ في المنهيات في حقوق الله تعالي:\n- الجهل عذرٌ في حق الله تعالى في المنهيات دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنهي (^٢). وحديث يعلى بن أمية: حيث أمر ﷺ أعرابيًّا بنزع الجبة التي عليها أثر الخلوق وهو محرمٌ، ولم يأمره بالفدية لجهله (^٣).\nواحتج به الشافعي على أن من وطئ في الإحرام جاهلًا فلا فدية عليه. والفرق بينهما من جهة المعنى أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها. وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجورٌ عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع الجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه.\nأما في حقوق الآدميين فقد لا يعذر، كما لو ضرب مريضًا جهل مرضه ضربًا يقتل المريض يجب القصاص في الأصح. بخلاف ما لو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٦٩٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٧٨٩).","vol":"1","page":400},{"text":"حبس من به جوعٌ وعطشٌ، ولم يعلم بحاله مدةً لا يموت فيها الشبعان عند الحبس فلا قصاص.\nوكأن الفرق أن أمارات المرض لا تخفى بخلاف الجوع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>٢ - الخطأ:</span>\nوهو ما قابل التعمد، وهو عارضٌ لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، لكنه عذرٌ في إسقاط الإثم واللوم.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥].\nفما يقع من الخطأ في حق الله تعالى فهو معفوٌّ عنه مغفورٌ لصاحبه، ومن ذلك خطأ المفتي في فتواه باجتهاده، وخطأ المجتهد في القبلة.\nأما في حقوق العباد فإن وقع التعدي خطأً، كما في القتل الخطأ مثلًا فإنه مع سقوط الإثم عنه، لكنه لا تسقط المطالبة جملةً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].\nأما إن أجرى شيئًا من العقود كالبيع والنكاح والطلاق، فالجمهور\n_________\n(^١) المنثور للزركشي (٢/ ١٩ - ٢١).","vol":"1","page":401},{"text":"على إبطال تلك التصرفات لانتفاء القصد، وخالفهم الحنفية فصححوها، والأصل مع مذهب الجمهور.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>٣ - الهزل:</span>\nوهو أن لا يراد باللفظ معناه، وهو ضد الجد.\nوالهازل من يتكلم بالشيء، وهو يدرك معناه، لكنه لا يريد ذلك المعنى، ولا يختاره، ولا يرضاه.\nإذن فالهزل لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، لكن هل يترتب عليه أثرٌ؟\n• التصرفات القولية التي تقترن بالهزل ثلاثة أنواعٍ:\n[١] الإخبارات:\nوهي الإقرارات كأن يقول: لفلانٍ علي كذا، أو هذا المال لي، أو أنا قتلت فلانًا، فهذه إقراراتٌ فاسدةٌ لا يترتب عليها شيءٌ؛ لأنها كذبٌ.\n[٢] الاعتقادات:\nوتقع على ما يتكلم به الهازل، ولا يقال لم يرد حقيقتها، مثالها: لو تكلم إنسانٌ بكلمة الكفر هازلًا، وقال: ما قصدت ولا أردت أخذ بها، وعدت ردةً عن الإسلام، لما في هزله من الاستخفاف بدين الإسلام.\nقال الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ","vol":"1","page":402},{"text":"قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].\n[٣] الإنشاءات:\nوهي العقود، وهي نوعان:\nالنوع الأول: تنفذ مع الهزل، وتقع صحيحةً، وهي التي وردت في قوله ﷺ: «ثلاثٌ جدهن جدٌّ، وهزلهن جدٌّ: الطلاق، والنكاح، والرجعة» (^١)، ولعل المعنى في إمضاء هذه العقود حتى مع الهزل أنها لا تخلو من حق الله تعالى فيها، فيكون الهزل بها من اتخاذ آيات الله هزوًا، وقد قال تعالى في صدد بيان أحكام الطلاق: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١].\nالنوع الثاني: لا تنفذ مع الهزل ولا تقع، وهي سائر أنواع العقود كالبيع والإجارة، وغير ذلك، فلو قال إنسانٌ لآخر: بعتك كذا. هازلًا فلا يصح البيع لانتفاء التراضي بانتفاء قصد الهازل، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ومداره على عبد الرحمن بن حبيب وهو ضعيف، وضعفه ابن الملقن كما في البدر المنير (٨/ ٨٢)، وغيره.","vol":"1","page":403},{"text":"تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-211>٤ - السكر:</span>\nوهو زوال العقل بسبب تعاطي الخمرة ونحوها، بحيث لا يدري السكران ماذا يصدر منه من تصرفاتٍ حال سكره.\nفالأصل أنه بزوال العقل يصبح غير مطالبٍ بالأداء في حال السكر، أي: تنعدم في حقه أهلية الأداء.\nلكن الفقهاء اختلفوا في نتائج تصرفاته إذا سكر بطريقٍ محرمٍ لا خطأ، فشدَّد الجمهور عليه نظرًا لارتكابه الحرام بشربه الخمر، وذهب طائفةٌ من الفقهاء وهو قولٌ للحنابلة إلى عدم الاعتداد بأي تصرفٍ قوليٍّ له، فلا يصح منه بيعٌ ولا نكاحٌ ولا طلاقٌ ولا إقرارٌ، ولا شيءٌ؛ نظرًا لفقده شرط التكليف الذي هو العقل وانتفاء الاختيار.\nوأما الحقوق المتعلقة بالبشر، فإنه لو أتلف شيئًا للغير ضمن.\nولكن لو قتل فهل يقتل؟ الجمهور قالوا: نعم، وذهبت طائفةٌ إلى عدم قتله منهم الظاهرية؛ لانتفاء وصف العمد، وإنما يجب القصاص في العمد.\nوقول من قال: لا يعتد بتصرفاته هو المتوافق مع الأدلة والأصول الشرعية، ولا يصح أن يعاقب بغير حد الخمرة، فإذا تعدى على غيره","vol":"1","page":404},{"text":"بغير القتل فإنه يحتمل حق الغير كما يحتمله المجنون في ماله، أما القصاص فقد تخلف ركنٌ فيه وهو العمد؛ فلا يصح.\nوعليه: فلا ينبغي التفريق بين الآثار المترتبة على تصرف السكران بطريقٍ مباحٍ كمن شرب الخمر وهو لا يعلم، أو بطريقٍ محرمٍ، ولا يحل أن نزيد في عقوبته على ما جاءت به الشريعة. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>٥ - الإكراه:</span>\nالإكراه لغة: مصدره أكره يكره، والكريهة: الشدة في الحرب، والكُره: خلاف المحبة والرضا، وأكرهته على كذا: حملته عليه كرهًا (^١).\nوفي الاصطلاح: عرفه البزدوي بأنه: حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويفٍ يقدر الحامل على إيقاعه، ويصير الغير خائفًا به (^٢).\nوهو معدِمٌ للرضى لا للاختيار؛ لأن الفعل يصدر عن المكره باختياره، لكنه قد يفسد الاختيار بأن يجعله مستندًا إلى اختيارٍ آخر، وقد لا يفسده بأن يبقى الفاعل مستقلًّا في قصده.\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ١٧٢)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٢٤٧) (كره).\n(^٢) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام لعبد العزيز بن أحمد البخاري (٤/ ٥٣٨).","vol":"1","page":405},{"text":"هذا، والإكراه سواءٌ أكان ملجئًا أم غير ملجئٍ كما قال الحنفية - أو إكراهًا بحقٍّ أو بغير حقٍّ - كما قال الشافعية - لا يؤثر في أهلية الوجوب لبقاء الذمة، ولا يؤثر في أهلية الأداء لبقاء العقل والبلوغ، إلا أنهم عدوه من العوارض؛ لأنه يفسد الاختيار، ويجعل المكرَه - بفتح الراء - في بعض صوره آلةً للمكرِه - بكسر الراء -.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>شرائط الإكراه:</span>\nالشريطة الأولى:\n-قدرة المكرِه «بالكسر» على إيقاع ما هدد به، لكونه متغلبًا ذا سطوةٍ وبطشٍ - وإن لم يكن سلطانًا ولا أميرًا - ذلك أن تهديد غير القادر لا اعتبار له (^١).\nالشريطة الثانية:\n- خوف المكرَه «بفتح الراء» من إيقاع ما هدد به، ولا خلاف بين الفقهاء في تحقق الإكراه إذا كان المخوف عاجلًا، فإن كان آجلًا، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والأذرعي من الشافعية إلى تحقق الإكراه مع التأجيل، وذهب جماهير الشافعية إلى أن الإكراه لا يتحقق\n_________\n(^١) المبسوط للسرخسي (٢٤/ ٣٩)، ورد المحتار لابن عابدين (٥/ ٨٠)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (٣/ ٢٩٠)، والمغني لابن قدامة (٨/ ٢٦١).","vol":"1","page":406},{"text":"مع التأجيل، ولو إلى الغد.\nوالمقصود بخوف الإيقاع غلبة الظن، ذلك أن غلبة الظن معتبرةٌ عند عدم الأدلة، وتعذر التوصل إلى الحقيقة (^١).\nالشريطة الثالثة:\n- أن يكون ما هدد به قتلًا أو إتلاف عضوٍ، ولو بإذهاب قوته مع بقائه كإذهاب البصر، أو القدرة على البطش، أو المشي مع بقاء أعضائها، أو غيرهما مما يوجب غمًّا يعدم الرضا، ومنه تهديد المرأة بالزنا، والرجل باللواط.\nأما التهديد بالإجاعة، فيتراوح بين هذا وذاك، فلا يصير ملجئًا إلا إذا بلغ الجوع بالمكرَه «بالفتح» حد خوف الهلاك (^٢).\nثم الذي يوجب غمًّا يعدم الرضا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال: فليس الأشراف كالأراذل، ولا الضعاف كالأقوياء، ولا تفويت المال اليسير كتفويت المال الكثير، والنظر في ذلك مفوضٌ إلى\n_________\n(^١) رد المحتار لابن عابدين (٥/ ٨٠، ٨٨)، والمبسوط للسرخسي (٢٤/ ٤٩، ٧١، ٧٨)، ومغني المحتاج (٣/ ٢٨٩، ٢٩٠)، والمغني (٨/ ٢٦١).\n(^٢) أشباه السيوطي ص (٢٠٩).","vol":"1","page":407},{"text":"الحاكم، يقدر لكل واقعةٍ قدرها (^١).\nالشريطة الرابعة:\n- أن يكون المكرَه ممتنعًا عن الفعل المكرَه عليه لولا الإكراه، إما لحق نفسه - كما في إكراهه على بيع ماله -، وإما لحق شخصٍ آخر، وإما لحق الشرع - كما في إكراهه ظلمًا على إتلاف مال شخصٍ آخر، أو نفس هذا الشخص، أو الدلالة عليه لذلك (^٢).\nأو على ارتكاب موجب حدٍّ في خالص حق الله، كالزنا وشرب الخمر (^٣).\nالشريطة الخامسة:\n- أن يكون محل الفعل المكره عليه متعينًا. وهذا عند الشافعية\n_________\n(^١) المبسوط (٢٤/ ٥٢)، والتلويح (٢/ ١٩٨)، ورد المحتار (٥/ ٨١)، والفروع (٣/ ١٧٦).\n(^٢) وله - أو عليه - إذا حلفه الحامل، أن يحلف كاذبا، ويحنث، لأنه مخير بين اليمين والدلالة، كما هي القاعدة عند غير الحنفية والمالكية، فيما اعتمدوه. وقيل: لا تنعقد يمينه أصلًا، واختاره ابن رجب من الحنابلة (قواعده (٣٧) ومقتضى قواعد الحنفية والمالكية أن هذا التخيير لا ينافي الإكراه، ولكن يمين المكرَه منعقدة وصحيحة في رأي الحنفية، وباطلة أو قابلة للإجازة عند المالكية.\n(^٣) رد المحتار (٥/ ٨٠)، ومغني المحتاج (٣/ ٢٣٩، ٢٩٠).","vol":"1","page":408},{"text":"وبعض الحنابلة على إطلاقه. وفي حكم المتعين عند الحنفية ومن وافقهم من الحنابلة - ما لو خير بين أمورٍ معينةٍ (^١).\nفالإكراه على طلاق إحدى هاتين المرأتين، أو قتل أحد هذين الرجلين، فعند الحنفية والمالكية، ومعهم موافقون من الشافعية والحنابلة، يتحقق الإكراه برغم هذا التخيير.\nوعند جماهير الشافعية، وقلةٍ من الحنابلة لا يتحقق؛ لأن له مندوحةً عن طلاق كلٍّ بطلاق الأخرى، وكذا في القتل، نتيجة عدم تعيين المحل (^٢).\nالشريطة السادسة:\nألا يكون للمكرَه مندوحةٌ عن الفعل المكرَه عليه، فإن كانت له مندوحةٌ عنه، ثم فعله لا يكون مكرَهًا عليه، وعلى هذا لو خير المكرَه بين أمرين فإن الحكم يختلف تبعًا لتساوي هذين الأمرين أو تفاوتهما من حيث الحرمة والحل، وتفصيل الكلام في ذلك كما يلي:\nإن الأمرين المخير بينهما إما أن يكون كل واحدٍ منهما محرمًا لا يرخص فيه، ولا يباح أصلًا، كما لو وقع التخيير بين الزنا والقتل.\n_________\n(^١) رد المحتار (٥/ ٨٨)، والمبسوط (٢٤/ ٦١).\n(^٢) فتاوى ابن حجر (٤/ ١٧٦)، وأشباه السيوطي ص (٢١٠).","vol":"1","page":409},{"text":"أو يكون كل واحدٍ منهما محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين الكفر وإتلاف مال الغير.\nأو يكون كل واحدٍ منهما محرمًا يباح عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين أكل الميتة وشرب الخمر.\nأو يكون كل واحدٍ منهما مباحًا أصالةً أو للحاجة، كما لو وقع التخيير بين طلاق امرأته وبيع شيءٍ من ماله، أو بين جمع المسافر الصلاة في الحج وفطره في نهار رمضان.\nففي هذه الصور الأربع التي يكون الأمران المخير بينهما متساويين في الحرمة أو الحل، يترتب حكم الإكراه على فعل أي واحدٍ من الأمرين المخير بينهما، وقد خالف في هذا أكثر الشافعية وبعض الحنابلة، فنفوا حصول الإكراه في هذه الصور.\n- وإن تفاوت الأمران المخير بينهما، فإن كان أحدهما محرمًا لا يرخص فيه ولا يباح بحالٍ كالزنا والقتل، فإنه لا يكون مندوحةً، ويكون الإكراه واقعًا على المقابل له، سواءٌ أكان هذا المقابل محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، كالكفر وإتلاف مال الغير، أم محرمًا يباح عند الضرورة، كأكل الميتة وشرب الخمر، أم مباحًا أصالةً أو للحاجة، كبيع شيءٍ معينٍ من مال المكره، والإفطار في نهار رمضان.","vol":"1","page":410},{"text":"وتكون هذه الأفعال مندوحةً مع المحرم الذي لا يرخص فيه ولا يباح بحالٍ، أما هو فإنه لا تكون مندوحةً لواحدٍ منها، ففي الصور الثلاثة المذكورة آنفًا، وهي ما لو وقع التخيير بين الزنا أو القتل وبين الكفر أو إتلاف مال الغير، أو وقع التخيير بين الزنا أو القتل، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، أو وقع التخيير بين الزنا أو القتل وبين بيع شيءٍ معينٍ من المال، فإن الزنى أو القتل لا يكون مكرهًا عليه، فمن فعل واحدًا منهما كان فعله صادرًا عن طواعيةٍ لا إكراهٍ، فيترتب عليه أثره إذا كان الإكراه ملجئًا حتى يتحقق الإذن في فعل المندوحة، وكان الفاعل عالمًا بالإذن له في فعل المندوحة عند الإكراه.\n- وإن كان أحد الأمرين المخير بينهما محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، والمقابل له محرمًا يباح عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو إتلاف مال الغير، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، فإنهما يكونان في حكم الأمرين المتساويين في الإباحة، فلا يكون أحدهما مندوحةً عن فعل الآخر، ويكون الإكراه واقعًا على فعل كل واحدٍ من الأمرين المخير بينهما، متى كان بأمرٍ متلفٍ للنفس أو لأحد الأعضاء.\n- وإن كان أحد الأمرين محرمًا يرخص فيه أو يباح عند الضرورة، والمقابل له مباحًا أصالةً أو للحاجة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو شرب الخمر، وبين بيع شيءٍ من مال المكره أو الفطر في نهار رمضان،","vol":"1","page":411},{"text":"فإن المباح في هذه الحالة يكون مندوحةً عن الفعل المحرم الذي يرخص فيه أو يباح عند الضرورة، وعلى هذا يظل على تحريمه، سواءٌ كان الإكراه بمتلفٍ للنفس أو العضو أو بغير متلفٍ لأحدهما، لأن الإكراه بغير المتلف لا يزيل الحظر عند الحنفية مطلقًا. والإكراه بمتلفٍ - وإن كان يزيل الحظر - إلا أن إزالته له بطريق الاضطرار، ولا اضطرار مع وجود المقابل المباح (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-214> تقسيم الإكراه:</span>\nينقسم الإكراه إلى: إكراهٍ بحقٍّ، وإكراهٍ بغير حقٍّ. والإكراه بغير حقٍّ ينقسم إلى إكراهٍ ملجئٍ، وإكراهٍ غير ملجئٍ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-215> أولًا: الإكراه بحقٍّ:</span>\nتعريفه: هو الإكراه المشروع، أي الذي لا ظلم فيه ولا إثم (^٢).\nوهو ما توافر فيه أمران:\nالأول: أن يحق للمكرِه التهديد بما هدد به.\nالثاني: أن يكون المكرَه عليه مما يحق للمكرِه الإلزام به. وعلى هذا\n_________\n(^١) المبسوط (٢٤/ ١٣٥)، وما بعدها، وبدائع الصنائع للكاساني (٩/ ٤٤٩٢، ٤٤٩٣، ٤٤٩٨).\n(^٢) جواهر الإكليل (٢/ ٣).","vol":"1","page":412},{"text":"فإكراه المرتد على الإسلام إكراهٌ بحقٍّ، حيث توافر فيه الأمران، وكذلك إكراه المدين القادر على وفاء الدين، وإكراه المولي على الرجوع إلى زوجته أو طلاقها إذا مضت مدة الإيلاء (^١).\n• أثر هذا الإكراه:\nوالعلماء عادةً يقولون: إن الإكراه بحقٍّ، لا ينافي الطوع الشرعي، وإلا لم تكن له فائدةٌ، ويجعلون من أمثلته إكراه العنين على الفرقة، ومن عليه النفقة على الإنفاق، والمدين والمحتكر على البيع، وكذلك من له أرضٌ بجوار المسجد أو المقبرة أو الطريق يحتاج إليها من أجل التوسيع، ومن معه طعامٌ يحتاجه مضطرٌ (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-216> ثانيًا: الإكراه بغير حقٍ:</span>\nتعريفه: هو الإكراه ظلمًا، أو الإكراه المحرم، لتحريم وسيلته، أو لتحريم المطلوب به. ومنه إكراه المفلس على بيع ما يترك له (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-217> الإكراه الملجئ، والإكراه غير الملجئ:</span>\n- تقسيم الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ يتفرد به الحنفية.\n_________\n(^١) فتاوى ابن حجر (٤/ ١٧٣).\n(^٢) رد المحتار (٥/ ٨٠)، والخرشي (٣/ ١٧٤، ٣٦٥)، وجواهر الإكليل (٢/ ٣)، والمهذب (٢/ ٧٩).\n(^٣) الخرشي على مختصر خليل (٣/ ٣٦٥).","vol":"1","page":413},{"text":"فالإكراه الملجئ عندهم هو الذي يكون بالتهديد بإتلاف النفس أو عضوٍ منها، أو بإتلاف جميع المال، أو بقتل من يهم الإنسان أمره.\nوحكم هذا النوع أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار ولا يعدمه. أما إعدامه للرضا، فلأن الرضا هو الرغبة في الشيء والارتياح إليه، وهذا لا يكون مع أي إكراهٍ.\nوأما إفساده للاختيار دون إعدامه، فلأن الاختيار هو: القصد إلى فعل الشيء أو تركه بترجيحٍ من الفاعل، وهذا المعنى لا يزول بالإكراه، فالمكرَه يوقع الفعل بقصده إليه، إلا أن هذا القصد تارةً يكون صحيحًا سليمًا، إذا كان منبعثًا عن رغبةٍ في العمل، وتارةً يكون فاسدًا، إذا كان ارتكابًا لأخف الضررين، وذلك كمن أُكرِه على أحد أمرين كلاهما شرٌّ، ففعل أقلهما ضررًا به، فإن اختياره لما فعله لا يكون اختيارًا صحيحًا، بل اختيارًا فاسدًا.\nوالإكراه غير الملجئ: هو الذي يكون بما لا يفوت النفس أو بعض الأعضاء، كالحبس لمدةٍ قصيرةٍ، والضرب الذي لا يخشى منه القتل أو تلف بعض الأعضاء.\nوحكم هذا النوع أنه يعدم الرضا، ولكن لا يفسد الاختيار، وذلك لعدم اضطرار المكرَه إلى الإتيان بما أُكرِه عليه، لتمكنه من الصبر على","vol":"1","page":414},{"text":"تحمل ما هدد به بخلاف النوع الأول (^١).\n- أما غير الحنفية فلم يقسموا الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ كما فعل الحنفية، ولكنهم تكلموا عما يتحقق به الإكراه وما لا يتحقق، ومما قرروه في هذا الموضوع يؤخذ أنهم جميعًا يقولون بما سماه الحنفية إكراهًا ملجئًا، أما ما يسمى بالإكراه غير الملجئ فإنهم يختلفون فيه، فعلى إحدى الروايتين عن الشافعي وأحمد يعتبر إكراهًا، وعلى الرواية الأخرى لا يعتبر إكراهًا.\nأما عند المالكية فإنه لا يعتبر إكراهًا بالنسبة لبعض المكرَه عليه، ويعتبر إكراهًا بالنسبة للبعض الآخر، فمن المكرَه عليه الذي لا يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهًا فيه: الكفر بالقول أو الفعل، والمعصية التي تعلق بها حقٌّ لمخلوقٍ، كالقتل أو القطع، والزنا بامرأةٍ مكرَهةٍ أو لها زوجٌ، وسب نبيٍّ أو ملكٍ أو صحابيٍّ، أو قذفٍ لمسلمٍ.\nومن المكرَه عليه الذي يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهًا فيه: شرب الخمر، وأكل الميتة، والطلاق والأيمان والبيع وسائر العقود والحلول\n_________\n(^١) المبسوط (٢٤/ ٤٨)، وفتح القدير لابن الهمام (٧/ ٢٩٨)، والبدائع للكاساني (٩/ ٤٤٧٩).","vol":"1","page":415},{"text":"والآثار (^١).\n\n• أثر الإكراه:\n- هذا الأثر موضع خلافٍ بين الحنفية وغير الحنفية، على النحو الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-218>أثر الإكراه </span>عند الحنفية:\n- يختلف<span data-type='title' id=toc-219> أثر الإكراه عند الحنفية </span>باختلاف القول أو الفعل الذي يقع الإكراه عليه، فإن كان المكرَه عليه من الإقرارات، كان أثر الإكراه إبطال الإقرار وإلغاءه، سواءٌ كان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئٍ. فمن أكره على الاعتراف بمالٍ أو زواجٍ أو طلاقٍ كان اعترافه باطلًا، ولا يعتد به شرعًا، لأن الإقرار إنما جعل حجةً في حق المقر باعتبار ترجح جانب الصدق فيه على جانب الكذب، ولا يتحقق هذا الترجيح مع الإكراه، إذ هو قرينةٌ قويةٌ على أن المقر لا يقصد بإقراره الصدق فيما أقر به، وإنما يقصد دفع الضرر الذي هدد به عن نفسه.\nوإن كان المكرَه عليه من العقود والتصرفات الشرعية كالبيع والإجارة والرهن ونحوها كان أثر الإكراه فيها إفسادها لا إبطالها،\n_________\n(^١) جواهر الإكليل (٢/ ٢٨١)، والخرشي (٣/ ١٧٥، ١٧٦)، وتحفة المحتاج (٧/ ٣٦٩)، الأشباه للسيوطي ص (٢٠٩).","vol":"1","page":416},{"text":"فيترتب عليها ما يترتب على العقد الفاسد، حسب ما هو مقررٌ في المذهب أنه ينقلب صحيحًا لازمًا بإجازة المكرَه، وكذلك لو قبض المكرَه الثمن، أو سلم المبيع طوعًا، يترتب عليه صحة البيع ولزومه (^١).\nوحجتهم في ذلك أن الإكراه عندهم لا يعدم الاختيار الذي هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس، وإنما يعدم الرضا الذي هو الارتياح إلى الشيء والرغبة فيه، والرضا ليس ركنًا من أركان هذه التصرفات، ولا شرطًا من شروط انعقادها، وإنما هو شرطٌ من شروط صحتها، إذن فقد ترتب على فقدانه فساد العقد لا بطلانه. ولكنهم استثنوا من ذلك بعض التصرفات، فقالوا بصحتهما مع الإكراه، ولو كان ملجئًا، ومن هذه التصرفات: الزواج والطلاق ومراجعة الزوجة والنذر واليمين.\nوعللوا هذا بأن الشارع اعتبر اللفظ في هذه التصرفات - عند القصد إليه - قائمًا مقام إرادة معناه، فإذا وجد اللفظ ترتب عليه أثره الشرعي، وإن لم يكن لقائله قصدٌ إلى معناه، كما في الهازل، فإن الشارع اعتبر هذه التصرفات صحيحةً إذا صدرت منه، مع انعدام قصده إليها، وعدم\n_________\n(^١) ابن عابدين (٤/ ٤، ٥/ ٨٣)، وما بعدها.","vol":"1","page":417},{"text":"رضاه بما يترتب عليها من الآثار.\nوإن كان المكرَه عليه من الأفعال، كالإكراه على قتل من لا يحل قتله، أو إتلاف مالٍ لغيره أو شرب الخمر وما أشبه ذلك، فالحكم فيها يختلف باختلاف نوع الإكراه والفعل المكرَه عليه.\n- فإن كان الإكراه غير ملجئٍ - وهو الذي يكون بما لا يفوت النفس، أو بعض الأعضاء كالحبس لمدةٍ قصيرةٍ، أو أخذ المال اليسير، ونحو ذلك - فلا يحل الإقدام على الفعل. وإذا أقدم المكرَه «بالفتح» على الفعل بناءًا على هذا الإكراه كانت المسئولية عليه وحده، لا على من أكرهه.\n- وإن كان الإكراه ملجئًا - وهو الذي يكون بالقتل أو تفويت بعض الأعضاء أو العمل المهين لذي الجاه - فالأفعال بالنسبة إليه أربعة أنواعٍ:\nأ - أفعالٌ أباحها الشارع أصالةً دون إكراهٍ كالأكل والشرب، فإنه إذا أكره على ارتكابها وجب على المكرَه «بالفتح» أن يرتكب أخف الضررين (^١).\nب - أفعالٌ أباح الشارع إتيانها عند الضرورة، كشرب الخمر وأكل\n_________\n(^١) الحموي على الأشباه (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":418},{"text":"لحم الميتة أو الخنزير، وغير ذلك من كل ما حرم لحق الله لا لحق الآدمي، (^١) فالعقل مع الشرع يوجبان ارتكاب أخف الضررين.\nفهذه يباح للمكرَه فعلها، بل يجب عليه الإتيان بها، إذا ترتب على امتناعه قتل نفسه أو تلف عضوٍ من أعضائه، لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة بقوله عز من قائلٍ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة].\nولا شك أن الإكراه الملجئ من الضرورة التي رفع الله الإثم فيها. فيباح الفعل عند تحققها، وتناول المباح دفعًا للهلاك عن النفس أو بعض أجزائها - واجبٌ، فلا يجوز تركه، ولو شرب الخمر مكرَهًا لم يحد، لأنه لا جناية حينئذٍ، والحد إنما شرع زجرًا عن الجنايات.\nج - أفعالٌ رخص الشارع في فعلها عند الضرورة، إلا أنه لو صبر المكرَه على تحمل الأذى، ولم يفعلها حتى مات، كان مثابًا من الله تعالى، وذلك كالكفر بالله تعالى أو الاستخفاف بالدين، فإذا أكره الإنسان على الإتيان بشيءٍ من ذلك جاز له الفعل متى كان قلبه مطمئنًا\n_________\n(^١) التقرير والتحبير (٢/ ١٤٧)، وفتح القدير (٧/ ٢٩٧)، والمبسوط (٢٤/ ١٣٩).","vol":"1","page":419},{"text":"بالإيمان، لقول الله ﷿ ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل].\nومن السنة: ما ورد أن عمار بن ياسرٍ أخذه المشركون، فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخيرٍ، فلما أتى النبي ﵊ قال: ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخيرٍ، قال ﷺ: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، قال ﷺ: فإن عادوا فعد (^١). وقد ألحق علماء المذهب بهذا النوع الإكراه على إفساد صوم رمضان، أو ترك الصلاة المفروضة، أو إتلاف مال الغير، فإن المكرَه لو صبر وتحمل الأذى، ولم يفعل ما أُكرِه عليه كان مثابًا، وإن فعل شيئًا منها فلا إثم عليه، وكان الضمان في صورة الإتلاف على الحامل عليه لا على الفاعل، لأن فعل الإتلاف يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له، فيثبت الضمان عليه.\nد - أفعالٌ لا يحل للمكرَه الإقدام عليها بحالٍ من الأحوال، كقتل نفس بغير حقٍّ، أو قطع عضوٍ من أعضائها، أو الضرب الذي يؤدي إلى الهلاك، فهذه الأفعال لا يجوز للمكرَه الإقدام عليها، ولو كان في امتناعه عنها ضياع نفسه، لأن نفس الغير معصومةٌ كنفس المكرَه، ولا\n_________\n(^١) منقطع: أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٣) عن أبي عبيدة بن محمد بن\nعمار عن عمار بن ياسر وهو لم يدرك جده عمارًا.","vol":"1","page":420},{"text":"يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بإيقاعه على غيره، فإن فعل كان آثمًا، ووجب عقاب الحامل له على هذا الفعل باتفاق علماء المذهب، والخلاف بينهم إنما هو في نوع هذا العقاب.\nفأبو حنيفة ومحمدٌ يقولان: إنه القصاص، لأن القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له، والقصاص إنما يكون على القاتل لا على آلة القتل.\nوأبو يوسف يقول: إنه الدية، لأن القصاص لا يثبت إلا بالجناية الكاملة، ولم توجد الجناية الكاملة بالنسبة لكلٍّ من الحامل والمكرَه.\nوهذا القتل يقوم مانعًا من الإرث بالنسبة للمكرِه «بالكسر» إذا كان المكرَه «بالفتح» مكلفًا. أما إذا كان غير مكلفٍ كالصبي أو المجنون فلا يكون مانعًا. وهذا عند أبي حنيفة ومحمدٍ، أما أبو يوسف فلا يحرم ولو كان المكرَه مكلفًا.\nأما بالنسبة للمكرَه «بالفتح» فلا يحرم باتفاق الحنفية (^١).\nومن هذا النوع أيضًا: الزنا، فإنه لا يرخص فيه مع الإكراه، كما لا يرخص فيه حالة الاختيار، لأن حرمة الزنا لا ترتفع بحالٍ من الأحوال، فإذا فعله إنسانٌ تحت تأثير الإكراه كان آثمًا، ولكن لا يجب عليه الحد،\n_________\n(^١) البدائع للكاساني (٩/ ٤٤٩٠)، ورد المحتار (٥/ ٨٥).","vol":"1","page":421},{"text":"لأن الإكراه يعتبر شبهةً، والحدود تدرأ بالشبهات.\nوقد أورد البابرتي من الحنفية ضابطًا لأثر الإكراه، نصه:\nالإكراه الملجئ معتبرٌ شرعًا، سواءٌ أكان على القول أم الفعل. والإكراه غير الملجئ إن كان على فعلٍ فليس بمعتبرٍ، ويجعل كأن المكره فعل ذلك الفعل بغير إكراهٍ. وإن كان على قولٍ، فإن كان قولًا يستوي فيه الجد والهزل فكذلك، وإلا فهو معتبرٌ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-220>أثر الإكراه عند المالكية:</span>\n- يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكرَه عليه:\nأ - فإن كان المكرَه عليه عقدًا أو حلًّا أو إقرارًا أو يمينًا لم يلزم المكرَه شيءٌ، ويكون الإكراه في ذلك بالتخويف بقتلٍ أو ضربٍ مؤلمٍ أو سجنٍ أو قيدٍ أو صفعٍ لذي مروءةٍ على ملإٍ من الناس. وإن أجاز المكرَه «بالفتح» شيئًا مما أكره عليه - غير النكاح - طائعًا بعد زوال الإكراه لزم على الأحسن، وأما النكاح فلا تصح إجازته.\nب - وإن كان الإكراه على الكفر بأي صورةٍ من صوره، أو قذف المسلم بالزنا، أو الزنا بامرأةٍ طائعةٍ خليةٍ «غير متزوجةٍ»، فلا يحل له الإقدام على شيءٍ من هذه الأشياء إلا في حالة التهديد بالقتل، لا فيما\n_________\n(^١) العناية شرح الهداية (٧/ ٢٩٧)، وابن عابدين (٥/ ٨٥).","vol":"1","page":422},{"text":"دونه من قطعٍ أو سجنٍ ونحوه، فإن فعل ذلك اعتبر مرتدًا، ويحد في قذف المسلم، وفي الزنا.\nج - وإن كان الإكراه على قتل مسلمٍ، أو قطع عضوٍ منه، أو على زنًا بمكرهةٍ، أو بامرأةٍ لها زوجٌ، فلا يجوز الإقدام على شيءٍ من ذلك ولو أُكرِه بالقتل. فإن قتل يقتص منه، ويعتبر القتل هنا مانعًا للقاتل من ميراث المقتول، لأنه شريكٌ في الفعل، وكذلك المكرِه «بالكسر» يقتص منه أيضًا ويمنع من الميراث. وإنما يجب القصاص عندهم على المكرِه والمكرَه، إذا كان المطلوب قتله شخصًا ثالثًا غيرهما.\nفإن كان المطلوب قتله هو المكرِه «بالكسر» كما لو قال للذي قتله: اقتلني وإلا قتلتك فقتله، فلا قصاص عندهم وتجب الدية، لمكان الشبهة من ناحيةٍ، وبناءً على أن الدية تثبت للوارث ابتداءً لا ميراثًا.\nوأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه «بالفتح»، فالأصل أنه لا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا قصاص فيه ولا دية، إلا إذا كان التهديد بقتلٍ أشنع، كالإحراق بالنار، وبتر الأعضاء حتى الموت، فإن المكرَه «بالفتح» يختار أهون الميتتين، جزم به اللقاني (^١)، وإن زنى\n_________\n(^١) الشرح الصغير، وحاشية الصاوي (٢/ ٥٤٨ - ٥٥٠)، والدسوقي على الشرح الكبير (٢/ ٢٣٩)، الخرشي (٣/ ١٧٥، ١٧٦).","vol":"1","page":423},{"text":"يحد (^١).\nد - وأما لو أكره على فعل معصيةٍ - غير الكفر - لا حقَّ فيها لمخلوقٍ كشرب خمرٍ وأكله ميتةً، أو إبطال عبادةٍ كصلاةٍ وصومٍ، أو على تركها فيتحقق الإكراه بأية وسيلةٍ من قتلٍ أو غيره. ويترتب عليه في الصوم القضاء دون الكفارة. وفي الصلاة يكون الإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها، ولا يسقط وجوبها. وفي شرب الخمر لا يقام الحد.\nوألحق سحنونٌ بهذا النوع الزنا بامرأةٍ طائعةٍ لا زوج لها، خلافًا للمذهب (^٢).\nويضيف المالكية أن القطع في السرقة يسقط بالإكراه مطلقًا، ولو كان بضربٍ أو سجنٍ لأنه شبهةٌ تدرأ الحد (^٣).\n_________\n(^١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي (٢/ ٥٤٩)، والدسوقي على الشرح الكبير (٢/ ٢)، والخرشي (٣/ ١٧٥، ١٧٦)، و(٥/ ٤٦٤).\n(^٢) الشرح الصغير (١/ ٢٥٩، ٧٠٩).\n(^٣) الشرح الصغير (٤/ ١٨٦).","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>أثر الإكراه عند الشافعية:</span>\n- يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكرَه عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>أ - الإكراه بالقول:</span>\nإذا كان المكرَه عليه عقدًا أو حلًّا أو أي تصرفٍ قوليٍ أو فعليٍ، فإنه لا يصح عملًا بعموم الحديث الصحيح\" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه \"؛ إذ المقصود ليس رفع ما وقع لمكان الاستحالة، وإنما رفع حكمه، ما لم يدل دليلٌ على خلاف ذلك، فيخصص هذا العموم في موضع دلالته. وبمقتضى أدلة التخصيص يقرر الشافعية أنه لا أثر لقول المكرَه «بالفتح» إلا في الصلاة فتبطل به (^١)، وعلى هذا فيباح للمكرَه «بالفتح» التلفظ بكلمة الكفر، ولا يجب، بل الأفضل الامتناع مصابرةً على الدين واقتداءً بالسلف.\nوالإكراه في شهادة الزور التي تفضي إلى القتل أو الزنا، وفي الإكراه بالحكم الباطل الذي يفضي إلى القتل أو الزنا، فلا يرتفع الإثم عن شاهد الزور، ولا عن الحاكم الباطل، وحكمهما في هذه الحالة من حيث الضمان حكم المكرِه «بالكسر» (^٢).\n_________\n(^١) حاشية القليوبي (٢/ ١٥٦).\n(^٢) الأشباه والنظائر ص (١٨٠ - ١٨١).","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>ب - الإكراه بالفعل:</span>\nلا أثر للإكراه بالفعل عند الشافعية إلا فيما يأتي:\n(١) الفعل المضمن كالقتل أو إتلاف المال أو الغصب، فعلى المكرَه (بالفتح) القصاص أو الضمان، وقرار الضمان على المكرِه (بالكسر)، وإن قيل: لا رجوع له على المكرِه (بالكسر) بما غرم في إتلاف المال، لأنه افتدى بالإتلاف نفسه عن الضرر. قال القليوبي في مسألة القتل: فيقتل هو - المكرَه - (بالفتح) ومن أكرهه.\n(٢) الزنا وما إليه: يأثم المكرَه (بالفتح) بالزنا، ويسقط الحد للشبهة، ويترتب على وطء الشبهة حكمه.\n(٣) الرضاع: فيترتب عليه التحريم المؤبد في المناكحات وما ألحق بها.\n(٤) كل فعلٍ يترتب عليه بطلان الصلاة، كالتحول عن القبلة، والعمل الكثير، وترك قيام القادر في الفريضة، والحدث، فتبطل الصلاة بما تقدم برغم الإكراه عليه.\n(٥) ذبح الحيوان: تحل ذبيحة المكرَه (بالفتح) الذي تحل ذبيحته، كالمسلم والكتابي ولو كان المكرِه (بالكسر) مجوسيًّا، أو محرمًا","vol":"1","page":426},{"text":"والمذبوح صيدٌ (^١).\nقال السيوطي: وقد رأيت الإكراه يساوي النسيان، فإن المواضع المذكورة، إما من باب ترك المأمور، فلا يسقط تداركه، ولا يحصل الثواب المرتب عليه، وإما من باب الإتلاف، فيسقط الحكم المرتب عليه، وتسقط العقوبة المتعلقة به، إلا القتل على الأظهر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>أثر الإكراه عند الحنابلة:</span>\n- يختلف أثر الإكراه عند الحنابلة باختلاف المكرَه عليه:\nأ - فالتصرفات القولية تقع باطلةً مع الإكراه إلا النكاح، فإنه يكون صحيحًا مع الإكراه، قياسًا للمكره على الهازل، وإنما لم يقع الطلاق مع الإكراه للحديث الشريف لا طلاق في إغلاقٍ (^٣)، والإكراه من الإغلاق (^٤).\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص (١٨٢ - ١٨٧)، والغرر على البهجة (٤/ ٢٤٩)، وبجيرمي على المنهج (٤/ ٣٥)، والشرقاوي على التحرير (٢/ ٣٩٠، ٣٩١).\n(^٢) الأشباه والنظائر ص ١٧٨، ١٧٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠)، وأبوداود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦) وهو حديث معل ومستنكر أعله أبوحاتم في العلل، فيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، ومحمد بن عبيد بن أبي صالح وهو ضعيف.\n(^٤) الإنصاف للمرداوي (٨/ ٤٣٩)، والمغني (٦/ ٥٣٥)، والمقنع لابن قدامة (٣/ ٤٣٤).","vol":"1","page":427},{"text":"ب - ومن أكره على الكفر لا يعتبر مرتدًا، ومتى زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه، والأفضل لمن أكره على الكفر أن يصبر (^١)، وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا.\nأما من يجوز إكراهه على الإسلام كالمرتد، فإنه إذا أكره فأسلم حكم بإسلامه ظاهرًا (^٢).\nج - والإكراه يسقط الحدود عن المكرَه، لأنه شبهةٌ، والحدود تدرأ بالشبهات (^٣).\nد - وإذا أكرَه رجلٌ آخرَ على قتل شخصٍ فقتله، وجب القصاص على المكرِه والمكرَه جميعًا، وإن صار الأمر إلى الدية وجبت عليهما، وإن أحب ولي المقتول قتل أحدهما، وأخذ نصف الدية من الآخر أو العفو فله ذلك (^٤). ويعتبر القتل هنا مانعًا من الميراث بالنسبة للمكرِه والمكرَه (^٥).\n_________\n(^١) المغني (٨/ ١٤٥، ١٤٦).\n(^٢) المغني (٨/ ١٤٤، ١٤٥).\n(^٣) المغني (٨/ ٢١٧).\n(^٤) المغني (٧/ ٦٤٥).\n(^٥) المقنع لابن قدامة (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":428},{"text":"والقصاص عندهم لا يجب على المكرِه والمكرَه، إلا إذا كان المطلوب قتله شخصًا ثالثًا غيرهما.\nفإن كان المطلوب قتله هو المكرِه «بالكسر» فإنه يكون هدرًا، ولا قصاص ولا دية في المختار عندهم.\nوأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه «بالفتح»، فلا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا دية ولا قصاص عند بعضهم (^١). إلا إذا كان التهديد بقتلٍ أشنع فعليه أن يختار أهون الميتتين في إحدى الروايتين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>مسألة: أثر إكراه الصبي على قتل غيره:</span>\n- إذا كان المكرَه على القتل صبيًّا، فإنه يعتبر آلةً في يد المكرِه عند الحنفية، فلا قصاص ولا دية، وإنما القصاص على المكرِه «بالكسر» (^٣).\nوذهب المالكية إلى وجوب القصاص على المكرِه «بالكسر» ونصف الدية على عاقلة الصبي (^٤).\n_________\n(^١) الفروع لابن مفلح (٣/ ٣٨٦).\n(^٢) قواعد ابن رجب ص (١١٢).\n(^٣) المبسوط للسرخسي (٢٤/ ٣٩).\n(^٤) الدسوقي (٤/ ٢٤٦).","vol":"1","page":429},{"text":"وذهب الشافعية إلى التفرقة بين الصبي المميز، وغير المميز.\nفإن كان غير مميزٍ، اعتبر آلةً عندهم، ولا شيء عليه، ويجب القصاص على المكرِه.\nوإن كان مميزًا، فيجب نصف الدية على عاقلته، والقصاص على المكرِه «بالكسر» (^١).\nوذهب الحنابلة إلى أن الصبي غير المميز إذا أُكرِه على قتل غيره فلا قصاص عليه، والقصاص على المكرِه «بالكسر». وفي قولٍ: لا يجب القصاص، لا عليه ولا على من أكرهه، لأن عمد الصبي خطأٌ، والمكرِه «بالكسر» شريك المخطئ، ولا قصاص على شريك مخطئٍ، أما إذا كان الصبي مميزًا فلا يجب القصاص على المكرِه «بالكسر» ولا يجب على الصبي المميز (^٢).\n_________\n(^١) المهذب (٢/ ١٧٨)، ومغني المحتاج (٤/ ١٠).\n(^٢) المقنع (٣/ ٣٤١)، والمغني (٧/ ٧٥٧).","vol":"1","page":430},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-226> أقسام فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الله تعالى:</span>\nوهو ينقسم إلى أربعة أقسام (^١):\n\n•<span data-type='title' id=toc-227> القسم الأول: الحق الخالص لله تعالى.</span>\nوهو فعل المكلف الذي هو حق خالص لله تعالى، وهذا القسم لا يحق للإنسان أن يتنازل عنه، أو يصالح عنه، ولا يحتاج في إثباته إلى دعوى، ولا يقبل العفو والإسقاط، ويسقط بالشبهة عند إثبات الحدود.\nوحق الله هو ما يتعلق به النفع العام، وهو يشمل المصلحة العامة الدنيوية والمصلحة الأخروية، ولا يختص بأحد، ويكون فيه دفع الاعتداء عن المجتمع كالجهاد مثلًا، ونسب إلى الله تعالى للتعظيم والتشريف، لكثرة نفعه وعظيم خطره؛ لأنه تعالى تنزه عن الانتفاع بشيء، ومثل حرمة الزنا فإنه يتعلق به عموم النفع من سلامة النسب من الاشتباه، وصيانة الأولاد عن الضياع.\nوهذا القسم ثمانية أنواع، وهي:\n١ - عبادات خالصة لا يشوبها معنى للمؤونة والعقوبة، كالإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد، وهذه العبادات يلزم فيها النية.\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (١/ ٤٧٩).","vol":"1","page":431},{"text":"٢ - عبادات فيها معنى المؤونة، كصدقة الفطر عند الحنفية، فإنها مشتملة على معنى العبادة لكونها صدقة، وأنها طهرة للصائم، ويشترط فيها النية، ويتعلق وجوبها بالوقت، وفيها معنى المؤونة لعدم اشتراط كمال الأهلية في وجوبها، فتجب على الصبي والمجنون، ومعنى المؤونة: الثقل والكلفة.\n٣ - مؤونة فيها معنى العبادة، كالعشر ونصف العشر فيما تنبته الأرض، والمؤونة فيه أن سببه الأرض النامية، ومؤونة الشيء سبب بقائه، وبما أنه يصرف في مصارف الزكاة فيتحقق فيه معنى العبادة، وبما أن الأرض أصل، والنماء تابع، فكانت المؤونة أصلًا والعبادة تبعًا.\n٤ - مؤونة فيها معنى العقوبة، كالخراج فباعتبار تعلقه بالأرض فهو مؤونة، وباعتبار الاشتغال بالزراعة من أهل الذمة والإعراض عن الجهاد فهو عقوبة.\n٥ - عقوبة كاملة، كحد الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والتعزيرات، وحد البغاة، وقطع الطريق، وهذه العقوبات واجبة بطريق العقوبة، ويؤديها الإمام، وهي عقوبة كاملة؛ لأنها وجبت بجنايات كاملة.\n٦ - عقوبة قاصرة، كحرمان القاتل من ميراث المقتول، فالحرمان من الميراث عقوبة مالية، ولكنها قاصرة بالنسبة للعقوبة البدنية.","vol":"1","page":432},{"text":"٧ - حقوق دائرة بين الأمرين: العقوبة، والعبادة، كالكفارات ففي أدائها معنى العبادة؛ لأنها تؤدى بالصوم والتحرير والإطعام، ويؤديها المكلف طوعًا، وبما أنها لا تجب إلا بسبب فعل ممنوع شرعًا ارتكبه المكلف فهي عقوبة.\n٨ - حق قائم بنفسه، من غير أن يتعلق بذمة المكلف شيء، ويؤديه بطريق الطاعة، مثل خمس الغنائم والمعادن والكنوز.\n\n•<span data-type='title' id=toc-228> القسم الثاني: الحق الخالص للعبد.</span>\nوهو فعل المكلف الذي يتعلق به الحق الخالص للعباد، وحق العبد ما تتعلق به مصلحة خاصة دنيوية، كحرمة ماله، ويستباح بإباحة صاحبه، ويشترط في خصومته وإثباته رفع الدعوى، ويجوز لصاحبه أن يتنازل عنه، وأن يصالح عنه، وأن يسقط حقه، وأن يعفو عن غريمه، ولا تؤثر فيه الشبهة.\nوالمقصود من الحق الخالص للعباد هو الحفاظ على مصالح العباد الخاصة، مثل بدل المتلفات، وملك المبيع والثمن، وحق الشفعة، وحبس العين المرهونة للمرتهن، وغير ذلك من الحقوق المالية.","vol":"1","page":433},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-229> القسم الثالث: ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب فيه.</span>\nوهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق الله تعالى وحق العبد، ولكن حق الله غالب فيه، مثل حد القذف عند الحنفية، فقد شرعه الله تعالى لرفع عار الزنا عن المقذوف، وللزجر للقاذف، وهذا حق العبد، كما شرعه الله تعالى لصيانة أعراض الناس، وإبعاد الفساد عن المجتمع، وحفظ اللسان، والأخلاق الاجتماعية، وهذا حق الله تعالى.\nويرى الشافعية والحنابلة والمشهور عند المالكية: أن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف كالقصاص.\n\n•<span data-type='title' id=toc-230> القسم الرابع: ما اجتمع فيه الحقان، وحق العبد غالب.</span>\nوهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق الله تعالى وحق العبد، ولكن حق العبد فيه غالب، كالقصاص وعقوبات الدماء كلها، سواء كانت قصاصًا أم ديات، فإن فيها حق الله تعالى، في صيانة الدماء وحفظ المجتمع، وفيها حق العبد؛ لأن القصاص يحقق مصلحة أولياء القتيل، ويمنع الانتقام والحقد من قلوبهم، فكان حق العبد غالبًا.\nويرى بعض الأصوليين أن كل حكم شرعي يجمع بين حق الله وهو جهة التعبد، وحق العبد وهو جهة المصلحة المالية أو المنفعة الشخصية، ويرون أنه لا يوجد حق خالص لله تعالى، كما لا يوجد حق خالص للعبد، وكل حق يبدو أنه خالص لله تعالى، فإنه يحقق منافع","vol":"1","page":434},{"text":"ظاهرة وملموسة للعبد من ناحية المصلحة له في الدنيا، والثواب والأجر والدرجات العليا في الآخرة، وكل حكم يبدو عليه أنه حق خالص للعبد، فإن الله تعالى له حق فيه، بأن تطبق أحكام الله تعالى فيه وتنفذ شريعته، ويلتزم المرء فيه حدود الله تعالى، ويرتع في حظيرته، ولأن حق العبد إنما يثبت كونه حقًّا له بإثبات الشرع له، وليس بكونه مستحقًّا لذلك بحكم الأصل (^١).\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (١/ ٤٨٣).","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>الفصل الرابع\nالأحكام الوضعية</span>\nالوضع لغة: الإسقاط، والترك، والافتراء، والولادة، وغير ذلك، يقال: وضع عنه دينه أي أسقطه، ووضعت الشيء بين يديه أي تركته هناك، ووضع الرجل الحديث أي افتراه وكذبه، ووضعت الحامل ولدها أي ولدته (^١).\nواصطلاحًا: هو الأمارة الشرعية التي يثبت عندها الحكم أو ينتفي (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-232> أقسام الأحكام الوضعية:</span>\nينقسم الحكم الوضعي بحسب طبيعة ارتباط الحكم التكليفي به إلى خمسة أقسام، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح ويقابله الفاسد أو الباطل، والعزيمة ويقابلها الرخصة - عند من جعل الرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية-.\n_________\n(^١) المصباح المنير (٢/ ٢٦٢).\n(^٢) التأسيس للشيخ مصطفى سلامة (١/ ٥٨).","vol":"1","page":436},{"text":"بيان ذلك: أن الشيء يقتضي أن يكون سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا، أو مسوغًا لرخصة بدل العزيمة، أو صحيحًا، أو غير صحيح، فكل منها حكم ثبت بخطاب الوضع.\nواتفق العلماء على اعتبار السبب والشرط والمانع من أقسام الحكم الوضعي.\nواختلفوا في الصحة والفساد أو البطلان، والرخصة والعزيمة.\nوهذا الوصف إما أن يسبق الحكم التكليفي كالأنواع الثلاثة الأولى، وإما أن يكون لاحقًا وأثرًا للحكم التكليفي كالنوعين الأخيرين.\n\n*<span data-type='title' id=toc-233> الحكمة من خطاب الوضع:</span>\nوتتجلى الحكمة من وجود الحكم الوضعي مع مبدأ صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وذلك أنه يتعذر معرفة حكم الله تعالى في كل الأحوال، كما تتعذر معرفة حكم الله تعالى في كل الوقائع والمسائل بعد انقطاع الوحي، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يعرِّف الناس على أحكامه بربطها بأمور محسوسة تقتضي معرفة الأحكام الشرعية، كربط الحكم بالعلة، وربط الحكم بالسبب، وذلك حتى لا تتعطل الوقائع عن الأحكام.","vol":"1","page":437},{"text":"ومن جهة ثانية فلا يشترط للحكم الوضعي التكليف والعلم والقدرة، فلا يشترط فيمن يتعلق به الحكم الوضعي أن يكون مكلَّفًا، كما لا يشترط فيه العلم به، والقدرة عليه، إلا في حالتين:\nالأولى: سبب العقوبة كالقصاص والحدود، فيشترط لترتب العقوبة أن يكون الفاعل مكلَّفًا وعالمًا وقادرًا على الفعل، فلا تجب العقوبة على المخطئ والمكرَه والمجنون والصغير.\nوالثانية: نقل الملك كالبيع، والهبة، والوصية، فيشترط فيها العلم والقدرة، والحكمة من ذلك أن الشرع رتب العقوبة ونقل الملك بحسب قانون العدل بين الناس والرفق بهم، وعدم تكليفهم بالمشاق أو بما لا يطاق (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-234> الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية:</span>\n١ - الحكم التكليفي فيه طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بين الفعل والترك، أما الحكم الوضعي فليس فيه طلب أو تخيير، وإنما يفيد الارتباط بين أمرين ليكون أحدهما سببًا للآخر، أو مانعًا، أو شرطًا.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ١٢٨)، المستصفى للغزالي (٧٤)، الوجيز للزحيلي (١/ ٣٨٨).","vol":"1","page":438},{"text":"٢ - الحكم التكليفي مقصود بذاته في الخطاب، ليقوم المكلف بالفعل أو الترك أو التخيير، أما الحكم الوضعي فلا يقصد من المكلف مباشرة، وإنما وضعه الشرع ليرتب عليه الأحكام التكليفية، مثل ملك النصاب سبب للزكاة، وحولان الحول شرط لها، والقتل مانع من الميراث.\n٣ - إن الحكم التكليفي يتعلق بالمكلف، وهو البالغ العاقل الذي يتوجه إليه الخطاب، ويقع عليه التكليف، أما الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالإنسان سواء أكان مكلفًا أم لا، كالصبي والمجنون، فقال الفقهاء بصحة بيع الصبي عند الحنفية، وأنه يضمن ما يتلفه إذا كان سببًا بالاتفاق، وقد يكون الحكم متعلقًا بفعل المكلف كالطهارة للصلاة، وقد لا يتعلق بفعل المكلف، وإنما يتعلق بما ارتبط به فعل المكلف كالدلوك، وقد يتعلق بغير الإنسان.\n٤ - الحكم التكليفي يكون في مقدور المكلف فعله أو تركه؛ لأن التكليف لا يصح أن يكون فيه حرج ومشقة، أو مما يستحيل على المكلف القيام به، مثل صيغ العقود والتصرفات والجرائم، فإذا باشر المكلف عقدًا أو تصرفًا ترتب عليه حكمه، أما الحكم الوضعي فقد يكون في مقدور المكلف مثل صيغة العقد وإحضار الشاهدين في النكاح، وقد يكون ليس في مقدور المكلف مثل دلوك الشمس وحولان","vol":"1","page":439},{"text":"الحول وبلوغ الحلم (^١).\n٥ - أن الحكم التكليفي توصف به الأفعال التي هي من كسب العبد، وما ليس من كسبه لا يكون مكلفًا به، فكل فعل يقع من غير كسب من العبد لا يقال: إنه حرام عليه ويستحق عليه العقوبة، ولا يقال: إنه واجب أو مندوب في حقه فلا ينال عليه ثوابًا، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا لا يتعارض مع حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا» (^٢)، وذلك لأن التسبب كسب، فما وقع نتيجة لفعله فله أجره وعليه وزره.\nوأما الحكم الوضعي فلا يشترط أن يكون من كسب العبد، فقد يكون من كسبه ككثير من الشروط التي تشترط لصحة العبادة، وقد لا يكون من كسبه كالأسباب والشروط والموانع الخارجة عن كسبه، فلو أرضعت زوجته طفلة حرمت عليه مع أنه لم يفعل شيئًا؛ لأن الرضاع سبب لانتشار المحرمية مع أنه ليس من كسبه (^٣).\n_________\n(^١) ترتيب الفروق واختصارها لمحمد بن إبراهيم البقوري (١/ ١٢٠)، الوجيز للزحيلي (١/ ٢٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير البجلي مرفوعًا.\n(^٣) ترتيب الفروق واختصارها (١/ ١٢٢)، أصول الفقه لعياض السلمي (١/ ٦٧).","vol":"1","page":440},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-235> مسألة: في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب الوضع، وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف</span>\nفمن أمثلة اجتماعهما: الزنا، إذ له حكمان: حكم تكليفي باعتبار أنه حرام، وحكم وضعي باعتبار أنه سبب للحد.\nوكذا السرقة من جهة أنها محرمة هي خطاب تكليف، ومن جهة أنها سبب للقطع هي خطاب وضع.\nفكل ما وجد فيه أحد أحكام التكليف الخمسة، وكان من جهة أخرى ناشئًا عن سبب، أو متوقفًا على شرط، أو غير ذلك من متعلقات خطاب الوضع، فهو مما يجتمع فيه الأمران، فالإيمان واجب وهو سبب لعصمة الدم والمال، والإحرام واجب عند بعض العلماء وهو مانع من فعل المحظورات فيه.\nومن أمثلة انفراد خطاب الوضع: زوال الشمس، وحلول شهر رمضان، وحولان الحول في الزكاة، فهذه الأمور هي أوقات محددة لا قدرة للمكلف على تحصيلها، فإنها من خطاب الوضع، وليست من خطاب التكليف؛ إذ ليس فيها أمر، ولا نهي، ولا إذن، أما ما يترتب على هذه الأشياء من أداء الصلاة والصوم والزكاة، فإنه شيء آخر غيرها، ولا يتصور انفراد الحكم التكليفي؛ لأنه لا تكليف إلا وله سبب، أو شرط، أو مانع.","vol":"1","page":441},{"text":"وبذلك يكون خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف، إذ لا يوجد تكليف إلا ومعه وضع، دون العكس، بينما قد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف، وذلك مثل الأمثلة السابقة، ولزوم قيمة المتلفات، وأروش الجنايات، والزكاة على الصبي والمجنون (^١).\n_________\n(^١) ترتيب الفروق واختصارها (١/ ١٢٢)، المهذب للنملة (١/ ٣٨٦).","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-236>أولًا: السبب</span>\n•<span data-type='title' id=toc-237> تعريف السبب:</span>\nالسبب في اللغة: عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الطريق سببًا، وسمي الحبل سببًا (^١).\nوقيل للطريق: سببٌ؛ لأنه بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده؛ قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أي: طريقًا، وأسباب السموات: أبوابها؛ قال تعالى مخبرًا عن فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].\nوقد تطلق الأسباب على الحوادث؛ قال زهيرٌ:\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو نال أسباب السماء بسلم\nوقد يطلق السبب على العلم؛ قال ﷾: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٤] أي علمًا.\n_________\n(^١) المصباح المنير (١/ ٢٦٢).","vol":"1","page":443},{"text":"وفي الاصطلاح: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-238> شرح التعريف:</span>\nالوصف: هو المعنى.\nالظاهر: المعلوم وهو ضد الخفي، مثل علوق النطفة بالرحم، فإنها وإن كانت وصفًا لكنه خفي، بخلاف إذا استهل المولود فصياحه عند الولادة علامة ظاهرة منضبطة علي استقرار حياته؛ فتصلح لأن تكون سببًا للميراث.\nالمنضبط: هو المحدد بأن لا يختلف باختلاف الأشخاص، أو الأحوال، بخلاف الحكمة فهي الباعث على شرع الأحكام لمصلحة العباد من جلب نفع أو دفع ضرر.\nوالدليل السمعي: هو ما كان في الكتاب والسنة، وكونه معرِّفًا لحكم شرعي أي علامة على الحكم الشرعي من غير تأثير فيه.\nفالسبب: هو المعنى الظاهر المعلوم المحدَّد الذي ثبت بالكتاب والسنة أنه علامة على وجود الحكم، أو هو ما ارتبط به غيره وجودًا وعدمًا.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ٦)، شرح مختصر الروضة (١/ ٤٣٣).","vol":"1","page":444},{"text":"مثاله: جعل الزنا سببًا لوجوب الحد؛ لأن الزنا لا يوجب الحد بذاته، وإنما بجعل الشارع له، وزوال الشمس سبب في وجوب الظهر، وغروب الشمس سبب في وجوب المغرب، وطلوع الفجر سبب في وجوب الصبح.\nويعرف السبب بإضافة الحكم إليه كحد الزنا، فالحد حكم شرعي أضيف إلى الزنا، فعرفنا أن الزنا هو السبب، مثل صلاة المغرب، فالصلاة حكم شرعي أضيف إلى المغرب، فعرفنا أن الغروب هو السبب (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-239> تعريف آخر للسبب:</span>\nهو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-240> شرح التعريف وبيان محترزاته:</span>\nقولنا: ما يلزم من وجوده الوجود: أخرج الشرط؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كالطهارة فإنها شرط لصحة الصلاة، ولكن قد توجد الطهارة ومع ذلك لا يلزم صحة الصلاة؛ لاحتمال عدم دخول الوقت.\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٣٩٢).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٨١)، شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":445},{"text":"وخرج بهذه العبارة أيضًا المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.\nوخرج المانع أيضًا من قولنا: ويلزم من عدمه العدم؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، مثل الدين يلزم من وجوده عدم الزكاة، ولكن لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فلو لم يكن على المسلم دين فلا يلزم من ذلك وجوب الزكاة عليه؛ لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا يلزم عدم وجوب الزكاة؛ لاحتمال أن يكون عنده نصاب قد حال عليه الحول فتلزمه الزكاة.\nوقولنا: لذاته: أي لذات السبب، وأخرجنا به ما لو قارن السبب فقدان شرط، أو وجود مانع مثل أن يملك النصاب، لكن لم يدر عليه الحول، فهنا لا تجب عليه الزكاة، لا لأن ذات السبب لم يتوفر؛ بل توفر ووجد، ولكن انتفى الشرط وهو حولان الحول، كذلك لو ملك النصاب، وحال عليه الحول، لكن عليه دين، فهذا لا تجب عليه الزكاة مع توفر السبب.\nفهنا لا يلزم من وجود السبب وجود الحكم، ولكن لا لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط، أو وجود مانع (^١).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (١/ ٤٣٤)، مختصر التحرير (١/ ٤٤٥).","vol":"1","page":446},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-241> أنواع السبب:</span>\n• ينقسم السبب عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، أهمها:\n\n<span data-type='title' id=toc-242>أولًا: أنواع السبب من حيث موضوعه:</span>\nينقسم السبب باعتبار موضوعه إلى قسمين (^١):\n١ - السبب الوقتي: وهو ما لا يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم، كالزوال سبب وقتي لوجوب الظهر؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فإن الوقت سبب محض وعلامة على وجوب الصلاة، ورؤية هلال رمضان سبب وقتي لوجوب الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n٢ - السبب المعنوي: وهو ما يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي، كالإسكار سبب معنوي لتحريم الخمر؛ لقوله ﷺ: «كل مسكر حرام» (^٢)، وملك النصاب سبب معنوي لوجوب الزكاة، وكذا السرقة، والزنا، وقطع الطريق، والقتل أسباب للعقوبات.\nوتظهر فائدة التقسيم في جواز القياس في القسم الثاني، وعدم جوازه\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (١/ ٤٥٠)، القواعد للحصني (١/ ١٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٧٢) من حديث أبي موسى مرفوعًا.","vol":"1","page":447},{"text":"في القسم الأول.\n\n•<span data-type='title' id=toc-243> ثانيًا: أنواع السبب باعتبار علاقته بالمكلف </span>(^١):\nينقسم السبب باعتبار قدرة المكلف على القيام به، وعدم قدرته إلى قسمين:\n١ - السبب الذي هو من فعل المكلف ومقدور له: كالبيع، فهو سبب لملك المبيع والثمن، والقتل العمد سبب لوجوب القصاص، وعقد الزواج سبب لإباحة الاستمتاع بين الزوجين، وعقد الإجارة سبب لحل الانتفاع بالعين، وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هي:\nأ- سبب مأمور به شرعًا: ويجب على المكلف فعله، أو يندب له القيام به، كالنكاح، فهو سبب للتوارث، ومأمور به.\nب- سبب منهي عنه: كالسرقة سبب للحد، والسرقة منهي عنها.\nج- سبب مأذون به ومباح فعله للمكلف، كجعل الذبح سببًا لحل الحيوان المذبوح، والذبح مباح.\nوالسبب الذي يكون من فعل المكلف ويكون قادرًا عليه له صفتان:\n«ا» صفة التكليف؛ لأنه مقدور عليه ومطلوب من الشارع فعله\n_________\n(^١) علم أصول الفقه لخلاف (١١١).","vol":"1","page":448},{"text":"لجلب المنافع ودفع المضار، ويدخل في الحكم التكليفي.\n«ب» صفة الوضع؛ لأن الشارع رتب عليه أحكامًا أخرى، ويدخل في الحكم الوضعي، كالنكاح سبب للتوارث وحل الاستمتاع من جهة، ومندوب إليه من جهة أخرى، وذبح الحيوان سبب لحل الانتفاع، وهو مباح، والقتل سبب للقصاص، وهو حرام، والزنا سبب للحد، وهو حرام.\n٢ - السبب الذي ليس من فعل المكلف، ولا يقدر عليه، كالزوال فهو سبب لوجوب صلاة الظهر، والقرابة سبب للإرث والولاية، والموت سبب لنقل ملكية التركة إلى الوارث، وهذه الأسباب ليست من فعل المكلف، ولا يقدر عليها.\nوهذا النوع قد يكون سببًا لحكم تكليفي كالزوال، وقد يكون سببًا لحكم وضعي كالموت، فهو سبب لنقل الملك إلى الورثة.\nوإن الشارع الذي وضع السبب قصد منه المسبب؛ لأن الأسباب ليست مقصودة لذاتها، وإنما شرعت لما ينشأ عنها من مسببات؛ ولأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، فتصبح الأحكام كذلك أسبابًا لهذه النتائج وهذه المسببات.","vol":"1","page":449},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-244> ثالثًا: أنواع السبب باعتبار المشروعية </span>(^١):\nينقسم السبب باعتبار المشروعية وعدمها إلى نوعين:\n١ - السبب المشروع: وهو كل ما أدى إلى مصلحة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مفسدة بحسب الظاهر، كالجهاد سبب لنشر الدعوة وحماية العقيدة وتبليغ الرسالة، وإن أدى إلى مفسدة كإتلاف المال، وتعريض الأنفس للقتل.\nملحوظة: إذا ظهر أحيانًا، أو نتج عن السبب المشروع بعض المفاسد فإنها ليست ناشئة عن السبب المشروع، وإنما تنتج عن أمر آخر مرافق له.\n٢ - السبب غير المشروع: وهو ما يؤدي إلى المفسدة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مصلحة بحسب الظاهر كالنكاح الفاسد والتبني، فإنها أسباب غير مشروعة؛ لأنها تؤدي إلى مفاسد كثيرة تضر بالفرد والمجتمع، وإن لم تظهر فورًا، فإن العاقل المتبصر يدرك خطرها في المستقبل.\nوإن ما يظهر للمرء أحيانًا من مصالح، أو ما ينتج من منافع عن السبب الفاسد، فلا يكون من ذات السبب الممنوع، وإنما هو من أمر\n_________\n(^١) شرح المعتمد في أصول الفقه للزحيلي ص (٨٦).","vol":"1","page":450},{"text":"آخر.\nيقول الشاطبي: والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابًا للمفاسد، والأسباب الممنوعة لا تكون أسبابًا للمصالح؛ إذ لا يصح ذلك بحال (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-245> رابعًا: أنواع السبب باعتبار تأثيره في الحكم:</span>\nينقسم السبب باعتبار تأثيره في الحكم وعدمه إلى نوعين (^٢):\n١ - السبب المؤثر في الحكم: ويسمى علة، وهو ما يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، وحكمة باعثة لتشريعه، كالإسكار فهو سبب مؤثر في الحكم، وهو علة التحريم، والسفر سبب لجواز الإفطار، وهو علة الإفطار في رمضان، والعلة هي الوصف المنضبط الذي جُعِل مناطًا لحكم يناسبه.\n٢ - السبب غير المؤثر في الحكم: وهو الذي لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة معلومة، مثل الوقت سبب لوجوب الصلاة، وهذا يتطلب منا بيان الصلة بين العلة والسبب.\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ١٦٣).\n(^٢) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي ص (٣٩٦) بتصرف.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-246>العلاقة بين العلة والسبب </span>(^١):\nالعلة أو السبب أمارة على وجود الحكم، كالإسكار في الخمر أمارة على التحريم، والسفر في رمضان أمارة على جواز الإفطار، ولذا قال بعض علماء الأصول: إنهما بمعنى واحد، وقال آخرون: إنهما متغايران، وخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة في الحكم.\nوقال أكثر العلماء: إن السبب أعم من العلة مطلقًا، فكل علة سبب ولا عكس، وإن السبب يشمل الأسباب التي في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي تدرس في القياس، والفرق بينهما أن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، ولا تكون من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة، فتسمى باسم السبب، أما إذا أدرك العقل تأثير الوصف بالحكم فيسمى علة، ويسمى سببًا أيضًا، فالسبب يشمل القسمين، وهو أعم من العلة كما قدمنا.\nوقيل: إن السبب لا يتخلف أبدًا والعلة قد تتخلف أحيانًا، فمثلًا القتل حكم تكليفي، وحكم وضعي، فهو حكم تكليفي حيث يحرم\n_________\n(^١) هامش مختصر التحرير (٤٣٨/ ١).","vol":"1","page":452},{"text":"القتل، وهو حكم وضعي؛ لأنه علامة على القصاص، فيقولون القتل علة للقصاص فكل من قتل عمدًا عدوانًا فعليه القصاص، ولكن أحيانًا يتخلف الحكم كما في حق الوالد القاتل لولده، فالوالد لا يقتل في مقابل ولده، فكل قاتل في حقه القصاص، ولكن قد يتخلف القصاص أحيانًا، وعليه يكون القتل علة وليس سببًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-247> خامسًا: أنواع السبب باعتبار نوع المسبَّب </span>(^١):\nينقسم السبب باعتبار نوع المسبَّب الذي يدل عليه، واختلاف أثره عليه إلى قسمين:\n١ - السبب لحكم تكليفي، كالوقت الذي جعله الشارع سببًا لإيجاب الصلاة في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وظهور الهلال سبب لإيجاب الصوم في قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته ....» (^٢).\n٢ - سبب لإثبات ملك أو حل، أو إزالة الملك والحل، كالبيع سبب لإثبات الملك، والعتق سبب لإزالة الملك، وعقد الزواج سبب لحل المتعة بين الزوجين، والطلاق سبب لإزالة حل المتعة، وهكذا.\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (١/ ٣٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":453},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-248> سادسًا: أنواع السبب باعتبار مصدر العلاقة بينه وبين المسبَّب </span>(^١):\nينقسم السبب باعتبار مصدر الرابطة والعلاقة بينه وبين المسبَّب إلى ثلاثة أنواع:\n١ - السبب الشرعي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم شرعي، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، فإنه سبب له بحكم الشرع.\n٢ - السبب العقلي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم العقل، ولم تثبت عن طريق شرعي، كالنظر بالنسبة للعلم، فإنه سبب لاكتساب العلم، وهذا يعرفه العقل، ووجود النقيض سبب في انعدام نقيضه، فالعقل يدرك ذلك.\n٣ - السبب العادي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم العادة والعرف، مثل حز الرقبة بالنسبة للقتل أو الذبح، والسفر للحج.\nوهذا التقسيم لإخراج السبب العقلي والعادي من الحكم الوضعي، وأنه يقتصر على السبب الشرعي.\n_________\n(^١) مختصر التحرير (١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>حكم السبب </span>(^١):\nتبين أن حقيقة السبب هي أنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدم الحكم، فإذا وجد السبب سواء قام به المكلف وكان من فعله، أو كان من غير فعله، وتوافرت الشروط الموضوعة للسبب والمسبب، وانتفت موانع الحكم، ترتب على السبب مسببه حتمًا، سواء أكان المسبب حكمًا تكليفيًّا، أو كان إثبات ملك أو حل أو إزالتهما، وسواء أقصد المكلف ترتب المسبب على فعله أم لم يرد، وسواء قصد إلى المسبب أم لم يقصد؛ لأن ترتب المسبب على السبب من وضع الشارع، ولا دخل للمكلف به، ولا عبرة بقصده؛ ولأن السبب لا يؤثر بنفسه في المسبب، كما سبق عند جمهور العلماء، بل يترتب المسبب على السبب، ولو قصد المكلف مثلًا عدم ترتبه عليه.\nوالأمثلة توضح ذلك:\nفمن اشترى سلعة ثبت له الملك والانتفاع، سواء أقصد ذلك أم لم يقصد، والموت والقرابة سببان للميراث ولو لم يرض الوارث أو المتوفى ذلك، وتدخل التركة في ملك الوارث جبرًا عنه، ولا يحق له أن\n_________\n(^١) هامش شرح مختصر التحرير (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":455},{"text":"يرفض التركة، أو أن يمتنع عن قبول الميراث، ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة الزوجة، ولو تزوجها على أن لا مهر عليه ولا نفقة، وهكذا.\nويعرج الشاطبي ﵀ في حكم السبب لبيان صلته بالعقيدة وسلوك المسلم في الحياة، ويعرض بحثًا جميلًا وطويلًا نقتبس منه ما يلي:\nإن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه إذا وكله إلى فاعله، وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، والتفويض والتوكل على الله تعالى، والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المحظورة، والشكر، وغير ذلك.\nثم يقول: إن تارك النظر في المسبب أعلى مرتبة، وأزكى عملًا، إذا كان عاملًا في العبادات، وأوفر أجرًا في العادات؛ لأنه عامل على إسقاط حظه، بخلاف من كان ملتفتًا إلى المسببات؛ فإنه عامل على الالتفات إلى الحظوظ، لأن نتائج الأعمال راجعة إلى العباد مع أنها خلق لله (^١).\nوينتقل الإمام الشاطبي ليبين النتائج المترتبة على السبب في المعاملات والعقوبات مع بيان العدالة الإلهية فيها، فيقول: ومن ههنا إذا وقع خلل\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":456},{"text":"في المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب: هل كان على تمامه أم لا؟ فإن كان على تمامه؛ لم يقع على المتسبب لوم، وإن لم يكن على تمامه؛ رجع اللوم والمؤاخذة عليه، ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجَّام والطباخ وغيره من الصناع إذا ثبت التفريط من أحدهم؛ إما بكونه غر من نفسه وليس بصانع، وإما بتفريط، بخلاف ما إذا لم يفرط؛ فإنه لا ضمان عليه لأن الغلط في المسببات أو وقوعها على غير وزان التسبب قليل؛ فلا يؤاخذ، بخلاف ما إذا لم يبذل الجهد؛ فإن الغلط فيها كثير؛ فلا بد من المؤاخذة (^١).\nوالمثال على ذلك أيضًا: الضرب المفضي إلى الموت أو القطع، فإنه سبب للقصاص، فإن كان كاملًا كان الجزاء قصاصًا بالنفس، وإن كان ناقصًا كان الجزاء قصاصًا فيما دون النفس، أو دية أو حكومة عدل أو أرش.\nوإن سبب السبب ينزل منزلة السبب، كالإعتاق في الكفارة، فإنها سبب لبراءة الذمة، والإعتاق يتوقف على اللفظ والصيغة، فالصيغة\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":457},{"text":"سبب الإعتاق، والإعتاق سبب لبراءة الذمة، فيكون سبب السبب كالسبب؛ لأن الحكم يتوقف عليه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-250> مسألة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء:</span>\nعلم الأصول لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، وإذا كان كذلك، فالتوقع أن يكون الفقهاء تابعين للأصوليين في اعتبار حقيقة السبب، لكن الواقع من الفقهاء غير ذلك، فهم في كتب الفروع يطلقون لفظ السبب على عدة أمور قد تبدو مخالفة لما اصطلح عليه الأصوليون في مفهوم السبب، لذلك أتيت بهذه المسألة تنبيهًا على ذلك فأقول:\nإن الفقهاء يطلقون لفظ السبب على أربعة إطلاقات، هي كما يلي:\nالإطلاق الأول: أنهم يطلقونه في مقابل المباشرة، فأطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة.\nقالوا: إذا اجتمع المتسبب والمباشر؛ غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم التسبب، فقالوا: لو حفر زيد بئرًا، ثم جاء عمرو ودفع محمدًا في البئر، فتردى فيها، فهلك محمد، فإن الحافر -وهو زيد- صاحب سبب، والمردِّي -وهو عمرو- صاحب\n_________\n(^١) مختصر التحرير (١/ ٤٦١)، الوجيز للزحيلي (٣٩١ - ٤٠١).","vol":"1","page":458},{"text":"علة؛ لأن الهلاك بالتردية لا بالحفر، ولكن وقع ذلك عند وجود البئر فسموا الحافر سببًا، والدافع مباشرًا، ومن أمثلته أيضًا: لو ألقاه من شاهقٍ فتلقاه آخر بسيفٍ فقده، فالضمان على المتلقي بالسيف.\nولو ألقاه في ماءٍ مغرقٍ فتلقاه حوتٌ فابتلعه، فالضمان على الملقي، لعدم قبول الحوت الضمان، وكذا لو ألقاه في زبية أسدٍ فقتله.\nوكمن قدم طعام شخص إلى آخر فأكله، فالمقدم متسبب، والآكل مباشر.\nوالقاعدة عند الفقهاء: تقديم المباشر في الضمان، فإن تعذر تضمينه لموت، أو فلس ضمن المتسبب ولا يخلو تضمينه من خلاف (^١).\nالإطلاق الثاني: أنهم يطلقونه على علة العلة؛ حيث سموا الرمي سببًا للقتل من جهة أنه سبب للعلة، فكان على التحقيق علة العلة؛ لأنه علة للإصابة، والإصابة علة لزهوق النفس، ولكن لما حصل الموت بالإصابة المتوسطة بين الرمي والزهوق لا بالرمي كان الرمي شبيهًا بالسبب في وضع اللسان وهو ما كان مفضيًا إلى الشيء، وطريقًا إليه فسموه سببًا لذلك.\nوحكم هذا السبب حكم العلة من كل وجه، فيضاف أثر الفعل إليه؛\n_________\n(^١) مذكرة الشنقيطي (١/ ٥١).","vol":"1","page":459},{"text":"لأنه لما أضيفت العلة إليه كان بمنزلتها، ولهذا سمي علة العلة، ويسميه الحنفية السبب في معنى العلة.\nالإطلاق الثالث: أنهم يطلقونه على العلة الشرعية بدون شرطها كملك النصاب دون حولان الحول، فإن ملك النصاب سبب في وجوب الزكاة، لكنه لا بد من حولان الحول في وجوبها، فيطلق السبب على ملك النصاب دون حولان الحول مع أنه لا بد منهما في الوجوب.\nوكذا اليمين دون الحنث فإنها سبب في وجوب الكفارة، لكنه لابد من الحنث في وجوب الكفارة، فيطلق السبب على اليمين دون الحنث مع أنه لا بد منهما في الوجوب.\nويراد بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه كما يقال: نصاب الزكاة، وكفارة اليمين.\nويسميه الحنفية بالسبب المجازي.\nالإطلاق الرابع: أطلقوه على العلة الشرعية الكاملة التي توجب الحكم، وهي المجموع المركب من مقتضي الحكم -وهو المعنى الطالب له- وشرطه، وانتفاء المانع، ووجود الأهل -وهو المخاطبة-، ووجود المحل -وهو ما يتعلق به الحكم- فالسبب -على هذا- بمعنى العلة يقال: سبب الحكم كذا. والمراد بذلك علته.","vol":"1","page":460},{"text":"ووجه إطلاق السبب على العلة الشرعية الكاملة: أن العلة في معنى العلامة المظهرة للحكم؛ إذ إنها لا توجب الحكم لذاتها، بل بإيجاب الله تعالى لها؛ فأشبهت السبب من هذه الناحية.\nوالخلاصة: أن الإطلاق الأول المراد به إيجاد الشرط؛ لأن حفر البئر شرط لوقوع الهلاك، لكونه إزالة للمانع، إذ لولا الحفر لاستمسكت الأرض ولم يقع الهلاك، فيكون المراد بالمباشرة هنا إيجاد العلة، وبالتسبب إيجاد الشرط، وهكذا.\nأما الإطلاقات الثلاثة الباقية فهي تنتظم في سلك العلة؛ فالرمي علة العلة؛ لكونه علة للإصابة، والإصابة علة للزهوق، والنصاب بدون الحول علة، ولكن تخلف شرطها، والإطلاق الرابع أطلقوه على العلة الكاملة (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ٧)، المهذب للنملة (١/ ٣٩٧)، وما بعدها.","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>ثانيًا: الشرط</span>\nالشرط لغة بفتحتين: العلامة، والجمع أشراط، والشرط بفتحة وسكون جمع شروط، قال الفيروز آبادي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه.\nوفي الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم (^١).\nفالشرط وصف يتوقف عليه وجود الحكم، وحقيقته أن عدمه يستلزم عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولا يتحقق الحكم بشكل شرعي إلا بوجود الشرط الذي وضعه الشارع له، كالوضوء شرط للصلاة، فلا توجد الصلاة بشكل شرعي إلا إذا وجد الوضوء، والوضوء ليس جزءًا في الصلاة، وإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إذا وجد الوضوء فلا يلزم منه وجود الصلاة.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (١/ ٤٣٥)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤٠٣).","vol":"1","page":462},{"text":"ومثل الحول شرط في وجوب الزكاة، فإذا عدم الحول لزم عدم وجوب الزكاة.\nومثل حضور الشاهدين في عقد الزواج، فالشهادة شرط في الزواج، ولا يصح الزواج إلا بالشهادة، والشهادة ليست جزءًا في الزواج، وإذا فقدت الشهادة فسد الزواج، ولكن لا يلزم من وجود الشاهدين وجود الزواج.\nومثل القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم.\nتعريف آخر للشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-252> بيان محترزات التعريف:</span>\nقولنا: ما يلزم من عدمه العدم: أخرج المانع؛ لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع لوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب.\nقولنا: ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم: أخرج السبب؛ لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.","vol":"1","page":463},{"text":"قولنا: لذاته: احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا لذاته؛ بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع.\nفمثلًا: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة؛ لاحتمال عدم بلوغ النصاب، ولا يلزم عدم وجوبها لاحتمال بلوغ المال النصاب.\nأما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة، ولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب.\nوإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب الزكاة، ولكن العدم ثبت نظرًا لقيام المانع، لا لذات الشرط.\nوشرح التعريف وبيان حقيقته يقودنا لبيان العلاقة بين الركن والشرط، وبين الشرط والسبب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-253> العلاقة بين الركن والشرط (شرط الصحة)</span> (^١):\nالركن هو ما يتوقف عليه وجود الحكم، ويكون جزءًا في ماهيته، أما الشرط فهو ما يتوقف\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٢٧).","vol":"1","page":464},{"text":"عليه وجود الحكم، ويكون خارجًا عن حقيقته وماهيته، ويظهر من هذا أن الركن والشرط يتفقان بأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، وإذا نقص الركن أو الشرط بطل أو فسد الحكم.\nويختلفان بأن الركن جزء من الماهية، والشرط ليس جزءًا من الماهية، والمثال يوضح ذلك.\nفالركوع ركن يتوقف عليه وجود الصلاة، وهو جزء منها، وكذا السجود وقراءة الفاتحة، والقيام، والصيغة في العقد ركن، وإذا اختل الركن بطلت الصلاة أو العقد.\nأما الوضوء فشرط يتوقف عليه وجود الصلاة، ولكنه خارج عن الصلاة؛ لأنه يسبقها، وكذا طهارة الثوب والمكان والجسد، ومثله الشهود في عقد الزواج شرط فيه وخارج عن الزواج، وإذا فقد الشرط فقدت الصلاة وعقد الزواج.\nوإذا حصل خلل في الركن كان الخلل في نفس التصرف أو العقد، ولا يتحقق وجود المسبب والماهية، وكان حكمه البطلان باتفاق العلماء، أما إذا حصل خلل في شرط من الشروط كان الخلل في وصف خارج عن الحقيقة، وتكون الحقيقة والماهية موجودة، ولكن لا يترتب عليها أثرها الشرعي لانتفاء الشرط فيها، وحكمها البطلان عند جمهور العلماء كالركن، خلافًا للحنفية الذين وصفوها بالفساد الذي يترتب عليه بعض الآثار.","vol":"1","page":465},{"text":"ولكن الحنفية يفرقون في أثر الفساد بين العبادات والمعاملات، فالعبادات الفاسدة لا أثر لها عندهم، ولا تسقط عن المكلف، ولا تبرأ منها الذمة، كالباطلة، ويتفقون بذلك مع الجمهور فيها، أما المعاملات الفاسدة فإنها يترتب عليها بعض الآثار عندهم، بخلاف المعاملات الباطلة فإنها لا يترتب عليها أثر شرعي.\n\n•<span data-type='title' id=toc-254> العلاقة بين السبب والشرط:</span>\nإن الشروط الشرعية تكمل السبب، وتجعل أثره يترتب عليه، وهو المسبب، وإذا وجد السبب ولم يتوفر الشرط فلا يوجد المسبب، فالسبب يلزم منه وجود المسبب عند تحقق الشرط وانتفاء المانع، وإذا لم يتحقق الشرط فلا أثر له، مثل القتل سبب لإيجاب القصاص، إذا تحقق شرطه وهو العمد العدوان، وعقد الزواج سبب لحل الاستمتاع عند تحقق الشرط، وهو حضور الشاهدين، والنصاب سبب لوجوب الزكاة عند تحقق الشرط، وهو حولان الحول، وهكذا فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطًا فيه.\nويتفرع عن هذا الأصل خلاف فقهي بين المذاهب، وهو هل يوجد الحكم بوجود سببه مع عدم الشرط أو تأخره، أم لا؟، وذلك أن الحكم يتوقف على وجود السبب وتحقق الشرط، فإن وجد السبب فقط، فهل يصح أن يقع الحكم بدون الشرط أم لا يصح؟","vol":"1","page":466},{"text":"ذهب بعض الفقهاء إلى مراعاة السبب ووقوع المسبب عليه دون توقفه على الشرط، وذهب آخرون إلى توقف الحكم على تحقق الشرط، مراعاة لأثر الشرط، وإن اختفاء الشرط مانع للسبب من تأثيره في وجود المسبب، وتطبيق القواعد يرجح القول الثاني، والقول الأول يعتمد على النصوص في الحديث، فجعلوا ذلك استثناء من القاعدة العامة، والأمثلة الفقهية توضح ذلك، مثل الاختلاف في جواز تعجيل الزكاة عند الحنفية والشافعية فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، والحول شرط له، فعلى القول الأول يجوز تعجيل الزكاة قبل تحقق الشرط، وعلى القول الثاني لا يجوز تعجيل الزكاة إلا بعد حولان الحول على النصاب، ومثل تعجيل الكفارة قبل الحنث عند الشافعية، كمن حلف يمينًا على إثم مثلًا، فاليمين سبب الكفارة، والحنث شرطها، فعلى القول الأول يجوز تقديم الكفارة ثم الحنث في اليمين، واستدلوا بما رواه مسلم، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وعلى القول الثاني: لا يجوز، ومثل العفو عن القاتل من القتيل؛ لأن الضرب المؤدي إلى الموت سبب في القصاص أو الدية، والزهوق شرط، ويجوز العفو من القتيل قبل زهوق روحه باتفاق، وتفصيل الأدلة والآراء في كتب الفقه.","vol":"1","page":467},{"text":"ويتفق الشرط والسبب في حالة العدم، فإذا عدم السبب عدم المسبب، وإذا عدم الشرط عدم المشروط ويختلفان في حالة الوجود، فإذا وجد الشرط فلا يلزم منه وجود الحكم، كالوضوء لا يلزم من وجوده وجوب إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود النكاح.\nأما السبب فيلزم من وجوده وجود الحكم، فإذا وجد الوقت وجبت الصلاة، ووجب الصيام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-255> أنواع الشرط:</span>\nينقسم الشرط عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وهي:\n\n•<span data-type='title' id=toc-256> أولًا: تقسيم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب </span>(^١):\nينقسم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب إلى نوعين:\n١ - الشرط المكمل للسبب: وهو الذي يكمل السبب حتى ينتج أثره في الحكم وهو المسبب، مثل حولان الحول في وجوب الزكاة في النصاب، فالنصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يتحقق وجود النصاب الدال على الغنى إلا بشرط حولان الحول، فالحول شرط مكمل للنصاب، والعمد والعدوان شرطان في القتل الموجب للقصاص،\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":468},{"text":"فالقتل سبب، والقصاص مسبب، ولا يرتبط السبب والمسبب إلا إذا تحقق شرطا العمد والعدوان، والقدرة على تسليم المبيع شرط لصحة البيع الذي هو سبب ثبوت الملك، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم، وهكذا، وعدم هذه الشروط يفيد عدم الأسباب.\n٢ - الشرط المكمل للمسبب: وهو الذي يكمل المسبب وهو الحكم، فالطهارة وستر العورة شرطان يكملان الصلاة؛ لأن عدم الشرط يستلزم عدم الحكم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-257> ثانيًا: تقسيم الشرط باعتبار جهة اشتراطه </span>(^١):\nينقسم الشرط من حيث جهة اشتراطه إلى قسمين:\n١ - الشرط الشرعي: وهو ما كان مصدر اشتراطه الشرع، مثل الشروط التي وردت في العبادات، والمعاملات، وإقامة الحدود.\nأنواع الشرط الشرعي:\nالشرط الشرعي أنواع: شرط وجوب، وشرط صحة، وشرط أداء، وشرط قبول.\nأ- شرط الوجوب هو: ما يصير الإنسان به مكلفًا كالنقاء من الحيض والنفاس، فإنه شرط في وجوب الصلاة، وبلوغ الدعوة إلى\n_________\n(^١) علم أصول الفقه لخلاف (١١٩)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤٠٨).","vol":"1","page":469},{"text":"شخص شرط في وجوب الإيمان عليه.\nب- شرط الصحة هو: ما جعل وجوده سببًا في حصول الاعتداد بالفعل وصحته، فهو الشرط الذي تتخلف الصحة بتخلفه، مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة للصلاة.\nج- شرط الأداء هو: حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع الفعل؛ فيخرج بذلك الغافل، والنائم، والساهي، ونحوهم، فإنهم غير مكلفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم.\nد- شرط القبول: وهو الذى يكون سببًا في قبول الأعمال كالإسلام شرط لقبول الأعمال، وشرط القبول فقط هو الذى يعمل متقدمًا ومتأخرًا، وذلك لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزامٍ: «أسلمت على ما سلف من خير» (^١).\n٢ - الشرط الجعلي: وهو ما كان مصدر اشتراطه المكلف، كما لو اشترطت المرأة تقديم معجل المهر كله، وكما لو اشترط المشتري نقل المبيع أو استلامه في مكان معين، ولا بد أن يكون الشرط الجعلي موافقًا لحكم الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد أو التصرف، فإن كان منافيًا له بطل التصرف كما لو اشترطت المرأة في عقد الزواج عدم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٣٦)، ومسلم (١٢٣) من حديث حكيم بن حزام مرفوعًا.","vol":"1","page":470},{"text":"المعاشرة، أو اشترط البائع تقييد ملكية المشتري، ولذا تتفاوت درجات الشرط الجعلي:\nأ- إما أن يكون مكملًا لحكمة الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد، ومحققًا للغاية منه، كاشتراط الكفالة أو الرهن في الدين المؤجل، وهذا القسم متفق على صحته.\nب- وإما أن يكون الشرط الجعلي مخالفًا لمقتضى العقد، ومتعارضًا معه، وغير ملائم لمقصود المشروط فيه، ولا مكملًا لحكمته، كأن يشترط الزوج عدم الإنفاق على زوجته، أو أن يشترط البائع عدم انتفاع المشتري بالعين، وهذا القسم متفق على بطلانه وإلغائه.\nج- وإما أن يكون شرطًا زائدًا على مقتضى العقد، وهو الذي يقترن فيزيد من التزامات أحد الطرفين، أو يقوي هذه الالتزامات، وحكم هذا النوع مختلف فيه بين المذاهب اختلافًا واسعًا، فقد أجاز هذا الاشتراط وتوسع به المذهب الحنبلي والمالكي، وضيق فيه المذهب الحنفي والشافعي.","vol":"1","page":471},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-258> ثالثًا: تقسيم الشرط باعتبار إدراك الرابطة مع المشروط </span>(^١):\nينقسم الشرط من جهة إدراك الرابطة والعلاقة بينه وبين المشروط إلى أربعة أنواع:\n١ - الشرط الشرعي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم الشرع، كالوضوء للصلاة.\n٢ - الشرط العقلي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم العقل، مثل ترك ضد الواجب لحصوله، كترك الأكل شرط لصحة الصلاة، ومثل اشتراط الحياة للعلم، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، ومثل الفهم في التكليف.\n٣ - الشرط العادي: وهو ما تكون العلاقة بينه وبين مشروطه ناتجة عن حكم العادة والعرف، كغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، ومثل الغذاء للحيوان أي لحياته، وملاصقة النار للجسم في الإحراق، ومقابلة الرائي للمرئي.\n٤ - الشرط اللغوي: وذلك في صيغ التعليق، مثل: إنها طالق إن خرجت من البيت، وهذا النوع له حكم السبب.\n_________\n(^١) مختصر التحرير (١/ ٤٥٥).","vol":"1","page":472},{"text":"والشرط اللغوي يلزم منه وجود المشروط، وإذا عدم عدم المشروط.\nتنبيه: إن أدى الاشتغال بالشرط إلى ضياع المشروط سقط الشرط ولا يكون الإنسان مكلفًا به، يقول ابن تيمية: الإجماع على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن وقتها، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهولا يجده إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير بالاتفاق (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٧).","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>ثالثًا: المانع</span>\nالمانع لغة هو: الحائل بين الشيئين، يقال: منعه الأمر، ومنعته منه، فهو ممنوع أي: محروم، والمانع: اسم فاعل من المنع ضد الإعطاء.\nثانيًا: المانع في الاصطلاح هو: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته (^١).\n• شرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: ما يلزم من وجوده العدم: أخرج السبب؛ لأن السبب يلزم من وجوده وجود الحكم، وأخرج الشرط؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم -كما سبق بيانه-.\nوقولنا: ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم: أخرج الشرط أيضًا؛ لأن الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم.\nوقولنا: لذاته: للاحتراز عن مقارنة عدم المانع لوجود سبب آخر،\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير للمرداوي (١/ ١٠٧٢).","vol":"1","page":474},{"text":"فإنه يلزم الوجود، ولكن لا لعدم المانع، وإنما لوجود السبب الآخر، مثل: المرتد القاتل لولده، فإن هذا يقتل بالردة، وإن لم يقتل قصاصًا؛ لأن المانع إنما منع أحد السببين فقط وهو القصاص، وقد حصل القتل بسبب آخر، وهو الردة (^١).\nوقيل في تعريفه: هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب (^٢).\nمثاله: اختلاف الدين والقتل في الميراث، فإذا وجدت الزوجية أو القرابة، وهما سببان للإرث، فلا يتم الميراث إلا إذا انتفى المانع، وهو اختلاف الدين أو القتل والأبوة مانع من القصاص، فإذا وجد القتل وهو سبب للقصاص، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، فلا ينفذ القصاص إلا إذا انتفى المانع، فإن وجد فلا قصاص.\n\n•<span data-type='title' id=toc-260> العلاقة بين السبب والشرط والمانع:</span>\nمن التعريف والشرح تظهر العلاقة بين السبب والشرط من جهة وبين المانع من جهة أخرى.\nفالمانع يوجد مع وجود السبب وتوفر الشرط، ويمنع ترتب\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (١/ ٤٣٤).\n(^٢) الوجيز للزحيلي (١/ ٤١٥).","vol":"1","page":475},{"text":"المسبب على سببه، فالشارع أخبرنا بوجوب الأحكام عند وجود السبب، والشرط، وانتفاء المانع، وعدم وجوب الأحكام أو عدم وجودها عند انتفاء السبب، والشرط، أو وجود المانع.\nفالمانع عكس الشرط؛ لأنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع عكس السبب أيضًا، لأنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، أما المانع فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم (^١).\nملحوظة: قد يلتبس الشرط مع عدم المانع؛ لأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، ولذلك اعتبر بعض العلماء من شروط الصلاة: ترك المناهي من الكلام والطعام وغيرهما، ولكن الإمام النووي ﵀ حقق ذلك، وقال: إنها ليست شروطًا للصلاة، وإنما سميت بذلك مجازًا، وإنما هي مبطلات؛ لأن الشرط وصف وجودي وعدم المانع وصف عدمي.\nالفرق بينهما -على تقدير التغاير-: أن الشرط لا بد أن يكون وصفًا وجوديًّا. وأما عدم المانع فعدميٌّ، ويظهر أثر ذلك في التغاير: إن عدم\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (١/ ٤١٦).","vol":"1","page":476},{"text":"المانع يكتفى فيه بالأصل، والشرط لا بد من تحققه، فإذا شك في شيءٍ يرجع لهذا الأصل.\nولذلك عدت الطهارة شرطًا؛ لأن الشك فيها مع تيقن ضدها المستصحب يمنع انعقاد الصلاة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-261> أنواع المانع </span>(^٢):\nينقسم المانع عدة أقسام باعتبارات مختلفة:\n\n•<span data-type='title' id=toc-262> أولًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره على الحكم والسبب:</span>\nينقسم المانع في الأصول من حيث تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين:\n١ - مانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم:\nكالأبوة في القصاص، فإنها منعت القصاص مع وجود السبب وهو القتل، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، ولكن وجد مانع الأبوة فيمنع القصاص، والحكمة أن الأب سبب وجود الابن، وهذا يقتضي ألا يصير الابن سببًا لموت الأب، ومثل ذلك القتل يمنع الإرث.\n_________\n(^١) مختصر التحرير (٤٦٠).\n(^٢) شرح العضد على مختصر المنتهى (٢/ ٢٢٥)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":477},{"text":"وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأ- المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، وهو الذي يزيل العقل كالنوم أو الجنون أو الإغماء، فإنها تمنع الخطاب التكليفي، وتكون مانعة للحكم.\nب- المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، لكن المانع يرفع التكليف مع إمكان اجتماعه، كالحيض والنفاس والجنابة مانعة للصلاة، كما أن الحيض والنفاس مانعان للصيام.\nج- المانع الذي يرفع اللزوم في التكليف، ويحوله من طلب حتمي إلى التخيير، كالمرض المانع من فريضة الجمعة، وإن صلى صحت صلاته، والأنوثة المانعة من صلاة الجمعة، وإن صلت صحت صلاتها.\n٢ - المانع للسبب لحكمة تخل بحكمة السبب:\nكالدين في الزكاة، فهو مانع أبطل سبب وجوب الزكاة، وهو ملك النصاب؛ لأن مال المدين أصبح كأنه ليس ملكه، لوجود حق الدائنين؛ ولأن دفع الدين وإبراء الذمة أولى من مساعدة الفقراء والمساكين، وهذا عند الحنفية والجمهور، خلافًا للشافعية في الجديد.\nيقول الآمدي: والمانع منقسم إلى مانع الحكم ومانع السبب، أما","vol":"1","page":478},{"text":"مانع الحكم: فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم المسبب، مع بقاء السبب، كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد والعدوان.\nوأما مانع السبب: فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينًا، كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-263> ثانيًا: أنواع المانع باعتبار مصدره:</span>\n١ - إما أن يكون سماويًّا: كالجنون والعته والنوم.\n٢ - وإما أن يكون مكتسبًا: كالسكر فإنه مانع للتكليف، والقتل فإنه مانع من الإرث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-264> ثالثًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره في الحكم:</span>\nينقسم المانع باعتبار تأثيره في الحكم إلى ثلاثة أنواع:\n١ - ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره.\nمثل: الحيض والنفاس يمنعان الابتداء في الصلاة والدوام فيها.\n٢ - ما يمنع من الابتداء دون الدوام.\nمثل: الإحرام للنكاح، فالإحرام يمنع من حدوث نكاح جديد،\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٣٠)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":479},{"text":"ولكن لا يمنع دوام النكاح القديم.\nوكذلك الإسلام بالنسبة للسبي يمنع من الابتداء، ولكنه لا يمنع من الدوام فيه، فلو أسلم بعد أن صار مملوكًا فلا ينقطع عنه الرق.\n٣ - ما يمنع من الدوام دون الابتداء.\nمثل: الطلاق للنكاح، فالطلاق يمنع دوام النكاح القديم، ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح آخر (^١).\nفائدة: الفرق بين الابتداء والدوام في الأحكام:\nقال ابن القيم: وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام ينافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتها، والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام،\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٤٦٣)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤١٩) بتصرف يسير.","vol":"1","page":480},{"text":"وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداءً ولا ينافيه دوامًا.\nوحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطريان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يفرق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه، وأيضًا فهو مستصحبٌ بالأصل، وأيضًا فالدافع أسهل من الرافع، وأيضًا فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمستدام تابعٌ لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نصٌّ لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس (^١)؟!\n\n•<span data-type='title' id=toc-265> رابعًا: أنواع المانع عند الحنفية:</span>\nقسم الحنفية المانع إلى خمسة أنواع وهي (^٢):\n١ - ما يمنع انعقاد السبب، مثل انتفاء المحلية في البيع، فإنه مانع له كبيع الحر.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ٢٤٧) بتصرف.\n(^٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٤/ ٣٤).","vol":"1","page":481},{"text":"٢ - ما يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالسبب وهو البيع قد تم في حق العاقد، ولا يستطيع إبطاله، ولم يتم العقد في حق المالك لعدم ولاية العاقد عليه، فهو بالخيار بين إجازته أو إبطاله.\n٣ - ما يمنع ابتداء الحكم، كخيار الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقهما، ولكن الخيار منع ملكية المبيع للمشتري.\n٤ - ما يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالملك ثبت بالعقد، ولكن لا يتم إلا بعد الرؤية، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته.\n٥ - ما يمنع لزوم الحكم، كخيار العيب، فالملك ثابت وتام، وللمشتري ولاية التصرف في المبيع، ولكن العيب مانع من لزوم العقد، فالعقد غير لازم، وللمشتري طلب فسخ العقد (^١).\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>رابعًا: الصحيح</span>\nالصحة لغة: خلاف السقم، وهي: عبارة عن السلامة وعدم الاختلال، فيقال: صح فلان من علته. أي: أصبح لا سقم فيه (^١).\nوالحكم الصحيح في الاصطلاح الأصولي:\nما ترتبت عليه آثاره الشرعية من براءة الذمة، وسقوط المطالبة في العبادات، ونفاذ العقد في العقود والتصرفات (^٢).\nهل الصحة والبطلان من الحكم الوضعي؟\nانقسم العلماء في وصف الصحة والفساد والبطلان، وهل تدخل في الحكم الوضعي أم في الحكم التكليفي؟ على أربعة أقوال:\n١ - قال ابن الحاجب: إن الصحة والبطلان أو الحكم بهما أمر عقلي، فالفعل إما أن يكون مسقطًا للقضاء، أو يكون موافقًا أمر\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (٢/ ٥٠٧).\n(^٢) تيسير علم أصول الفقه للجديع (٦١).","vol":"1","page":483},{"text":"الشارع، فالفعل صحيح بحكم العقل، وإما أن لا يسقط القضاء، أو لا يوافق أمر الشرع فهو باطل وفاسد بحكم العقل (^١).\n٢ - وقال بعض العلماء: إن الصحة أو الفساد صفة للفعل وليس للحكم، وتدخل في المحكوم فيه، وليس في الحكم، وإنها أوصاف ترد على الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو كانت وضعية.\n٣ - قال جماعة: الصحة والفساد من الحكم التكليفي، فالصحيح هو المباح، والباطل والفاسد هو المحرم.\n٤ - وقال أكثر العلماء: إنهما من خطاب الوضع، بمعنى أنه حكم بتعلق شيء بشيء تعلقًا زائدًا على التعلق الذي لا بد منه في كل حكم، فالشارع حكم بتعلق الصحة بهذا الفعل، وحكم بتعلق الفساد أو البطلان بذلك.\nوالراجح أن الصحة والفساد من خطاب الوضع، وأن الصحة والفساد في المعاملات من أحكام الوضع باتفاق؛ لأن المعاملات لا تستتبع ثمراتها المطلوبة إلا بتوقيف من الشارع، وأن ترتب المقصود من العقد يدل على أنه صحيح، وعدم ترتبه عليه يدل على الفساد، فالصحة موافقة الفعل لأمر الشارع على وجه، والفساد عدم موافقة\n_________\n(^١) مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":484},{"text":"الفعل لأمر الشارع.\nوينحصر الخلاف في الصحة والفساد المتعلقين بالعبادات لاختلاف الغاية منها، يقول الكمال بن الهمام: إن ترتب الأمر على الفعل حكم وضعي، ويعني معرفة كون العبادة مسقطة للقضاء أم لا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-267> مسألة: متى يكون الشيء صحيحًا؟</span>\nالجواب: يكون الشيء صحيحًا إذا تمت أركانه، وشروطه، وانتفت موانعه، فإن فقد ركن أو شرط من الشروط أو وجد مانع من الموانع امتنعت الصحة.\nفإذا حصل السبب، وتوفر الشرط، وانتفى المانع، ترتبت الآثار الشرعية على الفعل، كما إذا أدى المكلف فعلًا من الأفعال، مستكملًا أركانه وشروطه ترتب الأثر الذي وضعه الشارع عليه، كسقوط الواجب وإبراء الذمة في العبادات، وترتب المسبب على السبب، وإقامة المشروط على الشرط، وتحقق الآثار في المعاملات والعقود.\n_________\n(^١) الغيث الهامع شرح جمع الجوامع لأبي زرعة العراقي (٣٩)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤٢٤).","vol":"1","page":485},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-268> مسألة: هل هناك تلازم بين الصحة والثواب؟</span>\nالجواب: لا تلازم بينهما، ولكن إذا كان الشيء صحيحًا تبرأ به الذمة.\nفالصحيح من العبادات ما برئت به الذمة وسقط به الطلب.\nوقد يكون العمل صحيحًا غير مقبول: مثال: قال النبي ﷺ: «العبد الآبق لا تقبل له صلاة» (^١)، أو قوله ﵊: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة» (^٢).\nفمعنى أن تكون العبادة مقبولة أي تبرأ بها الذمة، ويثاب فاعلها عليها، ونفي القبول ينفي إبراء الذمة وينفي الثواب، ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل.\nوهنا قوله ﵊: «العبد الآبق لا تقبل صلاته»، فالأصل أن معنى «لا تقبل» أي لم تبرأ بها ذمته، ولا ثواب عليها، لكن المراد هنا نفي الأجر دون إبراء الذمة، قال ابن الصلاح: فصلاة العبد الآبق صحيحة غير مقبولة، فيظهر أثر عدم القبول في عدم الثواب، ويظهر أثر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٠) من حديث جرير مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٣٠) من حديث بعض أزواج النبي مرفوعًا.","vol":"1","page":486},{"text":"الصحة في سقوط القضاء، ولا يعاقب عقوبة تارك الصلاة (^١).\nوقوله: «من أتى عرافًا فسألة عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا»، فمعنى «لم تقبل» أي لا ثواب عليها، ولكنها برئت بها ذمته، فالأصل أن نفي القبول هو نفي إبراء الذمة ونفي الثواب، ولكن أتى الإجماع على إبراء الذمة، ولا يلزمه القضاء.\nقال الإمام النووي: وأما عدم قبول صلاته فمعناه: أنه لاثواب له فيها وإن كانت مجزئةً في سقوط الفرض عنه ولايحتاج معها إلى إعادةٍ، ونظير هذه الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لاثواب فيها كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتي بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرضٍ مغصوبة حصل الأول دون الثاني، ولابد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لايلزم من أتى العراف إعادة صلوات أربعين ليلةً فوجب تأويله، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) شرح مسلم (٢/ ٥٨).\n(^٢) شرح مسلم (١٤/ ٢٢٧).","vol":"1","page":487},{"text":"ضابط المسألة: قال ابن العراقي: ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول، ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه- أنا ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصيةٌ - كحديث شارب الخمر ونحوه-؛ انتفى القبول أي الثواب؛ لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم تقارنه معصيةٌ، كحديث: «لا صلاة إلا بطهورٍ» (^١)، ونحوه، فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ \"لا تقبل صلاة بغير طهور\".\n(^٢) شرح مختصر التحرير (١/ ٤٧٠)، وما بعدها.","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>خامسًا: الباطل</span>\nالباطل لغة: من بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه، ويتعدى بالهمزة فيقال: أبطله، وبطل: ذهب ضياعًا وخسرانًا (^١).\nالباطل في الاصطلاح: تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره، وآثاره في نظر الشرع (^٢).\nفالباطل: هو الذي لا يترتب على فعله الآثار الشرعية، فإن كان واجبًا فلا يسقط عنه، ولا تبرأ ذمته، وإن كان سببًا فلا يترتب حكمه، وإن كان شرطًا فلا يوجد المشروط.\n\n•<span data-type='title' id=toc-270> هل الفاسد والباطل مترادفان؟ اختلف في ذلك على مذهبين:</span>\nالمذهب الأول: أنهما مترادفان. ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، فوجب عدم التفريق بينهما في الشرع؛ حملًا للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛\n_________\n(^١) القاموس المحيط للفيروز آبادي (٩٦٦).\n(^٢) المدخل الفقهي للزرقا (١/ ٦٢٥).","vol":"1","page":489},{"text":"لأن الأصل عدم التغيير.\nوعلى هذا: فتعريف الباطل هو نفس تعريف الفاسد السابق الذكر، فهما اسمان لمسمى واحد، ولفظان مترادفان، فكل فاسد باطل، وكل باطل فاسد.\nالمذهب الثاني: التفصيل، وهو ما ذهب إليه الحنفية.\nأما في باب العبادات فإن الفاسد والباطل مترادفان.\nوأما في باب المعاملات، فإنه يوجد عندهم فرق بين الباطل والفاسد.\nفهم أثبتوا فرقًا بين الباطل والفاسد في المعاملات، حيث رتبوا على العقود الفاسدة بعض الآثار الشرعية، وجعلوا الفاسد مرتبة متوسطة بين الصحيح والباطل، فهو قسم ثالث مغاير عندهم للصحيح والباطل، فقالوا: الصحيح هو ما كان مشروعًا بأصله ووصفه جميعًا. أي: ما استجمع أركانه وشروطه، بحيث يكون معتبرًا شرعًا كالبيع الصحيح.\nقالوا: والباطل هو ما لم يكن مشروعًا بأصله، ولا بوصفه. أي: ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، وذلك إما لانعدام معنى التصرف كبيع الدم والميتة، وإما لانعدام أهلية التصرف كما في بيع الصبي والمجنون.","vol":"1","page":490},{"text":"قالوا: والفاسد ما كان مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه، كبيع الدرهم بالدرهمين، فإنه مشروع بأصله من حيث إنه بيع ولا خلل في ركنه، ولا في محله، ولكنه غير مشروع بوصفه، وهو الفضل؛ لأنه زيادة في غير مقابل، فكان فاسدًا، لا باطلًا، لملازمته للزيادة، وهي غير مشروعة، ولكن لو حذفت تلك الزيادة لصح البيع، ولم يحتج إلى عقد جديد.\nدليل هذا المذهب:\nالعلة التي جعلت الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل في باب المعاملات خاصة هي: أنه لما كان المقصود من العبادات هو التعبد فقط، وهو لا يكون إلا بالامتثال والطاعة، فإن المخالفة فيها تكون مفوتة للمقصود، فلا يظهر وجه للتفرقة بين باطل وفاسد فيها، فذمة المكلف لا تبرأ بصلاة فاسدة، كما لا تبرأ بصلاة باطلة.\nأما المعاملات فإنه لما كان المقصود منها هو مصالح العباد الدنيوية، فإن المجال مفتوح فيها، وتحققها في نفسها ممكن حتى مع وجود خلل في وصفها، فلا تنعدم بالكلية إلا إذا كان الخلل فيها راجعًا إلى الحقيقة والماهية.\nفجعلوا الباطل فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أركان العقد، أو إلى العاقدين، أو إلى محل العقد، كما في بيع الملاقيح -وهي ما في","vol":"1","page":491},{"text":"بطون الحوامل من الأجنة- وكما في بيع المضامين -وهي ما في أصلاب الفحول من الماء- فإن بيع الحمل وحده، أو الماء وهو في صلب الفحل غير مشروع البتة، وليس امتناعه لأمر عارض، فكان باطلًا لذلك.\nوجعلوا الفاسد فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أوصاف العقد الخارجية، لا إلى أركانه وذلك كما في بيع الدرهم بالدرهمين.\nحيث إن الدراهم في ذاتها قابلة للبيع، وإنما امتنع هذا البيع، نظرًا لاشتمال أحد الجانبين فيه بالزيادة، فهو مشروع من حيث إنه بيع، وممنوع من حيث انعقاد الربا، ولذلك قالوا: لو حذفنا تلك الزيادة وهي الدرهم لصح البيع.\nالجواب عن التفريق بين الباطل والفاسد:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أنا لا نسلم تفسير الحنفية للفاسد، وهو: ما كان مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه؛ لأن كل ممنوع بوصفه، فهو بلا شك ممنوع بأصله، حيث إنه لا يثمر، ولا يترتب عليه آثار.\nفإذا كان الفاسد لا يثمر، والباطل لا يثمر أيضًا فهما متساويان ولا فرق بينهما.","vol":"1","page":492},{"text":"الجواب الثاني: أن هذا التفريق بين الفاسد والباطل غير مسلم من جهة النقل، وبيان ذلك: أن مقتضى هذا التفريق هو أن يكون الفاسد هو الموجود على نوع من الخلل، والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه، وقد سمى الله تعالى الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا، حيث قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فسمى السموات والأرض فاسدة على تقدير الشريك ووجوده، ودليل التمانع يقتضي أن العالم على تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده لحصول التمانع، لا أنه يكون موجودًا على نوع من الخلل، فقد سمى الله تعالى هذا الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا.\nفالذي لا تثبت حقيقته بوجه يطلق على الفاسد والباطل فلم يكن على هذا بينهما فرق (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-271> أساس الاختلاف في الفساد والبطلان:</span>\nيرجع الاختلاف في الحكم غير الصحيح وتقسيمه إلى فاسد وباطل، وظهور مرتبة الفساد والبطلان عند الحنفية خلافًا للجمهور، لسببين رئيسيين:\nالأول: مقتضى النهي. فقال الجمهور: الأصل أن النهي يقتضي\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (١/ ٤٥٥)، المهذب للنملة (١/ ٤١٤ - ٤١٧).","vol":"1","page":493},{"text":"البطلان والفساد، سواء ورد على ذات الأمر وحقيقته أو ورد على وصف فيه.\nوقال الحنفية: إذا ورد نهي الشارع على ذات الشيء وحقيقته فهو باطل، وإن ورد النهي على وصف في الشيء مع مشروعية الأصل فالنهي يفيد الفساد؛ ولذا عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، فالربا بيع مع زيادة ومنفعة لأحد العاقدين، والبيع مشروع، والنهي ورد على الوصف الزائد، فكان البيع مع الربا فاسدًا لا باطلًا.\nالثاني: الفرق بين الركن والشرط. وقد سبق الكلام عن الفرق بين الركن والشرط، وأن الركن والشرط يتوقف عليهما الشيء، ولكن الركن داخل في الماهية، والشرط خارج عن الماهية، فإذا اختل الركن فالعقد باطل باتفاق العلماء، وإن اختل الشرط فقال الجمهور: العقد باطل وفاسد بمعنى واحد. وقال الحنفية: العقد فاسد لكون الخلل في وصف خارج عن الشيء (^١).\nملحوظة: فرق بعض العلماء من غير الحنفية بين الباطل والفاسد في مسائل:\nقال الزركشي: اعلم أن أصحابنا فرقوا بين الفاسد والباطل في\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (١/ ٤٢٧).","vol":"1","page":494},{"text":"مواضع:\nأولها، وثانيها: الخلع والكتابة، فالباطل منهما ما كان على غير عوضٍ مقصودٍ كالميتة، أو رجع إلى خللٍ في العاقد كالصغر والسفه، والفاسد خلافه، وحكم الباطل أن لا يترتب عليه مالٌ، والفاسد يترتب عليه العتق والطلاق، ويرجع الزوج بالمهر، والسيد بالقيمة.\nوثالثها: الحج يبطل بالردة ويفسد بالجماع. وحكم الباطل أنه لا يجب قضاؤه ولا يمضي بخلاف الفاسد.\nومنها: لو نكح بلا وليٍّ فهو فاسدٌ يوجب مهر المثل لا الحد، ولو نكح السفيه بلا إذنٍ فباطلٌ لا يترتب عليه شيءٌ.\nوقال الإمام أبو الحسن السبكي: عندي أن أصحابنا لم يوافقوا الحنفية في هذا التفريق أصلًا؛ لأن الحنفية يثبتون بيعًا فاسدًا يترتب عليه مع القبض أحكامٌ شرعيةٌ، ونحن لا نقول ذلك، وإنما العقود لها صورٌ لغةً وعرفًا من عاقدٍ ومعقودٍ عليه وصيغةٍ، ولها شروطٌ شرعيةٌ فإن وجدت كلها فهو الصحيح، وإن فقد العاقد أو المعقود عليه أو الصيغة أو ما يقوم مقامها فلا عقد أصلًا، ولا يحنث به إذا حلف لا يبيع ونسميه بيعًا باطلًا مجازًا، وإن وجدت وقارنها مفسدٌ من عدم شرطٍ ونحوه، فهو فاسدٌ، وعندنا هو باطلٌ خلافًا لهم.","vol":"1","page":495},{"text":"ووافقونا على البطلان إذا كان الفساد لصفة المعقود عليه كبيع الملاقيح. ونحن لا نرتب على الفاسد شيئًا من الأحكام الشرعية (^١).\nتنبيه: قال أبو العباس ابن تيمية: لم يرد في لفظ الكتاب والسنة الصحة والفساد، بل الحق والباطل، وإنما الصحة اصطلاح الفقهاء. ثم علق الزركشي بقوله: وورد لفظ الإجزاء كثيرًا، وهو قريبٌ من الصحة، ثم إن الجمهور لم يسمحوا بإطلاق الفاسد، وإنما قالوا: هي صلاةٌ صحيحةٌ أو شبيهةٌ بها، كإمساك رمضان (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط بتصرف (١/ ٣٢٣).\n(^٢) البحر المحيط (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>العزيمة</span>\nتعريف العزيمة لغة: مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾: أي قصدًا بليغًا متأكدًا في العصيان.\nوعزائم الله: فرائضه التي أوجبها الله وأمرنا بها.\nوأولو العزم من الرسل: هم الذين عزموا على إمضاء أمر الله فيما عهد إليهم، وسموا بذلك لتأكد قصدهم في طلب الحق (^١).\nواصطلاحًا هو: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-273> شرح التعريف وبيان محترزاته:</span>\nقولنا: الحكم الثابت: أخرج الحكم غير الثابت كالمنسوخ، فلا يسمى عزيمة؛ حيث إنه لم يبق مشروعًا أصلًا.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (ص ٢٦٧).\n(^٢) شرح الكوكب المنير (١/ ٤٧٦)، شرح مختصر الروضة (ص ٤٥٧).","vol":"1","page":497},{"text":"وهذه العبارة وهي: الحكم الثابت: عام وشامل لجميع الأحكام التكليفية؛ لأن كلًّا منها حكم ثابت.\nقولنا: بدليل شرعي: أخرج ما ثبت بدليل عقلي، فإن ذلك لا يستعمل فيه العزيمة.\nقولنا: خال عن معارض: أخرج ما ثبت بدليل شرعي، ولكنه معارض بدليل مساو، أو دليل راجح؛ لأنه إن كان المعارض مساويًا لزم الوقف، وحينئذ يجب طلب المرجح الخارجي.\nوإن كان المعارض راجحًا، فإنه يجب العمل بمقتضاه، وتنتفي العزيمة.\nقولنا: راجح: أخرج الرخصة؛ لأن الرخصة حكم ثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح وهو العذر، فمثلًا: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، فإذا وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾، وهو راجح على دليل التحريم، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس، والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة، وما فيها من الخبث.","vol":"1","page":498},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-274> مسألة: في أنواع العزيمة:</span>\nيدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية:\n١ - ما شرع ابتداءً من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام.\n٢ - ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين لله ﷾، فحرم الله تعالى سب الأوثان والطواغيت؛ لأنه ذريعة إلى سب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ومثله منع استعمال لفظ «راعنا» لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول الله، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي ﷺ، أخزاهم الله ولعنهم.\n٣ - ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه","vol":"1","page":499},{"text":"إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومثل قوله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» (^١).\n٤ - الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فقد حرم الله تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق، وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات الله فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق يدها، وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٧) من حديث بريدة مرفوعًا.\n(^٢) الموافقات (١/ ٤٦٩)، الوجيز للزحيلي (٤٣٣).","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>الرخصة</span>\nالرخصة لغة: مشتقة من الرخص، وهو: اليسر والسهولة، يقال: رخص لنا الشرع في كذا. إذا يسره وسهله علينا، وهو أيضًا مشتق من اللين والمسامحة (^١).\nواصطلاحًا هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-276> شرح التعريف وبيان محترزاته:</span>\nقولنا: الحكم: جنس يشمل العزيمة والرخصة.\nقولنا: الثابت: يوضح أنه لا بد من دليل على الرخصة، فإن لم تثبت الرخصة بدليل لم يجز الإقدام عليها والعمل بها، وإلا لزم ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، وهذا باطل.\nقولنا: على خلاف الدليل: يشمل الدليل الخاص، وهو ما يقتضي\n_________\n(^١) المصباح المنير للفيومي (١/ ٢٢٣).\n(^٢) نهاية السول للإسنوي (١/ ٣٣)، الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع للكوراني (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":501},{"text":"الحرمة والوجوب والندب، كما يشمل الدليل العام كدليل الأصل في نحو قولهم: الأصل كذا. والأصل من الأدلة الشرعية.\nوهذه العبارة -على خلاف الدليل- أخرجت أمورًا هي:\nالأول: العزيمة؛ لأنها على وفق الدليل، لا على خلافه.\nالثاني: الأحكام الثابتة على وفق الدليل مثل إباحة الأكل والشرب والنوم، حيث إنه لم يوجد دليل على منع هذه الأشياء حتى تكون إباحتها ثابتة على خلافه، فلا تكون رخصة، وإن وجد فيها نوع من اليسر والسهولة.\nالثالث: الحكم الثابت بدليل ناسخ لحكم ثبت بمنسوخ؛ لأن المنسوخ لا يسمى دليلًا مثل: إيجاب ثبات الواحد من المسلمين أمام اثنين من الكفار في الحرب، فإنه ثبت بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، وهذا الدليل ناسخ لوجوب ثبات الواحد أمام العشرة، فإيجاب ثبات الواحد أمام الاثنين لا يعتبر رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.\nالرابع: الحكم الثابت بدليل راجح في مقابلة حكم ثبت بمرجوح، فإن المرجوح لا يسمى دليلًا، وحينئذ فالحكم الثابت بالدليل الراجح لا يسمى رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.","vol":"1","page":502},{"text":"قولنا: لعذر: أي المشقة الشاملة للضرورة والحاجة، فالعذر يشمل الاضطرار من أكل الميتة ونحوها، ويشمل أحكام السفر والمرض ونحوه، وكذلك بعض أنواع العقود من السلم، والمساقاة، والإجارة، والقراض، والعرايا، ونحو ذلك مما يخالف القياس والقواعد المقررة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-277> مسألة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي أم الحكم الوضعي؟</span>\nاختلف العلماء في اعتبارهما داخلين في الحكم الوضعي أم لا على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الفعل المحكوم فيه، وهو رأي بعض العلماء كابن الحاجب، والرازي، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة.\nالقول الثاني: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي، وهو رأي بعض العلماء، كصدر الشريعة، وابن السبكي، والإسنوي، وابن عبد الشكور.\nونظروا إلى الرخصة والعزيمة كصفة للأحكام التكليفية،\n_________\n(^١) المهذب للنملة (١/ ٤٤٩).","vol":"1","page":503},{"text":"فالواجب، أو المندوب، أو المكروه، أو الحرام، أو المباح، إما أن يكون عزيمة ومطلوبًا، وإما أن يكون رخصة ومُخيَّرًا فيه؛ ولذا كانت العزيمة والرخصة تابعة للحكم التكليفي.\nالقول الثالث: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي، وهو رأي الغزالي، والآمدي، والشاطبي، وذلك أن الأصل في جميع الأحكام أن تكون عزيمة، ولا تنتقل من العزيمة إلى الرخصة إلا لسبب، وهو الضرورة في إباحة المحظور، أو طروء العذر كسبب للتخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس كسبب صحيح في بعض عقود المعاملات بينهم، فارتبطت العزيمة بفقدان السبب الشرعي المبيح، وارتبطت الرخصة بوجود السبب المبيح لها، فالرخصة في الحقيقة عبارة عن وضع الشارع وصفًا من الأوصاف سببًا في التخفيف، والعزيمة عبارة عن اعتبار مجاري العادات سببًا للجري على الأحكام الأصلية، فكانت الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وهذا القول أخذ به كثير من العلماء (^١).\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (١/ ٤٨٢)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤٣٠).","vol":"1","page":504},{"text":"• بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي يرجع إلى النظر إلى كل من الرخصة والعزيمة، فاختلف الفريقان بحسب هذا النظر.\nفمن نظر إلى أن كلًّا من الرخصة والعزيمة متصفة بالوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وأنه يوجد في العزيمة معنى الاقتضاء، ويوجد في الرخصة معنى التخيير، فإنه عدهما من الأحكام التكليفية.\nومن نظر إلى أن الرخصة في الحقيقة هي وضع الشارع وصفًا معينًا سببًا في التخفيف، وأن العزيمة في الحقيقة هي جعل الشارع الأحوال العادية للمكلفين سببًا لبقاء الأحكام الأصلية واستمرارها في حقهم، فإنه عدهما من الأحكام الوضعية؛ لأنه اعتبر السبب، والسبب من الأحكام الوضعية.\nفاختلفت أنظار كل من الفريقين لاختلاف المنظور إليه، فكان هذا الخلاف خلافًا لفظيًّا (^١).\n_________\n(^١) المهذب للنملة (١/ ٤٥٥).","vol":"1","page":505},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-278> مسألة: أقسام الرخصة:</span>\nالرخصة تنقسم إلى عدة أقسام هي كما يلي:\nالقسم الأول: رخصة واجبة، أي: يجب الأخذ بالرخصة، فإن امتنع عن ذلك، ثم مات، أو لحقه ضرر، فإنه يأثم بذلك، ومن أمثلة ذلك:\n١ - أكل الميتة للمضطر، وقلنا ذلك؛ لأنه حكم ثابت على خلاف الدليل وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ لعذر، وهو الاضطرار.\n٢ - شرب الخمر لمن غص بلقمة، وخشي على نفسه الهلاك، ولم يجد ما يسيغها إلا به، وقلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء].\nوجه الدلالة: أنه لو لم يدفع هذه الغصة بجرعة من الخمر، ثم مات، لكان قاتلًا لنفسه، لذلك يجب عليه شرب الخمر لإساغة هذه اللقمة؛ إبقاء لحياته.\n٣ - التيمم للمريض، أو الذي به جراحة مع القدرة على استعمال الماء، وقلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ حيث إن المريض، أو من به جراحة لو استعمل الماء لكان مؤديًا بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه يحتمل احتمالًا راجحًا أن المرض يتزايد، والجراحة تتسع باستعماله لهذا الماء، فلذلك أوجبنا","vol":"1","page":506},{"text":"عليه التيمم إبقاء على نفسه.\nالقسم الثاني: رخصة مندوبة، أي: إن أخذ بتلك الرخصة فله أجر، وإن لم يفعل فلا وزر عليه.\nومن أمثلة ذلك:\n١ - قصر الصلاة الرباعية للمسافر عند البعض، لقوله ﷺ: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (^١).\n٢ - الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، فإنه رخصة مندوبة وقلنا ذلك؛ لورود الأمر به مع ذكر العلة، وهي: أن شدة الحر من فيح جهنم، حيث قال ﷺ: «أبردوا فإن شدة الحر من فيح جهنم» (^٢).\nالقسم الثالث: رخصة مباحة، ومن أمثلة ذلك:\n١ - العرايا، وهي: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصًا فيما دون خمسة أوسق، فالقياس: عدم جواز مثل هذا البيع؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في العرايا (^٣) للحاجة إليها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٦) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٥)، ومسلم (٦١٦) من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":507},{"text":"٢ - السلم وهو: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلًا، وفي المثمن آجلًا، فالقياس: عدم جواز ذلك؛ لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم منهي عنه؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في السلم لحاجة الناس إليه.\n٣ - الإجارة، وهي: تمليك المنافع بعوض، والأصل: عدم جواز الإجارة؛ لما فيها من الغرر والجهالة، ولكن رخص الشارع في الإجارة لحاجة الناس.\n٤ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن هذا يعتبر من الرخص المباحة؛ حيث إن الدليل على وجوب الإيمان قائم، وحرمة التلفظ بالكفر قائمة، وإنما أبيح التلفظ بكلمة الكفر حالة الإكراه فقط مراعاة لحق نفسه؛ حيث يفوت ذلك الحق عند الامتناع صورة ومعنى بتخريب بدنه، وإزهاق روحه، ثم إن إجراء كلمة الكفر على اللسان لا يوجب خللًا في الإسلام؛ لأن بقاء الإسلام ببقاء العقيدة، وأنها لا تفوت بهذا.\nلكن لو صبر وامتنع عن التلفظ بكلمة الكفر فإنه يكون آخذًا بالعزيمة، وهو أفضل؛ حيث إنه إذا صبر، وبذل نفسه في دين الله، وقُتِل وهو صابر محتسب فإن فعله هذا أفضل وأولى.\n٥ - رؤية الطبيب لعورة الرجل أو المرأة عند الحاجة.","vol":"1","page":508},{"text":"فالدليل قائم على تحريم النظر إلى عورة المرأة والرجل، ولكن إذا احتاج أي واحد منهما إلى طبيب لمعالجة، أو ولادة، فقد أبيح ذلك رخصة، رفعًا للضرر الذي يلحقهما إذا لم يتم معالجتهما.\n٦ - الجمع بين الصلاتين في السفر، فهذا من الرخص المباحة؛ لأن النبي ﷺ جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعًا.\n٧ - تعجيل الزكاة قبل تمام الحول؛ حيث رخص الرسول ﷺ للعباس ﵁ في تعجيل الزكاة قبل أن تحل.\n٨ - النظر إلى المخطوبة؛ حيث ثبت أن النبي ﷺ قال للمغيرة بن شعبة -لما علم أنه خطب امرأة-: «انظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما» (^١).\n_________\n(^١) مختلف فيه: أخرجه أحمد (١٨١٣٧) والترمذي (١٠٨٧) وابن ماجه (١٨٦٥) من طرق عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا، وبكر بن عبد الله المزني ثقة ثبت جليل لكن مختلف في سماعه من المغيرة فقد نفاه الحاكم كما في سؤالات السجزي (١٥٦)، وأبو عوانة كما في المسند (٤٠٣٦)، وابن معين كما ذكر ذلك محققوا مسند أحمد، ولم أقف عليه، وأثبته الدارقطني في العلل (١٢٦٠).","vol":"1","page":509},{"text":"القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، أي: أن ترك الأخذ بالرخصة أولى وأفضل من فعلها، ومن أمثلة ذلك:\n١ - الإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا: إنه رخصة خلاف الأولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ولما روي عن أنس، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵄ أنهما قالا: «الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه» (^١).\n٢ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره عليه قد سبق أن ذلك خلاف الأولى؛ لأن الأولى والأفضل عدم التلفظ بكلمة الكفر (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-279> مسألة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟</span>\nلقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الأفضل الأخذ بالعزيمة وترجيحها.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن العزيمة هي الأصل المقطوع به، الذي لا يختلف\n_________\n(^١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ١٧٧) معلقًا، ولم أجده مسندًا عن أنس بن مالك، ورواه ابن أبي شيبة (٨٩٨٣) عن عثمان بن أبي العاص.\n(^٢) شرح الكوكب المنير (١/ ٤٧٩)، التمهيد للإسنوي (٧١)، المهذب للنملة (١/ ٦٥٤).","vol":"1","page":510},{"text":"فيه، أما الرخصة فسببها ظني، وهو: المشقة؛ وحيث إن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال.\nالدليل الثاني: أن العزيمة عامة وشاملة لجميع المكلفين، أما الرخصة فهي خاصة لبعض المكلفين؛ حيث إنها ترجع إلى حالة جزئية بحسب بعض المكلفين، ممن له عذر، أو بحسب بعض الأحوال والأوقات.\nالدليل الثالث: أن الأخذ بالرخص قد يصبح ذريعة ووسيلة إلى انحلال العزائم في التعبد، بخلاف الأخذ بالعزائم، فإنه يعود على الثبات في التعبد والأخذ بالحزم في الأمور.\nالمذهب الثاني: أن الأفضل الأخذ بالرخصة.\nأدلة أصحاب هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الرخصة مقطوع بها، أما وجود الظن في سببها فلا يؤثر؛ لأن الشارع أوجب العمل بالظن كما أوجب العمل بالقطع.\nالدليل الثاني: أن النصوص الدالة على رفع الحرج عن هذه الأمة قد بلغت درجة القطع، مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وثبت أن","vol":"1","page":511},{"text":"النبي ﷺ لم يخيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما (^١)، فالشارع الحكيم قد قصد السهولة واليسر على المكلفين مما يدل على أن الأخذ بالرخصة مقدم على الأخذ بالعزيمة.\nالدليل الثالث: أن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، والتنفير عن الدخول في العبادة وترك الدوام عليها؛ وقد حذر الرسول ﷺ من ترك الترخص في نصوص كثيرة منها: قوله ﷺ: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا» (^٢)، ونهى رسول الله ﷺ عن الوصال، وعن الصيام في السفر.\nهذه أهم أدلة الفريقين.\nبيان القول الراجح:\nوالراجح -والله أعلم-: أنه لا تفضل الرخصة على العزيمة، ولا العزيمة على الرخصة؛ وذلك لأن سبب الرخصة وهو العذر -من مشقة وحاجة وضرورة- لا ضابط له معين واضح جلي يتساوى فيه جميع المكلفين، فالعذر من مشقة وحاجة وضرورة أمر إضافي نسبي،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٦١)، ومسلم (٧٨٢) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":512},{"text":"لا أصلي، فكل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها ما لم يجد مانعًا شرعيًّا يمنعه عن الأخذ بها، وهو داخل تحت قاعدة: المشقة تجلب التيسير، فالمشقة والكلفة التي يجدها المكلف عن الإتيان بالحكم الشرعي الأصلي تكون سببًا شرعيًّا للتخفيف والتسهيل.\nوهو أيضًا داخل في معنى قاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع.\nقال ابن أبي هريرة: وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت. فالحركة القليلة في الصلاة لما اضطر إليها المكلف ويجد مشقة في تركها قد سومح فيها، والحركة الكثيرة فيها لما لم تكن به حاجة لم يسامح بها.\nوقلنا: إن كل مكلف يعتبر فقيه نفسه، هذا من حيث الجملة، فالعذر من مشقة، أو ضرورة، أو حاجة تختلف بحسب الأزمان والأعمال، وقوة العزائم وضعفها، وليس كل الناس في تحمل المشاق على حد سواء، فمثلًا: لو أصاب زيدًا من المكلفين مرض قد يتحمله دون حاجته إلى الأخذ بالترخيص، بينما لو أصاب نفس المرض عمرًا فقد لا يتحمله، فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة لعمرو دون زيد، وكذلك من كان من المضطرين معتادًا على الصبر على الجوع، ولا تختل حالته بسببه، فإنه لا يرخص له في أكل الميتة، بخلاف الشخص الذي لا يستطيع الصبر على الجوع، فهذا يرخص له في أكل الميتة؛ لأنه يخشى","vol":"1","page":513},{"text":"عليه من الهلاك، أو إلحاق ضرر به.\nفعرفنا أن سبب الرخصة وهو العذر من مشقة وضرر وحاجة ليس له ضابط معين، بل هو أمر إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب، فهو راجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف وإلى اجتهاده في ذلك بحسب طاقته الخاصة.\nثم إنه ينبغي للمكلف أن يحتاط في اجتناب الرخص على حسب الإمكان، بحيث لا يفعل شيئًا مُرَخَّصًا فيه إلا بعد التأكد التام أنه محتاج إليها.\nأما تتبع الرخص لغرض التخفيف والتهرب عن كامل التكاليف؛ فهذا غير جائز.\nقال ابن حزم (^١): وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ (^٢).\n_________\n(^١) الإحكام لابن حزم (٥/ ٦٨).\n(^٢) الموافقات (١/ ٥١٨)، المهذب للنملة (١/ ٤٥٨).","vol":"1","page":514},{"text":"إطلاقات الرخصة:\nأطلق الأصوليون الرخصة مجازًا بثلاثة إطلاقات بالإضافة إلى معناها الحقيقي، وهي:\n١ - ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون توقف على عذر، وهو ما يقال له عند البعض إنه مشروع على خلاف القياس، كالسلم والإجارة والقرض والمساقاة والاستصناع، فالقياس عندهم يمنع ويحرم هذه العقود، وشرعت استحسانًا، ويطلق عليها العلماء أنها رخصة، لما تتضمن في مشروعيتها من تسهيل، وترخيص، وتيسير، ورفع للحرج عن الناس، ولما جاء في الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم (^١).\n_________\n(^١) لا أصل له بهذا اللفظ: ذكره الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٤٦) وقال: \" غريب بهذا اللفظ، ولكن رأيت في شرح مسلم للقرطبي ما يدل على أنه عثر على هذا الحديث بهذا اللفظ، فقال: ومما يدل على اشتراط الأجل في السلم الحديث الذي قال فيه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عندك، ورخص في السلم، انتهى كلامه. والذي يظهر أن هذا حديث مركب، فحديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: \" ولا بيع ما ليس عندك\"، انتهى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأما الرخصة في السلم، فأخرج الأئمة الستة في كتبهم عن أبي المنهال عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ والناس يستلفون في الثمر السنتين والثلاث، فقال: \"من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم\"، وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: إن كنا لنسلف على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وسألت ابن أبي أبزى فقال مثل ذلك، انتهى.","vol":"1","page":515},{"text":"٢ - نسخ الأحكام التكليفية الغليظة التي شدد الله بها على الأمم السابقة، كالقتل لصحة التوبة، والصلاة في مكان العبادة فقط، وقطع الثوب إذا أصابته نجاسة، وغير ذلك مما نسخ في شريعتنا، ودل على النسخ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n٣ - الأحكام التي جاءت توسعة على العباد، كالتمتع بالمباحات، والاستفادة من الملذات، وأكل الطيبات، فإنها رخصة مجازًا، لما يظهر فيها من معارضة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢].\nفهذه الأنواع تسمى رخصة تجاوزًا أو تسامحًا، ولا تدخل في معنى الرخصة الذي اصطلح عليه علماء الأصول، وتضاف إلى النوعين","vol":"1","page":516},{"text":"اللذين نص عليهما علماء الحنفية، وقالوا: إنهما رخصة مجازًا، فجميع هذه الحالات لا تكون رخصة حقيقية (^١).\nتنبيهات:\n١ - يقول بعض العلماء: إن العزيمة سميت عزيمة بالنسبة للرخصة ليس في ذاتها، فالمسألة كي تكون من باب الرخصة والعزيمة يجب أن يكون لها حكمان حكم مثقل، وحكم مخفف، فالمثقل يكون عزيمة، والمخفف يكون رخصة مثل الصيام، فصيام رمضان بالنسبة للمسافر الصحيح، فيه عزيمة ورخصة، فلو صام أخذ بالعزيمة، ولو أفطر أخذ برخصة الإفطار حال السفر.\n٢ - قيل إن العزيمة والرخصةلا بد أن يكون في استطاعة المكلف فعل الحكمين، فلو فعل المثقل أخذ بالعزيمة، ولو فعل المخفف أخذ بالرخصة، أما لو لم يستطع أن يفعل إلا حكمًا واحدًا فقط، فهذا ليس من باب العزيمة والرخصة، بل هو باب الاضطرار.\nومن هنا يظهر الفرق بين الرخصة والاضطرار عند من يفرق بينهما: فالرخصة تفعل مع إمكان فعل العزيمة، وإن كان مع المشقة\n_________\n(^١) تهذيب الفروق والقواعد السنية لمحمد بن علي بن حسين (٢/ ١٣٩)، الوجيز للزحيلي (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":517},{"text":"كالصيام للمسافر، أما الضرورة فيفعل الحكم المخفف عند العجز عن فعل الحكم المثقل، كأكل الميتة عند العجز عن المذكاة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-280> تقسيم الحكم باعتبار متعلقه:</span>\nوينقسم الحكم باعتبار متعلقه إلى: الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل:\nفبعض العلماء جعل تلك الأمور تقسيمًا للحكم باعتبار متعلقه، وهو الفعل؛ لأن هذه الأمور أقسام للفعل الذي تعلق به الحكم.\nوجعلها البعض متعلقة بالسبب حيث إن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وبطلان الفعل سبب للإعادة، والحاجة سبب لتعجيله.\nإذا علمت ذلك فاعلم أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين أو لا.\nأما العبادة التي لم يعين الشارع لها وقتًا، فإما أن يكون لها سبب أو لا.\nفالعبادة التي لم يعين الشارع لها وقتًا، والتي لها سبب كسجود التلاوة سببها قراءة آية السجدة.\nوالتي لا سبب لها، كفعل بعض الأذكار المطلقة، فهذه العبادة لا توصف بأداء ولا بقضاء.","vol":"1","page":518},{"text":"وأما العبادة التي عين الشارع لها وقتًا محددًا، فهي إما أن تقع قبل وقتها المقدر شرعًا، أو في وقتها، أو بعد وقتها.\nفإن وقعت قبل وقتها المقدر شرعًا، حيث جوزه الشرع فهو التعجيل.\nأما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعًا دون أن تسبق بأداء مختل فهو الأداء.\nوأما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعًا، ولكن سبقت بأداء مختل فهو الإعادة.\nوإن فعلت العبادة بعد وقتها المقدر شرعًا فهو القضاء.\n* وإليك بيان حقيقة كل واحد من تلك الأقسام:\n\n•<span data-type='title' id=toc-281> أولًا: الأداء:</span>\nتعريفه لغة: الاسم من أدي يؤدي وهو بمعني الإيصال (^١).\nوفي الاصطلاح: ما فعل أولًا في وقته المقدر له شرعًا (^٢).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة لابن فارس (١/ ٧٢).\n(^٢) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":519},{"text":"شرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: ما فعل: جنس يشملها كلها: الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل.\nقولنا: أولًا: أخرج الإعادة؛ لأنها تفعل ثانيًا لخلل في الأول.\nقولنا: في وقته المقدر له: أخرج أمورًا:\nأولها: القضاء؛ حيث إنه يفعل بعد الوقت المقدر.\nثانيهما: ما لم يقدر له وقت كالنوافل المطلقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يوصف ذلك بأداء، ولا قضاء، ولا إعادة، ولا تعجيل.\nثالثها: أخرج التعجيل لأنه قبل الوقت.\nقولنا: شرعًا: أي يجب أن يكون التعيين والتحديد صادرًا من الشارع، وخرج بهذا القيد ما فعل في وقته المقدر له عقلًا، كما لو قضى الدين عند المطالبة به، فإنه فعل في وقته المقدر له، وهو ما يتسع له، ولكن هذا التقدير ليس بالشرع، بل بالعقل، وكذلك الزكاة لو قدر الإمام شهرًا معينًا مثلًا لإخراجها فيه، فهو توقيت عقلي لا شرعي.\nتعريف آخر للأداء: هو إيقاع العبادة في وقتها المقدر لها شرعًا مع كونها لم تسبق بأداء مختل.","vol":"1","page":520},{"text":"فقولنا: في وقتها المقدر لها شرعًا: أخرج القضاء لأنه بعد الوقت، والتعجيل لأنه قبل الوقت.\nوقولنا: مع كونها لم تسبق بأداء مختل: أخرج الإعادة فإنها تقع في الوقت إلا أنها سبقت بأداء مختل الإجزاء «كمن صلى بدون ركن»، أو مختل في الكمال «كصلاة المنفرد».\nسؤال: هل يشترط وقوع جميع الفعل في وقته المحدد حتى يكون أداء؟\nجوابه: لا يشترط هذا دائمًا، بل أحيانًا لو وقع بعضه في وقته المقدر شرعًا، كركعة من الصلاة مثلًا، فالصحيح أن الجميع أداء؛ لورود النص بذلك، ولأن الركعة من الصلاة مشتملة على معظم وغالب ما بعدها، فهو تكرار لها، فيكون تابعًا لها.\nأما إذا أدرك أقل من الركعة، فالكل يكون قضاء عند الجمهور، كما ذكره النووي في «روضة الطالبين».\nوبعض العلماء يقول: إنه إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج الوقت، فإن الصلاة تكون أداء، وهذا رأي الحنفية، وبعض الحنابلة (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٤١)، المهذب للنملة (١/ ٤٢٠) بتصرف يسير وزيادة.","vol":"1","page":521},{"text":"فائدة: هل الواجب المطلق وذو الشبهين يوصف بالأداء؟\nالعبادة إما أن يكون لها وقت معين أي: مضبوط بنفسه محدود الطرفين أم لا، فإن لم يكن لها وقت معين فلا توصف بالأداء ولا بالقضاء سواء كان لها سبب كالتحية وسجود التلاوة وإنكار المنكر وامتثال الأمر. إذا قلنا: إنه على الفور، أو لم يكن كالصلاة المطلقة والأذكار، وقد توصف بالإعادة كمن أتى بذات السبب على نوع من الخلل فتداركها (^١).\nفائدة: الأداء لا يستقر في الذمة لتعينه بوقته بخلاف القضاء فإنه يستقر فيها لأنه غير معين بوقت.\n\n•<span data-type='title' id=toc-282> ثانيًا: الإعادة:</span>\nالإعادة لغة: الاسم من أعاد يعيد، والعود أصل لما يفعل ثانيا (^٢).\nواصطلاحًا: ما فعل ثانيًا في وقت الأداء لخلل في الأول (^٣).\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: ما فعل: جنس يشمل الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل.\n_________\n(^١) نهاية السول للإسنوي (١/ ٣١).\n(^٢) مقاييس اللغة لابن فارس (٤/ ١٨١).\n(^٣) إجابة السائل شرح بغية الآمل للصنعاني (ص ٤٥).","vol":"1","page":522},{"text":"قولنا: ثانيًا: أخرج الأداء؛ لأنه يفعل أولًا.\nقولنا: في وقت الأداء: أخرج القضاء؛ لأنه يفعل بعد خروج الوقت، والتعجبل لأنه يفعل قبل الوقت.\nقولنا: لخلل في الأول: أخرج ما يفعل ثانيًا، لكن بدون خلل في الأول كالمنفرد إذا صلى مرة ثانية مع الجماعة، فإن صلاته الأولى ليس فيها خلل، فلا توصف الثانية بالإعادة شرعًا، بل هي أداء كالأولى.\nوعلى هذا فالإعادة قسم من الأداء، وليست قسيمًا له؛ لأن الأداء في الحقيقة اسم لما يقع في الوقت المحدد شرعًا مطلقًا، سواء كان سابقًا أو مسبوقًا، أو منفردًا، فإن سبق بأداء مختل سمي إعادة، وعلى ذلك فكل إعادة أداء، دون العكس (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-283> ثالثًا: القضاء:</span>\nالقضاء لغة: الفصل في الحكم والأداء، وإتقان الشيء، وانقطاعه وإتمامه (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) شرح التلويح علي التوضيح للتفتازاني (١/ ٣٠٩)، المهذب للنملة (١/ ٤٢١).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٩٩).\n(^٣) فائدة: قال ابن الجوزي (نزهة الأعين النواظر في علم الاشباه والنظائرص ٥٠٦) بتصرف:\nقد ذكر أهل التفسير أن القضاء في القرآن على خمسة عشر وجهًا، منها:\nالأمر: ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾.\nوالخبر: ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾.\nوالموت: ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾.\nوالتمام: ومنه قوله تعالى في الأنعام في القصص: ﴿أيما الأجلين قضيت﴾، وفيها: ﴿فلما قضى موسى الأجل﴾.\nوالحتم. ومنه قوله تعالى [في يوسف]: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾، وفي مريم: ﴿وكان أمرا مقضيا﴾.\nوالحكم. ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، وغيرها.","vol":"1","page":523},{"text":"القضاء اصطلاحًا: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعًا مطلقًا (^١).\nشرح التعريف وبيان محترزاته:\nقولنا: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعًا: أخرج الأداء، والإعادة؛ لأنهما يفعلان في وقتهما المحدد شرعًا كما سبق، والتعجيل لأنه قبل الوقت.\nقولنا: مطلقًا: فيه بيان أن اسم القضاء مخصوص بفعل العبادة بعد فوات وقته المحدد له شرعًا مطلقًا، أي: سواء كان فوات الوقت لعذر، أو لغير عذر، فإنه لا فرق في تأخير الواجب عن وقت الأداء بين أن\n_________\n(^١) نهاية السول (٣٢)، المهذب للنملة (١/ ٤٢٢).","vol":"1","page":524},{"text":"يكون التأخير بعذر أو لغير عذر، وسواء كان التأخير مع التمكن من الفعل كالمسافر والمريض يستطيع الصوم مع السفر والمرض، أو كان مع عدم التمكن من فعله، إما لمانع شرعي كما في الحيض والنفاس، لعدم صحة الفعل شرعًا، أو لمانع عقلي كنوم، أو سهو، أو إغماء، فإنه لا يمكن عقلًا أداء الصلاة من النائم والساهي، والمغمى عليه؛ لأنها تفتقر إلى النية والقصد، وذلك محال مع وجود النوم والإغماء والسهو.\nفائدة:\nالقضاء لفظ متسع يأتي في اللغة بمعني الأداء فيكون من معانيه الإتمام.\nقال ابن عادل الحنبلي:\nاعلم أن «قضى» إذا علق بفعل النفس، فالمراد منه الإتمام والفراغ؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله ﵇: «وما فاتكم فاقضوا»، ويقال للحاكم عند فصل الخصومة، قضى بينهما (^١).\nقال الفيومي:\n_________\n(^١) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (٣/ ٤٣١).","vol":"1","page":525},{"text":"«ق ض ي»: قضيت بين الخصمين وعليهما حكمت، وقضيت وطري بلغته ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج والدين أديته قال تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي أديتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء كما في قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أي أديتموها، واستعمل العلماء القضاء في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداء إذا فعلت في الوقت المحدود، وهو مخالفٌ للوضع اللغوي لكنه اصطلاحٌ للتمييز بين الوقتين (^١).\nقال شيخ الإسلام:\nونظير هذا لفظ \" القضاء \" فإنه في كلام الله وكلام الرسول المراد به إتمام العبادة، وإن كان ذلك في وقتها، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ثم اصطلح طائفةٌ من الفقهاء فجعلوا لفظ \" القضاء \" مختصًّا بفعلها في غير وقتها، ولفظ \" الأداء \" مختصًّا بما يفعل في الوقت، وهذا التفريق لا يعرف قط في كلام الرسول ثم يقولون قد يستعمل لفظ القضاء في الأداء، فيجعلون اللغة التي نزل القرآن بها\n_________\n(^١) المصباح المنير للفيومي (٢/ ٥٠٧).","vol":"1","page":526},{"text":"من النادر. ولهذا يتنازعون في مراد النبي ﷺ \"فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا \"، وفي لفظٍ: \" فأتموا \" فيظنون أن بين اللفظين خلافًا، وليس الأمر كذلك؛ بل قوله: \" فاقضوا \" كقوله: \" فأتموا \" لم يرد بأحدهما الفعل بعد الوقت، بل لا يوجد في كلام الشارع أمرٌ بالعبادة في غير وقتها لكن الوقت وقتان: وقتٌ عامٌّ ووقتٌ خاصٌّ لأهل الأعذار: كالنائم والناسي إذا صليا بعد الاستيقاظ والذكر فإنما صليا في الوقت الذي أمر الله به، فإن هذا ليس وقتًا في حق غيرهما. ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاحٍ حادثٍ، فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-284> مسألة: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فهل يسمى فعلهم هذا قضاء أو أداء </span>(^٢).\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يسمى قضاء، وذهب إلى هذا جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لأمرين:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي (١٢/ ١٠٦).\n(^٢) مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (٥٨)، المهذب للنملة (١/ ٤٢٣)، وما بعدها.","vol":"1","page":527},{"text":"أولهما: إجماع العلماء (^١) على أنه إذا صام المسافر والمريض والحائض بعد زوال عذرهم، فإنه تجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء، وأي شيء وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء؛ لأنه لو كان أداء لما جاز أن ينووا القضاء؛ لأنهم -حينئذ- ينوون غير الواجب عليهم.\nثانيهما: أنه روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^٢).\nوجه الدلالة: أن عائشة سمت فعل الصوم -بعد انتهاء الشهر، وبعد زوال الحيض- قضاء، فلو كان أداءً لما سمته باسم القضاء، والآمر هو النبي ﷺ، وإذا اشتهر بهذه التسمية فلا يمكن أن يطلق عليه بأنه أداء.\nالمذهب الثاني: أن الحائض إذا فاتها أيام من رمضان، فإنه يجب عليها أن تصومها بعد رمضان، وصيامها هذا لا يسمى قضاء، وإنما يسمى أداءً.\nدليل هذا المذهب:\nأنه لا يجب على الحائض صيام رمضان حال حيضها، بل إن\n_________\n(^١) شرح المهذب (٦/ ٤٣٤)، المجموع للنووي (٦/ ٤١٥)، عون المعبود لمحمد شمس الدين عظيم آبادي (٧/ ٢٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٣٥) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"1","page":528},{"text":"صومها وهي في تلك الحال حرام، ومعلوم أن فعل الحرام معصية، ولا يمكن أن تؤمر أن تفعل ما تعصي في فعله، ولو ماتت قبل أن تتمكن من صيام تلك الأيام التي تركتها لا تكون عاصية بالإجماع (^١).\nفلما لم تتمكن الحائض من أن توقع الصيام في وقته المقدر شرعا للعذر -وهو الحيض- فإن فعلها فيما بعد هو نفس الأداء الذي لم تتمكن من فعله، وعلى هذا فلا يمكن أن يسمى قضاء.\nويجاب عنه بما ورد عن عائشة ﵂ من أنها سمت فعل الصوم بعد انتهاء رمضان قضاء.\nأما عدم وجوب الأداء أثناء الحيض فلأن التكليف تشريف، وعبادة لله ﷾، ويمتنع ذلك مع حالتها المستقذرة تلك، والشيء الذي لم يجب هو الأداء، أما جعل ذلك في الذمة، فهو واجب لاشك فيه.\nأما عدم العصيان إذا تركت الصيام حال الحيض وماتت: فهذا مرجعه إلى كونها غير مكلفة بفعل الصيام أداء للعذر، وهو الحيض، فإذا زال رجع إليها التكليف، لكن تبقى ذمتها مشغولة حتى تفعل ما وجب عليها قضاء.\n_________\n(^١) شرح المهذب (٦/ ٤٣٤)، المجموع (٦/ ٤١٥).","vol":"1","page":529},{"text":"المذهب الثالث: أن المسافر والمريض لا يلزمهما الصوم في شهر رمضان، وإذا كان الصيام في الشهر لا يلزمهما، ولا يجب عليهما حال السفر وحال المرض، ثم فعلا الصيام بعد رمضان سمي ذلك الفعل أداء، وليس بقضاء.\nومستند عدم وجوب الصيام على المسافر قوله ﷺ: «ليس من البر الصيام في السفر».\nومستند عدم وجوب الصيام على المريض: وجود المشقة التي تحصل له عند صومه، والمشقة تجلب التيسير.\nوكذا أجمع العلماء (^١) على أن من أخر رمضان لسفر أو لمرض من غير تفريط، ثم مات بعد ذلك، وقبل القضاء، فإنه لا يكون عاصيًا لتأخيره.\nويجاب عنه بأن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا صام المسافر والمريض بعد زوال عذرهما، فإنه تجب عليهما نية القضاء؛ لا نية الأداء، وما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء، ولو كان أداء كما يقول أصحاب هذا المذهب لما نووا القضاء؛ لأن حقيقة الأداء غير حقيقة القضاء، ولأنه يلزم من ذلك أنهم ينوون غير الواجب عليهم.\n_________\n(^١) شرح المهذب (٦/ ٤٣٤)، عون المعبود (٧/ ٢٦).","vol":"1","page":530},{"text":"أما عدم لزوم الصوم أثناء العذر وهو السفر والمرض، فقد ثبت نظرًا لحالتهما، فلا يطلب أداء الصوم وهما في حالتهما تلك، لكن تبقى ذمتهما مشغولة بالواجب فلا تبرأ إلا بالقضاء؛ لخروج وقت الأداء.\nأما عدم العصيان لما تركا الصيام حال السفر والمرض، فهذا مرجعه إلى أنهما غير مكلفين بفعل الصيام أداءً؛ لعذر السفر والمرض، وهو من باب الرخص والتيسير ورفع الحرج عن الأمة، لكن تبقى ذمتهما مشغولة حتى يفعلا ما وجب عليهما قضاء.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة لفظي؛ حيث إن أصحاب المذاهب اتفقوا على أن الحائض والمريض والمسافر إذا أفطروا في نهار رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فإنه يجب عليهم صيام تلك الأيام التي تركوها بعد انتهاء شهر رمضان، ولكن اختلفوا في تسمية هذا الفعل، فالجمهور يسمونه قضاء؛ لانطباق حقيقة القضاء عليه، وأصحاب المذهبين الأخيرين يسمونه أداء، فصار الخلاف في التسمية والتعبير فقط.","vol":"1","page":531},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-285> مسألة: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب </span>(^١)؟\nاتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب، واختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن القضاء يتعلق بالمندوب إذا كان له وقت معين، بخلاف المندوب المطلق، فلا يتعلق به القضاء.\nوهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح، وبناء عليه: فإنه إذا فات المندوب المؤقت فإنه يقضى مطلقًا، كما قال بعض العلماء: إن قضاء السنة سنة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة المقضي.\nدليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه الناحية، ويشملهما حد القضاء.\nالمذهب الثاني: أن القضاء لا يتعلق بالمندوب.\nذهب إلى ذلك الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب فقط؛ تنزيلًا عن درجة الواجب بسبب أن طلبه غير جازم.\nواستثنى بعض علماء الحنفية من هذه القاعدة: قضاء السنة إذا كانت شديدة التأكد بشروط، فقالوا في فروعهم: إذا فات المصلي سنة\n_________\n(^١) حاشية العطار (١/ ١٥٢)، المهذب للنملة (١/ ٣٩٠).","vol":"1","page":532},{"text":"الصبح مع فرضها، فإنه يسن له قضاؤها، بخلاف ما إذا فاتته السنة دون الفرض فلا قضاء لها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-286> مسألة: الدليل الموجب للقضاء </span>(^١):\nاختلف العلماء في الدليل الموجب للقضاء هل هو أمر جديد، ودليل مبتدأ، أو هو الأمر الأول الموجب للأداء ينسحب مع الواجب، ويلازمه في الوقت وبعده على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول، فالدليل الذي أوجب الأداء هو ما أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى نص جديد، واستدلوا بالأدلة التالية:\nالدليل الأول: أن الأداء قد كان واجبًا مستحقًّا على المكلف في الوقت المحدد شرعًا، وقد علمنا من قواعد الشرع بالاستقراء أن الواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالأداء، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب، لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له، وهو أحد الأمور الثلاثة السابقة فقط.\n_________\n(^١) الواضح لابن عقيل (٣/ ٦٦)، قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ٩٤)، المهذب للنملة (١/ ٤٢٧).","vol":"1","page":533},{"text":"الدليل الثاني: القياس على الدين، وبيان ذلك: أن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعين، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين، فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه، ويكون ذلك مستفادًا من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.\nالمذهب الثاني: أن وجوب القضاء ثابت بأمر جديد، ودليل مبتدأ.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه ذلك الأمر، ولكان أداءً لا قضاء.\nوأجيب عنه بأن ذلك ممنوع؛ لأنه إذا فات الوقت بقي الواجب مع نقص الواجب فيه، وهو الوقت المحدد، فكان إيقاعه بعد الوقت قضاء، لا أداءً.\nالدليل الثاني: قياس الزمان على المكان، وبيانه: أن الأمر لو علق بمكان معين كالأمر بالحج علق بمكان معين، وهي المناسك المعروفة، فإذا تعذر فعله بهذا المكان وتلك المناسك، فلا يجوز فعله بمكان آخر.\nكذلك الأمر إذا علق بوقت معين، وتعذر فعله بهذا الوقت فإنه","vol":"1","page":534},{"text":"يسقط الأمر الأول، ويحتاج إلى أمر آخر.\nوأجيب عنه: بأن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين تعلقه بمكان من وجهين:\nأولهما: أن الزمان يتعلق بعضه ببعض؛ حيث إن الزمان الثاني تابع للأول، فالواجب الذي لم يفعل في الزمان الأول؛ فإنه ينسحب هذا الوجوب إلى الزمان الثاني، ثم الثالث وهكذا ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه، ولو في آخر العمر، بخلاف المكان، فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.\nثانيهما: أن المكان لا يفوت، فيمكن الفعل فيه، ولا يعدل إلى غيره، بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.\nالدليل الثالث: قياس ما بعد الوقت على ما قبل الوقت. وبيانه: أنه كما أنه لا يجب الفعل قبل الوقت؛ لعدم تناول الأمر إياه، كذلك أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب فيه الفعل، ويحتاج إلى أمر جديد.\nويجاب عنه بأن هذا القياس قياس غير صحيح؛ لأن الكلام في الواجب، ولا وجوب قبل الوقت.","vol":"1","page":535},{"text":"بيان نوع الخلاف:\nالخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة، وهي جواز الاستدلال بالأوامر في أداء العبادة على قضائها بناء على المذهب الأول، وعدم جواز ذلك بناء على المذهب الثاني.\nومن وجب عليه صوم يوم بعينه لأجل نذره فلم يصمه، أو أفسده هل يجب عليه القضاء أو لا؟\nفبناء على المذهب الأول -وهو أن القضاء بالأمر الأول- فإنه يجب القضاء بذلك الأمر.\nوبناء على المذهب الثاني -وهو أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد- فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يوجد أمر جديد.\nوأيضا من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها بالأمر الأول.\nواختلف أصحاب المذهب الثاني على قولين:\nالقول الأول: أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، ولا يوجد أمر.\nالقول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها، لورود","vol":"1","page":536},{"text":"الأمر الجديد، وهو قوله ﷺ: «فدين الله أحق أن يقضى» (^١).\nوبعضهم قال: يجب عليه القضاء بأمر جديد وهو: القياس على النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما.\n\n•<span data-type='title' id=toc-287> رابعًا: التعجيل:</span>\nالتعجيل لغة: استعجلت فلانًا: حثثته. وعجلته: سبقته. والعجالة: ما تعجل من شيءٍ (^٢).\nالتعجيل اصطلاحا\" ما فعل قبل وقته مرة واحدة لدليل شرعي (^٣).\nمثال: جمع النبي ﷺ بين الصلوات جمع تقديم (^٤).\nوليس منه «لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الفطر» (^٥)؛ حيث إن التعجيل نوعان: تعجيل يراد به فعل العمل قبل وقته، وتعجيل يراد به فعل العمل في أول وقته كقوله ﵊: «لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الفطر» أي عجلوه عند أول وقته مباشرة، ومثال ذلك كان عليه الصلاة السلام إذا رأى الناس قد اجتمعوا لصلاة العشاء عجل بها أي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٢٣٧).\n(^٣) مستفاد من كتاب التأسيس للشيخ مصطفى سلامة.\n(^٤) الجمع بين الصلاتين ثابت كما عند مسلم (٧٠٥)، وغيره.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨) من حديث سهل بن سعد مرفوعًا.","vol":"1","page":537},{"text":"قام بها في أول وقتها، فالتعجيل قد يراد به أول الوقت، أو قبل الوقت لحكم شرعي كجمع التقديم.\nملحوظة: من العبادات ما يتحقق فيها الأداء والقضاء مثل صلاة الظهر، ويوجد أحكام بها الأداء فقط مثل ركعتي الجمعة، فلو فاتت تصلى ظهرًا.\nوتوجد عبادات توصف بالقضاء فقط، مثل صيام الحائض.\nوتوجد عبادات لا توصف بالأداء ولا بالقضاء، مثل النوافل المطلقة التي ليس لها وقت معين لا تدخل تحت الأداء ولا القضاء (^١).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (١/ ٤٤٧)، البحر المحيط (٢/ ٢٢)، مختصر التحرير (١/ ٣٦٥)، المهذب للنملة (١/ ٤١٩)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (٥٦).","vol":"1","page":538},{"text":"جامع المسائل والقواعد\nفي علم الأصول والمقاصد\nالمجلد الثاني\nأدلة الأحكام\nتأليف\nعبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type='title' id=toc-288>أدلة الأحكام</span>\nوفيه مقدمة، واثنا عشر فصلًا\n• الفصل الأول: الكتاب.\n• الفصل الثاني: السنة.\n• الفصل الثالث: الإجماع.\n• الفصل الرابع: القياس.\n• الفصل الخامس: الاستصحاب.\n• الفصل السادس: شرع من قبلنا.\n• الفصل السابع: قول الصحابي.\n• الفصل الثامن: المصالح المرسلة.\n• الفصل التاسع: سد الذرائع.\n• الفصل العاشر: العرف.\n• الفصل الحادي عشر: الاستقراء.\n• الفصل الثاني عشر: الاستحسان.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>المقدمة</span>","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-290>تعريف أدلة الأحكام</span>\n*<span data-type='title' id=toc-291> تعريف الأدلة:</span>\nالأدلة لغة جمع دليل، وهو فعيل بمعنى فاعل، من الدلالة: وهي فهم أمر من أمر، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمر فهم أو لم يفهم، وهي مثلثة الدال والفتح أفصح (^١). والدليل: هو المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه (^٢).\nاصطلاحًا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (^٣). والمطلوب الخبري: هو الحكم الشرعي.\nوالأحكام الشرعية إنما تعرف بالأدلة التي أقامها الشرع لترشد المكلفين إليها وتدلهم عليها، وتسمى هذه الأدلة بأصول الأحكام، أو المصادر الشرعية للأحكام، أو أدلة الأحكام، فهي أسماء مترادفة\n_________\n(^١) المذكرة للشنقيطي (٨٩).\n(^٢) الإحكام للآمدي (١/ ٢٧) دار الكتاب العربي.\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٢٧).","vol":"2","page":5},{"text":"والمعنى واحد.\nوقد يطلق الدليل في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل.\nوالمراد بالنظر: الفكر (^١) الموصل إلى علم أو ظن، ووصف بكونه صحيحًا؛ ليخرج النظر الفاسد المخالف لمقتضى العقل السليم، أو الفطرة المستقيمة، أو اللغة، أو الشرع، وذهب بعضهم إلى التفريق بين ما يفيد القطع فيسمى دليلًا، وما يفيد الظن فيسمى أمارة، ولا مشاحة في الاصطلاح (^٢).\nمسألة: الحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (^٣).\nفالحكم الشرعي هنا يشمل الحكم التكليفي والحكم الوضعي،\n_________\n(^١) والفكر في الاصطلاح: حركة النفس في المعقولات، أما حركتها في المحسوسات فتخييل. المذكرة للشنقيطي (٨٩).\n(^٢) الحدود للباجي (٣٨)، شرح اللمع للشيرازي (١/ ١٥٥)، الإحكام للآمدي (١/ ٩)، البحر المحيط للزركشي (١/ ٥١)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٥٣).\n(^٣) الإبهاج شرح المنهاج لابن السبكي (١/ ٤٣) مكتبة الكليات الأزهرية، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (٢٧) المكتبة الأزهرية للتراث، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح للتفتازاني (١/ ٢٤).","vol":"2","page":6},{"text":"وكلاهما يطلب له الدليل فكما تبحث للوجوب، أو للندب، أو للتحريم، أو للكراهة، أو للإباحة عن دليل يدل عليه، كذلك تبحث للسبب، والعلة، والشرط، والمانع عن دليل؛ لأن كل هذا من الدين، ومبناه على الدليل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>الفصل الأول:\nالقرآن الكريم</span>","vol":"2","page":9},{"text":"القرآن الكريم\nوالكلام في هذا الفصل في عدة مطالب\n• الأول: تعريف القرآن الكريم.\n• الثاني: شروط قبول القراءة القرآنية.\n• الثالث: حكم القراءة الشاذة.\n• الرابع: الحقيقة والمجاز.\n• الخامس: المحكم والمتشابه.\n• السادس: دلالة القرآن على الأحكام.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-293>المطلب الأول:\nتعريف القرآن الكريم</span>\nهو كلام الله المنزل على محمد ﷺ، المعجز، المتعبد بتلاوته، المنقول إلينا نقلًا متواترًا.\nقوله: «كلام الله» أي تكلم به ﷾ حقيقة، ومما يدل على أنه كلام حقيقي بصوت وحرف:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فصرح بأن ما سمعه المشرك المستجير كلام الله وليس كلامًا نفسيًا أو مخلوقًا كما يقول أهل البدع.\nقال الشيخ السعدي في تفسيره: وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة، القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ لأنه تعالى هو المتكلم به، وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها، وبطلان مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم: أن القرآن مخلوق (^١).\n_________\n(^١) تفسير السعدي ص (٣٢٩).","vol":"2","page":11},{"text":"٢ - قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].\nقال الحافظ ابن كثير: وهذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مسبح بن حاتم، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلًا يقرأ: ﴿وكلم اللهَ موسى تكليمًا﴾، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (^١).\nوإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش ﵀ على من قرأ كذلك؛ لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى ﵇، أو يكلم أحدًا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: ﴿وكلم اللهَ موسى تكليمًا﴾، فقال له: يا ابن اللخناء، فكيف تصنع بقوله تعالى:\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦٠٨) وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٦٥) وعزاه لابن مردويه من هذا الطريق، وفيه مسبح بن حاتم وعبد الجبار بن عبد الله لا يعرفان.","vol":"2","page":12},{"text":"﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل (^١).\n٣ - قول النبي ﷺ: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (^٢).\nولو كانت كلمات الله مخلوقة لكانت استعاذة النبي ﷺ استعاذةً بمخلوق وحاشاه ﷺ.\nقال الإمام البغوي: وفي هذا الحديث وفي أمثاله مما جاء فيه الاستعاذة بكلمات الله دليل على أن كلام الله غير مخلوق؛ لأن النبي ﷺ استعاذ به، كما استعاذ بالله، فقال ﷺ: «أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربي أن يحضرون»، وقال: «أعوذ برب الفلق»، وقال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، واستعاذ بصفاته، كما جاء في دعاء المشتكي قال: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد»، ولم يكن النبي ﷺ يستعيذ بمخلوق من مخلوق.\nوبلغني عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه كان يستدل بقوله: «أعوذ\n_________\n(^١) ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٦٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم، و(٢٧٠٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":13},{"text":"بكلمات التامات»، على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص.\nوقيل: كلمات الله في هذا الحديث: القرآن. وروي عن عكرمة أنه قال: صلى ابن عباس على جنازة، فقال رجل من القوم: اللهم رب القرآن العظيم اغفر له. فقال ابن عباس: لا تقل مثل هذا، إن القرآن منه بدأ وإليه يعود (^١).\nثم ذكر أقوال السلف في أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: وكلمات الله تشمل كلماته الكونية والشرعية، فأما الكونية فهي التي ذكرها الله في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، كذلك الكلمات الشرعية وهي الوحي (^٣).\nوكلمات الله: تشمل جميع الكتب المنزلة من عنده تعالى، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، قال تعالى في شأن التوراة: ﴿قَالَ يَامُوسَى\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٥١٩) عن ابن عباس موقوفًا.\n(^٢) شرح السنة للبغوي (١/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٣) تفسير ابن عثيمين (٢/ ١٢٤).","vol":"2","page":14},{"text":"إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].\nوقوله: «المنزل على محمد ﷺ» خرج به الكتب المنزلة على الرسل قبل نبينا ﷺ.\nوقوله: «المتعبد بتلاوته» خرج به الأحاديث القدسية؛ لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بتلاوته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة.\nوقوله: «المنقول إلينا متواترًا» خرج به ما سوى القرآن من منسوخ التلاوة، والقراءات الشاذة فلا تسمى قرآنًا.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>المطلب الثاني:\nشروط قبول القراءة القرآنية</span>\nقال الإمام ابن الجزري في طيبة النشر في القراءات العشر:\nفكل ما وافق وجهًا نحوي … وكان للرسم احتمالًا يحوي\nوصح إسنادًا هو القرآن … فهذه الثلاثة الأركان\nوحيثما يختل ركن أثبت … شذوذه لو أنه في السبعة\nقال النويري ﵀ في شرح الطيبة: وأيضا فإن الوصف الأعظم في ثبوت القرآن هو التواتر، والناظم تركه واعتبر صحة سنده فقط، وهذا قول شاذ، ثم قال: وقوله: وصح إسنادًا. ظاهره أن القرآن يكتفى في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط، ولا يحتاج إلى تواتر، وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم، كما ستراه -إن شاء الله-.\nولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرؤون أحرفًا لا يصح لها سند أصلًا، ويقولون: التواتر ليس بشرط، وإذا طولبوا بسند صحيح لا يستطيعون ذلك، ولا بد لهذه المسألة من بعض بسط فأقول: إن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة -منهم الغزالي وصدر الشريعة","vol":"2","page":16},{"text":"وموفق الدين المقدسي وابن مفلح والطوفي-: هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا.\nوقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله ﷺ للإعجاز بسورة منه. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر، كما قال ابن الحاجب ﵀، للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر في تفاصيل مثله.\nوالقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة؛ لأن التواتر عندهم جزء من الحد، فلا يتصور ماهية القرآن إلا به، وحينئذ فلا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت بعد الفحص الزائد، وصرح به جماعات لا يحصون، كابن عبد البر، وابن عطية، وابن تيمية، والتونسي في تفسيره، والنووي، والسبكي، والإسنوي، والأذرعي، والزركشي، والدميري، وغيرهم ﵏، وأما القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك، وكذلك في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكي، وتبعه بعض المتأخرين (^١).\nقلت: ومما يدل على ذلك أيضًا ورود قراءات في الصحيح ولم يقرأ بها أحد من القراء العشر، وهي عندهم من الشاذ لعدم تواترها، من ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن إبراهيم النخعي قال: قدم أصحاب\n_________\n(^١) شرح الطيبة (١/ ١١٤ بتصرف.","vol":"2","page":17},{"text":"عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم، فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟، قال: كلنا، قال: فأيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، قال: كيف سمعته يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]، قال علقمة: والذكر والأنثى. قال: أشهد أني سمعت النبي ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣] والله لا أتابعهم (^١).\nقال النويري ﵀: فصل: إذا تقرر ما تقدم؛ علم أن الشاذ عند الجمهور هو ما ليس بمتواتر، وعند مكي ومن وافقه هو ما خالف الرسم أو العربية، ونقل ولو بثقة عن ثقة، أو وافقهما ونقل بغير ثقة، أو بثقة لكن لم يشتهر (^٢).\nقال الإمام العلامة برهان الدين الجعبري في شرح الشاطبية: ضابط كل قراءة تواتر نقلها، ووافقت العربية مطلقًا، ورسم المصحف ولو تقديرًا، فهي من الأحرف السبعة، وما لا تجتمع فيه فشاذ.\nوقال في قول الشاطبي:\nومهما تصلها مع أواخر سورة ...............\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٤٤)، ومسلم (٨٢٤).\n(^٢) شرح الطيبة للنويري (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":18},{"text":"وإذا تواترت القراءة علم كونها من الأحرف السبعة.\nوقال أبو القاسم الصفراوي في نهاية الإعلان: اعلم أن هذه السبعة أحرف، والقراءات المشهورة نقلت تواترًا، وهى التي جمعها عثمان في المصاحف، وبعث بها إلى الأمصار، وأسقط ما لم يقع الاتفاق على نقله، ولم ينقل تواترًا، وكان ذلك بإجماع من الصحابة (^١).\nوذكر ابن عادل الحنبلي في اللباب: أن من المتفق عليه عند العلماء وأرباب النظر: أن القرآن الكريم لا تجوز الرواية فيه بالمعنى، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة، وعلى أسلوبه وترتيبه، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشك فيه أدنى عاقل، أو صاحب حس (^٢).\nقال العلامة الشنقيطي: وكتاب الله هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة: نافع المدني، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وأبي عمرو البصري، وعاصم، وحمزة، والكسائي الكوفيين، وكذلك على الصحيح قراءة الثلاثة: أبي جعفر وخلف ويعقوب (^٣).\n_________\n(^١) شرح الطيبة للنويري (١/ ١٢١).\n(^٢) شرح الطيبة للنويري (١/ ١٢٢)، وهامشه ط دار الكتب العلمية (٨٥٧) تحقيق: مجدي محمد سرور باسلوم.\n(^٣) المذكرة للشنقيطي (٨٠).","vol":"2","page":19},{"text":"قال في المراقي:\nمثل الثلاثة ورجح النظر … تواترًا لها لدى من قد غبر\nتواتر السبع عليه أجمعوا … ولم يكن في الوحي حشو يقع\n\n*<span data-type='title' id=toc-295> فصل: في حصر المتواتر في العشر.</span>\nأجمع الأصوليون والفقهاء على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على القراءات العشرة، وكذلك أجمع عليه القراء أيضًا إلا من لا يعتد بخلافه.\nقال الإمام العلامة شمس الدين ابن الجزري ﵀ في آخر الباب الثاني من منجده: فالذي وصل إلينا متواترًا صحيحًا أو مقطوعًا به قراءة الأئمة العشرة ورواتهم المشهورين، هذا الذى تحرر من أقوال العلماء، وعليه الناس اليوم بالشام والعراق ومصر.\nوقال في أوله أيضًا بعد أن قرر شروط القراءة: والذى جمع في زماننا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها، ثم عددهم.\nوقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: فما لم يوجد فيه ذلك كما عدا السبع أو ما عدا العشر، يشير إلى التواتر وما معه.\nوقال العلامة تاج الدين السبكي ﵀: والصحيح أن الشاذ: ما وراء العشر، ومقابله أنه: ما وراء السبع (^١).\n_________\n(^١) شرح طيبة النشر للنويري (١/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>المطلب الثالث:\nحكم الاحتجاج بالقراءات الشاذة:</span>\nوفيه مسألتان:\n\n*<span data-type='title' id=toc-297> المسألة الأولى: حكم القراءة بها:</span>\nلا تجوز القراءة بالشاذ في الصلاة وكذلك خارجها معتقدًا قرآنيتها، أما تعلمها وتعليمها لما فيها من المعاني والأحكام مع بيان شذوذها فجائز.\nقال العلامة النويري ﵀ (^١): اعلم أن الذي استقرت عليه المذاهب وآراء العلماء أنه إن قرأ بها غير معتقد أنها قرآن، ولا موهم أحدًا ذلك، بل لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتج بها أو الأحكام الأدبية، فلا كلام في جواز قراءتها، وعلى هذا يحمل حال كل من قرأ بها من المتقدمين، وكذلك أيضًا يجوز تدوينها في الكتب والتكلم على ما فيها، وإن قرأها باعتقاد قرآنيتها أو بإيهام قرآنيتها حرم ذلك.\n_________\n(^١) شرح طيبة النشر للنويري (١/ ١٢٩).","vol":"2","page":21},{"text":"ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين عليه (^١) ولفظه: وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا، هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه، وإن كل ما روي من القراءات في الآثار عن النبي ﷺ، أو عن أبي، أو عمر بن الخطاب، أو عائشة، أو ابن مسعود، أو ابن عباس، أو غيرهم من الصحابة مما يخالف مصحف عثمان المذكور لا يقطع بشيء من ذلك على الله ﷿، ولكن ذلك في الأحكام يجري في العمل مجرى خبر الواحد.\nوإنما حل مصحف عثمان ﵁ هذا المحل لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه، وبالله التوفيق.\nوقال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءات الشاذة؛ لأنها ليست قراءة، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة ثابتة بالتواتر، هذا هو الصواب الذي لا معدل عنه، ومن قال غيره فغالط أو جاهل.\nأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه، سواء\n_________\n(^١) التمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٧٨) ط مؤسسة قرطبة.","vol":"2","page":22},{"text":"قرأ بها في الصلاة أوغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشاذ (^١).\nونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها (^٢).\nوقال الإمام فخر الدين في تفسيره: اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة القراءة بالوجوه الشاذة (^٣).\nوقال أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: وهو ممنوع من القراءة بما زاد على العشر منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارجها، عرف المعنى أم لا، ويجب على كل أحد إنكاره، ومن أصر عليه وجب منعه وتأثيمه وتعزيره بالحبس وغيره، وعلى المتمكن من ذلك ألا يهمله (^٤).\nوقال السبكي في جمع الجوامع: وتحريم القراءة بالشاذ، والصحيح أنه ما وراء العشرة (^٥).\n_________\n(^١) التبيان في آداب حملة القرآن للنووي (ص ٥٠ - ٥١).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (١/ ١٧٦).\n(^٤) شرح الطيبة للنويري (١/ ١٣٠).\n(^٥) جمع الجوامع للسبكي (١/ ٣١٨).","vol":"2","page":23},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-298> المسألة الثانية: في حكم الاحتجاج بالقراءات الشاذة.</span>\nمن المعلوم أن القراءات كلها سواء في الاحتجاج بها للاتفاق على قرآنيتها، وأنه يحتج بأي قراءة منها على الأحكام الفقهية واللغوية والعقائدية على حد سواء.\nأما الاحتجاج بالقراءات الشاذة ففيه قولان:\nالأول: أنها حجة، وهو منسوب للإمام أبي حنيفة، وأحمد، وأكثر أصحابهم، وحكاه البويطي عن الشافعي، وهو اختيار ابن قدامة في الروضة.\nودليل هذا القول: أن هذه القراءات نقلت عن الرسول ﷺ بسند صحيح، فهي لا تخلو إما أن تكون قرآنًا أو سنة، وعلى كلا الاحتمالين فهي حجة.\nالثاني: أنها ليست حجة، وهذا المشهور عن الشافعي ﵀، وهو مذهب المالكية والظاهرية.\nودليل هذا القول: أن الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها سنة، وهي لا يمكن أن تكون قرآنًا؛ لأن القرآن متواتر، وهي غير متواترة، ولأن الظاهر أنها تفسير من الصحابي نفسه، ومذهب الصحابي ليس بحجة عند الشافعي.","vol":"2","page":24},{"text":"ونسب الآمدي القول بأنها ليست بحجة إلى الشافعي، وكذا ادعى الإبياري في شرح البرهان أنه المشهور من مذهب مالك، والشافعي، وتبعه ابن الحاجب، وكذلك قال النووي في شرح مسلم: مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ﷺ (^١).\nمن الفروع التي بنيت على هذا الأصل:\n١ - وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين:\nفمن أوجبه استدل بقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) كالحنفية والحنابلة، ومن لم يوجبه لم يستدل بهذه القراءة كالشافعية والمالكية في الأظهر.\n٢ - المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ورد في قراءة عائشة: «والصلاة الوسطى وصلاة العصر» (^٢).\nفمن احتج بالقراءة الآحادية احتج بهذه القراءة على أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر لعطفها بالواو على الصلاة الوسطى،\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (١/ ٣٨٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٢٩)، ورفعته عائشة إلى النبي ﷺ.","vol":"2","page":25},{"text":"والعطف يقتضي المغايرة.\nومن لم يحتج بالقراءة الآحادية لم يحتج بهذه القراءة، وربما ذهب إلى أنها صلاة العصر أو غيرها بأدلة أخرى.\n٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ورد فيها قراءة شاذة غير متواترة «في قبل عدتهن» (^١)، وقرأ الجماعة «لعدتهن»، واللام في قراءة الجماعة تحتمل معنيين:\nالأول: أن تكون بمعنى (في)، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩].\nالثاني: أنها على بابها، وهو الاختصاص، والمعنى: طلقوهن مستقبلات عدتهن، ومعنى القراءة الشاذة: فطلقوهن في الوقت الذي تستقبل فيه العدة. واستدل بهذه القراءة الشافعية على تفسير لفظ (قروء) الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد اختلف الفقهاء في المراد بلفظ (قروء) على قولين:\nالأول: أنه الحيض، وهو قول الأحناف والحنابلة.\nالثاني: أنه الأطهار وهو قول الشافعية والمالكية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٧١) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا.","vol":"2","page":26},{"text":"ويعود سبب اختلافهم إلى الإجمال بسبب الاشتراك في الاسم في لفظ (قروء) بين الطهر والحيض، واستدل الشافعية على صحة ما ذهبوا إليه بما روي عن أبي الزبير أنه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضًا، وقال النبي ﷺ: «فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك»، وقرأ النبي ﷺ: «إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن» (^١)، قال النووي: «في قبل عدتهن» هذه قراءة ابن عباس وابن عمر، وهي شاذة لا تثبت قرآنًا بالإجماع، ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا، وعند محققي الأصوليين (^٢).\nقال الشافعي: فأخبر رسول الله ﷺ عن الله ﷿ أن العدة الطهر دون الحيض، وقرأ (فطلقوهن لقبل عدتهن).\nعن مجاهد أن رجلًا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مئة. فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا، من يتق الله يجعل له مخرجًا، قال الله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٧١) من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٢) شرح مسلم (١٠/ ٦٩).\n(^٣) سنده حسن: أخرجه سعيد بن منصور (١٠٦٤)، وأبو داود (٢١٩٧)، وغيرهم عن ابن عباس قوله.","vol":"2","page":27},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-299> مسالك المحتجين بالقراءات الشاذة:</span>\n١ - مذهب الحنفية:\nإن ضابط الشاذ المحتج به عند جمهرة الحنفية هو ما لم يتواتر، وإن اشتهر بالقرن الثاني أو الثالث، وقد يطلق عندهم على خبر الواحد، غير أنهم في الأحكام لا يعملون إلا بما اشتهر من هذا النوع لا بما نقل آحادًا.\nفقد قسم الحنفية الأخبار إلى: متواتر، ومشهور، وآحاد.\nومعلوم أن بعضًا من القراءات الشاذة فيها زيادة على النص القطعي القرآني، والزيادة عندهم تعتبر نسخًا إن كانت توجب تغيير الحكم المزيد عليه في المستقبل.\nونسخ القطعي عندهم لا يتم إلا بما تواتر أو اشتهر.\nوكذلك لا يجوز عندهم تقييد مطلق القرآن في حادثة واحدة، وفي حكم واحد إلا بالخبر المتواتر المشهور، لهذا اشترط الحنفية: اشتهار شاذ القراءات ليعمل به عندهم. ومن ثم فإنهم أوجبوا التتابع في كفارة اليمين، ولم يوجبوه في قضاء رمضان؛ لأن قراءة ابن مسعود في الأولى مشهورة عندهم بخلاف قراءة أبي بن كعب في الثانية، وهي زيادة (متتابعات).","vol":"2","page":28},{"text":"وقد احتج الحنفية على الأخذ بالقراءات الشاذة بدليلين:\nأ- القراءات الشاذة قرآن نسخت تلاوته.\nوالتلاوة عبادة يتقرب بها إلى الباري ﷾، وتوقيع الحكم في الخارج عبادة كذلك، والانفكاك بينهما بين، فلا تلازم إذن بين جواز التلاوة وحكم المدلول، فإن جواز التلاوة حكم، وحكم المدلول حكم آخر، فيجوز أن يبقى أحدهما ويرتفع الآخر، ومثال ذلك آية الرجم، وقراءة (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم).\nومن الفروع المبنية على القول بالقراءات الشاذة عدد الرضعات المحرمة:\nذهب الشافعي إلى أن عدد الرضعات المحرمة خمس رضعات، عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرمن»، ثم نسخن ب «خمس معلومات»، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن» (^١).\nقال الدميري: وأورد في شرح مسلم: أن هذا لا حجة فيه؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، ولم يجب عنه، وأجاب عنه إلكيا الطبري بأن القرآن كلام الله، وإن لم يثبت بخبر الواحد لكن يثبت حكمه والعمل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٥٢).","vol":"2","page":29},{"text":"به، والأحسن الاستدلال بحديث سالم، «فأرضعته خمس رضعات» (^١) فإن فيه تخصيص الرضعات بخمس، وهو محل ضرورة فلو حصل ما دونه لذكره (^٢).\nب- القراءات الشاذة خبر وقع تفسيرًا:\nأي كون هذا الشاذ ورد عن النبي ﷺ خبرًا، وبيانًا لشيء، فظنه الناقل قرآنًا، فإذا بطل كونه قرآنًا، تعين أن يكون خبرًا.\nوهذا المحمل الحنفي هو الذي ارتضاه كثير من العلماء؛ إذ جعلوا ما أتى من الأحرف الشاذة هو من قبيل التفسير، وإن اختلفوا في كونها خبرًا أو مذهبًا للراوي إذا لم يصرح بالسماع.\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد ذكره عددًا مما شذ من القراءات، حيث قال: فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يرى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن لباب أصحاب محمد ﷺ، ثم صار في نفس القراءة؟! فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى، وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف معرفة صحة التأويل، على أنها من العلم الذي لا تعرف\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٠٦١) وهو عند البخاري ومسلم دون موطن الشاهد.\n(^٢) النجم الوهاج شرح المنهاج للدميري (٨/ ٢٠٤).","vol":"2","page":30},{"text":"العامة فضله، إنما يعرف ذلك العلماء (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-300> الاحتجاج بالقراءة الشاذة عند الشافعية:</span>\nهذه المسألة محل خلاف بين فقهاء الشافعية، فقد ذهبت طائفة من متأخري الشافعية إلى القول بحجية القراءات الشاذة، وممن صرح بهذا القول الإمام تاج الدين السبكي (٧٧١ هـ) والإمام جمال الدين الإسنوي (٧٧٢ هـ) الذي نص على أن القول بعدم الاحتجاج بالقراءة الشاذة قول مخالف لمذهب الشافعي، ولقول جمهور الصحابة، والشيخ زكريا الأنصاري (٩٢٥ هـ).\nبينما ذهبت طائفة من كبار الشافعية إلى القول بعدم حجية القراءات الشاذة، وممن قال بذلك إمام الحرمين الجويني، وأبو حامد الغزالي، والآمدي، وجزم النووي بكون عدم الاحتجاج بالشاذ هو مذهب الشافعية عند شرحه لحديث عائشة ﵂ في الصلاة الوسطى، حيث قال: إن القراءة الشاذة لا يحتج بها (^٢).\nوأدلة من احتج من الشافعية:\n١ - أن ذلك منقول عن النبي ﷺ، ولا يلزم من انتفاء خصوص\n_________\n(^١) فضائل القرآن للقاسم بن سلام (٢/ ١٤٩).\n(^٢) القراءات الشاذة أحكامها وآثارها د/ إدريس حامد (ص ٢٠١).","vol":"2","page":31},{"text":"قرآنيته انتفاء عموم خبريته.\n٢ - أن هناك مواطن عدة احتج بها الشافعية بشواذ القراءات، من ذلك:\n- قطع يمين السارق بقراءة «فاقطعوا أيمانهما».\n- خمس رضعات معلومات تقتضي التحريم برواية عائشة ﵂: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ، وهن فيما يقرأ من القرآن (^١).\nواستدل الحنابلة على الاحتجاج بالقراءة بالشاذ: بأنها كانت قرآنًا فهي حجة، وإن لم تكن قرآنًا فهي خبر.\n\n*<span data-type='title' id=toc-301> حجة القائلين بعدم حجية القراءات الشاذة:</span>\nوهم جمهور المالكية، وطائفة من الشافعية، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بما يلي:\nأن القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الشريعة، وإليه رجوع جميع الأصول، ولا أمر في الدين أعظم منه، وكل ما يجل خطره ويعظم وقعه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٥٢).","vol":"2","page":32},{"text":"ولا سيما في الأمور الدينية، فأصحاب الأديان يتناهون في نقله وحفظه، ولا يسوغ في اطراد الاعتياد رجوع الأمر فيه إلى نقل الآحاد، ما دامت الدواعي متوفرة، والنفوس إلى ضبط الدين مشوفة (^١).\n٢ - أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على ما بين الدفتين، واطرحوا ما عداه وكان ذلك عن اتفاق منهم (^٢).\n٣ - أن هذا الخبر إن لم يجعل قرآنًا احتمل كونه مذهبًا أو خبرًا، وما تردد بين المذهبية والخبرية فلا يجوز العمل به (^٣).\nوالحاصل مما سبق: أن القراءة الشاذة ليست بحجة إلا أن تعضد بأدلة أخرى، كالإجماع على معناها مثل قراءة آية الكلالة «وله أخ أو أخت من أم»، أو بدليل من السنة كاحتجاج الشافعية على عدد الرضعات بحديث سالم مع أن أكثرهم لا يحتج بالقراءة الشاذة.\nوكذلك الذين اعتبروا أن القراءة الشاذة حجة، احتجوا بها في مواضع، ولم يحتجوا بها في مواضع أخرى تبعًا لاعتبارات أخرى.\n_________\n(^١) القراءات الشاذة ضوابطها والاحتجاج بها في الفقه وفي العربية د. عبد العاطي المسؤول (١٩١ - ٢١٧) ط دار ابن عفان.\n(^٢) الإحكام للآمدي (١/ ٢٢٩).\n(^٣) الإحكام للآمدي (١/ ٢٣٠، ٢٣١).","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-302>المطلب الرابع:\nالحقيقة والمجاز في القرآن.</span>\n*<span data-type='title' id=toc-303> المسألة الأولى: تعريف الحقيقة:</span>\nهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب (^١).\nقولهم (في اصطلاح التخاطب) قصدوا به إدخال الحقائق الشرعية، واللغوية، والعرفية؛ لأن العبرة بالوضع عند المتكلم باللفظ لا بالنسبة للسامع له.\n\n*<span data-type='title' id=toc-304> المسألة الثانية: أقسام الحقيقة:</span>\nتنقسم الحقيقة إلى أربعة أقسام:\nالأول: الحقيقة اللغوية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغةً، نحو: الإنسان، الفرس، الحر، البرد، الأرض، السماء.\nالثاني: الحقيقة العرفية العامة: وهي اللفظ الذي وضع لغة لمعنى، ولكن استعمله أهل العرف العام في غير هذا المعنى، وشاع عندهم\n_________\n(^١) نهاية السول شرح منهاج الوصول للإسنوي (٢/ ١٤٥) دار عالم الكتب.","vol":"2","page":34},{"text":"استعماله فيه، مثل لفظ (دابة)، فإنه وضع لغة لكل ما يدب على وجه الأرض من إنسان أو حيوان، ولكن استعمله أهل العرف فيما له حافز فقط، كالفرس، والبغل، والحمار، وهذا النوع موجود كذلك.\nالثالث: الحقيقة العرفية الخاصة: وهي أن يستعمل اللفظ في معنى عرفي خاص، وفي اصطلاح جماعة معينة، كاستعمال الرفع والنصب والحال في معانيها المعروفة عند النحاة، واستعمال العرض، والجوهر عند المتكلمين.\nالرابع: الحقيقة الشرعية: وهي ألفاظ استعملها الشارع في معانٍ قد لا يستعملها العرب لها لمناسبة بينها وبين المعاني اللغوية، مثل: الصلاة، والصوم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-305> المسألة الثالثة: تعريف المجاز:</span>\nوهو قسمان:\n١ - المجاز اللغوي: وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة وقرينة. وهذا هو المجاز اللغوي ويسمى المفرد، وأنواعه كثيرة ذكرها الزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان ومثل لكل نوع (^١).\n_________\n(^١) الإتقان للسيوطي (٣/ ١١٠)، وما بعدها.","vol":"2","page":35},{"text":"٢ - المجاز المركب أو العقلي: وهو ما كان قائمًا على الإسناد، وهو إسناد الفعل، أو ما يقوم مقامه إلى غير ما هو له لملابسته له.\nمثل قول الشاعر الصلتان العبدي:\nأشاب الصغير وأفنى الكبير … كر الغداة ومر العشي\nوقول المؤمن: أنبت الربيع البقل.\nوقول جرير:\nإذا سقط السماء بأرض قوم … رعيناه وإن كانوا غضابا\nولكن هذا استعارة، وعدها ابن قتيبة من المجاز لتوسعه في باب المجاز.\n\n*<span data-type='title' id=toc-306> المسألة الرابعة: أقوال العلماء في المجاز:</span>\nأ - قال فريق من العلماء بالمجاز مطلقًا، وقال الإمام الشوكانى، وهم الجمهور.\nب - وقال بعض العلماء بمنع المجاز فى القرآن وإثباته فى اللغة منهم ابن خويز من المالكية، وابن القاص من الشافعية، وداود بن على، وابنه من الظاهرية.\nج - وقال بعض العلماء بالمنع مطلقًا من القرآن واللغة، ومنهم أبو","vol":"2","page":36},{"text":"إسحاق الاسفرايينى، وأبو على الفارسى (^١)، وقال به ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ الشنقيطى، وغيرهم.\nوذكر بعض العلماء أن هذا التقسيم فى أصله تقسيم غير صحيح.\nقال ابن تيمية (هذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز لا حقيقة له، وليس لمن فرق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا وهذا، فعلم أن هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول بل يتكلم بلا علم) أه (^٢).\nقال ابن القيم فنقول: تقسيمكم الألفاظ ومعانيها واستعمالها فيها إلى حقيقةٍ ومجازٍ، إما أن يكون عقليًّا أو شرعيًّا، أو لغويًّا أو اصطلاحيًّا، والأقسام الثلاثة الأول باطلةٌ، فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه حقيقةً كان أو مجازًا، فإن دلالة اللفظ على معناه ليست كدلالة الانكسار على الكسر والانفعال على الفعل، لو كانت عقليةً لما اختلفت باختلاف الأمم، ولما جهل أحدٌ معنى لفظٍ، والشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه، ولا أشار إليه، وأهل اللغة لم يصرح أحدٌ منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقةٍ ومجازٍ، ولا قال أحدٌ من العرب قط: هذا اللفظ حقيقةٌ وهذا مجازٌ، ولا\n_________\n(^١) نقله عنهما ابن السبكي في جمع الجوامع (١/ ٣٣١).\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٧/ ٩٦).","vol":"2","page":37},{"text":"وجد فى كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهةً ولا بواسطة ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهم، كما لم يوجد ذلك في كلام رجلٍ واحدٍ من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين، ولا فى كلام أحدٍ من الأئمة الأربعة.\nوهذا الشافعي وكثرة مصنفاته ومباحثه مع محمد بن الحسن وغيره لا يوجد فيها ذكر المجاز البتة، وهذه رسالته التي هي كأصول الفقه لم ينطق فيها بالمجاز في موضعٍ واحدٍ، وكلام الأئمة مدوَّنٌ بحروفه لم يحفظ عن أحدٍ منهم تقسيم اللغة إلى حقيقةٍ ومجازٍ، بل أول من عرف عنه في الإسلام أنه نطق بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى، فإنه صنف في تفسير القرآن كتابًا مختصرًا سماه \"مجاز القرآن\"، وليس مراده به قسيم الحقيقة، فإنه تفسيرٌ لألفاظه بما هي موضوعةٌ له، وإنما عنى بالمجاز ما يعبر به من اللفظ ويفسر به، كما سمى غيره كتابه معاني القرآن، أي: ما يعنى بألفاظه ويراد بها، كما يسمي ابن جريرٍ الطبري وغيره ذلك تأويلًا، وقد وقع في كلام أحمد شيءٌ من ذلك، فإنه قال في «الرد على الجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن» وأما قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] فهذا من مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: سيجري عليك رزقك، أنا مشتغلٌ به، وفي نسخةٍ، وأما قوله: ﴿إِنَّنِي","vol":"2","page":38},{"text":"مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] فهو جائزٌ في اللغة، يقول الرجل للرجل: سأجري عليك رزقك، وسأفعل بك خيرًا.\nقلت: مراد أحمد أن هذا الاستعمال مما يجوز في اللغة، أي هو من جائز اللغة لا من ممتنعاتها، ولم يرد بالمجاز أنه ليس بحقيقةٍ وأنه يصح نفيه، وهذا كما قال أبو عبيدة في تفسيره إنه مجاز القرآن، ومراد أحمد أنه يجوز في اللغة أن يقول الواحد المعظم نفسه، نحن فعلنا كذا، فهو مما يجوز في اللغة، ولم يرد أن في القرآن ألفاظًا استعملت في غير ما وضعت له، وأنها يفهم منها خلاف حقائقها، وقد تمسك بكلام أحمد هذا من ينسب إلى مذهبه أن في القرآن مجازًا كالقاضي أبي يعلى وابن عقيلٍ وابن الخطاب وغيرهم، ومنع آخرون من أصحابه ذلك، كأبي عبد الله بن حامدٍ، وأبي الحسن الجزري وأبي الفضل التميمي.\nوكذلك أصحاب مالكٍ مختلفون، فكثيرٌ من متأخريهم يثبت في القرآن مجازًا، وأما المتقدمون كابن وهبٍ وأشهب وابن القاسم فلا يعرف عنهم في ذلك لفظةٌ واحدةٌ.\nوقد صرح بنفي المجاز في القرآن محمد بن خويزمنداد البصري المالكي وغيره من المالكية، وصرح بنفيه داود بن عليٍ الأصبهاني وابنه أبو بكرٍ، ومنذر بن سعيدٍ البلوطي، وصنف في نفيه مصنفًا، وبعض الناس يحكي في ذلك عن أحمد روايتين.","vol":"2","page":39},{"text":"وقد أنكرت طائفةٌ أن يكون في اللغة مجازٌ بالكلية، كأبي إسحاق الاسفراييني وغيره، وقوله له غورٌ لم يفهمه كثيرٌ من المتأخرين، وظنوا أن النزاع لفظيٌ، وسنذكر أن مذهبه أسد وأصح عقلًا ولغةً من مذهب أصحاب المجاز، وطائفةٌ أخرى غلت في ذلك الجانب وادَّعت أن أكثر اللغة مجازٌ، بل كلها، وهؤلاء أقبح قولًا وأبعد عن الصواب من قول من نفى المجاز بالكلية، بل من نفاه أسعد بالصواب (^١).\nقال ابن تيمية «وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مُبْتَدَع مُحْدَث لم ينطق به السلف» (^٢).\nقال ابن القيم: إذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقةٍ ومجازٍ ليس تقسيمًا شرعيًّا ولا عقليًّا ولا لغويًّا فهو اصطلاحٌ محضٌ، وهو اصطلاحٌ حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين (^٣).\nوالقول بالمجاز فى القرآن من الخطورة بمكان حيث إن أهل المجاز بإجماعهم يقولون: إن كل مجاز يجوز نفيه كقولك رأيت أسدًا وتقصد رجلًا شجاعًا فيجوز أن تقول ما رأيت أسدًا، ولكن رجل شجاع، وهذا\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٨٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١١٣).\n(^٣) الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٨٧).","vol":"2","page":40},{"text":"يسرى على القرآن (على حد قولهم)، فلو قلنا بالمجاز فيه لقلنا إنه يجوز نفي أشياء فى القرآن أثبتها الله.\nفبما أن كل مجاز يجوز نفيه، وأن القرآن لا يجوز نفي شاء فيه ينتج أنه لا شيء من القرآن مجاز.\nقال الشنقيطي: فإنا لما رأينا جل أهل هذا الزمان يقولون بجواز المجاز في القرآن، ولم ينتبهوا لأن هذا المنزل للتعبد والإعجاز كله حقائق وليس فيه مجاز، وأن القول فيه بالمجاز ذريعة لنفي كثير من صفات الكمال والجلال، وأن نفي ما ثبت في كتاب أو سنة لاشك في أنه محال أردنا أن نبين في هذه الرسالة ما يفهم منه الحاذق الذائق أن القرآن كله حقائق، وكيف يمكن أن يكون شيء منه غير حقيقة، وكل كلمة منه بغاية الكمال جديرة حقيقة؟! (^١).\nوقال: فإن قالوا: هذا الذي نسميه مجازًا وتسمونه أسلوبًا آخر من أساليب اللغة يجوز نفيه على قولكم، كما جاز نفيه على قولنا. فيلزم المحذور قولكم كما لزم قولنا.\nفالجواب: أنه على قولنا بكونه حقيقة لا يجوز نفيه. فإن قولنا: رأيت أسدًا يرمي -مثلًا- لا نسلم جواز نفيه؛ لأن هذا الأسد المقيد\n_________\n(^١) مقدمة كتاب منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للشنقيطي (١/ ٣).","vol":"2","page":41},{"text":"بكونه يرمي ليس حقيقة الحيوان المفترس حتى تقولوا: هو ليس بأسد. فلو قلتم: هو ليس بأسد. قلنا: نحن ما زعمنا أنه حقيقة الأسد المتبادر عند الإطلاق حتى تكذبونا، وإنما قلنا بأنه أسد يرمي، وهو كذلك هو أسد يرمي (^١).\nقال ابن القيم ﵀:\nالوجه السادس عشر: أن يقال: ما تعنون بصحة النفي، نفي المسمى عند الإطلاق، أم المسمى عند التقييد، أم القدر المشترك، أم أمرًا رابعًا؟ فإن أردتم الأول كان حاصله أن اللفظ له دلالتان، دلالة عند الإطلاق، ودلالة عند التقييد؛ بل المقيد مستعمل في موضوعه، وكل منهما منفي عن الآخر. وإن أردتم الثاني لم يصح نفيه فإن المفهوم منه هو المعنى المقيد فكيف يصح نفيه؟ وإن أردتم القدر المشترك بين ما سميتموه حقيقة ومجازًا لم يصح نفيه أيضًا. وإن أردتم أمرًا رابعًا فبينوه لنا لنحكم عليه بصحة النفي، أو عدمها. وهذا ظاهر جدًا لا جواب عنه كما ترى (^٢).\n_________\n(^١) منع جواز المجاز للشنقيطي (١/ ٣٢).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٢٩٥).","vol":"2","page":42},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-307> بعض المسائل التى ادعى فيها المجاز ومناقشتها:</span>\nالمسألة الأولى: قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]، قالوا: الإرادة هى الميل القلبى، وهل للجدار قلب حتى يكون له إرادة؟ فدل على أن الإرادة هنا مجاز.\nوالإشكال يكون إما بتوسعة أبواب ضيقة أو بتضييق أبواب واسعة، فهم عرَّفوا الإرادة بالميل القلبى وهذا فى حق الإنسان فضيقوا بابًا واسعًا.\nقال الشيخ الشنقيطى: أن قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] لا مانع من حمله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة، لأن الله يعلم للجمادات ما لا نعلمه لها كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] الآية.\nوقد ثبت في \"صحيح البخاري\" حنين الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ.\nوثبت في \"صحيح مسلم\" أنه ﷺ قال: «إني أعرف حجرًا كان يسلم عليَّ في مكة».\nوأمثال هذا كثيرةٌ جدًّا، فلا مانع من أن يعلم الله من ذلك الجدار إرادة الانقضاض.","vol":"2","page":43},{"text":"ويجاب عن هذه الآية -أيضًا- بما قدمنا من أنه لا مانع من كون العرب تستعمل الإرادة عند الإطلاق في معناها المشهور، وتستعملها في الميل عند دلالة القرينة على ذلك. وكلا الاستعمالين حقيقةٌ في محله. وكثيرًا ما تستعمل العرب الإرداة في مشارفة الأمر، أي قرب وقوعه كقرب الجدار من الانقضاض سمي إرادة.\nوكقول الراعي:\nفي مهمهٍ قلقت بها هاماتها … قلق الفؤوس إذا أردن نضولًا\nيعني بقوله: \"أردن\": تحركن مشرفاتٍ على النضول وهو السقوط.\nوكقول الآخر:\nيريد الرمح صدر أبي براء … ويعدل عن دماء بني عقيل\nفقوله: \"يريد الرمح صدر أبي براءٍ\"، أي: يميل إليه، وأمثال هذا كثيرةٌ في اللغة العربية (^١).\nقال ابن تيمية: لفظ الإرادة قد استعمل فى الميل الذى يكون معه شعور وهو ميل الحى، وفى الميل الذى لا شعور له وهو ميل الجماد،\n_________\n(^١) منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز (١/ ٢٦)، وما بعدها.","vol":"2","page":44},{"text":"وهو مشهور فى اللغة يقال هذه الأرض تريد أن تُحرَث (^١).\nالمسألة الثانية: قال تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، فقالوا ليس للذل جناح إذًا إطلاق الجناح وإضافته للذل هذا مجاز.\nقال الشنقيطى: الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يد الإنسان وعضده وإبطه، قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢].\nوالخفض مستعمل في معناه الحقيقي الذي هو ضد الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما، كما قال لنبيه ﷺ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥].\nوإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب أسلوب معروف، ومنه قول الشاعر:\nوأنت الشهير بخفض الجناح … فلا تك في رفعه أجدلا\nوأما إضافة الجناح إلى الذل فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير؛ لأن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (ج (٧) ص (١٠٨).","vol":"2","page":45},{"text":"الإضافة فيه كالإضافة في قولك حاتم الجود، فيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر.\nوما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال:\nلا تسقني ماء الملام فإنني … صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي\nجاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإناء شيئًا من ماء الملام، فقال له: إن أتيتني بريشةٍ من جناح الذل صببت لك شيئًا من ماء الملام، فلا حجة فيه؛ لأن الآية لا يراد بها أن للذل جناحًا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود. ونظيره في القرآن الإضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، و﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] يعني مطر حجارة السجيل الموصوف بسوء من وقع عليه. وعذاب أهل النار الموصوف بسوء من وقع عليه، والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذل مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح: أن خفض الجناح كني به عن ذل الإنسان وتواضعه، ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية في قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: ١٦].\nوكإسناد الخشوع والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله: ﴿وُجُوهٌ","vol":"2","page":46},{"text":"يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ [الغاشية: ٢ - ٣].\nوأمثال ذلك كثير في القرآن، وفي كلام العرب، وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدل له كلام السلف من المفسرين (^١).\nالمسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].\nقالوا المجاز فى أمرين هما أن الجوع والخوف ليسا لباسًا، وأن الجوع والخوف لا يذاقان، فقالوا الذوق هو وجود طعم الشيء فى الفم، واللباس هو ما يلبس على البدن.\nقال ابن تيمية: فمن الناس من يقول الذوق حقيقة فى ذوق الفم، واللباس ما يلبس على البدن وليس كذلك، قال الخليل: الذوق فى اللغة هو وجود طعم الشيء، والاستعمال يدل على ذلك قال تعالى ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، فلفظ الذوق يستعمل فى كل ما يحس به، ويجد ألمه ولذته (^٢).\n_________\n(^١) منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للشنقيطي (١/ ٣٠ - ٣١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٠٩).","vol":"2","page":47},{"text":"قال ﷺ «حتى تذوقى عسيلته» (^١)، وليس ذلك بالفم.\nوقال (ابن تيمية) ولفظ اللباس يستعمل فى كل ما يغشى الإنسان ويلتبس به قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠]، وقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣) من حديث عائشة مرفوعًا ﵂.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١١٠).","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>المطلب الخامس:\nالمحكم والمتشابه</span>\nالمحكم: اسم مفعول من أحكم الأمر أي أتقنه، والحكيم المتقن للأمور.\nوحكم الرجل يحكم حكمًا: إذا بلغ النهاية في معناه مدحًا لازمًا. وأحكمت الشيء فاستحكم: صار محكمًا، واحتكم الأمر واستحكم: وثق.\nوحكم الشيء وأحكمه: كلاهما: منعه من الفساد (^١).\nوالمتشابه: من الشبه، والشبيه: المثل. والجمع أشباه، وأشبه الشيء الشيء: ماثله.\nوالمشتبهات من الأمور: المشكلات، والمتشابهات: المتماثلات، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، أي\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (٢/ ٩٥٣) بتصرف.","vol":"2","page":49},{"text":"يشبه بعضه بعضًا في الجودة والحسن (^١).\nقال الواحدي: واعلم أن القرآن كله محكم من وجه على معنى أنه حق ثابت، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ومتشابه من وجه وهو أنه يشبه بعضه بعضًا في الحسن، ويصدق بعضه بعضًا، وهو قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] (^٢).\nقال الشنقيطي ﵀: اعلم أن بعض الآيات دل على كون القرآن كله محكمًا، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] الآية، وغيرها من الآيات، وبعضها دل على كونه كله متشابهًا، وهو قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، وبعضها دل على أن منه محكمًا ومنه متشابهًا، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ولا معارضة بين الآيات؛ لأن معنى كونه كله محكمًا هو اتصاف جميعه بالإحكام الذي هو الإتقان، لأن جميعه في غاية الإتقان في ألفاظه ومعانيه، أحكامه عدل وأخباره صدق، وهو في غاية الفصاحة والإعجاز والسلامة من جميع العيوب، ومعنى كونه كله متشابهًا أن آياته يشبه بعضها بعضًا في\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (٤/ ٢١٩٠) بتصرف.\n(^٢) التفسير البسيط للواحدي (٥/ ٣٦).","vol":"2","page":50},{"text":"الإعجاز والصدق والعدل والسلامة من جميع العيوب (^١).\nقلت: هذا باعتبار أن القرآن كله محكم كالآيات التي وصفته بذلك، أو أن كله متشابه كما وصفته آيات أخرى.\nأما تقسيم القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات، كما في آية آل عمران؛ فهذا يفيد التغاير في المعنى، وعلى ذلك اختلفوا في تفسير المحكم والمتشابه.\nقال الماوردي في تفسيره: اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل:\nأحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ. قاله ابن عباس، وابن مسعود.\nوالثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه. قاله مجاهد.\nوالثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل أوجهًا. قاله الشافعي، ومحمد بن جعفر بن الزبير.\nوالرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي\n_________\n(^١) المذكرة للشنقيطي (٦٢).","vol":"2","page":51},{"text":"تكررت ألفاظه. قاله ابن زيد.\nوالخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال.\nوالسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله.\nوالسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.\nويحتمل ثامنًا: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. وإنما جعله محكمًا ومتشابهًا استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر (^١).\nوقال الشوكاني في تعريف المحكم والمتشابه: فقيل المحكم ما له دلالة واضحة، والمتشابه ما له دلالة غير واضحة، فيدخل في المتشابه المجمل والمشترك (^٢).\n_________\n(^١) النكت والعيون تفسير الماوردي (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٢) إرشاد الفحول (١/ ٩٠).","vol":"2","page":52},{"text":"قلت: لكنه على هذا المعنى لا يذم من يبحث عن تفسيره، والمراد منه من الآيات الأخرى أو من الأدلة الأخرى.\nوبناء على هذا الاختلاف: اختلفوا في نوع الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].\n- فمن فسر المتشابه بأنه مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة وطلوع الشمس من مغربها، أو ما كان من الأحكام تعبديًّا محضًا؛ قال: إن الواو استئنافية، والراسخون مبتدأ خبره جملة «يقولون آمنا به»، والوقف تام على قوله: «إلا الله»، ويكون التأويل هنا هو حقيقة ما يؤول إليه الشيء في المستقبل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] الآية.\n- ومن فسر المتشابه بما يعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم، كالأحكام التي تحتاج إلى نظر واستدلال، وما كان من الآيات ما يحتمل أوجهًا أو الآيات التي ظاهرها التعارض؛ فإنه قال: إن الواو عاطفة وقال بذلك ابن عباس. وروى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله (^١).\n_________\n(^١) النكت والعيون تفسير الماوردي (١/ ٣٧٢).","vol":"2","page":53},{"text":"قال ابن جزى: وكلا القولين مرويٌ عن ابن عباس، والقول الأول قول أبي بكر الصديق وعائشة، وعروة بن الزبير، وهو أرجح.\nوقال ابن عطية: المتشابه نوعان؛ نوع انفرد الله بعلمه، ونوع يمكن وصول الخلق إليه. فيكون الراسخون ابتداءً بالنظر إلى الأول، وعطفًا بالنظر إلى الثاني (^١).\nوصف الله الآيات المحكمات بأنهن أم الكتاب.\nقال الماوردي فيه وجهان:\nأحدها: أصل الكتاب.\nوالثاني: معلوم الكتاب، وفيه تأويلان:\nأحدهما: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود.\nوالثاني: أنه أراد فواتح السور التي يستخرج منها القرآن.\nويحتمل ثالثًا: أن يريد به أنه معقول المعاني؛ لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب (^٢).\n_________\n(^١) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزى (١/ ٢٣٠).\n(^٢) النكت والعيون بتصرف (١/ ٣٧٠).","vol":"2","page":54},{"text":"وقال ابن جزى: «هن أم الكتاب» أي عمدة ما فيه ومعظمه (^١).\nوقال الألوسي: أي أصله والعمدة فيه يرد إليها غيرها، والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعًا أمًّا (^٢).\nلذلك سميت الفاتحة أم الكتاب؛ لأنها جمعت مقاصد القرآن.\nومن ذلك تعلم أن معظم آيات القرآن من قبيل المحكم الواضح المعنى، إما بنفسه، وإما بانضمام آيات أخرى إليه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-309> حكم العمل بالمحكم والمتشابه:</span>\nحكم العمل بالمحكم: وجوب العمل به.\nوأما المتشابه فعلى اختلاف معناه يكون حكم العمل به:\n- فإن قلنا: إنه المنسوخ، فلا يعمل به.\n- وإن قلنا: إنه ما اشتبه بين الحلال والحرام، فالأولى تركه؛ لقوله ﷺ: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه …» الحديث (^٣).\n_________\n(^١) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزى (١/ ٢٣٠).\n(^٢) روح المعاني للألوسي (٣/ ٨٠).\n(^٣) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا.","vol":"2","page":55},{"text":"وإن قلنا: إن المتشابه ما احتمل أوجهًا كالمشترك، فلا بد من الاجتهاد لتعيين المراد إن لم يمكن الجمع بين هذه الأوجه.\nوعندئذ يطلب الترجيح من الآيات المحكمات، أو الأدلة الأخرى كالسنة واللغة، وهذا معنى رد المتشابه إلى المحكم.\nوقد تختلف أنظار العلماء في تعيين المراد ليبقى الاجتهاد، مثال: المراد ب «القرء» فهذا من المشترك اللفظي، فيطلق على الطهر ويطلق على الحيض، فعلى الأول مالك والشافعي، وعلى الثاني أبو حنيفة وأحمد.\nفمن قال: المراد به في العدة الأطهار؛ استدل بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]: أي في زمان عدتهن.\nومعلوم أن الطلاق يكون في الطهر، لا في الحيض بالإجماع.\nواستدلوا بحديث ابن عمر في تطليقه امرأته وهي حائض (^١).\n_________\n(^١) وهو الحديث الذي رواه مسلم (١٤٧١)، عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائضٌ في عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال له رسول الله ﷺ: (مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء). وفي رواية عن عبد الله: أنه طلق امرأةً له وهي حائضٌ تطليقةً واحدةً، فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضةً أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. وزاد ابن رمح في روايته: وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك، قال لأحدهم: أما أنت طلقت امرأتك مرةً، أو مرتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك، حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك. قال مسلمٌ: جود الليث في قوله تطليقةً واحدةً.","vol":"2","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-310>المطلب السادس:\nدلالة القرآن على الأحكام.</span>\n*<span data-type='title' id=toc-311> أولًا: من حيث القطعي والظني:</span>\nلا شك أن القرآن كله بقراءاته المتواترة قطعي الثبوت لوصوله إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية.\nأولًا: تكون الدلالة قطعية إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا فقط، أو يحتمل تأويلًا لكن وقع الإجماع على معنى من المعاني.\nفالأول: كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ","vol":"2","page":57},{"text":"يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\nفالنصف والربع والمائة كلها قطعية الدلالة على مدلولها، ولا يحتمل أي واحد منها إلا معنى واحد فقط هو المذكور في الآية.\nومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، فالأخ والأخت هنا يحتمل كونهما شقيقين أو لأب أو لأم، لكن وقع الإجماع على أن المراد بهما هنا الأخ والأخت لأم.\nفانتقل النص من الظني إلى القطعي.\nثانيًا: تكون الدلالة ظنية: إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى، فتكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة ظنية، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nفلفظ «قروء» يحتمل أن يراد به الأطهار كما قال الشافعي وغيره، ويحتمل أن يراد به الحيضات كما قال أبو حنيفة ومن معه.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾","vol":"2","page":58},{"text":"[المائدة: ٣٨]، فاليد لفظ مشترك لليمنى واليسرى، وتحتمل كلًّا منهما، كما يحتمل أن يراد منها الأصابع إلى الرسغ أو إلى المرفق أو إلى الإبط، فجاءت السنة وبينت ذلك؛ فهذا النص الذي يدل على عدة معانٍ، أو يحتمل أكثر من معنى تكون دلالته على المعنى ظنية.\nوهنا سؤال وهو: لماذا لم تأت آيات القرآن كلها قطعية الدلالة، ويرتفع النزاع والاختلاف بين العلماء؟\nوالجواب عن ذلك:\n١ - قال الإمام الغزالي ﵀: ولو شاء الله لجاءت الشريعة قواطع، ولكن جاءت كما ترى ليتفاوت الناس في مراتبهم حين يؤمرون أن يشدوا الرحال إلى اتباع النبي ﷺ.\n٢ - فتح باب الاجتهاد أمام العلماء، وفتح باب التنافس للوصول إلى المراد، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.\nقال ابن قتيبة في باب المتشابه: وأما قولهم: ماذا أراد بإنزال المتشابه من أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان؟\nفالجواب عنه: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء،","vol":"2","page":59},{"text":"وإغماض بعض المعاني، حتى لا يظهر عليه إلا اللقن، وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما خفي، لو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل؛ لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة، وقالوا: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة (^١).\nومعنى اللقن: مصدر لقن الشيء يلقنه لقنًا وتلقينًا، والتلقين كالتفهيم، وغلام لقين: سريع الفهم. والمعنى: أي لا يطلع على معاني القرآن وما فيه من أسرار إلا من أوتي فهمًا سليمًا وذهنًا صافيًا.\n٣ - التوسعة على الأمة بتنوع المذاهب الفقهية المبنية على الاجتهاد الصحيح، وفي هذا تيسير على الناس بخلاف حمل الناس على مذهب واحد قد لا يناسب الجميع.\n٤ - بيان فضل وأهمية السنة، وأنها مبينة للكتاب شارحة له مفصلة لمجملاته؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤].\n_________\n(^١) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٨٩)، ط المكتبة العلمية.","vol":"2","page":60},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-312> ثانيًا: من حيث الإجمال والبيان:</span>\n١ - أحكام القرآن منها ما هو مفصل ومبين كآيات المواريث، وعدد الجلدات في الزنا والقذف، وكيفية اللعان بين الزوجين، وغير ذلك.\n٢ - ومنها ما جاء مجملًا، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فبين النبي ﷺ كيفية الصلاة بقوله وفعله، وبين مواقيتها وعدد ركعاتها إلى غير ذلك. وبين شروط وجوب الزكاة والأصناف الزكوية، ومقدار الأنصبة والقدر الواجب فيها إلى غير ذلك.\n- ومنها الربا، فقد جاء النهي عنه مجملًا في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨].\nلكن ما هي الأصناف الربوية وكيف تباع؟ بين النبي ﷺ ذلك بسنته الشريفة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-313> ثالثًا: من حيث العموم والخصوص:</span>\nالعام: هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده دفعة واحدة بلا حصر، وله صيغ متعددة:\n١ - قد يأتي الخطاب القرآني عامًّا يراد به العموم، كقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ف «أولات» جمع مضاف يراد به العموم، وهو باق على عمومه.","vol":"2","page":61},{"text":"٢ - وقد يأتي عامًّا لكنه خص بأحد المخصصات، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ف «المطلقات» جمع معرف ب «ال» يفيد العموم، لكنه مخصوص بالحامل فعدتها وضع الحمل، ومخصوص بالأمة فعدتها حيضتان.\n٣ - وقد يأتي الخطاب عامًّا ولكنه يراد به الخصوص، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فكلمة «الناس» عام أريد به الخصوص، فليس المراد كل الناس قطعًا.\n٤ - وقد يأتي الخطاب خاصًّا لكن يراد به العموم، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فلفظ «أف» خاص لكنه يستفاد منه العموم في جميع أنواع الإيذاء، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.\n\n*<span data-type='title' id=toc-314> رابعًا: بيان القرآن للأحكام من حيث الإفراد والتركيب:</span>\nقد يستفاد الحكم من نص واحد، وقد يستفاد الحكم من عدة نصوص تعمل معًا.\nفمثال ما يستفاد من نص واحد كميراث الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] الآية، فهذا نص","vol":"2","page":62},{"text":"واحد مشتمل على الحكم وعلى شروطه، فلم يحتج إلى نص آخر يبينه.\nومثال ما يستفاد من عدة نصوص: أقل مدة للحمل، استفيد ذلك من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فمجموع الحمل والرضاع ثلاثون شهرًا، مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فاستفيد من ذلك أن أقل مدة للحمل ستة أشهر.\n\n*<span data-type='title' id=toc-315> خامسًا: بيان القرآن للأحكام من حيث المنطوق والمفهوم:</span>\nقد تدل الآية على الحكم بمنطوقها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، دلت هذه الآية بعبارتها -أي بنفس ألفاظها- على حرمة قتل النفس، وقد تدل الآية على الحكم بمفهوم اللفظ وليس بمنطوقه.\n- والمفهوم قد يكون مفهوم موافقة - أي أن المسكوت عنه له حكم المنطوق-، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فهذه الآية أفادت بعبارتها ولفظها تحريم أكل أموال اليتامى ظلمًا، ويفهم","vol":"2","page":63},{"text":"منها بمفهوم الموافقة -أو ما يسمى فحوى الخطاب أو دلالة النص- تحريم إحراقها أو تبديدها أو إتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف.\n- وقد يكون مفهوم مخالفة - أي أن المسكوت عنه له عكس حكم المنطوق، وقد يسمى أيضًا دليل الخطاب-، وأنواعه كثيرة منها: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب، وغيرها، والاستدلال به قال به الجمهور خلافًا للحنفية، وللجمهور شروط في العمل بمفهوم المخالفة تأتي في بابها - إن شاء الله -.\nومن أمثلة مفهوم المخالفة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فدلت الآية على إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند العجز عن نكاح الحرائر، ودلت بمفهومها على النهي عن نكاح الإماء غير المؤمنات.\n\n*<span data-type='title' id=toc-316> سادسًا: دلالة القرآن على الأحكام بالإشارة والإيماء:</span>\nدلالة الإشارة: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالآية تدل بالإشارة إلى صحة صوم من أصبح جنبًا؛ لأن إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل -الذي ليس بعده ما يتسع للاغتسال من","vol":"2","page":64},{"text":"الليل- يلزمه إصباحه جنبًا (^١).\nودلالة الإيماء: أن يذكر وصف مقترن بحكم في نص من نصوص الشرع، على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، لكان الكلام معيبًا. كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، فعلة النهي أن الله مختبرك وسائلك عن هذه الجوارح.\nوكقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي لعلة سرقتهما.\n_________\n(^١) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (٢٢٥).","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>الفصل الثاني: السنة النبوية</span>","vol":"2","page":67},{"text":"السنة النبوية\n\n*<span data-type='title' id=toc-318> تعريف السنة:</span>\nلغة: هي الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنًّا، أي طريقًا.\nوقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: معناها الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه.\nقال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة كقوله: «من سن سنةً سيئةً» (^١).\nوقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (^٢).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ١٣١).\n(^٢) رواه مسلم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٤)، والنسائي (٢٠٠٤)، وغيرهم من حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا.","vol":"2","page":69},{"text":"وأما معناها شرعًا: تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية، مما ليس بمتلو ولا هو معجز ولا داخل في المعجز. ويدخل في ذلك أقوال النبي ﵇ وأفعاله وتقاريره (^١).\nأو: ما نقل عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أو إقرارًا.\nفالقول: كقوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٢).\nوالفعل كما شوهد منه من الأفعال في الصلاة والحج، كرفع يديه عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع والرفع منه، وكسعيه بين الصفا والمروة.\nوالإقرار: كسائر ما رأى الصحابة يقولونه أو يفعلونه فلا ينهاهم، وذلك كقول أنس ﵁: كانوا إذا أذن المؤذن يعني المغرب ابتدروا السواري يصلون ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت، لكثرة من يصليها. قيل له: أكان رسول الله ﷺ يصليهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا (^٣).\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٦٩).\n(^٢) رواه البخاري (٦٣١)، من حديث مالك بن الحويرث ﵁ مرفوعًا.\n(^٣) رواه مسلم (٨٣٦)، من حديث أنس بن مالك مرفوعًا، وأصله عند البخاري (٥٠٣، ٦٢٥).","vol":"2","page":70},{"text":"وكاحتجاج ابن عباس على إباحة الضب بأنه أُكِل على مائدة رسول الله ﷺ، ولو كان حرامًا لنهى عنه (^١) (^٢).\nوكتبسمه من قيافة مجزز المدلجى حين رأى زيدًا وأسامة نائمين قد بدت أقدامهما من قطيفة فقال: «إن هذه الأقدام بعضها من بعض» (^٣).\nقال الطوفي: شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تركه الإنكار إقرارًا؛ علمه بالفعل، وقدرته على الإنكار، لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مقر أو منكر، ومع العجز لا يدل على أنه مقر، كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته (^٤).\nقلت: وكذلك من شرطه عدم ظهور الغضب منه ﷺ لفعل أو قول، وكذلك عدم إبداء سبب الإنكار كتركه إعادة بناء البيت خشية افتتان قريش وهم حديثو عهد بالإسلام (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٦٢).\n(^٣) رواه البخاري (٣٥٥٥)، ومسلم (١٤٥٩)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٦٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٥٨٣)، ومسلم (١٣٣٣)، من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا.","vol":"2","page":71},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-319> حجية السنة وأنها مصدر من مصادر التشريع:</span>\nوالمراد هنا إثبات حجية السنة، والرد على منكري حجية السنة، أو القائلين بعرض السنة على القرآن محتجين بما رُوِي أن النبي ﷺ قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله» (^١) (^٢).\nذكر هذه الشبهة الإمام الشافعي ﵀ في الرسالة وتولى الرد عليها، وضعف رواية هذا الحديث سندًا ومعنى.\nوكتب ابن حزم ﵀ في ذلك كلامًا نفيسًا في الإحكام (^٣)، وذكر عدة روايات لهذا الحديث ووهاها وضعفها كلها، وفي بعضها: «إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث» (^٤)، وفي بعضها: «ما بلغكم عني من قول حسن لم أقله فأنا قلته» (^٥).\nورد ابن حزم كل هذه الروايات بضعف رواتها، وكذب بعضهم ثم\n_________\n(^١) موضوع: ذكره ابن الجوزي، والفتني، والشوكاني في الموضوعات.\n(^٢) الرسالة للشافعي (٢٢٤).\n(^٣) الإحكام لابن حزم (٢/ ٧٨) وما بعدها.\n(^٤) موضوع: ذكره ابن الجوزي، والفتني، والشوكاني في الموضوعات.\n(^٥) موضوع: ذكره ابن الجوزي، والفتني، والشوكاني في الموضوعات.","vol":"2","page":72},{"text":"قال: فإحدى الطائفتين أبطلت الشرائع، والأخرى أباحت الكذب على رسول الله ﷺ، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كلتا هاتين الطائفتين، وهاتين المسألتين.\nونقول للأولى: أول ما نعرض على القرآن الحديث الذي ذكرتموه، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].\nونسأل قائل هذا القول الفاسد: في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها، والسلام، وبيان ما يجتنب في الصوم، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحج من وقت الوقوف بعرفة، وصفة الصلاة بها وبمزدلفة، ورمي الجمار، وصفة الإحرام، وما يجتنب فيه، وقطع يد السارق،","vol":"2","page":73},{"text":"وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا، وأحكام الحدود، وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع، وبيان الربا، والأقضية والتداعي، وسائر أنواع الفقه، وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي ﷺ (^١).\nثم قال ﵀: ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن. لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم وبالله تعالى التوفيق (^٢).\nقال: وأما الطائفة الأخرى المبيحة للقول بما لم يأت نصًّا عن النبي ﷺ وإباحة أن ينسب ذلك إليه، فحسبنا أنهم مقرون على أنفسهم بأنهم كاذبون، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (^٣).\n_________\n(^١) الإحكام لابن حزم (٢/ ٧٨) وما بعدها.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ٧) من حديث سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة.","vol":"2","page":74},{"text":"وعن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تكذبوا عليَّ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار» (^١).\nثم قال: ولا سبيل إلى وجود خبر صحيح مخالف لما في القرآن أصلًا، وكل خبر شريعة، فهو إما مضاف إلى ما في القرآن، ومعطوف عليه، ومفسر لجملته، وإما مستثنى منه لجملته، ولا سبيل إلى وجه ثالث (^٢).\nثم ذكر بإسناده حديث أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله تعالى اتبعناه» (^٣)، فهذا حديث صحيح بالنهي عما تعلل به هؤلاء الجهال، وبالله تعالى التوفيق (^٤).\nقلت: وفي رواية المقداد بن معد يكرب لهذا الحديث: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يُحدَّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١).\n(^٢) الإحكام لابن حزم (٢/ ٧٨) وما بعدها.\n(^٣) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤)، من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا.\n(^٤) الإحكام لابن حزم (٢/ ٧٨) وما بعدها.","vol":"2","page":75},{"text":"وبينكم كتاب الله ﷿، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» (^١)، وقال ﷺ: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-320> استقلال السنة بالتشريع:</span>\nاعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» (^٣): أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها\n_________\n(^١) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤)، من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا.\n(^٢) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤)، من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا.\n(^٣) انظر ما قبله.","vol":"2","page":76},{"text":"القرآن، وذلك كتحريم لحوم الحمر الأهلية، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وغير ذلك مما لا يأتي عليه الحصر (^١).\nقال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب (^٢).\nقلت: يعني في البيان والتوضيح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، لا في أصل الإثبات؛ لأن الكتاب هو أصل إثبات النبوة ابتداءً.\nوفي الحديث: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أني أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (^٣).\nقال ابن عبد البر: إنها تقضي عليه، وتبين المراد منه.\nوقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب (^٤).\nوقال الإمام أحمد: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن أقول: إن\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ١٣٢).\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢٣٥١).\n(^٣) رواه البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢)، وأحمد (٨٤٩١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢٣٥٣).","vol":"2","page":77},{"text":"السنة تفسر الكتاب وتبينه (^١).\nقال الشوكاني: والحاصل أن ثبوت السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام (^٢).\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢٣٥٤).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٩٧).","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>أحوال السنة مع القرآن في البيان:</span>\nقال الإمام الشافعي ﵀: وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان:\nأحدهما: نص كتاب فاتبعه رسول الله كما أنزل الله.\nوالآخر: جملة بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عامًّا أو خاصًّا، وكيف أراد أن يأتي به العباد.\nوكلاهما اتبع فيه كتاب الله.\nقال: فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه: فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرعان:\nأحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب.\nوالآخر: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد.\nوهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.\nوالوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.","vol":"2","page":79},{"text":"فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب.\nومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فما أحل وحرم فإنما بين فيه عن الله كما بين الصلاة.\nومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله فأثبتت سنته بفرض الله.\nومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سن، وسنته الحكمة الذي ألقي في روعه عن الله، فكان ما ألقي في روعه سنته (^١).\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي (٩١ - ٩٣).","vol":"2","page":80},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-322> أقسام السنة:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-323> الأول: السنة القولية:</span>\nوهي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه سلم من أقوال.\nقال الزركشي: والمراد بها التي لا على وجه الإعجاز؛ ليخرج القرآن.\nوقال الحارث المحاسبي في كتاب «فهم السنن»: وهذا القسم على وجوه شتى:\n- فمنها: ما يبتدئ ثم بتعليم عامتهم أو بعضهم.\nكقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (^١).\n- ومنها: ما يسأله بعضهم عنه فيخبرهم.\nقلت: كما في حديث عائشة: أن امرأة من الأنصار قالت للنبي ﷺ: كيف أغتسل من المحيض؟ قال: «خذي فرصةً مُمَسَّكةً فتوضئي ثلاثًا» (^٢).\nوكحديث جابر بن سمرة: أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: يا رسول\n_________\n(^١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا.\n(^٢) رواه البخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٢) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"2","page":81},{"text":"الله، أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ». قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (^١).\n- ومنها ما يكون من بعضهم السبب بتوفيق الله ليعلمه بسببه، فيبينه في ذلك تبيينًا له، أو ينهى عنه كما كانوا يصلون ما سبقهم به من الصلاة، ثم يدخلون معه في الصلاة، فجاء معاذ فدخل معه في الصلاة، ولم يبدأ بما سبق ثم قضى ما سبق به، فقال: لا أجده على حالٍ إلا كنت عليها ثم قضيت، فجاء وقد سبقه ببعض الصلاة، فدخل في الصلاة، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قام معاذ يقضي، فقال رسول الله ﷺ: «قد سن لكم معاذ هكذا فافعلوا» (^٢).\n- ومنها: ما يحتكم فيه إليه فيقضي بين بعضهم بذلك، إيضاحًا لما أحب الله وتعليمًا لهم، وذلك كتعليمه الصلاة للمسيء صلاته، وتعليمه\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٦٠)، وابن ماجة (٤٩٥)، وابن حبان (١١٢٤)، وغيرهم من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا.\n(^٢) منقطع، أخرجه أحمد (٢٢٠٢٧)، وأبو داود (٥٠٦)، والبيهقي (٥٢١٣) وغيرهم، من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل مرفوعًا، وابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ كما قال العلائي وغيره.","vol":"2","page":82},{"text":"التشهد كما يعلم السورة من القرآن، وغير ذلك (^١).\nقلت: ومنها خطابه لأحد الصحابة بلفظ خاص والمراد التعميم، كحديث معاذ بن جبل أن رسول صلى عليه وسلم أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وأوصى بذلك معاذ الصنابحي، وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن (^٢).\nوالحديث خرج مخاطبًا به معاذًا، لكن العموم فيه لا يحتاج إلى دليل حيث لا اختصاص في الذكر دبر الصلوات لأحد دون أحد، وأنت ترى في الحديث أن معاذًا أوصى بها الصنابحي، وأن الصنابحي أوصى بها أبا عبد الرحمن الحبلي، وكذا من بعده.\nومن ذلك: حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي ﷺ: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنت عليها، وإذا حلفت على\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٤/ ١٦٨).\n(^٢) إسناده صحيح، أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، وأحمد (٢٢١١٩)، والنسائي (١٣٠٢)، من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا.","vol":"2","page":83},{"text":"يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير» (^١).\nوالخطاب وإن كان موجهًا إلى عبد الرحمن بن سمرة فإن الحكم عام.\nوهذا الوجه من الخطاب يتناوله المناطقة في الألفاظ في الكلية والجزئية، ويعبر عن هذا القسم بالجزئي الذي أريد به الكلي.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١٣٢)، ومسلم (٣١٣) من حديث عبد الرحمن بن سمرة مرفوعًا.","vol":"2","page":84},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-324> القسم الثاني: أفعال النبي ﷺ</span>- (^١):\nوهي على أنواع:\nالأول: الفعل الجبلي: وهو ما فعله النبي ﷺ بمقتضى الجبلة أي الطبيعة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠].\nوالأفعال الجبلية على ضربين:\nأولها: فعل يقع منه اضطرارًا دون قصد منه لإيقاعه مطلقًا، كما روي أن إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر.\nوما يدور في نفسه من حب أو كراهة لأشخاص أو أشياء، مما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده، ككراهيته أكل الضب، وكراهيته قاتل حمزة.\nفهذا النوع لا حكم له شرعًا؛ لوقوعه دون قصد منه ﷺ فلا يستفاد منه حكم، ولا يتعلق به أمر باقتداء ولا نهي عن مخالفة.\nثانيها: الأفعال الجبلية الاختيارية، وهي ما يفعله عن قصد وإرادة،\n_________\n(^١) انظر: العدة في أصول الفقه (٣/ ٧٣٤)، وما بعدها، الإحكام للآمدي (١/ ١٧٣)، وما بعدها، مختصر التحرير لابن النجار (٢/ ١٧٨)، وما بعدها، أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية للأشقر.","vol":"2","page":85},{"text":"ولكنها أفعال تدعو إليها ضرورته من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصدًا عن شعوره بتلك الضرورة.\nمثل: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، واتخاذ المنزل والملابس والفراش، والمشي والجلوس والنوم، والتداوي من المرض، والنكاح.\nوحكم هذا النوع: أنه يدل على الإباحة، ولا يدل على استحباب أو وجوب ما لم يقترن بقول أو قرينة تدل على ذلك، أو يكون له صلة بالعبادة.\nفلا يصح أن يفهم من الحديث أن من أكل بالملعقة وترك الأكل بالأصابع فقد رغب عن السنة واستحق الوعيد، ولا أن من توضأ من المغسلة أو الصنبور وترك الوضوء من إناء صغير يغترف منه باليد فقد رغب عن السنة؛ لأنه تركٌ للمباح مع اعتقاد إباحته، وليس في ذلك حرج.\nتنبيه: إذا ورد قول يرشد إلى هيئة مخصوصة للفعل، فإن هذا يخرج هذا الفعل من هذا النوع ويكون النظر حينئذ في الدليل القولي.\nومثاله: ما ورد أنه كان يشرب ثلاثًا أو يتنفس ثلاثًا، ويقول: «إنه أهنأ","vol":"2","page":86},{"text":"وأمرأ» (^١).\nومثاله: أنه كان يأكل بيمينه أو مما يليه، وأمر بذلك (^٢).\nالنوع الثاني: الفعل العادي.\nوهو ما فعله النبي ﷺ جريًا على عادة قومه ومألوفهم، مما لم يدل دليل على ارتباطه بالشرع.\nمثل: أنه ﷺ لبس المرط المرحل والمخطط، والجبة والعمامة والقباء، وأطال شعره، واستعمل القرب الجلدية في خزن الماء، ودفن الموتى في قبور محفورة في التراب دون المبنية بالحجارة.\nوحكم هذه الأمور العادية وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبلية، والأصل فيها جميعًا أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالتين:\n١ - أن يرد قول يأمر بها أو يرغب فيها، فيظهر حينئذ أنها شرعية.\n٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة فإن ارتباط ذلك في الشرع لا خفاء فيه.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٠٢٨) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.\n(^٢) رواه البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢)، من حديث عمر بن أبي سلمة مرفوعًا.","vol":"2","page":87},{"text":"النوع الثالث: الفعل في الأمور الدنيوية.\nوالمقصود بها: ما فعله ﷺ بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال له أو لغيره، أو دفع ضر كذلك.\nويشمل هذا النوع: الأفعال الطبية، كتناول أطعمة أو أشربة معينة على سبيل حفظ الصحة أو درء مرض معين له أو لغيره، كألبان الإبل وأبوالها، والحجامة، وإهراقة الماء عليه من سبع قرب لم تُحَلُّ أوكيتهم، وكوضع رماد حصيرعلى جرحه ليرقأ الدم، وكالتداوي بالريق مع التراب، ورفض أدوية معينة كاللدود والكي.\nوكذلك ما يفعله من أمور الزراعة والتجارة والصناعة، ورعي الغنم، والتدابير التي يتخذها في الحرب من استعمال المنجنيق والسهام وتربية الخيل وحفر الأنفاق.\nوحكم هذا النوع: أنه ليس تشريعًا ولا يلزم التقيد به، بل الأمور الحياتية والدنيوية مبناها على التجربة، لكن إن اقترن بالفعل أمر؛ فذلك يخرجه من باب الأفعال، ويعود النظر إلى الدليل القولي.\nالنوع الرابع: الأفعال الخارقة للعادة (المعجزات والكرامات):\nالمعجزة من فعل الله تعالى تأييدًا لرسوله ﷺ، فهي لا تنسب إلى الرسول إلا مجازًا، فلا يمكن تحقيقها بالاكتساب، ولا يمكن تحصيل","vol":"2","page":88},{"text":"أسبابها.\nالنوع الخامس: الأفعال الخاصة به ﷺ:\nالأصل في أفعاله ﷺ عدم الخصوصية؛ لأنه ﷺ مبعوث أسوةً بقوله وفعله، والخصوصية تمنع الاقتداء، فلا تجوز دعوى الخصوصية إلا بدليل.\nأدلة الخصوصية:\nيعلم أن حكم الفعل من خصائصه ﷺ بأمور:\nالأول: أن يرد في القرآن نص على الخصوصية والمنع من الاشتراك، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وكقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، على قول أن صلاة الليل كانت واجبة عليه، ولغيره مستحبة، وهو قول ابن عباس (^١).\nالثاني: أن يبين النبي ﷺ ذلك ويصرح به، كنهيه لهم عن الوصال لما واصل، وقال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربني ويسقيني» (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الماوردي (٣/ ٢٦٤).\n(^٢) رواه البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).","vol":"2","page":89},{"text":"وقال في دخول مكة مقاتلًا: «إن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (^١).\nالثالث: الإجماع على الخصوصية، كإجماعهم على تحريم الزيادة على أربعة نسوة، واختصاصه ﷺ بإباحة ذلك.\nفإذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ، فإنها تقتضي أن غيره ليس كحكمه، وذلك إجماع، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى (^٢).\nالنوع السادس: الفعل البياني.\nقال الآمدي: وأما ما عرف كون فعله بيانًا لنا، فهو دليل من غير خلاف، وذلك إما بصريح مقاله، كقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٣)، «خذوا عني مناسككم» (^٤)، أو بقرائن الأحوال وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل أو عام أريد به الخصوص، أو مطلق أريد به التقييد ولم يبينه قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلًا صالحًا للبيان، فإنه يكون بيانًا حتى لا يكون مؤخرًا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك كقطعه\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٠٤)، ومسلم (٣٥٤).\n(^٢) أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية للأشقر (٢٧٧).\n(^٣) رواه البخاري (٦٣١)، من حديث مالك بن الحويرث ﵁ مرفوعًا.\n(^٤) رواه البخاري (١٥٦)، ومسلم (١٢٩٧)، من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا.","vol":"2","page":90},{"text":"يد السارق من الكوع بيانًا لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة (^١).\nإشكال: قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «خذوا عني مناسككم» بيان للأمر بالصلاة في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والحج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهما واجبان، وفي أفعال النبي ﷺ في الصلاة والحج ما ليس بواجب؟!\nوالجواب عن ذلك من وجوه:\nالأول: جواب أبي يعلى الحنبلي أن الجزء الذي أجمعوا على أنه بيان يكون بيانًا، وإلا فلا، قال: ليس كل فعله ﷺ في الصلاة والصدقة بيانًا للجملة التي في الكتاب؛ لأنه لو صلى لنفسه لم يدل على أنه بيان، لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ولو تصدق بصدقة لم يدل على أنها مرادة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وإنما وجه البيان ما يجمع الناس على أنه من المكتوبات؛ لأن ما يفعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضًا، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بيانًا.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي بتصرف يسير (١/ ١٧٣، ١٧٤).","vol":"2","page":91},{"text":"الثاني: أن قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ورد في قصة ورود مالك بن الحويرث ورفاقه على النبي ﷺ، فهي إرشاد من النبي ﷺ لمالك ومن معه في مثل حاله ﵁ الذين أقاموا عشرين ليلة فقط، وحملهم الشوق إلى أهلهم على الرجوع ولم يسعفهم الوقت للتعلم والتفريق بين واجبات الصلاة وسننها، وما ليس من واجباتها ولا من سننها، فيقال له: اصنع مثل فلان من الناس، وفلان ممن يحسن الصلاة. فيشابه في الصورة دون القصد.\nالثالث: وهو جواب أبي شامة ﵀ قال: سلمنا أن الحديث يدل على أن صلاته ﷺ بيان، لكنها بيان للصلاة المطلوبة من المسلمين، بواجباتها وسننها وما يجوز فيها، فلماذا يحمل فعله ﷺ على أنه للواجب خاصة؟.\nبل الناتج من كون صلاته بيانًا؛ أن يكون كل فعل فعله ﷺ في الصلاة دائرًا بين هذه الأنواع الثلاثة، والعمدة في تمييز بعضها عن بعض إما القول، وإما الإجماع، وإما القرائن الأخرى، ولا يصلح الفعل وحده دليلًا؛ ولذلك قال الجصاص: أمرنا بالاقتداء به ﷺ على وصف، هو أن نصلي كما رأيناه يصلي، فنحتاج أن نعلم كيف صلى من ندب أو فرض فنفعل مثله.\nوأما حديث: «خذوا عني مناسككم»، فإن النبي ﷺ فعل في حجته","vol":"2","page":92},{"text":"أفعال الحج كلها من واجب ومندوب، ولا يتميز بالفعل واجبه من مندوبه، فلا يصل الفعل بيانًا في ذلك، والتفريق لا بد له من وجه آخر (^١).\nالرابع: أن الأصل أن الافعال الواردة في الصلاة والحج على الوجوب، وما خرج خرج بنص.\nالنوع السابع: الفعل المجرد.\nوهو المجرد عن القرائن بالأمر أو الندب أو التخصيص.\nقال الآمدي: وأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيًا ولا إثباتًا، فإما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا يظهر، فإن ظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه:\nفمنهم من قال: إن فعله ﵇ محمول على الوجوب في حقه وفي حقنا. كابن سريج، والاصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران، والحنابلة، وجماعة من المعتزلة.\nومنهم من صار إلى أنه للندب، وقد قيل: إنه قول الشافعي. وهو اختيار إمام الحرمين.\n_________\n(^١) أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية للأشقر (٢٩٤ - ٣٠٠).","vol":"2","page":93},{"text":"ومنهم من قال: إنه للإباحة. وهو مذهب مالك.\nومنهم من قال بالوقف، وهو مذهب جماعة من أصحاب الشافعي كالصيرفي والغزالي، وجماعة من المعتزلة.\nوأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا أيضًا فيه على نحو اختلافهم فيما ظهر فيه قصد القربة، غير أن القول بالوجوب والندب فيه أبعد مما ظهر فيه قصد القربة والوقف والإباحة أقرب.\nقال: والمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق، فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى؛ فهو دليل في حقه ﵇ على القدر المشترك بين الواجب والمندوب، وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن الإباحة وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج خارجة عنه، وكذلك في حق أمته، وما لم يظهر فيه قصد القربة فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير وكذلك عن أمته (^١).\nومن أراد الأمثلة الكثيرة على هذين النوعين وغيرهما، فليراجع صحيح ابن حبان المسمى «التقاسيم والأنواع» القسم الخامس وهو الأفعال.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ١٧٤).","vol":"2","page":94},{"text":"وكذلك فليرجع إلى باب الكاف خاصة «كان»، من كتاب «الجامع الصغير» للسيوطي.\n\n*<span data-type='title' id=toc-325> القسم الثالث: تقرير النبي ﷺ</span>-:\nوصورته: أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول قيل بين يديه أو في عصره، أو فعلٍ فعل بين يديه أو في عصره، وهو عالم به قادر على إنكاره.\nفسكوته ﷺ لا يخلو من أمرين:\nالأول: أن يكون هذا الفعل أو القول علم قبحه وتحريمه من قبل، وهذا له حالتان:\nالأولى: أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله، وعلم من النبي ﷺ الإصرار على قبح ذلك العمل وتحريمه، كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، فالسكوت لا يدل على جوازه وإباحته إجماعًا، ولا يوهم كونه منسوخًا.\nالثانية: أن لا يعلم إصرار ذلك الفاعل على فعله، ولا يعلم الإصرار على التحريم، فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه عن ذلك الشخص وغيره على الراجح؛ لأن التحريم إذا ارتفع في حق واحد ارتفع في حق الكل، فيدل ذلك على الجواز؛ لأن تأخير البيان عن","vol":"2","page":95},{"text":"وقت الحاجة لا يجوز.\nالثاني: إن لم يكن النبي ﷺ قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل ولا عرف تحريمه، فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه، لا سيما إن وجد منه استبشار وثناء على الفاعل؛ فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه. وذلك مثل أكل الضب بين يديه (^١).\nوقال الشوكاني: ومما يندرج تحت التقرير إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا. وأضافه إلى عصر رسول الله ﷺ، وكان مما لا يخفى مثله عليه (^٢).\nتنبيه: من أنواع البيان بالسنة: البيان بالترك.\nالترك: هو عدم فعل المقدور عليه.\nوالترك معدود من الأفعال المكلف بها، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدمي لا وجود له.\nوالدليل على أن الترك فعل: قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩].\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (١/ ١٨٨، ١٨٩).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ١٥٤).","vol":"2","page":96},{"text":"فسمى الله تعالى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا، وذمهم على هذا الفعل، فقال سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]، فسمى الله تعالى عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، والصنع أخص مطلقًا من الفعل، والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة، يقال: سيف صنيع. إذا جود عمله (^١)، فدل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل بدليل تسميته له صنعًا.\nومما يستدل به على أن الترك فعل يثاب ويعاقب عليه: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فعوقبوا بترك البيان للناس، ونشر العلم الذي تعلموه.\nوالدليل من السنة قوله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (^٢).\n_________\n(^١) القرطبي (٣/ ٥٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه البخاري (١١)، ومسلم (٤٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وأخرجه مسلم (٤١) من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"2","page":97},{"text":"فسمى ترك الأذى إسلامًا وهو يدل على أن الترك فعل.\nوقال السبكي في طبقاته: أن قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] يدل على أن الترك فعل، قال: لأن الأخذ التناول، والمتروك المهجور، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي فعلوا تركه (^١).\n• ويمكن تقسيم الترك إلى قسمين:\n\n*<span data-type='title' id=toc-326> القسم الأول: ما تركه النبي ﷺ من أمور العادات أو الأمور الجبلية:</span>\nكترك لباس معين، أو طعام معين، أو ركوب دابة معينة من غير أن يقترن بذلك الترك نهي، فحكم ذلك المتروك أنه على الإباحة الأصلية، ولا يجب تركه ولا يتعبد بتركه.\nمثال ذلك:\n١ - ما ترك من الأطعمة: تركه أكل الضب، فعن ابن عباس ﵁ قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه لم\n_________\n(^١) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (٣٩).","vol":"2","page":98},{"text":"يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»، قال خالد: فاجتررته، فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر، فلم ينهني (^١).\nمن ذلك أيضًا عن أنس بن مالك قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان، ولا في سكرجةٍ، ولا خبز له مرقق، قلت لقتادة: علام يأكلون؟ قال: على السفر (^٢).\nوالخوان: هو المائدة ما لم يكن عليها طعام، وجمعه أخونة وخون.\nوسكرجةٍ: قال ابن مكي: هي صحاف صغار يؤكل فيها، ومنها الكبير والصغير، كانت تستعملها العجم في الكوامخ، والجوارش للتشهي والهضم.\nقال ابن حجر: قال شيخنا في شرح الترمذي: تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم إذ ذاك، أو استصغارًا لها؛ لأن عادتهم الاجتماع على الأكل، أو لأنها كما تقدم كانت تعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم، ولم يكونوا غالبًا يشبعون فلم يكن لهم حاجة بالهضم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٥، (١٩٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٨٦، ٥٤١٥).\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٥٣٢).","vol":"2","page":99},{"text":"والخبز المرقق: قال عياض: مرققًا. أي مليئًا محسنًا كخبز الحواري وشبهه، والترقيق: التليين، ولم يكن عندهم مناخل (^١).\n٢ - ما كان تركه خاصًّا به ﷺ.\nومن ذلك تركه لأكل الثوم مع بيان سبب ذلك، وأنه خاص به ﷺ.\nفعن أبي أيوب الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه، وبعث بفضله إلي، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلة لم يأكل منها؛ لأن فيها ثومًا، فسألته: أحرام هو؟ قال: «لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه»، قال: فإني أكره ما كرهت (^٢)، وفي رواية: «فإني أناجي من لا تناجي» (^٣).\n٣ - ما كان الترك فيه من كريم أخلاقه ﷺ مع عدم النهي عن المتروك، فالتأسي به ﷺ في ذلك مستحب.\nومثاله: عن عائشة ﵂ قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله،\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٥٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٥٦٤) من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"2","page":100},{"text":"فينتقم لله ﷿» (^١).\n٤ - ما تركه لمصلحة راجحة مع أن الفعل أولى لولا وجود هذه المصلحة.\nمثال: ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم من أجل حداثة قريش بجاهلية (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-327> القسم الثاني: الترك في باب العبادات.</span>\nوينقسم إلى أنواع:\nالأول: ما تركه ﷺ لمصلحة الأمة مع فعله له أحيانًا ثم تركه خشيةً أن يفرض، كترك القيام في رمضان جماعة بأصحابه رحمة بأمته (^٣)، فهذا الفعل لا يترك لزوال المانع، وهو انقطاع الوحي.\nالثاني: ما تركه من باب العقوبة، كتركه الصلاة على صاحب الدين (^٤)، وعلى الغال (^٥) من باب العقوبة لهما، والترهيب من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٦، ١٥٨٤)، ومسلم (١٣٣٣) من حديث عائشة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٣١، ٦١١٣)، ومسلم (٧٨١) من حديث زيد بن ثابت.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢٨٩، ٢٢٩٥) من حديث سلمة بن الأكوع.\n(^٥) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود (٢٧١٠)، وابن ماجة (٢٨٤٨)، والحميدي (٨٣٤)، وغيرهم عن زيد بن خالدٍ الجهني، أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صلوا على صاحبكم». فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غل في سبيل الله». ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين.\nوهو حديث ضعيف مداره على أبي عمرة مولى زيد بن خالد وهو مجهول.","vol":"2","page":101},{"text":"صنيعهما، فهذا يشرع لأهل الفضل والعلماء التأسي به.\nالثالث: الترك البياني أو التشريعي.\nكتركه عبادة مع قدرته عليها، فهذا الترك واجب، بل إن فعل عبادة لم يفعلها ﷺ يكون بدعة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، مثل تركه الأذان للعيدين (^١)، وتركه الاحتفال بمولده ﷺ، وكتركه ﷺ لهيئة معينة في أداء عبادة، فهذا الترك واجب الاتباع.\nومثل تركه صلاة الفريضة على الراحلة، فعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه يومئ برأسه (^٢).\nوفي رواية: (إلا الفرائض) (^٣)، وفي رواية: (غير أنه لا يصلي عليها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٤٩، ٧٣٢٥) من حديث ابن عباس.\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٠٥)، ومسلم (٧٠٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٠٠).","vol":"2","page":102},{"text":"المكتوبة) (^١).\nقال ابن دقيق العيد: قد يتمسك به في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة، وليس ذلك بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك بدليل على الامتناع، وكذا الكلام في قوله: إلا الفرائض. فإنه إنما يدل على ترك هذا الفعل، وترك الفعل لا يدل على امتناعه كما ذكرنا، وقد يقال: إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين، فترك الصلاة لها على الراحلة دائمًا مع فعل النوافل على الراحلة يشعر بالفرقان بينهما في الجواز وعدمه (^٢).\nقال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر (^٣).\nقلت: ولعل مستند الإجماع ترك النبي ﷺ صلاة الفريضة على الراحلة مع حاجته لها في السفر، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٠٠).\n(^٢) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٣١).\n(^٣) شرح عمدة الأحكام مع حاشية الصنعاني (٢/ ١٦٦).","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>الفصل الثالث:\nالإجماع</span>","vol":"2","page":105},{"text":"الإجماع\n\n*<span data-type='title' id=toc-329> تعريف الإجماع لغة واصطلاحًا.</span>\nالإجماع لغة: مادة «جمع» الجيم والميم والعين أصل يدل على تضام الشيء، ومنه «الإجماع» بمعنى الإعداد والعزيمة على الأمر إذا تعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أما إن تعدى بحرف الجر «على» فيكون بمعنى الاتفاق. يقال: أجمعوا عليه إذا اتفقوا عليه، وهذا أمر مجمع عليه أي متفق عليه (^١).\nالإجماع اصطلاحًا: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في حادثة على أمر من الأمور في عصر من الأعصار (^٢).\nفقوله: «اتفاق» قيد يخرج ما لو خالف واحد أو اثنان ممن يعتبر قوله في الإجماع، فليس بإجماع.\nقوله: «مجتهدي أمة محمد ﷺ» يخرج:\n_________\n(^١) لسان العرب مادة ج-م-ع (٨/ ٧٥) ط دار صادر، معجم مقاييس اللغة لابن فارس (١٠/ ١٧٩) ط دار الفكر.\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٤٣٦).","vol":"2","page":107},{"text":"١ - من لم يكن من أهل الاجتهاد كالصبيان والمجانين والعوام والمقلدين، فلا يعتبر قولهم في الإجماع، وعدم اعتبار قول العامي المكلف، ويلحق به طلبة الفقهاء الذين لم يبلغوا رتبة النظر والاستدلال الاجتهادي، وهو قول الأكثر من الأصوليين، والفقهاء الأئمة الأربعة، وغيرهم، خلافًا للقاضي أبي بكر الباقلاني حيث قال: اعتبر موافقة العامي؛ لأن لفظ الأمة يعمه، والجواب على قوله من وجهين:\nالأول: أن قول العامي غير مستندٍ إلى دليل، وإلا لم يكن عاميًّا، وما ليس مستندًا إلى دليل، يكون جهلًا وخطأ لأن الشرع حرم القول بغير علم.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، إذ كيف يأمرهم بسؤال العلماء، ثم يجعلهم كالأمراء عليهم، لا ينفذ قولهم إلا بموافقتهم هذا بعيد جدًّا (^١).\n٢ - لا يعتبر في الإجماع بقول كافر - سواء كان بتأويل أو غيره- حتى لو كان من أعلم الناس بعلوم الشريعة كالمستشرقين مثلًا.\n٣ - لا يعتد بقول الفاسق بقول أو فعل أو اعتقاد، وإليه ذهب القاضي وجماعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣٣، ٣٥).","vol":"2","page":108},{"text":"[البقرة: ١٤٣]، أي عدولًا وهو ليس بعدل، ولأنه لا يقبل منفردًا، فلا يقبل مع غيره.\nوقال أبو خطاب: يعتبر قول الفاسق لدخوله في عموم الأمة والمؤمنين (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-330> كيف يعلم الإجماع؟</span>\n١ - يعلم الإجماع بطريق النقل والأخبار كنقل صاحب المغنى وابن حزم وابن تيمية، وغيرهم الإجماع فى بعض المسائل.\n٢ - يعلم بطريق المشافهة أى السؤال لكل العلماء عن مسألة فإن اتفقوا يكون إجماعًا.\nتنبيه: الإجماع فى عصر من العصور يُلزَم به كل من أتى بعده لأن الإجماع يعتبر إجماع الأمة، ولو كان فى عصرٍ واحد من العصور.\n\n*<span data-type='title' id=toc-331> شروط الإجماع:</span>\n١ - أن يكون من كل المجتهدين الموجودين فى ذلك العصر.\n٢ - أن يكونوا مسلمين.\n٣ - أن يكون بعد وفاة النبى ﷺ.\n_________\n(^١) مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (١٤٦).","vol":"2","page":109},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-332> إمكانية الإجماع:</span>\nقال أبوالمظفر السمعاني: الإجماع ممكن وانعقاده متصور، وقال قوم انعقاد الإجماع غير متصور وغير ممكن، وهذا باطل؛ لأنه لما كان الإجماع في الأخبار المستفيضة ممكنًا وجب أن يكون الإجماع باعتقاد الأحكام ممكنًا؛ لأنه كما يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم على الأخبار المستفيضة يوجد أيضا سبب يدعو إلى إجماعهم باعتقاد الأحكام يدل عليه أن من تبين بشرع فإنه لا يستجيز كتمانه إلا عن تقية في بعض المواضع، فأما إذا لم يكن هناك تقية ولا خوف فإنه لا يستجيز كتمانه وإخفاءه، وإذا ثبت هذا إذا اجتمعت الجماعة على اعتقاد أو حكم، واستفاض ذلك فيما بينهم، أو لم ينكر أحد منهم ذلك لو خلوا اعتقد أحد منهم خلاف ذلك لأنكره إما صريحًا أو تعريضًا، فصارعدم الخلاف منهم دليلًا على وجود الإجماع (^١).\nفلا خلاف بين العلماء في إمكان الإجماع عقلًا؛ لأن اتفاق المجتهدين في عصر على حكم لا يمتنع عقلًا، ولا خلاف في تصوره، وإمكانه في ضروريات الأحكام.\nأما في غير ذلك وهو: الإجماع على الأحكام التي لا تكون معلومة\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ٤٦١).","vol":"2","page":110},{"text":"بالضرورة بأن كان الإجماع عن مستند ظني، فقد اختلف العلماء في إمكانه على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الإجماع ممكن، أي: إجماع المجتهدين من أُمَّة محمد ﷺ في عصر من العصور ممكن عادة.\nوهو مذهب جمهور العلماء.\nوهو الصحيح؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: الوقوع، حيث إن الإجماع وقع فعلًا، ولا أدل على الإمكان من الوقوع، وأمثلة وقوع الإجماع كثيرة، ومنها:\n١ - الاجماع على حرمة شحم الخنزير كلحمه.\n٢ - الإجماع على حجب ابن الابن بالابن.\n٣ - الإجماع على تقديم الدَّين على الوصية.\n٤ - الإجماع على أنه لا زكاة في أعيان الشجر.\n٥ - الإجماع على أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء هو الفعل مرة واحدة.\n٦ - الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة لا يجوز الوضوء منه.","vol":"2","page":111},{"text":"وغير ذلك من الأمثلة.\nفهذا دليل واضح على انعقاد الإجماع بالفعل فضلًا عن إمكانه.\nالدليل الثاني: أنه كما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب، فكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم، ولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما.\nالدليل الثالث: أن الأصل الإمكان، فيستمر هذا الأصل ويتمسك به لعدم وجود ما يمنعنا من استصحابه.\nالمذهب الثاني: أن الإجماع مستحيل عادة، فهو غير ممكن.\nذهب إلى ذلك بعض النظامية، وبعض الشيعة، وبعض الخوارج.\nدليل هذا المذهب:\nاستدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن أهل الإجماع قد انتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الانتشار يمنع نقل الحكم إليهم عادة، وإذا امتنع نقل الحكم امتنع الاتفاق الذي هو وقوع تساويهم في نقل الحكم إليهم.\nوجوابه:\nبأن أهل الإجماع عدد قليل معروفون بأعيانهم، وهم المجتهدون، وعليه فيمكن أن ينقل الحكم إلى جميعهم، ولا يخفى على واحد من","vol":"2","page":112},{"text":"المجتهدين، ثم إن أهل الإجماع يكونون عادة أهل جد وبحث، وليسوا خاملين، فالمطلوب لا يخفى على الطالب الجاد، وإنما يمتنع ذلك لمن قعد في عقر داره لا يبحث ولا يطلب، وهذا قد ينزله عن درجة الاجتهاد (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-333> أثر التقنية الحديثة في إمكان انعقاد الإجماع، والاطلاع عليه ونقله:</span>\nما نقل عن بعض الأئمة من تعذر وقوع الإجماع والاطلاع عليه في العصور المتأخرة بعد عصر الصحابة كقول الإمام أحمد ﵀: من ادَّعى الإجماع فقد كذب.\nفهي محمولة عند البعض على عدم إمكانية معرفة الإجماع والاطلاع عليه -هذه الأقوال- على واقع ذلك العصر، فقد كانت السبل المعتادة لمعرفة رأي العالم هي لقاؤه، والاجتماع به والسماع منه مشافهة، أو بواسطة نقل الثقة، أو عن طريق الكتب أو الرسائل، مع اتساع رقعة العالم الإسلامي، وانتشار العلماء وضعف الاتصال بينهم.\nأما في هذا العصر فقد تغير الحال، وتبدلت الظروف، وتقدمت وسائل الاتصال تقدمًا مذهلًا، وأصبح العالم كالقرية الصغيرة، وأصبح\n_________\n(^١) المهذب للدكتور النملة (٢/ ٨٤٧).","vol":"2","page":113},{"text":"الاطلاع على أقوال المجتهدين أمرًا ممكنًا إما مشافهة عن طريق السفر إليهم بوسائل المواصلات الحديثة، أو بالتواصل معهم عبر الهاتف، أو الفاكس، أو البريد الإلكتروني، أو عبر الشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، والأجهزة الذكية التي يمكن من خلالها إجراء المحادثة بين شخصين أو أكثر بالصوت والصورة.\nولعل مما يؤكد أثر تغير الأحوال في الاجتهاد في هذه المسألة: أن القائلين بالإمكان في الأزمنة الماضية فرضوا في ثنايا مناقشاتهم للقول الآخر «أي القول القائل بعدم إمكان وقوع الإجماع» صورًا ذهنية ليست متحققة في ذلك الزمان بهدف إثبات أن هذا الأمر وإن بدا مستحيلًا في بعض الأحيان إلا أنه قد يبدو ممكنًا في أحوال أخرى.\nقال إمام الحرمين الجويني في معرض مناقشته لأقوال المانعين:\nثم قال القاضي: لا يمتنع تصور ملك تنفذ عزائمه في خطة أهل الإسلام إما باحتوائه على البيضة، أو بعلو قدره، واستمكانه من إحضار من يشاء من المماليك بجوازم أوامره المنفذة إلى ملوك الأطراف، وإذا كان ذلك ممكنًا، فلا يمتنع أن يجمع مثل هذا الملك علماء العالم في مجلس واحد، ثم يلقي عليهم ما عَنَّ له من المسائل، ويقف على خلافهم ووفاقهم، فهذا وجه في التصوير بيِّن لا يتوقف تصوره على فرض خرق العادة.","vol":"2","page":114},{"text":"ثم قال الجويني: وما صوره القاضي من إحضار جميع العلماء ليس منكرًا، فقد تكون أطراف المماليك في حق الملك العظيم كأنها بمرأى منه ومسمع، فلا يبعد ما قاله على ما صوره (^١).\nولعل من أبرز الأمثلة التي تدل على إمكانية حدوث الإجماع في هذا الزمان والاطلاع عليه ونقله: اتفاق مجتهدي العصر على أحكام بعض النوازل، وانتشار ذلك، وعدم وجود مخالف، كاتفاقهم على تحريم المخدرات، والاستنساخ البشري، وأن النقود الورقية تأخذ أحكام الذهب والفضة، وغيرها (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-334> أدلة حجية الإجماع:</span>\nالدليل الأول: قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوجه الاستدلال:\nقال الإمام الجصاص: هذه الآية دالة على حجية الإجماع من وجهين:\nأحدهما: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:\n_________\n(^١) البرهان للجويني (١/ ٢٦٠، ٢٦١).\n(^٢) النوازل الأصولية للدكتور أحمد بن عبد الله الضويحي (٥٢).","vol":"2","page":115},{"text":"١٤٣]، والوسط: العدل. يعني: هم عدول، فلما وصف الله تعالى الأمة بالعدالة؛ اقتضى ذلك قبول قولها وصحة مذهبها.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فجعلهم شهداء على من بعدهم، كما جعل الرسول شهيدًا عليهم، ولا يستحقون هذه الصفة إلا وقولهم حجة وشهادتهم مقبولة، كما أنه لما وصف الرسول بأنه شهيد عليهم بقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أفاد به أن قوله ﷺ حجة عليهم وشهادته صحيحة (^١).\nثالثًا: عندما يتكلم الله عن الأمة أو عن إجماع الأمة يصفها بما وصف به النبى ﷺ، والنبى معصوم؛ فدل ذلك على أن الأمة معصومة فى مجموعها لو أجمعت على أمر لابد أن يكون صوابًا؛ لذلك يقول الله تعالى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فوصفهم بما وصف به النبى وهى الشهادة، وإن الله تعالى رضى شهادتهم.\nوهذا دليل عام فى كثير من المسائل، فالأمة يصفها الله تعالى فى أكثر\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه للدكتور محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٠)، فصلًا من الفصول في الأصول للجصاص (٣/ ٢٥٨).","vol":"2","page":116},{"text":"من دليل بما وصف به النبى ﷺ، فالله جعل الأمة شهيدة وجعل النبى شهيدًا، والشهيد الذى يرضى الله شهادته لابد أن تكون شاهدته شهادة حق لا خطأ فيها؛ فهذا دليل على عصمة الأمة فى اجتماعها، وكذلك فى قوله تعالى وهو يصف رسوله ﷺ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ووصف الأمة أيضًا بذلك فقال سبحانه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فدل على عصمة الأمة في اجتماعها على الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر كعصمة النبى فى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.\nرابعًا: قال ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أى على العمل: صالح أم غيرصالح، والبحث هنا فى حكم العمل: يعنى هذا العمل الصحيح ما حكمه هل هو واجب أم مندوب أم مباح؟ أى درجة العمل، فالصلاة فى أصلها عمل صالح وحكمها واجب، وكذلك الزنا فى أصله عمل غير صالح وحكمه محرم، والأعلى هو أصل العمل؛ لأنه هو الذى سيترتب عليه الحكم لذلك كان هو أولى وأعلى من حكم العمل، وفى قوله تعالى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أى فى أصل العمل","vol":"2","page":117},{"text":"فالله جعلهم شهداء فى أصل عمل الأمم هل عملهم صالح أم غير صالح اتبعوا النبيين أم لا؟ إذًا فالله رضي شهادتهم على أصل العمل فمن باب أولى أن نرضى شهادتهم فى حكم العمل.\nالدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والآية تدل على أن ما اتفقوا عليه حقٌ وذلك بمفهوم المخالفة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فإن لم نتنازع دل على أننا لا نحتاج أن نرده أى لا نحتاج أن نبحث له عن دليل لأن الإجماع فى نفسه دليل.\nالدليل الثالث: قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، الحكم العام للأمة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذا يدل على حجية الإجماع؛ لأن الله تعالى بين أن الأمة لا تأمر بمنكر أبدًا ولا تنهى عن معروف أبدًا، فكل ما أمرت به الأمة هو معروف وكل ما نهت عنه الأمة فهو منكر، وكذلك وصف الأمة بما وصف به النبى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكذلك الأمة، وهو معصوم","vol":"2","page":118},{"text":"وكذلك الأمة.\nقال الإمام ابن تيمية: وهذا يدل على أن إجماع هذه الأمة حجة؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط واجب، أو تحريم حلال، أو إخبار عن الله تعالى أو خلقه بباطل؛ لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهي عن معروف من الكلم الطيب والعمل الصالح، بل الآية تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف، وما لم تنه عنه فليس من المنكر، وإذا كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر، فكيف يجوز أن تأمر كلها بمنكر أو تنهى كلها عن معروف؟! (^١).\nالدليل الرابع: قال تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nومن أوجه الاستدلال هنا:\n١ - أنه سبحانه جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة، ومتابعة غير\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه للدكتور محمود عبد الرحمن (٢/ ٦١).","vol":"2","page":119},{"text":"سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة (^١).\n٢ - قوله تعالى ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فسبيل المؤمنين هذا معرف بالإضافة فيفيد العموم أى كل سبيل، وكذلك كلمة المؤمنين (ال) الموصولة أى كل المؤمنين، والمعنى كل سبيل لكل المؤمنين، وهذا يدل على الإجماع فلو اجتمع كل المؤمنين على أى سبيل دل على أنه هو السبيل الحق، ولا يجوز لأي إنسان أن يتبع سبيلًا غيره وإلا كان الوعيد فى الآية مصيره ونهايته.\n٣ - الواو فى قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تقتضى التشريك فى الحكم أى اشتراك المتعاطفين فى الحكم، والحكم هو قوله تعالى ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فمن يقع فى إحدى هاتين الخصلتين من مشاقة الرسول أو اتباع غير سبيل إجماع المؤمنين عليه هذا العقاب.\n٤ - إذا رتب الله العقاب على مجموع دل على أن المجموع له تأثير فى الذنب، فكل جزء من المجموع له أثر فى الذنب فمن اتبع غير سبيل\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٢٣٩).","vol":"2","page":120},{"text":"المؤمنين حتى ولو لم يشاقق الرسول له وعيد من هذا العقاب، والمعنى أن ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ فعقابه ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وكذلك أن من ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعقابه ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.\n٥ - فعل الشرط مرتبط بجواب الشرط فمتى تحقق فعل الشرط تحقق الجواب، وفعل الشرط فى الآية ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ففعل الشرط\" يشاقق ويتبع\"، فيترتب على هذه الأفعال الجواب الآتى، وهو ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، فجواب الشرط يتحقق بفعل الشرط.\nالدليل الخامس: حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (^١).\nقال النووي: وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي ﷺ إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث، وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٢٠)، وله شواهد في الصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة.","vol":"2","page":121},{"text":"استدل به له من الحديث، وأما حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (^١) فضعيف، والله أعلم (^٢).\nووجه الاستدلال: أن هذه الطائفة هي بعض الأمة، وإذا أجمعوا على شيء قطعًا ستكون منهم هذه الطائفة؛ فيكونون قد أصابوا الحق.\n_________\n(^١) أسانيده ضعيفة وصح موقوفًا على أبي مسعود البدري ﵁: أخرجه الترمذي (٢١٦٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٠) من حديث ابن عمر مرفوعًا، ومداره على سليمان بن سفيان المدني وهو منكر الحديث، وأنكر هذا الحديث وضعفه: \" البخاري كما في علل الترمذي (٥٩٧)، والترمذي كما في السنن (٢١٦٧)، والدارقطني كما في العلل (٢٨١٨)، وأبو نعيم كما في الحلية (٣/ ٣٧)، وأخرجه ابن ماجه (٣٩٥٠)، وعبد بن حميد (١٢٢٠) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا، وفيه معان بن رفاعة الأسلمي ضعيف الحديث وأبو خلف الأعمى متروك الحديث، وكذبه ابن معين، ورواه ابن أبي عاصم في السنة (٨٣) من طريق قتادة عن أنس لكن مداره على مصعب بن إبراهيم القيسي منكر الحديث واستنكره عليه الذهبي في الميزان، وأخرجه أحمد (٢٧٢٢٤) والطبراني (٢١٧١) من حديث أبي بصرة الغفاري مرفوعًا، وفيه راو لم يسم، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٨٢) من حديث كعب بن عاصم مرفوعًا، ومداره على سعيد بن زربي وهو منكر الحديث، وأخرجه الدارمي (٥٥) من حديث عمرو بن قيس مرسلا، وفيه عبد الله بن صالح ضعيف والإرسال من عمرو بن قيس، وصح عن أبي مسعود موقوفًا كما عند ابن أبي شيبة (٣٧٨٧٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٥)، والله أعلم.\n(^٢) شرح النووي على مسلم.","vol":"2","page":122},{"text":"الدليل السادس: عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم» (^١).\nقال الشافعي: وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين إن شاء الله لازم (^٢).\nالدليل السابع: العقل:\n١ - أن أهل الباطل قد يجتمعون على باطلهم، ولا يمنع العقل من ذلك، فمن باب أولى أهل الحق.\n٢ - إن القول بأن الأمة يجوز أن تجتمع على غير الحق فيه إثبات أن الحق قد يضيع ويغيب فى زمن ما، وهذا يعنى أن الدين لم يحفظ فى هذا الزمن، وهذا يناقض قول الله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر].\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٤١٥٧)، والترمذي (٢٦٥٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وله شواهد عدة.\n(^٢) الرسالة للشافعي (٤٠٣).","vol":"2","page":123},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-335> مستند الإجماع:</span>\nقال الإمام السمعاني: اعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل يوجب ذلك؛ لأن اختلاف الآراء أو الهمم يمنع من الاتفاق على شيء إلا عن سبب يوجب ذلك، وهذا مثل اتفاق الناس على أكلهم عند الجوع، وشربهم عند العطش، ولبسهم عند العري كان عن سبب، وهذه أمور طبيعية كانت عن سبب طبيعي، وكذلك الأمور الدينية لا تكون إلا عن سبب ديني.\nويجوز أن يتفقوا عن دليل على حكم الحادثة، وتكون على الحكم دلائل سواه، ويجوز أن يختلفوا في الأدلة مع اتفاقهم على الحكم، فلا يكون اختلافهم في الأدلة مانعًا من إجماعهم على الحكم.\nوإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن دليل، فلا خلاف أنه ينعقد الإجماع عن الكتاب والسنة، ثم إذا كان الإجماع عن نص غير محتمل من كتاب أو خبر متواتر؛ كان الحكم والقطع بصحته ما يتبين بالنص، فلم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهما، وإن كان النص خبر واحد وأجمعوا به؛ كان الحكم ثابتًا بالظاهر، وكان نفي الاحتمال من الظاهر والقطع بصحة الحكم ثابتين بالإجماع.\nذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يجوز انعقاد الإجماع عن القياس، وقالوا: لا فرق بين القياس الجلي والخفي في ذلك. وخالف","vol":"2","page":124},{"text":"في ذلك الإمام ابن جرير الطبري.\nوالدليل على وجود ذلك ووقوعه: إجماع الصحابة على قتال أهل الردة، وقد كان ذلك من طريق الاجتهاد، فإن أبا بكر - رضوان الله عليه - قال: لا أفرق بين ما جمع الله بينهم. فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب قتال المخل بها، ولو كان معهم في قتال مانعي الزكاة نص لنقلوه.\nواتفق الصحابة أيضًا على إمامة أبي بكر، وقد كان ذلك بطريق الاجتهاد، فإنهم استدلوا في إمامة أبي بكر ﵁ بتقديم النبي ﷺ إياه في الصلاة.\nوقد أجمع الصحابة أيضًا على توريث الجدتين للسدس، قال عمر ﵁: إن اجتمعتما فهو لكما، وأيتكما انفردت به فهو لها (^١).\nوقال ابن القطان: وأجمعوا على أن الجدتين إذا اجتمعتا وقرابتهما\n_________\n(^١) صحيح لشواهده، أخرجه الترمذي (٢١٠٠)، من حديث أبي بكر الصديق مرفوعًا، وفي سنده ضعف، وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت عند أحمد. ومن حديث بريدة الأسلمي، أخرجه أبو داود (٢٨٩٥)، والنسائي (٦٣٣٨). ومن حديث ابن عباس عند ابن ماجه (٢٧٢٥). ومن حديث معقل بن يسار عند الدارقطني (٤/ ٩١)، والبيهقي (٦/ ٢٣٥)، ومن حديث ابن مسعود عند الترمذي (٢١٠٢).","vol":"2","page":125},{"text":"سواء، وكلتاهما ممن يرث؛ أن السدس بينهما.\nوقال: ميراث الجدات لم يرجع فيه إلى ظاهر الكتاب ولا إلى ظاهر سنة منقولة ثابتة بخبر الانفراد، وإنما رجع في ذلك إلى الاتفاق (^١).\nوأجمعت الأمة أيضًا على تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-336> مسألة: هل يجب على المجتهد أن يبحث عن مستند الإجماع أم لا؟</span>\nقال الأستاذ أبو إسحاق: لا يجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به، فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة.\nقال أبو الحسن السهيلي: إذا أجمعوا على حكم ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره، فإنه يجب المصير إليه؛ لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة ولا يجب معرفتها (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-337> أنواع الإجماع:</span>\nالأول: الإجماع القطعي.\nوهو ما وجد فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها\n_________\n(^١) الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن بن القطان (٢/ ١٠١، ١٠٢).\n(^٢) انظر القواطع في أصول الفقه للسمعاني (٤٧٥).\n(^٣) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٢٥٣).","vol":"2","page":126},{"text":"ونقل تواترًا، وكان اتفاق مجتهدي الأمة جميعهم عليه نطقًا، بمعنى أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة نفيًا أو إثباتًا، ويقطع فيه بانتفاء المخالف، وهذا لا يجوز إنكاره بعد ثبوته.\nكل معلوم من الدين بالضرورة مجمع عليه دون العكس، ولذا لم يكفروا منكر أي إجماع، وإنما كفروا منكر المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يختص ذلك بالواجبات والمحرمات، بل لو أنكر من المباحات ما هو من هذا القبيل لكفر.\nقال القرافي: وجحد ما علم من الدين بالضرورة كجحد الصلاة والصوم، ولا يختص ذلك بالواجبات والقربات، بل لو جحد بعض الإباحات المعلومة بالضرورة كفر، كما لو قال: إن الله لم يبح التين ولا العنب. ولا يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لا بد أن يكون المجمع عليه مشتهرًا في الدين حتى صار ضروريًّا، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعًا لا يعلمها إلا خواص الفقهاء، فجحد مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفرًا، بل قد جحد أصل الإجماع جماعة كبيرة من الروافض والخوارج كالنظام، ولم أر أحدًا قال بكفرهم، من حيث إنهم جحدوا أصل الإجماع (^١).\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه للدكتور محمود عبد الرحمن (٢/ ٦١).","vol":"2","page":127},{"text":"النوع الثاني: الإجماع الظني.\nوهو ما اختل أحد القيدين، وهما اجتماع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، وأن ينقل متواترًا.\nفالإجماع الظني إما أن يوجد على وجه مختلف فيه وينقل متواترًا، أو يكون متفقًا عليه لكن ينقل آحادًا؛ لذلك لا يقطع فيه بانتفاء المخالف كالذي يعلم بالتتبع والاستقراء، ويشترط العلماء فيمن ينقل الإجماع بالتتبع والاستقراء أن يكون هذا العالم واسع الاطلاع.\n\n*<span data-type='title' id=toc-338> الفرق بين الإجماع القطعى والإجماع الظنى:</span>\nالإجماع القطعى: يقطع فيه بانتفاء المخالف، أما الإجماع الظنى: لا يقطع فيه بانتفاء المخالف.\nمسألة: قول القائل: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في كذا.\nقال الصيرفي: لا يكون إجماعًا؛ لجواز الاختلاف، وكذا قال ابن حزم في «الإحكام»؛ وقال في كتاب «الإعراب»: إن الشافعي نص عليه في «الرسالة»، وكذلك أحمد بن حنبل.\nوقال ابن القطان: قول القائل: لا أعلم خلافًا. إن كان من أهل العلم فهو حجة، وإن لم يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة.","vol":"2","page":128},{"text":"وقال الماوردي: إذا قال: لا أعرف بينهم خلافًا. فإن لم يكن من أهل الاجتهاد وممن أحاط بالإجماع والاختلاف، لم يثبت الإجماع بقوله، وإن كان من أهل الاجتهاد فاختلف أصحابنا فأثبت الإجماع به قوم، ونفاه آخرون.\nقال ابن حزم: وزعم قوم أن العالِم إذا قال: لا أعلم خلافًا. فهو إجماع، وهو قول فاسد، ولو قال ذلك محمد بن نصر المروزي فإنا لا نعلم أحدًا أجمع منه لأقاويل أهل العلم، ولكن فوق كل ذي علم عليم. وقد قال الشافعي في زكاة البقر: لا أعلم خلافًا في أنه ليس في أقل من ثلاثين منها تبيع. والخلاف في ذلك مشهور، فإن قومًا يرون الزكاة على خمس كزكاة الإبل.\nوقال مالك في «موطأه» - وقد ذكر الحكم برد اليمين-: وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من الناس، ولا بلد من البلدان، والخلاف فيه شهير، وكان عثمان ﵁ لا يرى رد اليمين، ويقضي بالنكول، وكذلك ابن عباس، ومن التابعين الحكم وغيره، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه، وهم كانوا القضاة في ذلك الوقت، فإذا كان مثل من ذكرنا يخفى عليه الخلاف فما ظنك بغيره (^١).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (١/ ٢٧٨، ٢٧٩).","vol":"2","page":129},{"text":"ومن أنواع الإجماع:\nالإجماع العملي: وهو أن يتعامل المجتهدون جميعًا في عصر ما بمعاملة من غير نكير منهم، فيدل ذلك على إجماعهم على جوازها.\nمثال: تعاملهم بالمساقاة، فإن عملهم هذا يدل على جواز المجمع عليه، ولا يفيد الوجوب إلا بقرينة تدل على الوجوب.\nومن أمثلة الإجماع العملي:\n١ - جواز عقود الاستصناع.\nقال ابن الهمام: القياس أن الاستصناع لا يجوز، وهو قول زفر والشافعي؛ إذ لا يمكن جعله إجارة؛ لأنه استئجار على العمل في ملك الأجير، وذلك لا يجوز، كما لو قال: احمل طعامك من هذا المكان إلى مكان كذا بكذا، أو اصبغ ثوبك أحمر بكذا، لا يصح.\nولا يمكن جعله بيعًا؛ لأنه بيع معدوم، ولو كان موجودًا مملوكًا لغير العاقد لم يجز، فإذا كان معدومًا فهو أولى بعدم الجواز، ولكن جوزناه استحسانًا، للتعامل الراجع إلى الإجماع العملي (^١).\nقال الكاساني عن الاستصناع: ويجوز استحسانًا لإجماع الناس\n_________\n(^١) فتح القدير لابن الهمام (٧/ ١١٤).","vol":"2","page":130},{"text":"على ذلك؛ لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير (^١).\n٢ - جواز ترك الإشهاد على الدين سواء كان في القرض أم في البيع، واستدل الجمهور على ذلك بالإجماع العملي.\nقال القرطبي: ما زال الناس يتبايعون حضرًا وسفرًا، وبرًّا وبحرًا، وسهلًا وجبلًا من غير إشهاد، مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تركه (^٢).\n٣ - عدم كشف النساء لوجوههن أمام الرجال الأجانب. قال الحافظ ابن حجر: ولم تزل عادة النساء قديمًا وحديثًا يسترن وجوههن عن الأجانب (^٣).\nومثل الإجماع الظني: الإجماع السكوتي، كأن يقول: أفتى أبو بكر وسكت الصحابة، أو لم يعلم له مخالف.\nفهذا يسمى إجماعًا ظنيًّا؛ لأن السكوت يحتمل أمورًا، منها:\n١ - الرضا والموافقة بالحكم المذكور.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع للكاساني (٦/ ٨٥) ط دار الكتب العلمية.\n(^٢) تفسير القرطبي (٢/ ٣٤٤) ط دار الحديث، تفسير آية الدين، المسألة التاسعة والأربعون.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر، كتاب النكاح، باب الغيرة، حديث (٤٩٢٤).","vol":"2","page":131},{"text":"٢ - قد يكون لعدم علم العالم بهذه المسألة.\n٣ - قد يسكت لأن المسألة خلافية، ويعتقد أن كل مجتهد مصيب، فلا يرى الإنكار فرضًا.\n٤ - قد يكون السكوت من أجل الخوف واحتمال الضرر، كأن تكون المسألة خاصة بحاكم جائر أو ظالم، فيسكت العالم خوفًا على نفسه من الضرر.\n٥ - لربما سكت لظنه أن غيره قام مقامه في ذلك.\n٦ - أنه لو أنكر لم يلتفت إليه.\nوإن احتمل السكوت هذه الوجوه كما احتمل الرضا؛ علمنا أنه لا يدل على الرضا قطعًا، وهذا معنى قول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-339> مراتب الإجماع السكوتي:</span>\nذكر العلائي مراتب الإجماع السكوتي فقال:\nإحداها: فرض ذلك في كل عصر، وهذا إن كان بعد استقرار\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٥٩)، والإعلام في أصول الإحكام للمؤلف (١١٨).","vol":"2","page":132},{"text":"المذاهب فلا أثر للسكوت قطعًا، وذلك لفشو التقليد، واطمئنان أصحاب كل مذهب إلى اجتهاد إمامهم، وجريان العرف بعدم إنكار بعضهم على بعض، وإن كان قبل ذلك ففيه ما تقدم من الخلاف، وفي جعله إجماعًا ظنيًّا نظر، وكونه حجة، وليس بإجماع أبعد من ذلك.\nثانيها: أن يكون ذلك في عصر الصحابة ﵃، فهو أقوى من الأول، وأولى بأن يكون السكوت منهم دليلًا على الموافقة لعلو مرتبتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم المداهنة على من بعدهم، وإن كان لم يكن إجماعًا فالظاهر أنه حجة.\nثالثها: أن يكون ذلك فيما يتكرر وقوعه، فهو أولى بأن يكون إجماعًا أو حجة؛ لأن تلك الاحتمالات المقدرة، أي الاحتمالات التي تمنع من التصريح بالمخالفة، وهي أن السكوت يحتمل وجوهًا كما سبق:\n١ - الموافقة والرضا بذلك.\n٢ - أنه لم يجتهد في المسألة.\n٣ - أنه اجتهد ولم يظهر له شيء.\n٤ - أنه ظهر له ما يقتضي خلاف ذلك القول، لكنه لم يبده إما لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، وإما لظنه أن غيره كفى القيام بذلك،","vol":"2","page":133},{"text":"وإما لهيبة القائل، وإما للخوف من ثوران فتنة، وإما أنه رأى أن الإنكار لا يجدي شيئًا (^١).\nخامسها: أن يكون فيما تعم به البلوى، فكون ذلك إجماعًا أقوى مما قبله، وأظهر في الحجية؛ لأن انتشار ذلك الحكم مع عموم البلوى به يقتضي علمهم بذلك الحكم، وموافقتهم فيه، وإلا لزم تطابقهم على ترك إنكاره.\nسادسها: أن يكون فيما يفوت وقته، كالدماء، والفروج، كما صوره الماوردي، فاشتهار ذلك بينهم مع سكوت الباقين عنه يدل على الرضا أقوى مما في الصور المتقدمة، إلا أن صورته فيما تعم به البلوى ويتكرر وقوعه أظهر أو الكل على السواء.\nوالقول بحجية ذلك وإن لم يكن إجماعًا قوي، إذا قيل بأن قول الصحابي بمفرده لا يكون حجة والله سبحانه أعلم (^٢).\n_________\n(^١) إجمال الإصابة للعلائي بتصرف يسير (١٢٣).\n(^٢) إجمال الإصابة للعلائي (١٢٩ - ١٣٠) ت: محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة.","vol":"2","page":134},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-340> مسألة: انقراض عصر المجمعين:</span>\nمعنى انقراض العصر: لو أجمع الصحابة مثلًا على رأى فهذا لا يعتبر إجماعًا إلا بعد أن ينقرض عصر الصحابة أى بعد موتهم جميعًا؛ لأن أحدًا منهم قد يرجع عن رأيه.\nوالصحيح عدم اشتراط ذلك لأمور منها:\n١ - إن العصور متداخلة أى ليس هناك حد بينها كحد السيف، فالصحابة هم الذين كانوا مع النبى ولقوه مؤمنين وماتوا على ذلك، والتابعون الذين رأوا الصحابة، فهذا عصر وهذا عصر، فهل هناك حد فاصل بين هذه العصور؟! ليس بينها حد فاصل لأنه لا يكون هناك تابعون من غير أن يوجد أحد من الصحابة، فلابد أن يبدأ العصر الثانى قبل نهاية العصر الأول، فعصر تابعى التابعين لابد أن يبدأ قبل انقراض عصر التابعين لذا لو اشترطنا هذا الشرط لما كان إجماع لأن العصور متداخلة.\n٢ - إن الناس فى كل العصور كانوا يأخذون برأى العالم الواحد ويعملون به مع احتمال رجوعه عنه، ولم يشترط أحد أن لا نأخذ بقوله إلا بعد موته، فإن كان هذا فى حق الفرد ففى حق مجموع الأمة من باب أولى.\n٣ - كان بعض التابعين يحتج بإجماع الصحابة فى أواخر عصر","vol":"2","page":135},{"text":"الصحابة، فحكي ذلك عن الحسن البصرى أنه كان يحتج بإجماع الصحابة وأنس كان حيًّا.\n٤ - وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وغير ذلك من أدلة الإجماع، وكل هذه الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع، فإذا وجد الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل.\nوالدليل قد قام على أن الإجماع حجة، وقد وجد الإجماع، فوجب الحكم لقيام الحجة من غير اعتبار انتظار لانقراض العصر أو غير ذلك.\nولو أنا اعتبرنا انقراض العصر، لجوزنا أن تكون الأمة حين اجتمعت أجمعت على خطأ، وهذا لا يجوز (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-341> فائدة الإجماع:</span>\n١ - يكفى مؤنة البحث عن الدليل.\n٢ - يحرم المخالفة التى كانت جائزة.\n٣ - يعطى الثقة التامة لهذا الدين ولأهل العلم.\n_________\n(^١) القواطع للسمعاني (٢/ ٧٧٥).","vol":"2","page":136},{"text":"٤ - دفع ما يتوهم من التأويل، حتى لو كان مستند الإجماع دليلًا ظنيًّا؛ لأن كثيرًا من آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ لو جردنا النظر فيها عما فهمه منهما الصحابة والتابعون لما قطعنا بمقتضاها، ولأمكن حملها على احتمالات كثيرة، ولكن لما عرفنا اتفاق الصحابة والتابعين ومن بعدهم على تفسيرها؛ لم يجز لنا أن نتأولها على خلافه، فهذه الأدلة لو خلت عن الإجماع لكانت ظنية، لكنها معه صارت قطعية.\nمثال ذلك: أن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] لو لم يتفق الصحابة أن المراد بالأخ والأخت هنا الإخوة لأم؛ لكانت معارضة لآية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦].\n٥ - قطع النزاع في المسائل المستجدة، فإذا اتفق علماء العصر على حكمها لم يكن لأحد خلافهم، ولكن ينبغي ألا تترك الأدلة الصحيحة لدعوى الإجماع، وأن لا تقبل دعوى الإجماع إلا ممن له إحاطة بأقوال العلماء، واطلاع على صحيحها وضعيفها، ومشهورها وشاذها.\n٦ - الإجماع يحقق خلافة هذه الأمة في الأرض؛ لأن الله تعالى لا يخلي الزمان من قائم بالحق.","vol":"2","page":137},{"text":"٧ - الإجماع يجعل من سلطة التشريع في الأمور العامة حقًّا للأمة، فالأمة الإسلامية تمتلك سلطة حق التشريع بطريق الإجماع، أما ولي الأمر وهو الخليفة، فلا يملك من هذه السلطة شيئًا.\n٨ - الإجماع مصدر التشريع الفقهي المتجدد، فالإجماع يسد حاجات المجتمع الإسلامي إلى أحكام جديدة، وهذه الحاجات تزداد بمضي العصور وتغير الظروف (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-342> مسألة: إن خالف النص الإجماع:</span>\nنبحث أولًا فى النص هل هو صحيح أم غير صحيح؟ فلو ثبت أنه صحيح ننظر هل هو صريح أم غير صريح؟ فإن ثبت أنه صريح، نبحث فى الإجماع لعله غير صحيح وقد يكون هناك مخالف، فإن ثبت أن الإجماع صحيح والنص صحيح صريح إذًا يكون النص منسوخًا بمستند الإجماع.\nلذلك يقول الشيخ ابن عثيمين (واعلم أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ فإنها لا تجتمع إلا على حق، وإذا رأيت إجماعًا تظنه مخالفًا لذلك فانظر إما أن يكون الدليل\n_________\n(^١) أهمية الإجماع في بناء التشريعات وتحقيق سيادة الأمة عند الدكتور عبد الرزاق الشهوري، الدكتور عبد الحق الإدريسي، مجلة جيل حقوق الإنسان العدد (٣٤)، والإعلام في أصول الأحكام للمؤلف.","vol":"2","page":138},{"text":"غير صحيح أو غير صريح أو منسوخًا أو فى المسألة خلاف لم تعلمه) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-343> مسألة: الإجماع بعد خلاف:</span>\nإذا اختلف أهل العصر الواحد في مسألة على قولين فأكثر، ثم رجع بعضهم عن قوله واتفقوا، هل يعد هذا إجماعا؟:\nالصحيح عند الأكثر أنه إجماع، وقال ابن الباقلاني والقاضي عبد الوهاب المالكي لا يكون إجماعا؛ لأن اختلافهم أولًا إجماع على تسويغ الخلاف، فلا ينقضه رجوع بعضهم عن رأيه.\nوقال الجويني: إن قرب العهد كان اتفاقهم بعد الاختلاف إجماعًا، وأما إن تمادى الزمان واستقر الخلاف فليس اتفاقهم بعد ذلك إجماعًا.\nوالصحيح: أنه يعد إجماعًا؛ لأنه قول كل المجتهدين في هذا العصر، والقول الذي رجع عنه صاحبه لا عبرة به.\nوأما إذا اختلف أهل العصر السابق على قولين ثم اتفق الذين بعدهم على قول من القولين كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفق التابعون على أحدهما، فاختلف العلماء في ذلك هل يعد إجماعا؟:\n_________\n(^١) كتاب الأصول من علم الأصول لابن عثيمين، شروط الإجماع، ص (٦٦).","vol":"2","page":139},{"text":"فذهب بعضهم إلى أنه إجماع؛ لأنه قول كل أهل العصر الثاني.\nوذهب بعضهم إلى أنه ليس إجماعًا؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيبقى جواز تقليدهم فيها بعد موتهم (^١).\nوالظاهر والله أعلم أنه إجماع لموافقة ذلك للحد لأنهم جميع المجتهدين في هذا الزمان، وظاهر الأدلة كذلك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-344> مسألة: اتفاق أكثر المجتهدين:</span>\nالصحيح: أنه ليس إجماعًا لأنهم ليسوا كل الأمة، حتى لو كان كل المجتهدين إلا واحدًا، خلافًا لبعضهم كابن جرير والرازى القائلين لا عبرة بمخالفة الواحد والإثنين في الإجماع، ورأي الجمهور هو الصحيح، وقد وقع فى عصر الصحابة اتفاق الأكثرين وخالفهم الأقل بل تفرد الواحد منهم برأيه كمخالفة ابن عباس لأكثر الصحابة فى مسألة الجد والإخوة، ولو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعًا للزم الأقل أن يعمل بذلك الإجماع، ولاشتد الإنكار على المخالف لمخالفته الإجماع، ولكن لم يقع شيئًا من ذلك.\nمسألة: اتفاق الخلفاء الأربعة: ليس إجماعًا، لأنهم ليسوا كل الأمة.\nمسألة: اتفاق الأئمة الأربعة: ليس إجماعًا لأنهم ليسوا كل الأمة.\n_________\n(^١) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي (١/ ١٣٨).","vol":"2","page":140},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-345> اتفاق أهل المدينة:</span>\nذكر الزركشي أن اتفاق أهل المدينة مراتب أربعة:\nإحداها: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ، كنقلهم لمقدار الصاع والمد، فهذا حجة باتفاق.\nولهذا رجع أبو يوسف إلى مالك فيه، وقال: لو رأى صاحبي كما رأيت لرجع كما رجعت، ورجع إليه في الخضراوات، فقال: هذه بقائل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد النبي ﷺ، ولا أبي بكر ولا عمر، وسأل عن الأحباس، فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، فذكر أعيان الصحابة، فقال له أبو يوسف: وكل هذا قد رجعت إليك.\nالثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا كله حجة عند مالك حجة عندنا أيضًا.\nونص عليه الشافعي، فقال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا يبق في قلبك ريب أنه الحق، وكذا هو ظاهر مذهب أحمد، فإنه عنده أن ما سنه الخلفاء الراشدون حجة يجب اتباعها.\nوقال أحمد: كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة النبوة، ومعلوم أن بيعة الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي كانت بالمدينة، وبعد ذلك لم","vol":"2","page":141},{"text":"يعقد بها بيعة، ويحكى عن أبي حنيفة أن قول الخلفاء الراشدين عنده حجة.\nالثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين أو قياسين، فهل يرجح أحدهما بعمل أهل المدينة؟ وهذا موضع خلاف:\nفذهب مالك والشافعي على أنه مرجح، وذهب أبو حنيفة إلى المنع، وعند الحنابلة قولان.\nالرابعة: النقل المتأخر بالمدينة، والجمهور على أنه ليس بحجة شرعية، وبه قال الأئمة الثلاثة، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكره القاضي عبد الوهاب في «الملخص»، فقال: إن هذا ليس إجماعًا، ولا حجة عند المحققين، وإنما يجعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس هؤلاء من أئمة النظر والدليل، وإنما هم أهل تقليد (^١).\nوقد نبه الإمام الإبياري على مسألة حسنة، وهي أنا إذا قلنا: إن إجماعهم حجة «أي مذهب مالك في المشهور عنه»، فلا ينزل منزلة إجماع الأمة، حتى يفسق المخالف، وينقض قضاؤه، ولكنه يقول: هو حجة على معنى أن المستند إليه مستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة،\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٤٤٦).","vol":"2","page":142},{"text":"كما يستند إلى القياس، وخبر الواحد (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-346> مسألة: إذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيها:</span>\nخلافًا لبعض أهل الظاهر وبعض المتكلمين، وبعض أصحاب أبي حنيفة (^٢).\nوالسبب في ذلك أننا لو قلنا أن هذا القول الثالث صحيح يلزم منه بطلان القول الأول والثانى، أى أن الأمة فى هذا الزمن اجتمعت على باطل.\nفاتفاق الأمة على رأي فهو حق، وإن اختلفوا على رأيين فالحق فيهما، وإن اختلفوا على ثلاثة يكون الحق فيهم ولابد، لذلك فالصحيح أن الأمة إذا اجتمعت على رأيين فى زمن لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث لذلك كان عمل العلماء فى المسائل القديمة التى فيها خلاف هو الترجيح بين آرائهم لا إحداث أقوال جديدة.\nأمثلة: مسألة الختان للإناث: فالمسألة فيها قولان قيل واجب وقيل\n_________\n(^١) التحقيق والبيان شرح البرهان للإبياري (٢/ ٩١٧ - ٩١٨) ط وزارة الشؤون الإسلامية. قطر، الأساس في أصول الفقه ل د. محمود عبد الرحمن (٢/ ٥٢).\n(^٢) القواطع للسمعاني (٢/ ٧٥١).","vol":"2","page":143},{"text":"سنة أو مكرمة، فالقول بأنه عادة مخالف للإجماع؛ لأن الإجماع انعقد على أنه أحد رأيين فلابد أن يكون الحق فى أحدهما، فإحداث قول ثالث شهادة على الأمة أنها اجتمعت فى عصر على باطل.\nوكذلك فى مسألة النقاب والقول بأنه عادة حيث إن هذا رأي لم يقله أحد فى السابقين، فقائله قد أحدث قولًا زائدًا عن الأقوال السابقة، وهذا مخالف للإجماع؛ حيث اختلفوا فى الوجوب والاستحباب، فالحق فى أحدهما، وهكذا.\n\n*<span data-type='title' id=toc-347> مسألة: إذا بلغ التابعى رتبة الإجتهاد، واتفق الصحابة جميعًا على رأي، وهو خالفهم فيه هل يعتبر ذلك إجماعًا أم ليس إجماعًا؟</span>\nقال الشوكاني ﵀: اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد، لم ينعقد إجماعهم إلا به، كما حكاه جماعةٌ منهم: القاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني، وأبو الحسن السهيلي.\nقال القاضي عبد الوهاب: إنه الصحيح، ونقله السرخسي -من الحنفية- عن أكثر أصحابهم. قال: ولهذا قال أبو حنيفة: لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار؛ لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه، وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم بدون قوله.","vol":"2","page":144},{"text":"والوجه في هذا القول: أن الصحابة عند إدراك بعض مجتهدي التابعين لهم هم بعض الأمة لا كلها، وقد سئل ابن عمر عن فريضةٍ. فقال اسألوا ابن جبيرٍ فإنه أعلم بها، وكان أنسٌ يُسأَل فيقول: سلوا مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا وحفظ ونسينا.\nوسئل ابن عباسٍ عن ذبح الولد (أي من نذر أن يذبح ولده) فأشار إلى مسروقٍ. فلما بلغه جوابه تابعه عليه.\nوقال جماعةٌ: إنه لا يعتبر المجتهد التابعي، الذي أدرك عصر الصحابة في إجماعهم، وهو مروي عن إسماعيل بن علية، ونفاة القياس، وحكاه الباجي عن ابن خويزمنداد، واختاره ابن برهانٍ في الوجيز (^١).\nتنبيه: لو أجمع الصحابة قبل أن يبلغ التابعى رتبة الإجتهاد ثم اجتهد وخالفهم يعتبر إجماعًا، ويكون قوله شاذًّا.\nوالشاذ: هو من كان مع القوم ثم شذ عنهم، والمعنى: لو أن الأمة اجتمعت على رأي ورجع أحدهم عن قوله فيكون قوله شاذًّا، وإذا أجمعوا فى عصر الصحابة وجاء تابعى وخالفهم يقال له أنت شاذ، فإن قيل كيف شذ وهو لم يكن معهم؟ الجواب لأن الأمة إذا أجمعت فى\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للإمام الشوكاني (١/ ٢١٥).","vol":"2","page":145},{"text":"عصر أصبح هذا الإجماع لكل الأمة فى كل عصر.\n\n*<span data-type='title' id=toc-348> هل يعتبر بخلاف الظاهرية في الإجماع؟</span>\nذكر الزركشي في هذه المسألة خمسة أقوال، وملخصها:\nالقول الأول: لا يعتد بخلافهم، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، والأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني، ونسبه إلى الجمهور، وتابعهم إمام الحرمين والغزالي.\nقالوا: لأن من أنكر القياس لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر فهو كالعامي الذي لا معرفة له.\nوقال النووي في شرح مسلم في باب السواك حديث (٢٥٢) عند حكايته وجوب السواك عن داوود كما نقله الشيخ أبو حامد الاسفراييني.\nقال النووي: وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون (^١).\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي (٢/ ١٤٢).","vol":"2","page":146},{"text":"قال إمام الحرمين: المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنًا؛ لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها (^١).\nالقول الثاني: أن خلافهم يعتبر، كما يعتبر خلاف من ترك المراسيل، ومنع العموم، ومن حمل الأمر على الوجوب؛ لأن مدار الفقه على هذه الطرق، قاله القاضي عبد الوهاب من المالكية (^٢).\nقال ابن الصلاح: الذي استقر عليه الأمر ما اختاره الأستاذ أبو منصور وحكاه عن الجمهور، وأن الصحيح من المذهب الاعتداد بخلافهم، ولهذا يذكر الأئمة من أصحابنا خلافهم في الكتب الفرعية.\nثم قال: والذي أجيب به بعد الاستخارة: أن داود يعتبر قوله، ويعتد به في الإجماع إلا ما خالف القياس، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه على خلافه إجماع ينعقد، فقول المخالف حينئذ خارج عن الإجماع، كقوله في التغوط في الماء الراكد، وتلك المسائل الشنيعة، ولا ربا إلا في النسيئة المنصوص عليها، فخلافه في هذا وشبهه غير معتد\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٤٢٥).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"2","page":147},{"text":"به (^١).\nواختار هذا القول غير واحد من المحققين، كالعلامة ابن القيم كما في زاد المعاد (٥/ ٣٠٠) ط الرسالة، في فصل الظهار، وإعلام الموقعين (٢/ ٢٧٧)، والصنعاني في العدة (١/ ١٤٠)، والشوكاني في إرشاد الفحول (١/ ٢٥٦)، والشيخ الشنقيطي في أضواء البيان (٥/ ٢٥٣) دار الحديث. قال: وفي اعتبار داود الإجماع خلاف معروف، والأظهر عند الأصوليين اعتباره في الإجماع، والله أعلم.\nوأجابوا عن احتجاج الفريق الأول أن الشريعة لا تفي بالمسائل ولا بد من الاجتهاد لذا لم يعتبروا قول الظاهرية بجواب:\nقالوا: رد هذه الدعوى ابن حزم، فقال: فإذا قد صح يقينًا بخبر الله تعالى الذي لا يكذبه مؤمن أنه لم يفرط في الكتاب شيئًا، وأنه قد بين فيه كل شيء، وأن الدين قد كمل، وأن رسول الله ﷺ قد بين للناس ما نزل إليهم، فقد بطل يقينًا بلا شك أن يكون شيء من الدين لا نص فيه، ولا حكم من الله تعالى ورسوله ﷺ (^٢).\nوردها أيضًا أبو إسحاق الشاطبي فقال: فالعالم به على التحقيق\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ٩٧).\n(^٢) النبذة الكافية في أصول الفقه لابن حزم (٦١) ط دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":148},{"text":"عالم بجملة الشريعة، ولا يعوزه منها شيء، والدليل على ذلك أمور منها: التجربة وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلًا، وأقرب الطوائف من أعواز المسائل النازلة أهل الظواهر الذين ينكرون القياس، ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل (^١).\nقلت: وإن ثبت عدم عجزهم عن الدليل إلا أنه إنكارهم للقياس أوقعهم فى الجمود، ومخالفة الأدلة، وتضييع الغاية والمقصود من الحكم فى بعض المواضع.\nوأجاب الشوكاني أيضًا فقال: أن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها وتدبر آيات الكتاب العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة تفي بجميع ما تدعو الحاجة إليها في جميع الحوادث، وأهل الظاهر فيهم من أكابر الأئمة وحفاظ الشريعة المتقيدين بنصوص الشريعة جمع جم، ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قياس مقبول.\nوتلك شكاة ظاهر عنك عارها، نعم قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذهب غيرهم من\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٤/ ١٨٩).","vol":"2","page":149},{"text":"العمل بما لا دليل عليه البتة قليلة جدًا (^١).\nتنبيه: ويُجمَع بين أقوال العلماء القائلين بأن الشريعةتفي بجميع الأحكام، والقائلين بأنها غير وافية بذلك بتحرير محل النزاع، وهو أن المراد بقول من يقول أن الشريعة لا تفي بالمسائل والحوادث، فمراده أنها لا تفي بذلك نصًّا أي في عين المسائل، لا في جنسها أو نوعها، ومن يقول أنها تفي بكل المسائل والأحكام، فمراده بذلك نصًّا ونوعًا وجنسًا، أي باللفظ، والمعنى، والقياس، والاجتهاد، ونحو ذلك.\nالقول الثالث: أنهم لا يعتد بخلافهم في الأصول، ويعتد بخلافهم في الفروع.\nالقول الرابع: إن كانت المسألة مما تتعلق بالآثار، والتوقيف، واللفظ اللغوي، ولا مخالف لقياس فيها؛ لم يصح أن ينعقد الإجماع بدونهم إلا على رأي من يرى أن الاجتهاد لا يتجزأ، وهذا قول الإبياري.\nويظهر بعد التأمل أن هذا القول راجع إلى القول الأول، وهو عدم الاعتداد بخلافهم، إذ جل المسائل إنما هي قياسية.\nالقول الخامس: أن خلافهم معتبر فيما خالف القياس الخفي، أما\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٢٥٦) ط دار السلام.","vol":"2","page":150},{"text":"خلافهم فيما خالف القياس الجلي، فهو غير معتد به، لكونه مبنيًّا على ما يقطع ببطلانه، وبه قال ابن الصلاح في فتاويه.\nوالراجح - والله أعلم- في هذه المسألة: هو الاعتداد بخلاف الظاهرية، وعدم انعقاد الإجماع بدونهم، وأما المسائل التي شذوا فيها فيردها الكتاب والسنة، وهما اللذان يحكمان ببطلانه حال عرضها عليهما.\n\n*<span data-type='title' id=toc-349> الإجماع الكاذب:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا تعبأ بما يفرض من المسائل، ويدعي الصحة فيها بمجرد التهويل، أو بدعوى أن لا خلاف في ذلك، وقائل ذلك لا يعلم أحدًا قال فيها بالصحة فضلًا عن نفي الخلاف فيها، وليس الحكم فيها من الجليات التي لا يعذر المخالف فيها، وفي مثل هذه المسائل قال الإمام أحمد، من ادعى الإجماع فهو كاذب، فإنما هذه دعوى بشر، وابن علية يريدون أن يبطلوا السنن بذلك، يعني الإمام أحمد ﵁ أن المتكلمين في الفقه من أهل الكلام إذا ناظرتهم بالسنن والآثار، قالوا: هذا خلاف الإجماع. وذلك القول الذي يخالف ذلك الحديث لا يحفظونه إلا عن فقهاء (^١).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٢٨٦) كتاب الدليل على إبطال التحليل لابن تيمية، ط دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":151},{"text":"قال ابن القيم في معرض الحديث عن أصول الإمام أحمد: ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم. ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك هذا لفظه.\nونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد","vol":"2","page":152},{"text":"لوجوده (^١).\nومعنى كلام الإمام أحمد ﵀ هذا هو ما رجحه ابن رجب، كما نقله عنه المرداوي (^٢)، وذكر نحو هذا الكلام في ذم طريقة المتأخرين في أخذ الأحكام (^٣).\nويقال: إن أكثر الناس شهرة في ادعاء الإجماع هو الحافظ ابن عبد البر الأندلسي، حتى صار مضرب المثل في هذا الشأن، فهو مع علمه، وجلالته وسعة اطلاعه يحكي إجماعات الخلاف فيها مشهور جدًّا، وطريقته في ادعاء الإجماع في مسألة خلافية مستهجن من فاضل مثله، ويذهب البعض أن المقصود بهذا هو الإجماع السكوتي.\nقال ابن القطان: ومعلوم أن أبا عمر بن عبد البر إذا حكى الإجماع فما يحكيه بنقل متصل إلى المتعين به، وإنما هو بتصفحه، والتصفح أكثر ما يحصل منه في هذا الباب عدم العلم بالخلاف (^٤).\nلكن هذا يستبعد في بعض الأحيان لمعرفتنا لسعة اطلاع ابن عبد البر، والسبب - والله أعلم- أنه يرى أن رأي الجمهور حجة مثل\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٥٣) ت مشهور.\n(^٢) التحبير شرح التحرير في أصول الفقه للمرداوي (٤/ ١٥٢٨).\n(^٣) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٥٥٨) ت: مشهور.\n(^٤) إحكام النظر لابن القطان (١٨٦).","vol":"2","page":153},{"text":"الإجماع، فتراه يقول: والجمهور حجة على من شذ منهم؛ لأنه لا يجوز على جميعهم جهل ما علمه الشاذ المنفرد (^١).\nوعمدة فقهاء المغرب والأندلس في فقه الخلاف وحكاية المذهب هو كتب ابن عبد البر؛ لذلك حذر العلماء من إجماعات ابن عبد البر، واتفاقات ابن رشد، واحتمالات الباجي، واختلاف اللخمي (^٢).\nتنبيه: قد يكون الخلاف حجة:\nقال الزركشي: قد يكون الخلاف حجة كالإجماع في مواضع، منها:\n١ - منع الخروج منه إذا انحصر على قولين أو ثلاثة.\n٢ - تسويغ الذهاب إلى كل واحد من الأقوال المختلف فيها.\n٣ - كون الجميع صوابًا إن قلنا كل مجتهد مصيب (الصحيح - والله أعلم- إن كان الخلاف خلاف تضاد، والمسألة متحدة العين والزمان والحال، أن المصيب واحد، وله أجران، والآخر مخطئ، وله أجر إن كان من أهل الاجتهاد؛ وإن كان الخلاف خلاف تنوع فكلٌّ على صواب، وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلاف له حظ من الدليل والنظر-وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله تعالى، عند الحديث عن\n_________\n(^١) الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٣٧٧).\n(^٢) المعيار للونشريسي (١٢/ ٣١).","vol":"2","page":154},{"text":"الاجتهاد وأحكامه في المجلد الرابع-).\nوغير ذلك، ذكره القاضي عبد الوهاب في مسألة تقليد الصحابي، ثم قال: الاختلاف مذموم، والاجتماع محمود. وقال المزني في كتاب ذم التقليد: قد ذم الله الاختلاف في غير ما آية، ولو كان من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما رده إلى كتابه، وسنة نبيه، ولا أمر بإمضاء الاختلاف والتنازع على ما هما به، وما حذر رسول الله أمته من الفرقة، وأمرها بلزوم الجماعة، قال: ولو كان الاختلاف رحمة لكان الاجتماع عذابًا؛ لأن العذاب خلاف الرحمة، ثم قال: قال الشافعي -رحمه الله تعالى--: الاختلاف وجهان: فما كان منصوصًا لم يحل فيه الاختلاف، وما كان يحتمل التأويل أو يدرك قياسًا، فذهب المتأول، أو المقايس إلى معنى يحتمل ذلك، وإن خالفه غيره لم أقل إنه يضيق عليه ضيق الاختلاف في المنصوص (^١).\nوقال الشافعي: فإن قيل: ذم الله الاختلاف. قيل: الاختلاف وجهان: فما أقام الله تعالى به الحجة على خلقه حتى يكونوا على بينة منه ليس عليهم إلا اتباعه، ولا لهم مفارقته، فإن اختلفوا فيه فذلك الذي ذم الله عليه، والذي لا يحل الاختلاف فيه. فإن قال: فأين ذلك؟ قيل: قال الله\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٥٤٩) ت: الأشقر.","vol":"2","page":155},{"text":"تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة: ٤]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، فمن خالف نص كتاب لا يحتمل التأويل، أو سنة قائمة، فلا يحل له الخلاف، ولا أحسبه يحل له خلاف جماعة الناس وإن لم يكن في قولهم كتاب أو سنة، ومن خالف في أمر له فيه الاجتهاد، فذهب إلى معنى يحتمل ما ذهب إليه ويكون عليه دلائل لم يكن في ضيق من خلاف لغيره (^١).\nقال الشاطبي - وهو يتحدث عن الاجتهاد ويحذر من زلة العالم-: فإنه ربما خفي على العالم بعض السنة، أو بعض المقاصد العامة في خصوص مسألته، فيفضي ذلك إلى أن يصير قوله شرعًا يتقلد، وقولًا يعتبر في مسائل الخلاف، فربما رجع عنه وتبين له الحق، فيفوته تدارك ما سار في البلاد عنه، ويضل عنه تلافيه، فمن هنا قالوا: زلة العالم مضروب بها الطبل.\nثم نبه الشاطبي على أمور، منها:\n١ - أن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدَّت زلة.\n_________\n(^١) الأم للشافعي (٩/ ٧٩) دار الوفاء ت: د. فوزي رفعت عبد المطلب.","vol":"2","page":156},{"text":"٢ - أنه لا يصح اعتمادها خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاده، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد، فهو لم يصادف فيها محلًّا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل، أو عدم مصادفته فلا، فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها.\nفإن قيل: فبماذا يعرف من الأقوال ما هو كذلك مما ليس كذلك؟\nفالجواب: إنه من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف، وأما غيرهم، فلا تمييز لهم في هذا المقام، ويعضد هذا أن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب، فمن الأقوال ما يكون خلافًا لدليل قطعي من نص متواتر، أو إجماع قطعي في حكم كلي، ومنها ما يكون خلافًا لدليل ظني، والأدلة الظنية متفاوتة، كأخبار الآحاد، والقياس الجزئية، فأما المخالف للقطعي؛ فلا إشكال في اطراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه، وعلى ما فيه، لا للاعتداد به، وأما المخالف للظني، ففيه الاجتهاد بناء على التوازن بينه وبين ما اعتمده","vol":"2","page":157},{"text":"صاحبه من القياس أو غيره (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-350> شروط تحقق الاختلاف:</span>\nالشرط الأول: أن يكون صادرًا ممن يعتبر بخلافه، يعني من مجتهد في العلم الذي تنسب إليه تلك المسألة، فلا يعتد بخلاف من ليس كذلك كالشيعة، والخوارج، والأزارقة، ونحوهم.\nالشرط الثاني: أن لا يكون مسبوقًا بإجماع في تلك المسألة، فلو سبق بإجماع فيها يكون الخلاف المحكي خارقًا للإجماع، وهو ما لا يقبله العلماء.\nالشرط الثالث: ألا يكون قد حدث إجماع بعد الخلاف؛ لأن الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف سواء كان الخلاف مستقرًّا، أو كان في مهلة النظر، ويكون الإجماع كاشفًا عن القطع بصحة أحد الأقوال، وخطأ ما عداه.\nالشرط الرابع: أن لا يثبت رجوع القائل عن قول قال به، فإن ثبت رجوعه فلا يحكى عنه إلا مقرونًا بحكاية الرجوع، وبيان أنه قول هجره القائل، وانتقل إلى غيره.\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٥/ ١٣٨ - ١٤٠) ط مشهور، بتصرف يسير.","vol":"2","page":158},{"text":"الشرط الخامس: أن لا ينسحب الخلاف على أكثر مما حكي فيه كالخلاف في ختان الإناث، فإنه ليس في أصل المشروعية، بل في درجتها، فلا ينسحب على أصلها (^١).\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه د. محمود عبد الرحمن (٢/ ٨٢ - ٩٢)، الشروط مع الأمثلة التطبيقية.","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-351>الفصل الرابع:\nالقياس</span>","vol":"2","page":161},{"text":"القياس\n\n*<span data-type='title' id=toc-352> بعض المقدمات فى باب القياس:</span>\n١ - باب القياس أوسع من غيره من أبواب الأصول ولذا خصه الأئمة بمزيد اعتناء.\n٢ - مراتب القياس قد تتفاوت فى الجلاء والخفاء كما تتفاوت مراتب النصوص، والمعنى أن دلالة النصوص على الأحكام درجات كما أن دلالة القياس درجات، فبعض أنواع القياس أقوى وأصرح من بعض.\n٣ - ما ورد عن السلف من آثار فى ذم القياس فهو محمول على القياس الفاسد الذى يخالف الدليل، أو لم تكتمل شروطه.\n٤ - إهمال القياس وإقصاؤه نوع من الجمود، وتقديم القياس على نصوص الشريعة أمر مردود.\n٥ - لا ينبغى القدح فى القياس بسبب أخطاء بعض العلماء فى تطبيقه على بعض المسائل؛ لأن الخطأ وقع فى الاستدلال بالنصوص","vol":"2","page":163},{"text":"نفسها، ولم يكن ذلك مسوغًا لرد النصوص، وإنما يُرَد الاستدلال الخاطاء، ووضع النصوص فى غير موضعها، وكذا يُرَد القياس الخاطاء والفاسد.\n٦ - استخدام نفاة القياس للقياس فى بعض المسائل ليس مسوغًا للقول بأنهم يقولون به - وإن كان يحتج عليهم بذلك -لأن العبرة بالأعم الأغلب.\n٧ - القول بالقياس ليس تقديمًا للرأى على الشرع، وإنما إعمال للنصوص الشرعية فى بعضها البعض.\n٨ - ينبغى التفريق بين مراعاة خلاف الظاهرية - عند من ينفي نقل الإجماع على العمل بالقياس- وبين القول بحجية القياس، فإن الأدلة قائمة على حجيته بما لا يدع مجالًا للشك\n\n*<span data-type='title' id=toc-353> تعريف القياس:</span>\nلغة: تقدير شيء على مثال شيء آخر، وتسويته به، ولذلك سمي المكيال مقياسًا، وما يقدر به النعال مقياسًا، ويقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه (^١)، وقست الشيء بالشيء: قدرته على مثاله (^٢).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٥٧٧).\n(^٢) الصحاح (٣/ ٩٦٨) قيس.","vol":"2","page":164},{"text":"ويقال: هو يخطو قيسًا أي يجعل هذه الخطوة بميزان هذه، ويقال: قصر مقياسك عن مقياسي أي مثالك عن مثالي (^١).\nواصطلاحًا: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما، من حكم أو صفة (^٢).\nوعرفه ابن الحاجب: بأنه مساواة فرع لأصل في علة حكمه (^٣).\nوقيل: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما. والمراد بالحمل هنا الإلحاق (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-354> أهمية مبحث القياس:</span>\nقال إمام الحرمين: القياس مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه.\nوقال الشافعي ﵀: والاجتهاد القياس (^٥).\n_________\n(^١) لسان العرب، قيس، دار المعارف.\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ١٨٦).\n(^٣) نهاية السول للإسنوي (٤/ ٢) ط دار عالم الكتب.\n(^٤) المذكرة للشنقيطي (٢٣١).\n(^٥) الرسالة للشافعي (٤٧٧).","vol":"2","page":165},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-355> من فوائد القياس:</span>\n١ - أنه يسعف في النوازل الواقعة التي ليس فيها نص من كتاب أو سنة.\n٢ - أنه يقوي الخبر ويرجحه، موافقة ومخالفة.\nأي أنَّ اقتران القياس مع الأثر لإثبات نفس الحكم يعتبر مقويًا للأثر إذا عارضه أثر آخر مساو له، وكذا قد يرجحون الخبر لمخالفة القياس فيكون حينئذ - أيضًا- معيارًا.\nفالشافعي يعتبر القياس مرجحًا للحديث، حيث يقول: وتختلف الأحاديث فآخذ ببعضها استدلالًا بكتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس (^١).\n٣ - يبين المراد من النص، فقد يرد اللفظ في كلام الشارع والمراد به ما هو أوسع من دلالته اللغوية، أو أضيق منها، والقياس بما فيه من العلة مبين للمراد من اللفظ.\nمثال ذلك: عن أبي بكرة، أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يقضينَّ حكم بين اثنين وهو غضبان» (^٢)، ومعلوم أنه ليس كل غضب مانعًا من القضاء،\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧).","vol":"2","page":166},{"text":"وإلا فإنَّ القاضي يغضب كثيرًا في مجلس القضاء لأمور تعرض من الشهود أو الخصوم، ولا يقتصر المنع من القضاء على الغضب فقط، بل يلحق به قياسًا التعب الشديد، والجوع الشديد، والحزن الشديد، وكل ما هو مشوش لفكره، فالقياس هنا كأنه بين أنَّ خصوص الغضب ليس مرادًا، بل ليس كل غضب داخلًا في هذا الحكم، بل الغضب المُشَوِّشُ (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-356> حجية القياس:</span>\nقال الإمام السمعاني في (القواطع): ذهب أكثر الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء والمتكلمين، إلى أنَّ القياس الشرعي أصل من أصول الشرع، ويستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع، وذهبت طائفة إلى إبطال القياس، وقالوا: لا يجوز أن يستدل به على حكم في فرع. وهذا قول إبراهيم النَّظام، ومن تبعه من المتكلمين، وهو قول داود بن على، ومن تبعه من أهل الظاهر، والقاشاني، والمغربي، والقيرواني، وهو قول الشيعة أيضًا (^٢).\nوبالغ ابن حزم في إنكار القياس بجملته.\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه للدكتور محمود عبد الرحمن (٢/ ١٦٥).\n(^٢) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٨٥٢، ٨٥٣).","vol":"2","page":167},{"text":"قال الخطيب البغدادي ﵀: اعلم أنَّ القياس فعل القائس، وهو: حمل فرع على أصل في بعض أحكامه، لمعنى يجمع بينهما. وقيل هو: الاجتهاد. والأول أجمع لحده؛ لأن الاجتهاد هو بذل المجهود في طلب العلم، فيدخل فيه حمل المطلق على المقيد، وترتيب الخاص على العام، وجميع الوجوه التي يطلب منها الحكم، وليس شيء من ذلك بقياس، والقياس مثاله مثال الميزان أن يوزن به الشيء من الفروع ليعلم ما يوازنه من الأصول، فيعلم أنه نظيره، أو لا يوازنه، فيعلم أنه مخالفه، والاجتهاد أعم من القياس، والقياس داخل فيه، والقياس حجة في إثبات الأحكام العقلية، وطريق من طرقها مثل حدوث العالم، وإثبات الصانع، والتوحيد، وما أشبهه، ومن الناس من أنكر ذلك، والدليل على فساد قوله إثبات هذه الأحكام لا يخلو إما أن يكون بالضرورة، أو بالاستدلال والقياس، ولا يجوز أن يكون بالضرورة؛ لأنه لو كان كذلك لم يختلف العقلاء فيها، فثبت أنَّ إثباتها بالقياس والاستدلال بالشاهد على الغائب وكذلك هو حجة في الشرعيات، وطريق لمعرفة الأحكام، ودليل من أدلتها من جهة الشرع، وذهب إبراهيم النظام، والرافضة إلى أنه ليس بطريق للأحكام الشرعية، ولا يجوز ورود التعبد به من جهة العقل، وقال داود بن علي وأهل","vol":"2","page":168},{"text":"الظاهر: يجوز أن يرد التعبد به من جهة العقل، إلا أنَّ الشرع ورد بحظره، والمنع منه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-357> الأدلة على حجية القياس:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-358> أولًا: من الكتاب:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢].\nقال الزركشي: ومن أشهرها قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقد سئل أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وهو من أئمة اللسان عن (الاعتبار)، فقال: أن يعقل الإنسان الشيء فيعقل مثله. فقيل: أخبرنا عمن ردَّ حكم حادثة إلى نظيرها أيكون معتبرًا، قال: نعم هو مشهور في كلام العرب.\nوإنما سمي الاتعاظ والفكر اعتبارًا؛ لأنه مقصود به التسوية بين الأمر ومثله، والحكم فيه بحكم نظيره، ولولا ذلك لم يحصل الاتعاظ والازدجار عن الذنب بنزول العذاب والانتقام بأهل الخلاف والشقاق.\nوزعم ابن حزم أنَّ المراد بالاعتبار التعجب بدليل سياق الآية، ووافقه ابن عبد السلام، فقال في (القواعد): من العجيب استدلالهم بهذه الآية على جواز القياس، مع أنَّ الاعتبار في الآية يراد به الاتعاظ\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨).","vol":"2","page":169},{"text":"والازدجار، والمطلق إذا عمل به في صورة خرج عن أن يكون حجة في غيرها بالاتفاق.\nقال: وهذا تحريف لكلام الله ﷿ عن مراده إلى غير مراده، ثم كيف ينتظم الكلام مع كونه واعظًا بما أصاب بني النضير من الجلاء أن يقرن ذلك الأمر بقياس الدخن على البر، والحمص على الشعير، فإنه لو صرح بهذا لكان من ركيك الكلام وإدراجًا له في غير موضعه، وقرانًا بين المنافرات.\nوالعجب من الشيخ، فإنَّ العبرة بعموم اللفظ، فإن منع قلنا هذا يرجع إلى قياس العلة؛ لأن إخراجهم من ديارهم وتعذيبهم قد رتب على المعصية فالمعصية علة لوقوع العذاب، فكأنه قال: لا تقعوا في المعصية فيقع بكم العذاب قياسًا على أولئك. فهو قياس نهي على نهي، بعلة العذاب المترتبة على المخالفة (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].\nقال الرازي: تدل على أنَّ القياس حجة، ووجه الدلالة: إما أن يكون المراد فإن اختلفتم في شيء حُكمُه منصوصٌ عليه في الكتاب أو السنة أو\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٧/ ٢٩).","vol":"2","page":170},{"text":"الإجماع، أو المراد فإن اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة. والأول باطل؛ لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلًا تحت قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وحينئذ يصير قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز.\nوإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو: أنَّ المراد فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب، والسنة، والإجماع، وإذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة، فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، فثبت أنَّ الآية دالة على الأمر بالقياس (^١).\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].\nقال الرازي: دلت هذه الآية على أنَّ القياس حجة في الشرع؛ وذلك لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] صفة لأولي الأمر،\n_________\n(^١) تفسير الرازي (١٠/ ١٥١) دار الفكر.","vol":"2","page":171},{"text":"وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخلو إما أن يرجعوا إليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها أولًا، والأول باطل؛ لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط، لأن من روى النص في واقعة لا يقال: إنه استنبط الحكم. فثبت أنَّ الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أنَّ الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أنَّ الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط، أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة (^١).\nقلت: وهذا أحد وجهين في تفسير الآية.\nقال القاسمي: وعلى هذا الوجه يحمل قول السيوطي في (الإكليل) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ [النساء: ٨٣] الآية، هذا أصل عظيم في الاستنباط والاجتهاد (^٢).\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].\nهذا من باب القياس الظاهر؛ وذلك لأن عرض المرء أشرف من\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب للرازي (١٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٢) محاسن التأويل للقاسمي (٣/ ٢٣٦) بتصرف.","vol":"2","page":172},{"text":"لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى؛ لأن ذلك آلَمُ (^١).\n٥ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤].\nقال تاج الدين السبكي في هذه الآية: فيها دلالة على أنَّ القياس حجة؛ وذلك من قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا﴾ [النساء: ٥٤] إلى آخره؛ لأنه تعالى سفَّهَ نظرهم وقبَّحَ صنعهم بالنظر إلى أن لا بدع فيما آتى نبيه من فضله؛ لأنه تعالى قد أتى آل إبراهيم ﵇، فقاس فرعًا على أصل بعلة جامعة، وهي فضله ﷾ (^٢).\n٦ - قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾ [القمر: ٤٣]، فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية، ولا تمت الحجة (^٣).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب للرازي سورة الحجرات.\n(^٢) الأشباه والنظائر للسبكي (٢/ ٣٦٤) ط. دار الكتب العلمية.\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي سورة الأنبياء.","vol":"2","page":173},{"text":"٧ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥].\nثم قال بعدها: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف: ٢٦].\nوالمعنى: أنَّ حكمكم كحكمهم، وأنا إذا كنا قد أهلكناهم بمعصية رسولنا، ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش، فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين، وأنَّ هذا محض عدل الله بين عباده (^١).\n٨ - قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد: ١٠].\nأخبر أنَّ حكم الشيء حكم مثله قياسًا عليه.\nقال ابن القيم: وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالمسير في الأرض، سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب، أو السير المعنوي بالتفكير والاعتبار، أو كان اللفظ يعمهما، وهو الصواب، فإنه\n_________\n(^١) أضواء البيان سورة الأنبياء.","vol":"2","page":174},{"text":"يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك؛ ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حل بالمكذبين، ولولا أنَّ حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار، وقد نفى الله سبحانه عن حكمه، وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، وأخبر أنَّ هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إلى الله سبحانه.\nوقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨]، أفلا تراه كيف ذكر العقول، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم، وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن: ١ - ٢]، فهذا الكتاب، ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرحمن: ٧]، والميزان يراد","vol":"2","page":175},{"text":"به العدل، والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده. والقياس الصحيح الميزان الذي أنزله الله مع كتابه (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: والميزان هو الذي توزن به الأمور، ويقاس به بينها وهذا واضح (^٢).\n٩ - استدل الشافعي ﵀ على الاجتهاد والقياس بآية القِبلَة، وآية الصيد للمحرم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].\nقال الشافعي: فالعلم يحيط أنَّ من توجه تلقاء المسجد الحرام ممن نَأَتْ داره عنه على صواب بالاجتهاد للتوجه إلى البيت بالدلائل عليه؛ لأن الذي كُلِّف التوجه إليه، وهو لا يدري أصاب بتوجه قصد المسجد الحرام أم أخطأه، وقد يرى دلائل يعرفها، فيتوجه بقدر ما يعرف، وإن اختلف توجههما (^٣).\nوقال الله ﷿: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٢٤٩ - ٢٥١) ط. مشهور بتصرف.\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١١/ ٦٥).\n(^٣) الرسالة للشافعي (٤٨٨).","vol":"2","page":176},{"text":"الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nقال البيهقي: فنص الله تعالى على وجوب الجزاء من النعم في المقتول من الصيد، ولم ينص على ما يعتبر من المماثلة، فكان ما نص عليه أنه من النعم لا اجتهاد فيه، وكان المرجع في الوجه الذي به يعلم مماثلته فيه، لا طريق له غير الاجتهاد والاعتبار (^١).\n١٠ - قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].\nوهذا قياس يعني: أننا لما كنا قادرين على ابتداء الخلق كنا قادرين على إعادته: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، فهنا قياس الإعادة على البدء، وهو قياس واضح جلي.\n١١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر: ٩]، والكاف للتشبيه، فهذا شبه هذا، وكل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على القياس؛ لأن المقصود به إلحاق الأمر المعنوي بالأمر الحسي إلحاق هذا بهذا، وعليه فتكون أدلة القياس في القرآن كثيرة جدًّا (^٢).\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٤٦٧).\n(^٢) شرح الأصول من علم الأصول للشيخ ابن عثيمين (٤٧٧، ٤٧٨).","vol":"2","page":177},{"text":"١٢ - قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٢].\nفهذه الآية وقع منها الاحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث بالقياس على النشأة الأولى، وهو قياس في الأصول المعتقدة التي يطلب فيها القطع، ففي الفقه الذي يكتفي فيه بالظن من باب أولى.\nومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩].\n\n*<span data-type='title' id=toc-359> ثانيا: الأدلة من السنة على حجية القياس:</span>\n١ - حديث ابن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟! إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦).","vol":"2","page":178},{"text":"قال النووي: في الحديث إثبات القياس والتمثيل في المسائل، فقد قاس ضرع الماشية على الغرفة التي يخزن فيها الطعام وغيره، وشبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذنه (^١).\n٢ - حديث ابن عباس أنَّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم شهر، فقال: «أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء» (^٢).\nوفي رواية: إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك» (^٣).\nقال النووي: في هذه الأحاديث صحة القياس؛ لقوله ﷺ: «فدين الله أحق بالقضاء».\nوفيه: يستحب للمفتي أن ينبه على وجه الدليل إذا كان مختصرًا واضحًا، وبالسائل إليه حاجة، أو يترتب عليه مصلحة؛ لأنه ﷺ قاس\n_________\n(^١) شرح النووي (١٢/ ٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، واللفظ له.\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٤٨).","vol":"2","page":179},{"text":"على دين الآدمي تنبيهًا على وجه الدليل (^١).\n٣ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: هششت يومًا، فقبلت وأنا صائم، فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقلت: لا بأس بذلك. فقال ﷺ: «ففيم» (^٢).\nفلقد قاس النبي ﷺ القبلة على المضمضة في عدم إفساد الصوم، والمعنى أنَّ المضمضة مقدمة للشرب، وقد علمتم أنها لا تفطر، وكذا القبلة مقدمة للجماع فلا تفطر.\nقال ابن حجر في الفتح نقلًا عن المازني: ومن بديع ما روي في ذلك قوله ﷺ للسائل: «أرأيت لو تمضمضت»، فأشار إلى فقه بديع، وذلك أنَّ المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أنَّ القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أنَّ أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك\n_________\n(^١) شرح النووي (٨/ ٢٩)، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت.\n(^٢) سنده صحيح، واستنكره النسائي: أخرجه أحمد (١٣٨) وأبو داود (٢٣٨٥) وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله، وقال النسائي في الكبرى (٣٠٣٦) عقبه (وهذا حديث منكر، وبكير مأمون، وعبد الملك بن سعيد رواه عنه غير واحد، ولا ندري ممن هذا).","vol":"2","page":180},{"text":"أوائل الجماع (^١).\n٤ - حديث أبي هريرة أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ - وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا. قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ»، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ (^٢).\n٥ - حديث ابن عباس أنَّ امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. فقال: اقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء» (^٣).\nوبوب عليهما الإمام البخاري قال: باب: من شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبين، وقد بين النبي ﷺ حكمهما ليفهم السائل.\nقال ابن حجر: قال ابن بطال: التشبيه والتمثيل هو القياس عند\n_________\n(^١) الفتح للحافظ ابن حجر (٤/ ١٨٧) حديث رقم (١٩٢٨) دار الحديث.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣١٤)، ومسلم (١٥٠٠) وما بين علامات التنصيص له.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٥٢، ٧٣١٥).","vol":"2","page":181},{"text":"العرب. وقد احتج المزني بهذين الحديثين على من أنكر القياس.\nوقال الكرماني: عقد هذا الباب وما فيه يدل على صحة القياس، وأنه ليس مذمومًا، لكن لو قال من شبه أمرًا معلومًا لوافق اصطلاح أهل القياس، قال وأما الباب الماضي المشعر بذم القياس وكراهته، فطريق الجمع بينهما أنَّ القياس على نوعين: صحيح، وهو المشتمل على جميع الشرائط، وفاسد وهو بخلاف ذلك، فالمذموم هو الفاسد، وأما الصحيح فلا مذمة فيه بل هو مأمور به (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: ففي هذا الحديث لم يقل له ﷺ: الولد لكما.\nلو قال: الولد لكما. لقال الرجل: نعم رضينا بالله ورسوله، لكن أراد النبي ﷺ أن يقيس فضرب له مثلًا يناسبه من بيئته، وهو أعرابي لا يعرف إلا الإبل فاقتنع الرجل (^٢).\n٦ - حديث معاذ أنَّ رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم يكن\n_________\n(^١) الفتح للحافظ ابن حجر (١٣/ ٣٦٠).\n(^٢) شرح نظم الورقات لابن عثيمين (١٦٥ - ١٦٦) دار ابن الهيثم.","vol":"2","page":182},{"text":"في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» (^١).\nوالحديث وإن ضعفه فريق من العلماء، وصححه بعضهم، لكن استدل به بعضهم على الاجتهاد والقياس.\nقال في (المجمع): وفي حديث معاذ أجتهد رأيي، الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر بالقياس على كتاب وسنة (^٢).\nقال الخطابي في المعالم: يريد الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه، أو يخطر بباله من غير أصل من كتاب أو سنة، وفي هذا إثبات القياس، وإيجاب الحكم به (^٣).\nوقال: لا آلو. معناه لا أقصر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٥٩٤)، والترمذي (١٣٢٧)، والدارمي (١٧٠)، وغيرهم من طرق عن الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ عن معاذ مرفوعًا، وفيه الحارث بن عمرو لا يعرف، وإبهام أصحاب معاذ، وضعفه الألباني، وغيره.\n(^٢) عون المعبود لأبي عبد الرحمن شرف الحق العظيم آبادي (٩) / ٤٠١).\n(^٣) معالم السنن للخطابي (٤/ ١٦٥).","vol":"2","page":183},{"text":"فيه (^١).\nوعن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به، وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله ﷺ قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله، وكان عن أبي بكر وعمر، قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله ﷺ ولا عن أبي بكر ولا عن عمر اجتهد رأيه (^٢).\nوبالإضافة إلى هذه الأحاديث أيضًا:\nأقيسة النبي ﷺ؛ فقد استعمل القياس والتمثيل لبيان الحكم، وقد جمعها أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم الحنبلي ﵀ (ت ٦٣٤)، ولخصها الحافظ العلائي، وهي مطبوعة ضمن رسائل الحافظ العلائي المجلد الثالث.\n_________\n(^١) عون المعبود (٩/ ٥٠٩ - ٥١٠)، كتاب القضاء، باب اجتهاد الرأي في القضاء، ط. دار الفكر.\n(^٢) أخرجه الدارمي (١/ ٧١) رقم (١٦٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٢٢) رقم (٨٤٧) واللفظ له، وسنده صحيح، والحاكم في المستدرك (١/ ١٢٧).","vol":"2","page":184},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-360> ثالثًا: الإجماع:</span>\n- قال الإمام الرازي: الإجماع هو الذى عول عليه جمهور الأصوليين، وتحريره أن العمل بالقياس مجمع عليه بين الصحابة، وكل ما كان مجمعًا عليه بين الصحابة فهو حقٌّ، فالعمل بالقياس حقٌّ (^١).\n- وقال ابن عقيل الحنبلى: وقد بلغ التواتر المعنوى عن الصحابة بالعمل به وهوقطعى (^٢).\n- وقال ابن دقيق العيد: عندى أن المعتمد اشتهار العمل بالقياس فى أقطار الأرض شرقًا وغربًا قرنًا بعد قرن عند جمهور الأمة إلا عند شذوذ من المتأخرين (^٣).\n- ويقول ابن عبد البر: لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة فى نفى القياس فى التوحيد، والعمل به فى الأحكام إلا داوود فإنه نفاه فيهما جميعًا (^٤).\nوقال المزني: الفقهاء من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وهلم جرًّا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم،\n_________\n(^١) المحصول للرازي (٥/ ٥٣).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٧/ ٣٣).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) البحر المحيط للزركشي (٧/ ٢١).","vol":"2","page":185},{"text":"وأجمعوا بأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس (^١).\nقال أبو عمر: ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا الكلب من الجوارح قياسًا على الكلاب بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، فدخل في ذلك المحصنون قياسًا.\nوكذلك قوله في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فدخل في ذلك العبد قياسًا عند الجمهور إلا من شذ ممن لا يكاد يعد قوله خلافًا.\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فدخل في ذلك الكتابيات قياسًا، فكل من تزوج كتابية وطلقها قبل المسيس لم يكن عليها العدة، والخطاب قد ورد بالمؤمنات.\nوقال في الشهادة في المداينات: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فدخل في معنى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ١٨٤).","vol":"2","page":186},{"text":"بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] قياسًا على الدين: المواريث والودائع والمغصوب وسائر الأموال (^١).\nواتفقوا على مسألة العول في زمان عمر ﵁ حتى أظهر ابن عباس ﵁ الخلاف بعد وفاة عمر، وصورتها إذا ضاقت التركة عن الفروض كأن ترك زوجًا، وأمًّا، وأختين لغير أم، فقال عمر: فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، وللأم السدس، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه، فاستشار الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه بالعول، وقاسوا ذلك على الديون إذا كانت أكثر من التركة، فإنَّ التركة تقسم عليها بالحصص، ويدخل النقص في الجميع، واتفقوا على ذلك.\nقال ابن قدامة: ولا نعلم اليوم قائلًا بمذهب ابن عباس، ولا نعلم خلافًا بين فقهاء العصر بالقول بالعول (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-361> رابعًا: احتجاج الصحابة بالقياس:</span>\n١ - كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى وفيه: ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور\n_________\n(^١) أضواء البيان: سورة الأنبياء.\n(^٢) المغني لابن قدامة (٩/ ٢٨ - ٣٠).","vol":"2","page":187},{"text":"عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق.\nقال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه (^١).\n٢ - حديث ابن عباس: أنَّ عمر بن الخطاب ﵃ خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أنَّ الوباء قد وقع بالشام، وساق القصة وفيها: فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه-: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ١٥٩ - ١٦٣). وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٥)، والبيهقي (١٠/ ١٥٠)، ومعرفة السنن والآثار (١٤/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وابن عساكر (٣٢/ ٧١) من طريق جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام المصري، قال كتب عمر بن الخطاب … وذكره. وهذا إسناد جيد. وقد جود إسناد الرسالة البلقيني في محاسن الاصطلاح (٢١٩)، وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي (٩/ ١٧٠): وقد رويت من أسانيد كثيرة، لا نطول بها، وشهرتها أغنت عن إسنادها.","vol":"2","page":188},{"text":"الجدبة رعيتها بقدر الله؟ (^١).\nقال النووي: في هذا الحديث فوائد، ومنها: صحة القياس وجواز العمل به (^٢).\n٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: بلغ عمر بن الخطاب أنَّ فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أنَّ رسول الله ﷺ قال: (قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها) (^٣).\nقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استعمال الصحابة القياس في الأمور من غير نكير؛ لأن عمر ﵁ قاس تحريم بيع الخمر عند تحريمها على بيع الشحوم عند تحريمها، وهو قياس من غير شك (^٤).\nوثبت أنَّ عمر جلد ثمانين في الخمر (^٥)، قال علي: جلد رسول الله في الخمر وأبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين، وكلٌّ سنة (^٦).\nقال أبو الوليد الباجي: واتفقوا أنَّ الحد ثمانون، وحكم بذلك على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩).\n(^٢) شرح النووي (١٤/ ٢٢١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢).\n(^٤) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (٤/ ٤٣٩).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٧٠٦) من حديث أنس بن مالك.\n(^٦) أخرجه مسلم (١٧٠٧) بنحوه.","vol":"2","page":189},{"text":"ملأ منهم، ولم يعلم لأحد فيه مخالفة، فثبت أنه إجماع، ودليلنا من جهة القياس أنَّ هذا حد في معصية، فلم يكن أقل من ثمانين كحد الفرية والزنى (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-362> خامسًا: العقل:</span>\nقال ابن القيم: وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]، فالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل، وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين، وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين، وإنكار الجمع بينهما (^٢).\nوأيضًا: نجد أنَّ الله ﷾ عندما شرع لم يشرعها إلا لمصالح العباد، وأنَّ صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان تقتضي فتح باب الاجتهاد، بل وجوبه فيما يستجد من الأحداث، والوقائع التي لا نص فيها متى تحققت فيه علة حكمه، أو شمله ضابطه العام، وهذا هو القياس.\nوأيضًا: فإنَّ نصوص القرآن والسنة متناهية محدودة، ووقائع الناس\n_________\n(^١) المنتقى شرح الموطأ للباجي (٣/ ١٤٤).\n(^٢) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٢٤٨).","vol":"2","page":190},{"text":"غير متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية هي وحدها المصدر التشريعي لما لا يتناهى، فشُرِع القياس على النصوص لمسايرة الوقائع المتجددة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-363> أدلة منكري القياس:</span>\nاستدل من أنكر القياس بجملة أدلة، منها:\n١ - في ذم القول على الله بغير علم، والأمر بالتمسك بالكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، وكقوله تعالى في آيات المحرمات: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].\nفهذه الآيات وأمثالها تدل على أنَّ الرسول ﷺ ما كان يحكم إلا بالوحي، والنص، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حرامًا.\nوالجواب عن ذلك: أنه لما قامت الدلالة على أنَّ القياس حجة؛","vol":"2","page":191},{"text":"كان العمل بالقياس عملًا بالنص في الحقيقة، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال: مهما غلب على ظنك أنَّ حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين، فاعلم أنَّ تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن، وإذا كان الأمر كذلك؛ كان العمل بهذا القياس عملًا بعين النص (^١).\n٢ - استدلوا بأدلة ذم الظن واتباعه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨].\nوهذه الآيات في ذم الكفار بسبب كونهم متبعين للظن، والشيء الذي يجعله الله تعالى موجبًا لذم الكفار لا بد وأن يكون في أقصى مراتب الذم، والعمل بالقياس يوجب اتباع الظن، فوجب كونه مذمومًا محرمًا (^٢).\nوالجواب: لم لا يجوز أن يقال: الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح، وهو إما ألا يستند إلى أمارة مثل اعتقاد الكفار بدليل قوله في الآية: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزخرف: ٢٠]، قال ابن عباس: يكذبون. وقال\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب للرازي (١١/ ٣٤) دار الفكر.\n(^٢) مفاتيح الغيب للرازي (١٣/ ١٢٧).","vol":"2","page":192},{"text":"عطاء: يفترون.\nوهم أيضًا قابلوا النص الواضح بحل الذبائح، وتحريم الميتة بالظن الكاذب المبني على الهوى، حيث قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل ربكم. فنزلت هذه الآية (^١).\nوأما إذا كان الاعتقاد الراجح مستندًا إلى أمارة؛ فهو معمول به ومعتبر، كما في خرص النخيل، كأخذ الصدقة منه، فقد خرص رسول الله ﷺ، وخرص أصحابه، والأحاديث في ذلك مشهورة (^٢).\nقال الرازي: والجواب: لا نسلم أنَّ العمل بالقياس اتباع الظن، فإنَّ الدليل القاطع لما دل على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلومًا لا مظنونًا، وهذا الكلام له غور وفيه بحث (^٣).\n٣ - استدلوا بآيات إكمال الدين، واشتماله على كل شيء، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].\n_________\n(^١) تفسير الطبري في الآيات بعدها.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد الساعدي.\n(^٣) تفسير الرازي (١١/ ٢٦٢).","vol":"2","page":193},{"text":"والجواب عن الاستدلال بهذه الآيات: بأنَّ المراد بإكمال الدين أنه تعالى بيَّن حكم جميع الوقائع بعضها بالنص، وبعضها بأن بين طريق معرفة الحكم فيها على سبيل القياس، فإنه تعالى لما جعل الوقائع قسمين: أحدهما: التي نص على أحكامها، والقسم الثاني: أنواع يمكن استنباط الحكم فيها بواسطة قياسها على القسم الأول، ثم إنه تعالى لما أمر بالقياس، وتعبد المكلفين به كان ذلك في الحقيقة بيانًا لكل الأحكام، وإذا كان كذلك كان ذلك إكمالًا للدين (^١).\n٤ - استدلوا بالآثار الدالة على ذم القول بالرأي والقياس، كقول أبي بكر: أيُّ أرض تقلني وأيُّ سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم (^٢).\nوكقول علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه (^٣).\nوكقول ابن سيرين: أول من قاس إبليس، قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ\n_________\n(^١) تفسير الرازي (١١/ ١٤١) دار الفكر.\n(^٢) صحيح لطرقه: أخرجه أحمد (١٨٨٣٧)، وأبو داود (١٥٧٩)، وابن ماجه (١٨٠١)، وغيرهم من طرق يقوي بعضها بعضًا عن سويد بن غفلة به.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (١٦٢)، وغيره عن علي موقوفًا.","vol":"2","page":194},{"text":"وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢] (^١).\nوما روي عن السلف في ذم القياس، فهو عندنا قياس على غير أصل، أو قياس يُرَدُّ به أصل.\nقال: كقياس إبليس، فإنه ردَّ أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن، وإذا صح النص من الكتاب والأثر؛ بطل القياس والنظر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (^٢).\nوبمثل ذلك أجاب ابن القيم، وقسم الرأي ثلاثة أقسام فراجعها للأهمية (^٣).\n٥ - قالوا القياس مردود؛ لأن أول من قاس هو إبليس، فكل من قاس فهو متبع لإبليس.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٨٠٦)، والدارمي (١٩٥) عن ابن سيرين قوله.\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١٥٤) بتصرف.\n(^٣) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ١٢٤)، وما بعدها.","vol":"2","page":195},{"text":"والجواب عن ذلك:\nأنَّ قولهم كل من قاس فهو متبع لإبليس فيه شاء من الصواب لكنه يحتاج إلى قيد وهو: أنَّ كل من قاس قياسًا كقياس إبليس فهو متبع لإبليس، لكن أئمة الهدى لا يقيسون قياسًا كقياس إبليس.\nس: فما هو قياس إبليس؟\nج: أنه قاس فى مصادمة النص.\nفكل من قاس قياسًا فى مصادمة النص فهو الذى يتبع إبليس، وهو قول الله تعالى ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فقاس، ثم أخرج الحكم بالقياس بعدم السجود، وهذا فى الأصول يسمى قياسًا فاسدًا، فالذى قاس قياسًا فاسدًا فهذا هو الذى اتبع إبليس، ولذلك فالقياس الصحيح لا يعارض النص.\nلذا فقياس إبليس قياس باطل شرعًا غير مقبول عقلًا وإليك البيان:\nأولًا: لا قياس فى مصادمة النص، فالعقل لا يخرج حكمًا أحسن مما أنزله الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\nثانيًا: القياس الصحيح لابد أن يوافق النص فإن لم يوافق النص فهذا القياس غير صحيح وغير منضبط فى أركانه، لذلك لا تجد علماءنا","vol":"2","page":196},{"text":"يقيسون قياسًا يخالف النص.\nوإبليس حينما بنى قياسه بناه على مقدمات وهى:\n١ - ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢].\n٢ - النار أفضل من الطين.\n٣ - شرف الأصل يدل على شرف الفرع وعليه قال هو أفضل من آدم.\n٤ - الفاضل لا يسجد للمفضول.\nومن هذه المقدمات أخرج إبليس حكمًا أنه لايسجد لآدم.\nوبالنظر لهذه المقدمات التى بنى عليها إبليس الحكم تجد أكثرها غير صحيح، وإليك البيان:\n١ - قال إبليس: آدم خلق من طين وإبليس خلق من نار، والنار أفضل من الطين وهذا كلام باطل لأن النار ليست أفضل من الطين، فالطين يوضع فيه البذرة، فتخرج شجرة بثمارها، أما النار فتوضع فيها الشجرة بثمارها فتصير رمادًا، والطين يدل على البناء والتعمير أما النار فتدل الانهيار والدمار، والطين فيه البرودة والرطوبة أما النار فتدل على الحرارة والسخونة، الطين يدل على العلو والارتفاع بخلاف النار فتدل على التسفل، الطين فى أصلها التؤدة والسكينة أما النار ففيها العشوائية،","vol":"2","page":197},{"text":"وغلب على كل أصله فغلب على إبليس العشوائية، وغلب على آدم التؤدة والسكينة لما عصى فذل وخضع وتاب إلى الله تعالى.\nثانيًا: اعتبر إبليس أن شرف الأصل يدل على شرف الفرع فلو افترضنا أن النار أفضل من الطين هل يلزم من ذلك أن يكون إبليس أفضل من آدم؟! لا، فشرف الأصل لا يدل على شرف الفرع، فشرف نوح ﵇ لم يدل على شرف ابنه الذى كان كافرًا وكان أبوه نبيًّا، ولذلك كانت العرب تقول:\nإذا افتخرت بآباء لهم شرف … قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا.\nثالثًا: لو فُرض أنَّ شرف الأصل يدل على شرف الفرع فلا مانع أن يسجد الفاضل للمفضول لو أمر الله، لذلك فالقياس الذى قاس به إبليس هو قياس باطل من جميع جهاته، فكل من قاس قياسًا كهذا مع علمه بأنه مصادم للنص فهذا متبع لإبليس.\nتنبيه: انقسم الناس في الأخذ بالقياس إلى ثلاثة طوائف:\nالأولى: غالت في الأخذ به.\nالثانية: غالت في إنكاره.\nالثالثة: المتوسطون بين هؤلاء وأولئك.\nفالأولى قالت: إنَّ النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا","vol":"2","page":198},{"text":"بعض هؤلاء حتى قال: إنَّ النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة. قاله طائفة من أهل الكلام والرأي، كأبي المعالي الجويني في (البرهان).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهو خطأ، بل الصواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أنَّ النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد.\nومنهم من يقول: إنها وافية بجميع ذلك، وإنما أنكر ذلك من أنكره؛ لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله، وشمولها لأحكام أفعال العباد، وذلك أنَّ الله بعث محمدًا ﷺ بجوامع الكلم، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعًا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تحصى، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد (^١).\nالثانية: قالوا: القياس كله باطل، محرم في الدين، ليس منه، وأنكروا القياس الجلي الظاهر حتى مزقوا بين المتماثلين.\nالثالثة: المتوسطون بين هؤلاء وأولئك، وهو الصواب أنَّ النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (١/ ١٥٢).","vol":"2","page":199},{"text":"الصحيح حق مطابق للنصوص فهما دليلان: الكتاب، والميزان (^١).\nفدلالة النصوص إما بالنص، أو بالظاهر، أو بالإيماء، والإشارة، أو الاقتضاء، والقياس الصحيح، والجمع بين الأصل والفرع بعلة جامعة إلى غير ذلك من وجوه الاستنباط من بحر النصوص العظيم، وكلٌّ يغترف منه على قدر ما أعطاه الله من الفهم والتوفيق.\n\n*<span data-type='title' id=toc-364> أركان القياس:</span>\nمن خلال تعريف القياس يتبين أنَّ للقياس أربعة أركان، وهي:\n١ - الأصل: وهو محل الحكم المشبه به.\n٢ - الفرع: وهو المحل المشبه.\n٣ - حكم الأصل: وهو ما ثبت في الشرع في الأصل.\n٤ - الوصف الجامع بين الأصل والفرع: ويسمى: العلة، والجامع، والمناط، والأمارة، والداعي، والباعث، والمقتضي، والموجب، والمشترك (^٢).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٩٧).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٩/ ١٧).","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-365>الركن الأول: الأصل،</span> ويطلق على أمور:\n١ - ما يقتضي العلم به العلم بغيره.\n٢ - ما لا يصلح العلم بالمعنى إلا به.\n٣ - الذي يعتبر به ما سواه.\n٤ - الذي يقع القياس عليه، وهو المراد هنا.\nقال الشوكاني - بعد ذكر اختلافهم في حد الأصل-: وعلى الجملة: إنَّ الفقهاء يسمون محل الوفاق أصلًا، ومحل الخلاف فرعًا، ولا مشاحة في الاصطلاحات، ولا يتعلق بتطويل البحث في هذا كثير فائدة، فالأصل هو المشبه به، ولا يكون ذلك إلا لمحل الحكم، لا لنفس الحكم، ولا لدليله (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-366> شروط القياس:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-367> أولًا: شروط القائس:</span>\nقال الشافعي ﵀: ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضه، وأدبه، وناسخه، ومنسوخه، وعامة، وخاصة، وإرشاده.\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٠٠).","vol":"2","page":201},{"text":"ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله ﷺ، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماعًا فبالقياس، ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبيت، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتًا فيما اعتقده من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك، ولا يكون بما قال -أعني منه بما خالفه- حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما ترك إن شاء الله، فأما من تم عقله، ولم يكن عالمًا بما وصفنا، فلا يحل له أن يقول بقياس، وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم، ولا خبرة له بسوقه.\nومن كان عالمًا بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة، فليس له أن يقول أيضًا بقياس؛ لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني، وكذلك لو كان حافظًا، مُقَصِّرَ العقل، أو مقصِّرًا عن علم لسان العرب لم يكن له أن يقيس من قِبَل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس (^١).\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي (٥٠٩ - ٥١١) دار التراث.","vol":"2","page":202},{"text":"وعن عمرو بن العاص ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (^١).\nقال الحافظ: قال القرطبي: هكذا وقع في الحديث بدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإنَّ الاجتهاد يتقدم الحكم؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتفاقًا، لكن التقدير في قوله: (إذا حكم) إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد قال: ويؤيده أنَّ أهل الأصول قالوا: يجب على المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على ما تقدم له؛ لإمكان أن يظهر له خلاف غيره (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-368> ثانيًا: الشروط المتعلقة بأركان القياس:</span>\nأولًا: شروط القياس المعتبرة في الأصل:\nالشرط الأول: أن يكون حكم الأصل ثابتًا بنص أو إجماع:\nمثال ما ثبت بالنص:\nغسل ولوغ الخنزير سبعًا (عند من قال بذلك)؛ لأنه حيوان نجس، فيقاس على الكلب، فإن منعوا الحكم في ولوغ الكلب دلَّلنا عليه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٨٧).","vol":"2","page":203},{"text":"بالحديث الصحيح المشهور فيه (^١).\nومثال ما ثبت بالاتفاق:\nقياس النبيذ على الخمر، والأرز على البُرِّ، والقتل بالمثقل على القتل بالمحدَّد، وهو كثير.\nوهنا مسألة: أنَّ الأصل إذا كان ثابتًا بالقياس، فلا يصح القياس عليه، وهذا ما رجحه الطوفي بعد ذكر القولين للشافعية في ذلك، ونقض القول بالجواز (^٢).\nوهذا هو المعبر عنه بالقاعدة: ما ثبت بطريق القياس فغيره عليه لا ينقاس، وهذا هو قول الجمهور.\nالشرط الثاني: أن يكون الحكم شرعيًّا ليخرج الحكم العقلي واللغوي (^٣).\nالشرط الثالث: أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملًا لحكم الفرع، أما لو كان شاملًا له، خرج عن كونه فرعًا، وكان القياس ضائعًا، لخلوه عن الفائدة بالاستغناء عنه بدليل الأصل؛ ولأنه لا يكون جعل أحدهما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٩٢).\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٧/ ١٠٤).","vol":"2","page":204},{"text":"أصلًا، والآخر فرعًا أولى من العكس (^١).\nالشرط الرابع: أن لا يتغير حكم الأصل بالتعليل، ومعناه ما ذكرناه من أنَّ العلة إذا عكرت على الأصل بالتخصيص فلا تقبل (^٢).\nوهو معنى قول بعض الأصوليين: كل تأويل يرفع النص أو شيئًا منه فهو باطل. ومثاله: تأويل أبي حنيفة في مسألة الأبدال حيث قال ﵊: «في أربعين شاة شاة» (^٣)، فقال أبو حنيفة: الشاة غير واجبة، وإنما الواجب مقدار قيمتها من أي مال كان، قال: فهذا باطل؛ لأن اللفظ نص في وجوب شاة، وهذا رفع وجوب الشاة فيكون رفعًا للنص (^٤).\nالشرط الخامس: أن لا يكون الأصل معدولًا به عن سَنَن القياس، فإنَّ الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره.\nويطلق اسم الخارج عن القياس على أربعة أقسام مختلفة، فإنَّ ذلك يطلق على ما استثني من قاعدة عامة، وتارة على ما استُفتح ابتداءً من\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٠٢).\n(^٢) المستصفى للغزالي (٢/ ٩٩٧).\n(^٣) البخاري (١٤٥٤) بنحوه، ولفظه عند أحمد (١١٣٠٧) من حديث أبي سعيد الخدري، أبو داود (١٥٦٨، ١٥٧٢) من حديث علي، وابن عمر.\n(^٤) المستصفى للغزالي (٢/ ٦٤٠ - ٦٤١).","vol":"2","page":205},{"text":"قاعدة مفردة بنفسها لم تُقطع من أصل سابق.\nوكل واحد من المستثنى والمُستَفتح ينقسم إلى: ما يعقل معناه، وإلى ما لا يعقل معناه، فهذه أربعة أقسام:\nالقسم الأول: ما استثني من قاعدة عامة وخصص بالحكم، ولا يعقل معنى التخصيص فلا يقاس عليه غيره؛ لأنه فهم ثبوت الحكم في محله على الخصوص، وفي القياس إبطال الخصوص المعلوم بالنص، ولا سبيل إلى إبطال النص بالقياس.\nوكونه خاصية لمن ورد في حقه تارة يُعلم وتارة يُظن.\nفالذي يعلم مثاله: تخصيص النبي ﷺ واستثناؤه في تسع نسوةٍ، وفي نكاح امرأةٍ على سبيل الهبة من غير مهر، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وفي تخصيصه بصفيِّ المغنم.\nقال القرطبي ﵀: كان لرسول الله ﷺ سهم كسهم الغانمين، حضر أو غاب، وسهم الصَّفيِّ، يصطفي سيفًا أو سهمًا أو خادمًا أو دابة، وكانت صفية بنت حيي من الصَّفيّ من غنائم خيبر،","vol":"2","page":206},{"text":"وكذلك سيفه ذو الفقار (^١).\nعن عائشة قالت: (كانت صفيّة من الصَّفيِّ) (^٢)، وما ثبت من تخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده، وجعلها تعدل شهادة رجلين، عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف، فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرًا أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (^٣)، وتخصيص أبي بردة في العناق أنها تجزي عنه في الضحية، في حديث البراء بن عازب، وفيه: وكان أبو بردة بن نيار، قد ذبح، فقال: إن عندي جذعة خير من مسنة، فقال: (اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك) (^٤)، وفي رواية: يا رسول الله إنَّ عندي داجنًا جذعة من المعز، قال: اذبحها، ولن تصلح لغيرك (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٤/ ٣٧٥).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٢٩٩٤)، وابن حبان (٤٨٢٢) من حديث عائشة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨٠٧، ٤٧٨٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٩٦٥، ٩٦٨)، ومسلم (١٩٦١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١).","vol":"2","page":207},{"text":"فهذا لا يقاس عليه؛ لأنه لم يرد ورود النسخ للقاعدة السابقة، بل ورود الاستثناء مع إبقاء القاعدة فكيف يقاس عليه.\nومن ذلك اختصاص سلمة بن الأكوع بسكنى البادية من جملة المهاجرين، فلا يجوز لغير سلمة أن يخرج من بلد هجرته إلى المكان الذي هاجر منه، وبوب عليه النووي في شرح مسلم، باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه، ثم ساق حديث سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البَدْوِ (^١)، وهذا ظاهر في الاختصاص بسلمة حيث لم ينكر الحكم العام، ولكنه بيّن الاستثناء.\nوالذي يظن وفيه تختلف الأنظار، فمن الفقهاء من عمم حكم الأصل أو قاس عليه غيره، ومنهم من جعله معدولًا به عن القياس، فهو خاص بمحله، ولا يقاس عليه غيره.\nومن أمثلته: قوله ﷺ في الرجل الذي وَقَصَتْهُ الناقة وهو واقف بعرفة: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٨٧)، ومسلم (١٨٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).","vol":"2","page":208},{"text":"قال ابن دقيق العيد: الحديث دليل على أنَّ المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام، وهو مذهب الشافعي، وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف، وهو الحياة، لكن اتبع الشافعي الحديث، وهو مقدم على القياس.\nوغاية ما اعتذر به عن الحديث ما قيل: إنَّ رسول الله ﷺ علل هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا يعلم وجودها في غيره، وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي ﷺ، والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته -قلت: وهذه العلة لا يعلم عمومها في قولهم - وغير هؤلاء يرى أنَّ هذه العلة إنما تثبت لأجل الإحرام فيعم كل محرم (^١).\nفالذين قصروا هذا الحكم على هذا المحرم بعينه قالوا: لأن حكمه عُدل به القياس الذي هو انقطاع التكليف بالموت، فلا يقاس عليه لأنه علل الحكم ببعثه ملبيًا.\nقال ابن حجر: وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا لوجب أن يكمل به المناسك، ولا قائل به.\nوأجيب: بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد\n_________\n(^١) الإحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (٣/ ٢١٤).","vol":"2","page":209},{"text":"النص، ولا سيما وقد وضح أنَّ الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشهيد (^١).\nولم يقل: (فإنَّ المحرم …) كما قال في الشهيد (^٢).\nوالذين عمموا الحكم عللوه بالإحرام، فيشترك معه غيره في الحكم، والأصل أنَّ ما ثبت لشخص في زمنه ﷺ ثابت لغيره حتى يدل الدليل على خلافه (^٣).\nومن ذلك اختلافهم: هل يكون تعليم القرآن مهرًا في النكاح؟\nفمن أجاز ذلك استدل بقوله ﷺ: «أنكحتكها بما معك من القرآن» (^٤)، وعمموا الحكم في ذلك، وهو قول الشافعي.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٣/ ١٣٧)، حديث (١٢٦٦).\n(^٢) أخرج البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦) عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة، واللون لون الدم، والريح ريح المسك)، وأخرج البخاري (١٣٤٦) عن جابر بن عبد الله، قال: قال النبي ﷺ: (ادفنوهم في دمائهم) - يعني يوم أحد- ولم يغسلهم.\n(^٣) انظر هذه المسألة في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٤/ ٤٥٢ - ٤٥٣) دار العاصمة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٣١٠، ٥١٤٩)، ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي.","vol":"2","page":210},{"text":"والذين منعوا قالوا: لاحتمال أن يكون ذلك الأثر خاصًّا بذلك الرجل، وأيضًا هو خلاف الأصول في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤]، وقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما، والليث، وأنَّ الفروج لا تستباح إلا بالأموال.\nالقسم الثاني: ما استثني من قاعدة عامة، ويتطرق إلى استثنائه معنى، فهذا يقاس عليه كل مسألة دارت بين المستثنى والمستبقى، وشاركت المستثنى في علة الاستثناء.\nومثاله: استثناء العرايا (^١)، فإنه لم يرد ناسخًا لقاعدة الربا، ولا هادمًا لها، لكن استثنى للحاجة، فنقيس العنب على الرطب، لأنَّا نراه في معناه.\nوكذلك إيجاب صاعٍ من تمر في لبن المصراة لم يردها لبنًا\nلضمان المثليات بالمثل، لكن لما اختلط اللبن الحادث بالكائن في الفرع عند البيع، ولا سبيل إلى التمييز، ولا إلى معرفة القدر، وكان متعلقًا بمطعوم يقرِّب الأمر فيه، خلَّص الشارع المتبايعين من ورطة الجهل بالتقدير بصاع من تمر.\nفلا جرم أن نقول: لو رد المصراة بعيب آخر لا بعيب التصرية،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٧٣، ٢١٨٨)، ومسلم (١٥٣٩) من حديث زيد بن ثابت.","vol":"2","page":211},{"text":"فيضمن اللبن أيضًا بصاع، وهو نوع إلحاق وإن كان في معنى الأصل.\nالقسم الثالث: ما لا يعقل معناه: فلا يقاس عليها غيرها لتعذر العلة، فيسمى خارجًا عن القياس تجوزًا، كالمقدرات في أعداد الركعات، ونُصُب الزكوات، ومقادير الحدود، والكفارات، وهذا هو المعبر عنه في شروط الأصل بأن يكون معقول المعنى؛ لأن ما لا يعقل معناه لا يمكن القياس عليه كأوقات الصلوات (^١).\nالقسم الرابع: ما لا نظير له مع أنه معقول المعنى: وهذا المعنى قد يكون بسيطًا، وقد يكون جملة معانٍ لا يوجد جميعها في فرع واحد.\nفمثال المعنى البسيط: السفر، فإنه يشتمل على نوع من المشقة معقول يناسب القصر، ولا يشاركه غيره من الصنائع في ذلك النوع من المشقة المناسبة للقصر، فلا يلحقه غيره فيه.\nوأما المرض فإنما يثبت فيه الجمع والفطر بالنص لا بالقياس، وأما القصر فإن مشقة المرض لا تناسبه، بل تناسب التخفيف على المريض بمشروعية الجلوس، والإيماء في الصلاة.\nومثال: الشفعة في العقار، فإنها معقولة المعنى، وهو لحوق نوع من الضرر بالشريك في العقار، وفيها إجبار على البيع لشخص بغير رضا،\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣٠١) ط دار الرسالة.","vol":"2","page":212},{"text":"فلا يشترك فيه مع العقار غيره.\nومن أمثلة ما توجد فيه جملة معانٍ: القسامة بالأيمان تحصينًا للدماء لعلة الخفية والغيلة في القتل، بحيث يعسر الإشهاد، والقاتل يستخف الأيمان كما يستخف القتل، ويُصِرُّ على الإنكار في غالب الأمر، فلذلك ابتدأ المُدَّعون في القسامة بالأيمان، وهذا على خلاف الأصل، فلا يقاس عليها غيرها.\nوكذلك ضرب الدية على العاقلة في قتل الخطأ فإنه معقول المعنى، ولذلك كانت الجاهلية تفعله قبل الشرع، وجاء الشرع مقرًّا له.\nووجه المصلحة فيه: أنَّ الحاجة مست إلى مخالطة السلاح، وتعلم الحرب، والطعان والضراب بها، حتى أبيح الصيد من غير ضرورة، ولا حاجة، بل لما في ذلك من حصول آلة الحرب، ولما كانت النفوس خطيرة لا تهدر، ولم يتعمد القاتل جناية القتل، فلو أقدناه به، أو حملنا المال كله عليه لقطع مخالطة السلاح حسمًا لما يتوقع منه ذلك، فكان من النظر السديد ضرب الدية على العاقلة، إذ لا كبير حيف عليهم في ذلك لخفتها عليهم بالتوزيع، مع أنَّ ذلك ينجبر بما بينهم من التعاضد والتناصر الذي جبلت عليه القبائل فيما بينها (^١).\n_________\n(^١) مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول لابن التلمساني (١٦٠ - ١٦١)، والمستصفى للغزالي (٢/ ١٠٠١ - ١٠٠٢).","vol":"2","page":213},{"text":"الشرط السادس: أن يكون حكمه مستمرًّا غير منسوخ؛ لأنه إذا نسخ حكم الأصل وبقيت علته لم يبق لها اعتبار، لإثمار حكم مماثل في فرع الأصل منسوخ الحكم، ولكن قد ينسخ حكم من أحكام الأصل، فيتوهم سريان النسخ إلى الحكم الذي يطلب مثله في الفرع.\nومثاله: قول الحنفية بأنَّ تبييت الصوم غير واجب في صوم رمضان قياسًا على صوم عاشوراء، فإنه لا يجب فيه التبييت، لحديث سلمة بن الأكوع: أنَّ النبي ﷺ بعث رجلًا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أنَّ من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل» (^١).\nفيقول المالكية: لقد نُسخ حكم الأصل، وهو وجوب صوم عاشوراء بوجوب صوم رمضان، ومن شروط الأصل المقيس عليه: أن لا يكون منسوخًا.\nفيجيب الحنفية: بأننا لم نقس الفرع على الأصل في الحكم المنسوخ، بل في حكم آخر، وهو عدم وجوب تبييت الصوم؛ لأنه لا يلزم من نسخ حكم وجوب الصوم نسخ عدم وجوب تبييته المقيس عليه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٢٤)، ومسلم (١١٣٥).\n(^٢) مفتاح الوصول للتلمساني (١٥٦).","vol":"2","page":214},{"text":"الشرط السابع: أن يكون الأصل متفقًا عليه؛ لأنه لو لم يكن الحكم مجمعًا عليه، أو منصوصًا عليه، جاز له أن يمنع الأصل فيبطل القياس.\nقال ابن رشد في مسألة اشتراط المعتكف فعل شيء مما يمنعه الاعتكاف، فينفعه شرطه في الإباحة أم ليس ينفعه ذلك؟ فأكثر الفقهاء على أنَّ شرطه لا ينفعه، وأنه إن فعل بطل اعتكافه، وقال الشافعي: ينفعه شرطه. والسبب في اختلافهم تشبيههم الاعتكاف بالحج في أنَّ كليهما عبادة مانعة لكثير من المباحات، والاشتراط في الحج إنما صار إليه من رآه لحديث ضباعة أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «أهلِّي بالحج واشترطي أنَّ محلي حيث حبستني» (^١)، لكن هذا الأصل مختلف فيه في الحج، فالقياس فيه ضعيف عند الخصم المخالف له (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-369> الركن الثاني: الفرع.</span>\nوحَدُّه: ما ألحق بأصل أخذ حكمه منه (^٣).\nشروط الفرع:\nالأول: أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع، فإنَّ تعدي الحكم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).\n(^٢) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٥٦٧) ط التوفيقية.\n(^٣) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٤٩).","vol":"2","page":215},{"text":"فرعُ تعدي العلة، فإن كان وجودها في الفرع غير مقطوع به لكنه مظنون صح الحكم أيضًا (^١).\nلأنه لا يشترط أن يكون وجودها في الفرع مقطوعًا به، بل تكفي فيه غلبة الظن (^٢).\nالشرط الثاني: ألا يتقدم حكم الفرع في الثبوت على الأصل.\nومعناه أنَّ من شرط الفرع أن يكون حكم الأصل ثابتًا قبله؛ لأن حكم الفرع يحدث بحدوث علة الأصل المتعدية إليه، فلو تأخر حكم الأصل عن الفرع، لتأخرت العلة عنه أيضًا، ومن أمثلة ذلك: قياس الوضوء في اشتراط النية على التيمم مع تأخر مشروعية التيمم على الوضوء (^٣).\nالشرط الثالث: أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل لا في جنسه، ولا في زيادة، ولا في نقصان، فإنَّ القياس عبارة عن تعدية حكم من محل إلى محل، فكيف يختلف بالتعدية (^٤).\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (٢/ ١٠٠٣).\n(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣١١) ط دار الرسالة.\n(^٣) شرح مختصر الروضة للطوفي بتصرف (٣/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٤) المستصفى للغزالي (٢/ ١٠٠٤).","vol":"2","page":216},{"text":"فإذا ثبت في الفرع غير حكم الأصل، لم يكن ذلك تعدية بل ابتداء حكم (^١)، وهذا الشرط عبَّر عنه الشوكاني ب (مساواة حكم الفرع بحكم الأصل) (^٢).\nالشرط الرابع: أن لا يكون الفرع منصوصًا عليه بعموم أو خصوص؛ لأن القياس إنما يصار إليه عند خلو الفرع من الحكم الثابت له بالتنصيص (^٣).\nوأيضًا فلو كان دليل حكم الأصل شاملًا له خرج عنه كونه فرعًا، وكان القياس ضائعًا لخلوه عن الفائدة بالاستغناء عنه بدليل الأصل، ولأنه لا يكون جعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا أولى من العكس (^٤)، وأما الاستدلال بالقياس في مسألة ثبت حكمها بالنص، إنما هو لإقناع المخالف بصحة الحكم عند طعنه في النص لما يراه مضعفًا للاستدلال به، لا لأنَّ القياس هو الدليل فيها (^٥).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣١١).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦١٢).\n(^٣) الوجيز في أصول الفقه المالكي لمحمد عبد الغني (١/ ١٢٠) ..\n(^٤) إرشاد الفحول (٢/ ٦٠٢).\n(^٥) الوجيز في أصول الفقه المالكي لمحمد عبد الغني (١١٦، ١١٧).","vol":"2","page":217},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-370> الركن الثالث: الحكم:</span>\nوهو الذي تعلق على العلة من التحليل، والتحريم، والإسقاط (^١).\nواشترط الأصوليون فيه شروطًا، وهي داخلة في شروط الأصل، وقد سبق ذكرها.\n\n*<span data-type='title' id=toc-371> الركن الرابع: العلة:</span>\nقال الشيرازي: العلة في الشرع هي: المعنى الذي يقتضي الحكم (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-372> الفرق بين العلة والحكمة:</span>\nالعلة: هي الوصف الظاهر المنضبط الموجود في الأصل، والذي من أجله شرع الحكم فيه، وبناءً على وجوده في الفرع يراد تسويته بالأصل في هذا الحكم.\nأما الحكمة فهي: الفائدة التي صار بسببها الوصف علة للحكم.\nفتحريم الخمر مثلًا حكم، والإسكار هو علة هذا الحكم، والمحافظة على العقل من الاختلال هي الحكمة التي من أجلها صار الإسكار علة لتحريم الخمر.\nقال في مراقي السعود في تعريف الحكمة:\n_________\n(^١) اللمع للشيرازي (٢٦٨).\n(^٢) اللمع للشيرازي (٢٦١).","vol":"2","page":218},{"text":"وهي التي من أجلها الوصف جرى علة حكم عند كل من درى (^١)\nوعلة الرخصة بقصر الصلاة، والإفطار في رمضان: هي السفر، والحكمة هي تخفيف المشقة على المسافر وهكذا (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-373> شروط العلة:</span>\nالأول: أن يكون طريق إثباتها شرعيًّا كالحكم، وسيأتي -بإذن الله- طرق إثبات العلة.\nالثاني: أن تكون ظاهرة جلية، وإلا لم يكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه، أو مساوية له في الخفاء.\nوإذا كانت العلة أمرًا خفيًّا أقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا يقترن به، ويدل عليه، ويكون بدلًا عن الوصف الخفي؛ لأن لا يصح اعتباره علة بالاستقلال، كالرضا الذي هو الوصف المناسب لصحة العقد وتشريعه، وهو أمر خفي لا يمكن الوقوف عليه، فأقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا يقترن به، ويدل على وجوده وهو الإيجاب والقبول (^٣).\nالثالث: أن تكون مطردة، بحيث يوجد الحكم بوجودها ويرتفع\n_________\n(^١) مراقي السعود للشنقيطي.\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٢٧٠) ط الحديث.\n(^٣) الأساس في أصول الفقه د/ محمود عبد الرحمن (٢/ ٢١٣).","vol":"2","page":219},{"text":"بارتفاعها.\nالرابع: أن تكون مضبوطة، بحيث لا تتخلف عنها حكمتها التي هي آتية لإثبات الحكم ومقصوده، وإلا فهي باطلة، وقد حكى الآمدي أنَّ الإجماع منعقد على صحة تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، لحكمة الزجر أو الجبر، وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل في المحل، لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به، لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه، ونحوه (^١).\nوقد اختلف الأصوليون في جواز التعليل بالحكمة -أي ربط الحكم بها-، وبيانه: أنَّ الله تعالى إذا نصب سببًا لحكمة اختلف العلماء هل يجوز ترتيب الحكم على تلك العلة حيث وجدت على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يجوز قيام التعليل بالحكمة مطلقًا، وإليه ذهب الرازي واختاره البيضاوي تبعًا له (^٢).\nوحجة الجواز: أنَّ الوصف إذا جاز التعليل به، فأولى بالحكمة لأنها\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٠٣) ط المكتب الإسلامي.\n(^٢) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٢١٨).","vol":"2","page":220},{"text":"أصله، وأصل الشيء لا يقصر عنه؛ ولأنها نفس المصلحة والمفسدة وحاجات الخلق، وهذا هو سبب ورود الشرائع، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على الفرع (^١).\nورُدَّ ذلك بأن الحكمة وإن كانت هي أصل العلة، إلا أنَّ الحكمة هنا غير مضبوطة، فأقيم مقامها وصفًا ظاهرًا منضبطًا ليصح الإلحاق بالأصل.\nفإزالة المشقة مثلًا أو تخفيفها حكمة تشريع القصر في السفر والفطر، ولكن العلة هي السفر، ولو عللنا هذه الأحكام بمطلق لاختلفت الأنظار في تحديد المشقة من السفر، أو الأعمال الشاقة، أو الحاجة للنوم، أو ترك عمل هام فضبط الشارع ذلك بإقامة العلة مقامها وهي السفر.\nالقول الثاني: أنه لا يجوز ربط الحكم بها مطلقًا -أي وإن كانت ظاهرة منضبطة-، ورجحه القرافي في (شرح تنقيح الفصول) وقال: حجة المنع أنه لو جاز التعليل بالحكمة لما جاز التعليل بالوصف؛ لأن الأصل لا يعدل عنه إلا عند تعذره، والحكمة ليست متعذرة، فلا يجوز العدول عنها فيعلل بها، ومتى علل بها سقط التعليل بالوصف.\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣١٦).","vol":"2","page":221},{"text":"مثاله: أنَّ وصف الرضاع سبب حرمة النكاح.\nوحكمته: أنَّ جزء المرأة صار جزءًا للرضيع؛ لأن لبنها جزؤها وقد صار لحمًا للجنين، فأشبه منها الذي صار جزءًا للجنين فكما أنَّ ولد الصلب حرام، فكذلك ولد الرضاع، وهو سر قوله ﷺ: «الرضاع لحمة كلحمة النسب» (^١) (لم يرد بهذا اللفظ وإنما الوارد «الولاء لحمة كلحمة النسب»).\nفإذا كانت هذه هي الحكمة، فلو أكل جنين قطعة لحم امرأة. (قلت: أو نقل إليه دم من دمها)، فقد صار جزؤها جزأه، فكان يلزم التحريم، ولم يقل به أحد، وكذلك إذا كانت الحكمة في وصف الزنا اختلاط الأنساب، فإذا أخذ رجل صبيانًا صغارًا وفرقهم إلى حيث لم يرهم آباؤهم حتى صاروا رجالًا ولم يعرفهم آباؤهم، فاختلطت أنسابهم حينئذ، فينبغي أن يجب عليه حد الزنا لوجود حكمة وصف الزنا، لكنه خلاف الإجماع، فعلمنا أنه لو جاز التعليل بالحكمة للزم النقض، وهو خلاف الأصل فلا يجوز التعليل بالحكمة وهو\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي (١٢٣٢)، وابن حبان (٤٩٢٩)، والحاكم (٤/ ٢٣١)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٩٢)، وقال: قد روى من أوجه أخر كلها ضعيفة، والثابت في الرضاع قوله ﷺ: (إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة) إشارة إلى الجزئية. ينظر فتح الباري (١٢/ ٤٤).","vol":"2","page":222},{"text":"المطلوب (^١).\nالقول الثالث: التفصيل، وهو أنه يجوز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها، والمنع من التعليل بالحكمة الخفية المضطربة المجردة عن الضابط، وهو اختيار الآمدي، وابن الحاجب، والبرماوي.\nقال: وهو المختار لنا إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة، فلأنَّا أجمعنا على أنَّ الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية، فإذا كانت الحكمة وهي المقصودة من شرع الحكم مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها.\nوأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها.\nالشرط الخامس: أن تكون مؤثرة في الحكم، فإن لم تؤثر فيه لم يجز أن تكون علة. هكذا قال جماعة من الأصوليين ومرادهم بالتأثير: المناسبة.\nقال القاضي الباقلاني في التقريب: معنى كون العلة مؤثرة في الحكم:\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣١٦ - ٣١٧) ط دار الفكر.","vol":"2","page":223},{"text":"هو أن يغلب على ظن المجتهد أنَّ الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها، دون شيء سواها (^١).\nفإن لم تكن مؤثرة في الحكم بأن ألغي اعتبارها فلا تعتبر علة.\nومثال ذلك: أن يضيف الشارع الوصف إلى وصف، وينوطه به، ثم تقترن به أوصاف عُلم بعادة الشرع، وموارده، ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل لها في التأثير، ككون الذي أفطر في رمضان بوقاع أهله، وأوجب عليه الشارع العتق أعرابيًّا، فإنا نلحق به كل من أفطر في رمضان بجماع، ونحذف عن درجة الاعتبار كونه أعرابيًّا (^٢)؛ إذ لا تأثير له في الحكم.\nوهذا الوصف يسمى الوصف الطردي، وهو الذي ليس في إناطة الحكم به مصلحة كالطول والقصر، وهذا بخلاف الطرد الذي هو شرط في العلة، لأن الحكم في الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أنَّ الحكم في الأصل ثابت له، وذلك غير متصور في الوصف الطردي (^٣).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٨٧٢).\n(^٢) الأساس في أصول الفقه د/ محمود عبد الرحمن (٢/ ٢٢٥).\n(^٣) مذكرة الشنقيطي ص (٣١٥).","vol":"2","page":224},{"text":"الشرط السادس: ألا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالإبطال (^١)، أو إبطال بعضه؛ لئلا يفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح، إذ الظن المستفاد من النص أقوى من الظن المستفاد من الاستنباط؛ لأنه فرع له، والفرع لا يرجع على إبطال أصله، وإلا لزم أن يرجع على نفسه بالإبطال.\nمثال: من استنبط من حديث الأضحية: «لا تذبحوا إلا مسنة» (^٢)، أنَّ العلة هي السِّمن، فأجاز ذبح البهائم غير الكاملة السن الشرعي، فنقول له: أنَّ هذه العلة المستنبطة قد عادت على الأصل بالإبطال، وهو اشتراط السن، فلا تصح أن تكون علة.\nوكتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع وجوب الشاة، وأنَّ ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة منه ضرورة توقف علتها على اعتبارها به (^٣).\nوقوله: لما فيه من رفع وجوب الشاة. أي: مُجَوِّزٌ لإخراج قيمة الشاة، فيتخير على ذلك بينها وبين قيمتها، وهو مفضٍ إلى عدم وجوبها.\n_________\n(^١) شرح الورقات للخضير (١٥/ ٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٣) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٢٤)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٠٧).","vol":"2","page":225},{"text":"الشرط السابع: أن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقق له في الفرع.\nأي: لا يكون في الأصل علة أخرى تقتضي نقيض حكمها (^١)، ومعنى ذلك: أنه يشترط في العلة إذا كانت مستنبطة ألا تكون معارضة بعارض منافٍ موجودٍ في الأصل صالح للعلِّية، وليس موجودًا في الفرع؛ لأنه متى كان في الأصل وصفان متنافيان يقتضي كل واحد منهما نقيض الآخر، لم يصلح أن يجعل أحدهما علة إلا بمرجح.\nومثال ذلك: أن يقول الحنفي في صوم الفرض: صوم معين، فيأتي بالنية قبل الزوال كالنفل، فيقال له: صوم فرضٍ، فيحتاط فيه، ولا يبنى على السهولة (^٢).\nالشرط الثامن: أن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو الإجماع؛ لأن النص والإجماع لا يقاومهما القياس، بل يكون إذا خالفهما فاسدًا باطلًا.\nومن أمثلة القياس الفاسد المخالف للنص:\n١ - قياس شوك الحرم على السباع في جواز قطعه، بجامع أنه يؤذي\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٤٤)، إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٠٩).\n(^٢) شرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"2","page":226},{"text":"بطبعه.\nقال الشنقيطي: ويحرم قطع الشوك والعوسج، قاله ابن قدامة في «المغني»، وقال القاضي، وأبو الخطاب: لا يحرم، وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي؛ لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان.\nثم قال: قياس شوك الحرم على سباع الحيوان مردود من وجهين:\nالأول: أنَّ السباع تتعرض لأذى الناس وتقصده، بخلاف الشوك.\nالثاني: أنه مخالف لقوله ﷺ: «لا يعضد شوكه» (^١)، والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار (^٢).\n٢ - قياس الحنفية جواز الصلاة في معاطن الإبل على جواز الصلاة في مرابض الغنم (^٣) بجامع عدم الفرق.\nقال ابن حجر: وتعقب بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة المصرحة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٨٧)، ومسلم (١٣٥٣) من حديث عبد الله بن عباس.\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ١٠٤) سورة المائدة آية (٩٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٩٨٢٥)، وابن ماجه (٧٦٨)، والترمذي (٣٤٨)، من حديث أبي هريرة بلفظ: (إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم، ومعاطن الإبل، فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل).","vol":"2","page":227},{"text":"بالتفرقة (^١).\n٣ - وكقياس الحنفية أيضًا جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس، بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل، مع أنَّ رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص وهو حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: «أينقُص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك» (^٢)، فهو فاسد الاعتبار (^٣).\n٤ - قياس لبن المصراة على غيره من المثليات في وجوب المثل؛ فإنه فاسد الاعتبار لمخالفته نص الرسول ﷺ على أن فيه صاعًا من التمر (^٤).\nقلت: وهو حديث أبي هريرة: «من ابتاع شاة مُصَرَّاة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها، وردَّ معها صاعًا من\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٦٥٧) حديث (٤٣٠).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٩)، ١٧٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٦)، من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٤/ ٤٩٣).\n(^٤) مذكرة الشنقيطي (٢٧٠).","vol":"2","page":228},{"text":"تمر» (^١).\n٥ - قول الحنفية: يجوز للمرأة الحرة المكلفة سواء كانت بكرًا أم ثيبًا تزويج نفسها بغير ولي، قياسًا على البيع؛ لأن المرأة تستقل بالبيع من غير اشتراط إذن وليها، فكذلك النكاح.\nفيرد الجمهور: بأنَّ هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته الأحاديث الدالة على اشتراط الولي، كحديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استَحَّل من فرجها، فإن اشتَجَرُوا فالسلطان ولي من لا ولي له» (^٢).\n٦ - زكاة الخيل: استدل الحنفية على وجوب الزكاة في الخيل بالقياس، فقالوا: إنَّ الخيل السائمة حيوان مقصود به النماء والنسل، فوجبت فيه الزكاة كالإبل والبقر.\nورد الجمهور: بأنَّ هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته لعموم قوله ﷺ: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٤٨)، ومسلم (١٥٢٤)، واللفظ له.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٠٢)، وقال حديث حسن، وأبو داود (٢٠٨٣)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وابن حبان: (١٢٤٨)، وقال الألباني: صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٦٣، ١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢) من حديث أبي هريرة، وانظر رسالة ماجستير بعنوان (قادح فساد اعتبار القياس) دراسة أصولية تطبيقية، فاطمة الشيخي، جامعة أم القرى قسم الشريعة.","vol":"2","page":229},{"text":"ومثال القياس الفاسد لمخالفته الإجماع:\nلا يُغسِّل الرجل زوجته الميتة؛ لحرمة النظر إليها قياسًا على الأجنبية (^١).\nفيُعتَرَض عليه: بأنَّ أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق ﵄ غسَّلته (^٢)، وكان هذا بحضرة جماعة الصحابة، وموضع لا يتخلف عنه في الأغلب أحد منهم، ومثل هذا مما يُجزي فيه أن يُتحدَّث به وينتشر، ولا سيما أنَّ أبا بكر ﵁ أوصى بذلك، ولم يُعلم له مخالف، فثبت أنه إجماع (^٣).\n_________\n(^١) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (٢٧٠).\n(^٢) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٨٧) من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أسماء، وهو لم يدركها، وقال ابن كثير عن هذا الأثر هذا منقطع جيد، وأخرجه ابن سعد (١٠/ ٢٦٨) من طريق سعد بن إبراهيم عن أسماء وهو منقطع، وأخرجه ابن سعد (١٠/ ٢٦٨) من طريق ابن أبي مليكة عن أسماء وهو منقطع، وأخرجه ابن سعد (١٠/ ٢٦٩) من طريق إبراهيم التيمي عن أسماء وهو منقطع، وأخرجه ابن سعد (١٠/ ٢٦٩) من طريق قتادة عن أسماء وهو منقطع، ولكنه يصحح بمجموع هذه الطرق.\n(^٣) المنتقى للباجي (٢/ ١٩) كتاب الجنائز، باب غسل الميت.","vol":"2","page":230},{"text":"كذلك غسَّل عليٌّ فاطمةَ (^١)، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليٍّ وأسماء، فكان إجماعًا (^٢).\nومنه: أن يقول: مسافر فلا تجب عليه الصلاة في السفر، قياسًا على صومه في عدم الوجوب في السفر بجامع المشقة.\nفيقال له: هذه العلة مخالفة للإجماع على عدم اعتبار المشقة في الصلاة، ووجوب أدائها على المسافر مع وجود مشقة السفر (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-374> مسالك العلة:</span>\nالمسالك: جمع مسلك: وهو في اللغة مكان السلوك أي المرور (^٤).\nوفي الاصطلاح: الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة العلة الموجودة في الأصل، وتمييزه من سائر الأوصاف الأخرى (^٥).\n_________\n(^١) سنده ضعيف وحسنه بعض العلماء: أخرجه الحاكم (٣/ ١٦٣ - ١٦٤)، وعنه البيهقي (٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧) ومداره على إمرأة أبي جعفر وهي مجهوله، وحسن إسناده ابن حجر والألباني، وقال ابن عبد البر هو مشهور عند أهل السير.\n(^٢) نيل الأوطار للشوكاني (٧/ ٢٥١)، قال الشوكاني في حديث غسل عليٍّ لفاطمةَ: أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن.\n(^٣) شرح الكوكب المنير لابن النجار. بتصرف يسير (٣/ ٨٥ - ٨٦).\n(^٤) العلة عند الأصوليين لعبد الحكيم السعدي (١/ ١٦).\n(^٥) المصدر السابق (١/ ٨).","vol":"2","page":231},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-375> أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية المتعلقة بالأقيسة:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-376> النوع الأول: تحقيق المناط:</span>\nالمناط: ما نِيطَ به الحكم أي عُلِّق به، وهو العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل، يقال: نُطْتُ الحبل بالوتد، أنوطه نوطًا إذا علقته، ومنه ذات أنواط: شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم.\nوأما تحقيق المناط: هو إثبات علة حكم الأصل في الفرع، أو إثبات معنًى معلوم في كل خفي فيه ثبوت ذلك المعنى.\nفتحقيق المناط نوعان:\nالنوع الأول: أن يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها، أو منصوص عليها، وهي الأصل، فيتبين المجتهد وجودها في الفرع، وإليه أشار ابن قدامة بقوله: إما بيان وجود مقتضى القاعدة الكلية المتفق عليها، أو المنصوص عليها في الفرع.\nومثاله: أن يقال في حمار الوحش والضبع مثلها.\nفوجوب المثل اتفاقي نصي، أي متفق عليه ثابت بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكون البقرة مثل الحمار، والكبش مثل الضبع تحقيقي اجتهادي، أي ثابت بالاجتهاد في تحقيق المناط، وهو هنا المثلية، إذ لا نص فيه ولا","vol":"2","page":232},{"text":"إجماع؛ لأن الله ﷾ لم ينص على أنَّ الكبش مثلًا مثل الضبع، إنما نص على أنَّ الواجب فيها مثلها، وفوَّض تعيين المثل إلى نظر المجتهد، فتحقق مثليتها في الكبش.\nومثله: استقبال القبلة واجب. ثابت بالنص والإجماع، أما كون هذه جهتها في حق من اشتبهتعليه فليس منصوصًا عليه فيثبت بالاجتهاد.\nومثله: من أتلف شيئًا فعليه ضمانه بمثله أو قيمته، وهذا متفق عليه، لكن كون هذه مثلًا له أو قيمته فهذا اجتهادي.\nالنوع الثاني من تحقيق المناط: أن يعرف علة حكم ما في محله بنص أو إجماع، فيتبين المجتهد وجودها في الفرع (^١).\nمثاله: أن يقال: الطَّواف علة لطهارة الهرة. بناء على قوله ﷺ: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (^٢).\nوالطواف موجود في الكلب على رأي من يقول بطهارته استدلالًا بهذا الحديث.\nومثاله: الحياء علة الاكتفاء من البكر في تزويجها بالصُّمات، وهو\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٣٣).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٧٥، ٧٦)، والترمذي (٩٢)، وابن ماجه (٣٦٧) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.","vol":"2","page":233},{"text":"موجود فيمن زالت بكارتها بغير نكاح.\nوالنوع الأول من تحقيق المناط ليس بقياس، إذ هو بيان القاعدة الكلية المتفق عليها، أو المنصوص عليها في الفرع، وهذا متفق عليه بين الأمة، وهو من ضروريات الشريعة لعدم وجود النص على جزئيات القواعد الكلية فيها كعدالة الأشخاص، وتقرير كفاية كل شخص، ونحو ذلك.\nأما النوع الثاني: وهو بيان وجود العلة المنصوص عليها في الفرع فهذا قياس.\nوهذان النوعان يسميان تحقيق المناط، فهما أعم من القياس.\n\n*<span data-type='title' id=toc-377> النوع الثاني: تنقيح المناط:</span>\nأما التنقيح فهو في اللغة: التخليص والتهذيب، يقال: نقحت العظم إذا استخرجت مخَّه (^١).\nوأما تنقيح المناط في الاصطلاح: فهو إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف الشارع الحكم إليها لعدم صلاحيتها للاعتبار في العلة (^٢).\nومثاله: ما روى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:\n_________\n(^١) مختصر شرح الروضة للطوفي (٣/ ٢٣٧)، وما بعدها.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"2","page":234},{"text":"هلكت يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟»، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟»، قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟»، قال: لا … الحديث (^١).\nوفي مراسيل سعيد بن المسيب: أتى أعرابي النبي ﷺ ينتف شعره ويضرب نحره، ويقول: هلك الأبعد (^٢).\nفربما خُيِّل للسامع أنَّ مجموع الصفات المذكورة مع الوقاع في رمضان هي مناط وجوب الكفارة وعلته، ولكن من جملتها ما ليس بمناسب لكونه علة، ولا جزء علة فاحتيج إلى إلغائه.\nوتنقيح العلة، وتخليصها بالسبر والتقسيم، فيقال حينئذٍ: كون هذا الرجل أعرابيًّا لا أثر له، فليحق به من ليس أعرابيًّا كالتركي، والعجمي، وغيرهما من أصناف الناس، وكونه لاطمًا وجهه وصدره لا أثر له، فيلحق به من جاء بسكينة ووقار وثبات، وكونه ذلك الشهر المعين لا أثر له، فيلحق به من وطئ في رمضان آخر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٦، ٦٧٠٩)، ومسلم (١١١١).\n(^٢) مرسل: أخرجه مالك (٨١٦) بشار، عبد الرزاق (٧٤٥٩)، المراسيل لأبي داود (١٠٢).","vol":"2","page":235},{"text":"وإنما قلنا: إنَّ هذه الأوصاف لا أثر لها لعدم مناسبتها؛ إذ الوصف الذي تظهر مناسبته كونه وقاعَ مكلَّفٍ هُتكت به حرمة عبادة الصوم المفروض أداء، وما سوى ذلك من التعيينات والأوصاف لاغٍ.\nواعلم أنَّ في تقليل أوصاف العلة تكثيرًا لأحكامها لكثرة وقوعها، وسهولته لقلة أوصافها.\nوقد يختلف في بعض الأوصاف، نحو: هل العلة خصوص الجماع، أو عموم الإفساد، فتلزم يعني الكفارة الآكل والشارب؟\nاعلم أنَّ أوصاف العلة على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما اتفق على مناسبته للحكم كوقاع المكلف هاهنا.\nالثاني: ما اتفق على طرديته وعدم مناسبته، ككون الواطئ أعرابيًّا لزوجةٍ في ذلك الشهر.\nالثالث: ما اختلف في مناسبته لتردده بين الطردي والمناسب، أو لكونه مناسبًا من وجه دون وجه، ككون الفعل إفسادًا للصوم، وهو وصف عامٌّ، أو جماعًا وهو خاصٌّ.\nولهذا وقع النزاع بين الأئمة في وجوب الكفارة بالأكل والشرب في نهار رمضان، فقال به أبو حنيفة ومالك، وخالف فيه الشافعي وأحمد، فقالوا: لا كفارة إلا بخصوص الجماع.","vol":"2","page":236},{"text":"وحجة الأولين: أنَّ إفساد الصوم جناية على العبادة، فناسب وجوب الكفارة زجرًا وردعًا، والجماع آلة للإفساد وسبب له، فيلحق به الأكل والشرب.\nوقرر بعض المالكية ذلك بأنَّ الكفارة إذا وجبت بالجماع، كان وجوبها بالأكل والشرب أولى؛ لأنهما مادة الجماع وسببه المقوي عليه، ووسيلته المتوصل بها إليه؛ إذ الجائع لا يستطيعه، والشبعان ينشط له، فكان إيجاب الكفارة بالأكل والشرب من باب سد الذرائع، وحسم مواد الفساد (قلت: هذا ليس مطردًا، بل شهوة الجماع والشبق إليه قد تكون عند الجائع والصائم كما في هذه القصة، وقصة سلمة بن صخر مشهورة) (^١).\nوحجة الآخرين: أنَّ الجماع اختص بما يناسب اختصاصه بالكفارة من جهة أنَّ النفس لا تنزجر عنه عند هيجان شهوته بمجرد الوازع الديني، فاحتيج فيه إلى زيادة في الوازع، وهي الكفارة، بخلاف الأكل والشرب في ذلك؛ فقد ثبت بذلك مناسبة خصوص الجماع لاختصاصه بوجوب الكفارة، فإلغاء هذه المناسبة لا يجوز.\n_________\n(^١) صحيح لغيره: أخرجه أحمد (١٦٤٢١) وأصله في الصحيحين دون تسمية الرجل. البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢).","vol":"2","page":237},{"text":"ومما يقوي هذا: أنَّ أوصاف العلل في القياس المعقول كالأخبار في النص المنقول، ثم إنه إذا اجتمع خبران عامٌّ وخاصٌّ قدم الخاص، فكذلك إذا اجتمع معنا وصفان عامٌّ وخاصٌّ؛ وجب أن يقدم الوصف الخاص، وهو الجماع ههنا، وأيضًا فإنَّ اعتبار خصوص الجماع موافق للأصل؛ إذ الأصل أنَّ ما رتب عليه الحكم يكون بمجموعه علة، فإلغاء بعض الأوصاف على خلاف الأصل (قلت: والأوصاف هنا: الجماع في نهار رمضان من مكلف بالصوم) (^١).\nوتنقيح المناط هذا قال به أكثر منكري القياس، حتى إنَّ أبا حنيفة  -رحمه الله تعالى-- ينكر القياس في الكفارات، قد استعمل تنقيح المناط فيها، وسماه استدلالًا، وأما الممتنع عنده فيها تحقيق المناط وتخريجه.\nومثاله عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن: جواز إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات، والنذور، وغير ذلك إلا الزكاة.\nقال الكاساني في الاحتجاج لهما: ولهما عموم قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] من غير فصل بين المؤمن والكافر إلا أنه خص منه الحربي بما تلونا، أي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩]، فيبقى الذمي\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي بتصرف (٣/ ٢٣٧ - ٢٤١).","vol":"2","page":238},{"text":"على عموم النص، فكان ينبغي أن يجوز صرف الزكاة إليه، إلا أن الزكاة خصت بقول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم) (^١)، والمأخوذ منه المسلمون، فكذا المردود عليهم.\nووجه الاستدلال: أنَّ الكفارة وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى؛ لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام، ويحملهم عليه، ولما ذكرنا أنَّ الكفارات وجبت بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لا يحل له، فتكون كفارتها بكف النفس عن شهوتها فيما يحل له، وبذل ما كان في طبعه منعه، وهذا المعنى يحصل بالصرف إلى الكافر بخلاف الزكاة؛ لأنها ما وجبت بحق التكفير بل بحق الشكر (^٢).\nوكذلك عللوا جواز دفع كفارة اليمين إلى مسكين واحد عشرة أيام، وأجازوا دفع القيمة في الكفارات؛ لأن المعنى عندهم دفع الحاجة، وسد المسكنة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس.\n(^٢) بدائع الصنائع للكاساني (٥/ ١٠٤) دار الكتاب العربي.\n(^٣) انظر كتاب الكفارات في بدائع الصنائع (٥/ ٩٥ - ١١١) ط. الكتاب العربي، (٦/ ٣٨١ - ٣٨٢) ط. الكتب العلمية.","vol":"2","page":239},{"text":"حكى القرافي عن الغزالي: أنَّ تنقيح المناط هو إلغاء الفارق، نحو: لا فارق بين الذكور والإناث في مفهوم الرِّقِّ، وتشطير الحَدِّ، فوجب استواؤهما فيه، وقد ورد النص بذلك في أحدهما في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ولا فارق بين الأَمَة والعبد في التقويم على مُعْتِق الشِّقْص، فوجب استواؤهما في ذلك.\nقال الطوفي: ولا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحًا؛ إذ التنقيح هو التخليص والتصفية، وبإلغاء الفارق يصفو الوصف، ويخلص للعلية.\nوقال القرافي: لأنه تصفية وإزالة لما لا يصلح عما يصلح، وتنقيح الشيء إصلاحه، فهذا اصطلاح مناسب (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-378> النوع الثالث: تخريج المناط.</span>\nالتخريج: هو الاستخراج والاستنباط.\nتخريج المناط: هو إضافة حكم لم يتعرض الشرع لعلته إلى وصف مناسب في نظر المجتهد بالسبر والتقسيم.\nومن أمثلته:\n١ - تحريم الربا في البُر؛ لأنه مكيل جنس أو مطعوم جنس، فالأرز\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٠١، ٣٠٢) دار الفكر.","vol":"2","page":240},{"text":"مثله لأنه كذلك.\n٢ - أن يقال: وجب العشر في البُرِّ لكونه قوتًا، فتلحق به الأقوات، أو لكونه نباتَ الأرض وفائدتَها، فتلحق به الخضروات وأنواع النبات.\n٣ - قال البزدوي في المقترح: مثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث بمعارضته بنقيض مقصوده من تعجيل الإرث حتى يقيس عليه حيازة المبتوتةلميراثها معارضة للمطلق بنقيض مقصوده.\nوتحرير الكلام ههنا أنَّا إذا رأينا الشارع قد نص على حكم ولم يتعرض لعلته، قلنا: هذا حكم حادث لابد له بحق الأصل من سبب حادث، فيجتهد المجتهد في استخراج ذلك السبب منه محل الحكم، فإذا ظفر بوصفٍ مناسب له، واجتهد ولم يجد غيره غلب على ظنه أنَّ ذلك الوصف هو سبب ذلك الحكم (^١).\nوبعد بيان أنواع الاجتهاد في العلة ننتقل إلى بيان طرقها ومسالكها، وهي عشرة عند من يعد منها إلغاء الفارق، وتسعة عند من لا يعده منها، وهي:\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٤٣).","vol":"2","page":241},{"text":"النص، والإجماع، والإيماء، والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق، وقد قدمنا أنَّ الغزالي ﵀ يعد إلغاء الفارق نوع من تنقيح المناط.\nوقد نظمها بعضهم بقوله:\nمسالك علةٍ رَتِّبْ فنص … فإجماع فإيماء فسبر\nمناسبةُ كذا مشبه فيتلو … له الدوران طرد يستمر\nفتنقيح المناط فألغ فرقًا … وتلك لمن أراد الحصر عشر (^١)\nونظمها أيضًا العلامة الحسن الددو بقوله:\nمسالك العلة ذي الأشياء … النص والإجماعُ فالإيماءُ\nفالسبر والتقسيم فالمناسبةُ … فشبهُ فالدورانُ عاقبه\nفالطرد تنقيح المناط التالي … إلغاء فارقٍ على التوالي\nقال الشوكاني: واختلف أهل الأصول في تقديم مسلك الإجماع على مسلك النص، أو مسلك النص على مسلك الإجماع، فمن قدم الإجماع نظر إلى كونه أرجح من ظواهر النصوص؛ لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ، ومن قدم النص، نظر إلى كونه أشرف من غيره، وكونه مستند الإجماع، وهذا مجرد اصطلاح في التأليف، فلا مشاحة فيه (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٤٣٠) ط. دار الحديث.\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦١٣).","vol":"2","page":242},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-379> المسلك الأول: الإجماع.</span>\nوالمراد بثبوتها بالإجماع: أن تجمع الأمة على أنَّ هذا الحكم علته كذا، كإجماعهم في: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (^١) على أنَّ علته شغل القلب، وممن حكى فيه الإجماع القاضي أبو الطيب الطبري.\nفيقاس عليه اشتغاله بجوع، أو عطش، أو خوف، أو ألم، أو نحو ذلك مما يشوش الفكر.\nوكإجماعهم على تعليل تقديم الأخ من الأبوين في الإرث على الأخ لأب، بامتزاج النسبين أي وجودهما فيها، فيقاس عليه تقديمه في ولاية النكاح، والوصية لأقرب الأقارب، ونحوها.\nومثل إجماع الصحابة ﵃ أيام عمر ﵁ على علة ترك قسمة أرض السواد (^٢)، حتى لا يكون المال بأيدي الأغنياء فقط وورثة الفاتحين، لذلك لما قال له بلال عندما فتح الشام: لتقسمنها أو لنتضاربن عليها بالسيف. فقال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قريةً\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة بلفظ (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)، وأخرجه أحمد (٢٠٣٨٩)، وابن ماجه (٢٣١٦) بلفظ (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)، وإسناده صحيح.\n(^٢) شرح اللمع للشيرازي (٨٥٦).","vol":"2","page":243},{"text":"إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي ﷺ خيبر (^١).\nقال ابن حجر: قال ابن التين: تأول عمر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فرأى أنَّ للآخرين أسوة بالأولين، فخشي لو قسم ما يفتح أن تكمل الفتوح، فلا يبقى لمن يجيء بعد ذلك حظ في الخراج، فرأى أن توقف الأرض المفتوحة عنوة، ويضرب عليها خراجًا يدوم نفعه للمسلمين (^٢).\nوكإجماعهم على تعليل الولاية على الصغير كونه صغيرًا، فيقاس عليه الولاية عليه في النكاح (^٣).\nقال الشوكاني: المسلك الأول: الإجماع، وهو نوعان:\nإجماع على علة معينة، كتعليل ولاية المال بالصغر، وإجماع على أصل التعليل -وإن اختلفوا في عين العلة- كإجماع السلف على أنَّ الربا في الأصناف الأربعة معلل، وإن اختلفوا في العلة ماذا هي؟ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٣٤) لكن قول بلال ليس عند البخاري، ولكن عند البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٣١٨).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٥/ ٢٢).\n(^٣) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣٣١٢).\n(^٤) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ١١٧).","vol":"2","page":244},{"text":"ومثال إثبات العلة بالإجماع أيضًا: وجوب الضمان على السارق، وإن قطع؛ لأنه مال تلف تحت اليد العادية، فيضمن كما في الغصب، وهذا الوصف هو المؤثر في الغضب اتفاقًا.\nومما ينبغي التنبه له: أنه قد يقول قائل: إذا كانت العلة مجمعًا عليها قطعًا، فكيف يسوغ معها الاختلاف في المسائل المجتهد فيها؟\nوالجواب عليه: أنه لا يلزم من وقوع الإجماع على علية وصف ما على وجه القطع، ألا يقع خلاف في المسائل الفرعية له؛ لأنه يجوز أن يكون وجود تلك العلة في الأصل أو في الفرع ظنيًّا ومتنازعًا فيه، كما يجوز أن يكون في حصول شرط من شروطها نزاع بينهم، وقد يبدي الخصم معارضًا في الفرع (^١).\nقال المرداوي: لعل منشأ الخلاف التنازع في وجود العلة في الأصل والفرع، أو حصول شرطها أو مانعها لا في كونها علة، قاله ابن العراقي وغيره (^٢).\n_________\n(^١) مباحث العلة في القياس عند الأصوليين لعبد الحكيم السعدي (٣٤٤).\n(^٢) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣٣١٢).","vol":"2","page":245},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-380> المسلك الثاني: النص.</span>\nوهو أن يدل دليل من الكتاب أو السنة على العلة التي من أجلها وضع الحكم.\nقال الآمدي: هو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال (^١).\nودلالة النص على العلة قد تكون صريحة بالعلية، وقد تكون ظاهرة بالعلية، وقد يختلف في بعضها كأن يُنَص على أنها صريحة في العلية، وينص على أنها ظاهرة فيها أيضًا، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -، وهذا باختلاف الاعتبارات.\nأولًا: النص الصريح في العلية:\nومعناه: أن يرد في النص لفظ لا يحتمل غير العلة، أو يصرح فيه بكون الوصف علة أو سببًا للحكم الفلاني، وذلك كما لو قيل: العلة كذا، أو السبب كذا، أو لأجل كذا، أو ما يقوم مقامه، ويفيد معناه، فهو صريح في التعليل به (^٢).\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٥٢).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٥٢)، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل للغزالي (٢٤).","vol":"2","page":246},{"text":"كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وكقوله ﷺ في النهي عن لحوم الأضاحي: (إنما نهيتكم من أجل الدافة) (^١).\nوالدافة: القافلة السائرة، مشتقة من الدفيف، وهو السير اللين.\nوكقوله ﷺ: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (^٢)، وكقوله ﷺ: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يحزنه» (^٣)، فيقاس عليه منع التحدث بلغة لا يفهمها الثالث لاشتراك ذلك في العلة.\nومن ذلك أيضًا تعليل الحكم ب (كي) كقوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠].\nأو مقرونة، قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٧١) من حديث عائشة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦) من حديث سهل بن سعد الساعدي.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤) من حديث عبد الله بن مسعود.","vol":"2","page":247},{"text":"وإذًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥].\nومثاله: ذكر المفعول له، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].\nوكقوله ﷺ: «من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (^١)، فالعلة من هذا الوعيد الخيلاء.\nومن الصريح لفظ (إنَّ) عند البعض مثل قوله ﷺ لما ألقى الروثة: (إنها ركس أو رجس) (^٢).\nوقوله ﷺ في الهرة: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (^٣).\nوقوله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، إنكم إذا فعلتن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٦٥)، ومسلم (٢٠٨٥) من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٦) بلفظ (هذا ركس)، وأخرجه الترمذي (١٧)، وأحمد (٣٦٨٥، ٤٠٥٦، ٤٢٩٩) بلفظ (إنها ركس)، والطيالسي (٢٨٥) بلفظ (إنه رجس).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٧٥، ٧٦)، الترمذي (٩٢)، ابن ماجه (٣٦٧) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.","vol":"2","page":248},{"text":"ذلك قطعتن أرحامكن» (^١).\nفإن انضم إلى (إنَّ) حرف الفاء فهو آكد، نحو قوله ﷺ: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (^٢).\nثانيًا: النص الظاهر في العلية:\nوهو الذي يحتمل غير العلية احتمالًا مرجوحًا وله ألفاظ:\n١ - اللام: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ [الكهف: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] وهنا اللام ظاهرة.\nوقد تكون مقدرة، كقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ [القلم: ١٣ - ١٤] أي: لأن كان، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: لئلا تضلوا.\n_________\n(^١) أخرج الشطر الأول البخاري (٥١٠٨، ٥١٠٩، ٥١١٠)، ومسلم (١٤٠٨)، والشطر الثاني أخرجه ابن حبان (٤١١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) من حديث عبد الله بن عباس.","vol":"2","page":249},{"text":"٢ - الباء: كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي بسبب الرحمة، وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨٢]، فالباء أصل معناها الإلصاق، ولها معان أخر، لكن كثر استعمالها للتعليل.\n٣ - الفاء: فالفاء في كلام الشارع تكون في الحكم عند غير أبي خطاب، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وكذلك تكون الفاء في وصف، كخبر المحرم الذي وقصته الناقة: (لا تمسوه طيبًا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا) (^١).\nوالفاء في كلام الراوي الفقيه؛ لأنه يكون دقيقًا في ألفاظه.\nوالفاء في كلام الراوي غير الفقيه، وتكون فيهما في الحكم فقط.\nوقال بعض المحققين: في الوصف فقط؛ لأن الراوي يحكي ما في الوجود.\nوذلك كقول عمران بن الحصين: سها رسول الله ﷺ فسجد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٧)، ومسلم (١٢٠٦) من حديث عبد الله بن عباس.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٧٤) من حديث عمران بلفظ (فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم).","vol":"2","page":250},{"text":"وهنا دخلت الفاء على الوصف وهو السهو، وكل من القولين صحيح.\n٤ - إِنَّ المكسورة المشددة - عند البعض -: كقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١]، أي: لأن أمامكم أهوالًا عظيمة لا نجاة منها إلا بتقواه جل علاه.\n٥ - إذ: نحو: ضربت العبد إذ أساء. أي: لإساءته.\nوإنما كانت هذه الحروف من قبيل النص الظاهر، وليس من قبيل الصريح لمجيئها لغير التعليل، فاللام قد تكون لبيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\nوالباء قد تكون للتعدية، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فهي هنا للتعدية وليست للتعليل، والمعنى: أذهب الله نورَهم.\nوالفاء قد تكون لمجرد العطف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦].\nوإنَّ قد تكون لمجرد التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾","vol":"2","page":251},{"text":"[المنافقون: ١].\nوإذ قد تكون للبدل، كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] فهو بدل عن النعمة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-381> المسلك الثالث: الإيماء والتنبيه.</span>\nالإيماء لغة: الإشارة بالأعضاء، كالرأس واليد والعين والحاجب (^٢).\nوفي حديث أنس، أنَّ يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك أفلان أو فلان. حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به، فلم يزل حتى اعترف، فأمر رسول الله ﷺ، فرُضَّ رأسه بالحجارة (^٣).\nوقالت أسماء: صلَّى النبي ﷺ في الكسوف فقلت لعائشة: ما شأن\n_________\n(^١) انظر غاية الوصول شرح لب الأصول للشيخ زكريا الأنصاري (١١٩ - ١٢٠) ط. الحلبي (١٩٣٦ م، (١٣٥٤)، الإحكام للآمدي (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، شفاء الغليل (٢٣، ٢٤)، مباحث العلة عند الأصوليين لعبد الحكيم بن عبد الرحمن بن أسعد السعدي (٣٤٧) وما بعدها، التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٣١٥) وما بعدها، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣٥٧) وما بعدها، أضواء البيان (٥/ ١١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (أومأ) (٥٣) دار ابن الجوزي.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤١٣، ٢٧٤٦)، ومسلم (١٦٧٢).","vol":"2","page":252},{"text":"الناس؟ وهي تصلي، فأومأت برأسها إلى الشمس، فقلت آية؟ فأومأت برأسها: أن نعم (^١).\nوقال أنس: أومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم (^٢).\nواصطلاحًا: هو اقتران الوصف بحكم لو لم يكن هو، أو نظيره للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيدًا عن فصاحة الشارع (^٣).\nوعرفه الشنقيطي بنحو هذا، فقال: أن يقرن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علةً لكان الكلام معيبًا عند العقلاء (^٤).\nوالإيماء من الطرق النقلية لإثبات العلة، وهو ضرب من الإشارة، والفرق بينه وبين النص أنَّ النص يدل على العلة بوصفه لها، والإيماء يدل عليها بطريق الالتزام، كدلالة نقص الرطب على التفاضل، أو بطريق من طرق الاستدلال عقلًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقا (٧/ ٥١)، وأخرجه البخاري (٨٦، ١٨٤)، ومسلم (٩٠٥) بلفظ (فأشارت إلى السماء … فأشارت برأسها: أي نعم).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨١)، ومسلم (٤١٩).\n(^٣) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣٣٢٤).\n(^٤) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (٢٤٠).","vol":"2","page":253},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-382> أنواع الإيماء:</span>\nالأول: ذكر الحكم عقيب الوصف بالفاء: فيدل على أنَّ ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فإنها للتعقيب ظاهرًا، ويلزم منه السببية، نحو قوله ﷾: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\nوقوله ﵊: «من بدل دينه فاقتلوه» (^١)، وقوله ﷺ: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» (^٢).\nوالفاء لها ثلاثة أحوال:\nالأولى: قد تتقدم العلة، وتدخل الفاء على المعلول، وهو الحكم كما في الأمثلة السابقة، وكما في قوله ﷺ: «من مسَّ ذكره فليتوضأ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث عبد الله بن عباس.\n(^٢) معل بالإرسال: أخرجه أبو داود (٣٠٧٥)، والترمذي (١٣٧٨) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد مرفوعًا، ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٤٣)، ويحيى ابن آدم في الخراج (٢٦٦) و٢٦٨)، وأبو عبيد في الأموال (٧٠٤)، وصحح الإرسال أبو حاتم في العلل (١٤٢٢) والدارقطني في العلل (٥/ ٢٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٨٣).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (١/ ١٠٠)، وابن ماجه (٤٧٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"2","page":254},{"text":"فهذه كلها أحكام ذكرت عقيب أوصاف كاعتزال النساء عقيب المحيض، وقطع يد السارق عقيب السرقة، وقتل المرتد عقيب التبديل، وملك الأرض بعد الإحياء، وذلك يفيد في عرف اللغة أنَّ الوصف الذي قبل الحكم علةٌ وسببٌ لثبوته؛ لأن السبب ما يثبت الحكم عقيبه.\nالثانية: وقد يتقدم المعلول -أي: الحكم- ثم تدخل الفاء على العلة، كقوله ﷺ في المحرم: «لا تمسوه طيبًا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا» (^١).\nوقال الرازي والبرماوي: أنَّ تقدم العلة، ثم مجيء الحكم بالفاء أقوى من عكسه، لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعارالمعلول بالعلة؛ لأن الطرد واجب في العلل دون العكس (^٢).\nومن مجيء الحكم مقترنًا بالفاء بعد الوصف قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] فالعلة أنه رجز.\nومن ذكر العلة بعد المعلول واقترانها بالفاء قوله ﷺ: «من لكعب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٧)، ومسلم (١٢٠٦) من حديث عبد الله بن عباس.\n(^٢) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣٣٢٥).","vol":"2","page":255},{"text":"بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله» (^١)، وقوله ﷺ: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا ثمنها» (^٢)، فدل على أنَّ سبب اللعنة أكلهم أثمان الشحوم (^٣).\nالثالثة من أحوال الفاء: أن تكون الفاء من كلام الراوي، ولا تكون إلا داخلة على الحكم والعلة ما قبلها، نحو قول عمران بن حصين: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (^٤).\nوترتيب الشارع حكمًا عقب وصف بالفاء.\nقال المرداوي: الصحيح أنَّها من الإيماء، قاله الموفق، والطوفي، وابن مفلح، والآمدي، والبيضاوي، وغيرهم، وقال ابن الحاجب وغيره: من أقسام النص الصريح. وقال السبكي وغيره: من أقسام النص الظاهر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٤)، ومسلم (١٥٨٣) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري (٣٤٦٠)، ومسلم (١٥٨٢) من حديث عمر بن الخطاب، وأخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٣) شفاء الغليل للغزالي (٢٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٧٤) من حديث عمران بلفظ «فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم».","vol":"2","page":256},{"text":"قال البرماوي: ويقوي كلام ابن الحاجب إذا كان في الكلام صريح شرط أو معنى شرط، كالنكرة الموصوفة، والاسم الموصول، فإنه لا يمكن حمل الفاء فيهما على معنى الواو العاطفة؛ إذ العطف لا يحسن قبل تمام الجملة (^١).\nالنوع الثاني من الإيماء: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء.\nنحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: لتقواه وتوكله لتعقب الجزاء الشرط.\nوكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١].\nوقول النبي ﷺ: «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان» (^٢).\nومثاله أيضًا: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: هلكت\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٣٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٨٠، ٥٤٨١)، ومسلم (١٥٧٤) من حديث عبد الله بن عمر.","vol":"2","page":257},{"text":"يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟»، قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟»، قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟»، قال: لا (^١).\nوهذا الحديث يغلب على الظن فيه أنَّ الإفطار بالجماع في نهار رمضان عامدًا علة لوجوب الكفارة، وتوجيه ذلك: لما كان الحكم الذي ذكره رسول الله ﷺ جوابًا عن سؤال الأعرابي فإنه يتضمن أن يكون السؤال معادًا في الجواب تقديرًا، فكأنه قال له: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان فكفِّر بكذا وكذا.\nوهذا النوع قال فيه الغزالي: وهذا مرتبته دون المرتبة السابقة؛ إذ لا يفهم التعليل في هذا المقام إلا إذا عُرف أنه أجاب به عن سؤاله، وأنه لم يذكر ذلك ابتداءً بعد الإعراض عن كلامه، إذ الغلام المغصوب لإسراج الدابة قد يقول لسيده: دخل فلان، فيقول السيد: أسرج الدابة، أي: اشتغل بشغلك، فمالك وذكر ما لا فائدة لك في ذكره وليس هو من شغلك؟ وذلك يفهم بقرينة الحال، فبقرينة الحال يعلم أنَّ المذكور مسبَّب ما ذكره المبتدي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":258},{"text":"النوع الثالث من الإيماء: أن يسأل النبي ﷺ عن أمر فيجيب بحكم، فيدل على أنَّ المذكور في السؤال علة.\nكما في قصة الأعرابي الذي واقع امرأته في نهار رمضان، فقال له رسول الله ﷺ: «أعتق رقبة» (^١)، فدل على أنَّ الوقاع سبب؛ لأنه ذكره جوابًا له، والسؤال كالمعاد في الجواب، والمعنى: حيث واقعت فأعتق.\nوإلا تأخر البيان عن وقت الحاجة، وهو ممتنع بالاتفاق.\nالنوع الرابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا، ولم يصرح بالتعليل به، ولكن لو لم يكن الحكم معللًا به، لما كان لذكره فائدة.\nفيجب تقدير الكلام على وجه مفيد صيانةً لكلام النبي ﷺ عن اللغو.\nمثاله: حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﷺ: «أينقص الرطب إذا يبس؟»، قالوا: نعم، فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك (^٢)، وفي رواية: «فلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٦٨، ٦٠٨٧)، ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٩)، ١٧٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٦)، من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"2","page":259},{"text":"إذن» (^١).\nفلو لم يُقدِّر التعليل به كان الاستكشاف عن نقصان الرطب غير مفيد لظهوره.\nقال الشوكاني: الاستفهام ههنا ليس المراد به حقيقته، أعني طلب الفهم؛ لأنه ﵌ كان عالمًا بأنه ينقص إذا يبس، بل المراد تنبيه السامع بأنَّ هذا الوصف الذي وقع عنه الاستفهام هو علة النهي، ومن المشعرات بذلك الفاء في قوله: «فنهى عن ذلك» (^٢).\nمثال آخر: أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال، كما روى ابن عباس ﵄ أنَّ امرأةً أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال: «أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق بالقضاء» (^٣).\nعن ابن عباس قال: أمرَت امرأةُ سنان بن سلمة الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ أنَّ أمها ماتت، ولم تحج، أفيجزي عن أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان عن أمها دين فقضته عنها، ألم يكن يجزئ\n_________\n(^١) انظر ما قبله.\n(^٢) نيل الأوطار للشوكاني (١٠/ ١٧٤) دار ابن الجوزي.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، واللفظ له.","vol":"2","page":260},{"text":"عنها؟ فلتحج عن أمها» (^١).\nوفي رواية البخاري: إنَّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (^٢).\nفهنا توجه السؤال عن حكم حادثة معينة فيذكر النبي ﷺ حكم حادثة أخرى مشابهة لها، منبهًا على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، مما يفيد أنَّ ذلك الوصف علةٌ لذلك الحكم، فقد ذكر ﷺ نظير دَين الله، وهو دَيْن الآدمي، ونبه على التعليل به لكونه علة الانتفاع، ولو لم يكن قد ساقه لهذا الغرض لكان عبثًا، ففهم نظيره في المسؤول عنه، وهو دين الله كذلك علة لمثل ذلك الحكم، وهو النفع.\nومثاله أيضًا حديث قبلة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته، أكنت شاربه؟) فقال عمر: لا. فقال ﵊: «ففيم» (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه النسائي (٢٦٣٣)، وأحمد (٢٥١٨) وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا، وأصله في البخاري كما سيأتي في الهامش القادم.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٥٢، ٧٣١٥).\n(^٣) سنده صحيح، واستنكره النسائي: أخرجه أحمد (١٣٨)، وأبو داود (٢٣٨٥) وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله، وقال النسائي في الكبرى (٣٠٣٦) عقبه (وهذا حديث منكر، وبكير مأمون، وعبد الملك بن سعيد رواه عنه غير واحد، ولا ندري ممن هذا).","vol":"2","page":261},{"text":"فقد نبه النبي ﷺ على المشترك بين القبلة والمضمضة، وعدم حصول المقصود منها، وهو ما يوجب الإفطار.\nفالقبلة مقدمة قضاء شهوة الفرج، وليس فيها قضاء شهوة الفرج، كما أن المضمضة مقدمة قضاء شهوة المعدة، وليس فيها قضاء شهوة المعدة، فعدم قضاء الشهوة سبب عدم الإفطار، فانتفى الحكم بانتفاء سببه.\nففهم على الجملة تأثير الوجه الجامع بين محل السؤال، والنظير المذكور في الحكم الواقع على الاشتراك (^١).\nالثالث: أن يذكر وصفًا في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره، كقوله ﷺ: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (^٢)، فعلة اللعن اتخاذ القبور مساجد، ولو لم يكن كذلك لم يكن لذكره معنى في هذا المقام.\nالنوع الخامس: أن بفرق بين شيئين في الحكم بذكر صفة فاصلة، فهو تنبيه على أنَّ الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عُرف به\n_________\n(^١) شفاء الغليل للغزالي (٤٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩) من حديث عائشة.","vol":"2","page":262},{"text":"المفارقة.\nوالتفريق بين الحكمين يكون بأمور:\n١ - الصفة: سواء ذكر القسمين، نحو قوله ﷺ: «للفارس سهمان وللراجل سهم» (^١).\nأو ذكر أحدهما نحو: «القاتل لا يرث» (^٢).\nفمقتضاه أنَّ العلة في نفي الإرث القتل، ولولاه لم يكن لإضافة الحكم إليه وتعريف محل الحرمان به معنى (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٢٠)، والبيهقي في الكبرى (١٢٩٩٧) من طريق عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، عن نافع، عن ابن عمر، وخالفه أخوه عبيد الله بن عمر العمري وهو ثقة ثبت فقال: (أسهم للرَّجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا للفارس، وسهمين لفرسه). قال الشافعي في القديم: كأنه -يعني عبد الله- سمع نافعًا يقول: (للفرس سهمين وللرجل سهمًا، فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا)، وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ. وعلى كلٍّ فالحكم أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهمًا. فصح التمثيل بهذا الحكم وأن الصفة هنا مؤثرة. ينظر مسلم (١٧٦٢).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (٣٤٦)، أبو داود (٤٥٦٤)، الترمذي (٢١٠٩)، ابن ماجه (٢٦٤٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ومداره على إسحاق بن أبي فروة وهو متروك الحديث، وله شاهد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لكنه معل بالإرسال كما بين الدارقطني ﵀ في العلل (١٤٦).\n(^٣) شفاء الغليل للغزالي (٤٧).","vol":"2","page":263},{"text":"٢ - الشرط: كقوله ﵊: (فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) (^١)، فتفريقه بين منع بيع هذه الأشياء متفاضلًا، وجوازه بشرط اختلاف الجنس مُشعِرٌ بأنَّ اختلاف الجنس علةُ التفرقة بين الحكمين.\n٣ - الغاية: كقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهذا كله تنبيه على أنَّ ما جعل غاية للحكم مؤثر، وسبب في ارتباطه.\nوكحديث ابن عباس، قال: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض. قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله (^٢).\n٤ - الاستثناء: كقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فتفريقه بين ثبوت النصف للزوجات، وبين انتفائه إذا عفون عنه، مشعر بأنَّ العفو علة الانتفاء.\n٥ - الاستدراك: كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فهو دال على أنَّ العقد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٣٥)، ومسلم (١٥٢٥).","vol":"2","page":264},{"text":"هو علة المؤاخذة.\nوكقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فدلَّ على أنَّ تعمد المخالفة هو علة المؤاخذة.\nالنوع السادس: أن يذكر في سياق الكلام شيئًا لو لم يعلل به صار الكلام غير منتظم.\nكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والآية سيقت لبيان أحكام الجمعة، وليس لبيان أحكام البيع، فذكر النهي عن البيع في هذا المقام مشعر بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة، فلو لم يعلل النهي عن البيع في هذا المقام بكونه مانعًا من السعي للجمعة لكان ذكره لاغيًا، ولو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة يكون خبطًا في الكلام.\nوكذا قوله ﵊: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (^١)، تنبه على التعليل بالغضب؛ إذ النهي عن القضاء مطلقًا من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة بلفظ (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)، وأخرجه أحمد (٢٠٣٨٩) وابن ماجه (٢٣١٦) بلفظ (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":265},{"text":"غير هذه الرابطة لا يكون منتظمًا (^١).\nومن أمثلة ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nقال الشنقيطي ﵀: وبما ذكرنا تعلم أنَّ في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أنَّ وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه ﷺ، وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن؛ لأن عموم علَّته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلَّة الذي دلَّ على أنَّ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] هو علَّة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته، هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن في ذلك الوصف علَّة لذلك الحكم لكان الكلام معيبًا عند العارفين، وعرف صاحب (مراقي السعود)، دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء، والإشارة، والإيماء والتنبيه، بقوله:\nدلالة الإيماء والتنبيه … في الفن تقصد لدى ذويه\n_________\n(^١) روضة الناظر لابن قدامة (٣٠٦) ط. دار الزاحم، التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣٣٤٥).","vol":"2","page":266},{"text":"أن يقرن الوصف بحكم إن يكن … لغير علّة يعبه من فطن\nوعرّف أيضًا الإيماء والتنبيه في مسالك العلَّة، بقوله:\nوالثالث الإيما اقتران الوصف … بالحكم ملفوظين دون خلف\nوذلك الوصف أو النظير … قرانه لغيرها يضير\nفقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، لو لم يكن علّة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف (^١).\nالنوع السابع: اقتران الحكم بوصف مناسب دلَّ على أنَّ ذلك الوصف علةٌ لذلك الحكم.\nكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\nفالجلد للزنا، والجنات والعيون للتقوى، والنعيم للبر، والجحيم للفجور، ونحو ذلك. لأن المعلوم من تصرفات العقلاء ترتيب الأحكام\n_________\n(^١) أضواء البيان سورة الأحزاب آية: (٥٣) (٦/ ٣٥٧) ط. دار الحديث.","vol":"2","page":267},{"text":"على الأمور المناسبة، والشرع لا يخرج عن تصرفات العقلاء، ولأنه قد ألف من الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها، فإذا قَرَنَ بالحكم في لفظه وصفًا مناسبًا غلب على الظن اعتباره (^١).\nوكذلك قوله ﷺ: «لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (^٢).\nفدلَّ على أنَّ علة المنع من الطواف كونه عريانًا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-383> المسلك الرابع: السبر والتقسيم.</span>\nويسمى هذا المسلك بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما وهو الأكثر.\nوهو مركب من أصلين: السبر، والتقسيم.\nالسبر لغة: امتحان غور الجرح وغيره، ومنه الميل الذي يختبر به الجرح، فإنه يقال له المسبار، وتقول العرب: هذه القضية يسبر بها غور\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٣٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٩)، ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي بكر الصديق.\n(^٣) أضواء البيان (٤/ ٤٠١) ط. دار الفكر.","vol":"2","page":268},{"text":"العقل أي يُختبر (^١).\nوسمي به؛ لأن المناظر يقسم الصفات، ويختبر كل واحدة منها في أنه هل تصلح للعلية أم لا؟ (^٢).\nوالسبر اصطلاحًا: اختبار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل، وإبقاء ما هو صحيح منها (^٣).\nوقال الصنعاني: التقسيم: هو الحصر لكل وصف يصلح في بادئ الرأي للعلية.\nثم يأتي السبر، أي: اختبار تلك الأوصاف فيبطل ما لا يصلح للعلية ويستبقي ما يصلح لها (^٤).\nأمثلة توضح التعريف:\nقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٩].\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٠٩).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٢٢).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٢٥٧، ٢٥٨) ط. دار الحديث.\n(^٤) إجابة السائل شرح بغية الآمل للصنعاني (١٩٤).","vol":"2","page":269},{"text":"أولًا: التقسيم: حصر أوصاف المحل في ثلاثة، وهي: أنَّ قول العاص بن وائل السهمي أنه يؤتى يوم القيامة مالًا وولدًا لا يخلو مستنده فيه من واحد من ثلاثة أشياء:\nالأول: أن يكون اطلع الغيب، وعلم أنَّ الله كتب له في اللوح المحفوظ مالًا وولدًا يوم القيامة.\nالثاني: أن يكون الله تعال أعطاه عهدًا بذلك، فإنه إن أعطاه عهدًا لن يخلفه.\nالثالث: أن يكون قال ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب.\nثانيًا: السبر: وهو اختبار تلك الأوصاف، وإبطال ما هو باطل وإبقاء ما هو صحيح. فنقول: قد ذكر الله تعالى القسمين الأولين في قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٨] مبطلًا لهما بأداة الإنكار (كلا)، ولا شك أنَّ كلا هذين القسمين باطل؛ لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، فتعين القسم الثالث، وهو أنه قال ذلك افتراءً على الله، وقد أشار الله تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله (كلا)، أي: لأنه يلزمه، ليس الأمر كذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، بل قال ذلك افتراء على الله؛ لأنه لو كان أحدهما حاصلًا لم","vol":"2","page":270},{"text":"يستوجب الردع عن مقالته كما ترى.\nومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠].\nبالتقسيم الثلاثي كالمثال السابق، وما حذف منها هنا دل عليه المقام هناك، والعكس كذلك.\nوالحصر والإبطال إما أن يكونا قطعيين فيكون الدليل قطعيًّا، وإما أن يكونا ظنيين فيكون الدليل ظنيًّا.\nالأول: ما يكون فيه الحصر والإبطال قطعيًّا، ودلالته قطعية بلا خلاف، ولكنه قيل في الشرعيات.\nمثاله قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].\nلأن حصر أوصاف المحل في الأقسام الثلاثة قطعي لا شك فيه؛ لأنهم إما أن يُخلَقوا من غير شيء، أو يخلقوا أنفسهم، أو يخلقهم خالق غير أنفسهم، ولا رابع البته، وإبطال القسمين الأولين قطعي لا شك فيه، فيتعين أنَّ الثالث حق لا شك فيه، وقد حذف في الآية لظهوره.\nفدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية لا شك فيها.","vol":"2","page":271},{"text":"ومثال ما يكون الحصر والإبطال ظنيين أو يكون أحدهما ظنيًّا، وهو الأغلب فلا يفيد إلا الظن، ويعمل به فيما لا يتعبد فيه بالقطع من العقائد ونحوها.\nمثال: الوصف المؤثر في علة تحريم الربا في الأصناف الأربعة (البر والشعير والتمر والملح)، لذلك فإنَّ العلماء يختلفون فيه لاختلاف ظنون المجتهدين عند نظرهم في المسائل.\nوقد اختلفوا في الربا في أشياء كثيرة كالتفاح ونحوه، والنورة ونحوها، بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح، فيقول بعضهم: هذا وصف لا يصح إبطاله. ويقول الآخر: هو ليس بصالح فيلزم إبطاله (^١).\nضابط هذا المسلك أمور ثلاثة:\nالأول: الإجماع على كون حكم الأصل معللًا في الجملة لا تعبديًّا، وهذا شرط في أصل القياس.\nالثاني: كون التقسيم حاصرًا لجميع ما يعلل به، وذلك إما بموافقة الخصم، أو عدم إبدائه وصفًا زائدًا سواء بالعجز عن ذلك، أو ادعاه، وامتنع عن ذكره.\nالثالث: إبطال ما ليس صالحًا للعلة.\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"2","page":272},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-384> طرق حصر أوصاف المحل:</span>\n١ - أن يكون الحصر عقليًّا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥].\nومثال محاورة المبتدع في بدعته بقولنا: إما أن يكون النبي ﷺ عالمًا بهذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أو غير عالم به.\nفأوصاف المحل محصورة في الأمرين المذكورين، إذ لا ثالث البته؛ لأنه لا واسطة بين الشيء ونقيضه.\n٢ - أن يدل على الحصر المذكور إجماع، ومثَّل له بعض الأصوليين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به، فإنَّ علة الإجبار إما الجهل بالمصالح، وإما البكارة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-385> طرق إبطال الأوصاف الغير صالحة للتعليل أو طرق السبر.</span>\n١ - بيان أنَّ الوصف طردي محض، إما بالنسبة إلى جميع الأحكام كالطول والقصر، والبياض والسواد.\nأو بالنسبة إلى خصوص الحكم المتنازع في ثبوته ونفيه (وهو ما يُعبَّر عنه بالوصف المُلغَى كما سيأتي إن شاء الله)، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى باب العتق، فإنه لا فرق في أحكام العتق بين الذكر والأنثى؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إليه وصفان طرديان، كقوله ﷺ: «من","vol":"2","page":273},{"text":"أعتق شركًا له في عبدٍ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) (^١). فلفظ العبد هنا وصف طردي فمن أعتق شركًا له في أمة فكذلك.\nوإن كانا غير طرديين في غير العتق كالإرث، والشهادة، والقضاء، وولاية النكاح فإن الذكر في ذلك ليس كالأنثى.\nويعرف الوصف بكونه طرديًّا -أي لا مدخل له في التعليل أصلًا- باستقراء موارد الشرع ومصادره، إما مطلقًا، وإما في بعض الأبواب دون بعضها (^٢).\n٢ - ألا تظهر للوصف مناسبة.\nوالمناسبة في اصطلاح أهل الأصول: كون إناطة الحكم بالوصف تترتب عليها مصلحة، فعدم المناسبة المذكورة من طرق إبطاله في مسلك السبر (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٩١، ٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١)، من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٢٦٣).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٤٩٨).","vol":"2","page":274},{"text":"٣ - كون الوصف ملغى، وإن كان مناسبًا للحكم المتنازع فيه، ويكون الإلغاء باستقلال الوصف المُستَبقَى بالحكم دونه في صورة مجمع عليها.\nوعبر عنه الآمدي بقوله: أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في جنس ذلك الحكم المعلل، فيجب إلغاؤه وإن كان مناسبًا، كقوله ﷺ: «من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم عليه العبد فأعطى شركاءه حصصهم» (^١).\nفإنه وإن أمكن تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنَّا لما عهدنا من الشارع التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذكورة في السراية، بخلاف ما عداه من الأحكام (^٢).\n٤ - وجود الحكم بدون الوصف الذي يبطله المستدل بالسبر، فيظهر أنه غير العلة لوجود الحكم بدونه، أي: بيان بقاء الحكم بحذفه.\nمثال: قول الشافعي ﵀: المعلل تحريم الربا في البر بالطعم أنَّ وصف الكيل والاقتيات، والادخار لغو بدليل وجود الحكم الذي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٩١، ٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١) بنحوه، من حديث عبد الله ابن عمر.\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٢٦٨).","vol":"2","page":275},{"text":"هو منع الربا في ملء الكف من البر، مع أنه لا يكال، وليس فيه قوت لقلته، فيتعين وصف الطعم (^١).\nوالقاعدة المقَرَّرة في الأصول: أنَّ المثال لا يعترض؛ لأن المراد منه بيان القاعدة، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:\nوالشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الغرض والاحتمال (^٢)\nتتمة: قال القرافي: الأصل أن نقول: التقسيم والسبر؛ لأنَّا نقسِّم أولًا، ثم نقول في معرض الاختبار لتلك الأوصاف الحاصلة في التقسيم: هذا لا يصلح، وهذا لا يصلح، فيتعيَّن هذا. فالاختبار واقع بعد التقسيم، لكن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار، والاختبار هو المقصد، وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل، قُدِّم السبر؛ لأنه المقصد الأهم، وأخَّر التقسيم؛ لأنه وسيلة أخْفضُ رتبةً من المقصد، وهذه الطريقة مفيدة للعلة؛ لأن الحكم مهما أمكن أن يكون معللًا لا يُجْعل تعبُّدًا، وإذا أمكن إضافته للمناسب، فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسبًا إلا ما بقي بعد السَّبْر، فوجب كونه علة بهذه القاعدة (^٣).\n_________\n(^١) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (٣٠٨).\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٢٦٣).\n(^٣) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٠٩).","vol":"2","page":276},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-386> المسلك الخامس: الدوران.</span>\nوهو في اللغة: مصدر دار يدور دَوْرًا، إذا تحرك حركة دورية، وهي التي تنتهي إلى مبدئها، كحركة الفلك والدولاب والرحا، ونحوها.\nواصطلاحًا: وجود الحكم بوجود الوصف -المدعى علة- وعدمه بعدمه (^١).\nويسمى هذا المسلك: بالدوران الوجودي والعدمي، وبالدوران فقط، وبالطرد والعكس (^٢).\nوالطرد في الاصطلاح: الملازمة في الانتفاء (^٣).\nقال القرافي: وفيه خلافٌ، والأكثرون من أصحابنا، وغيرهم يقولون بكونه حجة.\nمثاله: التحريم مع السكر في العصير، فإنه لما لم يكن مسكرًا لم يكن حرامًا فلما حدث السكر فيه وجدت الحرمة، ثم لما زال السكر بصيرورته خلًّا بالاستحالة، زال التحريم، فدل على أنَّ العلة السكر، فالأول اقتران وجود الحكم بوجود الوصف، والثاني اقتران العدم\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤١٢).\n(^٢) نهاية الوصول في دراية الأصول للأرموي (٨/ ٣٣٥١).\n(^٣) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (٢٤٧).","vol":"2","page":277},{"text":"بالعدم (^١).\nقال الشوكاني: ذهب الجمهور إلى أنه يفيد ظن العلية، بشرط عدم المزاحم؛ لأن العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها، وإنما هي علامة منصوبة، فإذا دار الوصف مع الحكم غلب على الظن كونه معرفًا.\nقال الصفي الهندي: هو المختار.\nقال إمام الحرمين: ذهب كل من يعزى إلى الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري أنَّ هذا المسلك من أقوى المسالك.\nوذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يفيد بمجرده، لا قطعًا ولا ظنًّا، واختاره الأستاذ أبو منصور، وابن السمعاني، والغزالي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والآمدي، وابن الحاجب (^٢).\nقلت: نسب الشوكاني عدم القول بالدوران لأبي إسحاق الشيرازي، والذي في اللمع أنه عده من الأدلة على صحة العلة، وهو من دلالة\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول (٣٠٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٤١٣)، وإرشاد الفحول (٢/ ٦٤٠).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٤٠)، وانظر قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٥٣)، والمستصفى للغزالي (٢/ ٩٧٢)، والإحكام للآمدي (٣/ ٢٩٩).","vol":"2","page":278},{"text":"الاستنباط، وسمى الدوران التأثير، قال: ويعرف من وجهين:\nأحدهما: السلب والوجود، وهو أن يوجد الحكم بوجوده، ويزول بزواله.\nوذلك مثل قولنا في الخمر: إنه شراب فيه شدة مُطْربة، فإنه قبل حدوث الشدة كان حلالًا، ثم حدثت الشدة، فحرم، ثم زالت الشدة فحل، فعلم أنه هو العلة.\nوالثاني: بالتقسيم: وهو أن يبطل كل معنى في الأصل إلا واحدًا؛ فيعلم أنه هو العلة، وذلك مثل أن يقول في الخبز إنه يحرم فيه الربا فلا يخلو إما أن يكون للكيل أو للطعم أو للوزن، ثم يبطل أن يكون للكيل والوزن فيعلم أنه للطعم (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-387> حجة أنَّ الدوران دليل العلية:</span>\nقال القرافي: إن اقتران الوجود بالوجود، والعدم بالعدم يغلب على الظن أنَّ المَدَار علة الدَائِر، بل قد يحصل القطع بذلك؛ لأن من ناديناه باسم، فغضب، ثم سَكَتْنا عنه، فزال غضبه، ثم ناديناه به، فغضب كذلك مرارًا كثيرة، حصل لنا الظن الغالب بأن علة غضبه إنما هو ذلك الاسم الذي ناديناه به، ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المُسْهِلة، والقابضة،\n_________\n(^١) اللمع للشيرازي (٢٧٤).","vol":"2","page":279},{"text":"وجميع ما يعطونه من المبرِّدات، وغيرها بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير وعدمها عند عدمها.\nفالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والآخرة، فإذا وُجِد بين الوصف والحكم جَزَمْنا بعليَّة الوصف للحكم (^١).\nوقال الطوفي: وأما دليل الشرع، فلأن النبي ﵇ بعث ابن اللتبية عاملًا، فلما عاد من عمله، جاء بمال، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فخطب النبي ﷺ، فقال: «ما بال الرجل نبعثه في عمل المسلمين فيجيء، فيقول: هذا لكم، وهذا لي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر هل يهدى له» (^٢).\nوهذا عين الاستدلال بالدوران، أي: إنا إذا استعملناك، أهدي لك، وإذا لم نستعملك لم يهد لك، فعلة الهدية لك استعمالنا إياك؛ فثبت بهذا أنه يوجب ظن العلية، وأما أنه إذا وجب ظن العلية، وجب اتباعه؛ فلأن الظن متبع في العمليات بما عرف في الدليل على إثبات القياس من أنه يتضمن دفع ضرر مظنون (^٣).\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول (٣٠٨) ط. دار الفكر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٩٧، ٦٦٣٦)، ومسلم (١٨٣٢)، من حديث أبي حميد الساعدي.\n(^٣) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤١٤).","vol":"2","page":280},{"text":"ومن أمثلة ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، هكذا مثل به الطوفي.\nحجة المنع: قال الغزالي في مسلك الدوران: الطرد والعكس، وقد قال قوم: الوصف إذا ثبت الحكم معه وزال مع زواله يدل على أنه علة، وهو فاسد؛ لأن الرائحة المخصوصة مقرونة بالشدة في الخمر ويزول التحريم عند زوالها، ويتجدد عند تجددها، وليس بعلة بل هو مقترن بالعلة؛ وهذا لأن الوجود عند الوجود طرد محض، فزيادة العكس لا تؤثر؛ لأن العكس ليس بشرط في العلل الشرعية، فلا أثر لوجوده وعدمه، ولأن زواله عند زواله يحتمل أن يكون لملازمته للعلة، كالرائحة أو لكونه جزءًا من أجزاء العلة أو شرطًا من شروطها، والحكم ينتفي بانتفاء بعض شروط العلة، وبعض أجزائها فإذا تعارضت الاحتمالات فلا معنى للتحكم.\nوعلى الجملة: فنسلِّم أنَّ ما ثبت الحكم بثبوته فهو علة، فكيف إذا انضم إليه أنه زال بزواله.\nأما ما ثبت مع ثبوته، وزال مع زواله فلا يلزم كونه علةً كالرائحة المخصوصة مع الشدة، أما إذا انضم إليه سبر وتقسيم كان ذلك حجة،","vol":"2","page":281},{"text":"كما لو قال: هذا الحكم لا بد له من علة؛ لأنه حدث بحدوث حادث، ولا حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا وكذا، وقد بطل الكل إلا هذا، فهو العلة (^١).\nوالجواب عن ذلك:\nأنَّ الصورة التي ذكرها الغزالي ﵀ خارج محل النزاع، فإنَّ الوصف إذا كان طرديًّا غير مؤثر في الحكم فلا اعتبار له بالاتفاق، وإنما الوصف في مسلك الدوران هو الوصف المؤثر ويعتبر حيث لم يقم دليل على إلغائه.\nفالشدة والرائحة هي علامة على العلة التي هي الإسكار، وليست هي العلة، ألا ترى الآن أنَّ المخدرات تؤخذ في شكل أقراص، وحقن، وتسبب الإسكار، وليس فيها شدة الخمر، ولا رائحة الخمر مع ذلك فهي محرمة لاشتمالها على العلة، وهي الإسكار.\n\n*<span data-type='title' id=toc-388> المسلك السادس: المناسبة.</span>\nويسمى استخراجها: تخريج المناط، وهي عمدة كتاب القياس، ومحل غموضه ووضوحه (^٢).\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (٢/ ٩٧٢، ٩٧٣).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٢٥)، الغيث الهامع شرح جمع الجوامع للعراقي (١/ ٥٧١) ط. دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":282},{"text":"والمناسبة في اللغة: الاتصال، والارتباط، والملاءمة، والمشاكلة.\nوقد اختلف في تعريف المناسب، واستقصاء القول فيه من المهمات؛ لأن عليه مدار الشريعة، بل مدار الوجود، إذ لا موجود إلا وهو على وفق المناسبة العقلية، لكن أنواع المناسبة تتفاوت في العموم والخصوص، والخفاء والظهور، فما خفيت عنا مناسبته، سمي تعبدًا، وما ظهرت مناسبته سمي معللًا، فقولنا: المناسب ما تتوقع المصلحة عَقِيبَهُ، أي: ما إذا وجد أو سمع، أدرك العقل السليم كون ذلك الوصف سببًا مفضيًا إلى مصلحة من المصالح لرابط من الروابط العقلية بين تلك المصلحة، وذلك الوصف، وهو معنى قولي: لرابط ما عقلي.\nومثاله: أنه إذا قيل: المسكر حرام، أدرك العقل أنَّ تحريم المسكر مفضٍ إلى مصلحة، وهي حفظ العقول من الاضطراب (^١).\nوقال الآمدي: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع من تحصيل مصلحة، أو تكميلها، أو دفع مفسدة، أو تقليلها (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٨٣).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٧٠)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣٨٤).","vol":"2","page":283},{"text":"والمناسبة في اصطلاح الأصوليين تطلق بإطلاقين:\nالإطلاق العام: وهو شامل للعلة الثابتة بالنص، والإجماع، والثابتة بالاستنباط.\nالإطلاق الخاص: ولا يتناول إلا العلة المستنبطة عن طريق تخريج المناط.\nوقال السمعاني: ونعنى بالتأثير إشعاره في القلوب، وقبولها لذلك الحكم بتلك العلة، ووجود شاهد الأصل على ذلك.\nكتعليل الشافعية الربا في الأصناف الأربعة بالطعم بأنه المشعر بثبوت حكم الأصل والمؤثر فيه، وأنَّ وصف الكيل غير مؤثر.\nومثل: مسألة البيع الفاسد، فإنَّ الفساد مشعر بانتفاء الحكم.\nوفي النكاح بغير ولي: الأنوثة مشعرة بانتفاء الولاية للمرأة في الأنكحة، والبكارة مشعرة بثبوت الإجبار (^١).\nقال القرافي: المناسبة: ما تضمن تحصيل مصلحة، أو درء مفسدة.\nفالأول: - يعني تحصيل المصلحة- كالغنى، هو علة وجوب الزكاة لتضمنه مصلحة الفقراء، ورب المال.\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٨٣ - ٩٨٤).","vol":"2","page":284},{"text":"والثاني: يعني درء المفسدة كالإسكار علة لتحريم الخمر (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-389> المسلك السابع: الشَّبَه.</span>\nوهو لغة: بفتح الشين والباء الموحدة: أصل معناه الشبه، يقال: هذا شبه هذا، وشِبْهُه بكسر الشين وسكون الباء، وشبيهه، كما تقول: مَثَلَهُ، ومِثْلُهُ، ومَثِيلُهُ.\nوالشَّبَهُ، والشِّبْهُ، والشَّبِيهُ: المِثْلُ، والجمع: أشباه، وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ ماثَلَهُ، وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم.\nوهو بهذا المعنى يطلق على كل قياس؛ لأن الفرع لا بد أن يشبه الأصل، لكن غلب إطلاقه في الاصطلاح الأصولي على هذا النوع من مسالك العلة (^٢).\nأما تعريفه اصطلاحًا فقد اختلف الأصوليون في تعريفه:\nالأول: قال القاضي أبو يعلى، والقاضي يعقوب، وابن عقيل، وغيرهم: هو تردد الفرع بين أصلين فيه مناط كل منهما، إلا أنه يشبه\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ١٦٢).\n(^٢) التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٤١٩)، لسان العرب (٤/ ٢١٨٩) مادة شبه، دار المعارف.","vol":"2","page":285},{"text":"أحدهما في أوصاف أكثر، فإلحاقه به هو الشبه (^١).\nالثاني: هو منزلة بين المناسب والطردي، يعني أنه وصف يشبه المناسب في إشعاره بالحكم، لكن لا يساويه، بل دونه، ويشبه الطردي في كونه لا يقتضي الحكم مناسبة بينهما، فهو بين المناسب، والطردي (^٢).\nوعرفه الحنفية والمالكية بقريب من هذا، فقالوا: هو عبارة عن الوصف الذي تكون مناسبته للحكم ليست بالنظر إلى ذات ذلك الوصف، بل مناسبته له بشبهه للوصف المناسب بذاته شبهًا يقتضي الظن بعليته للحكم.\nولهذا لم يعده الحنفية مسلكًا من مسالك العلة؛ لأنه على هذا التصور محتاج في إثبات عليته إلى مسلك آخر لإثباتها من نص، أو إجماع، أو سبر، أو ما إلى ذلك.\nومثلوا للشبه بقول القائل في إلحاق إزالة الخبث بإزالة الحدث في تعيين الماء لذلك: أنَّ إزالة الخبث يعد طهارة تراد للصلاة، فلا يجزئ\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٥٧)، روضة الناظر (٣٢٠)، التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٤٢٠).\n(^٢) المستصفى (٢/ ٩٥٧)، التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٤٢٢)، حاشية العطار على جمع الجوامع (٢/ ٣٣٢) ط. الكتب العلمية.","vol":"2","page":286},{"text":"فيه غير الماء شأنها في ذلك شأن الوضوء، فإنه طهارة يراد للصلاة، فلا يجزئ فيه غير الماء، فالشبه قائم بين الخبث والحدث في كون كل منهما طهارة تراد للصلاة، والمناسبة بين الخبث، وبين تعيين الماء ليست بذاته، بل بشبهه، وهو الوضوء الذي وجدنا الشارع اعتبر فيه خصوصية الماء في الصلاة، ومس المصحف، والطواف (^١).\nوقد يمثل له بالرقم (سبعة) فمن حيث هو رقم من الأرقام، فهو وصف طردي لا علاقة له بالحكم، ولا تظهر مناسبته للأحكام، لكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام كالطواف، والسعي، والرمي، والأذكار في الرقى، كقوله ﵊: «من أكل سبع تمرات مما بين لَابَتَيْهَا حين يصبح، لم يضره سم حتى يمسي» (^٢).\nوقوله: «ما من مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عوفي» (^٣).\n_________\n(^١) مباحث العلة في القياس عند الأصوليين لعبد الحكيم السعدي (٤٥٩) نقلًا عن تيسير التحرير (٤/ ٥٣)، فواتح الرحموت لابن نظام الدين الأنصاري (٢/ ٣٠)، نشر البنود لعبد الله الشنقيطي (٢/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٤٥)، ومسلم (٢٠٤٧) واللفظ له، من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(^٣) إسناده حسن: بلفظ «كان النبي ﷺ إذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثم قال سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم» أخرجه أبو داود (٣١٠٦) الترمذي (٢٠٨٣) وغيرهما، وينظر علل ابن أبي حاتم (٢١٠٧).","vol":"2","page":287},{"text":"وكقوله ﷺ في مرض موته: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ» (^١).\nإلا أن يقال أنَّ هذا مما لا يعقل معناه، فلا يدخل في باب القياس، إنما أردت ذكره هنا لكثرة وروده، والتفات الشرع إليه، والله أعلم.\nحجية الشبه:\nاختلفوا في كونه حجة أم لا على مذاهب:\nالأول: أنه حجة، وإليه ذهب الأكثرون من الأصوليين من الشافعية، والرواية الصحيحة عن الإمام أحمد، وأكثر الفقهاء، وسماه الشافعي (قياس غلبة الأشباه).\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث أبي هريرة أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فقال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «ما ألوانها؟» قال: حُمْرٌ. قال: «هل فيها من أَوْرَق؟» قال: نعم. قال: «فأنَّى ذلك؟» قال: لعله نزعه عرق. قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٨) من حديث عائشة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠).","vol":"2","page":288},{"text":"فاعتبر النبي ﷺ بالشبه بين الإبل والإنسان في نزعه عرق.\nقال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه (^١).\n٢ - أنَّ قياس الشبه يفيد ظنًّا - ولو ضعيفًا-، فإذا لم يوجد ما يعارضه، ولم يوجد من المسالك ما هو أولى منه لجأنا إليه؛ لأن الظن معمول به في الأحكام الشرعية.\nواختلف القائلون به في محل الشبه:\nفمنهم من اعتبر المشابهة في الحكم: كالشافعية والحنابلة، ولهذا ألحقوا العبد المقتول بسائر الأموال المملوكة في لزوم قيمته على القاتل بجامع أنَّ كلًّا منهما يباع ويشترى.\nومنهم من اعتبر المشابهة في الصورة: كإسماعيل بن علية، كقياس الخيل على الحمير والبغال في سقوط الزكاة.\nوقياس الحنفية في حرمة لحم الخيل بالقياس على لحم الحمير للمشابهة بينهما في الصورة.\nوكرد وطء الشبهة إلى النكاح في سقوط الحدود، ووجوب المهر لشبهه بالوطء في النكاح، ومقتضى ذلك قتل الحر بالعبد، كما يقوله أبو\n_________\n(^١) فتح الباري (٩/ ٥٣٥) الحديث.","vol":"2","page":289},{"text":"حنيفة.\nونحو ذلك قول الإمام أحمد بوجوب التشهد الأول؛ لأنه أحد الجلوسين في تشهد الصلاة، فوجب كالتشهد الأخير، وعكسه بعض الحنفية بعدم وجوب الأخير قياسًا على الأول (^١).\nالثاني: أنَّ هذا المسلك ليس بحجة.\nوبه قال أكثر الحنفية، والقاضي أبو بكر، والأستاذ أبو منصور، وأبو إسحاق المروزي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو بكر الصيرفي، والقاضي أبو الطيب الطبري، لكنه عند الباقلاني صالح لأن يرجح به (^٢).\nواستدلوا: بأنَّ الشبه إن كان مناسبًا فهو معتبر بالاتفاق، وإن كان غير مناسب فهو الطرد المردود بالاتفاق.\nوبأنَّ المعتمد في القياس عمل الصحابة، ولم يتمسكوا بهذا الطريق فيلغى.\nالثالث: المعتبر حصول المشابهة فيما يظن أنه مستلزم لعلة الحكم، أو أنه علة الحكم سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى.\nوإليه ذهب الرازي في المحصول، وأجاب على حجة القول بعدم\n_________\n(^١) انظر التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣٤٢٧).\n(^٢) التحبير شرح التحرير (٧/ ٣٤٣١)، إرشاد الفحول (٢/ ٦٣٦).","vol":"2","page":290},{"text":"اعتباره (^١).\nوالراجح: المذهب الأول إذا عدم قياس العلة.\nويرد على القول بالمنع: بأنَّ الشبه مسلك بين المناسبة والطرد، ولا نسلم أن ما سوى المناسبة مردود، وأنَّ المعتبر في القياس قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] (^٢)، وهذا نوع من الاعتبار، وإلحاق الشبيه بشبيهه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-390> المسلك الثامن: الطرد.</span>\nوهو لغة: كما قال ابن منظور: اطَّرَدَ الشيءُ: تبع بعضه بعضًا وجرى.\nواطَّرد الأمر: استقام، واطَّردت الأشياء إذا تبع بعضها بعضًا، واطَّرد الكلام إذا تتابع، واطَّرد الماء: إذا تتابع سيلانه.\nوذكر معانيَ أخرى، لكن هذا ألصقها بما نحن فيه (^٣).\nوفي الاصطلاح: قال في المحصول: والمراد منه: الوصف الذي لم\n_________\n(^١) نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي (٧/ ٣٣٢٤) ط. نزار الباز.\n(^٢) انظر المحصول للرازي (٢/ ٣١٥)، بحث مسالك العلة المستنبطة منشور بمجلة الشريعة العدد (٤٢) جمادى الآخرة (١٤٢١ هـ).\n(^٣) لسان العرب (٤/ ٢٦٥٢) دار المعارف مادة طرد.","vol":"2","page":291},{"text":"يكن مناسبًا، ولا مستلزمًا للمناسب، إذا كان الحكم حاصلًا مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، وهذا قول الأكثرين (^١).\nوأوضح من هذا عبارة الأرموي في الحاصل حيث قال: جريان الحكم مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع.\nوهو يدل على العلية؛ لأن الأغلب إذا كان ثبوت هذا الحكم مع ذلك الوصف، وجب إثباته في صورة النزاع إلحاقًا للمفرد النادر بالغالب.\nومنهم من عرفه، فقال: هو مقارنة الوصف غير المناسب والشبهي للحكم في جميع الصور، ما عدا المتنازع فيها (^٢).\nالفرق بينه وبين الدوران:\nأنَّ الطرد عبارة عن المقارنة في الوجود دون العدم، والدوران عبارة عن المقارنة وجودًا وعدمًا (^٣).\n_________\n(^١) نفائس الأصول للقرافي (٨/ ٣٣٦٣)، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢٤٨)، إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٣٧).\n(^٢) نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول لعيسى منون (٣٧٥).\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢٤٨)، إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٣٨).","vol":"2","page":292},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-391> الخلاف في حجية الطرد:</span>\nأما من أنكر الدوران فهو لا يقول بالطرد من باب أولى، ومن قال بالدوران فقد اختلفوا في الطرد على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ الطرد ليس بحجة، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين كما نقله القاضي عنهم، وقال القاضي حسين: لا يجوز أن يدان الله به.\nوقال السمعاني: وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة، والاطراد دليلًا على صحة العلية: حشوية أهل القياس. قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء.\nواستدلوا بالتالي:\n١ - بأنَّ الأصل في الشرائع جلب المصالح ودرء المفاسد، فما لم يعلم فيه تحصيل مصلحة، ولا درء مفسدة وجب أن لا يعتبر.\n٢ - أنَّ تجويزه يفتح باب الهذيان واللعب في الدين.\nالمذهب الثاني: أنه حجة، وبه قال الرازي في المحصول، والبيضاوي، وبعض الحنفية.\nواستدلوا بالتالي:\n١ - أنَّ الأحكام الأصل فيها التعليل، وليس لدينا في هذا الحكم إلا","vol":"2","page":293},{"text":"الطرد، أو عدم التعليل، والثاني باطل؛ لأنه خلاف الأصل، فيثبت الأول.\n٢ - أنَّ اقتران هذا الوصف بالحكم في جميع الصور يورث الظن، وهو كاف في العلية، كما لو رأينا دابة القاضي أمام قصر الأمير، فتستدل على وجوده داخل القصر لاطراد وجود الدابة معه أينما ذهب.\n٣ - أنَّ إلحاق الصورة المتنازع فيها بحكم الوصف الطردي في جميع الصور إنما هو إلحاق بالأعم الأغلب (^١).\nوالراجح - والله أعلم-: أنَّ الطرد قد يستأنس به إذا سلم عن المعارضة مما هو أقوى منه؛ لأن وجوده مع الحكم في جميع الصور يتولد منه ظن بتأثيره في العلية، لكن لا يستقل بعلية الحكم، وهذا بخلاف الوصف الطردي؛ لأن الوصف الطردي وجوده مع الحكم في بعض الصور ليس له أدنى تأثير في علية الحكم، بخلاف الوصف في الطرد فيوجد في أغلب الصور، وهو لا يتكرر بهذه الصورة إلا وله نوع تأثير في الحكم ولو ضعيفًا.\nوهذا الباب قد يستأنس به القاضي عند عدم البينة، أو الشهود، فيكون من باب توارد الأدلة وتركيبها، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر المذاهب وأدلتها، البحر المحيط (٥/ ٢٤٨) وما بعدها، إرشاد الفحول (٢/ ٦٣٩)، مجلة الشريعة العدد (٤٢/ ٣٣٦)، وما بعدها.","vol":"2","page":294},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-392> المسلك التاسع: تنقيح المناط.</span>\nوقد سبق الكلام عنه في أنواع الاجتهاد في العلة.\nومعناه هنا: إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق، بأن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا، وذلك لا مدخل له في الحكم البتة، فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له (^١)، كقياس العبد على الأمة في تنصيف الحد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]؛ لأنه لا فرق بين الحرة والأمة إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد، فأجري في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط الحكم (ويسمى المشترك بين الأصل والفرع).\nولا فرق بين العبد والأمة إلا الذكورة والأنوثة (ويسمى المختص بالأصل للأنوثة هنا، والذكورة في مسألة تقويم العبد على سيده الذي أعتقه شركه فيه)، وهذا الوصف لا مدخل له في الحكم فَيُلغَى.\nوالفرق بين السبر والتقسيم، وهذا المسلك: أنَّ الحصر في دلالة السبر لتعيين العلة إما استقلالًا أو اعتبارًا، وفي نفي الفارق لتعيين الفارق وإبطاله لا لتعيين العلة، بل هو نقيض قياس العلة؛ لأن القياس هناك\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (٢/ ٦٤١).","vol":"2","page":295},{"text":"عين جامعًا بين الفرع والأصل، وعين هنا الفارق بينهما (^١).\nوقد عد القرافي هذا المسلك - وهو تنقيح المناط - أنه إلغاء الفارق، فقال في المسلك الثامن من مسالك العلة: تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق فيشتركان في الحكم.\nوالدليل على أنه حجة بهذا التفسير: أنَّ الأصل في كل مِثْلين أن يكون حكمهما واحدًا، فإذا استوت صورتان، ولم يوجد بينهما فارق، فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحكم، ونجد في أنفسنا من اعتقاد الاستواء في الحكم ههنا أكثر مما نجده في الطرد والشبه، والعلم بهذا التفاوت ضروري عند من سلك مسالك الاعتبار والنظر، فوجب كونه دليلًا على عليَّة المشترك على سبيل الإجمال، وإن كُنَّا لا نعيِّنه، بل نجزم بأنَّ ما اشتركا فيه هو موجب العلة (^٢).\nقال الشنقيطي: والتحقيق أنه - أي إلغاء الفارق- نوع من تنقيح المناط (^٣).\nفمعنى تنقيح المناط: الاجتهاد في تحصيل المناط الذي ربط به\n_________\n(^١) البحر المحيط (٥/ ٢٥٨).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٠٩ - ٣١٠).\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٤٣٠) سورة الأنبياء ط. دار الحديث.","vol":"2","page":296},{"text":"الشارع الحكم، فيبقى من الأوصاف ما يصلح، ويلغى ما لا يصلح.\nوذكر جماعة كالتاج السبكي، والبرماوي، وغيرهما: أنه أجود مسالك العلة بأن يبين إلغاء الفارق (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-393> أنواع القياس:</span>\nينقسم القياس بحسب النظر إلى العلة إلى أقسام منها:\n١ - قياس العلة.\n٢ - قياس الدلالة.\n٣ - قياس الشبه.\n٤ - قياس العكس.\n\n*<span data-type='title' id=toc-394> الأول: قياس العلة:</span>\nأن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم، ويسمى قياس المعنى. وينقسم إلى: جلي، وخفي.\nفأما الجلي: فما عرف من غير معاناة فكر.\nوالخفي: لا يتبين إلا بإعمال فكر.\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣٣٣٣).","vol":"2","page":297},{"text":"والجلي على أربعة أضرب:\nالأول: وهو المتناهي في الجلاء، وهو ما عرف من ظاهر النص بغير استدلال، ولا يرد الشرع بخلافه في الفرع.\nوهو: أن يكون المسكوت عليه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي الفارق، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فلا يشك عاقل في أنَّ النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب والشتم المسكوت عنه.\nوكقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، فلا يعقل أن ينفى ملكهم للقطمير، ثم يثبت ملكهم لما فوق ذلك.\nوكقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فلا يعقل أن يؤتمن الأول على القنطار، ثم يتهم بالخيانة في دينار، والعكس في الثاني.\nوكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فلا يعقل أن يوفوا ثواب الذرة، ويُحرموا ما فوق ذلك.\nقال الزركشي: وقال بعض مشايخنا: لا يُسمى هذا قياسًا.\nقلت (الزركشي): لأن العرب وضعت هذه اللفظة للتنبيه على ما","vol":"2","page":298},{"text":"زاد عليه، فيكون النهي عن الضرب والشتم باللفظ، وسماه بعضهم مفهوم الخطاب، وقيل: فحوى الخطاب. قالوا: والقياس ما خفي حكم المنطوق عنه حتى عرف بالاستدلال من المنصوص عليه، وما خرج عن الخفاء ولم يحتج إلى الاستدلال فليس بقياس، وقال نفاة القياس: ليس بقياس بل نص (^١).\nوإلى هذا ذهب الكرخي، ومن تبعه من أصحاب أبي حنيفة (^٢).\nقال السمعاني: قالوا: وإنما قلنا ذلك -أي ليس بقياس- لأن القياس لا يدركه من ليس بقائس، وهذا يستدركه من ليس بقائس، ويشترك في استدراكه الخاص والعام، ولو كان قياسًا لاختص به أهل النظر والاجتهاد.\nقال: والأصح أنَّ ذلك ثابت من جهة القياس؛ لأن غير المذكور لما عُلم بالمذكور على طريق الاعتبار فقد حصل معنى القياس، وهذا لأن تحريم الشتم والضرب غير معقول من اللفظ؛ لأنه لو عقل باللفظ لكان اللفظ موضوعًا للمنع من الضرب والشتم إما في اللغة، أو في العرف، ومن البين أنه غير موضوع للمنع من الضرب والشتم في اللغة، وكذلك\n_________\n(^١) البحر المحيط (٧/ ٥٠).\n(^٢) قواطع الأدلة ٢/ ١٢٧).","vol":"2","page":299},{"text":"في العرف؛ لأن الناس لا يتعارفون هذا الاسم، كذلك المعين، فصار المنع من الضرب والشتم باعتبارهم بالتأفيف المنصوص عليه.\nوبيان هذا: أنَّ الإنسان إذا سمع قول الله ﷿: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله تعالى ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣] علم أنَّ هذا الكلام خرج مخرج الأمر بالإعظام لهما، مع ما تقرر في الشرع من وجوب تعظيمهما، وإذا علم هذا علم أنَّ الله تعالى إنما نهى عن التأفيف لكونه أذى، ويُعلَم أنَّ الحكيم لا ينهى عن الشيء لعلة، ويرخص فيما فيه تلك العلة وزيادة، بل يكون ذلك بالحظر والتحريم أولى، فثبت ما قلنا، وهو أنَّ هذا من باب علم غير المذكور من المذكور بطريق الاعتبار، فيكون بطريق القياس، ولا يُنكَر سهولة مأخذه وقرب مسلكه لهذا؛ إلا أن هذا لا يخرجه عن كونه على طريق القياس، لأن مراتب القياس قد تتفاوت في الجلاء والخفاء كما تتفاوت مراتب النصوص، فمن ذلك ما يُدرك بأول ما يقرع السمع، ومن ذلك ما يحتاج إلى تأمل وتفكر، وهذا الاختلاف لا يخرج ذلك عن كونه نصًّا، وإنما يتميز النص من غير النص بأنَّ النص ما كان مذكورًا باسمه، والقياس ما لا حظ له في الاسم، وإنما أدرك بمعناه (^١).\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٣١ - ٩٣٢).","vol":"2","page":300},{"text":"قلت: ذكر الشافعي ﵀ قولين لأهل العلم، فقال: وقد يمتنع بعض أهل العلم من أن يسمي هذا قياسًا، ويقول: هذا ما أحل الله وحرَّم، وحَمِدَ وذمَّ؛ لأنه داخل في جملته، فهو بعينه لا قياسٌ على غيره. ويقول مثل هذا القول في غير هذا مما كان في معنى الحلال فأُحِلَّ والحرام فحُرِّمَ، ويمتنع أن يُسمَّى القياس إلا ما كان يحتمل أن يُشبَّه بما احتمل أن يكون فيه شبهًا من معنيين مختلفين، فصرفه على أن يقيسه على أحدهما دون الآخر ويقول غيرهم من أهل العلم ما عدا النص من الكتاب أو السنة، فكان في معناه، فهو قياس، والله أعلم (^١).\nلذلك بعد أن ذكر السمعاني القولين، وردَّ على حجج الممتنعين من تسميته قياسًا، قال: لكن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، وليس فيها فائدة معنوية وبعد أن وافقونا في المعنى الذى قلناه فلا نبالي أن يسمى ذلك قياسًا، أو لا يسمى، وإنما بالغنا في إثبات الذى ادعيناه مع أنه ليس للخلاف فيه فائدة معنوية نصرةً للشافعي، فإنه قد نصَّ في موضع أنه قياس مع وصفه بالجلاء والظهور.\nقلت: هذا الذي نسبه للشافعي قاله في (الرسالة).\nقال: والقياس وجوه يجمعها القياس، ويتفرق بها ابتداءُ قياسِ كل\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي (٥١٥ - ٥١٦) دار التراث.","vol":"2","page":301},{"text":"واحدٍ منهما، أو مصدره، أو هما، وبعضهما أوضح من بعض.\nفأقوى القياس: أن يُحرِّم الله في كتابه، أو يُحرِّم رسول الله ﷺ القليل من الشيء، فيُعلَم أنَّ قليله إذا حُرِّم كان كثيره مثل قليله في التحريم، أو أكثر بفضل الكثرة على القلة (^١).\nالضرب الثاني: ما كان دون الأول في الوضوح والجلاء:\nوهو أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق.\nومثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، ومثلها إضاعة أموالهم بالإحراق والإغراق؛ إذ لا فرق بينها، وبين أكل أموالهم ظلمًا.\nوكقوله ﷺ: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (^٢)، ومعلوم بأوائل النظر أنَّ ما ساوى الغضب من جوعٍ مفرط، أو ألم مزعج، ونومٍ\n_________\n(^١) الرسالة (٥١٢ - ٥١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة بلفظ (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)، وأخرجه أحمد (٢٠٣٨٩) وابن ماجه (٢٣١٦) بلفظ (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":302},{"text":"مذهل بمنزلة الغضب في المنع من القضاء؛ لأن كلًّا منها مشوِّش للفكر والذهن، ويمنع من استيفاء الحق.\nوكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فمثل البيع سائر العقود كالنكاح والإجارة، وسائر المهن والصنائع؛ لأن كلًّا منها مشغل عن الجمعة.\nومثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، الآية في الأمة إذا ارتكبت فاحشة، فإنه ينصف عليها الحد، وكذلك العبد إذ لا فارق بينهما فكلاهما رقيق.\nالضرب الثالث: ما عرف معناه بظاهر النص من غير استدلال، لكن يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، وفيه يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، إلا أنَّ نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا، بل مظنونًا ظنًا قويًّا مزاحمًا لليقين.\nومثاله: نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء (^١). فالتضحية بالعمياء\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٢٨٠٢)، والنسائي (٤٣٦٩)، وابن ماجه (٣١٤٤) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.","vol":"2","page":303},{"text":"المسكوت عنها أولى بالحكم، وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها، إلا أنَّ نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا؛ لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتًا وثمنًا وقيمة، وهذا هو الظاهر، وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتًا وقيمة، وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية أنَّ العور مظنة الهزال؛ لأن العوراء ناقصة البصر، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي، لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينًا واحدة، ونقص الرعي مظنة الهزال، وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء؛ لأن العمياء يُختار لها أفضل العلف فيكون ذلك مظنة لسمنها.\nوكذلك: نهيه ﷺ المحرم أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران (^١). فكان الكافور والمسك أولى بذلك الحكم، وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم الورس والزعفران، وإباحة المسك والكافور.\nالضرب الرابع: ما عرف معناه من ظاهر النص، مع جواز التعبد بخلاف أصله، ويكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم، إلا أنَّ نفي الفارق بينهما مظنون ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين.\nومثاله الحديث الصحيح: (من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٤)، ومسلم (١١٧٧) من حديث عبد الله بن عمر.","vol":"2","page":304},{"text":"يبلغ ثمن العبد قُوِّم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) (^١).\nفإنَّ المسكوت عنه، وهو عتق بعض الأمة مساوٍ للمنطوق به، وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث - إذ لا أثر للذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق-؛ لأنهما وصفان طرديَّان، وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر، مخصصًا له بذلك الحكم دون الأنثى؛ لأن عتق الذكر يترتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق الأنثى، كالجهاد، والإمامة، والقضاء، ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث (^٢).\n* ثانيًا: قياس العلة الخفي:\nوهو ما خفي معناه، فلم يعرف إلا باستدلال، وهو على ثلاثة أقسام:\nأحدهما: ما كان معناه لائحًا باستدلال متفق عليه، مثل قوله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٩١، ٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١)، من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٢) انظر قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٣٠ - ٩٣٥) دار ابن حزم، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٣٦ - ٣٨) ط. الكويت، أضواء ا لبيان للشنقيطي (٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، (٤/ ٤٢٤ - ٤٢٦) دار الحديث.","vol":"2","page":305},{"text":"تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فكانت عمات الآباء والأمهات محرمات، قياسًا على الخالات والعمات لاشتراكهن في الرحم المحرم.\nومثل قوله تعالى في نفقة الولد في صغره: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فكانت نفقة الوالد في حال عجزه عند كبره قياسًا على نفقة الولد بعجزه لصغره لاشتراكهما في البعضية.\nقال الشافعي ﵀: فدل كتاب الله، وسنة نبيه أنَّ على الوالد رضاع ولده ونفقتهم صغارًا.\nفكان الولد من الوالد، فجبر على صلاحه في الحال التي لا يغني الولد فيها نفسه، فقلت: إذا بلغ الأب ألا يغني نفسه بكسب، ولا مال فعلى ولده صلاحه في نفقته، وكسوته قياسًا على الولد (^١).\nوالمعنى في هذا لائح بين الجلي والخفي، وهو في أقسام الخفي بمنزلة القسم الأول من أقسام الجلي.\nالثاني: ما كان معناه غامضًا، لتقابل المعنيين، أو لتقابل المعاني، مثل: تعليل الربا في البر المنصوص عليه إما بالطعم، أو بالكيل، أو القوت، ولا بد من ترجيح أحد هذه المعاني على الآخر من طريق\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي (٥١٧ - ٥١٨).","vol":"2","page":306},{"text":"المعنى الذي يكون دالًّا على التحريم.\nالثالث: ما كان مستبهمًا يحتاج نصه ومعناه إلى الاستدلال، ومثاله: حديث عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ الخراج بالضمان (^١).\nفعلم بالاستدلال أنَّ الخراج هو المنفعة، وأنَّ الضمان هو ضمان المبيع بالثمن (^٢).\nقال ابن الأثير: يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدًا كان، أو أمة، أو ملكًا، وذلك بأن يشتريه فيستغله زمانًا، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة، وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، والباء في بالضمان متعلقة بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان أي بسببه (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٢٤٢٢٤، ٢٥٩٩٩)، وأبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥) من حديث عائشة، وقال أبو حاتم عنه وعن حديثه هذا قال: لم يرو عنه غيره، وليس هذا إسنادا تقوم بمثله الحجة.\n(^٢) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٣٥ - ٩٣٦).\n(^٣) النهاية (خرج)، وانظر: الرسالة للشافعي (٥١٨ - ٥١٩) لتوضيح خفاء الاستدلال.","vol":"2","page":307},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-395> النوع الثاني: قياس الدلالة:</span>\nضابطه: أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة، كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة، أو أثرها، أو حكمها.\nفمثال الجمع بملزوم العلة: أن يقال: النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة، وهي ملزوم الإسكار، بمعنى أنها يلزم من وجود الإسكار، والقصد مطلق التمثيل؛ لأن العلة هنا منصوصة، وهي الإسكار.\nومثال الجمع بأثر العلة: أن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بالمحدد بجامع الإثم، وهو أثر العلة، وهي القتل العمد العدوان.\nومثال الجمع بحكم العلة: أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد، كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية (^١).\nقال ابن القيم: وأما قياس الدلالة فهو: الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة، وملزومها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٤٢٧) دار الحديث.","vol":"2","page":308},{"text":"خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩]، فدلَّ سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه، وشاهدوه على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء بنظيره، والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه، وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة (^١).\nوقال ابن قدامة: هو أن يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة، ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة، فيلزم اشتراكهما في الحكم ظاهرًا.\nقال الطوفي: وهو على ضربين:\nأحدهما: الاستدلال بالحكم على العلة، كقولنا في الوتر: يُؤدَّى على الراحلة، فيكون نفلًا، أو فلا يجب، كصلاة الضحى، فجواز الأداء على الراحلة حكم النفل، فهو يدل على وجود علته في الوتر؛ وذلك لأن الحكم أثر العلة وملزومها، فدل عليها دلالة الأثر على المؤثر، والملزوم على اللازم.\nالضرب الثاني: الاستدلال بأحد أثري المؤثر على الآخر، ويقال: بإحدى نتيجتي علة واحدة على الأخرى.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٢٥٧) ط. ابن الجوزي ت. مشهور.","vol":"2","page":309},{"text":"مثاله: قولنا: القطع والغرم يجتمعان على السارق، أي: إذا سرق عينًا ففاتت في يده -أي قطع-، قطع بها، وغرم قيمتها؛ لأنها عين يجب ردها مع بقائها، فوجب ضمانها مع فواتها، كالمغصوب؛ لأن وجوب ردها مع بقائها دل على وجود علة وجوب الرد؛ إذ الواجب لا بد له من علة، والضمان عند التلف رد لها من حيث المعنى، وتلك العلة تناسبه، وقد ظهر اعتبارها في الأصل وهو المغصوب، والعلة في ذلك كله إقامة العدل برد الحق، أو بدله إلى مستحقه (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-396> النوع الثالث: قياس الشبه:</span>\nتعريفه: إلحاق فرع متردد بين أصلين بأحدهما الغالب شبهه به في الحكم والصفة، على شبهه بالآخر فيهما (^٢).\nقال الإمام الشافعي ﵀: والقياس قياسان: أحدهما: يكون في مثل معنى الأصل، فذلك الذي لا يحل لأحد خلافه، ثم قياس أن يشبه الشيء بالشيء من الأصل، والشيء من الأصل غيره، فيشبه هذا بهذا الأصل، ويشبه غيره بالأصل غيره.\nوموضع الصواب فيه عندنا - والله تعالى أعلم-: أن ينظر، فأيهما\n_________\n(^١) روضة الناظر (٣٢٢)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨) بتصرف.\n(^٢) غاية الوصول في شرح لب الأصول للشيخ زكريا الأنصاري (١٢٥).","vol":"2","page":310},{"text":"كان أولى بشبهه صيره إليه إن أشبه أحدهما في خصلتين، والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين (^١).\nوتعريف قياس الشبه يمكن أن يختلف باعتبارين:\nالأول: أن يكون للفرع أصل واحد، فحينئذ يعرف قياس الشبه بأنه: إلحاق فرع بأصل تظن فيه المناسبة من غير اطلاع عليها، بعد البحث التام ممن هو أهل للاطلاع عليها، وقد ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام (^٢).\nوقد سبق ذلك في مبحث مسلك الشبه من مسالك العلة.\nالاعتبار الثاني: أن يتنازع الفرعَ أصلان:\nوهو أن يكون الفرع مترددًا بين أصلين لمشابهته لهما، فيلحق بأحدهما لمشابهته في أكبر صفات مناط الحكم.\nقال الزركشي: وقد وقع في كلام الشافعي ﵀ ذكر قياس علة الأشباه.\nقال ابن سريج: فإذا تردد بينهما كان رده إلى أشبههما أولى من رده\n_________\n(^١) الأم للشافعي (٧/ ٩٩) ط المعرفة، (٨/ ٢١٠) دار الوفاء.\n(^٢) قياس الشبه د/ محمود عبد الرحمن (٢٣٢).","vol":"2","page":311},{"text":"إلى أبعدهما منه في الشبه (^١).\nومثَّل الشيخ زكريا الأنصاري لقياس غلبة الأشباه في الحكم والصفة، فقال: كإلحاق العبد بالمال في إيجاب القيمة بقتله بالغة ما بلغت؛ لأن شبهه بالمال في الحكم والصفة أكثر من شبهه بالحرّ فيهما، أما الحكم فلكونه يباع، ويؤجر، ويعار، ويودع، ويثبت عليه اليد، وأما الصفة فلتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة ورداءة، وتعلق الزكاة بقيمته إذا اتجر فيه (^٢).\nحجية قياس الشبه: اختلفوا في اعتباره إلى أربعة مذاهب، بعد اتفاقهم على أنه لا يصار إليه مع وجود قياس العلة:\nالأول: أنه ليس بحجة مطلقًا، وهو قول جمهور الحنفية، وبعض الشافعية مثل الصيرفي، وأبي إسحاق المروزي، والأستاذ أبي منصور، وبالغ في ذلك ابن القيم في (إعلام الموقعين)، ونفاه حتى أنه قال: لم يحكه الله إلا عن المبطلين.\nالثاني: أنه صالح للترجيح، ولا يحتج به ابتداءً، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والقاضي أبو الطيب، والقاضي أبو بكر، وبه أُوِّلَ\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٤١ - ٤٢) ط. الكويت.\n(^٢) غاية الوصول في شرح لب الأصول للشيخ زكريا الأنصاري (١/ ١٣٢).","vol":"2","page":312},{"text":"كلام الشافعي.\nالثالث: أنه حجة إن ثبت بأحد مسالك العلة المعتبرة كالإجماع، والسبر والتقسيم ما عدا المناسبة؛ لأنه قسيم لها -على التعريف الأول لقياس الشبه- وهذا مذهب ابن الحاجب.\nالرابع: أنه حجة مطلقًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال به الجويني، والغزالي، والرازي، والخوارزمي من الحنفية، وجمهور المالكية، والحنابلة، وأبو الحسين البصري من المعتزلة (^١).\nقال الشافعي في (الرسالة): والقياس من وجهين: أحدهما: أن يكون الشيء في معنى الأصل، فلا يختلف القياس فيه، وأن يكون الشيء له في الأصول أشباه فذلك يلحق بأولاها به، وأكثرها شبهًا فيه، وقد يختلف القايسون في هذا (^٢).\nواستدل من قال إنَّ قياس الشبه حجة بما يلي:\n١ - أنَّ الشرع ورد باعتبار الشبه في جزاء الصيد، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والجمهور على أنَّ\n_________\n(^١) هامش كتاب القواطع للسمعانى (٣/ ٩٨٩) ط دار الفاروق عمان الأردن.\n(^٢) الرسالة للشافعي (٤٧٩).","vol":"2","page":313},{"text":"المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة (^١)، وهذا نوع من قياس الشبه.\n٢ - أنَّ الشرع اعتبر الأشباه في القيافة، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور، فقال: (يا عائشة، ألم تَرَيْ أن مُجَزِّزًاالمُدْلِجِيَّ دخل عليَّ فرأى أسامة بن زيد وزيدًا وعليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعض (^٢).\nلكن قد يجاب على هذين الدليلين: بأنَّ هذا الشبه في الخلقة، وهو لا يُنكر، وإنما هذا هو العادة غالبًا أنَّ الولد يشبه أباه أو أمه، وجزاء الصيد اعتبرت فيه المثلية في الصورة والخلقة ليكفر عن ذنبه بقتل الصيد بما يقرب من قيمة الحيوان الذي قتله.\nويمكن أن يجاب: بأنَّ الشرع إذا تعبد المكلفين بالنظر إلى الأشباه الحسية الخلقية، كالقول في جزاء الصيد والقيافة، فإنَّ مبناها على الأشباه الجبلية، والشمائل الخفية، فاعتبار الشبه في الحكم، والصفة، وغيرها مما هو أقوى من الشبه في الصورة أولى (^٣).\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٥٥، ٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩).\n(^٣) قياس الشبه د/ محمود عبد الرحمن (٣٩٩).","vol":"2","page":314},{"text":"٣ - أنَّ القياس ليس إلا تمثيل الشيء بالشيء، وتشبيهه به، والشيء إنما يمثل بما يشابهه ويجانسه، فيجب إلحاق الشيء بما يشابهه، ويجانسه جريًا على هذا الأصل؛ لأن التساوي في الذوات والأحكام يوجب التساوي في الأحكام، كالمكاتب يلحق بالأحرار في كثير من الأشياء، وليس ذلك إلا باعتبار مجرد الشبه.\n٤ - أنا أجمعنا أنَّ قياس المعنى حجة، ولا موجب لكونه حجة إلا أنه يفيد قوة الظن، أو يخيل في القلب أنه متعلق بذلك المعنى، فإنَّ طريق حصول العلم القطعي مسدود مردود، ومثل هذا المسلك يوجد في قياس الشبه، ومثله قول القائل في الوضوء: أنه تجب فيه النية: إنه طهارة عن حدث فتجب فيها النية كالتيمم.\nوكذلك قول القائل في زكاة الصبي: تجب على الصبي كزكاة الفطر.\nوفي نفي القصاص عن الحر بقتل العبد قصاصًا كالطرف.\nوفي مسألة المضمضة والاستنشاق: إنهما لا يجبان في الغسل من الجنابة إنه غسل حكمي، فلا يتعدى من الظاهر إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت.\nفهذه الأقيسة مغلبة للظن مفيدة قوته في كون الحكم على ما نصب","vol":"2","page":315},{"text":"له المعلل، فإنه يغلب على ظن كل عاقل شبيهة الوضوء بالتيمم، وشبيهة الغسل بالغسل، والزكاة بالزكاة، والصوم بالصوم، والقصاص بالقصاص.\nومن قال: إنَّ هذا لا يفيد غلبة الظن، فلا شك أنه معاند (^١).\n٥ - قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١]، قال ابن العربي: فيه دليل على قياس الشبه (^٢).\n٦ - أنَّ القياس إنما أطلقه الشرع في أصل الأحكام لضرورة الحاجة؛ لأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية، ولله تعالى في كل حادثة حكم، فلو لم يجز القياس أدى إلى التوقف في كثير من الأحكام المطلوبة إقامتها بين الناس، ولو قلنا: إنَّ القياس الصحيح هو قياس المعنى. فهذا وإن وجد في كثير من الأحكام والأصول، لكن ليس مما يسهل وجوده لخلو كثير من الأحكام من المعاني خاصة العبادات، وهيئاتها، والسياسات ومقاديرها، وشروط المناكحات، والمعاملات، ثم هذه الأصول لها فروع، وهذه الفروع تتجاذبها أشباه، وإذا كانت\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٩٤) بتصرف.\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٢٠) دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":316},{"text":"المعاني تُعْوِز في الأصول، فكيف يسهل وجودها في الفروع؟ فلم يكن بد من استعمال قياس، لكن مع الحيد عن طريقة الطرد؛ لأنه لا يفيد ظنًّا أصلًا، فجعلنا غلبة الأشباه، والقياس المنصوب من هذه الجهة مع وجود ما يُقَرِّب في الظن إلحاق الفرع بذلك الأصل، وجَعله في مسلكه، وضمّه إلى مسلكه حجة (^١).\n٧ - قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣].\nقال ابن الحنبلي: فصل: وقد تذكر صورة القياس، وليس بقياس دلالةٍ، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، فالحكم المقيس عليه أمرٌ وجودي، وهو النطقُ، والذي وعدهم به هو الحياة بعد الموت، والبعث بعد الدفن، وهو أمرٌ معدومٌ، وليس بينه وبين النطق مناسبةٌ، ومجرد وجود حقيقةِ شيءٍ لا يدلُّ على وجود حقيقةٍ أخرى، فعند ذلك يعلم أنه ما أراد إلا تحقيق الوعد بإيجاد على وجهٍ لا يشكُّ فيه كوجود النطق، كقول النبي ﷺ: «إنكمُ سترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا القمرَ لا تضامونَ في رؤيتِهِ» (^٢)، ومعلومٌ أنه ما أراد\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (٣/ ٩٩٥) بتصرف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله البجلي.","vol":"2","page":317},{"text":"أنَّ رؤية القمر مقتضيةٌ لرؤية الله تعالى، بل أراد أنه كائن كوجود هذا القمر ورؤيته، ولو قيل: فإنَّ فيه شبهة اقتضت القياس على النطق صح من جهة أنَّ الكلام يغور ويعود، فهو كالميت له غيبةٌ بالدفنِ والبِلَى، ثم حضورٌ بالبعثِ، فعلى هذا قياسُ الشبه صحيحٌ.\nفصلٌ: ومثال قياس الشبه، قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وفيه دلالة على جواز إقامة اللازم للحكم، أو السبب مقام نفس الحكم؛ لأنَّ فتنته سبب الخروج من الجنة، وهي سبب المنع من دخولها، وذلك كلُّه توسعةٌ على المستدلِّ (^١).\n٨ - أنَّ النبي ﷺ اعتبر الشبه، وبنى عليه حكمًا في باب الاحتياط، وترك الشبهات، ففي حديث عائشة في اختصام سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في ابن جارية زمعة، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر\n_________\n(^١) استخراج الجدال من القرآن لابن الحنبلي عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الجزري السعدي العبادي، أبو الفرج ناصح الدين ابن الحنبلي (ت: (٦٣٤ هـ) ت: د/ زاهر بن عواد الألمعي، ط. مطابع الفرزدق التجارية (١٤٠١ هـ) (١١٩، ١٢٠).","vol":"2","page":318},{"text":"رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة» فلم تره سودة قط (^١).\nفبالرغم من حكم النبي ﷺ أنه لعبد بن زمعة أي أنه أخوه، وأخ لسودة، لكن لما احتمل الشبه أن يكون من عتبة أمر سودة بالاحتجاب منه (^٢).\n٩ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ، فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي ﷺ: «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فما ألوانها؟» قال: حُمْرٌ. قال: «هل فيها من أَوْرَق؟» قال: إن فيها لَوُرْقًا. قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق. قال: «وهذا عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق» (^٣).\nقال ابن الملقن في فوائد الحديث:\nالخامسة: إثبات القياس، والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال تقريبًا للأفهام، وعرض الغامض المشكل على الظاهر البين، فيرجع الخصم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٥٣، ٢٢١٨)، ومسلم (١٤٥٧).\n(^٢) انظر كلام ابن القيم في تهذيب السنن مع عون المعبود (٦/ ٣٦٦)، كتاب النكاح، باب الولد للفراش حديث (٢٢٥٦) ط دار الفكر.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠).","vol":"2","page":319},{"text":"(^١) إليه، فإنه ﵊ ولد هذا المخالف للونه بولد الإبل المخالفة لألوانها، والعلة الجامعة هي نزع العرق، إلا أنه تشبيهه في أمر وجودي، والذي حصلت المنازعة فيه هو التشبيه في الأحكام الشرعية.\nلكن الحجة في كونه ﵊ أقر العمل به في الشرعيات، ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب: من شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين النبي ﷺ حكمها ليفهم السائل (^٢).\nقال السمعاني: والقول الجامع: إنَّ التأثير لابد منه، إلا أنَّ التأثير قد يكون بمعنى، وقد يكون بحكم، وقد يكون بغلبة شبه، فإنه رب شبه أقوى من شبه آخر وأولى بتعليق الحكم به لقوة أمارته، والشبه قد يعارضه شبه آخر، فربما يظهر فضل قوة أحدهما على الآخر، وربما يخفى، ويجوز أن ترجع الشبهات إلى أصل واحد، ويجوز أن ترجع إلى أصلين، فلا بد من قوة نظر المجتهد في هذه المواضع، وهذا كالعبد يشبه الحر من حيث إنه آدمي مكلف، ويشبه الأموال والسلع من حيث إنه مال مملوك، والجص يشبه البر من حيث إنه مكيل، ويفارقه من حيث إنه ليس بمأكول، وعلى عكس ذلك الرمان، والسفرجل يشبه البر من حيث إنه مأكول، ويفارقه من حيث إنه ليس بمكيل، وكذلك الذرة\n_________\n(^١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٨/ ٤٥٦) دار العاصمة.\n(^٢) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ١٧٠) ط دار الكتب العلمية.\n_________","vol":"2","page":320},{"text":"وما يشبه ذلك (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-397> شروط اعتبار قياس الشبه عند القائلين به:</span>\nيُشترط في حجية قياس الشبه ما يشترط في جميع الأقيسة، ويزيد عليها:\nأولًا: ألا يكون المصير إلى قياس العلة في المسألة، فإذا أمكن إلحاق الفرع في المسألة بقياس علة، وقياس شبه تعين الإلحاق بقياس العلة، واطرح قياس الشبه في هذه المسألة، وهذا الشرط محل اتفاق من القائلين بقياس الشبه (^٢).\nقال إمام الحرمين: القائلون بقياس الشبه أجمعوا على أنه لا يصار إليه مع إمكان المصير إلى قياس العلة، ولكن إذا استد على المجتهد طريق قياس العلة؛ ساغ له التمسك بالأشباه (^٣).\nقال السمعاني: والأولى أن يقال: إنَّ من يتحرى طلب الحق، وطلب إيراد معنًى مناسب للحكم، فينبغي أن يشتغل بذلك، ويبذل غاية مجهوده، وعندي أنَّ من طلب ذلك، فلا بد أن يجده إلا في أفراد من\n_________\n(^١) الخصم\n(^٢) قياس الشبه. د/ محمود عبد الرحمن (٤١٩).\n(^٣) التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٢٣٨) دار البشائر الإسلامية.","vol":"2","page":321},{"text":"المسائل وردت بها النصوص واتفقت الأمة على تعريها من المعاني، فأما عامة الأحكام فالشارع للحكم لم يُخْلِها من المعاني المؤثرة في تلك الأحكام، وإن أعوز المجتهد وجود المعنى حينئذ ينبغي أن يرجع إلى قياس الشبه على الطريقة التي قدمناها، فلا بأس بذلك، وغير مستبعد من الشرع أن ينبه بحكم على حكم، ويمثل شيئًا بشيء إما معنى، أو حكمًا، أو غلبة شبه بسائر الوجوه، والله أعلم بالصواب (^١).\nالشرط الثاني: أن يكون الشبه فيه نوع دلالة تدل على الحكم، وليس شبهًا مجردًا، ويسمون الشبه المجرد الشبه الفارغ.\nومعنى الشرط: أن يكون الأصل والفرع من جنس واحد، كالوضوء يفتقر إلى نية كالتيمم، قال الشافعي: طهارتان فكيف تفترقان (^٢).\nوغياب هذا الشرط في بعض صور قياس الشبه هو ما حدا بالإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-- أن ينكر قياس الشبه، ويقول: لم يحكه الله إلا عن المبطلين.\nوالأمثلة التي ذكرها من القرآن إنما هي من الشبه الفارغ، والصورة المجردة، ولا يقول أحد بحجيته، بل القائلون بحجية قياس الشبه\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (٣/ ٩٩٦ - ٩٩٧). ط دار الفاروق\n(^٢) قياس الشبه (٤١٩ - ٤٢٢)، التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٢٣٨).","vol":"2","page":322},{"text":"يشترط فيه نوع دلالة على الحكم، وقد رأيت أمثلة من القرآن على قياس الشبه الصحيح كما ذكرها ابن الحنبلي.\nوالأمثلة التي ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى-- هي:\n١ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]، قال: فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلة، ولا دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا: هذا مقيس على أخيه، بينهما شبه من وجوه عديدة، وذاك قد سرق، فكذلك هذا. وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كانت حقًّا، ولا دليل على التساوي فيها، فيكون الجمع لنوع شبه خال عن العلة ودليلها.\n٢ - قوله تعالى إخبارًا عن الكفار أنهم قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧]، فاعتبروا صورة مجرد الآدمية، وشبه المجانسة، ولذلك أجاب الله سبحانه عنه بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وأجابت الرسل عن هذا السؤال بقولهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١].","vol":"2","page":323},{"text":"٣ - وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤]، فاعتبروا المساواة في البشرية، وما هو من خصائصها من الأكل والشرب، وهذا مجرد قياس شبه، وجمع صوري.\n٤ - قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦].\n٥ - ومن هذا: قياس المشركين الربا على البيع بمجرد الشبه الصوري، ومنه: قياسهم الميتة على الذَّكيِّ في إباحة الأكل بمجرد الشبه.\n٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥]، أي أنَّ جميع ما لهذه الأصنام من الأعضاء التي نحتتها أيديكم إنما هي صور عاطلة عن حقائقها وصفاتها؛ لأن المعنى المراد المختص بالرجل هو مشيها، والمعنى المختص باليد هو بطشها، والمراد بالعين إبصارها ومن الأذن سمعها، وهذا معدوم فيها،","vol":"2","page":324},{"text":"والصور في ذلك كله ثابتة موجودة، وكلها فارغة خالية من الأوصاف والمعاني، فاستوى وجودها وعدمها، وهذا كله مدحض لقياس الشبه الخالي عن العلة المؤثرة، والوصف المقتضي للحكم، والله أعلم (^١).\nفأنت ترى الإمام ابن القيم ينكر نوعًا من قياس الشبه، وهو الشبه الصوري الفارغ الخالي من نوع دلالة تدل على الحكم، وهذا لا يقول به أحد.\nوبالرغم من أنَّ أكثر الحنفية لا يقولون بقياس الشبه، إلا أنهم يعملون به في أبرز وأظهر أقسامه، وهو غلبة الأشباه، أو تردد الفرع بين شبهين، فيرجح الآخر، وذلك عن طريق الاستحسان بالقياس، بل إنهم يعملون به في ترجيح الخفي منهما لدليل، وقد جعلوه من باب ترجيح قياس خفي على قياس جلي لموجب اقتضى ذلك، وهو إعمالٌ لقاعدة غلبة الأشباه، ومن ذلك وقف الأرض الزراعية، فإنَّ لها شبهًا بالبيع وشبهًا بالإجارة، أما شبه البيع، فمن حيث إنَّ كلًّا منهما يخرج العين من ملك صاحبها، ومقتضى هذا الشبه أن لا يدخل حق الشِرب، والطريق، والمسيل في الوقف إلا بالنص عليها من الواقف، كما هو حكم البيع.\nوأما شبهه بالإجارة، فمن حيث إنَّ كلًّا منهما يصير ملك الانتفاع\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠) بتصرف.","vol":"2","page":325},{"text":"بالعين، ومقتضى هذا الشبه دخول الشِرب والطريق والمسيل في الوقف، ولو لم ينص الواقف على دخولها في الوقف، كما هو الحكم في الإجارة، فوقف الأرض الزراعية هنا له شبهان: شبه بالبيع، وشبه بالإجارة، والشبه بالبيع أظهر لتبادر الذهن إليه، واحتياج الثاني إلى شيء من التأمل وإمعان النظر، ومع ذلك رجحوه لقوته، وتحقق المصلحة به؛ لأن الغرض من وقف الأرض الزراعية انتفاع الموقوف عليه بها، وهذا لا يتحقق إلا بانضمام الحقوق الارتفاقية إلى الأرض في الوقف، كما أنَّ المستأجر لا يتحقق غرضه من الاستئجار إلا بذلك (^١).\nومن تطبيقات قياس الشبه عند الأصوليين والفقهاء:\n١ - حكم نكاح الرجل ابنته من الزنا.\nقال الطوفي: فهي من حيث الحقيقة هي ابنته؛ لأنها خلقت من مائه، ومن حيث الحكم أجنبية منه، لكونها لا ترثه ولا يرثها، ولا يتولاها في نكاح ولا مال، ويُحَدُّ بقذفها، ويُقتل بها، ويُقطع بسرقة مالها، فنحن ألحقناها ببنته من النكاح في تحريم نكاحها عليه نظرًا إلى المعنى الحقيقي، وهو كونها من مائه، والشافعي ألحقها بالأجنبية في إباحتها له نظرًا إلى المعنى الحكمي، وهو انتفاء آثار الولد بينهما شرعًا، فقد صار\n_________\n(^١) رفع الحرج في الشريعة الإسلامية للدكتور باحسين (٢٩٦ - ٢٩٧) مكتبة الرشد، قياس الشبه، د/ محمود عبد الرحمن (٤١٤ - ٤١٦) دار اليسر.","vol":"2","page":326},{"text":"كل من الفريقين إلى اعتبار الوصف الذي غلب على ظنه أنه مناط الحكم في الأصل، وهذا هو الأشبه بالصواب؛ لأن الظن واجب الاتباع، وهو غير لازم أبدًا للشبه حكمًا، ولا للشبه حقيقة، بل يختلف باختلاف نظر المجتهد، فيلزم كل واحد منهما تارة، والله تعالى أعلم بالصواب (^١).\n٢ - فدية الأذى، ولبس المخيط للمحرم.\nفإنهم اتفقوا على أنَّ الصيام حيث شاء؛ لأنه لا يتعدى نفعه لغيره، واتفقوا على أنَّ ذبح الهدي لا بد أن يكون في الحرم، واختلفوا في فدية الأذى، واللبس إذا كانت بالذبح (النسك)، أو إطعام ستة مساكين هل تختص بالحرم، أم حيث شاء.\nفقال أبو حنيفة والشافعي: الدم والإطعام لا يجزيان إلا بمكة، والصوم حيث شاء.\nوقال مالك: يفعل ما شاء، وإن شاء بمكة، وبغيرها، وإن شاء ببلده، والذي عند مالك ههنا هو نسك، وليس بهدي، فإنَّ الهدي لا يكون إلا بمكة أو بمنى.\nوسبب الخلاف: استعمال قياس دم النسك على الهدي، فمن قاسه\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥).","vol":"2","page":327},{"text":"على الهدي وجب فيه شروط الهدي من الذبح في المكان المخصوص به، وفي مساكين الحرم، والذي يجمع النسك والهدي هو أنَّ المقصود بهما منفعة المساكين المجاورين لبيت الله سبحانه.\nوالمخالف يقول: إنَّ الشرع لما فرق بين اسمهما، فسمى أحدهما نسكًا، وسمى الآخر هديًا، وجب أن يكون حكمهما مختلفًا (^١).\nقال الشنقيطي ﵀: والأظهر عندي في النسك والصدقة أيضًا أنَّ له أن يفعلهما حيث شاء؛ لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي (^٢).\n٣ - المغمى عليه: يشبه النائم في أنه عاقل فيجب عليه القضاء؛ لأن النائم مأمور بالقضاء، ويشبه المجنون لأنه غاب عقله لعلة فلا يجب عليه القضاء لارتفاع التكليف عن المجنون، لذلك اختلف الفقهاء، فقال مالك والشافعي: إذا كان إغماؤه لسبب محرم مثل أن يشرب خمرًا، أو دواءً لم يحتج إليه، لم تسقط الصلاة عنه، وكان عليه القضاء فرضًا، فإن أغمي عليه بجنون، أو مرض، أو سبب مباح سقط عنه قضاء ما كان في حال إغمائه من الصلاة على الإطلاق.\n_________\n(^١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (١/ ٦٤٦ - ٦٤٧) ط التوفيقية.\n(^٢) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٢٤٩) دار الحديث.","vol":"2","page":328},{"text":"وقال أبو حنيفة: إن كان الإغماء يومًا وليلة فما دون ذلك لم يمنع وجوب القضاء، وإن زاد على ذلك لم يجب عليه القضاء، ولم يفرق بين أسباب الإغماء.\nوقال أحمد: الإغماء بجميع أسبابه لا يمنع وجوب القضاء بحال (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-398> رابعًا: قياس العكس:</span>\nوهذا هو النوع الرابع من أنواع القياس وهو مختلف فيه: وهو إثبات نقيض حكم الشيء في شيء آخر لافتراقهما في العلة (^٢).\nقال البرماوي: ويدل عليه أنَّ الاستدلال به وقع في القرآن، والسنة، وفعل الصحابة (^٣):\nفأما القرآن: فنحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فدل على أنه ليس إله إلا الله لعدم فساد السموات والأرض.\n_________\n(^١) اختلاف الأئمة العلماء للوزير ابن هبيرة (١/ ٨٨) ط. دار الكتب العلمية.\n(^٢) تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي (٣/ ٤١٢).\n(^٣) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٧/ ٣١٤٩)، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٤/ ١٤٣) ط. عالم الكتب.","vol":"2","page":329},{"text":"وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، ولا اختلاف فيه، فدل على أنَّ القرآن من عند الله بمقتضى قياس العكس.\nوقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩]، فلما وردوا النار فدل على أنهم ليسوا بآلهة؛ لأنه قال بعدها: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء: ٩٩].\nوقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤].\nوالمعنى: أنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم ما عملوا مسخرين لسليمان، وهو ميت، وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم.\nوقال مقاتل: العذاب المهين: الشقاء، والنصب في العمل (^١)، فلما لبثوا في العمل دل على أنهم لا يعلمون الغيب.\nوأما من السنة: فحديث أبي ذر ﵁: قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) (^٢).\n_________\n(^١) التفسير البسيط للواحدي (١٨/ ٣٣٨)، وبنحوه في تفسير مقاتل (٣/ ٥٢٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٠٦).","vol":"2","page":330},{"text":"فقد أثبت النبي ﷺ في الجماع المباح أجرًا، وهو حكم عكس حكم الجماع الحرام؛ لأن فيه الوزر، لتعاكسهما في العلة؛ لأن علة الأجر في الأول إعفاف امرأته ونفسه، وعلة الوزر في الثاني كونه زنا (^١).\nوأما الصحابة ﵃: ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (^٢).\nوهذا النوع من القياس قال به جمهور الأصوليين، ومنعه بعض الشافعية، وقالوا: إنه أضعف من قياس الشبه.\n١ - احتجاج المالكية على أنَّ الوضوء لا يجب من كثير القيء، بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من كثيره، عكس البول لما وجب من قليله وجب من كثيره (^٣).\n٢ - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١].\nقال الشيخ عطية سالم في تتمة أضواء البيان: ظاهر فيه معنى العتاب،\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ٢٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٣٨)، ومسلم (٩٢).\n(^٣) أضواء البيان (٢/ ٢٩٥).","vol":"2","page":331},{"text":"كما في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ١ - ٣].\nوكلاهما له علاقة بالجانب الشخصي سواء ابتغاء مرضاة الأزواج، أو استرضاء صناديد قريش، وهذا مما يدل على أنَّ التشريع الإسلامي لا مدخل للأغراض الشخصية فيه.\nوبهذا نأخذ بقياس العكس دليلًا واضحًا على بطلان قول القائلين: إنَّ إعماره ﷺ لعائشة من التنعيم كان تطييبًا لخاطرها، ولا يصح لأحد غيرها.\nومحل الاستدلال: هو أنَّ من ليس له حق في تحريم ما أحل الله له ابتغاء مرضاة أزواجه، لا يحل له إحلال وتجويز ما لا يجوز ابتغاء مرضاتهن، وهذا ظاهر بيِّن، ولله الحمد (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-399> حكم الاستدلال بقياس العكس:</span>\nقال الزركشي: واختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين: أحدهما: أنه لا يصح، وأصحهما وهو المذهب أنه يصح، وقد استدل به الشافعي في عدة مواضع (^٢).\n_________\n(^١) تتمة أضواء البيان سورة التحريم (٨/ ١٨٢) دار الحديث.\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٤٦).","vol":"2","page":332},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-400> فصل: المسائل التي اختلف في جريان القياس فيها:</span>\nوهي سبع: (الأسباب، والشروط، والموانع، والحدود، والكفارات، والمقادير، والرخص).\n\n*<span data-type='title' id=toc-401> أولًا: القياس في الأسباب:</span>\nمعناه: أن يجعل الشارع وصفًا معينًا سببًا لحكم، فيقاس عليه وصفٌ آخر، فيحكم بكونه سببًا أيضًا (^١).\nنقول أولًا: اتفق الأصوليون على منع القياس فيها عند عدم فهم المعنى الجامع المصحح للقياس كالأمور التعبدية مثل: جعل زوال الشمس سببًا لوجوب الظهر، وجعل غروب الشمس سببًا لصلاة المغرب، وغياب الشفق سببًا لصلاة العشاء، ورؤية هلال رمضان سببًا لوجوب صوم رمضان.\nثانيًا: اختلفوا في إثبات الأسباب بالقياس حيث فهم المعنى على قولين:\nالأول: إجراء القياس في الأسباب، وهو مذهب أكثر الشافعية، والحنابلة.\nالثاني: منع إجراء القياس في الأسباب، وإليه ذهب أبو زيد الدبوسي،\n_________\n(^١) المذكرة للشنقيطي (٢٦٧).","vol":"2","page":333},{"text":"وأصحاب أبي حنيفة، واختاره الآمدي، وابن الحاجب.\nقال: وصورته: إثبات كون اللواط سببًا للحد قياسًا على الزنا، وكذلك الكلام في النباش والنبيذ (^١).\nوحجة الجواز:\n١ - أنَّ الصحابة ﵃ أجمعوا على مشروعية القياس في أحكام الشرع من غير فرق بين بعضها وبعض، ولا تفضيل بين الأسباب وغيرها، وذلك يقتضي عموم جوازه فيها.\n٢ - أنهم قالوا في السكران: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيجب عليه حد المفتري، وهو قياس سببي أي قياس في الأسباب؛ لأن القذف سبب حد القاذف ثمانين، وقد قاسوا عليه السكر في كونه سببًا لذلك.\n٣ - أنَّ منع القياس في الأسباب وغيرها، إما أن يكون مع فهم المعنى الجامع بين الأصل والفرع، أو لا، فإن كان الأول، فهو تحكم من الخصم، حيث أجاز القياس لأجل فهم الجامع في غير الأسباب، ومنعه فيها، إذ ليس أولى من العكس، وإن كان الثاني، فهو وفاق منا ومنهم؛\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٤/ ٦٧)، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٤/ ٤١١)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤٤٨).","vol":"2","page":334},{"text":"لأننا حيث لا نفهم المعنى الجامع المصحح للقياس لا نقيس.\n٤ - أنَّ القياس في الأسباب ونحوها بشرطه المذكور مفيد للظن، والظن مُتَّبَع شرعًا، فهذا القياس مُتَّبَع شرعًا، فيكون حجة (^١).\n٥ - أنَّ السببية حكم شرعي، فجاز القياس فيها كسائر الأحكام؛ ولأن السبب إنما يكون سببًا لأجل الحكمة التي اشتمل عليها، فإذا وجدت في غيره وجب أن يكون سببًا تكثيرًا لتلك الحكمة.\nحجة المنع:\n١ - أنَّ الحِكَم غير منضبطة؛ لأنها مقادير من الحاجات، أي أنَّ قدر الذنب الناشئ عن المعصية، ومقدار الحد، أو الكفارة التي تكفر هذا الذنب، وتمحو أثره؛ كل هذه أمور غيبية لا يصح القياس عليها، وإنما المنضبط الأوصاف، ولذلك إنما ترتب الحُكْم على سببه وُجدتْ حكمته أم لا، بدليل أنا نقطع بالسرقة، وإن لم يتلف المال بأن وجد مع السارق، ونحدُّ الزاني وإن لم يختلط نسب بأن تحيض ولا يظهر حَبَل، فعلمنا أنَّ الحِكَم إنما هي مَرْعِيَّة في الجملة، والمعتبر إنما هو الأوصاف، فإذا قسنا إنما نجمع بالحكمة، وهي غير منضبطة، والجمع\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤٤٩).","vol":"2","page":335},{"text":"بغير المنضبط لا يجوز (^١).\n٢ - أنَّ القياس في الأسباب شبه لظنيته، والحدود تدرأ بالشبهات.\nوالأقرب - والله أعلم- أنا إذا فهمنا مناط الحكم، وأفادنا القياس الظن قسنا، وإلا فلا (^٢).\nومع الاختلاف في تأصيل هذه المسألة تجد اختلافًا في الفروع، بل تجد في الفروع تناقضًا بين التأصيل والتطبيق.\nفتجد من يمنع القياس في الأسباب، والشروط، ونحوها يقول بها أحيانًا في بعض الفروع ويسميه تنقيح المناط.\nوتجد من يقول بالقياس فيها لا يقيس في بعض الفروع، إما لوجود مانع، أو فارق بين الأصل والفرع، أو غير ذلك، وإليك أمثلة لذلك:\n١ - قياس اللواط على الزنا وجعله سببًا للحد: قال به الشافعية، ومنعه الحنفية.\n٢ - قياس النباش على السارق في وجوب حد القطع عليه، وأنَّ النبش كالسرقة في كونه سببًا للقطع، قال به البعض، ومنعه البعض.\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول (٣٢٢ - ٣٣٣).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٥١).","vol":"2","page":336},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-402> ثانيا: القياس في العبادات:</span>\nاختلف الناس في إثبات أصول العبادات بالقياس:\nفذهب الكرخي، وجملة من المتكلمين إلى المنع، وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة ﵀، وذهب الشافعية إلى جوازه (^١)، ومع ذلك قال ابن رشد: قد استحب قوم الصلاة للزلزلة، والريح، والظلمة، وغير ذلك من الآيات قياسًا على كسوف القمر، والشمس لنصه ﵊ على العلة في ذلك، وهو كونها آية، وهو من أقوى أجناس القياس عندهم؛ لأنه قياس العلة التي نص عليها، لكن لم ير هذا مالك، ولا الشافعي، ولا جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة: إن صلى للزلزلة فقد أحسن، وإلا فلا حرج (^٢).\nوقال الشافعي ﵀: لا أرى أن يجمع صلاة عند شيء من الآيات غير الكسوف، وقد كانت آيات فما علمنا أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالصلاة عند شيء منها، ولا أحدًا من خلفائه.\nوقد زلزلت الأرض في عهد عمر بن الخطاب (^٣)، فما علمناه صلى،\n_________\n(^١) نهاية الوصول إلى دراية الأصول لصفي الدين الأرموي (٧/ ٣٢٢٩)، بذل النظر في الأصول للعلاء محمد بن عبد الحميد الأسمندي (١/ ٦٢٣).\n(^٢) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٣٩٢) التوفيقية.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٨٣٣٥)، وابن المنذر (٢٩٢١)، وغيرهما، وسنده صحيح.","vol":"2","page":337},{"text":"وقد قام خطيبًا، فحض على الصدقة، وأمر بالتوبة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-403> ثالثًا: جريان القياس في الحدود والكفارات، والمقدرات، والرخص:</span>\nوجواز ذلك هو مذهب الشافعي، وأحمد، وابن القصار، والباجي من المالكية خلافًا لأبي حنيفة، وأصحابه.\nوحكى المالكية عن مذهب مالك قولين في جواز القياس على الرخص.\nحجة المنع: أنَّ المقدَّرات كنُصُب الزكوات، والحدود كجلد الزاني مائةً، والكفارات كصيام ثلاثة أيامٍ، لا يعقل معناها دون ما هو أقل منها كتسعة عشر دينارًا في الزكاة، أو تسعة وتسعين سوطًا، أو يومين، أو واحدٍ وستين في كفارة الظهار مثلًا، وما لا يُعقل معناه يتعذر القياس فيه.\nوالجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم، فحيث تعذر ذلك، وكان تعبدًا فإنا لا نقيس، فلا ترد علينا مواطن التعبد (^٢).\nقال الطوفي: فكأن النزاع صار في مسألة أخرى، وهو جواز فهم\n_________\n(^١) معرفة السنن والآثار للبيهقي (٢٠٤٩).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٢٤).","vol":"2","page":338},{"text":"المعنى في الحدود ونحوها، فنحن نقول: يجوز فهمه في بعض صورها، فيصح القياس عليها إذا تحقق مناط حكم الأصل في الفرع، وهم يقولون: لا يجوز أن يفهم، فلا يصح القياس لتعذر تحقق مناط حكم الأصل في الفرع.\nوحينئذ الأشبه ما قلناه؛ إذ جواز فهم المعنى في ذلك لا يلزم منه محال، ولا ينكره عاقل، فإن كان هذا هو محل الخلاف، وإلا عاد النزاع لفظيًّا لاتفاق الفريقين على امتناع القياس في التعبد، وجوازه حيث عقل المعنى، والله تعالى أعلم (^١).\nوأما الرخص، فيجوز القياس عليها عند الشافعي خلافًا لأبي حنيفة، وأصحابه.\nوحجة المنع: أنَّ الرخص مخالِفَة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب ألَّا يجوز.\nحجة الجواز: أنَّ الدليل إنما يخالفه صاحبُ الشرع لمصلحةٍ تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملًا بالاستقراء، وتقديمُ الأرجح هو شأن صاحب الشرع، وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي لأجلها خُولف الدليل في صورةٍ وجب أن يُخَالَف الدليلُ بها أيضًا عملًا\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤٥٢).","vol":"2","page":339},{"text":"برجحانها، فنحن حينئذٍ كَثَّرْنا موافقة الدليل لا مخالفته (^١).\nومذهب الشافعي جواز إثبات الرخص بالقياس، لكن الذي في الأم: عدم القياس على الرخص.\nقال في باب صلاة العذر: وذلك أنَّ الفرض في المكتوبة استقبال القبلة والصلاة قائمًا، فلا يجوز غير هذا إلا في المواضع التي دل رسول الله ﷺ عليها، ولا يكون شيء قياسًا عليه، وتكون الأشياء كلها مردودة إلى أصولها، والرخص لا يتعدى بها مواضعها (^٢).\nوقال في (الرسالة): قال: فما الخبر الذي لا يقاس عليه؟\nقلت: ما كان لله فيه حكم منصوص، ثم كانت لرسول الله سنة بتخفيف في بعض الفرض دون بعض عمل بالرخصة فيما رخص فيه رسول الله دون ما سواها، ولم يُقَس ما سواها عليها، وهكذا ما كان لرسول الله من حكم عام بشيء، ثم سن سنة تفارق حكم العام.\nقال: وفي مثل ماذا؟\nقلت: فرض الله الوضوء على من قام إلى الصلاة من نومه، فقال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٢٤).\n(^٢) الأم للشافعي (٢/ ١٧٥) ط. الوفاء.","vol":"2","page":340},{"text":"بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فَقَصَدَ الرجلين بالفرض كما قَصَدَ ما سواهما في أعضاء الوضوء، فلما مسح رسول الله على الخفين (^١) لم يكن لنا والله أعلم أن نمسح على عمامة، ولا برقع، ولا قفازين قياسًا عليهما، وأثبتنا الفرض في أعضاء الوضوء كلها، وأرخصنا بمسح النبي في المسح على الخفين دون سواهما (^٢).\nونحو ذلك قال في قياس العرايا أنها رخصة من النهي عن المزابنة، ولم يقس عليها غيرها (^٣).\nوإليك أمثلة للقياس في الرخص:\nقال الزركشي: الأول: أنَّ السَّلَم رخصة ورد مقيدًا بالأجل، وجوزه أصحابنا حالًّا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا مع الغرر، فلأن يجوز حالًّا أولى لقلة الغرر، وقد ينازع في كون هذا قياسًا، وإنما هو من باب دلالة الفحوى أي مفهوم الموافقة، وفي كونها قياسًا خلاف.\nالثاني: ثبت في صحيح مسلم (^٤) النهي عن المزابنة، وهي بيع الرطب على النخل بالتمر، ثم ورد الترخيص في العرايا، وهي بيع الرطب على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٢)، ومسلم (٢٧٤) من حديث المغيرة بن شعبة.\n(^٢) الرسالة للشافعي (٥٤٥).\n(^٣) الرسالة للشافعي (٥٤٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢١٩١)، ومسلم (١٥٤٠) من حديث سهل بن أبي حثمة.","vol":"2","page":341},{"text":"النخل بتمر في الأرض، وألحق أصحابنا به العنب بجامع أنه زكوي يمكن خرصه، ويدخر بالسنة، فكان كالرطب، وإن لم يشمله الاسم.\nالثالث: المبيت بمنى للحاج واجب، وقد رخص في تركه للرعاة، وأهل السقاية (^١)، فهل يلتحق بهم المعذور كأن يكون عنده مريض منزول به محتاج لتعهده، أو كان به مرض يشق عليه المبيت، أو له بمكة مال يخاف ضياعه؟\nفيه وجهان: أصحهما: نعم قياسًا على العذر.\nوالثاني المنع، والرخصة وردت لهم خاصة (^٢).\nجريان القياس في الحدود، والكفارات، والمقدرات:\nقال القرافي ﵀: يجوز عند ابن القصار، والباجي، والشافعي جريان القياس في المقدَّرات، والحدود، والكفارات خلافًا لأبي حنيفة ﵀ وأصحابه؛ لأنها أحكام شرعية.\nحجة المنع: أنَّ المقدَّرات كنُصُب الزكوات، والحدود كجلد الزاني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥) من حديث عبد الله بن عمر قال: استأذن العباس بن عبد المطلب ﵁ رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته، (فأذن له).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٥٨ - ٦١).","vol":"2","page":342},{"text":"مائةً، والكفارات كصيام ثلاثة أيامٍ، لا يعقل معناها دون ما هو أقل منها كتسعة عشر دينارًا في الزكاة، أو تسعة وتسعين سوطًا، أو يومين، أو واحد وستين في كفارة الظهار مثلًا، وما لا يُعقل معناه يتعذر القياس فيه.\nوالجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم، فحيث تعذر ذلك، وكان تعبدًا، فإنا لا نقيس، فلا ترد علينا مواطن التعبد (^١).\nوهذه المسألة ذات شقين: شق متفق عليه، وشق مختلف فيه:\nأما المتفق عليه: فإنهم اتفقوا على منع إثبات حدٍّ مبتدأبالقياس، أو كفارة مبتدأة، كأن يقال مثلًا: من فعل معصية كذا، أو ضرب كذا، أو شتم آخر، فعليه حد كذا، كجلد أو قطع، أو يخرج كفارة مقدارها كذا، فهذا لا يجوز اتفاقًا.\nقال السمعاني: فإن قيل: هل يصح إثبات حد مبتدأ بالقياس، أو كفارة مبتدأة؟\nقلنا: لا طريق يوصل القياس إلى إثبات حد مبتدأ، وكذلك لا طريق يوصل إلى إثبات كفارة مبتدأه بالقياس (^٢).\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٢٤).\n(^٢) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٩٠١).","vol":"2","page":343},{"text":"وقال تاج الدين السبكي:\nفائدة: نحن وإن جوزنا القياس في الحدود، والكفارات، والرخص والتقديرات على الجملة، فلا ننكر وجدان ما لا يعلل، ويلتحق بمحض التعبد، وعلى هذا فلا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل من غيره.\nوجماع القول -عندنا- أنَّ كل حكم يجوز أن يستنبط منه معنى مُخَيَّل من كتاب أو نص سنة، أو إجماع، فإنه يعلل، وما لا يصح فيه هذا فلا يعلل، سواء أكان من الحدود والكفارات أم غيرها.\nفإن قلت: هل يصح إثبات حد مبتدأ، أو كفارة مبتدأة بالقياس؟\nقلت: لا يصح، ولكن ليس لما يتوهمون من نفي القياس في الحدود والكفارات؛ بل لأنه لا طريق توصل هنا إلى فهم العلة، ولو صح لنا معنى في ذلك، لما تحاشينا من التعلق به، فافهم هذا، واجمع به بينه وبين قول المصنف فيما سبق: إنَّ من شرط الأصل ألا يكون معدولًا به عن سنن القياس، كمقادير الحدود والكفارات.\nواعلم أنَّ نفس مقادير الحدود والكفارات لا يفهم فيها معنى، فكيف يصح القياس فيها؟\nقال الزركشي: قال بعضهم المراد بجريانه في الحدود زيادة عقوبة","vol":"2","page":344},{"text":"في الحد لوجود علة تقتضي الزيادة، كزيادة التعزير في حق الشرب، وتبليغه إلى ثمانين قياسًا على حد القذف، أما إنشاء حد بالقياس على حد فلا يجوز بالاتفاق (^١).\nوذكر الطوفي ﵀ المذهبين في جريان القياس في الحدود، والكفارات، والمقدرات، وتضمن كلامه ﵀ ضابط القياس في هذه الأشياء، فقال: جريان القياس في المقدرات، والحدود، والكفارات، كنصب الزكوات، وعدد الصلوات والركعات، وأروش الجنايات ونحوها، وحد الزاني، والقذف والشرب، وسائر الكفارات، هو مذهب أحمد، والشافعي، وابن القصار، والباجي من المالكية، وأكثر الناس، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه.\nلنا: ما سبق من أنَّ إجماع الصحابة ﵃ على القياس من غير فرق، ومن أنا إذا فهمنا مناط الحكم، وأفادنا القياس الظن، قسنا، وإلا فلا (^٢).\nأما الشق الثاني: وهو قياس حد على حد ثابت، أو كفارة، أو المقادير، أو الجوابر، فيجوز على مذهب الشافعي، وعند أصحاب أبي\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٧/ ٧٢).\n(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٤٥١).","vol":"2","page":345},{"text":"حنيفة لا يجوز (^١).\nوإليك بعض الأمثلة التي تبين لك أنَّ هذا الأصل للمذهبين لم يكن مطردًا في جميع المسائل:\nالأول: إيجاب الكفارة بالإفطار بالأكل في رمضان قياسًا على الإفطار بالجماع.\nقال به الحنفية، والمالكية، ومنعه الشافعية، والحنابلة، قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم: اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع، فمن رأى أنَّ شبههما فيه واحد، وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدًا.\nومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابًا لانتهاك الحرمة، فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره، وذلك أنَّ العقاب المقصود به الردع قد يوضع لما إليه النفس أميل، وهو لها أغلب من الجنايات، وإن كانت الجناية متقاربة؛ إذ كان المقصود من ذلك التزام الناس الشرائع، وأن يكونوا أخيارًا عدولًا كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (٣/ ٨٩٦ - ٨٩٧).","vol":"2","page":346},{"text":"١٨٣]، قال: هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع (^١).\nونظير هذه المسألة من جامع ناسيًا لصومه، فالشافعي، وأبو حنيفة يقولان: لا قضاء عليه، ولا كفارة.\nوقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة.\nوقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة.\nوجه القول بعدم إيجاب القضاء والكفارة: القياس على الأكل والشرب ناسيًا الوارد في حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إذا نسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) (^٢).\nومن أوجب عليه القضاء فوجهه القياس على من نسي الصلاة.\nقال ابن رشد: لكن إيجاب القضاء بالقياس ضعيف (^٣).\nقلت: ومع ذلك فهناك فرق، فالذي نسي الصلاة لم يأت بها أصلًا، فعليه أداؤها إذا ذكرها، أما هنا فهو قد أتى بالصيام، ثم نسيه، فأكل، أو شرب، أو جامع.\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ٥٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).\n(^٣) المجموع للنووي (٦/ ٣٥١)، بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٥٤١ - ٥٤٢) بتصرف يسير.","vol":"2","page":347},{"text":"لكن يقال: إنَّ إثبات الحنفية للكفارة هنا ليس من باب القياس، وإنما هو من باب تنقيح المناط؛ حيث قالوا: الموجب للكفارة هو مطلق الإفطار، ومذهب الشافعي تقييد هذا المطلق بالجماع.\nقال الزركشي: قال بعض الفقهاء: ما أجدر كلًّا من الإمامين أن ينتحل في هذه المسألة مذهب صاحبه. يعني أنَّ قياس القول بالقياس في الكفارات عدم تخصيصها بالوقاع دون سائر المفطرات، وقياس عدم القياس عدم إيجاب الكفارة في غير الوقاع، وهذا القول جهل بمدارك الأئمة، فإنهم وإن أثبتوا بالحديث المأمور به بالكفارة بمطلق الإفطار فهذا المطلق هو المقيد بالجماع (^١).\nالثاني: أبطل أبو حنيفة قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد؛ لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا، فيكون التعليل واقعًا لإثبات الاسم، ولا يجوز إثبات الاسم اللغوي بالقياس.\nالثالث: اشتراط الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار، وسائر الكفارات، وهذا مذهب الجمهور مالك، والشافعي، وإسحاق، وظاهر مذهب أحمد.\nوالرواية الثانية عند أحمد، وقول أبي حنيفة عدم الاشتراط فيما عدا\n_________\n(^١) البحر المحيط (٥/ ٥٧).","vol":"2","page":348},{"text":"كفارة القتل.\nاستدل الجمهور بأنَّ المطلق في كفارة الظهار، وغيرها يحمل على المقيد من جهة القياس إذا وجد المعنى فيه، ولا بد من تقييده، فإنا أجمعنا على أنه لا يجزئ إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بينًا، فالتقييد بالسلامة من الكفر أولى.\nووجه القول الآخر: أنَّ الله أطلق الرقبة في هذه الكفارة، فوجب أن يجزئ ما تناوله الإطلاق (^١).\nالرابع: اختلفوا في إيجاب الكفارة في قتل العمد، فأوجبها مالك، والشافعي على قاتل العمد كما في الخطأ.\nقال الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ، فلأن تجب في العمد أولى.\nوقال الثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى.\nقال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الكفارات عبادات، ولا يجوز التمثيل (^٢).\n_________\n(^١) انظر المغني لابن قدامة (١١/ ٨١، ٨٢) ط. هجر.\n(^٢) تفسير القرطبي (٣/ ٢٨٩) سورة النساء آية (٩٣).","vol":"2","page":349},{"text":"الخامس: اختلفوا في إيجاب الكفارة في اليمين الغموس، فقال الجمهور (مالك وأبو حنيفة وأحمد): ليس في اليمين الغموس كفارة.\nوقال الشافعي وجماعة: يجب فيها الكفارة قياسًا على اليمين في المستقبل، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية، فهي من الأيمان المنعقدة؛ لأنها يمين بالله مقصودة.\nواحتج الحنفية بأنَّ اليمين الغموس لا يتناولها اسم اليمين حقيقة، بل يتناولها مجازًا كبيع الحر، فلا تجب كفارة اليمين بما ليست بيمين، ولا يجوز إثبات اسم اليمين - وهو اسم لغوي- بالقياس الشرعي.\nولقوله ﷺ: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة …» (^١).\nوللشافعي أن يستثني من الأيمان الغموس ما لا يقتطع بها حق الغير، أو يقول: إنَّ الأيمان التي يقتطع بها حق الغير قد جمعت الظلم، والحنث، فإن تاب، ورد المظلمة، وكفَّر سقط عنه جميع الإثم (^٢).\nالسادس: وهو ما اختلف فيه التأصيل مع التفريع، وهو اختلافهم في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٧) من حديث أبي أمامة بن ثعلبة البلوي.\n(^٢) انظر قواطع الأدلة (٣/ ٩٠٢)، بداية المجتهد (١/ ٧٢١ - ٧٢٢) بتصرف.","vol":"2","page":350},{"text":"وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعت زوجها على الجماع.\nفأوجب عليها الكفارة أبو حنيفة ومالك وأصحابهما.\nوقال الشافعي وداود: لا كفارة عليها.\nوسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه ﵊ لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل؛ إذ كان كلاهما مكلفًا (^١).\nلكن هذا الاختلاف بين التأصيل والتفريع له سبب:\nقال الكاساني ﵀: وأما المرأة، فكذلك يجب عليها عندنا إذا كانت مطاوعة، وللشافعي قولان في قول لا يجب عليها أصلًا، وفي قول يجب عليها ويتحملها الرجل.\nوجه قوله الأول: أنَّ وجوب الكفارة عرف نصًّا بخلاف القياس لما نذكر، والنص ورد في الرجل دون المرأة، وكذا ورد بالوجوب بالوطء، وأنه لا يتصور من المرأة؛ فإنها موطوءة، وليست بواطئة، فبقي الحكم فيها على أصل القياس.\nووجه قوله الثاني: أنَّ الكفارة إنما وجبت عليها بسبب فعل الرجل،\n_________\n(^١) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٥٤٣) التوفيقية.","vol":"2","page":351},{"text":"فوجب عليه التحمل كثمن ماء الاغتسال.\nأما وجه قول الحنفية في إيجاب الكفارة عليها فقال: ولنا أنَّ النص وإن ورد في الرجل، لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمدًا، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل؛ لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم.\nولبيان قول الشافعية أنَّ الكفارة وجبت بالنص على خلاف القياس.\nقال الكاساني في مسألة إيجاب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب - وسبقت الإشارة إليها قريبًا-.\nقال: وقال الشافعي لا كفارة عليه.\nوجه قوله: أنَّ وجوب الكفارة ثبت معدولًا به عن القياس؛ لأن وجوبها لرفع الذنب والتوبة كافية لرفع الذنب، ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه؛ لأن الجماع أشد حرمة منهما حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص.","vol":"2","page":352},{"text":"ولبيان وجه قول الحنفية قال: ولنا أيضًا الاستدلال بالمواقعة، والقياس عليها، أما الاستدلال بها، فهو أنَّ الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادًا لصوم رمضان من غير عذر، ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ههنا دلالة.\nوالدليل على أنَّ الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان: أحدهما مجمل، والآخر مفسر.\nأما المجمل: فالاستدلال بحديث الأعرابي (^١).\nوأما المفسر: فلأنَّ إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلًا، وشرًعا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له؛ لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة والإيمان، والأعمال الصالحات رافعة للسيئات، إلا أنَّ الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلا الشارع للأحكام، وهو الله تعالى فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر كان ذلك إيجابًا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالتعليل والقياس، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":353},{"text":"وجه القياس على المواقعة: هو أنَّ الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف؛ لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر، أما الصلاحية فلأنَّ من تأمل أنه لو أفطر يومًا من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه، وأما الحاجة إلى الزجر، فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب؛ لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعًا ههنا من طريق الأولى.\nوعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس؛ لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة لا يفصل بين الكفارة وغيرها (^١).\nوإنما أطلت في هذا النقل ليتبين لك قرب المذهبين مَنْ أجاز في الكفارات، ومن لم يجزه، وأنَّ الاختلاف في: هل يفهم من الكفارة معنى يصلح للتعدية أم لا؟\nوليتبين أيضًا ما ذكرناه قبل ذلك أنَّ اختلاف التأصيل عن التفريع في المذهب الواحد إنما هو لعلة عنده، كما في هذه المسألة، والله أعلم.\nولذلك قال الطوفي: فكأن النزاع صار في مسألة أخرى، وهو جواز\n_________\n(^١) بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٦١٧ - ٦١٩) بتصرف.","vol":"2","page":354},{"text":"فهم المعنى في الحدود ونحوها، فنحن نقول: يجوز فهمه في بعض صورها، فيصح القياس عليها إذا تحقق مناط حكم الأصل في الفرع، وهم يقولون: لا يجوز أن يفهم، فلا يصح القياس لتعذر تحقق مناط حكم الأصل في الفرع.\nوحينئذ الأشبه ما قلناه؛ إذ جواز فهم المعنى في ذلك لا يلزم منه محال، ولا ينكره عاقل، فإن كان هذا هو محل الخلاف، وإلا عاد النزاع لفظيًّا لاتفاق الفريقين على امتناع القياس في التعبد، وجوازه حيث عقل المعنى، والله تعالى أعلم (^١).\nالسابع: قياس دم الفوات على دم التمتع في الحج:\nففي الموطأ عن مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أنَّ هبار بن الأسود، جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة. كنا نرى أنَّ هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إلى مكة، فطف أنت، ومن معك، وانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا، أو قصروا، وارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا وأهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٥٢).\n(^٢) منقطع: أخرجه مالك (١٥٤) من طريق سعيد بن يسار عن هبار بن الأسود وهو لم يدركه كما قال الذهبي وغيره ..","vol":"2","page":355},{"text":"قال مالك: ومن قرن الحج والعمرة، ثم فاته الحج فعليه أن يحج قابلًا، ويقرن بين الحج والعمرة، ويهدي هديين: هديًا لقرانه الحج مع العمرة، وهديًا لما فاته من الحج (^١).\nقال الباجي في (المنتقى): ويجب عليهم الهدي لأجل الفوات، والتحلل بغير ما أحرموا به، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وهذا حكم كل من وجب عليه هدي يلزمه إخراجه، فلم يجده، فأما هدي الجزاء، وفدية الأذى فليس بلازم، بل هو مخير بينه، وبين غيره (^٢).\nقال الشنقيطي ﵀: فقد قاس عمر بن الخطاب ﵁ دم الفوات على دم التمتع، حيث قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ووجه قياس دم الفوات على دم التمتع، حتى صار بدله من الصوم كبدله، ذكره ابن قدامة قائلًا: إنَّ هدي التمتع، إنما وجب للترفه بترك أحد السفرين، وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين.\n_________\n(^١) الموطأ رقم (٨٦٠)، كتاب الحج، باب هدي من فاته الحج.\n(^٢) المنتقى للباجي (٢/ ٤١١).","vol":"2","page":356},{"text":"قال الشنقيطي: ويقاس عليه أيضًا: كل دم وجب لترك واجب، كدم القران، وترك الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع، فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.\nالثامن: من أفسد حجه بالجماع، فالواجب فيه بدنة بقول الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، كصيام المتعة. كذا قال عبد الله بن عمر (^١)، وعبد الله بن عباس (^٢)، وعبد الله بن عمرو (^٣) رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر في الصحابة خلافهم، فيكون إجماعًا، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة (^٤).\nقال الشنقيطي: وأنَّ مذهب أحمد قياس كل دم وجب بفعل محظور، كاللبس، والطيب، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك على فدية\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٢٤٨)، والحاكم (٢٣٧٥) وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن عبد الله بن عمر، وابن عباس.\n(^٢) انظر ما قبله.\n(^٣) انظر ما قبله.\n(^٤) أضواء البيان (٥/ ٣٥٥)، المغني (٥/ ٤٤٨ - ٤٤٩) دار هجر.","vol":"2","page":357},{"text":"الأذى.\nوقد قدمنا أنَّ قياس تلك الأشياء على فدية الأذى، مجمع عليه من الأئمة الأربعة، إلا أنَّ أبا حنيفة يخصصه بما فعل للعذر، ويوجب الدم دون غيره، فيما فعل من ذلك لا لعذر (^١).\nفهذا قياس في الكفارات، والمقدرات، والجوابر، لكن يتبين فيه المعنى الجامع، وأيضًا لم يكن ابتداء كفارة، وإنما قياس على كفارة، وجوابر ثابتة، وبدل ثابت عن الذبح في مثل هذه المناسك، فكان أولى من تركه إلى غير بدل، والله أعلم.\nالتاسع: ومن ذلك: هل هناك أوقاص في زكاة النقدين، أم ما زاد على النصاب يحسب منه زكاة قل أو كثر؟\nالجمهور على أنه لا أوقاص في النقدين، خلافًا لزكاة الأنعام؛ فإن فيها أوقاصًا، فما زاد على النصاب لا زكاة فيه حتى يبلغ النصاب الثاني.\nمثلًا خمسة من الإبل فيها شاة، فإن كانت ستة فلا زكاة في السادس حتى تبلغ عشرة ففيها شاتان.\nأما النقدان فالنصاب مئتا درهم، وفيها ربع العشر، فإن كانت مئتين وخمسة حسب ربع العشر منها جميعًا.\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٣٥٦).","vol":"2","page":358},{"text":"أما أبو حنيفة: فقال بالأوقاص في النقدين قياسًا على الماشية، فإن كانت الفضة مئتي درهم، ففيها خمسة دراهم، ولا زكاة فيما زاد حتى تبلغ أربعين درهمًا فيأخذ منها درهمًا.\nوهذا قياس في المقدرات خلافًا لأصله في ذلك.\nولأن الأصل أن يكون بعد كل نصاب عفو نظرًا لأرباب الأموال كما في السوائم؛ ولأن في اعتبار الكسور حرجًا وإنه مدفوع (^١).\n_________\n(^١) انظر بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٤٠٩) بتصرف يسير.","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-404>الفصل الخامس:\nالاستصحاب</span>","vol":"2","page":361},{"text":"الاستصحاب\nالاستصحاب لغة: يقال: استصحب الرجل: دعاه إلى الصحبة. وكل ما لازم شيئًا فقد استصحبه.\nوأصحبته الشيء: جعلته له صاحبًا، واستصحبته الكتاب وغيره.\nويقال: استصحبت الكتاب في سفري أو الرقيق، أي جعلته مصاحبًا لي، وكل شيء لازم شيئًا فقد استصحبه (^١).\nالاستصحاب اصطلاحًا: التمسك بدليل عقلي، أو شرعي لم يظهر عنه ناقل (^٢).\nوقال ابن القيم: الاستصحاب: استفعال من الصحبة.\nوهي: استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًّا (^٣).\n_________\n(^١) لسان العرب (صحب)، المصباح المنير (صحب)، الصحاح للجوهري (صحب) (١/ ١٦٢).\n(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ١٤٧)، التحبير للمرداوي (٣٧٥٣).\n(^٣) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٠٠).","vol":"2","page":363},{"text":"وعرفه الجرجاني: هو إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغير، وهو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان الأول (^١).\nوعرفه الشوكاني: أنه ما ثبت في الزمان الماضي، فالأصل بقاؤه في الزمان المستقبل (^٢).\nوعرفه الرازي والآمدي: هو التمسك بالحكم الثابت في حال البقاء لعدم الدليل المغير (^٣).\nوالمراد عند العلماء من ماهية الاستصحاب: أن الشيء الذي علم وجوده في الماضي، ثم حصل تردد في زواله حكمنا ببقائه استصحابًا لوجوده السابق، وما علم عدمه في الماضي، ثم حصل تردد في وجوده حكمنا باستمرار عدمه استصحابًا لعدمه السابق وعلى هذا:\n- من علمت حياته في وقت معين حكمنا باستمرار حياته، حتى يقوم الدليل على وفاته.\n- ومن تزوج امرأة على أنها بكر، ثم ادعى الثيوبة بعد الدخول، فلا يقبل قوله بلا بينة استصحابًا لوجود البكارة؛ لأنها هي الأصل منذ\n_________\n(^١) التعريفات للجرجاني (١٧).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٨٠)، البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٧).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٢)","vol":"2","page":364},{"text":"النشأة الأولى.\n- ومن اشترى كلبًا على أنه من الكلاب المعلمة التي تحسن تتبع الآثار وتساعد في كشف الجريمة، أو اشتراه على أنه كلب صيد، فادعى فوات الوصف، فالقول قوله إلا إن ثبت خلافه استصحابًا للعدم السابق؛ لأن الأصل عدم هذا الوصف، وإنما يستفاد بالمران والتدريب (^١).\nوبهذا يتبين لنا ما يعنيه علماء الأصول بهذا النوع من الاستدلال.\nمكانته بين الأدلة:\nقال الزركشي: قال الخوارزمي: هو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله، فالأصل بقاؤه، وإن كان في ثبوته، فالأصل عدم ثبوته. اه وهو حجة يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة (^٢).\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه د/ عبد الكريم زيدان. بتصرف يسير (٢٦٤)، دار التوزيع والنشر الإسلامية القاهرة.\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٧).","vol":"2","page":365},{"text":"وجعل الطوفي استصحاب الحال الأصل الرابع من الأدلة المتفق عليها بعد الكتاب، والسنة، والإجماع، فقال في أول كتاب الأدلة: الأصول: الكتاب، والسنة، والإجماع، واستصحاب النفي الأصلي (^١).\nوقال ابن عقيل: استصحاب الحال وهو البقاء على حكم الأصل، فهو أصل من أصول الدين، ودليل من أدلة الشرع ينبني عليها عدة مسائل (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-405> حجية الاستصحاب:</span>\nاختلف أهل العلم فى حجية الاستصحاب على أقوال:\nالقول الأول: أن الاستصحاب حجة يفزع إليها المجتهد، إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة.\nوبه قال الحنابلة، والمالكية، وأكثر الشافعية، والظاهرية سواء كان في النفي أو الإثبات (^٣)، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثر (^٤).\nالثاني: أنه ليس بحجة، وإليه ذهب أكثر الحنفية، والمتكلمين كأبي\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٥)، (٣/ ١٤٧).\n(^٢) الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (٢/ ٣١٠)، مؤسسة الرسالة.\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٨/ ١٤).\n(^٤) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ١٧٤).","vol":"2","page":366},{"text":"الحسين البصري، وأبي المظفر السمعاني من الشافعية (^١).\nالثالث: أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله ﷿، فإنه لم يكلف إلا ما يدخل تحت مقدوره، فإذا لم يجد دليلًا سواه جاز التمسك به، ولا يكون حجة على الخصم عند المناظرة، فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلًا على هذا؛ لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل.\nالرابع: أنه يصلح حجة للدفع لا للرفع، وإليه ذهب أكثر الحنفية، قال إلكيا الهراسي: ويعبرون عن هذا بأن استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان، إحالةً على عدم الدليل، لا لإثبات أمر لم يكن، وقد قدمنا أن هذا قول أكثر المتأخرين من الحنفية.\nالخامس: أنه يصلح للترجيح به لا غير، نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي، وقال: إنه الذي يصح عنه، لا أنه يحتج به.\nالسادس: أن المستصحب إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه صح ذلك، وإن كان غرضه إثبات خلاف قول خصمه، من وجهة يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته، فليس له الاستدلال به.\nكمن استدل على إبطال بيع الغائب، ونكاح المحرم، والشغار بأن\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٨٠٦).","vol":"2","page":367},{"text":"الأصل أن لا عقد، فلا يثبت إلا بدلالة صح استدلاله، أما من استدل بالاستصحاب في مسألة الحرام أنه يمين توجب كفارة يمين، فإنه يستدل بأن الأصل أن لا طلاق، ولا ظهار، ولا لعان، فيعارض بالأصل أن لا يمين، ولا كفارة، فيتعارض الاستصحابان فيسقطان، حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور البغدادي عن بعض أصحاب الشافعي (^١).\nوذكر بعض أهل العلم أن الاستصحاب من الأدلة المختلف فيها، وذكرهم المذاهب السابقة في حكم الاحتجاج بالاستصحاب بإطلاقه فيه نظر؛ إذ إن بعض أنواعه متفق على وجوب العمل بها، وبعض الأنواع يندرج فيها الخلاف، وبعضها لا يندرج فيها الخلاف.\nلذلك قال الزركشي: إذا عرفت هذا؛ فلا بد من تنقيح موضع الخلاف، فإن أكثر الناس يطلقه، ويشتبه عليهم موضع النزاع بغيره، فنقول للاستصحاب صور (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-406> صور الاستصحاب:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-407> الأولى: استصحاب العدم الأصلي أو البراءة الأصلية:</span>\nوذلك كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره،\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط (٦/ ١٨ - ٢٠)، وإرشاد الفحول (٢/ ٦٨٠ - ٦٨١).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٢٠).","vol":"2","page":368},{"text":"كنفي صلاة سادسة، أو صوم شهر شوال مثلًا.\nومثاله: لو ادعى شخص على آخر دينًا، وأنكر المدعى عليه، فعلى المدعي الدليل؛ لأن الأصل عدم إشغال ذمة بدين إلا بدليل.\nقال أبو الطيب: وهذا حجة بالإجماع أي عند القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع (^١)، وهو قول أهل السنة خلافًا للمعتزلة.\nقال أبو إسحاق الشيرازي: فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل، وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع، ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله عنه، فإن وجد دليلًا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان ذلك الدليل نطقًا، أو مفهومًا، أو نصًّا، أو ظاهرًا؛ لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي، فأي دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده (^٢).\nفالعمل بهذا النوع لا يكون إلا بعد البحث والتمعن بأدلة الشرع الأخرى ممن هو أهل لذلك.\nثم إن ابن حزم اعتمد على استصحاب البراءة الأصلية اعتمادًا كبيرًا لإبطال كل قول في الدين، أو مدع لحكم شرعي إذا لم يكن معه دليل\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٢٠).\n(^٢) اللمع للشيرازي (٢٩١).","vol":"2","page":369},{"text":"من الشارع بناءً على استصحاب العدم الأصلي الذي يقتضي براءة الذمة من تعلق أي شيء بها إلا بموجب نص شرعي؛ حيث إن الأصل براءة الذمة من لزوم جميع الأشياء إلا ما ألزمنا إياه النص، أو الإجماع، فإن حكم حاكم بخلاف ما قلنا نسخ حكمه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-408> القسم الثاني: استصحاب الحكم الشرعي (استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي) حتى يثبت خلافه:</span>\nوذلك كاستصحاب بقاء الملك، وبقاء النكاح، وبقاء شغل الذمة حتى يثبت خلافه، واستصحاب الدليل مع احتمال المعارض، إما تخصيصًا إن كان الدليل ظاهرًا، أو نسخًا إن كان الدليل نصًّا هذا أمر معمول به بالإجماع.\nقال ابن حزم: إذا ورد النص من القرآن، أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما، ثم ادعى مدع أن ذلك الحكم قد انتقل، أو بطل من أجل أنه انتقل ذلك الشيء المحكوم فيه عن بعض أحواله، أو لتبدل زمانه، أو لتبدل مكانه، فعلى مدعي انتقال الحكم من أجل ذلك أن يأتي ببرهان من نص قرآن، أو سنة عن رسول الله ﷺ ثابتة على أن ذلك الحكم قد انتقل، أو بطل، فإن جاء به صح قوله، وإن لم يأت به فهو مبطل فيما ادعى من ذلك، والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه؛ لأنه اليقين، والنقلة دعوى","vol":"2","page":370},{"text":"وشرع لم يأذن الله تعالى به، فهما مردودان كاذبان حتى يأتي النص بهما، ويلزم من خالفنا في هذا أن يطلب كل حين تجديد الدليل على لزوم الصلاة والزكاة، وعلى صحة نكاحه مع امرأته، وعلى صحة ملكه لما يملك (^١).\nقال ابن القيم: ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين (^٢).\nوسيأتي أدلة هذا النوع في أدلة حجية الاستصحاب -إن شاء الله-\nومثاله: الملك عند حصول السبب، وشغل الذمة عند قرض أو إتلاف، فهذا وإن لم يكن حكمًا أصليًّا، فهو حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه.\nومثاله: استصحاب الطهارة، فإن وصف الطهارة إذا ثبت أبيحت الصلاة، فيستصحب هذا الحكم حتى يثبت خلافه، وهو الحدث.\nومثاله: رجل يسكن في شقة مدة طويلة فجاء خمسة رجال يريدون إخراجه من هذه الشقة بحجة أنها شقتهم، فوجوده في الشقة ثبتت بها\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٥/ ٧٧٩، ٧٨٠) دار الحديث.\n(^٢) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٠٢).","vol":"2","page":371},{"text":"الملكية له، فهذا هو الأصل، فلا يخرج منها حتى يأتوا ببينة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-409> القسم الثالث: استصحاب الأصل،</span> ومنه:\nأولًا: استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء من طعام وشراب، أو حيوان، أو نبات، أو جماد، ولا يوجد دليل على تحريمها؛ لأن الإباحة هي الحكم الأصلي لموجودات الكون، وإنما يحرم منها ما يحرم بدليل الشرع، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\nولا يتم الامتنان والتسخير إلا إذا كان الانتفاع بهذه المخلوقات مباحًا.\nثانيًا: الأصل في الأشياء الضارة، والخبيثة التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^٢).\n_________\n(^١) الاستصحاب وأثره في الأحكام الفقهية (٢٥١) بحث في مجلة القلم، العدد الثالث يناير/ يونيو (٢٠١٥ م).\n(^٢) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١) عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه جابر الجعفي ضعيف، وأخرجه مالك (٣١) عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرسلا وهو مرسل قوي، وأخرجه أحمد (٢٢٧٨) من حديث عبادة بن الصامت وفيه ضعف، وهو صحيح بمجموع طرقه.","vol":"2","page":372},{"text":"ثالثًا: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يرد دليل بالنجاسة؛ لقوله ﷺ: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (^١).\nرابعًا: الأصل في الأبضاع الحرمة، حتى يرد دليل بحل امرأة لرجل بنكاح صحيح، أو ملك يمين، فمن شك في امرأة هل تزوجها أم لا؟ لم يكن له وطؤها استصحابًا لحكم التحريم إلى أن يتحقق، ويدل لذلك قول النبي ﷺ «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (^٢)، فدل على أن الأصل في هذه الفروج الحرمة.\nخامسًا: الأصل في الذبائح الحرمة، فمن وجد شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل له حتى يعلم أنها ذكاة مسلم؛ لأن الأصل فيها الحرمة؛ إذ حل الأكل متوقف على الذكاة الشرعية، فصار حل الأكل مشكوكًا.\nبدليل قول النبي لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل فكُل، وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلابًا، لم يذكر اسم الله عليها، فأمسكن وقتلن فلا تأكل، فإنك لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١٨).","vol":"2","page":373},{"text":"تدري أيها قتل، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكُل، وإن وقع في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» (^١).\nسادسًا: الأصل في النفوس عصمتها للمعصوم، وهو المسلم، أو المعاهد، فلا تستباح نفس إلا بدليل؛ لقوله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (^٢).\nسابعًا: ومن هذه الأصول أيضًا: الأصل في العادات من مآكل، ومشارب، وملابس، وغيرها الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما ورد الدليل بتحريمه، قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\nثامنًا: الأصل في العبادات المنع: أي أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nوقوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩) والزيادة الأخيرة له.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة، وهو عند البخاري (٢٦٩٧) بلفظ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد».","vol":"2","page":374},{"text":"قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في منظومته:\nوالأصل في مياهنا الطهارة … والأرض والثياب والحجارة\nوالأصل في الأبضاع واللحوم … والنفس والأموال للمعصوم\nتحريمها حتى يجيء الحل … فافهم هداك الله ما يمل\nوالأصل في عاداتنا الإباحة … حتى يجيء صارف الإباحة\nوليس مشروعًا من الأمور … غيرالذي في شرعنا مذكور (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-410> القسم الرابع: استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع:</span>\nفإذا ثبت الإجماع في حكم مسألة في حالة معينة، ثم اختلفت هذه الحالة وتغيرت صفتها، فهل يستمر الحكم المجمع عليه، ويستصحب إلى الحالة الثانية أو لا؟\nوعرفه الهندي: بأن يحصل الإجماع على حكم في حال، فيتغير الحال، ويقع الاختلاف، فيستصحب حال الإجماع من لم يقل بغير الحال.\nمثاله: أجمع أهل العلم على أن المرء إذا فقد الماء له أن يتيمم ويصلي بهذا التيمم، لكن إن وجد الماء بعد شروعه في الصلاة فما الحكم؟ هل يقطع الصلاة ويتوضأ، ويستأنف صلاته، أو يتم صلاته،\n_________\n(^١) منظومة القواعد الفقهية لفهم النصوص الشرعية للشيخ السعدي.","vol":"2","page":375},{"text":"ويستصحب الحكم السابق - وهو الصحة- المجمع عليه حال عدم رؤيته الماء إلى حال ما بعد الرؤية المتنازع فيه؟ قولان:\nالأول: تبطل صلاته ويتوضأ، ويستأنف الصلاة من جديد، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.\nالثاني: لا تبطل الصلاة، بل يستمر فيها استصحابًا لصحة الصلاة قبل الشروع فيها، وهو قول مالك والشافعي.\nومثاله أيضًا:\nجواز بيع أم الولد: حيث انعقد الإجماع على جواز بيع الأمة قبل أن تلد، فهل يستصحب هذا الحكم، فيجوز بيعها بعد أن تلد أم لا؟ قولان:\nالأول: أنه لا يجوز بيعها بعد أن تلد، وهو قول الجمهور.\nالثاني: يجوز بيعها بعد أن تلد استصحابًا لحكم الإجماع، وهو قول الظاهرية.\nومثاله: أوجب الحنفية والظاهرية الزكاة في الحلي استصحابًا لحكم الذهب قبل أن يصاغ حليًّا (^١).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (٢/ ٦٨٢)، الاستصحاب وأثره في الأحكام الفقهية، مجلة القلم، العدد الثالث (٢٥٢).","vol":"2","page":376},{"text":"وهذا النوع هو محل الخلاف، فذهب الأكثرون أنه ليس بحجة منهم أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والغزالي.\nوقال الماوردي، والروياني في كتاب «القضاء»: إنه قول الشافعي، وجمهور العلماء، فلا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب، بل إن اقتضى القياس، وغيره إلحاقه بما قبل ألحق به، وإلا فلا.\nوذهب أبو ثور، وداود الظاهري إلى الاحتجاج به ونقله السمعاني عن المزني، والصيرفي، وابن سريج، وابن خيران من الشافعية، ورجحه الشوكاني قال: لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل، قائم في مقام المنع، فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك، فمن ادعاه جاء به (^١).\nورجح ابن القيم حجية هذا النوع فقال: ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبدل حال المحل المجمع على حكمه أو لا، كتبدل زمانه ومكانه وشخصه، وتبدل هذه الأمور وتغيرها لا يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدل، فكذلك تبدل وصفه، وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحكم مثبتًا لضده كما جعل الدباغ\n_________\n(^١) القواطع للسمعاني (٢/ ٧٩٩)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٨٢، ٦٨٣).","vol":"2","page":377},{"text":"ناقلًا لحكم نجاسة الجلد، وتخليل الخمرة ناقلًا للحكم بتحريمها، وحدوث الاحتلام ناقلًا لحكم البراءة الأصلية، وحينئذ فلا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحًا، وأما مجرد النزاع، فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع، والنزاع في رؤية الماء في الصلاة، وحدوث العيب عند المشتري، واستيلاد الأمة لا يوجب رفع ما كان ثابتًا قبل ذلك من الأحكام، فلا يقبل قول المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث. فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم، فلا يمكن للمعترض رفعه إلا أن يقيم دليلًا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلًا على نقل الحكم حينئذ، فيكون معارضًا في الدليل لا قادحًا في الاستصحاب، فتأمله فإنه التحقيق في هذه المسألة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-411> القسم الخامس: الاستصحاب المقلوب:</span>\nذكره بعض الأصوليين، وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية والشافعية، وهو: الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر على ثبوته في الزمن الماضي لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني.\nمثل له بعض المالكية بالوقف إذا جهل مصرفه، ووجد على حالة،\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٠٦، ١٠٧). ط دار ابن الجوزي.","vol":"2","page":378},{"text":"فإنه يجري عليها؛ لأن وجوده على تلك الحالة دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف، ومثل له المحلي بأن يقال في المكيال الموجود كان على عهده ﷺ باستصحاب الحال في الماضي (^١).\nوعليه تبنى مسألة: هل في المعادن -سوى النقدين- زكاة كالحديد، والصفر والرصاص، وغيرها؟\nفمن قال ليس فيها زكاة - كمالك والشافعي-: استدلوا بأن تلك المعادن لا يؤخذ منها زكاة إلى اليوم فيدل، بالاستصحاب المقلوب أنها كانت كذلك في زمن النبي ﷺ لعدم ما يصلح لتغيير، وهذا بخلاف الركاز، ففيه الخمس بلا نزاع (^٢).\nأدلة حجية الاستصحاب:\nالأول: قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية.\nففي هذه الآية استصحاب حكم الإباحة لجميع الأشياء؛ لأنه عدد\n_________\n(^١) حاشية العطار على جمع الجوامع (٢/ ٣٩١) ط. الكتب العلمية، أضواء البيان (٢/ ١٤٣ و١٤٤).\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٣٠٨) سورة التوبة آية (٦٤) المسألة السادسة.","vol":"2","page":379},{"text":"المحرمات، فيكون ما عداها على الأصل، وعكس الحرمة هو الإباحة.\nالثاني: عن عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» (^١).\nقال ابن دقيق العيد: والحديث أصل في إعمال الأصل، وطرح الشك، وكأن العلماء متفقون على هذه القاعدة، ولكنهم يختلفون في كيفية استعمالها (^٢).\nووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ حكم باستصحاب حكم الوضوء مع الشك في وجود الناقض حتى يدل الدليل على انتقاضه يقينًا (^٣).\nالثالث: عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (^٤)، وللبيهقي بإسناد صحيح: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).\n(^٢) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٥٦) ط. الرسالة.\n(^٣) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي ص (٢٠٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١)، واللفظ له.\n(^٥) البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٥٢).","vol":"2","page":380},{"text":"ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الأصل براءة ذمة المدعى عليه حتى يثبت شغلها بالبينة الصحيحة، وهذا عمل باستصحاب البراءة الأصلية (^١).\nالرابع: حديث عدي بن حاتم ﵁، وقوله ﷺ: «فإن خالطها كلاب من غيرها، فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» (^٢).\nقال ابن القيم: لما كان الأصل في الذبائح التحريم وشك هل وجد الشرط المبيح أم لا بقي الصيد على أصله في التحريم.\nالخامس: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (^٣).\nقال ابن القيم: لما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أَمَرَ الشاك أن\n_________\n(^١) أصول الفقه الذى لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي ص (٢٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٥، ٥٤٨٣)، ومسلم (١٩٢٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٧١).","vol":"2","page":381},{"text":"يبني على اليقين، ويطرح الشك ولا يعارض هذا رفعه للنكاح المتيقن بقول الأمة السوداء أنها أرضعت الزوجين (^١)، فإن الأصل في الأبضاع التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية، وقد عارض هذا الظاهر ظاهر مثله، أو أقوى منه، وهو الشهادة، فإن تعارضا تساقطا، وبقي أصل التحريم لا معارض له. اه (^٢).\nالسادس: أن العقلاء من الخاصة والعامة اتفقوا على أنهم إذا تحققوا وجود الشيء أو عدمه، وله أحكام خاصة به، سوغوا ترتيب تلك الأحكام عليه في المستقبل من زمان ذلك الأمر حتى إن الغائب يراسل أهله، ويراسلونه بناء على العلم بوجودهم ووجوده في الماضي، وينفذ إليهم الأموال وغير ذلك بناء على ما ذكر، ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-412> أثر الاختلاف في جواز الاحتجاج بالاستصحاب:</span>\nالفرع الأول: الوضوء مما يخرج من البدن من غير السبيلين:\nذهب مالك والشافعي إلى أنه لا ينقض بخروج شيء من غير السبيلين عملًا بالاستصحاب؛ لأن الأصل عدم النقض حتى يثبت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨، ٢٠٥٢) من حديث عقبة بن الحارث.\n(^٢) إعلام الموقعين (٢/ ١٠١ - ١٠٢).\n(^٣) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ١٥٠).","vol":"2","page":382},{"text":"الدليل بخلافه، ولم يثبت.\nقال المحلي في شرح جمع الجوامع: الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء عندنا استصحابًا لما قبل الخروج من نقائه المجمع عليه.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ما يخرج من البدن من النجاسات ينقض الوضوء، وإن كان خروجه من غير السبيلين (^١).\nالفرع الثاني: الصلح مع الإنكار:\nذهب الشافعي ﵀ إلى أن الصلح مع الإنكار باطل، واستدل بأن الأصل براءة الذمة من الحقوق، ولم يقم دليل على شغلها بالدين، فلا يصح الصلح (^٢).\nوذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏ إلى أن الصلح مع الإنكار جائز، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، فهو عام يشمل أضرب الصلح الثلاثة: صلح مع الإقرار، وصلح\n_________\n(^١) بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٢٤) دار الكتب العلمية، وحاشية العطار على جمع الجوامع (٢/ ٣٩١) دار الكتب العلمية.\n(^٢) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (١٧٣)، مؤسسة الرسالة.","vol":"2","page":383},{"text":"مع السكوت، وصلح مع الإنكار (^١).\nالفرع الثالث: حكم وجود الماء بعد الشروع في الصلاة للمتيمم:\nالقول الأول: تبطل صلاته ويتوضأ، ويستأنف الصلاة من جديد، وهو قول أبي حنيفة وأحمد.\nالقول الثاني: لا تبطل الصلاة، بل يستمر فيها استصحابًا للإجماع على صحة الصلاة قبل الشروع فيها، وهو قول مالك، والشافعي (^٢).\nالفرع الرابع: زكاة الذهب إذا صيغ حليًّا:\nانعقد الإجماع على وجوب الزكاة في الذهب قبل أن يصاغ إذا بلغ النصاب، فهل إذا صيغ الذهب حليًّا يستصحب حكم الوجوب أم لا؟\nالقول الأول: لا تجب فيه الزكاة، وهو قول الجمهور مالك، والشافعي، وأحمد؛ لأن حالة الإجماع تغيرت من ذهب مكنوز إلى حلي مستعمل، كالماشية تتغير من سائمة إلى معلوفة، فلا يستصحب حكم الإجماع.\nالقول الثاني: تجب فيه الزكاة وهو قول أبي حنيفة، والظاهرية.\n_________\n(^١) الأم للشافعي (٨/ ٢٥٦) دار الوفاء، البحر المحيط للزركشي (٦/ ٣٥) ط. الكويت.\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٢٣).","vol":"2","page":384},{"text":"قال ابن حزم: وأما حلي الذهب، فإنه قد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في الذهب قبل أن يصاغ حليًّا إذا بلغ المقدار الذي ذكرنا، ثم اختلفوا في سقوطها إذا صيغ، فاستصحبنا الحال الذي أجمعنا عليها، ولم يسقط الاختلاف ما قد وجب باليقين، والإجماع (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-413> بعض القواعد والضوابط الفقهية المبنية على الاستصحاب:</span>\n١ - اليقين لا يزول بالشك.\n٢ - الأصل براءة الذمة.\n٣ - الأصل بقاء ما كان على ما كان.\n٤ - ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه.\n٥ - الأصل في الأشياء الإباحة.\n٦ - الأصل في الكلام الحقيقة.\n٧ - الأصل في الصفات العارضة العدم.\n٨ - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فمن نام عدة نومات أثناء اليوم، ثم في آخر اليوم اكتشف أنه جنب، ولم يتذكر زمان الجنابة «الاحتلام»، فإنه يعيد من آخر نومة نامها.\n_________\n(^١) الإحكام لابن حزم (٣/ ١٥٩).","vol":"2","page":385},{"text":"٩ - الأصل في المياه الطهارة.\n١٠ - الأصل في العبادة التوقف.\n١١ - الأصل في الذبائح التحريم.\n١٢ - الأصل في البيع الحل.\n١٣ - الأصل في الأبضاع التحريم.\n١٤ - الأصل في الإنسان الحرية.\n١٥ - الأصل في الإنسان الجهل.\n١٦ - الأصل في الإنسان الفقر.\n١٧ - الأصل في المسلم عصمة النفس والدم والمال.","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>الفصل السادس:\nشرع من قبلنا</span>","vol":"2","page":387},{"text":"شرع من قبلنا\nوحَدُّه: الأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى على من كان قبلنا، وقد وردت إلينا بنص صحيح من قرآن، أو سنة، أما في كتبهم فلا يعتمد؛ لأنها حُرِّفت (^١).\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة»، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من عَلَّات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي» (^٢).\nقال النووي: قال العلماء: أولاد العلات. بفتح العين المهملة وتشديد اللام هم الإخوة لأب من أمهات شتى، وأما الإخوة من الأبوين فيقال لهم أولاد الأعيان.\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٣٣٣)، تيسير الوصول إلى قواعد الأصول للفوزان (٤٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٢، ٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥).","vol":"2","page":389},{"text":"قال جمهور العلماء: معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-415> تحرير محل النزاع:</span>\nشرع من قبلنا على أقسام:\n١ - أصول التوحيد، وطاعة الله تعالى، والتحذير من الشرك، وأمور العقائد، والإيمان بالجنة والنار، والنهي عن الفساد والظلم بجميع أشكاله، كل هذه الأمور لا خلاف فيها بين الشرائع، ورسالات الأنبياء.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٦ - ١١٧].\nفالعقائد لا تتغير من شريعة إلى أخرى، فهي لازمة لكل أحد؛ لذلك احتج العلماء أن الله خالق لفعل العبد بقوله تعالى حاكيًا عن إبراهيم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٥ -\n_________\n(^١) شرح النووي (١٥/ ١٢٨).","vol":"2","page":390},{"text":"٩٦]، ولم يرد المعتزلة هذا بأنه شرع سابق (^١).\n٢ - ما كان خاصًّا بالأمم السابقة، وقد نسخه الإسلام، فهذا ليس شرعًا لنا بالاتفاق.\nكقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]، أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم، وألزمناهم به مجازاة لهم على بغيهم، ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠].\nومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤].\nقال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل.\nوقال القرطبي: فلما استحر فيهم القتل، وبلغ سبعين ألفًا عفا الله عنهم، قاله ابن عباس وعلي ﵄، وإنما رفع الله عنهم القتل؛ لأنهم\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٤٧١).","vol":"2","page":391},{"text":"أعطوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة (^١).\nومثل ذلك: تحريم الصيد يوم السبت، وغير ذلك من الأمور التي جاء النص فيها على أنها كانت خاصة بمن قبلنا، فلا يأتي فيها خلاف.\nومن ذلك وضع الأغلال والآصار التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله: قد فعلت.\nومن ذلك كان في شريعة سليمان ﵇ يصنع له الجن التماثيل، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣].\nأما في شريعتنا، فقد ورد النهي عن التماثيل، فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ٣٦٦) دار الحديث.","vol":"2","page":392},{"text":"رسول الله ﷺ: «أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (^١).\nقال القرطبي: قال النحاس: قال قوم: عمل الصور جائز لهذه الآية، ولما أخبر الله ﷿ عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبي ﷺ عنها، والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله ﷿ بهذا ما كان مباحًا قبله، وكانت الحكمة في ذلك؛ لأنه بعث ﵇، والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها.\nوقال: فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزًا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم، وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرمًا (^٢).\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» (^٣).\nوكان السجود جائزًا في التحية كما في قصة يوسف ﵇ ثم نسخ ذلك، وقال النبي ﷺ: «لا يصلح أن يسجد لبشر» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٦٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (٧/ ٥٥٨) دار الحديث. لم أقف عليه مسندا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه أحمد (١٢٦١٤)، والنسائي الكبرى (٩١٠٢) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.","vol":"2","page":393},{"text":"٣ - ما كان في شرع من قبلنا، وجاءت الشريعة بتأييده، والأمر به، فهذا شرع لنا باتفاق.\nمثل القصاص كتب على من قبلنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية.\nوفي شرعنا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية.\nوكما في رجم الزاني المحصن، عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم»، فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة، يقيها الحجارة (^١).\nوكذلك الحكم في شريعتنا الرجم للمحصن إذا زنى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٣٥، ٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩).","vol":"2","page":394},{"text":"٤ - ما وجد في كتبهم أو حكي من أخبارهم ولم يصل إلينا بسند صحيح:\nفإن كان من الأحكام، فقد اتفق أهل العلم على أن الموجود بأيديهم من الأحكام والشرائع ممنوع اتباعه، إما لتهمة التحريف، وإما لتحقق النسخ.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] الآية.\nوإن كان من باب المواعظ والقصص، فإن جاء في الكتاب والسنة ما يخالفه فهو مردود باتفاق، وإن جاء ما يؤيده فهو مقبول، وإن لم يأت ما يؤيده أو ما يخالفه فلا نصدق ولا نكذب، وقد يحكى على سبيل الموعظة، ولا نجزم بصحة نسبته؛ لقوله ﷺ: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله، وكتبه، ورسله، فإن كان حقًّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم» (^١)، ولقوله ﷺ: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي\n_________\n(^١) أحمد (١٧٢٢٥)، أبو داود (٣٦٤٤)، وينظر البخاري (٤٤٨٥).","vol":"2","page":395},{"text":"متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار» (^١).\nقال الحافظ في الفتح: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.\nوقال مالك: المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا.\nوقال الشافعي: من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، ولم يرد الإذن، ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه (^٢).\n٥ - ما جاء به الرسل من الشرائع إلى الأمم السابقة، أو ما ذكر عنهم من أحكام، ونقلت إلينا بخبر صحيح في القرآن أو السنة الصحيحة، ولم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(^٢) فتح الباري بتصرف (٦/ ٦٠٤ - ٦٠٥).","vol":"2","page":396},{"text":"يرد في شريعتنا ما يؤيده كحكم لنا، ولا ما ينقضه، أو ينسخه، فهنا هو محل النزاع في هذه المسألة، وهو المراد بشرع من قبلنا، إذا أطلق عند الأصوليين.\nوقد اختلف في الاحتجاج به على قولين:\nالقول الأول: أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو قول أكثر الشافعية، وأكثر الحنفية وطائفة من المتكلمين، وقال ابن القشيري: هو الذي صار إليه الفقهاء، واختاره ابن برهان، وقال إنه قول أصحابهم، واختاره الرازي، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن، واختاره أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة، واختاره ابن الحاجب، وقال ابن السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه.\nقال القرطبي: وذهب إليه معظم أصحابنا يعني المالكية، وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها التميمي (^١).، ورجحه الشنقيطي في مواضع كثيرة من تفسيره.\n_________\n(^١) الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (٤/ ١٧٣)، شرح تنقيح الفصول للقرافي (٢٣٣) دار الفكر، البحر المحيط للزركشي (٦/ ٤٢، ٤٣)، إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٨٦).","vol":"2","page":397},{"text":"واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأمره بالاقتداء بالأنبياء، وذلك بعد ذكر ثمانية عشر نبيًّا، وذلك يقتضي أن شرعهم شرع لنا قطعًا.\nورد: بأن المراد الهدى المشترك، وهو التوحيد، لاختلاف شرائعهم، والعقل هادٍ إليه، ثم أمر باتباعه بأمر محدد لا بالاقتداء.\nوأجيب: بأن الشريعة من الهدى وهو عام؛ لأنه اسم جنس أضيف، وقد أمر بالاقتداء، وإنما بالناسخ كشريعة واحدة.\nعن العوام قال: سألت مجاهدًا، عن سجدة في «ص»، فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فكان داود ممن أُمِر نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵇، فسجدها رسول الله ﷺ (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٠٧).","vol":"2","page":398},{"text":"و«ما» عامة في جملة ما وصى به نوحًا، ووصى به إبراهيم، وموسى، وعيسى، وهي تدل على أن الشرعين سواء في وجوب العمل وهو المراد.\n٣ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]، أمره باتباع ملة إبراهيم، وهي من شرع ما قبلنا.\nوقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].\nورد أيضًا: بأن المراد التوحيد؛ لأن الفروع ليست ملة، ولهذا لم يبحث عنها.\nوأجيب: بأن الفروع من الملة تبعًا كملة نبينا ﷺ؛ لأنها دينه عند عامة المفسرين، والتوحيد لا يختص بإبراهيم، بل هو اعتقاد كل نبي قبله.\nقال ابن الجوزي: ملته: دينه، وفيما أمر باتباعه من ذلك قولان:\nأحدهما: أنه أمر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه، وهذا هو الظاهر.\nوالثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان، والتدين بالإسلام، قاله أبو","vol":"2","page":399},{"text":"جعفر الطبري (^١).\nقال البغوي: قال أهل الأصول: كان النبي ﷺ مأمورًا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ في شريعته، وما لم ينسخ صار شرعًا (^٢).\nثم أمره سبحانه بالإخبار بذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، وذلك يدل على أنه متعبد بشرع من قبله.\n٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].\nوقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] المراد من بعد موسى، ودلالة الآية من وجهين:\nالأول: أنه جعلها مستندًا للمسلمين في الحكم، وهي نص في المسألة.\n_________\n(^١) زاد المسير لابن الجوزي، سورة النحل (١٢٣).\n(^٢) معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٥١) دار طيبة.","vol":"2","page":400},{"text":"الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]، وهو عام في المسلمين وغيرهم.\n٥ - حديث أنس، أن الربيِّع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ، وأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتُكسَر ثنية الربيِّع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله ﷺ: «يا أنس، كتاب الله القصاص»، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله ﷺ: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (^١).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال: «كتاب الله القصاص»، وإنما القصاص في السن حكاه الله في القرآن عن التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فاستدل النبي ﷺ بالآية.\nوأجيب: بأنه قد يكون أوحى إليه القصاص في السن، وسمى ذلك في كتاب الله كما في قصة العسيف: «لأقضين بينكما بكتاب الله»، وذكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣، ٤٥٠٠)، ومسلم (١٦٧٥).","vol":"2","page":401},{"text":"الجلد، والتغريب، وذكر الرجم للمرأة (^١).\nوأيضًا: قد يكون الحكم من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] على قراءة الرفع على الابتداء، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، والكسائي (^٢).\nوأجيب: بأنه لا مانع من ذلك، ويكون من باب تظاهر الأدلة، فيكون الدليل السنة، وقراءة «الجروح» بالرفع، وشرع من قبلنا.\n٦ - حديث أبي هريرة ﵁ في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر، قال ﷺ: «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها» فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: «للذِّكرى» (^٣).\nفاستدل ﷺ على وجوب قضاء المنسية عند ذكرها بقوله ﷾: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٦٩٧) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.\n(^٢) الكشف عن وجوه القراءات السبع، مكي بن طالب (١/ ٤٠٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٨٠)، وأخرج البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾.","vol":"2","page":402},{"text":"[طه: ١٤]، وإنما الخطاب فيها لموسى ﵇ على ما دل عليه سياق القرآن (^١).\n٧ - قال ابن عقيل: ومنها: أن الله سبحانه حكى لنا في كتابنا أحكامًا من الكتب الأولى، ولا يفيد ذكره لها إلا تعبدنا بها، فأما أن يوردها لنخالفها فلا، أو يذكرها لا لفائدة، فلا يجوز أيضًا، لم يبق إلا أنه ذكرها لنعمل بها، ونتمسك بالعمل بها إلى أن تقوم دلالة النقل عنها بالنسخ لها، فأما مع الاحتمال، وعدم نص يوجب النسخ لها فيجب أن نكون باقين على حكم الأصل، ونحرره قياسًا، فنقول: إنه حكم ثبت بطريق يثبت بمثله، فلا يرفع إلا بنص ينافيه كالآيتين من كتابنا، والخبرين المرويين عن رسولنا ﷺ (^٢).\nقال الشنقيطي ﵀ في سورة المائدة في مسألة قتل الرجل بالمرأة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].\nالسؤال الأول: ما وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، مع أنه حكاية عن قوم موسى، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ١٧١، ١٧٢).\n(^٢) الواضح لابن عقيل (٤/ ١٨٠).","vol":"2","page":403},{"text":"٤٨].\nالجواب: أن التحقيق الذي عليه الجمهور، ودلت عليه نصوص الشرع، أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة نبينا ﷺ، مما كان شرعًا لمن قبلنا أنه يكون شرعًا لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سنة نبينا ﷺ، لا من حيث إنه كان شرعًا لمن قبلنا؛ لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا لنعتبر به، ونعمل بما تضمن (^١).\n٨ - ومنها: أن الشرع للنبي الأول جاء بلفظ مطلق، فاقتضى بقاؤه على الدوام، ما لم يصرح وينص على رفعه، وأن التمسك به مفسدة، والذي يوضح ذلك: أن نفس بعثة الرسول الثاني لا يجوز أن تكون مغيرةً حكم الرسول الأول، وإنما الذي يغير الشريعة الأولى، أو ينسخها تصريح في الشريعة الثانية بترك الأولى (^٢).\nقلت: ويؤيد هذا الأخير قوله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].\nوقوله تعالى ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ٤٤) دار الحديث، سورة المائدة آية (٣٢).\n(^٢) الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (٤/ ١٨١) ط. الرسالة.","vol":"2","page":404},{"text":"مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].\nقال أبو زيد: والصحيح هذا المذهب، وهو أنه كان متعبدًا بشرع من قبله، إلا أن بقاء ذلك الشرع لا يثبت بعد مبعث النبي ﷺ إلا بحكايته أنها ثابتة؛ لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وخانوا في النقل فصاروا مردودي الشهادة؛ ولأن عداوة الدين كانت ظاهرة منهم، واتهموا بالحيل، واللبس فيما يظهرون من شر لبعض، فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله ﷺ، وأخبرنا أنها ثابتة بوحي متلو، وغير متلو (^١).\nالقول الثاني: أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا.\nقال السمعاني: وقد ذهب إلى هذا جماعة من أصحابنا، وأكثر المتكلمين، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة.\nوهو آخر قولي الشيخ أبي إسحاق كما قال في «اللمع»، واختاره\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (٢/ ٤٨٤، ٤٨٥).","vol":"2","page":405},{"text":"الغزالي في آخر عمره، وقال ابن السمعاني إنه: المذهب الصحيح.\nوقال: إن العقل لا يحيل إيجاب اتباع شريعة من قبلنا، غير أنه قد ثبت شرعًا أنا غير متعبدين بشيء من أحكام الشرائع المتقدمة، واختاره الرازي والآمدي.\nوهو قول ابن حزم، قال في الإحكام: والصحيح أنه لا يحل الحكم بشيء منها في الدين، وهي سبعة أشياء: شرائع الأنبياء السالفين قبل نبينا محمد ﷺ، … إلخ (^١).\nوهو قول جمهور المعتزلة، واستدلوا بالأدلة التالية:\n١ - قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\nوقوله ﷺ في حديث جابر: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود … الحديث» (^٢).\nوالشرعة: الشريعة، والمنهاج: الطريق، فدل على أنه لا يتبع الثاني الأول؛ لأن الشريعة لا تضاف إلا إلى من يخص بها، فأما التابع، فلا\n_________\n(^١) انظر اللمع للشيرازي (١٧٩)، والإحكام لابن حزم (٤/ ٩٤٧) دار الحديث، القواطع للسمعاني (٢/ ٤٨٣)، البحر المحيط للزركشي (٦/ ٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، واللفظ له.","vol":"2","page":406},{"text":"يكون له شرعة تخصه فتفيد الآية، والحديث اختصاص كل من الرسل بشريعة.\nوأجيب عن هذا الاستدلال: بأنه لا تخلو شريعة ثانية من مخالفة لما قبلها بنوع نسخ لبعض فروعها، من تحريم مباح، أو إباحة محظور، أو إسقاط واجب؛ فلأجل ذلك الخلاف خصها باسم «شرعة»، وأضافها إلى من شرعت له، كما يقول القائل: لكل فقيه مذهب، وإن اتفقوا في بعض المذاهب، واختلفوا في بعض، ولا تمنع مشاركتهم في بعض الشريعة من كون كل منهم له شريعة، كما أن مشاركتهم في التوحيد لا تمنع عندهم انفراد كل منهم بشريعة (^١).\nويمكن أن يجاب عن هذا، فيقال: إن هذه الآية تقتضي تفرد كل واحد من الأنبياء بشرعة ومنهاج إلا ما قام عليه الدليل (^٢).\nوأجيب أيضًا: أن اشتراك الشريعتين في بعض الأحكام لا ينفي اختصاص كل نبي بشريعة اعتبارًا بالأكثر (^٣).\nوقال الشنقيطي: قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾\n_________\n(^١) الواضح لابن عقيل (٤/ ١٨٣).\n(^٢) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٤٨٦).\n(^٣) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ١٧٧).","vol":"2","page":407},{"text":"[المائدة: ٤٨] لا يخالف ما ذكرنا -أي شرع ما قبلنا شرع لنا-؛ لأن المراد أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك (^١).\n٢ - حديث جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه النبي ﷺ، فغضب، فقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق، فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» (^٢).\nقالوا: فهذا دليل على أن الشرائع من قبل انتهت ببعثة نبينا ﷺ.\nوالجواب: أن هذا الحديث فيما هو موجود في كتبهم، وصحائفهم، ولا يؤمن عليهم التحريف، والتبديل، وهذا خارج محل النزاع، إنما النزاع فيما أخبرنا الله عنهم من أخبارهم، وأحكامهم في القرآن، أو السنة الصحيحة، فضلًا عن ضعف الأثر المذكور عند البعض.\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ٤٩).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (١٥١٥٦)، وابن أبي شيبة (٢٦٤٢١) ومداره على مجالد بن سعيد وهو ضعيف.","vol":"2","page":408},{"text":"٣ - قالوا: لو كان شرعًا لنا، للزم النبي ﷺ وأمته تعلم كتبهم، والبحث عنها، والرجوع إليها عند تعذر النص في شرعه على حادثة ما، لكن ذلك لا يلزم بالإجماع، فلا يكون شرعهم شرعًا لنا.\n٤ - لو كان شرعًا لنا، لما توقف النبي ﷺ في الظهار واللعان والمواريث ونحوها من الأحكام على الوحي، لكن ثبت أنه توقف في الأحكام على الوحي، فدل على أن شرعهم ليس شرعًا لنا.\nوالجواب عن هذا: بأن كتبهم مزقت، فلم تنقل إلينا نقلًا موثوقًا به، فلذلك لم يطلب أحكام الوقائع العارضة له فيها، وكما سبق أن هذا خارج محل النزاع.\nوالكلام فيما صح عندنا من أحكامهم في القرآن أو السنة (^١).\nوهذه المسألة لها صلة وثيقة بمسألة الإقرارات القرآنية، بل قد تكون مسألة الإقرارات القرآنية هي الفاصل في مسألة شرع من قبلنا:\nوالإقرارات القرآنية: سكوت عن قول يقال، أو شيء يفعل دون إنكاره (^٢).\nوإنما يفهم من تصرفات الشرع في شرع الأحكام أنه لو كان حرامًا\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ١٧٥ - ١٧٧).\n(^٢) الأساس في أصول الفقه. د. محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٣٩).","vol":"2","page":409},{"text":"لم يسكت عنه.\nوقد وجدت له تسمية في بعض كتب الحنفية باسم بيان الحال.\nقال الشاشي: وأما بيان الحال فمثاله: فيما إذا رأى صاحب الشرع أمرًا معاينة، فلم ينه عن ذلك كان سكوته بمنزلة البيان أنه مشروع.\nوقال: فالحاصل أن السكوت في موضع الحاجة إلى البيان بمنزلة البيان (^١).\nقال في دستور العلماء: وأما بيان الحال: فهو الذي يكون بدلالة حال المتكلم كالسكوت، وغيره كما إذا قال أحد قولًا أو فعل فعلًا، مثل المعاملات التي فيما بينهم، فلم ينه عن ذلك، بل أقرهم، وسكت، أو حمدهم، وحسنهم فيدل سكوته مثلًا على أنها مباح في الشرع؛ إذ لا يتهم على الشارع الإقرار، والإصرار، والتحسين، والتحميد، على محذور منكور (^٢).\nوذلك كحديث الصحيحين، عن جابر ﵁ قال: كنا نعزل على\n_________\n(^١) أصول الشاشي (١٦٥ - ١٦٦) دار الكتب العلمية.\n(^٢) دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون للقاضي عبد النبي الأحمد (١/ ١٧٦).","vol":"2","page":410},{"text":"عهد رسول الله ﷺ، والقرآن ينزل (^١).\nوعند مسلم زاد إسحاق قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن (^٢).\nوإما أن يحكي القرآن قولًا أو فعلًا، ثم يسكت عن إنكاره، فأما القول فعرف بالاستقراء أنه لا يحكى ويكون باطلًا، ويسكت عنه (^٣).\nقال الشاطبي ﵀: كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها- وهو الأكثر- ردٌّ لها، أو لا، فإن وقع ردٌّ، فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها ردٌّ؛ فذلك دليل صحة المحكي وصدقه.\nأما الأول: فظاهر، ولا يحتاج إلى برهان، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فأعقب بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] الآية.\nوقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية، فوقع التنكيت على افتراء ما زعموا بقوله:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٠٩)، ومسلم (١٤٤٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٤٠).\n(^٣) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٣٤٠).","vol":"2","page":411},{"text":"﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وبقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ [الأنعام: ١٣٦]، ثم قال: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] إلى تمامه، ورد بقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ثم قال: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] الآية، فنبه على فساده بقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] زيادة على ذلك.\nوقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، فرد عليهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ [الفرقان: ٤]، ثم قال: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان: ٨]، ثم قال تعالى بعدها: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ [الإسراء: ٤٨].\nوقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، ثم رد عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن، قال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]، وقال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] الآية.\nوقال عن اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، فرد","vol":"2","page":412},{"text":"عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] إلى آخره، وأشباه ذلك.\nومن قرأ القرآن وأحضره في ذهنه عرف هذا بيسر.\nوأما الثاني فظاهر أيضًا، ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن سُمِّي فرقانًا، وهدى، وبرهانًا، وبيانًا، وتبيانًا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق على الجملة، والتفصيل، والإطلاق، والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبه عليه.\nوأيضًا، فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأولين وأحكامهم، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا، ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا، ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط، ولو نبه على أمر فيه؛ لكان في حكم التنبيه على الأول، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] الآية.\nوقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] الآية.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ","vol":"2","page":413},{"text":"وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]؛ فصار هذا من النمط الأول.\nومن أمثلة هذا القسم - وهو ما يحكى من شرائع الأولين-: جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقًّا؛ كحكايته عن الأنبياء والأولياء، ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى ﵇، وقصة أصحاب الكهف، وأشباه ذلك.\nقال الشاطبي: ولاطراد هذا الأصل اعتمده النظار، فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع، بقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤] الآية؛ إذ لو كان قولهم باطلًا لرد عند حكايته (^١).\nفسكوت القرآن عن الرد على قولهم دليل على صحته، وإذا كان قولهم صحيحًا فهم مخاطبون بفروع الشريعة، لكونهم يعذبون عليها عذابًا زائدًا على عذاب أصل الكفر (^٢).\nواستدل على أن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى من قولهم أنهم ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]،\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٢) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٣٤٢).","vol":"2","page":414},{"text":"وأنهم: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، أعقب ذلك بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ أي: ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن، ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئًا، ولما حكى قولهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ لم يتبعه بإبطال، بل قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ دل المساق على صحته دون القولين الأولين.\nوروي عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم (^١).\nورأيت منقولًا عن سهل بن عبد الله التستري أنه سئل عن قول إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ فقيل له: أكان شاكًا حين سأل ربه أن يريه آية؟ فقال: لا، إنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان، ألا تراه قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فلو عمل شكًّا منه لأظهر ذلك؛ فصح أن الطمأنينة كانت على\n_________\n(^١) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٥٥٧) من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس، ورواية سماك عن عكرمة ضعيفة، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦١١٣) من طريق الضحاك عن ابن عباس، وهو لم يسمع منه، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٥١) من طريق قتادة عن ابن عباس، وهو لم يسمع منه، فيصح بمجموع هذه الطرق.","vol":"2","page":415},{"text":"معنى الزيادة في الإيمان.\nبخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن عرف مداخلها، وما هو منها حق مما هو باطل.\nولما كان القرآن عدلًا كله، وصدقًا كله كان رده لغير الصواب، وإنكاره للمنكر المحكي على قدر ما فيه من الخلل والخطأ، فإذا كان الخطأ ناشئًا من عدم الصدق كذَّب القول، وإذا كان ناشئًا من سوء الاستدلال مع صحة القول في ذاته نبه على ذلك، فيسكت عن الصواب، ويرد الخطأ، وهو منهج دقيق، ومسلك عدل ينبغي على أتباع القرآن أن يتوخوه في فهمهم للقرآن، وتناولهم للقضايا، والقائلين بها من غير مجازفة في تخطئة أو تصويب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى عن المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]، فإن هذه الحكاية ممزوجة الحق بالباطل، فظاهرها حق، وباطنها كذب من حيث كان إخبارًا عن المعتقد، وهو غير مطابق، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ","vol":"2","page":416},{"text":"لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] تصحيحًا لظاهر القول، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١] إبطالًا لما قصروا فيه.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، فهذا منه امتناع عن الإنفاق بحجة قصدهم فيها الاستهزاء، فرد عليهم بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ [يس: ٤٧]-على أحد وجهي التفسير-؛ لأن ذلك حيد عن امتثال الأمر، وجواب أنفقوا أن يقال: نعم أو لا. وهو الامتثال أو العصيان فلما رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا تعارض انقلب عليهم من حيث لم يعرفوا؛ إذ حاصله أنهم اعترضوا على المشيئة المطلقة بالمشيئة المطلقة؛ لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق، فكأنهم قالوا: كيف يشاء الطلب منا، ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم؟ وهذا عين الضلال في نفس الحجة.\nوقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩].\nفقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] تقرير لإصابته ﵇ في ذلك الحكم، وإيماء إلى خلاف ذلك في داود ﵇، لكن لما","vol":"2","page":417},{"text":"كان المجتهد معذورًا مأجورًا بعد بذله الوسع قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وهذا من البيان الخفي فيما نحن فيه (^١).\nأمثلة على الاستدلال بشرع من قبلنا:\n١ - استدل محمد بن الحسن الشيباني على إجازة المهايأة بقصة صالح ﵇، وقومه في شرب الناقة: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء: ١٥٥].\nقال الكيا الهراسي: قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ [القمر: ٢٨] يدل على جواز المهايأة على الماء (^٢). والمهايأة: الأمر المتوافق عليه، وهو قسمة المنافع على التعاقب، والتناوب (^٣).\n٢ - استدلوا على صحة الضمان، والجعالة بقوله تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]، فكان الحمل بمعنى الجعالة لمن ينادي في العير\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٤) بتصرف، والأساس في أصول الفقه د. محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٥) بتصرف.\n(^٢) أحكام القرآن. للكيا الهراسي (٤/ ٣٩٥).\n(^٣) التعريفات للجرجاني (١/ ٦٨٦).","vol":"2","page":418},{"text":"بالصواع.\n٣ - الاستدلال على أن من حلف ليضربن عبده مائة سوط، فضربه بالعثكال: أنه يبرأ لقصة أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].\nقال الزركشي: اتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملتنا، والسبب أن الملل لا تختلف في موجب الألفاظ، وفيما يقع برًّا وحنثًا (^١)، وقد أمر النبي ﷺ بضرب المريض الذي وقع على الجارية ضربة واحدة بمئة شمراخ (^٢).\n٤ - الاستدلال على عدم تضمين الراعي إذا زكى الشاة المشرفة على الهلاك بالقياس على خرق الخضر السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ٤٣).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٤٤٧٢)، وابن الجارود (٨١٧)، وابن ماجه (٢٥٧٤)، وغيرهم من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي مرفوعًا.\n(^٣) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي (١٩٢)، وانظر فتاوى شيخ الإسلام بذلك في مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢٥٣).","vol":"2","page":419},{"text":"٥ - قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] يؤخذ منها عدم قص الرؤيا، وهو أصلٌ في جواز ترك إظهار النعمة، وكتمانها عند من يخشى حسده وكيده (^١).\n٦ - النكاح على الإجارة: أي هل يصح أن يكون الصداق إجارة؟\nقال ابن رشد: في المذهب «مالك» ثلاثة أقوال: قول بالإجازة، وقول بالمنع، وقول بالكراهة: والمشهور عن مالك الكراهة، ولذلك رأى فسخه قبل الدخول، وأجازه من أصحابه أصبغ، وسحنون، وهو قول الشافعي، ومنعه ابن القاسم، وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة أجازه.\nوسبب اختلافهم أمران:\nأحدهما: هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل الدليل على ارتفاعه، أم الأمر بالعكس، فمن قال هو لازم أجازه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] الآية، ومن قال ليس بلازم قال: لا يجوز النكاح بالإجارة … إلخ (^٢).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٢١٦).\n(^٢) بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٥٢ - ٥٣) ط. التوفيقية.","vol":"2","page":420},{"text":"٧ - من ذلك أيضًا: قول المالكية وغيرهم: إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب المرأة، في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]، فذكره تعالى لهذا مقررًا له يدل على جواز العمل به، ومن هنا أوجب مالك حد الخمر على من استنكه، فشم في فيه ريح الخمر؛ لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها.\n٨ - وأخذ المالكية وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨] (^١).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٤٨، ٤٩)، سورة المائدة، آية (٣٢) بتصرف، وقد ذكر أمثلة أخرى أخذ الفقهاء حكمها من شرع من قبلنا فانظره، ط. دار الحديث.","vol":"2","page":421},{"text":"٩ - قال الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي طالب: فيمن حلفت بنحر ولدها، عليها كبش تذبحه، وتتصدق بلحمه، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧] (^١).\n١٠ - استدل الإمام أحمد في القول بالقرعة بقصة زكريا، والاقتراع في كفالة مريم، وذي النون حيث ساهم (^٢).\nقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤].\nقال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]، وكان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه (^٣).\n١١ - استدل بعضهم على صحة بيع الفضولي إذا كان في مصلحة المالك بحديث أصحاب الغار (^٤)، فإن فيه تصرف الرجل في مال الأجير بغير إذنه، ولكنه لما ثمره له، ونماه، وأعطاه، أخذه، ورضي.\n_________\n(^١) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى الفراء (٣/ ٧٥٣)، وانظر المسألة في بداية المجتهد (١/ ٧٤٩)، ط. دار الحديث.\n(^٢) الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (٤/ ١٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث عبد الله بن عمر.","vol":"2","page":422},{"text":"وساقه النبي ﷺ مساق المدح، والثناء على فاعله، وأقره على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه، فبهذا الطريق يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا (^١).\n١٢ - جواز استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك من قصة سليمان ﵇ في حكمه مع المرأتين كما في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا. يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى (^٢).\nقال القرطبي: وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٤/ ٥٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٢٧، ٦٧٦٩)، ومسلم (١٧٢٠).\n(^٣) تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤) سورة الأنبياء (٧٨، ٧٩).","vol":"2","page":423},{"text":"وفي قصة يوسف ﵇ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٦]، قال ابن العربي في أحكام القرآن: فيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل؛ إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلًا (^١).\nوقال الكيا الطبري: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] دليل على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه من الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق (^٢).\n١٣ - قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، قال ابن كثير ﵀: ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى، فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٨] إلى قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] قال: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٦٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (٥/ ١٩٦) دار الحديث، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٩٢) دار إحياء التراث.","vol":"2","page":424},{"text":"لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص، ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-416> مسألة: هل كان النبي ﷺ متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته؟</span>\nمذهب مالك وأصحابه: أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقال آخرون: كان متعبدًا بشرع من قبله.\nقال القرافي: المختار أنه كان متعبِّدًا - بكسر الباء على أنه اسم فاعل-، ومعناه: أنه ﷺ كان ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقةٍ لا تليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث أي: يتعبد، ويقترح أشياء لقربها من المناسب في اعتقاده، ولم يكن يسافر ولا يخالط أهل الكتاب حتى يطلع على أحوالهم، فيبعد مع هذا غاية البعد أن يعبد الله تعالى بتلك الشرائع؛ ولأنه لو كان يتعبد بذلك لكان يراجع علماء تلك الشرائع، ولو وقع ذلك لاشتهر (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٠) سورة النجم.\n(^٢) البحر المحيط (٨/ ٤٠).","vol":"2","page":425},{"text":"قال المازري والإبياري في «شرح البرهان» وإمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة البتة، وكذلك قاله التبريزي (^١).\nقال الشوكاني: وهذا صحيح، فإنه لا يتعلق بذلك فائدة، باعتبار هذه الأمة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تبعد بها، وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته.\nوأقرب هذه الأقوال: قول من قال: إنه كان متعبدًا بشريعة إبراهيم ﵇ (^٢).\nوقال الدكتور محمد سليمان الأشقر: وقد نقل أصحاب السير وأصحاب السنن كثيرًا من أفعاله وأحواله ﷺ قبل البعثة، وليس المراد بنقولهم هذه أن تكون موضعًا لاستنباط الأحكام الشرعية، والاقتداء بما قال أو فعل، وإنما كان مرادهم أن ينقلوا ما يستدل به على أحواله التي تنفع في المعرفة بنبوته، وصدقه (^٣).\nقال ابن تيمية ﵀: فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل النبوة كثيرًا؛\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٢٣١ - ٢٣٣) بتصرف.\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٨٥).\n(^٣) أفعال الرسول ﷺ للأشقر (٢/ ١٣٨، ١٣٩).","vol":"2","page":426},{"text":"ولهذا يذكر مثل ذلك من كتب سيرته كما يذكر فيها نسبه وأقاربه، وغير ذلك بما يعلم أحواله، وكتب الحديث هي ما كان بعد النبوة أخص، وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة، فإن تلك لا تذكر لتؤخذ، وتشرع فعله قبل النبوة، بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض على عباده الإيمان به، والعمل هو ما جاء به بعد النبوة.\nولهذا كان عندهم من ترك الجمعة والجماعة، وتخلى في الغيران، والجبال حيث لا جمعة، ولا جماعة، وزعم أنه يقتدي بالنبي ﷺ لكونه كان متحنثًا في غار حراء قبل النبوة في ترك ما شرع له من العبادات الشرعية التي أمر الله بها رسوله، واقتدى بما كان يفعل قبل النبوة كان مخطئًا، فإن النبي ﷺ بعد أن أكرمه الله بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في غار حراء، أو نحو ذلك (^١).\nلكن النبي ﷺ كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها، بل تميز بمكارم الأخلاق قبل البعثة وبعدها، كما قالت خديجة ﵂: كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.\nوقال الإمام البخاري في صحيحه: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، ولم يذكر فيه إلا حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٨/ ١٠).","vol":"2","page":427},{"text":"ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًّا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانًا ﷺ (^١).\nوروى أبو داود في سننه، في كتاب الأدب: قول السائب بن يزيد لرسول الله ﷺ: كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تداري، ولا تماري (^٢).\nأما ما يذكر في أنه اشترك في حرب الفجار، وأنه كان يجهز النبل لأعمامه، فلم يرد بذلك سند صحيح (^٣).\nوقيل: لم يقاتل ﷺ في فجار البراض، وعليه اقتصر في الوفاء، أي لم يرم فيه بأسهم، بل قال: كنت أنبل على أعمامي، أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٤)، ومسلم (٣٤٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٣٦)، أحمد (١٥٥٠٢)، ابن ماجه (٢٢٨٧).\n(^٣) الطبقات لابن سعد (١/ ١٠٤ - ١٠٦) وينظر ما شاع ولم يثبت في السيرة، لمحمد بن عبد الله العوشن (١٦)\n(^٤) السيرة الحلبية للحلبي (١/ ١٨٥، ١٨٦).","vol":"2","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-417>الفصل السابع:\nقول الصحابي</span>","vol":"2","page":429},{"text":"قول الصحابي\n\n*<span data-type='title' id=toc-418> تعريف الصحابي:</span>\nاختلف العلماء في تعريف الصحابي على أقوال متباينة منها:\nالأول: هو كل مسلم رأى النبي ﷺ ولو لحظة، وعقل عنه شيئًا؛ فهو صحابي، سواء كان ذلك قليلًا أو كثيرًا، ومات على ذلك.\nقال البخاري في صحيحه: ومن صحب النبي ﷺ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه.\nقال الحافظ: والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين، وقول البخاري: من المسلمين. قيد يخرج به من صحبه، أو من رآه من الكفار، فأما من أسلم بعد موته منهم، فإن كان قوله: من المسلمين. حالًا خرج من هذه صفته، وهو المعتمد، ويرد على التعريف من صحبه، أو رآه مؤمنًا به، ثم ارتد بعد ذلك، ولم يعد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيًّا اتفاقًا، فينبغي أن يزاد فيه «ومات على ذلك»، مثال من ارتد ولم يعد، كربيعة بن أمية بن خلف أسلم في الفتح، وحدث بعد موت النبي ﷺ، ثم ارتد في خلافة عمر، ولحق بالروم وتنصر.","vol":"2","page":431},{"text":"أما من ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لكن لم يره ثانيًا بعد عوده، فالصحيح أنه معدود في الصحابة مثاله: الأشعث بن قيس.\nوهذه الرؤية والنبي ﷺ على قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته، وقبل دفنه فليس بصحابي كأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، وهو شاعر مخضرم أسلم، وأخبر بمرض النبي ﷺ فسافر ليراه، فوجده ميتًا مسجى، فحضر الصلاة عليه والدفن، فلم يعد صحابيًّا.\nوكذلك الرؤية مقيدة باليقظة، فمن رآه في المنام، وإن كان قد رآه حقًّا فليس بصحابي، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة، والله أعلم (^١).\nقال ابن الصلاح: المعروف في طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى النبي ﷺ فهو من الصحابة.\nوهذا القول اختاره ابن الحاجب في مختصره (^٢).\nوقال ابن حجر في تعريف الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح.\nوالمراد باللقاء: ما هو أعم من المجالسة والمماشاة، ووصول\n_________\n(^١) الفتح لابن حجر (٧/ ٥، ٦) بتصرف.\n(^٢) تحقيق منيف الرتبة فيمن ثبتت له شريف الصحبة للعلائي (٣٣ - ٣٥).","vol":"2","page":432},{"text":"أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما الآخر.\nوالتعبير باللقى أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي ﷺ؛ لأنه يخرج حينئذ ابن أم مكتوم، ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد، واللقى في هذا التعريف كالجنس (^١).\nالثاني: أن الصحابي من رأى النبي ﷺ، وصحبه ولو ساعة، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته.\nقاله الآمدي ناقلًا له عن أكثر الشافعية: فهذا التعريف زاد عليه ما يطلق عليه اسم الصحبة، ولو ساعة لطيفة، ومنهم من اشترط أن يكون بالغًا، لكن رده ابن حجر.\nالثالث: أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي ﷺ واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه، حكاه الآمدي عن جماعة.\nالرابع: من طالت صحبته للنبي ﷺ، وأخذ عنه العلم أي يجمع بين الصحبة الطويلة، والرواية عنه.\nالخامس: قول سعيد بن المسيب: لا يعد الصحابي إلا من أقام مع\n_________\n(^١) نزهة النظر لابن حجر (٤٥).","vol":"2","page":433},{"text":"النبي ﷺ سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا (^١).\nقال العلائي: في عبارته ضيق يوجب أن لا يعد في الصحابة جرير بن عبد الله البجلي، ومن شاركه مثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي ممن لا خلاف في عدهم من الصحابة.\nوقال ابن حجر: والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي ﷺ إلا في حجة الوداع (^٢).\nهذه أشهر المذاهب في تعريف الصحابي، والحاصل أن الصحبة لها اعتباران:\n١ - باعتبار الوضع اللغوي: تنطلق على القليل والكثير، سواء في مجالسة أو مماشاة، ولو ساعة يسيرة.\n٢ - من حيث العرف: أنه لا ينطلق إلا على الصحبة الطويلة أو الكثيرة، لكن لا حد لتلك الكثرة إلا بما ينطبق عليه الاسم.\nفجمهور المحدثين اعتبروا المعنى اللغوي للصحبة، فعدوا في الصحابة كل من لقي النبي ﷺ اكتفاءً منهم باللقاء لقبول رواية الراوي، ولشرف رؤية النبي ﷺ؛ وهذا لأن تعلق المحدثين بالرواية لا\n_________\n(^١) الطبقات لابن سعد (٦/ ٢٩٥، ٢٩٦).\n(^٢) تحقيق منيف الرتبة للعلائي بتصرف (٣٤، ٣٧)، فتح الباري لابن حجر (٧/ ٥).","vol":"2","page":434},{"text":"بالاجتهاد.\nفشرف الصحبة حاصل للجميع سواء لازمه أم لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهدًا، أو كلمه أو ماشاه قليلًا، أو رآه من بعيد، أو في حال طفولته، ولكن من ليس له سماع منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة؛ لما نالوه من شرف الرؤية (^١).\nأما الأصوليون فاعتبر فريق منهم المعنى العرفي؛ قالوا لأن الأمر عندهم يتعلق بأقوالهم، وأفعالهم، وفتاويهم، واجتهادهم، ولا ريب أن أقوال الصحابة واجتهادهم يتميز عن أقاويل غيرهم بما نالوا من صحبة رسول الله ﷺ، وهذه الصحبة إنما تؤثر في الاجتهاد والاستنباط إذا كان فيها ملازمة، أو طول صحبة، أو مشاهدة الوقائع والقضايا منه ﷺ، ولا تؤثر بمجرد الرؤية من بعيد، أو رؤية الأطفال، فكثير من الأعراب رأى النبي ﷺ، ثم ارتدوا بعد وفاته، لذلك اشترط جمهور الأصوليين طول الصحبة بحسب العرف.\nوالحاصل: أنه لا يشترط فى الصحابى الملازمة لأن الصحبة فى اللغة جنس، فكل من لقي شخصًا يطلق عليه أنه صحبه، وإن كان زمنًا قليلًا، ولو كانت الملازمة أو طول الصحبة شرطًا لانتفت صحبة كثير من\n_________\n(^١) نزهة النظر لابن حجر (٤٦).","vol":"2","page":435},{"text":"الصحابة ممن ثبتت صحبتهم يقينًا كما سبق، وهذا لا يعني أن الصحابة على درجة واحدة، من رآه فقط، كمن صحبه زمنًا، كمن طالت صحبته وملازمته.\nلذلك قسم العلائي الصحابة إلى أقسام، فقال: والحاصل: أن تسمية الجميع باسم الصحابي له اعتبارات:\nأحدها: من يصدق عليه الاستعمال العرفي قطعًا، وهؤلاء هم جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا معه ﷺ، ومن هاجر إليه من القبائل، وغزا معه، ولا ريب في أمثال هؤلاء.\nالثاني: من يقرب من هؤلاء الذين هاجروا إليه، وأقاموا عنده أيامًا قلائل، ورجعوا إلى أماكنهم كوفد عبد القيس، ووفد ثقيف، وأمثالهم، وكمثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي، وجرير بن عبد الله البجلي، ومن لم يصحبه إلا مدة يسيرة من الأيام والليالي، ولكن حفظ وتعلم منه، وروى عنه عدة أحاديث، فهؤلاء أيضًا وأمثالهم يطلق عليهم اسم الصاحب حقيقة عرفية، وإن كانت مدة صحبتهم ليست طويلة لتحقق الاسم فيهم، وصدق الاتصاف بالصحبة لهم.\nالثالث: من لقيه ﷺ بمجالسة يسيرة، أو مبايعة، أو مماشاة، وكان مسلمًا إما بالغًا أو مميزًا، وعقل من النبي ﷺ شيئًا ما بأن أجلسه في حجره، أو مج في وجهه ماء، أو غير ذلك.","vol":"2","page":436},{"text":"فلا ريب أن الإطلاق العرفي منتف عن أمثال هؤلاء، وأما الإطلاق اللغوي فهو قريب.\nالرابع: من لم يجتمع به ﷺ أصلًا، وإنما رآه من بعيد، وحكى شيئًا من أفعاله، أو لم يحك شيئًا مثل: أبي الطفيل عامر بن واثلة، وغيره ممن ليس له إلا مجرد الرؤية إما في حجة الوداع، أو غزوة الفتح، أو غزوة حنين، أو غير ذلك، أو كان مع أبيه فأراه النبي ﷺ من بعيد.\nفلا ريب في أن الإطلاق اللغوي منتف عن هؤلاء قطعًا فضلًا عن الاستعمال العرفي.\nوإنما أعطي هؤلاء حكم الصحبة لشرف ما حصل لهم من الرؤية له ﷺ، ولدخولهم في القرن الذي أثبت ﷺ أنهم خير القرون من أمته (^١).\nقلت: هكذا ذكر أبا الطفيل في القسم الرابع، وأبو الطفيل قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن (^٢).\nبل قال: أدركت ثمان سنين من حياة رسول الله ﷺ وولدت عام\n_________\n(^١) تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة (٤١ - ٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٧٥).","vol":"2","page":437},{"text":"أحد (^١)، فالله أعلم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-419> حجية أقوال الصحابة:</span>\nيمكن تقسيم أقوال الصحابة إلى عدة أقسام لتحرير محل النزاع:\nالأول: إذا أجمعوا على قول في مسألة فإجماعهم حجة قطعًا، ودليله أدلة الإجماع، وقد سبقت.\nالثاني: قول الصحابي إذا انتشر ولم يعلم له مخالف من الصحابة، وهو ما يسمى الإجماع السكوتي.\n١ - فمذهب مالك، وبعض الشافعية، وقديم قولي الشافعية أنه حجة، ويقدم على القياس (^٢).\nوجعله ابن القيم أصلًا من أصول فتاوى الإمام أحمد.\nقال في أصول الإمام أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل إن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول لا أعلم شيئًا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٧٩٩).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ١٨٥).","vol":"2","page":438},{"text":"يدفعه (^١)، وقدم الصفي البغدادي هذه الرواية لأحمد (^٢).\n٢ - مذهب عامة المتكلمين، وجديد قولي الشافعي، واختاره أبو الخطاب أنه ليس بحجة، وهو الرواية الثانية للإمام أحمد، وهو مذهب الأشاعرة، والمعتزلة، والكرخي (^٣).\nقال العلائي ﵀: ويحتمل أن ينزل القولان للإمام الشافعي على حالين، وذلك بأحد طريقين:\nأحدهما: أن يكون حيث أثبت القول أنه إجماع، أراد بذلك عصر الصحابة ﵃؛ لأن منصبهم الشريف لا يقتضي السكوت عن مثل ذلك مع مخالفتهم فيه، لما عرف من عادتهم، وهذا لا يجيء في حق غير الصحابة.\nوحيث قال: لا ينسب لساكت قول. أراد بذلك من بعد الصحابة، وهذا أولى من أن يجعل له قولان متناقضان في المسألة من أصلها.\nالثانية: أن يحمل نفيه على ما لم يتكرر من القضايا، أو لم تعم به البلوى، ويحمل القول الآخر «أي كونه إجماعًا أو حجة» على ما كان يتكرر، أو تعم به البلوى؛ لأن العمل بخبر الواحد بالقياس مما يتكرر،\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٥٤).\n(^٢) قواعد الأصول ومعاقد الفصول لعبد المؤمن بن عبد الحق (٧٦).\n(^٣) قواعد الأصول ومعاقد الفصول (٧٧)، شرح مختصر الروضة (٣/ ١٨٥).","vol":"2","page":439},{"text":"وتعم به البلوى، وكل من هذين الطريقين محتمل (^١).\nوفرق الماوردي في كتابه «الحاوي» بين أن يكون فيما يفوت استدراكه كإراقة دم، أو استحلال فروج، فيكون إجماعًا؛ لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه، إذ لا يصح منهم أن يتفقوا على ترك إنكار المنكر، وبين أن يكون مما لا يفوت استدراكه، فيكون حجة؛ لأن الحق لا يخرج عنهم، وفي كونه إجماعًا يمنع الاجتهاد وجهان سواء كان القول حكمًا أو فتيا.\nوقد سبق الكلام على مسألة الإجماع السكوتي في باب الإجماع.\nالقسم الثالث: قول الصحابي إذا لم يشتهر، ولم يخالفه غيره:\nأن يقول الصحابي قولًا أو يحكم بحكم، ولم يثبت فيه اشتهار، ولا يؤثر عن غيره من الصحابة مخالفة في ذلك.\nوهذه الصورة هي أكثر ما يوجد عنهم، وهي محل النزاع هنا، وللعلماء فيها أقوال متعددة والذي يتحصل من مذاهبهم:\nالأول: أنه حجة مطلقًا، وهو مذهب مالك، وجمهور أصحابه، وسفيان الثوري، وجمهور أهل الحديث، وكثير من الحنفية كأبي يوسف، وأبي سعيد البرذعي، وأبي بكر الرازي، والشافعي في قوله\n_________\n(^١) إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للعلائي (١/ ٢٤).","vol":"2","page":440},{"text":"القديم، وهو رواية مشهورة عن أحمد، وبه قال أكثر أصحابه، وهو مقتضى أجوبته وتصرفاته في كثير من المسائل (^١).\nواحتجوا بأدلة منها:\nقال ابن القيم: وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مُقِرُّون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا، فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة، وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك أنه يحكي أقوالًا للصحابة في الجديد، ثم يخالفها، ولو كانت عنده حجة لم يخالفها، وهذا تعلق ضعيف جدًّا، فإن مخالفة المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى في نظره منه لا يدل على أنه لا يراه دليلًا من حيث الجملة، بل خالف دليلًا لدليل أرجح عنده منه، وقد تعلق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقًا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص، بل يعضدها بضروب من الأقيسة، فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها، وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها، بل يعضدها بدليل آخر، وهذا أيضًا تعلق أضعف من الذي قبله؛ فإن تظاهر الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديمًا\n_________\n(^١) إجمال الإصابة للعلائي (١٣٤)، شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٥٠).","vol":"2","page":441},{"text":"وحديثًا، ولا يدل ذكرهم دليلًا ثانيًا وثالثًا على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل (^١).\nوقال الشافعي في «الرسالة» في ذكر أقاويل الصحابة: قال: أفرأيت إذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلافًا، أتجد لك حجة باتباعه في كتاب، أو سنة، أو أمر أجمع الناس عليه، فيكون من الأسباب التي قلت بها خبرًا؟ قلت له: ما وجدنا في هذا كتابًا، ولا سنة ثابتة، ولقد وجدنا أهل العلم يأخذون بقول واحدهم مرة، ويتركونه أخرى ويتفرقون في بعض ما أخذوا به منهم. قال: فإلى أي شيء صرت من هذا؟ قلت: إلى اتباع قول واحد إذا لم أجد كتابًا، ولا سنة، ولا إجماعًا، ولا شيئًا في معناه يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس، وقل ما يوجد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيره من هذا (^٢).\nونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: والعلم طبقات:\nالأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة.\nالثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.\nالثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﷺ، ولا نعلم له مخالفًا منهم.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ٥٥٠، ٥٥١).\n(^٢) الرسالة (٥٩٧، ٥٩٨) ت: أحمد شاكر.","vol":"2","page":442},{"text":"الرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﷺ، ورضي عنهم.\nالخامسة: القياس على بعض هذه الطبقات.\nوذكر الشافعي ﵁ في كتاب «الرسالة القديمة»، بعد ذكر الصحابة ﵃ والثناء عليهم بما هم أهله، فقال: وهم فوقنا في كل علم، واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا، والله أعلم (^١).\nحجة هذا القول:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\nومن كان مرضيًّا عنه كيف لا يقتدى بفعله، ويتبع في قوله، والله تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا لم يخالف كتابًا ولا سنة، فاتبعهم متبع عليه كان محمودًا عليه على ذلك، ويستحق الرضوان (^٢).\n٢ - قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\n_________\n(^١) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (١١٠) ت: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ط. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي.\n(^٢) إجمال الإصابة (١٥٦)، إعلام الموقعين (٤/ ٥٥٦).","vol":"2","page":443},{"text":"قال ابن القيم: شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف، ولا نهى فيها عن منكر، إذ الصواب معروف بلا شك، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلًا علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضى أن قوله حجة (^١).\nإيضاحه: أن قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره في نازلة أو مسألة إذا كان خطأً، ولم يخالفه أحد يكون الصحابة لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، ويكونون قد اجتمعوا على ضلالة، وهذا ممتنع.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوجه الاستدلال: أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة وسطًا أي: خيارًا عدولًا هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم، وأعدلها في أقوالهم، وأعمالهم، وإرادتهم، ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله تعالى يقبل شهادتهم، عليهم فلو\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ٥٦٩).","vol":"2","page":444},{"text":"كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأً مخالفة لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول، أو بدون اشتهارها؛ كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين قسمًا أفتى بالباطل، وقسمًا سكت عن الحق، وهذا من المستحيل؛ فإن الحق لا يعدوهم، ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعًا، ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه (^١).\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].\nفإذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى؛ فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة، فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا يفتي فيها غيره بالصواب، ويظفر فيها بالهدى من بعدهم، والله المستعان (^٢).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ٥٧١) بتصرف يسير.\n(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ٥٧٢).","vol":"2","page":445},{"text":"وقريب من هذا المعنى:\n٤ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (^١).\nقال ابن حجر: قوله: «أنتم شهداء الله في الأرض» أي: المخاطبون بذلك من الصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين (^٢).\nوالحاصل: أن الصحابة أولى الناس بهذا الحكم من غيرهم.\n٥ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٨١) دار الحديث.","vol":"2","page":446},{"text":"أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» (^١).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن خير القرون قرنه مطلقًا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرًا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقًا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم، وسائرهم لم يفتوا بالصواب، وإنما ظفر بالصواب مَنْ بعدهم، وأخطأوا هم؛ لزم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه (^٢).\n٦ - أن الصحابة ﵃ حضروا التنزيل، وفهموا كلام الرسول الله ﷺ، واطلعوا على قرائن القضايا، وما خرج عليه الكلام من الأسباب والمحامل التي لا تدرك إلا بالحضور، وخصهم الله تعالى بالفهم الثاقب، وحدة القرائح، وحسن التصرف لما جعل الله فيهم من الخشية والزهد والورع إلى غير ذلك من المناقب الجليلة فهم أعرف بالتأويل، وأعلم بالمقاصد، فيغلب على الظن مصادفة أقوالهم، وأفعالهم الصواب، أو القرب منه، والبعد عن الخطأ هذا ما لا ريب فيه، فيتعين المصير إلى أقوالهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣).\n(^٢) إعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ٥٧٤، ٥٧٥).\n(^٣) إجمال الإصابة للعلائي (١٦٣).","vol":"2","page":447},{"text":"قال ابن القيم: الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا، أو حكم بحكم، أو أفتى بفتيا، فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به؛ فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاهًا، أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق ﵁، والفاروق، وغيرهما من كبار الصحابة ﵃ إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله، وفعله، وهديه، وسيرته، وكذلك أجلة الصحابة، لكنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ، ويعظمونها، ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله ﷺ (^١).\n٧ - قال العلائي: وهو المعتمد أن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به من غير نكير من أحد منهم، وكانوا من أهل الاجتهاد أيضًا، ومن أمعن النظر في كتب الآثار وجد التابعين لا يختلفون في الرجوع إلى أقوال الصحابي فيما\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٥/ ١٨، ١٩) بتصرف يسير.","vol":"2","page":448},{"text":"ليس فيه كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ثم هذا مشهور أيضًا في كل عصر لا يخلو عنه مستدل بها، أو ذاكر لأقوالهم في كتبه، ولا يقال فيكون المخالف في ذلك خارقًا للإجماع؛ لما تقدم أن مخالفة الإجماع الاستدلالي والظني لا يقدح، وما نحن فيه من ذلك (^١).\nالقول الثاني: أنه ليس حجة مطلقًا.\nقال العلائي: وإليه ذهب جمهور الأصوليين من أصحابنا «الشافعية»، والمعتزلة، وعزاه الأصحاب إلى الجديد من قولي الشافعي.\nوأومأ إليه أحمد بن حنبل، فجعل ذلك رواية ثانية عنه، واختاره أبو الخطاب من أصحابه، وإليه يميل محمد بن الحسن (^٢).\nواحتجوا بأدلة، منها:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى مذهب الصحابي يكون تركًا لهذا الواجب.\nوجوابه: أن الرد إلى الله والرسول إنما يكون إذا كان الحكم المطلوب موجودًا في الكتاب أو السنة، فأما إذا لم يوجد ذلك في الكتاب\n_________\n(^١) إجمال الإصابة للعلائي (١٢٧، ١٦٥، ١٦٦) ط. مؤسسة الرسالة.\n(^٢) إجمال الإصابة للعلائي (١٣٤)، البحر المحيط للزركشي (٦/ ٥٤).","vol":"2","page":449},{"text":"ولا في السنة؛ فلا يكون في الرجوع إلى أقوال الصحابة تركًا للواجب، والقول باتباع مذهب الصحابي مشروط بعدم معارضته للكتاب أو السنة، إلا في تخصيص، أو حمل على أحد المحملين على ما في ذلك من الخلاف.\n٢ - أن قول الصحابي ليس حجة على صحابي آخر، فتجوز مخالفته، فلو كانت حجة لما جازت مخالفته، وأيضًا فإن الصحابي ليس معصومًا، فيجوز عليه الخطأ والنسيان.\nوالجواب: أن هذا خارج محل النزاع، فإن صورة المسألة أن يوجد قول لصحابي، ولم يحفظ عن غيره مخالفته، أما إذا اختلفوا فيقدم من أقوالهم ما كان أقرب للكتاب والسنة.\nالقول الثالث: اتفاق الخلفاء الأربعة حجة:\nوإليه ذهب أبو حازم القاضي من الحنفية، وحكاه جماعة من المصنفين رواية عن الإمام أحمد، والصحيح: أنه ليس بإجماع.\nوحجة هذا القول: حديث العرباض بن سارية وفيه: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٧١٤٢)، أبو داود (٤٦٠٧)، الترمذي (٢٦٧٦)، ابن ماجه (٤٢، ٤٣) من حديث العرباض بن سارية مرفوعًا.","vol":"2","page":450},{"text":"وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالتمسك بسنتهم والعض عليها بالنواجذ، وذلك مجاز كناية عن ملازمة الأخذ بها، وعدم العدول عنها، ولا يلزم من ذلك مساواتها لسنة النبي ﷺ، بل هي مأمور بالعمل بها بشرط عدم وجود سنة للنبي ﷺ.\nوأما كونه مختصًّا بالخلفاء الأربعة دون من بعدهم؛ فلما روى الترمذي عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك»، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان. ثم قال لي: أمسك خلافة علي. قال: فوجدناها ثلاثين سنة (^١).\nولكن قد يقال: الأحاديث الواردة في فضل الصحابة واتباعهم عامة، وهذا خاص.\nفالجمع ممكن بأن الجميع حجة، ولكن عند التعارض -وعدم المرجح من السنة- يقدم قول الخلفاء الأربعة على قول غيرهم.\nتنبيه: ما ثبت مخالفته للحديث، أو ما ثبت رجوعهم عنه للسنة؛ فلا يقتدى بهم فيه بلا شك.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢١٩١٩)، الترمذي (٢٢٢٦)، أبو داود (٤٦٤٦) من حديث سفينة ﵁.","vol":"2","page":451},{"text":"القول الرابع: أنه حجة إذا وافق القياس:\nفيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي.\nقال الزركشي: نص عليه الشافعي ﵀ في كتاب «الرسالة»، فقال: وأقوال أصحاب النبي ﷺ إذا تفرقوا نصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس، وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له موافقة، ولا خلافًا صرت إلى اتباع قول واحدهم، وإذا لم أجد كتابًا، ولا سنة، ولا إجماعًا، ولا شيئًا يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس.\nوقال ابن الرفعة في «المطلب»: حكى القاضي الحسين، وغيره من أصحابنا عن الشافعي أنه يرى في الجديد أن قول الصحابي حجة إذا عضده القياس، وكذا حكاه ابن القطان في كتابه، فقال: نقول بقول الصحابي إذا كان معه قياس.\nوكذا قال القفال الشاشي، والقاضي في «التقريب»، وابن أبي هريرة في «تعليقه» في باب الربا: عندنا أن الصحابي إذا كان له قول، وكان معه قياس، وإن كان ضعيفًا، فالمعنى إلى قوله أولى خصوصًا إذا كان إمامًا، ولهذا منع الشافعي بيع اللحم بالحيوان المأكول بجنسه، وغيره لأثر","vol":"2","page":452},{"text":"أبي بكر الصديق ﵁ (^١).\nالقول الخامس: أنه حجة إذا خالف القياس:\nقالوا: لأن قوله إذا خالف القياس لا يكون إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للعقل في ذلك، وإن كان له فيه مجال لكنه عدل عما يقتضيه القياس، فعدوله عنه إنما يكون لخبر عنده فيه، وإلا يلزم أن يكون قائلًا في الدين بالتشهي من غير مستند، وذلك يقدح في دينه وعلمه، ولا ينبغي المصير إليه، فيتعين اتباع قوله (^٢).\nوحكاه الزركشي قولًا للشافعي، قال: تصرفات الشافعي في الجديد تقتضي أن قوله حجة بشرطين:\nأحدهما: أن لا يكون للاجتهاد فيه مجال.\nالثاني: أن يرد في موافقة قوله نص، وإن كان للاجتهاد فيه مجال، كما فعل في مسائل الفرائض مقلدًا زيدًا فيها؛ لقوله ﷺ: «أفرضكم زيد» (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ٥٦، ٥٧) بتصرف.\n(^٢) إجمال الإصابة (١٧١).\n(^٣) البحر المحيط (٦/ ٦٣) والحديث أعل بالإرسال: أخرجه أحمد (١٢٩٠٤)، الترمذي (٣٧٩٠)، ابن ماجه (١٥٤) بلفظ (أفرضهم زيد)، وقد أفرد ابن عبد الهادي رسالة في بيان أن هذا الحديث صوابه الإرسال فلتراجع.","vol":"2","page":453},{"text":"وإليه ذهب الجويني إذا قطع الصحابي فيه القول ولم يتردد.\nقال في البرهان: وأما ما قطعوا القول به، ولم تكن المسألة في مظنة الاجتهاد، فقالوا قولًا مخالًفا للقياس ما أرشد إليه نظر، ولا يدل عليه اعتبار من تقليد، أو غيره، ورأيناهم حاكمين قاطعين، فتحسين الظن بهم يقتضي أن يقال ما نراهم يحكمون من غير بينة، ولا مستند لهذا الحكم من قياس، فلعلهم لاح لهم مستند سمعي قطعي من نص حديث كان حكمهم بذلك، فيجب اتباعهم لهذا المقام (^١).\nالقسم الرابع: أن يختلف الصحابة في الحكم على قولين فأكثر:\nأولًا: إذا كان مع أحد القولين سنة فهو المقدم بلا شك؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.\nمثاله: حديث التيمم للجنابة: عن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله، وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهًرا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]،\n_________\n(^١) البرهان للجويني (٢/ ١٣٦١) ت: د. عبد العظيم الديب، توزيع دار الأنصار، بالقاهرة.","vol":"2","page":454},{"text":"فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه، فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟! (^١).\nثانيًا: أقوالهم إذا انفردت عن معارض من السنة:\nقال الآمدي في الإحكام: اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين إمامًا كان أو حاكمًا أو مفتيًا (^٢).\nولا ريب أن ذلك بالنسبة إلى آحادهم بعضهم على بعض، وأما بالنسبة إلى من بعدهم إذا اختلفوا يرجع إلى الترجيح بأحد المرجحات المتصلة أو المنفصلة.\nقال الموفق ابن قدامة في «الروضة»: إذا اختلف الصحابة على قولين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٤/ ١٨٢) تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي.","vol":"2","page":455},{"text":"لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل خلافًا لبعض الحنفية، وبعض المتكلمين أنه يجوز ذلك ما لم ينكر على القائل قوله؛ لأن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين، ولهذا رجع عمر إلى قول معاذ في ترك رجم المرأة، وهذا فاسد؛ فإن قول الصحابة لا يزيد على الكتاب والسنة، ولو تعارض دليلان من كتاب أو سنة لم يجز الأخذ بواحد منهما بدون الترجيح، ولأننا نعلم أن أحد القولين صواب، والآخر خطأ، ولا نعلم ذلك إلا بدليل، وإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين، أما على الأخذ به، فكلَّا، وأما رجوع عمر إلى معاذ؛ فلأنه بان له الحق بدليله فرجع إليه (^١).\nمسائل ذكرها العلائي:\n١ - التخصيص بقول الصحابي:\nقال الآمدي: مذهب الشافعي الجديد، وأكثر الفقهاء، والأصوليين أن مذهب الصحابي لا يكون تخصيصًا للعموم سواء كان هو الراوي، أم لم يكن، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، والحنابلة، وعيسى بن أبان، وجماعة من الفقهاء.\n_________\n(^١) روضة الناظر لابن قدامة (١٦٢) ط. دار الزاحم.","vol":"2","page":456},{"text":"٢ - أن يكون الخبر محتملًا لأمرين، فيحمله الصحابي الراوي، أو المطلع عليه على أحدهما.\nقال الآمدي: إن قلنا إن اللفظ المجمل ظاهر في جميع محامله كالعامِّ، فتعود المسألة إلى التخصيص بقول الصحابي، وإن قلنا بامتناع حمله على جميع محامله، فلا نعرف خلافًا في وجوب حمل الخبر على ما حمله الراوي عليه؛ لأن الظاهر من حال النبي ﷺ أنه لا ينطق باللفظ المجمل لقصد التشريع، وتعريف الأحكام، ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام.\nوالصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه.\n٣ - أن يكون الخبر ظاهرًا في شيء، فيحمله الصحابي على غير ظاهره، إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو بغير ذلك من وجوه التأويل، فالذي ذهب إليه أكثر العلماء أن يعمل بظاهر الحديث، ولا يخرج عنه لمجرد عمل الصحابي أو قوله، وذهب أكثر الحنفية إلى اتباع قول الراوي في ذلك.\nوقال بعض المالكية: إن كان ذلك مما لا يمكن أن يدرك إلا بشواهد الأحوال والقرائن المقتضية لذلك، وليس للاجتهاد مساغ في ذلك اتبع قوله، وإن كان صرفه عن ظاهره يمكن أن يكون بضرب من","vol":"2","page":457},{"text":"الاجتهاد تعين الرجوع إلى ظاهر الخبر.\n٤ - أن تكون المخالفة بترك مدلول الحديث بالكلية.\nمثل حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا (^١)، ثم روي عن أبي هريرة بالتثليث (^٢)، فالذي ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يعدل عن الخبر الظاهر أو النص إلى مذهب الراوي (^٣).\nقال العلائي ﵀: ويتحصل فيما إذا اختلفت أقوال الصحابة ﵃ ثلاثة أقوال:\nأحدها: سقوط الحجية، وأنه لا يعتمد قول منها.\nالثاني: أن يؤخذ بأي قول منها بغير ترجيح.\nالثالث: أنه يعدل إلى الترجيح وهو الأظهر.\nوالقول بالتخيير حكاه ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) شاذ: أخرجه الدارقطني (١٩٦) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان وهو صدوق يهم وقد خالف فيه أصحاب أبي هريرة سندًا ومتنًا فقد رووه عن أبي هريرة بلفظ سبع ورووه مرفوعًا.\n(^٣) إجمال الإصابة للعلائي (١٨٢ - ١٩٠) بتصرف، المستصفى للغزالي (٢/ ٧٨٠).","vol":"2","page":458},{"text":"والقاسم بن محمد، وعن سفيان الثوري إن صح عنه.\nقال: وهذا مذهب ضعيف، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر.\nثم بين ﵀ المذهبين وأورد آثارًا عن عمر بن عبد العزيز والقاسم في مدح اختلاف الصحابة، وأنه توسعة على الأمة.\nقال: وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما، وهو قول الليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي ثور، وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس على الأصول منها، وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف، ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه، والتشاكل، وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله ﷺ: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، فدع ما يريبك لما لا يريبك» (^١).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: الشطر الأول أخرجه مسلم (٢٥٥٣) من حديث النواس بن سمعان، والشطر الأخير أخرجه الترمذي (٢٥١٨) من حديث الحسن بن علي وسنده صحيح، وصححه الترمذي.","vol":"2","page":459},{"text":"وأورد ابن عبد البر بسنده عن ابن وهب قال: قال لي مالك: يا عبد الله، أد ما سمعت وحسبك، ولا تحمل لأحد على ظهرك، واعلم إنما هوخطأ وصواب، فانظر لنفسك فإنه كان يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره.\nقال إسماعيل القاضي: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في اجتهاد الرأي، فأما أن تكون توسعة لأن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا.\nوعن المزني قال: قال الشافعي في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ: أصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس (^١).\nالقسم الخامس: قول الصحابي الذي لم يعرف عنه الأخذ من أهل الكتاب فيما ليس من الرأي والاجتهاد، وإنما هو من الغيب حكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ، وإن لم يصرح هذا الصحابي بنسبة هذا القول إلى النبي ﷺ، فقول الصحابي في أشراط الساعة، وعذاب القبر، والجنة والنار، وأسباب النزول ممن لم يعرف عنه الأخذ من أهل\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١٦١، ١٦٢) بتصرف.","vol":"2","page":460},{"text":"الكتاب، كعمر وابن مسعود، وغيرهم إن قالوا مما لا يدرك بالاجتهاد ولا بالعقل؛ فهذه الأقوال حجة لها حكم الرفع، وإن لم يصرحوا بنسبتها إلى النبي ﷺ (^١).\nخلاصة ما سبق:\nأن قول الصحابي حجة بشروط، وهي:\n١ - أن يكون الصحابي من الفقهاء المعتبرين، فإن كان من الصحابة الذين ليسوا بمعتبرين، ولا ممن عهد منهم العلم، فقوله ليس بحجة كقول سائر الناس مثل رجال البادية.\n٢ - ألا يخالف نصًّا، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص مهما كان الصحابي، ولو كان من أفقه الصحابة.\n٣ - ألا يعارضه قول صحابي آخر، فإن عارضه قول صحابي آخر طلب المرجح من الكتاب والسنة، واتبع ما ترجح من القولين.\n_________\n(^١) التحقيقات والتنقيحات السلفيات على متن الورقات (٤٣٥)، وانظر الصحابة الذين اشتهروا بالأخذ من أهل الكتاب في كتاب (الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير) د/ رمزي نعناعة (١٢٣ - ١٦٤)، وكتاب (الإسرائيليات في التفسير والحديث) للدكتور محمد حسين الذهبي (٥٥ - ٧١)، وذكر الكتابان من الصحابة الذين اشتهروا برواية الإسرائيليات أبا هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري، ﵃ جميعًا.","vol":"2","page":461},{"text":"ب- إذا فعل الصحابي فعلًا، واشتهر بين الصحابة، ولم ينكر فهو قويٌّ يقوى بعدم الإنكار (^١).\nتتمة وتلخيص:\nفي حجية قول الصحابي، يقول الدكتور محمود عبد الرحمن: نكتة المسألة والتي ذهل عنها الذاهلون أن قول الصحابي إن تضمن دليلًا كان حجة وإن لم يصرح بالدليل، وإن لم يتضمن دليلًا كان غير حجة في نفسه، ويرجح بينه وبين غيره من الأقوال المرجحات المعلومة، وهذا الدليل المتضمن يعرف بالقرائن، وكلهم حائمون في أقوالهم حول القرينة، فمنهم من يجعلها ما لا مجال للرأي فيه، وبعضهم يعبر عنها بموافقة القياس، وبعضهم رأى العكس، وهو أن مخالفة القياس قرينة وجود نقل لم ينقل، وإنما نقل مدلوله، وهو على صورة فتوى الصحابي، ومن قبل مطلقًا، فالقرينة عنده كونه صحابيًّا وَرِعًا لا يصدر في قول إلا عن دليل، وهذا هو المعهود في الصحابة، وأما القائل بالمنع مطلقًا فاكتفى بالرواية إذ ما من شيء يهم من أمر الدين إلا نقل (^٢).\n_________\n(^١) شرح نظم الورقات للشيخ ابن عثيمين (١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) الأساس في أصول الفقه د/ محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤).","vol":"2","page":462},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-420> مسائل فقهية بنيت على أقوال الصحابة:</span>\n١ - مسألة القصر للمسافر:\nقال ابن رشد: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد «البريد: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال فيكون الأربعة برد ستة عشر فرسخًا = ٤٨ ميلًا، والميل البري = ١٦٠٩ مترًا، والميل البحري = ١٨٥٢ مترًا» (^١).\nوقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون: أقل ما تقصر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أفق إلى أفق.\nوقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبًا كان أو بعيدًا.\nوالسبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظ؛ وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك فيجب القصر حيث المشقة.\nأما الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة برد روي عن ابن عمر، وابن عباس، ومذهب الثلاثة\n_________\n(^١) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٧٨).","vol":"2","page":463},{"text":"أيام مروي أيضًا عن ابن مسعود وعثمان وغيرهما (^١).\nوانظر الآثار الواردة عن هؤلاء الصحابة في مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن ابن عباس، وابن عمر: كان يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد مما فوق ذلك (^٢).\n٢ - إذا طهرت الحائض بعد العصر أو قبل الغروب تصلي الظهر، والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر تصلي المغرب والعشاء.\nقال ابن قدامة في «المغنى»: وإذا تطهرت الحائض، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي قبل أن تغرب الشمس صلوا الظهر والعصر، وإن بلغ الصبي، وأسلم الكافر، وطهرت الحائض قبل أن يطلع الفجر صلوا المغرب والعشاء، وروي هذا القول في الحائض تطهر عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وطاووس، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول، إلا الحسن وحده قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي؛ لأن وقت الأولى خرج في حال عذرها.\n_________\n(^١) بداية المجتهد بتصرف (١/ ١٧٩).\n(^٢) السنن الكبرى (٣/ ١٣٧)، وقال الألباني: إسناده صحيح. إرواء الغليل (٣/ ١٤ - ١٩)، ففيه جملة من الآثار مع الحكم عليها، والسلسلة الصحيحة (١٦٣).","vol":"2","page":464},{"text":"ولنا: ما روى الأثرم وابن المنذر وغيرهما بإسنادهم عن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعًا (^١).\n٣ - سجود التلاوة:\nذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه سنة، والدليل ما رواه مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد، وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى، فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء. فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا.\nوكان هذا بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، ولم ينقل عن\n_________\n(^١) أثر عبد الرحمن بن عوف أخرجه البيهقي في الكبرى (١٨٨٩)، وأخرجه الدارمي عن عطاء وطاووس ومجاهد رقم (٨٩١) وإسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن عوف (٧٢٨٢) (٢/ ٣٢٦)، وعبد الرزاق (١٢٨٥) وابن أبي شيبة عن ابن عباس (٧٢٠٧) وعن ابن عباس أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٧١) برقم (٨٢٢)، وأثر الحسن أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٦)، وقال به ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٧٢).","vol":"2","page":465},{"text":"أحد منهم خلاف، فيكون إجماعًا (^١).\n٤ - بيع العينة: وهي أن يشتري ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، وتسمى بيع الآجال، واختلف فيها:\nأ- ذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد إلى عدم جواز العقد؛ لأسباب:\n١ - سدًّا لذريعة الربا.\n٢ - ما أخرجه عبد الرزاق من حديث عائشة ﵂، وقد سألتها أم ولد زيد بن أرقم قالت: يا أم المؤمنين، إني بعت زيد بن أرقم جاريةً إلى عطائه بثمانمائة درهم نسيئة، واشتريتها منه بستمائة نقدًا، فقالت لها: بئس ما اشتريت، وبئس ما اشترى، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب (^٢).\nقالوا: وهذا الوعيد لا يقال من قبل الرأي؛ فله حكم المرفوع (^٣).\nب- ذهب الشافعي ﵀ إلى الجواز، وحجته القياس.\n_________\n(^١) الموطأ (١٦/ ٤٨٥)، المغني لابن قدامة (٢/ ٣٦٤، ٣٦٥) ط. هجر.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (١٤٨١٢، ١٤٨١٣) وغيره وفيه من لا يعرف.\n(^٣) انظر تهذيب السنن لابن القيم عون المعبود (٩/ ٣٤٢) ط دار الفكر.","vol":"2","page":466},{"text":"قال: ولو اختلف بعض أصحاب النبي ﷺ في شيء، فقال بعضهم فيه شيئًا، وقال بعضهم بخلافه كان أصل ما نذهب إليه أنا نأخذ بقول الذي معه القياس، والذي معه القياس زيد بن أرقم، وجملة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة مع أن زيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا، ولا يبتاع مثله، فلو أن رجلًا باع شيئًا، أو ابتاعه نراه نحن محرمًا، وهو يراه حلالًا لم نزعم أن الله يحبط من عمله شيئًا (^١).\nواحتج بأن القياس صحة البيعة الأولى، وصحة البيعة الثانية كما لو باعها لغيره، أو باعها له بمثل الثمن أو أكثر.\n٥ - إرث المطلقة البائن إذا طلقت في مرض الموت.\nاختلف فيها على قولين:\nالأول: ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنها ترثه، وحجتهم في ذلك قضاء عثمان ﵁ بذلك؛ لما روى مالك، عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف: أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة، وهو مريض، فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها (^٢).\nقال ابن قدامة: واشتهر ذلك في الصحابة فكان إجماعًا، وامرأته هذه\n_________\n(^١) الأم (٤/ ١٦٠) دار الوفاء.\n(^٢) الموطأ (٤٤/ ١١٩١)، كتاب الطلاق، باب طلاق المريض.","vol":"2","page":467},{"text":"هي تماضر بنت الأصبغ الكلبية (^١).\nالثاني: ذهب الشافعي في الجديد من مذهبه إلى أنه لا إرث لها، وأن حكم الطلاق في حال الصحة والمرض سواء، واستدل بأمور منها:\n١ - أن الزوج لا يرث الزوجة في هذه الحالة، وكذلك لا ترثه هي، وأنه لا يملك رجعتها، وأنها لا تعتد بوفاته عدة وفاة أربعة أشهر وعشرًا، بل تعتد عدة مطلقة، وأنه ينكح أختها، وأربعًا سواها، فكل هذا يدل على أنها ليست بزوجة، وإن الله أقام التوارث بين الزوجين ما داما زوجين (^٢).\n_________\n(^١) المغني (٧/ ٢١٧) دار الفكر.\n(^٢) انظر: الأم (٦/ ٦٤٢ - ٦٤٤)، قول الصحابي وأثره في المسائل الفقهية (١٧، ١٨) أحمد الجميلي شبكة الألوكة.","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-421>الفصل الثامن:\nالمصالح المرسلة</span>","vol":"2","page":469},{"text":"<span data-type='title' id=toc-422>المصالح المرسلة أو الاستصلاح</span>\n*<span data-type='title' id=toc-423> تعريف المصلحة المرسلة:</span>\nالمصلحة لغة: المنفعة (^١).\nقال ابن منظور: والصلاح ضد الفساد، والإصلاح الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح.\nوالاستصلاح: نقيض الاستفساد، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه وأزال فساده (^٢)، صلح صلاحًا: زال عنه الفساد، صلح الشيء صلاحًا: كان نافعًا أو مناسبًا، واستصلح الشيء: طلب إصلاحه، والصلاح: الاستقامة والسلامة من العيب (^٣).\nوالاستصلاح: استفعال من صلح يصلح، وهو اتباع المصلحة المرسلة، فإن الشرع أو المجتهد يطلب صلاح المكلفين باتباع\n_________\n(^١) المعجم الوجيز (صلح).\n(^٢) لسان العرب (صلح).\n(^٣) المعجم الوجيز مجمع اللغة العربية (٣٦٨) (صلح).","vol":"2","page":471},{"text":"المصلحة المذكورة ومراعاتها.\nوالمصلحة: جلب نفع أو دفع ضر؛ لأن قوام الإنسان في دينه ودنياه، وفي معاشه ومعاده بحصول الخير، واندفاع الشر، وإن شئت قلت: بحصول الملائم، واندفاع المنافي.\nمثاله: أن الإنسان لما كان يؤذيه غلبة الحر والبرد، احتاج في الصيف إلى رقيق اللباس، والتعرض للهواء البارد بالجلوس في أماكنه، وتبريدها بالماء ونحو ذلك؛ ليحصل له الروح الموافق، ويندفع عنه الكرب المنافي، وفي الشتاء على العكس من ذلك (^١).\nوالمرسلة: من أرسل الشيء: أطلقه وأهمله.\nوحديث مرسل: إذا كان غير متصل الإسناد، وجمعه مراسيل.\nوالمرسلة: قلادة تقع على الصدر (^٢).\nوأرسل الشعر: أطلقه.\nوشِعرٌ مرسل: لا يتقيد بقافية واحدة (^٣).\nوالمرسلة: مأخوذة من الإرسال، وهو الخلو التام، وكذا الإطلاق\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٠٤، ٢٠٥).\n(^٢) لسان العرب مادة: رسل.\n(^٣) المعجم الوجيز مادة رسل.","vol":"2","page":472},{"text":"عن التقييد، ومن ذلك قولك: أرسلت الطائر من يدي، إذا أطلقته، وأرسلت الكلب إرسالًا: أطلقته من غير تقييد.\nوقال المطرزي: الأملاك المرسلة: هي المطلقة التي تثبت بدون أسبابها من الإرسال خلاف التقييد، ومنه الوصية بالمال المرسل يعني: المطلق من غير تقييد بصفة الثلث أو الربع (^١).\nفسميت مرسلة؛ لأنها لم تعتبر، ولم تلغ.\nوالمصالح المرسلة اصطلاحًا:\nقال الخوارزمي: والمراد بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق.\nوفسره الإمام الغزالي: بأن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب له عقلًا، ولا يوجد أصل متفق عليه، والتعليل المصور جارٍ فيه (^٢).\nوقيل هي: عبارة عن المصالح الملائمة لمقاصد الشارع، ولا يشهد لها أصل خاص بالاعتبار أو الإلغاء.\nوقيل هي: الوصف المناسب الملائم الذي يترتب على تشريع\n_________\n(^١) المغرب في ترتيب المعرب لبرهان الدين الخوارزمي (١/ ٣٢٩)، الأساس في أصول الفقه د. محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٧٦).","vol":"2","page":473},{"text":"الحكم معه تحصيل منفعة أو دفع مضرة، ولم يقم دليل معين على اعتبار تلك المصلحة أو اعتبار إلغائها (^١).\nوقيل: أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه (^٢).\nقاعدة: الدين مبني على جلب المصالح، ودرء المفاسد.\nفآيات القرآن تمدح الإصلاح، وتأمر به، وتذم الفساد، وتنهى عنه.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].\nوجعل الإصلاح من شروط التوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].\nوأمر بإصلاح الوصية الجائرة، ولا إثم على من غيرها ليصلح ما فيها من جور وإثم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢].\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٣٧٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٣٤٣).","vol":"2","page":474},{"text":"وأمر بالإصلاح لليتامى، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة: ٢٢٠].\nومن وظائف الرسل وأتباعهم إصلاح المجتمعات، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ [الأنعام: ٤٨].\nوقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨].\nوقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ [الأعراف: ٣٥].\nولما استخلف موسى ﵇ أخاه هارون ﵇ على بني إسرائيل، وذهب لميقات ربه أوصاه بالإصلاح، قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢].\nوالإصلاح أمان من العذاب، والإفساد في الأرض سبب الهلاك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود:","vol":"2","page":475},{"text":"١١٧].\nقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧] أي أهل القرى. ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: بشرك وكفر. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧] أي: فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي: لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط، ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب.\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ [يونس: ٨١].\nوقال صالح لقومه في التحذير من الفساد: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢].\nووصفهم الله تعالى بالفساد، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل: ٤٨].\nومدح تعالى من يريدون الإصلاح ويسعون لذلك، ووعدهم بالتوفيق، فقال في المطلقات: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا","vol":"2","page":476},{"text":"إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوفي الصلح بين الزوجين، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، إلى غير ذلك من الآيات.\nوفي مصالح الدنيا يأمر الله تعالى بالإصلاح وينهى عن الفساد كما رأيت في الآيات السابقة، ومن ذلك أيضًا قوله ﷺ في حديث تأبير النخل: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه» (^١).\nفهذه قاعدة جليلة، تنبني عليها أحكام كثيرة.\nقال الشيخ الشنقيطي ﵀: وهنالك أصول أربعة أخرى محل اجتهاد الأصوليين، وهي مما تمس الحاجة إليها وهي:\n١ - شرع من قبلنا.\n٢ - قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة.\n٣ - استصحاب الأصل، أو البراءة الأصلية.\n٤ - المصالح المرسلة، أو الاستصلاح، وهي في الحقيقة أخطر هذه الأصول من حيث دقة البحث، وسعة الجوانب، وشدة الحاجة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٦١) من حديث طلحة بن عبيد الله.","vol":"2","page":477},{"text":"المتجددة.\nومكمن الخطر في ادعاء المصلحة؛ لأنه ادعاء عام، وكلٌّ يدعيه لبحثه فيما يذهب إليه، ولن يذهب مجتهد فقط إلى حكم في مسألة لا نص فيها إلا وادعى أنه ذهب لتحقيق المصلحة، ولكن أي المصالح يعنون، إن المصلحة الإنسانية الخاصة أمر نسبي، وكل يدعيها فيما يذهب إليه، ومن هنا كان الخطر.\nولكن حقيقة المصلحة: هي المصلحة الشرعية التي تتمشى مع منهج الشرع في عمومه وإطلاقه، لا خاصة ولا نسبية، فهي التي يشهد لها الشرع الذي جاء لتحقيق مصالح جميع العباد، ومراعاة جميع الوجوه؛ لأن الشرع لا يقر مصلحة تتضمن مفسدة مساوية لها، أو راجحة عليها ظهر أمرها أو خفي على باحثها؛ لأن الشارع حكيم عليم.\nكما أن المصلحة الشرعية تراعي أمر الدنيا والآخرة معًا، فلا تعتبر مصلحة دنيوية إذا كانت تستوجب عقوبة أخروية.\nوفي هذا يكمن الفرق الأساسي بين المصلحة عند القانونيين الذين يقولون: حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. وبين الأصوليين الشرعيين الذين يصدق على منهجهم أنه حيثما وجد الشرع فثم مصلحة العباد.","vol":"2","page":478},{"text":"فإذا لم يوجد نص للشرع اجتهد العالم في النازلة ليرى هل هي محققة لمصلحة مما جاء الشرع لتحقيقها في العقيدة، أو النفس، أو المال، أو العرض، أو النسب، وأنها خالية من مفسدة تضر ببعض هذه الضرورات أم لا (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-424> أسماء المصلحة:</span>\nقال العز بن عبد السلام: ويعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد (^٢).\nقال الشاطبي: والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، ودرء المفاسد عنهم.\nوقال العز بن عبد السلام: الشريعة كلها مصالح إما درء مفاسد، أو جلب مصالح (^٣).\nوقال ابن القيم: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح\n_________\n(^١) مقدمة رسالة المصالح المرسلة للشنقيطي (١١ - ١٣).\n(^٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (١/ ٨) دار البيان العربي.\n(^٣) قواعد الأحكام (١/ ١١) دار البيان العربي.","vol":"2","page":479},{"text":"العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه (^١).\nقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nقال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم (^٢). أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (^٣).\nتنبيه: قسم العز بن عبد السلام أكساب العباد إلى ضربين: أحدهما: ما هو سببٌ للمصالح، وهو أنواع:\nأحدها: ما هو سبب لمصالح دنيوية.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ٣٣٧) دار ابن الجوزي.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه الطبري (٥/ ١٥).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٢/ ١٥٩، ١٦٠).","vol":"2","page":480},{"text":"الثاني: ما هو سبب لمصالح أخروية.\nالثالث: ما هو سبب لمصالح دنيوية وأخروية.\nقال: وكل هذه الأكساب مأمور بها، ويتأكد الأمر بها على قدر مراتبها في الحسن والرشاد.\nالضرب الثاني: من الأكساب ما هو سبب للمفاسد، وهو أنواع:\nأحدها: ما هو سبب لمفاسد دنيوية.\nالثاني: ما هو سبب لمفاسد أخروية.\nالثالث: ما هو سبب لمفاسد دنيوية وأخروية.\nوكل هذه الأكساب منهي عنها، ويتأكد النهي عنها على قدر مراتبها في القبح والفساد (^١).\nوقال ﵀: وأما مصالح الآخرة ومفاسدها فلا تعرف إلا بالنقل (^٢).\nوقال في موضع آخر: أما مصالح الآخرة وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع، وهي\n_________\n(^١) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ١٥) دار القلم.\n(^٢) السابق (١/ ١١).","vol":"2","page":481},{"text":"الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس المعتبر، والاستدلال الصحيح.\nوأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها، فمعروفة بالضرورات، والتجارب، والعادات، والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته (^١).\nقلت: الضرورات: الأشياء التي تدرك بالحس مثل: لذة الحلو.\nوالتجارب: مثل الزراعة والصناعة.\nوالظنون المعتبرة: مثل ظن التاجر الربح.\nوقوله: فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته. قد يدل الشرع عليها مثل الأحاديث الواردة في الطب، والسفر رحمة بمن ليس له تجربة، وتأكيدًا لمن له تجربة، وحتى يثاب بموافقة الشرع.\nفالمعيار الصحيح للمصلحة المعتبرة هو قصد الشرع، وأدلته دون الأهواء، وشهوات الناس، فالعقل وحده لا يستقل بدرك المصالح والمفاسد.\nوأما قول الإمام العز بن عبد السلام: ومن أراد معرفة المناسبات، والمصالح، والمفاسد راجحها ومرجوها؛ فليعرض ذلك على عقله\n_________\n(^١) السابق (١/ ١٣).","vol":"2","page":482},{"text":"بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام (^١).\nفمعناه المصالح الدنيوية التي لم يهدرها الشرع، أما مصالح الآخرة فلا تدرك إلا بالنقل كما قيل قبل ذلك (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-425> فصل: تقسيم المصالح بالنسبة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار.</span>\nالقسم الأول: ما شهد الشرع باعتباره:\nوهو القياس الذي تقدم، وهي المصالح التي اعتبرها الشارع مصالح لدخولها في فلك النصوص، ومقاصد الشريعة، وهي بهذه حجة على كل مسلم لا يجوز إهمالها ولا استبدالها، ويعرف هذا الاعتبار بأحد مسالك العلة السابقة كالنص، والإيماء، والإجماع … إلخ.\nمثال ذلك: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فهذا نص في اعتبار الذكورة والأنوثة في الميراث (^٣).\nومثل: اعتبار الإسكار بالنسبة إلى تحريم الخمر، والصغر بالنسبة\n_________\n(^١) السابق.\n(^٢) الأساس في أصول الفقه د/ محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٧٢).\n(^٣) التأسيس في أصول الفقه (٣٦٥).","vol":"2","page":483},{"text":"إلى الولاية على المال (^١).\nوربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها، أو تباح لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكونها المقصودة من شرعها لأدائها إلى المصالح المقصودة من شرعيتها كقطع السراق، وقطع الطريق، وقتل الجناة، ورجم الزناة، وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب (^٢).\nفهذه المصالح اعتبرها الشارع، وإن كان في ظاهرها مفاسد لكونها تؤدي إلى مصالح أكبر منها.\nالقسم الثاني: ما شهد الشرع بعدم اعتباره:\nنحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر خمرًا؛ إذ في زراعته من المنافع الكثيرة التي تربو على تلك المفسدة.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ١٩) دار القلم.","vol":"2","page":484},{"text":"ونحو: المنع من الشركة في سكنى الدور بين الرجال والنساء خشية الزنا، فهذه مصلحة ملغاة لما فيها من المفاسد ما يربو على تلك المصلحة، وقد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على جواز مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد، ولم ينقل عن أحد أنه قال يجب عزل النساء والرجال؛ لأن مصلحة تعاون الذكور والإناث على الدين والدنيا في البلد الواحد، بأن يكون الرجل ونساؤه في دارهم يتعاونون بأن يقدم كل بما يليق به من الخدمة أرجح من مصلحة قطع الذريعة إلى الزنا باجتماع الجنسين في البلد الواحد.\nومثال استلزام المصلحة مفسدة راجحة أو مساوية: كما لو طلب المسلمون فداء أسراهم من الكفار، فامتنع الكفار أن يقبلوا الفداء إلا بسلاح يعلم به أن ذلك السلاح ييسر لهم قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين.\nومثال ما شهد الشرع ببطلانه أيضًا: قول من يقول: أن الموسر كالملك ونحوه يتعين عليه الصوم في كفارة الوطء في رمضان، ولا يخير بينه وبين العتق والإطعام؛ لأن فائدة الكفارة الزجر عن الجناية على العبادة، ومثل هذا لا يزجره العتق والإطعام لكثرة ماله، فيسهل عليه أن يعتق رقابًا في قضاء شهوته، وقد لا يسهل عليه صوم ساعة، فيكون الصوم أزجر له، فيتعين.","vol":"2","page":485},{"text":"فهذا وأمثاله ملغى غير معتبر؛ لأنه تغيير للشرع بالرأي وهو غير جائز، ولو أراد الشرع ذلك، لبينه أو نبه عليه في حديث الأعرابي أو غيره؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإيهام التسوية بين الأشخاص في الأحكام مع افتراقهم فيها لا يجوز (^١).\nوالله تعالى قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣].\nوالشرع لا يلغي اعتبار مصلحة، ويحكم بإهدارها إلا لتحصيل مصلحة أخرى أهم في نظر الشرع منها؛ لأن عتق الرقبة وإخراجها من الرق أهم في نظر الشرع من التضييق على الملك أو الغني بالصوم لينزجر بالتكفير بذلك (^٢).\nالقسم الثالث: ما لم يشهد الشرع باعتباره ولا إلغائه:\nوهي المصلحة المرسلة، وإنما قيل لها مصلحة؛ لأن المفروض تضمن الوصف المذكور لإحدى المصالح الثلاث: إما درء المفاسد وهو المعروف بالضروريات، وإما جلب المصالح وهو المعروف بالحاجيات، وإما الجري على مكارم الأخلاق وأحسن العادات وهو المعروف بالتحسينات أو التتميمات.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٠٥، ٢٠٦).\n(^٢) المصالح المرسلة للشنقيطي (١٩).","vol":"2","page":486},{"text":"وقيل لها: مرسلة. لإرسالها أي إطلاقها عن دليل خاص يقيد ذلك الوصف بالاعتبار أو بالإهدار (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-426> أسماؤها:</span>\n١ - المصالح المرسلة.\n٢ - الاستدلال المرسل.\n٣ - أطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها اسم: الاستدلال.\n٤ - الاستصلاح: أي طلب المصلحة.\n٥ - المناسب المرسل، أو المرسل الملائم، أو المناسب الملائم (^٢).\nوهذا القسم على ثلاثة أضرب:\nالأول: التحسيني الواقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج في العبادات والمعاملات، وحسن الأدب في السيرة بين الناس، كصيانة المرأة عن مباشرة عقد نكاحها بإقامة الولي مباشرًا لذلك؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها، لكان ذلك منها مشعرًا بما لا يليق\n_________\n(^١) المصالح المرسلة لشنقيطي (١٥ - ٢٠).\n(^٢) المصالح المرسلة (٢٠)، الأساس في أصول الفقه (٢/ ٣٧٦)، حجية المصلحة المرسلة مجلة الجامعة الإسلامية ملحق العدد (١٨٣).","vol":"2","page":487},{"text":"بالمروءة من غلبة القحة، وقلة الحياء، وتوقان نفسها إلى الرجال، فمنعت من ذلك حملًا للخلق على أحسن المناهج وأجمل السير (^١).\nقال الشاطبي: وأما التحسينات، فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق.\nوهي جارية في العبادات، وفي العادات، وفي المعاملات، وفي الجنايات، ففي العبادات كإزالة النجاسة وستر العورة، وأخذ الزينة، والتقرب بنوافل الخيرات من الصدقات، والقربات، وفي العادات، كآداب الأكل والشرب، ومجانبة المآكل النجسات، والمشارب المستخبثات، والإسراف، والإقتار في المتناولات، وفي المعاملات، كالمنع من بيع النجاسات، وفضل الماء والكلأ، وسلب العبد منصب الشهادة والإمامة، وسلب المرأة منصب الإمامة، وإنكاح نفسها، وفي الجنايات، كمنع قتل الحر بالعبد، أو قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد (^٢).\nالضرب الثاني: الحاجي أي الواقع في رتبة الحاجة، أي تدعو إليه\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٠٦).\n(^٢) الموافقات (٢/ ٩).","vol":"2","page":488},{"text":"الحاجة، كتسليط الولي على تزويج الصغيرة؛ لحاجة تقييد الكفء خشية أن يفوت، فإن ذلك مما يحتاج إليه، ويحصل بحصوله نفع، ويلحق بفواته ضرر، وإن لم يكن ضروريًّا قاطعًا (^١).\nوقال الشاطبي: وأما الحاجيات، فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة.\nقال: وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات: ففي العبادات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض، والسفر، وفي العادات كإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات مما هو حلال، مأكلًا، ومشربًا، وملبسًا، ومسكنًا، ومركبًا، وما أشبه ذلك، وفي المعاملات كالقراض، والمساقاة، والسلم، وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات، كثمرة الشجر، ومال العبد، وفي الجنايات كالحكم باللوث، والتدمية، والقسامة، وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٠٧).\n(^٢) الموافقات للشاطبي (٢/ ٨، ٩).","vol":"2","page":489},{"text":"قال الطوفي تبعًا للغزالي: ولا يصح التمسك بهذين الضربين المذكورين من المصلحة -وهما التحسيني والحاجي- من غير أصل يشهد لهما بالاعتبار (^١).\nقال الغزالي: لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل؛ لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس وسيأتي (^٢).\nالضرب الثالث: الضروري، أي الواقع في رتبة الضروريات، وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.\nوهذه الضروريات هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض والنسب، والمال. والحفظ لها يكون بأمرين:\nأحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.\nوالثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع، أو المتوقع فيها، وذلك عبارة\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٠٧).\n(^٢) المستصفى للغزالي (١/ ٥٥٦).","vol":"2","page":490},{"text":"عن مراعاتها من جانب العدم.\nفحفظ الدين من جانب الوجود: بالأمر بالإيمان، والنطق بالشهادتين، وأركان الإسلام، ومن جانب العدم: شرع الجهاد، عقوبة المرتد، والداعي إلى البدعة، وغير ذلك.\nوحفظ النفس من جانب الوجود: إباحة الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الإنسان، ومن جانب العدم: تحريم قتل النفس، شرع القصاص، الدية، وغير ذلك.\nوحفظ العقل من جانب الوجود: أباح الطعام والشراب، والتداوي، وغيرها، ومن جانب العدم: حرم المسكرات، وشرع حد شارب الخمر؛ لأنها تزيل العقل، وبقاء العقل مقصود للشرع؛ لأنه آلة الفهم، وحامل الأمانة، ومحل الخطاب، والتكليف.\nوحفظ العرض والنسل من جانب الوجود: أباح النكاح، وشرع للرضاع أحكام، والحضانة، والنفقات، وغير ذلك، ومن جانب العدم: حرم الزنا، وشرع الحد فيه، وحرم القذف؛ لأن في الاعتداء على العرض اختلاط الأنساب، وتلطيخ الفراش، وانقطاع التعهد عن الأولاد.\nوحفظ المال من جانب الوجود: أباح المعاملات المالية كالبيع، والسلم، والقراض، والتجارة، وسائر الصنائع، ومن جانب العدم: حرم","vol":"2","page":491},{"text":"السرقة، وعاقب عليها، وحرم الربا، والغرر، والغش، والاختلاس، وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك.\nواعتبار المصالح المرسلة قصرها الغزالي في «المستصفى»، والطوفي في «شرح مختصر الروضة» على الضروريات، لكن الغزالي في شفاء الغليل عمم القول بها في الضروريات، والحاجيات، فقال بعد ذكر الضروريات والحاجيات: ثم للشرع في هذا الجنس نوع تصرف، فلا ينبغي أن نغفل عنه، وهو إدارة الحكم على أمارة المصلحة من غير تتبع وجه المصلحة، وإنما الغرض التنبيه على مراتب المناسب، وأن حاصل جملتها يرجع إلى رعاية المقاصد، وأن المقصود قد يقع في محل الحاجة، وقد يقع في محل الضرورة، وقد يعلم كونها مقصودًا من جهة الشرع على القطع، وقد يظن ذلك (^١).\nوقال في موضع آخر: أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات، أو الحاجات -كما فصلناها-، فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائمًا لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريبًا لا يلائم القواعد (^٢).\n_________\n(^١) شفاء الغليل للغزالي (١٦٨).\n(^٢) شفاء الغليل للغزالي (٢٠٩).","vol":"2","page":492},{"text":"وهذا هو الأولى؛ لأن الحاجة إذا كانت عامة تنزل منزلة الضرورة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-427> أقوال العلماء في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة:</span>\nالقول الأول: جواز التمسك بالمصالح مطلقًا.\nوهو مذهب مالك وبعض الشافعية ورجحه الطوفي (^١).\nوقال القرافي: لنا أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملًا بالاستقراء، فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع.\nوقال: قد تقدم أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق؛ لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك (^٢).\nقال: وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى ب «الغياثي» أمورًا وجوزها وأفتى بها، والمالكية بعيدون عنها، وجسر عليها، وقالها للمصلحة المطلقة، وكذلك الغزالي في «شفاء الغليل» مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢١٠، ٢١١)، شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٥٠).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٥١).","vol":"2","page":493},{"text":"قال الزركشي: قال البغدادي في «جنة الناظر»: لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في المصالح، فإن مالكًا يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياتها وكلياتها، وألَّا مصلحة إلا وهي معتبرة في جنسها، لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة.\nقال: وما حكاه أصحاب الشافعي عنه لا يعدو هذه المقالة؛ إذ لا أخص منها إلا الأخذ بالمصلحة المعتبرة بأصل معين، وذلك مغاير للاسترسال الذي اعتقدوه مذهبًا، فبان أن من أخذ بالمصلحة غير المعتبرة، فقد أخذ بالمرسلة التي قال بها مالك، إذ لا واسطة بين المذهبين (^١).\nواستدل القائلون بهذا القول بأدلة منها:\n١ - ما جاء في رواية الصحيحين: وانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر (^٢).\nقال ابن حجر: المراد بقوله: حتى أسقطوا لها به. يقال: أسقط\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٥٧)، ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة.","vol":"2","page":494},{"text":"الرجل في القول إذا أتى بكلام ساقط. والمراد: حتى صرحوا لها بالأمر، فلهذا تعجبت.\nقال الشنقيطي: وبريرة مسلمة، وانتهارها من غير ذنب أذى لها بلا موجب، وأذى المسلم حرام، وكان مستند من انتهرها هو مطلق المصلحة المرسلة، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، فهو تقرير منه للعمل بالمصلحة المرسلة في الجملة (^١).\n٢ - أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يعملون بها من غير أن يخالف منهم أحد، فقد عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو نقط المصحف وشكله وكتابته؛ لأجل حفظه في الأولين من التصحيف، وفي الثالث من الذهاب والنسيان، ولم يتقدم في هذه الأمور أمر ولا نظير.\n٣ - حرق عثمان ﵁ للمصاحف، وجمع الناس على مصحف واحد خوف الاختلاف، وكان ذلك بمحضر من الصحابة كما صرح بذلك علي بن أبي طالب، حيث قال: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف،\n_________\n(^١) المصالح المرسلة (٢٢) بتصرف.","vol":"2","page":495},{"text":"وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا (^١).\n٤ - تولية أبي بكر لعمر؛ لأنه لا مستند له فيها إلا المصلحة المرسلة على التحقيق، وقول بعضهم إنه من القياس خلاف الظاهر، يعنون قياس العهد على العقد.\n٥ - ترك عمر الخلافة شورى بين ستة؛ لأن النبي ﷺ توفي وهو عنهم راض (^٢).\n٦ - تدوين الدواوين، وعمل السكة للمسلمين، واتخاذ السجن لمعاقبة أهل الجرائم، فعل ذلك عمر ﵁.\n٧ - هدم عثمان الدور المجاورة للمسجد عند ضيق المسجد لأجل مصلحة توسعته، وزاد الأذان الأول للجمعة عند الزوراء لكثرة الناس، ثم نقله هشام إلى المسجد، وكل ذلك لمطلق المصلحة (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (٩/ ٢٣) دار الحديث حديث (٤٩٨٧) باب جمع القرآن، كنز العمال للمتقي الهندي (٤٧٧٧)، المصاحف لابن أبي داود (٢٢، ٢٣)، تفسير القرطبي (١/ ٦٣) دار الحديث.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٩٢)، ومسلم (٥٦٧).\n(^٣) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٥١)، مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢١٣)، المصالح المرسلة للشنقيطي (٢٢، ٢٣).","vol":"2","page":496},{"text":"القول الثاني: منع التمسك بها مطلقًا.\nقال الزركشي: وهو قول الأكثرين منهم القاضي وأتباعه، وحكاه ابن برهان عن الشافعي، قال الإمام: وبه قال طوائف من متكلمي الأصحاب (^١).\nوقال الآمدي: وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو الحق (^٢).\nوقال ابن قدامة: والصحيح أن ذلك ليس بحجة (^٣).\nوهذا مذهب الظاهرية الذين التزموا بالنصوص، وقد اعتبروا أن المصالح هي ما وردت بظاهر النصوص، فأخذوها عن طريقه، ورفضوها إذا لم يدل النص عليها دلالة ظاهرة، فكان ذلك رفضًا للمصالح المرسلة (^٤).\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٧٦).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٤/ ١٦٠).\n(^٣) روضة الناظر للطوفي (١٦٧).\n(^٤) الأساس في أصول الفقه. د/ محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٨١).","vol":"2","page":497},{"text":"القول الثالث: إذا كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع، أو لأصل جزئي، جاز بناء الأحكام عليها، وإلا فلا.\nونسبه ابن برهان في «الوجيز» إلى الشافعي، وقال: إنه الحق المختار.\nوقال إمام الحرمين: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى اعتماد تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة، بشرط ملاءمته للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول، لكن إذا قيدناه بهذا انسلخت المسألة من المصالح المرسلة، فإنه إذا شرط التقريب من الأصول الممهدة، وفسره بالملاءمة كان من باب القياس في الأسباب فيكون من قسم المعتبر، وبه يخرج عن الإرسال، ويعود النزاع لفظيًّا (^١).\nالقول الرابع: إذا كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة:\nفإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر، وهذا اختيار الغزالي والبيضاوي.\nوالمراد بالضرورية: ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها، والكلية: أن تعم جميع المسلمين، لا لو كانت\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ٧٧، ٧٨).","vol":"2","page":498},{"text":"لبعض الناس دون البعض، أو في حالة مخصوصة (^١).\nقال الغزالي ﵀: الواقع في الرتبتين الأخيرتين -الحاجيات والتحسينات- لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل، إلا أنه يجري مجرى الشرع بالرأي، فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس، أما الواقع في رتبة الضرورات، فلا بُعْد في أن يؤدي إليه اجتهاد، وإن لم يشهد له أصل معين.\nومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا، وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضًا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، فكان هذا التفاتًا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ٧٨، ٧٩).","vol":"2","page":499},{"text":"من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية (^١).\nلكن ذهب الغزالي في (شفاء الغليل) إلى اعتبار الحاجيات أيضًا، فقال: أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات، أو الحاجات -كما فصلناها-، فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائمًا لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريبًا لا يلائم القواعد (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-428> سبب الخلاف في العمل بالمصلحة المرسلة:</span>\nويرجع سبب الخلاف في العمل بالمصلحة المرسلة إلى اختلافهم في معنى الإرسال، فإنه قد يراد به معنيان:\nالأول: قد يراد به أنه يوكل أمر تقدير المصلحة إلى العقول البشرية دون التقيد باعتبار الشارع، أو عدم اعتباره لها.\nالثاني: قد يراد به ألا يتقيد المجتهد في حكمه على ما يستجد من الأحداث المختلفة بالقياس على أصل منصوص عليه، وأن يتقيد\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (١/ ٥٥٦، ٥٥٧).\n(^٢) شفاء الغليل للغزالي (٢٠٩).","vol":"2","page":500},{"text":"بالمصالح والأهداف التي رمى إليها الشارع، ولو أن العلماء اتفقوا على أحد هذين المعنيين للإرسال ما اختلفوا في حكم العمل بالمصلحة المرسلة.\nفإن من أنكر العمل بها لاحظ المعنى الأول، ولهذا يقول الشافعي ﵀ حينما ينكر العمل بها: القول بالاستحسان قول بأن الله تعالى ترك بعض مصالح خلقه، فلم يشرع من الأحكام ما يحققه لهم، أو يحفظه عليهم، وهو مناقض لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦].\nويقول الغزالي: كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فُهِم من الكتاب، والسنة، والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع.\nومن جوز العمل بها لاحظ المعنى الثاني؛ ولهذا يقول الغزالي: وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع؛ فليس خارجًا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسًا، بل مصلحة مرسلة؛ إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فتسمى لذلك مصلحة","vol":"2","page":501},{"text":"مرسلة.\nوإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافًا، فذلك عند تعارض مصلحتين، ومقصودين، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى، ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحًا لكلمة الردة، وشرب الخمر، وأكل مال الغير، وترك الصوم، والصلاة؛ لأن الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور، ولا يباح به الزنا، والقتل؛ لأنه مثل محذور الإكراه.\nوأبحنا أكل مال الغير بالإكراه -عند الضرورة- لعلمنا أن المال حقير في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدم (^١).\nلذلك يقول الطوفي: اعلم أن هؤلاء الذين قسموا المصلحة إلى معتبرة، وملغاة، ومرسلة ضرورية، وغير ضرورية تعسفوا وتكلفوا، والطريق إلى معرفة حكم المصالح أعم من هذا وأقرب، وذلك بأن نقول: قد ثبت مراعاة الشرع للمصلحة والمفسدة بالجملة إجماعًا، وحينئذ نقول: الفعل إن تضمن مصلحة مجردة حصلناها، وإن تضمن مفسدة مجردة نفيناها، وإن تضمن مصلحة من وجه، ومفسدة من وجه،\n_________\n(^١) المستصفى (١/ ٥٦٦ - ٥٦٨)، مجموع الفتاوى (١١/ ٣٤٣ - ٣٤٥)، الأساس في أصول الفقه (٢/ ٣٨٤، ٣٨٥).","vol":"2","page":502},{"text":"فإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة ودفع المفسدة؛ توقفنا على المرجح، أو خيرنا بينهما، وإن لم يستو ذلك، بل ترجح أحد الأمرين تحصيل المصلحة، أو دفع المفسدة، فعلناه؛ لأن العمل بالراجح متعين شرعًا (^١).\nكما في قصة موسى والخضر، لما خرق الخضر السفينة، وأنكر موسى عليه بين له أن مفسدة خرق السفينة صغيرة بجوار مصلحة حفظ السفينة بأكملها من غصب الملك الظالم.\nقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩]، أي كل سفينة صالحة، فلما رآها مخرقة تركها لهم ثم قاموا بإصلاحها.\nوزاد الشنقيطي ﵀ ذلك المعنى بيانًا فقال: فالحاصل أن الصحابة ﵃ كانوا يتعلقون بالمصالح المرسلة التي لم يدل دليل على إلغائها، ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية، وأن جميع المذاهب يتعلق أهلها بالمصالح المرسلة، وإن زعموا التباعد منها، ومن تتبع وقائع الصحابة، وفروع المذاهب علم صحة ذلك، ولكن التحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ، وغاية\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢١٤).","vol":"2","page":503},{"text":"الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة، وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها، أو مفسدة أرجح منها، أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال.\nمثال ما عارض مصلحة أرجح منها: منع زراعة العنب لتحقيق مصلحة السلامة من عصر الخمر من العنب تعارض مصلحة أرجح منها، وهي انتفاع الناس بالعنب، والزبيب.\nومثال ما عارض مفسدة أرجح منها: ما اذا طلب المسلمون فداء أساراهم من الكفار، فامتنع الكفار أن يقبلوا الفداء إلا بسلاح يعلم به أن ذلك السلاح ييسر لهم قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين، فإن كان أكثر فهي مفسدة راجحة، وإن كان مساويًا فهي مفسدة مساوية.\nومثال ما أدى إلى مفسدة في ثاني الحال: ما صنعه قوم نوح ﵇ في بادئ الأمر اتخذوا الصور والتماثيل لرجال صالحين يغوث ويعوق، ونسر، وود، وسواع لظنهم في ذلك مصلحة، وهي تذكيرهم بالطاعة والعبادة، لكنها مستلزمة لمفسدة في المآل، وهي أعظم المفاسد؛ إذ كان ذلك وسيلة إلى الكفر البواح والشرك بالله (^١).\nوهذه الضوابط تنطبق على المصالح سواء الضرورية، أو الحاجية،\n_________\n(^١) المصالح المرسلة للشنقيطي (٣٦ - ٣٩) بتصرف.","vol":"2","page":504},{"text":"أو التحسينية.\nتنبيه: المصالح المرسلة ليست أصلًا مستقلًّا من مصادر التشريع؛ لأن مرد المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nلذلك فلا بد من ضبط المصلحة المرسلة بضوابط، وهي مع ما سبق:\n١ - أن لا تعارض نصًّا خاصًّا قطعيًّا.\n٢ - أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع، وليس ذلك قاصرًا على الضروريات، بل تشمل الحاجيات، والتحسينات أيضًا (^١).\n٣ - أن لا تدخل مجال العبادات، وما جرى مجراها من الأمور الشرعية.\nفالمصلحة المرسلة تكون في باب المعاملات، والعادات، وما كان من باب الوسائل لتيسير العبادات.\n٤ - أن تكون المصلحة محققة، أو يغلب على الظن تحققها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٤٤)، نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي (٩/ ٤٠٨٨).","vol":"2","page":505},{"text":"أما الموهومة، أو المظنونة ظنًّا ضعيفًا؛ فلا يجوز العمل بها.\nمثل: سلب الرجل الحق في الطلاق، وجعله بيد القاضي؛ لأن المنفعة في ذلك لا تساوي المنفعة التي تتحقق بتثبيت الطلاق بيد الرجل.\nوقيل: لا يشترط فيها أن تكون عامة كما اشترطها الإمام الغزالي وغيره؛ لأن هناك كثيرًا من المصالح الخاصة التي تراعيها الشريعة، مثل: حفظ المال من السرف بالحجر على السفيه، فذلك نفع لصاحب المال ليجده عند رشده، أو يجده وارثه.\nوكذلك مصلحة المرأة التي فقد زوجها، فقد أفتى عمر ﵁ أنها تنكح إن طالت بها المدة.\nوقد يقال إنها أيضًا عامة هنا لمصلحة هذا الجنس من السفهاء، أو جنس النساء. والله أعلم.\n٥ - في المجتهد الذي يتبين المصلحة، أو يبني عليها الحكم؛ يجب أن يتصف بصفات المجتهد المعروفة من العلم بعلوم الشريعة، والتقوى، والورع، والبعد عن الهوى، ومسايرة الأهواء المشبوهة (^١).\n_________\n(^١) المصلحة المرسلة وتطبيقاتها المعاصرة (١٠٣ - ١٠٩)، عبد الحميد علي حمد محمود، جامعة النجاح الوطنية، نابلس- فلسطين (٢٠٠٩) بتصرف.","vol":"2","page":506},{"text":"٦ - ألا تؤدي إلى تفويت مصلحة أرجح منها، أو إلى ارتكاب مفسدة مساوية أو راجحة؛ لذلك امتنع النبي ﷺ من تغيير بناء الكعبة خوفًا من مفسدة ارتداد قريش عن الإسلام، ولا شك أن الحفاظ على إيمانهم وإسلامهم أرجح بكثير من تغيير بناء الكعبة.\nفعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهدٍ بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض وجعلت له بابين، بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، فبلغت به أساس إبراهيم» (^١).\nوفي رواية: «ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض» (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-429> نماذج تطبيقية معاصرة للمصلحة المرسلة:</span>\n١ - في مجال السياسة الشرعية، وتشريع الأحكام والقوانين، ومن ذلك:\nأ- مبدأ فصل السلطات.\nب- استحداث مؤسسة للقضاء، وتقسيم المحاكم حسب نوعية القضايا، فهناك محكمة الجنايات، والمحكمة التجارية، والابتدائية،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٨٦)، ومسلم (١٣٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٨٤)، ومسلم (١٣٣٣).","vol":"2","page":507},{"text":"والاستئناف.\nج- تشريع القوانين التي تنظم حياة الناس، مثل:\n- قانون المرور والسير لضبط حركة المرور، وتقليل المخالفات التي تؤدي إلى إزهاق أرواح الناس.\n- قانون حماية البيئة للحد من التلوث المضر بالناس.\n- قوانين حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراعات.\n٢ - في مجال الاقتصاد:\nمثل: إنشاء البنوك الإسلامية في العصر الحاضر، وإنشاء هيئة رقابية للبنك تراقب عمله، وتضبطه بضوابط الشرع (^١).\n_________\n(^١) المصلحة المرسلة ضوابطها وبعض تطبيقاتها المعاصرة، د/ محمد زركطود (٧٠ - ٨٢) بتصرف كبير.","vol":"2","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-430>الفصل التاسع:\nسد الذرائع</span>","vol":"2","page":509},{"text":"سد الذرائع\nمعناها لغة: قال ابن منظور: الذريعة: الوسيلة. وقد تذرع فلان بذريعة أي توسل، والجمع ذرائع. والذريعة، مثل الدريئة: جملٌ يختل به الصيد يمشي الصياد إلى جنبه، فيستتر به، ويرمي الصيد إذا أمكنه، وذلك الجمل يسيب أولًا مع الوحش حتى تألفه.\nوالذريعة: السبب إلى الشيء وأصله من ذلك الجمل. يقال: فلان ذريعتي إليك أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك.\nقال ابن الأعرابي: سمي هذا البعير الدريئة والذريعة، ثم جعلت الذريعة مثلًا لكل شيء أدنى من شيء، وقرب منه، وأنشد:\nوللمنية أسباب تقربها … كما تقرب للوحشية الذرع (^١)\nواصطلاحًا: هو ما ظاهره مباح، ويتوصل به إلى محرم.\nوبيانه: أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا مخادعةً، وتوسلًا إلى\n_________\n(^١) لسان العرب (٣/ ١٤٩٨) (ذرع) دار المعارف.","vol":"2","page":511},{"text":"فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك.\nوذكر ابن قدامة صورة من التحايل على بيع العينة، ثم قال: وهكذا لو أقرضه شيئًا، أو باعه سلعة بأكثر من قيمتها، أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها توصلًا إلى أخذ عوض عن القرض، فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم، وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك كله وأشباهه جائز إذا لم يكن مشروطًا في العقد، وقال أصحاب الشافعي: يكره أن يدخلا في البيع على ذلك؛ لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه (^١).\nوقال القرافي: الذريعة: الوسيلة إلى الشيء. ومعنى ذلك: حسم مادة وسائل الفساد دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلةً إلى المفسدة منعنا من ذلك الفعل، وهو مذهب مالك ﵀ (^٢)، وهو أيضًا مذهب أحمد ﵀.\nقال الطوفي: ومن مذهبنا أيضًا سد الذرائع، وهو قول أصحابنا بإبطال الحيل، ولذلك أنكر المتأخرون منهم على أبي الخطاب، ومن\n_________\n(^١) المغني لابن قدامة (٦/ ١١٦، ١١٧).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول (٣٥٢، ٣٥٣).","vol":"2","page":512},{"text":"تابعه عقد باب في كتاب الطلاق يتضمن الحيلة على تخليص الحالف من يمينه في بعض الصور، وجعلوه من باب الحيل الباطلة، وهي التوصل إلى المحرم بسبب مباح، وقد صنف شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀ كتابًا بناه على بطلان نكاح المحلل، وأدرج جميع قواعد الحيل، وبين بطلانها بأدلته على وجه لا مزيد عليه (^١).\nقال الزركشي: قال الباجي: ذهب مالك إلى المنع من الذرائع، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز منعها.\nوقال القرطبي: وسد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا (^٢).\nوقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]، التمسك بسد الذرائع وحمايتها، وهو مذهب مالك، وأصحابه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة (^٣).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢١٤).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٨٢).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢/ ٥٧).","vol":"2","page":513},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-431> الأدلة على قاعدة سد الذرائع:</span>\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤].\nقال القرطبي: ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك، وهي سبٌّ بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ؛ لأنه ذريعة للسبِّ.\nقال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ: راعنا. على جهة الطلب والرغبة من المراعاة، أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سبًّا، أي اسمع لا سمعت، فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سرًّا، فالآن نسبه جهرًا. فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم، فنزلت الآية، ونهوا عنها؛ لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ، وتقصد المعنى الفاسد فيه (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فمنع من سبِّ آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وفي هذه دليل على وجوب الحكم بسد الذرائع.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٢/ ٥٧).","vol":"2","page":514},{"text":"إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣].\nفحرم عليهم ﵎ الصيد في يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرَّعًا، أي: ظاهرة، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة للاصطياد، فمسخهم الله قردة وخنازير، وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك.\nوقال ابن قدامة في «المغني»: ولنا أن الله تعالى عذب أمة بحيلة احتالوها، فمسخهم قردة، وسماهم معتدين، وجعل ذلك نكالًا وموعظة للمتقين ليتعظوا بهم، ويمتنعوا من مثل أفعالهم (^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦].\nقال بعض المفسرين: أي لأمة محمد ﷺ.\n٤ - حرم الله تعالى الزنا، وحرم وسائله، وذرائعه:\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾\n_________\n(^١) المغني (٤/ ١٩٤) دار الفكر.","vol":"2","page":515},{"text":"[الإسراء: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] الآية.\nونهى النساء عن إبداء الزينة لغير المحارم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، ونهى عن التبرج فقال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية.\nوأمر بالحجاب، ونهى عن الخلوة بالنساء إلى غير ذلك من ذرائع الوقوع في الفاحشة.\n٥ - حديث النعمان بن بشير: «إن الحلال بيِّنٌ، وإن الحرام بيِّنٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^١).\nفمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في الحرام؛ وذلك سدًّا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، واللفظ له.","vol":"2","page":516},{"text":"للذريعة (^١).\n٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه» (^٢)، وفي رواية: «ويسب أمه فيسب أمه» (^٣).\nقال النووي ﵀: وفيه قطع الذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق، ونحو ذلك، والله أعلم (^٤).\nقال ابن حجر ﵀: قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية، واستنبط منه الماوردي منع بيع الثوب الحرير ممن يتحقق أنه يلبسه، والغلام الأمرد ممن\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ٤٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٧٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٠).\n(^٤) شرح النووي (٢/ ٩١).","vol":"2","page":517},{"text":"يتحقق أنه يفعل به الفاحشة، والعصير ممن يتحقق أنه يتخذه خمرًا (^١).\n٧ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (^٢).\nقال القرطبي: قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله ﷿ عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك (^٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»،\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).\n(^٣) تفسير القرطبي (١/ ٤٧٦)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٦٥٤).","vol":"2","page":518},{"text":"قالت: لولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (^١).\nقال النووي: قال العلماء: إنما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية (^٢).\n٨ - حديث ابن عمرقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (^٣).\nقال أبو عبيد الهروي: العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم، وقبضها، ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضًا عينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم.\nوسميت عينة؛ لحصول النقد لصاحب العينة، وذلك لأن العين هو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٠، ١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩).\n(^٢) شرح النووي لمسلم (٥/ ١٦).\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (٣٤٦٢)، ومداره على أبي عبد الرحمن الخراساني، واستنكره عليه ابن عدي والذهبي.","vol":"2","page":519},{"text":"المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره (^١).\nقال ابن القيم في بيان تحريم العينة: لأنها وسيلة إلى الربا، والوسيلة إلى الحرام حرام.\n٩ - حديث عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» (^٢).\nقال ابن القيم: والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله.\nقال ابن المنير: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع، وإبطال الحيل من أقوى الأدلة (^٣).\n١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ٤٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأخرجه البخاري (٦٩٥٣) كتاب الحيل، باب في ترك الحيل.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٩٦).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل حديث (٥٦)، قال ابن القيم: بإسناد حسن. وحسنه الألباني في صفة الفتوى (٢٨)، وفي السلسلة الضعيفة (١/ ٦٠٨)، قال: إسناده جيد. وفي إرواء الغليل (٥/ ٣٧٥)، وقال ابن كثير: إسناده جيد. التفسير سورة البقرة آية (٦٦).","vol":"2","page":520},{"text":"١١ - حديث عمر بن الخطاب أنه بلغه أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» (^١).\nقال ابن القيم: جملوها يعني أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر وهو الودك، وذلك لا يفيد الحل، فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم.\nقال: ولهذا الأصل -وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله، أو إسقاط ما أوجبه الله عليه- أكثر من مئة دليل، وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن المُحَلِّل والمُحَلَّل له (^٢)، مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح، لما كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح.\nقال الترمذى: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢) من حديث عبد الله بن عباس، وجملة (وأكلوا أثمانها) أخرجها البخاري (٢٢٢٤)، ومسلم (١٥٨٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه الترمذي (١١٢٠) من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وورد عن عدد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وغيرهم.","vol":"2","page":521},{"text":"أصحاب النبي ﷺ منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوذكر ابن القيم ﵀ تسعة وتسعين وجهًا لسد الذرائع المفضية إلى الحرام في كتابه القيم إعلام الموقعين (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-432> قيمة سد الذرائع:</span>\nقال ابن القيم: وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان:\nأحدهما: مقصود لنفسه.\nوالثاني: وسيلة إلى المقصود.\nوالنهي نوعان:\nأحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه.\nوالثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة.\nفصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (^٢).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ٥ - ٦٥) ط. ابن الجوزي.\n(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ٦٦) ط. ابن الجوزي.","vol":"2","page":522},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-433> أقسام سد الذرائع:</span>\nقال القرافي ﵀: وأما الذرائع فقد أجمعت الأمة على أنها ثلاثة أقسام:\nأحدها: معتبرٌ إجماعًا، كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذٍ.\nوثانيها: ملغًى إجماعًا، كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر، والشركة في سكنى الدور خشية الزنا، فلا يمنع من ذلك.\nوثالثها: مختلفٌ فيه، كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا (^١).\nوقال القرطبي: وعليه -أي سد الذرائع- بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها، وليس عند الشافعية كتاب الآجال؛ لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون، والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا بعينه فاعلمه (^٢)، وبيوع الآجال\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول (٣٥٣).\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ٤٧٧).","vol":"2","page":523},{"text":"هي بيع العينة، وتقدم إيضاحه.\nوقسم ابن القيم ﵀ الوسائل المفضية إلى المفاسد إلى أربعة أقسام:\nالأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة وليس لها ظاهر غيرها، مثل شرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنا المفضي إلى اختلاط الأنساب وفساد الفراش ونحو ذلك، فالشريعة جاءت بالمنع من هذا القسم كراهة، أو تحريمًا حسب درجات المفسدة.\nالثاني: وسيلة موضوعة للمباح لكن قصد بها التوسل إلى المفسدة، كمن يقصد بعقد النكاح التحليل، أو بعقد البيع الربا، ونحو ذلك.\nالثالث: وسيلة موضوعة للمباح يقصد بها التوسل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجج من مصلحتها، مثال: الصلاة في أوقات النهي من غير سبب، وسب آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها، ونحو ذلك.\nفهذان القسمان هما محل النظر، وهما اللذان دلل ابن القيم على سد الذرائع فيهما من تسعة وتسعين وجهًا.\nالرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها.","vol":"2","page":524},{"text":"فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم، أو استحبابه، أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة والمفسدة (^١).\nوهناك قسم خاص نبه عليه القرافي ﵀ وهو: أن تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، كالتوسل إلى فداء الأسرى بدفع المال إلى العدو، والذي هو محرم عليهم للانتفاع به لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة، وكدفع مال لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن ذلك إلا به.\nوكدفع المال للمحارب حتى لا يقتل هو، وهو صاحب المال، واشترط مالك فيه اليسارة.\nقال: فحاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة بنا.\nواعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة، والحج.\nوموارد الأحكام على قسمين:\nالأول: مقاصد، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ٨٢)، إعلام الموقعين (٣/ ٥٥٤، ٥٥٥) ط. ابن الجوزي.","vol":"2","page":525},{"text":"الثاني: وسائل، وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها كحكم ما أفضت إليه من تحريمٍ أو تحليلٍ، غير أنها أخفض رتبةً من المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة، وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فأثابهم الله على الظمأ والنصب، وإن لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة الوسيلة (^١).\nفمعنى فتح الذرائع: الأخذ بالذرائع إذا كانت النتيجة مصلحة؛ لأن المصلحة مطلوبة.\nتتمة: كيفية العلم بإفضاء الذرائع إلى مفسدة؟\n١ - بالتجربة والمشاهدة، كما في منع النبي ﷺ بيع الثمر قبل بدو الصلاح بعد ما رأى ما يفضي إليه من النزاع والشقاق.\nقال زيد بن ثابت ﵁: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٥٣، ٣٥٤) دار الفكر.","vol":"2","page":526},{"text":"يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها. فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: «فإما لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر»، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم (^١).\nفهنا نجد أن النبي ﷺ منع بيع الثمر قبل بدو الصلاح لما ظهر بالتجربة والمشاهدة كثرة النزاع الناتج عن أكل المال بالباطل، الذي هو مفسدة الغرر الكثير المحرم، فلما ظهر ذلك نهى عنه.\n٢ - يعلم من الحوافز الفطرية، والسنن الاجتماعية والكونية، وإن لم يتحقق ذلك في الواقع، وهو ما عبر عنه شيخ الإسلام بأن الطبع متقاض لإفضائها، ومن هذا الباب النهي عن سب آلهة المشركين؛ لأن هذا يحفزهم على مبادلة السب بمثله وفق مبدأ المعاملة بالمثل، وهذا هو مقتضى الجبلة البشرية، ولا يلزم أن ننتظر حتى يتحقق غلبة مبادلتهم السب لنمتنع عن سب آلهتهم، وعلى هذا أكثر الذرائع المحرمة شرعًا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٩٣) ومسلم (١٥٣٩).\n(^٢) قواعد الذرائع في المعاملات المالية، د/ سامي سويلم. ضمن فعاليات المؤتمر الخامس عشر للهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية (٢٨٢).","vol":"2","page":527},{"text":"كذلك ما كان طريقة العلوم، مثل علم الاقتصاد في إفضاء المعاملة إلى الربا، أو علم الطب في الإفضاء إلى الضرر، وهكذا.\nمسائل بنيت على أصل أو قاعدة سد الذرائع:\n١ - أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين - مع كونه مصلحة-؛ لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس، وقولهم: إن محمدًا يقتل أصحابه (^١).\n٢ - حرم الله تعالى الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة، وحرم القطرة الواحدة منها، وحرم إمساكها للتخليل لئلا تتخذ القطرة ذريعة الى الحسوة، ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب.\n٣ - حرم الخلوة بالأجنبية، ولو في إقراء القرآن سدًّا لذريعة ما يحاذر من الفتنة، وغلبات الطباع.\n٤ - نهى عن التشبه بأهل الكتاب، ومن ذلك قوله ﷺ: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (^٢)، وقوله: «إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٦٥٢) وابن حبان (٢١٨٦) من حديث شداد بن أوس مرفوعًا.","vol":"2","page":528},{"text":"٥ - حرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (^١)، حتى لو رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة، كما علل به النبي ﷺ.\n٦ - نهى النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع (^٢)، وذلك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا.\n٧ - ما رواه البخاري، عن عبد الله بن سلام أنه قال لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري: إنك بأرضٍ الربا بها فاشٍ، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قتٍّ، فلا تأخذه فإنه ربا (^٣).\nفنهى المقرض عن قبول الهدية من المقترض، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية، فيكون ربا، فإنه يعود\n_________\n(^١) حسن لطريقيه: أحمد (١/ ٣٧٢)، والترمذي (١١٢٥) من طرق عن ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٨١٤).","vol":"2","page":529},{"text":"إليه ماله، وأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض.\n٨ - أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخونة، والضعفاء والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا الله، وما ذاك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، وحبك الشيء يعمى ويصم، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بشره، وإغماض عن كونه لا يصلح.\n٩ - نهي المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا (^١)، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال، وتشوفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تفلة، وأن لا تتطيب، وأن تقف خلف الرجال، وأن لا تسبح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفق ببطن كفها على ظهر الأخرى، كل ذلك سدًّا للذريعة، وحماية عن المفسدة (^٢).\n١٠ - مسألة رتق غشاء البكارة: تمزق غشاء البكارة يحدث بأسباب مختلفة: جماع، أو وثبة، أو تعبث المرأة بيدها في فرجها، أو زنا، أو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٤٣) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود بالنهي عن التطيب، وأخرجه مسلم (٤٤٤) من حديث أبي هريرة بالنهي عن البخور.\n(^٢) انظر هذه المسائل وغيرها في إعلام الموقعين (٤/ ٥ - ٦٥) ط. ابن الجوزي.","vol":"2","page":530},{"text":"اغتصاب - والعياذ بالله-، ومن ثم اختلف الحكم:\n١ - إذا كان سبب التمزق حادثة، أو فعلًا لا يعد في الشرع معصية، ولا جماعًا في نكاح صحيح ينظر، فإن غلب على الظن أن الفتاة ستلاقي عنتًا وظلمًا بسبب الأعراف السائدة كان إجراء الرتق واجبًا؛ لما فيه من دفع مفاسد يغلب على الظن وقوعها، فإن غلب وقوع المفسدة، ولو في المآل جعلت كالمفسدة الواقعة، وإن لم يغلب على الظن كان إصلاح الغشاء مندوبًا، لكنه غير واجب لما فيه من دفع مفاسد محتملة.\n٢ - إن كان التمزق حصل بوطء من عقد نكاح صحيح، فإنه يحرم رتقه سواء كانت المرأة متزوجة، أو مطلقة، أو أرملة؛ لأنه لا مصلحة فيه، بل هو عندئذ نوع من العبث الذي لا يقره الشرع.\n٣ - إذا كان التمزق بسبب زنا اشتهر بين الناس، سواء كانت نتيجة صدور حكم قضائي على الفتاة بالزنا، أو كانت نتيجة تكرار الزنا منها، وإعلانها بذلك، واشتهارها بالبغاء، ففي هذه الحالة يحرم على الطبيب رتق غشاء البكارة لعدم وجود مصلحة؛ ولأنه لا يخلو من مفسدة من الكذب والتدليس على الخاطب والزوج عندما تتزوج.\n٤ - إن كان سبب التمزق زنا لم يشتهر، وتابت الفتاة من هذه المعصية، وهي مقبلة على الزواج، وتخشى الفضيحة؛ كان الطبيب مخيرًا في إجراء عملية الرتق، أو عدم إجرائها، وذهب بعض العلماء إلى","vol":"2","page":531},{"text":"عدم جوازه أيضًا؛ لما يترتب عليه من مفاسد من الغش والتدليس، وتساهل الفتيات في الزنا، وإقدام الأطباء على إجهاض الفتاة، ثم إجراء عملية الرتق، ودرء المفسدة هنا مقدم على جلب المصلحة (^١).\n٥ - إن كان سبب التمزق هو الاغتصاب والإكراه، فالأولى في هذه الحالة جوازه للستر عليها، وهي لا ذنب لها في ذلك، والله أعلم.\nقاعدة: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فإنها تبع (^٢).\nقال الشيخ السعدي في منظومته:\nوسائل الأمور كالمقاصد … واحكم بهذا الحكم للزوائد\nأي أن الوسائل تعطى أحكام المقاصد، فإذا كان مأمورًا بشيء كان مأمورًا بما لا يتم إلا به، وما يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وكذلك الوسائل إلى سائر المعاصي المحرمة، وكذلك الزوائد أي المتممات مثل: الرجوع من الصلاة، والجهاد، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، ونحو ذلك (^٣).\n_________\n(^١) أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، د/ محمد بن محمد المختار الشنقيطي، (٤٢٨ - ٤٣٤)، مكتبة الصحابة، جدة.\n(^٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٥٣).\n(^٣) القواعد الفقهية للسعدي (٣٣، ٣٤).","vol":"2","page":532},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-434> ضوابط العمل بقاعدة سد الذرائع:</span>\n١ - أن يكون الفعل المأذون فيه يفضي إلى المفسدة غالبًا، فإن كان إفضاؤه إلى المفسدة نادرًا لا غالبًا، فإنه لا يمنع ذلك، بل هو باق على الأصل.\n٢ - أن تكون المفسدة المترتبة على فعل المأذون فيه مساوية لمصلحته، أو زائدة عليها، فما كان كذلك، فإنه يمنع؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وتعطيلها.\n٣ - لا يشترط في العمل بسد الذرائع قصد المكلف إلى المفسدة، بل يكفي كثرة قصد ذلك في العادة؛ ذلك لأن القصد لا ينضبط في نفسه غالبًا، إذ إنه من الأمور الباطنة التي يصعب اعتبارها، فاعتبرت مظنة القصد، ولو صح تخلفه.\n٤ - ما منع سدًّا للذريعة أبيح منه ما تدعو الحاجة إليه، كنظر الخاطب والطبيب إلى الأجنبية، فإنه يباح للحاجة إذا أمنت المفسدة (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز صلاة النوافل ذوات الأسباب في أوقات النهي: فالنهي عن الصلاة فيها هو من باب سد الذرائع لئلا\n_________\n(^١) ضوابط العمل بسد الذرائع، موقع د. خالد المصلح، على الشبكة العنكبوتية.","vol":"2","page":533},{"text":"يتشبه بالمشركين، فيفضي إلى الشرك، وما كان منهيًّا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تفوت المصلحة لغير مفسدة راجحة، والصلاة لله فيه ليس فيها مفسدة، بل هي ذريعة إلى المفسدة، فإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت، واكتفى منها إذا لم يكن هناك مصلحة، وهو التطوع المطلق، فإنه ليس في المنع منه مفسدة، ولا تفويت مصلحة لإمكان فعله في سائر الأوقات، وهذا أصل لأحمد، وغيره: في أن ما كان من باب سد الذريعة إنما ينهى عنه إذا لم يحتج إليه، وأما مع الحاجة للمصلحة فلا (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٣/ ٢١٤).","vol":"2","page":534},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>الفصل العاشر:\nالعرف أو العادة</span>","vol":"2","page":535},{"text":"العرف أو العادة\nالعرف لغة: ضد النكر، والمعروف: ضد المنكر.\nيقال: أولاه عرفًا، أي معروفًا، والعرف أيضًا: الاسم من الاعتراف، ومنه قولهم: له عليَّ ألفٌ عرفًا، أي اعترافًا، وهو توكيد، والعرف: عرف الفرس. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]، يقال هو مستعار من عرف الفرس، أي يتتابعون كعرف الفرس، ويقال: أرسلت بالعرف، أي بالمعروف (^١).\nقال ابن فارس: «عرف» العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة.\nفالأول العرف: عرف الفرس. وسمي بذلك لتتابع الشعر عليه، ويقال: جاءت القطا عرفًا عرفًا، أي بعضها خلف بعض، والأصل الآخر المعرفة والعرفان، تقول: عرف فلانٌ فلانًا عرفانًا ومعرفة. وهذا\n_________\n(^١) الصحاح للجوهري (٤/ ١٤٠١) عرف.","vol":"2","page":537},{"text":"أمر معروف. وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه؛ لأن من أنكر شيئًا توحش منه ونبا عنه. والعرف: المعروف، وسمي بذلك؛ لأن النفوس تسكن إليه. قال النابغة:\nأبى الله إلا عدله ووفاءه … فلا النكر معروف ولا العرف ضائع (^١)\nوالعرف: هو العادة الجارية بين الناس، أما عادات الإنسان الخاصة فلا تسمى عرفًا (^٢).\nوهو ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم (^٣).\nواصطلاحًا: هو ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول (^٤).\nوقال المرداوي: قال ابن عطية: معناه: كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة.\nوقال ابن ظفر في (الينبوع): العرف ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه (^٥).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٤/ ٢٨١) ط. دار الفكر، بتصرف يسير.\n(^٢) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٤٣٥).\n(^٣) المعجم الوجيز (عرف) (٤١٥).\n(^٤) التعريفات للجرجاني (١٣٠).\n(^٥) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٨/ ٣٨٥٢).","vol":"2","page":538},{"text":"فالحاصل أن العرف أو العادة: هو ما ألفه المجتمع واعتاده، وسار عليه الناس في حياتهم من قول أو فعل مما لا ترده الشريعة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-437> أقسام العرف:</span>\nينقسم بعدة اعتبارات:\nقال الشاطبي: العوائد المستمرة ضربان:\nأحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا، أو نهى عنها كراهة أو تحريمًا، أو أذن فيها فعلًا وتركًا.\nوالضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.\nفأما الأول: فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية، كما في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسات، والتأهب للمناجاة وستر العورات، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس، فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها، وإن اختلفت آراء المكلفين فيها، فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا، ولا القبيح حسنًا، حتى يقال مثلًا: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه، أو أن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح؛ فلنجزه، أو","vol":"2","page":539},{"text":"غير ذلك؛ إذ لو صح مثل هذا لكان نسخًا للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم باطل، فرفع العوائد الشرعية باطل (^١).\nوأما الثاني - وهو المراد فى هذا المبحث -، فهو أقسام:\n١ - ينقسم من حيث القول والفعل إلى:\nأ- العرف العملي: وهو ما اعتاده الناس من أعمال كالبيع بالمعاطاة، وتقسيم المهر إلى معجل، ومؤجل، ودخول الحمامات العامة بدون تعيين مدة المكث فيها، ولا مقدار الماء المستهلك، واعتبار تقديم الطعام للضيف إذنًا له بالتناول منه.\nب- العرف القولي: هو ما تعارف عليه الناس في بعض ألفاظهم بأن يريدوا بها معنى معينًا غير المعنى الموضوع لها، كتعارفهم لفظ الولد على الذكر دون الأنثى، واسم اللحم على غير السمك، وإطلاق اسم الدابة على ذوات الأربع من الحيوانات.\n٢ - ينقسم من حيث غلبة العادة إلى:\nأ- عوائد ثابتة أو عامة: وهي السائدة في سائر البلاد والأقاليم، كوجود شهوة الطعام، والشراب، والوقاع، والنظر، والكلام، والبطش،\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٤١، ٢٤٢) ط. مكتبة الأسرة.","vol":"2","page":540},{"text":"والغضب، وأشباه ذلك، فهي عادات بحكم الجبلة، وقد يكون العرف العامُّ قوليًّا أو فعليًّا.\nب- عادات خاصة أو عرف خاص: وقد يكون خاصًّا ببعض البلاد دون بعض كالنقود والعيوب، وبعض صفات المروءة، فمثلًا: كشف الرأس في بعض البلاد قبيح، ومن خوارم المروءة، وفي بعض البلاد الأخرى كأهل المغرب غير قادح في المروءة، وهذا أيضًا يكون قوليًّا، ويكون عمليًّا:\nفالقولي: كاختلاف العبارات بحسب اصطلاح أرباب الصنائع في صنائعهم مع اصطلاح الجمهور، واختلاف ألفاظ المدح والذم من بلد لآخر، فاللفظ قد يكون مدحًا في بلد دون أخرى، وكذلك الذم.\nوالعملي: كتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل في بعض البلدان.\n٣ - ينقسم من حيث الصحة والفساد إلى:\nأ- العرف الصحيح: هو ما لا يخالف نصًّا من نصوص الشريعة، ولا يفوت مصلحة معتبرة، ولا يجلب مفسدة راجحة، كتعارف الناس أن ما يقدمه الخاطب إلى مخطوبته من ثياب ونحوها يعتبر هدية، ولا يدخل في المهر، وكتعارف الناس عقد الاستصناع، وتقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر.","vol":"2","page":541},{"text":"ب- العرف الفاسد: ما كان مخالفًا لنص الشارع، أو يجلب ضررًا، أو يدفع مصلحة كتعارف الناس استعمال العقود الباطلة، كالاستقراض بالربا من المصارف، أو من الأفراد، ومثل اعتيادهم الميسر كاليانصيب، وسباق الخيل، والورق، والنرد، ونحو ذلك، وكاعتياد النساء التبرج والسفور، فهذا عرف فاسد، وكاعتيادهم حرمان الإناث من الميراث في بعض البلدان، وكتعارف كثير من الناس كثيرًا من المنكرات في الأفراح والمآتم، وكتعارفهم على بيع الثمار قبل بدو صلاحها.\nوحكمه: أنه لا تجب مراعاته؛ لأن في مراعاته معارضة دليل شرعي، أو إبطال حكم شرعي، فإذا تعارف الناس عقدًا من العقود الربوية، أو عقدًا فيه غرر وخطر؛ فلا يكون لهذا العرف أثر في إباحة هذا العقد.\nحجية العرف:\nالعرف الصحيح الذي لا يخالف نصًّا، ولا يفوت مصلحة، ولا يجلب مفسدة راجحة يعتبر أصلًا عند العلماء من أصول الاستنباط تبنى عليه الأحكام، ومن أقوالهم الدالة على حجية العرف: العادة مُحَكَّمة، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.\nقال القرافي: والعادة غلبة معنى من المعاني على الناس، فهذه العادة","vol":"2","page":542},{"text":"يقضى بها عندنا (^١).\nوقال الشاطبي ﵀: العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا كانت شرعية في أصلها، أو غير شرعية، أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا، أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو لا، أما المقررة بالدليل فأمرها ظاهر، وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك، فالعادة جرت بأن الزجر سبب الانكفاف «بيانه: أن العادة جرت أن النفس تكف عن الجريمة، وتنزجر إذا علمت بالعقوبة» عن المخالفة، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فلو لم تعتبر العادة شرعًا لم يتحتم القصاص، ولم يشرع إذ كان يكون شرعًا لغير فائدة، وذلك مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وكذلك البذر سبب لنبات الزرع، والنكاح سبب للنسل، والتجارة سبب لنماء المال عادة.\nوجه ثان: أن الشرائع بالاستقراء إنما جيء بها على ذلك، ولنعتبر بشريعتنا، فإن التكاليف الكلية فيها بالنسبة إلى من يكلف من الخلق موضوعة على وزان واحد، أي التكاليف واحدة من الصلاة وغيرها، وهذا يدل على أن الشارع اعتبر العادات المطردة فيهم، ولو لم يعتبرها\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول (٣٥٢).","vol":"2","page":543},{"text":"لما كان هناك مانع من اختلاف التشريع، واختلاف الخطاب (^١).\nوجه ثالث: وهو أنه لما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح؛ لزم القطع بأنه لا بد من اعتباره العوائد، لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد دل على جريان المصالح على ذلك؛ لأن أصل التشريع سبب المصالح والتشريع دائم، فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع.\nووجه رابع: وهو أن العوائد لو لم تُعتَبر؛ لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز أو غير واقع، وذلك أن الخطاب إما أن يعتبر فيه العلم والقدرة على المكلف به، وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجيه المكلف أو لا، فإن اعتبر فهو ما أردنا، وإن لم يعتبر فمعنى ذلك أن التكليف موجه على العالِم والقادر، وعلى غير العالِم والقادر، وعلى من له مانع، ومن لا مانع له، وذلك عين تكليف ما لا يطاق (^٢).\nومن الأدلة على حجية العمل بالعرف: اعتبار الشرع أعراف الناس في كثير من المسائل، ومن ذلك:\n١ - النفقة على الزوجات والأولاد، فأمر تعالى بالنفقة ولم يحدد\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٣٩) بتصرف.\n(^٢) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٦) ط. مكتبة الأسرة.","vol":"2","page":544},{"text":"مقدارها، فهي حسب العرف والعادة، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].\nوعن عائشة ﵂: أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (^١).\nقال النووي: وفي الحديث فوائد، ومنها: اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي (^٢).\nوقال الحافظ ابن حجر: وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع، وقال القرطبي: فيه اعتبار العرف في الشرعيات خلافًا لمن أنكر ذلك لفظًا، وعمل به معنى كالشافعية - كذا قال -، والشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي، أو لم يرشد النص الشرعي إلى العرف (^٣).\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] الآية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢١١، ٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤).\n(^٢) شرح مسلم للنووي (١٢/ ١٢).\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٦١٤).","vol":"2","page":545},{"text":"فالأمر بالاستئذان في الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال، ووضع الثياب، فابتنى الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه (^١).\n٣ - قوله ﷺ لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن» (^٢).\nقال الخطابي: يشبه أن يكون ذلك منه ﷺ على غير وجه التحديد من الستة والسبعة، لكن على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها، وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها.\nفإن كانت عادة مثلها أن تقعد ستًّا قعدت ستًّا، وإن سبعًا فسبعًا.\nوقال أحمد ﵀ في المبتدأة غير المميزة: ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء ستًّا أو سبعًا.\nوقال ابن قدامة في أقل الحيض وأكثره: ولنا أنه ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة، فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة، كما في القبض، والإحراز، والتفرق وأشباهها (^٣).\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٨/ ٣٨٥٣).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٢٧٤٧٤)، والترمذي (١٢٨)، وأبو داود (٢٨٧) ومداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف.\n(^٣) تحفة الأحوذي للمباركفوري (١/ ٢٩٥ - ٢٩٧) دار الحديث.","vol":"2","page":546},{"text":"٤ - قوله ﷺ: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة» (^١).\nوذلك أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخل وزرع اعتبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة أهل تجارة اعتبرت عادتهم في الوزن، والمراد اعتبار ذلك فيما يتقدر شرعًا: كنصب الزكوات، ومقدار الديات، وزكاة الفطر، والكفارات، والسلم، والربا، وغير ذلك (^٢).\nوقيل: وينبني على هذه القاعدة ما اعتمده إمامنا وأصحابنا في أقل سن الحيض للمرأة، وأقل الحيض والطهر وأكثرهما، وثمن المثل، وكفء النكاح، وأكثر مدة الحمل وأقلها، وسن اليأس، ومهر المثل.\nوضابط كل فعل رُتِّب عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة: كإحياء الموات، والحرز في السرقة، والأكل من بيت الصديق، وما يُعَدُّ قبضًا، وإيداعًا، وإعطاء، وهدية، وغصبًا، والمعروف في المعاشرة، وانتفاع المستأجر.\nومن ذلك أيضًا: الرجوع للعادة في تخصيص عين، أو فعل، أو\n_________\n(^١) إسناده صحيح: رواه أبو داود (٣٣٤٠)، والنسائي (٢٥٢٠)، وقال ابن الملقن في (تحفة المحتاج) (٢/ ٥٨): رواه أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح.\n(^٢) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٨/ ٣٨٥٥).","vol":"2","page":547},{"text":"مقدار، يحمل اللفظ عليه: كالألفاظ في الأيمان، والأوقاف، والوصايا، والأقارير، والتفويضات، وإطلاق الدينار، والدراهم، والصاع، والمد، والوسق، والقلة، والأوقية، وإطلاق النقود في الحمل على الغالب، وصحة المعاطاة بما يعده الناس بيعًا، وهذا كثير لا ينحصر في عد (^١).\nوقال ابن القيم: وقد أجري العرف مجرى النطق في أكثر من مئة موضع.\nوذكر منها: نقد البلد في المعاملات، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه من امرأة، أو خادم، أو ولد، وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره، والشرب من مائه، والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظًا لمالكها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعًا.\nومنها: لو حذ ثماره، أو حصد زرعه، ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظًا.\nوهذا أكثر من أن نحصره، وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي، حيث أعطاه النبي ﷺ دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير للمرداوي (٨/ ٣٨٥٧).","vol":"2","page":548},{"text":"بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بالدينار، والشاة الأخرى، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي، اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع (^١).\nوقال الشيخ السعدي في منظومته:\nوالعرف معمول به إذا ورد … حكم من الشرع الشريف لم يحد\nقال: وهذا معنى قول الفقهاء: العادة مُحَكَّمة. أي معمول بها، فإذا نص الشارع على حكم، وعلق به شيئًا، فإن نص على حده وتفسيره، وإلا رجع إلى العرف الجاري، وذلك كالمعروف في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وهو الذي جرى عليه عرف الناس.\nوكذلك لفظ القبض والحرز، وألفاظ العقود كلها يرجع فيها إلى عرف الناس، ومن هذا: إذا أمر أمرًا حمَّالًا، ونحوه بعمل شيء من غير إجارة، فله أجرة عادته … إلخ (^٢).\nومن القواعد المبنية على العرف: الشرط العرفي كالشرط اللفظي.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ٣١٦، ٣١٧) بتصرف.\n(^٢) منظومة القواعد الفقهية للشيخ السعدي وشرحها للشيخ حمد الحمد (٣٨) بتصرف.","vol":"2","page":549},{"text":"قال ابن القيم: ومن هذا الشرط العرفي كاللفظي، وذلك كوجوب نقد البلد عند الإطلاق، ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظًا، فانصرف العقد بإطلاقه إليه، وإن لم يقتضه لفظه، ومنها السلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلًا لاشتراط سلامة المبيع عرفًا منزلة اشتراطها لفظًا، ومنها وجوب وفاء المسلم في مكان العقد، وإن لم يشترطه لفظًا بناءً على الشرط العرفي، ومنها لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل، أو يخيط بالأجرة، أو عجينًا لمن يخبزه، أو لحمًا لمن يطبخه، أو حبًّا لمن يطحنه، أو متاعًا لمن يحمله، ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله، وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند جمهور أهل العلم حتى عند المنكرين لذلك، فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به (^١).\nومن ذلك: منع النبي ﷺ عليًّا ﵁ أن يتزوج ابنة أبي جهل على فاطمة.\nفعن المسور بن مخرمة: أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر، وهو يقول: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ٣١٨، ٣١٩).","vol":"2","page":550},{"text":"أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها» (^١).\nوفي رواية قال: ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال «حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا» (^٢).\nوفي لفظ: «عند رجل واحد أبدًا» قال: فترك علي الخطبة (^٣).\nقال ابن القيم: فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، وأن عدمه يملك الفسخ لمشترطه، وعلى هذا، فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرةً، ولا يمكنونه من ذلك، وعادتهم مستمرة بذلك، كان كالمشروط لفظًا.\nوكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا تمكن إدخال الضرة عليها عادةً لشرفها، وحسبها، وجلالتها كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظًا سواء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١١٠)، ومسلم (٢٤٤٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤٤٩).","vol":"2","page":551},{"text":"وعلى هذا فسيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين أحق النساء بهذا، فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدًا لا تأسيسًا (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-438> شروط اعتبار العرف لبناء الأحكام عليه:</span>\n١ - أن لا يكون مخالفًا للنص، بأن يكون عرفًا صحيحًا، فإن كان مخالفًا للنص فلا عبرة به، كالتعامل بالربا، وأخذ الرشوة، وإدارة الخمور في الولائم، ومنكرات الأفراح، وكشف العورات، فهذا ونحوه غير معتبر بلا خلاف.\nقال السرخسي: وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر (^٢).\n٢ - أن يكون مطردًا أو غالبًا، ومعنى الاطراد: أن تكون العادة كلية، بمعنى أنها لا تتخلف، وقد يعبر بالعموم، أي يكون العرف مستفيضًا شائعًا بين أهله، معروفًا عندهم، معمولًا به من قبلهم.\nومعنى الغلبة: أن تكون أكثرية، بمعنى أنها لا تتخلف إلا قليلًا، والغلبة والاطراد إنما يعتبران إذا وجدا عند أهل العرف لا في الكتب الفقهية لاحتمال تغيرها.\nقال السيوطي: إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإن اضطربت فلا، وإن\n_________\n(^١) زاد المعاد لابن القيم (٥/ ١٠٨) ط. الرسالة بتصرف.\n(^٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ٣٤٨)، دار الفكر.","vol":"2","page":552},{"text":"تعارضت الظنون في اعتبارها فخلاف (^١).\n٣ - أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجودًا وقت إنشائه، بأن يكون حدوث العرف سابقًا عن وقت التصرف، ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه، وعلى هذا يجب تفسير حجج الأوقاف، والوصايا، والبيوع، ووثائق الزواج، وما يرد فيها من شروط في زمانهم لا على عرف حادث بعدهم.\nقال السيوطي: العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر (^٢).\nوقال الشاطبي: العوائد التي تختلف باختلاف الأعصار، والأمصار، والأحوال، كهيئات اللباس، والمسكن، واللين في الشدة، والشدة فيه، والبطء والسرعة في الأمور، والأناة والاستعجال، وما كان نحو ذلك. فلا يصح أن يقضى به على من تقدم البتة، حتى يقوم دليل على الموافقة من خارج، فإذا ذاك يكون قضاء على ما مضى بذلك الدليل لا بمجرى العادة (^٣).\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٠١).\n(^٢) الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢١٦).\n(^٣) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٥٤) ط. مكتبة الأسرة.","vol":"2","page":553},{"text":"٤ - ألا يعارض العرف تصريح بخلافه، أي ألا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، إذ إن تحكيم العرف يعود إلى أن سكوت المتعاقدين عن الأمر المتعارف، وعدم اشتراطها إياه صراحة يعتبر إقرارًا منهما له، فإثبات الحكم العرفي في هذه الحالة هو من قبيل الدلالة، فإذا وقع تصريح بخلافه أصبحت هذه الدلالة باطلة لكون العرف أضعف من دلالة اللفظ، فيترجح جانبه عند المعارضة (^١).\nكما إذا كان العرف في السوق تقسيط الثمن، واتفق العاقدان صراحة على الأداء، أو كان العرف أن مصاريف التصدير على المشتري، واتفقا على أن تكون على البائع، أو كان العرف أن مصاريف تسجيل العقار في الشهر العقاري على المشتري، واتفق الطرفان على جعلها على البائع.\n\n*<span data-type='title' id=toc-439> من المسائل المبنية على العرف:</span>\n١ - خدمة المرأة لزوجها:\nعن علي ﵁ أن فاطمة ﵂ اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وأتى النبيَّ ﷺ سبيٌ، فانطلقت فلم تجده، ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها،\n_________\n(^١) العرف وتطبيقاته المعاصرة. د/ سعود بن عبد الله الورقي (٢٦).","vol":"2","page":554},{"text":"فجاء النبي ﷺ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم فقال النبي ﷺ: «على مكانكما»، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري، ثم قال: «ألا أعلمكما خيرًا مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما، أن تكبرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» (^١).\nقال علي: ما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ، قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين (^٢).\nعن أسماء بنت أبي بكر قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء، غير فرسه، قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤونته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي على ثلثي فرسخ، … قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقتني (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١١٣)، ومسلم (٢٧٢٧)، واللفظ له.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٦٢)، ومسلم (٢٧٢٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢٢٤)، ومسلم (٢١٨٢)، واللفظ له.","vol":"2","page":555},{"text":"وفي رواية: كنت أخدم الزبير خدمة البيت … الحديث (^١).\nقال ابن القيم: فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت، وقال أبو ثور: عليها أن تخدم زوجها في كل شيء، ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها، وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعى وأبو حنيفة وأهل الظاهر، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع، لا الاستخدام وبذل المنافع. قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟\nواحتج من أوجب الخدمة: بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، أي قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وأما ترفيه المرأة، وخدمة الزوج، وكنسه، وطحنه، وعجنه، وغسيله، وفرشه، وقيامه بخدمة البيت، فمن المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوامة عليه.\nوأيضًا: فإن المهر في مقابلة البضع، وكل من الزوجين يقضى وطره\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٨٢).","vol":"2","page":556},{"text":"من صاحبه، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها، وكسوتها، ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج.\nوأيضًا: فإن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف، والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلة، وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعًا وإحسانًا، يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك. وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها. بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية، هذا أمر لا ريب فيه (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام، والشراب، والخبز، والطحن والطعام لمالكيه وبهائمه: مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء. فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان، وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على\n_________\n(^١) زاد المعاد لابن القيم (٥/ ١٧٠، ١٧١) ط. الرسالة، فصل في حكم النبي ﷺ في خدمة المرأة زوجها.","vol":"2","page":557},{"text":"مصلحة لم يكن قد عاشره بالمعروف.\nوقيل: وهو الصواب وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ، وهو قوله ﷺ: «اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، وإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (^١).\nوعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف، ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف. وهذا هو الصواب؛ فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال: فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة (^٢).\nوقال ابن جزى المالكي في باب النفقات: الواجب الثالث: نفقة الخادم. فإن كانت الزوجة ذات منصب وحال، والزوج مليء فليس عليها من خدمة بيتها شيء، ولزمه إخدامها، وإن كانت بخلاف ذلك والزوج فقير؛ فعليها الخدمة الباطنة من عجن، وطبخ، وكنس، وفرش،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله بدون لفظة «فإنهن عوان عندكم»، وهي عند الترمذي.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٤/ ٩٠، ٩١).","vol":"2","page":558},{"text":"واستقاء ماء إذا كان معها في البيت، وليس عليها غزل، ولا نسج، وإن كان معسرًا فليس عليه إخدام، وإن كانت ذات منصب وحال، ولا تطلق عليه بذلك، وإذا وجب عليه الإخدام فلا يجب عليه شراء خادم، بل يجوز أن يستأجر (^١).\n٢ - اعتبار العادات في الأيمان:\nفيرجع إليها في مطلق الأيمان، ولهذا قال الشافعي ﵀: فمن حلف لا يأكل الرؤوس، فأكل رؤوس الحيتان لا يحنث؛ لأن عادة المتكلمين بهذا الكلام قد جرت أنه يريد بهذا الرؤوس التي تبان من أجساد الحيوان، وتقصد بالأكل دون ما كان منها تبعًا لأبدانها، ولا يكاد القائل يقول: أكلت الرؤوس. وهو يريد رؤوس الحيتان، وإنما يقال هذا، ويراد به رؤوس الغنم، وما يشبهها من الحيوان (^٢).\n٣ - اعتبار العرف في اللباس:\nاللباس من الأمور التي يكون الأصل فيها الإباحة، لكن لها ضوابط شرعية، سواء في لباس المرأة، أو لباس الرجل، فلا يكون مخالفًا لنص شرعي.\n_________\n(^١) القوانين الفقهية لابن جزى (٣٧٩) ط. دار ابن حزم.\n(^٢) قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني (٢/ ٨٤٦).","vol":"2","page":559},{"text":"ولا يكون ثوب شهرة، وهذا يضبط بعرف الناس حسب البلدان، فقد يكون الثوب معتادًا في بلد، ولا يكون معتادًا في آخر.\nقال السيوطي: قال الإمام في باب الأصول والثمار: كل ما يتضح فيه اطراد العادة فهو المحكم، ومضمره كالمذكور صريحًا، وكل ما تعارض الظنون بعض التعارض في حكم العادة فيه، فهو مثار الخلاف.\nقال الشيخ جاد الرب رمضان ﵀: قول الإمام: ومضمره كالمذكور صريحًا. المضمر هو الخفي، والمذكور أي المنطوق، فالخفي كالمنطوق صريحًا.\nفمثلًا: بيع الثمرة قبل النضج، وهي في تلك الحالة عرضة للآفات، فكيف يباع ما ليس معلومًا قدرًا وصفة فإن كان العرف مطردًا؛ فلا يمنع ذلك البيع تنزيلًا للعرف منزلة الشرط، وإن لم يكن العرف مطردًا؛ فلا بد من النص، وعلى ذلك كل ما يتضح اطراد العادة فيه، فالاطراد محكم، وينزل العقد على ما جرت به العادة (^١).\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٠١)، ط. دار الكتب العلمية، ت: محمد حسن الشافعي.","vol":"2","page":560},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-440> قواعد في العرف:</span>\n١ - العادة غير موجبة شيئًا بنفسها بحال، وإنما هي قرينة للواجبات، أو منبئة عن المقاصد فيها، كالغسل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولما كانت العادة جارية بأن يكون الغسل بالماء صرف الأمر إلى ذلك، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن العادة جرت بذلك (^١).\n٢ - العرف يكون ملزمًا إذا اجتمعت الشروط السابقة أصبح العرف ملزمًا ومعتبرًا في التشريع، أي يتحتم العمل به في نظر الناس، وهذا معنى قول الفقهاء: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والمعروف بين التجار كالمشروط بينهم، والعادة مُحَكَّمة.\n٣ - قال السيوطي: فصل في تعارض العرف مع الشرع، وهو نوعان:\nأحدهما: أن لا يتعلق بالشرع حكم؛ فيقدم عليه عرف الاستعمال.\nفلو حلف لا يأكل لحمًا لم يحنث بالسمك وإن سماه الله لحمًا، أو لا يجلس على بساط، أو تحت سقف، أو في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس على الأرض، وإن سماها الله بساطًا، ولا تحت السماء، وإن سماها الله سقفًا، ولا في الشمس، وإن سماها الله سراجًا، أو لا يضع رأسه على وتد لم يحنث بوضعها على جبل، أو لا يأكل ميتة أو دمًا لم\n_________\n(^١) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٨٤٥).","vol":"2","page":561},{"text":"يحنث بالسمك والجراد والكبد والطحال، فقدم العرف في جميع ذلك؛ لأنها استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم وتكليف.\nوالثاني: أن يتعلق به حكم، فيقدم على عرف الاستعمال، فلو حلف لا يصلي لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك، أو لا ينكح حنث بالعقد لا بالوطء، أو قال: إن رأيتِ الهلال فأنت طالق. فرآه غيرها، وعلمت به طلقت حملًا له على الشرع، فإنها فيه بمعنى العلم لقوله: «إذا رأيتموه فصوموا» (^١) (^٢).\n٤ - التقييد بالعرف المقارن للخطاب: اتفق العلماء على العرف العملي يقيد المطلق، فلو قال شخص لآخر موكلًا إياه: اشتر لي لحمًا، وكان ذلك في بلد اعتاد أهله أكل لحم الضأن، فإنه يتقيد في ذلك بشراء لحم الضأن دون غيره من أنواع اللحوم، بحيث لو اشترى غيره كان مخالفًا لإرادة الموكل، مع أن كلمة لحم مطلقة، ولكن الإطلاق مقيد بالعرف العملي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٢) الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٠٤) ط. دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":562},{"text":"٤ - تخصيص العام بالعرف: اتفق الأصوليون على أن العرف القولي مخصص للعام.\nقال ابن أمير حاج الحنفي: أما تخصيص العام بالعرف القولي، وهو أن يتعارف قوم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذاك المعنى فاتفاق.\nوقال القرافي المالكي في «الفروق»: الفرق الثامن والعشرون: بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ، ويخصصها، وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ، ولا يخصصها (^١).\nوقال الإسنوي: لا إشكال في أن العادة القولية تخصص العموم، نص عليه الغزالي، وصاحب المعتمد، والآمدي، ومن تبعه؛ لأن الحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية (^٢).\nوقال ابن رجب الحنبلي في القاعدة الحادية والعشرين بعد المائة: في تخصيص العموم بالعرف، وله صورتان:\nإحداهما: أن يكون قد غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده،\n_________\n(^١) الفروق للقرافي (١/ ٣٧٧) ط. الرسالة.\n(^٢) نهاية السول للإسنوي (٢/ ٤٦٩، ٤٧٠) ط. عالم الكتب.","vol":"2","page":563},{"text":"حتى صار حقيقة عرفية، فهذا يختص به العموم بغير خلاف (^١).\nواختلف الأصوليون في تخصيص العام بالعرف العملي المقارن على قولين:\nالأول: أن العرف العملي يخصص العام. وهذا قول الحنفية، وجمهور المالكية كالباجي، والقرطبي، وابن رجب الحنبلي.\nالثاني: أن العرف العملي لا يخص العام. وهذا قول الشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية كالقرافي.\nوالقول بالتخصيص هو الراجح قياسًا على تقييد المطلق بالعرف العملي.\nوقد قال الشافعي في قوله ﷺ في حديث المعرور بن سويد: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (^٢).\nقال الشافعي: هذا كلام مجمل يجوز أن يكون على الجواب، فسأل السائل عن مماليكه، وهو إنما يأكل تمرًا أو شعيرًا أو أدنى ما يقدر عليه\n_________\n(^١) القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب (٥٩٢) دار الآثار.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١) من حديث أبي ذر الغفاري.","vol":"2","page":564},{"text":"من الطعام، ويلبس صوفًا أو أدنى ما يقدر عليه من اللباس، فقال: «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون»، وكان أكثر حال الناس فيما مضى ضيقة، وكان كثير ممن اتسعت حاله مقتصدًا فهذا يستقيم.\nقال: والسائلون عرب، ولبوس عامتهم، وطعامهم خشن، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقارب، فأما من لم تكن حاله هكذا، وخالف معاش السلف والعرب، وأكل رقيق الطعام، ولبس جيد الثياب، فلو آسى رقيقه كان أكرم وأحسن، فإن لم يفعل فله ما قال رسول الله ﷺ: «للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف» (^١)، والمعروف عندنا المعروف لمثله في بلده الذي به يكون، ولو أن رجلًا كان لبسه الوشي، والخز، والمروي، والقصب وطعمته النقي، وألوان لحم الدجاج والطر لم يكن عليه أن يطعم مماليكه، ويكسوهم مثل ذلك، فإن هذا ليس بالمعروف للمماليك (^٢).\nفلهذا خص الشافعي ﵀ عموم الشرع بعادات المكلفين في تلك الأزمان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٦٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) الأم (٦/ ٢٦٢، ٢٦٣)، ط. دار الوفاء، (٥/ ١٠١) ط. دار المعرفة.","vol":"2","page":565},{"text":"ومثال ذلك: هل يأكل الناذر من نذره؟\nذهب الحنفية، والشافعية إلى عدم جواز أكل الناذر من المنذور مطلقًا.\nقال الكسائي الحنفي في «بدائع الصنائع» في كتاب الحج: ولا يجوز له أن يأكل من دم النذر شيئًا.\nوجملة الكلام فيه أن الدماء نوعان: نوع يجوز لصاحب الدم أن يأكل منه، وهو دم المتعة، والقران، والأضحية، وهدي التطوع إذا بلغ محله، ونوع لا يجوز له أن يأكل منه، وهو دم النذر، والكفارات، وهدي الإحصار، وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله؛ لأن الدم في النوع الأول دم شكر، فكان نسكًا، فكان له أن يأكل منه، ودم النذر دم صدقة، وكذا دم الكفارة في معناه؛ لأنه وجب تكفير الذنب (^١).\nوقال الإمام العمراني الشافعي: فإن كان نذر مجازاة بأن قال: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي فعلي لله أن أهدي، أو أضحي شاة. لم يجز له أن يأكل منها؛ لأنه لزمه على وجه المجازاة فهو كجزاء الصيد (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٣٠١) ط. دار الكتب العلمية.\n(^٢) البيان للعمراني (٤/ ٤٥٨، ٤٥٩)، دار المنهاج.","vol":"2","page":566},{"text":"وذهب الحنابلة إلى عدم جواز أكل الناذر من الذبيحة المنذورة، عدا الأضحية فيجوز له الأكل منها.\nقال ابن قدامة: وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور، وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما، وهو قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد بدل، والنذر جعله لله تعالى بخلاف غيرهما، وقال ابن أبي موسى: لا يأكل من الكفارة أيضًا، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك (^١).\nوذهب المالكية إلى أن الناذر إذا عين النذر للمساكين باللفظ أو النية؛ فلا يجوز له الأكل منه، وإن لم ينذر أو ينو يجوز له الأكل منه (^٢).\nفالناذر إن نوى في نذره أن يأكل منه أكل، وإن لم ينو، أو أطلق، فلا يأكل إلا أن تكون العادة الجارية في بلده أن الشخص إذا نذر شيئًا مما يؤكل أكل منه، فحينئذ يجوز له أن يأكل منه بناءً على العرف والعادة في ذلك، فيكون كلٌّ من العرف والنية مخصصًا للجزء الذي يأكله، فلا يكون داخلًا في المنذور به.\n_________\n(^١) المغني لابن قدامة (٥/ ٤٤٥) دار هجر.\n(^٢) انظر فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك للشيخ عليش (١/ ٢٠٧) ط. دار المعرفة.","vol":"2","page":567},{"text":"جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: مصرف نذر الطاعة على ما نواه به صاحبه في حدود الشريعة المطهرة، فإن نوى باللحم الذي نذره للفقراء؛ فلا يجوز له أن يأكل منه، وإن نوى بنذره أهل بيته أو الرفقة التي هو أحدهم جاز له أن يأكل كواحد منهم؛ لقوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١)، وهكذا لو شرط ذلك في نذره أو كان ذلك هو عرف بلاده (^٢).\nتنبيه:\nالمراد بتخصيص العرف للعمومات هنا أقوال الناس التي خرجت منهم بصيغة العموم، فإن العرف يخصصها؛ إذ أول ما يتبادر لذهن المتكلم هو عرفه، بخلاف ما يأتي إن شاء الله تعالى - في مبحث العام والخاص في المجلد الثالث - وأن الجمهور على عدم تخصيص العام بالعرف، فالمراد بالعام هناك العام الوارد في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب.\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة (٢٣/ ٣٩٠).","vol":"2","page":568},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-441> من الكتب المهمة في موضوع العرف والعادة:</span>\n١ - قاعدة العادة مُحَكَّمة. دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية، د. يعقوب الباحسين، دار الرشد.\n٢ - المسائل الفقهية المبنية على العرف عند شيخ الإسلام ابن تيمية، إعداد: مشعل بن حمود بن فالح النفيعي.\n٣ - العرف وتطبيقاته المعاصرة، د. سعود بن عبد الله الورقي.\n٤ - إعلام الموقعين لابن القيم.\n٥ - الأشباه والنظائر للسيوطي.","vol":"2","page":569},{"text":"<span data-type='title' id=toc-442>الفصل الحادي عشر:\nالاستقراء</span>","vol":"2","page":571},{"text":"الاستقراء\nالاستقراء لغة: التفحص والتتبع (^١)، تتبع الجزئيات للوصول إلى نتيجة كلية (^٢).\nواصطلاحًا: هو تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشتمل على تلك الجزئيات (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-443> أنواع الاستقراء:</span>\n١ - استقراء عام، وهو تصفح جميع الجزئيات ليحكم بحكمها على كلي يشملها.\nأو هو ثبوت حكم كلي في الماهية لثبوته في كل جزئياتها، مثل كل حيوان متحرك، كل إنسان ناطق.\n_________\n(^١) دستور العلماء للقاضي عبد النبي الأحمد (١/ ٧٣).\n(^٢) المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية (٢/ ٧٢٢).\n(^٣) المستصفى للغزالي (١/ ٤١).","vol":"2","page":573},{"text":"أو تتبع الأفراد، فيوجد الحكم في كل صورة منها، ما عدا الصورة التي فيها النزاع؛ فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل النزاع.\nحكمه: هو حجة بلا خلاف، وهو عند أكثرهم يفيد القطع (^١).\nمثاله: استدلال الجمهور بالاستقراء على أن أهل مكة لا بد أن يخرجوا إلى الحل للإحرام بالعمرة.\nوبيانه: أن تتبع أفراد النسك، دل على أن كل نسك من حج، أو قران، أو عمرة، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، حتى يكون صاحب النسك زائرًا قادمًا على البيت من خارج كما قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، فالمحرم بالحج، أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات، وهي في الحل، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة النزاع، لا بد فيها من الجمع بين الحل\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٨/ ٦).","vol":"2","page":574},{"text":"والحرم، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع -وهي اشتراط خروج أهل مكة للحل للإحرام بالعمرة- لا بد فيها من الجمع أيضًا بين الحل والحرم (^١).\n٢ - الاستقراء الناقص: هو تصفح أغلب الجزئيات ليحكم بحكمها على كلي يشملها.\nأو: هو ثبوت حكم كلي في الماهية لثبوته في أغلب جزئياتها.\nمثل: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ.\nوإنما كان هذا استقراءً ناقصًا؛ لأن التمساح لا يحرك فكه الأسفل فالحكم مختلف فيه.\nحكمه: مختلف فيه، فمن الأصوليين من قال: لا يفيد الحكم لا قطعًا، ولا ظنًّا، ومن هؤلاء الإمام الرازي، وقد نص على ذلك في «المحصول».\nومنهم من قال: يفيد الحكم ظنًّا، ولا يفيده قطعًا، وهو رأي الجمهور، ومنهم البيضاوي.\nمثاله: استدلال الشافعية على عدم وجوب الوتر، بأن النبي ﷺ صلاه على الراحلة.\nواستقراء أفعاله ﷺ أداءً وقضاءً أثبت أنه لم يفعل الواجبات على\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٢٠٧) دار الحديث.","vol":"2","page":575},{"text":"الراحلة، فكان من ذلك دليلًا على عدم وجوب الوتر (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-444> من المجالات التي يستعمل فيها الاستقراء التام:</span>\n١ - ما يمكن ملاحظة جزئياته جميعها:\nيقول القرافي: من أراد القطع بقواعد أصول الفقه من الإجماع والقياس وغيرهما؛ فليتوجه إلى الاستقراء التام في أقضية الصحابة ومناظراتهم وأجوبتهم، وفتاويهم، ويكثر من الاطلاع على نصوص الكتاب والسنة (^٢). وذلك لأن استقراء قضايا الصحابة -مع صعوبته- يمكن استيعابه لانحصارهم.\nومن أمثلته قول الشنقيطي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]: التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن؛ أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب (^٣).\nوقال ابن كثير ﵀: وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت\n_________\n(^١) أصول الفقه. أبو النور زهير (٤/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٢) نفائس الأصول للقرافي (١/ ١٤٧) ط نزار الباز.\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ٥، ٦).","vol":"2","page":576},{"text":"عليه السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي (^١).\nومنه ما ذهب إليه المحققون من المفسرين: من أن الحروف المقطعة في كتاب الله جيء بها بيانًا ودلالة على إعجاز القرآن؛ لاطراد ذكر هذه الحروف مع ذكر القرآن، وهو القول الصحيح في هذه المسألة لدلالة الاستقراء التام عليه في القرآن.\nيقول الشنقيطي ﵀: أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه، فهو أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.\nوحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف.\nقال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.\nووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير، سورة المائدة آية (٢).","vol":"2","page":577},{"text":"بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه، وذكر ذلك بعدها دائمًا دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إعجاز القرآن، وأنه حق (^١).\nفالقرآن محصور يمكن الإتيان على جميعه؛ فصحَّ ادعاء الاستقراء التام فيه إذا قيد المحكوم عليه بجهة يمكن استيعاب جزئياتها، مثل قولهم: كل ما في الظلمات والنور، فالمقصود به الهدى والضلال، إلا التي في أول الأنعام، فإن المقصود بها ظلمة الليل ونور النهار.\nوقول الشنقيطي: كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير باستقراء القرآن (^٢).\nوقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عسى في القرآن واجبة (^٣).\n٢ - التقسيم:\nبأن يتتبع المستقرئ جزئيات، فيتوصل إلى أنها لا تدخل تحت نوع واحد، ولكنها أقسام تحت أمر كلي، بشرط أن يستقصي الأنواع حتى\n_________\n(^١) أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٦).\n(^٢) أضواء البيان (٣/ ٢١).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٣/ ٢٣٢)، وسندها صحيح.","vol":"2","page":578},{"text":"يعلم أنه لم يبق قسم في الخارج غير ما ذكر.\nمثاله: قول النحاة: الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف. وقول علماء العقيدة: التوحيد أنواع ثلاثة: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.\nومع أن الاستقراء التام لو تيسر، فإنه أكثر اطمئنانًا وأرفع قيمة؛ إلا أن طبيعة العلوم تقتضي تعذر التام؛ ولذا اختص التام بمجالات محددة، أما الناقص فمجال استعماله غير محدود (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-445> الدليل على أن الاستقراء حجة:</span>\n١ - ما أرشد إليه القرآن من كون الاستقراء مفيدًا للعلم أو غلبة الظن، ومن ذلك:\nأ- الإنكار على ترك التدبر والنظر، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ [الأعراف: ١٨٤]، أي: إنهم إن تتبعوا أحواله وجزئيات حياته فيهم منذ نشأته إلى أن بلغ الأربعين، وسبروا صلاح حاله؛ لعلموا أنه ليس بمجنون، وهذا منهج الاستقراء.\n_________\n(^١) الاستقراء ومجالاته في العلوم الشرعية، د/ محمد أيمن الزهر، بحث في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد (٢٩) العدد الأول (٢٠١٣) (٤٥٦ - ٤٥٧).","vol":"2","page":579},{"text":"ب- أن الغالب على الناس المخالفة بشهادة الاستقراء بعد البعثة، قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].\nج- قول نوح ﵇: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٧]، قال في تتمة أضواء البيان: وكذلك بدليل الاستقراء، وهو دليل معتبر شرعًا وعقلًا، وهو أنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل، كانوا هم ومن معهم غيرهم حمل سفينة فقط؛ فكان دليلًا على قومه أنه فُتِنُوا بالمال ولم يؤمنوا له، وهو دليل نبي الله موسى ﵇ أيضًا على قومه.\nكما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس: ٨٨].\nفأُخبر نبي الله موسى عن قومه أنهم لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وذلك من استقراء حالهم في مصر لما أراهم الآية الكبرى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٠ - ٢٤].","vol":"2","page":580},{"text":"وبعد أن ابتلاهم الله بما قص علينا في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: ١٣٣] (^١).\n٢ - دلالة السنة:\nومما يستفاد من السنة في مشروعية الاعتماد على الاستقراء: ما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا» (^٢)، وهذا معناه أن استقراء هذه الظاهرة في أولاد فارس والروم الذي اطرد معها عدم إضرارهم؛ يدل على أنه قاعدة عامة في كل بني آدم، فاعتمد النبي ﷺ على نتيجة الاستقراء وتوقف عن النهي (^٣).\nالترجيح بالاستقراء: ومن ذلك:\n١ - نوع الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل\n_________\n(^١) أضواء البيان (٨/ ٢٥٦)، (٢٥٧) ط دار الحديث.\n(^٢) رواه مسلم (١٤٤٢).\n(^٣) الاستقراء ومجالاته د/ محمد أيمن الزهر، بحث في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، (٤٦١).","vol":"2","page":581},{"text":"عمران: ٧]، فمن قال بأنها استئنافية وليست عاطفة؛ استدل بدلالة الاستقراء، قال الشنقيطي ﵀: ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة: دلالة الاستقراء في القرآن، أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئًا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك، كقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فالمطابق لذلك أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده. كما قاله الخطابي، وقال: لو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] للنسق؛ لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فائدة، والقول بأن الوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] ابتداء كلام، هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، قال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الأنفال: ٦٤] في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة، أي حسبك الله، وحسبك أيضًا\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٢١٠).","vol":"2","page":582},{"text":"من اتبعك من المؤمنين. وممن قال بهذا: الحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي. وقال بعض العلماء: هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكاف في قوله: ﴿حَسْبَكَ﴾ [الأنفال: ٦٢] وعليه، فالمعنى حسبك الله، أي: كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين. وبهذا قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر عليه ابن كثير وغيره، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: ٥٩]، فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله. بل جعل الحسب مختصًا به وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال: ٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده.","vol":"2","page":583},{"text":"وقد أثنى ﷾ على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩]، الآية، إلى غير ذلك من الآيات (^١).\nالاستدلال على أنه لا حد لأكثر الطهر إجماعًا:\nقال النووي في «المجموع»: ودليلها في الإجماع ومن الاستقراء أن ذلك موجود مشاهد، ومن أظرفه ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه قال: أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد ونفاسها أربعون يومًا (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٢٧٤) سورة الأنفال آية (٦٤).\n(^٢) المجموع للنووي (٢/ ٤٠٩) ط الإرشاد.","vol":"2","page":584},{"text":"<span data-type='title' id=toc-446>الفصل الثاني عشر:\nالاستحسان</span>","vol":"2","page":585},{"text":"الاستحسان\nوقبل الكلام عن هذا المبحث إليك بعض المقدمات:\n١ - كل استحسان أفضى إلى الوقوع فى الإحداث فى الدين فهو رد.\n٢ - كل استحسان عقلي لا يستند إلا للرأى المجرد أفضى إلى ترك العمل بالدليل الصحيح فهو رد.\n٣ - كل استحسان عقلي أفضى إلى مخالفة مقصود الشارع فهو رد.\n٤ - كل استحسان خالف أصول الشريعة وقواعدها العامة فهو رد.\n٥ - كل استحسان عطل الدليل الصحيح عن دلالته الصحيحة فهو رد.\n٦ - كل استحسان تضمن الترغيب فى عبادة لا دليل عليها فهو رد.","vol":"2","page":587},{"text":"٧ - كل استحسان أيدته الأدلة وصدقته النصوص والقواعد فهو مقبول (^١).\nلغة: هو استفعال من الحسن، وهو: اعتقاد الشيء حسنًا.\nوإنما قلنا: اعتقاد الشيء حسنًا. ولم نقل: العلم بكون الشيء حسنًا. لأن الاعتقاد لا يلزم منه العلم الجازم المطابق لما في نفس الأمر؛ إذ قد يكون الاعتقاد صحيحًا إذا طابق الواقع، وقد يكون فاسدًا إذا لم يطابق، وحينئذ قد يستحسن الشخص شيئًا بناء على اعتقاده، ولا يكون حسنًا في نفس الأمر، وقد يخالفه غيره في استحسانه.\nوقد استحسن بعض الناس عبادة الأصنام، وبعضهم عبادة الكواكب، وبعضهم غير ذلك، وهي أمور مستقبحة في نفس الأمر (^٢).\nواصطلاحًا: تعددت عبارات الأصوليين في تعريف الاستحسان، واختلف حكم الاحتجاج به بناء على تصور ماهيته، فقيل في تعريفه:\n١ - إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه.\nأي لا يقدر أن يفصح عنه بعبارة.\n_________\n(^١) أصول الفقه على منهج أهل السنة لفضيلة الشيخ وليد السعيدان (٣/ ١٢٧) ط دار القلم.\n(^٢) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ١٩٠، ١٩١).","vol":"2","page":588},{"text":"وقد ذكر الآمدي هذا التعريف للاستحسان، وقال: لا نزاع في جواز التمسك بمثل هذا إذا تحقق المجتهد كونه دليلًا شرعيًّا، وإن عجز عن التعبير عنه، وإن نوزع في إطلاق اسم الاستحسان عليه، عاد النزاع إلى اللفظ، فرجع الأمر في هذا إلى أنه عمل بدليل شرعي؛ لأن النفوس يصير لها فيما تعانيه من العلوم والحرف ملكات قارة فيها تدرك بها الأحكام العارضة في تلك العلوم والحرف، ولو كلفت الإفصاح عن حقيقة تلك المعارف بالقول، لتعذر عليها، وقد أقر بذلك جماعة من العلماء، منهم ابن الخشاب (ت ٥٦٧ هـ) ويسمي ذلك أهل الصناعات وغيرهم: دربة، وأهل التصوف: ذوقًا، وأهل الفلسفة ونحوهم: ملكة.\nفعلى هذا لا يبعد أن يحصل لبعض المجتهدين دربة وملكة في استخراج الأحكام لكثرة نظره فيها، حتى تلوح له الأحكام سابقة على أدلتها وبدونها، أو تلوح له أحكام الأدلة في مرآة الذوق والملكة على وجه تقصر عنها العبارة، فإذا اتفق ذلك للمجتهد، وحصل له به علم أو ظن، جاز العمل به.\nحكمه بهذا المعنى: منعه كثير من العلماء من جهة أن هذا يصير حكمًا في الشرع بما يشبه الإلهام، وأحكام الشرع إنما بنيت على ظواهر","vol":"2","page":589},{"text":"الأدلة، فتدور معها وجودًا وعدمًا (^١).\n٢ - وقيل: هو ما استحسنه المجتهد بعقله.\nقال القرافي: هو الحكم بغير دليل، وهو اتباع للهوى فيكون حرامًا إجماعًا (^٢).\nوهذا النوع من الاستحسان هو الذي أنكره الجمهور، حتى قال الشافعي عنه: من استحسن فقد شرع.\nقال الروياني: ومعناه أن ينصب من جهة نفسه شرعًا غير شرع المصطفى، وهذا باطل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال الشافعي: الاستحسان تلذذ (^٣).\nونسب القول به إلى أبي حنيفة ﵀، وأصحاب أبي حنيفة ينكرون هذا التفسير عنه (^٤).\nيقول عبد العزيز البخاري: وكل ذلك طعن من غير روية، وقدح من غير وقوف على المراد، فأبو حنيفة ﵀ أجل قدرًا، وأشد ورعًا من\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ١٩١ - ١٩٣).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول (٣٥٥).\n(^٣) البحر المحيط (٦/ ١٤).\n(^٤) التحبير شرح التحرير بتصرف (٨/ ٣٨٢٠) ط. الرشد.","vol":"2","page":590},{"text":"أن يقول في الدين بالتشهي (^١).\nوأوضح أن المراد بالاستحسان عنده هو ترجيح أحد القياسين على الآخر، فسمي أحد القياسين استحسانًا إشارة إلى أنه الوجه الأولى في العمل به لترجحه على الآخر.\n٣ - قال الطوفي: وأجود ما قيل فيه -أي الاستحسان-: أنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص (^٢).\nقال الكرخي: هو العدول عما حكم به في نظائر مسألة إلى خلافه لوجه أقوى منه (^٣).\nقال الطوفي: مثاله قول أبي الخطاب في مسألة العينة: وإذا اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن الأول؛ لم يجز استحسانًا، وجاز قياسًا، فالحكم في نظائر هذه المسألة من الربويات الجواز، وهو القياس، لكن عدل بها عن نظائرها بطريق الاستحسان فمنعت، وحاصل هذا يرجع إلى تخصيص الدليل بدليل أقوى منه في نظر المجتهد.\n_________\n(^١) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري (٤/ ٣) دار الكتاب العربي.\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ١٩٧).\n(^٣) شرح تنقيح الفصول (٣٥٥).","vol":"2","page":591},{"text":"ومثاله: ما قاله أحمد ﵀: أنه يتيمم لكل صلاة استحسانًا، والقياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث.\nوبهذا المعنى: هو مذهب أحمد.\nقال ابن قدامة: قال القاضي يعقوب: القول بالاستحسان مذهب أحمد ﵀، وهو أن تترك حكمًا إلى حكم هو أولى منه، وهذا مما لا يُنكَر، وإن اختلف في تسميته، فلا فائدة في الاختلاف في الاصطلاحات مع الاتفاق في المعنى (^١).\nقال أبو الوليد الباجي من المالكية: هو القول بأقوى الدليلين.\nقال القرافي: وعلى هذا يكون حجة إجماعًا، وليس كذلك (^٢).\nقال الزركشي: واعلم أنه إذا حرر المراد بالاستحسان زال التشنيع، وأبو حنيفة بريء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة. قال العارض المعتزلي في «النكت»: وقد جرت لفظة الاستحسان لإياس بن معاوية، ولمالك بن أنس في كتابه، وللشافعي في مواضع (^٣).\nوعن ابن القاسم، قال مالك: تسعة أعشار العلم الاستحسان.\n_________\n(^١) روضة الناظر لابن قدامة (١٦٣).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٥٥).\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٦/ ٨٨).","vol":"2","page":592},{"text":"ولا يمكن أن يكون هذا هو ما يستحسنه المجتهد بعقله، أو أنه ما ينقدح في نفس المجتهد، وتعسر عبارته عنه، فإن مثل هذا لا يكون تسعة أعشار العلم.\nقال ابن العربي: الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء، والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته (^١).\nقال أصبغ بن الفرج: الاستحسان في العلم يكون أبلغ من القياس.\nوقال الباجي: ذكر محمد بن خويزمنداد معنى الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك: هو القول بأقوى الدليلين.\n\n*<span data-type='title' id=toc-447> أنواع الاستحسان:</span>\nالاستحسان: هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى منه، على سبيل التخفيف، ولما كان ما يقتضي التخفيف ليس منضبطًا فإنهم لجأوا إلى وسائل تضبط لهم ذلك فنوعوا الاستحسان بحسبها.\n_________\n(^١) الاعتصام للشاطبي (٣/ ٦٥).","vol":"2","page":593},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-448> وقد قسم علماء الحنفية الوجوه الدالة على الاستحسان إلى أقسام:</span>\nالأول: الاستحسان بالنص:\nويعبرون عنه بقولهم: ما ثبت بالأمر، وهو العدول عن حكم القياس، أو القواعد المقررة في الباب في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو بالسنة (^١).\nوالاستثناء بالنص قد يكون بسبب الضرورة، أو الحاجة، وسمي هذا الاستثناء بالنص؛ لأن إفراد هذه الصورة من القاعدة العامة جاء بنص، أما في باقي أنواع الاستحسان جاء بالاجتهاد.\nأمثلة الاستحسان بالنص:\n١ - جواز الإجارة عند الأحناف؛ لأنها تمليك منفعة، والمنافع معدومة، والأصل أو القياس في المعدوم عدم صحة تملكه، ولا إضافة التمليك إليه، ولكنها استثنيت من هذا القياس بالنص، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال عن موسى والرجل الصالح: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، فتجويزها لحاجة الناس إليها.\n_________\n(^١) الأساس في أصول الفقه. د. عبد الرحمن محمود (٢/ ٣٦٦).","vol":"2","page":594},{"text":"٢ - جواز السلم: وهو بيع ما ليس عند الإنسان، والقاعدة العامة عدم جواز بيع المعدوم؛ لقوله ﷺ: «لا تبع ما ليس عندك» (^١)، لكن رخص في السلم بالنص، وهو قوله ﷺ: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (^٢)، فشرع لشدة الحاجة إليه، ولأجل ما فيه من مصلحة.\nونازع بعض العلماء في تسمية هذا النوع استحسانًا؛ لأن الأحكام ثبتت بالنص، وليست بالاستحسان، فتسميته استحسانًا هي حشر للشيء في غير موضعه.\nويجاب: بأن المسألة اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح، وعلماء الحنفية وغيرهم ممن أخذ بالاستحسان كانوا بصدد تقرير نظرية شرعية عامة تتعلق بالفروع المستثناة من كم نظائرها، وبالأدلة التي يمكن أن تصلح سندًا للاستثناء، وهذا لا يعارض أن الأحكام ثابتة بالنصوص، كما لا يبرر سلب حق العلماء في جمع المتشابهات،\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أبو داود (٣٥٠٣)، الترمذي (١٢٣٢)، النسائي (٤٦١٣) من حديث حكيم بن حزام.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عباس.","vol":"2","page":595},{"text":"والتوفيق فيما بينها، وإعطائها اسم نظرية ما (^١).\nالثاني: الاستحسان بالإجماع:\nومقتضاه: العدول عن مقتضى القواعد في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع.\nومن أمثلة ذلك:\nأ- عقد الاستصناع: الاستئجار على تحصيل الصنائع، فالقياس يقتضي عدم جوازه؛ لأنه بيع معدوم من كل وجه، لكن عدل عن هذا الحكم إلى جوازه؛ لتعامل الأمة به من لدن عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير، فصار إجماعًا عمليًّا (^٢).\nب- تجويز دخول الحمام من غير تعيين الأجرة، وتقدير مدة اللبس، مع أن القياس يمنع ذلك؛ لأن دخول الحمام إجارة، ولا بد فيها من بيان المدة، كما أنها واردة على استهلاك العين، ولا بد من بيان مقداره، ففيها جهالتان: في المعقود عليه، وفي المدة، وكل واحدة تكفي في إفساد الإجارة، ولكنها أبيحت استحسانًا، وتساهلوا في أمرها، وانعقد إجماعهم على ذلك.\n_________\n(^١) الاستحسان حقيقته أنواعه حجيته، د/ يعقوب الباحسين (٨٥، ٨٦) بتصرف.\n(^٢) الأساس في أصول الفقه د/ محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٣٦).","vol":"2","page":596},{"text":"الثالث: الاستحسان بالضرورة:\nويتحقق هذا النوع في كل جزئية يكون الأخذ وفق الأصل العام، أو القواعد المقررة، أو القياس أمرًا متعذرًا أو ممكنًا، لكنه يلحق بالمكلف مشقة وعسرًا شديدين، فيعدل بها عن أن يحكم فيها بمثل ما حكم به في نظائرها للسبب المذكور (^١).\nمثاله:\n١ - تطهير الحياض والآبار بعد تنجيسها، يعني الحكم بتطهيرها بنزحها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو ريح.\nوذلك أن الحياض والآبار لو قيس تطهيرها على تطهير الأواني لما أمكن؛ لأنه لا يمكن غسل البئر والحوض كما يغسل الإناء والثوب، لأن ما ينبع في البئر، أو يصب في الحوض لا بد أن يلاقي نجسًا فينجس، فلا تتحقق طهارته، ولكن الشارع حكم بطهارتهما للضرورة (^٢).\n٢ - جواز نظر الطبيب إلى المرأة الأجنبية لمداواتها، فينظر إلى موقع المرض مع أنه أجنبي عنها لغرض مداواتها، وحفظ حياتها، وكذلك نظر الخاطب، والقاضي الذي يحكم، والشاهد عليها.\n_________\n(^١) الاستحسان للباحسين (١٠٠).\n(^٢) الأساس في أصول الفقه (٢/ ٣٣٦)، الاستحسان للباحسين (١٠٢).","vol":"2","page":597},{"text":"قال السرخسي: والمرأة عورة مستورة، ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة، فكان ذلك استحسانًا لكونه أرفق بالناس (^١).\nالرابع: الاستحسان بالقياس الخفي:\nوقد صوره السرخسي بأنه قياسان: أحدهما جلي ظاهر ضعيف أثره، والآخر خفي قوي أثره، فيسمى استحسانًا أي قياسًا مستحسنًا، فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والوضوح.\nفسموا ما ضعف أثره قياسًا، وما قوي أثره استحسانًا، وقُدِّم على الأول وإن كان جليًّا؛ لأن العبرة بقوة الأثر دون الجلاء والظهور.\nمثاله: الدنيا ظاهرة والعقبى باطنة، لكن أثرها وهو الدوام والخلود وصفو العيش أقوى من أثر الدنيا، وهو ضد ذلك، والنفس في البدن أظهر من القلب، لكن القلب أقوى أثرًا لدوران صلاح الجسد وفساده مع صلاح القلب وفساده (^٢)، وجودًا وعدمًا، كما ورد به النص\n_________\n(^١) الاستحسان للباحسين (١٠٤، ١٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «… ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».","vol":"2","page":598},{"text":"الصحيح (^١).\nومثال ذلك: أن القياس يقتضى أن سؤر سباع الطير نجس كسؤر سباع البهائم بجامع تحريم الأكل فيهما، والاستحسان يقتضي أنه طاهر فرقًا بينهما بأن سباع البهائم إنما تنجس سؤرها لمجاورته رطوبة فمها ولعباها، بخلاف سباع الطير فإنها تشرب بمنقارها، وهو عظم يابس طاهر خال عن مجاورة نجس، وإذا كان عظم الميتة طاهرًا فعظم الحي أولى، فهذا أثر قوي باطن، فسقط له حكم القياس الظاهر (^٢).\nومثاله: دخول حقوق الارتفاق كالشرب، والطريق، والمسيل في الوقف، وإن لم ينص الواقف على ذلك استحسانًا قياسًا على الإجارة، وإن كان قياس الوقف على البيع أظهر، والبيع لا بد فيه من النص على ذلك.\nزاد بعض المالكية أنواعًا أخرى من الاستحسان منها:\nالخامس: الاستحسان بالمصلحة:\nوالمقصود به: أن الداعي إلى إخراج جزئية ما عن حكم القياس، أو القاعدة هو المصلحة التي يتحقق بها رفع الحرج والمشقة عن الناس،\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٢٠٠).\n(^٢) الأساس في أصول الفقه. د/ محمود عبد الرحمن (٢/ ٣٦٧).","vol":"2","page":599},{"text":"وتيسير معاملاتهم.\nمثاله: تضمين الأجير المشترك وإن لم يكن صانعًا، كتضمين صاحب الحمام الثياب، وتضمين صاحب السفينة، وتضمين السماسرة المشتركين، وتضمين حمال الطعام دون غيره من الحمالين؛ لأن الطعام تسرع إليه الأيدي كثيرًا.\nفهنا استثناء من القاعدة العامة: وهي براءة المؤتمن بالبراءة الأصلية، وعدم تضمينه الذي هو شأن الإجارة. فترك هذا الوجه لوجه أقوى منه للمصلحة، وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع نظرًا لكثرة الخيانة بين الناس، وقلة الأمانة، ولو لم يتضمن الأجير لامتنع كثير من الناس من دفع أمتعتهم إليه خوفًا عليها من الضياع، أو التلف، أو الخيانة.\nالسادس: الاستحسان بالعرف:\nوهو العادات والأعراف الجارية بين الناس في الجزئيات التي يكون الآخذ بالعرف أو العادة فيها مخالفًا للأقيسة والقواعد المقررة (^١).\nوهو كثير عند المالكية يليهم الحنفية، ثم باقي المذاهب.\nمثاله: الحكم بعدم حنث من حلف لا يأكل اللحم بأكل السمك،\n_________\n(^١) الاستحسان للباحسين (١٠٧).","vol":"2","page":600},{"text":"والأصل أنه يحنث؛ لأن السمك لحم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]، ولكن قالوا: لا يحنث استحسانًا؛ لأن العرف جرى على التفريق بين اللحم والسمك، وأن السمك لا يسمى لحمًا في العرف.\nومثاله: جواز استئجار جمل ليحمل عليه محملًا وراكبين إلى أحد البلدان، مع أن القياس يمنع ذلك لما في هذه الإجارة من الجهالة التي قد تفضي إلى المنازعة، لكن هذه الجهالة تصرف إلى المتعارف عليه، وهو المحمل المعتاد فلا يفضي إلى المنازعة.\nومثل ذلك في عصرنا: استئجار السيارات اللوري، أو الباصات لنقل الركاب وأمتعتهم في الشركات التي لا تتطلب تعيين المحمولات.\nقال الشاطبي: والرابع: أن مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل للعرف، فإنه رد الأيمان إلى العرف مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف، كقوله: والله لا دخلت مع فلان بيتًا، فلا يحنث بدخوله معه المسجد، وما أشبه ذلك.\nووجهه: أن اللفظ يقتضي الحنث بدخول كل موضع يسمى بيتًا في اللغة، والمسجد يسمى بيتًا فيحنث على ذلك، إلا أن عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه، فخرج بالعرف عن مقتضى اللفظ فلا","vol":"2","page":601},{"text":"يحنث (^١).\nالسابع: الاستحسان بنزارة الشيء وتفاهته:\nوسماه ابن العربي المالكي: الاستحسان بترك مقتضى الدليل في اليسير لنزارته وتفاهته.\nقال الشاطبي: ووجه ذلك: أن التافه في حكم العدم، ولذلك لا تنصرف إليه الأغراض في الغالب، وأن المشاحة في اليسير قد تؤدي إلى الحرج والمشقة، وهما مرفوعان عن المكلف.\nمثاله: جوز الإمام مالك أن يُستَأْجَر الأجير بطعامه، وإن كان لا ينضبط مقدار أكله ليسارة أمره، وخفة خطبه، وعدم المشاحة فيه.\nتجويز التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة، وتجويز الجهالة اليسيرة كجهالة الوصف في الوكالة استحسانًا كأن يوكله وكالة عامة، فيقول: ابتع لي ما رأيت؛ لأن مبنى التوكيل على التوسعة، وفي اشتراط عدم الجهالة اليسيرة حرج، وهو مرفوع (^٢).\n_________\n(^١) الاعتصام للشاطبي (٣/ ٦٨) ط. التوحيد ت/ مشهور.\n(^٢) الاعتصام (٣/ ٧١)، المراطلة: بيع الذهب بالذهب موازنة أي يجعل هذا ذهبه في كفة والآخر ذهبه في الكفة الأخرى.","vol":"2","page":602},{"text":"الثامن: الاستحسان بمراعاة الخلاف:\nوهو إعمال لكل واحد من الدليلين فيما هو فيه أرجح (^١).\nقال الشاطبي: وهو أصل في مذهب مالك ينبني عليه مسائل كثيرة.\nوأورد عن أبي العباس بن القباب ما يعني تصحيح التصرف المخالف بعد الوقوع أو فوات الأوان.\nوقال الشاطبي: ووجهه: أنه راعى دليل المخالف في بعض الأحوال؛ لأنه ترجح عنده، ولم يترجح له في بعضها، فلم يراعه (^٢).\nوذكر الشاطبي أمثلة، وذكر عن أبي العباس بن القباب أمثلة نذكر بعضها:\n١ - مسألة امرأة المفقود: أنه إن قدم المفقود قبل نكاحها فهو أحق بها، وإن كان بعد نكاحها والدخول بها بانت، وإن كانت بعد العقد، وقبل البناء فقولان، فإنه يقال: الحكم لها بالعدة من الأول إن كان قطعًا لعصمته، فلا حق له فيها، ولو قدم قبل تزوجها، أو ليس بقاطع للعصمة، فكيف تباح لغيره في عصمة المفقود؟\n_________\n(^١) الاستحسان للباحسين (١٢٠).\n(^٢) الاعتصام للشاطبي (٢/ ١٢٥ - ١٢٦) مكتبة الأسرة.","vol":"2","page":603},{"text":"وما روي عن عمر وعثمان (^١) في ذلك أغرب، وهو أنهما قالا: إذا قدم المفقود يخير بين امرأته، أو صداقها، فإن اختار صداقها بقيت للثاني، فأين هذا من القياس؟ وقد صحح ابن عبد البر هذا النقل عن الخليفتين عمر وعثمان ﵄ (^٢).\n٢ - ومثاله: من نسي تكبيرة الإحرام، وكبر للركوع، وكان مع الإمام أنه يتمادى مراعاة لقول من قال: إن ذلك يجزئه. فإذا سلم الإمام أعاد هذا المأموم (^٣).\n٣ - ومن أمثلته عند المالكية: فالمالكية والحنابلة في المشهور عنهم يرون نجاسة جلد الميتة سواء دبغ أم لم يدبغ، وقال الشافعية والحنفية بأن الجلد سواء كان من ميتة أو من مذبوح غير مأكول اللحم يطهر بالدباغ.\n_________\n(^١) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه عبد الرزاق (١٢٣١٧) وفيه انقطاع، وفي (١٢٣١٨) وفيه انقطاع، وفي (١٢٣٢٠) وفيه انقطاع، وفي (١٢٣٢١) وفيه ضعف لكنه يصحح بمجموع هذه الطرق، قال مالك: \" وأدركت الناس ينكرون الذي قال بعض الناس على عمر بن الخطاب أنه قال: يخير زوجها الأول إذا جاء في صداقها أو في امرأته \".\n(^٢) الاعتصام للشاطبي (٣/ ٨٢).\n(^٣) الاعتصام للشاطبي (٣/ ٧٧) ط. التوحيد.","vol":"2","page":604},{"text":"فالمجتهد المالكي القائل بمراعاة الخلاف يعمل بمقتضى دليله في عدم جواز الصلاة على جلد الميتة المدبوغ، فإذا وقعت نازلة، ووقع ذلك فإنه يصحح الصلاة، ويعتبر دليل المخالف، فهو في هذه الحالة عمل بدليله ابتداءً، وبدليل المخالف بعد وقوع النازلة لما له في النفس من اعتبار، فمراعاة الخلاف كما يلاحظ في المثال تكون بعد الوقوع.\nفالعمل بدليل المخالف يعد استثناءً مما يقتضيه دليل المذهب الراجح عندهم، والتيسير فيه واضح نظرًا لتصحيح التصرف، وعدم إلغائه، أو ترك الاعتداد به (^١).\nقلت: قد يمثل لذلك إن صح المثال: الرضاع المحرم عند المالكية، وهو مطلق الرضاع قليلًا أو كثيرًا، وعند الشافعية والحنابلة خمس رضعات يحرمن، فالمالكي يمنع الزواج بسبب الرضاع ابتداءً سواءً رضعة واحد أو أكثر، فإذا وقع الزواج ودخل بها وأنجب أولادًا، وكان الرضاع أقل من خمس رضعات فيمكن إمضاء هذا النكاح، وتصحيحه مراعاة لخلاف من اشترط الخمس.\nتنبيه: بالرغم من أن الشافعية يرفضون الاستحسان أصلًا، إلا أنهم\n_________\n(^١) الاستحسان حقيقته أنواعه حجيته تطبيقاته المعاصرة للباحسين (١٢٢، ١٢٣) بتصرف.","vol":"2","page":605},{"text":"ممن يأخذ بمراعاة الخلاف، ومن قواعدهم: الخروج من الخلاف مستحب. ومما ذكر من فروعها عندهم: كراهة صلاة المنفرد خلف الصف خروجًا من خلاف من أبطلها، وكراهة مفارقة الإمام بدون عذر، والاقتداء خلال الصلاة خروجًا من خلاف من لم يجز ذلك (^١).\nوذكر هذه القاعدة السيوطي في «الأشباه والنظائر»، فقال: فروعها كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، فمنها استحباب الدلك في الطهارة، واستيعاب الرأس بالمسح، وغسل المني بالماء، والترتيب في قضاء الصلوات … إلخ.\nوقال: لمراعاة الخلاف شروط:\nأحدها: أن لا يوقع مراعاته في خلاف آخر.\nالثاني: أن لا يخالف سنة ثابتة، فلا يعتد بخلاف الحنفية بإبطالهم الصلاة برفع اليدين.\nالثالث: أن يقوى مدركه بحيث لا يعد هفوة، ومن ثم كان الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه، ولم يبال بقول داود إنه لا يصح (^٢).\n_________\n(^١) الاستحسان للباحسين (١٢٥).\n(^٢) الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٩٦ - ٢٩٩) دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":606},{"text":"جامع المسائل والقواعد\nفي علم الأصول والمقاصد\nالمجلد الثالث\n\n<span data-type='title' id=toc-449>طرق الاستنباط</span>\nتأليف\nعبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي","vol":"3","page":1},{"text":"طرق الاستنباط\nوفيه تسعة فصول:\n• الفصل الأول: الأمر.\n• الفصل الثاني: النهي.\n• الفصل الثالث: العام والخاص.\n• الفصل الرابع: المطلق والمقيد.\n• الفصل الخامس: الظاهر والمؤول.\n• الفصل السادس: المجمل والمبين.\n• الفصل السابع: المنطوق والمفهوم.\n• الفصل الثامن: النسخ.\n• الفصل التاسع: ترتيب الأدلة والتعارض والترجيح.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-450>الفصل الأول: الأمر</span>","vol":"3","page":4},{"text":"الأمر\n\n<span data-type='title' id=toc-451>تمهيد</span>\nلما كان المسلم مطالبًا بالتزام أحكام الإسلام، والتي تحقق له السعادة في الدارين، وتحقق غاية مرامه لنيل محبة الله تعالى، وتوفيقه في الدنيا، ورضوانه وجنته في الآخرة، صار من الضروري له أن يتعلم الأحكام الشرعية العملية؛ لأنه المخاطب والمكلف بهذه الأحكام، ولا بد من معرفة ما يتوصل به إلى العلم بها، وهذا يكتسب من الأدلة التفصيلية لهذه الأحكام.\nومن أهم ما ينبغي معرفته المسائل المتعلقة بالأمر والنهي؛ لأنَّ التكليف ما هو إلا ذلك، والتكليف بالأمر والنهي يتنوع إلى: طلب جازم، وطلب غير جازم. سواء كان هذا الطلب أمرًا (طلب الفعل)، أونهيًا (طلب الترك)، ولكي يتم امتثال المسلم للتكليف على الوجه المطلوب والمرضي شرعًا؛ كان لا بد من معرفة ماهية هذا التكليف ودرجاته، ليستطيع التمييز بين واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح، وهذه هي الأوصاف التي عليها مدار الأحكام التكليفية (^١).\n_________\n(^١) الأمر والنهي عند الأصوليين لعزة كامل مصطفى (٢، ٣).","vol":"3","page":5},{"text":"فالأمر والنهي من أهم مباحث أصول الفقه؛ لأمرين:\nالأول: أنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب للمكلفين.\nالثاني: أنَّ معرفتهما تؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية بتفاصيلها، وبهما يتميز الحلال من الحرام.\nوأما سبب تقديم الأمر على النهي: فهوأنَّ الأمر طلب إيجاد الفعل، وأما النهي فهوطلب الاستمرار على عدم الفعل، فقدم الإيجاد على العدم (^١).\nتنبيه: إنَّ معرفة ماهية الأمر والنهي لا شك في أهميته إلا أنَّ صنفًا من الناس تعامل مع الأوامر والنواهي معاملة لم تكن من هدي الصحابة الكرام، فإذ به مقصوده وحاله معرفة المندوب وتركه وإهماله بحجة أنه ليس بواجب، وتعامل مع بعض الواجبات بالإهمال بحجة أنها موسعة، أوليست على الفور، فإلى الله المشتكى من أوامر ضيعناها، ونواهي أقمنا عليها.\nمن أجل ذلك أهيب بالقارئ الكريم ألَّا تكون ثمرة معرفته بالأمر والنهي الترخص فيهما، والانسلاخ والتفلت منهما، فإنَّ الأمر بجميع أنواعه يجلب رضا الله، والنهي قد يجلب سخط الله، ومن حام حول\n_________\n(^١) المهذب (٣/ ١٣٠٧).","vol":"3","page":6},{"text":"الحمى يوشك أن يرتع فيه، فافطن لهذا، وأعط الأوامر والنواهي قدرها، وسل ربك الإعانة على ذلك.\n• تعريف الأمر:\nلغة: يأتي لمعانٍ، منها:\n١ - الفعل: قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي: فعله.\nقال ابن النجار الحنبلي: أي شأنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أي: في الفعل ونحوه.\nوقوله ﷿: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\nقال الزجاج: أمر الله: ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] أي: جاء ما وعدناهم به.\n٢ - الحال والشأن: يقال: أمر فلان مستقيم، وأموره مستقيمة أي حاله وشأنه.\n٣ - الحادثة: وفي التنزيل العزيز: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]، قيل: ما","vol":"3","page":7},{"text":"يصلحها. وقيل: ملائكتها.\n٤ - الصفة: كقول الشاعر:\nعزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسوَّد من يسود (^١)\nأي: بصفة من صفات الكمال.\n٥ - الشيء: مثل قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١].\n٦ - الحكم: مثل قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].\n٧ - الطلب أوالمأمور به -وهوالمراد من هذا المبحث-: مثل قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] (^٢).\n٨ - الدين والشريعة: مثل قوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد» (^٣) أي دينه وشريعته، وأقواله وأفعاله (^٤).\nملحوظة: الأمر الذي بمعنى الطلب: -والذي نحن بصدده- يجمع\n_________\n(^١) من أقوال الشاعر أنَس بن نُهيك.\n(^٢) الأمر والنهي عند الأصوليين (ص ١٣) وما بعدهابتصرف يسيرواختصار.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٤) قواطع الأدلة (١/ ٣١٠).","vol":"3","page":8},{"text":"على أوامر، ويشتق منه اسم الفاعل (آمر)، بخلاف الأمر الذي بمعنى الشأن وغيره، فإنه لايشتق منه اسم الفاعل، وكذلك يجمع على أمور، ففرق بين الأمر الذي جمعه أوامر، والأمر الذي جمعه أمور (^١).\nالأمر اصطلاحًا: قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].\nفخرج بقولنا: \"قول\" الإشارة، فلا تسمى أمرًا، وإن أفادت معناه (^٢).\nفالإشارة والكتابة في الأصل ليست بطلب، ولا بقول، ولكنها قد تقوم مقام الأمر.\nومثاله: ما روت عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ صلى في بيته وهوشاكٍ، فصلى جالسًا ووراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا (^٣).\nفهنا الإشارة قامت مقام الأمر: اجلس. لكنها ليست أمرًا.\nوخرج بقولنا: \"طلب الفعل\" النهي؛ لأنه طلب ترك.\nوليس المقصود بالفعل هنا قسيم القول، بل المراد بالفعل هنا\n_________\n(^١) المستصفى (١/ ١٨٦)، وأصول السرخسي (١/ ١٢) بتصرف.\n(^٢) الأصول من علم الأصول (١/ ٢٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"3","page":9},{"text":"الإيجاد، ولوكان قولًا مثل قوله ﷺ: «قل لا إله إلا الله» (^١)، فهذا أمر بإيجاد هذا القول (^٢).\nوخرج بقولنا: على وجه الاستعلاء. الدعاء؛ لأنه من الأدنى إلى الأعلى، وخرج الالتماس؛ لأنه من فرد إلى نده (^٣).\nوالراجح هواشتراط الاستعلاء لا العلو؛ لأنَّ الاستعلاء صفة للأمر، والعلو صفة للآمر، وهوخارج عن ماهية التعريف (^٤).\nتنبيه: الأمر له صيغ معينة كما أن النهي له صيغ، فقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هذه صيغة أمر، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] هذه صيغة نهي، ومن يقل: إنَّ الأمر ليس له صيغٌ والنهي كذلك، وكذلك العام والخاص، وغير ذلك، فيقولون: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هذه ليست صيغة للأمر، بل هي قرينة تدل على الأمر، أما الأمر فهو في ذات الله تعالى.\n_________\n(^١) قالها النبي ﷺ لعمه أبي طالب، أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤) من حديث المسيب بن حزن مرفوعًا.\n(^٢) المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول لأبي المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي.\n(^٣) التأسيس (٢٣٨).\n(^٤) المعتصر (١/ ٧١).","vol":"3","page":10},{"text":"وهذه من المسائل التى بها النار تحت الرماد؛ لأنَّ هذا قول الذين قالوا: إنَّ كلام الله كلام في نفسه ليس كلامًا مسموعًا بصوت وحرف.\nوهذا كلام باطل، والحق أنَّ كلام الله هو الذي نقرؤه بألفاظه، فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ، ومن الأدلة على ذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فصرح أنَّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه هو كلامه تعالى.\n٢ - قوله تعالى في قصة زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١٠، ١١]، فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه، والذي عبر عنه بالإشارة كلامًا (^١).\n٣ - قوله ﷺ: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أوتتكلم» (^٢).، فدل ذلك على أنَّ ما يدور في النفس لا يسمى كلامًا، بل الكلام هو ما كان بصوت وحرف.\n٤ - اتفق أهل اللغة على أنَّ الكلام: اسم وفعل وحرف، ولذلك\n_________\n(^١) المذكرة ص (٢٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":11},{"text":"اتفق الفقهاء بأجمعهم على أنَّ من حلف لا يتكلم، فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث، ولونطق حنث.\n٥ - وأهل العرف كلهم يسمون الناطق متكلمًا، ومن عداه ساكتًا أوأخرس (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-452> صيغ الأمر:</span>\n١ - فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\n٢ - اسم فعل الأمر: مثال: حي على الصلاة. فكلمة \"حي\" اسم فعل أمر بمعنى أقبل.\n٣ - المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، أي: فاضربوا الرقاب.\n٤ - المضارع المقرون بلام الأمر: كقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢].\n٥ - وصفه بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أوغيرها:\n_________\n(^١) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزانى ص (٣٩٧).","vol":"3","page":12},{"text":"كقوله ﷺ «إنَّ الله فرض عليكم الحج فحجوا» (^١).\n٦ - الجملة الخبرية الإنشائية: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمعنى أنه يجب على المطلقة أن تتربص بنفسها ثلاثة قروء (^٢).\nوهناك ما يقوم مقام الأمر:\nقال العز بن عبد السلام ﵀: كل فعل كسبي عظمه الشرع، أومدحه، أومدح فاعله لأجله، أوفرح به، أوأحبه، أوأحب فاعله، أورضي به، أورضي عن فاعله، أووصفه بالاستقامة، أوالبركة، أوالطيب، أوأقسم به، أوبفاعله، أونصبه سببًا لمحبته، أولثواب عاجل، أوآجل، أونصبه سببًا لذكره، أولشكره، أولهداية، أولإرضاء فاعله، أولمغفرة ذنبه، أولتكفيره، أولقبوله، أولنصرة فاعله، أوبشارته، أووصف فاعله بالطيب، أووصفه بكونه معروفًا، أو نفي الحزن والخوف عن فاعله، أووعده بالأمن، أونصبه سببًا لولاية الله تعالى، أووصف فاعله بالهداية، أووصفه بصفة مدح كالحياة، والنور، والشفاء، أودعا الله به الأنبياء فهو مأمور به، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) الأصول من علم الأصول ص (٢٣ وما بعدها)، التأسيس (٢٤١) بتصرف يسير.","vol":"3","page":13},{"text":"الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، وقوله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-453> ما تقتضيه صيغة الأمر:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-454> أولًا: الوجوب:</span>\nوالكلام في هذا المبحث في الأمر المطلق الذي لم يقترن بقرينة، فإن كان مقترنًا بقرينة تدل على أنَّ المراد به الوجوب، أوالندب، أوالإباحة حملت على ما دلت عليه القرينة، وإن كان مجردًا عن القرائن، فهو محل البحث، واختلف العلماء فيه على مذاهب (^٢).\nالمذهب الأول: الوجوب. هومذهب أحمد وأصحابه، وجمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة (^٣)، وحجتهم ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فرتب الله تعالى العقاب على مجرد مخالفة الأمر، إما الفتنة، وإما العذاب الأليم.\n٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ\n_________\n(^١) الإمام في بيان أدلة الأحكام (ص ٨٧، ٨٨).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٦٥).\n(^٣) التحبير (٥/ ٢٢٠٢).","vol":"3","page":14},{"text":"وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، فالله أمر الملائكة بقوله: اسجدوا. أمرًا مطلقًا، وإبليس لم يسجد، فرتب الله على ذلك طرده من رحمته، فدل ذلك على أنَّ من يخالف الأمر عليه عقاب، وهذا يدل على وجوبه.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وكلمة اركعوا أمر مطلق، فلم يقل اركعوا ندبًا، ولا إباحةً، فهو أمر مطلق، ورتب الله على مخالفته العقاب، فقال تعالى بعد ذلك: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]، فدل على أنَّ الأمر المطلق يفيد الوجوب.\n٤ - - قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، ثم هدد على مخالفته بقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤]، والتهديد على المخالفة دليل الوجوب (^١).\n٥ - قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، وقوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩].\nووجه الاستدلال: أنه تعالى وصف مخالفة الأمر بالعصيان،\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٦).","vol":"3","page":15},{"text":"وهواسم ذم، وذلك لا يكون في غير الوجوب (^١).\n٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، والمراد من قوله: قضى؛ أي: ألزم، ومن قوله: أمرًا. أي: مأمورًا، وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبًا (^٢).\n٧ - ومن السنة: قوله ﷺ لبريرة، وقد عتقت تحت عبد، وكرهته: «لو راجعتيه»، فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: «لا، إنما أنا شافع»، فقالت: لا حاجة لي فيه (^٣).\nفقد فهمت أنه لوكان أمرًا لكان واجبًا، وأقرها النبي ﷺ على هذا الفهم (^٤).\nقال الخطابي: في قول بريرة: أتأمرني بذلك يا رسول الله؟ دليل على أنَّ أصل أمره ﷺ على الحتم والوجوب (^٥).\n٨ - قوله ﷺ لأبي سعيد حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة: «أما\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٧).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٤) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٦).\n(^٥) عون المعبود (٦/ ٢٢٥).","vol":"3","page":16},{"text":"سمعت الله تعالى يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]»، فقد لامه على مخالفة أمره، وهودليل الوجوب (^١).\n٩ - ومنها أيضًا: عن عمر ﵁: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعوحالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا (^٢)، فعُلم أنَّ أمره كان على الوجوب بدليل تكراره ثلاثًا، وشكواه لأم سلمة ﵂.\n١٠ - وكذلك فهم الصحابة لما قيل لهم وهم يصلون في الصلاة: إنَّ القبلة قد حولت. فاستداروا وهم على حالهم نحو القبلة (^٣)، وهذا يدل على الوجوب والفور.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٧) بتصرف يسير جدًا، والحديث عند البخاري (٤٤٧٤) من حديث أبي سعيد بن المعلى به.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) من حديث البراء بن عازب به.","vol":"3","page":17},{"text":"١١ - عَنْ مُعَاذَةَ العَدَويَّة أَنَّهَا قَالَتْ لعَائشَةَ: مَا بَالُ الحَائض تَقضى الصَّومَ، وَلَا تَقضى الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ عَائشَةُ: كَانَ يُصيبُنَا ذَلكَ فَنُؤمَرُ بقَضَاء الصَّوم، وَلَا نُؤمَرُ بقَضَاء الصَّلَاة (^١). فجعلت السبب هو مجرد الأمر.\nوأجيب عن هذه الأدلة باحتمالية وجود قرينة جعلت الأمر للوجوب، ولا يخفى أنَّ مجرد الاحتمال لا يكفي، ولا يترك له ظاهر الخطاب (^٢).\n١٢ - الإجماع: وهوأنَّ الأمة في كل عصر لم تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى الأوامر، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، إلى غير ذلك من غير توقف، وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض.\nومنه استدلال أبي بكر ﵁ على وجوب الزكاة على أهل الردة، بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥)، واللفظ له، من حديث عائشة به.\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٦٩).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٨).","vol":"3","page":18},{"text":"١٣ - أنَّ العبد إذا خالف مجرد أمر سيده فعاقبه، لم يُلَم على عقابه باتفاق العقلاء، ولولا إفادة الأمر المجرد الوجوب، لكان للعبد أن يلوم سيده على عقابه في هذه الصورة، لكنه لا يتجه (^١).\n١٤ - العقل: حمل الأمر على الوجوب أحوط للمكلف مع عدم تفويت المندوب، بخلاف حمله على الندب، فإنه يفوت مقصود الوجوب (^٢).\nومما سبق من الأدلة يترجح أنَّ الأصل في الأمر الوجوب.\nهذا وقد تكلف الآمدي -رحمه الله تعالى-- في الرد على هذه الأدلة، بحجة أنَّ جميع ما ذكر لا خروج له عن الظن.\nقلت: فإن أراد بالظن (غلبة الظن)؛ فإنَّ عامة الأحكام تثبت به، وإن أراد الشك وعدم الوضوح فهوتأويل بعيد جدًا، وذلك لوضوح الأدلة، وصراحتها، واستيفائها للمطلوب.\nبل من نظر إلى رده على الأدلة وجدها ردودًا لا تخلومن تكلف، وليس عليها حجة؛ لذا فضلت عدم ذكرها خشية الإطالة (^٣).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٦٩).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٧).\n(^٣) انظر هذه الردود فى الإحكام للآمدي (٢/ ١٥٠)، وما بعدها.","vol":"3","page":19},{"text":"المذهب الثاني: قالوا: الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الندب، وليس الوجوب، وهوقول المعتزلة.\nواستدلوا بما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم» (^١).\nفالحديث جعل تنفيذ الأمر إلى مشيئة المكلفين من غير حتم، والواجب لا يكون كذلك، بل الذي يكون كذلك هوالمندوب؛ فإذن الأمر يفيد الندب (^٢).\nوأجيب عن هذا: بأنه دليل للقائلين بالوجوب لا للقائلين بالندب؛ لأنَّ ما لا نستطيعه لا يجب علينا، وإنما يجب علينا ما نستطيعه، والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة (^٣).\nوليس في الحديث الرد إلى المشيئة بل إلى الاستطاعة، والفرق بينهما كبير، فإنَّ التعليق بالمشيئة ينفي الوجوب، أما الاستطاعة فلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ [١٣٠])، واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) معلمة زايد (٣١/ ١٦٩).\n(^٣) إرشاد الفحول (١/ ٢٥٢).","vol":"3","page":20},{"text":"تنفي أن يكون الأمر للوجوب، فإنَّ كل واجب مقصود بالفعل معلق بالاستطاعة (^١).\nالمذهب الثالث: قالوا: إنَّ الأصل في الأمر الإباحة. ونُسب لبعض المعتزلة، وبعض المالكية، ومما استدلوا به: أنَّ صيغة الأمر قد استعملت في الإباحة، والأصل في الاستعمال الحقيقة.\nوأجيب: بأنَّ الصيغة قد استعملت في غيرها أيضًا، فليس جعلها حقيقة في الإباحة بأولى من جعلها حقيقة في غيرها (^٢).\nالمذهب الرابع: قالوا بالوقف. وهومذهب الأشعرية، والغزالي، والآمدي (^٣)، واستدلوا: بأنَّ الأمر مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، وليس حمله على أحدهم أولى من الآخر، فوجب التوقف، فمثلًا قولك: عين. ليس بأن يوقع على عين النظر أولى من أن يوقع على عين الماء، وقولك: لون. ليس بأن يوقع على الحمرة أولى من أن يوقع على البياض، فكذلك قول القائل: افعل. لما وجد يراد به الندب، وورد يراد به إيجاب لم يكن إيقاعه على الإيجاب أولى من\n_________\n(^١) معلمة زايد (٣١/ ١٧٠).\n(^٢) معلمة زايد (٣١/ ١٧٠).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٥).","vol":"3","page":21},{"text":"إيقاعه على الندب إلا بدليل (^١).\nوالجواب عن ذلك: بأنه إذا كان الأمر مشتركًا بين ما ذكر، إلا أنه قام الدليل على أنَّ الأمر المجرد يفيد الوجوب، والمشترك إذا قام الدليل على تعيينه وجب المصير إليه.\nكما أنَّ القول بالوقف يؤدي إلى الطعن في الشريعة؛ لأنه يؤدي إلى إبطال خطاب الله تعالى لنا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] (^٢).\nوالراجح هوالمذهب الأول لما تقدم من الأدلة، والله أعلم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-455> ثانيًا: الفورية:</span>\nاختلف أهل العلم في الأمر: هل يقتضي الفور أم التراخي؟ والخلاف إنما هو بالنسبة للأمر المطلق وهوالأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور أوتراخي، ولم يكن محددًا لفعله وقت معين، وذلك كإخراج زكاة المال، ودفعها إلى مستحقيها قبل حلول الحول،\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (١/ ٢٤٨) بتصرف، والإحكام لابن حزم (٣/ ٣).\n(^٢) الإحكام لابن حزم (٣/ ٣) بتصرف.","vol":"3","page":22},{"text":"وكقضاء الفوائت، وكالكفارات والنذور غير المحددة بوقت (^١)، فذهب أكثر الشافعية إلى أنَّ الأمر للتراخي، وهذا ما اختاره الآمدي، والغزالي، والشوكاني، وغيرهم (^٢).\nواحتجوا بالآتي:\n١ - أنَّ الأمر إنما هوطلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل في أي زمان كان مقدمًا أومؤخرًا كان ممتثلًا للأمر، ولا إثم عليه بالتأخير؛ لأنه أتى بما أمر به (^٣).\n٢ - أنَّ الحج فرض في السنة السادسة، ولم يحج النبي ﷺ إلا في السنة العاشرة، فقالوا: لوكان الأمر على الفور؛ لحج النبي ﷺ على الفور، لأنه لا يفعل حرامًا. فدل ذلك على أنَّ الأمر على التراخي، وليس على الفور (^٤).\nوذهب آخرون إلى أنَّ الأمر على الفور، وهوظاهر مذهب أحمد ﵀، وهوقول الحنفية، ومالك -رحم الله الجميع- (^٥)، واستدلوا\n_________\n(^١) الشرح الكبير لمختصر الأصول (١/ ١٩٥).\n(^٢) الأمر والنهي (٩٩)، وشرح مختصر الروضة (٢/ ٣٨٧).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ١٦٥).\n(^٤) الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (١٦١).\n(^٥) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٨٧).","vol":"3","page":23},{"text":"بالشرع، واللغة، والعقل.\nأما الشرع: فقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، فقوله: (وَسَارعُوا)، وقوله (سَابقُوا) يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا.\nومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١].\nوأما اللغة: فإنَّ أهل اللسان العربي مطبقون على أنَّ السيد لوقال لعبده: اسقني ماء مثلًا. فلم يمتثل أمره، فأدبه على ذلك فليس للعبد أن يقول له صيغة افعل في قولك: اسقني. تدل على التراخي.\nبل يقولون: إنَّ الصيغة ألزمتك فورًا، ولكنك عصيت سيدك بالتواني والتراخي.\nأما العقل: فإنا لوقلنا: إنَّ وجوب الحج على التراخي. فلا يخلومن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية ينتهي عندها، وإما لا.\nوالقسم الأول ممنوع؛ لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه إن قلنا: إنه","vol":"3","page":24},{"text":"ليس على الفور.\nوالقسم الثاني هوأنَّ تراخيه ليس له غاية ينتهي إليها يقتضي عدم وجوبه؛ لأنَّ عدم تحديد غاية للتراخي يجعل تركه جائزًا إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه، والمفروض وجوبه.\nفإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه.\nفالجواب: أنَّ البقاء إلى زمن متأخر، ليس لأحد أن يظنه؛ لأنَّ الموت يأتي بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة، قال تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها، إلا عند عجزه عن العبادات، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج، والإنسان طويل الأمل، يهرم، ويشب أمله، وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه (^١).\nوأما احتجاج المخالفين: بأنَّ المقصود القيام بالأمر، ومن فعله في أي وقت فقد قام به؛ فإنه مدفوع بما سبق من الأدلة على وجوب البدار والمسارعة.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٣٣٨).","vol":"3","page":25},{"text":"وأما القول بأنَّ الحج فرض في السنة الخامسة أوالسادسة، فيجاب عنه من وجوه:\nأولًا: القول بأن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة، فإنَّ قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النَّبي ﷺ وجوب الحج، وأنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نزلت عام ست في عمرة الحديبية دلت على أنَّ الحج مفروض عام ست، وأنه ﷺ أخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أنَّ قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع.\nوقال ابن حجر ما نصه: وزعم الواقدي أنَّ قدومه كان في سنة خمس، وفيه نظر، وذكر ابن هشام عن أبي عبيد: أنَّ قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح (^١) اه.\nوذكر ابن كثير: قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع (^٢).\nوأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهوأنه لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على\n_________\n(^١) الإصابة في تمييز الصحابة، ترجمة ضمام (٣/ ٣٩٦)، وأضواء البيان (٤/ ٣٣٩).\n(^٢) أضواء البيان (٤/ ٤٣٩).","vol":"3","page":26},{"text":"ابتداء الوجوب.\nوقد أجمع أهل العلم على أنَّ من أحرم بحج أوعمرة، وجب عليه الإتمام، ووجوب الإتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب.\nقال ابن القيم: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فرضية الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.\nفإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أوالعاشرة؟\nقيل: لأنَّ صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أنَّ أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين، لما أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزول هذه الآيات، والمناداة بها كان عام تسع، وبعث الصديق ﵁ بذلك في مكة في موسم الحج، وأردفه بعلي ﵁،","vol":"3","page":27},{"text":"وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم (^١).\nفتحصل: أنَّ آية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، لم تدل على وجوب الحج ابتداء، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هوظاهر اللفظ، ولوكان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والخلاف في وجوبها معروف، بل الذي أجمعوا عليه: هووجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هوظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة، كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها، وبالآية الكريمة، وأنَّ الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفًا، لأنَّ آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النَّبي ﷺ على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع.\nوبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النَّبي ﷺ الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج لأنه لم يفرض.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٣٤٠)، وعزاه الشنقيطى ﵀ إلى زاد المعاد.","vol":"3","page":28},{"text":"فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أنَّ سبب تأخيره الحج عام فتح مكة، مع تمكنه منه، وقدرته عليه أنَّ الحج لم يكن مفروضًا في ذلك الوقت، وقد اعترفتم بأنَّ الحج فرض عام تسع، وهو ﷺ لم يحج عام تسع، بل أخر حجه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أنَّ وجوبه على التراخي، إذ لوكان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر.\nفالجواب والله تعالى أعلم: أنَّ عام تسع لم يتمكن فيه النَّبي ﷺ وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت وهم عراة، وقد بين الله تعالى في كتابه أنَّ منعهم من قربان المسجد الحرام إنما هوبعد ذلك العام الذي هوعام تسع، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وعامهم هذا هوعام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل عليًّا ﵁ بعد أبي بكر ينادي بالبراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا عريان، فلوبادر ﷺ إلى الحج عام تسع؛ لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت وهم عراة، وهولا يمكنه أن يحضر ذلك، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيًا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه.\nويجاب عن استدلالهم بأنَّ الأمر على التراخي: بأنه لوأخره من","vol":"3","page":29},{"text":"سنة إلى أخرى، أوسنين، ثم فعله بعد ذلك، فإنه يسمى مؤديًا لا قاضيًا بالإجماع، ولوحرم التأخير، لكان قضاء بأنَّ القضاء لا يكون إلا في العبادة الموقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت المعين لها، كما هومقرر في الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي وجوب المبادرة خوفًا من طروء العوائق، أونزول الموت قبل الأداء.\nوأما استدلالهم بأنَّ من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم فعله لا ترد شهادته، ولوكان التأخير حرامًا لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز.\nوالجواب: أنه ليس كل من ارتكب محرمًا ترد شهادته، بل لا ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حرامًا (^١).\nوكذا يمكن القول: بأنَّ تأخير النبي ﷺ كان بوحي، وكان قد أعلمه ربه أنه لا يقبض حتى يتم التعليم، ويكمل التبليغ، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهذا يقتضي أنه لا يموت حتى يعلم الناس مناسكهم، وليس غيره ﷺ كذلك (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٣٣٨)، وما بعدها بتصرف واختصار.\n(^٢) الإحكام لابن حزم (٣/ ٥٢).","vol":"3","page":30},{"text":"وخلاصة المسألة:\nأنَّ النبي ﷺ إنما أخر الحج لعلة، فلعله أخره لمرض، أوفقر، أوكراهية رؤية المشركين عراة حول الكعبة، أوأخره لاستقباله الوفود الكثيرة في السنة التاسعة؛ لذلك سميت سنة الوفود، أوأخره لأجل أن تكون حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ولتوافق وقفة عرفة يوم الجمعة، ويكمل بذلك دينه، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال (^١).\nومما تقدم تبين أنَّ تأخير النبي ﷺ للحج لا حُجة فيه على أنَّ الأمر على التراخي.\nومما استدل به من قال بأن الأمر للفور بقوله ﷺ «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حج من قابل» (^٢).\nووجه الاستدلال قوله ﷺ «فعليه حج من قابل»، فلو كان الأمر على التراخي ما حده النبي بالحج من العام القادم.\nوقوله ﷺ «من أراد الحج فليتعجل» (^٣).\n_________\n(^١) تيسير مسائل الفقه للنملة ط مكتبة الرشد بتصرف يسير (٢/ ٤٥٥).\n(^٢) إسناده صحيح. أخرجه أبوداود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي في الكبرى (٣٨٢٩)، وغيرهم.\n(^٣) أخرجه أحمد (١٩٧٣، ١٩٧٤)، والدارمي (١٨٢٥)، وأبوداود (١٧٣٢)، وغيرهم، وله سندان بهما ضعفاء، وله سند عند الطبراني حدثنا العباس بن حمدان ثنا يحيى بن حكيم ثنا كثير بن هشام عن فرات بن سلمان عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الحديث. والعباس ويحيى وفرات ثقات، لكن لا أدري من هو عبد الكريم، هل هو الجزري الثقة، أم ابن أبي المخارق الضعيف؟ فكلاهما يروي عن ابن جبير، والله أعلم.","vol":"3","page":31},{"text":"ووجه الاستدلال قول النبي فليتعجل، فهو أمر بالتعجيل، وهو بمعنى الفورية، والسبب في ذلك لأنه قد يصاب بالعوارض والعقبات التي تحول بينه وبين الفعل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-456> ثالثًا: التكرار.</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، منها:\n• أولًا: أنَّ الأمر يقتضي التكرار:\nوهوقول أحمد وأكثر أصحابه، وجماعة من الفقهاء المتكلمين (^١).\nواستدلوا بالآتي (^٢):\n١ - أنَّ أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على التكرار، فدل على إشعار الأمر به.\nوأجيب: بأنَّ الحمل على التكرار في هذه الأوامر كان بقرينة فعل النبي ﷺ، ليس التكرار مأخوذًا من ظاهر هذه الأوامر.\n_________\n(^١) التحبير (٥/ ٢٢١١)، والإحكام للآمدي (٢/ ١٥٥).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ١٥٥)، وما بعدها بتصرف، وزيادة، وتقديم وتأخير.","vol":"3","page":32},{"text":"٢ - قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يعم كل مشرك، فقوله: (صم)، و(صل) ينبغي أن يعم جميع الأزمان.\nوأجيب: بأنَّ العموم في قوله: (المشركين) متحقق؛ لأنَّ اللفظ عام، بخلاف قوله: (صم)، أو (صل)، فإنَّ اللفظ ليس بعام.\n٣ - قياس الأمر على النهي، فكما أنَّ مقتضى النهي الترك أبدًا، فوجب أن يكون الأمر مقتضيًا للفعل أبدًا لاشتراكهما في اقتضاء الطلب.\nوأجيب: بأنَّ هذا القياس غير صحيح؛ لأنه قياس من ناحية اللغة، ولا يصح، ولأنه قياس مع الفارق.\n٤ - أنَّ الحمل على التكرار أحوط للمكلف؛ لأنه إن كان للتكرار، فقد حصل المقصود، ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرًّا.\nوأجيب: بأنَّ العمل بالأحوط ليس بواجب، والتكرار مع عدم وجود الأمر به القول بأنه ليس مضرًّا غير صحيح؛ لأنه فيه مشقة وحرج، وكلاهما مرفوع في الشريعة الإسلامية المباركة، كما أنَّ التكرار سيمنع من القيام بأعمال أخرى لاستغراقه للأزمان.","vol":"3","page":33},{"text":"٥ - قوله ﷺ: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١)، وذلك يقتضي وجوب التكرار.\nوأجيب: ليس في الحديث الأمر بالتكرار، بل الأمر بالفعل حسب الاستطاعة.\n٦ - أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ سأل النبي ﷺ لما رآه صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، قال: «عمدًا صنعته يا عمر» (^٢).\nولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لما كان للسؤال معنى.\nوأجيب: أنَّ التكرار مفهوم من فعله ﷺ قبل ذلك؛ لذا سأل عن عدم التكرار هاهنا.\n٧ - إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان. فإنه يفهم منه التكرار والدوام.\nوأجيب: بأنَّ وجود المأمور بإكرامه، وحسن عشرته سبب، وقرينة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٧) من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعًا.","vol":"3","page":34},{"text":"لتكرار، ودوام الإكرام.\n• ثانيًا: أنَّ الأمر لا يقتضي التكرار:\nوهو قول أكثر الفقهاء، ورجحه الآمدى، وابن الحاجب، وهو اختيار الشيخ موفق الدين الطوفى.\nواستدلوابأدلة منها:\n١ - قوله ﷺ: «إنَّ الله فرض عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكلَّ عام (^١). فسأل عن التكرار، فكان سكوت النبي ﷺ مع إرادته عدم التكرار دليلًا على أنَّ الأصل عدم التكرار، فالأصل أنَّ كل أمر للمرة الواحدة، فإن كان يراد منه التكرار لابد من وجود دليل على ذلك التكرار، فمثلًا قول النبي ﷺ: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» (^٢).\nفالأصل في الأمر أنه يوجد مرة واحدة في الواقع، فإن كان يراد منه التكرار لا بد من وجود دليل على التكرار وقد وُجد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن ماجه (١٤٠١)، والنسائي في (الكبرى) (٣٢٢) وغيرهما من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا، وفيه المخدجي لين الحديث، والحديث له طرق أخرى معلة، انظر علل ابن ابي حاتم (٢٣٩).","vol":"3","page":35},{"text":"ومن الفروع الفقهية لذلك: أنه لوقال لوكيله: طلق زوجتي. فلا يطلقها إلا مرة واحدة (^١).\n٢ - أنه إذا قال له: (صل) أو (صم)، فقد أمره بإيقاع المصدر، وهوالصلاة، أوالصيام فإن ورد ما يفيد التكرار حمل عليه، وإلا فالمرة الواحدة كافية، وكذا لوأمر عبده أن يتصدق بصدقة، أويشتري خبزًا أولحمًا، فإنه يكتفى منه بصدقة واحدة وشراء واحد، ولوزاد على ذلك، فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم القرينة الصارفة إليه (^٢).\n٣ - أنَّ الأمر لواقتضى التكرار، لكان قول القائل: صل مرة. تناقضًا؛ لأنَّ صل بوضعه يقتضي التكرار، وبقوله: مرة. قد نقض مقتضاه في التكرار، وكذا لوقال له: صل مرارًا. لكان تكرارًا؛ لأنَّ صل بوضعه يقتضي التكرار، فقوله: مرارًا. لم يفد فائدة زائدة، فكان تكرارًا، لكن قوله: صل مرة أومرارًا. ليس نقضًا ولا تكرارًا، فلا يكون الأمر للتكرار (^٣).\n_________\n(^١) الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (١٦٢).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ١٥٥) مختصرًا.\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٧٦).","vol":"3","page":36},{"text":"• مسألة: لا يشترط في الأمر إرادة الآمر. أي: لا يشترط في كون الأمر أمرًا إرادة الآمر.\nوبيان ذلك: أنَّ الإرادة نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية، والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية، فالله أمر أبا جهل مثلًا بالإيمان، وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا؛ إذ لوأراده كونًا لوقع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].\nفإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهويعلم أنه لا يريد وقوعه كونًا وقدرًا؟.\nفالجواب: أنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء الخلق، وتمييز المطيع من غير المطيع، وقد صرح تعالى بهذه الحكمة، فإنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كونًا وقدرًا، وقد صرح بأنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم، حيث قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، فظهر بطلان قول المعتزلة أن لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه، وقد جرهم ضلالهم هذا إلى قولهم: إنَّ معصية العاصي ليست بمشيئة الله؛ لأنها أمر بتركها، ولم يرد إلا التزام الذي أمر به؛ لأنَّ الأمر","vol":"3","page":37},{"text":"لا يكون أمرًا إلا بالإرادة. فنسبوا إليه تعالى العجز واستقلال الحادث بالفعل دونه ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوقد يشاهد السيد يأمر عبده اختبارًا لطاعته ونيته، أنه إن أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به، فهوأمر دون إرادة وقوع المأمور به (^١).\nوحل الإشكال كما تقدم بلزوم التفريق بين الأوامر الشرعية الدينية، والأوامر الكونية القدرية؛ لأن الخلط بينهما يوقع في الضلال، والعياذ بالله.\nخروج الأمر عن الوجوب إلى أمور، منها:\n١ - الندب: كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أنَّ النبى ﷺ اشترى فرسًا من أعرابي ولم يُشهد (^٢).\nوالنبى ﷺ لا يترك واجبًا، ولا يفعل محرمًا، فلما ترك النبى ﷺ الإشهاد علمنا أنَّ الإشهاد ليس واجبًا، وإنما كان مندوبًا.\n_________\n(^١) المذكرة ص (٢٢٨ و٢٢٩).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٣٦٠٧)، وأحمد (٢١٨٨٣) وغيرهما من حديث عم عمارة بن ثابت مرفوعًا.","vol":"3","page":38},{"text":"٢ - الإباحة: وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أوجوابًا لما يتوهم أنه محظور.\nفغالب ذلك في صورتين:\nالأولى: أنَّ الشرع يحظر شيئًا، ثم بعد ذلك يأمر به، وكان قبل الحظر مباحًا، والحظر المراد هنا هوالحظر لمدة معينة، أما لوكان المعنى أنه حظر، ثم أباح فهذا باب النسخ، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فالله تعالى أباح الصيد، ولكن إذا كان الشخص في وقت الإحرام حظر عليه الصيد، فإذا أمر بالصيد بعد هذا الحظر عاد الأمر للإباحة مرة أخرى.\nفالصحيح: أنَّ الأمر بعد الحظر يعود لما كان عليه قبل الحظر.\nمثل الحيض: منع الله القرب من المرأة عند الحيض، فقال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهنا حظر القرب وقت الحيض، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأمر بالإتيان، ومعناه أن يعود لما كان عليه قبل الحظر، وحكمه قبل الحظر الإباحة.\nمثال آخر: قتال المشركين كان واجبًا، ثم حظره الشرع بالأشهر الحرم، ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾","vol":"3","page":39},{"text":"[التوبة: ٥]، فالأمر هنا للوجوب، فالصحيح أنَّ الأمر يعود حكمه لما كان عليه قبل الحظر.\nفإن كان قبل الحظر مباحًا يعود بعد الحظر مباحًا، وإن كان قبل الحظر واجبًا يعود بعد الحظر واجبًا.\nوالثانية: عند توهم أنَّ هذا الشاء محظورٌ، فيأمر النبى بفعله، عن جَابر بن سَمُرَة أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّه ﷺ: أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الغَنَم؟ قَالَ: «إن شئتَ فَتَوَضَّأ، وَإن شئتَ فَلَا تَتَوَضَّأ»، قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الإبل؟ قَالَ: «نَعَم تَوَضَّأ من لُحُوم الإبل»، قَالَ: أُصَلّى في مَرَابض الغَنَم. قَالَ: «نَعَم»، قَالَ: أُصَلّى في مبارك الإبل؟ قَالَ: «لَا» (^١).\nمثال آخر: لما سئل النبى ﷺ، فقال له رجل: لم أشعر فقدمت كذا على كذا. فقال النبى ﷺ: «افعل ولا حرج» (^٢)، عن عبد الله بن عمروبن العاص أنَّ النبى ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: «اذبح ولا حرج»، فجاءه آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال: «ارم ولا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٦٠) من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.","vol":"3","page":40},{"text":"حرج»، فما سئل النبى عن شاء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج».\nفهذا فعل أمر، فهل هذا يعنى أنَّ عدم الترتيب في الحج أصبح واجبًا على الناس؟ لا، ولكن الرجل ظن أنَّ ذلك محظور، فلما سأل قال النبى ﷺ: «افعل».\nوقد يأتي في غير ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].\nوقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، فحكم الأكل والشرب الإباحة، وإن أتى بصيغة الأمر لكن علمنا بقرائن أخرى أنَّ الأكل والشرب مباح.\n٣ - التهديد: كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فهنا الأمر للتهديد؛ لذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].\n٤ - التأديب: كقوله ﷺ للغلام: «يا غلام، سم الله وكل بيمينك» (^١) فكل بيمينك فعل أمر للتأديب؛ لأنَّ الصغير غير مكلف.\n٥ - الإرشاد: نحوقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) من حديث عمر بن أبي سلمة مرفوعًا.","vol":"3","page":41},{"text":"٦ - الامتنان: مثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٤].\n٧ - التعجيز: مثل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].\n٨ - الدعاء: مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].\n٩ - التفويض: مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].\n١٠ - الإهانة: مثل قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].\n١١ - التعجب: مثل قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ [الإسراء: ٤٨].\n١٢ - المشورة: مثل قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢].\n١٣ - التكذيب: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، والدليل أنها للتكذيب: أنَّ الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].","vol":"3","page":42},{"text":"١٤ - الإذن: مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا﴾ [المائدة: ٨٨]، وقد يكون هذا المثال للامتنان.\n١٥ - الإكرام: مثل قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦].\n١٦ - التسوية: مثل قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]، وغير ذلك.\nما لا يتم المأمور إلا به فهومأمور:\nفإذا توقف فعل المأمور به على شاء كان ذلك الشاء مأمورًا به، فإن كان المأمور به واجبًا كان ذلك الشاء واجبًا، وإن كان المأمور به مندوبًا كان ذلك الشاء مندوبًا.\nمثال الواجب: ستر العورة، فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء واجبًا.\nمثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب كان ذلك الشراء مندوبًا.","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-457>الفصل الثاني:\nالنهي</span>","vol":"3","page":45},{"text":"النهي\n\n<span data-type='title' id=toc-458>تمهيد:</span>\nقبل الشروع في مسائل النهي، ننبه على أمر:\nأنَّ ما ذكر في الأوامر تتضح به أحكام النواهي، أي فكما أنَّ الأمر طلب للفعل، فالنهي طلب للترك، وصيغة الأمر افعل وصيغة النهي لا تفعل، ولا يشترط فيه إرادة الناهي، والنهي يقتضي التكرار والفور، خلافًا للأمر في الأولى على الصحيح (^١).\n• تعريف النهي:\nالنهي لغة: الكف عن معين، والمنع، ولذلك سمي العقل نهية (^٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]: أى أصحاب العقول، وسمي العقل نهية؛ لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع في المهالك.\nاصطلاحًا: قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بالصيغة الدالة عليه، بلفظ غير لفظ كُفَّ ونحوه، كاترك، وذَر، ودَع.\n_________\n(^١) المذكرة (١/ ٢٤١).\n(^٢) الإعلام (١٦٧).","vol":"3","page":47},{"text":"قوله: بلفظ غير لفظ كف ونحوه. خرج به بعض الأوامر مثل كف، واترك، ودع، فإنها وإن كانت تدل على الترك إلا أنها ليست نواهي (^١)، فهي قامت مقام النهي، ولكنها ليست نهيًا.\nمثال: قوله ﷺ لفاطمة بنت حبيش ﵂ في الاستحاضة: «ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» (^٢).\nوالشاهد: أنَّ قوله ﷺ: «فدعي الصلاة» أمر بترك الصلاة في وقت الحيض، وليس نهيًا، ولكنه يستفاد منه النهي.\nمثال: قوله ﷺ لابن مسعود لما قرأ عليه من سورة النساء حتى أتى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فقال له: «حسبك الآن» (^٣).\nفقوله: «حسبك» هويحمل معنى النهي لكنه ليس نهيًا، وهكذا.\n_________\n(^١) الإعلام (١٦٧)، الوجيز عبد الكريم زيدان (٢٣٨)، أصول الفقه لأبي النور (٢/ ١٧٧)، ط. المكتبة الأزهرية.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٠)، ومسلم (٣٣٣) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٥٠) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.","vol":"3","page":48},{"text":"• أقسام الترك:\nينقسم الترك إلى قسمين:\nالأول: ترك عدمي، وهوالترك لما لم يوجد سببه المقتضي لوجوده كمن ترك معصية لأنها لم تعرض له، ولم توجد في زمانه.\nالثاني: ترك وجودي، وهوأن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أوالقول، فيترك المكلف الفعل والقول، ويمتنع عنهما.\nوهذا الأخير هوبمعنى الكف، وهوالمراد في هذا المبحث (^١).\n- الكف والترك فعل، وأدلة ذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا، في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: تركهم النهي المذكور.\n٢ - قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية\n_________\n(^١) الشرح الكبير لمختصر الأصول لأبي المنذر محمود المنياوي (ص ٢١٦).","vol":"3","page":49},{"text":"الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلًا.\n٣ - واستدل السبكي على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠]، لأن الأخذ التناول، والمهجور: المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكًا أي فعلوا تركه.\n٤ - قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة: لئن قعدنا والنبي يعمل؛ لذاك منا العمل المضلل. فسُمّي قعودهم عن العمل وتركهم له عملًا مضللًا (^١).\nقلت: ولعل لهذا شاهدًا من اللغة يحمل في طياته إشارة إلى هذا المعنى -وهوأنَّ الترك فعل- وهوأنه في حالات بناء الفعل الماضي البناء على الفتح: إذا كان صحيح الآخر، ولم يتصل به شيء، وكذلك إذا اتصلت به ألف الاثنين مع أنَّ ألف الاثنين عند اتصالها بالفعل الماضي الصحيح لم تغير في إعرابه شيئًا حيث يبقى مبنيًّا على الفتح، ومع ذلك فإنَّ ألف الاثنين لما تركت الفعل على حاله سمي ذلك عملًا لها، والله أعلم.\nومن الفروع المبنية على هذه المسألة:\nأولًا: من كان عنده فضل شراب، وترك إعطاءه لمضطر حتى مات\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٤٨ وما بعدها).","vol":"3","page":50},{"text":"عطشًا يضمن ديته -على أنَّ الترك فعل- وعلى أنه ليس بفعل، فلا ضمان عليه، وكذا فضل الطعام.\nثانيًا: من منع خيطًا عنده ممن شقّ بطنه، أوكانت به جائفة، حتى مات ضمن الدية على القول بأنَّ الترك فعل (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-459> صيغ النهى، وما في معناها:</span>\n١ - الفعل المضارع المقترن بلا الناهية: مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، ومثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢].\n٢ - فعل الأمر: مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].\n٣ - نفي الحل، ونحوه: عَنْ المقدَام بن معدي كرب عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ أَنه قَالَ: «وَإنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ الله كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَلَا لَا يَحلُّ لَكُمُ الحمَارُ الأَهلىُّ، وَلَا كُلُّ ذي نَابٍ منَ السَّبع» (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٥٠).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٤٦٠٤)، وأحمد (١٧١٧٤) وغيرهما من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا.","vol":"3","page":51},{"text":"٤ - اسم الفعل بمعنى النهى: نحو (صه، مه).\n٥ - من صيغته: كلفظ التحريم ونحوه: نحوقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقول النبى ﷺ: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور» (^١).\n٦ - ترتيب العقاب على الفعل: نحوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، فقد لا ينهى عنه، ولا يأمر بتركه؛ ولكنه قد يتوعده بالعقاب إن فعله، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فهنا لم يذكر أنَّ الفعل حرام، ولم ينه عنه، ولكنه رتب عليه العقاب، فلما رتب عليه العقاب علمنا أنَّ الفعل حرام، ومنهي عنه حيث لا عقاب إلا على ترك واجب، أوفعل محرم (^٢).\nما يقوم مقام النهي: كل ما طلب الشارع تركه، أوعتب على فعله، أوذمه، أوذم فاعله لأجله، أومقته، أومقت فاعله لأجله، أونفى محبته إياه أومحبة فاعله، أونفى الرضا به، أونفى الرضا عن فاعله، أوشبه فاعله بالبهائم، أوالشياطين، أونصبه مانعًا من الهدى، أومن القبول،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٧) وغيره من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعًا.\n(^٢) الإعلام في أصول الأحكام (١٦٧).","vol":"3","page":52},{"text":"أووصفه بسوء، أوكراهة، أواستعاذ الأنبياء منه، أوبغضوه، أونصب سببًا لنفي الفلاح، أولعذاب عاجل، أوآجل، أولذم، أولوم، أولضلالة، أومعصية، أووصف بخبث، أورجس، أونجس، أوبكونه إثمًا، أوفسقًا، أوسببًا لإثم، أوزجر، أولعن، أوغضب، أوزوال نعمة، أوحلول نقمة، أوحد من الحدود، أو لقسوة، أو خزي عاجل أو آجل، أو لتوبيخ عاجل أو آجل، أو لعداوة الله تعالى، أو محاربته، أو لاستهزائه وسخريته، أوجعله الرب سببًا لنسيانه، أووصف نفسه بالصبر عليه، أوبالحلم، أوبالصفح عنه، أوالعفوعنه، أوالمغفرة لفاعله، أوالتوبة منه في أكثر المواضع، أووصف فاعله بخبث، أواحتقار، أونسبه إلى عمل الشيطان، أوتزيينه، أوتولي الشيطان فاعله، أووصفه بصفة ذم كالظلمة، وتبرؤ الأنبياء منه، أومن فاعله، أوشكوا إلى الله من فاعله، أوجاهروا فاعله بالبراءة والعداوة، أونهى الأنبياء عن الأسى والحزن على فاعله، أونصب سببًا لخيبة عاجلة أوآجلة، أورتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أووصف فاعله بأنه عدوالله، أوبأنَّ الله عدوه، أوحمل فاعله إثم غيره، أويلاعن فاعلوه في الآخرة، أوتبرأ بعضهم من بعض، أودعا بعضهم على بعض، أووصف فاعله بالضلالة، أورتب عليه إبعاد، أوطرد،","vol":"3","page":53},{"text":"أولفظ قتل، أووصف الرب نفسه بالغيرة منه، فكل ذلك منهي عنه (^١).\n• ما تقتضيه صيغة النهي:\n• أولًا: التحريم:\nوهوالصحيح عند العلماء من المذاهب الأربعة، وغيرهم (^٢)، وهوالراجح؛ للأدلة التالية:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي وجوب الانتهاء، ومن لازم ذلك تحريم الفعل، وكلمة (ما) هنا صيغة عموم، أي كل نهي يجب الانتهاء عنه، وكلمة (انتهوا) فعل أمر يقتضي الوجوب، وترك الواجب محرم.\nلذلك يقول ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٣) (^٤).\n٢ - أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم من التابعين كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة النهي المجردة عن القرائن،\n_________\n(^١) الإمام في بيان أدلة الأحكام بتصرف (١/ ١٠٥، ١٠٦).\n(^٢) التحبير (٥/ ٢٢٨٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٤) الإعلام (١٨٦).","vol":"3","page":54},{"text":"فيقولون: الزنا محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، والربا حرام؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آال عمران: ١٣٠]، والقتل حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وغير ذلك كثير (^١).\n٣ - أنَّ العقل يفهم الحتم من الصيغة المجردة عن القرينة، وذلك دليل الحقيقة (^٢).\nوقيل: إنَّ صيغة النهي حقيقة في الكراهة، واستدلوا على ذلك بأنَّ النهي إنما يدل على مرجوحية المنهي عنه، ولا يخفى ما فيه من بعد وغرابة، لا سيما وقد قامت الأدلة على أنَّ النهي للتحريم كما تقدم (^٣).\nوقيل: إنَّ النهي مشترك بين التحريم والكراهة، فلا يتعين أحدهما إلا بدليل، وإلا كان جعله لأحدهما ترجيحًا من غير مرجح (^٤). وجوابه كالذي قبله.\nوقول من قال: إن النهي للكراهة. بالغ الأئمة في إنكاره، فقال أحمد\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي النور (٢/ ١٨٠).\n(^٢) الأمر والنهي عند الأصوليين (١٤٥).\n(^٣) الأمر والنهي عند الأصوليين (١٤٦).\n(^٤) إرشاد الفحول (١/ ٢٨٠).","vol":"3","page":55},{"text":"﵀: أخاف على قائل هذا أنه صاحب بدعة (^١).\nوقال الشافعي ﵀: أصل النهي من رسول الله ﷺ: أنَّ كل ما نهى عنه فهومحرم، حتى تأتي عليه دلالة تدل على أنه نهى عنه لغير معنى التحريم، إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه للمنهي والأدب والاختيار، ولا نفرق بين نهي رسول الله ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ، أوأمر لم يختلف فيه المسلمون، فنعلم أنَّ المسلمين كلهم لا يجهلون سنته، وقد يمكن أن يجهلها بعضهم (^٢).\n• ثانيًا: اقتضاء النهي للفساد:\nوقبل الشروع في هذا المبحث، هناك بعض المقدمات:\n١ - معنى فساد المنهي عنه: أنه لا تبرأ به الذمة، ولا يسقط به الطلب إن كان عبادة، ولا يترتب الأثر المقصود من العقد على العقد إذا كان معاملة (^٣).\n٢ - المفسدة الذاتية أقوى في الضرر من المفسدة العرضية، ومن ثم فإنَّ الداعي إلى إبطالها أقوى، والمفسدة هنا القول بصحة العبادة مع\n_________\n(^١) أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٧٢٦).\n(^٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٢٢٢).\n(^٣) شرح الورقات للفوزان (٩٦)، ط. دار الإتقان.","vol":"3","page":56},{"text":"اتجاه النهي لذاتها. ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإنَّ جار البادية يتحول» (^١).\nووجه الدلالة من الحديث أن مفسدة جار السوء المقيم أقوى من مفسدة جار السوء فى البادية؛ لذا استعاذ الحبيب ﷺ منه، فمفسدة جار البادية أشبه بالمفسدة العرضية، ومفسدة الجار المقيم أشبه بالمفسدة الذاتية وشتان بينهما.\n٣ - الوصف العرضي ضعيف لا يقوى على منع الصحة، فيكون بمثابة الوصف الطردي الذي لا يؤثر من جهة الصحة، وإن كان مؤثرًا من جهة التحريم.\n٤ - فرق بين الصحة العادية أواللغوية، والصحة الشرعية، فاقتضاء النهي للفساد هو في الشرع لا في اللغة (^٢).\nمثال: قوله ﷺ: «لا صلاة إلا بطهور» (^٣).\nليس المراد به نفي نفس الصلاة؛ لأن الفعل موجود من حيث\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه النسائي في (الكبرى) (٧٨٨٦)، وأحمد (٨٥٥٣)، وابن حبان (١٠٣٣)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه راو صدوق.\n(^٢) الأمر والنهي (١٥٦)، شرح تنقيح الفصول (١/ ١٧٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٤)، وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «لَا تُقبَلُ صَلَاةٌ بغَير طُهُورٍ، …».","vol":"3","page":57},{"text":"المشاهدة، وإنما يراد نفي حكمه، فإذا وجد الفعل على الصفة المنهي عنها لم يكن له حكم، فوجوده كعدمه، فهوموجود مشاهدةً، معدوم وباطل شرعًا (^١).\nأمثلة: «لا نكاح إلا بولي» (^٢)، «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (^٣).\n٥ - أهل العلم متفقون على أنَّ جهة الأمر إذا انفكت عن جهة النهي لم يقتض الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه، ولكنهم يختلفون في انفكاك الجهة، ومن ثم يقع بينهم الخلاف.\nمثال: الحنبلي يقول: الصلاة بالحرير مأمور بها من جهة كونها صلاة، منهيًّا عن لبس الحرير فيها، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تنفك فيها الجهة؛ لأن نفس شغل أرض الغير بحركات الصلاة حرام فهي باطلة.\n_________\n(^١) التحبير (٥/ ٢٢٩٢) بتصرف.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢) وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) أُعل بالوقف: أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، وغيرهما من حديث حفصة مرفوعًا، ولكن فيه ضعف، ورجح الدارقطني في علله (٣٩٣٩)، وغيره الوقف على حفصة، وإسناد الموقوف صحيح.","vol":"3","page":58},{"text":"فيقول المالكي والشافعي والحنفي: لا فرق بين المسألتين، فهوأيضًا مأجور على صلاته آثم بغصبه، وهكذا (^١).\nتحرير المسألة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ النهي يقتضي فساد المنهي عنه.\nقال المرداوي: قال أصحابنا، والأكثر مطلق النهي عن الشيء لعينه يقتضي فساده، وهذا هوالصحيح المعتمد عليه من أقوال العلماء من فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وبعض المتكلمين، وغيرهم، قال الخطابي: هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه (^٢).\n• أدلة من قال: النهي يقتضي الفساد. وهم الجمهور:\n١ - الإجماع: ذلك أنَّ الصحابة أجمعوا على أنَّ استفادة فساد الأحكام من النهي عن أسبابها، كاستفادتهم فساد الربا من قوله ﷺ: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل» (^٣).\nواستدل ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) المذكرة (١/ ٢٤٢).\n(^٢) التحبير (٥/ ٢٢٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.","vol":"3","page":59},{"text":"تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وعلى فساد نكاح المحرم بقوله ﷺ: «المحرم لا ينكح ولا ينكح» (^١)، وغير هذا من القضايا المنهي عنها، وإجماعهم حجة (^٢).\n٢ - المنقول: وهوأنَّ النبي ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٣).، والرد إذا أضيف إلى العبادات اقتضى عدم الاعتداد، وإن أضيف إلى العقود اقتضى الفساد (^٤).\n٣ - المعقول: وهوأنَّ اقتضاء النهي للفساد مناسب عقلًا وشرعًا؛ عملًا بقاعدة لا ضرر ولا ضرار.\nكما أنَّ النهي يقتضي اجتناب المنهي عنه، والترهيب منه، والحكم بصحته يقتضي الترغيب فيه وفعله، ولا يخفى ما فيه من التناقض، والشرع بريء من التناقض (^٥).\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولولم يكن النهي مقتضيًا للفساد، فلا يوجد مسلك منضبط\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٠٩ [٤٢])، وغيره من حديث عثمان بن عفان مرفوعًا.\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٤) التحبير (٥/ ٢٢٩١).\n(^٥) شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٣٨).","vol":"3","page":60},{"text":"لمعرفة الفاسد من الصحيح، وهذا محال في الشريعة.\n٤ - قلت: كذا يمكن الاستدلال بإبطال النبي ﷺ للشروط المخالفة لكتاب الله تعالى، مثل ما رواه البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: دَخَلَت بَريرَةُ وَهيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَت: اشتَريني وَأَعتقيني. قَالَتْ: نَعَم. قَالَتْ: لا يَبيعُوني حَتَّى يَشتَرطُوا وَلائي. فَقَالَت: لا حَاجَةَ لي بذَلكَ. فَسَمعَ بذَلكَ النَّبيُّ ﷺ أَوبَلَغَهُ- فَذَكَرَ لعَائشَةَ، فَذَكَرَت عَائشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا: فَقَالَ: «اشتَريهَا، وَأَعتقيهَا، وَدَعيهم يَشتَرطُونَ مَا شَاءُوا»، فَاشتَرَتهَا عَائشَةُ، فَأَعتَقَتهَا وَاشتَرَطَ أَهلُهَا الوَلاءَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «الوَلاءُ لمَن أَعتَقَ، وَإن اشتَرَطُوا مائَةَ شَرطٍ» (^١).\nوفي رواية: «مَا بَالُ رجَالٍ يَشتَرطُونَ شُرُوطًا لَيسَت في كتَاب اللَّه، مَا كَانَ من شَرطٍ لَيسَ في كتَاب اللَّه؛ فَهُوبَاطلٌ، وَإن كَانَ مئَةَ شَرطٍ، قَضَاءُ اللَّه أَحَقُّ، وَشَرطُ اللَّه أَوثَقُ» (^٢).\nومعنى ليس في كتاب الله: أي ما خالف كتاب الله.\nووجه الاستدلال: قول النبي ﷺ: «إنما الولاء لمن أعتق» ينفي الولاء عن غيره، وهويدل بمفهومه على النهي عن اشتراط الولاء لغير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٦٥)، ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"3","page":61},{"text":"المعتق، وجعل هذا الشرط المنهي عنه باطل، فدل ذلك على أنَّ النهي يقتضي الفساد.\nقال الشوكاني: والحق أنَّ كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه، وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيًّا، ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك (^١).\nوالخلاصة: ليس كل نهي يقتضي الفساد، فقد يكون الفعل محرمًا، والعمل يكون صحيحًا.\nوهذه المسألة تتوقف على نوع المنهي عنه: هل هولذاته، أم لأمر خارج، وهونوعان (متحد الجهة، ومنفك الجهة):\nوإليك البيان:\n١ - هناك أمور يُنهى عنها في الشرع، ولها طريق واحدة، فلا يوجد لها صورة مباحة في الشرع، أوجائزة، أومأمور بها، فهي في كل صورها منهي عنها، فهذه الصورة يكون حكمها التحريم والفساد مثل نكاح الأمهات، فهوله طريق واحد في الشرع، فلا توجد صورة لإباحته، فلوأنَّ إنسانًا -عياذًا بالله- نكح أمه، سواء كانت من النسب، أم من\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (١/ ٢٨٢).","vol":"3","page":62},{"text":"الرضاعة، فهوعليه الإثم مع فساد هذا النكاح، وهذا يسمى منهيًّا عنه لذاته.\n٢ - هناك أمور يُنهى عنها أحيانًا، ويُؤمر بها أحيانًا، أى لها طريقان: طريق مأمور به، وطريق آخر منهي عنه. فقد تجد طريق الأمر هوطريق النهي، فتكون الجهة متحدة، وقد تجد طريق النهي له جهة معينة، وطريق الأمر له جهة أخرى، فتكون الجهة منفكة، مثل الصيام في الشرع له طريقان، فليست كل صوره مأمورًا بها، وليست كل صوره منهيًّا عنها.\nقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهذا طريق الأمر، ونهى ﷺ عن صيام يوم العيدين، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: هَذَان يَومَان نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ صيَامهمَا: يَوم فطركُم من صيَامكُم، وَاليَومُ الآخَرُ تَأكُلُونَ فيه من نُسُككُم (^١). وهذا طريق النهي، ففي الأمر قال: صوموا. وفي النهى قال: لا تصوموا. فالأمر والنهي متجه لجهة واحدة، وهي عين الصيام، فلوصام مع هذا النهي، فعليه الإثم مع بطلان الصيام وفساده.\nمثال آخر: من صلى وهويستر عورته بالحرير، فيقال: إنَّ ستر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٩٠)، ومسلم (١١٣٧) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"3","page":63},{"text":"العورة من شروط صحة الصلاة، فالنهي عن لبس الحرير في نفس جهة الأمر بستر العورة، فمن فعل المنهي عنه في شرط الصحة يكن حكمه الإثم مع بطلان الصلاة، فكأن من ستر عورته بالحرير لم يسترها أصلًا.\nمثال آخر: من صلى وهو يلبس عمامة من الحرير فلبس العمامة ليس بركن ولا شرط، فهذا أمر خارج، فالجهة منفكة؛ فيكون عليه إثم لبس الحرير، وصلاته صحيحة.\nوكذلك لوأنَّ إنسانًا يصلى ويلبس خاتمًا من الذهب، فحكم صلاته الصحة مع إثم لبس الذهب، فعن أبى موسى، أنَّ النبى ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتى، وحرم على ذكورها» (^١).\nلأن لبس الخاتم ليس بركن ولا شرط بالنسبة للصلاة، فالنهي في جهة، والأمر بالصلاة في جهة أخرى.\nفضابط المسألة: لوكان النهي منصبًّا على ركن الشاء أوشرطه، فهومتحد الجهة، ويكون الحكم البطلان والإثم، وإن كان متعلقًا بشيء ليس بركن ولا شرط تكون الجهة منفكة أي عليه الإثم مع صحة العمل.\n_________\n(^١) حسن لشواهده: أخرجه الترمذي (١٧٢٠)، وغيره من حديث أبي موسى به، وفيه انقطاع، وله شاهد عند أبي داود (٤٠٥٧)، وغيره من حديث علي مرفوعًا، وفيه راو ضعيف، وله شواهد أخرى.","vol":"3","page":64},{"text":"وقيل ضابط آخر (وهو ضابط ضعيف لأن هناك بعض النواهى مختصة بالعبادة وليست متحدة الجهة مثل النهى عن تغطية الفم فى الصلاة) وهو: أنَّ النهي إن كان مختصًّا بالعبادة ذاتها يكون متحد الجهة، فحكم مخالفته التحريم مع البطلان، أما لوكان النهي في العبادة وفي غيرها يكون منفك الجهة، فلوتم مخالفته فيكون حكمه التحريم، وعدم البطلان.\nمثل قول النبى ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (^١)، فقول الزور في الصيام منهي عنه، ولكن هل هومتحد الجهة، فيكون حكمه التحريم والبطلان أى بطلان الصيام؟ أم هومنفك الجهة، فيكون حكمه التحريم وعدم البطلان؟\nالجواب: أن النهى ليس مختصًّا بالعبادة وحدها، بل هوحرام في العبادة وفى غيرها، فتكون الجهة منفكة، وعليه فلا يبطل الصيام مع إثم المخالفة.\nمثال آخر: لوتكلم رجل في الصلاة، فالكلام في الصلاة محرم، وهومختص بالصلاة دون غيرها، فتكون الجهة متحدة فيكون حكمها هوالتحريم وترتيب الإثم، مع بطلان الصلاة، وذلك كالنهي عن الأكل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":65},{"text":"والشرب في الصيام، فهو متحد الجهة، فحكمه التحريم والبطلان، وهكذا.\n• ثالثًا: الفور والتكرار:\nقال ابن مفلح: النهى يقتضى الفور والدوام عند أصحابنا، وعامة العلماء، خلافًا لابن الباقلانى، وصاحب المحصول (^١).\nأما دلالة النهي على الفور، فدليلها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nووجه الدلالة: قوله تعالى: ﴿فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فعل أمر يفيد وجوب الانتهاء على الفور.\nوكذلك قوله ﷺ: «وما نهيتكم عنه فانتهوا» (^٢).\nوالتكرار:\nقال الآمدى (^٣): اتفق العقلاء على أن النهى عن الفعل يقتضى الانتهاء عنه دائما. وذلك للآتي:\n_________\n(^١) أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٧٤٥).\n(^٢) الإعلام (١٦٨) بتصرف كبير، والحديث أخرجه أحمد (٧٣٦٧) بهذا اللفظ، وله طرق في الصحيحين، البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) كلهم من حديث أبي هريرة به.\n(^٣) الإحكام للآمدى (٢/ ١٩٤).","vol":"3","page":66},{"text":"١ - أنَّ الامتثال في باب النهي لا يتحقق إلا بالاستمرار على الامتناع عن الفعل، كما أنَّ المنهي عنه إنما نهى الشارع عنه لمفسدته، ولا يمكن درء هذه المفسدة إلا بالامتناع عنه دائمًا (^١).\n٢ - القول بأنَّ النهي لا يقتضي التكرار، يلزم منه ألا يوجد عاصٍ أصلًا؛ لأن المنهي عن فعل -حينئذ- يخرج عن عهدة النهي بتركة مدة في زمن ما (^٢).\n٣ - لأنَّ الواحد من أهل اللغة متى قال لعبده: لا تدخل هذه الدار. فترك العبد دخولها ساعة، ثم دخلها استحق الذم عند سائر العقلاء (^٣).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ النهي لا يقتضي التكرار، واستدلوا بقياس النهي على الأمر، فكما أنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، فكذلك النهي.\nوالجواب: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ لأنَّ النهي لا يتحقق إلا بالاستمرار على الترك بخلاف الأمر، فإنه يتحقق بإتيان المأمور به، ولومرة واحدة (^٤).\n_________\n(^١) الوجيز لعبد الكريم زيدان (٢٣٩).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٤٦).\n(^٣) العدة في أصول الفقه (٢/ ٤٢٨).\n(^٤) المهذب في أصول الفقه (٣/ ١٤٤١) مختصرًا.","vol":"3","page":67},{"text":"ومما سبق يتضح أنَّ النهي يقتضي الفور والتكرار، وهوالراجح.\n• خروج النهى عن التحريم:\n١ - الكراهة: لقوله ﷺ: «لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه، وهويبول» (^١)، فقال الجمهور: النهي هنا للكراهة؛ لأنَّ الذكر بضعة من الإنسان، والحكمة من النهي تنزيه اليمين.\nومثل نهي النبي ﷺ عن استقبال القبلة في البول والغائط عند فريق من العلماء، قيل: إنه صرف بفعله ﷺ، ومثل الشرب قائمًا عند فريق من العلماء، وغير ذلك.\n٢ - الإرشاد: عن معاذ بن جبل: أنَّ رسول الله أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إنى لأحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (^٢)، وهذا النهي للإرشاد، وغير ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧)، واللفظ له، من حديث أبي قتادة مرفوعًا.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي في (الكبرى) (١٢٢٧)، وغيرهما من حديث معاذ مرفوعًا.","vol":"3","page":68},{"text":"• مسألة: من يدخل في الخطاب بالأمر والنهى:\nيدخل المكلف، والتكليف بالأمر والنهى شامل للمسلمين والكفار على الصحيح، حيث اختلف العلماء في تكليف الكافر: فكلهم مجمعون على أنَّ الكفار مخاطبون بالأصول وهى العقائد، والاختلاف في الفروع على ثلاثة مذاهب:\nالأول: قال بعضهم هم مخاطبون أيضًا بالفروع، أي الأوامر والنواهي.\nالثاني: وهو المشهور عن الأحناف، أنهم غير مكلفين بالفروع من الأوامر والنواهى.\nالثالث: أنهم مخاطبون بالنواهى دون الأوامر.\nوالراجح هو القول الأول أنَّ الكفار مخاطبون بالأصول، والفروع، وكل الأوامر، والنواهي، وهو مروي عن الإمام أحمد، والشافعي، وهو غالب مذهب مالك.\nقال الإمام النووي: اتفق أصحابنا على أنَّ الكافر غير مكلف بالصلاة، وفي كتب الأصول هو مكلف، ثم قال: ولا تعارض؛ لأنَّ كلًّا منهم نظر إلى جهة، فالفقهاء نظروا إلى أحكام الدنيا، والأصوليون نظروا إلى أحكام الآخرة.","vol":"3","page":69},{"text":"فقال الفقهاء: لا يصلي حال كفره، وإن صلى لا تقبل منه، وإن أسلم لا يقضي. وقال الأصوليون: يحاسب عليها في الآخرة.\nواستدل القائلون بالتكليف بما يلي:\n١ - الأدلة العامة: كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ف (النَّاس) تشمل المسلم والكافر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، والعبادة أصول وفروع، و(النَّاس) الألف واللام فيها للاستغراق، أي كل الناس.\n٢ - أنه يحاسب عليها في الآخرة: وما يحاسب عليه في الآخرة لا بد أن يكلف به في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].\n﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، والصلاة أمر واجب، وقوله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، وإطعام المسكين أمر مندوب في الأصل، وقوله ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، وهذا نهي، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، وهذه عقيدة، وهذا يدل أنهم حوسبوا على كل شيء، ولوكانوا قد حوسبوا على الكفر فقط لكان يكفى أن يقولوا ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.","vol":"3","page":70},{"text":"ومنها أيضًا: قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١]، والسبب في ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣]، وهذه عقيدة، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤]، وهذا فرع من الفروع.\nوقال تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، ومضاعفة العذاب بسبب أنه كان كافرًا، وفعل المنهيات من الزنا وغيره.\nوقال تعالى أيضًا: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، فلهم عذاب على كفرهم، وعذاب على صدهم عن سبيل الله.\n٣ - قال ابن عبد البر وغيره: من كلف بالشرط كلف بالمشروط من باب أولى، كالصلاة مشروطة بالوضوء، والوضوء شرط، فمن كلف بالشرط وهو الوضوء كلف بالمشروط وهو الصلاة، وكذلك الأعمال مشروطة بالإسلام وهو شرط قبول، فمن كلف بالشرط، وهو الإسلام كلف بالمشروط، وهو باقى الأعمال.\n٤ - الكفر مانع من القبول، فوجب عليه العمل، ووجب عليه إزالة","vol":"3","page":71},{"text":"المانع، وإلا حوسب عليهما كمن وجبت عليه الصلاة، ثم أحدث، فالحدث يمنع الصحة والقبول، ولا يرفع التكليف، فوجبت عليه الصلاة، ووجب عليه إزالة المانع وهو الحدث، وإلا حوسب عليهما.\nومن قال: غير مخاطب. استدل بما يلي:\n١ - أنَّ الفروع لا تطلب من الكافر حال كفره، وإن فعلها لا تقبل منه، وإن أسلم لا يقضي.\nوالجواب على ذلك:\nأ - أنه لا يطالب بها ابتداء؛ لأنه يلزمه أن يأتي بالإسلام أولًا.\nب- ولو قام بها لا تقبل منه؛ لأنه فاقد لشرط القبول لا شرط الوجوب.\nج- ولو أسلم لا يقضي؛ لأنَّ الإسلام يجب ما قبله، كما قال النبى ﷺ، فعن عمرو بن العاص قال: أتيت النبى ﷺ ليبايعنى، فبسط يده إلىَّ، فقلت: لا أبايعك يا رسول الله حتى تغفر لي ما تقدم من ذنبي، فقال لي رسول الله ﷺ: «يا عمرو، أما علمت أنَّ الهجرة تجب ما قبلها من الذنوب، يا عمرو أما علمت أنَّ الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب» (^١).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أحمد (١٧٨٢٧)، وغيره من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا، وفيه راو صدوق.","vol":"3","page":72},{"text":"فالصحيح: أنَّ الكافر مكلف، وهو رأى الجمهور.\n• مسألة: الفرق بين الأمر والنهى:\n١ - الأمر بالشيء أمر بجميعه كالأمر بالصلاة، والنهي عن الشيء نهي عن بعضه كتحريم الميتة والخنزير.\n٢ - الأمر يقتضى الوجوب والفورية، والنهى يقتضى التحريم والفورية.\n٣ - الأمر لا يقتضى التكرار، والنهى يقتضى التكرار، وغير ذلك (^١).\n• مسألة: النهي الوارد عقب سؤال؛ إفادته على حسب ما يقصده السائل.\nالنهي الوارد عقب سؤال إنما تفيد دلالته على حسب مقصود السائل، فإن كان مقصود السائل بسؤاله هو الإباحة وعدمها؛ فيفيد النهي التحريم، وإن كان مقصود السائل هو الوجوب وعدمه؛ فيفيد النهي عدم الوجوب، ولا يفيد التحريم، مثاله حديث البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا توضؤوا منها»، وسئل عن\n_________\n(^١) الإعلام في أصول الأحكام (١٧١ - ١٧٤).","vol":"3","page":73},{"text":"الصلاة في مبارك الإبل، فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين» (^١).\nفالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها؛ لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقضًا للوضوء أم لا؟ والشيء إذا كان ناقضًا للوضوء يجب الوضوء منه، وإذا لم يكن ناقضًا فلا يجب، فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم.\nوأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها؛ لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل، هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح؟ فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يباح الصلاة فيها (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (١٨٤)، وأحمد (١٨٥٣٨)، وغيرهما من حديث البراء به، وفيه راو صدوق.\n(^٢) أصول الفقه على منهج أهل الحديث (ص ١٢٤ و١٢٥).","vol":"3","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>الفصل الثالث:\nالعام والخاص</span>","vol":"3","page":75},{"text":"العام والخاص\nقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد علينا الشافعي ﵁ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-461> أولًا: العام:</span>\nتنبيه: العام يطلق على اللفظ، والعموم يطلق على المعاني.\n\n*<span data-type='title' id=toc-462> تعريف العام:</span>\nالعام لغة: أصل العموم في اللغة الشمول والكثرة، يقال: عمَّ الخير البلاد أي: كثر، وعمَّ الخير إذا شملهم وأحاط بهم (^٢).\nاصطلاحًا: فهو اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.\n_________\n(^١) البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٥).\n(^٢) الإعلام (١٧٥)، البحر المحيط (٤/ ٥) بتصرف.","vol":"3","page":77},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-463> شرح التعريف:</span>\nخرج بقوله: (المستغرق) ما لم يستغرق، نحو بعض الحيوان، إنسان (^١).\nخرج بقوله: (ما يصلح له) ما لم يصلح.\nفمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، فهذا عموم لجميع الخيل، ولجميع البغال والحمير، وليس هذا خصوصًا؛ لأن معنى قولنا: (عموم) ما اقتضاه اللفظ فقط دون ما لا يقتضيه، فمن سمى هذا خصوصًا فقد شغَّب وشبَّك (^٢).\nقلت: قد يحمل العام في طياته خصوصًا، ولو من وجه. فنقول: لفظ (الخيل) عام في كل خيل، خاص في الخيل دون غيرها من الحيوانات، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١٠ - ١١].\nفلفظ (المرسلون) عام في كل مرسل خاصٌّ فيهم دون غيرهم،\n_________\n(^١) المذكرة (١/ ٢٤٣).\n(^٢) الإحكام لابن حزم (٣/ ١٢٨).","vol":"3","page":78},{"text":"وخص هذا العام بقوله: (إلا من ظلم) و(من) لفظٌ عام، وهكذا.\nوقيل (ما يصلح له) قيد لبيان الواقع، فإن اللفظ لا يستغرق الا ما يصلح له دون غيره (^١).\nخرج بقوله: (بوضع واحد) المشترك؛ لأن المعاني التي يشملها ليست بوضع واحد، كلفظ (العين) فلا يسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة وغير ذلك؛ لأنه لم يوضع لهما وضعًا واحدًا، بل لكل منهما وضع مستقل (^٢).\nف (المشترك) خرج بقيدين:\nالأول: بوضع واحد.\nالثاني: المستغرق. وذلك على النحو التالى:\nأولًا: أن يحمل المشترك على جميع معانيه، كأن يقال في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، [المائدة: ٦] المراد: جامعتم ولمستم النساء، فيكون حينئذٍ قد شمل الجماع، واللمس باليد، فهل يكون عامًّا؟ الجواب: لا. وذلك للآتي:\n١ - أنَّ اللفظ المشترك لا يستغرق جميع معانيه دائمًا، بل يستغرق\n_________\n(^١) حاشية العطار (١/ ٥٠٦).\n(^٢) المذكرة بتصرف (١/ ٢٤٤).","vol":"3","page":79},{"text":"أحيانًا، ولا نمنعه، فهو جائز بشرط ألا يمتنع الجمع بينهما، هذا وذهب إلى الجواز الشافعي، والقاضي أبوبكر، وجماعة من الشافعية (^١)، فاستغراقه ليس مطردًا فلا يكون عامًّا.\n٢ - أنه إذا جاء دليل على تحديد معناه فلا يصار إلا إليه، وحينئذٍ يكون الاستغراق بدليًّا.\nثانيًا: ألا يحمل على جميع معانيه، فيكون قد خرج بقيد الاستغراق، فاللفظ المشترك له عموم على رأي الجمهور، ولكن بطريق البدلية (^٢).\nقوله: (دفعة) خرجت النكرة في سياق الإثبات؛ لأنَّ استغراقها بدلي لا دفعة واحدة (^٣)، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فالمراد رقبة واحدة على سبيل البدل.\nقوله: (من غير حصر) أخرج المحصور كالعدد (^٤).\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٤٢).\n(^٢) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٢/ ٦٤٢).\n(^٣) التأسيس (٢٦٦).\n(^٤) الإعلام (١٧٥).","vol":"3","page":80},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-464> مسألة: الصورة النادرة وغير المقصودة هل تدخل في العموم؟</span>\nلتحرير هذه المسألة هناك بعض المقدمات:\nأولًا: إذا قامت قرينة على دخول أو قصد الصورة النادرة تحت العموم دخلت، وإذا قامت قرينة على عدم دخولها لم تدخل (^١).\nثانيًا: الكلام على الصورة النادرة التي لم تأت قرينة لخروجها أو دخولها في العموم، هل تدخل في العموم؛ لأن اللفظ يشملها، أم لا تدخل؛ لأنها نادرة لم تخطر ببال المتكلم؟\nوالمعنى: هل كل ما تناوله اللفظ العام شمله الحكم أم لا؟ (^٢).\nثالثًا: المقاصد لا انضباط لها، والرجوع إلى منضبط أولى (^٣).\nرابعًا: ليس معنى دخول الصورة النادرة في العموم هو قصر العموم عليها، لذا فقد أنصف الزركشي ﵀ حين قال في هذه المسألة: يوجد في كلام الأصوليين اضطراب يمكن أن يؤخذ منه الخلاف (^٤).\nوصدق، فمن الخطأ الرد على الأحناف لما حملوا قوله ﷺ: «أيما\n_________\n(^١) حاشية العطار (١/ ٥٠٨) بتصرف.\n(^٢) حاشية العطار (١/ ٥٠٧) بتصرف.\n(^٣) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٢/ ٦٤٤).\n(^٤) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (٢/ ٦٤٣).","vol":"3","page":81},{"text":"امرأة نكحت نفسها من غير إذن وليها فنكاحها باطل» (^١) على المرأة المكاتبة -وهي التي اشترت نفسها من سيدها- بأن يقال: إنَّ المرأة المكاتبة نادرة لا تدخل في العموم، بل ينبغي القول بأنَّ العموم يشملها، وليس قاصرًا عليها، فهناك فرق كبير بين دخول النادر في العموم، وبين قصر العموم على النادر، فالخلط بينهما خطأ واضح.\nخامسًا: الألفاظ قوالب المعاني، وإلغاء المعنى هو إلغاء اللفظ، وإلغاء جزء من المعنى هو إلغاء جزء من اللفظ، فلا يصار إليه إلا بدليل.\nسادسًا: الكلام في المسألة ليس من نافلة القول؛ وذلك لأن هناك أحكامًا مترتبة عليها، منها:\nأ- التضحية بالخنثى من بهيمة الأنعام، هل هو جائز أم لا؟\nب- هل يجب الغسل من المني الخارج بغير لذة.\nج- مس الذكر المقطوع هل ينقض الوضوء أم لا؟ على القول بأن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا.\nد- هل يجوز السبق على الفيلة أم لا؟\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢) وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"3","page":82},{"text":"سابعًا: دلالة العام على الغالب أقوى من دلالته على النادر، ولا يعني ذلك إخراج النادر من العام.\n• تحرير المسألة:\nاختلف أهل العلم في دخول النادرة وغير المقصودة في العموم، فقال بعضهم: لا تدخل، وهو قول ابن العربى (^١)، وقال الزركشي: ظاهر كلام الشافعي عدم دخولها، فإنه قال: الشاذ يجيء بالنص عليه (^٢).\nوحجة هذا الفريق: أنَّ الصورة النادرة لا تخطر بالبال - يعني بال العرب-، وأنَّ إدخالها يتنافى مع الحكمة والفصاحة.\nوذهب آخرون إلى أنها تدخل، وهو قول السبكي، وأيده الشنقيطي، وهو الراجح؛ وذلك لما يلي:\n١ - الإجماع منعقد على العمل بظواهر الألفاظ، واللفظ العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع أفراده، فلا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل.\n٢ - قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنَّ الخنثى يرث من حيث يبول،\n_________\n(^١) المحصول (١/ ١٠٠).\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ٧٢).","vol":"3","page":83},{"text":"إن بال من حيث يبول الرجال ورث ميراث الرجال، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة (^١)، وهذا دليل على دخول الخنثى في عموم آيات المواريث، وهي صورة نادرة جدًّا.\n٣ - قال القرطبي: لا خلاف على جواز المسابقة على الخيل، وغيرها من الدواب (^٢)، فإن كان هذا إجماعًا فهو دليل على دخول الفيلة في عموم قوله ﷺ: «لا سبق إلا في خُفٍّ أو في حافر أو نصل» (^٣).\n٤ - إخراج النادر من العموم بدعوى أنه لا يخطر بالبال هو بناء حكم على أمر غير منضبط، والرجوع إلى منضبط أولى، والمنضبط هنا شمول العام لجميع أفراده.\n٥ - إخراج النادر من العموم هو إلغاءٌ لجزءٍ من معنى اللفظ، ولا يصار إليه إلا بدليل.\n٦ - القول بأنَّ إدخال الصورة النادرة في العموم أمر يتنافى مع الحكمة، والفصاحة أمر فيه نظر؛ وذلك لأنَّ إخراج النادر من العموم وإفراده بحكمٍ أمرٌ فيه مشقة على المكلفين، والمشقة تجلب التيسير،\n_________\n(^١) الإجماع لابن المنذر (٥٥) ط دار الكوثر.\n(^٢) عون المعبود وحاشيته لابن القيم (٧/ ١٧٣).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥)، وأحمد (١٠١٣٨)، وغيرهم من حديث أبي هريرة به.","vol":"3","page":84},{"text":"بل إنَّ إلحاق القليل النادر بالغالب الكثير هو عين الحكمة والفصاحة، وإنما الذي يتنافى مع الحكمة هو قصر اللفظ العام على صورة نادرة، وهذه مسألة أخرى كما تقدم.\nومما سبق يتضح - والله أعلم - أنَّ الصورة النادرة تدخل في العموم بشرط أن يشملها اللفظ، ولا توجد قرينة لإخراجها، فإن صح دخولها، فدخول الصورة غير المقصودة من باب أولى، ويترتب على ذلك أحكام، منها:\nأ- الحكم بتوريث الخنثى.\nب- جواز المسابقة على الفيلة.\nج- جواز الخنثى من بهيمة الأنعام في الأضحية.\nد- الحكم بموت الخضر؛ لدخوله في عموم قوله ﷺ: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مئة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» (^١)، ودخوله في عموم قوله ﷺ يوم بدر: «إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد اليوم» (^٢).\nهـ- وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة؛ لدخوله في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١)، ومسلم (٢٥٣٧) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"3","page":85},{"text":"عموم قوله ﷺ: «إنما الماء من الماء» (^١)، وغير ذلك مما بناه بعض الفقهاء على هذه المسألة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-465> مسألة: هل تدخل النساء في خطاب الرجال؟ أو هل الجمع الذي فيه علامة التذكير يتناول النساء؟</span>\nولبيان هذه المسألة لا بد من بيان أمور:\nأولًا: اتفق العلماء على أنَّ كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص بالآخر كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث كالناس (^٢).\nثانيًا: إذا كان لفظ الجمع قد جاء بلفظ لا يتبين فيه التذكير ولا التأنيث، مثل أدوات الشرط والاستفهام، فإنَّ الأحناف قالوا: (مَنْ) لا تدخل فيها النساء، وبنوا على ذلك أنَّ المرتدة لا تقتل؛ لعدم دخولها في قوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٣).\nقال الشوكانى: ولا يخفاك أن دعوى اختصاص \"من\" بالذكور لا ينبغى أن ينسب إلى من يعرف لغة العرب، بل لا ينبغى أن ينسب إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"3","page":86},{"text":"من له أدنى فهم (^١).\nوالراجح: دخول النساء فيها، وهو قول الجمهور؛ وذلك للأدلة التالية:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، فلولا دخول النساء فيه لم يحسن التقسيم بعد ذلك (^٢).\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠]، فهو خطاب للنساء بلفظ (مَنْ).\n٣ - عن ابن عمر ﵁: عن النبي ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرًا»، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: «فيرخينه ذراعًا، لا يزدن عليه» (^٣).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول ١/ ٣١٩).\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ٢٤١).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (١٧٣١)، والنسائي (٥٣٣٦)، وغيرهما من حديث ابن عمر به، وأصل الحديث في الصحيحين عند البخاري (٣٦٦٥)، ومسلم (٢٠٨٥) من حديث ابن عمر أيضا، ولكن بدون قول أم سلمة.","vol":"3","page":87},{"text":"ووجه الدلالة: أنها فهمت أنَّ النساء داخلات في الخطاب، وأقرها النبي ﷺ على هذا الفهم.\nثالثًا: إذا كان الجمع قد ورد بلفظ قد تبين فيه علامة التذكير بشكل واضح كالجمع بالواو والنون، مثل: المسلمون. أو جمع بضمير الجمع مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١].\nهذه مسألة وقع فيها الخلاف، وقبل تحريرها هناك بعض المقدمات:\nأولًا: ليس معنى عدم تخصيص الشيء بالذكر انتفاء الحكم عنه.\nثانيًا: تأسيس الحكم لا بد أن يسبق تأكيده، وإلا لما كان للتأكيد معنى، ولهذا شاهد من اللغة، فإنه في باب التوكيد لا بد من ذكر المؤكَّد أولًا قبل التوكيد.\nثالثًا: كثرة الاستثناء من الأصل تضعفه، فينبغي أن يكون الأصل غالبًا.\nرابعًا: قاعدة التغليب معمول بها عند العرب.","vol":"3","page":88},{"text":"خامسًا: الصيغة الخاصة لا يمتنع تعديها للغير (^١).\nسادسًا: تسمية جمع المذكر بذلك اصطلاحٌ لأهل العربية لا للعرب، فلا تقوم به حجة في هذا.\nسابعًا: اللغة العربية تستمد من القرآن الكريم، والسنة، وكلام العرب، وليست اللغة حاكمًا على القرآن.\nثامنًا: التكرار في القرآن الكريم لا يكون إلا لفائدة، أقلها زيادة الأجر.\nتاسعًا: التكرار لا ينافي البلاغة، فقد كان ﷺ يكرر الحديث ثلاثًا، كما روى البخاري بسنده عن أنس ﵁، عن النبى ﷺ: أنه كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا (^٢).\nعاشرًا: الأصل مورد الشرع لا مقتضى العرف (^٣) واللغة.\n• تحرير المسألة:\nاختلف أهل العلم ﵏ في دخول الإناث في الخطاب الوارد بصيغة جمع المذكر، أو ضمير الجمع، فذهب الفريق الأول إلى\n_________\n(^١) التأسيس (٢٧٩)، بتصرف يسير.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٤) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٣) تشنيف المسامع (٢/ ٧٠٨).","vol":"3","page":89},{"text":"أنَّ النساء لا يدخلن فيه، وهو قول الشافعي، وأصحابه، والجمهور (^١)، ومن المتأخرين الشوكاني (^٢).\nواستدلوا بأدلة نجملها في ما يلي:\n١ - أنه لا جهاد على النساء، مع قوله تعالى: (جاهدوا)، وقوله: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، فدل ذلك على أنه أراد الذكور دون الإناث (^٣).\nويجاب عن ذلك: بأنَّ إرادة الذكور جاءت بقرائن أخرى، وقد ورد هذا كثيرًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]، مع أنه لا جمعة على النساء.\n٢ - التصريح بما يختص به النساء وما يختص به الرجال، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ٢٤٥).\n(^٢) إرشاد الفحول (١/ ٣١٩).\n(^٣) البحر المحيط (٤/ ٢٤٣).","vol":"3","page":90},{"text":"وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].\nولو كن داخلات لما كان للتكرار فائدة، وكذلك سبب نزول الآية، وهو قول أم سلمة ﵂: يا رسول الله، ما نرى الله سبحانه ذكر إلا الرجال، فنزلت الآية.\nووجه الدلالة:\nأولًا: إقرار النبي ﷺ لها على النفي -يعني نفي ذكر النساء- ولو كن داخلات في الخطاب لم يقرهن عليه.\nثانيًا: نفيها لذكر النساء حجة؛ لأنها من أهل اللسان.\nثالثًا: العطف يقتضي المغايرة، والشيء لا يعطف على نفسه، والتأسيس أولى من التنصيص.\nوالجواب عن ذلك:\nأ- أنَّ إقرار النبي ﷺ ليس على عدم دخول النساء في خطاب","vol":"3","page":91},{"text":"الرجال، وإنما على عدم ذكر النساء تصريحًا، وكونها من أهل اللسان يشهد لذلك، فهي تعني ما تقول، حيث قالت: «ما لنا لا نرى الله ﷾ ذكر إلا الرجال»، فهي سألت عن مجرد الذكر، مع علمها أنهن داخلات في الخطاب، وليس معنى عدم الذكر انتفاء الحكم عن من لم يذكر، فلفظ الإسلام إذا أطلق يشمل الإيمان والإحسان بدون ذكرهما.\nب - وكون العطف يقتضي المغايرة، فإنَّ المغايرة لا تلزم أن تكون من كل وجه، فحينما أقول: جاء محمد وفاطمة. فلا يعني ذلك أنهما مختلفان من جميع الوجوه.\nج - عطف المسلمات على المسلمين لا يعني عدم دخول النساء في قوله: (المسلمين)، وإنما هو من قبيل عطف الخاص على العام، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨].\nفلفظ (الملائكة) عام يدخل فيه جبريل وميكال، ومع ذلك خصهما بالذكر.\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، فلفظ (الفاكهة) عام وشامل لجميع أنواع الفاكهة ومنها الرمان، ومع ذلك","vol":"3","page":92},{"text":"فقد خصه بالذكر.\nوقول النبي ﷺ في خطبة صلاة الكسوف: «هَذه الآيَاتُ الَّتي يُرسلُ اللَّهُ، لَا تَكُونُ لمَوت أَحَدٍ وَلَا لحَيَاته، وَلَكن يُخَوّفُ اللَّهُ به عبَادَهُ، فَإذَا رَأَيتُم شَيئًا من ذَلكَ، فَافزَعُوا إلَى ذكره وَدُعَائه» (^١).\nفالذكر يشمل الدعاء والاستغفار، ومع ذلك خصهما بالذكر.\nوأما القول: بأنَّ التأسيس أولى من التنصيص، والمعنى أنَّ الله تعالى يؤسس أنَّ النساء لهن خطاب خاص بهن.\nفجوابه: كيف لا يؤسس هذا الحكم إلا في سورة الأحزاب، وهي سورة مدنية، وليست من أوائل السور التي نزلت بالمدينة، بل إنَّ منها ما نزل في السنة الثالثة الهجرية، كزواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش ﵂، ومنها ما نزل في السنة الخامسة الهجرية، وهو ما يخص الأحزاب.\nفكيف يتأخر تأسيس الحكم، والمعروف أنَّ التأسيس يكون أولًا، ثم يأتي بعد ذلك التنصيص والتأكيد لما تم تأسيسه.\nأما القول: بأنَّ عطف المسلمات على المسلمين، وهن داخلات في لفظ «المسلمين» مناف للبلاغة والقرآن بليغ، ومن ثَمَّ فإنَّ لفظ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢) من حديث أبي موسى مرفوعًا.","vol":"3","page":93},{"text":"(المسلمين) لا يشمل المسلمات، وإلا كان تكرارًا.\nفجوابه: أنَّ التكرار لا ينافي البلاغة؛ فقد كان النبي ﷺ يكرر الحديث ثلاثًا (^١).، فالتكرار له فوائد كثيرة، لا سيما في القرآن الكريم، فأقل فوائده زيادة الأجر بزيادة الأحرف.\n٣ - قياس النساء على الرجال، فكما لا يدخل الرجال في خطاب النساء، فإنه لا يدخل النساء في خطاب الرجال (^٢).\nوقياس الجمع على المفرد، فالمؤمنون تضعيف مؤمن، وكلوا تضعيف ضمير كل، وكما أنَّ (المؤمن) و(كل) لا يتناول الأنثى، ولا يدل عليها، كذلك (مؤمنون) و(كلوا) لا يتناول الإناث، ولا يدل عليهن (^٣).\nوالجواب:\nأولًا: أنَّ هذا قياس مع الفارق، فكلامنا في الجمع، وليس في المفرد، ولا يمتنع أن يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع، ولا يدخل في حال الإفراد، ويؤيد هذا أنَّ غير العاقل يدخل في جمع العاقل،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٤) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٢/ ٥٢١).","vol":"3","page":94},{"text":"ولا يدخل في حال الإفراد.\nوكذلك قياس المرأة على الرجل قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وذلك لورود اللغة بدخول النساء، ولم ترد بدخول الرجال في جمع التأنيث، وذلك لتغليب العرب للفظ التذكير (^١).\n٤ - أنَّ الأسماء وضعت للدلالة على مسمياتها، فخص كل نوع بما يميزه، فالألف والتاء جعلت علمًا لجمع الإناث، والواو والنون لجمع الذكور. قاله القفال (^٢).\nوالجواب: أنَّ اختصاص كل نوع بما يميزه لا يمنع من دخول أحدهما تحت الآخر؛ لأنَّ الصيغة الخاصة لا يمتنع تعديها للغير.\nوذهب الفريق الثاني إلى أنَّ النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة التذكير، ولا يخرجن إلا بدليل، وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وأكثر الحنابلة، وكثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الظاهرية كمحمد بن داود (^٣)، وهو الراجح، والله أعلم؛ وذلك للآتي:\n_________\n(^١) المهذب (٤/ ١٥٥٧).\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) المهذب (٤/ ١٥٥٣).","vol":"3","page":95},{"text":"أولًا: قوله ﷺ: «سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» (^١).\nفدل ذلك على أنَّ الذاكرات داخلات في جمع المذكر السالم (المفردون)، ولولا دخولهن فيه لم يحسن التفسير بعد ذلك.\nثانيًا: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى في مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].\nوقوله تعالى في امرأة العزيز: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩].\nوقوله في ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] (^٢).\nثالثًا: إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر مع المؤنث غلب المذكر (^٣)، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، والمخاطبون ثلاثة: آدم، وحواء، وإبليس. فلو كن النساء لا يدخلن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٧٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أضواء البيان (١/ ٩).\n(^٣) البحر المحيط (٤/ ٢٤٦).","vol":"3","page":96},{"text":"لقيل لآدم وإبليس اهبطا، ولحواء اهبطي، ولكنه لم يقل ذلك، مما يدل على أنَّ النساء يدخلن (^١).\nرابعًا: أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر، مع الإجماع على أنَّ النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب لما كان كذلك (^٢).\nخامسًا: لوقال السيد لمن بحضرته من عبيده: قوموا واقعدوا. تناول جميعهم، ولو قال: قوموا، وقمن، واقعدوا، واقعدن. لعد تطويلًا، وغيًّا، ولكنةً.\nسادسًا: القول بدخول النساء في خطاب الرجال، ثم خروجهن في بعض الأحكام بدليل، أولى من القول بعدم دخولهن، ثم دخولهن في كثير من الأحكام بدليل، وذلك من الناحية الأصولية؛ لأنَّ الأصل هو الغالب، وكثرة الاستثناءات على الأصل تضعفه.\nوقد نقل الشوكاني ﵀ عن الإِبيارى أنه قال: ولا خلاف بين الأصوليين والنحاة أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال (^٣).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٥٥٤).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٦٧).\n(^٣) إرشاد الفحول (١/ ٣٢٠).","vol":"3","page":97},{"text":"قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنَّ ظاهره أنَّ المسألة فيها إجماع، ولو كانت كذلك، لما وقع فيها الخلاف، كما أنَّ الأصل مورد الشرع، لا مقتضى العرف واللغة، وقد أغرب الشوكاني ﵀ حين قال: ولم يأت القائلون بالتناول -يعني تناول جمع مذكر للنساء- بدليل يدل على ما قالوه لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا من جهة النقل (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-466> مسألة: أقل الجمع:</span>\nللتمهيد لهذه المسألة هناك بعض المقدمات:\nأولًا: ليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء لشيء، فإنَّ ذلك في الاثنين، والثلاثة، وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى في اللغة مثل قولهم: رجال، ومسلمون (^٢).\nوالمعنى: هل يصح أن أطلق على رجلين لفظ رجال، أم أنَّ كلمة رجال لا تطلق على أقل من ثلاثة، وهذا هو محل الخلاف.\nثانيًا: الغالب من النبي ﷺ أن يعرفنا الأحكام الشرعية، لا الأمور اللغوية لكونها معلومة للمخاطب (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق بتصرف.\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٢٤).","vol":"3","page":98},{"text":"ثالثًا: دور العرب مع اللغة دور تصنيف لا دور تأسيس (^١).\n• تحرير المسألة:\nالقول الأول: ذهب فريق من أهل العلم إلى أنَّ أقل الجمع اثنان، وهو قول عمر، وزيد بن ثابت ﵄، ومالك، وداود، وجماعة من أصحاب الشافعى كالغزالى (^٢)، واستدلوا بأدلة منها:\n١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، فعبر بلفظ الجمع (مستمعون)، وأراد به موسى وهارون.\nوأجيب: بأنَّ المراد موسى، وهارون، وفرعون، وقومه، وهم جمع (^٣).\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فاستخدم ضمير الجمع (واو الجماعة) في (اقتتلوا) وهما طائفتان.\nوأجيب: بأنَّ كل طائفة جمع.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا\n_________\n(^١) التأسيس (٢٠٦).\n(^٢) الإحكام للآمدى (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) الإحكام للآمدى (٢/ ٢٢٣).","vol":"3","page":99},{"text":"تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ [ص: ٢١ - ٢٢]، فعبر بضمير الجمع في (تسوروا) عن المثنى (خصمان).\nوأجيب: بأنَّ الخصم يطلق على الواحد وعلى الجماعة، فيقال: هذا خصمي، وهؤلاء خصمي.\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].\nفعبر بضمير الجمع في قوله (لحكمهم) عن داود وسليمان، وهما اثنان.\nوأجيب: بأنَّ المراد داوود، وسليمان، والمحكوم له، وهم جماعة (^١).\n٥ - قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]، فعبر بضمير الجمع في قوله (بهم) وأراد يوسف وأخاه.\nوأجيب: بأنَّ المراد يوسف، وأخوه، وأخوهما الثالث الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠].\n_________\n(^١) الواضح في أصول الفقه (٣/ ٤٣٠).","vol":"3","page":100},{"text":"٦ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وأراد عائشة، وحفصة.\nوأجيب: بأن هذا للتخفيف.\nقال الزركشي: استثنى النحويون المشترطون للثلاثة، التعبير عن عضوين من جسدين بلفظ الجمع نحو قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لقصد التخفيف، فإنه لو قيل: قلباكما. لثقل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين (^١).\n٧ - قوله ﷺ: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (^٢).\nوأجيب: بأنه متكلم فيه، وإن صح فإنَّ المعنى ثبوت أجر الجماعة لهما، وذلك أنَّ النبي ﷺ يبين الحقائق الشرعية لا اللغوية.\nوإلا فهو حجة لنا من وجه، وهوأنه لوكان ذلك جمعًا في اللغة لما احتاجوا إلى بيانه.\n٨ - واستدلوا من اللغة: بأنَّ الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: قمنا وقعدنا. كما تقول الثلاثة.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ١٩٥).\n(^٢) إسناده ضعيف جدا: أخرجه ابن ماجه (٩٧٢)، وأبو يعلى (٧٢٢٣)، وغيرهما، وفيه رواة ضعفاء.","vol":"3","page":101},{"text":"وأجيب: بأنَّ الواحد يقول: قمنا وقعدنا. مع أنه ليس بجماعة.\n• القول الثاني: وذهب آخرون إلى أنَّ أقل الجمع ثلاثة، وهو قول ابن عباس، ومذهب الأئمة الأربعة إلا مالكًا (^١).\nوهو الراجح للآتي:\nأولًا: أجوبتهم عن أدلة الفريق الأول التي لم يسلم الاستدلال بها.\nثانيًا: أدلتهم وهي:\n١ - قوله ﷺ: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» (^٢).\nووجه الاستدلال: أنه ﷺ فصل بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين اصطلاحًا خاصًّا دون الجمع، فعلم أنَّ التثنية ليست بجمع حقيقة (^٣).\n٢ - إجماع أهل اللغة على الفرق بين التثنية والجمع في التكلم أو التصنيف، أما في التكلم فلأنهم يقولون: (رجلان ورجال)، والتصنيف؛\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٩٠).\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أبوداود (٢٦٠٧)، والترمذي (١٦٧٤)، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢٥٧٠) وسنده حسن أيضا.\n(^٣) المهذب في علم أصول الفقه (٤/ ١٥٢١).","vol":"3","page":102},{"text":"لأنه ما من كتاب في اللغة إلا ويوجد فيه باب التثنية، وباب الجمع (^١).\nوالمعنى: أنَّ للجمع صيغةً وللمثنى صيغةً، فدل ذلك على أنَّ المثنى بخلاف الجمع.\nفإن قيل: قد قررتم قبل ذلك أنَّ الصيغة الخاصة يمكن تعديها للغير، فلا مانع أن يعبر عن المثنى بالجمع، فيكون أقل الجمع اثنان.\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أنَّ لازم القول ليس بلازم.\nفليس معنى أنَّ الصيغة الخاصة قد تتعدى للغير أنها تتعدى دائمًا.\nالثاني: أنَّ إطلاق صيغة الجمع على الاثنين جائزة، ولكن على سبيل المجاز، وليس هذا محل النزاع.\n٣ - أقل الشيء يصدق عليه اسم الشيء وحقيقته، كما أنَّ أقل الماء ماء، وأقل العدد عدد، فإنَّ جَعْلَنَا الاثنين أقل الجمع، يلزم أن يسميا جمعًا؛ لأن أقل الجمع جمع، وهما مثنى، فكأننا نقول أقل الجمع مثنى، وفيه تناقض (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٩٨).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٩١) بتصرف، للاستزادة في مسألة أقل الجمع انظر البحر المحيط (٤/ ١٩٢)، والإحكام للآمدي (٢/ ٢٢٢)، وما بعدها.","vol":"3","page":103},{"text":"ومما سبق يتضح: أنَّ الراجح - والله أعلم - هو أنَّ أقل الجمع ثلاثة، وعليه فإنه يترتب على ذلك بعض الفروع الفقهية، منها:\n١ - لابد أن يصلي على الميت ثلاثة على الأقل.\n٢ - لو قال الزوج: إن تزوجت نساءً فامرأتي طالق. لم تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة.\n٣ - لو نذر أن يصوم أيامًا -ولم يبين مقصده-، فإنه يلزمه ثلاثة أيام (^١).\n• القول الثالث: التوقف:\nقال القرافي في مسألة أقل الجمع: إنَّ له نحوًا من عشرين سنة يورده ولم يتحصل عنه جواب (^٢).\nقال الآمدي: وإذا عرف ضعف الأخذ من الجانبين على الناظر بالاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازم (^٣).\n_________\n(^١) المهذب (٤/ ١٥٣١).\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ١٩٢).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٢٦).","vol":"3","page":104},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-467> مسألة: العموم من عوارض الألفاظ.</span>\nقال الآمدي ﵀: اتفق العلماء على أنَّ العموم من عوارض الألفاط (^١).\nوالعوارض جمع عارض، وهو الذي يذهب ويجيء، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، فليس العموم داخلًا في حقيقة اللفظ، فمتى وجد اللفظ فهو عام (^٢).\nفمثلًا كلمة (خير) قد يعرض لها العموم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ [البقرة: ١١٠]، فكلمة (خير) هنا جاءت عامة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط.\nأما قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فكلمة (خير) هنا ليست لفظًا عامًّا.\nفنفس اللفظ قد يعرض له العموم وقد لا يعرض، ولا يلزم من وجود اللفظ وجود العموم، وإنما يلزم وجود اللفظ ليستفاد منه العموم، فاللفظ للعموم شرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ١٩٨).\n(^٢) المهذب (٤/ ١٤٦٣).","vol":"3","page":105},{"text":"ويعكر على هذا التطبيق: أنَّ العموم يستفاد من المعاني كالمفهوم، والاقتضاء، وغيرها من الدلالات.\nويجاب على ذلك من وجهين:\nالأول: يمكن القول بأننا حتى في أخذنا للعموم من المعاني؛ فإننا نقدِّر ألفاظًا عامة، ثم نخرج منها معاني عامة.\nولعل في هذا وجه شبه بتقدير الحركات الإعرابية على أواخر الكلمات، فتكون الحركة موجودة، ولكنها غير ظاهرة.\nوكذلك قد يكون العموم موجودًا، ولكنه غير ظاهر.\nالثاني: أنَّ الأصل الغالب الذي عليه مدار العمل هو وجود الصيغ والألفاظ العامة ليؤخذ منها العموم، وما عدا ذلك فهو تابع، والتابع لا يستقل بالحكم، والفرع لا يقدم على الأصل فضلًا على أن يلغيه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-468> مسألة: هل العموم من عوارض المعاني؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، وقبل عرض أقوالهم هناك بعض المقدمات:\nأولًا: ليس المراد من كون العموم من عوارض المعاني أي المعاني التابعة للألفاظ، بل المعاني المستقلة كالمقتضي، والمفهوم، فإنَّ","vol":"3","page":106},{"text":"المعاني التابعة للألفاظ لا خلاف في عمومها؛ لأن لفظها عام (^١).\nثانيًا: معنى القول أنَّ العموم من عوارض المعاني أنه قد يحمل الكلام على العموم، وإن لم يكن هناك صيغة من صيغ العموم (^٢).\nمثال: قوله ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^٣).\nفلا بد من تقدير محذوف حتى يستقيم المعنى، فنقول: الذي وضعه الله هو إثم الخطأ.\nفالذي يقول: إنَّ للمعاني عمومًا، يقول: رفع كل إثم الخطأ، فهنا لفظ العموم غير موجود، لكنه مستفاد من المعنى.\nثالثًا: الكلام في هذه المسألة مشروط بأمرين:\nالأول: أنَّ ما سبق إذا لم يقم على تعيين المحذوف دليل، أما إذا اقترن باللفظ قرينة تعينه، فإنه يكون كالملفوظ به، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ\n_________\n(^١) تشنيف المسامع (٢/ ٦٤٩ و٦٥٠).\n(^٢) تشنيف المسامع (٢/ ٦٤٩) بتصرف يسير.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٢١٩)، والطبراني في (الصغير) (٧٦٥)، وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"3","page":107},{"text":"عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]؛ لأنَّ المراد من تحريم الأمهات تحريم وطئهن، والمراد من تحريم الميتة تحريم أكلها (^١).\nبدليل القاعدة: إذا علق الحكم بعين رجع شرعًا ولغة لما أعدت له هذه العين.\nلأن الحلال والحرام لا يتعلقان بذوات، إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة بتلك الذوات، فالأم ذات، وليس المراد تحريم ذات الأم، وإنما حرم الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذي أعدت له المرأة وهو النكاح، وكذلك الميتة، فإنَّ المُحرَّم منها الفعل الذي أعدت له الأنعام، وهو الأكل (^٢).\nفلا يستقيم الاستدلال بمثل هذه النصوص على عموم المعاني، فلا يقال تحريم الميتة عام، ولا يقال تحريم الأمهات عام؛ لأنه قد قام دليل يعين المقصود بالتحريم، وأنه ليس على عمومه.\nوهذا بخلاف نحو: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان …» فإنه لم يقم دليل يعين المحذوف (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ٢١٨ و٢١٩) بتصرف يسير.\n(^٢) الإعلام (٢٩ - ٣٠).\n(^٣) البحر المحيط (٤/ ٢١٩).","vol":"3","page":108},{"text":"الثاني: تقدير المحذوف يجب ألا ينافي بعضه بعضًا (^١).\n• مذاهب العلماء في المسألة:\n١ - ذهب فريق من أهل العلم إلى أنَّ المعاني لا عموم لها، وذلك لعدم العلاقة بين اللفظ والمعنى (^٢).\nفالعموم ليس من عوارض المعاني لا حقيقة، ولا مجازًا (^٣).\nقال الزركشي: وهو أبعد الأقوال بل في ثبوته نظر (^٤).\n٢ - وذهب الفريق الثاني أنَّ العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة، بل هومن عوارضها مجازًا، وهذا مذهب جمهور العلماء (^٥).\nواستدلوا بالآتي:\nأ- بوجوب أن يكون الأفراد الذين تناولهم اللفظ متساوين في الحكم، مثل: أكرم الطلاب. فيجب أن يتساوى جميع الطلاب بالإكرام، أما لو قلنا: عمَّ المدينة المطر. فهذا عموم مجازي؛ لأنَّ (عمَّ) ليست من صيغ العموم، فلا يلزم التساوي؛ لأنَّ المطر قد يكون في\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ٢١٧).\n(^٢) المهذب (٤/ ١٤٦٦).\n(^٣) تشنيف المسامع (٢/ ٦٤٨).\n(^٤) تشنيف المسامع (٢/ ٦٤٨).\n(^٥) المهذب (٤/ ١٤٦٤).","vol":"3","page":109},{"text":"بعض الوديان، والأماكن أكثر من البعض الآخر، بخلاف ألفاظ العموم، فإنَّ الحكم متساوٍ في جميع الأفراد (^١).\nقلت: هذا الكلام فيه نظر، فمن أين أتى وجوب التساوي؟ ففي المثال السابق يمكن أن يقال التساوي إن كان يقصد به أنهم متساوون في شمول الحكم لهم، فيجب إكرامهم جميعًا. فهو صحيح.\nأما التساوي في درجة الحكم، فلا؛ لأننا لو زدنا البعض في الإكرام على بعض نكون قد قمنا بالمطلوب، فإن كان لا يجب التسوية بين مستحقي الزكاة عند توزيع الزكوات عليهم مع وجود اللفظ العام حقيقة، فكيف تجب التسوية في المجاز.\nب- القول بأنَّ استعمال العموم في المعاني استعمالًا حقيقيًّا، مع القول بأنَّ العموم من عوارض الألفاظ حقيقة؛ للزم من ذلك أن يكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وإن قلنا بأنه من عوارضها مجازًا نكون قد تخلصنا من الاشتراك، والاشتراك خلاف الأصل.\nفإن قيل: إنَّ المجاز أيضًا خلاف الأصل.\nأجيب: بأنَّ المجاز مقدم على المشترك.\nقلت: والجواب على هذا الكلام من وجهين:\n_________\n(^١) المهذب (٤/ ١٤٦٤).","vol":"3","page":110},{"text":"الأول: لا يلزم من القول أنَّ المعاني لها عموم حقيقة أن يكون العموم مشتركًا بين الألفاظ والمعاني، فكثيرًا ما يكون المشترك عامًّا بعد فض اشتراكه.\nفمثلًا: قولنا: ماء العين طاهر. فالعين لفظ عموم، والمعنى: ماء كل عين طاهر، وإن أخرجنا لفظ (العين) من السياق صار لفظًا مشتركًا له معانٍ عدة كالجاسوس، وحقيقة الأمر، وغير ذلك.\nفما ضر اللفظ كونه مشتركًا خارج السياق ولا ضره كونه عامًّا بفعل السياق.\nالثاني: إن سلمنا بكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وقدمنا القول بالمجاز للتخلص من الاشتراك، لم نسلم بأنَّ القول بالمجاز مقدم على القول بالاشتراك؛ لأنَّ كل مجاز يجوز نفيه، فحينما نقول أنَّ المعاني لها عموم على سبيل المجاز، يمكن القول (المعاني لا عموم لها) فنكون هدمنا ما أصَّلنا.\nأما لو قلنا بالاشتراك، فبعد تحديد المعنى المراد يرفع الالتباس، فإن كان العموم في اللفظ أخذ منه العموم، ولا أحتاج إلى تقدير محذوف، وإن كان العموم في المعنى، فاللفظ ليس موجودًا حتى أقول بالاشتراك.","vol":"3","page":111},{"text":"٣ - وذهب الفريق الثالث: إلى أنَّ العموم من عوارض المعاني الحقيقية، وهو اختيار ابن الحاجب، والمجد ابن تيمية، وجمع من المحققين كالآمدي، والقرافي (^١).\nوهو ظاهر كلام الشافعي كما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط حيث قال: فالشافعي أثبت للمقتضى عمومًا.\nوقال الشافعي: المقتضى كالمنصوص في احتمال عمومه (^٢).\nواستدلوا بالقياس، فكما صح في الألفاظ العموم حقيقة، فإنه يصح في المعاني حقيقة، والأصل في الأشياء الحقيقة (^٣).\n- يتفرع على هذه القاعدة: (الاختلاف في عموم المفهوم) فروع، منها (^٤):\n١ - الاختلاف في الماء إذا لم يبلغ قلتين، ووقعت فيه نجاسة، ولم يتغير أحد أوصافه، هل ينجس أم لا؟ ينبني على عموم المفهوم.\nفإن قيل: للمفهوم عموم لم يطهر، ووجهه أن قوله ﷺ: «إذا بلغ\n_________\n(^١) معلمة زايد (٣٠/ ١٩٥).\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ٢١٢).\n(^٣) تشنيف المسامع (٢/ ٦٤٨) بتصرف.\n(^٤) معلمة زايد (٣٠/ ١٩٩).","vol":"3","page":112},{"text":"الماء القلتين لم يحمل الخبث» (^١) دالٌّ بمفهومه على أنَّ ما دون القلتين ينجس بملاقاة النجاسة، سواء تغير أم لم يتغير، وإن قيل: لا عموم للمفهوم. لم يقتض الحديث النجاسة في هذه الصورة.\nقلت: أما القول بعموم المفهوم هو ما رجحناه؛ لأنه مندرج تحت عموم المعاني.\nوأما العمل به في هذا الحديث، والحكم بالنجاسة على الماء سواء تغير أم لم يتغير، ففيه نظر؛ ذلك أنَّ العمل بمفهوم المخالفة له شروط، منها:\nأ - ألا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، كما في هذا الحديث، وعليه فلا يعمل بمفهوم المخالفة في هذا الحديث، وليس معنى هذا أنَّ المفهوم لا عموم له (^٢).\n٢ - الاختلاف في دلالة الاقتضاء هل هي عامة أم لا؟\nفالقائل بالعموم يبني قوله على عروض العموم للمعاني، والقائل بأنَّ دلالة الاقتضاء ليست عامة بنى قوله على أنَّ العموم من عوارض\n_________\n(^١) إسناده صحيح بهذا اللفظ: أخرجه أبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ورجح أبو داود سند روايته.\n(^٢) الإعلام (٢٢٥) بتصرف.","vol":"3","page":113},{"text":"الألفاظ دون المعاني، ودلالة الاقتضاء من المعاني لا من الألفاظ.\nفمثلًا: اختلف الفقهاء في صحة من تكلم في صلاته ناسيًا أو مخطئًا، بناءً على اختلافهم في عموم المقتضى.\nفالحنفية على أنَّ صلاته تبطل بذلك، والشافعية على أنَّ صلاته صحيحة غير باطلة.\nواستدل الفريقان بحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^١).\nلكن الشافعية صرحوا بأنَّ الحكم المرفوع يشمل الدنيوي والأخروي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل في الدنيا، ولا يأثم في الآخرة المقتضي له العموم.\nوالحنفية قالوا: إنَّ الله رفع عن الأمة الإثم المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع البطلان المقتضي للإعادة، وهو الحكم الدنيوي، فالحديث لا عموم فيه للمقتضى.\nقلت: والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا تم تقدير المحذوف تقديرًا صحيحًا، وحمل المعنى على العموم كان الكلام مستقيمًا، وإذا\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٢١٩)، والطبراني في (الصغير) (٧٦٥)، وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"3","page":114},{"text":"حدث الخطأ في تقدير المحذوف، فإنَّ دعوى العموم في المعنى لن تكون منضبطة، وليس ذلك لأنَّ المعنى لا عموم له، ولكن لأن تقدير المحذوف غير منضبط.\n٣ - ومنها خلافهم في عموم الأفعال، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].\nهل المراد الأكل فقط بحسب العرف، أم المراد جميع أنواع التصرفات؟\n• صيغ العموم:\nوالمراد بالصيغة الأداة، لا مقابل المادة، كما هو معروف عند علماء اللغة العربية (^١).\n- الحق أنَّ العام له صيغ معينة تستعمل في العموم دون قرينة، وقد أنكر البعض أنَّ للعام صيغًا معينة، وقالوا: لابد من قرينة. وهذا فاسد، وأدلة ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١]، فقال إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا\n_________\n(^١) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢).","vol":"3","page":115},{"text":"لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، وهذا نص في محل النزاع.\nإنَّ إبراهيم ﵇ فهم من قوله تعالى: ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١]، أنَّ كل من في القرية هالك، ومنهم لوط، بل أقرت الملائكة إبراهيم ﵇ على صحة هذا الفهم، فقالت: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-469> صيغ العموم:</span>\n١ - المعرف ب (ال) التعريفية التى للاستغراق الجنسى:\nو(ال) التعريفية تنقسم إلى أقسام، منها: (ال) الاستغراقية وهى المرادة هنا، حيث تستغرق كل أفراد الجنس، مثل: خلق الله الإنسان. فهذه لاستغراق الجنس فهذه (ال) الاستغراقية التى تفيد العموم، وتعرف بوضع كلمة (كل) مكانها، فيستقيم المعنى معها، وقد تكون (ال) التعريفية لبيان حقيقة الجنس، وهذه لا تستغرق كل أفراد الجنس، وإنما هى لفظ يبين به حقيقة الجنس، مثل: الرجال أقوى من النساء. هذه ليست استغراقية، بل هى لبيان حقيقة الجنس، والدليل على ذلك عدم جواز وضع كلمة (كل) مكانها فليس كل الرجال أقوى من كل\n_________\n(^١) التأسيس (٢٦٩).","vol":"3","page":116},{"text":"النساء، وإنما هى تبين حقيقة الجنس فهى تبين أنَّ حقيقة جنس الرجال أقوى من حقيقة جنس النساء.\nو(ال) الاستغراقية تدخل على الجمع، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾ [النور: ٥٩]، فالعموم في كلمة الأطفال، وصيغته الجمع المعرف ب (ال) التعريفية الاستغراقية، فهى تشمل كل الأطفال، وما خرج من العموم يخرج بدليل.\nوتدخل على اسم الجمع: وهو الجمع الذى ليس له مفرد من لفظه، مثل النساء، فيقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].\nوتدخل على اسم الجنس الجمعى: وهو كل جمع تحصل عليه بحذف الحرف الأخير من مفرده، مثل: شجر، بقر، ثمر، زنج. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠].\n٢ - المعرف بالإضافة: سواء كان مفردًا أو جمعًا أو اسم جمع، فالمفرد المعرف بالإضافة مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧]، واسم الجمع المعرف بالإضافة مثل قوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، والجمع المعرف بالإضافة: مثل الإجماع الذى ذكره عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يعدون","vol":"3","page":117},{"text":"شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (^١).\nوفهم الإجماع من صيغة الجمع المضاف في قوله: أصحاب رسول الله.\nومنه قول النبى ﷺ في التشهد: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» (^٢)، فالعموم في كلمة عباد، فهي جمع معرف بالإضافة، فتشمل كل عبد صالح في السماء والأرض، كما بين النبى ﷺ.\n٣ - الأسماء الموصولة: مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فكل من انطبقت عليها هذه الحالة فعدتها أربعة أشهر وعشر، ومنه قوله ﷾: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣].\n٤ - أسماء الشرط: مثل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nأدوات الشرط قسمان: أسماء الشرط، وحروف الشرط.\nفأسماء الشرط هى: من، ما، مهما، متى، أيَّان، أنَّى، أين، حيثما،\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (٢٦٢٢)، وغيره من كلام عبد الله بن شقيق التابعي.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.","vol":"3","page":118},{"text":"كيفما، أيُّ، وغيرها.\nأما حروف الشرط مثل: إن، إذما.\n٥ - أسماء الاستفهام: مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].\nوأدوات الاستفهام قسمان: أسماء الاستفهام، وحروف الاستفهام. فجميع أدوات الاستفهام أسماء ما عدا: الهمزة، وهل.\n٦ - النكرات: وهى:\n١ - النكرة في سياق النهى.\nمثل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]، النكرة كلمة «أَحَدٍ» وهى في سياق النهى فتفيد العموم.\n٢ - النكرة في سياق النفى.\nمثل: لا إله إلا الله. النكرة كلمة \"إله\"، وهى في سياق النفى فتفيد العموم.\n٣ - النكرة في سياق الاستفهام.\nمثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، النكرة كلمة (سَميًّا)، وهى في سياق الاستفهام فتفيد العموم، ومثل قوله تعالى:","vol":"3","page":119},{"text":"﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [التوبة: ١٢٧]، النكرة كلمة (أَحَدٍ) وهى في سياق الاستفهام فتفيد العموم.\n٤ - النكرة في سياق الشرط.\nمثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، (ذَرَّةٍ) نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم.\n٥ - النكرة في سياق الامتنان.\nمثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، فكلمة (مَاءً) نكرة، وهى في سياق الامتنان؛ فتفيد العموم أى كل ماء ينزل من السماء فهو ماءٌ طهورٌ.\nومثل قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، فالنكرة كلمة (فَاكهَةٌ) أتت في سياق الامتنان فتفيد العموم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-470> مسألة: النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، ولا تفيد العموم إلا بقرينة.</span>\nفمثلًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، هذه نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، والمعنى: اذبحوا أيَّ بقرة. ومثل قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فكلمة (رَقَبَةٍ) نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق لا العموم، ولو كانت تفيد العموم، فسيكون","vol":"3","page":120},{"text":"اللفظ: فتحرير كل رقبة.\nوفي قول الله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، فكلمة (نَفسٌ) نكرة في سياق الإثبات، وهى تفيد العموم هنا لوجود قرينة، وإلا فالأصل في النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق لا العموم، والمعنى: علمت كل نفس ما أحضرت. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠].\nإذن النكرات التى تفيد العموم هى ما أتت في سياق: النفى، والنهى، والشرط، والاستفهام، والامتنان، والإثبات إن وجدت قرينة.\n• وأيضًا من صيغ العموم:\n٧ - ما دل على العموم بمادته: مثل لفظ (كل، جميع، كافة، قاطبة، عامة)، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، فالعموم في كلمة (كُلُّهُم)، وكذلك كلمة (أَجمَعُونَ).\n٨ - المعرف ب (ال) العهدية إذا كان المعهود عامًّا: مثل: جاء الرجال.\n٩ - المصدر الكامن في الفعل المسبوق بنفى أو نحوه: كقول النبى","vol":"3","page":121},{"text":"ﷺ: «إنَّ الماء الطهور لا ينجسه شيء» (^١).\nوذلك لأن المصدر يكون نكرة، والنكرة في سياق النفى أو النهى تفيد العموم، كما سبق في الحديث: «إن الماء الطهور لا ينجسه شاء»، فالعموم هنا في الفعل المضارع الذى سبق بنفي، وذلك بتقدير المصدر الكامن به أي (لا تنجيس)، فيكون نكرة في سياق النفى فتفيد العموم.\nومنه قوله ﵊: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (^٢)، فالعموم في الفعل المضارع المسبوق بنفى، وذلك بتقدير المصدر الكامن به أي (لا قبول) فيكون نكرة في سياق النفى فتفيد العموم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-471> مسألة: حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم؟</span> (^٣).\nمثال ذلك: قول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (^٤)،\n_________\n(^١) حسن لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه راو مجهول، والحديث له طرق أخرى لا تخلو من ضعف، لكنها تصلح في التقوية، وله شواهد أيضا تقويه.\n(^٢) إسناده منقطع: أخرجه أبو داود (٦٤١)، وغيره من حديث عائشة مرفوعًا، ولكنه أُعل بالانقطاع، رجح ذلك الدارقطني في علله (٣٧٨٠)، وهناك رواية عند أبي داود عقب (٦٤١) لكنها من مراسيل الحسن البصري، ومراسيلة لا تصلح في التقوية.\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٥٥)، والتأسيس (٢٧٧)، والمهذب (٤/ ١٥٤١).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٥١٣)، وغيره من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":122},{"text":"فهل يشمل كل غرر؟\nونهيه ﷺ عن المزابنة (^١)، ونهيه عن جَلد الحدِّ في المسجد (^٢)، فهل يشمل جميع الحدود في جميع المساجد؟\nوقد اختلف أهل العلم في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: لا يعتبر بعموم اللفظ، وعزاه الآمدي لأكثر الأصوليين وحجتهم وجود الاحتمال: أن يكون الراوي سمع حكمًا خاصًّا فظنه عامًّا، أو سمع صيغة ظنها عامَّة وليست عامَّة.\nوإذا تعارضت الاحتمالات لم يثبت العموم لا سيما ولا مرجح لأحدهما على الآخر، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\nالمذهب الثاني: يعتبر عموم اللفظ، فيحكم به في كل قضية مماثلة، وهو الصواب؛ وذلك للأدلة الآتية:\n١ - إطباق الأمة على عدالة الصحابة وضبطهم، فهم أعدل الناس،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٧١)، ومسلم (١٥٤٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) حسن لشواهده: أخرجه ابن ماجه (٢٥٩٩)، والترمذي (١٤٠١)، وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا، وفيه ضعف، وله شواهد كثيرة لا تخلو جميعها إما من ضعف خفيف أو ضعف شديد، فيتقوى بمجموع هذه الشواهد.","vol":"3","page":123},{"text":"وأضبط الناس، فلا ينقل الخاص بلفظ العام، ولا المقيد بلفظ المطلق، وبتقدير أن لا يكون قاطعًا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرًا.\n٢ - قصر فعل النبي ﷺ على حالة معينة يؤدي إلى ترك كل عموم ورد في السنة بدعوى الشك في إحالة الصحابة للألفاظ.\n٣ - احتجاج الصحابة بالعمومات من أفعاله ﷺ.\nومثال ذلك: رجوع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة، قال ابن عمر ﵄: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا. حتى زعم رافع بن خديج أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة (^١).\nوكذلك أخذوا بقول الصحابي جابر بن عبد الله: أمر رسول الله ﷺ بوضع الجوائح (^٢). وغير ذلك من الأمثلة وهي كثيرة.\nفكانوا يستدلون بتلك الألفاظ دون نكير من أحد، فصار هذا إجماعًا منهم على الاحتجاج بمثل ذلك في عموم الصور، وعلى العمل بها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٤٤)، ومسلم (١٥٤٧) من حديث ابن عمر به.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٥٤ [١٧)] من حديث جابر به.","vol":"3","page":124},{"text":"ولا يخفى ضعف مأخذ أصحاب المذهب الأول، وذلك للآتي:\n١ - أنهم استدلوا بوجود الاحتمالات التي لا مرجح لأحدها على الآخر، وهذه الاحتمالات كلها ضعيفة.\n٢ - استدلالهم بقاعدة: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\nومعلوم أنَّ الدليل لا يسقط بمجرد تطرق الاحتمال إليه، إنما المقصود بذلك الاحتمال القوي الذي احتفت به القرائن، لا بأي احتمال؛ لأنه ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، ولو فتح باب الاحتمال لم يبق شيء من الأدلة إلا وسقط الاستدلال به بدعوى تطرق الاحتمال إليه (^١).\n• تنبيهات:\n١ - الاحتمال المعتبر يُسقط الاستدلال لا الدليل.\n٢ - سقوط الاستدلال لا يعني قيام الاحتمال مكانه.\n_________\n(^١) من أصول الفقه على منهج أهل الحديث (ص ٣٥) لزكريا بن غلام قادر الباكستانى.","vol":"3","page":125},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-472> أقسام العام:</span>\n١ - عام باقٍ على عمومه:\nوهو عام دلالته على العموم قطعية، بأن يقوم الدليل على انتفاء احتمال دخول التخصيص عليه (^١)، وهو ما ليس له تخصيص، وهذا القسم يبطل لنا قاعدة عند بعض الأصوليين التي تقول: ما من عام إلا وخص. فليس كل عام يخصص؛ لأنه يوجد عام باقي على عمومه، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فلفظ العموم: كلمة (أمهاتكم)، وصيغته: جمع معرف بالإضافة. وليس لها تخصيص، فهذا الحكم لا يخص، فكل الأمهات سواء كانت من نسب، أو رضاعة، أو أمهات المؤمنين كلها محرمة، ولا تخصيص لإحداهن.\nقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، العموم هنا كلمة (دابة)، وصيغته: نكرة في سياق النفى. وكذلك كلمة (رزقها)، وصيغته: مفرد معرف بالإضافة. ولا يوجد تخصيص.\n_________\n(^١) الوجيز للدكتور عبد الكريم زيدان (٢٥٤) ط الرسالة.","vol":"3","page":126},{"text":"٢ - العام الوارد على سبب خاص:\nوهذه المسألة لها ثلاث صور:\n١ - أن ينزل الحكم العام على سبب خاص، وهناك دليل على أنه يخصص: فهذا يخصص إجماعًا، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فالآية الحكم بها عام؛ لأنَّ أى حكم للنبي ﷺ هو حكم عام لكل الأمة، لكن اقترن معه قرينة تدل على الخصوص، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\n٢ - وقد يكون الحكم عامًّا، وينزل على سبب خاص، وتوجد قرينة تدل على أنه للعموم؛ فهذا يعم إجماعًا، كقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فلفظ العموم «وَالسَّارقُ»، صيغة العموم \"ال\" الموصولة، إذن فكل سارق وكل سارقة تقطع يده (^١).\nقيل: إنَّ سبب نزول الآية: هى المرأة المخزومية التى سرقت،\n_________\n(^١) قال ابن كثير: وقد روى ابن جرير، وابن أبى حاتم، من طريق عبد المؤمن بن نجدة الحنفى قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَالسَّارقُ وَالسَّارقَةُ﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام.","vol":"3","page":127},{"text":"والتى شفع فيها أسامة بن زيد ﵄، فعن عائشةَ ﵂: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُم شَأنُ المَرأَة المَخزُوميَّة الَّتى سَرَقَت، فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فيهَا رَسُولَ اللَّه ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجتَرئُ عَلَيه إلَّا أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، حبُّ رَسُول اللَّه ﷺ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «أَتَشفَعُ في حَدٍّ من حُدُود اللَّه؟»، ثُمَّ قَامَ فَاختَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أَهلَكَ الَّذينَ قَبلَكُم أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فيهمُ الضَّعيفُ أَقَامُوا عَلَيه الحَدَّ، وَأيمُ اللَّه لَو أَنَّ فَاطمَةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَهَا» (^١)، فالقرينة التي تدل على العموم هو لفظ (السارق)، لعدم تعلقه بسبب النزول.\nوقيل: إنَّ سبب النزول: هو الرجل الذى سرق رداء صفوان ﵁، فعن صَفوَانَ بنَ أُمَيَّةَ أنه قَدمَ المَدينَةَ، فَنَامَ في المَسجد وَتَوَسَّدَ ردَاءَهُ، فَجَاءَ سَارقٌ وَأَخَذَ ردَاءَهُ، فَأَخَذَهُ صَفوَانُ، فَجَاءَ به إلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَأَمَرَ أَنْ تُقطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفوَانُ: إنِّى لَم أُرِد هَذَا، هُو عَلَيه صَدَقَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «فَهَلا قبل أَنْ تَأتيني به» (^٢).\nوالدليل عند من قال هذا القول: لفظ (السارقة).\nقال الشيخ الشنقيطي: وَقَالَ القُرطُبىُّ في تَفسير هَذه الآيَة الكَريمَة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) صحيح لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (٤٣٩٤)، وابن ماجه (٢٥٩٥)، وغيرهما من حديث صفوان به، وفي أسانيده إما ضعف أو اختلاف، ولكن للحديث طرق وشواهد يقوي بعضها بعضا.","vol":"3","page":128},{"text":"وَقَدْ قُطعَ السَّارقُ في الجَاهليَّة، وَأَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بقَطعه في الجَاهليَّة الوَليدُ بنُ المُغيرَة، فَأَمَرَ اللَّهُ بقَطعه في الإسلَام، فَكَانَ أَوَّلُ سَارقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ في الإسلَام منَ الرّجَال الخيَارَ بنَ عَدىّ بن نَوفَل بن عَبد مُنَافٍ، وَمنَ النّسَاء مُرَّةَ بنتَ سُفيَانَ بن عَبد الأَسَد مَنْ بَني مَخزُومٍ.\nوقال: مَا ذَكَرَهُ القُرطُبىُّ ﵀ من أَنَّ المَخزُوميَّةَ الَّتي سَرَقَت فَقَطَعَ النَّبىُّ ﷺ يَدَهَا أَوَّلًا هىَ مُرَّةُ بنتُ سُفيَانَ خلَافَ التَّحقيق، وَالتَّحقيقُ أَنَّهَا فَاطمَةُ بنتُ الأَسوَد بن عَبد الأَسَد بن عَبد اللَّه بن عَمرو بن مَخزُومٍ، وَهىَ بنتُ أَخى أَبى سَلَمَةَ بن عَبد الأَسَد الصَّحَابىّ الجَليل، الَّذي كَانَ زَوجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبلَ النَّبى ﷺ، قُتلَ أَبُوهَا كَافرًا يَومَ بَدرٍ، قَتَلَهُ حَمزَةُ بنُ عَبد المُطَّلب ﵁، وَقَطعُ النَّبى ﷺ يَدَهَا وَقَعَ في غَزوَة الفَتح، وَأَمَّا سَرقَةُ أُمّ عَمرو بنت سُفيَانَ بن عَبد الأَسَد ابنَة عَمّ المَذكُورَة، وَقَطعُ النَّبى ﷺ يَدَهَا فى حَجَّة الوَدَاع، بَعدَ قصَّة الأُولَى بأَكثَرَ من سَنَتَين (^١).\n٣ - إذا جاء اللفظ عامًّا واردًا على سبب خاص، وليس هناك دليل يدل على العموم أو الخصوص، فهل العبرة بعموم اللفظ فيكون الحكم عامًّا تبعًا للفظ، أم يقصر الحكم على السبب؟.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٣٤).","vol":"3","page":129},{"text":"* اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: أنَّ العبرة بخصوص السبب، وهو قول مالك - ونقل عنه موافقة الجمهور، والقول بعموم اللفظ -، والمزني، والقفال (^١)، وأبي ثور، وأبي بكر الدقاق (^٢).\nواستدلوا بأدلة فيها نظر، منها:\n١ - تأخير البيان إلى وقوع تلك الواقعة، أو سؤال السائل؛ دل على أنَّ المقصود إنما هو حكم السبب، فوجب الاقتصار عليه.\nوأجيب: بأنَّ الله ﵎ يُنزل ما يشاء وقتما شاء كيفما شاء (^٣)، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولعل ذلك لحكمة استأثر الله ﵎ بها.\nكما أنَّ البيان إذا كان له مقتضى وسبب، فإنه يكون أكثر تأثيرًا في النفوس نظرًا لانتظارها له، ولحاجتها الماسة إليه.\n٢ - القول بعموم اللفظ مع وجود السبب يُجوِّز اخراج السبب عن العموم كغيره من الصور الداخلة تحت العموم، وهو خلاف\n_________\n(^١) القواطع (١/ ١٩٤).\n(^٢) اللمع (١/ ٣٨).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٤٠) وما بعدها بتصرف.","vol":"3","page":130},{"text":"الإجماع (^١).\nوأجيب: بأنَّ صورة السبب قطعية الدخول في العام، ولا يجوز إخراجها منه، فهي نص في سببه، ظاهر فيما زاد عليه، وذلك لاستحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما أنَّ إخراج صورة السبب منافٍ للبلاغة والحكمة والعرف، ولم يقل به غير أبي حنيفة في بعض المسائل، كإخراجه للأمة المستفرشة عن عموم قوله ﷺ: «الولد للفراش» (^٢)، ولم يلحق ولدها بمولاها، ولعله لم يطلع على سبب ورود الخبر (^٣).\nكذلك يمكن القول: بأنَّ إخراج صورة السبب عن العموم، بحجة أنها فرد من أفراد العموم، فتقاس على بقية أفراده، هو قياس مع الفارق؛ لأنه قياس لما هو داخل في العموم قطعًا على ما هو داخل فيه ظنًّا، فلا يستقيم القياس.\n٣ - نقل الراوي للسبب يدل على أنه له تأثير في الحكم.\nوأجيب: بأنَّ نقل الراوي للسبب لا يدل على اختصاص الحكم به،\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٤٠) وما بعدها بتصرف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨١٧)، ومسلم (١٤٥٧) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٤٤١)، واللمع (١/ ٣٨)، وأضواء البيان (٨/ ٥٥٣)، والبحر المحيط (٤/ ٢٩٣) بتصرف كبير.","vol":"3","page":131},{"text":"وإنما يدل على امتناع إخراجه عن العموم، ومعرفة أسباب التنزيل، ومعرفة سير الصحابة، وغير ذلك (^١).\n٤ - لو قال القائل لغيره: تغدى عندي. فقال: لا والله لا تغديت. فإنه وإن كان جوابًا عامًّا، فمقصور على سببه، حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره، فدل ذلك على أنَّ السبب يقتضي التخصيص.\nوأجيب: بأنَّ هناك قرينة تدل على عدم إرادة العموم، وهي النية، والعرف (^٢).\n٥ - الأصل مطابقة الجواب للسؤال، فلو كان الجواب عامًّا لم يكن مطابقًا للسؤال، والزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض السائل (^٣).\nوأجيب: أننا لا نسلم بهذا الأصل، فليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب، نعم من شرطه أن لا يقصر عن السبب، أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب، فإنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال، لا من حيث العادة، ولا من حيث الشريعة، ألا ترى أنَّ الله تعالى سأل موسى ﵇ عما في يمينه، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٤٤١).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"3","page":132},{"text":"بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، فأجاب موسى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، فأجاب وزاد، فثبت أنَّ السؤال عن شيء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه (^١).\nوكما ثبت أنَّ النبي ﷺ كان يزيد عن الجواب أحيانًا، فلما سُئل عن التوضأ بماء البحر قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (^٢)، فتعرض لحلِّ الميتة ولم يكن مسؤولًا عنها، وأحيانًا كان يحيد عن الجواب كما في الرجل الذي سأله: (متى الساعة؟)، فقال له: «ماذا أعددت لها؟» (^٣)، ولما سئل عن الحج: (أكل عام؟) (^٤) سكت ولم يجب.\nفدلت هذه الأمثلة وغيرها على أنَّ القول بلزوم مطابقة الجواب للسؤال قول بعيد.\n• القول الثاني: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الراجح؛ وذلك للأدلة الآتية:\n١ - لو عُرِّيَ اللفظ العام الوارد عن السبب -فتم حذف السبب-\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (١/ ١٩٦).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك في (الموطأ) (١٢)، ومن طريقه أبو داود (٨٣)، وابن ماجه (٣٨٦)، وغيرهما، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":133},{"text":"كان اللفظ عامًّا، وليس ذلك إلا لاقتضائه العموم بلفظه، لا لعدم السبب، فإنَّ عدم السبب لا مدخل له في الدلالات اللفظية، ووجود السبب لا يسلب اللفظ عن عمومه (^١).\n٢ - أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة المجن، أو رداء صفوان، أو غير ذلك، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية إلى غير ذلك.\nوالصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير، فدل على أنَّ السبب غير مسقط للعموم (^٢).\n٣ - لو قالت امرأة لزوجها: طلقنى. فقال: نساؤه طوالق، أو كل امرأة له طالق. فيقع الطلاق على الجميع؛ وهذا لأنَّ الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة، فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه، فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل (^٣).\n٤ - ما رواه الشيخان، عن ابن مسعود في سبب نزول الآية: ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي بتصرف يسير (٢/ ٢٣٩).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٤٠).\n(^٣) قواطع الأدلة (١/ ٩٦).","vol":"3","page":134},{"text":"الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] أنَّ رجلًا من الأنصار قبَّل امرأة، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فنزلت الآية (^١).\nفهذا الذي أصاب القُبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي ﷺ: «ألي هذه؟»، والمعنى: هل النص خاص بي؛ لأني سبب وروده، أو هو على عموم لفظه؟\nوقول النبي ﷺ: «لجميع أمتي كلهم» معناه: أنَّ العبرة بعموم لفظ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] لا بخصوص السبب (^٢).\n٥ - لما طرق النبي ﷺ عليًّا وفاطمة ﵄ ليلة، فقال: «أَلَا تُصَلّيَان» فقال عليٌّ: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف النبي ﷺ وهو يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] (^٣).\nووجه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ جعل عليًّا داخلًا في الآية، وإن كان سبب نزول الآية الكفار، قال القرطبي: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]: أي جدالًا ومجادلة، والمراد النضر بن الحرث وجداله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٦)، ومسلم (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٣٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا.","vol":"3","page":135},{"text":"في القرآن، وقيل: الآية في أبي بن خلف، والدليل على أنه أراد الكافر قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] (^١).\n٦ - أنَّ النبي ﷺ إذا أراد أن يقصر الحكم على مُعَيَّن بيَّن ذلك، فمتى لم يبيِّن ذلك (يعني لم يقصر الحكم) دلَّ ذلك على تعميم الحكم على الجميع.\nومثال ذلك: ما رواه البخاري ومسلم، من حديث البراء، أنَّ خاله أبا بردة ضحى قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ: «شاتك شاة لحم»، فقال: يا رسول الله، إنَّ عندي داجنًا جذعة من المعز، قال: «اذبحها، ولن تصلح لغيرك» (^٢).\n٧ - ما رواه الشيخان، من حديث عبد الله بن مغفل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة، حُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى -أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى- تجد شاة؟»، فقلت: لا. فقال: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١١/ ٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا، والتأسيس (٢٧٣ - ٢٧٤).","vol":"3","page":136},{"text":"ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع» (^١).\nفالآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] نزلت في كعب بن عجرة، ومع ذلك فإنَّ حكمها عام (^٢).\n٨ - ما رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» (^٣).\nووجه الدلالة واضح بَيِّن: وهو أنَّ التحريم إن نزل بسبب سؤال سائل إلا أنه يعم جميع المسلمين.\nفالتفت إلى عموم اللفظ والحكم، ولم يلتفت إلى خصوص السبب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١) من حديث كعب بن عجرة مرفوعًا.\n(^٢) التأسيس (٢٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا.","vol":"3","page":137},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-473> ثانيًا: الخاص</span>\nوقبل الكلام في هذا البحث إليك بعض المقدمات:\n١ - اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان، من الأخبار والأمر وغيره، خلافًا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيصه الخبر (^١).\n٢ - كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول، كقوله ﷺ لأبي بردة: «اذبحها ولن تصلح لغيرك» (^٢)، فلا يتصور تخصيصه؛ لأنَّ التخصيص على ما عرف: صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص، وما لا عموم له لا يتصور فيه هذا الصرف (^٣).\n• تعريف الخاص:\nلغة: ضد العام.\nواصطلاحًا:\n١ - اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد، كأسماء الأعلام، والإشارة، والعدد.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٨٢)\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٨٢).","vol":"3","page":138},{"text":"٢ - وقيل: قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك (^١).\nقلت: أما التعريف الأول فيحسن أن يقال: ليس هذا هو المراد في باب الخاص، وذلك لأنه يدخل العدد في قسم الخاص؛ لأنه يصح الاستثناء منه، فيقال: علي عشرة إلا ثلاثة. ومعلوم أنَّ الاستثناء معيار العموم.\nوالجواب: أنَّ معيار العموم صحة الاستثناء من غير عدد (^٢).\nوالمعنى: أنه ليس كل مستثنى منه عام، ولكن كل عام يقبل الاستثناء (^٣).\nوكذلك: فإنَّ العام أحيانًا يكون بعد قصره وتخصيصه عامًّا أيضًا من وجه آخر، فلا يدل على محصور، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] يشمل كل إنسان كافر أو مسلم، ثم جاء التخصيص: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، فالذين آمنوا عامٌّ من ناحية أفراده المؤمنين، فلا يدل على محصور ابتداءً إلا من جهة العام الأول (الإنسان).\n_________\n(^١) الإعلام (١٨٩)، وتشنيف المسامع (٢/ ٧١٥).\n(^٢) التحبير (٥/ ٢٣٦٧).\n(^٣) تشنيف المسامع (٢/ ١٤).","vol":"3","page":139},{"text":"ولتحرير التعريف يمكن وضع بعض الضوابط:\n١ - لابد من التفريق بين ما كان خاصًّا ابتداءً، وما كان عامًّا ثم صار خاصًّا بدليل (^١).\nفما كان خاصًّا ابتداءً يحمل عليه التعريف الأول.\nوما كان عامًّا ثم صار خاصًّا يحمل عليه التعريف الثاني.\n٢ - أنَّ العام والخاص نسبي، فقد يكون اللفظ خاصًّا بالنسبة إلى غيره ممن هو من غير جنسه، عامًّا في جنسه بالنسبة لما تحته من أفراد، كالإنسان بالنسبة للحيوان خاص، وبالنسبة لما تحته من أفراد عام (^٢).\n_________\n(^١) التحبير بتصرف يسير (٦/ ٢٥٠٩).\n(^٢) مستفاد من التحبير (٥/ ٢٣١٩).","vol":"3","page":140},{"text":"• شرح التعريف:\nقوله: قصر. أبلغ من قوله: إخراج. فكل إخراج قصر، وليس العكس، فبهذا يدخل العام الذي أريد به الخصوص؛ لأنَّ أفراد العام غير مرادة ابتداءً.\nمثال: قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، والمقصود جبريل، فهنا لم يتم إخراج جميع الملائكة، وإبقاء جبريل؛ لأنَّ أفراد الملائكة لم تدخل في اللفظ ابتداءً (^١).\nقوله: العام. أبلغ من قوله: اللفظ العام. ليشمل ما عمومه معنوي كالمفهوم، والمقتضي، وغير ذلك، فإنه يدخله التخصيص وليس بلفظ (^٢).\nمثل قوله ﷺ: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها»، فخص بعض أهل العلم النهي بالفضاء دون البنيان، مع أنَّ الحديث ليس فيه لفظ البنيان أو الصحراء، ولكنه عموم مفهوم وليس منطوقًا.\nومثل قوله ﷺ: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين\n_________\n(^١) تشنيف المسامع (٢/ ٧١٦) بتصرف كبير وزيادة.\n(^٢) تشنيف المسامع (٢/ ٧١٥) بتصرف يسير.","vol":"3","page":141},{"text":"المساجد» (^١).\nوبمفهوم المخالفة من لم يأكل فليأت، وهذا المفهوم مخصوص بأصحاب الأعذار، والصبيان، والنساء، وغير ذلك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-474> شروط التخصيص:</span>\n١ - لابد أن يخالف الخاص العام: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢، ٣].\nفالحكم عامٌّ يشمل كل إنسان ألا وهو الخسران، ثم خرج من هذا العموم الذين آمنوا بدليل آخر، فلا بد في التخصيص أن يخالف حكم الخاص حكم العام.\nمثال آخر: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فالعموم: (أولادكم) أى: جميع أولادكم كفارًا كانوا أو مسلمين، والدليل الخاص في قوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم» (^٢)، فالابن الكافر في العموم يرث، وفى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١ [٦٨])، واللفظ له، من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا.","vol":"3","page":142},{"text":"الخصوص لا يرث، إذن التخصيص صحيح، فالمعنى: يوصيكم الله في أولادكم المسلمين، وخرج الابن الكافر.\nمثال آخر: قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، في الآية الأولى الحكم العام أنَّ كل مطلقة تتربص بنفسها ثلاثة قروء، والحكم في الآية الثانية أنَّ المطلقة قبل الدخول ليس لها عدة، فهنا الحكم الخاص الخارج خالف الحكم العام فصح التخصيص.\nمثال لعدم تحقق الشرط: أدلة اجتماع الصلاة والطعام: عن عائشة، أنَّ النبى ﷺ قال: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء» (^١)، وعن أنس بن مالك قال: قال النبى ﷺ: «إذا قدم العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» (^٢).\nفإذا نظرت إلى الأدلة تجد دليلًا يذكر الصلاة، ودليل يذكر لفظ المغرب، فهل يصح التخصيص بدليل المغرب، وتكون المسألة خاصة بالمغرب فقط؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧١) من حديث عائشة مرفوعًا، ومسلم (٥٥٧) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧) من حديث أنس مرفوعًا.","vol":"3","page":143},{"text":"ننظر إلى الأدلة، فقوله ﷺ: «وأقيمت الصلاة» يشمل المغرب والعشاء، فحكم صلاة المغرب في الدليل العام إذا اجتمع مع الطعام يقدم الطعام، وصلاة المغرب في الدليل الخاص إذا اجتمعت مع الطعام يقدم الطعام، فالحكم في الدليل العام يوافق الحكم في الدليل الخاص، إذن التخصيص لا يصح.\n٢ - أن يأتى الخاص قبل العمل بالعام:\nلأنَّ التخصيص بيان، فلا يتأخر عن وقت العمل والحاجة، أما إذا تأخر التخصيص حتى عمل بالعام صار من باب النسخ لا من باب التخصيص؛ لأنَّ التخصيص بيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-475> أنواع المخصص:</span>\n١ - المتصل: ما لا يستقل بنفسه، أي يكون ملازمًا للفظ العام.\nمثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].\n٢ - المنفصل: ما يستقل بنفسه، أي لا يكون ملازمًا للفظ العام.\nمثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، مع قول النبى ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم».","vol":"3","page":144},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-476> أنواع التخصيص المتصل:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-477> أولًا: الاستثناء:</span>\n• تعريف الاستثناء:\nلغة: هو الثني، وهو رد الشيء إلى بعضه، كثني الحبل.\nواصطلاحًا: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها (^١).\nقوله: بإلا أو إحدى أخواتها. خرج به ما يقوم مقام الاستثناء، مثل قول القائل: رأيت أهل البلد ولم أر زيدًا، فهذا قائم مقام الاستثناء في إخراج بعض ألفاظ العام وليس استثناءً (^٢).\nوإلا حرف، وأخواتها: منها أربعة أسماء، وهي: غير، سوى، سوى، سواء. ومنها فعلان: ليس، لا يكون. وثلاثة تُستخدم أفعال استثناء أو حروف استثناء، وهي: حاشا، خلا، عدا.\nففى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢، ٣]، اللفظ العام (الإنسان)، وصيغة العموم المفرد المعرف ب (ال) الاستغراقية، واللفظ الخاص (إلا الذين آمنوا)، والباقى من العموم (إنَّ الكافر لفى خسر)،\n_________\n(^١) الأصول من علم الأصول (١/ ٣٨).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٨٦) بتصرف يسير.","vol":"3","page":145},{"text":"ونوع التخصيص (متصل مستثنى بإلا).\n\n*<span data-type='title' id=toc-478> الأحكام المتعلقة بالمستثنى:</span>\n١ - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا:\nأركان الاستثناء ثلاثة، وهي: المستثنى، والمستثنى منه، وأداة الاستثناء، ولا بد أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا.\nفإن فُصل بينهما بفاصل كان الاستثناء باطلًا، فلو قلت: جاء الناس إلا محمدًا. فهذا استثناء صحيح، أما لو قلت: جاء الناس. وبعد زمن قلت: إلا محمدًا. فهذا الاستثناء انفصل فيه المستثنى عن المستثنى منه؛ فبطل الاستثناء ولم يصح، وبطلان الاستثناء يبطل المستثنى فقط (^١).\n• وحجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه:\nأولًا: أنه لو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا لأرشد الشرع إليه.\nمثل قوله ﷺ: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل» (^٢)، ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا؛ لأرشد النبي ﷺ إليه، لأنه أيسر وأسهل من التكفير، والنبي ﷺ يقصد\n_________\n(^١) الإعلام في أصول الأحكام (١٩٢، ١٩١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":146},{"text":"التيسير (^١).\nومثل قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، ولوكان الاستثناء المنفصل جائزًا؛ لأمر الله تعالى أيوب به (^٢)، ومعلوم أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا.\nثانيًا: أنَّ أهل اللغة لا يعدون ذلك كلامًا منتظمًا، ولا معدودًا من كلام العرب، ولذلك فإنه لو قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم. ثم قال بعد شهر أو يوم: إلا درهمًا. فإنه لا يعد استثناءً، ولا كلامًا صحيحًا (^٣).\nثالثًا: لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل؛ لَمَا عُلمَ صدق صادق، ولا كذب كاذب (^٤).\nقال الشنقيطي: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنَّ الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأنَّ الاستثناء المتأخر لا أثر له، ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين، ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى، ويحكى عن المنصور أنه بلغه أنَّ أبا حنيفة -\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٨٩) بتصرف.\n(^٢) أضواء البيان (٣/ ٢٥٥) بتصرف.\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٨٩) مختصرًا.\n(^٤) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٠).","vol":"3","page":147},{"text":"﵀ يخالف مذهب ابن عباس المذكور، فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه (^١).\nواستدل القائلون بصحة الاستثناء المنفصل بأدلة منها:\n١ - قوله ﷺ: «والله لأغزون قريشًا، ثم سكت، ثم قال بعده: إن شاء الله» (^٢)، ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لَمَا فعله النبي ﷺ (^٣).\nوالجواب: إن صح الخبر، فإنه يحمل على أنه سكوت يسير لا يخل بالاتصال الحكمي (^٤).\nومعنى الاتصال الحكمى: أنَّ الاسثناء تأخر لعذر عن المستثنى منه، مثل قَول رَسُول اللَّه ﷺ يَومَ فَتح مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَات وَالأَرضَ، فَهُو حَرَامٌ بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، وَإنَّهُ لَم يَحلَّ القتَالُ فيه لأَحَدٍ قَبلى، وَلَم يَحلَّ لى إلا سَاعَةً من نَهَارٍ، فَهُو حَرَامٌ\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٢٥٥).\n(^٢) مرسل: أخرجه أبو داود (٣٢٨٦)، وغيره من طريق سماك عن عكرمة مرسلًا، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، وقد أشار أبو حاتم إلى ترجيح الإرسال، العلل (١٣٢٢).\n(^٣) الإحكام للآمدي (١/ ٢٩٠).\n(^٤) الإحكام للآمدي (١/ ٢٩٠).","vol":"3","page":148},{"text":"بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، لا يُعضَدُ شَوكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيدُهُ، وَلا يلتَقطُ لُقطَته إلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُختَلَى خَلاهُ»، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إلا الإذخرَ فَإنَّهُ لقَينهم وَبُيُوتهم، فَقَالَ: «إلَّا الإذخرَ» (^١)، فالنبي هنا حرم قطع شجر الحرم ونباته، ثم تكلم العباس ﵁، ثم قال النبي: «إلَّا الإذخرَ»، فصار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه اتصالًا حكميًّا.\nمثل قوله ﷺ لما جاءه رجل يسأله، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال ﷺ: «نعم، إلا الدَّين كذلك قال لي جبريل» (^٢).\n٢ - لما سئل ﷺ عن عدة أهل الكهف، وعن مدة لبثهم فيه فقال: «غدًا أجيبكم»، ولم يقل: إن شاء الله. فتأخر عنه الوحي مدة بضعة عشر يومًا، ثم نزل عليه: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فقال: «إن شاء الله» بطريق الإلحاق بخبره الأول، ولو لم يكن ذلك صحيحًا لما فعله (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٨٩)، ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٨٥) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٠).","vol":"3","page":149},{"text":"ووجه أخذ ذلك من الآية: أنَّ الله تعالى نهى نبيه أن يقول أنه سيفعل شيئًا في المستقبل إلا من استثناه ب\"إن شاء الله\"، ثم قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أي إذا نسيت أن تستثني ب\"إن شاء الله\" فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب (^١).\nوأجيب: بأنَّ قوله ﷺ ليس عائدًا إلى خبره الأول، بل إلى ذكر ربه إذا نسي، تقديره: أذكُرُ ربي إذا نسيتُ إن شاء الله (^٢).\n٣ - أنَّ ابن عباس وهو ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة الاستثناء المنفصل، وذلك يدل على صحته (^٣).\nوالجواب عن هذا من وجوه:\nالأول: أنَّ الروايات الواردة عن ابن عباس في هذا الصدد لا تخلو من مقال، ولعل الصحيح منها ما أخرجه الطحاوي (^٤)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في حديث أصحاب الكهف: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٢٥٥).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٠).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٠).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه الطحاوي (شرح مشكل الآثار) (٥/ ١٨٢).","vol":"3","page":150},{"text":"نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].\nقال ابن عباس: إذا قلت شيئًا فلم تقل: إن شاء الله. فقل إذا ذكرت: إن شاء الله.\nالثاني: أنَّ الاستثناء ليس عائدًا إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣]، إنما يعود إلى قوله جل ذكره: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]: يعني إذا نسيت ذكر الله، وليس المقصود إذا نسيت الاستثناء كما تقدم قريبًا.\nالثالث: قد يكون مراد ابن عباس الخروج من عهدة الإثم بتركه، لا أنه يحل اليمين؛ لأنها تداركها قد فات بالانفصال، هذا مراد ابن عباس كما جزم به الطبري وغيره، وهذا لا محذور ولا إشكال فيه (^١).\nالرابع: أنه نوى الاستثناء بقلبه مع اعتقاده صحة إضماره، ثم أظهر بعد ذلك الاستثناء الذي نواه وقت اليمين.\nقال الغزالي ﵀: ونقل عن ابن عباس أنه جوَّز تأخير الاستثناء، ولعله لا يصح عنه النقل؛ إذ لا يليق ذلك بمنصبه، وإن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولًا ثم أظهر نيته بعد، فيدين بينه وبين\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٢٥٦).","vol":"3","page":151},{"text":"الله فيما نواه (^١).\n• ثانيًا: الاستثناء من غير الجنس.\nاختلف أهل اللغة والفقه في الاستثناء من غير جنس، فمنعه أحمد، وكثير من أصحاب الشافعي، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني (^٢).\nقال الآمدى: اختلف العلماء فى صحة الاستثناء من غير الجنس، فجوزه أصحاب أبى حنيفة، ومالك، والقاضي أبو بكر، وجماعة من المتكلمين والنحاة، ومنع منه الأكثرون (^٣).\nوحجتهم:\n١ - أنَّ الاستثناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ، وذلك غير متحقق.\nمثل قول القائل: رأيت الناس إلا الحمر؛ لأنَّ الحمر المستثناه غير داخلة في المستثنى منه حتى يقال بإخراجها، بل الجملة الأولى (رأيت الناس) باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني (الحمر) بالأول أصلًا.\n_________\n(^١) المستصفى (٢٥٨).\n(^٢) قواطع الأدلة (١/ ٢١٣ - ٢١٤)، أصول ابن مفلح (٣/ ٨٨٨).\n(^٣) الإحكام للآمدى (٢/ ٢٩١).","vol":"3","page":152},{"text":"وأجيب: بأنه استدلال بمحل النزاع (^١).\n٢ - لو قيل بصحة الاستثناء من غير الجنس؛ لصح استثناء كل شيء من كل شيء، فيقال: جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحجاج إلا الحمير.\nوهذا مستهجن لغة وعقلًا.\nوأجيب: أنَّ الاستقباح لا يمنع صحته في اللغة.\nقلت: ولا في الشرع، فإنَّ النبي ﷺ قال في دعاء الاستسقاء: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت» (^٢).\nوذهب آخرون إلى صحته، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك، كما حكاه عنهم الآمدي، وهو الراجح، وذلك للأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وإبليس\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي مختصرًا (٢/ ٢٩٢).\n(^٢) مرسل: أخرجه أبو داود (١١٧٦)، وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ابن عمرو مرفوعًا، ولكن حدث خلاف على وصله وإرساله، وقد رجح أبو حاتم الإرسال في العلل (٢١٢) عن عمرو بن شعيب (وهو من صغار التابعين)، وله رواية عند ابن أبي شيبة (٣٢٤٣١)، وسندها صحيح، لكنها مرسلة أيضا، أرسلها حبيب بن أبي ثابت.","vol":"3","page":153},{"text":"لم يكن من جنس الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ ولأنه كان مخلوقًا من نار على ما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، والملائكة من نور؛ ولأن إبليس له ذرية، ولا ذرية للملائكة، فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم.\nوقد تكلف أقوام في القول بأنَّ إبليس كان من الملائكة من قبيلة كان يقال لها قبيلة الجن، ولا يخفى ما فيه من بعد وغرابة، وصرف للفظ عن ظاهره.\n٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها، والباري تعالى ليس من جنس شيء من المخلوقات.\n٣ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه.\n٤ - قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والتجارة ليست من جنس","vol":"3","page":154},{"text":"الباطل، وقد استثناها منه (^١).\nقلت: ومثال الاستثناء المنقطع من السنة: ما ذكر في ابتلاء الله نبي الله أيوب ﵇، أنَّ أحد أصحابه قال لآخر: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فلما بلغ ذلك أيوب قال: لا أدري ما تقول، غير أنَّ الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق (^٢).\nووجه الاستدلال: أنَّ نبي الله أيوب استثنى التكفير عن يمين الغير، والذي هو من الورع، وليس من جنس الذنوب في شيء.\nوأما الشعر فقول القائل:\nوبلد ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس\nوالعيس ليست من جنس الأنيس، بل هي نوع من الإبل.\nوقد تكلف المانعون من صحة الاستثناء المنقطع في الرد على هذه الأدلة بأجوبة فضلت عدم ذكرها لما فيها من التكلف وخشية\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ٢٩٣ وما بعدها).\n(^٢) صحيح تفسير ابن كثير للشيخ العدوي (٤/ ٢٢) ط دار ابن رجب.","vol":"3","page":155},{"text":"الإطالة (^١).\n• ثالثًا: الاستثناء المستغرق.\nقال الآمدي: اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق، كقوله: له عليَّ عشرة إلا عشرة (^٢).\nقال الغزالي: فلو قال: لفلان عليَّ عشرة إلا عشرة. لزمته العشرة؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه، وكذلك كل منطوق به لا يرفع (^٣).\nوالمعنى: أنَّ استثناء الكل من الكل هو بمثابة إلغاء المعنى، فصار أشبه باللغو، ولا فائدة فيه لذا لم يجعلوه معتبرًا.\nفلا يصح الاستثناء في هذه الحالة؛ لأنه جمع بين متناقضين، فمثلًا من قال: جاءني القوم إلا القوم. كأنه قال: جاءني القوم ما جاءني القوم. وهو محال (^٤).\n_________\n(^١) انظر هذه الردود فى الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٥)، وما بعدها.\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٢٩٧).\n(^٣) المستصفى للغزالي (٢٥٩).\n(^٤) التأسيس (٢٨٨).","vol":"3","page":156},{"text":"• رابعًا: الاستثناء بعد جمل متعاطفة هل يعود للجميع أم لا؟\nالكلام في هذا المبحث يكون بشرط ألا تكون هناك قرائن تمنع من عوده على بعض الأفراد (^١).\nالتوضيح:\n١ - قد يأتي دليل يقضي بعودة الاستثناء إلى الجملة الأولى فقط، فيعود إليها قطعًا.\nمثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فالاستثناء \"من اغترف\" يعود إلى (منه)، لا إلى (من لم يطعمه)، والمعنى: فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده، وليس المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده (^٢).\nمثال: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، فاستثناء (ما ملكت يمينك) يعود إلى لفظ (النساء) لا إلى الأزواج؛ لأنَّ الزوجة لا\n_________\n(^١) التحبير (٦/ ٢٥٩٠)، الإعلام (١٩٣).\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٥٨٧) بتصرف.","vol":"3","page":157},{"text":"تكون ملك يمينه (^١).\n٢ - ما دلَّ الدليل على عوده على الأخير جزمًا.\nمثال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] (^٢).\nفإنَّ الاستثناء يعود للدية فقط، ولا يصلح عوده على الرقبة؛ لأنَّ ولي المقتول لا ملك له في الرقبة حتى يتصدق بها (^٣).\n٣ - ما دلَّ الدليل على عوده إلى الجميع جزمًا.\nمثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].\nفإنَّ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عائد إلى الجميع بالإجماع، كما قاله ابن السمعاني (^٤).\nفإذا لم يقم دليل على عود الاستثناء إلى جملة بعينها أو عدم عوده،\n_________\n(^١) التحبير (٦/ ٢٥٨٨).\n(^٢) نفس المصدر.\n(^٣) الإعلام (١٩٤).\n(^٤) التحبير (٦/ ٢٥٨٩)، قواطع الأدلة (١/ ٢١٧).","vol":"3","page":158},{"text":"هل يعود للجميع أم لأقرب مذكور؟ هذا هو محل النزاع.\nتحرير المسألة:\nقال بعض أهل العلم: الاستثناء بعد جمل متعاطفة يرجع للأخير فقط، وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه (^١)، وهو قول المجد ابن تيمية (^٢).\nولهذا قال أبوحنيفة: إن شهادة القاذف مردودة ولو تاب، وحمل الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] على قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فقط.\nوالمعنى: وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، ولا يقال: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا.\nلذا عند أبي حنيفة يزول عنه اسم الفسق، ولكن لا تقبل شهادته (^٣).\nواستدل الأحناف على رجوعه للأخير فقط: بأنَّ الاستثناء خلاف\n_________\n(^١) التحبير (٦/ ٢٥٩٢).\n(^٢) المسودة (١٥٦).\n(^٣) التحبير (٦/ ٢٥٨٩) بتصرف.","vol":"3","page":159},{"text":"الأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، فكان الأولى عدم اعتباره لمخالفته للأصل، فاعتبر تصحيحًا للكلام بقدر الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وتزول برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط.\nوأما القول برجوعه للجميع فهو قول لا تدعو إليه الضرورة، وهي تصحيح الكلام.\nويجاب عن ذلك: بأنَّ الأحناف قالوا في الشرط أنه يرجع للجمل كلها مع أنه خلاف الأصل (^١).\nوقال الجمهور: بأنَّ الاستثناء يرجع إلى الجميع، وهو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم (^٢).\nواستدلوا: بأنَّ العطف يقتضي المشاركة، والأصل فيها أن تتحقق بين المعطوف والمعطوف عليه في كل المتعلقات كالحال، والصفة، والشرط، والظرف، والاستثناء، وقد اتفق على مشاركة المعطوف، والمعطوف عليه في هذه المتعلقات ما عدا الاستثناء، فإخراجه -يعني الاستثناء- عن بقية المتعلقات، والقول بأنه يرجع للأخير فقط ترجيح بلا مرجح؛ فيكون باطلًا (^٣).\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي النور (٢/ ٢٨٤) ط المكتبة الأزهرية.\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٥٩٠).\n(^٣) أصول الفقه لأبي النور (٢/ ٢٨٣).","vol":"3","page":160},{"text":"ففي المثال السابق في سورة النور جاء الاستثناء بعد جمل ثلاثة هي: فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون.\nفقال الشافعي، ومالك، وأحمد: إنَّ الاستثناء راجع إلى الجملة الثانية، والثالثة، ولا يرجع إلى الأولى لقيام الدليل لعدم رجوعه إليها، وهو أنَّ الجلد في الزنا حق للآدمي، وهو المقذوف، وحق الآدمي لا يسقط بالتوبة، ورجوع الاستثناء إلى الثانية والثالثة يقتضي أنَّ الفسق يزول بالتوبة، وأنَّ الشهادة تقبل كذلك بعد توبة القاذف (^١)؛ لذا قال أحمد ﵀ في حديث: «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه»، أرجو أن يكون الاستثناء على كله (^٢).\n• خامسًا: لا يلزم أن يكون المستثنى أقل من نصف المستثنى منه، أي يجوز استثناء النصف أو أكثر.\nقال بعض أهل العلم: لا يجوز استثناء النصف والأكثر، وحجتهم:\n١ - اللغة: يستقبح أن يقول الرجل: لفلان علي ألف إلا تسعمائة وتسعة وتسعين. والمستقبح في لغة العرب لا يكون من لغتهم (^٣).\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي النور (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) المسودة (١/ ١٥٦).\n(^٣) قواطع الأدلة (١/ ٢١٢).","vol":"3","page":161},{"text":"والجواب: أنَّ الاستقباح في اللغة -إن صح عنهم-لا يمنع من الصحة، لا سيما وقد ورد في القرآن العظيم كما سيأتي قريبًا (بل وروده في القرآن يدل على صحته وعدم قبحه).\nقال الغزالي ﵀: إذا قال: عليَّ عشرة إلا تسعة. فلا يلزمه باتفاق الفقهاء إلا درهم، ولا سبب له إلا أنه استثناء صحيح (^١).\n٢ - القياس: لأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل (^٢).\nوالجواب: أنَّ الاستثناء تخصيص، والتخصيص يجري في البعض لا في الكل، وإن كان هذا البعض هو الأكثر.\nوهو الراجح؛ وذلك للأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤].\nوفي الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل (^٣).\n٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فالمستثنى (الغاوون)، والمستثنى منه (عبادي)\n_________\n(^١) المستصفى (١/ ٢٥٩).\n(^٢) قواطع الأدلة (١/ ٢١٢).\n(^٣) قواطع الأدلة (١/ ٢١٢).","vol":"3","page":162},{"text":"والمستثنى أكثر من نصف المستثنى منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] (^١).\n٣ - ما ورد في الصحيح من حديث أبي بكر ﵁، عن رسول الله ﷺ، عن رب العزة ﷿: «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم»، وقد أطعم ﷾ وكسا الأكثر من عباده بلا شك (^٢).\nقال الشوكاني: والحق أنه لا وجه للمنع -يعني منع استثناء الأكثر- لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا من جهة العقل (^٣).\nملحوظة: يصح أن يكون المستثنى الكل إلا واحدًا، ولكن لا يصح أن يكون المستثنى الكل إلا إذا كان وصفًا، فلو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء. فتبين أنَّ جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئًا، ولو قلت: أعط عشرة إلا عشرة. لم يصح الاستثناء؛ لأنه\n_________\n(^١) الإعلام (١٩٣).\n(^٢) إرشاد الفحول (١/ ٣٦٨)، والحديث أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n(^٣) نفس المصدر السابق (إرشاد الفحول) (١/ ٣٦٨).","vol":"3","page":163},{"text":"عدد وليس وصفًا (^١).\nتنبيه: قال البعض: يصح استثناء الأكثر إن كان وصفًا، ولا يصح إن كان عددًا.\nوالجواب عليهم: أنه ليس على هذا التفريق دليل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-479> ثانيًا: الشرط.</span>\nتعريفه لغة: العلامة.\nقال أبو عبيد: ومنه أشراط الساعة أي علاماتها (^٢).\nوالمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجودًا أو عدمًا بإن الشرطية أو بإحدى أخواتها مثل: (إذما، ما، من، مهما، متى، أينما، أيان، أي، كيفما، إذا، لو)، وغير ذلك (^٣).\n• أقسام الشرط:\n١ - شرعي، كالطهارة للصلاة، والإحصان بالنسبة للرجم.\n٢ - عقلي، كالحياة بالنسبة للعلم، فإنَّ العقل يحكم بانتفاء العلم عند انتفاء الحياة، ولا يحكم بوجود العلم عند وجود الحياة.\n_________\n(^١) الإعلام (١٩٣).\n(^٢) قواطع الأدلة (٢/ ٢٧٥).\n(^٣) الأصول لابن عثيمين (١/ ٤٠)، الإعلام (١٩٤).","vol":"3","page":164},{"text":"٣ - عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح.\n٤ - لغوي، مثل: إن دخل محمد الدار فأكرمه (^١).\nوالمقصود به هنا الشرط اللغوي، كقول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق. فإنَّ دخول الدار ليس شرطًا للطلاق شرعًا، ولا عقلًا، ولكن من الشروط التي وضعها أهل اللغة (^٢).\n• أحكام الشرط:\n١ - الشرط والمشروط قد يتحدان.\nنحو: إن دخلت الدار فأنت طالق. ففي هذه الصورة يتوقف المشروط (الطلاق) على هذا الشرط وحده (دخول الدار).\nمثال: قوله ﷺ: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد» (^٣).\nوقد يتحد الشرط، ويتعدد المشروط بالواو، كقوله: إن شُفيتُ من مرضي تصدقت بدرهم، وصمت يومًا. وفي هذه الصورة يكون حصول\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي النور (٢/ ٢٨٨) ط المكتبة الأزهرية.\n(^٢) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١ [٦٨])، واللفظ له، من حديث ابن عمر مرفوعًا.","vol":"3","page":165},{"text":"الشرط مقتضيًا للجمع بين الأمرين.\nوقد يتحد الشرط ويتعدد المشروط بأو، مثل: إن شُفيت من مرضي تصدقت بدرهم، أو صمت يومًا، وهنا يكون حصول الشرط مقتضيًا لحصول أحد الأمرين على التخيير.\n٢ - وقد يتعدد الشرط بأو، مع اتحاد المشروط كقوله: إن دخلت الدار أو كلمت زيدًا فأنت طالق. وهنا يتوقف حصول المشروط (الطلاق) بحصول أحد الشرطين، فإن كَلَّمت زيدًا أو لم تدخل الدار تُطَلَّق.\nومثاله: قوله ﷺ: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا …» (^١).\nوقوله ﷺ: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» (^٢).\nوقد يتعدد الشرط بالواو مع اتحاد المشروط، كقوله: إن دخلت الدار، وكلمت زيدًا فأنت طالق.\nوهنا يتوقف حصول المشروط بحصول الشرطين معًا، فلا تُطَلَّق إلا إذا دخلت الدار، وكلمت زيدًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٥٢)، ومسلم (٥٦٤) من حديث جابر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٠٠٦) من حديث أبي اليسر مرفوعًا.","vol":"3","page":166},{"text":"ومثاله قوله ﷺ: «من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها» (^١).\nفحصول المشروط وهو (الأجر من الله تعالى) يتوقف على حصول الشروط جميعها.\n٣ - وقد يتعدد الشرط، ويتعدد المشروط بالواو.\nمثل: إن جاءك محمد، وكان مؤدبًا؛ فأعطه مصحفًا ودرهمًا. وهنا حصول الشرط المتعدد.\nومنه قول ابن عمر: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد» (^٢).\nوقد يتعدد الشرط بأو، ويتعدد المشروط بالواو.\nمثل: إن ذهب محمد إلى المدرسة، أو ذاكر درسه فأعطه مصحفًا ودرهمًا. وهنا حصول أحد الشرطين يقتضي حصول الشرطين معًا.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٨٧)، وغيرهما من حديث أوس بن أوس مرفوعًا.\n(^٢) إسناده صحيح موقوفا: أخرجه الترمذي (٩٤٨)، وابن ماجه (٢٩٧٥)، وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ولكن أُعل بالوقف على ابن عمر، أعله الترمذي عقب حديثه، وغيره.","vol":"3","page":167},{"text":"ومثل قوله ﷺ: «من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (^١).\nوالأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل في ما ذكر كفاية ولله الحمد والمنة (^٢).\n٢ - الشرط مخصص سواء تقدم أو تأخر (^٣).\nقال في (المحصول): ولا نزاع في جواز تقديم الشرط وتأخيره، وإنما النزاع في الأولى (^٤).\nقال الشيرازي: يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ، ويجوز أن يتأخر، كما يجوز في الاستثناء، ولهذا لم يفرق بين قوله: أنت طالق إن دخلت الدار. وبين قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق (^٥).\nمثال الشرط المتقدم: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، أى خلوا سبيلهم بشرط إن تابوا،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٧٠) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا.\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ٤٤٣)، أصول الفقه لأبي النور (٢/ ٢٨٩) ط المكتبة الأزهرية، بتصرف وزيادة وأمثلة.\n(^٣) الإعلام (١٩٤)، الأصول من علم الأصول (ص ٤٠).\n(^٤) المحصول للرازى (٣/ ٦٣).\n(^٥) اللمع (ص ٤١ و٤٢).","vol":"3","page":168},{"text":"وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة.\nفهنا الشرط متقدم، وهو: (تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) العموم قوله: (فَخَلُّوا سَبيلَهُم)، وصيغته مفرد مضاف (^١).\nمثال الشرط المتأخر: قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فقوله: (فَكَاتبُوهُم) يفهم منه أنَّ المكاتبة عامة، ثم خصصها بقوله: (إن عَلمتُم فيهم خَيرًا)، فهنا الشرط متأخرٌ (^٢).\n٣ - جواب الشرط بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الجميع، وهو قول الأئمة الأربعة وغيرهم (^٣).\nمثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فالأخوة مشترطة بجميع ما سبق (^٤).\nومنه قوله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة\n_________\n(^١) الإعلام (١٩٤)\n(^٢) الإعلام (١٩٤).\n(^٣) التحبير (٦/ ٢٦٢٣).\n(^٤) الإعلام (١٩٤).","vol":"3","page":169},{"text":"يدخل من أيها شاء» (^١).\nففتح أبواب الجنة في الحديث مشروط بجميع ما سبق.\n٤ - جواب الشرط قبل جمل متعاطفة يكون للجميع، نحو: أَكرم زيدًا إن أسلم، وأقام الصلاة. فلا يتحقق الإكرام إلا بوجود الأمرين (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-480> ثالثًا: الصفة.</span>\nتعريفها: لغة: النعت.\nاصطلاحًا: هى الوصف الذى يقصر العام على بعض أفراده، سواء كان نعتًا، أو بدلًا، أو حالًا.\nمثال النعت: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، صيغة العموم (فتياتكم)، وخص بالصفة (المؤمنات).\nمثال البدل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، اللفظ العام (الناس)، ثم قال (مَنْ استَطَاعَ)\n_________\n(^١) الإعلام (١٩٤)، والحديث أخرجه مسلم (٢٣٤)، وغيره من حديث عقبة بن عامر، ولكن بدون زيادة: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين»، فقد ضعفها الترمذي في سننه عقب (٥٥)، وغيره.\n(^٢) الإعلام (١٩٤).","vol":"3","page":170},{"text":"جاء بوصف يخص فئة معينة، وهى الفئة المستطيعة، فهنا التخصيص بالوصف أيضًا، ولكن صورته البدل.\nمثال الحال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، اللفظ العام (من)، صيغة العموم اسم شرط، و(متعمدًا) الحال، فهنا التخصيص بوصف وصورته الحال.\nفهذا بالنسبة للمخصص المتصل، فمنه الاستثناء، ومنه الشرط، ومنه الصفة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-481> رابعًا: الغاية.</span>\nالغاية في اللغة هي: طرف الشيء، ومنتهاه، وأقصاه (^١).\nاصطلاحًا: هي أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من أحرف الغاية مثل: اللام، حتى، إلى (^٢).\nالغاية تخصص العموم كما يخصص بالشرط.\nمثل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا\n_________\n(^١) المهذب (٤/ ١٦٣٣).\n(^٢) المهذب (٤/ ١٦٦٣).","vol":"3","page":171},{"text":"الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nفجعل إعطاء الجزية غاية في قتالهم قبلها، والكف عنهم بعدها، فصارت الغاية شرطًا مخصِّصًا (^١).\nمثل قوله ﷺ: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد» (^٢)، زاد في رواية: «حتى يذهب ريحها» (^٣).\nفجعل المنع من إتيان المسجد عند أكل الثوم مخصوص بغاية، وهي ذهاب رائحته.\n• شروط التخصيص بالغاية:\n١ - أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها؛ لأنَّ ما بعدها لو لم يكن مخالفًا لما قبلها لم تكن غاية، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، فليس شاء من الليل داخلًا قطعًا (^٤).\n٢ - أن يتقدمها عموم يشملها لو لم يؤت بها، فلولا الغاية لقاتلنا\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (١/ ٢٢٤) بتصرف يسير.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١ [٦٨])، واللفظ له، من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٦١ [٦٩]) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٤) التحبير (٦/ ٢٦٢٩) مختصرًا.","vol":"3","page":172},{"text":"الكفار أعطوا أم لم يعطوا، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nولولا الغاية -في الحديث السابق- لمُنعَ مَنْ أَكَلَ الثوم من المساجد سواء ذهب ريحه أم لا، أو نحو حديث: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه» (^١)، فلو سكت عن الغاية لم يكن الصبي شاملًا للبالغ، ولا النائم للمستيقظ، ولا المجنون للمفيق (^٢).\n• بعض أحكام الغاية:\n١ - قد تجتمع الغاية مع الشرط، فقد يتعلق الحكم بهما معًا، فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فجعل انقطاع الدم غاية، والغسل شرطًا فصارا معتبرين في إباحة الإصابة (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والنسائي (٣٤٣٢)، وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٦٣٢ وما بعدها)، بتصرف يسير وزيادة أمثلة.\n(^٣) قواطع الأدلة (١/ ٢٢٤).","vol":"3","page":173},{"text":"٢ - الغاية إن كانت من جنس المحدود دخلت فيه، مثل قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّ الغسل يشمل المرافق.\nوإن كانت من غير جنس المحدود، فلا تدخل فيه مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنَّ الليل ليس من جنس النهار، فلا يدخل في الصيام (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-482> أنواع التخصيص المنفصل:</span>\n• أولًا تخصيص الكتاب:\n١ - تخصيص الكتاب بالكتاب: مثل قول الله ﷾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، العام (المطلقات) صيغة العموم (ال) الموصولة.\nخص بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nويكون الباقى من العموم كل مطلقة دخل بها عدتها ثلاثة قروء.\nوقد خُص أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ويخرج به أولات الأحمال، فالباقى من العموم أنَّ كل مطلقة دخل بها، ولم تكن حاملًا فعدتها ثلاثة قروء.\n_________\n(^١) المسودة (١/ ٣٥٧) بتصرف.","vol":"3","page":174},{"text":"وخُص أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أى كل امرأة كبرت في السن، ويئست من المحيض، وكل امرأة لم تحض أصلًا لعلة عندها عدتها ثلاثة أشهر، فصار الباقى من العموم في الآية الأولى كل مطلقة حائضة دخل بها عدتها ثلاثة قروء.\nمثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فالعام لفظ (المشركات)، وصيغته (ال) الموصولة، وكذلك لفظ (تنكحوا) عام، وصيغتها المصدر الكامن أى: لا نكاح لأي مشركة. فهذه الآية عامة تم تخصيصها بتخصيص متصل ب (حتى)، فكل مشركة لا يحل نكاحها حتى تؤمن، ولكن يوجد تخصيص منفصل خص بعض المشركات بجواز النكاح منهن، وإن لم تؤمن، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، فأحل الله هنا نكاح الكتابيات، فتخرج من العموم الأول، فحرم الله نكاح كل مشركة حتى تؤمن إلا","vol":"3","page":175},{"text":"الكتابيات، فيجوز نكاحها، وإن لمن تؤمن.\n٢ - تخصيص الكتاب بالسنة: مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، العموم (أولادكم)، صيغة العموم (المعرف بالإضافة)، وخص بقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (^١)، فمعنى الآية يوصيكم الله في أولادكم المؤمنين.\nوكذلك من المخصصات لهذه الآية قوله ﷺ: «إنَّا معشَرَ الأَنبياء لا نُورثُ ما تركنا صدقةٌ» (^٢)، فخرج من عموم الآية أبناء الأنبياء، فالباقى من العموم أنَّ لكل ذكر مسلم مثل حظ الأنثيين إلا أبناء الأنبياء.\nومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فصيغة العموم المصدر الكامن في قوله (تقربوهن)، والمعنى: لا قرب حتى تطهر بأي نوع من أنواع القرب. فقال النبي ﷺ: «اصنعوا كل شاء غير النكاح» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠٣٥)، ومسلم (١٧٥٩) من حديث أبي بكر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٠٢)، وغيره من حديث أنس مرفوعًا.","vol":"3","page":176},{"text":"فخصصت السنة الكتاب، فصار معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: أى لا تجامعوهن حتى يطهرن فقط، أما ما وراء ذلك فلا حرج فيه، فالنبي ﷺ كان يأمر نساءه بأن تتزر ويباشرها.\n٣ - تخصيص الكتاب بالإجماع: مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، خص بالإجماع على أنَّ الرقيق القاذف يجلد أربعين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، قيل: خص بالإجماع أنَّ العبد يجلد خمسين جلدة.\nوكذلك من أمثلة هذا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، قيل: خص بالإجماع أنَّ الابن الرقيق لا يرث.\nوقيل اللام في قوله: (للذَّكَر) لام الملك، والذى يملك الحر لا الرقيق، فالرقيق لا يدخل أصلًا.\n٤ - تخصيص الكتاب بالقياس: مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، خص بقياس العبد الزانى على الأمة في تنصيف العذاب، والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.\nوالمعنى: أنَّ كل زان وكل زانية حران يجلدان مائة جلدة، أما العبد","vol":"3","page":177},{"text":"والأمة يجلدان خمسين، وذلك لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، يخصص عموم قوله تعالى: (الزَّانيَةُ)، فيراد به الحرة أما الأمة فعليها النصف، أي خمسين جلدة فقط، أما عن قوله تعالى: (وَالزَّاني) قد خص بالقياس حيث إنَّ العبد الزاني قد اشترك في علة الرق مع الأمة الزانية، فيقاس عقابه على عقابها، فعليه نصف ما على الحر من العقاب.\n• ثانيًا تخصيص السنة:\n١ - تخصيص السنة بالكتاب: مثل قوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله …» (^١)، فلفظ العموم (الناس)، وصيغته معرف ب (ال) الاستغراقية، وفيه تخصيص متصل وهو (حتى يشهدو …).\nوخص تخصيصًا منفصلًا بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nوالمعنى: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، أو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":178},{"text":"يعطوا الجزية.\nوكذلك منه قوله ﷺ: «ما قُطعَ من البهيمة وهي حَيةٌ فهو ميتةٌ» (^١)، فالعموم لفظ (ما)، وصيغته اسم موصول، وكذلك لفظ البهيمة، وصيغته المعرف ب (ال) الاستغراقية أي من كل البهيمة، والمعنى: أنَّ كل ما قطع من أي جزء من البهيمة، وهي حية من يد، أو قدم، أو عين، أو صوف، أو وبر فهو ميتة، إلا أنَّ الكتاب قد خص هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].\n٢ - تخصيص السنة بالسنة: مثل قوله ﷺ: «فيما سقت السماء والعيون أَوْ كان عثريًّا العشر» (^٢)، العموم (ما) الموصولة، خص بقوله ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (^٣)، فجعل حدًّا للزكاة خمسة أوسق فالمعنى: في ما سقت السماء وكان خمسة أوسق ففيه العشر.\n_________\n(^١) حسن لشاهديه: أخرجه أبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠)، وغيرهما من حديث أبي واقد الليثي مرفوعًا، وقد ذكر البخاري أن هذا الحديث محفوظ (علل الترمذي الكبير) (٤٣٧)، وإن كان الدارقطني قدر رجح أنه مرسل (العلل) (١١٥٢)، وله شاهد مرسل آخر، أرسله زيد بن أسلم عند عبد الرزاق (٨٦١١)، وله شاهد مرفوع آخر لكنه مُعل.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٨٣) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٥٩)، ومسلم (٩٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.","vol":"3","page":179},{"text":"٣ - تخصيص السنة بالإجماع: وقد يمثل له بالإجماع الدال على أنَّ الماء إذا لاقته نجاسة، فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فهو نجس، وهو بذلك يخصص حديث النبى ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء» (^١)، والمعنى أنَّ الماء طهور لا ينجسه شاء إلا إذا سقطت فيه نجاسة فغيرت فيه طعمه أو لونه أو ريحه، فهنا خص الحديث بالإجماع.\n٤ - تخصيص السنة بالقياس: مثل قوله ﷺ: «البكر بالبكر جلد مئة ونفي عام» (^٢)، فلفظ العموم (البكر)، وصيغته المعرف ب (ال) الاستغراقية، والمعنى: كل بكر حرة أو أمة، رجلًا أو امرأة عليه جلد مئة وتغريب عام، فأتى النص ليخصص الأمة بقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ثم أتى القياس ليخصص العبد قياسًا على الأمة في تنصيف العذاب لاشتراكهما في علة الرق.\n_________\n(^١) حسن لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه راو مجهول، والحديث له طرق أخرى لا تخلو من ضعف، لكنها تصلح في التقوية، وله شواهد أيضا تقويه.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.","vol":"3","page":180},{"text":"• ومن أنواع التخصيص المنفصل:\nالتخصيص بالمفهوم، والتخصيص بالحس، والتخصيص بالعقل، والتخصيص بالعرف المقارن للخطاب.\nوقبل الكلام على هذه الأقسام هناك بعض المقدمات:\n١ - الجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من العمل بظاهر أحدهما وإبطال الآخر.\n٢ - أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان العمل بالخبر أولى؛ لأن العمل به لا يبطل العام، والعمل بالعام يبطله.\n٣ - العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام لا إبطال له، ولا يخفى أنَّ البيان أولى من الإبطال (^١).\n٤ التخصيص لا يشترط فيه أن يكون المخصص مساويًا للعام في القوة؛ لأن التخصيص فيه إعمال للدليلين، وليس فيه إهمال لأحدهما (^٢).\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٣٢٧) بتصرف.\n(^٢) أصول الفقه لأبي النور (٢/ ٣١١).","vol":"3","page":181},{"text":"التخصيص بالمفهوم (الموافقة- المخالفة):\nقال الآمدي: لا نعلم خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم، أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده: كل من دخل داري فأخبر به. ثم قال: إن دخل زيد داري فلا تقل له أف، فإنَّ ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن العموم، نظرًا لمفهوم الموافقة، وما يفهم من الكلام من كف الأذى عن زيد.\nوكذا لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الأنعام كلها، ثم ورد قوله ﷺ: «في الغنم السائمة زكاة» (^١)، فإنه يكون مخصصًا للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهوم المخالفة (^٢).\nمثال: قوله ﷺ: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» (^٣).\nقال ابن المبارك: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له.\nوجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه عام في المماطل في سداد الدين،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٤)، وغيره من حديث أبي بكر، بلفظ: «… وفي صدقة الغنم في سائمتها …».\n(^٢) الإحكام للآمدي (٢/ ٣٢٨).\n(^٣) إسناده لين: أخرجه أبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩)، وغيرهما من حديث الشريد بن عمرو به، وفي إسناده راو لين.","vol":"3","page":182},{"text":"وهو قادر على سداده، ويدخل في هذا العموم الوالد المدين لولده، لكن قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فمنطوق الآية منع التأفف، ومفهوم الموافقة الأولى فحوى الخطاب يقتضي بمنع عقوبته، أو التعرض له بأذى عليه، فإنَّ هذا المفهوم هو المخصص لعموم الحديث، فيكون معنى الحديث: لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته، إلا الوالد.\nمثال: قوله ﷺ «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء» (^١).\nوجاء الإجماع على استثناء ما إذا تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه، فالماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو ريحه، أو طعمه، مع قوله ﷺ: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (^٢)، فإنَّ مفهوم المخالفة يقضي بأنَّ الماء إذا كان أقل من القلتين، فإنه يتنجس، وإن لم يتغير، فيكون هذا المفهوم مخصصًا لمنطوق الحديث الأول، وتكون هذه الصورة خارجة عن العموم، فيكون الماء القليل نجسًا، وإن لم\n_________\n(^١) حسن لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه راو مجهول، والحديث له طرق أخرى لا تخلو من ضعف، لكنها تصلح في التقوية، وله شواهد أيضا تقويه.\n(^٢) إسناده صحيح بهذا اللفظ: أخرجه أبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧) وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ورجح أبو داود سند روايته.","vol":"3","page":183},{"text":"يتغير وهو قول الشافعي (^١).\nتنبيهات مهمة تتعلق بالتخصيص ب (الحس، والعقل، والعرف المقارن للخطاب):\n١ - الحس، والعقل، والعرف ليسوا قاضيين على الشرع، فإن اقتضت هذه الأدلة شيئًا مخالفًا للشرع سقط الاستدلال بها، وصار الحكم للشرع.\n٢ - إنَّ الشرع قد جعل للحس، والعقل اعتبارًا، قال ابن حزم في (إحكامه): وأما ما أُدرك بالحس قد جاء النص بقبوله، قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥].\n٣ - التخصيص بالحس يؤول إلى أنَّ العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة الحس، ولم يخرج عن كونه خارجًا للعقل، فليكونا قسمًا واحدًا وإن اختلف طريق الحصول، قلت: ويؤيد هذا الذي قاله المرداوي أنَّ بعض أهل العلم استدلوا في مسألة التخصيص بالحس بأدلة استدل بها نفسها آخرون على التخصيص بالعقل.\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي النور (٢/ ٣١٠).","vol":"3","page":184},{"text":"مثال ذلك: أنَّ الغزالي ﵀ أورد في التخصيص بالعقل أدلة، منها قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، وهي نفس الأدلة التي أوردها المرداوي في التحبير في مسألة التخصيص بالحس، والخلاصة أنَّ الحس والعقل كلاهما مرتبط بالآخر، فالتفريق بينهما غير واضح. اه.\nلذا اقتصر بعض الأصوليين منهم ابن الحاجب على العقل فقط (^١).\n_ التخصيص بالحس أي المشاهدة (^٢):\nأو الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس وهي الرؤية البصرية، أو السمع، أو اللمس، أو الذوق، أو الشم (^٣).\nواستدلوا بقوله تعالى بشأن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].\nقالوا: نحن نشاهد أشياء كثيرة لم تلقها بلقيس كملك سليمان (^٤).\n_________\n(^١) حاشية العطار (٢/ ٦٠).\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٦٣٨).\n(^٣) المهذب (٤/ ١٦٢).\n(^٤) التحبير (٦/ ٢٦٣٨).","vol":"3","page":185},{"text":"ويجاب عن ذلك: بأنَّ ملك نبي الله سليمان ثابت بالنص؛ لذا قال تعالى في شأنه: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]، وقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥].\nومن الأدلة: قوله تعالى في شأن الريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥].\nقالوا: نحن نشاهد أشياء كثيرة لم تدمرها الريح كالسماوات والجبال، وغيرها (^١).\nوأجيب: بأنَّ لهذه الآية مخصصًا متصلًا، وهو قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فاستثنى الله تعالى المساكن من الأشياء التي دمرت، ولا بد لها من أرض تقلها وسماء تظلها، ولها مخصص منفصل، وهو قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]: أي أنَّ السماوات والأرض موجودتان إلى أن ينفخ في الصور (^٢).\nومن الأدلة: قوله تعالى في شأن الحرم: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].\n_________\n(^١) نفس المصدر.\n(^٢) التأسيس (٢٩٨).","vol":"3","page":186},{"text":"قالوا: ونحن نشاهد أشياء في أقصى المشرق والمغرب لا تجبى إليه.\nويمكن أن يجاب عن هذا: بأنَّ ما في أقصى المغرب والمشرق له رزق تكفل الله به، وساقه إليه، ولم يجب إلى الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فدل ذلك على أنَّ الحرم لم تذهب إليه جميع الأرزاق.\n_ التخصيص بالعقل:\nوالمعنى أنَّ الصيغة العامة إذا وردت واقتضى العقل امتناع تعميمها، فيعلم من جهة العقل أنَّ المراد بها خصوص ما لا يسوغه العقل، والمعنى أنا نعلم بالعقل أنَّ مطلق الصيغة لم يرد تعميمها (^١).\nوذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، فإنَّ هذا الخطاب يتناول بعمومه من لا يفهم من الناس كالصبي والمجنون، لكنه خرج بدليل العقل فكان مخصصًا للعموم، ودليل العقل\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ٤٧٢) مختصرًا.","vol":"3","page":187},{"text":"المخصص له شروط التكليف (^١).\nويمكن أن يقال: إنَّ هذا التخصيص ثابت بالنص، منه قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فالصبي ومن لا يفهم ليس بوسعهما القيام بهذه الأوامر، وكذا قوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (^٢).\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، والمراد ما خلا الصفات والذات؛ لأنَّ العقل قد دل على أنه لا يجوز أن يخلق صفاته، فخصصنا العموم به يعني بالعقل (^٣).\nوأجيب: بأنَّ الآية لها مخصصات، منها قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣] (^٤).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والنسائي (٣٤٣٢)، وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) اللمع (١/ ٣٢).\n(^٤) التأسيس (٢٩٨).","vol":"3","page":188},{"text":"هذا وقد ورد بعض الاعتراضات على التخصيص بالعقل، وهي:\n١ - ما لا يصح وقوعه عقلًا لا يصح تمام اللفظ له لغة، ولا إرادة المتكلم له حينئذ، فلا عموم في اللفظ، فلا تخصيص.\nومثاله: أنَّ ذات الباري وصفاته لا يصح خلقها عقلًا، فلا يكون قوله ﷿: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] متناولًا لها لغة، فلا يكون الكلام عامًّا، فلا يكون الفعل مخصصًا له (^١).\nويجاب عن هذا باعتراض أنه يدفع نفسه بنفسه، بأنَّ معناه أنَّ العقل منع من دخول بعض الأفراد تحت النص، فبهذا يصبح العقل مخصصًا؛ لأنه قصر العام على بعض أفراده، وأما القول بأنَّ هذا الكلام لا يكون عامَّا، فتوجيهه أن يقصد أنه لا يكون عامًّا باقيًا على عمومه، والله أعلم.\n٢ - قالوا: إنَّ المخصص لا بد أن يكون متأخرًا، والعقل سابق في الوجود على أدلة السمع.\nويجاب: أنه يتقدم على أدلة السمع بوجوده لا بيانه (^٢).\n٣ - يمنع التخصيص بالعقل قياسًا على منع النسخ به.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٥٥٤).\n(^٢) نفس المصدر بتصرف.","vol":"3","page":189},{"text":"ويجاب: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ لأن النسخ رفع للحكم، ولا قوة للعقل على ذلك بخلاف التخصيص، فإنه بيان، والعقل يصح أن يكون مبينًا (^١).\nومع أنَّ هذه الاعتراضات مدفوعة، إلا أنه ليس هناك دليل في هذا الباب خالٍ من الاعتراض في هذه المسألة، لا سيما أنَّ معظم الأدلة التي استدلوا بها على التخصيص بالعقل، والحس لها مخصصات من الشرع.\nفلعله يحسن أن يقال يستأنس بالعقل، والحس، والعرف طالما لم يصطدموا بالشرع.\nأما أن يكونوا أدلة مستقلة في باب التخصيص، فإنه يفتح الباب لرد النصوص أو تأويلها بحجة العقل، في حين أنَّ العقل السليم لا يصادم نصًّا صريحًا؛ لذا فإنَّ القرآن الكريم قد وجه في كثير من الآيات إلى التفكر والتدبر بالعقل، والذي يوصل بإذن الله إلى المراد من قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ، فليس معنى المنع أو التوقف في مسألة التخصيص بالحس، أو بالعقل، أو بالعرف كأدلة مستقلة أننا نهملها.\nوقد يقال: إنَّ التخصيص يحدث بالشرع أولًا، فيظهر أنَّ العموم\n_________\n(^١) نفس المصدر.","vol":"3","page":190},{"text":"ليس على عمومه، ثم بعد ذلك يأتي العقل، أو الحس، أو العرف مؤكدًا تابعًا للشرع في ذلك.\nقال الشيخ مصطفى سلامة -حفظه الله-: إنَّ إدراك العقل لشيء على وجهه الصحيح دليل على سلامة العقل وصراحته، فإنه لا منقول صحيح يخالف عقلًا صريحًا (^١).\n• التخصيص بالعرف المقارن، أو العادة:\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة:\nفالجمهور على أنه لا يخصص، وهو قول الحنابلة، والشافعية.\nوذهب الأحناف إلى جواز التخصيص به (^٢)، وفرق البعض كالآمدي، وغيره بين العادة القولية، والعادة الفعلية، فالعادة القولية تخصص، ومثاله: تخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، وإن كان لفظ الدابة عامًّا في كل ما يدب على الأرض، وإنما خصصت بذوات الأربع بالعادة أو العرف القولي؛ لكثرة استعمالها لذوات الأربع.\nومثال العادة الفعلية عندهم: أن يرد خطاب بتحريم الطعام. فإذا اعتاد مخاطبون على تناول طعامٍ معينٍ فلا يخصص الطعام هنا بما\n_________\n(^١) التأسيس (٢٩٨).\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٦٩٤)، إرشاد الفحول (١/ ٣٩٥).","vol":"3","page":191},{"text":"اعتاد الناس عليه، بل يبقى العموم في تحريم كل طعام (^١).\nوظاهر كلام الرازي: أنَّ التخصيص بالعادة ما إذا كانت موجودة في عهد النبي ﷺ، وأقرهم عليها، وأجمعوا على التخصيص بها (^٢).\nوقد استدل من قال: إنَّ العرف يخصص. بحديث معمر بن عبد الله ﵁ قال: كنت أسمع النبي ﷺ يقول: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل»، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير (^٣).\nووجه الاستدلال: أنَّ معمرًا ﵁ صرف قول النبي ﷺ الطعام وخصص بالشعير.\nقلت: هذا دليل فيه نظر من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنَّ معمرًا نفسه لم يخصص الطعام هنا بالشعير فقط، لأنه إنما أرسل غلامه بصاع تمر، فقال: بعه ثم اشتري به شعيرًا. فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ افصله فرده ولا تأخذه إلا مثلًا بمثل (^٤)، وساق الحديث.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٣٣٤) بتصرف.\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٦٩٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٩٢) من حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا.\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"3","page":192},{"text":"فإنه لو قصر المعنى على الشعير فقط لما رد الغلام مرة أخرى.\nالثاني: أنه قد دل الدليل على أنَّ الطعام ليس مقصودًا به الشعير فقط، كقوله ﷺ: «التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه» (^١).\nومع أنَّ هذه الأطعمة كانت هي الموجودة، إلا أنَّ أهل العلم لم يقصروا الربا على هذه الأصناف فقط، وإنما أجروها في ما تحقق فيه المعنى.\nالثالث: القول بالتخصيص بالعرف المقارن للخطاب قد يجعل إخراج زكاة الفطر قاصرًا على المطعومات الواردة في الحديث فقط، وهو بخلاف ما قاله العلماء، فقول ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين» (^٢).\nففرضت زكاة الفطر طعامًا، ولم تخص بالأطعمة الموجودة آنذاك.\nوحاصل الأمر: أنَّ العرف إذا أقره النبي ﷺ، فهو تخصيص بالسنة،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٨٨) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٠٤)، ومسلم (٩٨٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا.","vol":"3","page":193},{"text":"وإن أجمع الصحابة عليه فهو تخصيص بالإجماع.\nكذا فإنَّ جريان عمل السلف الصالح يدل على أنهم ما كانوا يخصصون الأدلة الشرعية العامة بالعرف، سواء كان العرف قوليًّا أوعمليًّا؛ لأنه مما لا شك فيه أنَّ من الأمصار من كان لها عرفٌ يخالف العموم، ومع ذلك لم يكونوا يلتفتون إلى ذلك العرف.\nقال السمعاني: وأما التخصيص بالعرف والعادة، فقد قال أصحابنا: لا يجوز تخصيص العموم به؛ لأن الشرع لم يوضع على العادة، وإنما وضع على ما أراد الله تعالى، ولا معنى للرجوع إلى العادة في شيء من ذلك (^١).\nتنبيه: ما سبق من الكلام على التخصيص بالعرف إنما هو في العرف الذي كان في زمن الوحي، أما إن كان العرف حادثًا، فلا يجوز تخصيص النص به، فمثلًا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].\nوقوله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (^٢).\n_________\n(^١) من أصول الفقه على منهج أهل الحديث.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا.","vol":"3","page":194},{"text":"لا يجوز حمل الفقه هنا على ما تعارف عليه الناس اليوم من أنه: معرفة الأحكام العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. لأنه عرف حادث (^١).\nقال الشوكاني ﵀: والعجب ممن يخصص كلام الكتاب والسنة بعادة حادثة بعد انقراض زمن النبوة تواطأ عليها قوم وتعارفوا بها، ولم تكن كذلك في العصر الذي تكلم فيه الشارع، فإنَّ هذا من الخطأ البين والغلط الفاحش (^٢).\n• التخصيص بمذهب الصحابي (^٣):\nاختلف أهل العلم في تخصيص العموم بمذهب الصحابي أو بقوله: فالجمهور على عدم الجواز، وهو مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء والأصوليين، وسواء كان هو الراوي للحديث الذي يخالفه أم لا، وحجة هؤلاء: أنَّ الحجة في العموم، ومذهب الصحابي ليس بحجة، فلا يجوز التخصيص به.\nوذهب آخرون إلى أنه يجوز التخصيص به، وهو قول أبي حنيفة، والحنابلة.\n_________\n(^١) شرح مراقي السعود للدكتور مصطفى بن كرامة (محاضرات صوتية).\n(^٢) إرشاد الفحول (١/ ٣٩٦).\n(^٣) إرشاد الفحول (١/ ٣٩٦)، الإحكام للآمدي (٢/ ٣٣٣) بتصرف.","vol":"3","page":195},{"text":"واستدلوا: بأنَّ مخالفة الصحابي للعموم يقتضي وجود دليل عنده جعله يعدل عن العموم، فينبغي الأخذ بقوله، وتخصيص العموم به، وإلا فإنَّ عدم الأخذ بقوله يقتضي الطعن في عدالته.\nوأجيب: بأنه لا يلزم من مخالفة الصحابي للعموم وجود دليل في المسألة، فقد يكون ذلك بناءً على نظره واجتهاده الذي ربما كان مخطئًا، أو مصيبًا فيه، أو فهم أمر ما من العموم.\nكما أنَّ مخالفته وعدم الأخذ بقوله لا يطعن في عدالته، بدليل أنَّ الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة، ولم يفسق بعضهم بعضًا، ولم يكن ذلك مخرجًا لأحد منهم عن عدالته.\nوخلاصة المسألة: أنَّ قول الصحابي ليس مخصصًا للعموم، وإن كانوا جماعة ما لم يجمعوا على ذلك.\nتنبيه: الكلام في هذه المسألة فيما إذا لم يكن قول الصحابي له حكم الرفع، أو لم يعرف له مخالف؛ لأنه حينئذ يكون قوله حجة، ويخص به العموم.\n• دلالة العام:\nوالمعنى دلالته على الأفراد الذين يشملهم هل تقبل التخصيص فتكون ظنية أم لا تقبله فتكون قطعية، والمراد بأفراد العموم من","vol":"3","page":196},{"text":"يدخلون تحت لفظ العموم ويصح أن يكونوا مرادين بالنص العام.\nاختلف أهل العلم في دلالة العام: هل هي قطعية أم ظنية؟ على قولين:\n• الأول: وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، قالوا: إنَّ دلالة العام على جميع أفراده ظنية، يعني على استغراقه لجميع أفراده.\nوإذا خُصّص كان ظني الدلالة أيضًا على ما بقى من أفراده بعد التخصيص، فهو ظني الدلالة قبل التخصيص وبعده، واستدلوا بالآتي:\n١ - أكثر العمومات مخصصة، فبغلبة الظن أنَّ العموم الذي سيأتي سيخصص؛ لأنه الغالب، وطالما أنَّ التخصيص للعام هو الغالب، إذن دلالته على جميع أفراده ليست قطعية.\n٢ - جواز إخراج بعض أفراد العام بالاستثناء ونحوه عملًا بقاعدة: الاستثناء معيار العموم. فلو كانت دلالته قطعية لم يصح ذلك.\n٣ - جواز تأكيد العام بكل وأجمعين لدفع احتمال التخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. فكلمة أجمعون للتأكيد، والتأكيد يأتي لقطع الاحتمال، فلا يوجد احتمال أن يخرج ملك واحد عن السجود، وطالما احتاج إلى التأكيد، فإنَّ احتمال","vol":"3","page":197},{"text":"التخصيص قائم بدون التأكيد.\n• القول الثاني: قالوا إنَّ دلالة العام على كل أفراده قطعية، واستدلوا بالآتي:\n١ - أنَّ اللفظ العام موضوع لغة للعموم، فكان العموم ملازمًا له عند إطلاقه حتى يقوم الدليل على خلافه، والاحتمال على التخصيص لا ينافي القطعية.\nولذلك فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- العموم من الألفاظ القرآنية (^١).\nفإذا قال قائل: أكرم الطلبة. فدلالته على كل الطلبة دلالة قطعية، ولا نقول بوجود احتمال إلا أن يأتي الدليل (^٢).\nقلت: ولا يخفى ما في قولهم من بعد.\nفقولهم: التخصيص لا ينافي القطعية، فلا نسلم به، ولا دليل عليه.\nوأما قولهم: أكرم الطلبة. دلالته قطعية على كل الطلبة، فالرد من وجهين:\n_________\n(^١) الوجيز فى أصول الفقه الإسلامى للزحيلى (٢/ ٥٤).\n(^٢) أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، الشيخ محمد حسن عبد الغفار (٥/ ٧).","vol":"3","page":198},{"text":"١ - إما أن يأتي تخصيص لبعض الطلبة، فيخرجوا من العموم، وعندئذ تكون دلالته على كل الطلبة ظنية؛ لأن الإكرام لم يشمل الجميع.\n٢ - وإما ألا يأتي تخصيص فيبقى على عمومه، فعندئذ لا ننازع في أنه قطعي الدلالة، كالعام الباقي على عمومه.\n- ومما سبق يتضح أنَّ قول الجمهور هو الراجح، وقد يستأنس لذلك بفهم الصحابة.\nمثل قوله ﷺ: «لن يُدخلَ أحدًا عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» (^١).\nففهم الصحابة من النكرة التي في سياق النفي (أحدًا) العموم؛ ولأنَّ دلالة العام عندهم ظنية، فسألوا عن دخول النبي ﷺ في هذا العام أم لا، فأجاب ﷺ بأنه داخلٌ في هذا العموم، وأقرهم على فهمهم، وكذلك يستدل بهذا الحديث على دخول النبي ﷺ في خطاب أمته.\nولقائل أن يقول: إنَّ نبي الله إبراهيم فهم من قول الله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] العموم القطعي، فخاف على لوط.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":199},{"text":"والجواب: أنَّ هذا الاستدلال لا يفي بالمطلوب، وذلك لأنَّ نبي الله إبراهيم ﵊ فهم أنَّ الدلالة قطعية، فبين الله تعالى له أنها ظنية، وأنَّ لوطًا مستثنى من هذا العموم، أو أخذ بظاهر النص، وظاهر النص مأخوذ به معمول بمقتصاه وإن لم يكن قطعيًّا، بل يكفي فيه الظن الظاهر من اللفظ.\n• أثر الاختلاف في دلالة العام:\nترتب على الاختلاف السابق بين العلماء الاختلاف في مسألتين أصوليتين وهما:\nأولًا: التخصيص بالدليل الظني:\nالجمهور على أنه يجوز تخصيص العام الظني بالدليل الظني كخبر الآحاد والقياس، مثل قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنه مخصص بما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» (^١).\nمثال: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فإنه مخصص بقول النبي ﷺ: «القاتل لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨ [٣٧])، واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":200},{"text":"يرث» (^١)، وبقوله ﷺ: «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» (^٢).\nمثال قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، مخصص بقول النبي ﷺ: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا» (^٣).\nوأما الأحناف فقالوا: لا يجوز تخصيص العام ابتداءً بدليل ظني كخبر الآحاد والقياس. واستدلوا بقول عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها ثلاثًا، فرَوَت أنَّ رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر ﵁: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة (^٤). فلم يجعل حديثها مخصصًا لعموم قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] (^٥).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذي (٢١٠٩)، وغيره من حديث أبي هريرة، وفيه راو متروك، وأخرجه عبد الرزاق (١٨٨٧٢، ١٧٧٨٦)، وغيره من طريقين عن ابن عباس موقوفا، وكلا الطريقين ضعيف، ويقوي أحدهما الآخر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٧٩٠)، ومسلم (١٦٨٤ [٢]) واللفظ له، من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٤) أخرحه مسلم (١٤٨٠) من حديث عمر بن الخطاب به.\n(^٥) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (٢/ ٥٥).","vol":"3","page":201},{"text":"ويجاب عنه: أنه ليس فيه أنَّ عمر رد خبرها؛ لأنه لا يرى تخصيص العموم بخبر الواحد، بل إنَّ محل النزاع والرد عند عمر ﵁ ثبوت الخبر نفسه، لذا قال: لعلها حفظت أو نسيت. كما أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعًا (^١).\nثانيًا: تعارض العام والخاص:\nعند الجمهور لا يتحقق التعارض بين العام والخاص، ويعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك؛ لأنَّ الخاص قطعي الدلالة، والعام ظني الدلالة، ولا تعارض بينهما؛ لأنَّ شرط التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة.\nأما الأحناف: عندهم يتحقق التعارض بين العام الذي يخصص وبين الخاص؛ لأنَّ كليهما قطعي الدلالة، ويجب اللجوء إلى دفع التعارض إما بالتوقف، وإما بالتخصيص، وإما بالنسخ من المتأخر للمتقدم.\nمثال: الاختلاف في اشتراط النصاب في زكاة الزروع، لورود حديث عام بعدم الاشتراط، وحديث خاص باشتراطه، وخصص الجمهور\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٢/ ٣٢٦) بتصرف.","vol":"3","page":202},{"text":"العام بالخاص، واشترطوا النصاب لعدم التعارض بينهم، وقال الأحناف بالتعارض، وتقديم النص العام لرجحانه، ولم يشترطوا النصاب.\nمثال آخر: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فالنص عام في كل من رمى محصنة سواء كان زوجًا لها أم لا، ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]، فالنص خاص بالأزواج الذين يرمون زوجاتهم.\nالجمهور قالوا: لا تعارض، ويعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك، أي يخصصون العام، ويقضون بالخاص على العام؛ لأنَّ دلالة الخاص قطعية والعام ظنية.\nوالأحناف: قالوا بالتعارض بين الآيتين، وأنَّ الثانية متأخرة عن الأولى، فينسخ الخاص العام في قدر ما تناولاه، وهو النسخ الجزئي عندهم (^١).\nمثال آخر: اختلافهم في من قتل رجلًا عمدًا، ثم لاذ بالفرار، ودخل الحرم، وتعلق بأستار الكعبة، فهل يقام عليه الحد أم لا؟\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٥٧).","vol":"3","page":203},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، أخرج الكافر والوثني، فبقى العموم في المسلم سواء كان سارقًا، أو قاتلًا، أو زانيًا، فكل هؤلاء داخلون في عموم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nالأحناف قالوا: لا يقام عليه الحد.\nوالجمهور قالوا: يقتل ويقام عليه الحد قياسًا على من استحق القتل فقتل، فقد أباح الله تعالى قتال المشركين في الحرم، بدليل قوله تعالى ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فأباح للنبي ﷺ قتلهم في الحرم.\nوكابن خطل الذي كان يسب النبي ﷺ فقال: «إن وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة فاقتلوه، فوجدوه متعلقًا بأستار الكعبة، فقالوا: يا رسول الله، وجدناه قد تعلق بأستار الكعبة، قال: فاقتلوه» (^١)، فقتلوه وهو متعلق بأستار الكعبة.\nفالجمهور خصصوا العموم بالقياس (^٢).\n_________\n(^١) أصله عند البخاري (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء محمد حسن عبد الغفار دروس صوتية مفرغة (٥/ ٧).","vol":"3","page":204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-483>الفصل الرابع:\nالمطلق والمقيد</span>","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-484>المطلق والمقيد</span>\n• تعريف المطلق:\nالمطلق لغة: ضد المقيد (^١).\nوهو اسم مفعول مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد، فيقال: أطلق الأسير إذا أخلي سبيله، وأطلق الطير إذا فتح قفصه، وأطلق القوم مواشيهم إذا سرحوها، وأرسلوها إلى المراعي، وأطلق يده بخير فتحها، وأطلق الرجل امرأته وطلقها بمعنى خلاها من قيد الزواج، فالإطلاق أن يذكر الشيء باسمه لا يقرن بوصف، ولا شرط، ولا زمان، ولا عدد، ولا شيء مما يشبه ذلك (^٢).\nاصطلاحًا: ما دل على الحقيقة بلا قيد في جنسها غير المحصور (^٣).\n_________\n(^١) الإعلام (٢٠٠).\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٧١١)، المطلق والمقيد ل د/ حمد بن حمد (١/ ١١٤).\n(^٣) الأصول من علم الأصول (١/ ٤٤)، والتأسيس (٣٠٥).","vol":"3","page":207},{"text":"• شرح التعريف:\nما: أي لفظ.\nدل: احتراز عن الألفاظ المهملة.\nالحقيقة: خرج به العام؛ لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة (^١).\nبلا قيد: يعني بلا وصف زائد عليها، أي من غير اعتبار قيد، سواء وجد ولم يعتبر أم لم يوجد (^٢).\n\"في جنسها\": أي من جنسها.\nغير المحصور: المقصود الجنس غير محصور العدد (^٣).\nوعرفه البعض كالآمدي: بأنه النكرة في سياق الإثبات. وذلك احترازًا عن النكرة في سياق النفي (^٤).\nوالتعريف الأول أجود وأشمل؛ وذلك للآتي:\n١ - أنه يدخل فيه النكرة في سياق الإثبات وغيرها؛ لأنَّ الإطلاق\n_________\n(^١) الأصول من علم الأصول (١/ ٤٤).\n(^٢) تعليق الشيخ عبد الرازق عفيفي على الإحكام للآمدي (٣/ ٣).\n(^٣) التأسيس (٣٠٥).\n(^٤) الإحكام للامدى (٣/ ٣).","vol":"3","page":208},{"text":"ليس قاصرًا على النكرة في سياق الإثبات، لأنَّ الفعل بأقسامه يفيد الإطلاق، فإذا قلت: صام زيد يوم الإثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين، فالفعل المطلق في سياق الإثبات كالنكرة في سياق الإثبات يفيد الإطلاق؛ وذلك لأنَّ الفعل متضمن للمصدر، فالمصدر الكامن في الفعل ليس بمعرفة وإنما نكرة، ومثال ذلك: ما ورد أنه ﷺ صلى داخل الكعبة (^١).\nفإنها احتملت الفرض والنفل، بمعنى أنه لا يتصور أنها فرض ونفل معًا (^٢).\nقلت: ومن الأدلة على أنَّ الإطلاق يؤخذ من الفعل كما يؤخذ من الاسم، ما ذكر في صلح الحديبية لما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام»، قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به» (^٣).\nووجه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ لما عتب عليه عمر؛ لأنه وعدهم بأنهم سيأتون البيت احتج النبي ﷺ بالإطلاق، يعني أنه أطلق الفعل \"نأتي\"، ولم يقيده بزمن، فهو وإن كان وعد بإتيان البيت، لكنه لم يقيد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٨)، ومسلم (١٣٢٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) الشرح الكبير لمختصر الأصول (ص ٣٠٦ و٣٠٧) بتصرف.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم مرفوعًا.","vol":"3","page":209},{"text":"هذا الإتيان بزمن، ومن ثم لا يصح قصر الإطلاق على النكرات فقط.\n٢ - أنَّ النكرة في سياق الإثبات ليست دائمًا دالة على الإطلاق، وإنما قد تأتي أحيانًا للعموم، وذلك إذا كانت في سياق الامتنان؛ لأنَّ النكرة في سياق الامتنان لو جعلناها محصورة لا تدل على العموم، لم يكن الامتنان كاملًا.\nولذا فإنَّ المطلق هو: ما دل على الحقيقة بلا قيد في جنسها غير المحصور.\nمثال: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].\nالرقبة لفظ مطلق لم يقيد بشيء، يعني لم يقيد بالإيمان، أو بالسلامة من العيوب فلم يقيد بصفة معينة (^١).\nقوله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي» (^٢)، فلفظ الولي يتناول واحدًا غير معينٍ من جنس الأولياء (^٣).\nقولنا: فرس. يدل على ذلك الحيوان الصاهل، ولم يعتبر في هذا\n_________\n(^١) الإعلام (٢٠٠) مختصرًا.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢) وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (٢/ ٣٨).","vol":"3","page":210},{"text":"اللفظ أيَّ قيدٍ من القيود التي تقلل من شيوعه وانتشاره بين أفراد جنسه، حيث لم يوصف بوصف ما، كما لم يشترط فيه أن يكون في مكان أو زمان ما (^١).\n• أقسام اللفظ باعتبار الإطلاق والتقييد:\n١ - ما جاء مطلقًا بلا قيد؛ فهذا يجب العمل به على إطلاقه، كالسفر عند البعض، لم يقيد بسفر دون سفر.\nقال ابن تيمية: والواجب أن يطلق ما أطلق صاحب الشرع ﷺ، ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، ولا يقسم إلى طويل وقصير (^٢).\nوقال الألباني ﵀: فإنَّ السفر مطلق في الكتاب والسنة، لم يقيد بمسافة محدودة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولذلك قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد): ولم يحد ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر،\n_________\n(^١) المطلق والمقيد (١/ ١١٩).\n(^٢) الفتاوى (٢٤/ ١٣).","vol":"3","page":211},{"text":"والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر (^١).\n٢ - ما جاء مقيدًا فيلزم العمل بموجب القيد الوارد فيه، ولا يصح إلغاؤه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، فورد الصيام مقيدًا بالتتابع، وبكونه قبل التماس والاستمتاع، فيعمل به على تقييده بهذين القيدين (^٢).\n٣ - أن يرد اللفظ مطلقًا في نص، ومقيدًا في آخر، وهذا هو محل البحث، فإذا خلا المطلق والمقيد عن القرائن الموجبة للحمل أو عدمه، فلا يخلو الحال من أربعة أقسام:\nالأول: أن يتحد الحكم والسبب، وهنا يحمل المطلق على المقيد.\nقال الآمدي: فلا نعرف خلافًا في حمل المطلق على المقيد ها هنا.\nومثال ذلك كما لو قال في الظهار: اعتق رقبة. ثم قال: اعتق رقبة مؤمنة. فيحمل المطلق على المقيد هنا عند الأئمة الأربعة، وغيرهم (^٣).\nأمثلة:\n١ - قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وفي\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ٣١٠).\n(^٢) شرح الورقات للفوزان (١١٨) ط. دار الإتقان.\n(^٣) الإحكام للآمدي (٣/ ٤)، التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٧٢٠).","vol":"3","page":212},{"text":"قراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، وهذا باعتبار قراءة ابن مسعود حجة، فالحكم في الآيتين واحد، وكذلك السبب فيحمل المطلق على المقيد (^١).\nوقراءة ابن مسعود (متتابعات) لم تثبت قرآنًا؛ لإجماع الصحابة على عدم كتابتها في المصاحف العثمانية (^٢).\n٢ - قوله ﷺ: «ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس كلهم يشفع له إلا شفعوا فيه» (^٣).\nوقوله ﷺ: «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعوا فيه» (^٤).\nفقوله في الحديث الأول (أمة) مطلق؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، وهو مطلق لم يقيد بعدد، ولا وصف، ثم جاء التقييد في الحديث الثاني بقيدين:\nالأول: العدد وهم (أربعون رجلًا).\n_________\n(^١) التأسيس (٣٠٧) بتصرف يسير.\n(^٢) دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي (١/ ٦٧).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢٤٦٥٧) وغيره من حديث عائشة به.\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٤٨)، وغيره من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"3","page":213},{"text":"الثاني: الوصف وهو «لا يشركون بالله شيئًا»، سواء كان الحكم هو الصلاة والسبب الشفاعة، أو الحكم الشفاعة والسبب الصلاة، فإنَّ المطلق هنا يحمل على المقيد.\n٣ - قوله ﷺ: «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (^١)، مع قوله ﵊: «عليكم بالإثمد عند النوم فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (^٢).\nفالحديث الأول مطلق في الوقت، والثاني مقيد ب (عند النوم)، فيحمل المطلق على المقيد وجوبًا؛ لأنَّ الحكم في الحديثين واحد، وهو: عليكم بالإثمد. والسبب واحد، وهو جلاء البصر، وإنبات الشعر.\nوإنما يحمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم والسبب؛ لأن من عمل بالمقيد، فقد وفَّى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق\n_________\n(^١) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه أبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤) من حديث ابن عباس مرفوعًا، وأخرجه ابن ماجه (٣٤٩٥) من حديث ابن عمر مرفوعًا، وفي (٣٤٩٦) من حديث جابر مرفوعًا، وسئل البخاري عن هذا الحديث كما في علل الترمذي الكبير (٥٢٨) فقال هو حديث محفوظ، وصححه الألباني وغيره، وقال العقيلي الرواية في هذا المعنى فيها لين.\n(^٢) انظر ما سبق.","vol":"3","page":214},{"text":"لم يف بالعمل بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والأولى (^١).\nالثاني: أن يتحد الحكم، ويختلف السبب:\nوهذا القسم وقع فيه الخلاف، فذهب بعضهم أنه لا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، وهو قول الأحناف (^٢).\nواستدلوا بالآتي:\nأولًا: حمل المطلق على المقيد هنا زيادة لا ينبئ عنها اللفظ، فإنَّ ذلك ليس بتخصيص، وإنما هو زيادة في النص، والزيادة في النص توجب النسخ.\nوالدليل على أنَّ زيادة شرط الإيمان في رقبة الظهار يكون على وجه النسخ: أنَّ ظاهر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية [المجادلة: ٣] يفيد جواز رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان، فمتى شرطناه فيها، فقد حظرنا ما أباحته الآية من جواز الرقبة الكافرة، وهذا هو حقيقة النسخ، وغير جائز إثبات مثله بالقياس، ولا بخبر الواحد (^٣).\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٤).\n(^٢) التحبير (٦/ ٢٧٣٠).\n(^٣) الفصول في الأصول (١/ ٢٢٧ و٢٢٨) بتصرف.","vol":"3","page":215},{"text":"وأجيب: أنَّ هذا ليس نسخًا، وإنما هو تقييد، وبيان، وعملٌ بكلا النصين، لا سيما وأنَّ الأحناف يشترطون السلامة من العيوب في الرقبة، مع أنها زيادة لا ينبئ عنها النص (^١).\nثانيًا: القول بتقييد الرقبة في الظهار بالإيمان يلزم منه القول بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وبيانه أنَّ أوس بن الصامت ظاهر من امرأته شهر رمضان فجاءت امرأته، فسأل النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى آية الظهار، فقال لها النبي ﷺ: «مريه فليعتق رقبة» (^٢)، فهنا أمره الله تعالى بعتق رقبة من غير شرط الإيمان، وأمر النبي ﷺ بها كذلك، ولو كان من شرطها الإيمان لبينه النبي ﷺ؛ لأنَّ الموضع موضع بيان كامل، ولأنَّ السائل ملزم بتنفيذ الحكم في الحال مع جهله بالحكم (^٣).\nقلت: ويمكن الإجابة عن هذا بالقول بأنَّ البيان قد يتأخر عن وقت الخطاب، وليس الحاجة، ولا نسلم أنَّ أوس بن الصامت قد خفي عليه أنَّ العتق للمؤمنة، بل لربما أطلق النبي ﷺ الرقبة، ولم يقيدها لدلالة غيرها عليها، ولعلمه أنَّ الصحابي لا يعتق إلا مؤمنة.\n_________\n(^١) الإحكام (٣/ ٧) بتصرف كبير.\n(^٢) إسناده لين: أخرجه أبو داود (٢٢١٤)، وأحمد (٢٧٣١٩)، وغيرهما من حديث خولة بنت ثعلبة، وفيه راو لين الحديث.\n(^٣) الفصول في الأصول (١/ ٢٣٢) بتصرف وزيادة.","vol":"3","page":216},{"text":"وذهب آخرون أنَّ المطلق في هذه الحالة يحمل على المقيد، وهو منقول عن الشافعي، وأكثر الشافعية، وهو اختيار الشوكاني من المتأخرين (^١).\nوهو الراجح؛ للأدلة الآتية:\n١ - أنَّ القرآن متَّحد في ذاته لا تعدد فيه، وأنه يفسر بعضه بعضًا، فيقضي بخاصه على عامه، وبمقيده على مطلقه، وهكذا، فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل كان ذلك بمثابة التنصيص على اشتراطها في كفارة الظهار (^٢).\n٢ - قوله ﷺ للجارية السوداء لما أراد صاحبها أن يعتقها: «أين الله؟» فقالت: في السماء، فقال ﷺ: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (^٣)، فتبين أنَّ الكافر لا يعتق (^٤).\n٣ - أنَّ حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم يدفع التعارض ويحقق الانسجام بين النصوص (^٥).\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٥)، شرح تنقيح الفصول (١/ ٢٦٦)، وإرشاد الفحول (٢/ ٨).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٣/ ٥) بتصرف.\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وغيره من حديث معاوية بن الحكم السلمي.\n(^٤) التأسيس (٣٠٨).\n(^٥) الوجيز للدكتور عبد الكريم زيدان.","vol":"3","page":217},{"text":"٤ - القياس: والمعنى أنه يشترط الإيمان في رقبة كفارة الظهار قياسًا على اشتراطها في كفارة القتل، بجامع أنَّ كليهما كفارة، وكليهما عتق رقبة (^١).\nواعترض الأحناف بأنَّ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، فرقبة الظهار مطلقة منصوص عليها، ورقبة القتل مقيدة بشرط الإيمان منصوص عليها أيضًا، فيعمل بكل نص على حدة، فوجود النص أغنى عن القياس (^٢).\nوأجيب عن هذا الاعتراض: بأنَّ اشتراط الإيمان في رقبة الظهار غير منصوص عليه، فقسناه على الشرط المنصوص عليه في رقبة القتل.\nوعليه؛ فإنَّ القاعدة العامة في هذا المبحث أنه: إذا اتفق حكم المطلق والمقيد يحمل المطلق على المقيد (^٣).\nقال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل (^٤).\n_________\n(^١) اللمع (١٢٢) بتصرف كبير وزيادة.\n(^٢) الفصول في الأصول (١/ ٢٢٨) بتصرف.\n(^٣) الإعلام (٢٠١).\n(^٤) إرشاد الفحول (٢/ ٨).","vol":"3","page":218},{"text":"الثالث: أن يختلف الحكم ويتحد السبب:\nنحو: اكس يتيمًا، أطعم يتيمًا عالمًا. فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، اتحد سببهما أو اختلف، بل حكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب (^١).\nأمثلة:\n١ - قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].\nوقال ﷿ في التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣].\nفهل يحمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب هنا، وهو الحدث أو إرادة الصلاة، أم لا يحمل لاختلاف الحكم؟\nفالحكم في الوضوء غسل الأيدي إلى المرافق، وفي التيمم ورد بلا قيد، فهل تمسح الأيدي في التيمم إلى المرافق؟\nوالجواب: لا؛ وذلك لاختلاف الحكم.\nفالحكم في الوضوء بالنسبة لليد الغسل، بينما الحكم في التيمم\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (٢/ ٨)، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٥١).","vol":"3","page":219},{"text":"المسح، فالحكم مختلف فلا يحمل أحدهما على الآخر (^١).\n٢ - قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، مع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].\nففي الحكم الأول: تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، وفي الحكم الثاني: الإطعام لم يقيد بالتماس.\nفهل يحرم عليه الوطء حتى يطعم كما حرم عليه حتى يحرر رقبة؛ لأنَّ السبب واحد وهو الظهار؟\nوالجواب: لا؛ لأنَّ الإطعام لم يقيد بالتماس، فالحكم مختلف، وقال البعض يحمل لاتفاق السبب.\n٣ - في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].\nأولًا: المطلق في قوله تعالى أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.\nثانيًا: المقيد في قوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فمقيد بقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ\n_________\n(^١) الإعلام (٢٠١ - ٢٠٢) بتصرف.","vol":"3","page":220},{"text":"أَهْلِيكُمْ﴾.\nفالسبب واحد وهو كفارة اليمين، والحكم الأول الإطعام، والحكم الثاني الكسوة.\nالنتيجة: أنَّ الحكمين اختلفا، فلا يحمل المطلق على المقيد (^١).\nففي هذه المسألة لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنَّ العبرة باتحاد الحكم (^٢).\nالرابع: أن يختلف الحكم، ويختلف السبب:\nوهنا لا يحمل المطلق على المقيد إجماعًا (^٣)، وذلك لعدم الصلة بينهما، فلا يحمل أحدهما على الآخر قطعًا (^٤).\nمثل قول الله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].\nوقال تعالى في حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\n_________\n(^١) الإعلام (٢٠٣) بتصرف.\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٤١).\n(^٣) شرح تنقيح الفصول (ص ٢٦٦).\n(^٤) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٤٤).","vol":"3","page":221},{"text":"فالسبب هنا في الوضوء رفع الحدث، أو إرادة الصلاة، والسبب في قطع اليد السرقة، فالسبب مختلف.\nحكم اليد في الوضوء الغسل، وفي السرقة قطع اليد، فلا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم والسبب (^١).\n• مسألة تعدد المقيد: إذا تعددت الأحكام المقيدة والمقابلة لمطلق واحد لا يحمل المطلق على أحدهما، وذلك مثل الصوم في الظهار قيده بالتتابع، قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، وفي التمتع قيده بالتفريق قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأطلقه في كفارة اليمين قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فقيل: لا يحمل المطلق في اليمين على الظهار، ولا على التمتع بل يعتبر بنفسه؛ إذ ليس حمله على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر، فلا يلزم في كفارة اليمين أن يكون الصيام متتابعًا بل يجزي فيها التفريق، وهو قول مالك، والشافعي (^٢).\n_________\n(^١) الإعلام (٢٠٣ - ٢٠٤)، شرح نظم الورقات لأحمد بن عمر الحازمي، دروس صوتية مفرغة (٣٥/ ١٥).\n(^٢) اللمع للشيرازي (ص ٤٣ و٤٤)، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٢١) ت قمحاوى بتصرف.","vol":"3","page":222},{"text":"وبعض العلماء جعل صيام الكفارة في اليمين مقيدًا بالتتابع حملًا على التتابع في صيام الظهار؛ لأنَّ كلًّا منهما كفارة بخلاف صيام التمتع، فإنه بدل للواجب وهو الذبح، وهو قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وقتادة، وطاووس، فقالوا في كفارة اليمين لا يجزي فيها التفريق (^١).\nوالراجح: أنه يكون المرء فيه مخيرًا بين التتابع فيه والتفريق (^٢).\nمثال: ورد الأمر بصوم قضاء رمضان مطلقًا في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] مع قيد صوم الظهار بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق، وقضاء رمضان ليس بأقرب لواحد منهما، فيبقى على إطلاقه من شاء تابعه، ومن شاء فرقه (^٣).\n• شروط حمل المطلق على المقيد:\nأولًا: أن يتقدم المطلق ويتأخر المقيد: مثل ما سبق من الأمثلة، فإن تقدم المقيد وتأخر المطلق لا يحمل المطلق على المقيد، بل يكون المطلق ناسخًا للمقيد.\n_________\n(^١) المذكرة (١/ ٢٨٠)، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٢١).\n(^٢) البحر المحيط (٥/ ٢٣).\n(^٣) المذكرة (ص ٢٨٠).","vol":"3","page":223},{"text":"ومثال ذلك: لما سُئل النبي ﷺ في المدينة قبل أن يخرج إلى الحج ما يلبس المحرم؟ فقال: «لا يلبس كذا وكذا، ولا الخفين إلَّا ألَّا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين»، فأجاز لبس الخف بشرط القطع، وفي الحج قال النبي ﷺ: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين» (^١)، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يخطب بعرفات: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» (^٢). ففي المدينة قال: يلبسهما لكن بقيد القطع. وفي مكة قال: فليلبسهما. فهذا مطلق، فلا يحمل المطلق على المقيد.\nوذلك:\n١ - لأنَّ هذا نسخ للحكم الأول؛ لأنَّ القيد جاء أولًا، ثم جاء المطلق بعد ذلك.\n٢ - ولأنَّ قيد القطع قاله النبي ﷺ في المدينة، ومعه في المدينة عدد قليل لكن في الحج أتى كثير من الناس ليتعلموا مناسك الحج، ولم يقيده النبي ﷺ، فدل على أنَّ الصواب أنه لا يقيد، وإلا كان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة، لذلك فتأخير المطلق هنا معناه نسخ المقيد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٤)، ومسلم (١١٧٧) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨ [٤]) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"3","page":224},{"text":"ثانيًا: أن يأتي المقيد قبل العمل بالمطلق: لأنه إذا نزل الحكم المطلق وتُرك النبي ﷺ والصحابة يعملون به؛ علم أنَّ الله أراد الإطلاق لذلك تركهم يعملون، فإذا جاء المقيد بعد ذلك كان نسخًا (^١).\nثالثًا: أن يكون القيد من باب الصفات كالإيمان في الرقبة، ولا يصح أن يكون في إثبات زيادة لم ترد في المطلق، فلا يحمل المطلق على المقيد إذا كان سيؤدي إلى إثبات حكم لم يذكر.\nمثال: قال تعالى في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فقد أوجب غسل أربعة أعضاء في الوضوء، واقتصر في التيمم على عضوين؛ لذلك لا يصح أن يقال: يجب أن ييمم الرجلين والرأس إذا أراد التيمم؛ لأنه لو لزم التيمم في الأربعة، لكان إثباتًا لحكم لم يذكر، والإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء (^٢).\nرابعًا: ألا يعارض القيد قيدًا آخر، فإن عارضه قيد آخر لجأ المجتهد إلى الترجيح (^٣).\n_________\n(^١) الإعلام (٢٠٤).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٩)، الشرح الكبير لمختصر الأصول (٣١١).\n(^٣) الشرح الكبير لمختصر الأصول (ص ٣١١)، وما بعدها.","vol":"3","page":225},{"text":"خامسًا: ألا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل يمنع منه لم يجز.\nومثاله إطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وتقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فقد تقرر حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، فالواجب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة الظهار.\nولنفترض أنه ورد نص آخر في كفارة الظهار ينص على إجزاء الرقبة الكافرة نحو: (فتحرير رقبة مؤمنة أو كافرة)؛ لكان ذلك دليلًا مانعًا من حمل المطلق على المقيد (^١).\nسادسًا: ألا يكون للمطلق إلا أصل واحد، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة، والوصية، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها، فهي شرط في الجميع، وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وإطلاق الميراث فيما أطلق فيه، فيكون ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين (^٢).\n_________\n(^١) الشرح الكبير لمختصر الأصول (١/ ٣١١)، وما بعدها.\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٩).","vol":"3","page":226},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-485> أوجه الشبه والاختلاف بين العام والمطلق:</span>\n• أولًا: أوجه الشبه:\n١ - الإطلاق والعموم كلاهما أمر اعتباري نسبي، فكما أنَّ اللفظ يجتمع فيه الإطلاق والتقييد، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فهنا قيدت الرقبة بالإيمان فتعينت المؤمنة للكفارة، وهي مطلقة فيما سوى الإيمان كالذكورة والأنوثة، والطول وغير ذلك (^١).\nوكذلك يجتمع في اللفظ العموم والخصوص، فلفظ الإنسان عام في كل إنسان خاص بالنسبة لغيره كالحيوانات أوالنبات.\n٢ - قد تتعدد المقيدات لمطلق واحد، كقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].\nفلفظ (أزواجًا) قيد هنا بأكثر من قيد، وكذلك العام قد تتعدد مخصصاته، ومرت الأمثلة في باب العام.\n٣ - العام يبقى على عمومه ما لم يخصص، والمطلق يبقى على إطلاقه ما لم يقيد، فإذا خصص العام يعمل بالتخصيص من ناحية، ويعمل بالباقي تحت العموم، وكذا المطلق إذا قيد يعمل بالقيد فيما\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٤٠)، شرح تنقيح الفصول (١/ ٢٦٦) بتصرف.","vol":"3","page":227},{"text":"جاء به، ويبقى الإطلاق في باقي الأوجه.\n٤ - التقييد والتخصيص كلاهما بيان، فالخاص بيان للمراد بالعام، والمقيد بيان للمراد بالمطلق، والبيان لا يشترط فيه أن يكون في درجة المبين، أو أقوى منه بل يكفي أن يكون البيان صحيحًا (^١).\n• ثانيًا: أوجه الاختلاف:\n١ - العام يشمل جميع أفراده على سبيل العموم، وأما المطلق فلا يعم جميع الأفراد إلا على سبيل البدل، فالعام عمومه شمولي، والمطلق عمومه بدلي (^٢).\n٢ - العام يصح الاستثناء منه استثناء متصلًا، ولا يصح الاستثناء من المطلق إلا استثناء منقطعًا (^٣).\n٣ - الإطلاق يكون فيه زيادة مدلول اللفظ، ولم تبطل منه شيئًا، فلا يعارض التقييد اللفظ المطلق، بخلاف العموم فإنه يحصل التعارض -بل هو من شروط التخصيص- فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أنَّ جماعة من العلماء لم يفرقوا وساقوا للجميع مساقة واحدة (^٤).\n_________\n(^١) معالم أصول الفقه للجيزاني (١/ ٤٣٩) بتصرف.\n(^٢) المعتصر من شرح مختصر الأصول (١٤٢).\n(^٣) المعتصر من شرح مختصر الأصول (١٤٢).\n(^٤) شرح تنقيح الفصول (٢٦٧) بتصرف.","vol":"3","page":228},{"text":"فالتقييد زيادة حكم، والتخصيص نقص، وليس من باب المطلق والمقيد تعارض كما بين الخاص والعام (^١).\n٤ - النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، وفي سياق النفي تفيد العموم إلا النكرة المثبتة في سياق الامتنان فإنها تفيد العموم.\n٥ - ألفاظ العموم وصيغه أكثر من ألفاظ وصيغ الإطلاق، وباب العام والخاص أهم وأكثر فائدة، وأوسع مباحث من باب المطلق والمقيد.\n٦ - التقييد تصرف فيما سكت عنه اللفظ المطلق، وأما التخصيص فهو تصرف فيما تناوله اللفظ العام ظاهرًا (^٢).\n• أوجه الفرق بين التقييد والنسخ:\n١ - أنَّ النص المطلق لم يرتفع حكمه وإنما ضاقت دائرته بالقيد الذي ورد عليه، أما المنسوخ فقد رفع حكمه بالدليل الناسخ.\n٢ - المطلق ما زال كما هو دليلًا على الحكم مع مراعاة القيد عند العمل، أما المنسوخ فلا يمكن أن يعتبر دليلًا بعد نسخه (^٣).\n_________\n(^١) المسودة (١٤٨).\n(^٢) المطلق والمقيد (٤٣٧).\n(^٣) المطلق والمقيد (٤٤١) وما بعدها.","vol":"3","page":229},{"text":"٣ - التقييد يقع عند البعض بالسابق، والمقارن، واللاحق الذي لم يتأخر عن وقت العمل، أما النسخ فلا يكون إلا باللاحق أي بالمتأخر في نزوله عن المنسوخ (^١).\n٤ - التقييد قد يدخل على الأوامر، والأخبار، وغيرهما، أما النسخ فلا يدخل إلا على الأحكام الشرعية، ولا يدخل على الأخبار (^٢).\nجريان ما ذكر في تخصيص العام في تقييد المطلق.\nما ذكر في التخصيص للعام فهو جار في تقييد المطلق، فعلى هذا يجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، وتقييد السنة بالكتاب، والعكس، ويقيد المطلق بالإجماع، والقياس، والمفاهيم، ونحو ذلك (^٣).\n_________\n(^١) المطلق والمقيد (٤٤١) وما بعدها.\n(^٢) المطلق والمقيد (٤٤١) وما بعدها.\n(^٣) إرشاد الفحول (٢/ ١٠)، المهذب للنملة (٤/ ١٧٠٧).","vol":"3","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>الفصل الخامس:\nالظاهر والمؤول</span>","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-487>أولًا الظاهر</span>\n*<span data-type='title' id=toc-488> المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا.</span>\nالظاهر لغة: خلاف الباطن، وهو الواضح المنكشف، ومنه ظهر الأمر إذا وضح وانكشف، ويطلق على الشيء الشاخص المرتفع.\nكما أنَّ الظاهر من الأشخاص: هو المرتفع الذي تبادر إليه الأبصار، كذلك في المعاني (^١).\nواصطلاحًا: كل لفظ احتمل أمرين هو في أحدهما أظهر (^٢).\nمحترزات التعريف:\nقوله: (كل لفظ احتمل أمرين) أخرج النص؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا.\nقوله: (هو في أحدهما أظهر) أخرج المجمل؛ لأنه يحتمل معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر.\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (٢/ ٩٣) ط العبيكان.\n(^٢) اللمع للشيرازي (ص ٤٨).","vol":"3","page":233},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-489> المسألة الثانية: حكم العمل بالظاهر.</span>\nالعمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره.\nقال السرخسي: وجوب العمل بالظاهر ثابت قطعًا (^١).\nوقال ابن القيم: الفائدة الخامسة والخمسون:\nإذا سئل -يعني المفتي- عن تفسير آية من كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا (^٢).\nفالعمل بالظاهر واجب لأدلة:\n١ - إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ (^٣).\n٢ - أنَّ صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل يعتبر ترجيحًا بلا مرجح؛ وهو باطل.\n٣ - أنه أحوط وأبرأ للذمة.\n_________\n(^١) أصول السرخسي (١/ ١٦٣).\n(^٢) إعلام الموقعين (٦/ ١٨٠، ١٨١) ط دار ابن الجوزى.\n(^٣) البحر المحيط (٥/ ٣٦) ط وزارة الاوقاف الكويتية.","vol":"3","page":234},{"text":"٤ - أنه أقوى في التعبد والانقياد.\n٥ - أنه أبعد عن التأويل والتحريف.\n٦ - أن هذه طريقة السلف، وكفى بهم أسوة بعد النبي ﷺ.","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-490>ثانيا: المؤول</span>\n*<span data-type='title' id=toc-491> المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا:</span>\nالمؤول لغة: مشتق من آل يؤول، إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا. أي رجع إليه، ومآل الأمر مرجعه.\nقال ابن فارس: التأويل: آخر الأمر وعاقبته، يقال: مآل هذا الأمر مصيره، واشتقاق الكلمة من الأَول وهو العاقبة والمصير (^١).\nاصطلاحًا: حمل ظاهر على محتمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا (^٢).\nوهذا هو حد التأويل الصحيح، فالحمل بلا دليل مُحقَّق يسمى تأويلًا فاسدًا؛ لذا عرَّف الغزالي والرازي التأويل بقولهم: هو عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دلَّ عليه الظاهر (^٣).\n_________\n(^١) انظر إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٣٢) ط دار الفضيلة.\n(^٢) شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٦١).\n(^٣) المستصفى (٢/ ٤٩) ط دار الفضيلة، المحصول (٣/ ٢٣٢).","vol":"3","page":236},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-492> المسألة الثانية: معاني التأويل:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١): لفظ التأويل صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان:\nأحدها: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ومنه قول عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي» يتأول القرآن (^٢).\nوالثاني: أن يراد بلفظ التأويل التفسير، وهو اصطلاح كثير من المفسرين ولهذا قال مجاهد إمام أهل التفسير: إنَّ الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه. فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه، وهذا مما يعلمه الراسخون.\nوالثالث: أن يراد بلفظ التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"3","page":237},{"text":"يكون إلا مخالفًا لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله، والكلام، وظن هؤلاء أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] يراد به هذا المعنى، ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين: قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله، وقوم يقولون: إنَّ الراسخين في العلم يعلمونه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-493> المسألة الثالثة: شروط التأويل الصحيح:</span>\n١ - أن يحتمل اللفظ المعنى المؤول إليه حتى يصح صرف اللفظ إليه، وعلى ذلك يجب أن يوافق المعنى أحد الاستدلالات الآتية:\n- الوضع اللغوي: كالصلاة هي الدعاء، والزكاة هي التطهير، والصوم الإمساك مطلقًا.\n- الحقيقة الشرعية: وهو الاستعمال الذي وضعه الشارع لهذه الكلمة، فيجوز صرف الكلمة لهذا المعنى دون المعنى اللغوي.\n- الحقيقة العرفية: وهي عامة كاستعمال الدابة لذوات الأربع، والغائط لما يخرج من الإنسان وهو مستقذر.\n٢ - أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون صاحب ملكة فقهية تؤهله للنظر، وإلا كان قائلًا على الله بلا علم.","vol":"3","page":238},{"text":"٣ - تحقيق التعارض، وذلك بأن يكون كلا الدليلين صحيحًا، فالقرآن لا يعارضه حديث ضعيف، بل الحديث الضعيف لا يعارض حديثًا صحيحًا، فإذا ما حصل هذا التعارض الموهوم سقط الضعيف، وبقي الصحيح القوي.\n٤ - أن يستند التأويل إلى دليل صحيح صالح حتى يصح صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، والأدلة التي تصح أن تكون مرجحًا هي:\nأ- نص من كتاب أو سنة، كقوله تعالى: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣].\nفهذا يقتضي تحريم كل شيء من الميتة حتى جلدها، لكن لما قال النبي ﷺ في شاة ميمونة التي ماتت: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة. فقال: «إنما حرم من الميتة أكلها» (^١).\nفهذا صرف للعموم في الآية عن ظاهره.\nب- الإجماع وشرطه أن يكون متيقنًا صحيحًا لا موهومًا، ومثاله: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٦٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"3","page":239},{"text":"ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].\nفظاهر الآية أنها تعم الرجال والنساء والعبيد والأطفال، لكن الإجماع أخرج غير الرجال البالغين من عموم النص.\nج- القياس: وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ومنهم من اشترط أن يكون جليًّا، وهذا كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل، فإنَّ الفارق بينهما لا تأثير له.\nد- حكمة التشريع ومبادئه العامة، وهذه الحكمة حتى لا تُردَّ نصوص الشرع بالهوى (^١).\nوالدليل الصحيح هو الثابت، والدليل الصالح هو الدليل الذي يصح به الاستدلال في المسألة بعينها.\nفالمؤول هو المعنى البعيد وهو المرجوح، وهو غير المتبادر إلى الذهن، فلو أريد باللفظ المعنى البعيد غير المتبادر إلى الذهن لا بد أن يكون عليه دليل صحيح صالح.\n_________\n(^١) التأويل عند أهل العلم لأبي محمد الحسن بن علي الكتاني (٨، ٩).","vol":"3","page":240},{"text":"مثال: حكم الزكاة؟\nنقول: واجبة. والدليل: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فهذا دليل صحيح أي ثابت، لكن غير صالح؛ لأنه يتحدث عن الصلاة لا الزكاة.\nمثال آخر: قولهم بجواز التوسل بأصحاب القبور، ويستدلون بحديث غير صحيح: «إذا ضاقت عليهم الأمور فعليكم بأصحاب القبور» (^١)، وهذا دليل صالح، أي في عين المسألة، ولكنه غير صحيح، ولم يثبت عن النبي فلا يجوز الاستدلال به.\nوكذلك مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقولون: إن استوى بمعنى استولى. فهذا التأويل غير صحيح؛ لأن لفظ استوى ليس من معانيه استولى عند البعض، ولا بد أن يتحمل اللفظ المعنى المؤول.\nثانيا: لو اعتبر أن استولى من معاني استوى، فهذا معنى بعيد مرجوح غير متبادر إلى الذهن؛ فلا بد من دليل للتأويل، قالوا: الدليل هو التنزيه. وهذا دليل صحيح أي ثابت، فنحن مأمورون بالتنزيه، ولكنه غير صالح في هذه المسألة؛ لأن التنزيه يكون عن صفات الذم، وصفة العلو ليست من صفات الذم، بل من صفات المدح.\n_________\n(^١) ليس بحديث وهو من كلام غلاة الصوفية.","vol":"3","page":241},{"text":"• أنواع التأويل:\n١ - التأويل الصحيح: وهو صرف اللفظ إلى المعنى البعيد بدليل صحيح صالح، كقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، فهذا تأويل صحيح لأنَّ الصوم يراد به الصوم الشرعى، ويراد به الإمساك، فإذا أريد به المعنى البعيد وهو الإمساك عن الكلام والحركة لا بد أن يأتى بدليل، وهو قوله تعالى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].\n٢ - التأويل الفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح، كتأويل المعطلة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إلى معنى استولى، والصواب أنَّ معناه العلو والارتفاع من غير تكييف، كما سبق.\nمثال آخر: قول النبى ﷺ لغيلان الثقفى حينما قال له: أسلمت وتحتى عشر من النسوة. قال له ﵊: «أمسك منهن أربعًا وفارق سائرهن» (^١)، قال البعض: إنَّ المراد يطلق الجميع ثم يمسك أى يتزوج أربعة منهن، رغم أنَّ المعنى القريب هو أمسك أربعًا منهن أى من العشرة، وفارق أى طلق الباقى، فالمعنى الذى ذهبوا إليه معنى بعيد\n_________\n(^١) مرسل، أخرجه مالك (١٧١٧)، والترمذي (١١٢٨)، وابن ماجه (١٩٥٣) وغيرهم من طريق الزهري، واختلف عليه اختلافًا شديدًا في وصله وإرساله، ورجح الإرسال الترمذي وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي، وغيرهم.","vol":"3","page":242},{"text":"غير متبادر إلى الذهن، ولكنه قد يكون صحيحًا إن وجد دليل عليه، وهم قالوا إنَّ الدليل هو أننا مأمورون بالعدل، فإمساك أربع وتطليق ست ظلم للست، والدليل (العدل)، وهو دليل صحيح، ولكنه غير صالح، فلو طلق الجميع ثم أراد أن يتزوج منهن فعلى أى أساس يختار منهن؟ قالوا: على أساس الأفضلية، إذن يوجد بينهن من هى أفضل، فلو طلقهن جميعًا لساوى بين الفاضل والمفضول وهذا ليس عدلًا، فالعدل يقتضى أن يمسك الفضلى، والأمر الثانى أنَّ قول النبى يدل على الظاهر «أمسك منهن أربعًا، وفارق سائرهن»، أى باقيهن، فوجود الباقى يدل على أنَّ الإمساك قبل الطلاق.\nومثل قوله تعالى فى كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أو فى الظهار ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].\nقال بعض الفقهاء: يجزئ أن يطعم مسكينًا واحدًا ستين مرة. فالمراد بستين مسكينًا ستين مدًّا، فيقال: إنَّ كلمة المسكين لا تطلق على المد فى اللغة، فاللفظ لايحتمل المعنى المصروف إليه، فلا يصح التأويل.","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-494>الفصل السادس:\nالمجمل والمبين</span>","vol":"3","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-495>أولًا: المجمل</span>\n*<span data-type='title' id=toc-496> المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا:</span>\nالمجمل لغة: المبهم، من أُجمل الأمر أي أُبهم. وقيل: المجموع من أُجمل الحساب إذا جُمع وجعل جملة واحدة. وقيل: هو المحصَّل من أجمل الشيء إذا حصَّله (^١).\nواصطلاحًا: هو ما لا يعقل معناه من لفظه، ويفتقر في معرفة المراد منه إلى غيره (^٢).\nوقيل: هو الكلام المبهم الذي لا يطاوع التنفيذ إلا ببيان، ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى يضامَّه تفسير يكشف عنه (^٣).\nوقيل: هو اللفظ المتردد بين مُحتَملَين فصاعدًا (^٤).\nقوله: (المتردد) احترازًا من النص، فإنه لا تردد فيه؛ لأنه لا يحتمل\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٣/ ٤٥٤)، الإحكام للآمدي (٣/ ٨).\n(^٢) اللمع للشيرازي (٤٩).\n(^٣) قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ٤٤٤) ط دار الفاروق.\n(^٤) شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٤٨) ط مؤسسة الرسالة.","vol":"3","page":247},{"text":"إلا معنى واحدًا.\nقوله: (على السواء) احترازًا من الظاهر، فإنه متردد بين محتملين، لكن لا على السواء، بل هو في أحدهما ظاهر.\nوقيل: هو ما يتوقف فهم معناه على غيره، إما في تعيينه، أو بيان صفته، أو مقداره (^١).\nمثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالقرء في اللغة يأتي بمعنى الطهر، ويأتي بمعنى الحيض، وكلا المعنيين متساويان، فهذا يسمى الإجمال، فلا بد من دليل ليبين المراد بلفظ القرء، وقد يكون الإجمال لعدم العلم بالمعنى، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]، فمعنى \"هلوعًا\" بين في قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠، ٢١]، إذن فالمجمل قد يكون لفظًا له أكثر من معنى، وكل المعاني متساوية، وقد يكون له معنى، ولكنه غير معلوم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-497> المسألة الثانية: فائدة الإجمال قبل البيان:</span>\n١ - اختبار العبد ليعرف قدر نفسه، حيث إنه إذا لم يتبين له الإجمال يعلم أنه بحاجة إلى فضل الله، وأنه لا يستقل بالفهم.\n_________\n(^١) شرح الأصول من علم الأصول (٢٥٠) ط ابن الجوزى القاهرة.","vol":"3","page":248},{"text":"٢ - تشريف العبد بكثرة الخطاب؛ حيث يرد الإجمال، ثم يأتي البيان.\n٣ - إعمال الذهن، وذلك لأنَّ الأفهام تتفاوت، فبيان المجمل من الشرع، لكن الاهتداء لهذا البيان يحتاج لنظر واجتهاد (^١).\n٤ - تفاضل العلماء بالاجتهاد واستنباط المعاني.\nقال السمعاني: فإن قيل: هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال؟!\nقلنا: أجمل لتتفاضل درجة العلماء بالاجتهاد فيه، واستنباط معانيه (^٢).\nقال الزركشي: فالله جعل من الأحكام جليًّا، وجعل منها خفيًّا ليتفاضل الناس في العلم بها، ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرًا جليًّا، وجعل منها مجملًا خفيًّا (^٣).\n٥ - تهيئة النفوس لقبول الأحكام.\n٦ - تشويق النفوس لأحكام الدين.\n_________\n(^١) التحقيقات والتنقيحات لأبي عبيدة مشهور (٢٥٤، ٢٥٥).\n(^٢) قواطع الأدلة (١/ ٤٠٢).\n(^٣) البحر المحيط (٣/ ٤٥٦).","vol":"3","page":249},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-498> المسألة الثالثة: حكم العمل بالمجمل قبل ورود البيان.</span>\nالرأي الأول: وهو قول الماوردي والروياني:\nأنَّ التزام المجمل قبل بيانه واجب، والدليل عليه: أنَّ النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «ادعُهُم الَى شَهَادَة أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ الله، فَإن هُمْ أَطَاعُوكَ لذَلكَ، فَأَعلمهُم أَنَّ اللهَ ﷿ افتَرَضَ عَلَيهم خَمسَ صَلَوَاتٍ في كُلّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإن أَطَاعُوا لذَلكَ، فَأَعلمهُم أَنَّ اللهَ ﷿ افتَرَضَ عَلَيهم صَدَقَةً في أَموَالهم تُؤخَذُ من أَغنيَائهم وَتُرَدُّ في فُقَرَائهم» (^١).\nووجه الدلالة: أنه أوجب عليهم التزامها قبل بيانها (^٢).\nقال السمعاني: واختلف أصحابنا في كيفية التزامها قبل البيان.\nفقال بعضهم: إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملًا، وبعد البيان بالتزامه مفسرًا (^٣).\nالرأي الثاني: وهو قول السرخسي، والشيرازي، والزركشي، وغيرهم:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٨)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٣/ ٤٥٥).\n(^٣) قواطع الأدلة (١/ ٢٦٥).","vol":"3","page":250},{"text":"وهو أنه لا يجوز العمل بالمجمل إلا بعد البيان، ولكن يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه، لذا «لما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ قَالَ لَهُ: اكتُب. قَالَ: رَبّ وَمَاذَا أَكتُبُ؟» فطلب القلم البيان؛ لأن اللفظ (اكتب) مجمل، فدل على أنَّ العمل بالمجمل قبل البيان لا يجوز إلا بعد البيان، فقال له: «اكتُب مَقَاديرَ كُلّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^١).\nوالعلة في ذلك: أنَّ الله تعالى لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به، فلا يكلف بالعمل به، وهذا دليل على أنه لا يلزمنا العمل بالمجمل.\nثم إنَّ اللفظ المتردد بين معنيين لا يخلو: إما أن يراد كل واحد منهما حقًّا، وهذا باطل؛ لأنه يستحيل أن نعمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر.\nوإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل؛ لأنه يؤدي إلى خلو اللفظ عن المعنى.\nوإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر، وهو الصحيح، لكننا لا\n_________\n(^١) صحيح بمجموع الطرق، أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥)، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث (٢٠١٨).","vol":"3","page":251},{"text":"نعرف المراد من هذين المعنيين إلا بدليل خارجي، وهو المبين.\nولتوضيح ذلك نقول:\nمعنى العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع، وهو لا يجوز، وذلك لأنَّ اللفظ إذا تردد بين معنيين: فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر، فهذه أربعة أقسام (أليس المفترض ثلاثة)، يسقط الثاني منها وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأنَّ ذلك ليس من شأن الحكماء أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به المعنى، فيبقى ثلاثة أقسام، فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان احتمل أن نوافق مراد الشرع فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه فنخطيء حكمه، فاتقق بذلك أنَّ العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.\nوأما أنَّ ذلك لا يجوز، فلأنَّ حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه، فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة، وذلك لا يجوز.\nمثال ذلك: لو قال: إذا غاب الشفق فصلوا العشاء الآخرة. احتمل أن يريد بالشفق الحمرة والبياض جميعًا، وأن يريد الحمرة فقط، وأن يريد البياض فقط، فبتقدير أن يريدهما جميعًا، فلو صلينا قبل مغيب البياض أخطأنا، فلما جاء البيان بقوله: (الشفق الحمرة، فإذا غاب","vol":"3","page":252},{"text":"الشفق فقد وجب عشاء الآخرة) (^١) علمنا المراد.\nوكذلك قوله ﷿: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، احتمل أنَّ المراد الحُيَّض والأطهار، وأنَّ العدة تنقض بأيهما كان، واحتمل أنَّ المراد الحيَّض فقط، أو الأطهار فقط، فلو أمرناها قبل البيان ببعض هذه الاحتمالات، ولم يوافق مراد الشرع فيه كنا مخطئين، فلما جاء البيان بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].\nدل على أنَّ المراد بالقرء الحيض؛ لأنه في هذه الآية جعل الشهور في الآية بدلًا من الحيض بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]، ولم يقل: (يئسن من الأطهار)، وأكد ذلك قوله ﷺ للحائض: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي» (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) أسانيده ضعيفة مرفوعًا، وصح عن ابن عمر موقوفًا، أخرجه الدارقطني في سننه (١٠٥٦)، والبيهقي في الكبرى حديث (١٧٤٤) وسنده ضعيف، ورواه عبد الرزاق (٢١٢٢) عن ابن عمر موقوفًا، وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٣٤).\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٥٦، ٦٥٧).","vol":"3","page":253},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-499> المسألة الرابعة: هل يدخل الإجمال الأفعال؟</span>\nالإجمال كما يكون في اللفظ يكون في الفعل، مثاله: أن يفعل الرسول ﷺ فعلًا يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه أنه جمع بين الصلاتين في السفر، فإنَّ هذا مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون في سفر طويل، أو سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل.\nومثله ما يروى أنَّ رجلًا أفطر فأمره النبي بالكفارة، فهو مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون الإفطار بالجماع، أو بتناول الطعام، فلا يحمل على أحدهما دون الآخر إلا بدليل، فهذه الوجوه تفتقر إلى دليل (^١).\nقال الإسنوي: المجمل قد يكون فعلًا أيضًا، كما إذا قام النبي ﷺ من الركعة الثانية، فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد، فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو فلا يدل عليه (^٢).\n_________\n(^١) اللمع للشيرازي (١٥٦).\n(^٢) نهاية السول شرح منهاج الوصول (٢/ ٥١٢).","vol":"3","page":254},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-500> المسألة الخامسة: أسباب الإجمال في نصوص الشريعة </span>(^١):\n١ - تعدد موضع الضمير إذا تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما، كقول النبي ﷺ: «لا يَمنَع جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغرزَ خَشَبَهُ في جدَاره» (^٢).\nفضمير الجدار يحتمل العود على نفسه أي في جدار نفسه، أو على جاره أي في جدار جاره.\nوكقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فالهاء في (يرفعه) إما أن تعود على الله ﷾، ويكون المعنى حينها أنَّ الله هو الذي يرفع العمل الصالح، وإما أن تعود على (الكلم الطيب)، فالعمل الصالح لا يرتفع إلا بكلمة التوحيد، وهو الكلم الطيب.\n٢ - تعدد مرجع الصفة: والمعنى أن تأتي صفة في نص ويحتمل فيها الإجمال.\nمثال: زيد طبيب ماهر. فيحتمل أنه ماهر في الطب، أوأنه طبيب وماهر، فهذا الوصف متردد بين المهارة مطلقًا، والمهارة في الطب، كما\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (١/ ٤٧٩)، البحر المحيط (٣/ ٤٥٩)، التحقيقات والتنقيحات السلفيات، للشيخ مشهور (ص ٢٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩) من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":255},{"text":"قال ابن الحاجب، وغيره\nوكما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فكلمة (حسنًا) صفة يحتمل أن تعود على المفعول المطلق (قرضًا)، فيكون الإقراض الحسن هو الخالص لوجه الله تعالى، ويحتمل أنها تعود على القطعة من المال، فيكون القرض الحسن هو المال الحسن الذي يكون حلالًا من خيار المال، فالصفة هنا مترددة بين أن تكون صفة للقرض أو صفة للمال.\n٣ - تعدد مرجع الإشارة، بمعنى أن يكون عندنا اسم إشارة، ويحتمل أن يعود على أكثر من شيء فيحدث الإجمال.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. فاسم الإشارة (ذلك) يحتمل أن يعود على الزنا، أو على زواج الزاني.\n٤ - التردد الحاصل من إرادة فرد معين من أفراد حقيقية وُضع اللفظ لكل منها.\nمثاله: القرء، المتردد بين معنيين، وهما الطهر والحيض.\nوكقول الله ﷾: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فالذي بيده عقدة النكاح أمر متردد بين الزوج،","vol":"3","page":256},{"text":"والولي.\n٥ - قد يكون الإجمال بحسب الوقف والابتداء، فإنَّ الوقف على (السماوات) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]، له معنى يخالف الوقف على (الأرض)، والابتداء بقوله: (يعلم سركم وجهركم).\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، من غير وقف يخالف الوقف على قوله (إلا الله)، وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء.\n٦ - التردد بين كون الكلمة اسمًا أو فعلًا.\nمثاله: قول النبي ﷺ: «إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهلَكُهُم» (^١)، بالضم أي أشدهم هلاكًا، وفي رواية (أهلَكَهم)، ف (أهلَكَهم) فعل بمعنى: جعلهم في هلاك، أي جعلهم يهلكون.\n٧ - تعدد متعلق الظرف، والمعنى أن يكون عندنا ظرف فيتعدد متعلقه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٢٣) من حديث أبي هريرة.","vol":"3","page":257},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-501> المسألة السادسة: هل يجوز بقاء المجمل دون بيان بعد وفاة النبي ﷺ</span>-؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: يجوز بقاء المجمل دون بيان مطلقًا، ودليلهم أنه لا يترتب على بقاء المجمل محال عقلًا فكان جائزًا.\nوأجيب: لا نسلم بذلك، فإنَّ بقاء المجمل بدون بيان يترتب عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز اتفاقًا.\nالمذهب الثاني: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقًا، وهو مذهب كثير من العلماء.\nودليلهم: أنَّ وظيفة النبي ﷺ بيان المجمل كما بينها الله في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبقاء المجمل بدون بيان تقصير، وإخلال بهذه الوظيفة، وهذا غير جائز.\nوأجيب: بأنَّ المقصود من الآية بيان الأحكام الشرعية التكليفية، ما يتعلق بها حتى يعبد الناس ربهم على بصيرة، وهي ما تدعوا الحاجة إليها، أما ما لا تدعو الحاجة إليها، فلا يلحق الناس حرج فيما لو لم يعلموا بيانه.","vol":"3","page":258},{"text":"المذهب الثالث: التفصيل بين ما يتعلق به حكم تكليفي وغيره، والمعنى: ما يترتب عليه عمل بخلاف ما لا يترتب عليه عمل، كالوقف على الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، فما يتعلق به حكم تكليفي فلا يجوز، أما غيره فيجوز؛ لأنَّ المجمل لو تعلق به حكم تكليفي لم يجز بقاؤه مجملًا؛ لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، أما إذا لم يتعلق ببيانه حكم تكليفي، فيجوز بقاؤه مجملًا لعدم وجود ضرورة تدعو إلى بيانه (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ١٠١)، المهذب في أصول الفقه المقارن للدكتور عبد الكريم نملة (٣/ ١٢٤٠) ط مكتبة الرشد.","vol":"3","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-502>ثانيا: المبين</span>\n*<span data-type='title' id=toc-503> المسألة الأولى: المراد بالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان.</span>\n• أولًا: المبيَّن (بفتح الياء).\nلغة: اسم مفعول من التبيين، وهو الواضح، وهو المقابل للمجمل؛ لأنه المتضح معناه فلا يفتقر إلى بيان من الخارج.\nواصطلاحًا: يطلق ويراد به ما كان من الخطاب المبتدأ المستغني بنفسه عن البيان.\nوقد يطلق ويراد به ما كان محتاجًا إلى البيان، وهو الواضح بغيره، وذلك كاللفظ المجمل إذا بيّن المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد التقييد (^١).\n• ثانيًا: المبيِّن (بكسر الياء).\nلغة: اسم فاعل، وهو الموضح لإجمال المجمل.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٣٠)، المحصول للرازي (٣/ ٢٢٧).","vol":"3","page":260},{"text":"واصطلاحًا: الدليل الذي جعل به الإيضاح (^١).\n• ثالثًا: البيان.\nلغة: اسم مصدر مشتق من التبيين، يقال: بَيَّن يُبَيّن تبيانًا وبيانًا، كما يقال: كلَّم يكلّم تكليمًا وكلامًا (^٢).\nواصطلاحًا: الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى ما هو دليل عليه (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-504> المسألة الثانية: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟</span>\nاتفق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق (^٤).\nواستدل العلماء على عدم الجواز بما يلي:\nأولًا: أنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفًا بما لا يطاق، وهو غير جائز، حيث لا قدرة للمكلف على الامتثال، وهو غير واقع\n_________\n(^١) نهاية السول شرح منهاج الأصول (١/ ٤٦٨).\n(^٢) المحصول للرازي (٣/ ٢٢٦).\n(^٣) اللمع للشيرازي (١٦٠).\n(^٤) المستصفى للغزالي (١/ ١٩٢)، المنخول للغزالي (١/ ١٢٨)، الموافقات للشاطبي (٤/ ١٤٠) ط دار ابن القيم، روضة الناظر لابن قدامة (١/ ١٨٥)، قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ٢٩٥).","vol":"3","page":261},{"text":"شرعًا، كأن يقول لهم: صلوا الظهر. ثم لا يبين لهم كيف يصلون (^١).\nثانيًا: أنَّ من شروط التكليف العلم بالمكلف به، والتكليف بما لا يعلم تكليف بما لا يطاق، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا ليس من وسعه، وقد نقل القاضي في مختصر التقريب إجماع أرباب الشرائع على ذلك (^٢).\nثالثًا: أنَّ وقت الحاجة وقت للأداء، فلا يمكن الامتثال من غير بيان، فإذا لم يكن مبينًا تعذر الأداء، فالبيان ضرورة من الضرورات التي لا بد منها (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-505> المسألة الثالثة: قواعد متفرعة على قاعدة عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.</span>\nخرَّج العلماء على هذه القاعدة قواعد كثيرة، من أهمها:\n١ - حجية تقرير النبي ﷺ لما فُعل، أو قيل بحضرته، أو في زمنه وعلم به، وهو ما يسمى بالسنة التقريرية، وهو استدلال بالسكوت، أو ترك التفصيل والبيان؛ لأنَّ النبي ﷺ لا يجوز له شرعًا أن يسكت عن\n_________\n(^١) المحصول للرازي (٣/ ٢٧٩)، تيسير الوصول إلى قواعد الأصول (١/ ١٤٩).\n(^٢) تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية (٣/ ١).\n(^٣) اللمع للشيرازي (١٦١) بتصرف، المهذب في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم النملة (٣/ ١٢٦٤).","vol":"3","page":262},{"text":"بيان الحق عند الحاجة إليه.\n٢ - رتب الشافعي على ذلك قاعدة من قواعد العموم، ونصها: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.\nوالمعنى: أن يُسأل النبي عن مسألة تحتمل أكثر من وجه فيفتي النبي ﷺ فيها من غير استفصال من السائل، فيدل على أنَّ حكم جميع الأوجه واحد.\n٣ - إجراء العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه إذا حضر وقت العمل، ولم يُبَيّن الشارع للأمة تخصيص ذلك العام أو تقييد المطلق، وقد فرَّع الأصوليون على ذلك مسائل أصولية فرعية (^١).\nتتمة:\nقد تدعو الحاجة إلى تعجيل بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، وقد تدعو الحاجة إلى تأخير هذا البيان.\nومن أمثلة تأخير البيان لأجل الحاجة:\n١ - أنَّ المُبَلِّغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا ابتداءً، فعليه أن يبلغ من يستطيع تبليغه.\n_________\n(^١) انظر أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله للدكتور عياض السلمي (٢١٨).","vol":"3","page":263},{"text":"٢ - أن المُبَلِّغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا بجميع الواجبات جملةً، بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان على سبيل التدرج، فيبدأ بالأهم ويؤخر غيره، وهذا التأخير لا ينفي قيام الحاجة التي هي سبب وجوب البيان، بل الحاجة قائمة إلا أنَّ حصول الوجوب والعقاب على الترك ممتنع لوجود المزاحم الموجب للعجز.\n٣ - أن يكون في الإمهال وتأخير البيان من المصلحة ما ليس في المبادرة؛ إذ البيان يجب على الوجه الذي يحصل به المقصود، فيكون تأخير البيان هو البيان المأمور به.\nمثل: تأخير البيان للأعرابي المسيء صلاته إلى المرة الثالثة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-506> المسألة الرابعة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة؟</span>\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب (^٢):\nالمذهب الأول: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقًا، وهو قول الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وهو\n_________\n(^١) انظر معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني.\n(^٢) الإحكام للآمدي (٣/ ٣٧)، وما بعدها، المحصول للرازي (٣/ ٢٨٢) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه بتصرف كبير (٣/ ١٢٦٥)، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (٢٧٩) وما بعدها.","vol":"3","page":264},{"text":"الراجح؛ لما يلي:\nالدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، ووجه الاستدلال: قوله ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ معناه أنزلناه، ويدل عليه قوله ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ حيث أمر الله نبيه بالاتباع بفاء التعقيب لقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾، ولا يتصور ذلك قبل الإنزال لعدم معرفته به، وإنما يكون بعد الإنزال، وإذا كان المراد بقوله (قرأناه) هو الإنزال، فإنَّ قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يدل على تأخير البيان عن وقت الإنزال؛ لأنَّ (ثم) للترتيب مع التراخي.\nفإن قيل: إنَّ المراد بالبيان المذكور في الآية البيان التفصيلي، وتراخي البيان التفصيلي عن وقت الخطاب مسلم لا نزاع فيه، إنما النزاع في البيان الإجمالي.\nأجيب: بأنَّ تقييد البيان في الآية بالبيان التفصيلي تقييد بلا دليل؛ لأنَّ البيان ذكر مطلقًا، ولا يوجد ما يقتضي تقييده.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].\nثم جاء بيان ذلك في السنة، فأخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بيَّن ذلك جبريل للنبي، وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين. ثم بيَّن النبي لأمته، وقال: «صَلُّوا كَمَا","vol":"3","page":265},{"text":"رَأَيتُمُوني أُصَلّي» (^١).\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ حيث بين النبي أفعال الحج وذلك في السنة العاشرة، وقال: «لتَأخُذُوا مَنَاسكَكُم» (^٢)، ولا شك أنَّ هذا البيان في الصلاة، والزكاة، والحج لم يكن مقارنًا لنزول الآيات التي فيها الأمر بها.\nالدليل الثالث: قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، ففهم نوح أنَّ ابنه من أهله، وأخر الله ﷿ بيان أنَّ ابن نوح ليس من أهله إلى وقت الحاجة، فلما أدرك ابن نوح الغرق خاطب نوح ربه فيه بقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] أي وعدتني أن تنجيني وأهلي، وأنت أهلكته فأنجه، فبييَّن الله أنه عمل غير صالح، وأنه ليس من أهله، فلم يبين الشارع ذلك وقت الخطاب، بل أخره إلى وقت الحاجة.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٤٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧).","vol":"3","page":266},{"text":"بيَّن النبي أنَّ ذلك التقسيم بعد سلب القاتل، وأنَّ المقصود بذي القربى هم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وأنَّ بني أمية وبني نوفل داخلين في ذوي القربى، فلما سئل عن ذلك قال: «إنَّمَا بَنُو هَاشمٍ وَبَنُو المُطَّلب شَيءٌ وَاحدٌ» (^١).\nفثبت أنَّ قوله: (ولذي القربى) لم يبين إلا عند وقت الحاجة، فدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.\nالمذهب الثاني: المنع من تأخير البيان مطلقًا، سواء كان المراد بيانه له ظاهر يفهم ويعمل، كالعام والمجمل، أو ليس له ظاهر كالمجمل إلا النسخ فقط، فيجوز فيه ذلك، وهو مذهب بعض الحنفية، والمعتزلة، وبعض الشافعية، ونسب إلى الصيرفي.\nوالأدلة:\nالدليل الأول: أنَّ تأخير البيان عن الخطاب المحتاج إلى بيان فيه تجهيل للمكلف، وإيقاع له في اعتقاد ما لم يرده الله، وهذا قبيح، فيمتنع على العليم الحكيم.\nأجيب: بأنَّ ما يحتاج إلى بيان موقوف اعتقاده والعمل به على ورود البيان، والمطلوب من المكلف اعتقاد أنه حق وصدق على مراد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٠٢)، من حديث جبير بن مطعم.","vol":"3","page":267},{"text":"الله من غير جزم باحتمال معين من بين الإحتمالات، ولا يلزم فيه التجهيل.\nالدليل الثاني: أنه يراد بالخطابات تفهيم السامع للمطلوب فيها لكي يعمل بها، وهذه هي فائدتها، والخطاب بالمجمل بدون توضيحه وبيانه خطاب بما لا يفهم، وهو لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه يكون وجوده كعدمه، وهو عبث يتنزه الله عن الكلام به.\nوأجيب: لا نسلم بعدم وجود الفائدة في الخطاب بالمجمل، حيث توجد فائدة في الخطاب به، وهي معرفة أنَّ هناك أمرًا ونهيًا في الشريعة؛ ليعرف بذلك المكلف العازم على امتثال الأمر الذي ورد في هذا الخطاب المجمل، والمكلف العازم على ترك المنهي عنه الوارد في المجمل إذا بيّن له، فالمكلف العازم على الفعل في حالة الأمر، والعازم على الترك في حالة النهي -بعد البيان- يستحق الثواب، ويسقط عنه العقاب، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] خطاب مجمل، خاطبنا به الشارع لوجود الفائدة فيه وهي:\n١ - وجوب إيتاء حق الزارع.\n٢ - وقت دفع زكاة الزرع.\n٣ - أنه حق المال.","vol":"3","page":268},{"text":"فيمكن للمكلف هنا أن يعزم فيه على الامتثال والاستعداد لذلك فيثاب عليه، ولو عزم على ترك الامتثال لكان عاصيًا.\nالمذهب الثالث: جواز تأخير المجمل دون غيره من العام والمطلق، وهو مذهب الحسن البصري، وأبي الحسن الكرخي، وهو منقول عن الصيرفي، وأبي حامد المروزي، واختاره الدقاق من الشافعية.\nدليله: أن المجمل ليس له ظاهر يمكن العمل به، فلا يلزم من تأخير بيانه إيقاع المكلف في اعتقاد الخطأ؛ لأنه لا يفهم منه معنى معين فمعانيه متساوية في الفهم، أما العام الذي أريد به الخصوص، والمطلق الذي أريد به المقيد، فلو أخر البيان لأدى ذلك إلى اعتقاد ما ليس مرادًا لله تعالى، ولذا جاز تأخير بيان المجمل دون غيره.\nوأجيب:\n١ - بأنَّ اعتقاد العموم في العام المخصوص، أو الإطلاق في المطلق المراد به المقيد لا ينبغي أن يقع من المكلف؛ إذ الواجب أن يعتقد أنه عام محتمل للتخصيص، أو مطلق محتمل للتقييد لا أن يجزم بكونهما على العموم أو الإطلاق، وأما العمل فلو حضر وقته قبل التخصيص والتقييد علم أنَّ العموم والإطلاق مرادان.\n٢ - أنَّ ذلك يبطل بالنسخ؛ لأن ما ذكرتموه موجود فيه، فالسامع","vol":"3","page":269},{"text":"يعتقد استمراره وعمومه، وهو اعتقاد جهل، كما أنَّ له أن يخبر عنه، وقد جوزنا تأخيره على أنه عندما يعتقد عموم اللفظ العام بشرط عدم وجود ما يخصه، وإذا ورد تخصيصه علمنا أنَّ المخصوص لم يدخل في العموم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-507> المسألة الخامسة: هل يقع البيان بالفعل؟</span>\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب (^١):\nالمذهب الأول: أنَّ الفعل يكون بيانًا، وهو مذهب الأكثرين، وهو الراجح؛ لما يلي:\nأولًا: أنَّ النقل والعقل يدلان على ذلك، أما النقل: فبيان النبي ﷺ بالفعل، حيث قام النبي ﷺ بأفعال المناسك أمام الأمة بيانًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ثم قال النبي ﷺ: «خذوا عني مناسككم» (^٢)، وهذا بيان بالفعل، وحيث إنه عرف الصلاة بفعله حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٣).\nوأما العقل: فهو أنَّ الإجماع على كون القول بيانًا، والإتيان بأفعال\n_________\n(^١) انظر الإحكام للآمدي (٣/ ٢٧) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه بتصرف (٣/ ١٢٤٩) وما بعدها.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٤٦).","vol":"3","page":270},{"text":"الصلاة والحج بكونها مشاهدة أدلُّ على معرفة تفصيلها من الإخبار عنها بالقول، فإنه ليس الخبر كالمعاينة، ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الإخبار عنه بذلك، وإذا كان القول بيانًا مع قصوره في الدلالة على الفعل المشاهد فكون الفعل بيانًا أولى.\nالمذهب الثاني: أنَّ الفعل لا يكون بيانًا لعدم وقوعه في الشريعة.\nالدليل الأول: ما ذُكر أنَّ النبي قد بيَّن بفعله كيفية الصلاة والحج، فليس بصحيح؛ لأن البيان فيه وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «خذوا عني مناسككم»، وهما قولان وليسا بفعلين.\nوأجيب: بأنَّ القول بأنَّ البيان إنما جعل بالقول ليس كذلك، فإنه لم يتضمن تعريف شيء من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أنَّ الفعل هو البيان لذلك، كأنَّ النبي ﷺ قال لهم: انظروا إلى فعلي في الصلاة والحج وافعلوا مثله. فكان فعله للصلاة من ركوع، وسجود، وقيام، وتسليم هو المبين لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وفعله في الحج من وقوف بعرفات، وطواف، وسعي هو المبين لقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].\nالدليل الثاني: أنَّ الفعل وإن كان مشاهدًا غير أنَّ زمان البيان به قد","vol":"3","page":271},{"text":"يطول مما يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكان تعجيله بالقول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكانه لا يجوز.\nوأجيب:\n١ - أننا لا نسلم أنَّ البيان بالفعل فيه طول، بل قد يكون البيان بالقول أطول من البيان بالفعل، فذكر كل فعل بصفته وهيئته وما يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة على ما يشهد به العرف والعادة.\n٢ - أننا لو سلمنا أنَّ زمان التعريف بالفعل يكون أطول فليس ما يدل على كونه صالحًا للبيان والتعريف.\nالمذهب الثالث: أنَّ الفعل يحصل به البيان بشرط الإشعار به من مقال، أو قرينة حالٍ، وإن لم يوجد ذلك لا يحصل للمكلف البيان، وهو مذهب المازري.\nودليله: أنَّ القرينة قد ساعدت الفعل لبيان ذلك المجمل.\nوأجيب: أنَّ الخلاف في الفعل المجرد عن القرينة، هل يصلح أن يكون بيانًا أو لا، أما ما وجدت فيه قرينة فلا خلاف فيه.","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>الفصل السابع:\nالمنطوق والمفهوم</span>","vol":"3","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-509>أولًا: المنطوق:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-510> المسألة الأولى: تعريف المنطوق.</span>\nالمنطوق لغة: اسم مفعول من نطق بمعنى تكلم (^١).\nاصطلاحًا: ما دل عليه اللفظ في محل النطق به (^٢).\nمثل وجوب الزكاة في الغنم السائمة المأخوذ من قول النبي ﷺ: «في الغنم السائمة زكاة» (^٣).\nوكذلك حل البيع وتحريم الربا الذي دل عليه صريح منطوق قول الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n\n*<span data-type='title' id=toc-511> المسألة الثانية: الفرق بين المنطوق والمجمل.</span>\nأولًا: المنطوق دل لفظه على معنى يجب العمل به، أما المجمل فإنَّ لفظه دل على معانٍ محتملة، ولا يمكن العمل بأحدها إلا بدليل.\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول في علم الأصول (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٦٣)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: (وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ).","vol":"3","page":275},{"text":"ثانيًا: يستفاد من المنطوق معان، ولكنها ليست مستفادة من نفس اللفظ، ولكن تعتمد عليه فقط، كتحريم سب وضرب الوالدين اعتمادًا على تحريم التأفف، أما المجمل فلا يعتمد لفظه على فهم معان أخرى.\n\n*<span data-type='title' id=toc-512> المسألة الثالثة: أقسام المنطوق:</span>\nينقسم المنطوق إلى قسمين:\nالأول: ما لا يحتمل التأويل وهو النص.\nالثاني: ما يحتمله وهو الظاهر (^١).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (٢/ ٧٦٣).","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-513>ثانيًا: المفهوم</span>\n*<span data-type='title' id=toc-514> المسألة الأولى: توطئة:</span>\nقال الزركشي (^١): اعلم أنَّ الألفاظ ظروف حاملة للمعاني، والمعاني المستفادة منها تارة تستفاد من جملة النطق والتصريح، وتارة من جهة التعريض والتلويح.\nوالأول ينقسم إلى: نص إن لم يحتمل، وظاهر إن احتمل.\nوالثاني: هو المفهوم، وهو بيان حكم المسكوت بدلالة لفظ المنطوق، وسمي مفهومًا لا لأنه غيره؛ إذ المنطوق أيضًا مفهوم؛ بل لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، فلما فهم من غير تصريح بالتعبير عنه سمي مفهومًا.\nأولًا: المفهوم لغة: اسم مفعول من الفهم، وهو ما يستفاد من اللفظ (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ٥).\n(^٢) المهذب في علم أصول الفقه المقارن (٤/ ٧٣٩).","vol":"3","page":277},{"text":"واصطلاحًا: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي يكون حكمًا لغير مذكور، وحالًا من أحواله (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-515> المسألة الثانية: تعريف مفهوم الموافقة:</span>\nمفهوم الموافقة: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وموافقته له نفيًا أو إثباتًا.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فالمنطوق يدل على تحريم التأفف، والمفهوم المسكوت عنه هو الضرب والسب، وهو محرم من باب أولى.\n\n*<span data-type='title' id=toc-516> المسألة الثالثة: أسماء مفهوم الموافقة </span>(^٢):\nالاسم الأول: مفهوم الموافقة، وهذا عند الشافعية، وجمهور العلماء، وسموه بهذا؛ لأنَّ مدلول اللفظ في محل السكوت موافق لمدلوله في النطق.\nالاسم الثاني: دلالة النص، وهذا عند الحنفية، ويقصدون بهذا ما ثبت بمعنى النص لا اجتهادًا ولا استنباطًا.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٦٦)، إرشاد الفحول (٢/ ٧٦٣).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٦٩٥)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨٤)، المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٧٤٣، ١٧٤٤).","vol":"3","page":278},{"text":"الاسم الثالث: دلالة الدلالة، وهذا عند بعض العلماء، ووجه ذلك أنَّ الحكم فيها يؤخذ من معنى النص لا من لفظه.\nالاسم الرابع: مفهوم الخطاب، وهذا عند ابن فورك وأبي يعلى.\nالاسم الخامس: القياس الجلي، وهذا عند الشافعي، ووجه ذلك: أنه إلحاق المسكوت بالمنطوق لمعنى يقتضي ذلك.\nالاسم السادس: دلالة التنبيه الأولى.\nالاسم السابع: فحوى اللفظ، ويعبر عن ذلك بعضهم بفحوى الخطاب، ووجه ذلك: أنَّ الحكم الذي يثبت لمنطوقه يثبت لغير المذكور بروحه، ومعناه، ومعقوله، ويطلقه البعض على نوع معين منه وهو مفهوم الأولى.\nالاسم الثامن: لحن الخطاب، ويعبر بعضهم عنه بقوله: لحن القول، ويطلقه البعض على نوع معين منه وهو المفهوم المساوي.\n\n*<span data-type='title' id=toc-517> المسألة الرابعة: شروط مفهوم الموافقة:</span>\nالشرط الأول: فهم المعنى في محل النطق بأن عرف المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه، وعرف وجوده في المسكوت عنه، كالتعظيم في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإنا فهمنا أنَّ المعنى المقتضى لهذا النهي هو تعظيم الوالدين، فلذلك","vol":"3","page":279},{"text":"فهمنا تحريم الضرب بطريق أولى حتى لو لم نفهم من ذلك تعظيمًا لما فهمنا تحريم الضرب أصلًا، لكنه لما نفى التأفف للأعم دل على نفي الضرب للأخص بطريق أولى، فإن لم يفهم المعنى في محل النطق لم يحصل مفهوم الموافقة؛ إذ لا يجوز أن يحضر بين يدي السلطان منازع له في ملكه فيقول: اقتلوا هذا ولا تصفعوه. ولا يكون ذلك متنافيًا، ولا يفهم من نفي الصفع نفي القتل؛ لأنه يأمر بقتله ليكتفي شره، وينهى عن صفعه مراعاة للجامع الجنسي بينهما، وهو حرمة الملك، ومنصب الرياسة (^١).\nالشرط الثاني: أن يكون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق به أو مساويًا له.\nومثال الأول: تحريم ضرب الوالدين أخذًا من النهي عن التأفيف لهما.\nومثال الثاني: تحريم إحراق مال اليتيم على أكله المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، فإنَّ إحراقه مساوٍ لأكله ولا فرق (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفى (٢/ ٧١٦).\n(^٢) المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٧٤٦).","vol":"3","page":280},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-518> المسألة الخامسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أولى أو مساويًا:</span>\nينقسم مفهوم الموافقة إلى قسمين:\nالقسم الأول: مفهوم موافقة أولى (فحوى الخطاب): وهو ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، أي أنَّ المناسبة بين المسكوت عنه، وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا الحكم، فيكون المسكوت عنه أولى منه بالحكم، وهو ما يسمى بالتنبيه بالأدنى على الأعلى.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥].\nفإنَّ هذا تنبيه -وهو عدم أدائه للدينار- على الأعلى -وهو عدم أدائه للأكثر من الدينار-، أي إن كان لا يؤدي الدينار مع قلته، فإنه من باب أولى لا يؤدي ما هو أكثر منه.\nوكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، فمثقال الجبال المسكوت عنه أولى بالحكم من مثقال الذرة.","vol":"3","page":281},{"text":"وكنهي النبي ﷺ عن الأضحية بالعوراء (^١)، فمن باب أولى الأضحية بالعمياء.\nالقسم الثاني: مفهوم موافقة مساوٍ (لحن الخطاب): وهو ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق في الحكم، والمعنى: أنَّ المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر المناسبة الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فالمفهوم المساوي تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-519> المسألة السادسة: هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، أو دلالة ظنية؟</span>\n• اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية، وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية كابن الحاجب والقرافي، وبعض\n_________\n(^١) إسناده صحيح، أخرجه النسائي (٤٣٦٩) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.\n(^٢) شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨٢)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٧١٥)، إرشاد الفحول (٢/ ٧٦٤).","vol":"3","page":282},{"text":"الشافعية كالآمدي وابن السبكي، وكثير من الحنابلة كأبي يعلى.\nأدلتهم:\nالدليل الأول: أنَّ التنبيه بالأدنى على الأعلى أو بأحد المتساويين على الآخر أسلوب عربي بليغ وضعته العرب، واستعملته للمبالغة في تأكيد الحكم في محل السكوت؛ لأنه أدل من التصريح بالحكم، فإنَّ قولهم: فلان يأسف بشم رائحة مطبخه. أبلغ عندهم من قولهم: فلان لا يُقري الضيف. وقولهم: فرسك لا يلحق غبار فرسي. أبلغ من قولهم: فرسك لا يسبق أو لا يلحق فرسي.\nالدليل الثاني: أنَّ شرط هذا المفهوم فهم المعنى في محل النطق، وكونه أشد مناسبة للحكم في محل السكوت، ولو كان قياسًا لما اشترط هذا الشرط الأخير فيه (^١).\nالمذهب الثاني: أنَّ دلالة مفهوم الموافقة من قبيل القياس، وهو ما يسمى بالقياس الجلي.\nوهو مذهب الشافعي، وأكثر الشافعية كإمام الحرمين، والشيرازي، والرازي، وبعض الحنابلة كأبي الحسن الخرزي.\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٣/ ٦٧)، المستصفى للغزالي (٢/ ١٩٠).","vol":"3","page":283},{"text":"حجتهم:\nقالوا: لأنه إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في الحكم لاشتراكهما في المقتضي، وهو حقيقة القياس، كإلحاق النبيذ بالخمر في التحريم لاشتراكهما في الإسكار، وكقياس الجوع ونحوه من موانع كمال الفكر في منع الحاكم من الحكم على الغضب لمنعهما من كمال الفكر المستفاد من قوله ﵊: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (^١)، فكذلك ههنا أركان القياس الأربعة موجودة فيه.\nالأصل: وهو تحريم التأفف.\nوالفرع: وهو تحريم الضرب.\nوالعلة: وهو تعظيم الوالدين.\nوالحكم: وهو التحريم.\nفليكن قياسًا لاجتماع أركان القياس فيه.\nوأجيب: لا نسلم بأنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية لوجود الفرق بينهما:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة مرفوعًا بلفظ: «لا يَقضيَنَّ حَكَمٌ بَينَ اثنَين وَهُوَ غَضبَانُ».","vol":"3","page":284},{"text":"أولًا: مفهوم الموافقة قاطع يسبق إلى الفهم بلا تأمل، فلا يكون قياسًا؛ إذ لا بد في القياس من التأمل والنظر في تحقيق أركانه، ولا كذلك هذا فإنَّ السامع بمجرد سماعه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ يسبق إلى ذهنه النهي عن الضرب بلا تأمل.\nثانيًا: أنَّ الفرع في القياس يشترط فيه أن يكون أدنى من الأصل، أما في مفهوم الموافقة، فإنه يشترط أن يكون مساويًا للأصل أو أعلى منه.\nثالثًا: أنَّ الأصل في القياس أنه لا يجوز أن يكون جزءً من الفرع، ومندرجًا تحته بالإجماع بخلاف مفهوم الموافقة، فإنه قد يقع ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، فإنَّ ذلك يدل بمفهوم الموافقة على أنَّ ما زاد على الذرة حكمه حكم الذرة، والذرة جزء من هذه الزيادة (^١).\n• بيان نوع الخلاف:\nالراجح -والله أعلم-: أنَّ الخلاف معنوي لترتب بعض الخلاف بناءً على هذا الخلاف في بعض المسائل، ومنها:\n١ - من يرى أن دلالة مفهوم الموافقة لفظية قد تعامل مع ذلك مثل\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨٤)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٧١٦) وما بعدها، إرشاد الفحول (٢/ ٧٦٥)، المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٧٤) وما بعدها بتصرف.","vol":"3","page":285},{"text":"ما يفعل مع الألفاظ من أنَّ اللفظ ينسخ، وينسخ به، وهو أقوى من القياس.\nأما من يرى بأنَّ الموافقة دلالة قياسية، فقد عامل ذلك مثل ما يفعل مع القياس من أنه لا يُنسَخ ولا يُنسَخ به، وهو أضعف من دلالة الألفاظ.\n٢ - عند تعارض مفهوم الموافقة مع القياس، فإنَّ مفهوم الموافقة يقدم على القياس عند من يرى أنَّ دلالته لفظية، فيكون الحكم الذي استفدناه عن طريق مفهوم الموافقة مقدمًا على الحكم الذي استفدناه عن طريق القياس.\n٣ - أنَّ مفهوم الموافقة تثبت به العقوبات كالحدود والقصاص عند القائلين بأنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية؛ لأنَّ الدلالة اللفظية خلت من الشبهة في دلالتها، وهذا عند الحنفية، أما إذا كانت الدلالة دلالة قياسية، فلا يعتبر مفهوم الموافقة طريقًا لإثبات ما يندري بالشبهات والكفارات حيث إنها مقدرات، ولا مدخل للعقل أو الاجتهاد بالرأي في المقدرات، وهو عند الحنفية أيضًا، أما عند الجمهور فإنَّ العقوبات من حدود وكفارات تثبت بمفهوم الموافقة","vol":"3","page":286},{"text":"سواء كانت دلالته لفظية أو قياسية (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-520> المسألة السابعة: هل يجوز التخصيص بالمفهوم:</span>\nاتفق العلماء على أنَّ مفهوم الموافقة، وهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وموافقته له يخصص العموم من الكتاب والسنة، نقل الإجماع في ذلك صفيُّ الدين الهندي.\nقال الشوكاني: وإنما حكى الصفي الهندي الإجماع على التخصيص بمفهوم الموافقة؛ لأنه أقوى من مفهوم المخالفة، ولهذا يسميه البعض دلالة النص، وبعضهم يسميه القياس الجلي، وبعضهم يسميه مفهوم الأولى، وبعضهم يسميه فحوى الخطاب، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقد اتفقوا على العمل به، وذلك يستلزم الاتفاق على التخصيص به (^٢).\nفمفهوم الموافقة يخصص العموم من الكتاب والسنة؛ لأنه دليل خاص من أدلة الشرع، والعام دليل كذلك، فإذا تعارض الدليلان، فإنا نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهو أَولى من العمل بالعام، وترك الخاص؛ لأنَّ فيه إهمالًا لدليل قد ثبت.\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨٦)، المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٧٥٢) بتصرف.\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٦٩٥، ٦٩٦).","vol":"3","page":287},{"text":"مثاله: لو قال: كل من دخل داري فاضربه. ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له أف. فإنَّ ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم (^١).\nقال الزركشي (^٢): يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، سواء مفهوم الموافقة والمخالفة.\nأما مفهوم المخالفة فاختلف العلماء فيه: هل يخصص العام من الكتاب والسنة أو لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة يخصص العام من الكتاب والسنة، وهو مذهب الجمهور.\nقال أَبُو الحُسَين بنُ القَطَّان في كتَابه: نَصَّ الشَّافعيُّ ﵀ تَعَالَى- عَلَى القَول بمَفهُوم الصّفَة، وَعَلَى أَنَّهُ يُخَصُّ به العُمُومُ (^٣).\nمثاله: كما إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم كقوله: «في أربعين شاة شاة».\n_________\n(^١) المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٦٢٢).\n(^٢) البحر المحيط (٣/ ٣٨١).\n(^٣) انظر قواطع الأدلة (١/ ٣٠٣)، البحر المحيط (٣/ ٣٨١).","vol":"3","page":288},{"text":"ثم قال: «في سائمة الغنم زكاة» (^١)، فإنَّ المعلوفة خرجت بالمفهوم، فيخصص به عموم الأول.\nالمذهب الثاني: أنَّ مفهوم المخالفة لا يخصص العام من الكتاب والسنة، وهو مذهب مالك؛ وحجته: بأنَّ العموم نطق، ودليل الخطاب مفهوم من النطق، فكان النطق أولى نظرًا لافتقار المفهوم في دلالته إلى النطق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم فيكون المفهوم أضعف، فلو خص به العام للزم من ذلك العمل بالأضعف، وترك الأقوى، وهو خلاف المعقول.\nوجوابه: أنا نسلم أنَّ المفهوم أضعف من المنطوق، لكن الذي جعلنا نعمل بالمفهوم الخاص هو أنه لا يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقًا؛ حيث إنا نعمل به وما بقي بعد التخصيص، أما العمل بالعموم فإنه يلزم منه إبطال العمل بالمفهوم الخاص، ولا يخفى أنَّ الجمع بين الدليلين ولو من وجه أَولى من العمل بظاهر أحدهما، وإبطال الآخر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ».\n(^٢) البحر المحيط (٣/ ٣٨٣)، المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٦٢٤).","vol":"3","page":289},{"text":"• المسألة الثامنة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟\nاختلف القائلون: إنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية، هل له عموم؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة، وهو مذهب الغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور الحنفية.\nقال الغزالي: مَنْ يَقُولُ بالمَفهُوم قَدْ يَظُنُّ للمَفهُوم عُمُومًا، وَيَتَمَسَّكُ به،، وَفيه نَظَرٌ، ثم استدل على ذلك فقال: لأَنَّ العُمُومَ لَفظٌ تَتَشَابَهُ دَلَالَتُهُ بالإضَافَة إلَى مُسَمَّيَاتٍ، وَالمُتَمَسّكُ بالمَفهُوم، وَالفَحوَى لَيسَ مُتَمَسّكًا بلَفظٍ بَلْ بسُكُوتٍ، فَإذَا قَالَ ﵊: «في سَائمَة الغَنَم زَكَاةٌ» (^١)، فَنَفيُ الزَّكَاة في المَعلُوفَة لَيسَ بلَفظٍ حَتَّى يَعُمَّ اللَّفظُ أَوْ يَخُصُّ، وقَوله تَعَالَى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دَلَّ عَلَى تَحريم الضَّرب لَا بلَفظه المَنطُوق به حَتَّى يُتَمَسَّكَ بعُمُومه، وَقَدْ ذَكَرنَا أَنَّ العُمُومَ للأَلفَاظ لَا للمَعَاني، وَلَا للأَفعَال (^٢).\nوأجيب: بأنَّ مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون الحكم في المسكوت عنه أولى من الحكم في المنطوق به، وإذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ».\n(^٢) المستصفى (٢/ ٧٥٧).","vol":"3","page":290},{"text":"كان الأمر كذلك، فإنه يجري عليه ما يجري على الألفاظ.\nالمذهب الثاني: أنَّ مفهوم الموافقة له عموم، وهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة.\nودليلهم: أنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد يكون عامًّا، وقد يكون خاصًّا، لذا تجد مفهوم الموافقة على ذلك ينسخ وينسخ به (^١).\n• مفهوم المخالفة:\nأولًا: تعريفه: أن يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق (^٢).\nمثال: نهي النبي ﷺ عن الأضحية بالعوراء (^٣)، فبمفهوم المخالفة أنَّ غير العوراء جائزة.\nثانيًا: إطلاقاته:\nمفهوم المخالفة يسمى بأسماء كثيرة عند الأصوليين، منها:\nالاسم الأول: مفهوم المخالفة، وهو ما اصطلح عليه جمهور\n_________\n(^١) المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٧٥٥).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٣/ ٨٨).\n(^٣) إسناده صحيح، أخرجه النسائي (٤٣٦٩) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.","vol":"3","page":291},{"text":"العلماء، وسمي به؛ لأنه مخالف للمنطوق في الحكم.\nالاسم الثاني: دليل الخطاب، وهو اصطلاح ابن فورك، وسمي بذلك لأحد أمور:\n١ - لأنَّ دليله من جنس الخطاب.\n٢ - لمخالفته منطوق الخطاب.\n٣ - لأن الخطاب دلَّ عليه.\nالاسم الثالث: تخصيص الشيء بالذكر، وهو مشهور عن الحنفية، واعتبروا التمسك به من المتمسكات الفاسدة (^١).\nثالثًا: حجية مفهوم المخالفة:\nاختلف الأصوليون في مفهوم المخالفة على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة حجة ودليل من أدلة الشرع، وهو مذهب جمهور الأصوليين، وأهل اللغة، قال السمعاني (^٢): اختلف أهل العلم فى كونه دليلًا، وصحة الاستدلال به، فقال مالك، والشافعى، وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام، ويحتج به، وهو قول\n_________\n(^١) انظر التلويح على التوضيح للتفتازاني (١/ ٢٢٦)، المهذب في أصول الفقه للنملة (٤/ ١٧٦٦).\n(^٢) قواطع الأدلة (١/ ٣٦٦).","vol":"3","page":292},{"text":"داود وأصحاب الظاهر، وقال به أيضًا طائفة من المتكلمين، وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط، والغاية، وإن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة، وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط، وأثبته في المقيد بالغاية.\n• أدلة حجية مفهوم المخالفة (^١):\n• أولًا: السنة القولية:\nقال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، قال رسول الله ﷺ: «أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» (^٢).\n• ثانيًا: إقرار النبي ﷺ:\nوهذه الأدلة تندرج تحت إقرار النبي ﷺ، وقد تندرج أيضًا تحت فهم الصحابة ﵃.\n١ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين\n_________\n(^١) مستفاد من كتاب الإعلام (٢١٩ - ٢٢٢)، وغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٦٦) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"3","page":293},{"text":"يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود»، قال عبد الله بن الصامت: قلت يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ فقال: «الكلب الأسود شيطان» (^١)، ففهم أبو ذر أنَّ حكم الأحمر والأصفر مخالف لحكم الأسود، وأقره النبي ﷺ.\n٢ - عَنْ يعلى بن أُميَّة قَالَ: قلت لعمر بن الخطاب: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَقَد أَمنَ النَّاسُ، قَالَ عُمَرُ: عَجبتُ ممَّا عَجبتَ منهُ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا عَلَيكُم فَاقبَلُوا صدقته» (^٢).\nوقد قال ابن القيم فى الهدي: هو ثابت عنه، ففهم يعلى من الآية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، أنَّ القصر معلق بالخوف، وأنه لا قصر فى الأمن، وفهم ذلك عمر، وأقر عمرَ النبيُّ ﷺ على ذلك، لكن بين له النبي ﷺ أنَّ حكم القصر باق فى الخوف والأمن، لكنَّ ذلك بدليل جديد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥١٠) من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٨٦) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"3","page":294},{"text":"• ثالثًا: فهم الصحابة:\nوذلك مثل فهم ابن عباس من قول النبي ﷺ: «إنما الربا فى النسيئة»، وفي رواية: «لا ربا إلا فى النسيئة» (^١) نفي ربا الفضل، ومن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، أنه إن كان له أخوان فلأمه الثلث.\nوذلك مثل قولهم في حديث: «إنما الماء من الماء» (^٢) منسوخ بما روته عائشة ﵂، عن النبى ﷺ: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (^٣).\nفقولهم (منسوخ) لا يعني نسخ منطوق الحديث؛ لأنَّ منطوقه ما زال معمولًا به، ولكن مقصدهم نسخ مفهوم المخالفة الذى فهم من الحصر في الحديث، فقولهم بنسخ مفهوم المخالفة دل على أنهم يقولون به، ويعملون بمقتضاه.\n• رابعًا: لغة العرب:\nفتخصيص الشاء بالذكر في لغة العرب لا بد أن يكون له فائدة، فإذا استوت السائمة والمعلوفة، والثيب والبكر، والعمد والخطأ، فَلم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦) من حديث أسامة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا.","vol":"3","page":295},{"text":"خصَّص البعض بالذكر والحكمُ شاملُه، والحاجة إلى البيان تعم القسمين، فلا داعي له إلا اختصاص الحكم، وإلا صار الكلام لغوًا.\nومن ذلك أنَّ تعليق الحكم بالصفة كالتعليق بالعلة، وذلك يوجب ثبوت الحكم بالصفة كما يوجب ثبوته بثبوت العلة، والانتفاء بنفيها.\nفحينما قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، علمنا أنَّ الحكم مختص بالأبرار، فإن وجدت هذه الصفة وجد الحكم وهو النعيم، وإن لم توجد لا يوجد الحكم.\nوكذلك لو قيل: اشتر لي عبدًا أسودًا. يفهم منه نفي الأبيض، وهذا معلوم فى لغة العرب.\nومما استدلوا به أنَّ الشافعي يقول به وهو حجة فى اللغة.\nوينبغي أن يعلم أنَّ الجمهور المثبتين لمفهوم المخالفة قد اختلفوا في طريق ثبوته، فمنهم من قال بأنه ثابت باللغة، ومنهم من قال هو ثابت بالشرع (^١).\nفالفريق الأول منهم ذهب إلى أنه حجة من حيث اللغة ولسان العرب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وقول كثير من أئمة اللغة منهم أبو عبيد.\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (١/ ٣٧٢).","vol":"3","page":296},{"text":"ومن أدلتهم أيضًا: أنَّ أبا عبيد قال في قول النبي ﷺ: «ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» (^١).\nدليل أنَّ لي غير الواجد لا يحل عقوبته ولا عرضه، فصرح بالقول بدليل الخطاب، وقيل له في قول النبي ﷺ: «لأن يمتلئ بطن الرجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا» (^٢)، المراد بالشعر هنا الهجاء مطلقًا أو هجاء الرسول ﷺ، فقال: لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأنَّ قليله وكثيره سواء، فجعل الامتلاء في الشعر في قوة الشعر الكثير يوجب ذلك، ففهم منه أنَّ غير الكثير ليس لذلك فاحتج به، ولا شك أنه من أهل اللغة (^٣).\nواعترض بأنَّ الأخفش، ومحمد بن الحسن نفوه، وهما عالمان بالعربية؛ فدل على أنه ليس من مفهوم اللغة.\nوأجيب:\n١ - بأنَّ ما ذكر عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد؛ لأنَّ\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (١٧٩٤٦)، والنسائي (٤٦٩٠) من حديث الشريد مرفوعًا، ومداره على محمد بن عبد الله بن ميمون وهو مجهول، كما قال ابن المديني وغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٤٥) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٣) شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٠٤)، قواطع الأدلة (١/ ٣٧٤).","vol":"3","page":297},{"text":"الأخفش لم يكن من أهل اللغة، وإنما كان له معرفة بالنحو، وأبو عبيد كان إمامًا في اللغة، ثم إنه قد تقدم على محمد بن الحسن الشافعيُّ، والفضل للمتقدم لعدم اختلاط لغة العرب في الزمن المتقدم (^١).\n٢ - أنَّ المثبت مقدم على النافي؛ لأنَّ معه زيادة علم.\nالفريق الثاني: ذهب إلى أنه حجة شرعًا لمعرفته من موارد الشرع؛ فثبت ذلك من جهة الشرع بتصرف زائد منه على وضع اللغة (^٢).\nودليلهم: أنَّ النبي ﷺ فهم من قول الله ﵎: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، أنَّ ما زاد على السبعين بخلاف حكمه، فقال: «خيرني الله وسأزيد على السبعين» (^٣).\nواعترض بأنَّ الحديث من أخبار الآحاد، ولا يستدل بمثلها على الأصول.\nوأجيب: منع اشتراط التواتر، وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام\n_________\n(^١) انظر العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (٢/ ٤٦٤)، فواتح الرحموت (١/ ٤١٨).\n(^٢) تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي (١/ ١٧٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٦٩)، ومسلم (٢٧٧٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا، مع خلاف في بعض ألفاظه.","vol":"3","page":298},{"text":"لعدم تواترها في مفرداتها.\nالمذهب الثاني: عدم اعتبار مفهوم المخالفة دليلًا مطلقًا، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض الشافعية كأبي العباس بن سريج، والقاضي أبي حامد، وأبي بكر القفال الشاشي، وهو قول جمهور المتكلمين (^١).\nوأدلتهم:\nالدليل الأول: أنَّ الله قد خص أشياء، فذكر بعض أوصافها، ثم علق بها أحكامًا ولم يكن بتخصيصه إياها موجبًا بالحكم بخلافها، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فخص النهي عن قتل الأولاد حال خشية الإملاق، فالتخصيص هنا لا تأثير له في الحكم الذي هو مدلوله فلا يكون دليلًا (^٢).\nوأجيب: بأنَّ دليل الخطاب سقط في هذه المواضع لقيام الدلالة عليه، ثم لا يمنع ذلك لكونه موضوعًا في الأصل على ما اعتبرناه، كما أنَّ قيام الدلالة على كون العموم غير مستغرق للجنس لا يدل على أنه غير موضوع في الأصل للاستغراق، نحو قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ومعلوم أنها لم تؤت ملك سليمان مثلًا.\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (١/ ٣٦٦).\n(^٢) أصول الجصاص (١/ ١٥٧).","vol":"3","page":299},{"text":"فلئن جاز أن يعترض بمثل هذا علينا في دليل الخطاب؛ كان لأصحاب الخصوص أن يعترضوا على الجميع في القول بالعموم بهذه المواضع (^١).\nالدليل الثاني: أنَّ ما يقتضيه الخطاب بصريحه أو دليله طريقه اللغة دون غيرها، وثبوته من طريق اللغة لا يخلو من أن يكون بالعقل أو النقل، ولا يجوز أن يكون بالعقل؛ لأنه لا مدخل للعقل في إثبات اللغة، ولا يجوز أن يكون بالنقل؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون متواترًا أو آحادًا، ولا يجوز أن يكون متواترًا؛ لأنه لو نقل ذلك لعلمناه، لأنه لا يجوز أن يختص المخالف بعلم النقل المتواتر، ولا يجوز أن يكون آحادًا؛ لأنَّ هذه المسألة من مسائل الأصول، وهي لا تثبت بالواحد الذي لا يوجب العلم.\nوأجيب:\n١ - أنه قد ثبت بالنقل الذي تقوم به الحجة من فعل النبي صلى الله عليه وأصحابه أنهم اعتبروا دلالة المفهوم، واجتمعوا بها، وهو ثابت بالعقل كما مر، وقول المخالف: إنَّ العقل لا مدخل له في إثباته ليس بصحيح؛ لأنَّ له مدخلًا في الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم\n_________\n(^١) العدة لأبي يعلى بتصرف وزيادة (٢/ ٤٦٨).","vol":"3","page":300},{"text":"وموضوعاتهم.\n٢ - أنه وإن كان من مسائل الأصول إلا أنه مما يسوغ الاجتهاد فيه، فجاز إثباته بأخبار الآحاد.\n٣ - أنه إذا جاز إثبات ما يترتب على هذه الأصول من ضرب الرقاب، وإيجاب الحدود، وإباحة الأبضاع، وغيرها؛ جاز إثبات أصولها بأخبار الآحاد (^١).\nالمذهب الثالث: مفهوم المخالفة حجة في كلام الشارع، وليس بحجة في كلام المصنفين، والواقفين، وهو ما ذهب إليه تقي الدين السبكي في فتاويه (^٢).\nدليله: أنَّ الذهول قد يغلب على الناس بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله (^٣).\nوأجيب:\n١ - أن هذا التفصيل خلاف الإجماع؛ لأنَّ الناس إما قائل بأنَّ\n_________\n(^١) انظر العدة لأبي يعلى (٢/ ٤٦٩)، شرح اللمع (١/ ٤٣٥)، حجية مفهوم المخالفة وشروطه للدكتور محمود شاكر مجيد.\n(^٢) انظر فتاوى السبكي (٢/ ١٢٤).\n(^٣) تشنيف المسامع (١/ ١٧٨).","vol":"3","page":301},{"text":"المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو ليس من جملتها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، ثم القائل بأنه حجة: قال بأنه حجة في الكلام مطلقًا، واستدلوا على كونه حجة في كلام الناس؛ لأنه من جملة الدلالات كالعموم.\n٢ - أنَّ هذا الكلام تَحَكُّمٌ؛ لأنَّ بيان الشرع جارٍ على لسان العرب وعادتها في بيانها لا بالاطلاع على البواطن (^١).\n• شروط مفهوم المخالفة (^٢):\n١ - ألَّا يوجد فى المسكوت دليل خاص يدل على نقيض الحكم المفهوم من المنطوق: فإن وجد الدليل الخاص عمل به ولا يعمل بالمفهوم.\nمثال ذلك: لا يعمل بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وذلك لوجود الدليل الخاص، وهو قوله ﷺ: «صدقة تصدق الله بها\n_________\n(^١) تشنيف المسامع (١/ ١٧٩)، الاستعداد لرتبة الاجتهاد (١/ ١٩٥)، نقلًا عن الدكتور محمود شاكر مجيد في حجية مفهوم المخالفة.\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٣، ٢٤)، وإرشاد الفحول (٢/ ٧٧٠)، نثر الورود على مراقي السعود (٦٤)، المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٨٠٤، ١٨٠٥)، الإعلام في أصول الأحكام.","vol":"3","page":302},{"text":"عليكم فاقبلوا صدقته» (^١).\n٢ - ألَّا يكون القيد خرج مخرج الغالب:\nكقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فالربيبة هى بنت الزوجة وهى موصوفة بوصفين الأول: (في حُجُوركُم)، والثانى ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فالقيد الأول ذكر للغالب فقط، وليس احترازيًّا، وهو أنَّ غالب الربائب تربى في حجر زوج أمها، فلا يؤخذ مفهوم مخالفة؛ لأنَّ هذا القيد غير احترازى، فلا يجوز القول بأنَّ الربيبة إن لم تكن مرباة فى الحجر يجوز الزواج بها بعد الدخول بأمها؛ هذا غير صحيح ولا يجوز.\nأما الوصف الثانى هو وصف احترازي، وهو ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فإن وجد هذا القيد وجد الحكم، وإن انعدم لا يوجد الحكم، فيجوز أن نأخذ منه مفهوم المخالفة، فنقول: إن لم يدخل بأمها يجوز الزواج بها. وهذا صحيح، وذلك بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، لم يقل: ولم تربى فى حجوركم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٦) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"3","page":303},{"text":"ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالآية أفادت أنَّ الخلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما أمر الله، لكنه لا يفهم منه عدم جواز الخلع فى غير ذلك؛ لأنَّ الآية جاءت على الأغلب.\n٣ - ألَّا يقصد بالقيد المبالغة: مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، فلا يدل أنَّ الربا القليل ليس حرامًا؛ لأنَّ الآية خرجت مخرج المبالغة، وقيل: إنها خرجت لبيان الواقع.\n٤ - ألَّا يكون المقصود من القيد الحث على الامتثال: عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبى ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة» (^١)، فليس المقصود منه جواز ما زاد، ولا إن كانت لا تؤمن بالله واليوم الآخر يجوز لها ذلك.\n٥ - ألَّا يكون المقصود من القيد إظهار الامتنان، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، فإنه سيق لإظهار المنة لطيب اللحم الطري، وليس المقصود كون اللحم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":304},{"text":"غير الطري ممتنعًا أكله.\n٦ - ألَّا يكون الكلام الذى ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، فلو سئل النبى عن سائمة الغنم: هل فيها زكاة؟ فأجاب: «في سائمة الغنم الزكاة» (^١)، فلا يؤخذ منه مفهوم المخالفة.\n٧ - أن لا يظهر من السياق قصد التعميم، فإن ظهر فلا مفهوم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].\n٨ - أن يذكر القيد مستقلًا، فلو ذكر على جهة التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنَّ قوله: (في المساجد) لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة، فإنَّ المعتكف يحرم عليه المباشرة إطلاقًا.\n٩ - أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجد فيه شروط القياس -كاملة- فلا مفهوم له، كقوله ﷺ: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ».\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"3","page":305},{"text":"فلا مفهوم لذلك؛ لأن الشارع ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن تلحق بهن كل ما فيه أذًى.\n١٠ - جهل السامع للمنطوق دون المفهوم، كما إذا قلت لإنسان يعلم أن جمع الأختين بنكاح حرام، ويجهل حرمة جمعهما في الوطء بملك اليمين، نقول: جمع الأختين بملك اليمين حرام، فلا يفهم منه أنَّ جمعهما بالنكاح غير حرام؛ لأنَّ التخصيص بالذكر لجهل السامع حكم المنطوق دون المفهوم.\n١١ - ألا يعارضه ما هو أرجح منه من منطوق أو مفهوم موافقة، قال شارح اللمع: دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه كالنص، والتنبيه، فإن عارضه أحدهما سقط.\n\n*<span data-type='title' id=toc-521> المسألة الرابعة: أنواع مفهوم المخالفة:</span>\n• المفهوم الأول: مفهوم الصفة.\nوبدأ المصنفون بمفهوم الصفة؛ لأنه رأس المفاهيم.\nقال أبو المعالي: لو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك متجهًا؛ لأنَّ المعدود والمحدود موصوفان بعددها، وحدها، وكذا سائر المفاهيم (^١).\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٩٩، ٥٠٠).","vol":"3","page":306},{"text":"ومفهوم الصفة: تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف. وهذا يدل على نفي ذلك الحكم إذا انتفت تلك الصفة، نحو قول النبي ﷺ: «في سائمة الغنم زكاة» (^١)، وهذا يدل على نفي الزكاة في الغنم غير السائمة، وهي المعلوفة.\nوكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فهذا يدل على أنَّ غير المؤمنة من الفتيات لا يجوز الزواج بها.\nوالمراد بالصفة عند الأصوليين: تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختص ببعض معانيه، ليس بشرط، ولا غاية، ولا يريدون به النعت فقط، وهكذا عند أهل البيان، فإنَّ المراد بالصفة عندهم هي المعنوية لا النعت، وإنما يخص الصفة بالنعت أهل النحو فقط.\nوبمفهوم الصفة أخذ الجمهور أحمد، ومالك، والشافعي، وهو المختار للبيضاوي، وإمام الحرمين، قال الشوكاني: وهو الحق؛ لما هو معلوم من لسان العرب أنَّ الشيء إذا كان له وصفان، فوصف بأحدهما دون الآخر، كان المراد به ما فيه تلك الصفة دون الآخر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ».\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٢).","vol":"3","page":307},{"text":"فإذا قال ﵊: «في سائمة الغنم زكاة» (^١)، فالغنم اسم عام يتناول السائمة والمعلوفة، فاستدرك عمومه بخصوص السائمة، وبين أنها المراد من عموم الغنم.\nوهذا المفهوم حجة طلبًا لفائدة التخصيص؛ إذ لو سوَّينا بين السائمة وغيرها في وجوب الزكاة لبطلت فائدة التخصيص.\nوكذا قوله ﷺ: «من باع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» (^٢)، فالنخل عام في المؤبر وغيره، فاستدرك عمومه بخصوص المؤبر، وبين أنه المراد من عموم النخل (^٣).\nومما يدل على حجية مفهوم الصفة، وقد مر عند الكلام على حجية مفهوم المخالفة؛ أنه روي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه لما سمع قول النبي ﷺ: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» (^٤)، قال: إنَّ من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته. ولما سمع قول النبي ﷺ: «مطل الغني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٠٤)، ومسلم (١٥٤٣) من حديث ابن عمر مرفوعًا.\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٦٤، ٧٦٥).\n(^٤) إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (١٧٩٤٦)، والنسائي (٤٦٩٠) من حديث الشريد مرفوعًا، ومداره على محمد بن عبد الله بن ميمون وهو مجهول، كما قال ابن المديني وغيره.","vol":"3","page":308},{"text":"ظلم» (^١)، قال: مطل غير الغني ليس بظلم.\nفأبو عبيد من فصحاء العرب وأهل اللغة قد فهم أنَّ تعليق الحكم وتخصيصه بصفة يدل على نفي ذلك الحكم عما إذا انتفت تلك الصفة عنه (^٢).\nومما يلحق بتعقيب ذكر الاسم العام بصفة خاصة وهو في معناه: تقسيم الاسم أو الصنف إلى قسمين، وتخصيص كل قسم منهما بحكم، فإنه يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، كقوله ﵊: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن» (^٣)، فخص البكر بالاستئذان؛ فدل على نفيه في الأيم.\nوهو أيضًا لطلب فائدة التقسيم؛ إذ لو سوينا الأيم والبكر في الاستئذان وعدمه لبطلت فائدة التقسيم.\nومما يلحق به أيضًا: تخصيص الحكم بوصف عارض لا يستقر بل يطرأ ويزول، كالثيوبة في قول النبي: «الثيب أحق بنفسها من وليها» (^٤)، فهنا اقترن الحكم وهو كون المرأة أحق بنفسها من وليها بوصف وهو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) قواطع الأدلة (١/ ٣٧٤)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٠٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٢١) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٤) انظر ما قبله.","vol":"3","page":309},{"text":"الثيوبة، وهذا الوصف طارئ على المرأة.\nوهذا المفهوم حجة طلبًا لفائدة التخصيص كما مر (^١).\nضابط الأخذ بمفهوم الصفة:\nأنه يعمل به إذا لم يظهر لتخصيص الوصف بالذكر فائدة أخرى غير نفي الحكم عن الذات عند انتفاء الوصف، فإن ظهر لتخصيصه بالذكر فائدة أخرى ككونه سئل عنه بخصوصه، فوقع الجواب ليكون الجواب مطابقًا للسؤال.\nأو يكون تخصيصه بالذكر؛ لأنَّ هذا الوصف هو الغالب، والكثير في ذلك الوقت، فلا خلاف في أنَّ نفي الوصف لا يدل على نفي الحكم عن الذات، بل يكون اللفظ دالًّا على ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف فقط.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] خصص الوصف وهو خشية الإملاق بالذكر؛ لأنَّ الغالب أنَّ العرب إنما كانوا يقتلون أولادهم لذلك، فالوصف قد ذكر لفائدة أخرى غير نفي الحكم، فلا تكون الآية من محل النزاع.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٦٥، ٧٦٦).","vol":"3","page":310},{"text":"وقوله ﷺ: «في الغنم السائمة زكاة» (^١)، إذا ثبت أنَّ السائل قد سأل عن وجوب الزكاة في السائمة بخصوصها يكون الرسول قد خصص الوصف بالذكر؛ لأنه المسؤول عنه -فيكون الجواب مطابقًا للسؤال- وبذلك يكون الوصف قد ظهر تخصيصه بالذكر فائدة أخرى، فلا يكون من محل النزاع (^٢).\nلذا قال الماوردي بالتفصيل بين أن يقع ذلك جواب سؤال فلا يعمل به، وبين أن يقع ابتداء فيعمل به؛ لأنه لا بد لتخصيصه بالذكر من موجب (^٣).\nالفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب:\nأن تخصيص الغنم بالسوم مثلًا لو لم يكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكم؛ لكان تطويلًا بلا فائدة، بخلاف: جاء زيد. فإنَّ تخصيصه بالذكر ليمكن إسناد المجيء إليه، إذ لا يصح الإسناد بدون مسند إليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ».\n(^٢) أصول الفقه أبو النور زهير (٢/ ١١٥، ١١٦).\n(^٣) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٢).","vol":"3","page":311},{"text":"• المفهوم الثاني: مفهوم الشرط:\nوهو تعليق الحكم بشرط، فإنه يدل على انتفاء الحكم عند عدم الشرط.\nوهذا المفهوم حجة، وهو مذهب القائلين بمفهوم الصفة، وبعض المنكرين له كابن سريج، والرازي، وأبي الحسين الكرخي، حيث قال: إنَّ التقييد بالشرط يدل على أنَّ ما عداه بخلافه بخلاف التقييد بالصفة؛ لأنَّ التعليق بالشرط يقتضي إيقاف الحكم على وجود الشرط، وإذا أوقف انعدم بعدمه، وليس في تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند عدمها، فيبقى ما وراء المذكور موقوفًا على حسب ما يقوم عليه الدليل (^١).\nوالمقصود بالشرط هنا: الشرط اللغوي، وهو ما دخل عليه إن، أو إذا، أو ما يقوم مقامهما، هذا هو الشرط اللغوي، وهو المراد هنا، لا الشرعي، ولا العقلي (^٢).\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (١/ ٣٧٢).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٤).","vol":"3","page":312},{"text":"فهذا الشرط يمنع من ثبوت الحكم عند عدمه، فإذا قال القائل لعبده: ادخل الدار إن دخلها عمرو. معناه: أنَّ الشرط في دخولك دخول عمرو، وكذا إذا علق الطلاق، أو الإعتقاء بالدخول.\nولو قال لعبده: شرط دخولك الدار دخول عمرو. أو قال: شرط سفرك سفر عمرو. علمنا أنه لم يوجب عليه دخول الدار مع فقد دخول عمرو، ولا أوجب عليه السفر مع فقد سفر عمرو.\nوالدليل على أنَّ مفهوم الشرط حجة: حديث عمر أنَّ يعلى بن أمية سأله فقال: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألتُ رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (^١).\nوجه الدلالة: أنه لو لم يعقل من الشرط نفي الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى.\nوالمعنى: أنَّ يعلى قد فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: عجبتُ مما عجبتَ منه، بل إنَّ النبي ﷺ لم ينكر هذا الفهم بل أقره.\nواعترض عليه: بأنه يجوز أنهما تعجبا؛ لأنهما علما من الآيات الواردة في الكتاب وجوب الإتمام، وأنَّ حال الخوف مستثناة من الآيات، والباقي ثابت على الأصل فى الإتمام فلهذا تعجبا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٦)، من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"3","page":313},{"text":"والمعنى: أنهما فهما أنَّ حالة الأمن بقيت على ما هي عليه يجب فيها الإتمام، فعجبا نظرًا لمخالفة الأصل.\nوأجيب: أنَّ هذا كله زيادات، وللعلماء كلام كثير فى أنَّ الأصل في الصلاة القصر، عن عائشة ﵂ قالت: كانت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (^١).\nفدل على أنهما فهما وجوب الإتمام عند الأمن بسبب مفهوم الشرط، فكان التعجب مما صرحت به الآيات، وهو شرط الخوف في القصر، ثم القصر مع الأمن، فكان الاستدلال قائمًا (^٢).\nومن الأدلة على حجيته: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، فأفادت بمفهوم المخالفة حرمة أخذ شيء من المهر إن لم ترض الزوجة.\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فدل مفهوم المخالفة أنَّ المطلقة ثلاثًا غير الحامل لا تجب النفقة عليها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) قواطع الأدلة للسمعاني (١/ ٣٩١، ٣٩٢) بتصرف.\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٦١).","vol":"3","page":314},{"text":"• المفهوم الثالث: مفهوم الحصر.\nوأقوى صيغ الحصر:\n١ - النفي والإثبات، نحو: لا إله إلا الله. وهذا يسمى بمفهوم الاستثناء من النفي، والراجح أنَّ له مفهومًا أي أنَّ الاستثناء من النفي إثبات، فإذا قلنا: لا إله إلا الله. فإنَّ هذا يدل على نفي كل إله سوى الله ﷿، وإثبات الألوهية له وحده ﷿، ولو كان نافيًا للألوهية عما سوى الله غير مثبت لها بالنسبة إلى الله لما كان ذلك توحيدًا لله تعالى لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله ﷿، وذلك خلاف الإجماع.\nثانيًا: أنه قد ثبت عن أهل اللغة أنهم قالوا: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، وكلامهم حجة حيث إنهم أعلم الناس بما وضعت له الألفاظ، وبذلك يكون الاستثناء دالًّا على ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، فيكون الاستثناء من النفي إثباتًا، ومن الإثبات نفيًا، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه.\n٢ - ومن صيغ الحصر (إنما)، كقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (^١)، وقوله: «إنما الولاء لمن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"3","page":315},{"text":"أعتق» (^١)، وقوله: «إنما الماء من الماء» (^٢).\nفلفظة (إنما) تدل على الحصر، وإثبات المذكور، ونفي ما عداه، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد نفى الشافعي وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي ب (ما)، و(إلا)؛ لأنَّ لفظة (إنما) مركبة من جزءين هما (إنَّ)، و(ما)، و(إنَّ) للإثبات مثل: إنَّ زيدًا ناجح. و(ما) للنفي مثل: ما زيد بناجح. وإذا كانت (إنَّ) للإثبات، و(ما) للنفي حال انفرادهما فيجب استصحاب ذلك، وإبقاء ما كان على ما كان في حال اجتماعهما في التركيب.\nفقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» يعني لا عمل إلا بنية.\n٣ - ومن صيغ الحصر: حصر المبتدأ في الخبر، كقول النبي ﷺ: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم».\nفحصر مفتاح الصلاة في الطهور، وتحريمها في التكبير، وتحليلها في التسليم، وبه احتج أصحاب الشافعي على تعيين لفظ التكبير والتسليم، ومنعه الحنفية لمنعهم المفاهيم.\nوكقولك: العالم زيد. فحصر العلم في زيد.\nوكقولك: صديقي عمرو. فحصر الصداقة في عمرو.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٦) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.","vol":"3","page":316},{"text":"وهذا مذهب الغزالي، وابن قدامة، وإلكيا الهراسي.\nوحجتهم: أنَّ الاسم إذا دخلت عليه (ال)، كقول النبي ﷺ: «الشفعة فيما لم يقسم»، أو أضيف إلى معرفة، كقوله: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» فإنَّ هذا الاسم يفيد الاستغراق فيفيد الحصر، وهو ظاهر فيه، وذلك أنَّ الترتيب الطبيعي أن يقدم الموصوف على الوصف، فإذا قدم الوصف على الموصوف معرفًا باللام أو الإضافة أفاد العدول مع ذلك التعريف أنَّ نفي ذلك الوصف من غير الموصوف مقصود للمتكلم.\nوبيان ذلك: أنه أفاد الحصر؛ لأنَّ المحكوم به -وهو الخبر- يجب أن يكون مساويًا للمحكوم عليه -وهو المبتدأ- أو أعم منه.\nفمثال المساوي: الإنسان بشر. فالإنسان مبتدأ محكوم عليه بأنه بشر، وهو الخبر، وهو مساوٍ له.\nومثال الأعم: الإنسان حيوان. فالإنسان هنا وهو المبتدأ محكوم عليه بأنه حيوان، وهو أعم من الإنسان.\nفإذا قلت: صديقي زيد. فصديقي هنا وهو المبتدأ عام، فإذا أخبر عنه بخاص وهو زيد كان حصرًا لذلك العام، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر وهو زيد، إذ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن","vol":"3","page":317},{"text":"يكون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك لا يجوز.\nقال الغزالي: لا لغة ولا عقلًا، فلا تقول: الحيوان إنسان، ولا الزوج عشرة. بل أن يكون المبتدأ أخص أو مساويًا.\nوإذا قلت: تحريمها التكبير. فتحريمها مبتدأ، والتكبير خبر، فيكون التكبير مساويًا للتحريم، فينحصر التحريم في التكبير كما حصرنا الصداقة في زيد (^١).\n• المفهوم الرابع: مفهوم العدد:\nوهو تعليق الحكم بعدد مخصوص، فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد، زائدًا كان أو ناقصًا.\nوقد ذهب إليه الشافعي، كما نقله عنه أبو حامد، وأبو الطيب الطبري، والماوردي، ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن أحمد بن حنبل، وبه قال مالك، وداود الظاهري، وبه قال صاحب الهداية من الحنفية (^٢).\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (٢/ ٨٤٧)، إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٩)، الكوكب المنير (٣/ ٥١٨) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه (٤/ ٧٩٠) وما بعدها.\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٥).","vol":"3","page":318},{"text":"دليله:\n١ - أنَّ قتادة قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال النبي ﷺ: «لأزيدن على السبعين» (^١)، فنزلت ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].\nوجه الدلالة: أنَّ النبي ﷺ فهم أنَّ حكم ما فوق السبعين مخالف لما قبلها.\nيعني: أنَّ نفي المغفرة مقيد بالسبعين، فإذا زاد عن السبعين قد انتفى الحكم، وهو عدم المغفرة؛ لذا قال: «لأزيدن عن السبعين»، والنبي ﷺ أعلى أهل اللغة رتبة فيها، فدل على أنَّ تخصيص الحكم بعدد دال على نفي الحكم عن غير هذا العدد المعين.\n٢ - ومما يدل على صحة مفهوم العدد بالخصوص وغيره من المفاهيم على العموم ما ذكره أهل العلم في كتبهم أنَّ معاوية استعمل عاملًا أحمق فذكر المجوس يومًا، فقال قائل: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت مئة ألف درهم ما نكحت أمي، فبلغ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٩)، ومسلم (٢٧٧٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا، مع خلاف في بعض ألفاظه.","vol":"3","page":319},{"text":"ذلك معاوية فقال: قاتله الله أتراه لو زيد على مئة ألف كان يفعل. مع أنَّ معاوية من اللغة والفصاحة بمكان (^١).\n٣ - ومن الأدلة أنَّ العمل بمفهوم العدد معلوم من لغة العرب، ومن الشرع، فإنَّ من أمر بأمر، وقيده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد، أو نقص عنه، فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص، كان هذا الإنكار مقبولًا عند كل من يعرف لغة العرب، فإن ادعى المأمور أنه قد فعل ما أمر به، مع كونه نقص عنه أو زاد عليه، كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب (^٢).\nفائدة: تحقيق الكلام في مفهوم العدد: أنَّ الحكم إذا قيد بعدد مخصوص، فمنه ما يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى، ولا يدل على ثبوته فيما نقص عنه، ومنه ما هو بضد ذلك.\nفالأول: كقوله ﵊: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (^٣)، دل بطريق الأولى على أنَّ ما زاد على القلتين لا يحمل\n_________\n(^١) لم أجده مسندًا، وانظر شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٧٧٠) بتصرف.\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٦).\n(^٣) إسناده صحيح بهذا اللفظ: أخرجه أبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧) وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ورجح أبو داود سند روايته، وصححه الألباني.","vol":"3","page":320},{"text":"الخبث، ولم يدل على ذلك فيما دون القلتين.\nوالمثال الثاني: إذا قيل: اجلدوا الزاني مئة جلدة، دل بطريق الأولى على وجوب جلده تسعين وما قبلها من مقادير العدد لدخوله في المئة بالتضمن، ولم يدل على الزيادة على المئة، فما لم يدل عليه التقييد بطريق الأولى، كالناقص عن القلتين، والزائد عن مئة سوط -هو محل النزاع في مفهوم العدد؛ لأنَّ ما يفهم بطريق الأولى يكون من باب مفهوم الموافقة، فلا يتجه فيه الخلاف (^١).\n• المفهوم الخامس: مفهوم الغاية:\nوهو مد الحكم إلى غاية بحرف من حروف الغاية مثل (حتى) أو (إلى)، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فيفيد أنَّ حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها أي يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية كالحل بعد نكاح زوج غيره، وجواز القربان بعد التطهر، وأن لا صيام بعد دخول الليل، ولا غسل واجب بعد المرافق والكعبين.\nوهذا المفهوم حجة عند الجمهور، وبه قال بعض من لم يعمل\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٧١).","vol":"3","page":321},{"text":"بمفهوم الشرط كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي الحسين، حيث إنه أقوى من مفهوم الشرط من صحة الدلالة؛ لأنهم أجمعوا على تسميتها حروف الغاية، وغاية الشيء نهايته، فلو ثبت الحكم بعدها لم يفد تسميتها غاية.\nولم يخالف في ذلك إلا طائفة من الحنفية، والآمدي.\nقال الشوكاني: ولم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط، بل صمموا على منعه طردًا لباب المنع من العمل بالمفاهيم، وليس ذلك بشيء.\nودليل حجيته: أنَّ ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، مثل أن يقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فلا يحسن الاستفهام بأن يقال: فإن نكحت زوجًا غيره، فما الحكم؟ لأنَّ الحكم قد فهم، والسؤال عما فهم تحصيل الحاصل، والدليل على أنَّ الحكم مفهوم هو أنَّ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ليس مستقلًّا بنفسه؛ فهو إذن متعلق بما قبله، وهو قوله ﷿: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهو يدل على إضمار ثبوت الحل بعدها، وأنَّ التقدير: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فتحل له.\nوكذلك إذا قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، لم يحسن","vol":"3","page":322},{"text":"أن يقال: فإذا جاء الليل، فما الحكم؟ فدل على أنَّ الحكم بعد مجيء الليل معلوم، وهو عدم وجوب الصوم، ولأنَّ \"حتى، وإلى\" موضوعتان للغاية في اللغة، وغاية الشيء منتهاه ومُنقَطَعه، فإذا انتهى وانقطع لم يكن بعده إلا ضده، وإلا لم يكن منقطعًا، وضد التحريم الحل، ووجوب الصوم عدم وجوبه.\nوقول القائل: اضربه حتى يتوب. يقتضي ترك الضرب بعد التوبة، وقولهم: لألزمنك حتى أو إلى أن تقضيني حقي ونحوه يفيد ذلك في اللسان، وهو المطلوب (^١).\n• المفهوم السادس: مفهوم العلة.\nوهو تعليق الحكم بالعلة، نحو: حرمت الخمر لإسكارها، فإنَّ هذا يدل بمفهومه على أنَّ ما لا إسكار فيه لا يحرم.\nوكثير من الأصوليين جعل مفهوم العلة من صور مفهوم الصفة كابن النجار، حيث قال: ومنها -أي من الصفة- علة.\nقال الشوكاني: والفرق بين مفهوم العلة ومفهوم الصفة: أنَّ الصفة قد تكون علة كالإسكار، وقد لا تكون علة، بل متممة كالسوم، فإن\n_________\n(^١) انظر شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٥٨)، وما بعدها، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٠٧)، إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٦، ٧٧٧)، اللمع للشيرازي (١٥٠).","vol":"3","page":323},{"text":"الغنم هي العلة، والسوم متمم لها.\nقال القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وابن النجار: والخلاف فيه وفي مفهوم الصفة واحد (^١).\n• المفهوم السابع: مفهوم اللقب:\nوهو تعليق الحكم بالاسم العلم، نحو: قام زيد. أو اسم النوع، نحو: في الغنم زكاة (^٢).\nوقيل: هو كل اسم جامد سواء كان اسم جنس، أو اسم عين لقبًا كان، أو كنية، أو اسمًا، أو اسم جمع (^٣).\nوعليه: فالمراد باللقب عند الأصوليين كل ما يدل على الذات سواءً كان علمًا، أو كنية، أو لقبًا، مثل: زيد، وأبي علي، وأنف الناقة. وليس ما اصطلح عليه النحويون وهو ما أشعر بمدح أو ذم ولم يصدر بأب أو أم (^٤).\nمثاله: تحريم الربويات الستة بتحريم التفاضل، فلا يثبت الربا في غيرها؛ لأنها قد خصصت بالذكر في تحريم الربا فيها، وهذا بمفهوم\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ٣٦)، إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٤)، الكوكب المنير (٣/ ٥٠١).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٧).\n(^٣) المذكرة للشنقيطي (١/ ٣٨٠).\n(^٤) أصول الفقه لأبي النور زهير (٢/ ١١١).","vol":"3","page":324},{"text":"اللقب (^١).\n• مسألة: هل مفهوم اللقب حجة؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس بحجة كالآمدي، والبيضاوي، والغزالي، والشيرازي، والطوفي، والموفق، وابن عقيل، والشوكاني.\nقال الغزالي: مفهوم اللقب، وهو أبعدها، وقد أقر ببطلانه كل محصّل من القائلين بالمفهوم (^٢).\nقال الطوفي: الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة (^٣).\nقال الشوكاني: والحاصل أنَّ القائل به كلًّا أو بعضًا، لم يأت بحجة لغوية، ولا شرعية، ولا عقلية، ومعلوم من لسان العرب أنَّ من قال: رأيت زيدًا. لم يقتض أنه لم ير غيره قطعًا، وأما إذا دلت القرينة على العمل به، فذلك ليس إلا للقرينة، فهو خارج عن محل النزاع (^٤).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة بتصرف (٢/ ٧٧٣).\n(^٢) المستصفى (٢/ ٨٤٤).\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٧٥).\n(^٤) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٨).","vol":"3","page":325},{"text":"دليلهم:\nالدليل الأول: أنه لو كان حجة؛ لبطل القياس مطلقًا، أو غالبًا، أو كثيرًا؛ لأنَّ القياس تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره، بالجامع المشترك، فلو صح مفهوم اللقب؛ لكان النص على الأصل مفيدًا انتفاء الحكم عن غيره، فلا يصح الإلحاق القياسي.\nوبيانه: أنَّ القول بمفهوم اللقب فيه سد لباب القياس؛ لأنه لو كان حجة لمنع التنصيص على تحريم الربا في الأعيان الستة من أن يجري في غيرها، لأنها قد خصت بالذكر في تحريم الربا فيها، فلزم القول بمفهوم اللقب أن لا يثبت الربا في غيرها، فيباح ربا الفضل في غيرها من الأرز وغيره، وهذا باطل، إذ قد ثبت في كل ما وجدت فيه علتها على الاختلاف فيها، وذلك يدل على أنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة.\nوأجيب عنه: بأنَّ المتبع في الأحكام الأرجح فالأرجح، ولا يمنع أن يفيد القياس من الظن أرجح مما يفيده المفهوم فيقدم، كما يقدم خبر الواحد على القياس، وكما في تخصيص العموم والعلة (^١).\nوعليه فلا يلزم من القول بمفهوم اللقب نفي القياس؛ لأنَّ اللفظ لا يدل بمنطوقه على نفي الحكم عما عدا الذات، وإنما يدل عليه\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٧٢) وما بعدها بتصرف وتقديم وتأخير.","vol":"3","page":326},{"text":"بمفهومه المخالف، فإذا وجد قياس يثبت حكمًا في الفرع يخالف الحكم الذي أثبته له المفهوم يكون هذا القياس معارضًا لهذا المفهوم المخالف، ولا شك أنه إذا تعارض الدليلان فإنَّ الراجح منهما يقدم على المرجوح.\nوبما أنَّ القياس أقوى وأرجح من المفهوم المخالف يكون القياس مقدمًا عليه، وبذلك لا يلزم نفي القياس من القول بمفهوم اللقب، فمثلًا قول الشارع (الربا في القمح حرام) يدل على حرمة الربا في القمح بمنطوقه، ويدل بمفهومه على إباحة ما عداه، ومن جملة ذلك التفاح فيكون التفاح مباحًا بمقتضى النص.\nفإذا بحث المجتهد عن علة تحريم الربا في القمح، فعلم أنها الطعم، فقاس التفاح على القمح بجامع الطعم ليثبت له التحريم كما ثبت في القمح؛ يكون التفاح قد وجد فيه حكمان:\nأحدهما: الإباحة، وهو مستفاد من النص.\nوثانيهما: الحرمة، وهذا الحكم مستفاد من القياس.\nوبذلك يتعارض الدليلان وهما القياس ومفهوم اللقب، فيقدم القياس على مفهوم اللقب؛ لأنه أرجح منه (^١).\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي النور زهير (٢/ ١١٣).","vol":"3","page":327},{"text":"الدليل الثاني: لو كان مفهوم اللقب حجة، لكان قول القائل: زيد يأكل. نافيًا للأكل عن غير زيد.\nوأجيب: بالتزامه، وإنما لا يفهم ذلك منه من لا يعتقد صحة مفهوم اللقب، أو لدليل خارج (^١).\nالمذهب الثاني: أنَّ مفهوم اللقب حجة.\nوهو مذهب مالك، وداود، والصيرفي، والدقاق، وأبي يعلى، وابن فورك، وابن خويز منداد، وابن القصار (^٢).\nقال أبو يعلى: والدلالة على أنه إذا كان معلقًا باسم دل على أنَّ ما عداه بخلافه أنَّ الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره، كما أنَّ الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره.\nفإذا قال: ادفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو، واشتر لي شاة أو جملًا. وما أشبه ذلك، لم يجز العدول عنه، وكانت التسمية للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء، ثم لو علق الحكم على صفة دل أنَّ ما عداه بخلافه، كذلك إذا علقه بالاسم (^٣).\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٢/ ٧٧٤).\n(^٢) شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٠٩).\n(^٣) العدة (٢/ ٤٧٥).","vol":"3","page":328},{"text":"أدلتهم:\nالدليل الأول: قياس تقييد الحكم بالاسم على تقييده بالصفة، فإنَّ الصفة تميز الموصوف من غيره، وكذلك الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره، ثم إذا علق الحكم على صفة دل على أنَّ ما عداه بخلافه، فكذلك إذا علق الحكم على الاسم فإنه يدل على أنَّ ما عداه بخلافه ولا فرق.\nجوابه: قياس الاسم على الصفة قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق من وجهين:\nأولهما: أنَّ الصفة يجوز أن تكون علة يعلق الحكم عليها بخلاف الاسم، فلا يجوز أن يكون علة، فلا يعلق الحكم عليه.\nثانيهما: أنَّ الصفة تذكر مع الاسم، فلا تفيد إلا تخصيصه بخلاف الاسم، فإنه يعدل عن اسم إلى اسم كل واحد منهما يقع به التعريف، فلا يوجب ذلك التخصيص (^١).\nالدليل الثاني: أنه لو تخاصم رجلان، فقال أحدهما للآخر: إنَّ أمي ليست بزانية. فإنه يحد لكونه نفى الزنا عن أمه، وأثبته لأم ذلك الغير، وهذا قذفٌ بالزنا، وهو موجب للحد، ولا شك أنَّ ثبوت الزنا لأم ذلك\n_________\n(^١) المهذب في أصول الفقه (٤/ ١٨٠١).","vol":"3","page":329},{"text":"الغير إنما جاء من جهة أنَّ اللفظ دل على نفي الزنا عن أم القائل، وأثبته لأم غيره، فيكون تعليق الحكم بما يدل على الذات دالًّا على نفي الحكم عما عدا تلك الذات، وهو ما ندعيه.\nوأجيب: بأنَّ الحد إنما ثبت بهذا القول لوجود الخصومة، فتكون الخصومة قرينة على أنَّ القائل قصد بقوله هذا التعريض بالغير وإلحاق الزنا بأمه، ولو انتفت الخصومة بين الشخصين لم يثبت الحد بهذا القول أبدًا، وبذلك ظهر أنَّ اللفظ لم يدل باعتبار ذاته على نفي الحكم عن غير الذات، وإلا لثبت الحد مطلقًا وجدت الخصومة أو لا، ولا قائل بذلك (^١).\nالخلاصة: أنَّ مفهوم اللقب ضعيف، لكنه قد يتقوى بأمور منها:\n١ - أن يكون اسم جنس لا اسم عين، قال الشوكاني: وحكى ابن برهان في الوجيز التفصيل عن بعض الشافعية، أنه يعمل به في أسماء الأنواع لا في أسماء الأشخاص (^٢).\nمثاله: قول النبي ﷺ: «إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد فأذنوا لهن» (^٣).\n_________\n(^١) أصول الفقه محمد أبو النور زهير (٢/ ١١٤).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٦٥)، ومسلم (٤٤٢٢) من حديث ابن عمر مرفوعًا.","vol":"3","page":330},{"text":"قال النووي: واستدل به على أنَّ المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن (^١).\nقلت: وهذا أخذ بمفهوم اللقب، لكنه اسم جنس فيتقوى.\n٢ - يعمل بمفهوم اللقب إن دلت عليه قرينة دون غيره، حكاه ابن حمدان، وأبو يعلى من الحنابلة (^٢).\nمثاله: الحديث السابق في استئذان المرأة زوجها، فهو استدلال بمفهوم اللقب لكنه يتقوى بالقرينة بأن يقال: إنَّ منع الرجال نساءهم أمر متقرر، وإنما علق الحكم بالمسجد لبيان محل الجواز، فبقي ما عداه على المنع (^٣).\nومن أمثلته: لو قال لمن بينه وبينه خصومة: إنَّ أمي ليست بزانية. فإنه يحد ليس أخذًا بالمفهوم فقط، وإنما لوجود قرينة الخصومة التي تنبئ عن إرادة انتقاص خصمه بقذف أمه، وهذا من التعريض (^٤).\nقلت: وبهذا الضابط وهو وجود القرينة يتبين ضعف قول القائل بمفهوم اللقب يلزم على قوله: عيسى رسول الله. نفي الرسالة عن\n_________\n(^١) نيل الأوطار (٥/ ٤٢٥).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٧٧٨).\n(^٣) نيل الأوطار (٥/ ٤٢٥).\n(^٤) أصول الفقه لمحمد أبو النور زهير (٢/ ١١٤).","vol":"3","page":331},{"text":"غيره، وهذا كفر.\nوبيان ضعف هذا الاستدراك: هو أنَّ قول: عيسى رسول الله. لا يلزم بذاته كفر لقيام القرينة على نبوة غيره من الرسل، ولو لم يأت دليل على نبوة غير عيسى ﵇ لكان قوله قويًّا في نفي الرسالة عن غيره.","vol":"3","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-522>الفصل الثامن\nالنسخ</span>","vol":"3","page":333},{"text":"النسخ\n\n*<span data-type='title' id=toc-523> المسألة الأولى: النسخ لغة واصطلاحًا:</span>\nالنسخ لغة: الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، والريح آثار القدم إذا محتها، ومنه تناسخ القرون، ويطلق ويراد به التحويل والنقل، ومنه: نسخت الكتاب. أي نقلته، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، ومنه تناسخ المواريث (^١).\nواصطلاحًا: خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق (^٢).\nوقيل: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه (^٣).\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (٢/ ٦٤٦)، المستصفى للغزالي (١/ ٢٨٧)، إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٧٨٣).\n(^٢) الإحكام للآمدي (٣/ ١٠٧).\n(^٣) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٦٤٦)، المستصفى للغزالي (١/ ٢٨٧)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٢٥١).","vol":"3","page":335},{"text":"شرح التعريف:\nقوله: (الخطاب) هذا أشمل من لفظ النص؛ لأنَّ لفظ الخطاب شامل للَّفظ والفحوى والمفهوم، وكل دليل، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك.\nقوله: (ارتفاع الحكم) أشمل أيضًا من قوله: (رفع الأمر والنهي)، وذلك ليتناول الأمر والنهي وجميع أنواع الحكم من ندب، وكراهة، وإباحة، فجميع ذلك قد ينسخ.\nقوله: (بالخطاب المتقدم)؛ لبيان أنه إذا زال حكم العقل بإيجاب العبادات ابتداءً كالصلاة والزكاة والحج ونحوه، فإنَّ هذا لا يسمى نسخًا؛ لأنَّ الحكم المرفوع وهو حكم العقل أو حكم النفي الأصلي لم يكن ثابتًا بخطاب من الشارع متقدم، بل هو ثابت بالأصل؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة.\nقوله: (لولاه لكان الحكم ثابتًا)؛ لأنَّ حقيقة النسخ الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتًا لم يكن هذا رافعًا؛ لأنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة، وأمر بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخًا.\nقوله: (مع تراخيه عنه)؛ لأنه لو اتصل به لكان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له لمدة أو شرط، وإنما يكون رافعًا إذا ورد بعد أن ورد","vol":"3","page":336},{"text":"الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ، فإذا قال: (أتموا الصيام إلى الليل)، فقوله: إلى الليل. لا يكون ذلك نسخًا، بل هو بيان غاية العبادة (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-524> المسألة الثانية: مصطلح النسخ بين المتقدمين والمتأخرين:</span>\nالذي ينظر في كلام المتقدمين يجد أنَّ النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، وبيان ذلك: أنهم قد يطلقون لفظ النسخ على أربعة معانٍ، منها ما عليه الأصوليون، فهم يطلقون النسخ على ما يلي:\n١ - تقييد المطلق.\n٢ - تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل.\n٣ - بيان المبهم والمجمل.\n٤ - رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، وهو الذي عليه الأصوليون.\nوالسر في التوسع القديم في إطلاق النسخ: أنَّ جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أنَّ النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أنَّ الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد به: ما جيء به آخرًا، فالأول\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي بتصرف (١/ ٢٧٨، ٢٨٨).","vol":"3","page":337},{"text":"غير معمول به، والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جاء في تقييد المطلق، فإنَّ المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعتمد هو المقيد، فكأنَّ المطلق لم يفد مع مقيده شيئًا؛ فصار مثل الناسخ والمنسوخ، وكذلك العام مع الخاص، إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار؛ فأشبه الناسخ والمنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق، فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ الناسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيءٍ واحد.\nمثال ذلك: قال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩]، وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، غير أنّ قوله: (ليس عليكم جناح) يثبت أنَّ البيوت في الآية الأخرى إنما يراد بها المسكونة (^١).\nوقيل في قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]، وقوله:\n_________\n(^١) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب بتصرف (٣٧٣).","vol":"3","page":338},{"text":"﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨]: إنه منسوخ بقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهذا من الأخبار التي لا يصح نسخها، والمقصود: أنَّ عموم الأعراب مخصوص بمن كفر دون من آمن.\nوقيل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]: منسوخ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا من باب تخصيص العموم لا من باب النسخ.\nوعن عراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب أنَّ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، منسوخ بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] (^١).\nوإنما هو بيان لما يسمى كنزًا، وأنَّ المال إذا أديت زكاته لا يسمى كنزًا.\nوالأمثلة كثيرة توضح لك أنَّ مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما في تلقي الأحكام من مجرد ما ظاهره إشكال وإيهام لمعنى غير\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ١٧٨٩)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٣٣)، وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ضعيف، وراشد بن مسلم لم أجد له ترجمة.","vol":"3","page":339},{"text":"مقصود للشارع، فهو أعم من إطلاق الأصوليين، فليفهم هذا (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-525> المسألة الثالثة: هل النسخ جائز عقلًا وشرعًا؟</span>\nاختُلف في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ النسخ جائز عقلًا وشرعًا، وهو رأي جمهور العلماء.\nأما الجواز العقلي فدليله:\n١ - أنا نعلم بصحة تحريك الجسم بعد تسكينه، وتفريقه بعد جمعه، وإماتته بعد إحيائه، وليس في الأمر بالشيء بعد النهي عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده، وإذا كان ذلك كله من جملة الجائز؛ وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد النهي عنه من جملة الجائز، وهذا هو النسخ.\n٢ - أنه إذا جاز أن يطلق الأمر، ثم يسقطه بالعجز والمرض جاز أن يطلق الأمر، ويسقطه بخطاب آخر.\n٣ - أنه لا يمتنع عقلًا أن يأمر الدين بالشيء ثم ينسخه، سواء نسخ\n_________\n(^١) انظر الأساس في أصول الفقه للدكتور محمود عبد الرحمن (١/ ٥٣٠) وما بعدها بتصرف، وهذه الآثار التي ذُكرت ذكرها وأوردها المكي بن طالب في كتابه الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه فليراجع.","vol":"3","page":340},{"text":"قبل الفعل أو بعده للامتحان والابتلاء، فمن فعل الشيء قبل نسخه، أو عزم على فعله، أو استعد للامتثال، أو ظهرت عليه أي علامة تدل على استعداده لامتثاله ذلك الأمر قبل أن ينسخ، فإنه يثاب، ومن لم يمتثل، ولم تظهر عليه أي علامة للامتثال، فإنه يأثم.\n٤ - جواز دوران الحكم مع المصالح وجودًا وعدمًا، فيجوز وجود الحكم لوجود المصلحة فيه، وينتفي لانتفائها كغذاء المريض، فإنه يختلف في كميته وكيفيته وزمانه لاختلاف المصالح في ذلك، حتى إنَّ الطبيب ينهاه اليوم عما يأمره به غدًا، ويأمره بتقليل الغذاء وتلطيفه اليوم، ويأمره بتكثيره وتغليظه غدًا، فكذلك الحكم الشرعي يجوز أن يكون فيه مصلحة في وقت فيؤمر به تحصيلًا لها، ويكون فيه مفسدة في وقت فينهى عنه نفيًا لها.\n٥ - أنَّ الوقوع مستلزم للجواز، وإذا ثبت أنَّ الجواز لازم للوقوع، وقد وقع النسخ، فيدل على جوازه عقلًا، دلالة الملزوم على اللازم، وبيان وقوعه بصور:\nإحداها: أنَّ نكاح الأخوات حُرّم في شرع موسى أو قبله بعد أن كان جائزًا في شرع آدم.\nالثانية: أنَّ الجمع بين الأختين حُرّم بعد أن كان جائزًا.","vol":"3","page":341},{"text":"الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وتحريم الشيء بعد تحليله هو حقيقة النسخ، وحيث وقعت هذه الصورة وغيرها من النسخ دلَّ على جوازه عقلًا بالضرورة.\n٦ - أنَّ المالك للشيء له الحق في التصرف في ما يملكه كيفما شاء، ولله المثل الأعلى قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فالله هو الذي يملك الناس، وهو الذي يشرّع لهم فله أن يضع ما يشاء، ويرفع ما يشاء ﷾.\n٧ - أنَّ الله تعالى من سننه أن يغير الخلق على حسب حال الناس والوقت والزمن، فالإنسان كان جنينًا، ثم جعله الله طفلًا، ثم صبيًّا، ثم شابًّا، ثم شيخًا، فالله خلقه بالأمر الكوني القدري على مراحل، وهذه المراحل على حسب حاله ومصلحته، فلم يجعل الشاب رضيعًا؛ لأنَّ هذا الحال لا يتناسب مع مرحلته، ولم يجعل الطفل مكلفًا؛ لأنَّ هذا الحال لا يتناسب مع مصلحته، فالله خلقه وغيَّر في مراحل خلقه على حسب مصلحته، فإذا كان ذلك في الأمر الكوني القدري كان كذلك في الأمر الديني الشرعي، فينزل الله الشيء، ويكون ذلك لمصلحةٍ، ثم","vol":"3","page":342},{"text":"يرفعه، ويُنزل غيره لمصلحةٍ أخرى (^١).\nوأما جواز النسخ شرعًا؛ فللأدلة الآتية:\nالدليل الأول: الإجماع، فاتفاق الأمة قاطبة على أنَّ شريعة محمد ﷺ نسخت شريعة من قبله، إما بالكلية، وإما فيما يخالفها فيه، وهذا متفق عليه، فمنكر هذا خارقٌ للإجماع.\nالدليل الثاني: النص، فقد وقع في الشريعة الإسلامية نسخ بعض الأحكام بعد ثبوتها، ومنها:\n١ - نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].\n٢ - نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة بتصرف (٢/ ٦٥١)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٢٦٧ - ٢٧٧)، المهذب في أصول الفقه للنملة (٢/ ٥٤٢، ٥٤٣)، الإعلام في أصول الأحكام (٢٢٩).","vol":"3","page":343},{"text":"الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١].\nوجه الدلالة: أنَّ التبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما تلاوةً وإما حكمًا، وكيفما كان فهو رفع ونسخ.\nواعتُرض: بأنه ليس المعني به رفع المنزَّل، فإنَّ ما أنزل لا يمكن رفعه وتبديله، لكنَّ المعنيَّ به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزَّل، فيكون ما لم ينزَّل كالمبدل بما أنزل.\nوأُجيب: بأن هذا تعسُّف، فإنَّ الذي لم ينزَّل كيف يكون مبدَّلًا، والبدل يستدعي مبدلًا، وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء الإنزال؟!\nالدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\nوجه الدلالة: أنَّ الله تعالى بيَّن أنه إذا نسخ آية أورد مكانها آية أخرى، وكلام الله صدق.\nواعترض: بأنَّ المراد من النسخ الإزالة، ونسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ.","vol":"3","page":344},{"text":"وأجيب:\nأولًا: لا نسلم بذلك؛ لأنه معلوم أنَّ القرآن كله خير من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها من اللوح المحفوظ وكتابة آية أخرى بدلها لما تحقق هذا الوصف -وهي الخيرية بالنسبة لنا-، وإنما تحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا من حيث إنَّ بعض الأحكام قد يكون أخف من بعض فيما يرجع إلى محتمل المشقة، أو أنَّ ثواب البعض أجزل من ثواب البعض الآخر من الأحكام -على خلاف بين العلماء-، فوجب حمل النسخ على أحكام الآيات الموجودة في المصحف لا على ما ذكره المعترض.\nثانيًا: لو سلمنا بذلك لقلنا بأنَّ شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا، كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة، ومن عدة إلى عدة، فهو تغيير، وتبديل، ورفع قطعًا.\nالاعتراض الثاني: أنه ليس المراد من الآية النسخ، وإنما المراد التخصيص.\nوأجيب: هذا غير صحيح، وذلك لأمرين:\nأولهما: أنَّ لفظ الآية (ما ننسخ)، والنسخ غير التخصيص، فلا","vol":"3","page":345},{"text":"سبيل إلى تغيير اللفظ.\nالثاني: أنَّ التخصيص لا يستدعي بدلًا هو مثله أو خيرًا منه، وإنما هو بيان معنى الكلام.\nالدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، ووجه الدلالة: أنه لا معنى للنسخ إلا تحريم ما أحل (^١).\nالمذهب الثاني: أنَّ النسخ ممتنعٌ شرعًا، ونسب هذا المذهب لمحمد بن بحر أبي مسلم الأصفهاني المعتزلي، فإنه منع النسخ شرعًا.\nأدلته: استدل أبو مسلم على منع النسخ بدليل نقلي، وآخر عقلي.\nالدليل النقلي: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].\nوجه الدلالة: أنَّ النسخ باطل، ووجه بطلانه أن الله تعالى بيَّن ونفى عن كتابه إتيان الباطل، فلو نسخ شيئًا لكان باطلًا، وفي ذلك تكذيب لخبر الله ﷾، والكذب محال في خبره.\n_________\n(^١) المستصفى (١/ ٢٩٦، ٢٩٧)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٦٨، ٢٦٩)، المهذب في أصول الفقه (٢/ ٥٤٤، ٥٤٥).","vol":"3","page":346},{"text":"وأجيب: بأنَّ الآية لا تدل على أنَّ النسخ ممتنع؛ لأمور:\nالأول: أنَّ الباطل المذكور في القرآن هوالكذب، وشتان بين الكذب والنسخ.\nالثاني: أنَّ النسخ إبطال، وليس بباطل؛ لأنَّ الباطل ضد الحق، والنسخ حق، فهو إبطال العمل بالحكم المنسوخ، ولله تعالى أن يبطل من أحكام شرعه ما شاء، ويثبت ما شاء.\nالثالث: أنَّ معنى الآية: أنه لم يتقدم على القرآن من كتب الله ما يبطله، ولا يأتي من بعده من كتب الله ما يبطله، وهذا ليس فيه معارضة في أنه ينسخ بعضه بعضًا، وقال قتادة: معناه أنَّ الشيطان لا يستطيع أن يبطل منه حقًّا، ولا يحق منه باطلًا.\nالرابع: أنَّ أبا مسلم يدعي امتناع النسخ شرعًا دعوى عامة، والآية التي احتج بها إنما تدل -لو دلَّت- على امتناع النسخ في القرآن خاصة، والدعوى العامة لا تثبت بالدليل الخاص.\nالخامس: أنَّ أبا مسلم محجوج بإجماع الأمة على نسخ شريعة محمد لما قبلها من الشرائع مع أنها شرائع حق صحيحة لا يأتيها الباطل، فجوابه عنها هو جوابنا عن لحوق النسخ للقرآن (^١).\n_________\n(^١) انظر شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٢٧١)، التحقيقات والتنقيحات على متن الورقات (٣٤٢) للشيخ مشهور بن حسن.","vol":"3","page":347},{"text":"الدليل العقلي: ومما استدل به أبو مسلم الأصفهاني عقلًا على منع النسخ:\nأنَّ جواز النسخ يؤدي إلى جواز البداء على الله تعالى؛ لأنه إذا نهى عن صورة ما أمر به، أو أمر بصورة ما نهى عنه يكون قد ظهر له شيء كان خافيًا عليه، حتى نهى عن عين ما أمر به، أو أمر بعين ما نهى عنه، وهذا لا يجوز على الله تعالى؛ فيكون النسخ محض البداء، وهو من صفات البشر، ولا يجوز على الله تعالى.\nواعترض:\n١ - هناك فرق بين النسخ والبداء، فالبداء في اللغة: أصله بدا الشيء يبدو إذا ظهر بعد الخفاء، ويقال: بدا لنا سور المدينة. إذا ظهر، أما النسخ فهو نقل وتغيير على ما سبق بيانه، فلم يتفقا في مآخذ اللغة ولسان العرب، فلم يجز أن يجعلا كشيء واحد، فالبداء من الظهور ويدل على أنَّ من بدا له شيء فقد ظهر ما كان خافيًا عليه، وهو محال على الله ﵎؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، بل الأشياء كلها له بادية أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا.","vol":"3","page":348},{"text":"والنسخ: إزالة حكم بحكم وتبديل حال بحال، ليس في هذا قصور علم ولا لزوم جهل، بل تصريف العباد على ما يشاء ويريد، أو على ما يعلم من مصالحهم.\n٢ - أنَّ البداء الذى توهموه إنما يلزم أن لو كان الله تعالى نهانا عن نفس ما أمرنا به، وذلك أن يقول: افعلوا كذا فى وقت كذا على وجه كذا. ثم يقول: لا تفعلوا. ويذكر ذلك الوقت، وذلك الوجه، أو يقول: افعلوا كذا أبدًا، ولا تنتقلوا عنه. ثم ينقلنا عنه، فأما إذا أمرنا بأمر مرسل ويريد أن ينقلنا عنه بعد زمان ونقلنا حين جاء ذلك الزمان؛ فليس بمنكر ولا مستحيل، ولا فيه معنى البداء، ألا ترى أنه لو قال: صلوا إلى بيت المقدس إلى الزمان الذى أنقلكم عنه إلى الكعبة، وجاء الشرع بصريح هذا كان جائزًا سائغًا، كذلك إذا أطلق وأراد أن يفعل كذلك (^١).\n• بيان نوع الخلاف:\nذكر بعض العلماء كالسبكي، والسمعاني، وابن دقيق العيد أنَّ الخلاف بين الجمهور، وأبي مسلم الأصفهاني لفظي؛ لأنه عند المحاققة ثبت أنه يسمي النسخ باسم آخر، فهو يعترف بحقيقة النسخ لكن يسميه تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٦٥١، ٦٥٢).","vol":"3","page":349},{"text":"اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأن يقول: صوموا مطلقًا. وعلمه محيط بأنه سينزل: لا تصوموا وقت الليل.\nوالجماعة يجعلون الأول تخصيصًا، والثاني نسخًا (^١).\nوقيل: إنَّ أبا مسلم ينكره فهو باطل عنده، وقيل ينكره في شريعة واحدة فقط، وقيل: ينكره في القرآن خاصة.\nفلو ثبت إنكار أبي موسى للنسخ فكما قال السمعاني: ومن خالف في هذا من أهل الإسلام، فالكلام معه أن نريه وجود النسخ، وذلك مثل نسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته للاثنين، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة، فإن لم يعترف بهذه الأشياء كان مكابرة واستحق أن لا يكلم، ويعرض عنه، وإن قال ذلك، ولكن لا أسميه نسخًا كان هذا تعنتًا لفظيًّا، ولزم أن يقال: إنَّ رفع شريعة من قبلنا بشرعنا لا يكون نسخًا أيضًا، وهذا لا يقوله مسلم (^٢).\nوقال الشوكاني: روي عن أبي مسلم الأصفهاني أنه قال: إنه جائز غير واقع. وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلًا فظيعًا، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه\n_________\n(^١) انظر رفع الحاجب (٤/ ٤٧).\n(^٢) انظر قواطع الأدلة (٢/ ٦٥٤).","vol":"3","page":350},{"text":"الخلاف في كتب الشريعة، فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين، لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية.\nوعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمه للكتاب والسنة، ولأحكام العقل، فإنه إن اعترف بأنَّ شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع، فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله، نعم إذا قال: إنَّ الشرائع المتقدمة مغياة بغاية هي البعثة المحمدية، وأنَّ ذلك ليس بنسخ، فذلك أخف من إنكار كونه نسخًا غير مقيد بهذا القيد (^١).\nلكن الراجح -إن شاء الله-: أنَّ الخلاف لفظي، فالجمهور يسمونه نسخًا، وأبو مسلم يسميه تخصيصًا زمنيًّا، وذلك لأمور:\n١ - أنه لا يتصور من مسلم إنكار النسخ؛ لأنَّ النسخ من ضروريات هذه الشريعة، إذ هو ثابت وواقع.\n٢ - أنَّ أبا مسلم مؤمن بنبوة محمد ﷺ، ومقر بأنَّ التعبد بشرع من قبلنا من الأنبياء السابقين إنما هو مغيا إلى حين ظهور نبينا محمد ﷺ، وعند ظهوره ﷺ زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية، ولو لم يقر بذلك لانتفت عنه صفة الإسلام.\nوإذا كان يسميه تخصيصًا فالخلاف لفظي؛ لأنَّ النسخ تخصيص في\n_________\n(^١) انظر إرشاد الفحول (٢/ ٧٩٠).","vol":"3","page":351},{"text":"أزمان الحكم، ومعروف أنَّ تخصيص الأزمان كتخصيص الأشخاص، فمعنى النسخ وحقيقته قد اتفق عليه بين الجمهور وبين أبي مسلم، لكن الجمهور يسمونه نسخًا، وأبا مسلم يسميه تخصيصًا، فكل منسوخ عنده فيها مغيا عنده في علم الله إلى ورودنا نسخه كالمغيا في اللفظ، فنشأ من هذا تسمية النسخ تخصيصًا، والغاية من المخصصات المعروفة، فالخلاف في العبادة والاصطلاح فيكون الخلاف لفظيًّا.\n٣ - أنَّ كثيرًا من العلماء المعتبرين في الأصول كابن الحاجب، والسمعاني، والسبكي، وابن دقيق العيد قد ذكروا ذلك عنه، وبينوا أنَّ الخلاف لفظي (^١).\nوعلى كل سواء كان الخلاف لفظيًّا كما رجح البعض، أو كان حقيقيًّا فالصحيح قطعًا جواز النسخ عقلًا، وثبوته شرعًا.\n• المسألة الثالثة: حكمة النسخ:\nللنسخ حكم متعددة منها:\n١ - بيان شرف نبينا ﷺ، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها.\n٢ - حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم\n_________\n(^١) انظر المهذب في أصول الفقه للدكتور النملة (٢/ ٥٤٧).","vol":"3","page":352},{"text":"بحكم، وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة.\n٣ - رحمة الله بعبادة والتخفيف عنهم.\nفإن قيل: بأنَّ النسخ قد يكون بأثقل.\nأجيب: بأنَّ الرحمة قد تكون بالأثقل أكثر من الأخف لما يستلزمه من تكثير الثواب، والله لا يضيع عمل عامل، فتكثير الثواب في الأثقل يصيره خفيفًا على العامل يسيرًا عليه لما يتصوره من جزالة الجزاء (^١).\n٤ - تهيئة النفوس إلى تقبل الحكم الأخير، وبيان ذلك أنَّ الناس قبل مجيء الإسلام كانوا في جاهلية تعمها الفوضى، وعدم الانضباط بأنظمة وأحكام وقيود، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم دفعة واحدة إلى ما يستقر إليه التشريع آخر الأمر، فسلك بهم طريق التدريج في التشريع من الأخف إلى الأشد من أجل أن تتهيأ نفوسهم إلى تقبل حكمه النهائي؛ إذ لو ألزمهم بالأحكام النهائية من أول وهلة؛ لأدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام، ومثال ذلك: تشريع الصلاة، فقد شرعت الصلاة أولًا ركعتين في الغداة، وركعتين في العشي، ثم شرعت خمسًا ركعتين ركعتين عدا المغرب، فقد كانت ثلاثًا ثم أقرت تلك الصلاة في السفر وزيد في الحضر، فجعلت أربعًا في الظهر، والعصر،\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط (٤/ ٧٧)، إرشاد الفحول بتصرف (٢/ ٧٩١).","vol":"3","page":353},{"text":"والعشاء.\nوكعقوبة الزنا جعل الشارع أولًا الإيذاء بالقول للرجال، والحبس في البيوت للنساء، ثم نسخ ذلك إلى الجلد لغير المحصن، والتغريب، والرجم للمحصن، وغير ذلك.\n٦ - استمالة القلوب للإسلام كما في مسألة القبلة، فالشارع لم يشأ أن يفاجئ أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا في المدينة بخلاف ما عهدوه من أنبيائهم من الصلاة إلى بيت المقدس، فجاء الأمر بالصلاة نحو بيت المقدس لبيان أنَّ وجهة الرسل واحدة، وأنه لا يخالف الأنبياء السابقين، وما ذلك إلا لاستمالة قلوبهم إلى هذا الدين، فلما نسخ ذلك، وأمر بالتوجه إلى الكعبة لم يستغرب ذلك أكثرهم (^١).\n٧ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم فى دينهم ودنياهم.\n٨ - التطور فى التشريع حتى يبلغ الكمال.\n٩ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى حكم آخر، ورضاهم بذلك حيث إنَّ الابتلاء حكمة لكثير من الأحكام ليعلم الله من يتبع أمره، ومن ينقلب على عقبيه.\nومن ذلك: أمرُ الله تعالى لإبراهيم بأن يذبح ابنه إسماعيل، فهو لم\n_________\n(^١) انظر المهذب في أصول الفقه للدكتور النملة (٢/ ٥٥٠، ٥٥١).","vol":"3","page":354},{"text":"يذبحه، ولكن كان الأمر الحكمة منه ابتلاء إبراهيم وطاعته فى أمره، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، فحينما تمت الحكمة من الحُكم، وهو ابتلاء الله لإبراهيم نسخ الله الحكم بالذبح، فكان النسخ هنا له حكمة من الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧].\nوكذلك أمر القبلة: جعلها الله تعالى أولًا نحو بيت المقدس ابتلاءً لعباده، كى يعلم المتبع من الضال؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\n١٠ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف، ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل.\n• المسألة الرابعة: شروط النسخ:\nالشرط الأول: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًّا لا عقليًّا، كالبراءة الأصلية التي ارتفعت بإيجاب العبادات، فلو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل؛ لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس كذلك.\nالشرط الثاني: أن يكون النسخ بشرع، فلا يكون ارتفاع الحكم","vol":"3","page":355},{"text":"بالموت نسخًا، بل هو سقوط التكليف بسبب هذا العارض، وهو الموت أو الجنون.\nالشرط الثالث: أن يكون مما يجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأنَّ الله سبحانه بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال، ومثل هذا ما علم بالنص أنه يتأبد ولا يتأقت.\nالشرط الرابع: أن يكون الخطاب الناسخ متراخيًا، فلو اقترن النص بعضه ببعض كالشرط، والغاية، والاستثناء؛ فليس بنسخ، بل يكون تخصيصًا.\nالشرط الخامس: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقًا لم يحدد بمدة معلومة، ولا مقيدًا بوقت، إذ لو كان كذلك فلا يكون انقضاء وقته الذي قيد به نسخًا له (^١).\n• المسألة الخامسة: الأحكام التي لا يتناولها النسخ:\nأولًا: الأحكام الأصلية المتعلقة بأصول الدين والعقائد، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، فهذه لا تقبل التغيير والتبديل بأي حال.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٧٨، ٧٩)، الإحكام للآمدي (٣/ ١١٤)، المستصفى للغزالي (١/ ٣١٩)، إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٧٩٢).","vol":"3","page":356},{"text":"ثانيًا: الأحكام العامة والقواعد الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ضرر ولا ضرار، وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو باطل، فهذه لا يمكن رفعها؛ لأنَّ مصالحها ظاهرة.\nثالثّا: الأحكام التي لا تتحمل عدم المشروعية كأمهات الأخلاق والفضائل، كالعدل، والصدق، والأمانة، فإنَّ هذه لا تنسخ؛ لأنَّ مصلحة التخلق بها أمر ظاهر، وحسنها لا يتغير بتغيير الأزمان.\nرابعًا: الأحكام التي لا تتحمل المشروعية كأمهات الرذائل كالكفر، والظلم، والخيانة، وعقوق الوالدين، فهذه لا تنسخ؛ لأنَّ قبحها لا يتغير بتغير الزمن.\nخامسًا: الأحكام التي لم يثبت نسخها في عصر الرسالة صراحة أو ضمنًا، فإنَّ تلك الأحكام مؤبدة لا تحتمل النسخ؛ لأنه لا نسخ إلا بوحي، ولا وحي إلا بنبي، ولا نبي بعده ﷺ.\nسادسًا: الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ، كالتأبيد، مثل: الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته ﷺ ورضي عنهن؛ وذلك لأنَّ تأبيد الحكم يقتضي حسنه على الدوام، والنسخ ينافي ذلك، هذا على حسب الواقع.\nسابعًا: الإجماع؛ لأنَّ الإجماع لا يكون إلا بعد موت الرسول ﷺ،","vol":"3","page":357},{"text":"والنسخ لا يجوز بعد موته ﷺ (^١).\n• المسألة السادسة: هل يشترط في النسخ أن يخلفه بدل؟\nاختلف في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل، وهو قول الجمهور.\nواستدلوا بأدلة:\nالدليل الأول: أنَّ نسخ الحكم بلا بدل قد وقع في الشريعة، والوقوع دليل الجواز.\nومن ذلك: نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ، ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ونسخ وجوب قيام الليل.\nالدليل الثاني: أنَّ حقيقة النسخ الرفع والإزالة، ورفع الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل، واعتبروا ذلك في المحسوسات، فليس من الضرورة رفع الحجر من مكانه أنه يضع مكانه غيره، بل ذلك إلى الجواز.\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة (٢/ ٦٥٦) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه للدكتور النملة (٢/ ٥٥٣، ٥٥٤).","vol":"3","page":358},{"text":"الدليل الثالث: أنه لا يمتنع عقلًا أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون وضع بدل عنه، أي أنَّ الله تعالى علم أنَّ نسخ هذا الحكم مصلحة، ولا مصلحة في إثبات بدل له.\nوقد اعترض على الدليل الأول من وجهين:\n١ - قالوا: لا نسلم أنَّ الصدقة بين يدي النجوى قد نسخت لا إلى بدل؛ لأنه سبحانه يقول في الآية الناسخة: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣]، فكانت هذه الأشياء بدل الصدقة.\n٢ - أنَّ الادخار من لحوم الأضاحي، وتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ نسخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعًا ابتغاءً لما عند الله وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣].\nوأجيب:\n١ - أنه ليست هذه أبدالًا؛ لأنها كانت واجبة قبل ذلك بموجب أصل التكليف، وإنما معنى الآية: إذ لم تفعلوا فارجعوا إلى ما كنتم عليه أولًا من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول ﷺ.\n٢ - أنَّ الاستحباب أتى من أصل التشريع لا بنص جديد.","vol":"3","page":359},{"text":"القول الثاني: لا يجوز نسخ الحكم إلى غير بدل. وذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر، وذكر الإسنوي أنه مذهب الشافعي، ورجحه ابن تيمية، والشنقيطي.\nوأدلتهم:\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\nووجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أخبر أنه لا ينسخ شيئًا من الأحكام إلا إذا وضع مكانه بدلًا خيرًا منه أو مثله، وخبر الله صدق، فالخلف في خبره محال.\nقال الشنقيطي: فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية، وشافعية، وحنابلة، وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل، ووقوعه مع أنَّ الله يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\nفقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط ربط الجزاء بشرطه، ومعلوم عند المحققين أنَّ الشرطية إنما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أنَّ هذا الربط الذي صرح","vol":"3","page":360},{"text":"الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح لا يمكن تخلفه بحال، فمن ادعى انفكاكه، وأنه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقض القاطع كاذب يقينًا لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق الله العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه (^١).\nوقال الشافعي: وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة. قال: وكل منسوخ في كتاب الله سبحانه وسنة نبيه ﷺ هكذا (^٢).\nقال الصيرفي وأبو اسحاق المروزي: وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي في شرح الرسالة، وأبو إسحاق المروزي في كتاب الناسخ أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو يجري على حسب أحوال المفروض، ومثله بالمناجاة، وكان يناجى النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، وهذا الحمل هو الذي ينبغي تفسير كلام الشافعي به، فإنَّ مثله لا يخفى عليه وقوع النسخ في هذه الشريعة بلا بدل، ولا شك في أنه يجوز ارتفاع التكليف بالشيء، والنسخ مثله؛ لأنه\n_________\n(^١) انظر المذكرة للشنقيطي (١٣٤).\n(^٢) انظر الرسالة للشافعي فقرة (٣٢٨).","vol":"3","page":361},{"text":"رفع تكليف، ولم يمنع من ذلك شرع ولا عقل، بل دل الدليل على الوقوع (^١).\nوقال ابن القطان: قول الشافعي أنَّ النسخ يكون بأن يبدل مكانه شيئًا، جوابه من وجهين:\n١ - أنه أراد أنَّ الأكثر في الفرائض هو الذي ذكره.\n٢ - أنَّ ذلك يجري مجرى أمر ثان بعبارة أخرى، والفرض الأول قد تغير؛ لأنَّ الله تعالى حين أمر به أراد في زمان يوصف، إنما خفي ذلك علينا وقدّر أنه عامٌّ في الأزمنة كلها، إلا أنه لا بد أن يعلم أنَّ الفرض الأول قد تغير، ألا ترى أنه كان خمسين صلاة، فكان علينا أن نعتقد أنَّ الكل واجب، فإذا سقط البعض تغير الاعتقاد الذي كنا قد اعتقدناه، فلا محالة يتغير شيء ما من الفرض الأول (^٢).\nواعترض:\n١ - بأنه ليس في الآية ما يدل على أنه لا بد من البدل، بل إنَّ الآية تدل على أنَّ البدل الثابت خير من المبدل إن ثبت البدل، فهو كقول السيد لعبده: لا آخذ منك ثوبًا وأعطيك بدله، إلا إذا كان البدل خيرًا من\n_________\n(^١) انظر إرشاد الفحول (٢/ ٨٥).\n(^٢) انظر البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٩٣، ٩٤).","vol":"3","page":362},{"text":"الأول.\nفهذا اللفظ لا يدل على وجوب البدل، ولكنه يدل على أنَّ البدل إذا وقع فلا بد أن يكون خيرًا.\n٢ - أنَّ الآية وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر.\nوأجيب على هذا الاعتراض: بأنَّ الآية ظاهر في اللفظ والمعنى، فحمله على اللفظ فقط تحكم، وقد صرحت الآية في أنه مهما نسخ آية أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها (^١).\nوالراجح: - والله أعلم- أن النسخ قد يكون إلى بدل أو إلى غير بدل، وفي كل الأحوال فهو مثل المنسوخ أو خيرٌ منه بالنسبة للمكلفين.\n• المسألة السابعة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص.\nأنَّ كل واحد منهما يوجب اختصاص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة، أي أنَّ كلًّا منهما فيه قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلا أنَّ النسخ قصر للحكم على بعض الأزمان، والتخصيص قصر للحكم على بعض أفراده.\n_________\n(^١) انظر الإحكام للآمدي (٢/ ٢٦٠)، نهاية السول للإسنوي (٢/ ٥٧١)، المستصفى للغزالي (١/ ٣١٤، ٣١٥)، اللمع للشيرازي (١/ ١٧٠)، إرشاد الفحول (٢/ ٧٩٩)، المهذب في أصول الفقه (٢/ ٥٨٥ وما بعدها)، المذكرة للشنقيطي (١/ ١٣٤).","vol":"3","page":363},{"text":"وعليه فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم، والمزال من النسخ غير مراد من الخطاب.\n• المسألة الثامنة: وجه الاختلاف بين النسخ والتخصيص:\nالأول: أنَّ الناسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه؛ لأنه بيان، بل يجب اقترانه عند من لم يجوّز تأخير البيان.\nالثاني: أنَّ التخصيص مثل: أكرم زيدًا. لأنه لا يكون إلا من متعدد، لا يدخل فيه الأمر بمأمور واحد، والنسخ يدخل عليه كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام.\nالثالث: أنَّ النسخ يختص بالأحكام، ولا يصح في الأخبار، والتخصيص يجوز فيهما.\nالرابع: أنَّ النسخ رافع لجميع الحكم، والتخصيص مثبت لبعض الحكم.\nالخامس: أنَّ النسخ يختص بعموم الأزمان، والتخصيص يختص بعموم الأعيان.\nالسادس: أنَّ النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل، والقرائن، وسائر أدلة السمع.","vol":"3","page":364},{"text":"السابع: أنَّ النسخ تبديل، والتخصيص تقليل (^١).\n• المسألة التاسعة: هل الإجماع يكون منسوخًا؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ الإجماع لا يكون منسوخًا، وهو رأي الجمهور.\nوذلك لأنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أنَّ حكم الإجماع لا ينسخ.\nوبيان ذلك: أنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ لأنَّ النسخ رفع للحكم وإبطال له، وذلك إنما يكون في عهد النبوة؛ لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة.\nوأما أنَّ الإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة؛ فلأنَّ الاعتماد في زمن النبوة على قول النبي ﷺ لعصمته، ولا اعتبار بغيره؛ لأنه إذا حكم بحكم، فالأمة إما أن توافق فلا أثر لموافقتها؛ لأنَّ قول النبي ﷺ هو المستقل بإثبات الحكم، أو تخالف فلا اعتبار بمخالفتها؛ بل تكون عاصية بمخالفتها.\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة (٢/ ٧٠٨، ٧٠٩)، المستصفى (١/ ٢٩٣)، إرشاد الفحول (٢/ ٦٣١)، وما بعدها.","vol":"3","page":365},{"text":"فبان بهذا أنَّ الإجماع لا يكون معتبرًا مؤثرًا إلا بعد موته.\nولا يجوز كذلك نسخ الإجماع بإجماع آخر؛ لأنه يستحيل انعقاده على خلاف إجماع آخر، إذ لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأنَّ الأول إن لم يكن عن دليل خطأ، وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ لوقوعه عل خلاف الدليل.\nولا يجوز نسخ الإجماع بالقياس؛ لأنَّ القياس لا يكون على خلاف الإجماع، لأنه يشترط في القياس أن لا يكون مخالفًا لنص أو إجماع، فعند مخالفة الإجماع للقياس يكون القياس باطلًا، فلا يكون حجة، وعليه فلا يكون ناسخًا للإجماع.\nالمذهب الثاني: أنَّ الإجماع يكون منسوخًا، ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء.\nودليلهم: أنَّ العلماء إذا اختلفوا على قولين، فهو إجماع على أنَّ المسألة اجتهادية يجوز الأخذ بكليهما، ثم يجوز إجماعهم على أحد القولين، فإذا أجمعوا بطل الجواز، أي لم يجز العمل بالقول الآخر، وحينئذ يكون الإجماع الثاني ناسخًا لما دل عليه الإجماع الأول من جواز العمل بكل واحد من القولين، وبذلك يكون الإجماع الثاني ناسخًا للإجماع الأول.","vol":"3","page":366},{"text":"وأجيب: بأنا لا نسلم بذلك؛ لأنَّ العلماء إنما جوزوا للمكلف الأخذ بأي واحد من القولين بشرط ألا يحصل الإجماع على أحد القولين.\nفكان الإجماع الأول مشروطًا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع الثاني زال شرط الإجماع الأول، فانتفى الإجماع الأول بسبب انتفاء شرطه، لا لكون الثاني قد نسخه (^١).\n• المسألة العاشرة: هل يكون الإجماع ناسخًا؟\nاختلف العلماء على ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنَّ الإجماع لا يكون ناسخًا بمعنى أنه لا ينسخ به، وهو مذهب الجمهور.\nوحجتهم:\n١ - أنَّ المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا.\nفالأول: وهو كون المنسوخ بالإجماع نصًّا باطل؛ لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف النص، لأنَّ الإجماع لا بد له من مستند، فلا يخلو إما أن يطلع المجمعون عل هذا النص أو لا، فإن لم يطلعوا عليه كان\n_________\n(^١) انظر إرشاد الفحول (٢/ ٨١٨، ٨١٩)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٣٠) وما بعدها، قواطع الأدلة (٢/ ٦٩٥)، المهذب في أصول الفقه (٢/ ٦١١، ٦١٢).","vol":"3","page":367},{"text":"إجماعهم باطلًا لوجود ما يخالفه، وإن اطلعوا عليه وأجمعوا على خلافه دل على أنَّ هذا النص مرجوح، وما استندوا إليه في إجماعهم راجح، فيكون بذلك الناسخ للنص هو النص الذي استندوا إليه، فثبت أنَّ ذلك من باب نسخ النص بالنص، لا من باب نسخ النص بالإجماع.\nوأما الثاني: وهو كون المنسوخ بالإجماع إجماعًا آخر فهو باطل؛ لأنَّ الإجماع لا ينعقد على خلاف إجماع آخر.\nوأما الثالث: وهو كون المنسوخ بالإجماع قياسًا فهو باطل؛ لأنَّ من شرط حجية القياس والعمل به عدم مخالفته للإجماع، فإذا انعقد الإجماع على خلاف القياس زال القياس لزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخًا.\n٢ - أنَّ الإجماع إنما يكون حجة بعد عهد النبي ﷺ، والنسخ إنما يكون في زمن النبي ﷺ، فيستحيل اجتماعهما.\nقال الصيرفي: ليس للإجماع حظ في نسخ الشرع؛ لأنهم لا يشرّعون.\nالمذهب الثاني: أنَّ الإجماع يكون ناسخًا، وهو قول عيسى بن أبان من الحنفية، وبعض المعتزلة والحافظ البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه.","vol":"3","page":368},{"text":"ودليلهم:\n١ - أنَّ سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة قد سقط بإجماع الصحابة، فهذا يدل على أنَّ الإجماع يكون ناسخًا.\nوأجيب: بأنَّ سقوط سهم المؤلفة قلوبهم ليس من باب النسخ، بل هو من باب انتهاء الحكم لانتهاء علته المقررة، وهي تحبيب الإسلام في نفوس حديثي العهد بالإسلام لإعزاز الإسلام، فلما حصلت العزة للإسلام في عهد الصحابة سقط سهم المؤلفة قلوبهم، وليس انتهاء الحكم لانتهاء علته نسخًا.\n٢ - كما أنَّ الإجماع مخصص للعام، كذلك يصح أن يكون ناسخًا ولا فرق.\nوأجيب: بأنه ليس كل ما يخصص به ينسخ به، فدليل العقل يجوز التخصيص به، ولا يجوز النسخ به، ثم إنَّ قياسكم النسخ على التخصيص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأنَّ النسخ رفع للحكم بالكلية، بخلاف التخصيص، فإنه قصرٌ للحكم على بعض أفراده، وبذلك لا يمنع أن يكون الإجماع مخصصًا بخلاف النسخ، فقد وجد فيه ما يمنع من كون الإجماع ناسخًا.","vol":"3","page":369},{"text":"المذهب الثالث: يجوز نسخ الإجماع لكن لا بنفسه، بل بسنده، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الظاهرية.\nقالوا: إذا رأينا نصًّا صحيحًا والإجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخه، وأن أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه (^١).\n• المسألة الحادية عشر: الزيادة على النص هل هي نسخ؟\nالزيادة على النص نسخ عند قوم، وليست بنسخ عند قوم، لكن الراجح والمختار: أنها تنقسم باعتبار تعلقها بالمزيد عليه وعدم ذلك إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: زيادة مستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وليست من جنسه، كما إذا أوجب الصلاة، ثم أوجب الصوم والزكاة لم يتغير حكم المزيد عليه، وهو الصلاة، ولا تكون الزيادة نسخًا باتفاق العلماء؛ لأنَّ حقيقة النسخ لم تتحقق هنا، لأنَّ النسخ رفع الحكم، وهنا لم يرتفع الحكم ولم يتبدل، وهو وجوب الصلاة، بل بقي حكم المزيد عليه وهو الصلاة بعد الزيادة كما كان ثابتًا قبلها.\n_________\n(^١) انظر إرشاد الفحول (٢/ ٨١٩، ٨٢٠)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٣١)، المهذب في أصول الفقه (٢/ ٦١٢).","vol":"3","page":370},{"text":"القسم الثاني: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه.\nمثل: زيادة صلاة على الصلوات الخمس.\nوهذه الزيادة اختلف العلماء فيها، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لأنَّ تلك الزيادة لم ترفع حكمًا شرعيًّا، فالمزيد عليه باق بعد الزيادة، كما كان ثابتًا قبل الزيادة.\nمثل: الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه، ولا فرق، فكما أنَّ وجوب الصلاة لم يتغيير بزيادة الصوم، فكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى، ولا فرق.\nالمذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة تكون نسخًا لحكم المزيد عليه، وهو مذهب بعض الحنفية العراقيين، ودليلهم:\nأنَّ حقيقة النسخ (هو رفع الحكم) قد وجدت؛ فكان نسخًا، فزيادة صلاة على الصلوات الخمس يغير الصلاة الوسطى، فيرتفع وجوبها المستفاد من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فوسطية الصلاة متوقفة على العدد المفرد (وهو الخمس","vol":"3","page":371},{"text":"هنا) لكي يكون عدد ما قبلها كعدد ما بعدها، فإذا زيدت صلاة سادسة، فإنها ترفع كون الوسطى وسطى وتغيره، فتتبدل الوسطية بالنسبة لها إلى غيرها فأزيل، وترفع الحكم، وهو وجوب المحافظة على الصلاة الوسطى، المستفاد من الأمر بها في الآية السابقة.\nوأجيب:\n١ - أنَّ الزيادة المستقلة التي هي من جنس المزيد عليه، مثل الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه، ولا فرق، فلو كانت زيادة صلاة سادسة نسخًا؛ للزم أن تكون زيادة العبادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه نسخًا، لأنها تجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة فتغير صفتها، وتتساوى مع السادسة في هذا التعبير، فلما لم تجعل هذه نسخًا بالإجماع يلزم أن لا تجعل الزيادة المستقلة التي من جنس المزيد عليه نسخًا.\n٢ - أنَّ زيادة صلاة سادسة على الخمس لا تزيل المحافظة على الوسطى؛ لأنَّ وجوب المحافظة قد تعلق بمسمى الوسطى عند نزول الآية، وهذا المسمى لما صدق لا تؤثر عليه هذه الزيادة.\nالقسم الثالث: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل، وذلك بأن تكون الزيادة جزءًا من المزيد عليه.","vol":"3","page":372},{"text":"مثال ذلك: زيادة تغريب عام على جلد مئة في حد الزاني البكر (^١)، حيث أصبح جزءًا من الحد، فأصبح حد الزاني البكر بعد الزيادة مكونًا من جزأين:\nأولهما: جلد مئة، وهو الوارد في نص القرآن الكريم.\nثانيهما: تغريب عام، وهو الوارد في نص السنة (^٢).\nوهذه الزيادة اختلف فيها العلماء، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست نسخًا، وهو مذهب الجمهور؛ لأنَّ حقيقة النسخ هي رفع الحكم وتبديله لم توجد عند تلك الزيادة، بل إنَّ هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد عليه، وتثبيت له؛ لأنَّ ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه ويقرره، نظرًا إلى أنَّ الانضمام صفة لا بد لها من محل تقوم به، ولهذا نرى حكم المزيد عليه ثابتًا لم يتغير، ولم يتبدل، ولم يرتفع، بعد إلحاق الزيادة به، فكان ثابتًا بعد الزيادة، كما كان ثابتًا قبل الزيادة قياسًا على الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه بجامع عدم الثتغيير في كل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٤٩)، من حديث زيد بن خالد مرفوعًا.\n(^٢) انظر ما قبله.","vol":"3","page":373},{"text":"فمثلًا: بعد زيادة (التغريب)، وإلحاقه ب (الجلد مئة) لم تُخرج تلك الزيادة الجلد عن كونه واجبًا، بل استمر على هذا الحكم بعد إلحاق الزيادة (وهي التغريب) به كما كان واجبًا قبله، وذلك مثل إيجاب الصوم بعد إيجابه للصلاة لم يخرج الصلاة عن كونها فرضًا، بل ظلت فرضًا بعد الصيام كما كانت قبله، كل ما في الأمر أنه أضاف إليه زيادة.\nالمذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة نسخ، ذهب إلى ذلك الحنفية، كما صرح بذلك أبو عبد الله الصيمري، وأبو بكر الرازي، والسرخسي، وعبد العزيز البخاري.\nودليلهم: استدلوا بأنَّ جلد المائة في حد الزاني البكر كان هو الحد الكامل، ويجوز الاقتصار عليه؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فلما جاءت السنة بزيادة التغريب، وذلك بحديث عبادة بن الصامت: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» (^١)، رفعت هذه الآية ذلك الحكم، وهو (صفة الكمال والاقتصار على جلد مئة)، وأصبح الحد بعد الزيادة (الجلد والتغريب)، فتكون صفة الكمال قد رفعت، والاقتصار على الجلد قد رفع، والرفع هو النسخ.\nوأجيب: أنَّ رفع صفة الكمال بالزيادة، ورفع الاقتصار على المائة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٩٠)، من حديث عبادة مرفوعًا.","vol":"3","page":374},{"text":"لم يتحقق به النسخ.\nوبيان ذلك: أنَّ صفة الكمال إذا ارتفعت بالزيادة لا يتحقق النسخ؛ لأنَّ صفة الكمال لا يندرج ضمن أقسام الأحكام الشرعية، فليس مقصودًا، بل المقصود هو وجوب الحد -الذي هو مئة جلدة- والوجوب لم يرتفع، بل هو باق على حاله، وهو كل الواجب، فلما زيد (التغريب) لم يتغير، بل هناك واجب قد أضيف إليه.\nومما يؤيد ذلك: أنَّ الشارع لما أوجب الصلاة فقط كانت هي كل الواجب على المكلف، فلما أوجب الصوم بعد ذلك خرجت الصلاة عن كونها كل الواجب، بل صار الواجب الصلاة والصوم، وليس ذلك بنسخ باتفاق العلماء.\nفكذلك هنا يقال: إنَّ جلد مئة هو الواجب الكامل على الزاني البكر، فلما زيد التغريب خرج جلد مئة عن كونه هو أقل الواجب، بل صار الواجب الجلد والتغريب، فلا يسمى ذلك نسخًا.\nالقسم الرابع: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، أي تكون الزيادة شرطًا للمزيد عليه، فإذا فقد المزيد عليه هذه الزيادة، وهو الشرط يكون وجوده وعدمه واحدًا.\nومن أمثلة ذلك: زيادة النية في الطهارة، حيث إنَّ الشارع أمر","vol":"3","page":375},{"text":"بالطهارة مطلقًا، ثم زيد شرط النية لها.\nوأيضًا: زيادة الطهارة في الطواف حيث إنَّ الشارع أمر بالطواف مطلقًا، ثم زيد شرط الطهارة له- عند من اشترط الطهارة-، وكذا زيادة اشتراط الطهارة على وجوب الصلاة.\nوهذه الزيادة اختلف العلماء فيها، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ، وهو مذهب الجمهور وهو الصحيح؛ لأنَّ حقيقة النسخ وهي (رفع الحكم) لم توجد هنا.\nوبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اقتضى أمرين:\nأحدهما: وجوب الصلاة.\nوالثاني: الإجزاء. حيث يجوز على هذا اللفظ الصلاة بدون طهارة، فلما جاءت الزيادة -وهي اشتراط الطهارة للصلاة- فالوجوب لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها، حيث بقي الأمر به.\nوأما الإجزاء فهو الذي ارتفع بعد هذه الزيادة، حيث أصبحت الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، فهنا ارتفع الإجزاء فقط، وارتفاع الإجزاء فقط جعل المرتفع بعض ما تناوله واقتضاه اللفظ الذي هو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهذا يسمى تخصيصًا لا نسخًا.","vol":"3","page":376},{"text":"المذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة نسخ، وهذا مذهب الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي.\nودليلهم:\nقالوا: إنه كان حكم المزيد عليه الإجزاء والصحة بدون تلك الزيادة، فلما جاءت الزيادة ارتفع ذلك الحكم، فأصبح المزيد عليه لا يجزئ، ولا يصح إلا بتلك الزيادة، والرفع نسخ.\nفمثلًا: كانت الصلاة تجزئ وتصح بدون طهارة، فلما زيد اشتراط الطهارة أصبحت الصلاة لا تجزئ ولا تصح لوحدها، بل لا بد من الطهارة، فرفع إجزاء الصلاة لوحدها، والرفع نسخ.\nوأجيب: بأنَّ ما ذكرتموه صحيح لو أنَّ الإجزاء استقر وثبت أولًا، ثم وردت الزيادة بعده؛ لأنَّ من شرط النسخ: تأخر الناسخ عن المنسوخ. وهنا لم يتحقق ذلك الشرط؛ لأنه يحتمل أن تكون الزيادة قد ثبتت، وهي مقارنة للفظ المزيد عليه.\nوعلى هذا يكون ادعاؤكم استقرار الإجزاء، ثم ورود الزيادة بعد ذلك هو دعوى تحتاج إلى دليل، ولا دليل عندكم، فثبت أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ.","vol":"3","page":377},{"text":"الخلاصة:\n١ - يتلخص مما سبق من أقسام الزيادة على النص أنَّ الجمهور يقولون: إن الزيادة ليست بنسخ في جميعها. وأن الحنفية يقولون: إن الزيادة نسخ.\n٢ - أنَّ الحنفية قد ردوا أخبارًا كثيرة بسبب تمسكهم بهذا الأصل، وهو أنَّ الزيادة على النص نسخ؛ لأنه اقتضى زيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد، لذا ردوا أحاديث تعين الفاتحة في الصلاة (^١)، وما ورد في الشاهد واليمين (^٢)، وما ورد في إيمان الرقبة، وما ورد في اشتراط النية في الوضوء (^٣).\n• المسألة الثانية عشر: هل يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من امتثاله؟\nوبعضهم يعبر: بجواز نسخ الشيء قبل وقوعه، وبعضهم يعبر بجواز نسخ الأمر قبل امتثاله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤)، من حديث عبادة مرفوعًا بلفظ: «لا صَلاةَ لمَن لَم يَقرَأ بفَاتحَة الكتَاب».\n(^٢) إسناده حسن، أخرجه أبو داود (٣٦١٠)، وابن ماجه (٢٣٦٨)، من حديث أبي هريرة بلفظ: أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.\n(^٣) انظر المهذب في أصول الفقه بتصرف (٢/ ٥٧٢) وما بعدها، المستصفى للغزالي (١/ ٣٠٩)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٩١)، إرشاد الفحول (٢/ ٨٢٥) وما بعدها، قواطع الأدلة (٢/ ٦٨٣) وما بعدها.","vol":"3","page":378},{"text":"فإذا ورد الناسخ بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه العبادة، أو بعد أن مضى من الوقت قدر ما يقع فيه بعضها، فقد اتفق العلماء على جواز النسخ في هذه الحالة؛ لأنَّ شرط الأمر حاصل، وهو التمكن من الفعل.\nلكنهم اختلفوا فيما إذا ورد الأمر بفعل الشيء قبل وقته، ثم نسخ قبل دخول الوقت أو بعده، ولكن قبل التمكن من فعل ذلك الأمر.\nقال الآمدي: اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، واختلفوا في جوازه قبل دخول الوقت (^١).\nقلت: اختلف العلماء في نسخ الأمر بفعل شيء قبل التمكن من امتثاله، على مذهبين:\nالمذهب الأول: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، وهو مذهب جماهير العلماء.\nوصورته: أن يقول الشارع في رمضان: حجوا هذه السنة. ثم يقول قبل يوم عرفة: لا تحجوا فقد نسخت عنكم الأمر.\n_________\n(^١) انظر الإحكام (٣/ ١٧٩، ١٨٠).","vol":"3","page":379},{"text":"الأدلة على ذلك:\nالدليل الأول: أنَّ مجرد الأمر مفيد فائدة تكليفية، وإن لم ينضم إليه الامتثال، ومع حصول الفائدة التكليفية لا يمتنع النسخ.\nوبيان ذلك: أنَّ مجرد الأمر مفيد، فلأن المأمور إذا علم توجه الأمر إليه، إما أن يعزم على الامتثال فيكون مطيعًا مثابًا، أو على المخالفة فيكون عاصيًا معاقبًا بالنية والعزم، ومع حصول الفائدة لا يمتنع النسخ، وبالقياس على سائر صور النسخ؛ ولأنَّ الخصم إنما منع النسخ قبل الامتثال لكونه عبثًا عنده، ومع حصول الفائدة ينتفي كونه عبثًا فيجب ألا يمتنع.\nالدليل الثاني: أنَّ النسخ قبل الامتثال قد وقع، والوقوع دليل الجواز.\nوبيان ذلك: أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، كما دلت عليه الآيات ثم نُسخ عنه ذبح ولده قبل فعله.\nواعترض على هذا:\n١ - بأنَّ قصة إبراهيم ﵇ في ذبح ولده كانت منامًا، والمنام خيال لا أصل له حتى يبنى عليه أصول الدين وفروعه.\n٢ - ولو سلمنا بأنَّ المنام له حقيقة يُعتمد عليها في إثبات أحكام الشرع، لكن لا نسلم أنَّ إبراهيم أمر بذبح ولده، بل بالعزم عليه، أو","vol":"3","page":380},{"text":"بفعل مقدمات الذبح من إضجاع ولده، وأخذ السكين ونحوه، وذلك لوجهين:\nأحدهما: قوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]: أي فعلت ما أمرت به، ولو كان مأمورًا بالذبح لم يصح ذلك؛ لأنه ما فعله به.\nالثاني: قوله ﷿ حكاية عن الذبيح: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ولفظه لفظ المستقبل؛ فدل على أنه ما أمر بالذبح، وإنما أخبر أنه سيؤمر به في المستقبل، إذ لو كان قد أمر به لقال: افعل ما أُمرت.\n٣ - سلمنا أنه أمر بالذبح، لكنه لم ينسخ عنه قبل امتثاله، بل قلب الله عنق ولده نحاسًا، فلم تؤثر فيه الشفرة فسقط لتعذره.\n٤ - سلمنا أنه لم يتعذر، لكنه امتثل فذبحه، لكن كلما قطع جزءًا من عنقه التأم: أي التحم فاندمل الجرح بمجرد التحامه أي برأ، وذلك بدليل الآية: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، على تقدير أنه مأمور بالذبح فيلزم أنه ذبحه، وإلا لم يكن قد صدق الرؤيا.\nوأجاب الجمهور على هذه الاعتراضات بما يلي:\nالجواب الأول: قولكم: قصة إبراهيم ﵇ كانت منامًا والمنام خيال لا أصل له. هذا باطل؛ لأنَّ منام الأنبياء وحي، وذلك لوجوه:","vol":"3","page":381},{"text":"أحدهما: أنَّ رؤيا آحاد الأمم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (^١)، فرؤيا الأنبياء أولى أن تكون نبوة.\nالثاني: ما ثبت في البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله من النبوة الرؤيا الصادقة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (^٢).\nوإذا ثبت أنَّ رؤيا الأنبياء نبوة ووحي كان قولكم: إنَّ رؤيا إبراهيم منام لا أصل له تهجمًا عظيمًا، ومن طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس أنه قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ … وفيه: قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير: إنَّ رؤيا الأنبياء وحي. ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (^٣).\nوعبيد بن عمرو من كبار التابعين، ولأبيه عمير بن قتادة صحبة، فلو كان منامًا وخيالًا لا وحيًا؛ لما جاز لإبراهيم ﵇ قصد الذبح المحرم، والتل للجبين، ولما سماه الله بلاءً مبينًا، ولما احتاج إلى الفداء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٨٣) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «الرُّؤيَا الحَسَنَةُ منَ الرَّجُل الصَّالح جُزءٌ من ستَّةٍ وَأَربَعينَ جُزءًا منَ النُّبُوَّة».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠)، من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٨) من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"3","page":382},{"text":"الجواب الثاني: قولهم: إنما أمر بالعزم على الذبح أو مقدماته.\nيجاب عنه:\n١ - بأنَّ إبراهيم ﵇ لو كان مأمورًا بالعزم على الذبح فقط دون فعل الذبح؛ لما سماه الله بلاءً مبينًا، بحيث يُمتحن به الأنبياء؛ لأنَّ عامة الناس وسوقتهم لو قيل لأحدهم: أنت مأمور بالعزم على ذبح ولدك لا بنفس ذبحه؛ لسهل ذلك عليه، ولم يجد له كلفة، ولما احتاج إلى نداء، ولما قال الذبيح: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].\n٢ - أنَّ الأمر بمقدمات الذبح فقط من إخراجه إلى الصحراء، وأخذ المدية، والتل للجبين لا بلاء فيه؛ إذ لا مشقة عليه في إضجاع ولده، وأخذ السكين مع علمه بسلامة العاقبة، كما لو مازح الإنسان ولده أو من يعز عليه بذلك، وإن لم يعلم أنه مأمور بالاقتصار على المقدمات فقط كان ذلك تلبيسًا عليه، وإيهامًا في الخطاب، وإبهامًا له أنه مأمور بذبح ولده مع أنه في نفس الأمر ليس كذلك، وهو قبيح أعني الإبهام والتلبيس؛ لأنه يشترط لصحة التكليف أن يعرف المكلف ما كلف به، وحينئذ يكون أمره بالاقتصار على مقدمات الذبح من حيث لا يعلم تكليفًا غير صحيح.","vol":"3","page":383},{"text":"٣ - أنَّ حمل الأمر على العزم على خلاف قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فصرح هنا بالذبح، ومعروف أنَّ العزم لا يسمى ذبحًا، فهذا فيه حمل شيء على غير محمله.\nالجواب الثالث: قولهم: قوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، معناه: قد فعلت ما أمرت به.\nيجاب عنه:\nأولًا: لا نسلم أنَّ هذا معناه، بل معناه: قد عزمت على فعل ما أمرت به صادقًا. فكان جزاؤك أن خففنا عنك كلفته بنسخه، هذا هو كلام المفسرين، وهو المفهوم المتبادر من سياق الآية.\nثانيًا: هذا الاستدلال بالآية على ما زعم المعترض غير صحيح؛ وذلك لأنَّ المراد بالتصديق هنا هو التصديق بالقلب، لأنَّ حقيقة التصديق يكون في القلب دون تحقيق الفعل، فكأنَّ الله تعالى قال: إنك يا إبراهيم لما صدقت، وآمنت واعتقدت وجوبه، وعزمت على فعله، وعملت مقدماته عمل مصدق؛ جزيناك كما نجزي المحسنين، فنسخنا عنك فعل الذبح وتحقيقه بذبح كبش، فالتصديق يختلف عن التحقيق والامتثال والعمل وإيقاع ما أمر به.\nالجواب الرابع: قولهم: قول الذبيح: افعل ما تؤمر. لفظ مستقبل","vol":"3","page":384},{"text":"يدل على أنه ما أمر بذبحه، بل سيؤمر به في المستقبل.\nجوابه من وجهين:\nأولًا: لا نسلم أنَّ المراد به في المستقبل، بل معنى قوله: ما تؤمر. افعل ما أمرت به وضعًا للمضارع موضع الماضي، وهو كثير في اللغة.\nفإن قيل: هذا خلاف الظاهر من اللفظ.\nقلنا: يلزمكم مثله في قوله: إني أرى في المنام أني أذبحك. فإنَّ ظاهره أنه رأى أنه أمر بذبحه وعلى قولكم، يكون تقديره: إني أرى في المنام أني سأؤمر بذبحك. وهو خلاف الظاهر، ويحتاج إلى إضمار، وما ذكرناه نحن من وضع المضارع موضع الماضي سهل.\nثانيًا: أنَّ معنى قوله: افعل ما تؤمر. أي: ما تؤمر به في الحال، استصحابًا لحال الأمر الماضي.\nوبيان ذلك: أنَّ كل مأمور بفعل، فالأمر به متوجه إليه ما لم يفعله استصحابًا لحال الأمر في آخر الوقت، فإبراهيم ﵇ لما أمر في الليل بذبح ولده، ثم أصبح فأخبر ولده بذلك، فهو في حال إخبار ولده مأمور بما أمر به في الليل بذبح ولده؛ لأنَّ الأمر لم يسقط عنه بعد، فأمره بالذبح في الماضي مستصحب إلى حال إخبار ولده.\nوقوله: افعل ما تؤمر. أي: ما أنت مأمور به في الحال، بناء على","vol":"3","page":385},{"text":"استصحاب الأمر الماضي، والفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو في الحال أظهر.\nوإذا حملنا قوله: افعل ما تؤمر. على الحال عملًا بظاهر لفظه، وبما ذكرناه من دليلنا فلا استقبال فيه، وحينئذ يبطل قولكم: إنه أخبر أنه سيؤمر بذبحه في المستقبل.\nثم إنه لو كان مراد الشارع أنه سيأمر إبراهيم ﵇ في المستقبل؛ لوجد ذلك الأمر قطعًا، لئلا يكون خلفًا وكذبًا في الكلام، والله منزه عن ذلك، فلما لم يوجد الأمر في المستقبل عرفنا أنَّ المراد بقوله: ما تؤمر. ما أمر به في الماضي، ودل على بطلان ما تأولوه.\nالجواب الخامس: قولهم: لم ينسخ عنه الذبح بل قلب عنقه نحاسًا.\nيجاب عنه:\nأولًا: أنَّ ذلك لو حصل ووقع لنقل إلينا نقلًا متواترًا ولاشتهر، والتواتر باطل؛ لأنه لو تواتر لما اختصصتم بعلمه دوننا مع أنَّ الشرع واحد، والأسباب مشتركة بيننا وبينكم، ولو صح دعوى ذلك لكان كل من مُنع شيئًا أو نوزع فيه قال لخصمه: هذا تواتر عندي دونك. ويلزم من ذلك خبط عظيم.","vol":"3","page":386},{"text":"ثانيًا: سلمنا أنَّ عنقه قلب نحاسًا لكنه نسخ أيضًا؛ وذلك لأنَّ النسخ إما رفع الحكم، أو بيان انتهاء مدة الحكم، وكلاهما موجود في سقوط الذبح لتعذره بقلب العنق نحاسًا، أما الأول فلأنه كان مأمورًا بالذبح قبل قلب العنق نحاسًا، وبعده لم يكن مأمورًا به، وهذا حقيقة رفع الحكم الثابت.\nفإن قيل: النسخ هو رفع الحكم بخطاب، وارتفاع وجوب الذبح هنا إنما هو بالتعذر لا بالخطاب. قلنا: لكن هو مستند إلى الخطاب، وهو أدلة الشرع العامة على عدم وقوع التكليف بالمحال، والذبح بعد قلب العنق نحاسًا صار من المحال.\nوأما الثاني: فلأنَّ بانقلاب العنق نحاسًا انتهت مدة الأمر بالذبح لتعذره، فقد بان أنَّ قلب العنق نحاسًا نسخ، لوجوب الذبح على كلا التعريفين للنسخ.\nوأما قولهم: سلمنا أنَّ إبراهيم كان قد أمر بذبح ابنه حقيقة، ونسلم أنه وقع منه الذبح، وحصل، ولكن كلما قطع جزءً من رقبة ابنه عاد ملتحمًا حتى التأم الجرح كأن لم يكن، ويدل على ذلك قوله: قد صدقت الرؤيا. يعني صدقت الرؤيا، فامتثلت ما أمرت به، ولو لم يذبح لما كان مصدقًا للرؤيا، فلا نسخ قبل التمكن من الفعل.","vol":"3","page":387},{"text":"يجاب عنه:\nأولًا: أنه لو صح لاستغنى عن الفداء؛ لأنه قد أتى بالمأمور، فالفداء بعده جمع بين البدل والمبدل.\nثانيًا: أنه لو كان إبراهيم ﵇ كلما قطع جزءًا التحم -كما زعمتم- لنقل إلينا نقلًا متواترًا؛ لأنه لا يمكن ترك نقله لكونه من المعجزات والآيات الباهرة التي لا يمكن تركها، لكن ذلك لم ينقل متواترًا ولا آحادًا.\nوالاستدلال بقوله: قد صدقت الرؤيا. على ما زعم غير صحيح؛ لأنَّ المراد بالتصديق هنا التصديق بالقلب، لأنَّ حقيقة التصديق يكون في القلب دون تحقيق الفعل، فالتصديق يختلف عن التحقيق، والامتثال، والعمل، وإيقاع ما أمر به، وقد مر الكلام على هذا.\nثالثًا: أنَّ قول المعترض هذا يخالف قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٥]، فهنا نودي إبراهيم، فلو كان قد ذبح والتحم محل الذبح كما زعم المعترض لقال: فلما أنفذ الأمر. أو قال: فلما ذبح. ونحو ذلك من العبارات التي تدل على أنه امتثل الأمر، ولكن الله لم يأت بشيء من ذلك، بل أتى بتلك الآية مما يدل على أنه نسخ قبل الفعل.","vol":"3","page":388},{"text":"الدليل الثالث: من الأدلة على جواز نسخ الشيء قبل التمكن من الامتثال.\nقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\nوجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب، وظاهر هذا: جواز النسخ في عموم الأحوال سواء بعد التمكن من الفعل أو قبل التمكن.\nالدليل الرابع: ومما استشهد به البعض على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل نسخ ما فرض الله على نبيه ﷺ في ليلة المعراج خمسين صلاة، ثم نسخها إلى خمس، ولم يفعل النبي ﷺ ولا أمته شيئًا منها.\nالمذهب الثاني: لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله، وامتثاله، وهو مذهب المعتزلة، واختاره أبو بكر الصيرفي، وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص واختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة.\nأدلتهم:\nالدليل الأول: إنَّ الأمر بالشيء يدل على حسنه، وكونه مصلحة، والنهي عنه يدل على قبحه وكونه مفسدة، فإذا أمر بالحج في رمضان","vol":"3","page":389},{"text":"مثلًا دل ذلك على حسن الحج، وكونه مصلحة للعباد، فإذا نهي عن إيقاع الحج، وقال في أول شهر ذي الحجة: لا تحجوا. دل ذلك على قبح الحج وكونه مفسدة، والفعل الواحد في حالة واحدة لا يكون مصلحة مفسدة بالإضافة إلى شخص واحد، فنتج أنَّ نسخ الشيء قبل التمكن من فعله يفضي إلى أن يكون الشيء الواحد على وجه واحد مأمورًا به، ومنهيًّا عنه، حسنًا وقبحًا، مصلحة ومفسدة، وهذا هو التناقض.\nويجاب عنه:\n١ - بأنه لا يمتنع أن يكون الأمر بالفعل يدل على حسنه بشرط ألا ينهى عنه، والنهي عنه يدل على قبحه بشرط ألا يؤمر به، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه واستمراره شرطًا في الأمر، فيقول الشارع: افعل ما أمرناك به إن لم يأت نهي يزيل أمرنا عنك.\n٢ - أنا لا نسلم أنه منهي عنه على الوجه الذي هو مأمور به بل على وجهين، كما ينهى عن الصلاة مع الحدث، ويؤمر بها مع الطهارة، وينهى عن السجود للصنم، ويؤمر بالسجود لله لاختلاف الوجهين.\nالدليل الثاني: لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت، ثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت للزم من ذلك أن يكون الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد مأمورا منهيًّا؛ وذلك محال على الله تعالى،","vol":"3","page":390},{"text":"لأنه أمر بالشيء ونهى عنه في وقت واحد.\nويجاب عنه:\n١ - بأنَّ ذلك يكون محالًا إذا كان الغرض من الأمر هو حصول الفعل، أما إذا كان الغرض والمقصود هو ابتلاء المأمور وامتحانه فيجوز، ولا مانع من ذلك، فإنَّ السيد قد يقول لعبده: اذهب غدًا إلى موضع كذا راجلًا حافيًا. وهو لا يريد الفعل، بل يريد امتحانه ورياضته مع علمه بأنه سيرفع عنه ذلك غدًا قبل فعله.\n٢ - قد لا يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره معلومة للمأمور، أما إذا كان مجهولًا عند المأمور معلومًا عند الآمر لامتحانه بالعزم، والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد حتى يتعرض بالعزم للثواب، وبالترك للعقاب، وربما يكون فيه لطف واستصلاح (^١).\n_________\n(^١) المستصفى (١/ ٢٩٨)، وما بعدها بتصرف، شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٨١) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه (٢/ ٥٦٩) وما بعدها بتصرف.","vol":"3","page":391},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-526> المسألة الثالثة عشر: أقسام النسخ:</span>\n• أولًا: باعتبار النص المنسوخ: ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: ما نسخ حكمه، وبقي لفظه:\nوهذا هو الكثير فى القرآن، مثاله آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، ثم نسخ حكمها بقوله تعالى ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] نسخ الحكم وبقى اللفظ.\nفإن قيل: الأصل هو الحكم فلو نسخ الحكم فما فائدة بقاء اللفظ؟ بقاء اللفظ له حكَم كثيرة منها: التلاوة، والتعبد بها بغية الثواب، وتذكير الأمة بحكمة النسخ، وغير ذلك.\nالثانى: ما نسخ لفظه، وبقي حكمه:\nوذلك كآية الرجم، فقد ثبت فى الصحيحين من حديث ابن عباس أنَّ عمر بن الخطاب قال \" كان فى ما أنزل الله آية الرجم فقرأناها، وعقلناها، ورجم رسول الله، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، وأنَّ الرجم فى كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من","vol":"3","page":392},{"text":"الرجال والنساء، وقامت البينة، وكان الحبل أو الاعتراف\" (^١).\nوحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة فى العمل بما لا يجدون لفظه فى القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله، على عكس حال اليهود الذان حاولوا كتم نص الرجم فى التوراة، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم». فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة \" (^٢).\nالثالث: ما نسخ حكمه ولفظه:\nوذلك كنسخ العشر رضعات الوارد فى حديث عائشة «كان في ما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١) من حديث عمر بن الخطاب.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩).","vol":"3","page":393},{"text":"معلومات» (^١).\nأقسام النسخ باعتبار الناسخ: (ينقسم إلى أربعة أقسام):\n١ - نسخ القرآن بالقرآن.\n٢ - نسخ القرآن بالسنة.\n٣ - نسخ السنة بالسنة.\n٤ - نسخ السنة بالقرآن.\n• أولًا: نسخ القرآن بالقرآن:\nمثاله آيتا المصابرة وهى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ نسخت بقوله ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.\n• ثانيًا: نسخ القرآن بالسنة:\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: جواز نسخ القرآن بالسنة عقلًا وشرعًا.\nوهو مذهب الحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين، ورواية عن أحمد، واختيار بعض الشافعية كالغزالي، وهو اختيار شيخ الإسلام\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٥٢).","vol":"3","page":394},{"text":"ابن تيمية.\nأدلتهم:\nالدليل الأول (^١): أنَّ نسخ القرآن بالسنة لا يستحيل عقلًا؛ لأنَّ الناسخ في الحقيقة هو الله ﷿ على لسان رسوله ﷺ بوحي غير نظم القرآن، فكلام الله ﷿ واحد هو الناسخ باعتبار، والمنسوخ باعتبار، وليس له كلامان: أحدهما قرآن، والآخر ليس بقرآن، وإنما الاختلاف في العبارات، فربما دل كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته فيسمى قرآنًا، وربما دل بغير لفظ متلو فيسمى سنة، والكل مسموع من الرسول ﷺ، والناسخ هو الله تعالى في كل حال، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال النبي ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (^٢).\nقال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ السنة شرع من الله ﷿، كما أنَّ الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وأمر سبحانه باتباع رسوله ﷺ في غير موضع\n_________\n(^١) المستصفى (١/ ٣٢٧)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٢١).\n(^٢) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤)، من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا.","vol":"3","page":395},{"text":"في القرآن، فهذا بمجرده يدل على أنَّ السنة الثابتة عنه ثبوتًا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع (^١).\nواعترض: بأنه لا ننكر هذا، لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه الله في كتابه، وافترضه نصًّا فيه، وأما الذي ثبت بالسنة، فهو وإن كان صدره عمن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته، وهذا كما أنَّ الوحي يختلف، فمنه ما يكون رؤيا، ومنه ما يكون إلهامًا ونفثًا في الروع، ووحي الكتاب مخالف لكل هذا؛ إذ هو الأعلى والمقدم على سائر أنواعه، كذلك ههنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابتًا على وجوه ما يثبت به (^٢).\nالدليل الثاني: أنه لو لم يجز نسخ القرآن بالسنة، لكان إما ألا يجوز في القدرة أو في الحكمة.\nوالأول لا يجوز؛ لأنه معلوم أنَّ النبي ﷺ كان يقدر على أنواع الكلام، ولو أتى بكلام موضوع لرفع الحكم من أحكام الكتاب، صح ذلك ودل على ما هو موضوع له.\n_________\n(^١) انظر إرشاد الفحول (٢/ ٨١٣).\n(^٢) انظر قواطع الأدلة (٢/ ٧٠١).","vol":"3","page":396},{"text":"والثاني لا يجوز أيضًا؛ لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون منفرًا عن النبي، وموهمًا أنه ﵊ يأتي بالأحكام من قبل نفسه، وهذا لو نفر عنه لنفر عنه من حيث إنه أزال حكمًا شرعيًّا، وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته، وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بالسنة.\nالدليل الثالث: أنَّ النسخ بيان انتهاء مدة الحكم، وكتاب الله حجة، وسنة النبي ﵊ حجة، وكما يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب، فكذلك يجوز أيضًا أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب.\nفإن قال قائل: إنَّ هذا يوهم الاختلاف، فهذا غلط؛ لأنَّه إن كان هذا يوهم الاختلاف، فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف، بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوَّز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله ﷿، وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد، والذي يوضح هذا: أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب، ونسخ التلاوة بمحو الحفظ من القلوب، إما رفعًا، وإما بانقراض الذين علموه من غير خلف، وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله بوحي الله تعالى إليه، فإنهما سواء في أنَّ النسخ كان بغير كتاب.","vol":"3","page":397},{"text":"الدليل الرابع: أنَّ النسخ إسقاط الحكم في بعض الأزمان التي يتناولها على العموم فأشبه التخصيص، فإنه إسقاط الحكم في بعض الأشخاص الذين يتناولهم العموم، ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، فكذا النسخ (^١).\nالدليل الخامس: الوقوع، فقد وقع في الشريعة نسخ القرآن بالسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن ذلك:\nأنه كان الواجب على الزانية الحبس في البيوت بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم بقوله ﷺ: «قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام …» (^٢).\nومنه الوصية للوالدين والأقربين الثابتة بالقرآن بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ثم قد نسخ ذلك بالسنة بقول النبي ﵊: «لا وصية لوارث» (^٣).\n_________\n(^١) انظر قواطع الأدلة (٢/ ٦٩٦، ٦٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩٠)، من حديث عبادة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وتكلم فيه عدد من العلماء بتضعيفه.","vol":"3","page":398},{"text":"واعترض:\nأولا: بأنَّ القول بالوقوع يستدعي دليلًا، والأصل عدمه، وما ذكرتموه من الصورتين المذكورتين لا حجة فيهما على الوقوع، بل النص فيهما بيان لا نسخ، فآية الوصية نسخت بآية الميراث، وبيان مهام الوالدين والأقربين، وأكد النبي ﷺ نسخها ببيانه، والإيضاح عنه ولهذا يقول النبي ﷺ: «إنَّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (^١)، فكان هذا بيانًا وإخبارًا عن زوال وجوب الوصية للوارث لا نسخًا (^٢).\nثانيًا: أنَّ الفاء في قوله ﵊: «فلا وصية لوارث» تدل على تقدم السبب كقولك: قمت إلى فلان فضربته. دل أنَّ القيام سبب لضربه، فيكون على هذا الخبر الوارد مبينًا للكتاب الذي وقع به النسخ لا نسخًا له، ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه (^٣).\nوأجيب: بأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث، وآية المواريث التي هى قوله تعالي: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وتكلم فيه عدد من العلماء بتضعيفه.\n(^٢) انظر شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٢٤).\n(^٣) قواطع الأدلة (٢/ ٧٠٤).","vol":"3","page":399},{"text":"[النساء: ١١]؛ حيث إنَّ الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب (^١).\nأما الآية الأخرى فقد اعترض عليها أيضًا، وهى آية الإمساك فى البيوت، والقول بأنَّ النسخ وقع بخبر الرجم بقوله: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم» (^٢).\nفالسبيل مذكور فيها، والأمر فيها مغيا إلى حين جعل السبيل، فلما جاء وقته بينه النبي ﷺ؛ ولهذا قال: «قد جعل الله لهن سبيلًا»، فأضاف جعل السبيل إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ولو سلمنا أنَّ إمساكهن في البيوت منسوخ؛ لكان إضافة نسخه إلى قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ولآية الرجم التي نسخ لفظها دون حكمها أولى (^٣).\nثانيًا: أنَّ حكم الرجم مبني على قوله تعالي: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:\n_________\n(^١) انظر المستصفى (١/ ٣٥)، المهذب فى أصول الفقه (٢/ ٦٠٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩٠)، من حديث عبادة مرفوعًا.\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٢٤).","vol":"3","page":400},{"text":"١٥]؛ لأنَّ الله تعالي جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس، فقد تضمنت الآية أنَّ الحكم الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلًا، وكان السبيل الذي وقع إليه الإشارة في الكتاب هو الرجم الثابت بالسنة، فكأنَّ الله تعالى قال: فأمسكوهن فى البيوت حتى يسن فيهن سنة. ثم قد ثبتت سنة الرجم، فانقضى زمان حكم الحبس، مثل ما ينقضي زمان الصوم بدخول الليل، وليس هذا من النسخ في شيء إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب، فحين وجد وقته ارتفع (^١).\nومن أدلتهم قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقالوا إنَّ هذه الآية تحل غير ما ورد بها كالحمر الأهلية؛ لأن الله حصر المحرم فقال ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، فهذا حصر، فدل على أن غيرها حلال بالنص، فلما حرم الحمر الأهلية كان نسخًا للحل المتقدم.\nواستدلوا بأنَّ الصحابة ﵃ كانوا يقبلون خبر الآحاد ويرفعون به حكم المتواتر مثل قبولهم لرفع حكم استقبال بيت المقدس فى الصلاة\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (٢/ ٧٠٤).","vol":"3","page":401},{"text":"وهو متواتر بخبر صحابى واحد (^١).\nواستدلوا بنسخ المتعة فى قوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] بالسنة.\nوقال الشوكانى -رحمه الله تعالى- (واستدل القائلون بالوقوع (^٢) بما ثبت من أهل قباء لمَّا سمعوا كلام النبى ﷺ ....، ونسخ نكاح المتعة بالنهي عنها وهو آحاد (^٣)، قال: ومما يرشد إلى جواز النسخ بما صح من الآحاد لما هو أقوى متنًا أو دلالة منها، أن الناسخ فى الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني، وإن كان دليله قطعيًّا، فالمنسوخ إنما هو الظني لا ذلك القطعي. فتأمل هذا) (^٤).\nقال الشنقيطي -رحمه الله تعالى-: والتحقيق الذى لا شك فيه جواز\n_________\n(^١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦) عَنْ عَبد اللَّه بن عُمَرَ، قَالَ: بَينَا النَّاسُ بقُبَاءٍ في صَلَاة الصُّبح، إذ جَاءَهُم آتٍ، فَقَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ أُنزلَ عَلَيه اللَّيلَةَ قُرآنٌ، وَقَدْ أُمرَ أَنْ يَستَقبلَ الكَعبَةَ، فَاستَقبلُوهَا، وَكَانَت وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّأم، فَاستَدَارُوا إلَى الكَعبَة».\n(^٢) أى وقوع النسخ من الآحاد للمتواتر.\n(^٣) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٤٢١٦)، ومسلم (١٤٠٧) عَنْ عَليّ بن أَبي طَالبٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ: «نَهَى عَنْ مُتعَة النّسَاء يَومَ خَيبَرَ، وَعَنْ أَكل لُحُوم الحُمُر الإنسيَّة».\n(^٤) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٦٨).","vol":"3","page":402},{"text":"وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها، وأما قولهم المتواتر أقوى، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه، فإنهم غلطوا غلطًا عظيمًا مع كثرتهم … وإاضاح ذلك: لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما فى وقته، وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما (^١).\nالمذهب الثاني: جواز نسخ القرآن بالسنة عقلًا لا شرعًا، وهو قول الشافعى، وهو الأصح فى مذهبه كما قال ابن سريج، وإن كان ظاهر مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعًا، وهو قول أحمد فى رواية عنه، وأبي منصور البغدادى، واختاره أبو إسحاق الاسفراييني، والسمعاني، والغزالي.\nأدلتهم:\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦].\nوجه الدلالة:\n١ - أنَّ الله ﷿ أخبر أنه لا ينسخ آية إلا ويأتي بخير منها أو مثلها، والسنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرًا منه، فوجب أن لا يجوز النسخ\n_________\n(^١) المذكرة للشنقيطي (١/ ١٠٣).","vol":"3","page":403},{"text":"بها.\n٢ - أنَّ الله تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فهذا يدل على أنه هو المنفرد بالإتيان بخير من الآية، وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن.\n٣ - وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ يفيد أنه يأتي من جنسه، ألا ترى أنَّ الإنسان إذا قال: ما أخذت منك من ثوب آتيك بخير منه. أفاد أنه يأتيه بثوب من جنسه؟، وجنس القرآن قرآن.\n٤ - أنَّ الاستدلال بالآية معتمد، يدل عليه: أنه تعالى ساق الآية إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، وهذا يدل أنَّ غيره يعجز عنه.\nواعترض: بأنَّ قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فى الحكم ومصلحته، والسنة تساوي القرآن فى ذلك وتزيد عليه، إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أعظم من الثابتة بالقرآن، أو ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] في الثواب، وقد يكون في السنة ما هو خير من المنسوخ في الثواب.\nأو على التقديم والتأخير، بمعنى أنَّ فى الآية تقديمًا وتأخيرًا،","vol":"3","page":404},{"text":"تقديره: ما ننسخ من آية نأت منها بخير، فلا يكون فيها دلالة على محل النزاع أصلًا، إذ لا دلالة فيها على إثبات الناسخ أصلًا.\n٢ - وأما قولكم: إنه قال: (نأت)، فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه، قلنا: إذا دل الدليل على نسخ القرآن بالسنة، فالذي أتى بذلك هو الله ﷿، ألا ترى أنَّ الله هو الناسخ على لسان نبيه ﷺ، كما أنه هو المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيه ﷺ، وعلى هذا سقط تعلقكم بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيه، فالقدرة في ذلك له دون غيره.\nوأجيب: لا ننكر هذا، لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر، والإطلاق هو ما أوجبه الله في كتابه، وافترضه نصًّا فيه، وأما الذي ثبت بالسنة فهو وإن كان صدره عمن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته، وهذا كما أنَّ الوحي يختلف عنه، فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون إلهامًا ونفثًا في الروع، ووحي الكتاب مخالف لكل هذا، إذ هو الأعلى والمقدم على سائر أنواعه، كذلك ههنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابتًا على وجوه ما يثبت به.\n٣ - وأما قولكم: إنَّ قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، يقتضي أن يكون ما يأتي به من جنسه. فهذا لا يفيد ما قلتم، فإنَّ الإنسان","vol":"3","page":405},{"text":"إذا قال: ما أخذت منك من ثوب آتك بما هو خير منه. احتمل أن يأتيه بثوب، ويحتمل أن يأتيه بشيء آخر، وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواء كان ثوبًا أو غيره، فقد صدق في قوله ووعده.\nوأجيب: قلنا: لا، بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول، وهذا الذي يفهم عند إطلاق ذلك اللفظ، فأما قول القائل: ما أخذت منك من ثوب آتك بما هو خير منه. إنما يفيد ما ذكرتم؛ لأنه ذكر لفظ «ما»، وهذا اللفظ يقع على الثوب وعلى غيره، وليس ذلك في الآية؛ لأنَّ الله تعالى لم يقل: (بما هو خير منها)، وإنما قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فنظيره قول القائل: ما أخذت منك من ثوب آتك بخير منه، وهو مفيد ثوبًا خيرًا من الثوب الأول.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، فدل على أنه لا ينسخ القرآن بالسنة.\nواعترض: بأنه لا خلاف في أنه لا ينسخ من تلقاء نفسه، بل بوحي يوحى إليه، لكن لا يكون بنظم القرآن، وإن جوزنا النسخ بالاجتهاد، فالإذن في الاجتهاد يكون من الله ﷿ كالإذن في النسخ.\nوالمقصود: أنه ليس من شرطه أن ينسخ حكم القرآن بقرآن، بل على لسان رسوله بوحي ليس من القرآن على أنهم طالبوه بقرآن مثل","vol":"3","page":406},{"text":"هذا القرآن، فقال: لا أقدر عليه من تلقاء نفسي، وما طالبوه بحكم غير ذلك. فأين هذا من نسخ القرآن بالسنة وامتناعه (^١).\n• ثالثًا: نسخ السنة بالقرآن:\nوالصحيح أن القرآن ينسخ السنة، ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nومن ذلك نسخ رد المسلمات إلى الكفار الوارد فى صلح الحديبية (^٢) فنسخ القرآن ذلك الحكم بقوله تعالى ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].\nوكذلك نسخ حكم عدم جواز مباشر المرأة فى ليل رمضان بقوله\n_________\n(^١) المستصفى (١/ ٣٢٨، ٣٢٩)، قواطع الأدلة (٢/ ٦٩٨) وما بعدها، شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٢١) وما بعدها، إرشاد الفحول (٢/ ٨١٣).\n(^٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة في صلح الحديبية الطويل وفيه: «ثُمَّ جَاءَهُ نسوَةٌ مُؤمنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤمنَاتُ مُهَاجرَاتٍ فَامتَحنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] حَتَّى بَلَغَ بعصَم الكَوَافر فَطَلَّقَ عُمَرُ يَومَئذٍ امرَأَتَين، كَانَتَا لَهُ في الشّرك فَتَزَوَّجَ إحدَاهُمَا مُعَاويَةُ بنُ أَبي سُفيَانَ، وَالأُخرَى صَفوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبيُّ ﷺ إلَى المَدينَة».","vol":"3","page":407},{"text":"تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nومن الأدلة أيضًا على جواز نسخ القرآن للسنة نسخ تأخير الصلاة عند الخوف كما حدث فى غزوة الخندق (^١)، فنسخ ذلك بصلاة الخوف (^٢)، وغير ذلك من الأدلة، فالصحيح والله أعلم أن السنة تنسخ بالقرآن.\n• رابعًا: نسخ السنة بالسنة:\nوذلك مثل: قوله ﷺ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (^٣)،\n_________\n(^١) ورد في السنن، ومسند أحمد والشافعى «أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا» وذلك قبل نزول صلاة الخوف.\n(^٢) جاءت صلاة الخوف عن النبي على أنواع مختلفة ذكر الإمام النووي فى شرحه لصحيح مسلم أنها جاءت فى أحاديث يبلغ مجموعها ستة عشر نوعًا، وهي مفصلة فى صحيح مسلم، وبعضها فى سنن أبى داود، واختار الشافعى منها ثلاثة أنواع: بطن نخل، وذات الرقاع، وعسفان. شرح النووى، (٦/ ٣٧٥)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، (٤/ ٣٥١).\nولا خلاف بين العلماء أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق وكانت أول صلاة للخوف صلاها النبى ﷺ، وردت فى صحيح مسلم فى كتاب صلاة المسافرين باب صلاة الخوف، ورواه أيضًا أبو داود فى سننه فى كتاب الصلاة باب صلاة الخوف، من حديث جابر بن عبد الله قال «شهدت مع رسول الله صلاة الخوف فصفنا صفين: صف خلف رسول الله والعدو بيننا وبين القبلة …» الحديث.\n(^٣) أخرجه مسلم ٩٧٧ من حديث بريدة مرفوعًا.","vol":"3","page":408},{"text":"ومنه «كنت نهيتكم عن النبيذ فى الأوعية فاشربوا في ما شئتم ولا تشربوا مسكرًا» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-527> المسألة الرابعة عشر: هل يقع مفهوم الموافقة ناسخًا ومنسوخًا؟</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة، على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنَّ مفهوم الموافقة يقع ناسخًا ومنسوخًا، وهو مذهب جمهور العلماء.\nوأدلتهم:\nأولًا: أنَّ مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، قال القَاضي في التَّقريب: لَا فَرقَ في جَوَاز النَّسخ بمَا اقتَضَاهُ نَصُّ الكتاب وظاهره، وجوازه بمَا اقتَضَاهُ فَحوَاهُ وَلَحنُهُ، وَمَفهُومُهُ، وَمَا أَوجَبَهُ العُمُومُ وَدَليلُ الخطَاب عندَ مُثبتهَا؛ لأَنَّهُ كَالنَّصِّ أَوْ أَقوَى منهُ (^٢).\nوقال ابن السمعاني: وأما النسخ بفحوى الخطاب فهو جائز؛ لأنه مثل النطق وأقوى منه (^٣).\nوبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، دلَّ\n_________\n(^١) رواه مسلم فى صحيحه فى كتاب الجنائز باب استئذان النبى ﷺ ....\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٨٢٤).\n(^٣) قواطع الأدلة (٢/ ٦٦٠).","vol":"3","page":409},{"text":"بمنطوقه على تحريم التأفيف، ودل بمفهومه الموافق على تحريم الضرب، والشتم، والقتل، والسب، أي: إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أولى أن يحرم الضرب والشتم؛ لأنه أشد في الإيذاء (^١).\nثانيا: نقل الآمدي والفخر الرازي الاتفاق على أنه ينسخ به ما ينسخ بمنطوقه (^٢).\nواعترض: بأنَّ المسألة ليس فيها اتفاق، بل الخلاف فيها مشهور.\nقال الزركشي: وَهُوَ عَجيبٌ؛ فَإنَّ في المَسأَلَة وَجهَين لأَصحَابنَا وَغَيرهم، حَكَاهُمَا المَاوَرديُّ في الحَاوي، وَالشَّيخُ أبو إسحاق في اللُّمَع، وَسُلَيمٌ الرازي، وَصَحَّحَوا المَنعَ. والماوردي نقله عن الأكثرين (^٣).\nالمذهب الثاني: أنَّ مفهوم الموافقة لا يقع ناسخًا ولا منسوخًا، وهو مذهب بعض الشافعية.\nودليلهم:\n١ - أنَّ مفهوم الموافقة قياس جلي، والقياس لا يُنسَخ ولا يُنسَخ به، وبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دلَّ\n_________\n(^١) المهذب في أصول الفقه (٢/ ٦١٨).\n(^٢) المحصول (٣/ ٣٦١)، الإحكام (٣/ ١٦٦).\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٤/ ١٤٠).","vol":"3","page":410},{"text":"بمفهومه على تحريم الضرب والشتم، والقتل للوالدين، فلم ينطق بذلك، ولم يكن في ذلك صيغة الضرب والشتم والقتل، وإنما المنطوق به التأفيف، فألحق به الضرب والشتم بجامع الأذى في كل، وهذا هو القياس، والقياس لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا.\nوأجيب:\nأولًا: أنَّ تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ثبت نطقًا، لا قياسًا، فصح نسخه، ويدل على أنه ثبت نطقًا قولهم: هذا مفهوم الخطاب، وفحواه وتنبيهه.\nثانيًا: أنَّ من سمى هذا قياسًا من الشافعية صرَّحوا بأنه قياس جلي يجري مجرى النطق في الدلالة، ونحن سميناه بمفهوم الموافقة، أو التنبيه، أو دلالة النص عند الحنفية، وهذا اختلاف في التسمية لا يضر ما دام أنَّ المعنى متفق عليه (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-528> المسألة الخامسة عشر: مفهوم المخالفة هل يقع منسوخًا؟</span>\nمفهوم المخالفة يأتي منسوخًا، والمعنى أنه يجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه.\nوأما نسخ المفهوم المخالف دون أصله، كقوله ﷺ: «إنما الماء من\n_________\n(^١) المهذب في أصول الفقه (٢/ ٦١٨).","vol":"3","page":411},{"text":"الماء» (^١)، فإنه نسخ مفهومه بما ثبت من قوله ﷺ: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، فهذا نسخ مفهوم «الماء من الماء»، وبقي منطوقه محكمًا غير منسوخ؛ لأنَّ الغسل واجب من الإنزال بلا خلاف (^٢).\n• المسألة السادسة عشر: مفهوم المخالفة هل يقع ناسخًا؟\nاختلف العلماء في هذا على مذاهب:\nالمذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة لا يكون ناسخًا.\nذهب إلى ذلك كثير من العلماء، كابن السمعاني حيث قال: دليل الخطاب يجوز نسخ موجبه، ولا يجوز النسخ بموجبه؛ لأنَّ النص أقوى من دليله (^٣).\nوالمعنى: أنَّ مفهوم المخالفة يضعف عن مقاومة النص (^٤).\nالمذهب الثاني: يقع مفهوم المخالفة ناسخًا، وهو قول بعض الشافعية كالشيرازي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ١٣٨، ١٣٩)، إرشاد الفحول (٢/ ٨٢٣)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٧٩)، المذكرة (١/ ١٥٥).\n(^٣) قواطع الأدلة (٢/ ٦٦٠).\n(^٤) وهو قول المحلي في شرحه على جمع الجوامع (٢/ ٨٤)، وابن النجار في شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٨٠).","vol":"3","page":412},{"text":"وحجتهم: أنَّ مفهوم المخالفة في معنى النطق، فكما أنَّ النص يأتي ناسخًا، فكذلك مفهوم المخالفة، ولا فرق، وهذا على المذهب الصحيح (^١).\nوأجيب: بأنَّ قياس مفهوم المخالفة على النص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأنَّ النص دلالته قطعية على المدلول، بخلاف دلالة مفهوم المخالفة، لذا منع الحنفية من الاحتجاج بمفهوم المخالفة على تفصيل، أما الاحتجاج بالنص فلم يمنع منه أحد (^٢).\nالمذهب الثالث: التفريق بين المفاهيم:\nفإن كان مفهوم المخالفة من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة والشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخًا؛ لأنه قريب من المنطوق، وإن كان من المفاهيم الضعيفة كمفهوم العدد واللقب ونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخًا لضعفه وعجزه عن مقاومة النص.\nوأجيب: بأنَّ هذا التفريق بين المفاهيم لا دليل عليه، ولا يمكن أن يكون مفهوم المخالفة قريبًا من النص (^٣).\n_________\n(^١) اللمع للشيرازي (١٧٣).\n(^٢) المهذب في أصول الفقه (٢/ ٦٢٠) بتصرف.\n(^٣) البحر المحيط (٤/ ١٣٩)، المهذب في أصول الفقه (٢/ ٦٢٠) بتصرف.","vol":"3","page":413},{"text":"• المسألة السابعة عشر: هل يبطل حكم مفهوم المخالفة بنسخ أصله؟\nاختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: يبطل حكم مفهوم المخالفة بنسخ أصله، وهو اختيار القاضي، وجزم به الموفق في الروضة، ووافقه الطوفي، واختاره ابن فورك، ورجحه ابن النجار في الكوكب المنير.\nحجتهم: لأنَّ فرعه وعدمه كالخطابين.\nوبيان ذلك: أنَّ الدليل إنما هو تابع للفظ، فهو تابع له وفرع عنه فيستحيل أن يسقط الأصل ويكون الفرع باقيًا.\nالقول الثاني: أنه لا يبطل بنسخ أصله. قال ابن النجار: وهو وجه لأصحابنا.\nقال البرماويُّ: وَأَمَّا نَسخُ الأَصل بدُون مَفهُومه الَّذي هُوَ مُخَالفٌ لَهُ حُكمًا، فَذَكَرَ الصَّفيُّ الهنديُّ فيه احتمَالَين، قَالَ: وَأَظهَرُهُمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ضدِّ الحُكم باعتبَار القَيد المَذكُور، فَإذَا بَطَلَ تَأثيرُ ذَلكَ القَيد بَطَلَ مَا يَنبَني.\nوعلى هذا فنسخ الأصل نسخ للمفهوم منه.","vol":"3","page":414},{"text":"والمعنى: أنه يرتفع الحكم الشرعي الذي حُكم به على السكوت بضد حكم المذكور (^١).\n_________\n(^١) المحصول (٣/ ٣٦٠)، البحر المحيط (٤/ ١٣٩)، الكوكب المنير (٣/ ٥٧٩، ٥٨٠)، روضة الناظر (٨٨).","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-529>الفصل التاسع:\nترتيب الأدلة والتعادل والتعارض والترجيح</span>","vol":"3","page":417},{"text":"ترتيب الأدلة\nوالتعادل والتعارض والترجيح\n\n<span data-type='title' id=toc-530>مقدمات بين يدي البحث</span>\nأولًا: هذا البحث يطلق عليه البعض ترتيب الأدلة والترجيح، وبعضهم يسميه التعارض، وبعضهم التعادل والترجيح، واخترنا هذا؛ لأنه أشمل، وخروجًا من الخلاف، فكلها ألفاظ تفيد معاني متقاربة، ويبنى بعضها على بعض، ويكمل بعضها بعضًا.\nثانيًا: إن مبحث التعارض والترجيح مهم جدًا؛ لأنه يفرض نفسه عمليًّا في الحياة في مختلف شؤونها، وكذلك يفرض نفسه على العالم والفقيه والقاضي (^١)، وذلك لأَنَّ الأَدلَّةَ الشَّرعيَّةَ مُتَفَاوتَةٌ في مَرَاتب القُوَّة، فَيَحتَاجُ المُجتَهدُ إلَى مَعرفَة مَا يُقَدَّمُ منهَا وَمَا يُؤَخَّرُ، لئَلَّا يَأخُذَ بالأَضعَف منهَا مَعَ وُجُود الأَقوَى، فَيَكُونَ كَالمُتَيَمِّم مَعَ وُجُود المَاء.\nوَقَدْ يَعرضُ للأَدلَّة التَّعَارُضُ وَالتَّكَافُؤُ، فَتَصيرُ بذَلكَ كَالمَعدُومَة، فَيَحتَاجُ إلَى إظهَار بَعضهَا بالتَّرجيح ليَعمَلَ به، وَإلَّا تَعَطَّلَت الأَدلَّةُ\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (٢/ ٤٠٢).","vol":"3","page":419},{"text":"وَالأَحكَامُ.\nفَهَذَا البَابُ ممَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيه الاجتهَادُ تَوَقُّفَ الشَّيء عَلَى جُزئه، أَوْ شَرطه (^١).\nثالثًا: اختلف منهج علماء الأصول في مكان دراسة التعارض والترجيح، فمنهم من جعله قبل الكلام على الاجتهاد والتقليد وبعد مباحث الأدلة، ومنهم من جعله بعد الكلام على الاجتهاد والتقليد وهم الجمهور؛ لأنها من عمل المجتهد (^٢).\nوممن جعلها بعد الاجتهاد والتقليد: الآمدي، وابن الحاجب، وابن مفلح، ومن المعاصرين الشيخ مصطفى سلامه -حفظه الله-.\nلكننا نميل إلى وضعها مع طرق الاستنباط؛ إذ هي من طرق ووسائل الاستنباط.\nرابعًا: لا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة، سواء كانت كلية أم جزئية؛ لأن مصدر الشريعة واحد، وهو الله ﷾، ولأن التعارض يعني التناقض وهذا يبعد أن يصدر من إنسان عاقل مع علمه بذلك، فكيف يصدر من العليم الخبير الذي قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٦٧٣).\n(^٢) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (٢/ ٤٠٣) بتصرف.","vol":"3","page":420},{"text":"وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (^١).\nوإنما التعارض يكون في الظاهر، وفي نظر وفهم المجتهد.\nخامسًا: الانفكاك بين التعارض والترجيح، وإبعاد أحد المبحثين عن الآخر تصرف أعداء الدين، فهم يأتون على الأدلة التي تتعارض في الظاهر فيفرحون بها ويبرزونها وينشرونها كأنما وجدوا صيدًا ثمينًا، فيتعمدون إظهار التعارض وإخفاء الترجيح بضوابطه؛ لتشويه صورة هذا الدين العظيم، وأسوأ من ذلك أنهم كثيرًا ما ينصبون التعارض بين الأدلة والشبهات وأقوال الفقهاء، فيظن من لا علم عنده بشروط التعارض والترجيح أن هناك التباسًا بين الأدلة، فينبغي أن ينتبه لمثل هذا.\nورحم الله الزركشي حيث قال: وَالقَصدُ من هذا المبحث هو: تَصحيحُ الصَّحيح، وَإبطَالُ البَاطل (^٢).\nقلت: وليس المقصود هو ضرب الشريعة بعضها ببعض.\nسادسًا: ورد في بعض الكتب اصطلاح التعارض واصطلاح التعادل، وذهب بعض العلماء إلى التفريق بينهما تبعًا للغة، فالتعادل\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (٢/ ٤٠٤) بتصرف واختصار.\n(^٢) البحر المحيط (٨/ ١١٩) بتصرف.","vol":"3","page":421},{"text":"لغة التساوي، والتعارض هو التمانع، والجمهور على استعمال التعادل في معنى التعارض؛ لأنه لا تعارض إلا بعد التعادل (^١).\nسابعًا: التعارض إنما يكون بين دليلين، أما التعارض بين دليل وشبهة فلا يكون تعارضًا (^٢).\n• تعريف التعارض:\nالتعارض لغة: التقابل والتمانع والتعادل (^٣).\nفَهُوَ تَفَاعُلٌ منَ العُرض بضَمّ العَين، وَهُوَ النَّاحيَةُ وَالجهَةُ، كَأَنَّ الكَلَامَ المُتَعَارضَ يَقفُ بَعضُهُ في عُرض بَعضٍ، أَي نَاحيَته وَجهَته، فَيَمنَعُهُ منَ النُّفُوذ إلى حيث وجه (^٤).\nوَفي الاصطلَاح: تَقَابُلُ الدَّليلَين عَلَى سَبيل المُمَانَعَة (^٥)، بحيث يخالف أحدهما الآخر (^٦)، حيث إن إثبات أحدهما يقتضي نفي الآخر.\nوَذَلكَ إذا كَانَ أحد الدَّليلَين يدل على الجَوَاز وَالدَّليل الآخر يدل\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (٢/ ٤٠٤) مختصرًا.\n(^٢) البحر المحيط (٨/ ١٤٧).\n(^٣) الوجيز (٢/ ٤٠٦).\n(^٤) إرشاد الفحول (٢/ ٢٥٧).\n(^٥) البحر المحيط (٨/ ١٢٠).\n(^٦) الأصول من علم الأصول (٧٥).","vol":"3","page":422},{"text":"على المَنع، فدليل الجَوَاز يمنَع التَّحريم، وَدَليل التَّحريم يمنَع الجَوَاز، فَكل منهُمَا مُقَابل الآخر ومعارض لَهُ ومانع لَه (^١).\n• شروط التعارض:\nيشترط لتحقق التعارض شروط، فإن فقد شرط منها حصل الترجيح حكمًا، وهذه الشروط هي:\nأولًا: اتحاد القوة:\nيشترط في التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة، بأن يكونا قطعيين كآيتين أو خبرين متواترين، أو آية وخبر متواتر، أو يكونا ظنيين كخبري آحاد، أو قياس وقياس.\nفإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا فلا تعارض؛ لأن القطعي يقدم على الظني، ولأن الظني ينتفي بالقطع، كآية وخبر آحاد، فلا تعارض في الثبوت، ولكن يقع التعارض من حيث الدلالة، ومثل خبر متواتر وخبر آحاد، فلا تعارض بينهما، ويقدم القطعي حتمًا وهو المتواتر باتفاق، ولا يتحقق التعارض بين نص وإجماع، فيتقدم الإجماع لتحديد الدلالة، ولا تعارض بين نص وقياس فيقدم النص، ولا تعارض بين إجماع وقياس فيقدم الإجماع، ولا تعارض بين حديث صحيح مع\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (٤/ ٦٠٥).","vol":"3","page":423},{"text":"حديث ضعيف أو مردود؛ لأن الحديث الضعيف أو المردود ليس حجة أصلًا ولا دليلًا (^١).\nثانيًا: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد بأن يكون أحدهما يجوز، والآخر يحرم؛ لأن الدليلين إذا اتفقا في الحكم، فلا تعارض (^٢).\nثالثًا: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ حيث إن اختلاف الزمن ينفي التعارض، ومن هنا قدم خبر: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصبحُ جُنُبًا من غَير حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ» (^٣)، وقد روته إحدى زوجاته ﷺ على الخبر الذي رواه أبو هريرة: «مَنْ أَصبَحَ جُنُبًا فَلَا صَومَ لَهُ» (^٤).\nرابعًا: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد؛ لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين، فالنكاح مثلًا يوجب الحل في\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) المهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (٥/ ٢٤١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٣٠)، ومسلم (١١٠٩) من حديث عائشة ﵂ أنها قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُدركُهُ الفَجرُ في رَمَضَانَ من غَير حُلمٍ، فَيَغتَسلُ وَيَصُومُ».\n(^٤) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (٢٦٢٩٨)، والنسائي في الكبرى (٢٩٧٤)، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من أدركه الصبح جنبًا، فلا صوم له»، قال: فانطلقت أنا وأبي، فدخلنا على أم سلمة وعائشة، فسألناهما عن ذلك، فأخبرتانا أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم، فلقينا أبا هريرة، فحدثه أبي، فتلون وجه أبي هريرة، ثم قال: هكذا حدثني الفضل بن عباس، وهن أعلم.","vol":"3","page":424},{"text":"المنكوحة، والحرمة في أمها، إذن لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وذلك لاختلاف من يقع عليها الحل ممن يقع عليها التحريم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-532> المسالك العامة عند إيهام التعارض:</span>\n*<span data-type='title' id=toc-533> المسلك الأول: الجمع:</span>\nإذا وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما، تنزيهًا للشارع الحكيم عن التناقض في تشريعه، فإن أمكن إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما جمع بينهما وعمل بهما، وكان هذا بيانًا؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما (^٢).\nمثال: قول الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي\n_________\n(^١) المهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (٥/ ٢٤١٢، ٢٤١٣).\n(^٢) أصول الفقه للدكتور عبد الوهاب خلاف (٢٦٤).","vol":"3","page":425},{"text":"مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فأثبت له الهداية، ونفى عنه الهداية.\nوالجمع بينهما: أن الآية الأولى يراد بها هداية الدلالة إلى الحق والبيان والإرشاد، وهي ثابتة للرسول ﷺ، والآية الثانية يراد بها هداية التوفيق للعمل الصالح، وهذه بيد الله تعالى لا يملكها الرسول ﷺ.\nومن ذلك حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ، أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم النحر بمكة (^١)، وحديث ابن عمر أن النبي ﷺ صلاها بمنى (^٢).\nفجمع البعض بينهما: بأنه صلاها بمكة، ولما خرج إلى منى أعادها بمن فيها من أصحابه، وجمع البعض بوجوه أخرى (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٠٨)، من حديث ابن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَفَاضَ يَومَ النَّحر، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهرَ بمنًى.\n(^٣) قال الأرناؤوط في تعليقه على المسند (٤١/ ١٤٢): وهذان خبران متعارضان، مال بعضُ الأئمة إلى الجمع بينهما، والبعضُ الآخر إلى ترجيح أحدهما، وممن مال إلى الجمع بينهما ابنُ خزيمة، فإنه بعد إيراده حديثَ عائشة، وأنه ﷺ أفاضَ حين صلَّى الظهر قال: هذه اللفظة: (حين صلى الظهر) ظاهرها خلافُ خبر ابن عمر الذي ذكرناه قبلُ أن النبي ﷺ أفاضَ يوم النحر، ثم رجع فصلَّى الظهر بمنى، وأحسب أن معنى هذه اللفظة لا تضادُّ خبرَ ابن عمر، فلعل عائشة أرادت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر بعد رجوعه إلى منى، فإذا حُمل خبر عائشة على هذا المعنى لم يكن مخالفًا لخبر ابن عمر، وخبر ابن عمر أثبت إسنادًا من هذا الخبر، وخبر عائشة ما تأولت من الجنس الذي نقول: إن الكلام مقدم ومؤخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقنَاكُم ثُمَّ صَوَّرنَاكُم ثُمَّ قُلنَا للمَلَائكَة اسجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] فمعنى قول عائشة على هذا التأويل: أفاض رسولُ الله ﷺ من آخر يومه، ثم رجع حين صلى الظهر، فقدّم (حين صلى الظهر)، قبل قوله: (ثم رجع)، كما قدم الله ﷿: ﴿خَلَقنَاكُم﴾ قبل قوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرنَاكُم﴾، والمعنى: صوَّرناكم ثم خلقناكم. اه.\nقلنا: وقد جمع بينهما كذلك النووي في شرح صحيح مسلم (٨/ ١٩٣)، فانظره.\nأما ابن حزم فقال -فيما نقله صاحب نصب الراية (٣/ ٨٢) -: أحدُ الخَبرَين وهم، إلا أن الأغلب أنه صلى الظهر بمكة …، لوجوهٍ ذكرها. ثم قال الزيلعي: وقال غيره: يحتمل أنه أعادها لبيان الجواز. وقال أبو الفتح اليعمري في سيرته: وقع في رواية ابن عمر أن النبي ﷺ رجع من يومه ذلك إلى منى، فصلى الظهر. وقالت عائشة وجابر: بل صلى الظهر ذلك اليوم بمكة. ولا شك أن أحد الخبرين وهم، ولا يدرى أيهما هو، لصحة الطرق في ذلك.\nوقال الألباني في مناسك الحج والعمرة (٣٧) بعدما ذكر الفعلين، قلت: والله أعلم أيهما فعل رسول الله، ويحتمل أنه صلى بهم مرتين: مرة في مكة، ومرة في منى، الأولى فريضة والثانية نافلة، وكما وقع له في بعض حروبه ﷺ.","vol":"3","page":426},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-534> المسلك الثاني: فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول المنسوخ.</span>\nمثال:\nقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nفكانت أول مرحلة في الصيام هي التخيير، فمن شاء صامومن شاء","vol":"3","page":427},{"text":"أفطر وأطعم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nويشهد لذلك حديث سلمه بن الأكوع ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا في رَمَضَانَ عَلَى عَهد رَسُول الله ﷺ، مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفطَرَ فَافتَدَى بطَعَام مسكينٍ»، حَتَّى أُنزلَت هَذه الآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (^١).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فالثانية ناسخة للأولى، وهكذا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٤٥).","vol":"3","page":428},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-535> المسلك الثالث: فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح:</span>\nمثال: قوله ﷺ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأ» (^١)، وسئل عن الرجل يمس ذكره عليه الوضوء قال: «إنَّمَا هُوَ بَضعَةٌ منكَ» (^٢).\nفحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأ» هذا يأمر بالوضوء، وحديث: «إنَّمَا هُوَ بَضعَةٌ منكَ» لا يأمر بالوضوء، فأول مرحلة هي محاولة الجمع، كمن قال: معنى الحديث الأول أن من مس ذكره بشهوة عليه الوضوء، والثاني يعني أن من مسه بدون شهوة لا وضوء عليه.\nونازع البعض وقالوا: لا دليل على هذا القيد.\nفانتقلوا إلى مرحلة الناسخ والمنسوخ، فقال بعضهم: إن حديث «من مس ذكره فليتوضأ» متأخر، فهو ناسخ. وقال بعضهم: إن التاريخ غير معلوم.\n_________\n(^١) إسناده صحيح، أخرجه أبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (١/ ١٠٠)، وابن ماجه (٤٧٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني وغيره.\n(^٢) إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (١٦٢٨٦) وأبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، وغيرهم من حديث قَيس بن طَلق بن عَليٍّ، عَنْ أَبيه مرفوعًا، وقيس بن طلق بن علي ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأحمد والشافعي ولم يوثقه إلا العجلي، ولم يقبل الشافعي منه هذا الحديث.","vol":"3","page":429},{"text":"فانتقلوا إلى مرحلة الترجيح، فرجحوا الحديث الأول على الثاني، فرجح بعضهم الأول؛ لأنه أحوط، ولأنه أكثر طرقًا، ومصححوه أكثر؛ ولأنه ناقل عن الأصل، وفيه زيادة علم، وغير ذلك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-536> المسلك الرابع: فإن لم يوجد مرجح في نظر المجتهد وجب التوقف.</span>\n• مسألة: تعارض العام مع العام:\nالحال الأولى: أن يقوم دليل يدل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به، مثال قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nفالآية الأولى العموم في أن كل متوفى عنها زوجها تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت حائضًا، أو يئست من المحيض أو حاملًا، والآية الثانية عامة في كل حامل أن تكون عدتها بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها زوجها، أو مطلقة، فكما يتبين أن كل نص فيه عموم من جهة، فالأولى تبين أن المتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرًا، حتى وإن كانت حاملًا، والآية الثانية تنص على أن الحامل عدتها أن تضع حملها، وإن كانت متوفى عنها زوجها.\nفهنا لا بد أن يأتي دليل من خارج يبين ذلك، فجاء حديث سبيعة","vol":"3","page":430},{"text":"الأسلمية أنها توفى عنها زوجها وكانت حاملًا فاجتمع الأمران في حقها، فوضعت بعد ليال فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج (^١).\nفعدتها كانت بوضع الحمل.\nإذن نخصص المتوفى عنها زوجها بالحامل، فكل متوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرًا، إلا الحامل فعدتها بوضع الحمل.\nالحال الثانية: إن لم يقم دليل على التخصيص -أي تخصيص عموم أحدهما بالآخر- عمل بالراجح.\nمثال ذلك: قوله ﷺ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجدَ فَليَركَع رَكعَتَين قَبلَ أَنْ يَجلسَ» (^٢)، مع نهيه ﷺ عَنْ الصَّلَاة بَعدَ الصُّبح حَتَّى تَشرُقَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٩١)، ومسلم (١٤٨٤)، عن عُمَرَ بن عَبد اللَّه بن الأَرقَم الزُّهريّ أَنَّ سُبَيعَةَ بنتَ الحَارث أَخبَرَتهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحتَ سَعد بن خَولَةَ، وَهُوَ من بَني عَامر بن لُؤَيٍّ، وَكَانَ ممَّن شَهدَ بَدرًا، فَتُوُفّيَ عَنهَا في حَجَّة الوَدَاع وَهيَ حَاملٌ، فَلَم تَنشَب أَنْ وَضَعَت حَملَهَا بَعدَ وَفَاته، فَلَمَّا تَعَلَّت من نفَاسهَا، تَجَمَّلَت للخُطَّاب، فَدَخَلَ عَلَيهَا أَبُو السَّنَابل بنُ بَعكَكٍ، رَجُلٌ من بَني عَبد الدَّار، فَقَالَ لَهَا: مَا لي أَرَاك تَجَمَّلت للخُطَّاب، تُرَجّينَ النّكَاحَ؟ فَإنَّك وَاللَّه مَا أَنت بنَاكحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيك أَربَعَةُ أَشهُرٍ وَعَشرٌ، قَالَتْ سُبَيعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لي ذَلكَ جَمَعتُ عَلَيَّ ثيَابي حينَ أَمسَيتُ، وَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَسَأَلتُهُ عَنْ ذَلكَ، فَأَفتَاني بأَنّي قَدْ حَلَلتُ حينَ وَضَعتُ حَملي، وَأَمَرَني بالتَّزَوُّج إن بَدَا لي.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤).","vol":"3","page":431},{"text":"الشَّمسُ، وَبَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ (^١).\nفهنا نبحث عن مخصص لكل منهما من الخارج، أي نبحث عن دليل من الخارج.\nفالحديث الأول عام في كل من يدخل المسجد لا يجلس حتى يركع ركعتين، والحديث الثاني عام أيضًا في عدم جواز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الفجر حتى تشرق الشمس، فإذا اجتمع الدليلان في حق شخص واحد كمن يدخل المسجد بعد العصر مثلًا فماذا يفعل؟ هل يعمل بالحديث الأول أم بالحديث الثاني؟ في هذه الحال نبحث في كل دليل على حدة، هل خصص أم لا؟ فالدليل الذي خصص مرة وأخرى يخصص بالدليل الآخر.\nفنجد أنَّ حديث النهي عن الصلاة بعد العصر خصص غير مرة، ومن ذلك: قضاء سنة الظهر بعد العصر، كما فعل النبي ﷺ (^٢)، وكذلك جواز صلاة الجنازة بعد العصر، وقضاء الفوائت االمنسية ونحوها،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦).\n(^٢) ترجم البخاري بَابٌ: مَا يُصَلَّى بَعدَ العَصر منَ الفَوَائت وَنَحوهَا وذكر فيه عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: صَلَّى النَّبيُّ ﷺ بَعدَ العَصر رَكعَتَين، وَقَالَ: «شَغَلَني نَاسٌ من عَبد القَيس عَنْ الرَّكعَتَين بَعدَ الظُّهر» (١/ ١٢١).\nوقال ابن قدامة: فصل: وأما قضاء السنة الراتبة بعد العصر فالصحيح جوازه؛ لأن النبي ﷺ فعله، فإن قضى الركعتين اللتين بعد الظهر.","vol":"3","page":432},{"text":"وغيرها، فيكون معنى قوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ بَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ» (^١)، إلا صلاة الجنازة، أو قضاء سنة الظهر، أو الفوائت، فهذا الحديث خصص أكثر من مرة.\nوالحديث الآخر الوارد في تحية المسجد لا نجد ما يخصصه، بل نجد ما يؤكد فعله مثل حديث سليك حينما دخل على النبي ﷺ وهو يخطب الجمعة، فجلس فأمره النبي ﷺ أن يقف ويركع ركعتين (^٢)، ولم يسقطها النبي ﷺ عنه.\nوكذلك نجد أن صلاة الجنازة جائزة بعد العصر وبعد الفجر، ولكنها لا تجوز عند خطبة الجمعة، أما تحية المسجد أمر بها النبي ﷺ سليكًا وقت الخطبة، فدل ذلك على أن تحية المسجد أولى من صلاة الجنازة، فإذا جازت صلاة الجنازة بعد العصر والفجر؛ فمن باب أولى جواز صلاة تحية المسجد في هذه الأوقات أيضًا.\nفالعام الذي لم يُخَصَّص يُخَصِّص العام الذي خُصِّص قبل ذلك، والعام الذي لم يُخَصَّص يسمى العام المحفوظ، وهو الذي ظل على\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥)، عَنْ جَابر بن عَبد اللَّه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ النَّاسَ يَومَ الجُمُعَة، فَقَالَ: «أَصَلَّيتَ يَا فُلانُ؟» قَالَ: لا. قَالَ: «قُم فَاركَع رَكعَتَين».","vol":"3","page":433},{"text":"عمومه، والعام الذي خُصِّص يسمى غير المحفوظ.\nقال ابن تيمية: ما نهي عنه لسد لذريعة أبيح لمصلحة راجحة (^١).\nوالمعنى: أن النهي عن الصلاة مثلًا بعد العصر والفجر كان لسد ذريعة التشبه بالكفار حين يسجدون للشمس، فإن وجدت مصلحة راجحة أبيح العمل، ومن هذه المصالح الراجحة الصلاة ذات السبب كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وهكذا.\nمثال آخر: قول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقتُلُوهُ» (^٢)، مع ما ورد أنه نهى عن قتل النساء والصبيان (^٣).\nفهذا عام وهذا عام، ولا نستطيع أن نخصص أحدهما بالآخر، فهل المراد من بدل دينه فاقتلوه إلا النساء والصبيان، أم لا تقتلوا النساء والصبيان إلا من بدل دينه؟ نبحث في كل دليل على حده.\nفقوله ﷺ: «لا تقتلوا النساء والصبيان» خص في غير هذا، كما إذا كانت المرأة قاتلة عمدًا عدوانًا، وكذلك إذا زنت وكانت محصنة، فلقد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠١٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠١٥)، ومسلم (١٧٤٤)، عَنْ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: وُجدَت امرَأَةٌ مَقتُولَةً في بَعض مَغَازي رَسُول اللَّه ﷺ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ قَتل النّسَاء وَالصّبيَان.","vol":"3","page":434},{"text":"أمر النبي ﷺ بأن يقام الحد على الغامدية، وكذلك أيضًا سبها رسول الله ﷺ، فعن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَعمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشتُمُ النَّبيَّ ﷺ، وَتَقَعُ فيه، فَيَنهَاهَا، فَلَا تَنتَهي، وَيَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيلَةٍ، جَعَلَت تَقَعُ في النَّبيّ ﷺ، وَتَشتُمُهُ، فَأَخَذَ المغوَلَ فَوَضَعَهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَينَ رجلَيهَا طفلٌ، فَلَطَّخَت مَا هُنَاكَ بالدَّم، فَلَمَّا أَصبَحَ ذُكرَ ذَلكَ لرَسُول اللَّه ﷺ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لي عَلَيه حَقٌّ إلَّا قَامَ»، فَقَامَ الأَعمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَينَ يَدَي النَّبيّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَنَا صَاحبُهَا، كَانَتْ تَشتُمُكَ، وَتَقَعُ فيكَ، فَأَنهَاهَا فَلَا تَنتَهي، وَأَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، وَلي منهَا ابنَان مثلُ اللُّؤلُؤَتَين، وَكَانَت بي رَفيقَةً، فَلَمَّا كَانَ البَارحَةَ جَعَلَت تَشتُمُكَ وَتَقَعُ فيكَ، فَأَخَذتُ المغوَلَ فَوَضَعتُهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأتُ عَلَيهَا حَتَّى قَتَلتُهَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَلَا اشهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». (^١)، ولم ينكر النبي ﷺ عليه، فهذا الحديث: «لا تقتلوا النساء» خصص أكثر من مرة بهذه النصوص السابقة.\nوقوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» لا يوجد له تخصيص، فيكون هذا عمومًا باقيًا على عمومه لم يخصص، أما العموم الأول قابل\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٤٠٧٠) وغيرهما ومداره على عثمان الشحام وهو صدوق.","vol":"3","page":435},{"text":"للتخصيص أكثر من مرة، ويكون المعنى: نهى عن قتل النساء إلا من زنت، ومن قتلت عمدًا، ومن سبت النبي ﷺ، ومن بدلت دينها، وهكذا.\n\n*<span data-type='title' id=toc-537> ثانيًا: الترجيح:</span>\n• تنبيهات مهمة:\nأولًا: لا يكون الترجيح إلا مع وجود التعارض فإن انتفى التعارض انتفى الترجيح؛ لأنه فرعه، لذلك يقع الترجيح مرتبًا على وجود التعارض ويتأخر عنه في البحث (^١).\nوذهب البعض إلى أنه قد يوجد الترجيح بدون التعارض، وذلك لأن من شروط التعارض استواء الدليلين، والقول بترجيح أحدهما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، فينتفي التساوي بينهما، وهذا تناقض.\nوالجواب عن ذلك: أن التساوي لا يمنع من وجود جزئيات دقيقة في كل واحد من الدليلين يجعل أحدهما يرجح على الآخر، أو وجود مرجحات خارجية (^٢).\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٢/ ٤٢٣).\n(^٢) المهذب للنملة (٥/ ٢٤٢٥) بتصرف يسير.","vol":"3","page":436},{"text":"ثانيًا: إذا تحقق الترجيح وجبالعمل بالراجح وترك الآخر؛ لإجماع الصحابة على العمل بما ترجح عندهم من الأخبار (^١).\nثالثًا: وجوه الترجيح كثيرة، وحاصلها: أن ما كان أكثر إفادة للظن فهو أرجح (^٢).\n• تعريف الترجيح:\nالترجيح لغة هو: التمييل والتغليب، يقال: رجح الميزان. إذا مال (^٣).\nواصطلاحًا: اقترَانُ الأَمَارَة بمَا تَقوَى به عَلَى مُعَارضهَا (^٤).\nوقال الزركشي: هو تَقويَةُ إحدَى الأمَارَتَين عَلَى الأُخرَى بمَا لَيسَ ظَاهرًا، مَأخُوذٌ من رُجحَان الميزَان، وَفَائدَةُ القَيد الأَخير أَنَّ القُوَّةَ لَو كَانَتْ ظَاهرَةً لَم يَحتَج إلَى التَّرجيح (^٥).\nوقيل: هو عبارة عن تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى\n_________\n(^١) البحر المحيط بتصرف يسير (٨/ ١٤٥).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ١١٣٢).\n(^٣) أصول الفقه لأبي النور (٤/ ١٩٩) ط دار البصائر.\n(^٤) أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٨١).\n(^٥) البحر المحيط (٨/ ١٤٥).","vol":"3","page":437},{"text":"فيعمل به ويطرح الآخر (^١).\n• شروط الترجيح:\nالشرط الأول: أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن أمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر.\nالشرط الثاني: أن يكون الدليلان ظنيين، حيث إنه لا تعارض أصلًا بين دليلين قطعيين، وبين دليل قطعي ودليل ظني، وبالتالي لا ترجيح هنا، بل لا بد أن يكون بين ظنيين؛ لأنهما قابلان للتفاوت.\nالشرط الثالث: أن يكون الدليلان متساويين في الحجية؛ فلا يصح ترجيح ما كان حُجَّة على ما ليس بحُجَّة، بل لا يسمى ذلك بترجيح أصلًا.\nالشرط الرابع: أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين.\nالشرط الخامس: أن يكون المرجح قويًّا، بحيث يجعل المجتهد يغلب على ظنه أن أحد الدليلين أقوى من الآخر (^٢).\n_________\n(^١) نهاية الوصول في دراية الأصول (٨/ ٣٦٤٧).\n(^٢) المهذب في أصول الفقه (٥/ ٢٤٢٤).","vol":"3","page":438},{"text":"الوصف الشرعي للترجيح:\nإن الترجيح واجب على المجتهد؛ لأنه مطلوب منه بيان الأحكام من أدلتها (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-538> المرجحات (بعض صور الترجيح)</span> (^٢):\n• النوع الأول: الترجيح باعتبار الإسناد، وله صور منها:\nالأول: الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر على ما رُوَاته أَقَلّ، لقُوَّة الظَّنّ به، وَإلَيه ذَهَبَ الجُمهُورُ.\nالثَّاني: أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَتْ الوَسَائطُ فيه قَليلَةً، وَذَلكَ بأَن يَكُونَ إسنَادُهُ عَاليًا؛ لأَنَّ الخَطَأَ وَالغَلَطَ فيمَا كَانَتْ وَسَائطُهُ أَقَلَّ، دُونَ مَا كَانَتْ وَسَائطُهُ أَكثَرَ.\nالثَّالثُ: تُرَجَّحُ روَايَةُ مَنْ كَانَ فَقيهًا عَلَى مَنْ لَم يَكُنْ كَذَلكَ؛ لأَنَّهُ أَعرَفُ بمَدلُولَات الأَلفَاظ.\nالرابع: ترجيح رواية الأوثق والأحفظ، ومن كان أَحَدُهُمَا مُتَّبعًا وَالآخَرُ مُبتَدعًا.\nالخَامسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كثير المخالطة للنبي ﷺ دون الآخر؛\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٢/ ٤٢٣).\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ٢٦٤، ٢٦٥، ٢٦٧) بتصرف يسير، وزيادة أمثلة.","vol":"3","page":439},{"text":"لأن كثرة المُخَالَطَةَ تَقتَضي زيَادَةً في الاطّلَاع.\nالسادس: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ ثَبَتَت عَدَالَتُهُ بالتَّزكيَة، وَالآخَرُ بمُجَرَّد الظَّاهر.\nالسابع: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ عُدّلَ مَعَ ذكر أَسبَاب التَّعديل، وَالآخَرُ عُدّلَ بدُونهَا.\nالثامن: أَنَّهَا تُرَجَّحُ روَايَةُ مَنْ يوافق الحفاظ عَلَى روَايَة مَنْ يَتَفَرَّدُ عَنهُم في كَثيرٍ من روَايَاته.\nالتاسع: أَنَّهَا تُقَدَّمُ روَايَةُ مَنْ لَم يَختَلف الرُّوَاةُ عَلَيه على من اختلفوا عليه.\n• النوع الثاني: الترجيح باعتبار المتن، وله صور منها (^١):\nأولًا: يرجح النص على الظاهر؛ وذلك لأن النص أدل لعدم احتماله غير المراد، والظاهر محتمل غيره وإن كان احتمالًا مرجوحًا، لكنه يصلح أن يكون مرادًا بدليل كما سبق في تأويل الظاهر، مثاله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٩٨، ٧٠٨)، الإعلام في أصول الأحكام (ص ٢٤٧، ٢٥٠).","vol":"3","page":440},{"text":"[المائدة: ٩٣]، فالظاهر أن له أن يأكل أو يشرب ما شاء، وإذا اتقى الله مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وهذا نص في تحريم الخمر؛ فيقدم النص على الظاهر، وهذا مثال تقريبي.\nثانيًا: يقدم المنطوق على المفهوم:\nمثاله: جواز الرهن في الحضر، قال به الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وكافة العلماء، وقال مجاهد وداود: لا يجوز إلا في السفر. تمسكًا بمفهوم الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، واحتج الجمهور (^١) بأن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي (^٢).\nمثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].\nفالمفهوم: أن أكلها حرام؛ لأنها خلقت للركوب، مع حديث جابر يوم خيبر: نَهَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ البغَال، وَالحَمير، وَلَم يَنهَنَا عَنْ الخَيل (^٣)، فيقدم المنطوق.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٦٩) من حديث أنس ﵁.\n(^٣) إسناده حسن، أخرجه أحمد (١٤٨٤٠)، وأبو داود (٣٧٨٩)، من حديث أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، وأبو الزبير مدلس لكنه صرح بالتحديث في عدد من الطرق.","vol":"3","page":441},{"text":"مثال آخر: سأل عمر النبي ﷺ: ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنَّا؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].\nفبمفهوم المخالفة: إن أمنتم فلا تقصروا ولو في السفر. فقال ﷺ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ» (^١).\nثالثًا: يقدم المثبت على النافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم، وهو عدل جازم بها؛ كحديث بلَالٍ ﵁ في إثبات صَلَاة النَّبيّ ﷺ في الكَعبَة (^٢) عَلَى روَايَة ابن عَبَّاسٍ في نَفيهَا (^٣).\nوكحديث بول النبي ﷺ قائمًا، عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُم أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ بَالَ قَائمًا فَلَا تُصَدّقُوهُ؛ مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا جَالسًا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٤)، ومسلم (١٣٢٩)، من حديث ابن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ الكَعبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبلَالٌ، وَعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ الحَجَبيُّ، فَأَغلَقَهَا عَلَيه، ثُمَّ مَكَثَ فيهَا. قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَسَأَلتُ بلَالًا، حينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ الله ﷺ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَين عَنْ يَسَاره، وَعَمُودًا عَنْ يَمينه، وَثَلَاثَةَ أَعمدَةٍ وَرَاءَهُ -وَكَانَ البَيتُ يَومَئذٍ عَلَى ستَّة أَعمدَةٍ- ثُمَّ صَلَّى.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٠١)، ومسلم (١٣٣٠).\n(^٤) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (٢٥٠٤٥)، والنسائي (٢٩)، وابن ماجه (٣٠٧)، وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا، وصححه الألباني.","vol":"3","page":442},{"text":"وقال حذيفة: لَقَدْ أَتَى النَّبيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَومٍ، فَبَالَ قَائمًا (^١).\nفيقدم المثبت على النافي، إلَّا أَنْ يَستَندَ النَّفيُ إلَى علمٍ بالعَدَم، لَا عَدَم العلم فَيَستَويَان، يَعني أَنَّ نَفيَ النَّافي إن استَنَدَ إلَى عَدَم العلم، كَقَوله: لَم أَعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ صَلَّى بالبَيت. لم يلتفت إليه، وَكَانَ إثبَاتُ المُثبت للصَّلَاة مُقَدَّمًا لمَا سَبَقَ. وَإن استَنَدَ نَفيُ النَّافي إلَى علمٍ بالعَدَم، كَقَول الرَّاوي: اعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَم يُصَلّ بالبَيت، لأَنّي كُنْتُ مَعَهُ فيه، وَلَم يَغب عَنْ نَظَري طَرفَةَ عَينٍ فيه، وَلَم أَرَهُ صَلَّى فيه. أَوْ قَالَ: أَخبَرَني رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنَّهُ لَم يُصَلّ فيه. فَهَذَا يُقبَلُ؛ لاستنَاده إلَى مُدرَكٍ علميٍّ، وَيَستَوي هُوَ وَإثبَاتُ المُثبت، فَيَتَعَارَضَان، وَيُطلَبُ المُرَجّحُ من خَارجٍ.\nرابعًا: يقدم الناقل عن الأصل على المبقى له، كحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَليَتَوَضَّأ»، مع حديث: «إنما هو بضعة منك»، فيقدم الناقل للحكم على المبقي عليه، وعللوا ذلك بأمرين:\nالأول: أن الخبر الناقل يستفاد منه فائدة جديدة، والخبر المبقي لا يستفاد منه إلا ما استفيد من البراءة الأصلية، ففي المثال السابق الحديث الناقل للبراءة استفيد منه نقض الوضوء، وهذه فائدة لم تكن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٧١)، ومسلم (٢٧٣).","vol":"3","page":443},{"text":"موجودة وهي التحريم، والحديث المبقي لها لم يستفد منه إلا عدم النقض من مس الذكر، وذلك كان معلومًا.\nالثاني: الخبر الناقل عند ترجيحه يُقدر متأخرًا، فيكون ناسخًا للخبر المبقي للبراءة الأصلية، والخبر المبقي لها لم ينسخ البراءة الأصلية، وإنما هو مقرر لها؛ وبذلك يتحقق النسخ مرة واحدة.\nوقال بعض الأصوليين كالرازي والبيضاوي: بترجيح الخبر المبقي للبراءة الأصلية على الخبر الرافع لها، ففي المثال السابق الحديث الناقل عن البراءة الأصلية فيه شغل للذمة، ورفع للبراءة الأصلية؛ لأن مقتضاه نقض الوضوء من مس الذكر، والحديث الثاني مقتضاه عدم النقض وفي ذلك إبقاء للبراءة الأصلية وعدم شغل الذمة بالوضوء، فيكون الحديث الثاني أرجح لاعتضاده بدليل الأصل فَهُمَا دَليلَان، فَيُرَجَّحَان عَلَى دَليلٍ وَاحدٍ، وَهُوَ دَليلُ الحَظر (^١).\nوالراجح: أن الناقل عن الأصل يُقدم على المبقي عليه؛ لأن الأصل أن الشريعة جاءت لتغيير الأحكام.\nخامسًا: يقدم قوله ﷺ على فعله؛ لأن فعله قد يكون خاصًّا به، لذلك يقول ابن تيمية: لم يتنازع العلماء في أن قوله ﷺ أوكد من فعله،\n_________\n(^١) أصول الفقه لأبي النور زهير (٤/ ١٢١٣)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٧٠٢).","vol":"3","page":444},{"text":"وقد يكون الفعل لحاجة أو عذر، والفعل لا صيغة له تدل بنفسها، وإنما دلالة الفعل لأمر خارج وهو كونه ﵊ واجب الاتباع، فكان القول أقوى فيرجح لذلك، وأيضًا فإن القول متفق على كونه حجة، والفعل مختلف فيه، والمتفق عليه راجح.\nسادسًا: يقدم صاحب القصة على غيره، كحديث مَيمُونَةَ بنت الحَارث: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» (^١)، على حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحرمٌ» (^٢)؛ فيقدم صاحب القصة لاختصاصه بمزيد علم يوجب إصابته.\nسابعًا: يقدم المباشر والملابس للقصة على غيره، كحديث أبي رافع: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال. يقدم على قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم. لأن أبا رافع هو المباشر للقصة وقال فيها: وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَينَهُمَا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٣٧)، ومسلم (١٤١٠).\n(^٣) مختلف في رفعه وإرساله، أخرجه أحمد (٢٧١٩٧)، والترمذي (٨٤١)، والنسائي في الكبرى (٥٤٠٢)، وابن حبان (٤١٣٠) و(٤١٣٥) وغيرهم من حديث أَبي رَافعٍ مَولَى رَسُول الله ﷺ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَ مَيمُونَةَ حَلَالًا، وَبَنَى بهَا حَلَالًا، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَينَهُمَا. ورجح الرفع الدارقطني ورجح الإرسال ابن عبد البر، وأصل الحديث عند مسلم (١٤١١) عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث: أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال.","vol":"3","page":445},{"text":"ثامنًا: أن يقدم الأفصح على الفصيح؛ لأنه الظن بأنه لفظ النبي ﷺ.\nتاسعًا: أن يقدم العام الذي لم يُخصص على العام الذي قد خصص، فيقدم حديث أَبي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجدَ فَليَركَع رَكعَتَين قَبلَ أَنْ يَجلسَ» (^١)، على حديث أَبي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاة بَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وَعَنْ الصَّلَاة بَعدَ الصُّبح حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ (^٢).\nفالأول حديث محفوظ لم يخصص، والثاني قد دخله التخصيص، وعلى هذا يقدم الحديث الأول.\nعاشرًا: أن يقدم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب؛ وذلك لأن الوارد على غير سبب متفق على عمومه، والوارد على سبب مختلف في عمومه (^٣).\nالحادي عشر: يقدم الحاظر على المبيح، كتقديم عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨١٩)، ومسلم (٨٢٥)، واللفظ له.\n(^٣) وقد تقدم الكلام على العام الوارد على سبب، وسبق بيان أنه باق على عمومه؛ إذ العبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب.","vol":"3","page":446},{"text":"المقتضي منع الأختين بملك اليمين، على عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، الشامل بعمومه للأختين بملك اليمن، ووجه تقديم الحاظر على المبيح: أن ترك مباح أهون من ارتكاب محرم.\nالثاني عشر: أن يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.\nالثالث عشر: أن يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالًّا على المراد من وجه واحد.\nالرابع عشر: يقدم الإجماع القطعي على الظني.\nالخامس عشر: يقدم القياس الجلي على الخفي.\nالسادس عشر: يقدم ما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه، كحديث: «من مس ذكره فليتوضأ»؛ لأنه أحوط وأكثر طرقًا، ومن صححه أكثر.","vol":"3","page":447},{"text":"• ثالثًا: الترجيح لأمر خارجي، وله طرق (^١):\nالأول: اعتضاد أحد الخبرين بموافقة ظاهر القرآن، مثل: ترجيح خبر التغليس بالفجر على خبر الإسفار؛ لموافقته لظاهر قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].\nونقل عن الشافعي قوله: ما وافق ظاهر القرآن كانت النفوس أميل إليه.\nالثاني: ترجيح ما كان عليه عمل أكثر السلف على ما ليس كذلك؛ لأن احتمال إصابة الأكثر أغلب، مثل: ترجيح حديث تكبيرات العيد وأنها سبع في الأولى، وخمس في الثانية. على رواية من روى أنها خمس في الأولى وأربع في الثانية، وهو يرجع إلى الترجيح بالكثرة لعمل الخلفاء الأربعة، وغيرهم به.\nالثالث: ترجيح الخبر المقترن بتفسير راويه له بقول أو فعل دون الآخر، فيقدم ما فسره راويه لكون الظن بصحته أوثق، كما في حديث ابن عمر في خيار المجلس، فقد فسره ابن عمر بالتفرق بالأبدان (^٢).\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط (٦/ ١٧٦)، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (٢٩٨، ٢٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢)، وعند الترمذي (١٢٤٥) عَنْ نَافعٍ قَالَ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ إذَا ابتَاعَ بَيعًا وَهُوَ قَاعدٌ قَامَ ليَجبَ لَهُ البَيعُ.","vol":"3","page":448},{"text":"الرابع: موافقة أحد الخبرين للقياس، فيقدم على ما خالف القياس، كما رجح البعض حديث: «إنما هو بضعة منك» على حديث: «من مس ذكره فليتوضأ»؛ لأن الأول موافق للقياس دون الثاني.\nوغير ذلك من أسباب الترجيح، وهي كثيرة؛ حيث إن المرجحات يصعب أن تنحصر لكثرتها وانتشارها، لكن ضابط الترجيح: هو ما تحصل به غلبة ظن رجحان أحد الطرفين على الآخر. لذا قال صاحب الضياء اللامع في المرجحات: ومن رام هذه الأجناس بضابط -أي حصر هذه المرجحات- فقد رام شططًا لا تتسع له قوة البشر.\nوقال الزركشي: واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها: ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات كما في كثرة الرواة، وقوة العدالة فيعتمد المجتهد في ذلك على ما غلب على ظنه (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ١٥٩).","vol":"3","page":449},{"text":"جامع المسائل والقواعد\nفي علم الأصول والمقاصد\nالمجلد الرابع\n\n<span data-type='title' id=toc-539>الاجتهاد، الفتوى، التقليد، وعلم المقاصد</span>\nتأليف\nعبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي","vol":"4","page":1},{"text":"المجلد الرابع\nوفيه فصلان:\n• الفصل الأول: الاجتهاد، الفتوى، التقليد.\n• الفصل الثاني: مقاصد الشريعة.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>الفصل الأول:\nالاجتهاد، والفتوى، والتقليد</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\n• المبحث الأول: الاجتهاد.\n• المبحث الثاني: الفتوى.\n• المبحث الثالث: التقليد.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-541>المبحث الأول: الاجتهاد.</span>\n•<span data-type='title' id=toc-542> تعريف الاجتهاد:</span>\nالاجتهاد لغة: بذل الوسع فيما فيه كلفة، قال الماوردي: مأخوذ من جهاد النفس وكدها في طلب المراد (^١).\nوفي الاصطلاح: وهو بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة عليها بالنظر المؤدي إليها.\nوقال بعضهم: الاجتهاد هو طلب الحق بقياس وغير قياس.\nوقال بعضهم: ما اقتضى غالب الظن في الحكم المقصود.\nوقال بعضهم: طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه (^٢).\nوقيل: بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط (^٣).\n_________\n(^١) تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي (٤/ ٥٦٣).\n(^٢) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٣٠٢).\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٨/ ٢٢٧).","vol":"4","page":5},{"text":"وقد اشتمل هذا التعريف على الضوابط الآتية:\nأ- أن الاجتهاد هو بذل الوسع في النظر في الأدلة، فهو بذلك أعم من القياس؛ إذ القياس هو إلحاق الفرع بالأصل، أما الاجتهاد فإنه يشمل القياس وغيره.\nب- أن الاجتهاد لا يجوز إلا من فقيه، عالم بالأدلة وكيفية الاستنباط منها؛ إذ النظر في الأدلة لا يتأتى إلا ممن كان أهلًا لذلك.\nج- أن الاجتهاد قد ينتج عنه القطع بالحكم أو الظن به، وذلك ما تضمنه قيد «الاستنباط».\nد- وقد تضمن قيد «بطريق الاستنباط» بيان أن الاجتهاد إنما هو رأي المجتهد واجتهاده، وذلك محاولة منه لكشف حكم الله، ولا يسمى ذلك تشريعًا؛ فإن التشريع هو الكتاب والسنة، أما الاجتهاد فهو رأي الفقيه أو حكم الحاكم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-543> نبذة تاريخية عن الاجتهاد:</span>\nبدأ الاجتهاد الجزئي في العهد النبوي، سواء كان ذلك من النبي ﷺ على قول، كما سنرى، أم كان من الصحابة الذين كانوا يعرضون اجتهاداتهم على رسول الله ﷺ، فيقر الصواب الذي يتفق مع الشرع،\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٨/ ٢٢٧)، معالم أصول الفقه للجيزاني (٤٦٤).","vol":"4","page":6},{"text":"وينكر الخطأ الذي يخالف الدين.\nثم مر الاجتهاد بثلاثة أطوار رئيسية، وهي:\nالطور الأول: بدأ الاجتهاد رويدًا رويدًا بعد وفاة رسول الله ﷺ، وانتقاله للرفيق الأعلى، فتصدى كبار الصحابة وعلماؤهم، وفقاؤهم وقضاتهم وولاتهم للاجتهاد، لبيان حكم الله تعالى فيما يستجد من أحداث، مما ليس له حكم منصوص عليه في الكتاب والسنة، وأدوا وظيفتهم كاملة، وغطوا أحكام ما وقع في عصرهم، وإن كان قليلًا إلى حد ما.\nولما انتشر الإسلام، وزادت الفتوحات، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وامتدت الدولة الإسلامية إلى عواصم الأمم الأخرى، وبلاد الحضارات السائدة، توسع الصحابة ثم التابعون في الاجتهاد، وازدهرت الحركة الفقهية، وبرز الفقهاء المجتهدون من التابعين إلى أن بلغوا الذروة والقمة في القرن الثاني الهجري، وسار الاجتهاد بعد ذلك على وتيرة واحدة، وزخم كبير طوال قرنين تقريبًا، وبلغ الفقه الإسلامي أوجه، ونما، وازدهر، واستجاب لحاجات الناس ومقتضيات تطور الحياة، وأنتج ثروة فقهية زاهرة، مع بعض الخمول أحيانًا، وتراجع بعض الفقهاء والعلماء عن مسابقة الركب، واللحاق بالمقدمة، وفي ذات الوقت بدأ يظهر التقليد للأئمة والعلماء والمذاهب في مختلف","vol":"4","page":7},{"text":"الأصقاع والبلدان، ولكن كان أكثر العلماء والفقهاء مجتهدين، حتى المحدثون منهم، كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، وجميع القضاة، ومعظم الولاة والخلفاء، وأكثرهم يجتهد ويستنبط الأحكام من المصادر المختلفة بطرق الاجتهاد السليمة، وكانت جماهير الأمة يستفتونهم، ويأخذون عنهم، ويتبعون آراءهم وأحكامهم.\nالطور الثاني: وذلك ابتداء من منتصف القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، أي: حوالي ألف سنة، وبدأ الاجتهاد في أول هذا الطور يتراجع، ويتجزأ، ويضطرب، ويتخلخل، ثم بدأ يتسرب إليه أنصاف العلماء ومن دونهم الذين بدأوا يتطاولون على الاجتهاد، ويخرج على الأمة والناس بالأوهام والسخافات، وما يتناقض مع الشرع، ويتعارض مع قواعد أصول الفقه، ويتجاوز ضوابط الاجتهاد، وضعفت الأمة، وبدأ الانحطاط في المجتمع والدولة، مما دعا العلماء الغيورين على الدين أن يتصدوا لهذه الآراء الواهية، وأن يقفوا أمام أدعياء العلم، وأن يعلنوا إغلاق باب الاجتهاد ليوصدوا هذا الباب أمام من ليس أهلًا للاجتهاد والنظر، ويقطعوا الطريق أمام أصحاب الأهواء من مختلف الفرق والمذاهب، وانحصر الاجتهاد غالبًا في مجتهد المذهب، ومجتهد المسائل، ومجتهد التخريج، ومجتهد الترجيح …، وأصبح أكثر الفقهاء والعلماء من هذه الطبقات،","vol":"4","page":8},{"text":"وإن ظهر لبعضهم اجتهادات قيمة، وآراء سديدة، وبزغ بينهم مجتهدون، ولكنهم قلة.\nونتج عن ذلك جمود الفقه الإسلامي، وركود الحركة الفقهية، وطغيان التقليد، والاقتصار على المتون، واختصار الكتب، وتدوين الشروح، والحواشي، والموسوعات المذهبية، أو المقارنة بين المذاهب، والتزام جماهير الأمة اتباع المذاهب المتعددة التي استقرت وشاعت، ثم اختفى بعضها وانقرض كمذهب الأوزاعي، والمذهب الظاهري، وسيطرت المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي على معظم أرجاء البلاد الإسلامية، وبقي إلى جانبهم المذهب الزيدي، والإمامي الجعفري، والإباضي.\nونتج عن هذه الحالة -مع إقفال باب الاجتهاد- البقاء على وحدة الأمة الإسلامية، والحفاظ على الثروة الفقهية الموروثة من الطور الأول، وفي ذات الوقت وقف الفقه عن مجاراة الحياة، ووقف الفقهاء والعلماء وراء الركب، وأحس الناس بعجز العلماء، وقصور الأحكام، وخاصة مع التعصب المذهبي، والالتزام بمذهب دون غيره، ورافق ذلك الضعف السياسي، وتسلط الدول الأخرى على البلاد الإسلامية شيئًا فشيئًا، فتحلل الناس والحكام من الأحكام الشرعية جزئيًّا، والتمسوا الحلول المستوردة من القوانين والأنظمة الأجنبية إلى أن","vol":"4","page":9},{"text":"غابت معظم الأحكام الشرعية عن معظم البلاد الإسلامية، وتسرب الغزو الفكري، والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الغربية، حتى وصل الأمر إلى التشكيك بالإسلام، وفصل الدين والشرع عن الدولة والمجتمع، والهجوم على القرآن والسنة، والطعن أو الغمز أو اللمز صراحة أو ضمنًا بالفقه الإسلامي، وانتهى معظم المسلمين إلى الحضيض، مع تسرب ومضات خاطفة لظهور بعض المجتهدين الذين يصرون على استمرار الاجتهاد.\nالطور الثالث: أحس العلماء الغيورون بالوضع الراهن السيء، وتلمسوا الحلول لإنقاذ الأمة، وأيقنوا أن فتح باب الاجتهاد هو أحد الوسائل المهمة لحل المشكلة، وعادوا إلى إحياء قواعد أصول الفقه، والاجتهاد في القضايا المعاصرة والمستجدة، وفتحت الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة، وظهرت كوكبة من العلماء في القرن الرابع عشر تدعو للصحوة الإسلامية والتشريعية، والعودة إلى الينابيع، وإكمال العمل الذي كان في العهود السابقة للسلف الصالح، وأنشئت المجامع الفقهية، ومجمع البحوث، والمؤتمرات والندوات التي ضمت في جنباتها كبار علماء العصر الذين أدلوا بدلوهم، وأثبتوا أن فضل الله لا ينقطع؛ ولا ينحصر بجيل وأفراد، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، لكن ولجه من هو له أهل، واندس فيه من ليس أهلًا له، بل","vol":"4","page":10},{"text":"هجم عليه غير المختصين أصلًا بالدين والشريعة، ثم بدأ الأمر يتمحص لمن يستحق أن يكون أهلًا للاجتهاد بجدارة، حتى قال الشوكاني ﵀: ومن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على ما تقدم عصره، فقد تجرأ على الله ﷿، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة (^١).\nوعادت دراسة أصول الفقه ليتم تطبيقها، ومنها أهلية الاجتهاد وشروطه وضوابطه، ليمارسها العلماء، ويعملوا بموجبها، ويؤكدوا صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، وأن كل واقعة في الكون تتصل بالإنسان لها حكم شرعي يجب على العلماء والفقهاء بيانه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-544> مكانة الاجتهاد:</span>\nتظهر أهمية الاجتهاد ومكانته من خلال النقاط التالية:\n١ - الاجتهاد حكم شرعي:\nإن الاجتهاد حكم شرعي مقرر ثابت بالنصوص والإجماع، وهو مهم للغاية، ويجب ممارسته وتطبيقه والعمل به وجوبًا شرعيًّا، فيثاب\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٢١٥).\n(^٢) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٢٧١).","vol":"4","page":11},{"text":"فاعله، ويعاقب الأهل له بتركه، وإذا تركه الجميع أثموا، فالاجتهاد -في حد ذاته- عبادة، وتعبد لله تعالى في وسائله وغايته، وتقرب لرضوانه في الدنيا والآخرة، ليفوز المجتهد بمكانة العلماء الثابتة شرعًا.\nوإن تعطيل الاجتهاد، أو ادعاء غلقه، والعزوف عنه، يعطل حكمًا أساسيًّا مهمًّا في الشرع، كإقامة الدولة الإسلامية، والجهاد، وأركان الإسلام، وينعكس أثره السيء على سائر المسلمين، والأمة، والمجتمع، والدعوة، والتطور، والحياة، ومستقبل المسلمين، ومكانتهم في الأرض، وتحت الشمس، وبين الأمم، كما حصل في العصور الأخيرة.\n٢ - أحكام النوازل والمستجدات:\nإن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة للمسلمين لإيجاد الأحكام والحلول للمشكلات الطارئة، والنوازل الواقعة، والمستجدات المتلاحقة، بغية معرفة حكم الله تعالى فيها، وتسهيل حياة المسلمين، وتيسير ظروفهم وأحوالهم وشؤونهم، وبيان مصالحهم في ضوء الشريعة الغراء، بجلب المصالح والمنافع لهم، ودفع المضار والمفاسد، والهلاك والضرر عنهم، وحمايتهم من السيطرة التشريعية الأجنبية، أو الاستعمار التشريعي، واستيراد الأحكام من الأعداء، وإبعاد الجمود الفكري والعقلي والشرعي عن حياتهم.","vol":"4","page":12},{"text":"٣ - صلاحية الشريعة:\nإن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة التي تؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وتبين خصائص الشريعة وسماتها وواقعيتها ومرونتها وقدرتها على التطبيق، ومجاراتها لتطور الحياة، وكانت السلاح الوضاء أمام العلماء والدعاة في الدعوة لتطبيق شرع الله وأحكامه ودينه في جميع الأعصار والأمصار، وإلا تعطلت الشريعة، وفقدت سر بقائها، وتعرض أهلها للغزو الفكري والتشريعي ليحل محل الفقه الإسلامي.\n٤ - الثروة الفقهية التشريعية:\nإن الاجتهاد في العصور الأولى، وحتى في المراحل اللاحقة، كان الوسيلة الوحيدة حيث أعطى الأمة الإسلامية ثروة فقهية زاخرة، وتراثًا غزيرًا، تضاهي بها العالم، ويندر وجود مثيلها عند أمة أخرى، وزود المسلمين بملايين المؤلفات والمصنفات والموسوعات والمجلدات والكتب الفقهية التي عول عليها العالم أجمع في العصور الحديثة، والنهضة المعاصرة، ويستفيد منها المسلمون، ويتخيرون ما يقوى دليله، ويصلح للعصر، ثم يجتهدون فيما وراءه.\nولا يزال الاجتهاد -بل يجب أن يكون- السلاح الذي يعول عليه المسلمون اليوم في إغناء شعوبهم أولًا، وتزويد العالم ثانيًا بالحلول","vol":"4","page":13},{"text":"الشرعية التي تنبثق من الأصول الشرعية، لتحقيق مصالح الناس بأفضل الوسائل، وأنجع المناهج، ويكفي أن نشير مثلًا إلى ما حققه الاجتهاد المعاصر في الاقتصاد الإسلامي، وبيان الأحكام الشرعية المؤصلة للمؤسسات المالية الإسلامية، كالمصارف، والتأمين، والسوق المالية، وسائر المعاملات المعاصرة مما ينعم به المسلمون اليوم، وبربطهم بدينهم وعقيدتهم وتراثهم، ويحقق مصالحهم، ويدفع عنهم غائلة النظم المادية الأخرى.\n٥ - إعمال الفكر والعقل:\nإن الاجتهاد -بحد ذاته- يغذي فكر المسلمين عامة، والعلماء خاصة، ويمنحهم الإثراء العقلي، والتفتح الذهني، وتشغيل الدماغ والعقل فيما يعود بالخير والنفع على الأمة والإنسانية، ويساهم في تطوير البحث النظري والشرعي، ويوسع مدارك المتعلمين والمتفقهين على جميع المستويات، ويعمق الحوار الجاد، والمناظرات العلمية الفاعلة والنافعة للناس، وبالتالي يتجدد الفكر بدلًا من الجمود والتعطيل، والمحاكاة والتقليد الذي يساهم بتهيئة النفوس للاستعمار الفكري والثقافي والتشريعي، فالاجتهاد يطرد ذلك، ويجعل العلماء والفقهاء والمجتهدين والأمة في المكان الذي يحبه الله ويرضاه، ويدعو إليه ويرغب به.","vol":"4","page":14},{"text":"٦ - الارتباط بمصادر التشريع:\nإن الاجتهاد العملي يعمق الارتباط بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، ويحكم الصلة بآثار الصحابة والتابعين، ويتفاعل مع فتاوى السلف والخلف، ويوثق الصلة باللغة العربية والتراث العظيم، وتاريخ التشريع الإسلامي في مختلف أطواره، فيستفيد المجتهد من كل ذلك، ثم يبدع وينتج ويستخرج الأحكام الشرعية التي تنفع الناس، ويوجد الحلول الإسلامية لمجريات الحياة.\n٧ - الارتباط بالواقع والحياة:\nإن المجتهد في قضايا عصره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة الناس، وهموم الأمة، والنوازل التي تقع، فيكون مجتهدًا وعالِمًا واقعيًّا يفهم حياته وعصره، ولا يبقى في البرج العاجي الخالي من الناس، ويقطع عنه أحلام الماضي، والتغني بالآباء والأجداد، بل يعيش مع أهل العصر، ويكشف لهم الطريق الشرعي لمعاملاتهم على ضوء الكتاب والسنة وسائر مصادر التشريع الإسلامي (^١).\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٣٠١).","vol":"4","page":15},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-545> أركان الاجتهاد:</span>\nالاجتهاد له ثلاثة أركان، وهي:\n١ - نفس الاجتهاد:\nوهو العمل والفعل الذي يبذل فيه المجتهد وسعه لنيل حكم شرعي من الأدلة المقررة شرعًا عن طريق الاستنباط والاستدلال والقياس وغيره، مما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، أو مما لم يسبق فيه إجماع، وسبق تعريف الاجتهاد، وسيرد لاحقًا- إن شاء الله- مجاله، وشروطه.\n٢ - المُجتهِد:\nوهو الفقيه الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد، وصار عنده ملكة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها، وبشروطها التي سترد.\n٣ - المُجتهَد فيه:\nوهو الحكم الشرعي العملي أو العلمي الذي ليس فيه دليل قطعي، فالحكم هو الوصف للحادثة أو الواقعة، والشرعي لإخراج الأمور العقلية التي لا تحتمل الاجتهاد، ولأن الحق فيها واحد لا يتعدد، ولا يحتمل الاختلاف، والعملي هو الذي يقتضي عملًا بالقلب أو اللسان أو الأعضاء والجوارح مما يدخل في كسب المكلف إقدامًا أو إحجامًا،","vol":"4","page":16},{"text":"والعلمي هو ما تضمنه علم الأصول من المظنونات التي يستند العمل إليها، وعبارة «ليس فيه دليل قاطع» لتخرج الأحكام الثابتة بالدليل القطعي، مما يحرم فيه الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد ظن، والظن لا يقوى ولا يعارض القطع، وذلك كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصيام رمضان، والحج، وما اتفقت عليه الأئمة، وأجمع عليه الفقهاء من أحكام الشرع الجلية (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-546> شروط المجتهد:</span>\n١ - أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده، كآيات الأحكام وأحاديثها.\n٢ - أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه، كمعرفة الإسناد ورجاله، وغير ذلك.\n٣ - أن يعرف الناسخ والمنسوخ، ومواقع الإجماع حتى لا يحكم بمنسوخ، أو مخالف للإجماع.\n٤ - أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص، أو تقييد، أو نحوه، حتى لا يحكم بما يخالف ذلك.\n٥ - أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ،\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي بتصرف يسير (٢/ ٢٨٦).","vol":"4","page":17},{"text":"كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ونحو ذلك ليحكم بما تقتضيه تلك الدلالات.\n٦ - أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها.\n٧ - قال الشاطبي: من شروطهم فى العالم بأي علم أن يكون عارفًا بأصوله وما ينبنى عليه ذلك العلم، قادرًا على التعبير عن مقصوده، عارفًا بما يلزم عنه، قائمًا على دفع الشبه الواردة عليه فيه، غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ البتة (^١).\n٨ - لا يشترط فيه حفظ القرآن ولا أدلة الأحكام -كما قال بعضهم- وكذلك في الأحاديث، بل يكفيه معرفة مواقع الآيات من القرآن، وكذلك الأحاديث من السنة.\n٩ - أن يكون عالمًا بالقياس، حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروطه، وقوادحه.\nقال الإمام أحمد: لا يستغني أحد عن القياس (^٢).\n١٠ - معرفة مقاصد الشريعة، بأن يفهم المجتهد مقاصد الشرع العامة من تشريع الأحكام، وأن يكون خبيرًا بمصالح الناس،\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (١/ ٦٢).\n(^٢) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٥٠٠).","vol":"4","page":18},{"text":"وأحوالهم، وعاداتهم، وأعرافهم.\n١١ - أن يكون عدلًا مجتنبًا للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل لا تقبل فتواه.\nبل قيل إن المجتهد الفاسق لو أظهر دليله، وكان دليلًا صالحًا للاحتجاج به، فإن كان المستمع لهذه الفتوى عالمًا مدركًا لصحة الدليل، ووجه دلالته على الحكم؛ فإنه يعمل بفتوى ذلك الفاسق، اعتمادًا على الدليل الصحيح، وليس اعتمادًا على اجتهاد ذلك المجتهد الفاسق.\nوإن كان المستمع لهذه الفتوى لا يدرك صحة الدليل ولا يعلم؛ فإنه لا يعمل بفتواه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-547> حكم الاجتهاد:</span>\nهو فرض كفاية، فإذا قام به البعض الكافي سقط عن الباقين.\n• وقد ينتقل إلى فرض العين، كما هو فى حق المجتهد لنفسه، فلا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره، بل يجب عليه الاجتهاد، وأن يعمل باجتهاده، وكذلك فى حق المجتهد لغيره إذا تعين عليه الحكم.\n• وقد يكون مندوبًا كالاجتهاد في الحوادث التي لم توجد بعد.","vol":"4","page":19},{"text":"• وقد يكون الاجتهاد حرامًا، وذلك في صور منها:\n١ - إذا اجتهد فى مخالفة نص أو إجماع.\n٢ - إذا اجتهد فأخرج قولًا غير القولين المختلف فيهما.\n٣ - اجتهد من لم يبلغ رتبه الاجتهاد بعد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-548> مسألة: تجزؤ الاجتهاد:</span>\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالأول: أنه يجوز تجزؤ الاجتهاد، فالشخص العارف لمسألة معينة، وأدلتها وطرق النظر فيها، وما يتعلق بها، فإنه يجوز أن يجتهد فيها ويعمل باجتهاده، وهذا مذهب الجمهور.\nوالأدلة على ذلك:\n١ - أنه لو كان العلم بجميع مسائل الفقه شرطًا لبلوغ درجة الاجتهاد، وشرطًا لقبوله منه؛ لكان توقف بعض الصحابة، وبعض الأئمة عن الفتيا في بعض المسائل، وعدم قدرتهم على ذلك مخرجًا له عن الاجتهاد.\n٢ - أن بعض مسائل الفقه لا صلة لها بالمسائل الأخرى، فلا تضره إذا لم يعرفها أو غفل عنها.","vol":"4","page":20},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-549> مراتب المجتهدين:</span>\nالمجتهد إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، فتكون مراتب المجتهدين خمسًا، وهي:\n١ - المجتهد المستقل المطلق:\nوهو الذي توفرت فيه الشروط السابقة، وكان له قواعد لنفسه، وأصول خاصة يعتمد عليها، ويبني عليها أحكام الفقه، ويمارسها في الاجتهاد، وكان اجتهاده في عامة أبواب الفقه، ويبذل جهده في معرفة النوازل والوقائع وما يسأل عنه، وهذا هو المجتهد المطلق المستقل.\nوهذا الصنف قد يصعب توفره الآن، وخاصة مع اتساع العصر، وتنوع العلوم، وكثرة الوقائع والنوازل، والاعتماد على التخصص العام، والتخصص الفرعي الدقيق في مختلف العلوم وفي شؤون الحياة.\nومن أمثلة المجتهد المطلق فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الذين جاؤوا بعدهم واشتهروا بالاجتهاد المطلق كأبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وابن جرير الطبري، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم كثير.\n٢ - المجتهد المطلق غير المستقل:\nوهو الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد كالصنف السابق، لكن لم","vol":"4","page":21},{"text":"يضع لنفسه قواعد ينفرد بها، بل التزم طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مجتهد مطلق منتسب، فهو لم يقلد إمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقته في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرًا منه على أهله، فوجده صوابًا، وأولى من غيره، وذلك مثل أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية.\n٣ - المجتهد المقيد:\nويسمى: المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج؛ لأنه مقيد في مذهب إمام معين، وعاملٌ على تقرير أصوله بالدليل، ولا يتعدى أصوله وقواعده، ويتقنها مع فقهها وأدلة مسائلها، وفي ذات الوقت فإنه يعرف القياس، ويقدر على التخريج والاستنباط على أصول إمامه، ويلحق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه، كالحسن بن زياد الكرخي والطحاوي من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد من المالكية، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي إسحاق المروزي من الشافعية، وغيرهم.\nويقوم مجتهد التخريج بنشاط في أقوال إمامه، فإذا أفتى الإمام في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، نقل حكم كل منهما إلى الأخرى، وصار في كل مسألة قولان بالاجتهاد والتخريج، ما لم يفرق الإمام بينهما، أو يقرب الزمن.","vol":"4","page":22},{"text":"٤ - مجتهد الترجيح:\nوهو فقيه النفس، الحافظ لمذهب إمامه، العارف بأدلته، القائم بتقريرها، ثم يصور ويحرر للمسائل الجديدة، ويمهد لها ويقررها، ويزيف ما يخالفها، ويرجح بين أقوال الإمام، ووجوه الأصحاب، مثل القدوري والمرغيناني صاحب «الهداية» من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب والشيخ خليل من المالكية، وأبي الطيب الطبري وأبي حامد الإسفراييني والرافعي والنووي من الشافعية، والقاضي أبي يعلى وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وغيرهم كثير في كل مذهب، ممن لم يخل منهم عصر.\n٥ - مجتهد الفتيا:\nوهو الفقيه الذي يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، ويعتمد عليه في نقل المذهب والفتوى به فيما يحكيه من كتب المذهب، ومنصوصات الإمام، وتفريعات الأصحاب المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، فإن لم يجد حكمًا منقولًا في مذهبه، أعطى ما في معناه مما يدركه بأدنى فكر وتأمل، وأنه لا فارق بين الأمرين، وهذا النوع أكثر من أن يحصى في كل مذهب، وفي كل عصر ممن يتصدر للفتوى والتعليم، وهم المسمون اليوم بالعلماء والفقهاء والمختصين بالشريعة، وهم القائمون على الاجتهاد الجزئي، وبيان أحكام النوازل","vol":"4","page":23},{"text":"والمستجدات، ويتولون الإفتاء وبيان الأحكام للناس (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-550> مجالات الاجتهاد:</span>\nالاجتهاد يكون في الظنيات فقط، وذلك يشمل:\n١ - النص قطعي الثبوت ظني الدلالة: وهذا يكون في الآية التي دل لفظها على الحكم دلالة ظنية، وكذلك الحديث المتواتر. مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فهذا قطعي الثبوت ظني الدلالة؛ لأن لفظ القرء مجمل، ويحتمل أن يكون معناه الحيض أو الطهر، فيجتهد هنا المجتهد للوصول إلى المراد.\n٢ - النص ظني الثبوت قطعي الدلالة: وهذا يكون في خبر الواحد الذي دل معناه دلالة قطعية مع ظنية الثبوت فيه، فيعمل المجتهد في البحث في سنده، وطرق وصوله إلينا، وحال رواته. مثل قوله ﷺ: «في كل خمس من الإبل شاة» (^٢)، فهذا نص قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحد.\n٣ - النص ظني الثبوت والدلالة معًا: وهذا يكون في خبر الواحد\n_________\n(^١) صفة الفتوي لابن حمدان (١٦)، التخريج عند الفقهاء والأصوليين للباحسين (٣١١)، الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أبي بكر الصديق مرفوعًا.","vol":"4","page":24},{"text":"الدال على معناه دلالة ظنية، وكذلك هو ظني الثبوت، فيجتهد المجتهد هنا في أمرين:\nالأول: إثبات سنده، وحال رواته من العدالة والضبط، ونحو ذلك.\nالثاني: دلالة الحديث على المراد منه.\n٤ - الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع: وهذا يكون في حادثة لم يرد في حكمها نص، ولا إجماع؛ فيبذل المجتهد وسعه في إدراك حكم هذه المسألة، بالضوابط والقواعد، والأدلة التي أرشده إليها الشرع.\n\n•<span data-type='title' id=toc-551> طريقة الاجتهاد:</span>\nإن المجتهد إذا عرضت له قضية أو مسألة، فإنه يسير حسب الخطوات والمراحل التالية:\n١ - الرجوع إلى النصوص القطعية، فإن وجد فيها حكم المسألة بدلالة قطعية، قال به، والتزمه، وأفتى به، ولا يجوز له مطلقًا مخالفته والخروج عنه.\nفإن كانت الدلالة ظنية للنصوص القطعية، لكن اجتهد فيها السابقون، واتفقوا على حكم، كان إجماعًا، والتزم به، وعمل بموجبه، وأفتى به كالسابق.\nفإن لم يتفقوا على حكم، وكان لكل منهم رأي، فإن كان السابقون","vol":"4","page":25},{"text":"من الصحابة، أخذ بما يعتقده في قول الصحابي، من اتباع أحدهم وعدم الخروج عنهم، أو الاجتهاد مثلهم، كما هو مبين في مذهب الصحابي.\nوإن لم يكن المجتهدون السابقون من الصحابة، وجب على المجتهد أن يبذل وسعه وينظر في الأدلة، ويجتهد، سواء وافق رأيه رأي أحدهم، أو خالف الجميع.\n٢ - الرجوع إلى النصوص الظنية الثبوت، أو ظنية الثبوت والدلالة، ويعمل بالخطوات السابقة في النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة.\n٣ - عند عدم النص، فإن اجتهد السابقون وأجمعوا على رأي، صار له حكم الإجماع، وإن اختلف الصحابة، عمل برأيه في مذهب الصحابي، وإن كان الاختلاف من غيرهم، لزمه الاجتهاد.\n٤ - ولا بد للمجتهد أن يرجع إلى النصوص لعله يجد فيها دلالة على الواقعة المعروضة عليه بالنص، أو الظاهر، وسائر أنواع الدلالات، ويجهد نفسه في معرفة مقاصد الشريعة، واستنباط العلل؛ ليطبق ذلك على الواقعة.\n٥ - إن لم يجد المجتهد لذلك حكمًا من الاجتهاد في النصوص، اتجه إلى جمع كل ما يتصل بالواقعة من معان لغوية، ونصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وأقاويل السلف، وأوجه القياس الممكنة، واتجه بقلبه","vol":"4","page":26},{"text":"مخلصًا لمعرفة حكم الله تعالى فيها من دون تعصب أو تحمل، أو تهور أو تقصير، فما وصل إليه اجتهاده، فهو حكم الله تعالى - عند المجتهد - الذي يجب عليه التزامه، والعمل به، والفتوى فيه.\nواستحسن الشوكاني منهج الشافعي ﵀، الذي حكاه عنه الغزالي، ولخص فيه طريقة الاجتهاد فقال: إذا وقعت الواقعة للمجتهد، فليعرضها على نصوص الكتاب، فإن أعوزه، عرضها على الخبر المتواتر، ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخض في القياس، بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب، فإن وجد ظاهرًا، نظر في المخصصات من قياس وخبر، فإن لم يجد مخصصًا، حكم به، وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة، نظر إلى المذاهب، فإن وجدها مجمعًا عليها، اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعًا، خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولًا، ويقدمها على الجزئيات، فإن عدم قاعدة كلية، نظر في المنصوص ومواقع الإجماع، فإن وجدها في معنى واحد، ألحق به، وإلا انحدر به إلى القياس، فإن أعوزه، تمسك بالشبه، ولا يعول على طرد (^١).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٢٢٤).","vol":"4","page":27},{"text":"ويبين الماوردي ﵀ وجوه الاجتهاد ومنهجه، ويقسمها إلى ثمانية أقسام، وهي:\nأحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجًا من معنى النص، كاستخراج علة الربا من البر، فهذا صحيح غير مدفوع عنه عند جميع القائلين بالقياس.\nالقسم الثاني: ما كان مستخرجًا من شبه النص، كالعبد في ثبوت تملكه، لتردد شبهه بالحر في أنه يملك؛ لأنه مكلف، وشبهه بالبهيمة في أنه لا يملك؛ لأنه مملوك، وهذا صحيح وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس جعله داخلًا في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقًا بأحد الشبهين.\nالقسم الثالث: ما كان مستخرجًا من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم الأب والزوج، والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يوصل إليه بالترجيح.\nالقسم الرابع: ما كان مستخرجًا من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فصح الاجتهاد في إجمال قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.","vol":"4","page":28},{"text":"القسم الخامس: ما كان مستخرجًا من أحوال النص، كقوله تعالى في متعة الحج: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأطلق صيام الثلاثة في الحج، فاحتمل: قبل عرفة، وبعدها، وأطلق صيام السبعة إذا رجع، فاحتمل: إذا رجع في طريقه، وإذا رجع إلى بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين.\nالقسم السادس: ما كان مستخرجًا من دلائل النص، كقوله تعالى في نفقة الزوجات: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدين، بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى لكل مسكين مدان، واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بمد، بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الوطء في شهر رمضان، لكل مسكين مد.\nالقسم السابع: ما كان مستخرجًا من أمارات النص، كاستخراج دلائل القبلة فيمن خفيت عليه من قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من هبوب الرياح ومطالع النجوم.\nالقسم الثامن: ما كان مستخرجًا من غير نص، ولا أصل، فقد اختلف في صحة الاجتهاد فيه بغلبة الظن على وجهين:","vol":"4","page":29},{"text":"أحدهما: لا يصح الاجتهاد بغلبة الظن حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع إلى غير أصل، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، ولذلك أنكر الاستحسان؛ لأنه تغليب ظن بغير أصل.\nوالوجه الثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل، فجاز أن يستغني عن أصل، وقد اجتهد العلماء في التعزير على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في أخرى، وبثلاثين في أخرى، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع، والفرق أن الاجتهاد بغلبة الظن يستعمل مع عدم القياس (^١).\n\n• نقض الاجتهاد:\n<span data-type='title' id=toc-552>نقض الاجتهاد </span>هو هدمه وإلغاؤه وإبطال العمل به، ويأخذ إحدى الصور الثلاث، بحسب موقعه، إما في العمل به والتطبيق في الحياة، وإما في الإفتاء، وإما في القضاء، سواء كان النقض من نفس المجتهد الأول، أو من غيره.\nوالمبدأ العام في نقض الاجتهاد واحد في الصور الثلاث، وقد يختلف الأمر في الأثر المترتب على النقض من صورة إلى أخرى.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٥٢٠).","vol":"4","page":30},{"text":"والمبدأ العام في نقض الاجتهاد له شقان:\nالشق الأول: وجوب نقض الاجتهاد:\nإذا كان الاجتهاد مخالفًا لنص صريح في القرآن الكريم، أو السنة الشريفة، ولو كانت سنة آحاد صريحة، أو مخالفًا لإجماع، فإنه ينقض باتفاق العلماء والأئمة والمذاهب، سواء من نفس المجتهد أو من غيره؛ لأن هذا الاجتهاد -أصلًا- باطل؛ لمخالفة النص والإجماع، فيلغى ولا يجوز العمل به في الحياة العملية، ولا يجوز الإفتاء به، ولا القضاء به، وإن عمل به، فيجب الرد، وإذا صدر فيه حكم قضائي، نقض، وإذا أفتى به شخص يجب الرجوع عنه وإبلاغ من أفتاه ليرجع.\nوأضاف الحنفية والمالكية والشافعية بأن الاجتهاد ينقض إذا خالف قياسًا جليًّا، وهو ما تكون العلة فيه صريحة في الأصل، أو تكون في الفرع أشد منها في الأصل كالضرب والتأفيف، أو تكون العلة مساوية تمامًا، ولا فرق نهائيًا بين الأصل والفرع كالمرأة قياسًا على الرجل في الكفارة وغيرها، وخالف في ذلك الحنابلة وقالوا: لا ينقض الاجتهاد بمخالفة القياس مطلقًا، ولو كان جليًّا على الصحيح عندهم.\nوزاد الإمام مالك بنقض الاجتهاد إذا خالف القواعد الشرعية، وزاد بعض المتأخرين بنقض الاجتهاد وإلغائه إذا خالف المذاهب الأربعة؛ لأن ذلك بمثابة الإجماع، أو المعلوم من الدين بالضرورة، وقال ابن","vol":"4","page":31},{"text":"حجر: أو كان اجتهادًا لا دليل عليه قطعًا.\nوإن كان الاجتهاد معتمدًا على نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي فإنه لا ينقض بالاتفاق؛ لأنه يعتمد على دليل لا يجوز خلافه ولا الاجتهاد ضده.\n\n•<span data-type='title' id=toc-553> الشق الثاني: عدم نقض الاجتهاد:</span>\nإذا كان الاجتهاد مبنيًّا على الرأي، خارج الحالات السابقة في الشق الأول، فإنه لا ينقض باجتهاد آخر، وهذا ما نصت عليه القاعدة الفقهية الأصولية «الاجتهاد لا ينقض بمثله»، وبعبارة أخرى «الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد».\nومجال هذا الاجتهاد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع، ولا إجماع، أو في المسائل المستجدة، فإن الاجتهاد فيها لا ينقض باجتهاد مثله بالاتفاق؛ لأنه لو نقض الأول بالثاني لجاز أن ينقض الثاني بثالث؛ لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير، وذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار؛ ولأن الاجتهاد الأول ظني، ويعتمد على دليل ظني، والثاني ظني ويعتمد على دليل ظني، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقض هذا الاجتهاد يؤدي إلى نقض النقض، ويتسلسل الأمر فتضطرب الأحكام ولا يوثق بها.","vol":"4","page":32},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-554> آثار تغير الاجتهاد، ونقض الاجتهاد وعدمه:</span>\nإذا اجتهد مجتهد، أو حاكم، بما يخالف الدليل القطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي، وما مر في الشق الأول، فإن حكمه ينقض باتفاق العلماء، سواء كان من قبل المجتهد، أو الحاكم، أو من مجتهد آخر، أو حاكم آخر؛ لمخالفة الدليل، ولأنه يكون باطلًا، وكل ما بني على باطل فهو باطل، وتنعدم الآثار التي بنيت على الحكم الأول، وهذا له أمثلة من عمل الصحابة في حياة رسول الله ﷺ، وبعد وفاته، إذا اجتهدوا ثم وجدوا نصًّا، نقضوا اجتهادهم.\nوإذا كان الاجتهاد ظنيًّا، وقلنا لا ينقض باجتهاد آخر باتفاق، لكن تغير الرأي بعد ذلك، فإن الأثر العملي يختلف حسب حالة المجتهد نفسه، أو المفتي، أو القاضي.\n١ - أثر تغير الاجتهاد على نفس المجتهد:\nإذا رأى المجتهد حكمًا معينًا، ثم تغير ظنه، فإن لم يعمل بالأول فلا شيء في ذلك، ويجب عليه العمل بالثاني، وإن عمل بالأول لزمه أن ينقض اجتهاده وما يترتب عليه، كما إذا خالع المجتهد زوجته بعد طلاقها مرتين، وأداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ، ليس بطلاق، فتزوجها بعد ذلك بمقتضى هذا الاجتهاد، ثم تغير اجتهاده وأداه إلى أن الخلع طلاق، لزمه أن يفارقها، ولا يجوز له إمساكها، عملًا بمقتضى اجتهاده","vol":"4","page":33},{"text":"الثاني؛ لأنه صار معتقدًا أن الاجتهاد الأول خطأ، والثاني صواب يجب العمل به، وهذا ليس نقضًا للاجتهاد بالاجتهاد، بل هو ترك العمل بالاجتهاد الأول.\nمثاله أيضًا: لو رأى المجتهد أن الولي ليس شرطًا في صحة العقد للمرأة الرشيدة، فتزوجها من غير ولي، ثم تغير اجتهاده ورأى أن الولي شرط في صحة الزواج، فيلزمه مفارقة تلك المرأة، ولا يحل له البقاء على الزواج بها، وهو ترك للعمل بالاجتهاد الأول.\nوهذا الكلام في المثالين إذا لم يكن القاضي قد حكم بصحة النكاح في الحالتين، فإن حكم بهما القاضي، فلا يلزم الزوج مفارقة المرأة؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ويترك المخالف مذهبه ويلتزم بمذهب الحاكم.\n٢ - أثر تغير اجتهاد الحاكم:\nإذا اجتهد القاضي فيما يصح الاجتهاد فيه مما لم يرد فيه نص أو إجماع، وقضى في واقعة بما اجتهد به، ثم حصلت واقعة مماثلة للأولى، فاجتهد فيها، وتغير اجتهاده، فإنه لا ينقض الحكم السابق، وذلك تطبيقًا دقيقًا للقاعدة السابقة «الاجتهاد لا ينتقض بمثله»: لأن النقض يؤدي -كما قلنا- إلى اضطراب القضاء، وعدم استقرار الأحكام، وشلل القضاء بعدم إنهاء المنازعات، وبالتالي عدم الوثوق","vol":"4","page":34},{"text":"بحكم الحاكم، وبقيت الخصومات على حالها، واستمر التشاجر والتنازع وانتشار الفساد والعدوان والظلم، وهذا يتنافى مع المصلحة التي وجد القضاء لأجلها، والحكمة التي نصب لها الحكام.\nوالأمثلة في تاريخ القضاء الإسلامي كثيرة منذ عهد الصحابة، كتغير اجتهاد عمر ﵁ في المسألة المشتركة الحجرية في الميراث، وقرر القاعدة المشهودة «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي» (^١)، ويؤيد ذلك ما جاء في كتاب عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁، وفيه: «لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، أن تراجع الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل» (^٢).\nوالأصل في هذه القاعدة إجماع الصحابة ﵃، كما نقله ابن الصباغ ﵀، وأن أبا بكر ﵁ قضى في مسائل، ثم خالفه فيها عمر ﵁، ولم ينقض اجتهاده، وعلته أن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الأول، فيصح ما فعله بالاجتهاد الأول الذي تقوى بالقضاء والعمل، ثم يغير الحكم في المستقبل.\n_________\n(^١) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٠٥)، والدارمي (٦٧١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣٣١).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في السنن (٤٤٧٢)، والبيهقي في الصغير (٣٢٥٩)، ويمكن أن نحكم بما حكم به ابن كثير في مسند الفاروق، فقال: هو كتاب مشهور لابد للقضاة من معرفته والعمل به.","vol":"4","page":35},{"text":"وكذلك لا ينقض اجتهاد مجتهد باجتهاد مجتهد آخر، بل كل مجتهد عليه أن يحترم اجتهاد الآخر لعدم المرجح.\nوكذلك الأمر لو كان بين قاضيين، بأن قضى شافعي مثلًا بعدم الشفعة للجار، أو بطلان الزواج بغير ولي، ثم رفعت نفس القضية لقاض حنفي مثلًا يرى الشفعة للجار، أو صحة النكاح بغير ولي، فلا يجوز أن ينقض قضاء الأول، ويجب عليه تنفيذه، ويحكم في القضايا الأخرى بما يراه.\nوهذا مبدأ قانوني مقرر في محاكم النقض والتمييز إذا تغير اجتهادها، فإنه لا يسرى ذلك على الأحكام السابقة، ويسمى في اصطلاحهم «بعدم رجعية القوانين والقرارات» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-555> مسألة: تغير الاجتهاد:</span>\nيجوز للمجتهد أن يكون له قولان في وقتين مختلفين، وذلك بأن يكون له اجتهاد وفيه رأي معين، ثم يجتهد في نفس المسألة فيصل إلى اجتهاد آخر ورأي جديد مخالف للأول، وهذا جائز باتفاق.\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (٣٦٧)، الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٣٤١).","vol":"4","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-556>وأسباب تغير الاجتهاد </span>كثيرة، أهمها:\n١ - وجود دليل جديد:\nإن الاجتهاد يتبع الدليل، فإذا وجد المجتهد دليلًا أقوى من دليل الاجتهاد الأول، أو أصح منه، أو أقرب دلالة، فيجب عليه الأخذ بالأقوى والأصح؛ لأنه أقرب إلى الحق والصواب.\n٢ - تغير الزمان:\nإذا كان الحكم السابق مبنيًّا على العرف، أو مصلحة الناس، ثم تغير العرف أو تغيرت مصلحة الناس، وجب تغير الحكم الشرعي، وهو المقرر في قاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان»؛ وذلك لتحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، وأمثلة ذلك كثيرة، كالإفتاء بجواز أخذ الأجرة أو الراتب على تعليم القرآن، والقيام بالشعائر الدينية كالإمامة والخطابة؛ لتغير العرف بسبب انقطاع المكافآت والعطايا التي كانت تدفع من بيت المال للمشتغلين بهذه الوظائف، والحكم بتضمين الصناع لأموال الناس التي تهلك في أيديهم محافظة على الأموال من الضياع، وتحقيقًا لمصلحة المجتمع، والقول بجواز التسعير دفعًا للضرر العام وتحقيقًا لمصلحة الناس، ومثله إفتاء الفقهاء المتأخرين بعدم جواز القضاء بعلم القاضي لتغير الزمان والحفاظ على حقوق الناس.","vol":"4","page":37},{"text":"٣ - مراعاة الضرورة وتطور الزمان:\nوذلك كالحكم بطهارة سؤر سباع الطير كالصقر والنسر مراعاة للضرورة؛ لعدم إمكان الأعراب وسكان الصحارى من الاحتراز منها، وصحة بيع العقار اليوم بذكر صحيفته العقارية «السجل العقاري» حسب التنظيمات الحاضرة.\n٤ - اختلاف البلدان:\nقد يكون لبعض البلاد أعراف خاصة، وتنظيمات معينة، ومعاملات خاصة، واهتمامات متميزة، وهي مما يجب مراعاته عند الاجتهاد ومعرفة الأحكام التي تناسب هذا البلد دون غيره.\nومن هنا ظهر بعض الاختلاف في الأحكام بين أهل مكة وأهل المدينة؛ لأن مكة تعتمد على التجارة، ولا تعرف الزراعة وما يتعلق بها، وأهل المدينة يعتمدون على الزراعة، وتقل فيهم التجارة.\nولهذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة كان المجتهد يغير اجتهاده إذا انتقل من بلد إلى آخر، كما حصل مع الإمام الشافعي عندما غير اجتهاده في مسائل عديدة عندما انتقل من الحجاز إلى العراق، ثم استقر في مصر، وكتب مذهبه الجديد، وخالف فيه بعض اجتهاداته التي عرفت بالمذهب القديم.","vol":"4","page":38},{"text":"ومن هنا أيضًا تتغير الفتوى للأسباب السابقة، أو لبعضها، مما يجب مراعاته.\nويختلف الأمر في أثر تغيير الاجتهاد من المجتهد نفسه إذا عمل بالرأي الأول، أو أفتى به غيره وعمل به، أو قضى به القاضي (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-557> مسألة: هل كل مجتهد مصيب؟</span>\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن المصيب واحد من المجتهدين، فإذا حدثت حادثة ولم يوجد عليها دليل قاطع في حكمها من نص أو إجماع، فيطلب أهل الاجتهاد حكم هذه الحادثة، فمن أدركه كان مصيبًا، ومن لم يدركه كان مخطئًا لا إثم عليه.\nوهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\n١ - قوله ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر» (^٢)، وهذا صريح في أن المجتهد يصيب ويخطئ، ويؤجر المجتهد المصيب أجران، ويؤجر المخطئ أجرًا ولا إثم عليه.\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه. الزحيلي بتصرف يسير (٢/ ٣٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من طريق بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص مرفوعًا.","vol":"4","page":39},{"text":"٢ - قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وهذا فيه دلالة على أن الحق واحد، والمصيب واحد، وأن الحق في تلك الواقعة أصابه سليمان، فخصصه الله بفهم الحق في تلك الواقعة، وعدم فهم داود ﵇ للحق في تلك الواقعة؛ فلو كانا مصيبين معًا لما كان لاختصاص سليمان بالفهم في تلك الواقعة معنى.\nوهذا أيضًا فيه دلالة أن الإثم محطوط عن المجتهد المخطئ، وذلك بدليل مدح الله لكل من داود وسليمان، فقال تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].\n٣ - فعل الصحابة ﵃، فإنهم انتشرت عنهم وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضًا فيها، وصرحوا بلفظ الخطأ والإنكار، من ذلك:\n- قول عمر ﵁ في قضية قضاها: والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ (^١).\n- لما كتب كاتب عمر: هذا رأي الله ورأي عمر. قال له عمر: بئس ما قلت، أكتب: هذا ما رآه عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ\n_________\n(^١) ذكره الجصاص في الفصول (٣/ ٣٦٤)، والقاضي أبو يعلى (٤/ ١١٩١) في العدة، ولم أجده مسندًا عن عمر.","vol":"4","page":40},{"text":"فمن عمر (^١).\n- قول ابن مسعود ﵁ لما سئل عن المفوضة هل لها مهر؟ قال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمن الشيطان (^٢).\n- لما ورث زيد بن ثابت الإخوة مع الجد، اعترض عليه ابن عباس، فقال: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبا الأب أبًا (^٣).\nفهذا فيه دلالة على أن الصحابة ﵃ قد اتفقوا على أن الحق واحد يصيبه بعض المجتهدين، ويخطئه آخرون.\nالمذهب الثاني: أن كل مجتهد في الفروع مصيب، وأن حكم الله\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٥٨٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٤٨)، وغيرهما من طريق مسروق عن عمر قوله.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه النسائي (٣٣٥٤)، وعبد الرزاق (١٠٨٩٨) من طريق منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قوله.\nوأخرجه أحمد (١٨٤٦٠)، وأبو داود (٢١١٦) من طريق خلاس بن عمرو عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قوله، وهو سند صحيح أيضًا.\n(^٣) رجاله ثقات: أخرجه أبو بكر الباغندي في جزء له (١٤) من طريق قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قوله، وعلقه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٣٨١).","vol":"4","page":41},{"text":"تعالى لا يكون واحدًا معينًا، بل هو تابع لظن المجتهد.\nفحكم الله تعالى في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب على ظنه.\nوهذا مذهب أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأكثر المعتزلة.\nواستدلوا بأدلة:\n١ - قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥].\nفالله تعالى أخبر أن القطع والترك بأمر الله تعالى، فهما صوابان مع كونهما ضدين.\nوأجيب عن ذلك: أن هذا من باب الواجب المخير، والعلماء لم يمنعوا أن يرد حكم الله بالتخيير بين الأشياء، إنما منعوا أن يكون الحكم من المجتهد، وضده من مجتهد آخر، وكلاهما صواب.\n٢ - حديث: «ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (^١)، فالنبي ﷺ لم ينكر على الصحابة لما أمرهم ألا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة، وقد اختلفوا، فمنهم من صلى في الطريق، ومنهم من لم يصل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠) من طريق نافع عن ابن عمر مرفوعًا.","vol":"4","page":42},{"text":"وصل، فدل على أن كل مجتهد مصيب.\nوأجيب على ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر على الصحابة اجتهادهم، وكلٌّ عمل بما أداه إليه اجتهاده.\nولكن ليس الكل مصيبًا للحق، وإن كان فعلهم صوابًا «الاجتهاد» في أن كلًّا قد فعل وأدى ما عليه، فهناك فرق بين الإصابة والصواب كما قال الشوكاني: وأما استدلالهم بتصويب كل طائفة ممن صلى قبل الوصول إلى بني قريظة لمن خشي فوت الوقت، وممن ترك الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة امتثالًا لقوله ﷺ: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (^١).\nفالجواب عنه: على أن ترك التثريب لمن قد عمل باجتهاده، لا يدل على أنه قد أصاب الحق، بل يدل على أنه قد أجزأه ما عمله باجتهاده، وصح صدوره عنه؛ لكونه قد بذل وسعه في تحري الحق، وذلك لا يستلزم أن يكون هو الحق الذي طلبه الله من عباده، وفرق بين الإصابة والصواب؛ فإن إصابة الحق هي الموافقة، بخلاف الصواب فإنه قد يطلق على من أخطأ الحق ولم يصبه، من حيث كونه قد فعل ما كلف به، واستحق الأجر عليه، وإن لم يكن مصيبًا للحق وموافقا له (^٢).\n_________\n(^١) انظر ما قبله.\n(^٢) إرشاد الفحول (٢/ ١٠٧٢).","vol":"4","page":43},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-558> مسألة: هل كل من يجتهد يتردد بين الأجر والأجرين؟</span>\nوضع النبى ﷺ شرطين للتردد بين الأجر والأجرين، وهما إذا اجتهد الحاكم، أي لا بد أن يكون حاكمًا عالما، وأن يجتهد، فإن لم يجتهد الحاكم وأفتى؛ فهو آثم وإن أصاب الحق.\nوكذلك إن اجتهد الجاهل فهو آثم، وإن أصاب الحق؛ لأنه لم يصب الحق، ولكن الحق الذى أصابه؛ لأن الجاهل لا يدري طرق الاجتهاد ولا أصوله، فلا يتردد بين الأجر والأجرين إلا إذا كان من أهل العلم ويجتهد للفتوى.\nقال النووي: أجمع العلماء على أن هذا فى حاكم عالم أهلًا للحكم، فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم، فلا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته للحق اتفاقية فهو عاص في جميع أحواله (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-559> مسألة: هل يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ</span>-؟\nاختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ مطلقًا.\nوهو الصحيح، والأدلة على ذلك كثيرة منها:\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي (٢٥٦/ ٦).","vol":"4","page":44},{"text":"أ- أن النبي ﷺ فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم برأيه واجتهاده، فقال رسول الله ﷺ له: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات» (^١).\nب- اجتهاد عمرو بن العاص لما أجنب في ليلة شديدة البرد، وخشي على نفسه إن اغتسل أن يهلك، فتيمم وصلى بأصحابه الفجر، وأقره النبي ﷺ على اجتهاده (^٢).\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ، وقالوا:\nأ- إن كثيرًا من الصحابة ﵃ قد رجعوا إلى النبي ﷺ في حكم وقائع قد حصلت لهم، ولو كان الاجتهاد جائزًا في زمانه لاجتهدوا بأنفسهم، فلما رجعوا إليه دل ذلك على عدم الجواز.\nوأجيب عن ذلك: بأن رجوعهم إلى النبي ﷺ في بعض الأمور لا يدل على منعهم من الاجتهاد بالكلية.\nفالأمر محتمل أنهم رجعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه الحكم بالاجتهاد، أو أنه يحتمل أن الذي رجع إليه لم تتوفر فيه شروط\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٠٤)، ومسلم (١٧٦٨) من طريق أبي أمامه سهل بن حنيف عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n(^٢) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه أحمد (١٧٨١٢)، وأبو داود (٣٣٤) من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا.","vol":"4","page":45},{"text":"المجتهد.\nب- أن الصحابة ﵃ يمكنهم معرفة الحكم عن طريق الوحي القاطع، وإذا كان يمكنهم معرفة الحكم معرفة قطعية فلا يجوز ردهم إلى الاجتهاد المفيد للظن.\nوأجيب عن ذلك: أن ذلك منتقد بوقوع الاجتهاد من بعض الصحابة رضوان الله عليهم.\nوكذلك لا مانع من الحكم بالظن والظاهر؛ فالنبي ﷺ لما اختصم عنده رجلان فقال: «إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-560> مسألة: هل يجوز للنبي ﷺ الاجتهاد؟</span>\nأولًا: اتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في الأمور الدنيوية، ومنها أمور الحرب، وغيرها، بدليل وقوعه منه ﷺ؛ حيث صالح غطفان مقابل ثمار المدينة، ولم تتم هذه المصالحة بسبب مخالفة رؤساء أهل المدينة، ووقوعه في تأبير النخل - بعد قدومه المدينة.\nثانيًا: اتفق العلماء - أيضا - على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في تحقيق مناط الحكم، ومنه الأقضية، وفصل الخصومات، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة مرفوعًا.","vol":"4","page":46},{"text":"ثالثًا: اختلف العلماء في جواز اجتهاده ﷺ في غير ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ، وهو قول جمهور العلماء؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢] حيث إن الله قد أمر أهل البصائر أن يعتبروا ويقيسوا الأشياء بما يماثلها، وهو عامٌّ وشامل لجميع أهل البصائر، ورسول الله ﷺ أعلى أهل البصائر، وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى.\nالدليل الثاني: قياس نبينا ﷺ على داود وسليمان ﵉.\nبيانه: أنه لما اعتدت غنم قوم على زرع آخرين، ذهب صاحب الزرع وصاحب الغنم يتخاصمان إلى داود ﵇ ليحكم بينهما، فحكم بينهما بحكم، وخالفه فيه سليمان ﵇ - وحكم - أي: سليمان - بحكم آخر، فكان حكمهما بالاجتهاد، بدليل: أن سليمان لو لم يحكم بالاجتهاد لما قال تعالى: «ففهمناها سليمان»، وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، لا بطريق الوحي، وإذا جاز لداود وسليمان ﵉ الاجتهاد، فإنه يجوز الاجتهاد لنبينا محمد ﷺ ولا فرق، والجامع: النبوة في كل.","vol":"4","page":47},{"text":"الدليل الثالث: أن النبي ﷺ يشارك أمته فيما لم يرد فيه تخصيص له، أو تخصيص لهم، والاجتهاد قد أمرت أمته به لإيجاد أحكام شرعية للحوادث المتجددة، لكي تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فهو يشارك أمته في الاجتهاد، فيجوز له ﷺ الاجتهاد مثل غيره، وليس في العقل ما يحيله في حقه ويصححه في حقنا، ولهذا أوجب عليه وعلينا العمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها.\nالدليل الرابع: أنه لا يلزم من فرض تعبده ﷺ بالاجتهاد محال عقلًا، ولا يؤدي إلى مفسدة، وكل ما كان كذلك كان جائزًا عقلًا، فتعبده بالاجتهاد جائز عقلًا.\nالدليل الخامس: وقوع الاجتهاد منه ﷺ، ولو لم يكن متعبدًا بالاجتهاد لما وقع منه، فقد اجتهد في حوادث شتى، منها: اجتهاده في أسرى بدر، حيث أخذ الفداء مقابل إطلاق الأسرى، وهذا بالاجتهاد، وستأتي أمثلة على ذلك في المسألة التالية.\nالمذهب الثاني: لا يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وحُكِي عن أبي منصور الماتريدي، وهو ظاهر مذهب ابن حزم.","vol":"4","page":48},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أن الرسول ﷺ قادر على معرفة الحكم بالوحي الذي يفيد العلم قطعًا وصريحًا، وكل من كان قادرًا على العلم القطعي لا يجوز له العمل بالظن، فلا يجوز للنبي ﷺ العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد، فلا يجوز له الاجتهاد.\nوجوابه:\nأنا لا نسلم أن النبي ﷺ كان قادرًا على معرفة الحكم بالوحي؛ لأن الوحي ليس في اختياره ينزل عليه متى شاء، ولذلك قد يضطر إلى الاجتهاد في الأمور التي لا تقبل التأجيل.\nالدليل الثاني: أنه قد ثبت أن قول النبي ﷺ نص قاطع، وحجة قاطعة على من سمعه شفاها أو بلغه عن طريق التواتر، والاجتهاد لا يفيد إلا الظن، فهنا حصل تضاد بين قوله ﷺ، حيث قلنا بإفادته القطع، وبين اجتهاده حيث إنه لا يفيد إلا الظن، فالقطع غير الظن فكيف يجتمعان؟!\nوجوابه:\nأنه لو قيل له: إن ظنك علامة على حكم الله - تعالى - فيكون قد استيقن الظن والحكم معًا، فلا تنافي بين معرفته الحكم بالوحي، ومعرفته إياه بالاجتهاد؛ لأنه ﷺ لما ظن الحكم بالاجتهاد فإنه يقطع","vol":"4","page":49},{"text":"بكونه حكم الله في الحادثة.\nالدليل الثالث: لو جاز الاجتهاد للرسول ﷺ: لأجاب عن كل واقعة سئل عنها، ولما انتظر الوحي؛ لأن الاجتهاد هو الوسيلة لمعرفة الحكم فيما لا قاطع فيه، لكنه ﷺ توقف في اللعان، والظهار، وانتظر الوحي، فهذا يدل على عدم جواز القياس.\nوجوابه:\nإن توقف ﷺ عن الاجتهاد في بعض الوقائع والحوادث وانتظاره للوحي لا يلزم منه عدم تعبده بالاجتهاد في جميع الحوادث؛ لأننا لا نقول: إن الرسول ﷺ يجتهد حال حدوث الحادثة، بل كان ينتظر الوحي، فإذا لم ينزل عليه وحي وخشي الفوات اجتهد.\nوعلى هذا، فإنه يحتمل أن يكون تأخره بسبب السعة في الوقت.\nويحتمل أن يكون بسبب أنه لم ينقدح في ذهنه اجتهاد الآن.\nويحتمل أن يكون سبب توقفه حيث إن بعض المسائل لا تقبل الاجتهاد، أو هي مما نهي فيه عن الاجتهاد.\nالدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].\nوجه الدلالة: أن هذه الآية بينت أن كل ما ينطق به النبي ﷺ وحي،","vol":"4","page":50},{"text":"وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبقى للاجتهاد مجال، ولكان الاجتهاد في حقه نطقًا عن الهوى المنفي عنه بالآية الكريمة، فالضمير في قوله تعالى: «إن هو» يرجع إلى النطق المذكور في الآية في ضمن قوله: «وما ينطق عن الهوى»، وهو عامٌّ.\nوجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: لا نسلم عموم الآية، بل إن الآية وردت لرد ما كان يقوله الكفار بأن ما يأتي به ﷺ من القرآن ليس وحيًا من عند الله، بل هو افتراء منه على الله تعالى، فالضمير في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤] يرجع إلى القرآن، فيكون تقدير الآية كذا: أن النبي ﷺ لا ينطق فيما ينطق به من القرآن من هوى نفسه، ما القرآن إلا وحي يوحى إليه من الله تعالى، فعلى هذا تنفي الآية: أن يتكلم الرسول ﷺ بغير القرآن، ولا تمنع الآية من ذلك.\nالجواب الثاني: سلمنا أن الآية عامة في جميع ما نطق به الرسول ﷺ من القرآن وغيره، إلا أن ذلك لا ينفي اجتهاده ﷺ؛ لأنه لو كان متعبدًا بالاجتهاد بواسطة الوحي لما كان اجتهاده نطقًا عن الهوى، بل كان بالوحي، وما حكم به باجتهاده إما صواب من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ أمره، لكن الله تعالى يرشده إلى الصواب، أو يقره عليه،","vol":"4","page":51},{"text":"فلا يحتمل غير الحق.\n\n•<span data-type='title' id=toc-561> بيان نوع الخلاف:</span>\nالخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه يجوز - بناءًا على المذهب الأول - أن يكتفي المجتهد بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر على الاستدلال عليه بدليل قطعي.\nكما يجوز على هذا المذهب الاجتهاد في أوقات الصلاة والقبلة مع إمكان الصبر إلى اليقين، أما بناءًا على المذهب الثاني فلا يجوز كل ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-562> مسألة: هل وقع الاجتهاد من النبي ﷺ</span>-؟\nلقد اختلف القائلون: بجواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما بينهم هل وقع الاجتهاد منه ﷺ أو لا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الاجتهاد وقع من النبي ﷺ. وهو مذهب بعض الحنفية، وكثير من المالكية ومنهم ابن الحاجب، وكثير من الشافعية ومنهم: الآمدي، وفخر الدين الرازي، وكثيرمن الحنابلة ومنهم: أبو الخطاب، وابن قدامة، لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: أنه ﷺ قد استشار أبا بكر وعمر ﵄ في الأسرى يوم بدر، فأخذ برأي أبي بكر، حيث وافق رأيه رأي النبي ﷺ فأخذ","vol":"4","page":52},{"text":"الفداء مقابل إطلاق سراح الأسرى، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨]، فحزن النبي ﷺ بعد نزول هاتين الآيتين (^١).\nفلو لم يكن الرسول قد وقع منه الاجتهاد وعمل به لما عوتب، لأنه لا عتاب على العمل بالوحي.\nالدليل الثاني: أن الرسول ﷺ لما أعلن فرضية الحج سأله الأقرع بن حابس ﵁: لعامنا هذا أم للأبد؛ فقال ﷺ: «هو للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب» (^٢).\nوجه الدلالة: أنه لو لم يكن للرسول ﷺ الاختيار لما قال ما قال، وكون الاختيار له ﷺ في أن يقول: «لعامنا» ظاهره الاختيار بالاجتهاد، أي: له الحق في أن يقول ذلك بالاجتهاد.\nالدليل الثالث: أن النبي ﷺ لما أراد أن ينزل ببدر دون الماء، قال له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث عمر ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٠٥) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":53},{"text":"فانزل بالناس دون الماء، لنحول بينه وبين العدو، فقال لهم: ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد، ورجع إلى قوله (^١)، ورحل وذهب إلى الموضع الذي أشار به الحباب، فهذا صريح في وقوع الاجتهاد منه ﷺ.\nالدليل الرابع: أن النبي ﷺ لما قال بشأن مكة:\n«لا يختلى خلاها، ولا يعتضد شجرها …» قال له العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ: «إلا الإذخر» (^٢).\nفلم يقبل الرسول ﷺ قول العباس الطالب للتخفيف إلا بالاجتهاد ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء بالاجتهاد.\nاعتراض على هذا:\nقال قائل - معترضًا -: إن هذا الدليل يحتمل احتمالات هي:\nالأول: أنه يحتمل أن الرسول ﷺ كان مأمورًا بالوحي بالاستثناء عندما يسأله العباس.\nالثاني: أنه يحتمل أن جبريل ﵇ كان حاضرًا، فأشار إليه\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣١) من طرق عن الزهري، ومحمد بن يحيى، وعاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، وعنهم مرسلًا عن النبي صلى الله عليهم وسلم.\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"4","page":54},{"text":"بقبول طلب العباس.\nالثالث: أنه يحتمل أن الرسول ﷺ كان يريد أن يستثني الإذخر فسبقه العباس.\nوإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.\nوجوابه:\nيجاب عنه بجوابين:\nالجواب الأول عامٌّ لجميع الاحتمالات وهو: أن هذه الاحتمالات مجرد تصورات لا دليل عليها، وما لا دليل عليه لا يعتد به.\nالجواب الثاني خاص في الاحتمال الثالث - وهو: كون النبي ﷺ كان يريد استثناء الإذخر فسبقه العباس - وهو: أنا لا نسلم بذلك؛ لأن المستثنى لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه، حذرًا من التلبيس، وقد انتقل الرسول ﷺ من الجملة التي تفيد حرمة قطع الإذخر من غير أن يستثني إلى أخرى وهي: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل قتيلًا فهو بخير النظرين …»، وحين ذاك قال العباس ما قال.","vol":"4","page":55},{"text":"المذهب الثاني: أن الاجتهاد لم يقع من النبي ﷺ.\nوهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وكثير من المتكلمين.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه لو وقع من النبي ﷺ الاجتهاد لاستفاض نقله؛ لكونه حادثًا غريبًا بالنسبة له ﷺ، لكنه لم ينقل إلينا؛ فدل ذلك على أنه لم يقع منه ﷺ.\nجوابه:\nأن الاجتهاد وقع منه ﷺ، واستفاض، ونقل إلينا بطرق مختلفة\nتكفي لإثبات أنه ﷺ اجتهد في أمور، وقد سبقت الأمثلة على ذلك، ولا يلزم من عدم اطلاع بعض الناس عليها أنه لم يقع.\nالدليل الثاني: أنه لو وقع الاجتهاد من النبي ﷺ للزم من ذلك اختلاف اجتهاداته - كعادة المجتهدين - ولو اختلفت اجتهادات النبي ﷺ لاختلفت أحكامه التي يصدرها فيتهم بسبب ذلك بتغير رأيه، وبوضع الشريعة، لكنه لم تتغير أحكامه، ولم يتهم بذلك، فينتج أن لم يقع منه الاجتهاد.","vol":"4","page":56},{"text":"جوابه:\nأن اجتهاد النبي ﷺ ليس مثل اجتهادات غيره تتغير وتتبدل في قضايا متشابهة، بحيث يوجه إليه هذه التهمة، وعندما أخطأ في بعض اجتهاداته مما يكون سببًا في تغيير نتائجها: نزل الوحي لتصحيح هذا الخطأ، فمنع السبب في توجيه تلك التهمة إليه ﷺ، وبذلك يكون مجتهدًا من غير أن يصدر منه ما يوجب هذا الاتهام، فلا يتخذ عدم توجيه هذه التهمة إليه ذريعة لإنكار اجتهاده.\n\n•<span data-type='title' id=toc-563> بيان نوع الخلاف:</span>\nالخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على جواز اجتهاده ﷺ، وكونه وقع منه ذلك الاجتهاد أو لم يقع، فإنه لا يغير من المعنى والحكم شيئًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-564> مسألة: هل يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ</span>-؟\nلقد اختلف القائلون: إن الاجتهاد وقع منه ﷺ في جواز الخطأ في اجتهاده ﷺ.\nالمذهب الأول: أنه يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ","vol":"4","page":57},{"text":"لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣].\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أذن للذين تخلفوا عن غزوة تبوك: بين الله تعالى في هذه الآية الخطأ في ذلك.\nالدليل الثاني: قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧].\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أخذ المال عوضًا عن أسرى بدر: بين الله تعالى له أنه ألم يصب بترك قتل هؤلاء الأسرى، وعاتبه في ذلك.\nالدليل الثالث: قوله ﵊: «إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» (^١).\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد بين هنا أنه يقضي بما لا يكون حقًّا في نفس الأمر، وهذا يدل على أنه يقع منه الخطأ في اجتهاده.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ\nوهو مذهب بعض الشافعية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة مرفوعًا.","vol":"4","page":58},{"text":"أدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].\nوجه الدلالة: أن الله - تعالى - قد أمرنا - هنا - باتباع حكم الرسول ﷺ، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يمكن أن يأمر بذلك.\nوجوابه:\nهذا منقوض بأن الله - تعالى - قد أمر العامي باتباع قول المجتهد والمفتي مع جواز خطئه، فلو كان ما ذكروه صحيحًا للزم من ذلك: أن الله تعالى أمر باتباع الخطأ، وهذا لا يقوله أحد.\nالدليل الثاني: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة: اتباع الرسول ﷺ في الأحكام الشرعية؛ إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز الخطأ على النبي ﷺ في حكمه.: للزم من ذلك التردد في قوله، والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهذا محال.\nوجوابه:\nأن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله - تعالى -: أوامره،","vol":"4","page":59},{"text":"ونواهيه، والمقصود من إظهار المعجزة: إظهار صدقه فيما يقوله من الرسالة، والتبليغ عن الله تعالى، وذلك مما لا يتصور خطأه فيه بالإجماع.\nبخلاف ما يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول فيه عن وحي، ولا بطريق التبليغ، فتطرق الخطأ إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة.\nبيان نوع الخلاف:\nالخلاف هنا لفظي؛ لأن ما حكم به باجتهاده ﷺ إما أن يكون صوابًا من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ الأمر، لكن الله تعالى يرشده إلى الصواب، فهو صواب في نهاية الأمر (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-565> مسألة: هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين في وقت واحد؟</span>\nالصحيح أنه لا يجوز ذلك، فلا يجوز له أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والإباحة في وقت واحد.\n_________\n(^١) المهذب في أصول الفقه (٥/ ٢٣٣٧)، وما بعدها.","vol":"4","page":60},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-566> مسألة: هل يجوز للمجتهد أن يقلد غيره؟</span>\nاختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالمذهب الأول: لا يجوز له تقليد غيره مطلقًا، فالمجتهد حقه الاجتهاد، ولا يقلد أحدًا، حتى لو اجتهد العالم فوصل إلى حكم باجتهاده، فخالف به عامة العلماء فيلزمه اجتهاده، ولا يلزم بأقوال غيره من العلماء، وهو مذهب الجمهور.\nالمذهب الثاني: أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر مطلقًا، وهو مذهب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية عن أحمد.\nواستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].\nالمذهب الثالث: أنه يجوز أن يقلد المجتهد مجتهدًا آخر أعلم منه إذا تعذر عليه الاجتهاد.\nالمذهب الرابع: أنه يجوز له أن يقلد الواحد من الصحابة إذا كان قد ترجح في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استوى في نظره فإنه يتخير في تقليد من شاء، ولا يقلد غير الصحابة.\nالمذهب الخامس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد الواحد من الصحابة، والواحد من التابعين فقط.","vol":"4","page":61},{"text":"المذهب السادس: أنه يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر فيما يخصه دون ما يفتي به.\nالمذهب السابع: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر مطلقًا إذا خشي أن يفوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد (^١).\nوالراجح: عدم الجواز إلا للحاجة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-567> مسألة: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة ذكرها، ووجدت تلك العلة في مسألة أخرى؟</span>\nإذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل الحكم بعلة، ووجدت مسألة أخرى متحققة فيها تلك العلة التي نص عليها، فإن مذهبه فيها هو مذهبه في المنصوص عليها، أما إذا نص على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم، ووجدت مسألة أخرى تشبهها؛ فلا يجوز أن يحكم في هذه المسألة بحكم المنصوص عليها (^٢).\n_________\n(^١) المهذب في علم أصول الفقه (٥/ ٢٣٧٥) بتصرف.\n(^٢) المهذب في علم أصول الفقه (٥/ ٢٣٧٦).","vol":"4","page":62},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-568> مسألة: إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان مختلفتان، وصح هذا النقل عنه، ففيه تفصيل:</span>\nأولًا: أنه لا يجوز أن يقول كل واحدة منهما في وقت واحد وفي حالة واحدة كما سبق.\nثانيًا: إذا قال المجتهد هذين الحكمين المختلفين في تلك المسألة في حالتين، فلا يخلو إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة، أو نعلم:\nفإن لم نعلم الرواية الأخيرة من هذا المجتهد، فإننا ننظر في الروايتين أيهما أشبه بأصول ذلك المجتهد، فإننا نجعلها مذهبًا له، وتكون الأخرى مشكوكًا فيها.\nفإن علمنا الرواية الأخيرة، فقد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح أن الرواية الأخيرة لهذا المجتهد هي مذهبه في المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها فلا تضاف إليه، وقيل: لا تصح الأخيرة مذهبًا له، إلا إذا صرح بالرجوع عن الأولى (^١).\n_________\n(^١) المهذب في علم أصول الفقه (٥/ ٢٣٨٢).","vol":"4","page":63},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-569> مسألة: هل يجوز خلو عصر من مجتهد؟</span>\nقال ابن مفلح: لا يجوز خلو العصر عن مجتهد عند أصحابنا وطوائف.\nقال بعض أصحابنا: ذكره أكثر من تكلم في الأصول في مسائل الإجماع، ولم يذكر ابن عقيل خلافه إلا عن بعض المحدثين.\nوقال الآمدي: جوزه آخرون، وهو المختار؛ لأنه لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه.\nوفي الصحيحين: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).\nوقال: التفقه فرض كفاية، ففي تركه اتفاق الأمة على باطل (^١).\nقال الزركشي:\nمسألةٌ: يجوز خلو العصر عن المجتهد عند الأكثرين وجزم به في «المحصول»، وقال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم، ولعله أخذه من الإمام الرازي، أو من قول الغزالي في «الوسيط»: قد خلا العصر عن المجتهد المستقل، ونقل الاتفاق فيه عجيبٌ،\n_________\n(^١) أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٢).","vol":"4","page":64},{"text":"والمسألة خلافيةٌ بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا، والحق أن الفقيه الفطن القيَّاس كالمجتهد في حق العامي، لا الناقل فقط.\nوقالت الحنابلة: لا يجوز خلو العصر عن مجتهدٍ، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق والزبيري، فقال الأستاذ: وتحت قول الفقهاء: لا يخلي الله زمانًا من قائمٍ بالحجة، أمرٌ عظيمٌ، وكأن الله تعالى ألهمهم ذلك، ومعناه أن الله تعالى لو خلى زمانًا من قائمٍ بحجةٍ زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، وقال الزبيري: لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بالحجة في كل وقتٍ ودهرٍ وزمانٍ، ولكن ذلك قليلٌ في كثيرٍ، فأما أن يكون غير موجودٍ - كما قال الخصم - فليس بصوابٍ، لأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عطلت الفرائض كلها لحلت النقمة بذلك في الخلق، كما جاء في الخبر: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» (^١)، ونحن نعوذ بالله أن نؤخر مع الأشرار. انتهى.\nوقال ابن دقيق العيد: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان، وقال في شرح خطبة «الإلمام»: والأرض لا تخلو من قائمٍ لله بالحجة، والأمة الشريفة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤٩) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.","vol":"4","page":65},{"text":"لا بد لها من سالكٍ إلى الحق على واضح المحجة، إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى، ويتتابع بعده ما بقي معه إلى قدوم الأخرى، ومراده بالأشراط الكبرى: طلوع الشمس من مغربها مثلًا، وله وجهٌ حسنٌ، وهو أن الخلو من مجتهدٍ يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهو ترك الاجتهاد الذي هو فرض كفايةٍ (^١).\nقال السيوطي: لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد:\nذهب الحنابلة إلى أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد مطلق أو مقيد لقوله ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» (^٢)، قالوا ولأن الاجتهاد فرض كفاية؛ فيستلزم انتفاؤه اتفاق المسلمين على الباطل.\nواختار الشيخ ابن دقيق العيد أنه لا يجوز خلوه عن مجتهد ما لم يتداعى الزمان بنزول القواعد بأن تأتي أشراط الساعة الكبرى، كذا نقله عنه ابن السبكي في جمع الجوامع.\nوالأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمة الشريفة لا بد فيها من سالك إلى الحق على واضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله من أشراط\n_________\n(^١) البحر المحيط (٨/ ٢٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا.","vol":"4","page":66},{"text":"الساعة الكبرى وتتابع بعده ما لا يبقى معه إلا قدوم الآخرة.\nوهذا الكلام استنبطه الشيخ تقي الدين من الحديث المذكور، ومن قول على ﵁: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة؛ لكيلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا (^١).\nوقال الشوكانى: ولا يخفاك أن القول بكون الاجتهاد فرضًا يستلزم عدم خلو الزمان عن مجتهد، ويدل لذلك: عن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) (^٢).\nوقال: وما قاله الغزالي ﵀: من أنه قد خلا العصر عن المجتهد، قد سبقه إلى القول به القفال، ولكنه ناقض ذلك، فقال: إنه ليس بمقلدٍ للشافعي، وإنما وافق رأيه رأيه، كما نقل ذلك عنه الزركشي، وقال: قول هؤلاء القائلين بخلو العصر عن المجتهد، مما يقضي منه العجب، فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم، فقد عاصر القفال، والغزالي، والرازي، والرافعي، من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعةٌ منهم، ومن كان له إلمامٌ بعلم التاريخ، واطلاعٌ على أحوال علماء الإسلام في كل عصرٍ لا يخفى عليه مثل هذا، بل قد\n_________\n(^١) تقرير الأستاذ في تفسير الاجتهاد للسيوطي (١/ ٣٣، ٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١١٦)، ومسلم (١٥٦) من حديث جابر مرفوعًا.","vol":"4","page":67},{"text":"جاء بعدهم من أهل العلم من جمع الله له من العلوم فوق ما اعتبره أهل العلم في الاجتهاد.\nوإن قالوا ذلك لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار أن الله ﷿ رفع ما تفضل به على من قبل هؤلاء من هذه الأمة من كمال الفهم، وقوة الإدراك، والاستعداد للمعارف، فهذه دعوى من أبطل الباطلات، بل هي جهالةٌ من الجهالات.\nوإن كان ذلك باعتبار تيسر العلم لمن قبل هؤلاء المنكرين، وصعوبته عليهم، وعلى أهل عصورهم، فهذه أيضًا دعوى باطلةٌ، فإنه لا يخفى على من له أدنى فهمٍ أن الاجتهاد قد يسره الله.\nوقال: ولما كان هؤلاء الذين صرحوا بعدم وجود المجتهدين شافعيةً، فها نحن نوضح لك من وجد من الشافعية بعد عصرهم، ممن لا يخالف مخالفٌ في أنه جمع أضعاف علوم الاجتهاد، فمنهم ابن عبد السلام، وتلميذه ابن دقيق العيد، ثم تلميذه ابن سيد الناس، ثم تلميذه زين الدين العراقي، ثم تلميذه ابن حجرٍ العسقلاني، ثم تلميذه السيوطي، فهؤلاء ستةأعلامٍ كل واحدٍ منهم تلميذ من قبله، قد بلغوا من المعارف العلمية ما يعرفه من يعرف مصنفاتهم حق المعرفة، وكل واحدٍ منهم إمامٌ كبيرٌ في الكتاب والسنة، محيطٌ بعلوم الاجتهاد إحاطةً","vol":"4","page":68},{"text":"متضاعفةً، عالمٌ بعلومٍ خارجةٍ عنها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-570> الاجتهاد في العصر الحاضر:</span>\nأحس المسلمون عامة، والعلماء خاصة منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري، والعشرين ميلادي بضررورة العودة إلى رحاب الشريعة الغراء في التطبيق والحياة، وأدركوا عوامل الخمود والكسل والركود التي سبقت ذلك، فشمروا عن ساعد الجد، وطالبوا بالالتزام بالشرع الحنيف، وساهموا في فتح الكليات والجامعات والمعاهد، ودرسوا مختلف العلوم الإسلامية، وخاصة أصول الفقه، والفقه المقارن بين المذاهب، والموازنة مع القوانين الأجنبية المستوردة، وأَدْلَوا بدلوهم تدريجيًّا في الاجتهاد، وبيان الأحكام في النوازل والمستجدات، ومارسوا الاجتهاد عمليًّا، وتعالت أصواتهم بالدعوة مجددًا إلى فتح باب الاجتهاد، وإنهاء دعوى أو فتوى غلق باب الاجتهاد، وطلبوا من العلماء الذين تتوفر فيهم شروط الاجتهاد أن يتولوا القيام به، ولو جزئيًّا، ليعود الأمر إلى الأصل الشرعي، وقرر معظم العلماء أن باب الاجتهاد لم يغلق أصلًا، وإنما وضعت القيود عليه خشية العبث به، ولوجود الموانع أمامه، وإذا زال المانع عاد الممنوع، وأن الأمة والعلماء مدعوون قطعًا لتحصيل شروط الاجتهاد، ثم العمل بموجبه،\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٢١٣)، وما بعدها بتصرف.","vol":"4","page":69},{"text":"وأن فضل الله على عباده لم ولن ينحصر في وقت دون آخر، ولم ولن يتحدد بجيل دون آخر، وأن الخير في هذه الأمة حتى تقوم الساعة، ويجب أن تنفض عن كواهلها عوارض الكسل والخمود، لتمارس نشاطها الفقهي والاجتهاد.\nوإن الظروف المعاصرة تستدعي الاجتهاد وتوجبه لسببين رئيسين:\nالسبب الأول: الصحوة الإسلامية المعاصرة، والمرافقة للتطور التقني في تدوين الكتب الشرعية في علوم القرآن، وعلوم السنة، وأصول الفقه، والموسوعات الفقهية، وإحياء التراث، وتحقيقه، ونشره، وسهولة الطباعة لأمهات الكتب في مختلف العلوم، مما يسهل على العلماء الزاد العلمي، وييسر لهم سبل الاجتهاد.\nالسبب الثاني: التطور المعاصر في مختلف شؤون الحياة، وكثرة المستجدات والنوازل والوقائع التي تحتاج إلى بيان الأحكام الشرعية لها، ووجود التحدي من الأنظمة والتشريعات الوافدة من الاتجاه المعاكس، والنظريات المادية، والهيمنة الفكرية، والعولمة، والغزو الثقافي والتشريعي، وظهور الاستعمار القانوني المعاصر.\nوذلك بالإضافة إلى الدواعي الشرعية السابقة لضرورة الاجتهاد، وحتمية وجوده، وأهميته، وأداء وظيفته.","vol":"4","page":70},{"text":"وظهر في العصر الحاضر المجامع الفقهية، والندوات، والمؤتمرات التي تجمع كبار العلماء لبحث القضايا المعاصرة، والاجتهاد الجماعي فيها، وإصدار الفتاوى بالاتفاق أو بالأغلبية لبيان الحلول الشرعية لقضايا الأمة والمجتمع والمؤسسات والشركات والأفراد، واختيار الآراء المناسبة من مختلف المذاهب بما يوافق روح العصر، والتقدم والرقي، والمكتشفات العلمية الحديثة.\nوظهر في معظم البلاد العربية والإسلامية هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث، ودار الفتوى، ومنصب المفتي العام، ودوائر الشؤون الإسلامية، بالإضافة إلى أساتذة الفقه وأصول الفقه وتاريخ التشريع والفقه المقارن في الكليات والجامعات والمعاهد العليا ممن يجيدون البحث العلمي، ويكتبون البحوث المحكمة والمعمقة، ويقدمون الدراسات والأوراق للندوات والمؤتمرات ومجامع الفقه، إضافة إلى كبار القضاة الذين يتمرسون على فصل المنازعات والاختلافات التي لم يسبق لها مثيل، فيجتهدون في إصدار الأحكام الشرعية فيها، ويستقر عليها العمل، وتصبح سوابق قضائية، وتنتقل من بلد إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، وتجمع في مدونات، وتطبع وتنشر.\nوهكذا يحافظ الاجتهاد في عصرنا الحاضر -كما كان في السابق- على حياة التشريع، ومرونة الفقه، وتطوره، وفعاليته، ويحافظ الاجتهاد","vol":"4","page":71},{"text":"على بقاء الفقه الإسلامي في المعاملات، ويتطلع إليه الخاصة والعامة لحل المشكلات، وإيجاد الحلول الموافقة للشرع للمعضلات التي رانت على القلوب بعد سيطرة الفكر المادي، والاستعمار التشريعي.\nوإذا كان الاجتهاد المطلق، والمجتهد المستقل، يصعب حصوله اليوم، فإن سائر أنواع الاجتهاد، وسائر طبقات المجتهدين، ومراتبهم، موجودة، وإن معظم شروط الاجتهاد -اليوم- متحققة ومتوفرة، وستبقى حتى تقوم الساعة، وهو ما عبر عنه الغزالي والشهرستاني وابن عبد السلام والسيوطي وغيرهم، وهو ما ينادي به كبار العلماء والفقهاء في هذا العصر، لتظل راية الشرع عالية خفاقة بإذن الله تعالى (^١).\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٣٠٨).","vol":"4","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-571>المبحث الثاني: الفتوى</span>\n•<span data-type='title' id=toc-572> تعريف الفتوى:</span>\nالفتوى لغة: قال ابن منظور: أفتاه في الأمر أبان له، وأفتى الرجل في المسألة واستفتيته فيها فأفتاني إفتاء … يقال: أفتيت فلانًا رؤيا رآها إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألة إذا أجبته عنها … يقال: أفتاه في المسألة إذا أجابه … والفتيا والفُتْوى والفَتْوى: ما أفتى به الفقيه (^١).\nوالاستفتاء لغة: طلب الجواب عن الأمر المشكل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف: ٢٢]، وقد يكون بمعنى مجرد سؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١]، قال المفسرون: أي اسألهم.\nالفتوى اصطلاحًا: بيان الحكم الشرعي (^٢).\n_________\n(^١) أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح (١/ ٢٢).\n(^٢) معالم أصول الفقه للجيزاني (١/ ٥٠٤).","vol":"4","page":73},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-573> والقضاء شبيه بالفتوى إلا أن بينهما فروقًا:</span>\nمنها: أن الفتوى إخبار عن الحكم الشرعي، والقضاء إنشاء للحكم بين المتخاصمين.\nومنها: أن الفتوى لا إلزام فيها للمستفتي أو غيره، بل له أن يأخذ بها إن رآها صوابًا، وله أن يتركها ويأخذ بفتوى مفت آخر، أما الحكم القضائي فهو ملزم، وينبني عليه أن أحد الخصمين إذا دعا الآخر إلى فتاوى الفقهاء لم نجبره، وإن دعاه إلى قاض وجب عليه الإجابة، وأجبر على ذلك، لأن القاضي منصوب لقطع الخصومات وإنهائها.\nومنها: أن المفتي يفتي بالديانة - أي على باطن الأمر، وبدين المستفتي، والقاضي يقضي على الظاهر.\nقال ابن عابدين: مثاله إذا قال رجل للمفتي: قلت لزوجتي: أنت طالق قاصدًا الإخبار كاذبًا، فإن المفتي يفتيه بعدم الوقوع، أما القاضي فإنه يحكم عليه بالوقوع (^١).\nومنها: أن حكم القاضي جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه أوله، وفتوى المفتي شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره، فالقاضي يقضي قضاء معينا على شخص معين، والمفتي يفتي حكمًا\n_________\n(^١) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٤/ ٣٠٦).","vol":"4","page":74},{"text":"عامًّا كليًّا: أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا.\nومنها: أن القضاء لا يكون إلا بلفظ منطوق، وتكون الفتيا بالكتابة والفعل والإشارة (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-574> أهمية منصب الفتوى وخطورته:</span>\nويمكن إيضاح ذلك فيما يأتي:\n١ - أن المفتي موقع عن رب العالمين. قال ابن القيم: «وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟!\nفحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يَعُدَّ له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧]، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة».\n٢ - أن المفتي من شأنه إصدار الفتاوى في ساعته بما يحضره من\n_________\n(^١) الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٢/ ٢١).","vol":"4","page":75},{"text":"القول، فلا يتهيأ له من الصواب ما يتهيأ لمن أطال النظر وتثبت كالقاضي.\n٣ - أن فتوى المفتي - وإن لم تكن ملزمة - حكم عام يتعلق بالمستفتي وبغيره، فالمفتي يحكم حكمًا عامًّا كليًّا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، بخلاف القاضي فإن حكمه جزئي خاص على شخصٍ معينٍ لا يتعداه إلى غيره (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-575> تنبيهات:</span>\n١ - باب الفتوى له صلة قوية بباب الاجتهاد والتقليد، بل إن الفتوى فرع عن الاجتهاد والتقليد، إذ المفتي هو المجتهد، والمستفتي هو المقلد، لذا فإن كثيرًا من مباحث الفتوى يرجع فيها إلى ما تقدم من مباحث الاجتهاد والتقليد.\nفمن ذلك:\n٢ - أنواع المفتين كأنواع المجتهدين: فبعضهم مجتهد مطلق وبعضهم مقيد، وبعضهم مجتهد في جميع المسائل، وبعضهم في مسألة أو باب معين، على ما مضى في أقسام الاجتهاد، ولا يجوز للمفتي أن يتجاوز مرتبته.\n_________\n(^١) معالم أصول الفقه للجيزاني (٥٠٤).","vol":"4","page":76},{"text":"٣ - يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له؛ لأن الإفتاء حكمه عام يجري مجرى الرواية لا مجرى الشهادة.\n٤ - لا يجوز للمفتي أن يأخذ أجرة على فتواه من أعيان من يفتيهم، ويجوز له أن يأخذ من بيت المال ما يغنيه إن احتاج لذلك.\nوأما الهدية فإن كانت بغير سبب الفتوى جاز قبولها، والأولى أن يكافئ عليها، وإن كانت بسبب الفتوى كره قبولها لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.\nويحرم قبول الهدية إن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره.\n٥ - يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه؛ لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها، وهذا ما عليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض، فإن خير ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات.\n٦ - لا يجوز للمستفتي تتبع الرخص، والتخير بين أقوال المفتين بالرأي المجرد والتشهي، بل عليه أن يرجح قدر استطاعته القول الأقرب للصواب في نظره.\nوإذا كان تتبع الرخص لا يجوز للمستفتي، فعلى المفتي ألا يُعينه على ذلك إلا إنْ عَلِمَ منه حُسْنَ القصد فله أن يدله على حيلةٍ جائزةٍ لا","vol":"4","page":77},{"text":"شبهة فيها (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-576> حكم الإفتاء والاستفتاء:</span>\nالمراد من الحكم هنا الوصف الشرعي من حيث الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة، وهذا يتناول المستفتي والمفتي.\nلما كان حكم الفتوى مما تتطرق إليه الأحكام التكليفية الخمسة حسن توضيح ذلك فيما يأتي:\nأ- حكم الإفتاء في الأصل جائز فقد ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يفتون الناس، فمنهم المكثر في ذلك والمقل، وكذلك كان في التابعين وتابعيهم ومن بعدهم.\nفلا بد للناس من علماء يسألونهم، ومفتين يستفتونهم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].\nوقال ﷺ: «ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال» (^٢).\nب- وقد يكون الإفتاء واجبًا، وذلك إذا كان المفتي أهلًا للإفتاء، وكانت الحاجة قائمة، ولم يوجد مفتٍ سواه، فيلزمه والحالة كذلك\n_________\n(^١) معالم أصول الفقه. الجيزاني (٥١٦).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبوداود (٣٣٦)، وابن ماجه (٥٧٢)، أعله أبوحاتم، وأبوزرعة، وأبوداود، وغيرهم.","vol":"4","page":78},{"text":"فتوى من استفتاه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧].\nوقال ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» (^١).\nج- وقد يكون الإفتاء مستحبًّا إذا كان المفتي أهلًا، وكان في البلد غيره، ولم تكن هنالك حاجة قائمة.\nد- وقد يحرم على المفتي الإفتاء، وذلك إذا لم يكن عالمًا بالحكم، لئلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].\nفجعل الله القول عليه بلا علم من المحرمات التي لا تباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أبوداود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) من طرق عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد أورد الدارقطني في العلل طرق هذا الحديث والاختلافات فيه، ورجح وصوب هذا الطريق، وصححه الألباني.","vol":"4","page":79},{"text":"وكذلك يحرم الإفتاء فيما إذا عرف المفتي الحق؛ فلا يجوز له أن يفتي بغيره، فإن من أخبر عما يعلم خلافه فهو كاذب على الله عمدًا، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. والكاذب على الله أعظم جرمًا ممن أفتى بغير علم.\nهـ- ويكره للمفتي أن يفتي في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل قلبٍ مستول عليه، أو حال مدافعة الأخبثين.\nبل متى أحس من نفسه شيئًا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى.\nوعلى كلٍّ، فالضابط لحكم الإفتاء النظر إلى المصالح والمفاسد.\nقال ابن القيم: «..... هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. وقد أمسك النبي ﷺ عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام، وأن ذلك ربما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه.\nوكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فتنة له، أمسك عن جوابه.","vol":"4","page":80},{"text":"وفي المسألة الآتية «أنواع الفتاوى» بيان لبعض الأحكام المتعلقة بالفتوى مما يتصل بالنظر إلى المصلحة والمفسدة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-577> مسألة: أنواع الفتاوى:</span>\nأولًا: بالنسبة لقصد السائل فإن الأسئلة تتنوع إلى أنواع، وبحسبها تكون الفتوى: فقد يرد السؤال عن حكم الله ورسوله ﷺ، وقد يرد السؤال عن قول إمام بعينه، وقد يرد السؤال عما ترجح لدى المفتي.\nوالواجب على المفتي أن يجيب السائل عما سأل.\nففي القسم الأول عليه أن يبين حكم الله ورسوله ﷺ إذا عرفه، لا يسعه غير ذلك.\nوفي القسم الثاني له أن يخبر عن قول ذلك الإمام، لكن عليه أن يتثبت وألا ينسب القول إلى ذلك الإمام إلا إذا علم يقينًا أنه قوله ومذهبه.\nوفي القسم الثالث له أن يخبر بما عنده مما يغلب على ظنه أنه الصواب بعد بذل الجهد والنظر.\nثانيًا: بالنسبة لوقوع الحادثة أو عدم وقوعها تتنوع الفتاوى إلى ما يأتي:\n١ - أن يسأل المستفتي عما وقع له، وهو محتاج إلى السؤال، وقد","vol":"4","page":81},{"text":"حضره وقت العمل فيجب على المفتي - إن لم يوجد غيره - المبادرة إلى جوابه على الفور، ولا يجوز تأخير بيان الحكم عن وقت الحاجة.\n٢ - أن يسأل عن الحادثة قبل وقوعها له، فهذه لا تخلو من ثلاث حالات:\nأ- أن يكون في المسألة نص من كتاب أو سنة أو إجماع، فيجوز للمفتي ولا يجب عليه بيان الحكم، وذلك بحسب الإمكان.\nب- أن تكون الحادثة بعيدة الوقوع أو غير ممكنة الوقوع، وإنما هي من المقدرات، فيكره للمفتي الكلام فيها؛ لأن السلف كانوا يكرهون الكلام عما لم يقع، ولأن الفتوى بالرأي إنما تجوز للضرورة وليست هناك ضرورة.\nج- أن تكون الحادثة غير نادرة الوقوع، وغرض السائل الإحاطة بعلمها، ليكون على بصيرة إذا وقعت، فيستحب للمفتي الجواب بما يعلم إن رأى المصلحة في ذلك (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-578> شروط المفتي:</span>\nقال ابن الصلاح: أما شروطه وصفاته: أن يكون مكلفًا مسلمًا، ثقة مأمونًا، متنزهًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة؛ لأن من لم يكن\n_________\n(^١) معالم أصول الفقه للجيزاني (٥٠٦)، وما بعدها.","vol":"4","page":82},{"text":"كذلك فقوله غير صالح للاعتماد، وإن كان من أهل الاجتهاد.\nويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط مستيقظًا (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-579> صفات المفتي:</span>\nقال أبوعبد الله أحمد بن حنبل:\nأولها: أن تكون له نيةٌ، فإن لم يكن له نيةٌ لم يكن عليه نورٌ ولا على كلامه نورٌ.\nوالثانية: أن يكون له علمٌ وحلمٌ ووقارٌ وسكينةٌ.\nالثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته.\nالرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.\nالخامسة: معرفة الناس.\nوهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة؛ فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه (^٢).\n_________\n(^١) أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح (١/ ٨٥).\n(^٢) إعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ١٥٢).","vol":"4","page":83},{"text":"• وفي الجملة فإن هناك آدابًا للمفتي والمستفتي وإصدار الفتوى تُجمَل فيما يلي:\n\n•<span data-type='title' id=toc-580> آداب المفتي في نفسه:</span>\n١ - أن يقصد المفتي بعمله وجه الله تعالى، والتقرب إليه في بيان حكم الله تعالى ودينه وشرعه، ولا يفتي طمعًا في منصب، أو مغنم، أو جاه، أو خوفًا من حاكم أو سلطان، ويخلص النية لله تعالى.\n٢ - أن يتصف المفتي بالتقوى؛ لأنه أمين على دين الله وشرعه، ومبلغ عن الله تعالى؛ لأنه من ورثة الأنبياء، فيجب أن يتخلق بأخلاقهم، وأن يتجنب أسباب الفسق وخوارم المروءة.\n٣ - أن يتصف المفتي بالعلم والحلم والوقار والسكينة؛ لأنه موقع عن رب العالمين، ويتمثل فيه الشرع القويم، ويتجنب الرياء والسمعة في عمله.\n٤ - أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهورًا بالديانة الظاهرة، وحسن السريرة الباطنة، قال النووي ﵀: وكان مالك ﵀ يعمل بما لا يلزمه الناس، ويقول: لا يكون عالمًا حتى يعمل بخاصة نفسه بما لا يلزمه الناس، مما لو تركه لم يأثم، وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعة","vol":"4","page":84},{"text":"(^١).\n٥ - أن يكون المفتي فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظًا لما يعرض عليه، بعيدًا عن الغفلة خشية الوقوع في مكائد المستفتين وشباكهم.\n٦ - ينبغي ألا يفتي حال تغير خلقه، وانشغال قلبه بما يمنعه من التأمل، كالغضب، والجوع والعطش، والحزن والفرح الغالب، والنعاس، والملل، والضجر من حر أو برد، والمرض، ومدافعة الحدث، وكل ما يشغل القلب، ويمنع الاعتدال.\n٧ - أن يتصف المفتي بالرفق في تفهم سؤال المستفتي، وأن يكون واسع الصدر معه، وأن يصبر عليه، فلا يضيق ذرعًا بجهل السائل، ولا بإلحاحه، أو تطويله، أو تطويل السؤال وتكراره.\n٨ - أن يكون المفتي مستقل الإرادة في الفتوى، فلا يخشى بها الناس، فيغير الحكم طمعًا في ترغيب، أو خوفًا من ترهيب، وأن يتجنب الفتاوى التي تملى عليه صراحة أو دلالة، فلا يكون مفتيًا للسلطة الحاكمة بحسب أهوائها، أو ما يتناسب مع توجهاتها واتجاهاتها، وخاصة في هذا الزمان، فإن أكثر الحكام لا يطبقون شرع الله، ويتحايلون\n_________\n(^١) آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للنووي (١/ ١٨).","vol":"4","page":85},{"text":"عليه، ويحاولون أن يلبسوا أعمالهم عباءة الشرع والدين باستصدار الفتاوى، والحصول على موافقة المفتي وأعوانه.\nقال الإمام أحمد ﵀: إذا هاب الرجل شيئًا، لا ينبغي أن يحمل على أن يقوله (^١) (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-581> آداب إصدار الفتوى:</span>\n١ - يجب على المفتي اتباع الحكم المفتى به بالدليل، وذلك بذكر حجته إذا كان نصًّا واضحًا مختصرًا، وخاصة إذا كان المستفتي فقيهًا عالمًا، لا عامِّيًّا، وبشكل أخص إذا كانت الفتوى عامة، وتعلق وتنشر على الناس.\n٢ - يجب على المفتي الالتزام بالأحكام المجمع عليها، ويحرص على بيان الأحكام المتفق عليها بين المذاهب.\n٣ - إذا كانت الفتوى مختلفًا فيها بين المذاهب، وكان المفتي مذهبيًّا، فيجب عليه اعتماد القول المعتمد الراجح في المذهب، كما سبق، ويجب أن يكون اعتماده على الكتب الموثوقة في المذهب التي تنص على القول الراجح المعتمد، ويتجنب الأقوال الضعيفة\n_________\n(^١) مختصر التحرير شرح الكوكب المنيرلابن النجار (٤/ ٥٨٨).\n(^٢) الوجيز للزجيلي (٢/ ٣٩٤).","vol":"4","page":86},{"text":"المرجوحة، أما إن كان مجتهدًا فيفتي باجتهاده دون تقيد بمذهب.\n٤ - يجب على المفتي أن يحرص في الفتوى على موافقة الشرع، وتحقيق المقاصد الشرعية، والمصالح العامة، ويتجنب الفتوى حسب أهواء الناس ورغباتهم، أو حسب أهواء الحكام وميولهم، ويجب أن يتحرى المصلحة العامة، ويتحرز ما يؤدي إلى فتنة، أو يلحق أذى بالناس، أو يؤدي إلى التنازع أو تفريق الصفوف، وعليه الامتناع عن الفتوى إن علم أن المستفتي يريد بالفتوى اتباع الهوى، وليس الحق، وأنه يريد استغلالها للترويج لأمر غير مشروع.\nوإذا أصدر الحاكم حكمًا يوافق الشرع وله دليل شرعي معتبر، ويراه المفتي حقًّا، فلا مانع من تأييده.\n٥ - يحرم التساهل في الفتوى، ومن عُرِف به حَرُم استفتاؤه ووجب منعه، ومن التساهل أن لا يتثبت، ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، إلا إذا تقدمت في السابق، فلا بأس من المبادرة، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلبًا للترخيص لمن يريد نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره.\n٦ - إذا تكرر الاستفتاء في حادثة، وتذكر المفتي الأولى ودليلها الشرعي، أو حكمها في المذهب المنتسب إليه، أفتى بذلك مباشرة، وإن","vol":"4","page":87},{"text":"لم يذكر الدليل والحكم المذهبي، فيجب تجديد النظر والبحث، على الأصح.\n٧ - يجوز للمفتي التشديد والتغليظ في الفتوى لمصلحة، وإن كان لا يرى ذلك، لكن فيه تأويل، زجرًا للمستفتي.\n٨ - يجب على المفتي أن تكون فتواه صريحة جازمة واضحة محددة، فلا يقتصر على ذكر الخلاف، أو القولين فيها؛ لأن مقصود المستفتي بيان ما يعمل به، فينبغي الجزم بما هو الراجح، فإن لم يعرفه، توقف حتى يظهر له، ولأن الفتوى غير الواضحة لا تفيد المستفتي، ولا تحقق الغرض من الفتوى، فيجب أن يجزم بما هو الراجح.\n٩ - أن يتجنب المفتي الخوض في المسائل الكلامية، بل يمنع المستفتي وسائر العامة من الخوض في ذلك، ليقتصروا على الإيمان جملة، وعلى أركانه، وكذا في آيات الصفات والأخبار المتشابهة، فإن الفتوى لا تغني فيها ولا تفيد، وكذا تجنب الفتوى فيما لا وجود له كالرق والعتق والعبيد، والكلام عن اختلاف الصحابة والسلف واقتتالهم، فلا جدوى من ذلك، والأصل في الفتوى السؤال عما يوجب عملًا، ويبعد عن محرم وشر وضرر، ولا يدخل فيها الأمور النظرية (^١).\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٢/ ٣٩٧).","vol":"4","page":88},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-582> آداب المستفتي:</span>\n١ - يجب على المستفتي الاستفتاء إذا نزلت به حادثة ليعلم حكم الله تعالى فيها، ويلتزم به، وإن لم يجد ببلده من يستفتيه، وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت المسافة؛ لأن ذلك يتعلق بالدين، والحلال والحرام.\n٢ - يجب على المستفتي قطعًا البحث عمن تتوفر فيه أهلية الفتوى لإفتائه، وعليه أن يسأل أهل العلم الشرعي حصرًا، وخاصة الملتزمين بالتقوى؛ لأن التحري في أمر الدين واجب، ويسأل من عرف علمه وعدالته.\n٣ - يجوز للمستفتي أن يسأل بنفسه، وله أن يبعث ثقة يعتمد خبره ليستفتي له، وله الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره به ثقة أنه خطه، أو كان يعرف خطه، ولم يتشكك فيه، وأن يكون كاتب السؤال ممن يحسن السؤال، ويحدد الغرض منه، مع وضوح الخط واللفظ.\n٤ - ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي، وأن يظهر له الاحترام والإجلال في كلامه وكتابه، وألا يسيء في ألفاظه وكلامه ومخاطبته، ولا يسأله وهو مشغول، أو في حالة ضجر أو هم، أو نحو ذلك مما يشغل القلب، ولا يدع الدعاء لمن يستفتيه.\n٥ - إذا استفتى في مسألة أو قضية، ثم حدثت تلك القضية، فيلزم","vol":"4","page":89},{"text":"المستفتي تكرير السؤال في الصحيح عند الحنابلة؛ لاحتمال تغير نظر المفتي، وعند الشافعية وجهان، والأصح منهما لا يلزمه تجديد السؤال؛ لأنه عرف الحكم الأول، والأصل استمرار المفتي عليه (^١).\n_________\n(^١) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٤٠٠).","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-583>المبحث الثالث: التقليد</span>\n•<span data-type='title' id=toc-584> تعريف التقليد والاتباع:</span>\nالتقليد لغة: وضع الشيء في العنق حال كونه محيطًا به، ويسمى ذلك الشيء قلادة، ومنه تقليد الهدي في الحج، أي: وضع القلادة في عنق ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم، وجمع القلادة قلائد (^١).\nوالتقليد اصطلاحًا: أخذ مذهب الغير من غير معرفة دليله (^٢).\nفالمقلد يعتقد صحة ما يقوله غيره، ويتبعه عليه من غير معرفة الدليل الذي أوجب القول، سواء كان ذلك قولًا أو فعلًا، عملًا أو تركًا، ويسمى المقلد عاميًّا، وهذا يشمل كل إنسان غير مجتهد في الشرع، ولو كان عالمًا وخبيرًا في علم آخر.\nويخرج من التعريف المجتهد إذا عرف الدليل، ووافق اجتهاده\n_________\n(^١) المصباح المنير (٢/ ٥١٢)، القاموس المحيط (٣١٢).\n(^٢) الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٣٥٥)، المستصفى للغزالي (٣٧٠)، البحر المحيط للزركشي (٦/ ٣١٦).","vol":"4","page":91},{"text":"اجتهاد مجتهد آخر، فإنه لا يسمى تقليدًا، كقولهم: أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا، وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في كذا؛ لأنه عند معرفة دليله حق المعرفة يكون قد أخذ الحكم من الدليل، لا من المجتهد السابق، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوُّز.\nوكذلك فإن الرجوع إلى قول الرسول ﷺ، وإلى المعلوم بالضرورة، وإلى الإجماع، ورجوع القاضي إلى شهادة الشاهد، ليس بتقليد حقيقة؛ لقيام الحجة بذلك، وقول النبي ﷺ هو نفس الحجة والدليل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-585> الفرق بين التقليد والاتباع </span>(^١):\nفرَّق كثير من العلماء بين التقليد الذي يأخذ فيه الشخص بقول غيره بدون معرفة دليله، وبغير حجة تظهر له، بل بمجرد الاقتناع والثقة والمحاكاة، حتى لا يعرف دليل القول، ولا معنى قوله، وإنما يسلم به، ويلتزمه فيه، ويسير على هداه.\nأما الاتباع فهو الأخذ بقول الآخر بعد معرفة دليله، والطريق الذي أخذ به، فيقتنع بالقول مع الدليل، ثم يتبعه، فيكون تابعًا طريق المتبوع، ولذلك فإن معظم الأصحاب لإمام المذهب هم تابعون له؛ لمعرفتهم الحكم مع الدليل، وكذلك معظم الباحثين والدارسين للفقه المذهبي\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ٤٥٠)، الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (٢/ ٣٥٦).","vol":"4","page":92},{"text":"يعتبرون تابعين للمذهب، وليسوا مقلدين له.\nولذلك فكل من خرج عن الاجتهاد ممن ذكرناه سابقًا، ولم يبلغ درجة الاجتهاد، بل يتبع الرسول ﷺ، والإجماع، والمعلوم بالضرورة فهذا اتباع، وليس تقليدًا، وكذا اتباع المجتهد لقول مجتهد آخر، يسمى اتباعًا، وليس تقليدًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-586> تاريخ التقليد والاتباع </span>(^١):\nإن التقليد لأقوال العلماء المجتهدين ظهر منذ عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فكان معظم الصحابة غير مجتهدين، ويسألون كبار الصحابة وفقهاءهم عن الأحكام، فيأخذون بها دون الاستفسار عن الدليل.\nولكن لم يكن للصحابة مذهب كامل، واستمر الأمر كذلك في عهد التابعين، إلى أن ظهر كبار الأئمة المجتهدين، وصار لهم أتباع، واستقرت مذاهبهم، وبدأ التقليد بشكل واضح في منتصف القرن الثاني الهجري، كما سبق، ثم ظهر التقليد للمذهب بمعناه الكامل في أوائل القرن الرابع الهجري، واستمر إلى اليوم.\nقال الشوكاني ﵀: إن التقليد (للمذهب» لم يحدث إلا بعد\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"4","page":93},{"text":"انقراض خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة، إنما كان بعد انقراض عصر الأئمة الأربعة، وإنهم كانوا على نمط مَنْ تقدمهم من السلف في هجر التقليد، وعدم الاعتداد به، وإن هذه المذاهب إنما أحدثها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-587> تقليد المفضول </span>(^٢):\nيجوز تقليد المجتهد المفضول، مع وجود الأفضل عند الأكثر من المذاهب الأربعة؛ لأن العامي أو المستفتي لا يمكنه الترجيح ومعرفة الفاضل والمفضول، ولو كُلِّف ذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد، وهو لا يستطيعه، ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، ولم توجب الآية تعيين الأفضل دون المفضول، ولأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع وجود الفاضل، واشتهر ذلك وتكرر، ولم ينكر ذلك أحد، فدل على جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل لكن قال أكثر العلماء: إنه يلزم العامي في الأصح أن يقلد الأرجح من المجتهدين متى بان له ذلك، وخالف\n_________\n(^١) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد للشوكاني (٤٤).\n(^٢) الغيث الهامع لأبي زرعة العراقي (٧١٤)، شرح مختصر ابن الحاجب للأصفهاني (٣/ ٣٦٧).","vol":"4","page":94},{"text":"بعضهم في ذلك، وقال النووي ﵀: وهذا وإن كان ظاهرًا، ففيه نظر؛ لما ذكرنا من سؤال آحاد الصحابة مع وجود أفاضلهم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-588> تقديم الأعلم على الأورع </span>(^٢):\nيقدم في تقليد المجتهدين الأعلم على الأورع في الأصح، لأنَّ الظن الحاصل بالأعلم أقوى، ولأنه لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع، فإن استوى المجتهدون تخير العامي في تقليد أحدِهم متى سكنت نفسه إليه واطمأنت إلى علمه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-589> طرق معرفة العامي للمفتي:</span>\n١ - انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من العلماء.\n٢ - أخذ الناس عنه واجتماعهم على سؤاله.\n٣ - أن يخبره عدل ثقة عنده أنه عالم، وغير ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-590> فتوى المقلد:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وأهل الذكر هم أهل العلم، والمقلد ليس من أهل العلم المتبوعين، وإنما هو تابع لغيره.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٨/ ٣٦٦).\n(^٢) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٥٧٣).","vol":"4","page":95},{"text":"فأمره الله بالسؤال، وهذا دليل على عدم العلم، فأثبت له عدم العلم، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].\nقال أبو عمر بن عبد البر وغيره: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: وهذا كما قال أبو عمر، فإن الناس لا يختلفون فى أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن دليل، وأما بدون دليل فإنما هو تقليد (^٢).\nوقال الشوكاني: التقليد جهل وليس بعلم (^٣).\nوحكى ابن القيم في جواز الفتوى بالتقليد ثلاثة أقوال:\nأحدها: لا تجوز الفتوى بالتقليد؛ لأنه ليس بعلم، وهو قول أكثر الأصحاب، وجمهور الشافعية.\nالثانى: أن ذلك جائز في ما يتعلق بنفسه، ولا يجوز أن يقلد في ما يفتى به غيره.\nالثالث: أن ذلك جائز عند الحاجة، وعدم العالم المجتهد، وهو\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١١).\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٦).\n(^٣) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد للشوكاني (١/ ٢).","vol":"4","page":96},{"text":"أصح الأقوال وعليه العمل (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-591> أقسام التقليد </span>(^٢):\nالتقليد قسمان: محمود، ومذموم.\n١ - التقليد المحمود:\nيعتبر التقليد محمودًا في الفروع، وذلك لصنفين:\nالصنف الأول: تقليد العاجز عن الاجتهاد، ممن لا تتوفر فيه شروطه، فإنه لا يقدر على التوصل إلى الحكم الشرعي بنفسه، ولم يبق أمامه إلا اتباع من يرشده إلى الحق من أهل النظر والاجتهاد إلى ما يجب عليه من التكاليف.\nالصنف الثاني: تقليد العالم إذا علم أن الذي يقلده لا يخطئ فيما قلده فيه، فيلزمه القبول بمجرده، وهذا يشمل أربعة أشخاص:\nأ - تقليد النبي ﷺ، بناء على أن قوله يسمى تقليدًا.\nب- المخبر عن الرسول ﷺ من صحابي، أو تابعي ثقة، وكذا كل راوٍ عدل ثقة ضابط؛ لأن تقليده اتباع لما رواه عن الرسول ﷺ.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٨).\n(^٢) الوجيز للزحيلي (٣/ ٣٦٧).","vol":"4","page":97},{"text":"ج- المجمعون على حكم، فتقليدهم واجب فيما أجمعوا عليه؛ لأنه اتباع للإجماع.\nد- تقليد الصحابي في رأيه واجتهاده على أحد القولين الذي يعتبر قول الصحابي دليلًا شرعيًّا.\n٢ - التقليد المذموم أو المحرم:\nوهذا يتضمن أربعة أنواع، وهي:\nأ- التقليد الذي يتضمن الإعراض عما أنزل اللَّه، مما لا يجوز الالتفات إليه، كتقليد الآباء والرؤساء والزعماء والطواغيت.\nب- التقليد الذي يتعارض مع ما ثبت عن النبي ﷺ، أو مع الإجماع، أو مع ما عُلِم من الدِّين بالضرورة.\nج- التقليد بعد ظهور الحجة، وإقامة الدليل على خلاف قول المقلَّد.\nد- تقليد من يعلم المقلد أنه ليس أهلًا لأن يؤخذ قوله، كأنصاف العلماء، وعلماء السلطان الذين يفتون بما يهوى، وبما يُملَى عليه.\nوهذه الأنواع الأربعة هي التي يحمل عليها ما ورد في القرآن والسنة من ذم التقليد، وعليها يحمل كل ما نقل عن العلماء في ذم التقليد، وهو كثير ثابت عن الأئمة الأربعة في النهي عن تقليدهم، وذم من أخذ","vol":"4","page":98},{"text":"بأقوالهم بغير دليل ولا حجة.\nونقل عن مالك ﵀ أنه قال: أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافقه فاتركوه (^١).\nقال الشافعي ﵀: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيها أفعى تلدغه ولا يدري، وروى المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده، وتقليد غيره (^٢).\nوقال الإمام أحمد ﵀: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا، وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال (^٣).\nوقال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلناه (^٤).\nوقال السيوطي: ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه، وقد صنف\n_________\n(^١) إيقاظ همم أولي الأبصار لصالح العمري المالكي (٧٢).\n(^٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١/ ٤٠).\n(^٣) إعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ٤٦٩).\n(^٤) المدخل إلي السنن الكبرى للبيهقي (٢١٠).","vol":"4","page":99},{"text":"جماعة في ذم التقليد كالمزني، وابن حزم، وابن عبد البر، وأبي شامة، وابن قيم الجوزية (^١).\nوقال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-592> مسألة: هل يجوز التقليد في الأصول </span>(^٣)؟\nاختلف النقل عن الجمهور والسلف اختلافًا كبيرًا فمنهم من ينقل عن الجمهور والسلف الجواز، ومنهم من ينقل عنهم المنع، ومن ذلك:\nقال شيخ الإسلام: أما في المسائل الأصولية، فكثير من المتكلمين، والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء، حتى يوجبوه في المسائل التي تنازع فيها فضلاء الأمة، قالوا: لأن العلم بها واجب، ولا يحصل العلم إلا بالنظر الخاص.\nوأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب\n_________\n(^١) الرد علي من أخلد إلي الأرض للسيوطي.\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٨/ ٣٢٨).\n(^٣) الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع لأحمد بن إسماعيل الكوراني (٤/ ١٦٥)، الفائق في أصول الفقه للأرموي الشافعي (٢/ ٤١٨)، المسودة لآل تيمية (٤٦١)، تشنيف المسامع للزركشي (٤/ ٦٢٣).","vol":"4","page":100},{"text":"على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها، وأيضًا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص، بل بطرق أخرى من اضطرار، وكسب، وتقليد ممن يعلم أنه مصيب، وغير ذلك (^١).\nوقال الأرموي: التقليد في الأصول جائز عند أكثر السلف والفقهاء وبعض المتكلمين (^٢).\nوقال الشوكاني: فيا لله العجب من هذه المقالة -عدم إيمان المقلد- التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه، وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ، وهو بين أظهارهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته (^٣).\nوقال بعضهم أن قول الجمهور المنع، للإجماع على وجوب المعرفة، ولقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فأمر\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٠/ ١١٢).\n(^٢) الفائق في أصول الفقه للأرموي (٢/ ٤١٨).\n(^٣) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٢٤١).","vol":"4","page":101},{"text":"بالعلم بالوحدانية، والتقليد لا يفيد العلم، وقد ذم الله تعالى التقليد في الأصول، وحث عليه في الفروع، فقال في الأصول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣]، وحث على السؤال في الفروع بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] (^١).\nوبالنظر في أقوالهم، وما يضربون من الأمثلة يتبين وجه الجمع، وهو أن من يمنع يقصد بذلك أصول الإيمان والتوحيد، كالإيمان بوجود الله، واستحقاقه للعبودية، وإثبات ربوبيته، وألوهيته، ونحو ذلك، ومن يجيز يريد ما هو أبعد من ذلك مما يحتاج إلى النظر مما لا يقوى عليه العامي، كالنظر في أدلة الأسماء والصفات وإثباتها، ونفي أقوال المبطلين، وأوجه الاستدلال عليها من النصوص، فهذا لايقوى عليه العامي المقلد ولا يستطيعه، فأجازوا له التقليد في مثل هذا.\nوبهذا الجمع تتضح أقوال العلماء، ويَذهب الإشكال، ويُفَض الإجمال، ويزول التعارض.\n_________\n(^١) تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي (٤/ ٦٢٣).","vol":"4","page":102},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-593> مسألة: هل يجوز التقليد في الفروع </span>(^١)؟\nفي ذلك تفصيل:\nأولًا: لقد أجمع العلماء على أن أركان الإسلام - وهي: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - لا يجوز فيها الاجتهاد؛ لأنه ثبت بالتواتر ونقلته الأُمَّة خلفًا عن سلف، فمعرفة العامي فيها توافق معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار التواتر من البلدان كالهند، والصين.\nثانيا: أما فروع الدين - غير ما سبق - كالبيوع، والأنكحة، والعتاق، والحدود، والكفارات، وبعض جزئيات وتفاصيل العبادات، ونحو ذلك من الأحكام الفقهية فقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه يجوز للعامي، أو طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يقلد المجتهد، والأخذ بفتواه.\nوهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:\nالدليل الأول: الإجماع على جواز ذلك قبل ولادة ذلك المخالف؛\n_________\n(^١) التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٣٣)، شرح مختصر أصول الفقه للجراعي (٣/ ٤٤٤)، نشر البنود علي مراقي السعود عبد الله الشنقيطي (٢/ ٣٣٥)، المهذب للنملة (٥/ ٢٣٩٢).","vol":"4","page":103},{"text":"حيث إن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم كانوا يُسألون عن الأحكام فيفتون، وكان السائل يتبع المجتهد والمفتي فيما يقول، وكان العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق الحكم، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير من أحد، فكان إجماعًا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقًا.\nالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].\nوجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط وهم المجتهدون.\nالدليل الثالث: أنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛ لأن المجتهد لو أخطأ فلا إثم عليه، بل له أجر، إذن لا خطر على المقلد في هذا.\nالدليل الرابع: أن الإجماع قد انعقد أن العامي إذا نزلت به حادثة فإنه يلزمه فيها حكم شرعي، وهو بين أمرين لا ثالث لهما:\nالأمر الأول: إما أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.\nالأمر الثاني: أن يعرف حكمها عن طريق التقليد.\nأما الأمر الأول فلا يمكن؛ لأنه إذا أراد معرفة حكم حادثته بنفسه","vol":"4","page":104},{"text":"فإنه لا بد أن يبدأ بتعلم العلم، فيعرف الأدلة، وكيفية ترتيبها، والناسخ منها والمنسوخ، وأقوال العلماء في كل دليل، ومعرفة ما يعارض ذلك الدليل، وكيفية فك ذلك التعارض، وهذا كله إذا كان قابلًا للتعلم، وكذلك تعلم القياس وشروط كل ركن من أركانه، وهذه المعرفة لا يمكنه تحصيلها إلا في زمان طويل، قد يذهب عمره وهو لم يصل إلى حكم شرعي لحادثته.\nإذن لا يمكن للعامي أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال. فلم يبق إلا الأمر الثاني وهو أن يعرف حكمها عن طريق تقليده لغيره من المجتهدين.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز التقليد في الفروع، بل يلزم العوام الاجتهاد والنظر في الدليل.\nوهو مذهب معتزلة بغداد، وبعض العلماء.\nأدلة هذا المذهب:\nالدليل الأول: أنه قد لا يثق العامي بالمجتهد الذي أفتاه؛ فيكون فعله مفسدة، فيحتاج العامي أن يفهم دليل المجتهد ليزول شكه، ويكون واثقًا من الحكم الذي قاله له المجتهد.","vol":"4","page":105},{"text":"وجوابه:\nيجاب عن ذلك بجوابين:\nالجواب الأول: أن المجتهد لو أخبر العامي بالدليل الذي اعتمد عليه، فإن هذا لا يفيد شيئًا؛ لأن العامي لا يعرف وضعه وطريقه وكيفية الاستفادة منه - كما قلنا ذلك فيما سبق -.\nالجواب الثاني: أن هذا الدليل منتقض بخبر الواحد، فإن العالم لا يأمن أن يكون المخبر قد كذب عليه، فيكون بأخذه ما جاء في الخبر والاستدلال به فاعلًا للمفسدة، ولكنه يأخذ المجتهد ممن توفرت شروط الراوي فيه ما يرويه.\nالدليل الثاني: قياس الفروع على الأصول، فكما أنه لا يجوز للعامي التقليد في أصول الدين، فكذلك لا يجوز في الفروع.\nوجوابه:\nأن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ويفرق بينهما من وجهين:\nالوجه الأول: أن طرق مسائل أصول الدين من التوحيد، والنبوات عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمرالإنسان ومعاشه فيها. أما الفروع فنظرًا إلى كثرة أدلته، وتنوعها، وتشعبها،","vol":"4","page":106},{"text":"وتجدد الاجتهاد فيها، وأنه لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها إلا بطول بحث، وسعة نظر واطلاع، وهذا يفضي إلى الانقطاع عن المعاش الذي به قوام الدنيا.\nالوجه الثاني: أن مسائل الفروع يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه الحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي وهو المجتهد، كما يحصل للعالم بخبر الواحد عن الرسول ﷺ. بخلاف مسائل الأصول، فلا بد من الجزم فيها.\nوكذلك فإن مسائل الأصول منها ما يجوز فيه التقليد كما سبق، فالتقليد في الفروع من باب أولى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-594> أحكام تتعلق بالتقليد </span>(^١):\nيتعلق بالتقليد عدة أحكام، أهمها:\nأولًا: الالتزام بمذهب معين: إن طريق العامي، وغير المتأهل للاجتهاد لمعرفة الأحكام الشرعية هو التقليد، وعليه أن يسأل أهل العلم عما يحتاج إلى معرفته من أحكام شرعية.\nوبعد استقرار المذاهب الأربعة بين الناس، وقيام أتباع المذاهب\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (٢/ ٢٥٢)، البحر المحيط (٨/ ٣٧٤)، إعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣)، المسودة (٥١٢).","vol":"4","page":107},{"text":"ببيان الأحكام الشرعية حسب مذهب كل منهم، فهل يجب على الإنسان الالتزام بمذهب فقهي معين؟\nيكاد أن يتفق العلماء على أن المستفتي إذا سأل عن مسألة وعرف حكمها وعمل به، فليس له أن يرجع عنه، ليأخذ بغيره في نفس الواقعة؛ لما فيه من استقرار التعامل، وحسم باب النزاع في معاملات الناس، فإن لم يعمل به جاز له الرجوع.\nوإذا عمل الشخص في واقعة بمذهب إمام، ومفت معين، فلا يلزمه الالتزام به أو بمذهبه، ويجوز له أن يسأل غيره، وبالتالي يعمل في الواقعة الأخرى بمذهب آخر؛ ولا يلزمه الاستمرار على مذهب معين، ويجوز له الانتقال منه إلى مذهب آخر، لأن اللَّه تعالى أوجب الالتزام بقول اللَّه تعالى، وقول رسوله ﷺ، ولم يوجب التزام قول آخر، ولا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يوجب اللَّه والرسول التزام مذهب معين، وليس التزام مذهب نذرًا حتى يجب الوفاء به، وكل ما أوجبه اللَّه تعالى أنه طلب سؤال أهل العلم والاختصاص، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، ولأن المستفتين المقلدين في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يلتزموا بمذهب معين، أو إمام معين، أو عالم معين، بل يسألون من يتهيأ لهم دون تقييد بواحد دون آخر، ولأن الالتزام بمذهب دون غيره يؤدي إلى الحرج والمشقة، وإن تعدد","vol":"4","page":108},{"text":"العلماء والمختصين نعمة وفضيلة ورحمة للأمة، وهذا قول جمهور الفقهاء والأصوليين.\nثانيًا: مخالفة المذهب (^١):\nإذا التزم شخص بمذهب معين، فيجوز له -في الأصح- مخالفة مذهب إمامه في بعض الجزئيات لحاجة أو لدليل؛ لأن التزامه بالمذهب غير متعين وغيرم ملزم؛ لأنه لا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يثبت أن اللَّه ورسوله أوجب على أحد أن يتمذهب بمذهب أحد الأئمة أو أحد العلماء.\nثالثًا: تقليد غير الأئمة الأربعة (^٢):\nإن مذاهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم اللَّه تعالى قد لقيت القبول والانتشار، ثم عكف العلماء عليها بالدراسة والتمحيص والاستدلال والتخريج، وشاعت هذه المذاهب، واستقرت في معظم بلاد العالم الإسلامي.\nوبقي في الكتب والمصادر أقوالٌ لأئمة مجتهدين كأعيان الصحابة\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٢/ ٣٧١).\n(^٢) التقرير والتحبير لابن أمير حاج (٣/ ٣٥٤)، الرد علي من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب الحنبلي.","vol":"4","page":109},{"text":"وكبار التابعين، أو كالمذاهب المنقرضة كمذهب الليث والأوزاعي وابن جرير الطبري، والظاهرية، مع مذاهب الجعفرية والزيدية والإباضية، فهل يجوز الأخذ والإفتاء من غير المذاهب الأربعة؟\nقال أكثر المتقدمين والمتأخرين: لا يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة، لأنها غير مدونة، ولا مضبوطة، ولم تثبت صحتها، ويشك في نقلها، بخلاف المذاهب الأربعة فإنها منقحة، ومضبوطة، ومدوّنة، واعتنى بها الأصحاب في كل مذهب في النقل والتدليل والتصحيح والترجيح والتدقيق، واستقرت فيها الأحكام، لذلك تطمئن النفس إلى الأخذ بها؛ لقربها من الحق، وبعدها عن الخطأ.\nقال إمام الحرمين ﵀: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة ﵃، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا فنظروا، وبوّبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها (^١).\nوقال ابن الصلاح ﵀: يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب الأربعة قد انتشرت، وعلم تقييد مطلقها، وتخصيص\n_________\n(^١) البرهان في أصول الفقه للجويني (٢/ ١٧٧).","vol":"4","page":110},{"text":"عامها، ونشرت فروعها، بخلاف مذاهب غيرهم (^١).\nقال النووي ﵀: وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة ﵃ وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم، وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناهلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما (^٢).\nوقال الشيخ ابن الصلاح: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة في إفتاء أو قضاء (^٣).\nوأجاز بعض العلماء تقليد غير الأئمة الأربعة في غير الإفتاء، وتوسط العز بن عبد السلام ﵀، وقال: إن المدار على ثبوت المذهب عند المقلد، وغلبة الظن على صحته عنده، فحيث ثبت عنده مذهب من المذاهب صح له أن يقلده، ولو كان صاحب المذهب من\n_________\n(^١) نهاية السول للإسنوي (٤٠٦).\n(^٢) المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥).\n(^٣) حاشية البجيرمي على الخطيب (١/ ٥٨).","vol":"4","page":111},{"text":"غير الأئمة الأربعة (^١).\nوالراجح والله أعلم: أن الأمر يدور على غلبة الظن بالصواب سواء في المذاهب الأربعة أو غيرها، وإن كان الغالب أن الصواب يكون في المذاهب الأربعة، أو في أحدها لما وجدت من الرعاية والعناية، وأنها استوعبت الأدلة من القرآن والسنة بشكل صحيح وكامل، بالإضافة لاعتمادها على سائر المصادر التشريعية، لكن لا مانع للجان التشريع، ومجامع الفقه، وعند الاجتهاد الجماعي أن تختار قولًا من غير المذاهب الأربعة باعتبار دليله، ووجهة نظره، ومراعاة للمصلحة أو لتطور الظروف، واختلاف الأحوال، وإن لم يتوثق النقل الصحيح الكامل؛ لأن العبرة بالدليل، وبشرط تبني هذا الرأي من أولي الأمر، كأنه مباح أمر به الحاكم فصار واجبًا في التطبيق والالتزام، كتولي القضاء للمرأة، واعتبار الطلاق الثلاث طلقة في هذا العصر، والأخذ بالوصية الواجبة، وغير ذلك، وهو ما يقع العمل به عند وضع القوانين والأنظمة المستمدة من الشريعة واختيار بعض الآراء فيها للمصلحة ومقتضيات الزمن والعصر وحالة المسلمين.\n_________\n(^١) الوجيز للزحيلي (٢/ ٣٧٣).","vol":"4","page":112},{"text":"رابعًا: التلفيق وتتبع الرخص (^١):\nنتج عن تقليد المذاهب مسألة التلفيق بينها، وذلك أن يأخذ الشخص في قضية واحدة ذات أركان، أو جزئيات بقولين أو أكثر، كل قول من مذهب، لينتج حقيقة مركبة لا يقرها أحد الأئمة، أو لا تتفق مع أي مذهب بمفرده، سواء عمل في الواقعة بالقولين معًا، أو عمل بأحدهما مع بقاء أثر الثاني، فكل مذهب يقرر بطلان تلك الحقيقة الملفقة.\nمثاله: أن يكتفي المصلي في وضوئه بمسح بعض الرأس حسب المذهب الشافعي، ثم يلمس امرأة أجنبية، فيريد أن يقلد أبا حنيفة أو مالكًا بعدم نقض الوضوء باللمس، ثم يريد الصلاة، فهذا الوضوء حينئذ لم يقل به هؤلاء الأئمة، فالشافعي يبطله لنقضه باللمس، وأبو حنيفة يبطله لعدم مسح ربع الرأس، ومالك لا يقره لعدم مسح جميع الرأس.\nومثاله: أن يتزوج رجل امرأة بلا ولي حسب رأي الحنفية، وبلا شهود حسب رأي المالكية.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٨/ ٣٨٠)، التحبير شرح التحريرللمرداوي (٨/ ٤٠٩٠)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٥٧٧)، الوجيز للزحيلي (٢/ ٣٧٤).","vol":"4","page":113},{"text":"ومثاله: أن يطلق شخص زوجته ثلاثًا، ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد التحليل حسب رأي الشافعية، ثم يصيبها الصبي، ثم يطلقها مع عدم العدة حسب رأي الإمام أحمد وذلك لتحل لزوجها الأول.\nفهذا التلفيق ممنوع؛ لأنه أشبه باللعب، ويناقض اتفاق العلماء بمنع إحداث قول ثالث إذا افترق العلماء على قولين، وهذا فرع أيضًا عن نظرية التقليد.\nأما التلفيق بأخذ رأي مذهب مثلًا في الوضوء، ثم الأخذ برأي مذهب آخر في وضوء آخر، فلا مانع، أو الأخذ برأي مذهب آخر في جزئية في الوضوء لكنها لا تتنافى مع المذهب الأول، كمن توضأ كاملًا مع السنن حسب المذهب الشافعي، ومسح جميع رأسه، ودلك الأعضاء، ثم لمس امرأة أجنبية، فيجوز له أن يصلي بذلك الوضوء باعتبار أنه لم ينقض حسب المذهب الحنفي والمالكي، وهذا فرع عن المسألة الثانية في جواز مخالفة الشخص لمذهبه.\nلكن يشترط في التلفيق الجائز، أو تقليد مذهب آخر في نفس المسألة، شرطان:\n١ - ألا يؤدي ذلك للتهرب من الأحكام.\n٢ - ألا يؤدي ذلك لتتبع الرخص.","vol":"4","page":114},{"text":"فالشرط الأول: كمن يلفق في الأخذ في مسألة من مذهبين للتهرب من الزكاة مثلًا، أو لتحليل الحرام.\nوالشرط الثاني: يؤدي إلى إسقاط التكاليف في كل مسألة مختلف فيها، ويدل على قلة الورع في الدِّين، وعدم الهمة لأداء الأعمال لاكتساب الأجر والثواب.\nوإن تتبع الرخص: يعني أن يأخذ الشخص من كل مذهب ما هو أهون عليه، وأيسر مما يطرأ من المسائل.\nواختلف العلماء في حكم تتبع الرخص، فقال المالكية والحنابلة في الأصح والغزالي والسبكي والشاطبي وغيرهم: يمتنع تتبع الرخص في المذاهب؛ لأنه اتباع لأهواء النفس، وميل للهوى، وقال ابن عبد البر وابن حزم: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط التكاليف، وقال الحنفية في الراجح، وأكثر أصحاب الشافعي وبعض المالكية كالقرافي: يجوز تتبع رخص المذاهب؛ لعدم وجود مانع في الشرع، وأنه سلوك للأخف، لكن القرافي قيّد ذلك بألا يترتب عليه باطل عند جميع من قلدهم، وقيد غيره ذلك بألا يكون الشخص قد باشر التصرف وفق القول الأول.\nوقال بعض العلماء بفسق من تتبع الرخص، وقال آخرون: لا يفسق.","vol":"4","page":115},{"text":"وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد «الخليفة» فرفع إليَّ كتابًا لأنظر فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق ..، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بحرق ذلك الكتاب.\nوالراجح: أنه لا مانع من الأخذ بالرخص من المذاهب عند الحاجة للفرد، أو للجماعة في التشريع، وعند وضع الأنظمة من اللجان المختصة، أما التزام ذلك وتتبعه للفرد فإنّه يدل على رقة الدِّين، وضعف اليقين، وقلة الورع، ويخشى على صاحبه من التفلت والتهرب من أحكام الشرع وتكاليفه، وخاصة في حقوق العباد والمعاملات والمحظورات.\nخامسًا: دعوى الإلهام (^١):\nيزعم بعض الناس أن العلم إلهام من اللَّه تعالى، ويزعمون أن اللَّه تعالى يلهمهم، ويلقي في قلوبهم أحكامًا ليعملوا بها، ويفتوا الناس بها.\nوهذه دعوى باطلة، وحذَّر العلماء منها؛ لأنها سبيل لإلغاء الأحكام الثابتة بالنصوص، أو الزيادة عليها، أو فتح باب للتهرب من الشريعة\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٢٠١)، الوجيز للزحيلي (٢/ ٣٧٦).","vol":"4","page":116},{"text":"والزيادة عليها.\nقال الإمام الشافعي ﵀: على العالم ألا يقول إلا من جهة العلم، وجهةُ العلم: الخبر اللازم بالقياس بالدلائل على الصواب، حتى لا يكون صاحب العلم أبدًا متبعًا خبرًا وطالب خبر بالقياس، كما يكون متَّبع البيت بالعيان، وطالب قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدًا، ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس، كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم لازمًا.\nثم قال: ولم يجعل اللَّه لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بَعْدُ الكتابُ والسنة والإجماع والآثار، وما وصفتُ من القياس عليها، ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب اللَّه ....\nونقل الزركشي عن القفال رحمهما اللَّه تعالى قوله: ولو ثبتت العلوم بالإلهام، لم يكن للنظر معنى، ولم يكن في شيء من العالَم دلالة ولا عبرة (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٨/ ١١٤).","vol":"4","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-595>الفصل الثاني:\nعلم المقاصد</span>\nوفه أربعة مباحث:\n• المبحث الأول: المبادئ العشرة لعلم المقاصد.\n• المبحث الثاني: نشأة علم المقاصد.\n• المبحث الثالث: أقسام علم المقاصد.\n• المبحث الرابع: حاجة الناس إلى علم المقاصد.","vol":"4","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-596>المبحث الأول:\nالمبادئ العشرة لعلم المقاصد</span>\nقال الصبان:\nإن مبادئ كل فن عشرة … الحد والموضوع ثم الثمرة\nوفضله ونسبة والواضع … والاسم الاستمداد حكم الشارع\nفمسائل والبعض بالبعض اكتفى … ومن درى الجميع حاز الشرفا\n\n•<span data-type='title' id=toc-597> أولًا: الحد:</span>\nمقاصد الشريعة: هي اسمٌ ولقبٌ لعلم من علوم الشريعة الإسلامية، وهذا الاسم يتركب من لفظين: لفظ مقاصد، لفظ الشريعة.\nالمقاصد لغة: جمع مقصد، من الفعل قصد، ويأتي على معان منها:\n١ - الاعتماد، والتوجه، واستقامة الطريق، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩].\n٢ - التوسط، وعدم الإفراط والتفريط، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، وفي الحديث: «والقصد القصد تبلغوا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٦٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"4","page":121},{"text":"الشريعة لغة: تطلق في اللغة على مورد الماء ومنبعه ومصدره، كما تطلق على الدين وأحكامه (^١).\nوالشريعة ما شرعه الله لعباده من أحكام ليهتدوا بها، أو بعبارة أخرى هي الأحكام التي تضمنها القرآن والسنة، وبها مصالح العباد في العاجل والآجل.\n\n•<span data-type='title' id=toc-598> التعريف الاصطلاحي لمقاصد الشريعة:</span>\nلم يوجد عند العلماء المتقدمين تعريف واضح أو محدد، أو دقيق لمقاصد الشريعة، وإنما وجدت كلمات وجمل لها تعلقٌ ببعض أنواعها وأقسامها، وببعض تعبيراتها ومرادفاتها، وبأمثلتها وتطبيقاتها، وبحجيتها وحقيقتها، ومن تلك الكلمات التي كانوا يستخدمونها: المصلحة (^٢)، والحكمة (^٣)، .........................................\n_________\n(^١) وجه إطلاق الشريعة على منبع الماء ومصدره: أن الماء مصدر حياة الإنسان، والحيوان، والنبات، وأن الدين الإسلامي مصدر حياة النفوس، وصلاحها، وتقدمها، وسلامتها في الدنيا والآخرة؛ فالشريعة الإسلامية مصدر كل الخير والرخاء والسعادة في العاجل والآجل، في المعاش والمعاد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].\n(^٢) تشمل جلب المصلحة ودرء المفسدة.\n(^٣) وهناك كتب عديدة تحمل اسم: حكمة التشريع، أو حكمة الشريعة. فالفقهاء يبحثون دائمًا عن الحكمة من التشريع، كما يبحثون عن الحكم، فالحكم فقه، والحكمة فقه الفقه.","vol":"4","page":122},{"text":"والعلة (^١)، والمنفعة، والغرض (^٢)، والغايات، والأهداف، والمرامي، والأسرار (^٣)، والمعاني، والمغزى، والمراد، وغير ذلك.\nوكثرة الأسماء وتعدد المعاني لذات الشيء تدل على فضله وأهميته.\nقال الدكتور الريسوني: ومنذ القرن الرابع إلى القرن الثامن وما بعده، نجد كلمة المقاصد هي التي استحوذت على هذا المعنى الذي نتحدث عنه، دون أن تلغي غيرها؛ لأن اللفظ الواحد لن يكون كافيًا وشافيًا في التعبير عن هذا المعنى العظيم الجليل المتعدد الأبعاد والجوانب (^٤).\nتنبيه: المقاصد إذا أطلقت قصد بها مقاصد الشارع من أحكامه؛ لأن\n_________\n(^١) العلة: وصف ظاهر منضبط، وأحيانًا تكون مرادفة للحكمة والمقصد، وأحيانًا لا، فالعلة استعملت بمعاني متعددة، قال الشاطبي: أما العلة؛ فالمراد بها: الحِكَم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي (١/ ٤١٠).\n(^٢) وربما عند المتقدمين في القرن الأول والثاني والثالث والرابع كان مصطلح الغرض، والمراد أكثر استعمالًا. محاضرات في مقاصد الشريعة للريسوني (٢٧).\n(^٣) وكتاب الموافقات الذي هو أشهر كتاب تحدث عن المقاصد اسمه (عنوان التعريف بأسرار التكليف)، فالمقصود بالأسرار هنا ليس ما يزعمه الصوفية، إنما سر المسألة أي لبها ودقائقها التي لا تنال إلا بالتعليم والفهم والخبرة، ومعرفة المقاصد تحتاج لكل ذلك.\n(^٤) محاضرات في مقاصد الشريعة (٢٨).","vol":"4","page":123},{"text":"المقاصد تنقسم باعتبارات كثيرة (^١).\nفمقاصد الشارع هي:\nالغايات، والآثار، والحِكَم، والمعاني التي تتعلق بخطاب الشارع وأحكامه.\nأو: الغايات، والآثار، والحِكَم، والمعاني التي جاءت الشريعة لأجل تحقيقها، والتي ترجع إلى تحقيق المصالح، ودرء المفاسد في الدنيا والدين (^٢)، وذلك إما بجلب نفعٍ، أو دفع ضررٍ، أو تحقيق مصلحة، أو درء مفسدة، فالشريعة لها مقاصد وغايات وأهداف جاءت لتحقيقها من خلال الأحكام الشرعية التي تضمنها القرآن والسنة، وهما الوحي المنزل من عند رب العالمين.\nقال الدكتور مسفر بن علي القحطاني: فأحكام الشريعة لا تخلو من هذه الثلاثة (^٣):\n١ - الوصف الظاهر المنضبط وهو العلة.\n٢ - ما في الفعل من نفع أو ضرر، ويعبر عنه بالمصالح والمفاسد.\n_________\n(^١) وسيأتي إن شاء الله ذكر أقسامها.\n(^٢) مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور أحمد الريسوني.\n(^٣) أثر مقاصد الشريعة في تعميق الوعي الحضاري لمسفر بن علي القحطاني.","vol":"4","page":124},{"text":"٣ - ما يترتب على التشريع من جلبٍ للمنافع، أو درءٍ للمفاسد، ويسمى مقصد الشارع.\nوهذه سمة ملازمة لكل أحكام الشرع، فما من حكم إلا وهو فيه سعادة العباد في العاجل والآجل.\nفثبت ولله الحمد بما لا يدع مجالًا للشك: أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا (^١).\nالخلاصة: أن المقاصد الشرعية هي الإرادة التشريعية للحاكم (^٢).\nفهي جملة ما أراده الشارع الحكيم من مصالحٍ تترتب على الأحكام الشرعية، كمصلحة الصوم، والتي هي بلوغ التقوى وغيرها، ومصلحة الجهاد التي هي درء العدوان والذب عن الأمة، ومصلحة الزواج والتي هي غض البصر، وتحصين الفرج، وإنجاب الذرية، وإعمار الكون، وغير ذلك.\nوهذه المصالح كثيرة ومتنوعة، وهي تُجمَع في مصلحة كبرى وغاية كلية: هي تحقيق عبادة الله، وإصلاح المخلوقين، وإسعادهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٩).\n(^٢) محاضرات في مقاصد الشريعة (١٢٤).","vol":"4","page":125},{"text":"وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-599> ثانيًا: الموضوع:</span>\nموضوع علم المقاصد هو: المصالح والمفاسد، والأحكام الشرعية. فالمصالح من حيث جلبها، والمحافظة عليها، وبيان مراتبها، والمفاسد من حيث درؤها، ودرء ما يدعو إليها وبيان مراتبها، والأحكام الشرعية من حيث جلبها للمصالح، ودرؤها للمفاسد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-600> ثالثًا: الثمرة:</span>\nسيأتي بيانه في بحث مستقل - إن شاء الله تعالى -.\n\n•<span data-type='title' id=toc-601> رابعًا: فضله:</span>\nالفضل يتناسب مع الثمرة، فكلما كانت الثمرة عالية، كان الفضل عظيمًا، ولما كانت ثمرة المقاصد تعم الأمة جميعًا، وتبين للناس صلاحية هذا الدين لكل عصر ومصر، وتظهر حكمة التشريع، وتبين للناس محاسن الإسلام، كان علمًا عظيم الفضل جليل القدر، لا يُستغْنَى عنه ولا يُهمَل.\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"4","page":126},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-602> خامسًا: نسبته:</span>\nهو من علوم الشريعة عامة، ومن علوم الآلات خاصة، وارتباطه وثيق وظاهر بأصول الفقه، فكل من تكلم عن المقاصد من المتقدمين، كان يذكره في ثنايا الكلام عن أصول الفقه.\nونسبته إلى غيره التباين والاختلاف، ومع ذلك فمن المقرر أن علوم الشريعة يخدم بعضها بعضًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-603> سادسًا: الواضع:</span>\nيعد واضع علم المقاصد هو الإمام الشاطبي ﵀؛ إذ كانت المقاصد متناثرة في كتب أهل العلم، فجاء الشاطبي، واستخرجها، ونقحها، وهذبها، واعتنى بها بصورة كبيرة، وأفرد لها جزءًا في كتابه الموافقات، وهو «أبو المقاصد» كما يسميه العلماء.\nوأول من أفرد المقاصد بتصنيف مستقل هو الطاهر بن عاشور، وهو «أبو المقاصد الثاني» كما يلقبه بعض الباحثين، ثم تتابع الناس على التأليف والتصنيف في هذا العلم الجليل، فرضي الله عن الجميع.\n\n•<span data-type='title' id=toc-604> سابعًا: الاسم:</span>\nعلم المقاصد، أو مقاصد الشريعة، أو مقاصد الشرع، أو مقاصد الأحكام، وأحيانًا بالإفراد «مقصد»، وهذا هو الذي شاع عند","vol":"4","page":127},{"text":"المتأخرين، وبعض المعاصرين يسميه بفلسفة التشريع.\nوقد سبق بيان المصطلحات المرادفة له عند المتقدمين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-605> ثامنًا: الاستمداد:</span>\nعلم المقاصد كغيره من العلوم الشرعية يستمد من الكتاب، والسنة، واجتهادات العلماء بالضوابط والشروط المذكورة في كتب الأصول، واستنباطها يحتاج لتدبر وتأمل، واستقراء (^١) طويل لأحكام الشريعة.\nفمثلًا مقصد حفظ العرض (^٢) من المقاصد الخمس الكلية التي جاءت الشريعة لتحقيقها، والتي ثبتت بالاستقراء وبتتبع جزئياته وفروعه، والتي منها: تشريع الزواج والحث عليه، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم التبرج والسفور، وتحريم النظر بشهوة، واللمس، والخضوع بالقول، وتشريع الحجاب، والعفة، والستر والحشمة، واتخاذ العقوبات والزواجر المتعلقة بذلك كالرجم والجلد، ومدح المتعففين والأطهار، وتقريع المستهزئين والشاذين، وذم المتهاونين والمقصرين، والحث على الصوم، والصبر، والاحتساب عند انتفاء\n_________\n(^١) الاستقراء عمومًا هو تقرير أمر كلي بتتبع جزئياته.\n(^٢) بتصرف من كتاب الاستقراء ودوره في معرفة مقاصد الشريعة للدكتور نور الدين الخادمي.","vol":"4","page":128},{"text":"القدرة على الزواج.\nفكل هذه الجزئيات وغيرها تحتاج لتدبر وتأمل واستقراء، وقد شكلت هذه الجزئيات بمجموعها مقصد حفظ العرض وصونه ورعايته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-606> تاسعًا: حكم الشارع:</span>\nفرض كفاية على جماعة المسلمين، وفرض عين على المجتهدين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-607> عاشرًا: مسائله:</span>\nمسائل علم المقاصد: ما يتعلق بأفعال الشارع، وأدلته، وأحكامه، والمكلف بهذه الأحكام، ويدخل تحت ذلك مسائل منها:\n١ - اعتبار مقاصد الشرع، وطرق معرفتها، ووسائلها، وأقسامها، وقواعدها، وخصائصها.\n٢ - علاقة المصالح والمفاسد بالأحكام الشرعية والأدلة الشرعية، وبيان علل التشريع.","vol":"4","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-608>المبحث الثاني:\nنشأة علم المقاصد</span>\nوفيه ست مسائل:\n• أولًا: هل كان علم المقاصد موجودًا في زمن النبوة؟\n• ثانيًا: مراعاة النبي ﷺ للمقاصد.\n• ثالثًا: مراعاة الصحابة ﵃ للمقاصد.\n• رابعًا: تدوين المقاصد عند المتقدمين.\n• خامسًا: تدوين المقاصد عند المتأخرين.\n• سادسًا: اهتمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله بالمقاصد.","vol":"4","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-609>المسألة الأولى:\nهل كان علم المقاصد موجودًا في زمن النبوة؟</span>\nعلم المقاصد واحد من علوم الاجتهاد التي لا غنى للفقيه المجتهد عنها، وجاءت نشأته في ثنايا أصول الفقه عند الكلام على العلل المناسبة، وكانت أصوله ممتزجةً مع التشريع منذ صدر الإسلام، وهكذا سائر العلوم الشرعية كلها تجد لها أصولًا في الكتاب والسنة، وإن لم ينص عليها صراحة (^١).\nومن ذلك مثلًا: جاءت نصوص كثيرة تدل على قاعدة التيسير ورفع الحرج والمشقة، وهذه القواعد من أجلِّ مقاصد الشريعة الإسلامية،\n_________\n(^١) وجاءت الإشارة إليه في كتب الأصول عند المتقدمين، فمن ذلك ما قاله العز بن عبد السلام ﵀: ومن تبع مقاصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها نص أو إجماع أو قياس خاص. قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ١٨٩).\nثم بدأ علم المقاصد يستقل ابتداء مما كتبه الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه (الموافقات) حيث أفرد له جزءًا مستقلًّا، مرورًا بإبراز وإظهار الطاهر بن عاشور ﵀ له، ثم تتابع الناس عليه بين مقل ومستكثر.","vol":"4","page":133},{"text":"ومن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال ﷺ: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (^١).\nعن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسرٌ، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة» (^٢).\nبل إن البعثة النبوية نفسها عُلِّلَت بمقاصد عظيمة، بكونها رحمة وخيرًا، وصلاحًا للناس أجمعين، وإتمامًا لمكارم الأخلاق، فقد قال الله تعالى في شأن بعثة الرسول ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\nوقال النبي ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وفي رواية:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩)، ومسلم (١٧٣٤) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"4","page":134},{"text":"«صالح الأخلاق» (^١).\nالخلاصة: علم المقاصد كغيره من العلوم الشرعية نزل يوم نزل الوحي من السماء.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٧٣)، وأحمد (٢/ ٣٨١) وغيرهما من حديث أبي هريرة به، وله شاهد يقويه، وأما لفظ: \"مكارم الأخلاق\" ففيها خلاف، ولها شاهد عند البخاري (٣٨٦١)، ومسلم (٢٤٧٤) أن أخا أبي ذر قال: \"رأيته يأمر بمكارم الأخلاق\" يعني: النبي ﷺ.","vol":"4","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-610>المسألة الثانية:\nمراعاة النبي ﷺ لمقاصد الشريعة</span>\nلقد كان رسول الله ﷺ يراعي مقاصد الشريعة، وهذا يظهر جليًّا واضحًا لمن تتبع سيرته، ولنأخذ أمثلة على ذلك:\n١ - لما سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: «نعم» قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: «إن قومك قصرت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك، ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض (^١).\nالمقصد المراعى: دفع مفسدة التنفير عن الإسلام، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين، فترك النبي ﷺ إعادة بناء الكعبة على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٤٣)، ومسلم (١٣٣٣ [٤٠٥]) من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"4","page":136},{"text":"قواعد إبراهيم، مع رغبته في ذلك، وكونه هو الأكمل (^١) بلا خلاف، وذلك مراعاةً لنفوس الناس وخشية حدوث ضرر على دينهم بسبب ذلك، ومراعاة لهذا المقصد العظيم.\nقال ابن الملقن: وقوله: «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت»: يريد أنهم لقرب عهدهم بالجاهلية فربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، ونفرت قلوبهم، فيوسوس لهم الشيطان ما يقيض شيئًا في دينهم، وهو كان يريد ائتلافهم وتثبيتهم على الإسلام، وقد بوب عليه البخاري باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه (^٢).\n٢ - لما أراد المسلمون قتل عبد الله بن أبي بن سلول، قال لهم النبي ﷺ: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (^٣).\nالمقصد المراعى: نشر الدين، وعدم الصد عنه، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين.\n_________\n(^١) اختلف العلماء في إعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم، هل كان واجبًا على النبي ﷺ أم لا؟ وأكثر العلماء على عدم وجوبه، والاتفاق على أنه الأكمل، وأن النبي ﷺ تركه لواجبٍ أعلى ومقصد أسمى.\n(^٢) التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١١/ ٣٠٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ [٦٣]) من حديث جابر مرفوعًا.","vol":"4","page":137},{"text":"قال ابن حجر: وكان النبي ﷺ في أول الأمر يصبر على أذى المشركين ويعفو ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين، فاستمر صفحه وعفوه عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقل أهل الكفر وذلوا أمر بمجاهرة المنافقين، وحملهم على حكم مر الحق، ولاسيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين (^١).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر العسقلاني (٨/ ٣٣٦).","vol":"4","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-611>المسألة الثالثة:\nمراعاة الصحابة للمقاصد</span>\nفالصحابة ﵃ هم أول الفقهاء، وأول المفسرين، وأول الأصوليين، وأول المقاصديين، وقُل نحو ذلك في جميع العلوم الإسلامية (^١).\nومن استقرأ سير الصحابة ﵃، لا يشك قط في أن الصحابة كانوا يراعون المقاصد الشرعية ولا يهملونها.\nقال ابن القيم ﵀: النوع الأول: رأي أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، وأصحهم قصودًا، وأكملهم فطرةً، وأتمهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول؛ فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول ﷺ كنسبتهم إلى صحبته؛ والفرق بينهم وبين مَنْ\n_________\n(^١) محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني تحت عنوان: الصحابة أول المقاصديين (٤٧).","vol":"4","page":139},{"text":"بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم (^١).\nويقول أيضًا: وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله ﷺ ثم يعدل عنه إلى غيره البتة (^٢).\nوقال الشاطبي ﵀ حين خشي أن يُتلَّقى كتابه الموافقات بشيء من الاستغراب وأن ينكر عليه: فإن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار، وعمي عنك وجه الاختراع فيه والابتكار، وغر الظان أنه شيءٌ ما سمع بمثله ولا ألف في العلوم الشرعية الأصلية أو الفرعية ما نسج على منواله أو شكل بشكله، وحسبك من شرٍّ سماعه، ومن كل بدعٍ في الشريعة ابتداعه؛ فلا تلتفت إلى الإشكال دون اختبارٍ، ولا ترم بمظنة الفائدة على غير اعتبارٍ، فإنه بحمد الله أمرٌ قررته الآيات والأخبار، وشد معاقده السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشيد أركانه أنظار النظار، وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار (^٣).\nويصفهم أيضًا ﵀ فيقول عنهم: الذين عرفوا مقاصد الشريعة\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٦٣).\n(^٢) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ١٦٨).\n(^٣) الموافقات للشاطبي (١/ ١٣).","vol":"4","page":140},{"text":"فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها (^١).\nوالأئمة والفقهاء والمجتهدون حين أسسوا الفكر المقاصدي، والأسس المقاصدية كانوا دائمًا يستحضرون فعل الصحابة في نوازل كثيرة (^٢).\nفالمقاصد كانت مدار الاجتهاد في القرون المشهود لها بالخيرية، وكانت تتحقق وظيفتها دون أن تفرد لها التعريفات والتسميات التطبيقية، الأمر الذي نلاحظه عند أي تتبع لاجتهاد الصحابة وسبب اختلافهم في تنزيل الأحكام على محالها (^٣).\nومن ذلك:\n١ - اجتماع الصحابة ﵃ في ثقيفة بني ساعدة بعد موت النبي ﷺ لتولية إمام.\nعن عمر بن الخطاب قال: قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (١/ ٧).\n(^٢) محاضرات في مقاصد الشريعة للريسوني (٥٦).\n(^٣) من كلمات الأستاذ: عمر عبيد حسنة، في تقديمه لكتاب (الاجتهاد المقاصدي) لنور الدين الخادمي (١/ ٢١).","vol":"4","page":141},{"text":"عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكرٍ، فقلت لأبي بكرٍ: يا أبا بكرٍ انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالى عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزملٌ بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟\nفقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهطٌ، وقد دفت دافةٌ من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت زورت مقالةً أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكرٍ، وكنت أدارى منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكرٍ: على رسلك. فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكرٍ فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمةٍ أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها، حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خيرٍ فأنتم له أهلٌ، ولن يُعرَف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريشٍ، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين","vol":"4","page":142},{"text":"الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم. فأخذ بيدي، وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالسٌ بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثمٍ، أحب إلي من أن أتأمر على قومٍ فيهم أبو بكرٍ، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائلٌ من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، يا معشر قريشٍ. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف. فقلت: ابسط يدك يا أبا بكرٍ. فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة. فقال قائلٌ منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرٍ أقوى من مبايعة أبي بكرٍ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فسادٌ، فمن بايع رجلًا على غير مشورةٍ من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا (^١).\nالمقصد المراعى: إقامة إمام يقيم للمسلمين أمر دينهم ودنياهم، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٣٠) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"4","page":143},{"text":"ولما حضرت الوفاة أبا بكر استخلف على المسلمين عمر لهذا الغرض أيضًا -رضي الله عن الجميع-، فصدقت فراسة الصحابة في أبي بكر، وصدقت فراسة أبي بكر في عمر حين اجتهد في العهد بالخلافة من بعده له ﵁، فلقد قام بالخلافة أتم القيام، حيث كان إمامًا ناصحًا لله ولرسوله ولدين الإسلام، وتابع عمر أبا بكر في هذا المقصد، فجعل الأمر في ستة من أفاضل الصحابة (^١)، وهم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين-.\n٢ - جمع القرءان في عهد أبي بكر (الجمع الأول).\nفعن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت: لعمر كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٠٠) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.","vol":"4","page":144},{"text":"زيد: قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» (^١).\nالمقصد المراعى: حفظ كتاب الله، وخشية ضياعه بموت القراء.\nوكان هذا الجمع عبارة عن نقل القرآن، وكتابته في مصحف مرتب الآيات أيضًا، مقتصرًا فيه على ما لم تنسخ تلاوته مستوثقًا له بالتواتر، والإجماع، وكان الغرض منه تسجيل القرآن، وتقييده بالكتابة مجموعًا مرتبًا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه.\n٣ - جمع القرآن في المصحف وحرق ما سواه (الجمع الثاني).\nعن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة بن اليمان ﵁ قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٨٦) من حديث زيد بن ثابت به.","vol":"4","page":145},{"text":"القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى (^١).\nالمقصد المراعى: حفظ الكتاب من التحريف، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين.\nيقول العلامة الزرقاني في «مناهل العرفان»: اتسعت الفتوحات في زمن عثمان واستبحر العمران، وتفرق المسلمون في الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن، وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل، وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، بل كان هذا الشقاق أشد لبعد عهد هؤلاء بالنبوة وعدم وجود الرسول بينهم يطمئنون إلى حكمه ويصدرون جميعًا عن رأيه، واستفحل الداء حتى كفَّر بعضهم بعضًا، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير، ولم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٨٧) من حديث حذيفة به.","vol":"4","page":146},{"text":"يقف هذا الطغيان عند حد، بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية، حتى الحجاز، والمدينة، وأصاب الصغار والكبار على سواء.\nأخرج ابن أبي داود في «المصاحف» من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون، فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضًا؛ فبلغ ذلك عثمان، فخطب، فقال: أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافًا (^١).\nوصدق عثمان، فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافًا ونزاعًا من المدينة والحجاز، وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع، أو التقوا على جهاد أعدائهم يعجبون من ذلك، وكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن.\nوتأدى بهم التعجب إلى الشك والمداجاة، ثم إلى التأثيم والملاحاة، وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرؤوس، وتسفك الدماء وتقود المسلمين إلى مثل اختلاف اليهود والنصارى في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي داود في (المصاحف) (١/ ٩٥) من طريق أبي قلابة لما كان في خلافة عثمان …، ولكن أبو قلابة لم يدرك زمن عثمان.","vol":"4","page":147},{"text":"كتابهم (^١).\nفائدتان مهمتان مما سبق:\nالأولى: وأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين من أسمى المقاصد وأجلها، ومن الواجبات المقدمة في الشرع دائمًا، فمن أجله ترك النبي ﷺ إعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم مع كونه الأكمل بلا خلاف (^٢)، ومن أجله ترك هارون بني إسرائيل على ما هم عليه، وعلل ذلك لموسى قائلًا: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]، ومن أجله ترك النبي ﷺ المنافقين ولم يقتلهم مع كونهم أخطر على الإسلام من الكفار، وعلله بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (^٣)، وذلك فيه صدٌّ عن الدين وتفرقةٌ لجماعة المسلمين، ومن أجله صلى عبد الله بن مسعود خلف عثمان بن عفان ﵄ بالإتمام في منى، مع أنه يقول بالقصر وهي السنة، وعلل ذلك قائلًا: «الخلاف شر» (^٤).\n_________\n(^١) مناهل العرفان للزرقاني (١/ ٢٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٦)، ومسلم (١٣٣٣) واللفظ له، من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر مرفوعًا.\n(^٤) صحيح لطرقه: أخرجه أبو داود (١٩٦٠)، وغيره، وفيه جهالة، وأخرجه البزار (١٦٤١)، وفيه راو ضعيف، وأخرجه أبو يعلى (٥٣٧٧)، وفيه جهالة، كلهم من حديث ابن مسعود به.","vol":"4","page":148},{"text":"فوأد الخلاف والحفاظ على جماعة المسلمين من التفرق والاختلاف مقصدٌ شرعي، وواجبٌ ديني، لا يعادله واجبٌ في الشريعة، فلا تكاد تجد شيئًا يقدم عليه.\nالثانية: المقاصد الشرعية هي القاعدة لبناء التشريع بأصوله وفروعه، والأحكام الشرعية، والنظر فيها يكون من خلال مقاصد الشريعة.","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-612>المسألة الرابعة:\nالمؤلفون في العصر القديم</span>\n•<span data-type='title' id=toc-613> القرن الرابع الهجري:</span>\nألف الحكيم الترمذي كتاب «الصلاة ومقاصدها» يتحدث فيه عن مقاصد الصلاة ويعلل أفعالها، ويجتهد في استنباط حكمها وفوائدها.\nوفيه أيضًا ألف أبو بكر الشاشي المعروف بالقفال الكبير كتابه «محاسن الشريعة».\n\n•<span data-type='title' id=toc-614> سمة هذا العصر:</span>\nكانت المؤلفات فيه يغلب عليها الاهتمام بالعلل الجزئية، والتعليلات التفصيلية، والبحث عن حكمها، والتنصيص عليها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-615> القرن الخامس:</span>\nانتقلت حركة الاهتمام بالمقاصد والكتابة فيها من طور التعليلات الجزئية والتفصيلية، إلى طور التأصيل والتنظير للمقاصد بصفة عامة، وأثمر فيما بعد ما نعرفه اليوم من مقاصد، ومصطلحات، وتقسيمات،","vol":"4","page":150},{"text":"وضروريات خمس (^١).\nفمثلًا: إمام الحرمين الجويني ﵀ من الأئمة الذين نظروا وأصلوا وأعطوا مصطلحات وتقسيمات، وأسهموا في تشييد البناء المقاصدي، كالتقسيم الثلاثي للمقاصد «ضروريات، وحاجيات، وتحسينات»، وله كتابه المشهور «البرهان في أصول الفقه».\nثم جاء أبو حامد الغزالي امتدادًا لشيخه الجويني، وهو من أقوى المعللين لكافة الأحكام من عبادات ومعاملات، وله كتاب «المستصفى»، وألف العز بن عبد السلام في كتاب «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» يتحدث فيه عن المصالح والمفاسد، والمفاضلة والترجيح، والتقديم والتأخير بين المصالح والمفاسد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-616> القرن الثامن:</span>\nجاء الشاطبي ﵀ فأظهر علم المقاصد وبينه، وهو المؤسس والمنظر له، وجعل له كيانًا مستقلًّا وأفرد له جزءًا كاملًا في كتابه «الموافقات»، فجمع فيه ما تفرق في غيره، وأخذ ممن سبقوه وطورها وعضدها وقعد لها، كمسألة ترك الشريعة الأمر بما تهواه الأنفس وتشتهيه تعويلًا منها وحوالة على الجبلة والفطرة، وكذلك ما تكرهه\n_________\n(^١) محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسونى (٦٨).","vol":"4","page":151},{"text":"الجبلات، فإن الشريعة لا تنشغل بإبعاد الناس عنه؛ لأن في الجبلة ما يكفي من الكراهية والنفور منه (^١).\nوأضاف عليها بعض المباحث أيضا، كموضوع: مقاصد المكلفين (^٢)، وفتح الباب في بيان طرق إثبات المقاصد، وهو مبحث في غاية الأهمية، وقد تناول الكلام فيه في صفحات قليلة في خاتمة كتابه.\nولذا يعتبر الشاطبي هو واضع علم المقاصد ويلقب ب «أبو المقاصد».\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٣٠٥)، وانظر مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور (٣٧٧). دار القلم (مراتب الوازع جبليةٌ ودينيةٌ وسلطانيةٌ).\n(^٢) الموافقات للشاطبي (٢/ ٨٧٦).","vol":"4","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-617>المسألة الخامسة:\nالمؤلفون في العصر الحديث</span>\nلما مات الشاطبي ودفن ﵀، دفن معه كتابه الموافقات لمدة ستة قرون استمر فيها انحدار المسلمين وتقدم الأوربيين، وفي مطلع القرن الثالث عشر الهجري طبع كتاب الموافقات أولى طبعاته في تونس سنة (١٣٠٢ هـ)، فكانت هذه الولادة الثانية للكتاب.\nوذاع خبر الكتاب وانتشر، وكانت نتيجته أن تلقفه الشيخ محمد عبده، فصار يحث على قراءته ونشره، وكان من أثر ذلك أن قام تلميذه الشيخ عبد الله دراز بنشر الكتاب في مصر، وقام تلميذه الآخر رشيد رضا بنشر كتاب الاعتصام، ومن مصر انتشر الكتابان وشاع تداولهما في الأقطار العربية.\nوأما تونس البلد الذي طبع فيها الكتاب أول مرة، فكان التجاوب مع الكتاب كبيرًا جدًّا عند علماء الزيتونة الذين احتفوا بالكتاب أيما احتفاء، فدرَسوه ودرَّسوه وبدأ البحث والتنقيب عن المقاصد، وبدأت المقاصد تأخذ طورًا جديدًا، وفي هذه الأجواء والحقبة الزمنية المهمة في علم المقاصد ظهر عالم جليل هو الشيخ الطاهر بن عاشور، وهو","vol":"4","page":153},{"text":"رائد هذا العلم في العصر الحديث، وهو الذي ذاع وانتشر خبره وصيته، خاصة في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، ولا يذكر اسم المقاصد إلا وذكر معه ابن عاشور، حتى إن بعض الباحثين يطلق عليه «أبو المقاصد الثاني»، وقد تابع الطاهر بن عاشور الشاطبي في مسألة «طرق إثبات المقاصد»، فالشاطبي جعلها خاتمة كتابه، وابن عاشور جعلها في القسم الأول من الكتاب (^١)، فرحمة الله على الجميع.\nوابن عاشور هو أول من درس كتاب الموافقات، ومقاصد الشريعة في الجامعة، وهذا التدريس استمر عدة سنوات، أفضى به أن تكون له استدراكات وتتمات لعمل الشاطبي (^٢).\nوبعد إبراز ابن عاشور للمقاصد؛ اهتم العلماء بالمقاصد وأعادوا النظر والبحث فيما كتبه العلماء السابقون في المقاصد، وبحثوا ونظروا بأسلوب علمي رصين ومنهجية علمية متأنية فيما كتبه هؤلاء العلماء، فظهرت بحوث ودراسات علمية وأكاديمية تتعلق بعلم المقاصد عند الشاطبي، والعز بن عبد السلام، والقرافي، وابن تيمية، وابن عاشور، وأُفرِد علم المقاصد بالمصنفات والبحوث والرسالات الجامعية مما جعله سهلًا متناولًا، ولله الحمد.\n_________\n(^١) مقاصد الشريعة (١٠٣).\n(^٢) بتصرف من محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني.","vol":"4","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-618>المسألة السادسة:\nاهتمام شيخ الإسلام ابن تيمية\nوتلميذه ابن القيم-رحمهما الله- بالمقاصد:</span>\nابن تيمية ﵀ من العلماء الذين كشفوا عن مقاصد الشريعة، وأبلوا بلاء حسنًا في الدفاع عنها ومعرفتها وتفصيلها، ولا يكاد يخلو كلام له عن الشريعة، وإبراز مصالحها، ومفاسد مخالفتها، وبيان حكمها ومقاصدها.\nفابن تيمية وابن القيم وإن لم يصنفوا في المقاصد، غير أن تصانيفهم تدل على علو شأنهم في ذلك، فهما بدون تردد من رواد هذا المجال، ومن عظمائه وأجلائه.\nيقول الأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي: ثم جاء ابن تيمية أيضًا، فاهتم بالمقاصد اهتمامًا كبيرًا في كتبه جميعًا، واعتنى بها عناية قل أن تجدها عند من في عصره، وهناك رسالة دكتوراه مطبوعة باسم «المقاصد عند ابن تيمية» للدكتور يوسف بدوي، والذي يطلع على هذه الرسالة يجد أن صاحبها قد نقل عن ابن تيمية نصوصًا صريحة في","vol":"4","page":155},{"text":"اهتمامه بالمقاصد، وفي عمله بها مثل قوله: أصل الدين، وأساسه، وعموده، ورأسه المقاصد. كذلك نقل عنه أنه يرى أن العلم بالمقاصد شرط لبلوغ رتبة الاجتهاد (^١).\nولغلبة المقاصد على ابن تيمية فتراه مثلًا في شرحه لحديث: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائعٌ، إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله\n_________\n(^١) شرح مقاصد الشريعة لعياض السلمي.","vol":"4","page":156},{"text":"ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» (^١).\nفيحلله ويشرحه تحليلًا مقاصديًّا، فيقول: فلما ذكر في أول الحديث ما أوجبه من العدل، وحرمه من الظلم على نفسه وعلى عباده، ذكر بعد ذلك إحسانه إلى عباده مع غناه عنهم، وفقرهم إليه، وأنهم لا يقدرون على جلب منفعةٍ لأنفسهم، ولا دفع مضرةٍ إلا أن يكون هو الميسر لذلك، وأمر العباد أن يسألوه ذلك، وأخبر أنهم لا يقدرون على نفعه ولا ضره مع عظم ما يوصل إليهم من النعماء، ويدفع عنهم البلاء، وجلب المنفعة ودفع المضرة إما أن يكون في الدين أو في الدنيا، فصارت أربعة أقسامٍ: الهداية والمغفرة، وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدين، والطعام والكسوة وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدنيا، وإن شئت قلت: الهداية والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو ملك البدن، وهو الأصل في الأعمال الإرادية، والطعام والكسوة يتعلقان بالبدن: الطعام لجلب منفعته، واللباس لدفع مضرته. وفتح الأمر بالهداية، فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين، فكل أعمال الناس تابعةٌ لهدي الله إياهم (^٢).\nويقول الدكتور يوسف البدوي في كتابه «مقاصد الشريعة عند ابن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n(^٢) الفتاوى لابن تيمية (١٨/ ١٧١).","vol":"4","page":157},{"text":"تيمية» في الفصل السادس تحت عنوان: «تأصيل القواعد المقاصدية»: يعتبر هذا الإسهام من أبرز إسهامات ابن تيمية في علم المقاصد، حيث قدم لنا ثروةً كبيرةً وعظيمةً من القواعد المقاصدية، كيف لا وأبو العباس ﵀ هو صاحب الباع الطويل في استقراء الشريعة وأدلتها وأحكامها ومقاصدها (^١).\nثم ذكر صاحب الكتاب خمس عشرة قاعدة مقاصدية انتقاها من كتب ابن تيمية ﵀ ومنها (^٢):\n١ - الدين تحصيل الحسنات والمصالح، وتعطيل السيئات والمفاسد.\n٢ - الباطل من العبادات ما لم يحصل به مقصوده، ولم يترتب عليه أثره، فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه.\n٣ - المصالح الفرعية مكملة للمصالح الأصلية.\n٤ - مبنى الشريعة على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع.\n٥ - قصد الشارع من المكلف مخالفة هواه، حتى يكون عبدًا لله طوعًا، كما هو عبدٌ لله كرهًا.\n_________\n(^١) مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، للدكتور يوسف البدوي (٥٥٧).\n(^٢) المصدر السابق (٥٥٨).","vol":"4","page":158},{"text":"٦ - الشارع لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد.\n٧ - إنما أوجب الله الواجبات وحرم المحرمات؛ لما يتضمن ذلك من المصالح لخلقه ودفع المفاسد عنهم.\nقال الأستاذ عمر عبيد حسنة: وإن كان الإمام المجدد ابن تيمية ﵀ هو أحد رواد أو بناة الاجتهاد المقاصدي، وإن لم يفرد له كتابًا أو بحثًا خاصًّا به، حيث كانت له اجتهادات جريئة خالف فيها بعض الفقهاء؛ لأن تطبيق بعض الاجتهادات الفقهية النظرية المجردة السائدة في عصره، والتقليد المذهبي بعيدًا عن واقع الناس، فوَّت كثيرًا من المصالح، وتعارض مع مقصد الشارع في بناء الأسرة والمجتمع، بحيث كانت هناك فجوة تتسع بين بعض اجتهادات الفقهاء وقضايا المجتمع ومصالح العباد، إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن اجتهاد الإمام ابن تيمية هو في الحقيقة اجتهاد مقاصدي، وإن استقراء المقاصد عند شيخ الإسلام يحتاج إلى باحثين لإغناء الرؤية الاجتهادية بأصول فقهية مقاصدية على غاية من الأهمية (^١).\nومثل شيخه سار ابن القيم ﵀، فكلامه يدل على ذلك وعلى اهتمامه بالمقاصد، وله فتاوى تدل على مراعاته لها، فمثلًا: يقول في\n_________\n(^١) مقدمة كتاب الاجتهاد المقاصدي لنور الدين الخادمي (١/ ٣٦).","vol":"4","page":159},{"text":"«إعلام الموقعين»: فصل: لا بد من اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ.\nوهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدًا لها مريدًا لموجباتها، كما أنه لا بد أن يكون قاصدًا للتكلم باللفظ مريدًا له، فلا بد من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه. بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ؛ فإنه المقصود واللفظ وسيلة، وفي المحلى: أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني، فسماها الظبية، فقالت: لا. فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سمني خلية طالق. فقال لها: فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلقني. فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها (^١).\nوهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان (^٢).\nمع أن الرجل قد تكلم بالطلاق بلفظين مختلفين، ولكن البحث عن قصده ومراده يبطل هذه الحيل، ولذا سماه ابن القيم «الفقه الحي».\nويقول أيضًا ﵀: إن ما حرم سدًّا للذريعة يباح للحاجة، فلهذا\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي في الكبرى (١٤٩٩٧)، وأورده ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٦٠)، وفيه من لا يعرف.\n(^٢) إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ٥٥).","vol":"4","page":160},{"text":"كان من فتواه أنه نص على أن من كان في قافلة، ومعه ذهب خام ويريد أن يضربه نقودًا، فله أن يدفعه للصائغ، ويقدر الصائغ كم سيكون من دينار، ويأخذه دنانير وينصرف مع رفقته، فمقصد ابن القيم من ذلك أنه لو انتظر الصائغ حتي يصنع دنانير؛ لأدى ذلك إلى فوات الرفقة، وتعرضه للهلاك، ولقطاع الطرق، ونظر إلى مقصد آخر، وهو أن هذا الشخص لم يكن مقصوده التحايل للوصول إلى الربا، وإنما مقصده أن يأخذ الدنانير مضروبة (^١).\nوكذلك رد ابن القيم ﵀ على من لم ير اعتبار المقاصد، فقال: وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ، ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجلٍ قيل له: لا تسلم على صاحب بدعةٍ، فقبل يده ورجله، ولم يسلم عليه. أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض، وقال: لم تقل: ايتني بها. وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة. فباعها بدرهمٍ، وهي تساوي مائةً، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضعٍ، وكمن أعطاه رجلٌ ثوبًا، فقال: والله لا ألبسه لما له فيه من المنة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله (^٢).\n_________\n(^١) شرح مقاصد الشريعة للدكتور عياض بن نامي السلمي.\n(^٢) إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ٩٤).","vol":"4","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-619>المبحث الثالث:\nأقسام المقاصد</span>\nوفيه أربعة مسائل:\n• أولًا: أقسام المقاصد باعتبار جهة صدورها.\n• ثانيًا: أقسام المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام.\n• ثالثًا: أقسام المقاصد باعتبار النظر في الأحكام.\n• رابعًا: أقسام المقاصد باعتبار الحاجة إليها.","vol":"4","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-620>المسألة الأولى:\nأقسام المقاصد باعتبار جهة صدورها</span>\nتنقسم المقاصد باعتبار جهة صدورها إلى:\n١ - مقاصد الشارع.\n٢ - مقاصد المكلف.\nوهذا أول تقسيم للمقاصد ذكره الشاطبي ﵀ في «الموافقات».\nأما الأول وهو مقاصد المكلفين: فهو ما تتجه إليه إرادتنا ونيتنا عند القول والفعل، أي ما يقصده المكلف في سائر تصرفاته، وهذا النوع ليس موضوع البحث، ولكن يكفينا فيه أن نعلم أن الشارع له مقصود من أحكامه، وأمر المكلفين أن يسعوا إلى هذه المقاصد بحيث تكون مقاصدهم موافقة لمقاصد الشارع.\nقال الشاطبي ﵀ في وجوب موافقة قصد المكلف من عمله قصد الشارع: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل","vol":"4","page":163},{"text":"موافقًا لقصده في التشريع (^١).\nوالنوع الثاني وهو مقاصد الشارع، وهو ما سنتناوله بالتوضيح بإذن الله ﷿.\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٣/ ٢٣).","vol":"4","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-621>المسألة الثانية:\nأقسام المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام</span>\nتنقسم المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام إلى:\n١ - مقصود الخطاب «النص».\n٢ - مقصود الأحكام.\n\n<span data-type='title' id=toc-622>أولًا: مقصود الخطاب:</span>\nويعبر عنه أحيانًا بمراد الشارع من النص قرآنا أو سنة، أي ما الذي أراده الله من خطابه؟ ماذا قصد من هذا النص، ومن هذه العبارة؟ ومن هذه الآية والحديث؟ ما المعنى المقصود والحكم المقصود؟ (^١).\nفالأصل في الألفاظ أن تحمل على ظاهرها دون تأويل، ويستعمل هذا الاصطلاح «مقصود الخطاب» غالبًا عندما يتوارد على النص الشرعي معنيان: أحدهما غير مقصود، والثاني هو المقصود، وقد يكون الأول هو المتبادر إلى الفهم عند قراءة النص لأول وهلة، ولكن بشيء\n_________\n(^١) محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني (٩).","vol":"4","page":165},{"text":"من التأمل والتدبر وإعمال القرائن التفسيرية يتبين لنا المقصود والمراد، فيقال حينئذٍ: مقصود الشارع من خطابه كذا.\nولبيان هذا الأمر فلا بد أن تعلم أن النص الشرعي عادةً يتجاذبه اتجاهان: أحدهما يقف عند حرفية الألفاظ دون النظر إلى مقاصد الشريعة ومراميها، مكتفيًا بما يعطيه ظاهرها (^١)، واتجاه آخر يتحرى مقاصد الخطاب ومراميه، ويستند هذا الاتجاه إلى التسليم العام بكون الشريعة ذات مقاصد وحكم مرعية في عامة أحكامها (^٢).\nوستأتي الأمثلة على ذلك -إن شاء الله-.\n\n•<span data-type='title' id=toc-623> أهمية معرفة مقاصد الخطاب </span>(^٣):\nمقاصد الخطاب وإن لم تكن موضوعنا، إلا أنه يجدر التنبيه عليها والاهتمام بها، فالخطاب العربي فيه مرونة وسعة وتفنن بخلاف غيره من سائر اللغات، ويفسح مجالًا للمتلقي لإعمال الذهن والفكر، فقد يستعمل اللفظ ويراد به غير ظاهره، وقد يستعمل ويراد به غير حقيقته، وقد يراد الشيء ولا يصرح به، وإنما يشار إليه ويكنى، وقد يذكر الشيء بلازمه لا بذاته، وقد يتكلم العربي ببعض الكلمات ويترك لك البعض\n_________\n(^١) مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني بتصرف (١٠) وما بعدها.","vol":"4","page":166},{"text":"لتفهمه من تلقاء نفسك، بل إن العرب كانت تستعمل اللفظ وتريد به ضده، ومن هنا تظهر أهمية معرفة مراد الشارع ومقصوده من كلامه، فالتقصير في فهمه والزيادة عليه يفسد الفهم من بدايته، فآخذ الأمور ببادئ الرأي وببادئ النظر وبالخواطر الأولى، دون النظر في القرائن الأخرى وإعمال الفكر فيها، عادة لا ينجو من الزيادة في المعنى، والنقصان منه.\nولو كانت الألفاظ وحدها كافية لفهم المراد من المتكلم، لما كان أي معنى للتفقه في الدين: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» (^١)، ولما كان هناك معنى لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].\nفلماذا يحتاج إلى التدبر لو كانت الألفاظ التي ألقيت إلينا حصل بها المعنى؟ ففهم المراد من الألفاظ في أحيان كثيرة يحتاج إلى تدبر وتأمل، وجمع النصوص في الباب الواحد؛ حتى يفهم المعنى ولا يزاد عليه ولا ينقص.\nأمثلة:\n١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٩٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر مرفوعًا.","vol":"4","page":167},{"text":"١٣٠].\nما معنى أكل الربا؟ هل المقصود هو الأكل المعروف؟ فإذا ما وقفنا عند مجرد الألفاظ، فالربا لا يؤكل وغير قابل للأكل، إذن فالمعنى المتداول للأكل غير مقصود في هذا النص، بمعنى أن قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ليست كعبارة: لا تأكلوا الخنزير مثلًا.\nفمعنى الآية: لا تنفقوا على أكلكم الأموال المحصلة من الربا. ولو وقفنا عند هذا الحد؛ لصح أن يقال: إن سوى الأكل لا تشمله الآية، كالإنفاق من أجل اللبس مثلًا، أو التنزه، أو السكن وغير ذلك، ولا شك أن مقصود الشارع من خطابه هو تحريم الربا بكل صور استعماله، فالتحريم للربا بكل معانيه، وليس من أجل الأكل فقط، ولكن عبر بالأكل؛ لأن المآل هو الأكل، والغرض الأشهر والأكثر هو الأكل، قال القرطبي: يأكلون يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل (^١).\nفالآية تشمل من تعامل بالربا ولو لم يأكل منه أو ينفق درهمًا، وكل هذا يعرف بالتدبر وبالنظر في النصوص الأخرى ذات الصلة، كقوله ﷺ:\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٣/ ٣٤٨).","vol":"4","page":168},{"text":"«لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه» (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله جل شأنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nما المقصود بتحريم الميتة؟ هل لمسها، أو النظر إليها، أو أكلها، أو الانتفاع بشيء منها، أو حيازتها؟\nوما المقصود بتحريم الأمهات؟ هل اللمس، أم المحادثة، أم النظر، أم النكاح؟ فعبارة التحريم في الآيتين واحدة، فهل مضمون التحريم واحد؟ وهل التحريم على الإطلاق؟\nوالجواب الشافي يكون في البحث فيما وراء اللفظ، وفيما حواليه، وما يتصل به من معان أخرى وتفعيل القواعد الشرعية، فالله أعطاك نصًّا، وأعطاك معه نصوصًا أخرى، وأعطاك عقلًا وفكرًا.\nفنقول: مقصود الشارع من تحريم الميتة هو تحريم أكلها، ومقصوده من تحريم الأمهات هو تحريم النكاح، وعلم ذلك بالقاعدة الأصولية التي تقول: إذا علق الحكم بعينٍ رجع عرفًا لما أعدت له هذه العين. فالحلال والحرام لا يتعلقان بذوات إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٩٨) من حديث جابر مرفوعًا.","vol":"4","page":169},{"text":"بتلك الذوات (^١).\nوهذا ما أشار إليه الطاهر بن عاشور ﵀ فقال: وإضافة التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها هو من المسألة الملقبة في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان، ومحمله على تحريم ما يقصد من تلك العين باعتبار نوعها نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أو باعتبار المقام نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فيقدر في جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق، أو يقال: أقيم اسم الذات مقام الفعل المقصود منها للمبالغة، فإذا تعين ما تقصد له قصر التحريم والتحليل على ذلك، وإلا عمم احتياطًا، فنحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، متعين لحرمة تزوجهن، وما هو من توابع ذلك كما اقتضاه السياق، فلا يخطر بالبال أن يحرم تقبيلهن أو محادثتهن (^٢).\n٣ - قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].\nفالوقوف مع اللفظ دون غيره يقتضي تكليف للنبي ﷺ بأخذ قدرٍ غير محدد من أموال الناس، ولكن بالنظر للقرائن التفسيرية، وجمع النصوص، وتعميل القواعد الأصولية، وبشيء من التأمل والتدبر؛ يتبين\n_________\n(^١) الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (٢٩).\n(^٢) التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (١٧٣).","vol":"4","page":170},{"text":"لنا: أن الخطاب موجه لعموم المسلمين، وبخاصة ولاة الأمور، وأن الأموال لها صفة مخصوصة، والقدر الذي سيؤخذ منهم مخصوص على سبيل الوجوب، والفئة التي ستعطي والتي ستأخذ فئة مخصوصة، فهذا هو معنى مقصود الخطاب.\n٤ - قال النبي ﷺ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» (^١).\nفلو نظرنا إلى مجرد ظاهر الألفاظ واكتفينا بما تعطيه من أحكام، وتجاهلنا غاية الشارع ومراميه، لقلنا: إن إفراغ البول عن طريق الشاحنات، أو عن طريق قارورة مثلًا لا يشمله النهي، وأنه يجوز لغيره أن يغتسل في هذا الماء، ويجوز أن يتغوط في الماء ثم يغتسل منه، فمعظم هذه المعاني لا يشملها النص الملفوظ، فهل يقال: بأن هذا مقصود الشارع من خطابه؟ قطعًا لا، فهذا ينافي تمامًا حكمة الباري جل وعلا، وتأباه الفطرة والعقل، فأي عقل وأي شرع يحرم البول المباشر في الماء الراكد وإن كانت قطرات، ثم يبيح وضع أضعافها من البول؛ لأنها وصلت بطريق غير مباشر؟ (^٢).\nومثل نهي النبي ﷺ عن الأضحية بالعوراء، فهل تجوز العمياء؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٢) الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (١٢٩).","vol":"4","page":171},{"text":"قطعًا لا يجوز، بل هو من باب أولى؛ لأن تحريم الأدنى دليل على تحريم الأعلى (^١).\nفلو أخذت هذه الألفاظ مجردة عن معانيها دون النظر والتدبر؛ لخرجت الأحكام بعيدة كل البعد عن مقصود الشارع.\nبل حتى ألفاظ الخطاب الدنيوي لا بد فيها من مراعاة القصود والغايات\nفمثلًا: لو اجتمعت الأسرة على الطعام وقال الوالد لولده: املأ لي كوبًا من الماء. فملأه الولد ولم يحضره؛ لأنه أخذ باللفظ المجرد عن المعنى والقصد، لو فعل الولد ذلك لكان مقصرًا مستحقًا للعتاب، إذ ليس هذا المقصود، إنما مقصود والده أن يملأه ويحضره له ليشرب، وهذا يفهم بالنظر لحالهم وهم على الطعام.\nوابن القيم ﵀ يقسم الناس في تعاملهم مع النصوص الشرعية إلى قسمين: قسمٌ يسأل: «ماذا قال»، وقسمٌ يسأل: «ماذا أراد».\nفقال ﵀: وهذا أمر يعم أهل الحق والباطل، لا يمكن دفعه، فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة، والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دُعِي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى. أو قيل\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٣٠).","vol":"4","page":172},{"text":"له: نم. فقال: والله لا أنام. أو: اشرب هذا الماء. فقال: والله لا أشرب. فهذه كلها ألفاظ عامة نقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي العام إلى آخر العمر، والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي ﷺ يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨]، فذم من لم يفقه كلامه» (^١).\nفختامًا نقول: مقصود الشارع من خطابه، وإن لم يكن موضوع البحث والشرح، إلا أنه لا يمكن إغفاله، فقد يجعلنا نتكلم عن أحكامٍ ومقاصد ليست مقصودة من خطاب الشارع، فالبحث عن مقاصد الشارع في أحكامه لا يستقيم إلا بعد معرفة مقصود الشارع من خطابه، فهو الذي سيُبني عليه، ومن هنا تتجلى أهميته، وبهذا تدرك سبب جعل بعض العلماء الظاهرية في منزلة العوام، وقالوا: إن الإجماع لا يتوقف عليهم، لكونهم أهملوا النظر في مقاصد الخطاب، واكتفوا بظواهر الألفاظ دون مراعاة المعاني والقصود.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٣٨٥).","vol":"4","page":173},{"text":"وأما مقاصد الأحكام فهي (^١): الغايات والفوائد والمصالح التي تتحقق من العمل بمقتضى هذه الأحكام، فبعد إدراك ما أراده الشارع من خطابه «مقصود الخطاب» يجيء معرفة الغايات التي يرمي إلى تحقيقها، والفوائد التي تترتب على العمل به، والمصالح التي قصدها الشارع بوضع التشريع.\nفحينما نأخذ نصًّا من نصوص الشرع، فأول خطوة في البحث عن المقاصد، هي البحث عن مقصود الكلمة: ماذا أريد بها؟ هل هو هذا المعنى الحرفي الظاهر؟ هل هو المعنى الثاني؟ هل هو المعنى المجازي؟ هل هو المعنى البعيد؟ أم المتبادر القريب؟ (^٢)، فهذه الخطوة الأولى، ثم إذا أدركنا قصد الشارع ومراده من خطابه واستخرجنا الحكم الشرعي المقصود من هذا الخطاب، تأتي الخطوة الثانية وهي البحث عن مقصود الشارع ومراده من هذا الحكم الذي استخرجناه.\nأمثلة:\nفي مثال الربا المتقدم، قلنا: إن مقصود الشارع في خطابه النهي عن الربا بكل صوره ومعانيه، أما مقاصد الأحكام هو أن نتساءل: لماذا حرم\n_________\n(^١) سبق ذكر تعريفها عند الحديث عن المبادئ العشرة.\n(^٢) محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني (١٠).","vol":"4","page":174},{"text":"الله الربا (^١)؟ ما الحكمة والغاية من تحريم الربا؟ ما الثمرة والفائدة في تحريم الربا؟ ما المصلحة المجلوبة وما المفسدة المدفوعة من تحريم الربا؟ ما السر والمغزى من تحريم الربا؟ ما هي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية من تحريم الربا؟ وكذلك نفس الأسئلة في تحريم الميتة، ونكاح الأمهات.\nفالإجابة عن ذلك: مقاصد الأحكام.\nوفي المثال الثاني في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، تبين لنا بالنظر للقرائن التفسيرية وبشيء من التأمل والتدبر؛ أن الخطاب موجه للمسلمين، وبخاصة ولاة الأمور، وأن الأموال لها صفة مخصوصة، والقدر الذي سيؤخذ منهم مخصوص على سبيل الوجوب، فهذا مقصود الخطاب كما سبق.\nفإن قيل: لِمَ يؤخذ هذا المال من الأغنياء؟ ولماذا تدفع إلى أصناف بأعينهم؟ ولماذا هذا القدر دون غيره؟ وما الغاية من ذلك؟ وما الأبعاد الاجتماعية والنفع الذي يعود على الأمة بذلك؟.\nفالجواب على هذه الأسئلة وجنسها يتضمن بيان مقاصد الأحكام، فتكون بمعنى الفوائد والغايات المتوخاة من وراء العمل بالأحكام،\n_________\n(^١) السؤال هنا ليس استنكارًا أو اعتراضًا -حاشا لله-، بل لإدراك حكمة الله من تشريعه.","vol":"4","page":175},{"text":"وهو ما يقصده العلماء عند الحديث عن مقاصد الشريعة (^١).\nمثال آخر: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].\nفلو تساءلنا وقلنا: ما الحكمة والسر والمقصد من تحريمها؟ أمن أجل قذارتها؟ أم نجاستها؟ أم لنتنهاوعفونتها؟ أم لضررها الصحي؟ أم لشيء آخر؟\nفالجواب عن هذه الأسئلة هو ما نعنيه بمقاصد الشريعة.\nقال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، عرفنا أن هذا هو الخلع، وأنه يكون في حالات وله شروط، فيأتي بعد ذلك البحث المقاصدي: هل له حكمة؟ هل له فائدة للمرأة أم للرجل أم للاثنين معًا؟ ما المفسدة التي يدفعها والمصلحة التي يجلبها؟ فهذا هو البحث المقاصدي عن أحكام الشريعة.\nوفي نهي الشريعة عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها، والجمع بين الأختين؛ يظهر لنا جليًّا مقصود الشارع العظيم من درأ المفاسد، والوحشة، وقطع الأرحام.\n_________\n(^١) المدخل للريسوني بتصرف.","vol":"4","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-624>المسألة الثالثة:\nأقسام المقاصد باعتبار النظر للأحكام </span>(^١)\nتنقسم المقاصد باعتبار النظر للأحكام إلى: عامة، وخاصة، وجزئية.\n١ - المقاصد العامة (في كل أبواب الشريعة أو معظمها):\nهي المعاني والحكم الملحوظة في جميع أحوال التشريع، أو معظمها، كحفظ الضروريات الخمس، ورفع الحرج، ودفع الضرر، وإقامة العدل، وإخراج العبد من داعية هواه إلى عبادة الله.\nوحتى نستطيع القول بأن هذا المقصد من مقاصد الشريعة العامة، فلا بد من توافر بعض الشروط فيها، وهي: أن تكون ثابتة ظاهرة منضبطة مطردة (^٢).\n_________\n(^١) بالنظر إلى أحكام الشريعة كلها نكون أمام المقاصد الإجمالية (العامة)، وبالنظر إلى بضعة جوانب منها نكون أمام المقاصد الخاصة، وبالنظر إلى كل حكم على حدته نكون أمام المقاصد الجزئية.\n(^٢) هذه الشروط ذكرها الطاهر بن عاشور ﵀ في كتابه مقاصد الشريعة (٢٠٩).","vol":"4","page":177},{"text":"والمراد بالثبوت: أن تكون تلك المعاني مجزومًا بتحقيقها، أو مظنونًا ظنًّا قريبًا من الجزم.\nوالمراد بالظهور: الاتضاح، بحيث لا يختلف الفقهاء في تشخيص المعنى، ولا يلتبس على معظمهم.\nوالمراد بالانضباط: أن يكون للمعنى حد معتبر لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه.\nوالمراد بالاطراد: أن لا يكون المعنى مختلفًا باختلاف أحوال الأقطار والقبائل والأعصار.\n٢ - المقاصد الخاصة (في باب من أبواب الشريعة):\nهي التي تكون في باب من أبواب التشريع، أو في جملة من أبواب متجانسة ومتقاربة، كالتي تكون في العقوبات، أو المعاملات المالية، أو نظام الأسرة، أو القضاء، أو غيرها.\nومعرفتها غالبًا تكون أيسر من معرفة المقاصد العامة لحصرها، ولاختصاصها بموضوع واحد.\n٣ - المقاصد الجزئية (في كل حكم جزئي):\nهي التي راعاها الشرع عند كل حكم على حدته، كالإشهاد في المعاملات حفظًا للحقوق، والنهي عن الجمع بين الأختين، أو بين","vol":"4","page":178},{"text":"البنت وعمتها أوخالتها حفاظًا على صلة الرحم، ودرءًا للقطيعة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-625> فائدة:</span>\nالعبودية هي مقصد المقاصد، وغاية الغايات، وكل المقاصد الكلية والجزئية تدور في فلكها.\nقال الشاطبي ﵀: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا (^١).\nالعلاقة بين الأنواع الثلاثة (^٢):\nهي علاقة تكاملية، فلا يمكن إدراك المقاصد الكلية إلا من خلال معرفة المقاصد الخاصة، ولا تدرك المقاصد الخاصة إلا من خلال المقاصد الجزئية، فالعامة تتكون من الخاصة، والخاصة تتكون من الجزئية.\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٨٩).\n(^٢) بداية القاصد د. مسعود صبري.","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-626>المسألة الرابعة:\nأقسام المقاصد باعتبار الحاجة إليها</span>\nتنقسم المقاصد باعتبار الحاجة إليها إلى ثلاثة أقسام (^١): مقاصد ضرورية، ومقاصد حاجية، ومقاصد تحسينية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-627> الضروريات:</span>\nهي التي تتوقف عليها حياة الناس فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت اختل نظام الحياة في الدنيا، وحل العقاب في الآخرة (^٢).\nفبعد تتبع واستقراء طويلين، انتهى العلماء إلى ملاحظة أن مقاصد الشريعة ومصالحها الكبرى التي تدور حولها معظم أحكامها أو كلها، تجتمع في مصالح خمسٍ سموها: الضروريات الخمس. وسماها بعضهم: الأصول الخمس، والكليات الخمس. ولعل أول من ذكرها واضحة كاملة هو الإمام الغزالي (^٣)، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل، قال الغزالي ﵀: ومقصود الشرع من\n_________\n(^١) وقد قسمها الطاهر بن عاشور إلى هذا التقسيم باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة، انظر كتابه (٢٦٧)، والبعض يقسمها باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها.\n(^٢) بداية القاصد إلى علم المقاصد للدكتور مسعود صبري (٥٢).\n(^٣) مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني (٨٥).","vol":"4","page":180},{"text":"الخلق خمسةٌ: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحةٌ، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدةٌ، ودفعها مصلحةٌ (^١).\nبل ذهب الشاطبي ﵀ أن هذا مما اتفقت عليه كل الشرائع، فقال: فقد اتفقت الأمة -بل سائر الملل- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل- وعلمها عند الأمة كالضروري (^٢).\nوقال الغزالي: وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملةٌ من الملل، وشريعةٌ من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق (^٣).\nقال في المراقي:\nفحفظها حتم على الإنسان … في كل شرعة من الأديان (^٤)\nوقال الجزائري (^٥):\nقد أجمع الأنبيا والرسل قاطبة … على الديانة بالتوحيد في الملل\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي (١/ ١٧٤).\n(^٢) الموافقات للشاطبي (١/ ٣١).\n(^٣) المستصفى للغزالي (١/ ١٧٤).\n(^٤) مراقي السعود (٢/ ١٧٩).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"4","page":181},{"text":"وحفظ نفس ومال معهما نسب … وحفظ عقل وعرض (^١) غير مبتذل\nالأدلة عليها:\nمستند العلماء في ذلك هو تتبع واستقراء أحكام الشريعة، غير أن هناك نصوصًا نبهت عليها ودلت عليها بالإشارة، قال ابن عاشور ﵀: وقد علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع، لا بدليل واحد، وأصل واحد معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر (^٢).\nومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢].\nفقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ الدين وأنه في المقدمة.\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ المال.\nوقوله جل شأنه: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ العرض.\n_________\n(^١) البعض يقول حفظ النسب، وبعضهم يقول النسل، وبعضهم يقول البضع.\n(^٢) مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور (٢٦٩).","vol":"4","page":182},{"text":"وقوله جل وعز: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ النفس.\nوبقي من الضروريات الخمس العقل، فهو يدخل ضمنًا في حفظ النفس؛ لأنه جزء منها وليس كيانًا مستقلًّا، ولأنه شرط في حفظ الأربعة، وقد بايع المسلمون رجالًا ونساءً رسول الله ﷺ على هذه الكليات.\nفعن عبادة بن الصامت، وكان من الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ﷺ، ومن أصحابه ليلة العقبة، أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف؛ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا؛ فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله؛ فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه»، قال: فبايعته على ذلك (^١).\nوقد جاء أيضًا التنصيص عليها متفرقًا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩)، واللفظ للبخاري، من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.","vol":"4","page":183},{"text":"يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٦]، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣].\nوعن ابن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^١).\nوعنه ﵁ قال: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك». قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» (^٢).\nومما يؤكد ذلك أن الله تعالى شرع ما يوصل إليها «الكليات الخمس» ونهى عما يضادها (^٣)، فأمر الله بالعبادات على نحو ما بينه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦)، واللفظ له، من حديث ابن مسعود مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.\n(^٣) هذا ما يسميه العلماء بالحفظ من جانب الوجود، والحفظ من جانب العدم.","vol":"4","page":184},{"text":"رسوله ﷺ، وجعل العبادات توقيفية، ونهى عن الابتداع في الدين، وجعله ردًّا على صاحبه، وذلك لحفظ الدين (^١).\nوأوجب تناول ما تقوم به الحياة من طعام وشراب وغيره، وحرم المسكرات والمخدرات، وتبني الأفكار الهدامة لحفظ النفس والعقل.\nوشرع الزواج، وحث عليه، ورتب عليه الأجر، وحرم الزنا، وتوعد فاعله، وحرم تأجير الأرحام لحفظ النسل.\nوأباح البيع، وحرم الربا، والغرر، وأوجب الزكاة، وندب إلى الصدقة عمومًا، وجعلها تزكية للنفس والمال، وحرم السرقة، وقطع الطريق لحفظ المال.\nبل ورتبت الشريعة أشد العقوبات على انتهاكها، وهي الحدود: حد الردة، وحد الزنى، وحد السكر، والقصاص.\nفائدة: ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاث متتابعة: الشرك، والزنا، وقتل النفس، ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة، الجريمة الأولى قتل للفطرة، والثانية جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة، إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة، والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة،\n_________\n(^١) حفظ الدين هو أهم المقاصد ولبها، ومنه يتفرع غيره، ولا يستقيم إلا به.","vol":"4","page":185},{"text":"منتهية حتمًا إلى الدمار، والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات مجتمع مهدد بالدمار، ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات؛ لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار (^١).\nالمقصود بحفظ الضروريات:\nالمقصود هو إيجادها، وصيانتها في حدها الأدنى الذي لا تقوم ولا تدوم إلا به، أما التوسع بما يزيد على الحد الضروري فيدخل في الحاجيات والتحسينات (^٢).\nكيفية حفظها:\nحفظ هذه الضروريات يكون بأمرين:\nأحدهما: ما يقيم أصل وجودها.\nوالثاني: ما يدفع عنها الاختلال الذي يعرض لها.\nوهو ما سماه العلماء في الأول بالحفظ من جهة الوجود، وفي الثاني بالحفظ من جهة العدم.\nقال الشاطبي: والحفظ لها يكون بأمرين: ما يقيم أركانها ويثبت\n_________\n(^١) في ظلال القرآن لسيد قطب (٣/ ١٢٣١).\n(^٢) مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور للريسوني (٩٢).","vol":"4","page":186},{"text":"قواعدها، وذلك عبارةٌ عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارةٌ عن مراعاتها من جانب العدم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-628> أولًا: حفظ الدين </span>(^٢):\nوهي الضرورة العظمى التي لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهي التي لأجلها ابتلى الله أحب الخلق إليه وهم أنبياؤه ورسله، وشرع سبحانه شرائع خاصة لحماية هذا الدين وحفظه (^٣).\nولا شك أن حفظه مقدم على غيره، فهو لب المقاصد وروحها، ولا قيام لها إلا به، وبضياعه تضيع المقاصد الأخرى، فإذا فسد الدين اغتيلت النفوس، وانتهكت الأعراض، وسرقت الأموال، فتضيع وتفسد المقاصد بفساده وتنصلح بصلاحه، فهو كالمضغة بالنسبة للجسد، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فاللهم احفظ\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ١٨).\n(^٢) لا يخفى عليك أن الدين المقصود هو الإسلام المنزل على قلب محمد ﷺ، وما عداه فباطل.\n(^٣) الرسالة الندية في القواعد الفقهية للمؤلف (٢٥).","vol":"4","page":187},{"text":"علينا ديننا (^١).\nقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، فهذه الآية تشير إلى أن اتباع الأهواء يلزم منه الفساد، وذلك لأن أهواء الناس تختلف وتتضاد ومصالحهم تتعارض، فإذا لم يكن هناك دين يضبط المصالح وينظم الحياة فإن كل شخص سيفعل ما يراه مصلحة له بحسب ما يمليه عليه هواه، فيحصل الاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض والأنساب (^٢)، وقد شبه الله سبحانه من فقدوا الدين، ولم يستنيروا بنوره كالأموات، فقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فشبه الإنسان قبل إيمانه بالميت، وشبه الكفر بالظلمات لكون صاحبه يتخبط بغير هدى، فالناس بغير الدين ليسوا على شيء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى\n_________\n(^١) وها أنت ترى بعينك من فسد دينه قد يسرق ويزني ويقتل، ثم يتحايل الناس على القوانين الوضعية، إذ لا هَمَّ لهم إلا النجاة من العقوبة الدنيوية.\n(^٢) مقاصد الشريعة الإسلامية للدكتور محمد سعد اليوبي (٢٠٣).","vol":"4","page":188},{"text":"الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨] (^١).\nوهذا هو الذي فهمه الغلام في قصة أصحاب الأخدود حين أرسله الملك مع جنده ليقتلوه، فنجا فصار بين واجبين وضرورتين: حفظ النفس، وحفظ الدين. فإما أن ينجو بنفسه ويحافظ عليها من الهلاك، وإما أن يقدم واجب الدعوة إلى الله ويذهب مرة أخرى ليدعو الملك وأتباعه، فقدم الواجب الأعلى وهو الدعوة إلى الله وحفظ الدين، ومن أجله شرع الله الهجرة من بلاد الكفار لبلاد المسلمين.\nومثله في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].\nقال الطاهر بن عاشور ﵀: وأما تصرفه في قتل الغلام فتصرف بوحي من الله جارٍ على قطع فساد خاص علمه الله، وأعلم به الخضر بالوحي، وأراد الله اللطف بأبويه بحفظ إيمانهما وسلامة العالم من هذا الطاغي، لطفًا أراده الله خارقًا للعادة جاريًا على مقتضى سبق علمه، ففي هذا مصلحة للدين بحفظ أتباعه من الكفر، وهو مصلحة خاصة فيها حفظ الدين (^٢).\n_________\n(^١) مقاصد الشريعة الإسلامية للدكتور محمد سعد اليوبي (١٨٧).\n(^٢) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (١٦/ ١٣).","vol":"4","page":189},{"text":"فحفظ الدين مقدمٌ ولا ريب، فلا يبذل ما هو أعلى لتحصيل ما هو أدنى.\nالله تعالى تكفل بحفظ الدين وشرع الوسائل لحفظه:\nومما ينبغي الإشارة إليه أن الله تكفل بحفظ الدين قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nقال ابن كثير ﵀: هذه أكبر نعم الله ﷿ على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]: أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم (^١).\nومع ذلك شرع الله الوسائل لحفظ دينه (^٢)، وحثت عليها الشريعة\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦).\n(^٢) وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.","vol":"4","page":190},{"text":"ورغبت فيها، ووعد الله من صبر وتمسك بدينه، مع شدة الفتن والابتلاء بأن آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فجمعوا بين خيري الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] (^١)، فجعل الله أمامهم القدوة، وعلمهم كيف يثبتون في الابتلاء والمحن بالدعاء والاستغفار، وختم الآيات بالجزاء، وهو ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وأعظمه رضا الله ومحبته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-629> كيفية حفظ الدين:</span>\nحفظ الدين يكون من جانب الوجود ومن جانب العدم، ويكون حفظه على مستوى الأفراد، ولعموم الأمة، فحفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة، أي دفع كل ما شأنه أن ينقض أصول الدين القطعية، ويدخل في ذلك حماية البيضة، والذب عن الحوزة الإسلامية بإبقاء وسائل تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها (^٢).\n_________\n(^١) الرسالة الندية للمؤلف (٢٦).\n(^٢) مقاصد الشريعة للطاهر ابن عاشور (٢٧١).","vol":"4","page":191},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-630> حفظ الدين من جانب الوجود:</span>\nوذلك يكون بالمحافظة على ما يقيم أركانه ويثبت قواعده، والمحافظة على ما به قيامه وثباته ومن ذلك: العمل به، والحكم به، والدعوة إليه، والجهاد من أجله (^١).\nإن أي مبدأ من المبادئ مهما سمت معانيه وقويت حججه وبراهينه، وحسنت صياغة نصوصه لا يكون له أثره الفعال ما دام غير مطبق عملًا في واقع الحياة، وإن النصوص التي تضمنته لتنسى ولو حفظت، وإن معانيه لتضيع مهما فهمت (^٢)، فأعظم ما ينفع الناس مسلمين وكافرين، العمل بالإسلام وإقامته كمنهج حياة، فيحفظ الدين من جانب الوجود فلا يكون عملًا إلا به، ولا حكمًا إلا له، ولا تكون دعوة إلا به وإليه، ولا جهادًا إلا من أجله.\n_________\n(^١) ويصلح الجهاد أن يوضع تحت الحفظ من جانب العدم بالنظر إلى جهاد الدفع.\n(^٢) الإسلام وضرورات الحياة لعبد الله بن أحمد قادري (١/ ٢٧).","vol":"4","page":192},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-631> حفظ الدين من جانب العدم:</span>\nوذلك بدرء الفساد الواقع أو المتوقع عليه، ويكون أيضًا برد كل ما يخالفه من أقوال، وأفعال، واعتقاد، وما يطرأ عليه من أمور تفسده وتذهب به، فترك الأقوال الفاسدة والمذاهب المنحرفة والمعتقدات الباطلة التي تتسرب إلى عقول المسلمين؛ لأن فيها ضياعًا للدين، وهذه مهمة الأمة جميعًا، جماعات وفرادى، علماء وعوام، حكامًا ومحكومين، وقد قيد الله في كل عصر ومصر من يذب عن شرعه ودينه.\nقال أبو العباس ﵀: فالمرصدون للعلم عليهم للأمة حفظ علم الدين وتبليغه؛ فإذا لم يبلغوهم علم الدين أو ضيعوا حفظه؛ كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها فلعنهم اللاعنون حتى البهائم، كما أن معلم الخير يصلي عليه الله، وملائكته، ويستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في جوف البحر، والطير في جو السماء (^١).\nوجعل الله من وسائل حفظ هذا الدين أن اختار من خلقه حرَّاسًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٨/ ١٨٧).","vol":"4","page":193},{"text":"لهذا الدين، وعلماء أفذاذًا قاموا بحفظ حماه وحرسوا مداخله، فلم يدخله التحريف والتغيير، فكانوا للمفسدين والمحرفين بالمرصاد.\nومما ذكره العلماء ﵏ من أولى أوليات الحاكم المقدمة هي حفظ الدين.\nوهذا ما فهمه الصديق والصحابة ﵃ بعد موت رسول الله ﷺ، فقام مقام النبي ﷺ الصدِّيقُ ﵁ وأرضاه- في إقامة الحق، وحفظ الدين، وصيانة أهله، فقاتل من ارتد من العرب موفقًا رشيدًا، وانتظم به ما كان منتشرًا بعد قبض نبيه ﷺ.\nقال الماوردي: والذي يلزمه -أي الحاكم- من الأمور العامة عشرة أشياء:\nأحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدعٌ أو زاغ ذو شبهةٍ عنه أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خللٍ، والأمة ممنوعةً من زللٍ (^١).\nومن أجل حفظ الدين هذه الغاية الكبرى قال ﷺ «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصرأحدكم امرأة فليأت\n_________\n(^١) الأحكام السلطانية للماوردي (١/ ٤٠).","vol":"4","page":194},{"text":"أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه» (^١).\nوقال «إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور» (^٢).\nكل ذلك من أجل حفظ الدين، لئلا يغلب على الإنسان داعي الشيطان والهوى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-632> ثانيًا: حفظ النفس:</span>\nوالمقصود بحفظ النفس حفظ الأرواح من التلف أفرادًا وعمومًا (^٣)، والمقصود بالأنفس التي عنيت الشريعة بحفظها هي الأنفس المحترمة في نظر الشريعة، وهي المعصومة بالإسلام أو الجزية أو الأمان، فقتل النفس المعصومة مستقبح في الشريعة الربانية، وقد شرع الإسلام عدة وسائل للمحافظة على النفس منها:\n١ - حرم الله قتل النفس المعصومة، وتوعد القاتل بأشد الوعيد الذي لا تكاد تجد مثله في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٠٣) من حديث جابر مرفوعًا.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه الترمذي (١١٦٠)، والنسائي في (الكبرى) (٨٩٧١)، وغيرهما من حديث طلق بن علي مرفوعًا، وفيه قيس بن طلق صدوق.\n(^٣) مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور (٢٧١).","vol":"4","page":195},{"text":"وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. وفي الحديث: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة» (^١).\nبل واعتبرت الشريعة قتل نفسٍ واحدةٍ بمثابة قتل الناس جميعًا، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].\nوقال أبو هريرة: دخلت على عثمان يوم الدار، فقلت: جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال فإنك إن قتلت رجلًا واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا، فانصرف مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزور. قال: فانصرفت ولم أقاتل (^٢).\nوحتى لو كانت هذه النفس نفسك فليس لك أن تفرط فيها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].\nعن عمرو بن العاص ﵁، أنه قال لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.\n(^٢) رجاله ثقات، أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٣٧).","vol":"4","page":196},{"text":"أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمت على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب!»، قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (^١).\n٢ - أوجبت الشريعة القصاص في القتل العمد، والدية والكفارة في القتل خطأً، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]\n٣ - أمر الله تعالى بتوفير المأكل والمشرب والمسكن لحفظ النفس\n_________\n(^١) صحيح لطرقه: أخرجه أبوداود (٣٣٤)، والدارقطني في سننه (٦٨١) وغيرهما من حديث عمرو بن العاص، وله طرق ومتابعات فيها بعض الاختلاف الذي لايضر.","vol":"4","page":197},{"text":"وصيانتها من الهلاك والتلف، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، وأحل له ما حرمه عليه إذا كان ذلك سيحفظ عليه حياته كأكل الميتة وشرب الخمر، قال جل شأنه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣].\n٤ - أجازت الشريعة للمضطر أن يقول كلمة الكفر إذا كان ذلك سيدفع عنه ويحفظ عليه نفسه، شريطة أن يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].\n٥ - تشريع الرخص ورفع الحرج والمشقة التي تلحق بالنفس وتسبب لها ضررًا، كرخصة الفطر في رمضان بسبب المرض والسفر والكبر الذي لا تقوى معه النفس على الصيام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n٦ - الزواج من أجل التناسل والتكاثر وإيجاد النفوس، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].\n٧ - إعلان الجهاد حفظًا للنفوس وحماية للمستضعفين، قال تعالى:","vol":"4","page":198},{"text":"﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٧٥].\n٨ - أوجب الشرع على المسلم إنقاذ من يتعرض للقتل ظلمًا، أو يتعرض لخطر إن استطاع أن ينقذه، قال رب العزة سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وقال رسول الله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (^١).\n٩ - أذن لمن يُعتَدى عليه أن يدفع عن نفسه وإن مات على ذلك فهو شهيد، قال ﷺ «ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد» (^٢).\nوغير ذلك من الأمور التي شرعها الله حفاظًا على النفس، كالنهي عن التقاء المسلمين بسيفيهما، والنهي عن الإشارة لأخيه بالحديدة، وغيرها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٤) من حديث أنس مرفوعًا.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي في الكبري (٣٥٤٣) وغيرهم من حديث سعيد بن زيد، وفيه راو لا بأس به.","vol":"4","page":199},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-633> ثالثًا: حفظ العقل:</span>\nالعقل هو مناط التكليف، وبه كرم الله الإنسان وفضله على سائر المخلوقات، وتهيأ للقيام بالخلافة في الأرض وحمل الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].\nوالعقل الإسلامي الذي بناه الوحي هو عقلٌ غائي تعليلي تحليلي برهاني استقرائي استنتاجي قائسٌ مقاصدي، يدرك أن الله لم يخلقنا عبثًا، وأنه ما من شيء في الوجود من المخلوقات، فضلًا عن أحكام الشريعة وتنظيم الحياة؛ إلا وله علةٌ وسبب، ولقد كان الإنسان أو العقل الإنساني في الأمم السابقة محلًّا للصراع والتمزق بين الوحي والعقل، وبين المعجزة (^١) والسبب (^٢)، حتى جاءت الرسالة المحمدية فبينت دور العقل، وموضعه الصحيح ومكانته التي لا ينبغي أن يزاد عليها أو ينقص.\nولعل من الأمور الملفتة عند الحديث عن الشريعة والعقل، هي أن المعجزة الإسلامية «القرآن الكريم» تميزت عن سائر المعجزات\n_________\n(^١) المعجزة هي: السنة الخارقة للعادة التي تظهر على يد نبي. والأسباب هي: السنن الجارية في الكون بإذن الله.\n(^٢) مقدمة الاجتهاد المقاصدي لنور الدين الخادمي (١/ ٩ - ١٢).","vol":"4","page":200},{"text":"السماوية السابقة بأنها معجزة عقلية، تخاطب العقل وتشحذ همته، وتقوده للاجتهاد والتفكير والإيمان؛ فمن أهم ما يميز الشريعة المحمدية أنها أعطت العقل مساحة للتفكر والتدبر، وجاءت بما يحفظ عقول الناس وأفهامهم، ومن أمثلة ذلك:\n١ - أمرت الشريعة بإعماله في آيات الله المسطورة والمنظورة، ورتبت الأجر على ذلك، بغض النظر عن الإصابة، فالمهم أن نبدأ بإعمال العقل وفق الضوابط والأصول الشرعية، ذلك أن الله لم يثب على الخطأ في شيء، وإنما غاية فضله التجاوز عنه: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^١)، إلا في حالة إعمال الفكر والاجتهاد فلم يتجاوز عن الخطأ فحسب، وإنما أثاب عليه، فلله الحمد على آلائه.\n٢ - تحريم كل ما من شأنه أن يضر العقل أو يعطله، كالمسكرات والخمر وغيرها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٢١٩)، والطبراني في الصغير (٧٦٥)، وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا.","vol":"4","page":201},{"text":"٣ - أمر الله بالتدبر والتفكر واتباع البرهان، ونبذ التقليد غير القائم على الحجة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].\n٤ - كما دعت الشريعة إلى تنمية العقل ماديًّا ومعنويًّا:\nماديًّا بالغذاء الجيد الذي يقوي الجسم، وينشط الذهن، ومن هنا كره للقاضي أن يقضي وهو جائع أو غضبان أو مشوش العقل ومشغول البال، وقدم الطعام على الصلاة إذا حضرا معًا.\nأما معنويًّا فبالتأكيد على طلب العلم من طرقه وسبله المرضية، والحث عليه والترغيب فيه، وبجعل حد أدنى منه واجبًا على كل مسلم ومسلمة، فلم يأمر الله في كتابه بالاستزادة من شيء من الدنيا إلا من العلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].\n٥ - رفع مكانة العقل، وتكريم أولي العقول، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ولم تساو الشريعة بين من أعمل عقله وحاز العلم، وبين من فقده، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو","vol":"4","page":202},{"text":"الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، وفي الحديث: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^١): أي ذوو الألباب والعقول.\n٦ - منع العقل من الخوض في الغيبيات دون علم يأتيه من الوحي، إذ كيف يدرك العقل ما يفوق مداركه، وهذا من لطف الله بالعباد، إذ لو فتح هذا الباب لضلت فيه العقول والأفهام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وبين سبحانه أنه سبيل الشيطان، فقال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩].\n٧ - كما فتح له باب الاجتهاد في الأحكام، والنظر فيما لا نص فيه، وفي المستجدات والحوادث، ودعا للقياس وإلحاق النظائر ببعضها والمسألة بشبيهاتها، وكل ذلك وغيره يدل على قيمة ومكانة العقل في الإسلام.\n٨ - جعل دية العقل دية كاملة، وكأن من جنى على عقل الإنسان فكأنما جنى على بدنه كله وقتله، ونقل ابن المنذر الإجماع على\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٣٢) من حديث أبي مسعود مرفوعًا.","vol":"4","page":203},{"text":"ذلك (^١)، وغير ذلك من التشريعات المبينة لمكانة العقل وأهميته.\n\n•<span data-type='title' id=toc-634> رابعًا: حفظ النسل:</span>\nحفظ النسل يأتي بمعنيين:\nالأول: حفظ النوع الإنساني على الأرض بواسطة التناسل (^٢)، فبهذا المعنى يعد من كليات الشريعة وضرورياتها؛ لأنه يعادل حفظ النفوس، كما قال الطاهر بن عاشور ﵀.\nالثاني: حفظ انتساب النسل إلى أصله، فقد يقال: إن عده من الضروريات غير واضح، إذ ليس بالأمة من ضرورة إلى معرفة أن زيدًا هو ابن عمرو، وإنما ضرورتها في وجود أفراد النوع وانتظام أمرهم (^٣).\nوقد يجاب: بأنه بمعرفة انتساب النسل إلى أصله تحفظ الأعراض، وتصان عن الاتهام.\n_________\n(^١) الإجماع لابن المنذر (١/ ١٣٢).\n(^٢) مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور (٢٧٣).\n(^٣) مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور (٢٧٤).","vol":"4","page":204},{"text":"ومن أجل تحقيق مقصد حفظ النسل والعرض شرع الإسلام المبادئ والتشريعات التالية:\n١ - الزواج: فقد شرع الإسلام الزواج ورغب فيه، ودعا إليه، ورتب عليه الأجر والثواب، فقال ﷺ: «وفي بضع أحدكم صدقة» (^١).\n٢ - تحريم الاعتداء على الأعراض، ولذا حرم الله الزنا، وجعل حده من أشد الحدود، وجرم القذف، وحد له عقوبة رادعة، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائةٍ ونفي سنةٍ، والثيب بالثيب جلد مائةٍ، والرجم» (^٢).\n٣ - جعل الموت دفاعًا عن العِرض والأهل شهادة، فقال ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت.\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي في الكبري (٣٥٤٣)، وغيرهم من حديث سعيد بن زيد، وفيه راو لا بأس به.","vol":"4","page":205},{"text":"٤ - حرم الوسائل والمقدمات التي تقع من شأنها ضياع هذا المقصد العظيم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، خصوصًا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه.\nووصف الله الزنا وقبحه بأنه ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢]: أي إنما يستفحش في الشرع والعقل والفطر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المفاسد (^١).\nومن أجل هذا المقصد العظيم حفظ العرض؛ حرم الله النظر، وأمر بغض البصر للرجال والنساء سواء، وحرم اللمس والمصافحة، وحرم الغناء الذي هو بريد الزنا، وأمر بتيسير الزواج وعدم تعسيره، وأمر النساء أن يقرن في بيوتهن، وأمر بالحجاب وعدم إبداء الزينة لغير المحارم، وترك التعطر والضرب بالأرجل، وحرم الخلوة بالأجنبية، ونهى عن سفر المرأة بغير محرم، وجعل للبيوت حرمة عظيمة فلا\n_________\n(^١) تفسير السعدي (١/ ٤٥٧).","vol":"4","page":206},{"text":"يجوز دخولها ولا النظر فيها بغير إذن، وغير ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-635> خامسًا: حفظ المال:</span>\nكما هو شأن الإسلام دائمًا مع النزعات الفطرية للإنسان يبيح إشباعها، ويلبي مطالبها مع التهذيب والترشيد؛ لتتحقق مصالح العباد، كان هذا شأنه مع تملك المال وحبه، فأباح الملكية الفردية وشرع في ذات الوقت من النظم والتدابير ما يتدارك الآثار الضارة التي قد تنجم عن طغيان هذه النزعة، من فقدان للتوازن الاجتماعي، فالمال به قوام الحياة، ويستحيل أن يهمل الشرع الحكيم جانبًا مهمًّا من جوانب الحياة، والذي لا تستقيم الحياة بدونه، فالمال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها وبه صلاحها؛ ولذلك جمع الله بينهما في وصية واحدة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].\nومن ثم اعتبر الإسلام المال ضرورة من ضروريات الحياة الإنسانية، وشرع من التشريعات والتوجيهات ما يشجع على اكتسابه وتحصيله، ويكفل صيانته وحفظه وتنميته، ومن ذلك:\n١ - الحث على السعي لكسب الرزق وتحصيل المعاش، فقد حث","vol":"4","page":207},{"text":"الإسلام على كسب الأموال باعتبارها قوام الحياة الإنسانية، واعتبر السعي لكسب المال -إذا توفرت النية الصالحة وكان من الطرق المباحة- ضربًا من ضروب العبادة، وطريقًا للتقرب إلى الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].\n٢ - رفع منزلة العمل وأعلى من قدر العمال، قال رسول الله ﷺ: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (^١).\n٣ - أوجب الوفاء بحقوق العمال المادية والمعنوية، يقول ﷺ: فيما يرويه عن ربه «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعط أجره» (^٢).\n٤ - أباح وأقر الإسلام أنواعًا من العقود، كالبيع والإجارة والرهن والشركة وغيرها، وحرم اكتساب المال بالوسائل غير المشروعة والتي تضر بالآخرين، ومنها الربا؛ لما له من آثار تخل بالتوازن الاجتماعي،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٧٢) من حديث المقدام مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"4","page":208},{"text":"قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ومنع الشرع إنفاق المال في الوجوه غير المشروعة، ونهى عن تبذيره وإسرافه، وحث على إنفاقه في سبل الخير، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].\nوكل ذلك مبني على قاعدة من أهم قواعد النظام الاقتصادي الإسلامي وهي: أن المال مال الله، وأن العبد مستخلف فيه. قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، وقال: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]،\nومن هنا توعد الله الممسكين المكنزين للذهب والفضة المانعين فضل ما لم تعمل يداهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].\n٦ - كما حرم الاعتداء على مال الغير بالسرقة أو السطو أو التحايل، وشرع العقوبة الرادعة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقال","vol":"4","page":209},{"text":"ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (^١)، وأوجب الضمان على من أتلف مال غيره.\n٧ - سن التشريعات الكفيلة بحفظ أموال القصر، والذين لا يحسنون التصرف في أموالهم، من يتامى وصغار حتى يبلغوا سن الرشد، ومن هنا شرع تنصيب الوصي عليه، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ [النساء: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ومن ذلك الحجر على البالغ إذا كان سيئ التصرف في ماله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].\n٩ - إقامة المعاملات المالية على الرضا والعدل، فالعقود لا تمضي على المتعاقدين إلا إذا كانت عن تراض وعدل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].\nوبهذه التشريعات، وغيرها الكثير حفظ الإسلام المال، وصانه عن الفساد والتلف، والحمد لله على شرعه وحكمه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث ابي هريرة مرفوعًا.","vol":"4","page":210},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-636> الحاجيات:</span>\nمرتبة الحاجيات يقع فيها أكثر الإشكالات، فعليها مدار تحديد الضروريات والتحسينيات، فما فوقها هو الضروريات، وما دونها هو التحسينيات؛ فإذا تحدد معنى الحاجة فما فوقها هو الضروري، وما دونها هو التحسيني؛ ولذا فهي معترك علمي فقهي سياسي.\nوالحاجيات: هي التي يحتاج الناس إليها احتياجًا لا يبلغ إلى حد الضرورة، ولكن فقدهم لها ينشأ عنه ضيق وحرج ونكد، ومن شأن الاستمرار في فقدها واختلالها إلحاق الضرر بالضروريات (^١).\nوعرفها الطاهر بن عاشور فقال: هو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لما فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة؛ فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري (^٢).\nالأدلة عليها:\nقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:\n_________\n(^١) مدخل إلى مقاصد الشريعة للريسوني.\n(^٢) مقاصد الشريعة (٢٧٦).","vol":"4","page":211},{"text":"١٨٥].\nويمثل لها الأصوليون بالبيوع والإجارات (^١)، والسلم (^٢)، والقراض (^٣)، والمساقاة (^٤).\nومثالها في حفظ الدين: ضبط تفاصيل العبادات التي لو غابت تحدث بلبلة وغموضًا، وتفتح باب التكاسل لدى المكلفين.\nووضع الرخص في أوقات الضيق والحرج، والتي تخفف عن المكلف، وترفع عنه المشقة، ولولاها لعمد الناس إلى ترك كثير من العبادات والتكاليف حال الحرج كالفطر للمريض وللمسافر، والتيمم عند تعذر الماء، والجلوس في الصلاة لمن لا يقوى على القيام.\nومثالها في حفظ النفس: مشروعية التوسع في الاستمتاع بالطيبات من الطعام والشراب والملبس، فهذا ليس ضروريًّا لبقائها، ولكن قد يسبب غيابه حرجًا ومشقة، قال العز بن عبد السلام: فالضرورات: كالمآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والمراكب\n_________\n(^١) الإجارة: هي عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة لمدة معلومة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم.\n(^٢) السلم: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقدم.\n(^٣) القراض: هو دفع شخص لغيره مالًا ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما.\n(^٤) المساقاة: هي معاملة على تعهد شجر بجزء من ثمرته.","vol":"4","page":212},{"text":"الجوالب للأقوات وغيرها مما تمس إليه الضرورات (^١).\nومثالها في حفظ النسل: إقامة العلاقات الزوجية والأسرية على أسس متينة ومحكمة، ونظام كامل، فاختلال هذه الأحكام لا يفضي مباشرة إلى تعطيل النسل، لكنه يؤدي لإلحاق الضرر بحفظ الكيان وهو الأسرة.\nومثالها في حفظ العقل: تزويده بالعلم، وصقله بالفكر والنظر والتدبر، وإخراجه من الجهل والغفلة المؤدية بعد حين إلى إلحاق ضرر بالضروريات.\nفالحاجيات مكملة للضروريات بدفع ما يمسها ويؤثر فيها، ولو من بعد.\nقال الشاطبي: فالأمور الحاجية إنما هي حائمةٌ حول هذا الحمى؛ إذ هي تتردد على الضروريات (^٢).\nقاعدة: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (^٣).\nهذه القاعدة قد قررها الجويني ﵀ وتابعه الناس على ذلك،\n_________\n(^١) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (٢/ ٧١).\n(^٢) الموافقات للشاطبي (٢/ ٣٢).\n(^٣) البرهان في أصول الفقه للإمام الجويني (٢/ ٨٢).","vol":"4","page":213},{"text":"وهذه القاعدة يتم الاستدلال بها كثيرًا في النوازل العامة.\nوقد يتجاوز البعض ويقول: الحاجة تنزل منزلة الضرورة الخاصة. وهي ليست بهذا الإطلاق، فالذي ينزل منزلة الضرورة الخاصة هي الحاجة العامة.\nثمرة القاعدة:\nالضرورة في حق الفرد تُجَوِّز كثيرًا من المحرمات، وتقتضي عددًا من التسهيلات والتخفيف، والضرورة تقدر بقدرها، وتستدعى وجود حكم لها، وكذلك الحاجة العامة؛ فإذا كانت هناك حاجة عامة للناس، فإنها كذلك تفتح العديد من الأبواب المغلقة، فالأمر إذا ضاق اتسع، فمثلًا: بيع السلم. لو طبقنا عليه القواعد العامة؛ لقلنا بعدم الجواز، فمن القواعد العامة في البيع أن يكون المبيع موجودًا، وهذا لا ينطبق على بيع السلم؛ لأنه بيعٌ لمعدوم (^١)، والنبي ﵊ قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (^٢)، لكن حاجة الناس دعت إليه فجوزه الشرع، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون\n_________\n(^١) مقطع صوتي للدكتور عبد الكريم زيدان ﵀.\n(^٢) صحيح لشاهده: أخرجه الترمذي (١٢٣٢)، وأبو داود (٣٥٠٣) وغيرهما من حديث حكيم بن حزام، ولكن فيه ضعف يسير، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه النسائي في الكبرى (٦٢٠٤) بسند حسن.","vol":"4","page":214},{"text":"بالتمر السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في شيءٍ، ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ» (^١)، وبعض الفقهاء يعللون جوازه بحاجة الناس إليه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-637> التحسينيات:</span>\nهي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها، حتى تعيش مطمئنة، مرغوبًا في الاندماج فيها والتقرب منها (^٢)، وهي المتممات للأشياء (^٣).\nويدخل في التحسينات: كل مصلحة ومنفعة لا تصل إلى حد الضرورة أو الحاجة، ولكن فيها نوع إفادة للناس (^٤).\nويمكن القول بأن التحسينات هي: الأخذ بمحاسن العادات، ومكارم الأخلاق، والتي تقع موقع التحسين، والتزيين، والتيسير، وتجنب الأحوال المدنسات.\nفالعبد ليس مضطرًا للتحسينات، ولا محتاجًا إليها حاجة كبيرة، ولا تختل حياته بفقدها، ولا يقع في مشقة وحرج بتركها، ولكنها أمور مكملة كما نسميه الآن من المكملات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢) مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور (٢٧٧).\n(^٣) الرسالة الندية للمؤلف (٣٥).\n(^٤) مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني (٩٩).","vol":"4","page":215},{"text":"ويمثل العلماء لها بنوافل العبادات، وآداب المعاملات، ومحاسن العادات والفطرة، وآداب الأكل والشرب من التسمية، والأكل باليمين ونحوهما، والنهى عن القزع، والنهي عن بيع الرجل على بيع أخيه، وخطبته على خطبة أخيه، والأمر بالطهارة وترك النجاسات، والختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، ومظاهر الجمال والتزيين عمومًا من غير إسراف، فكل هذا يدخل في المصالح التحسينية التي اعتبرها الشرع، فالمحافظة عليها يزيد الإنسان ويضفي على الحياة كمالًا وجمالًا وسموًّا، ولا شك أن هذا مما قصدت إليه الشريعة، ولعلك لو تأملت قوله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (^١) لفهمت المقصود.\nتنبيه مهم:\nيظهر مما سبق أنه ليس المراد بالتحسينات المستحبات فقط، بل قد تكون مستحبات وقد تكون واجبات، فمنها: تشريع الولي في النكاح، فإنه من تحسينات الزواج، إذ يقبح أن تتولى المرأة زواجها بنفسها،\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٧٣)، وأحمد (٢/ ٣٨١) وغيرهما من حديث أبي هريرة، وله شاهد يقويه.","vol":"4","page":216},{"text":"والولي من واجبات النكاح وشروطه؛ لقوله ﷺ: «لا نكاح إلا بوليٍّ» (^١)، ومنها قص الشارب، وهو من المستحبات ومن التحسينات، ومنها إزالة النجاسة وهي شرط للصلاة وهي من التحسينيات، ومن هنا تعلم أن الشرع الحنيف ما ترك مصلحة إلا ودلنا على الاهتمام بها وحفظها، سواء كانت من الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات، وما ترك مضرة أو مفسدة إلا وحذرنا منها ونهانا عنها.\nفالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-638> العلاقة بين الأنواع الثلاثة:</span>\nالتحسينيات مكملة للحاجيات، والحاجيات مكملة للضروريات، فكل درجة أقل تعتبر مكملة لما فوقها؛ فالمصالح التحسينية خادمة للمصالح الحاجية، والضرورية، والمصالح الحاجية خادمة للمصالح الضرورية.\nقال الشاطبي: إن كل حاجيٍّ وتحسينيٍّ إنما هو خادمٌ للأصل الضروري، ومؤنسٌ به، ومحسنٌ لصورته الخاصة، إما مقدمةً له، أو\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.","vol":"4","page":217},{"text":"مقارنًا، أو تابعًا، وعلى كلِّ تقديرٍ، فهو يدور بالخدمة حواليه، فهو أحرى أن يتأدى به الضروري على أحسن حالاته (^١).\nالضرورة والحاجة يتفقان في أن الناس في حاجةٍ إليهما، وأن كلًّا منها يحتاج إلى حكم يعالجه، ويفترقان في أن الحاجة تتسم باستمراريتها، والضرورة غالبًا تكون مؤقتة طارئة (^٢).\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٤٢).\n(^٢) مقطع صوتي للدكتور عبد الكريم زيدان ﵀.","vol":"4","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-639>المبحث الرابع:\nحاجة الناس إلى معرفة مقاصد الشريعة،\nوسوء استخدام بعض الناس لها:</span>\nلافتة: إذا كانت المقاصد أرواح الأعمال (^١) كما يقول الشاطبي ﵀، فإن العجب كل العجب أن يعيش الناس بلا مقاصد، أي بلا أرواح، فالفقه بلا مقاصد فقه بلا روح، والفقيه بلا مقاصد فقيه بلا روح، إن لم نقل: إنه ليس بفقيه، والمتدين بلا مقاصد متدين بلا روح، والدعاة إلى الإسلام بلا مقاصد هم أصحاب دعوة بلا روح (^٢).\nفعلم المقاصد تعم فائدته المسلمين أفرادًا وجماعات على اختلاف مراتبهم وتفاوتهم، فيستفيد منه عوام المسلمين، وطالب العلم، والمجتهد، والفقيه، والمتدين، والداعية إلى الله، فعلم المقاصد وبيانه فيه نفع عام للعباد جميعًا، ومن ذلك: حاجة المكلفين عمومًا إلى المقاصد.\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٣/ ٤٤).\n(^٢) مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني (١٧).","vol":"4","page":219},{"text":"لا ريب أن لله مرادًا وحِكَمًا وأسرارًا من أحكامه وتشريعه وخلقه، فهل يجدر بالعبد الذي خلق للعبودية أن يجهل مراد الله في أحكامه وخلقه؟ وكيف يرضي ربه، وهو لا يعرف مراده وغايته؟ فما من مكلف إلا وهو بحاجة لمعرفة مقاصد الشريعة، فبها تقوم الدنيا والدين، وإليك بيان بعض ذلك، وبعض ثمرات وفوائد المقاصد التي تعم كل المكلفين:\n١ - حصول الطمأنينة الكاملة بصلاحية وملاءمة أحكام الشرع لكل زمان ومكان (^١)، وهذا أمرٌ تشتد الحاجة إليه في هذا الزمان، مع كثرة المضلين والداعين لتنحية الشريعة، وحبسها في دور العبادة.\nقال الطاهر بن عاشور ﵀: أما في النحو الرابع (^٢) فاحتياجه فيه (^٣) ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا، وفي هذا النحو أثبت مالك ﵀ حجية المصالح المرسلة، وفيه أيضًا قال الأئمة بمراعاة كليات الشريعة الضرورية، وألحقوا بها الحاجية\n_________\n(^١) شرح مقاصد الشريعة للدكتور عياض بن نامي السلمي.\n(^٢) يقصد به حكم المستجدات والحوادث.\n(^٣) أي احتياج الفقيه لمعرفة مقاصد الشريعة ليستنبط حكم المستجدات.","vol":"4","page":220},{"text":"والتحسينية (^١).\nفباب الاجتهاد المقاصدي يبقى مطلوبًا ومهمًّا ومفتوحًا طالما كانت حركة المجتمعات في تطور ونمو وامتداد، وتغير وتبدل في المصالح وطبيعة المشكلات، فالاجتهاد المقاصدي دليل خلود هذا الدين (^٢).\n٢ - بيان محاسن الشريعة وكيف أنها راعت مصالح العباد في الدنيا والدين، بل الشريعة كلها مبناها على جلب المصالح للناس، ودرء المفاسد عنهم، فالحاجة ملحة إلى بيان محاسن الشريعة، وما رمت إليه، وتسليط الضوء على المقاصد الخمس الكبرى مثلًا، «وهي غاية ما يتمناه الإنسان»، وتعليل أحكامها وبيانها للناس، وكذلك مسألة التعدد والميراث مثلًا، فكثيرًا ما تتهم الشريعة بظلمها للمرأة، فلو بينا مقصود الشارع ومراده وحكمته من التعدد والميراث ونحوها مع بيان أمره التشريعي؛ لكان ذلك أوقع في قلوب الناس.\nقال ابن القيم ﵀: ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية، التي هي أكمل شريعة نزلت من السماء على الإطلاق، وأجلها وأفضلها، وأعلاها، وأقومها بمصالح العباد في المعاش\n_________\n(^١) مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور (١٠٨).\n(^٢) مقدمة الاجتهاد المقاصدي (٣٥).","vol":"4","page":221},{"text":"والمعاد، بأحسن من ذلك كله، وأكمله، وأوفقه للعقل والمصلحة (^١).\nوقال في موضع آخر: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالح كلها، وحكمةٌ كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل؛ فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خيرٍ في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسومٌ قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله ﷾ خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها؛ فالشريعة التي\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ٥٧).","vol":"4","page":222},{"text":"بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة (^١).\nفمثلًا: دعوة الإسلام للعتق وفك الرقاب: الإسلام الدين الذي كرم الله به البشرية جاء متشوفًا لفك الرقاب والعتق، وقد عد ذلك من قبيل المقاصد الشرعية التي تواردت على تثبيتها نصوصٌ، وأحكامٌ، ومعانٍ شرعيةٌ كثيرةٌ، ومن ذلك:\nتشريع الأحكام الواردة في العتق، وتكثير طرق التحرير، والحث عليه، والترغيب فيه، وترتيب الأجر العظيم، والنجاة من النار على ذلك، فقد ثبت أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، فقد حصل بعتق رقبة واحدة تكفير جميع الخطايا، وجعل بعض مصارف الزكاة في شراء العبيد، وعتقهم وتحريرهم، وجعل العتق من الوجوه المقدمة للكفارات الواجبة في قتل الخطأ، والجماع في نهار رمضان، والظهار، وحنث الأيمان، وأمره جل وعلا بمكاتبة العبيد إن طلبوا المكاتبة.\nوإليك بعض النصوص من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]،\n_________\n(^١) إعلام الموقعين لابن القيم (٤/ ٣٣٧).","vol":"4","page":223},{"text":"وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البلد: ١١ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].\nومن السنة: قوله ﷺ للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. فأقرها وقال لسيدها: «اعتقها فإنها مؤمنةٌ» (^١).\nوعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق رقبةً، أعتق الله بكل عضوٍ منها عضوًا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه» (^٢).\nوأيضًا في تشريع القصاص، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]. قال ابن القيم ﵀: في ضمن هذا الخطاب ما هو كالجواب لسؤال مقدر: إن في إعدام هذه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي مرفوعًا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧١٥)، ومسلم (١٥٠٩ [٢٢]) واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"4","page":224},{"text":"البنية الشريفة، وإيلام هذه النفس وإعدامها في عدم مقابلة إعدام المقتول؛ تكثير لمفسدة القتل، فلأية حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء، وبهرت حكمته العقول؟ فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].\nوذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يُقتَل قصاصًا بمن قتله؛ كف عن القتل وارتدع، وآثر حب حياته ونفسه، فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله.\nومن وجه آخر: وهو أنهم كانوا إذا قُتِل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم قَتَلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيِّه وقبيلته، وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره، وتشتد مؤنته، فشرع الله تعالى القصاص، وأن لا يقتل بالمقتول غير قاتله، ففي ذلك حياة عشيرته وحيِّه وأقاربه، ولم تكن الحياة في القصاص من حيث إنه قُتِل، بل من حيث كونه قصاصًا، يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا غيره، فتضمن القصاص الحياة في الوجهين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-640> المصلحة الإيمانية والقلبية (المعنوية):</span>\nاعتبرت الشريعة المصالح القلبية والاهتمام بها وإقامتها، فالمصالح المادية تفرض نفسها على حياة الناس، ولا تحتاج إلى كثير كلام، فالناس يطلبون ما يقيم حياتهم من مصالح دنيوية من أكل وشرب ومركب، وما يحتاج لبيانٍ هي المصالح القلبية والإيمانية «المعنوية»","vol":"4","page":225},{"text":"من تزكية للنفس وترويضها، واكتساب حسن الأخلاق؛ فهذه المصالح قد يصيبها الضمور والإغفال ولذا وجب التنبيه عليها، فحينما ذكر الله تعالى الزكاة قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، لم يعللها بتعليل اقتصادي، أو التكافل الاجتماعي، وما إلى ذلك من فوائد الزكاة ومصالحها، ومقاصدها الصحيحة الموجودة فيها، لكنه عللها بالمصلحة الإيمانية والقلبية ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فنبه الشارع الناس على المصلحة الأعلى والأهم، والتي قد يصيبها الإغفال والضمور.\nومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].\nقال ابن عاشور ﵀: حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فردًا فردًا؛ إذ منها يتكون المجتمع، وقوله: لعلكم تتقون. بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع (^١).\nومثل ذلك لما نهى الله تعالى عن الخمر، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (٢/ ١٥٨).","vol":"4","page":226},{"text":"إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، فالفقهاء حين يعللون تحريم الخمر يقولون: من أجل الإسكار، وذهاب العقل، وأنها رجس. وهذا كله صحيح، لكن القرآن جلَّى أمرًا آخر أهم، وهو فساد ذات البين وضياع الأخلاق، والغفلة عن ذكر الله تعالى، وهذه كلها مفاسد إيمانية وقلبية وأخلاقية، وابن تيمية ﵀ ممن ركز على المصالح الإيمانية، وانتقد من قصر نظره على المقاصد الدنيوية المادية، فقال ﵀: وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها، وما ينفعها من حقائق الإيمان، وما يضرها من الغفلة والشهوة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠]، فتجد كثيرًا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن (^١).\nولأن المصلحة القلبية مقدمة على مصلحة البدن، قدم الفقهاء في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٢/ ٢٣٣).","vol":"4","page":227},{"text":"كتبهم العبادات على المعاملات، وبهما تتم مصلحة القلب والبدن.\nوقد جمع الله بين المصلحة الدنيوية والأخروية «الإيمانية» في تشريعه للقصاص، فقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، فجمع الشارع بين حفظ المصلحة الدنيوية وهي حفظ الحياة، والمصلحة الإيمانية وهي تحصيل التقوى، بل إن الله تعالى لما أمر الناس جميعًا بعبادته وحده، ونبذ ما يعبد من دونه، جعل غاية ذلك تحصيل المصالح الإيمانية القلبية، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، قال ابن عاشور ﵀: ولما كانت التقوى نتيجة العبادة جُعِل رجاؤها أثرًا للأمر بالعبادة؛ فإن التقوى هي الغاية من العبادة، فرجاء حصولها عند الأمر بالعبادة وعند عبادة العابد أو عند إرادة الخلق (^١).\n٣ - بيان أن الشريعة توافق العقل والفطرة ولا تخالفهما:\nفلا تعارض بين النقل والعقل، فالعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده؛ لأن الذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، ويستحيل أن يرسل إليه ما يفسده، ولو وجد تعارض\n_________\n(^١) التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (١/ ٣٣٠).","vol":"4","page":228},{"text":"فلأمرين: إما أن النص لم يثبت، أو أن العقل لم يفهم المراد من النص. فلن نجد نصًا صحيحًا يخالف عقلًا صريحًا من كل الوجوه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والمقصود أن ما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب وغيره كله حقٌّ يصدق بعضه بعضًا، وهو موافقٌ لفطرة الخلائق، وما جعل فيهم من العقول الصريحة والقصود الصحيحة لا يخالف العقل الصريح، ولا القصد الصحيح، ولا الفطرة المستقيمة، ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ، وإنما يَظُنُّ تعارضها مَنْ صَدَّقَ بباطل من النقول، أو فهم منه ما لم يدل عليه (^١).\n٤ - ومن ثمرات وفوائد المقاصد ومعرفتها أيضًا: الفهم الصحيح والتطبيق السليم للإسلام، وللتكاليف، وللاستخلاف في الأرض، وإزالة بعض الإشكالات (^٢)، فقد التبس على كثير من الناس مثلًا مفهوم الحضارة، وقد تأثر كثير من شباب المسلمين اليوم بالحضارة الغربية، وصاروا يطبقون كل ما يرونه ويسمعونه، حتى لو كان ذلك مناقضًا لدين الله ولسنة رسوله ﷺ (^٣)، فالحضارة ليست هي الغاية التي خُلِق الإنسان من أجلها، إنما هي وسيلة للمقصود الأعلى والغاية الكبرى،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٥٨٠).\n(^٢) مقاصد الشريعة للخادمي.\n(^٣) للاستزادة انظر: مآلات الخطاب المدني، للدكتور ابراهيم السكران.","vol":"4","page":229},{"text":"وهي عبادة الله وحده لا شريك له.\n٥ - دفع السآمة، وتنشيط العباد، والحث على الالتزام بأحكام الشريعة، وامتثال التكليف الشرعي على الوجه الأكمل، فالسائر إلى الله تعالى تتناوبه فترات وهنٍ وضعفٍ، وقد يكون عرضة للسآمة والضجر، وللتلكؤ والانقطاع، فيأتي بالأعمال على غير وجهها، ودون استحسانها وإتقانها، خاصة إذا كانت العبادة فيها مشقة بدنية أو نفسية؛ فمعرفة مقاصد الأعمال تدعو للصبر، والمواظبة، وتدفع التلكؤ والبطالة.\nقال الطاهر بن عاشور ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩]: فأما كونها تعليلًا، فلزيادة الحث على الامتثال للأمر بأن الاستعاذة تمنع تسلط الشيطان على المستعيذ; لأن الله منعه من التسلط على الذين آمنوا المتوكلين، والاستعاذة منه شعبة من شعب التوكل على الله; لأن اللُّجْأَ إليه تَوَكُّلٌ عليه، وفي الإعلام بالعلة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال إذ يصير عالمًا بالحكمة (^١).\nفالمقاصد تزيل الكَلَل، وتسدد العمل، وتسد الخلل، وفي الأمثال\n_________\n(^١) التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (١٤/ ٢٧٨).","vol":"4","page":230},{"text":"قالوا: من عرف ما قصد هان عليه ما طلب.\nوفي غزوة حنين لما قسم النبي ﷺ الغنائم، وأكثر من العطاء لأهل مكة، والمؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار مثلهم استاء بعض الأنصار الكرام ﵃ وحين بين لهم النبي ﷺ مقصده في ذلك انشرحت صدورهم واطمأنوا، وذهب عنهم ما أصابهم (^١).\nولقد كان من الممكن أن يقال لهم: هذا حكم الله ورسوله فارضوا به وسلموا تسليمًا، وليس لكم أن تتقدموا ولا أن تتكلموا. وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، ولكن حين يكون هذا مُعزَّزًا ببيان المقاصد والحِكَم، ولا سيما في موارد الاستشكال والالتباس يكون أصح وأتم، ويكون التصرف اللازم أنسب وأسلم، فيزيل ما عنده من شكوك وظنون وريب، فيحصل عندها الاطمئنان القلبي (^٢).\n٦ - تصحيح قصد المكلف ليكون موافقًا لمقصود الشارع وتحقيق العبودية لله؛ فالعبودية هي مقصد المقاصد وغاية الغايات، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، قال الشاطبي ﵀: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم مرفوعًا.\n(^٢) مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني (٢٤).","vol":"4","page":231},{"text":"هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا (^١).\n٧ - بيان أن بعثة الرسل وشريعة الله ما جاءت إلا لجلب المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهذا المعنى جاء بعبارات مختلفة عن الأئمة ﵃ فالإمام الجويني يعبر عنه بعبارة «الأغراض الدفعية والنفعية»، ويعبر عنه الغزالي والشاطبي بعبارة «حفظ المصالح من جانب الوجود والعدم».\nويقول الدكتور الريسوني (^٢): إن عبارة الجويني أسبق وأوجز مع زيادة في المعنى، فالدفع والنفع يساويان جلب ودرء المصلحة والمفسدة، وكلمة الأغراض تعبر عن قصد الشرع، وعلى كلٍّ فتنوع العبارات «دفع ونفع، جلب ودرء، وجود وعدم»، يثير الانتباه إلى أن الشريعة جاءت لإصلاح الناس، وسعادتهم في الدنيا والآخرة.\n٨ - الجهل بمقاصد الشرع من أحكامه يجعل الأعمال صورًا بلا روح، ومن هنا وقع كثيرٌ من الناس في باب الحيل؛ إذ إنهم أخذوا الأحكام بصورها دون النظر لما قصده الشارع منها، فأجازوا المُحَلِّل، والعينة، وغيرها لكون صورة العمل صحيحة.\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٨٩).\n(^٢) محاضرات في مقاصد الشريعة للريسوني.","vol":"4","page":232},{"text":"٩ - حفظ نظام الأمة وبقاء قوتها وهيبتها، وهذا بإظهار مقاصدها العالية التي هي نفع الناس في الأولى والآخرة، فما من منفعة مطلوبة ولا مضرة مرهوبة إلا داخلة في مقاصد الشريعة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-641> حاجة المجتهدين إلى المقاصد:</span>\nالمجتهدون من جملة المكلفين، فاحتياجهم للمقاصد زائدٌ لما حملوه من العلم والفقه؛ فلا يكفي الفقيه أن يعرف دلالات الألفاظ على المعاني، بل لا بد له من معرفة أسرار التشريع والأغراض العامة للشريعة التي قصدها الشارع من أحكامه،\nفالمقاصد هي قبلة المجتهدين، ولا يكون المجتهد إلا بمعرفة مقاصد الشريعة، حتى إن الشاطبي ﵀ في كتابه «الموافقات» نص على أنه لا اجتهاد إلا بعد التمكن من المقاصد وفهمها، فقال ﵀: إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. الثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها (^١).\nومثله الطاهر بن عاشور ﵀ فقال: تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء: فهم النصوص، ودلالة النصوص،\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي (٥/ ٤١).","vol":"4","page":233},{"text":"والقياس، وحكم المستجدات، والتسليم التعبدي؛ فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها (^١).\nوالفقهاء يعتمدون على قواعد فقهية وأصولية، وكثير من هذه القواعد تندرج تحت مقاصد الشريعة، كقاعدة: المشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، والضرورة تقدر بقدرها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التساوي.\nفمقاصد الشريعة تعمل على:\n١ - ضبط عملية الإفتاء للمجتهد، فكل نص ينظر فيه الفقيه لا بد من حضور المقاصد فيه ليكون فهمه سديدًا وفق مراد الشارع، فالمقاصد هي الإرادة التشريعية للحاكم جل وعلا، فكيف تغيب عن الأذهان؟ فإهمال النظر في مقاصد الشريعة وعدم اعتبارها واحد من أسباب الخطأ؛ لأن الشارع طلب من المجتهدين أن يوافق استنباطهم واجتهادهم في كل مسألة مقاصد الشريعة العامة.\nيقول الشيخ عبد الله دراز: أما بالنسبة للمجتهد بوجهٍ خاص، فإن عليه أن يحدد المقصد الشرعي في حكم كل مسألة على حده؛ ليتمكن من تبين صحة أو دقة اندراجها في المقاصد العامة للتشريع التي اتجهت\n_________\n(^١) مقاصد الشريعة لابن عاشور (١٠٧).","vol":"4","page":234},{"text":"جملة التكاليف إلى تحقيقها اعتبارًا للجزئي بالكلي، وهذا لون من الجهد العقلي الاجتهادي (^١).\n٢ - التقليل في الخلاف بين العلماء ونبذ التعصب، وقد أشار الطاهر بن عاشور ﵀ في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» إلى هذا، فقال: هذا كتاب قصدت منه إلى إملاء مباحث جليلة من مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيل لها، والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراسًا للمتفقهين في الدين، ومرجعًا بينهم عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلًا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف، حتى يستتب بذلك ما أردناه غير مرة من نبذ التعصب، والفيئة إلى الحق إذا كان القصد إغاثة المسلمين ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل، وبفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب، وتبارت في مناظرتها تلكم المقانب (^٢).\n٣ - الترجيح بين الأدلة عند التعارض، فمقاصد الشريعة ليست دليلًا خارجيًّا ولا دليلًا إضافيًّا، بل هي دليل مع كل دليل، ودليل في كل دليل، وهي جزء من كل دليل؛ فالشريعة أحكامٌ تنطوي على مقاصد،\n_________\n(^١) حاشية الموافقات (٣/ ٢٤).\n(^٢) مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور، المقدمة (٨٥).","vol":"4","page":235},{"text":"والمقاصد تؤخذ من الأحكام، فهناك تمازجٌ كاملٌ؛ ولذا فهي من المرجحات عند تطاير الشرر.\n٤ - استنباط علل القياس، ومن ثم بيان الحكم الشرعي على وجه صحيح، فالقياس نظرٌ إلى المقاصد، ولا يعرف القياس الصحيح من الفاسد إلا بمعرفة مقاصد الشرع، وكذلك المصلحة المرسلة فهي مبنية على مقصود الشارع، وما علمناه من حرص الشرع على جلب المصلحة ودرء المفسدة.\n٥ - بيان حكم المستجدات، فهناك مستجدات لم ينص عليها الشارع بعينها ولا نجد لها مثيلًا في الكتاب والسنة، لكن حكمها يندرج تحت الكليات العامة للشريعة، وهنا يتجلى دور المقاصد، واعتبار المصالح، قال العز بن عبد السلام: ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقادٌ أو عرفانٌ بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماعٌ ولا نصٌّ ولا قياسٌ خاصٌّ، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانًا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل وردٍ وصدرٍ ثم سنحت له مصلحةٌ أو مفسدةٌ لم يعرف قوله فإنه يعرف بمجموع ما عهده من","vol":"4","page":236},{"text":"طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة (^١).\nوإذا كان الصحابة ﵃ مع قربهم من التشريع وقلة المستجدات إلا أنهم راعوا مقاصد الشريعة وفعلوها، فنحن في عصرنا هذا أحوج لذلك.\nقال الشيخ نور الدين الخادمي: فكثيرًا من الأمثلة الفقهية التي تبناها التابعون سواء بنقلها عن الصحابة، أو ببيانها من قبلهم تدل بجلاء على اهتمامهم البالغ، وتعويلهم على المقاصد الشرعية في معالجة النوازل وتأطير الحوادث والمستجدات (^٢).\nبعد كل هذا لم يبق شك أبدًا أن علم مقاصد الشريعة لا بد منه للمجتهد الفقيه، حتى يستطيع أن يفتي للناس في كل أمر مستجد؛ لتبقى هذه الشريعة خالدة صالحة لكل زمان ومكان (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-642> حاجة الداعية إلى المقاصد:</span>\nالدعاة اليوم في أشد الحاجة لمعرفة مقاصد الشريعة وبيانها، وإبراز محاسنها، ورفع الإشكالات، وإنصاف ديننا المفترى عليه خاصة في ظل التحديات الفكرية والإعلامية التي تواجهنا، فالدعاة اليوم أكثر\n_________\n(^١) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (٢/ ١٨٩).\n(^٢) الاجتهاد المقاصدي للخادمي (١/ ١٠٩).\n(^٣) مقاصد الشريعة عند ابن القيم، للدكتور سميح عبد الوهاب الجندي (٩٠).","vol":"4","page":237},{"text":"اضطرارًا لذلك عن أمس، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ومن البصيرة أن تكون عالمًا بمقاصد الدين ومراميه، فبقدر معرفة الداعي منه تكون بصيرته.\nقال العلامة شاه ولي الله الدهلوي ﵀: وأولى العلوم الشرعية عن آخرها فيما أرى وأعلاها منزلة، وأعظمها مقدارًا، هو علم أسرار الدين الباحث عن حجج الأحكام، وأسرار خواص الأعمال، إذ به يصير الإنسان على بصيرة بما جاء به الشرع (^١).\n_________\n(^١) حجة الله البالغة للشاه ولي الله الدهلوي (١/ ٤).","vol":"4","page":238},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-643> سوء استخدام الناس للمقاصد في العصر الحديث:</span>\nهذا الأمر من الأمور المهمة التي ينبغي فهمها وإدراكها، ولأهميته وجدت الحاجة ملحة للتنبيه عليه؛ نظرًا لما نراه في عصرنا الحاضر من دعاةٍ يعطلون أحكام الباري بدعوى العمل بمقاصد الشريعة، فليس معنى أن الشريعة موافقة لكل زمان ومكان أن تُلوَى أعناق النصوص لتوافق هوى الناس ورغباتهم، فهذا المنزلق كان سببًا في انحراف بعض الناس.\nقال الأستاذ عمر عبيد حسنة: وهنا لا بد من التنبيه على بعض المخاطر التي قد تصاحب الاجتهاد المقاصدي، ذلك أن قضية المقاصد أو التوسع بالرؤية والاجتهاد المقاصدي، دون ضوابط منهجية وثوابت شرعية، يمكن أن تشكل منزلقًا خطيرًا ينتهي بصاحبه إلى التحلل من أحكام الشريعة، أو تعطيل أحكامها باسم المصالح، ومحاصرة النصوص باسم المصالح، واختلاط مفهوم المصالح بمفهوم الضرورات، في محاولة لإباحة المحظورات، فتتوقف الأحكام الشرعية باسم الضرورة تارة، وتارة باسم تحقيق المصلحة، وتارة تحت عنوان النزوع إلى تطبيق روح الشريعة لتحقيق المصلحة، فيستباح الحرام، وتوهن القيم، وتغير الأحكام وتعطل، ويبدأ الاجتهاد من خارج النصوص، ومن ثم يبرز التفسير المتعسف للنصوص من هذا الاجتهاد","vol":"4","page":239},{"text":"الخارجي، وكأن النصوص في الكتاب والسنة -والتي ما شرعت إلا لتحقيق المصالح، وكانت الدليل والسبيل لبناء الاجتهاد المقاصدي- إذ بها تتحول لتصبح العقبة أمام تحقيق المصالح، وأن تعطيل المصالح كان بسبب تطبيقها، لذلك لا بد من إيقافها والخروج عليها، في محاولة بائسة لفصل العقل عن مرجعية الوحي، واستقلاله بتقدير المصالح والمفاسد والتحسين والتقبيح، بحيث يصبح مقابلًا للوحي، بدل أن يكون قسيمًا له، مهتديًا به، منطلقًا منه (^١).\nوقال أيضًا: وأخطر ما في التدين من آفات، هو الفهوم المغشوشة والمعوجة لقيم الدين، والتفتيش عن المسوغات والمشروعيات لواقعنا وأهوائنا ومسالكنا، فتنقلب المعادلة، فبدل أن يكون هوانا تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ، نجعل ما جاء به الرسول ﷺ تبعًا لأهوائنا وفلسفاتنا، ونعيش تدينًا معوجًا، تسوده تحريفات الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويلات الجاهلين، فتغيب المقاصد والغايات، ونكون من الأخسرين أعمالًا، ونحن نحسب أننا نحسن صنعًا (^٢).\nوهذا أيضًا لا يعني أن نهمل مقاصد الشريعة مخافة انحراف الناس، فسوء الاستعمال للمقاصد وغيرها موجود، وليس معنى هذا أن يهمل\n_________\n(^١) مقدمة الاجتهاد المقاصدي لنور الدين الخادمي (١/ ٣٣).\n(^٢) مقدمة الاجتهاد المقاصدي لنور الدين الخادمي (٢٦).","vol":"4","page":240},{"text":"العلم ويترك، وإلا لتركنا باب القياس، والاجتهاد أيضًا، وغيره بنفس العلة، فسوء استعمال الناس للمقاصد «خاصة في هذا العصر»، ولي أعناق النصوص بحجة مراعاة المقاصد، لا ينبغي أن يكون سببًا في عزوف الناس عن المقاصد ودراستها، فالتطبيق الخاطئ للوسيلة لا يجوز إلغاءها، وإنما يقتضي تصويبها لتؤتي ثمارها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-644> بعض الأمثلة على سوء استعمال الناس للمقاصد:</span>\nومن ذلك قولهم: المسلم اليوم لم يعد يستسيغ الكثير من الأحكام الشرعية، كتعدد الزوجات، والجلد، والرجم، أو كما في عدة المرأة المطلقة بأن تعتد ثلاثة قروء، والأرملة تتربص أربعة أشهر وعشرًا، والمقصد الأساسي من هذا الاحتياط إنما هو التثبت من حصول الحمل من عدمه، والحال أن وسائل الكشف تمكننا من معرفة ذلك يقينًا، خلال نصف أقصر العدتين، ولذلك ارتفعت عديد من الأصوات تنادي بضرورة الاجتهاد في الأحكام النصية نفسها (^١).\n_________\n(^١) صاحب هذا الضلال ألف كتابا أسماه (مقاصد الشريعة بين التشريع الإسلامي، وطموح المجتهدين، وقصور الاجتهاد) ينتقد فيه الطاهر بن عاشور؛ لأنه أبقى أحكام الشريعة كما هي، فيقول: ويبدو أن ابن عاشور قد نزع هذا المنزع لمجرد إثبات أهلية المقاصد للبت في ما يعرض من قضايا، من دون مناقضة الأحكام الشرعية المتوارثة. انظر كتاب محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني.","vol":"4","page":241},{"text":"فهم يريدون إلغاء أحكام الشريعة وتبديلها، وجعلها قابلة للحذف والتبديل والإلغاء والنقص والزيادة، وكل ذلك تحت غطاء المقاصد، وبإضفاء الصبغة الشرعية لهذا التبديل والتحريف، حتى يبدو الأمر وكأنه شرعي.\nوقال آخرون: إن قصد الشريعة من الحدود هو الزجر والردع، والجلد والرجم والحدود وسيلة لذلك، فإذا حصل الردع والزجر بأي وسيلة أخرى فقد حصل مقصود الشارع.\nوالحق: أن النصوص الشرعية لا تتعارض مع المقاصد الشرعية؛ لأن المصدر واحد، فالشريعة أحكام تنطوي على مقاصد، ومقاصد تنطوي على أحكام، فمقاصد الشريعة دليل مع كل دليل، ودليل في كل دليل، وجزء من كل دليل، فتفهم النصوص الخاصة في ضوء المقاصد العامة بفهم أهل العلم والديانة، من غير تحريف للنص، ولا تعطيل لمقصد الشارع.\nتنبيه مهم:\nإن الحقيقة الواضحة، والسنة الربانية الثابتة المقررة أن المرء يُؤتَى من سوء فهمه، وخبث طويته ونيته؛ لذا لو نُظِر لما سبق من مسائل ذكروها وأثاروها لمناقضة حكم الشرع استنادًا للمصالح والمقاصد في نظرهم كالعدد، والحدود، ونحوها قد تجد أن هذه المسائل لها","vol":"4","page":242},{"text":"مجموعة من المقاصد، فنظروا إلى بعضها دون بعض، وقد تكون هناك مقاصد زائدة أيضًا لا يعلمها الناس، فقد قال تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، ومنها قد يكون تحقيق المقاصد بغير ما شرع الله أمر خاطئ ومتوهم.\nومن ذلك: ما ذكروا في الحدود ونحوها، وأن هناك زواجر أخرى تغني عنها وتُحَقِّق المقصود، فالواقع يظهر كذب ذلك، وبهتانه وزوره؛ ولقد جرب العالم كله زواجر بقوانين وضعوها غير شريعة الله تعالى، فباءت كلها بالفشل الذريع، وعادوا بخيبة وحسرة، وحوادث القتل والزنا والاغتصاب وغيرها، ونسبتها المروعة، وزيادتها المفزعة، بل وتفشيها في العالم لَخَيْر شاهد على ذلك.\nفتبين بذلك أمور منها:\n١ - أن لا حكم أحسن من حكم الله ﷾.\n٢ - وانه لا تعارض بين الشرع ومقاصده، بل كله يدور في فلك واحد؛ إذ هما من عند إله واحد.\n٣ - أنه لا سبيل لتحقيق مصالح العباد على الوجه الأكمل ودرء المفاسد عنهم إلا باتباع شرع الله وأحكامه؛ لذا حكم الله تعالى أن","vol":"4","page":243},{"text":"حكمه أحسن الحكم فقال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وأن هديه أقوم الهدي قال تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\nالخلاصة:\nومن هنا يتلخص مبحث المقاصد في أمور منها:\n١ - أن مدار الدين والأحكام يبدأ، ويدور، وينتهي عند مقاصد الشريعة.\n٢ - أن مقاصد الشريعة العامة هي تحقيق المصالح للعباد، ودرء المفاسد عنهم.\n٣ - أن لا مصلحة حقيقية للعباد إلا بما وافق نصوص الوحي من الكتاب والسنة، وإن توهم البعض غير ذلك، فإنما هو من التدليس والتلبيس، والعي في الأفهام، والنقص في الأديان.\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه.","vol":"4","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-645>الخاتمة</span>\nهذا آخر ما تم جمعه وتحقيقه من مسائل أصول الفقه والمقاصد، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nفالفضل والمنة لله على التوفيق، وعلى الدوام، وعلى الإعانة حتى النهاية، فله الحمد في الأولى وفي الآخرة.\nوأسأله سبحانه كما وفقنا للعمل وإتمامه أن يمن علينا وعلى أعمالنا جميعها بالقبول، وأن ينفع بها، وأن يجعلها في موازين الحسنات، وأن يتجاوز عن زلاتنا وأخطائنا إنه عفو غفور، حليم كريم.\nوصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه.","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-646>الأسئلة النظرية، والتطبيقات العملية</span>","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-647>أولًا: الأسئلة النظرية</span>\nالسؤال الأول: اكتب كلمة صواب أمام العبارة الصواب، وكلمة خطأ أمام العبارة الخطأ مع تصويب الخطأ:\n١ - اتفاق الخلفاء الأربعة ليس إجماعًا، وكذلك اتفاق الأئمة الأربعة.\n٢ - القراءات الشاذة ليست قرآنًا.\n٣ - يحمل المتشابه على المحكم، ويرجع فى المنسوخ إلى حكم الناسخ.\n٤ - ما فعله النبى ﷺ على سبيل العادة ليس تشريعًا.\n٥ - شرع من قبلنا الذى لم يثبت بشرعنا شرع لنا.\n٦ - الفرض والواجب مترادفان.\n٧ - الإجماع يكون من جميع الأمة.\n٨ - قول الصحابي لا يخصص النص مطلقًا.","vol":"4","page":249},{"text":"٩ - لابد للإجماع من مستند؛ لذا يلزم إبراز الدليل طالما أن الإجماع صحيح.\n١٠ - القياس دليل من أدلة الأحكام؛ لذا فإنه يثبت حكمًا جديدًا.\n١١ - إذا اختلف فى المسألة على قولين فهذا يفتح المجال للبحث، وإحداث أقوال أخرى، فهذا من خلاف التنوع.\n١٢ - قياس العكس أقوى من قياس العلة.\n١٣ - من شروط العلة أن تكون مؤثرة، ومناسبة، ومنضبطة؛ لذا فإنها لا تتعدد لحكم واحد.\n١٤ - لابد للمجمل من بيان، ومن كمال الشريعة الاستقصاء فى البيان.\n١٥ - كما أن المجمل يحتاج إلى بيان، فإن العام يحتاج إلى بيان.\n١٦ - لابد من وجود العلة فى الفرع بنفس الدرجة الموجودة فى الأصل حتى ينتقل الحكم إلى الفرع.\n١٧ - حديث «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» مثال للعام الباقي على عمومه.\n١٨ - لابد للإجماع من مستند فى عين المسألة المجمع عليها.","vol":"4","page":250},{"text":"١٩ - لابد من معرفة التاريخ حتى نقول بالنسخ.\n٢٠ - أكثر الإجماعات قوة هي التي نقلها الحافظ الكبير ابن عبد البر الأندلسى ﵀.\n٢١ - ليس هناك حاجة لنقل الإجماع على الأحكام الثابتة بأدلة صحيحة صريحة.\n٢٢ - القياس والعموم يشتركان في أن كليهما إلحاق مسكوت عنه بمنطوق.\n٢٣ - كل تأويل يرفع النص أو جزءًا منه فهو باطل.\n٢٤ - الأصل في اللفظ المشترك أنه يحمل على جميع معانيه.\n٢٥ - حكاية الصحابي للحديث بلفظ عام لا يفيد العموم لأنه قول صحابي.\n٢٦ - كل ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\n٢٧ - أكثر العمومات مخصصة.\n٢٨ - يصح الاستثناء من غير الجنس فى العام والمطلق.\n٢٩ - مفهوم الموافقة يسمى «دلالة النص، والقياس الجلي، ومفهوم الأولى، وفحوى الخطاب».","vol":"4","page":251},{"text":"٣٠ - مفهوم المخالفة أضعف من المنطوق؛ لذا لا يصح تخصيص المنطوق بمفهوم المخالفة.\n٣١ - قال ﷺ: «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن» يصح الأخذ بمفهوم التقسيم هنا، فلا تستأذن الثيب.\n٣٢ - إذا تعارض القياس مع مفهوم المخالفة يقدم القياس.\n٣٣ - النسخ جائز شرعًا وعقلًا.\n٣٤ - النسخ قصر الحكم على بعض الأزمان، والتخصيص قصر الحكم على بعض الأفراد.\n٣٥ - لابد من الجمع بين النصوص الشرعية، وأقوال الفقهاء لدرء التعارض.","vol":"4","page":252},{"text":"• السؤال الثاني: ما الفرق بين كل مما يأتي:\n١ - الأدلة الإجمالية، والأدلة التفصيلية.\n٢ - الحكم عند الأصوليين، وعند الفقهاء.\n٣ - ثواب العمل، وثواب الفضل.\n٤ - التزاحم، والتداخل.\n٥ - الواجب العيني، والواجب الكفائي.\n٦ - الواجب، والفرض عند الأحناف.\n٧ - مطلق الأمر، والأمر المطلق.\n٨ - المندوب، والمكروه.\n٩ - السبب الوقتي، والسبب المعنوي.\n١٠ - الأحكام التكليفية، والأحكام الوضعية.\n١١ - المحكم، والمتشابه.\n١٢ - الاستحسان، والمصالح المرسلة.\n١٣ - قول الجمهور، والإجماع.\n١٤ - تحقيق المناط، وتنقيح المناط.\n١٥ - العرف الصحيح، والعرف الفاسد.","vol":"4","page":253},{"text":"١٦ - الاستغراق الشمولي، والاستغراق البدلي.\n١٧ - فحوى الخطاب، ولحن الخطاب.\n١٨ - مفهوم الصفة، ومفهوم اللقب.\n١٩ - التخصيص، والتنصيص.\n٢٠ - السبب، والعلة.\n٢١ - الركن، والشرط.\n٢٢ - التخصيص، والنسخ.\n٢٣ - النسخ، والصرف.\n٢٤ - التقييد، والنسخ.\n٢٥ - النسخ، والبداء.\n٢٦ - العلم، وفهم الخطاب.\n٢٧ - المفتي، والقاضي.\n٢٨ - الاجتهاد، والتقليد.\n٢٩ - الجمع، والترجيح.\n٣٠ - العلة، والحِكْمَة.","vol":"4","page":254},{"text":"السؤال الثالث: ما المقصود بالعبارات الآتية:\n١ - لا تلازم بين الصحة والثواب.\n٢ - قد يجتمع في الأمر الواحد أن يكون سببًا وشرطًا وعلة.\n٣ - الإباحة منصبة على الجزئيات لا على الكليات.\n٤ - المنصوص عليه لا ينتقض حكمه، وإن تخلفت علته.\n٥ - التفاضل بين الواجبات.\n٦ - المندوب ليس جنسًا واحدًا.\n٧ - الآيات المحكمات هن أم الكتاب.\n٨ - انقراض عصر المجمعين.\n٩ - الإجماع الكاذب.\n١٠ - عمل أهل المدينة.\n١١ - زلة العالم مضروب بها الطبل.\n١٢ - لا ينسحب الخلاف على أكثر مما حكي فيه.\n١٣ - مسالك العلة.\n١٤ - الاستصحاب المقلوب.\n١٥ - الاستقراء.","vol":"4","page":255},{"text":"١٦ - من استحسن فقد شرع.\n١٧ - الاحتمال المعتبر يسقط الاستدلال لا الدليل.\n١٨ - التنصيص على بعض أفراد العام ليس تخصيصًا.\n١٩ - العبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب.\n٢٠ - لا أعلم نزاعًا.\n٢١ - القياس لا يثبت حكمًا جديدًا.\n٢٢ - صورة السبب قطعية الدخول فى العام.\n٢٣ - الاستثناء معيار العموم.\n٢٤ - البيان يحدث بكل ما يزيل الإشكال.\n٢٥ - ليس كل الأحكام يدخلها النسخ.\n٢٦ - ما نهي عنه سدًّا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.\n٢٧ - ليس كل مجتهد مصيبًا.\n٢٨ - المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.\n٢٩ - الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة.\n٣٠ - الضروريات الخمس.","vol":"4","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-648>ثانيًا:\nالتطبيقات العملية</span>","vol":"4","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-649>التطبيق العملي الأول:</span>\nمثل لكل مما يأتي:\n١ - أسلوب خبري.\n٢ - أسلوب إنشائي.\n٣ - أسلوب خبري إنشائي.\n٤ - أسلوب إنشائي خبري.\n٥ - واو تقتضي الترتيب.\n٦ - واو تنافي الترتيب.\n٧ - لام تفيد التعليل.\n٨ - لام تفيد الإباحة.\n٩ - تزاحم واجبان.\n١٠ - تزاحم واجب مع سنة.\n١١ - مندوب لزم بالشروع، وآخر لم يلزم.\n١٢ - مندوب قدم على واجب.","vol":"4","page":259},{"text":"١٣ - مندوب بأصل وضعه.\n١٤ - مندوب مضيق.\n١٥ - واجب مضيق.\n١٦ - فرض كفايه تحول إلى فرض عين.\n١٧ - مباح بالجزء مطلوب بالكل.\n١٨ - محرم وصف بالكراهة.\n١٩ - واجب موسع انقلب إلى مضيق.\n٢٠ - مكروه وجب فعله.\n٢١ - محرم لذاته.\n٢٢ - محرم لغيره.\n٢٣ - تزاحم محرمات.\n٢٤ - حكم تكليفي وضعي.\n٢٥ - عبد انعدمت فيه الأهليتان.\n٢٦ - شرط صحة.\n٢٧ - شرط وجوب.","vol":"4","page":260},{"text":"٢٨ - شرط قبول.\n٢٩ - اجتماع الشرط والسبب والمانع فى شيء واحد.\n٣٠ - مباح انقلب إلى حرام.\n٣١ - مانع من الابتداء دون الدوام.\n٣٢ - مانع من الدوام دون الابتداء.\n٣٣ - مانع من الدوام والابتداء.\n٣٤ - وسيلة تفضي إلى محرم، ولكنها غير ممنوعة.\n٣٥ - دليل قطعي الدلالة والثبوت.\n٣٦ - دليل قطعي الثبوت ظني الدلالة.\n٣٧ - دليل ظني الثبوت قطعي الدلالة.\n٣٨ - موطن احتجاج بقراءة شاذة.\n٣٩ - قراءة شاذة شهد لها الدليل.\n٤٠ - عالم بالحكم غير مكلف.\n٤١ - جاهل بالحكم مكلف.\n٤٢ - أمر يفيد الوجوب.","vol":"4","page":261},{"text":"٤٣ - أمر يفيد الإرشاد.\n٤٤ - أمر يفيد الامتنان.\n٤٥ - أمر يفيد التراخى.\n٤٦ - مأمور به ليس بواجب.\n٤٧ - أمر خرج للإباحة.\n٤٨ - منهي عنه خرج إلى الكراهة.\n٤٩ - نهي صرف بالقول.\n٥٠ - نهي صرف بالفعل.\n٥١ - أمر بعد حظر، ويفيد الوجوب.\n٥٢ - أمر بعد حظر، ويفيد الإباحة.\n٥٣ - نهي يقتضي فساد المنهي عنه.\n٥٤ - نهي لا يقتضي فساد المنهي عنه.\n٥٥ - قياس صحيح.\n٥٦ - قياس فاسد لوجود الفارق.\n٥٧ - قياس فاسد لعدم معرفة العلة.","vol":"4","page":262},{"text":"٥٨ - قياس فاسد لمصادمة النص.\n٥٩ - قياس الدلالة.\n٦٠ - قياس العكس.\n٦١ - قياس الشبة.\n٦٢ - القياس الصوري.\n٦٣ - علة منصوص عليها.\n٦٤ - علة مستنبطة.\n٦٥ - علة ثبتت بالإجماع.\n٦٦ - وصف طردي.\n٦٧ - وصف مُلغَى.\n٦٨ - وصف مؤثر.\n٦٩ - استخدام النبي ﷺ للقياس.\n٧٠ - علة ثبتت بالإيماء.\n٧١ - وصف اعتبر فى موطن، وألغي فى آخر.\n٧٢ - قول صحابي حجة.","vol":"4","page":263},{"text":"٧٣ - قول صحابي ليس بحجة.\n٧٤ - عرف معتبر.\n٧٥ - عرف غير معتبر.\n٧٦ - شرع من قبلنا شرع لنا.\n٧٧ - شرع من قبلنا وليس شرعًا لنا.\n٧٨ - عام باق على عمومه.\n٧٩ - عام أريد به الخصوص.\n٨٠ - عام مخصوص.\n٨١ - عام نزل على سبب خاص.\n٨٢ - صورة نادرة دخلت فى العموم إجماعًا.\n٨٣ - حكم خاص بالنبي ﷺ.\n٨٤ - نكرة فى سياق الإثبات تفيد العموم.\n٨٥ - استثناء متصل حقيقة.\n٨٦ - استثناء متصل حكمًا.\n٨٧ - استثناء من الاستثناء.","vol":"4","page":264},{"text":"٨٨ - مستثنى أكبر من المستثنى منه.\n٨٩ - استثناء من غير الجنس من القرآن.\n٩٠ - استثناء من غير الجنس من السنة.\n٩١ - تخصيص الكتاب بالكتاب.\n٩٢ - تخصيص الكتاب بالسنة.\n٩٣ - تخصيص الكتاب بالإجماع.\n٩٤ - تخصيص السنة بالكتاب.\n٩٥ - تخصيص السنة بالإجماع.\n٩٦ - عام لا يصح تخصيصه.\n٩٧ - حد دخل فى المحدود، وآخر لم يدخل.\n٩٨ - احتجاج الصحابة بالعموم.\n٩٩ - احتجاج النبى ﷺ بالإطلاق.\n١٠٠ - مطلق باق على إطلاقه.\n١٠١ - مطلق صح تقييده، وآخر لم يصح.\n١٠٢ - ظاهر مؤول تأويلًا صحيحًا.","vol":"4","page":265},{"text":"١٠٣ - ظاهر مؤول تأويلًا فاسدًا.\n١٠٤ - حقيقة شرعية.\n١٠٥ - حقيقة عرفية.\n١٠٦ - مجمل بُيِّنَ بالقول.\n١٠٧ - مجمل بُيِّنَ بالفعل.\n١٠٨ - مجمل بُيِّنَ بالإشارة.\n١٠٩ - مجمل بُيِّنَ بالإقرار.\n١١٠ - بيان أُخِّر عن وقت الخطاب.\n١١١ - إلحاق مسكوت عنه بمنطوق.\n١١٢ - مفهوم موافقة أولى.\n١١٣ - مفهوم موافقة مساوٍ.\n١١٤ - ما نسخ حكمه، وبقي لفظه.\n١١٥ - ما نسخ لفظه، وبقي حكمه.\n١١٦ - ما نسخ لفظه، وحكمه.\n١١٧ - نسخ القرآن بالسنة.","vol":"4","page":266},{"text":"١١٨ - نسخ السنة بالإجماع.\n١١٩ - نسخ وقع على مفهوم.\n١٢٠ - تعارض نص مع ظاهر.\n١٢١ - تعارض حاظر مع مبيح.\n١٢٢ - مجتهد يحرم اجتهاده.\n١٢٣ - موطن اجتهد فيه النبي ﷺ.\n١٢٤ - مفتي لا تجب عليه الفتوى.\n١٢٥ - مقلد يجب عليه الفتوى.\n١٢٦ - مراعاة النبي ﷺ للمقاصد.\n١٢٧ - مراعاة الصحابة رضوان الله عليهم للمقاصد.\n١٢٨ - سوء استخدام بعض الناس للمقاصد.\n١٢٩ - خطأ ترتب عليه أجر.\n١٣٠ - تنصيص على بعض أفراد العام.\n١٣١ - مجتهد يجوز له التقليد.\n١٣٢ - دلالة إيماء.","vol":"4","page":267},{"text":"١٣٣ - دلالة إشارة.\n١٣٤ - دلالة اقتضاء.\n١٣٥ - حكم له أكثر من علة.","vol":"4","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-650>التطبيق العملي الثاني:</span>\nاذكر حكم ما يأتي مع ذكر القاعدة:\n١ - المزاحمة من أجل تقبيل الحجر الأسود.\n٢ - إذا أسلمت المرأة فى دار الكفر.\n٣ - شراء السواك.\n٤ - بيع العنب لمن يتخذه خمرًا.\n٥ - من نسي قراءة الفاتحة فى الصلاة.\n٦ - إخراج الزكاة قبل موعدها.\n٧ - الصلاة فى أرض مغصوبة.\n٨ - صبي لم يميز بلغ ماله النصاب، وحال عليه الحول.\n٩ - صبي لم يميز ترك قراءة الفاتحة عمدًا فى الصلاة.\n١٠ - صبي مميز أتلف أساس الجار عن غير عمد.\n١١ - ترك النوم كلية.","vol":"4","page":269},{"text":"١٢ - رجل استُودِع أمانة، فتركها فى موضع نسيانًا، فذهبت عليه.\n١٣ - طلاق السكران.\n١٤ - من فاتته صلاة الجمعة.\n١٥ - أكل الضب.\n١٦ - عقود الاستصناع.\n١٧ - طلَّق ثلاثًا فى مجلس واحد.\n١٨ - إجماعٌ خالف نصًّا.\n١٩ - إجماعٌ خالف قياسًا.\n٢٠ - قياسٌ خالف عرفًا.\n٢١ - من جامع فى نهار رمضان ناسيًا صومه.\n٢٢ - من تيمم، ثم وجد الماء بعد الشروع فى الصلاة.\n٢٣ - سجود التلاوة.\n٢٤ - نذر أن يصوم أيامًا فصام يومين.\n٢٥ - قال لزوجته أنت طالق، ثم قال بعد مدة إن شاء الله.\n٢٦ - قال لزوجته أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا.","vol":"4","page":270},{"text":"٢٧ - قال لزوجته أنت طالق إن كلمت زيدًا، ودخلت الدار، فكلمت زيدًا، ولم تدخل الدار.\n٢٨ - قال لزوجته أنت طالق إن كلمت زيدًا، أو دخلت الدار، فكلمت زيدًا، ولم تدخل الدار.\n٢٩ - قال لزوجته أنت طالق أن «بفتح الهمزة» كلمت زيدًا.\n٣٠ - قتل رجلًا ثم لاذ بالفرار، ودخل الحرم.\n٣١ - ظاهر من امراته فأطعم مسكينًا واحدًا ستين مرة.\n٣٢ - الأضحية بالعمياء.\n٣٣ - تحية المسجد.\n٣٤ - قطع يد السارق إلى المرفق.\n٣٥ - صيام المرأة وزوجها حاضر بدون إذنه.\n٣٦ - تغطية الفم فى الصلاة.\n٣٧ - الصلاة فى ثوب من حرير.\n٣٨ - حكم صلاة من أتى كاهنًا.\n٣٩ - تحية المسجد فى وقت النهى.\n٤٠ - الرهن فى الحضر.","vol":"4","page":271},{"text":"٤١ - الكافر الذى يصد عن سبيل الله هل ذنبه أو إثمه أعظم من المسالم.\n٤٢ - تحرير الرقبة فى كفارة اليمين.\n٤٣ - صلاة العبد الآبق.\n٤٤ - البول قائمًا.\n٤٥ - مسح اليد فى التيمم إلى المرفق.\n٤٦ - استخدام الصوف والوبر من الميتة.\n٤٧ - حكم نقض الوضوء من مس الذكر.\n٤٨ - وجد لمعة في القدم لم يمسها ماء الوضوء بعد الصلاة.\n٤٩ - حكم زواج الربيبة التي لم تُرَبَّ في حجره.\n٥٠ - حكم من جامع في نهار رمضان مدعيًا جهله للحكم.","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-651>التطبيق العملي الثالث:</span>\nعلى أي القواعد والضوابط بنيت الأحكام الآتية:\n١ - النكاح بغير ولي فاسد وليس باطلًا.\n٢ - التعامل بالربا قبل العلم لا إثم عليه.\n٣ - لا يجب الوضوء للصلاة لمن توضأ من قبل.\n٤ - جواز بيع لبن الآدمي.\n٥ - جواز قطع شوك الحرم.\n٦ - الأخذ بقول ابن عباس فى الفدية للحامل والمرضع.\n٧ - عدم الأخذ بقول ابن عباس فى الفدية للحامل والمرضع.\n٨ - لا يجب تحصيل النصاب للزكاة.\n٩ - من حلف ألا ياكل لحمًا فأكل سمكًا لم يحنث، مع تسمية الشرع للسمك لحمًا.\n١٠ - شراء السواك مندوب.\n١١ - لا يصح اعتبار شهادة الصحابى بشهادة رجلين قياسًا على","vol":"4","page":273},{"text":"خزيمة بن ثابت.\n١٢ - قول بعض المفسرين فى تفسير قوله تعالى «والفجر» قال: هو النهار كله.\n١٣ - الدباغ يطهر جميع الجلود.\n١٤ - الدباغ لا يطهر إلا جلود مأكول اللحم.\n١٥ - جواز أكل كلب البحر وخنزيره.\n١٦ - جواز التطهر بالماء المستعمل.\n١٧ - المصالح المرسلة معتبرة شرعًا بخلاف الأحاديث المرسلة مع اتفاقهما فى الإرسال.\n١٨ - العمرة من التنعيم ليس خاصًّا بعائشة ﵂.\n١٩ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] تحريم أكل الميتة.\n٢٠ - قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يدل على أنه يجوز للصائم أن يصبح جنبًا.\n٢١ - جواز الفطر للصائم المتطوع.\n٢٢ - جواز مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة.\n٢٣ - تصح العبادات من الطفل، ولا تجب عليه.","vol":"4","page":274},{"text":"٢٤ - إذا أتلف الصبى شيئًا يضمنه وليه.\n٢٥ - من نذر أن يصوم يومًا بعينه، فلم يصمه وجب عليه القضاء.\n٢٦ - القول بأن الختان عادة قول شاذ.\n٢٧ - جواز إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور.\n٢٨ - المطلقة ثلاثًا فى مرض الموت ترث.\n٢٩ - المغمى عليه لا يجب عليه القضاء.\n٣٠ - الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء.\n٣١ - جواز استعمال الحكام للحيل التى تستخرج بها الحقوق.\n٣٢ - الاقتصار فى غسل الإناء الذى ولغ فيه الكلب على ثلاث غسلات.\n٣٣ - جواز التقاط ما بقي من ثمار الغير بغير إذنه.\n٣٤ - من حلف ألا ياكل الرؤوس فأكل رؤوس الحيتان لا يحنث.\n٣٥ - الوتر ليس واجبًا لأن النبى ﷺ صلاه على الراحلة.\n٣٦ - وجوب الغسل من المني الخارج بغير لذة.\n٣٧ - جواز التضحية بالخنثى من بهيمة الأنعام.\n٣٨ - صحة صلاة من تكلم ناسيًا.","vol":"4","page":275},{"text":"٣٩ - بطلان صلاة مَنْ تكلم ناسيًا.\n٤٠ - شهادة القاذف مردودة ولو تاب.\n٤١ - عدم اشتراط النصاب فى الزكاة.\n٤٢ - وجوب الزكاة فى كل ما أخرجت الأرض.\n٤٣ - جواز قصر الصلاة في كل سفر.\n٤٤ - وقوع الطلاق بالقول، والكتابة، والإشارة.\n٤٥ - وجوب التتابع فى صيام كفارة اليمين.\n٤٦ - الذى ظاهر من امرأته يجوز له وطؤها قبل الإطعام، ولا يجوز قبل الصيام.\n٤٧ - المطلقة ثلاثًا غير الحامل لا تجب النفقة عليها.\n٤٨ - يجوز للمحرم أن يلبس الخفين بدون قطع.\n٤٩ - إذا طهرت الحائض قبل الغروب يجب عليها صلاتي الظهر والعصر.\n٥٠ - لو قال لوكيله طلق زوجتى فلا يطلقها إلا مرة واحدة.\n٥١ - القول بأن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب موجه للمسلمين وخاصة أولياء الامور.","vol":"4","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-652>التطبيق العملي الرابع:</span>\nاذكر القواعد والضوابط الأصولية المشابهة\nللقواعد والضوابط الحديثية الآتية:\n١ - الجرح يقدم على التعديل إن كان مُفَسَّرًا.\n٢ - كلام الأقران يطوى ولا يروى.\n٣ - الحديث الصحيح ينقسم إلى صحيح لذاته، وصحيح لغيره.\n٤ - الحديث الصحيح هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة.\n٥ - الحديث الضعيف لا يترتب عليه حكم.\n٦ - إذا خالف الثقة من هو أوثق منه فحديثه شاذ.\n٧ - اذا خالف الضعيف الثقات فحديثه منكر.\n٨ - زيادة الثقة مقبولة.\n٩ - لا تقبل رواية المدلس إلا إذا صرح بالتحديث.\n١٠ - تتعدد مصطلحات وأساليب الجرح والتعديل.","vol":"4","page":277},{"text":"١١ - الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه يحسن بمجموع طرقه.\n١٢ - شروط تحمل الرواية تختلف عن شروط آدائها.\n١٣ - لا بد من معرفة الإدراج فى الحديث.\n١٤ - تلغى بعض أوصاف التعديل من المتساهلين إذاخالفت جرح المتوسطين والمتشددين.","vol":"4","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-653>التطبيق العملي الخامس:</span>\nوصِّف المسائل الآتية\n(أي تحت أي المواضيع يمكن وضعها):\n١ - بسم الله الرحمن الرحيم.\n٢ - لا إله إلا الله.\n٣ - قال تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].\n٤ - عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.\n٥ - عن عبد الله ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسواإيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: \" ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣].\n٦ - قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل","vol":"4","page":279},{"text":"عمران: ٩٧].\n٧ - قال ﷺ «لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».\n٨ - قال ﷺ «من سمع رجلًا ينشد ضالته فى المسجد فليقل لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا».\n٩ - قال ﷺ «لا يقضي القاضي وهو غضبان».\n١٠ - قال ﷺ «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».\n١١ - قال تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n١٢ - قال ﷺ «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه فى ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا».\n١٣ - قال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].\n١٤ - قال ﷺ «إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يُحَرَّم فحُرِّم من أجل مسألته».\n١٥ - الإيمان للأعمال.","vol":"4","page":280},{"text":"١٦ - الأعمال للإيمان.\n١٧ - نقط المصحف، وشكله، وكتابته.\n١٨ - قال ﷺ «إنا معشر الأنبياء لا نورث».\n١٩ - قال تعالى ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].\n٢٠ - قال تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\n٢١ - الاستطاعة للحج.\n٢٢ - قال تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n٢٣ - قال تعالى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\n٢٤ - قال ﷺ «من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع».\n٢٥ - قال تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\n٢٦ - قالت أم عطية ﵂ «نُهِينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا».","vol":"4","page":281},{"text":"٢٧ - قال ﷺ «الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن».\n٢٨ - قال ﷺ «أنتم أعلم بأمور دنياكم».\n٢٩ - قال ﷺ «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة».\n٣٠ - الزوال لصلاة الظهر.\n٣١ - قال ﷺ «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».\n٣٢ - قال ﷺ «وفى بضع أحدكم صدقة».\n٣٣ - قال تعالى ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].\n٣٤ - قال تعالى ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤].\n٣٥ - الإحرام للنكاح.\n٣٦ - الإفطار للمسافر.\n٣٧ - قال ﷺ «إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث».\n٣٨ - شرب الخمر لمن به غصة.\n٣٩ - حرق الغنائم عند العجز عن حملها.\n٤٠ - قال ﷺ «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».","vol":"4","page":282},{"text":"٤١ - قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].\n٤٢ - قال تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n٤٣ - قال ﷺ «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».\n٤٤ - قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].\n٤٥ - قال تعالى ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].\n٤٦ - قال ﷺ «إن الماء لايجنب».\n٤٧ - قال ﷺ «أمرت بالسواك حتى خشيت أن يفرض علي».\n٤٨ - قال ﷺ «وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».\n٤٩ - قال تعالى ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].\n٥٠ - حقوق الطبع محفوظة.","vol":"4","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-654>التطبيق العملي السادس:</span>\nاستخرج القواعد الأصولية والأحكام الفقهية\nمن الأدلة الآتية:\n١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن فى الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (^١).\n٢ - عن جابر ﵁ قال: «أهَلَّ النبي ﷺ وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة، وقدم عليٌّ من اليمن، وقال أهللت بما أهل به النبي ﷺ، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة، فيطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت»، وحاضت عائشة، فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا.","vol":"4","page":284},{"text":"فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج) (^١).\n٣ - عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال «من باع نخلًا قد أُبِّرَتْ (^٢) فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع» (^٣).\n٤ - عن ابن عمر ﵁ قال «صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد فى السفر عن ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٥١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\n(^٢) قد أُبِّرَتْ: من التأبير وهو التلقيح وهو أن يشق طلع الإناث، ويؤخذ من طلع الذكور، فيوضع فيها ليكون الثمر بإذن الله أجود.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢٠٤)، ومسلم (١٥٤٣) من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا.\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٠٢) من حديث ابن عمر.","vol":"4","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-655>التطبيق العملي السابع:</span>\nاستخرج الأحكام الشرعية من الأدلة الآتية\nموضحًا سبب ذلك:\n١ - قوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].\n٢ - قال رسول الله ﷺ «إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صام ومن شاء ترك».\n٣ - قال ﷺ «أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي».\n٤ - قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨].\n٥ - قال ﷺ «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».\n٦ - قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ","vol":"4","page":286},{"text":"عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].\n٧ - قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣].\n٨ - قال ﷺ لمن قدم أوأخر فى الحج «افعل ولا حرج».\n٩ - قوله تعالى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].\n١٠ - قوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].\n١١ - قال ﷺ «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».","vol":"4","page":287},{"text":"١٢ - قال ﷺ «من شرب فى إناء ذهب أو فضة فإنما يجرجر فى بطنه نار حهنم».\n١٣ - نهى ﷺ عن قتل النساء والصبيان.\n١٤ - قال ﷺ «تسحروا فإن فى السحور بركة».\n١٥ - سئل ﷺ أنصلى فى مرابض الغنم قال «نعم».\n١٦ - قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].\n١٧ - قال ﷺ «لا يشربن أحد منكم قائمًا فمن نسي منكم فليستقئ».\n١٨ - قال ﷺ «ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع».","vol":"4","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-656>التطبيق العملي الثامن:</span>\nاذكر القواعد الأصولية\nالمشابهة للقواعد الفقهية الآتية:\n١ - الوسائل لها أحكام المقاصد.\n٢ - اليقين لا يزول بالشك.\n٣ - الواجب يسقط مع العجز.\n٤ - الضرورات تبيح المحظورات.\n٥ - الميسور لا يسقط بالمعسور.\n٦ - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\n٧ - إذا تزاحم عدد المصالح يقدم الأعلى من المصالح.\n٨ - يسقط الإثم بالخطأ والنسيان.\n٩ - الأحكام لا تتم إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع.\n١٠ - لا يسقط الضمان بالخطأ والنسيان.","vol":"4","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>التطبيق العملي التاسع:</span>\nاجمع الآيات والأحاديث فى كل مسألة من المسائل الآتية، ثم ابحث فى حكمها بما معك من الأدلة والقواعد، دون الرجوع إلى كتب الفقه لتحصل لك الدربة على استنباط الأحكام واستخدام القواعد الأصولية فى ضوء النصوص الشرعية، وبعد استخراج الأحكام راجع كتب الفقه وكلام العلماء لتعلم الصواب من الخطأ:\n١ - حكم استقبال القبلة أو استدبارها فى البول والغائط.\n٢ - الوضوء من لمس المرأة.\n٣ - حكم قراءة الفاتحة للمأموم.\n٤ - سجود السهو في النقصان والزيادة.\n٥ - حكم زكاة الحلي.\n٦ - أيهم أفضل فى الحج: المفرد أم القارن أم المتمتع.\n٧ - حكم بيع الغرر.\n٨ - حكم النكاح بغير ولي.\n٩ - حكم صيام المريض الذى لا يرجى برؤه.\n١٠ - حكم طلاق المرأة فى حيضها.","vol":"4","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-658>المصادر والمراجع</span>\n• القرآن الكريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-659>كتب التفسير وعلوم القرآن:</span>\n• تفسير الطبري.\n• تفسير ابن كثير.\n• تفسير البغوي دار طيبة.\n• زاد المسير لابن الجوزي.\n• تفسير النكت والعيون للماوردي.\n• التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزى.\n• تفسير روح المعاني للألوسي.\n• التفسير البسيط للواحدي.\n• تفسير مقاتل.\n• الدر المنثور للسيوطي.","vol":"4","page":291},{"text":"• الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن طالب.\n• التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور.\n• في ظلال القرآن لسيد قطب.\n• صفوة التفاسير للصابوني.\n• تفسير السعدي.\n• تفسير ابن عثيمين.\n• أحكام القرآن للكيا الهراسي.\n• أحكام القرآن للجصاص دار إحياء التراث.\n• التبيان في آداب حملة القرآن للنووي.\n• القراءات الشاذة أحكامها وآثارها للدكتور إدريس حامد.\n• القراءات الشاذة ضوابطها والاحتجاج بها في الفقه وفي العربية، للدكتور عبد العاطي، دار ابن عفان.\n• تأويل مشكل القرآن لعبد الله بن مسلم الدينوري، المكتبة العلمية.\n• الإتقان للسيوطي.\n• تفسير الرازي دار الفكر.\n• محاسن التأويل للقاسمي.","vol":"4","page":292},{"text":"• تفسير أضواء البيان للشنقيطي.\n• أحكام القرآن لابن العربي دار الكتب العلمية.\n• الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن طالب.\n• كتاب الإسرائيليات في التفسير والحديث. دكتور محمد حسين الذهبي.\n• تفسير القرطبي دار الحديث.\n• فتح القدير للشوكاني.\n• فضائل القرآن للقاسم بن سلام.\n• المصاحف لابن أبي داود.\n• دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي.\n• مناهل العرفان للزرقاني.\n• الصحابة الذين اشتهروا بالأخذ عن أهل الكتاب في كتاب الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، دكتور رمزي نعناعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-660>كتب السنة:</span>\n• موطأ مالك.\n• صحيح البخاري.","vol":"4","page":293},{"text":"• صحيح مسلم.\n• سنن أبي داود.\n• سنن الترمذي.\n• السنن الكبرى للنسائي.\n• سنن ابن ماجه.\n• مسند الإمام أحمد.\n• سنن الدارمي.\n• مسند أبي يعلى.\n• معجم الطبراني الكبير.\n• سنن الدارقطني.\n• صحيح ابن خزيمة.\n• مصنف ابن أبي شيبة.\n• مصنف عبد الرزاق.\n• مستدرك الحاكم.\n• السنن الكبرى للبيهقي.","vol":"4","page":294},{"text":"• العلل للدارقطني.\n• تهذيب سنن أبي داود لابن القيم.\n• العلل لابن أبي حاتم.\n• معرفة السنن والآثار للبيهقي.\n• المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي. ت محمد ضياء عبد الرحمن دار الخلفاء للكتاب الإسلامي.\n• الأوسط لابن المنذر.\n• كنز العمال للمتقي الهندي.\n• الحلية لأبي نعيم.\n• مسائل أحمد رواية ابنه صالح.\n• مسند الحميدي.\n• السنن لسعيد بن منصور.\n• صحيح ابن حبان.\n• السنن الصغرى للبيهقي.\n• السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني.\n• السلسة الضعيفة للشيخ الألباني.","vol":"4","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-661>كتب شروح السنة:</span>\n• شرح مسلم للنووي.\n• شرح مشكل الآثار للطحاوي.\n• التمهيد لابن عبد البر.\n• عون المعبود لشرف الحق العظيم آبادي.\n• شرح السنة للبغوي.\n• إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد.\n• شرح عمدة الأحكام مع حاشية الصنعاني لابن دقيق العيد.\n• الاستذكار لابن عبد البر.\n• غريب الحديث لابن قتيبة.\n• النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ط دار ابن الجوزي.\n• فيض الباري للكشميري الهندي دار الكتب العلمية.\n• معالم السنن للخطابي.\n• فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين.\n• عارضة الأحوذي لابن العربي.\n• المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد الباجي.","vol":"4","page":296},{"text":"• نيل الأوطار للشوكاني دار ابن الجوزي.\n• الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن. دار العاصمة.\n• سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني.\n• فتح الباري للحافظ ابن حجر. دار الحديث.\n• التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن.\n• تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري.\n• الإمام في بيان أدلة الأحكام العلامة الزايد.\n• البدر المنير لابن الملقن.\n• الأحكام الوسطى لعبد الحق الإشبيلي.\n\n<span data-type='title' id=toc-662>كتب العقيدة:</span>\n• درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية.\n• السنة لابن أبي عاصم.\n• حجة الله البالغة للشاه ولي الله الدهلوي.\n• الاعتقاد للبيهقي.\n\n<span data-type='title' id=toc-663>كتب الفقه والفتاوى:</span>\n• الفقيه والمتفقه للخطيب.","vol":"4","page":297},{"text":"• مجموع الفتاوى لابن تيمية. طبعة مجمع الملك فهد.\n• المقنع في فقه الإمام أحمد لابن قدامة.\n• حاشية ابن عابدين. طبعة دار الفكر بيروت.\n• المجموع للنووي. دار الفكر بيروت.\n• الوجيز في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي.\n• المدخل الفقهي للزرقا.\n• الإبهاج شرح المنهاج للسبكي. طبعة مكتبة الكليات الأزهرية.\n• النجم الوهاج شرح المنهاج لأبي البقاء الشافعي.\n• بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد. طبعة التوفيقية.\n• إقامة الدليل على إبطال التحليل لابن تيمية. دار الكتب العلمية.\n• الفتاوى الكبرى لابن تيمية.\n• الأم للشافعي. ط دار الوفاء.\n• مجموع فتاوى ورسائل لابن عثيمين.\n• مغني المحتاج لشمس الدين الخطيب الشربيني. دار إحياء التراث العربي.\n• بدائع الصنائع للكاساني. ط الكتاب العربي.","vol":"4","page":298},{"text":"• الخراج ليحيى بن آدم.\n• الأموال لأبي عبيد.\n• المبسوط للسرخسي ط دار المعرفة.\n• المغني لابن قدامة. ط هجر.\n• التحرير للمقدوري. ط دار السلام.\n• تطبيقات الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، دكتور محمد المختار الشنقيطي، مكتبة الصحابة.\n• الفروق للقرافي ط دار الرسالة.\n• البيان للعمراني الشافعي ط دار المنهاج.\n• فتاوى اللجنة الدائمة.\n• تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي.\n• فتح العلي المالك في الفنون على مذهب مالك للشيخ عليش دار المعرفة.\n• كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعبد العزيز البخاري دار الكتاب العربي.\n• التأويل عند أهل العلم لأبي محمد الحسن بن العلي الكتاني.","vol":"4","page":299},{"text":"• شرح مشكلات الهداية صدر الدين علي بن علي بن أبي العز الحنفي.\n• حاشية العطار.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>كتب الأصول والمقاصد والقواعد الفقهية:</span>\n• الرسالة للشافعي.\n• البحر المحيط للزركشي دار الكتب.\n• أحكام الفصول للباجي.\n• الورقات للجويني.\n• مختصر التحرير شرح الكوكب المنير لابن النجار.\n• جمع الجوامع للسبكي.\n• المنتهى لابن الحاجب.\n• مختصر الروضة للطوفي.\n• المنهاج للبيضاوي.\n• الموافقات للشاطبي.\n• البرهان للجويني.\n• المستصفى للغزالي.","vol":"4","page":300},{"text":"• قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني.\n• شرح تنقيح الفصول للقرافي.\n• التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي لخالد بن سعدبن فهد الخشلان.\n• العدة في أصول الفقه لأبي يعلى الفراء.\n• الإعلام في أصول الأحكام، للمؤلف عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي.\n• مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي مكتبة العلوم والحكم.\n• روضة الناظر لابن قدامة دار الريان.\n• شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي دار الكتب العلمية لعضد الدين بن عبد الرحمن الإيجي.\n• تيسير علم أصول الفقه للجديع مؤسسة الرسالة.\n• الوجيز في أصول الفقه للزحيلي دار الخير دمشق.\n• الإحكام للآمدي المكتب الإسلامي.\n• المهذب في أصول الفقه المقارن للدكتور عبد الكريم النملة مكتبة الرشد.","vol":"4","page":301},{"text":"• مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية لصالح بن محمد آل عمير.\n• المنثور في القواعد الفقهية للزركشي وزارة الأوقاف الكويتية.\n• حاشية البناني على شرح جمع الجوامع للعطار.\n• نهاية السول على منهاج الوصول للإسنوي.\n• أصول الفقه عياض السلمي دار التدمرية بالرياض.\n• أصول الفقه للخضري.\n• القواعد الفقهية لنادية العامري.\n• الجامع لمسائل أصول الفقه للدكتور عبد الكريم النملة مكتبة الرشد بالرياض.\n• الأصول من علم الأصول للشيخ ابن عثيمين.\n• إعلام الموقعين لابن القيم.\n• أصول الفقه لأبي زهرة.\n• أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف.\n• شرح اللمع للشيرازي.\n• النوازل الأصولية للدكتور أحمد بن عبد الله الضويحي.","vol":"4","page":302},{"text":"• الأساس في أصول الفقه للدكتور محمود عبد الرحمن.\n• إرشاد الفحول للشوكاني ط دار السلام.\n• المسودة لآل تيمية طبعة دار الكتاب العربي.\n• مقاصد الشريعة عند ابن القيم للدكتور سميح بن عبد الوهاب الجندي.\n• الإجماع لابن المنذر.\n• الأحكام السلطانية للماوردي.\n• الرسالة الندية في القواعد الفقهية للمؤلف عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي.\n• الإسلام وضرورات الحياة لعبد الله قادري الأهدل.\n• مقاصد الشريعة الإسلامية للدكتور محمد سعد اليوبي.\n• بداية القاصد إلى علم المقاصد للدكتور مسعود صبري.\n• شرح مقاصد الشريعة للدكتور عياض السلمي.\n• مقاصد الشريعة عند ابن تيمية للدكتور يوسف البدوي.\n• مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور ط دار القلم.\n• الاستقراء ودوره في معرفة مقاصد الشريعة للدكتور نور الدين الخادمي.","vol":"4","page":303},{"text":"• أثر مقاصد الشريعة في تعميق الوعي الحضاري مسفر بن علي بن محمد القحطاني.\n• مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني.\n• القول المفيد. محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور الريسوني.\n• معالم أصول الفقه لأهل السنة والجماعة لمحمد بن حسن الجيزاني.\n• نهاية الوصول في دراية الأصول للأرموي الهندي.\n• أصول الفقه لابن مفلح.\n• نثر الورود على مراقي السعود للشنقيطي.\n• الاستعداد لرتبة الاجتهاد من الحكم الشرعي إلى نهاية الكتاب لعبد الرحمن بن صالح بن إبراهيم رسالة ماجستير.\n• حجية مفهوم المخالفة وشروطه للدكتور محمود شاكر.\n• التلويح على التوضيح للتفتازاني.\n• تلقيح الأفهام العلية لشرح القواعد الفقهية لوليد السعيدان.\n• المنخول للغزالي.","vol":"4","page":304},{"text":"• شرح نظم الورقات لأحمد بن عمر الحازمي دروس صوتية مفرغة.\n• شرح الورقات للفوزان.\n• الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول لمحمود بن محمد بن مصطفى المنياوي.\n• تعليق الشيخ عبد الرازق عفيفي على الإحكام للآمدي.\n• المطلق والمقيد للدكتور حمد بن حمد.\n• أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء للدكتور محمد حسن عبد الغفار.\n• شرح مراقي السعود للدكتور مصطفى بن كرامة محاضرات صوتية.\n• المختصر شرح مختصر ابن الحاجب.\n• نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي.\n• أصول الفقه على منهج أهل الحديث زكريا بن غلام الباكستاني.\n• تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي.\n• المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول محمود بن محمد المنياوي.\n• الأمر والنهي عند الأصوليين لعزة كامل مصطفى.","vol":"4","page":305},{"text":"• الاعتصام للشاطبي.\n• شرح العمد لأبي الحسين البصري.\n• التقريب والإرشاد للباقلاني.\n• الانتقاء لابن عبد البر.\n• نهاية الأرب للنويري.\n• فواتح الرحموت لابن النظام.\n• الفروق للقرافي طبعة دار عالم الكتب.\n• نصب الراية للزيلعي.\n• التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي، المكتبة الأزهرية للتراث.\n• شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح للتفتازاني.\n• أهمية الإجماع في بناء التشريعات وتحقيق سيادة الأمة عند الدكتور عبد الرزاق الشهوري، والدكتور عبد الحق الإدريسي.\n• مجلة جيل حقوق الإنسان العدد ٣٤.\n• التحقيق والبيان شرح البرهان للإبياري ط وزارة الشؤون الإسلامية قطر.","vol":"4","page":306},{"text":"• النبذة الكافية في أصول الفقه لابن حزم ط دار الكتب العلمية.\n• المعيار للوتشريسي.\n• إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصرلعلي بن محمد بن عبد الملك الكتامي.\n• رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب للسبكي ط عالم الكتب.\n• معراج المنهاج شرح منهاج الوصول لمحمد بن يوسف الجزري.\n• الأشباه والنظائر للسبكي دار الكتب العلمية.\n• شرح نظم الورقات لابن عثيمين دار ابن الهيثم.\n• اللمع للشيرازي.\n• مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول للتلمساني.\n• الوجيز في أصول الفقه المالكي لمحمد عبد الغني.\n• شرح الورقات للخضيري.\n• التحبير شرح التحرير للمرداوي مكتبة الرشد.\n• نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي.\n• العلة عند الأصوليين لمبارك عامر.\n• مباحث العلة في القياس عند الأصوليين لعبد الحكيم السعدي.","vol":"4","page":307},{"text":"• شفاء الغليل في بيان الشبه والمثيل ومسالك التعليل للغزالي.\n• غاية الوصول شرح لب الأصول للشيخ زكريا الأنصاري ط الحلبي.\n• الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي.\n• إجابة السائل شرح بغية الآمل لمحمد بن إسماعيل الصنعاني.\n• الحاصل من المحصول لتاج الدين الأرموي ط جامعة قابوس.\n• الغيث الهامع شرح جمع الجوامع للعراقي، دار الكتب العلمية.\n• حاشية العطار على جمع الجوامع.\n• نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول لعيسى بن منون.\n• المذاهب وأدلتها مجلة الشريعة العدد ٤٢.\n• قياس الشبه دكتور محمود عبد الرحمن، دار اليسر.\n• نشر البنود على مراقي السعود لعبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي.\n• التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب لخليل بن إسحاق.","vol":"4","page":308},{"text":"• التلخيص في أصول الفقه للجويني ط دار البشائر الإسلامية.\n• رفع الحرج في الشريعة الإسلامية للدكتور باحسين ط مكتبة الرشد.\n• اختلاف الأئمة العلماء للوزير ابن هبيرة ط دار الكتب العلمية.\n• الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان دار التوزيع والنشر الإسلامية.\n• الواضح في أصول الفقه لابن عقيل ط مؤسسة الرسالة.\n• الاستصحاب وأثره في الأحكام الفقهية، بحث في مجلة القلم العدد الثالث.\n• منظومة القواعد الفقهية لفهم النصوص الشرعية للشيخ السعدي.\n• أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي.\n• تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ط مؤسسة الرسالة.\n• أصول الشاشي لنظام الدين أحمد بن محمد الشاشي ط دار الكتب العلمية.\n• التحقيقات والتنقيحات السلفيات على متن الورقات للشيخ مشهور.\n• قول الصحابي وأثره في المسائل الفقهية أحمد الحجيلي.","vol":"4","page":309},{"text":"• قواعد الأحكام في مصالح الأنام لسلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام، دار البيان العربي.\n• المصالح المرسلة للشنقيطي.\n• حجية المصالح المرسلة، مجلة الجامعة الإسلامية.\n• المصلحة المرسلة وتطبيقاتها المعاصرة، عبد الحميد علي حمد محمود، جامعة نجاح الوطنية، نابلس فلسطين.\n• المصلحة المرسلة ضوابطها وبعض تطبيقاتها المعاصرة، دكتور محمود زركطود.\n• قواعد الذرائع في المعاملات المالية، دكتور سامي سويلم، ضمن فعاليات المؤتمر الخامس عشر للهيئات الشرعية والمؤسسات المالية الإسلامية.\n• ضوابط العمل بسد الذرائع، موقع الدكتور خالد المصلح.\n• الاستحسان حقيقته وأنواعه وحجيته للباحسين.\n• قواعد الذرائع في المعاملات المالية سامي سويلم المؤتمر الخامس عشر للهيئات الشرعية والمؤسسات المالية الإسلامية.\n• القوانين الفقهية لابن جزى ط دار ابن حزم.","vol":"4","page":310},{"text":"• العرف وتطبيقاته المعاصرة دكتور سعود بن عبد الله الورقي.\n• وقائع الإصابة والأحوال وأثرها في تعميم الأحكام لمحمود عبد الرحمن عبد المنعم.\n• أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية للأشقر.\n• إجمال الإصابة لخليل بن كيكلدي ت محمد سليمان الأشقر ط مؤسسة الرسالة.\n• أدلة التشريع المختلف فيها لعبد العزيز الربيعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-665>كتب علوم الحديث، وعلوم القرآن:</span>\n• مقدمة ابن الصلاح طبعة دار الفكر.\n• تغليق التعليق للحافظ ابن حجر.\n• مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-666>كتب التاريخ والسير:</span>\n• التاريخ الكبير للبخاري.\n• تاريخ بغداد للخطيب.\n• صفة الصفوة لابن الجوزي.\n• وفيات الأعيان لابن خلكان.","vol":"4","page":311},{"text":"• مناقب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي.\n• الفهرست لابن النديم.\n• مقدمة ابن خلدون.\n• طبقات الشافعية للسبكي.\n• طبقات الشافعيين لابن كثير.\n• سير أعلام النبلاء للذهبي.\n• الضعفاء للعقيلي.\n• الطبقات الكبرى لابن سعد.\n• الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر.\n• ما شاع ولم يثبت في السيرة لمحمد بن عبد الله العوشن.\n• السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي.\n• تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة لخليل بن كيكلدي الدمشقي.","vol":"4","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-667>كتب اللغة:</span>\n• لسان العرب لابن منظور.\n• المصباح المنير للفيومي طبعة المكتبة العلمية.\n• القاموس المحيط للفيروز آبادي طبعة مؤسسة الرسالة.\n• الغريبين في القرآن والحديث لأحمد بن محمد الهروي طبعة مكتبة نزار الباز.\n• الصحاح للجوهري طبعة دار العلم للملايين.\n• المغرب في ترتيب المعرب لناصر بن عبد السيد أبى المكارم بن على، أبي الفتح برهان الدين الخوارزمي المطرزى.\n• المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية.\n• معجم مقاييس اللغة لابن فارس طبعة دار الفكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-668>كتب الأدب والأخلاق:</span>\n• الحلم لابن أبي الدنيا.\n• مجمع الأحكام والأمثال في الشعر العربي لأحمد قبش.\n• تذكرة السامع لابن جماعة.\n• إحياء علوم الدين للغزالي.","vol":"4","page":313},{"text":"• أدب الدنيا والدين للماوردي.\n• التبصرة لابن الجوزي.\n• جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر.\n\n<span data-type='title' id=toc-669>كتب أخرى:</span>\n• ديوان الشافعي تحقيق خفاجي.\n• التعريفات للجرجاني.\n• مدارج السالكين لابن القيم.\n• بدائع الفوائد لابن القيم.\n• الحدود للباجي.\n• العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي.\n• محاسن الاصطلاح للبلقيني.\n• دستور العلماء أو جامع العلوم في اصطلاحات الفنون للقاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري.\n• التعريفات للمناوي.\n• نزهة النظر لابن حجر.\n• زاد المعاد لابن القيم ط الرسالة.","vol":"4","page":314}]}