{"ً":{"ٌ":30107,"ٍ":"إيضاح المريب من تعليق اعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["30102/30102.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إيضاح المريب من تعليق اعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب\n(مطبوع مع مسند الجن)\nالمؤلف: أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري الحسني (ت ١٣٨٠ هـ)\nتحقيق وتقديم: الدكتور عَدْنَان بن عَبد الله زُهَار\nالناشر: دار الرشاد الحديثية، الدار البيضاء - المغرب\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٨ م\nعدد الصفحات: ٣٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2814,"ٕ":10,"ٖ":1770156117,"ٗ":16},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"الكتاب الثالث «إيضاح المريب من تعليق إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب»","level":2,"page":2},{"title":"الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق في سطور","level":2,"page":4},{"title":"منهج التحقيق","level":2,"page":14},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":16},{"title":"فصل في رد تضعيف حديث وهو منكر وبيان الفرق بينهما","level":2,"page":16},{"title":"فصل في نفي الإدراج عن لفظة «المحاريب»","level":1,"page":19},{"title":"فصل في بيان الفرق بين قولهم: «مرسل» وقولهم «أرسله فلان» وقولهم «فيه إرسال»","level":1,"page":23},{"title":"فصل في حكم من قيل فيه: «صدوق»","level":1,"page":28},{"title":"فصل في ذكر متابعة غفل عنها الشيخ عبد الله بن الصديق","level":1,"page":30},{"title":"فصل في رد خبر لمخالفته للواقع","level":1,"page":31},{"title":"فصل في بيان الفرق بين نقد الحديث ونقد سند فيه","level":1,"page":32},{"title":"فصل في رد الانتقاد على السيوطي","level":1,"page":32},{"title":"خاتمة","level":1,"page":34}],"ٛ":{"1,5":1,"1,19":2,"1,20":3,"1,21":4,"1,22":5,"1,23":6,"1,24":7,"1,25":8,"1,26":9,"1,27":10,"1,28":11,"1,29":12,"1,30":13,"1,31":14,"1,32":15,"1,185":16,"1,186":17,"1,187":18,"1,188":19,"1,189":20,"1,190":21,"1,191":22,"1,192":23,"1,193":24,"1,194":25,"1,195":26,"1,196":27,"1,197":28,"1,198":29,"1,199":30,"1,200":31,"1,201":32,"1,202":33,"1,203":34},"ٜ":{"1":[5,203]},"ٝ":["1,5","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"14":[4],"16":[5,6],"19":[7],"23":[8],"28":[9],"30":[10],"31":[11],"32":[12,13],"34":[14]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15]},"pages":[{"text":"﷽\n<span class='title'>تقديم </span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،\nفهذا مجموع يضمّ ثلاثة كتب نفيسة في علم الرواية والإسناد والنقد الحديثي للإمام الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، أتحف به عامة القراء، وأهل الحديث على وجه الخصوص، لما فيها جميعها من فوائد علمية وفرائد حديثية ونفائس في التحقيق ودرر في التدقيق والتعليق، على عادة هذا الإمام الجهبذ الحافظ الكبير أحمد بن الصديق، الذي لم ير مثل نفسه خصوصا في علم الحديث وعلله …","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>الكتاب الثالث «إيضاح المريب من تعليق إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب»</span>\n• هذه الرسالة من أنفس الرسائل الحديثية التي ألفها الحافظ أحمد بن الصديق وألطفها، بحيث جعلها تصويبا لبعض الهنات التي وقعت في تعليق شقيقه الإمام الأجل المحدث الأصولي الكبير عبد الله بن الصديق الغماري على كتاب «إعلام الأريب ببدعة المحاريب» للحافظ السيوطي. فقال في مقدمته: «فهذا جزء بينت فيه ما وقع لشقيقي العلامة المحدث الداعية المحقق الغيور على الشريعة المحمدية والذاب عنها، السيد عبد الله ابن الصديق في تعليق على «إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب» للحافظ السيوطي، فيما يجب مناقشته فيه لتساهل وقع منه في العبارة أو عدم تأمل فيما كتبه من الأبحاث». اهـ\n• وأشار المؤلف فيه أنه كتب هذه الانتقادات التاريخية والحديثية إملاء وفي ساعات كدر، وأتى فيه برغم ذلك من الفوائد والنفائس الحديثية ما لا يتأتى لكثير من العلماء مع صفاء الأحوال ووجود الكتب والمظان، ولا أقل منه.\n• ولذلك علق عليه شقيقه المحدث الألمعي عبد العزيز بن الصديق بشهادة فيه وفي مؤلفه تدل على عظيم خطر هذا التأليف الذي ليس هو إلا ورقات لكنها جمعت من الخيرات العلمية ما لا تجود به غيرها من كبرى المصنفات، كما تجده في محله من هذه الرسالة.\n• ولم يخل تعقيبه من تجريحه العصريه العلامة محمد زاهد الكوثري رَحِمَهُ اللاه تعالى لما كان بينهما عادة من سجال علمي أفضى إلى خصومات وردود لا تخلو من منافع وعلوم.","vol":"1","page":19},{"text":"• وأرى أن هذه الرسالة لو ضمت لكتب المصطلح أو الجرح والتعديل لكانت أكثر نفعا وأعمق فائدة لتضمنها تصحيحات المفاهيم مغلوطة في هذين الفنين الجليلين أزعم أنها من أبكار الأفكار.\n• واعتمدت في إخراجه على نسخة بخط المؤلف ﵀، من محفوظات «دار الكتب» رقم ٤٩، في واحد وعشرين لوحة تتضمن كل واحدة منها قرابة عرشين سطرا.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق في سطور </span>(^١)\nتنازع الناس في الشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ نزاعا شديدا، واختلفت مقالات أهل العلم والتاريخ فيه اختلافا كبيرا، وتضاربت الآراء في نقد مشروعه العلمي والإصلاحي تضاربا لافتا، بين معتقد غارق ومنتقد حانق، وتوسّطت طائفة فاعتدلت (^٢)، فعرفت للرجل قدره وشكرت جهده وعذرت خطأه وتجاوزت زلله.\nومهما يكن من خلاف فيه، فإنهم لم يختلفوا في كونه أحد أفراد الزمان في علوم الدين وعلوم الحديث على وجه الخصوص (^٣)، وإنما اختلفوا في اختياراته العقدية ومنهجه في نقد الرجال متقدميهم ومتأخريهم، وعباراته في الجرح والتعديل، ومواقفه جهة المقلدة من جهة ولزعماء الأحزاب السياسية في زمانه من جهة أخرى.\nولا يخفى أن هذه الأمور أسباب كافية لتحريض الناس عليه واجتماعهم على النيل\n_________\n(^١) ترجم له عدد من العلماء منهم: أحمد بن الصديق نفسه في «البحر العميق في مرويات ابن الصديق». وفي «سبحة العقيق في ترجمة سيدي محمد بن الصديق». وشقيقه عبد الله بن الصديق في «سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق» ص ٥٥. وعبد السلام بن سودة في «سل النصال للنضال بذكر الشيوخ وأرباب الكمال» ص ١٨١. وفي «إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع» ص ٥٧٤. وابن الحاج السلمي في «إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين» ص ٣٤. وعبد الله التليدي في «حياة الشيخ أحمد بن الصديق». وفي «تحفة القاري في بعض مبشرات وكرامات أحمد بن الصديق الغماري». ومحمود سعيد ممدوح في «تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع» ص ٧١. وفي «تزيين الألفاظ بتميم ذيول تذكرة الحفاظ» ص ١٠١. وفي «مسامرة الصديق ببعض أحوال أحمد بن الصديق». وفي «تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع» ١/ ٢٧٠. وعدنان بن عبد الله زهار - كاتبه - في «نهج السداد والتوفيق في الذب عن الحافظ أحمد بن الصديق»، وغيرهم.\n(^٢) وأنا منهم.\n(^٣) وما ينتحيه اليوم بعض المغمورين من توهين مقامه العلمي فيما يسمونه تحقيقا أو دراسة لا يلتفت إليه ولا يعبأ به، لأن طعن المجاهيل في الأعلام طعن في أنفسهم، وتجريح الضعفاء للموثقين زيادة في ضعفهم، كما تقرر في علوم الجرح والتعديل.","vol":"1","page":21},{"text":"منه وطعنهم فيه، لأنه بما هو مودع في قلبه من الإخلاص في الدفاع عن الحق الذي يراه حقا - بادأهم بالخصومة وعاجلهم بالانتقاد، فلم يظفر برضاهم ولا حفل بتعديلهم وثناء كثير منهم، ولا زال مُقلدوا خصومه وأتباع بعض منتقديه يحتفلون يوما بعد يوم بالطعن فيه ويفرحون بالوقوف على زلة له ولو كانت متوهمة أو متخيلة أو مكذوبة، والمكذوب عليه المتوهم له أكثر بكثير مما ينتقد عليه حقيقة وواقعا … بل إن من خصومه من أتى بأغرب غرائب الدنيا في علم الرواية والإسناد حيث حكم بكفره الصراح مرات ودوّنه في كتب ومخاطبات، ومع ذلك يجيز المستجيزين من طريق هذا الكافر؛ وكذلك يفعل أهل الأهواء الذين حكموا على الأشاعرة بالضلال ثم يجيزون كتب السنة والرواية من طريق جماعة منهم وضللوا الصوفية وخلصوا إلى الحكم بزندقتهم ثم يروون الأحاديث بأسانيدهم التي تفردوا بها. ولهذه الظواهر الغريبة والاضطرابات الفكرية العجيبة تفسيرات وتأويلات عديدة أجبنا عنها في كتب ومقالات أخرى فارجع إليها.\nوليس لشدة الخصوم على الحافظ أحمد بن الصديق تفسير إلا أنه رجل مؤثر بعلمه ونصاع حجته وعميق فهمه ودقيق تحقيقه وبراعة أسلوبه وتحقق صدقه في مكتوباته، ولأنه صاحب حجة ودليل، وناقض للتقليد ناقد للمقلدين، جاهر بالحق الذي يرتضيه غير مداهن في دينه ولا دنياه، ومثل هذا لا بد أن ينال به حظه من الطعن والعداء …\nولراقم هذه السطور كتاب حافل في بيان مذهبه والجواب عن آرائه، طبع قديما تحت عنوان «دفاعا عن سليل الأشراف الإمام الحافظ أحمد بن الصديق الغماري»، ذكرت فيه أقواله المنتقدة عليه وأجبت عنها بما أظنه دليلًا له فيها، من غير أن أعتقد كثيرا منها ولا أتبنى مقولاته فيها، كطعنه في بعض الأصحاب ﵁، وفي السادة الأشاعرة، وفي المذهبية، وفي مثل شيخنا أبي العباس أحمد التجاني رض الله عَنْهُ وعنا به آمين، فليس من شيم أهل العلم ولا من خلق الصادقين غمط الحق وإنكار الجميل ولو من أهل الهفوات وأصحاب الزلات … فمعرفة قيمة الرجال والاعتراف بها لا يعني","vol":"1","page":22},{"text":"تبني مذاهبهم مطلقا، كما أن مخالفتهم في آرائهم ومناهجهم لا يجوز الطعن فيهم مطلقا، وهذه طريقة المحرومين، وأما أمثل الطرق وأولاها بالاعتبار فهي الاعتدال في الرجال والأخذ من علومهم وعذر زلاتهم …\nوهذا مختصر لترجمته ﵀:\nهو أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق ينتهي نسبه إلى سيدنا عبد الله الكامل ابن سيدنا الحسن المثنى بن سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ.\nولد بطنجة عام ١٣٢٠ هـ ونشأ بها، وبها حفظ القران الكريم والمتون المتداولة وأخذ مبادئ العلوم، وفي سنة/ ١٣٣٩ سافر إلى القاهرة حيث قرأ كتب النحو المتداولة في الأزهر وشرح الباجوري على السلم، وشرح التحرير في الفقه الشافعي ومسند الشافعي، والأدب المفرد للبخاري، على الشيخ محمد إمام بن إبراهيم السقا.\nوقرأ على الشيخ محمد بن سالم الشرقاوي - الشهير بالنجدي شيخ الشافعية - «مشكاة المصابيح» و«الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع»، وقرأ على الشيخ أحمد نصر العدوى المالكي «شرح النووي على مسلم»، وبعض من «سنن أبي داود».\nوحضر على الشيخ محمد السملوطي «تفسير البيضاوي» و«موطأ الإمام مالك» وقرأ مختصر الشيخ خليل على الشيخ عبد المقصود عبد الخالق، وقرأ «صحيح البخاري» بكامله، و«الأذكار» للنووي، و«عقود الجمان» في البلاغة، وبعض من «المستدرك» للحاكم، و«المعجم الصغير» للطبراني، وأكثر مسلسلات ابن عقيلة، و«أوائل العجلوني» وغيرها على الشيخ عمر بن حمدان المحرسي وقت وجوده بالقاهرة.\nوحضر على شيخ علماء مصر، الشيخ محمد بخيت المطيعي الإسنوي على «المنهاج الأصولي»، وبعضا من «صحيح البخاري» و«شرح الهداية» للمرغناني، كما لازم دروسه في التفسير بالرواق العباسي بالأزهر.","vol":"1","page":23},{"text":"وله مشايخ آخرون جاوزوا المائة، ذكرهم مع مقروءاته عليهم في «المعجم الوجيز للمستجيز» و«البحر العميق في مرويات ابن الصديق».\nوبعد أن تضلع في العلوم انقطع في منزله واشتغل بالحديث، وشرع في تخريج أحاديث «مسند الشهاب» الذي أسماه «فتح الوهاب بتخريج أحاديث مسند الشهاب».\nجهد هذا الحافظ الغماري في هذا الشأن واجتهد، وحرر الرجال وانتقى وانتقد، وكتب بخط يده الشيء الكثير فكان في عادته إذا وقف على جزء ينسخه، وإن لم يستطع وكان جزءا أو كتابا كبيرا، علق لنفسه أحاديثه المسندة كما فعل في كتابه «المؤانسة بالمرفوع من حديث المجالسة» للدينوري، ولم يكن له هم سوى التصنيف والإفادة، وتوغل في ذلك حتى صار حافظا ناقدا.\nومما عرف به الشيخ ﵀ نبذه للتقليد المذموم والتعصب الممقوت، ولذلك وقع في المقلدة وقعة شديدة، ورأى أن الواجب عليه هو الاجتهاد، فقال في أحد مصنفاته: «فلما نظرنا في كتب الخلاف العالية وكشف لنا عن حقائق تلك المذاهب، وأفل تحقيقها في نظرنا صرنا لا نقلد أحدا من خلق الله تعالى لا الشافعي ولا غيره، وإنما ننظر في كتبهم على سبيل النظر في أقوالهم ومعرفة دلائلهم والتفقه منها والتبصر بها، والاهتداء بعلمهم والسير على طريقهم لا على سبيل تقليدهم».\nقال شيخنا محمد سعيد ممدوح في «تزيين الألفاظ» (^١): «وهو مستحق للوصف بالحفظ، وقد وصفه بذلك جمع من أعيان شهوده من ذوي الخبرة بالحديث وعلومه، فقد اشتهر بالطلب والأخذ من أفواه الرجال، وكان على معرفة بالجرح والتعديل، وبطبقات الرواة، مع تمييزه لصحيح الحديث من ضعيفه، وكان حفظه للحديث قويا وزاد على ما سبق أمرين:\n_________\n(^١) ص ١٠٤","vol":"1","page":24},{"text":"أولهما: أماليه الحديثية، قال الحافظ الذهبي في «الموقظة» (^١): «وكان الحفاظ يعقدون مجالس الإملاء، وهذا عدم اليوم.» اهـ\nوثانيهما: كتابته المستخرجات، فاستخرج على «مسند الشهاب» للقضاعي، وجاء المستخرج في مجلدين ضخمين، ولم يكتف بالاستخراج على المسند فقط، بل يأتي بما في الباب بشرط إيراده مسندا ليكون الكتاب كله على منوال واحد. ووضع مستخرجا على «شمائل الترمذي» فصارت في مجلد ضخم بعد أن كانت في جزء، كما استخرج على ما أسنده السهروردي في «عوارف المعارف». انتهى المنقول من «التزيين».\nوكان الحافظ أحمد بن الصديق ﵀ يدرس «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» بالجامع الكبير بطنجة، فكان يملي ثمانين حديثا بأسانيدها من حفظه بلا تلعثم ولا توقف، ثم إذا فرغ منها يرجع فيبتدئ بالحديث الأول فيتكلم على تخريجه، وذلك بأن يذكر من وافق المصنف على تخريج ذلك الحديث من أصحاب الأمهات والأصول المسندة، ثم يذكرها بألفاظها وطرقها ورواتها معزوة إلى مخرجيها. وهو في ذلك كله يصحح ويحسن ويضعف، ثم ينتقل لرجال الحديث فيتكلم عن تراجمهم واحدا إثر الآخر، فيذكر مواليدهم ونشأتهم ورحلاتهم وشيوخهم وتلامذتهم وأحوالهم وسيرهم ووفياتهم، وكانت تراجم هؤلاء جميعا نصب عينيه كأنه عاصر الجميع.\nومصنفات الحافظ أحمد بن الصديق ﵀ كثيرة حتى وصف بكونه سيوطي عصره، لسيلان قلمه وكثرة مؤلفاته نذكر في هذه العجالة بعضا منها:\nفقد كتب ﵀ «إتحاف الحفاظ المهرة بأسانيد الأصول العشرة»، «الأجوبة الصارفة لإشكال حديث الطائفة»، «إرشاد المربعين إلى طرق حديث الأربعين»،\n_________\n(^١) ص ٦٧.","vol":"1","page":25},{"text":" «الاستعاضة بحديث وضوء المستحاضة»، «الأمالي المستظرفة على الرسالة المستطرفة»، «بيان الحكم المشروع في أن الركعة لا تدرك بالركوع»، «بيان غربة الدين بواسطة العصريين المفسدين»، «البيان والتفصيل لوصل ما في الموطأ من البلاغات والمراسيل»، «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال»، «التعريف بما أتى به حامد الفقي في تصحيح الطبقتين خاصة من التصحيف»، «توجيه الأنظار إلى توحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار»، «جؤنة العطار في طرف الفوائد ونوادر الأخبار»، «الحسبة على من جوز صلاة الجمعة بلا خطبة»، «حصول التفريج بأصول العزو والتخريج»، «درء الضعف عن حديث من عشق فعف»، «الزواجر المقلقة لمنكري التداوي بالصدقة»، «شوارق الأنوار المنيفة بظهور النواجذ الشريفة»، «صلة الوعاة بالمرويات والرواة»، «طباق الحال الحاضرة بما أخبر به سيد الدنيا والآخرة»، «الطرق المفصلة لحديث أنس في قراءة البسملة»، «عواطف اللطائف بتخريج أحاديث عوارف المعارف»، «العتب الإعلاني لمن وثق صالح الفلاني»، «فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي»، «فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب»، «كتاب ليس كذلك في الاستدراك على الحفاظ»، «مجمع فضلاء البشر من أهل القرن الثالث عشر»، «مسالك الدلالة على مسائل الرسالة»، «مفتاح الترتيب لأحاديث الخطيب»، «المداوى لعلل المناوي»، «المسهم بطرق حديث طلب العلم فريضة على كل مسلم»، «مغنى النبيه عن المحدث والفقيه»، «المثنوني والبتار»، «هداية الرشد بتخريج أحاديث بداية ابن رشد»، «وشي الإهاب في المستخرج على مسند الشهاب» … وغيرها من المصنفات والمؤلفات النافعة والتي سارت بها الركبان وأفاد منها الخاص والعام.\nومن شهادات العلماء في الشيخ أحمد بن الصديق:\n- ما قاله الشيخ تقي الدين الهلالي رَحِمَهُ اللاه تعالى: «ما رأيت مثله حفظا واستظهارا واستدلالا، فقد دخلت مصر والشام والعراق والحجاز والهند والمغرب، فما رأيت مما يشابهه، إلا عالما بالهند يشابهه في الجملة».","vol":"1","page":26},{"text":"وكان الهلالي أيضا يرجع في المسائل الحديثية إلى الشيخ ﵀ رغم ما كان بين الرجلين من خصومة بسبب اختلاف المذاهب والآراء، فقد جاء في جريدة الأخبار عدد ١٧٣ بتاريخ ٢٦ شوال ١٣٦٢ هـ هذا السؤال: «سيدي الشريف العلامة إمام المحدثين» الشيخ أحمد بن الصديق، السلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته، أما بعد، فبما أنه نشر في جريدة «الأخبار» الغراء جواب الدكتور تقي الدين الهلالي عن حديث المستكرهة على الزنا، بعد إثباته للحديث اعتمادا على تحسين الإمام الترمذي وموافقة ابن قيم له. وتصدى لمناقشته الحساب صاحبا الفضيلة العلامة السيد محمد الزمزمي والعلامة السيد الناصر الكتاني، وأدليا بأن الحديث آنف الذكر ساقط لا يثبت به إشكال، مما يحتاج إلى الجواب، فكتب الدكتور الهلالي بعد ذلك مصرا على تحسين الحديث وثبوته فرارا من تخطئة الترمذي ومن وافقه من أهل الحديث. ومن كلا الجانبين رأينا أن الكل يعترف لكم بالقدم الراسخ، ويحبذ إلقاء حبل الإشكال على جدار مكانتكم السامية في ذلك المضمار، ويرضى بأن تكون حكما فاصلا، رأينا من الأليق أن نرفع لعلو مقامكم الحديثي هذا السؤال، طالبين منكم فصل المقال في المسألة بالأدلة والبراهين، والقواعد الحديثية على طريقتكم المعروفة. ثم إذا كان الحديث ضعيفا فما علته ووجه ضعفه؟ وما الجواب عن تحسين الترمذي له؟ وإن كان ثابتا كما يقوله الترمذي، فما الجواب عن الإشكالات الواقعة في الحديث؟ أفيدونا مأجورين، دام لنا وجودكم لحل المشكلات وفك المعضلات، والسلام عليكم ورحمة الله. اه فأنت ترى هنا بالتصريح اعتماد هؤلاء الأعلام المذكورين، ورجوعهم إلى الحافظ الغماري في حل الإشكالات وفك المعضلات ومنهم الشيخ تقي الدين الهلالي.\nوقال في ترجمته الأستاذ ابن الحاج السلمى كما في «إسعاف الطلاب الراغبين» (^١): «فقيه علامة، صاحب مشاركة في كثير من فنون المعارف الإسلامية، وضروب الثقافة العربية الرصينة الأصيلة، إلا أن له تخصصا وتبريزا وتفوقا في حلبة\n_________\n(^١) ص ٣٨","vol":"1","page":27},{"text":"علوم الحديث على طريق الحفاظ الأقدمين، متنا وسندا، ومعرفة تراجم الرواة وطرق الجرح والتعديل، وقد كوّن فيه نفسه بنفسه دون أن يتتلمذ فيه لأحد، وفي مضمار التفسير والأصول والتاريخ العام والخاص». اهـ\nوكان الشيخ السقا يتعجب من ذكائه وسرعة فهمه وشدة حرصه على العلم، ويقول له: لابد أن يكون والدك رجلا صالحا للغاية، وهذه بركته، فإن الطلبة لا يصلون إلى حضور الأشموني بحاشية الصبان إلا بعد طلب النحو ست سنين، وقراءة «الآجرومية» و«قطر الندى» وغيرهما، وأنت ارتقيت إليه في مدة ثلاثة أشهر، وكان يذيع هذا بين العلماء.\nوقال العلامة السيد محمود سعيد ممدوح في «الشذا الفواح في أخبار سيدي الشيخ عبد الفتاح» (^١)، وهو يتكلم عن جزء «هدية الصغراء» للمترجم له: «وهذا الجزء فيه تحرير جيد، وتبيان مفيد لبعض قواعد الحديث، وشيخنا المترجم رَحِمَهُ اللهُ تعالى - أبو غدة - مع اعترافه بمكانة السيد أحمد بن الصديق العلمية، وكان لا يحلي أحدا من شيوخه بالحفظ إلا السيد أحمد وشقيقه عبد الله فقط، ومع ذلك فالنقول عن السيد أحمد بن الصديق والاستفادة من معرفته وفوائده قليلة - نسبيا - رغم أنه ينقل عن غيره كل خالجة نطق بها أو سطرها في طروسه». اهـ\nوقال شقيق الحافظ الغماري العلامة السيد عبد الله في «سبيل التوفيق» (^٢): «أخي أبو الفيض السيد أحمد بن الصديق العلامة الحافظ كان يعرف الحديث معرفة جيدة، وصنف فيه التصانيف العديدة، وانقطع له، فأخرج لنا مصنفات ذكرتنا بالحفاظ المتقدمين، ك «المداوى لعلل الجامع وشرحي المناوي» في ستة مجلدات ضخام، و«هداية الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد» في مجلدين، واستخرج على «مسند الشهاب» وعلى «الشمائل المحمدية»، وكتب أكثر من خمسين جزء حديثيا لا\n_________\n(^١) ص ٩٠\n(^٢) ص ٦٢","vol":"1","page":28},{"text":"يعرف أن يكتبها أحد في عصرنا، خاصة «فتح الملك العلي بتصحيح باب مدينة العلم علي» و«درء الضعف عن حديث من عشق فعف» وله غير ذلك من المصنفات. اهـ\nهذا، وإن سرد أقوال الخصوم والأصدقاء في شهاداتهم وثنائهم على الشيخ ﵀ تحتاج إلى جزء مستقل، لكثرتها وغزارتها، نختمها بهذه الكلمة الصادقة من العلامة الشيخ عبد الرحمان بن محمد الباقر الكتاني، وهو يصف السيد أحمد بن الصديق، قال ﵀ في كتاب «من أعلام المغرب العربي في القرن الرابع عشر» (^١): «لقد أصيب المسلمون عموما والمغاربة خصوصا من ليلة يوم الاثنين ثاني جمادى الثانية عام ١٣٨٠ هـ، بمصيبة عظمى، وكارثة كبرى، انهد لها صرح عظيم من صروح الإسلام، هي فقد شيخنا وشيخ الإسلام والمسلمين، وإمام الحفاظ المجتهدين، والمدافع عن شريعة سيد المرسلين وبقية السلف الصالح المهديين، بطل الوطنية الإسلامية والمدافع عن حقوق الأمة المغربية، أبي الفضل مولانا أحمد بن الصديق الغماري الحسني عليه رضوان الله.\nأتعلمون أيها المسلمون من هو الشيخ أحمد بن الصديق؟ إنه شخصية بارزة، اجتمع فيها ما افترق في غيرها من الشخصيات فهو في علم الفقه كالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي حنيفة النعمان وغيرهم -رضي الله عليهم-.\nوفي علم الحديث كالأئمة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحافظ الزيلعي والذهبي وابن حجر والسخاوي والسيوطي وغيرهم.\nوفي علم التاريخ كالإمام علي بن المدني والإمام يحيى بن معين الغطفاني والإمام أبي بكر الخطيب البغدادي والإمام أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي والإمام ابن جرير وغيرهم.\n_________\n(^١) ص ٦٩.","vol":"1","page":29},{"text":"وفي علم التصوف كالشيخ الجنيد والشيخ البكري والشيخ الدرقاوي.\nوفي علم اللغة والأدب كابن الأثير وابن قتيبة وابن ثابت العوفي وابن عبد ربه.\nوفي الوطنية الإسلامية كصلاح الدين الأيوبي والأمير عبد القادر الجزائري وغيرهما. ومن قدّر له أن يقف على مؤلفاته المطبوعة التي دافع فيها عن السنة النبوية والشريعة الإسلامية، يعلم حقيقة ما قلناه، ك «مسالك الدلالة على مسائل الرسالة لابن أبي زيد القيرواني»، و«المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار»، و«مطالع البدور في بر الوالدين»، و«توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار»، و«إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون»، رد فيه على ابن خلدون الذي ينكر أحاديث الإمام المهدي المنتظر، و«إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحظر»، و«تحقيق الآمال في تخريج زكاة الفطر بالمال»، و«مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية» …» وغيرها.\nوأما مؤلفاته المخطوطة فهي تدهش كل من وقف عليها، وسأقتصر هنا على ذكر بعضها: «الإسهاب في الاستخراج على مسند الشهاب»، و«الأربعون المتتالية في الأسانيد العالية»، و«الإلمام بطرق المتواتر من حديثه ﵇»، و«البحر العميق في مرويات ابن الصديق». اهـ","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>منهج التحقيق</span>\nسرتُ في خدمة هذه الكتب الثلاثة على الطريقة التي ارتضيتها لنفسي ورجحتُ أنها أسلم الطرق لخدمة التراث وأكثرها نجاعة، ولم أتقيد بالمناهج الأكاديمية التي هي محل اجتهاد عند الباحثين وفي كثير منها خلاف شديد كطريقة تخريج الأحاديث، وترجمة كل من ذكر له اسم في الوثيقة المحققة، والتشديد في تخريج الآيات، والتطويل في الحواشي بلا طائل، ولذلك نحوت في إخراج هذا الكتاب على:\n- نسخ متنها لتسهيل قراءتها، وفرقت بين كلماتها وعباراتها وفقراتها بعلامات التنقيط المعتبرة، حسب ما ترجح لدي أصحيته.\n- وثقتُ الأحاديث النبوية التي خرجها المؤلف فيها.\n- خرجت الأحاديث التي علقها المؤلف ولم يذكر مصادرها.\n- عرفت ببعض من رأيت ترجمته لازمة تعريفا مختصرا، وأحلت على ما بين يدي من مصادر ترجمته.\n- شرحتُ بعض الكلمات التي أرى لزوم تبيين مدلولاتها.\n- عزوتُ النقولات التي يوردها المؤلف إلى مظانها مع توثيقها وتصحيح بعضها.\n- من لم أقف على ترجمته وما لم أقف على مصدره بينته بقولي «لم أقف عليه» أو «لم أجده» أو «لم أجد له ترجمة»، وشبه ذلك، وهو مؤذن بأن هذا النفي حسب ما توفر لدي ومنتهى ما بلغه جهدي، من غير جزم به، إذ لعل غيري يقف عليه فيما بعد.\n- بينت أحيانا مراد المؤلف في بعض كلامه لا شرحا له ولكن لأجل دفع وهم قد يلحقه.","vol":"1","page":31},{"text":"- شكلت من الكلمات ما يمكن أن يُشكل على القراء حسبما رأيته الأرجح.\n- صنعت فهرسا مفصلا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمصادر والمراجع والموضوعات التفصيلية، مما يساعد الباحث على التقاط درره.\n- هذا، وأحب أن أشكر الأخ الكريم الباحث الأستاذ محمد سفيان تغليسية الباتني الجزائري الذي تكرم علي بنُسخ هذه الكتب الثلاثة المحققة في هذا المجموع، وقد كنت يئست منها ردحا من الزمن بسبب ضن بعضهم بها وإقبارهم إياها في بيوتهم ومنع الطلاب والعلماء من فرائدها ونفائسها بلا مسوغ، بل كنت أظن أن «مسند الجن» من قبيل المفقود حتى اكتحلت عيني برؤيته بعد سخاء به من هذا الأخ الكريم صاحب القلب السليم، فجزاه الله خيرا على ما تفضل به علي وعلى القراء بهذه الكتب، وقد أكرمني بغيرها من كتب مولانا الحافظ أحمد بن الصديق، مما شمرنا عن ساعد الجد لإخراجه للناس ليستفيدوا منه وليُجزى به مؤلفه ومحققه خير جزاء، فيكتب له ولنا به الصدقة الجارية، فإن إقبار الكتب منع الجريان الصدقة على أصحابها، ويلحق المانع من الإثم بسببها ما لا يخفى.\nوأرجو الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ورافعا به الدرجات وأن يرحم به المؤلف والمعتني، وأن يستر عوراتنا ويغفر زلاتنا، والحمد لله أولا وأخيرا.\nالدكتور: عدنان بن عبد الله زُهار","vol":"1","page":32},{"text":"﷽\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم\nالحمد لله كما ينبغي لجلاله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله،\nأما بعد،\nفهذا جزء بينت فيه ما وقع لشقيقي العلامة المحدث الداعية المحقق الغيور على الشريعة المحمدية والذاب عنها، السيد عبد الله بن الصديق في تعليقه على «إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب للحافظ السيوطي، مما يجب مناقشته فيه لتساهل وقع منه في العبارة أو عدم تأمل فيما كتبه من الأبحاث؛\nحملني على ذلك معرفتي بفضله وعلمه وسعة صدره وحبه لإظهار الحق وتحقيق مسائل العلم، وهي مكاتبة كانت صدرت مني إليه، ثم لاشتمالها على فوائد حسنةٍ وأبحاث قيمة أحببتُ إفرادها في هذا الجزء المستقل الذي سميته:\nإيضاح المريب من تعليق إعلام الأريب\nوالله أسألُ النفع به آمين.\n\nفصل: قال في التعليق على قول الحافظ السيوطي ﵀: «ولم يكن في زمانه ﷺ محراب قط، ما نصه (^١): قد يُشكل على هذا ما في سنن البيهقي» (^٢) من رواية محمد بن حجر الحضرمي، ثنا سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمه، عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول الله ﷺ، إذا أوجب نهض إلى المسجد فدخل المحراب …» الحديث، فهو يدل على وجود المحرابِ في العهد النبوي، وكأنّ المؤلف لم يقف عليه وإلا لتعرّض للجواب عنه.\n_________\n(^١) «إعلام الأريب» ص ٢٠ تعليقة رقم (١).\n(^٢) «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٦، وتمامه «ثم رفع يديه بالتكبير، ثم وضع يمينه على يسراه على صدره».","vol":"1","page":185},{"text":"والحق أنه لا يرد لأنه ضعيف بسبب جهالة أم عبد الجبار، ولأن محمد بن حجر بن عبد الجبار له عن عمه سعيد مناكير، كما قال الذهبي (^١).\nوعلى فرض ثبوته يجب تأويله بحمل المحراب فيه على المصلى - بفتح اللام - للقطع بأنه لم يكن بالمسجد النبوي محراب إذ ذاك كما جزم به المؤلف، ومن قبله الحافظ (^٢) والسيد السمهودي (^٣). اهـ\nأقول: وفي هذا مناقشات:\nالأولى: في قوله: «والحق أنه لا يرد لأنه ضعيف»، وذلك أن هذه الزيادة التي هي لفظ «المحراب» ليست بضعيفة فقط، بل هي منكرة باطلة، وإن كان الحديث صحيحا. وإلى مثل هذه الزيادة يشير الذهبي بقوله: «له مناكير».\nفهذه الزيادة من مناكيره لأمرين: أحدهما أنه لم يَرِدْ في خبر قط أن النبي ﷺ كان [له] محراب في مسجده الشريف.\nوثانيها: انفراده بذكر «المحراب» في خصوص هذا الحديث ومخالفته سائر الثقات الذين رووه مطوّلا ومختصرا، فقد رواه عن عبد الجبار شيخ شيخه فيه: أبو إسحاق السبيعي، والحسن بن عبيد الله النخعي، وفطر بن خليفة، ومحمد بن جحادة، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، فلم يذكر أحد منهم عن عبد الجبار «المحراب» في الحديث.\nوكذلك رواه عن وائل ابنه علقمة، ومولاه، وكُليب بن شهاب، وعبد الرحمن اليحصبي، وحجر ابن العنبس، وغيرهم.\nورواه عن هؤلاء جماعة يطول ذكرُهم،\n_________\n(^١) «ميزان الاعتدال» للذهبي ٣/ ٥١١.\n(^٢) في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ١/ ٥٧٥.\n(^٣) في «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» ١/ ٢٨٢.","vol":"1","page":186},{"text":"فلم يذكُرْ أحدٌ منهم في روايته لفظ «المحراب»، إنما وقع في رواية بعضهم «دخل في الصلاة»، وفي رواية البعض «دخل في الصف» (^١) كما وقع في صحيح ابن حبان.\nفقولُ الراوي: «دخل المحراب» غلط منه في فهم المراد من قوله: «دخل في الصف» أو «دخل في الصلاة»، أو نسيان للفظ الحديث.\nوعلى كل حال فهو من المقطوع بطلانه فلا يعبر عنه بالضعيف المحتمل للصحة والثبوت في نفس الأمر.\nالثانية: في قوله: «لأنه ضعيف بسبب جهالة أم عبد الجبار»، وذلك أن الطعن في الحديث لا ينبغي أن يُسند إلى جهالة أم عبد الجبار، لأنها وإن كانت في عداد المجهولين، فهي بريئة من عهدة هذه الزيادة؛ لأن عبد الجبار الراوي عنها قد رُويَ الحديث عنه من طرق متعددة منقطعا وموصولا بواسطتها وواسطة أهل بيته ومولى لهم، فلم يذكر في مرة منها لفظ «المحراب»، كما لم يذكرها متابعوه من أقرانه، فدل على أنها حَدَثَتْ بعده وصَدَرت ممن هو دونه فضلا عن أن تتهم بها أمه.\nالثالثة: أن في السند قبلها سعيد بن عبد الجبار، وهو متكلم فيه أيضا (^٢)، فلا ينبغي الإعراض عنه، فقد يكون الوهم في ذكر هذه الزيادة صادرا منه.\nالرابعة: أنه ينبغي الطعن في الحديث بالنكارة لوجود المخالفة التي أشرنا إليها، فإنها أقوى من مجرّد ضعف الرجال، لأن ضعف الراوي إما لكذبه أو لسوء حفظه، وكلّ منهما غير لازم للموصوف به في كل الأحوال، بل قد يصدق الكذوب ويتذكر السامع والناسي؛ بخلاف مخالفة الراوي لجمهور الثقات وإتيانه لما هو معلوم البطلان مقطوع بعدم وجوده، فإنه يطعن في روايته ويجزم ببطلانها، ولو كان أوثق الثقات.\n_________\n(^١) (صحيح ابن حبان ٥/ ١٧٣).\n(^٢) قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٥٤: «قال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث». قلت: وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال كنيته أبو الحسن مات سنة «١٥٨».","vol":"1","page":187},{"text":"فذكرُ الشذوذ والمخالفة أولى من نسبة الضعف إلى أم عبد الجبار المسكينة البريئة منه. ويكفيك قول الذهبي: «ما علمتُ في النساء من اتهمت ولا من تركوها». (^١)\nالخامسة: في قوله: «ولأن محمد بن حجر له عن عمه سعيد مناكير، كما قال الذهبي»، وذلك أن الذهبي لم يقيد وجودَ المناكير في روايته عن عمه خاصة، بل قال: «له مناكير» وأطلق، فما وجه هذا التقييد؟\nالسادسة: في قوله: «يجب تأويله بحمل «المحراب» فيه على المصلى - بفتح اللام»، وذلك أن المصلّى الذي هو موضع صلاة رسول الله ﷺ ليس له حائط ولا جانب حتى يُعبّر عنه بالدخول، بل لو أراد ذلك لقال: «فلما وقف للصلاة» أو ما يؤدي هذا المعنى، فلما عبر بالدخول لم يبق للتأويل بالمصلى وجه، وتعين أنه أراد المحراب المعهود.\nالسابعة: في قوله: «كما جزم به المؤلف، ومن قبله الحافظ والسيد السمهودي»، وذلك أن السمهودي لم يكن قبل المؤلف بل كانا متعاصرين وماتا في سنة واحدة وهي سنة ٩١١ كما هو معلوم، وقد يكون جزم السيد السمهودي (^٢) مأخوذا من جزم المؤلف، فمن أين يعرف أن جزمه كان قبل جزم المؤلف.\n\nفصل: وأورد الحافظ السيوطي حديث «اتقوا هذه المذابح» (^٣) يعني المحاريب، فكتب عليه السيد عبد الله حفظه الله قوله (^٤): «جملة يعني المحاريب» مُدرجة في الحديث من بعض الرواة، ذكرها تفسيرا للمذابح بحسب رأيه. ويظهر من كلام المناوي في «شَرحَيْه» على الجامع الصغير أنها مزيدةً من مُخرّجي الحديث، فإنه قال عقب قوله: «اتقوا هذه المذابح»:\n_________\n(^١) (ميزان الاعتدال) للذهبي ٤/ ٦٠٤.\n(^٢) ترجم له السخاوي في «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» ٥/ ٢٤٥.\n(^٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١٣/ ٥٤٠ والبيهقي في «السنن الكبرى» ٢/ ٦١٦، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(^٤) (إعلام الأريب) ص ٢١ تعليقة رقم (٢).","vol":"1","page":188},{"text":"«قال في «الفردوس» وغيره: يعني المحاريب». اه (^١)؛ لكن الذي يظهر لي أنها زيدت ممن فوقهم وإن لم يترجح لي تعيين.\nوسواءً كان هذا أو ذاك فلا حجة في تلك الزيادة لأنها ليست من المرفوع جزما، وبذلك ينهار ما بناه المؤلف عليها من كون المراد بالمذابح المنهي عنها هي المحاريب المعروفة الآن؛ على أنه لو فُرض ثبوتُ أن تلك الزيادة من المرفوع لما كان فيها حجة أيضا، لأن المراد بالمحاريب كما قال المناوي في «التيسير» و«فيض القدير» صدور المجالس، والمقصود من الحديث النهي عن التصدي لصدور المجالس والتنافس فيها، لما في ذلك من طلب الرياسة والجاه المذمومين …» الخ\nأقول وفي هذا أيضا مناقشات:\nالأولى: في قوله «أن جملة - يعني المحاريب - مدرجة من بعض الرواة فسر بها» المذابح «بحسب رأيه» وذلك أن هذا الإدراج ليس عليه دليل من سند الحديث ولا من حديث آخر، فالجزم به غير سديد.\nوعلى فرض وجود ما يدل على الإدراج فهو محتمل لأن يكون في بعض الرواة ومحتمل لأن يكون من صحابي الحديث الذي سمع الحديث وعرف مراد النبي ﷺ بإشارته وذكره المذابح، بل هذا هو الأقرب أو المتعين؛ إذ لا يحمل بالصحابي أن يروي عن النبي ﷺ حديثا مجملا ثم لا يبينه، ولا بالراوي التابعي أن يسمع منه حديثا كذلك ثم لا يستفهمه عن معناه وعن المراد بالمذابح المجمل الغريب المعنى.\nوعلى فرض أن الإدراج ممن دون الصحابي فهو أيضا حجة لأنه فهم المعنى المراد من السياق وقرائن الأحوال، إذ بعيدٌ أن يحدث الشيخ الطالب بحديث لا يعرفان له معنى، إلا ما كان من قبيل المتشابه كأحاديث الصفات ونحوها، وما عداها فالغالب أن يذكر معناه على حسب ما فهم منه. فلذلك ذكر هنا معناه مقطوعا به، ولو لم يكن\n_________\n(^١) «فيض القدير» للمناوي ١/ ١٤٤ و«التيسير بشرح الجامع الصغير» له ١/ ٣٢.","vol":"1","page":189},{"text":"التعيين مجزوما به حاصلا من الصحابي لما جزم به مُدرِجُ ذلك التفسير، وترك اللفظ محتملا لمعانيه المتعددة كما في غيره من الأحاديث.\nالثانية: في قوله: «ويظهر لي من كلام المناوي في «شرحيه» على الجامع الصغير أنها مزيدة من مخرجي الحديث.» وذلك أن مخرج الحديث هو الطبراني والبيهقي على ما في «الجامع الصغير» (^١)، وعبارة المناوي غير صريحة في أن الديلمي أخرج الحديث، بل عزا إليه التفسير فقط؛ فقول السيد عبد الله: «مخرجي» بلفظ الجمع زيادة من عنده.\nثم إن المناوي واهم على عادته في كل ما يقول في موضعين: الأول في نسبة هذا التفسير إلى الديلمي وهو من تمام الحديث، إما من صحابيه أو ممن دونه. والثاني في نسبته إلى «الفردوس» فإني رجعت إليه فلم أجده فيه في فصل «اتقوا» لا من الفردوس ولا من «مسنده» على حسب ما في اختصاره «زهر الفردوس» (^٢) للحافظ.\nالثالثة: في قوله: «لكنّ الذي يظهر لي أنها زيدت من فوقهم …» الخ، وذلك أن التعبير بالظهور هنا تقصير، بل الواجب الجزمُ والقطع بأنها ليست من المخرجين، خصوصا من نسبه المناوي إليه وهو الديلمي، فإن الحديث مخرج في «سنن» البيهقي بتلك الزيادة، وقد توفي البيهقي قبل ولادة الديلمي أبي منصور (^٣) بخمس وعشرين (^٤)، وكان بين وفاتيهما مائة سنة.\nوعلى فرض أن المناوي أراد الديلمي الكبير والد أبي منصور وهو باطل جزما لأنه لا ينقل إلا من المسند، فهو أيضا متأخر عن البيهقي بإحدى وخمسين سنة\n_________\n(^١) «الجامع الصغير» للسيوطي ١/ ١٢.\n(^٢) المعروف المشهور أن مختصر (مسند الفردوس) الذي ألفه الحافظ ابن حجر يسمى «تسديد القوس»، فهل وقف المؤلف على نسخة أخرى بعنوان «زهر الفردوس»؟\n(^٣) وُلد أبو منصور الديلمي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (٤٨٣ هـ)، ووفاته سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بهمدان (٥٥٨ هـ) كما في «الوافي بالوفيات» ١٦/ ١١٣ للصفدي. وتوفي أبو بكر البيهقي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (٤٥٨ هـ) كما في «وفيات الأعيان» ١/ ٧٦.\n(^٤) أي سنة.","vol":"1","page":190},{"text":"في الوفاة (^١)، ولعله كان صغير السن جدا عند وفاة البيهقي (^٢)، فكيف لا يقع الجزم بأن هذه الزيادة ليست من المخرّج. على أن الحافظ السيوطي عزا الحديث بها إلى الطبراني، وقد توفي قبل البيهقي بثمان وتسعين سنة (^٣). فكيف يتبَعُ المناوي في هذا الوهم الفاحش، وهو رجل لا يكاد ينطق بالصواب لاسيما في شرحَيْه على «الجامع الصغير» الذي أوضحتُ أوهامه فيهما في الصناعة خاصة، مع تجوز وتساهل، في ستة مجلدات (^٤).\nالرابعة: في قوله: («سواء كان هذا أو ذاك، فلا حجة في تلك الزيادة لأنها ليست من المرفوع جزما»)، وذلك أن هذا الجزمَ باطل جزما، لأنه محتمل لكونه صادرا من الصحابي أو من غيره. ومع هذا الاحتمال فالجزم بأنه غير مرفوع ولا حجة (^٥) بعيد، لأن تفسير الصحابي في مثل هذا الحديث - حيث عين المراد باللفظ والمقصود بالإشارة - مرفوع جزما؛ ألا ترى أنه لو رواه بالمعنى كما فعلوا كثيرا فقال مثلا: نهى رسول الله ﷺ عن المحاريب … لكان معدودا من جملة الأحاديث المرفوعة جزما فكذلك هذا.\nالخامسة: في قوله: («على أنه لو فُرض ثبوتُ أن تلك الزيادة من المرفوع لما كان فيها حجة أيضا، لأن المراد بالمحاريب كما قال المناوي صدور المجالس.») وذلك أنه من الغريب جدا أن يكون تفسير الراوي المشاهد للحديث والسامع له عند ورود سببه المذابح بالمحاريب مردودا، ويكون تفسير المناوي لها بصدور المجالس مقبولا. وأيضا لم يكون فهم المناوي مقدما على فهم الحافظ السيوطي، ولا يكون العكس؟ مع أن الصفة تقتضي ترجيح قول الحافظ السيوطي لأنه الأعلم والأحفظ والأتقى،\n_________\n(^١) توفي شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو والد الحافظ أبي منصور الديلمي سنة تسع وخمسمائة (٥٠٩ هـ)، كما في «الوافي بالوفيات» ١٦/ ١٢٨.\n(^٢) كان عمر الديلمي صاحب «الفردوس بمأثور الخطاب» عام وفاة البيهقي ثلاث عشرة سنة (١٣).\n(^٣) توفي الطبراني سنة ستين وثلاثمائة (٣٦٠ هـ) كما في «وفيات الأعيان» ٢/ ٤٠٧.\n(^٤) واسمه «المداوي بعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي»، طبع في ست مجلدات.\n(^٥) أي لا حجة تقوم به.","vol":"1","page":191},{"text":"بل لا مناسبة بين الرجلين أصلا؛ وإذا ذكر الحافظ السيوطي فلا ينبغي أن يذكر معه المناوي، لو لم يكن مبتلئ بكثرة الأوهام التي أوجبت سقوطه وعدم اعتباره بالمرة، فكيف وهو المفرد في ذلك بين علماء هذه الأمة.\nوإن قلنا إن الفهم مبني على الدليل ولكلّ من الرجلين دليل فهو من هذه الجهة معتبر أيضا، فالقاعدة أيضا تُرجح قول الحافظ السيوطي لأن أدلته أقوى بل هي قاطعة كما ستعرفه.\nالسادسة: في قوله: «والمقصود من الحديث النهي عن التصدي لصدور المجالس والتنافس فيها لما في ذلك من طلب الرياسة والجاه المذمومين»، وذلك أن هذا المعنى بعينه موجود في المحاريب، فإن النفوس تتطلع إليها وتحبها لما فيه من التقدم والرياسة، وكثيرا ما يفتخر الناس في كلامهم ووصفهم للغير بأنهم أرباب المنابر والمحاريب، يعني أئمة وخطباء؛ وأنا أعرف من ابتلاه الله تعالى بحب الرياسة في هذا الباب، بحيث يحارب ويعادي ويقاطع ويسعى في هتك دينه بل وفيما هو كفر والعياذ بالله تعالى لمن شمّ منه رائحة المعارضة له في التقدم للمحاريب والصلاة بالناس، حتى إنه لا يكاد يُصلّي خلف مسلم ولا يُحب إلا أن يكون إماما، فهو عبد المحارب والمنابر.\nفالمعنى الذي أثبته للحديث هو بعينه فيما تريد أن تنفيه عنه، ولذلك كان قولك أخيرا: «فظهر من هذا أن ليس لتلك الزيادة علاقة لمحاريب المساجد» غفلة وعدمُ تنبه لما قررته بنفسك.\n\nفصل: قال الحافظ السيوطي في الكلام على رجال الحديث: «وأبو زهير عبد الرحمن بن مغراء من رجال الأربعة، قال الذهبي في «الكاشف» (^١): وثقه أبو زرعة الرازي وغيرُه، ولينه ابن عدي». فكتب عليه السيد عبد الله (^٢): «هذه عبارة «الكاشف»، وهي بظاهرها تفيد أن أبا زرعة صرّح في عبد الرحمن ابن مغراء بأنه ثقة، مع أنه\n_________\n(^١) «الكاشف» للذهبي ١/ ٦٤٤.\n(^٢) «إعلام الأريب» ص ٢٣ تعليقة رقم (٢).","vol":"1","page":192},{"text":"إنما قال فيه: صدوق، كما نقله الذهبي نفسه في «الميزان» (^١) وشيخه في «تهذيب الكمال» (^٢) والحافظ في «تهذيب التهذيب» (^٣) والصفي الخزرجي في «الخلاصة» (^٤)، ومشهور عن ابن مهدي أنه حدث فقال: حدثنا أبو خلدة، فقيل له: أكان ثقة؟ فقال: كان صدوقا وكان خيرا وكان مأمونا، الثقة شعبة وسفيان. (^٥) فأنت ترى عبد الرحمن بن مهدي إمام هذا الشأن جعل الصدوق دون الثقة وهذا أمر متفق عليه بينهم …» الخ\nأقول وفي هذا أيضا مناقشات:\nالأولى: مناقشته للذهبي في نقل عبارة أبي زرعة ومخالفة ما في «الكاشف» ل «الميزان» و«التهذيب» مناقشة صحيحة في نفس الأمر وتدقيق مُهم، لكنّ هناك فلسفةً أدق وتدقيقا أبلغَ لا يُستفاد من مُجرد قراءة كتب الاصطلاح، بل يُستفاد كغيره من كثير من القواعد المهمة في هذه الصناعة من طول الممارسة وكثرة المزاولة لهذا الفن، مع الذكاء والفطنة. وذلك أن عند المحدثين فرقا بين المصدر والفعل الماضي في كثير من الأشياء، ك «المرسل» و«أرسله فلان» و«فيه إرسال»، فإنه متفق بينهم تقريبا على الفرق بين قولهم «مرسل» وبين قولهم «أرسله فلان» و«فيه إرسال»، ولكنك لا تجد هذا منصوصا عليه في كتب الاصطلاح، وإنما تعرفه كما قلنا من طول الممارسة.\nوكذلك هذه المسألة، وهي أن هناك فرقا بين نقل عبارة الموثق والمجرّح بلفظها ورمتها وبين حكاية التوثيق والتجريح عنه.\nفلما نقل الذهبي في «الميزان» عبارة أبي زرعة ذكرها كما هي، ولما حكى عنه في «الكاشف» الذي هو مختصر قال: «وثقه»، لأن لفظة صدوق وإن كانت دون ثقة (^٦)،\n_________\n(^١) «ميزان الاعتدال» للذهبي ٢/ ٥٩٢.\n(^٢) «تهذيب الكمال» للمزي ١٧/ ٤٢١.\n(^٣) «تهذيب التهذيب» للحافظ ابن حجر ٦/ ٢٧٤.\n(^٤) «خلاصة تذهيب تهذيب الكمال» للخزرجي ص ٢٣٥.\n(^٥) كما في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم ٣/ ٣٢٨.\n(^٦) علق العلامة المحدث سيدي عبد العزيز بن الصديق ﵀ على الكلام بقوله من خطه: «هذا والله تحقيق","vol":"1","page":193},{"text":"إلا أنها من جملة ألفاظ التوثيق، فيحكي عن صاحبها أنه وثقه أي وصفه بلفظ من ألفاظ التوثيق، إذ لا يمكن أن يقال «صدقه» أو «صلحه» أو «شيخه»، بخلاف ما لو أراد أن يحكي لفظه فإنه لا يسعه إلا أن يأتي بلفظه من غير زيادة ولا تصرف.\nوهكذا في التجريح أيضا فإن ألفاظه متعددة وفيها مراتب وطبقات، كقولهم «كذاب» أو «متروك» أو «ليس بثقة» أو «فيه نظر» أو «هالك» أو «ساقط» أو «ليس بشيء» أو غير ذلك، فإذا أراد المحدث حكاية لفظ المجرّح أتى به كما هو، وإذا أراد أن يحكي عنه التضعيف والتجريح قال: «ضعفه فلان»، وهو في الواقع قال لفظةً من هذه الألفاظ، لأن جميعها دال على الضعف؛ وهذا أمر واضح لمن وقف عليه ووجده مسطرا، كسيدي عبد الله الذي منّ الله عليه بمن يتحفه بهذه الفائدة العظيمة (^١). أما من لم يجده مسطرا فربما لا يتنبه لها ويناقش الذهبي فيقع في الوهم والخطأ، ظانا أنه أصاب عين الصواب.\nالثانية: في قوله: «كما نقله الذهبي في الميزان وشيخه في تهذيب الكمال والحافظ في تهذيب التهذيب والصفي الخزرجي في الخلاصة»، وذلك أن ذكر «تهذيب التهذيب» و«الخلاصة» تكرار مع ذكر أصلهما الذي هو «تهذيب الكمال» للمزي، فإنهما كناية عن نسختين أخريين من «التهذيب» بالنسبة لهذا النقل لا بالنسبة للتطويل والاختصار؛ وهذا الصنيع شبية بصنيع علماء فاس والمغرب الذي هو أول من يذمه ويضحك منه، إذ ينقلون في مؤلفاتهم النقل عن عالم ثم يقولون:\n_________\nبالغ، ولو سعيت في مشارق الأرض ومغاربها ونقبت وبحثت على هذه القاعدة في بطون الكتب لما وجدت للتصريح به أثرا، ولكن المؤلف لكثرة اطلاعه وبحثه وممارسته لهذا الفن الشريف ونبره لأقوال أهله أخذ من صنيعهم ما صرح به وهو والله عجيب في بابه، وزادني منه عجبا خصوصا في هذا الموضوع قول الذهبي في «الميزان» ١/ ٤: «ولم أتعرض لذكر من قيل فيه: محله الصدق، ولا من قبل فيه: صالح الحديث، أو: يكتب حديثه، أو شيخ، فإن هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق. اه. فتأمل هذه العبارة لتعلم بعد نظر المؤلف وعظيم تدقيقه في عدم الفرق بين قول المجرح: فلان صدوق وبين قوله ثقة، وإن كان هذا الثاني أرقى من الأول». كتبه عبد العزيز بن الصديق.\n(^١) علق العلامة عبد العزيز بن الصديق هنا أيضا فقال - من خطه -: «والله إنها لفائدة عظيمة، وقد توقفتُ في أمر هذا الموضوع مدةً حتى وقفتُ على بيانه هنا، فالحمد لله». كتبه عبد العزيز بن الصديق.","vol":"1","page":194},{"text":"«ونقله عن فلان» «ونص عبارته»، «ونقله أيضا فلان ونصه»، وهكذا يكرره مرات عديدة بالوسائط بعد أن نقله من الأصل. والمقصود أنه لا ينبغي تعداد الكتب، إلا إذا تغايرت مصادرها حتى يكون في تكرارها تقويةً واعتضادا للنقل الأول.\nالثالثة: في قوله: «وهذا أمر مُتفَقٌ عليه بينهم»، وذلك أن حكاية الاتفاق غيرُ مسلمة، وقد وهم ابن مهدي، وردّ عليه ابن عبد البر (^١)، ولو اطلع السيد عبد الله على كتب الرجال أو قرأ مجلدا واحدا من «التهذيب» لجزم ببطلان حكاية هذا الاتفاق، فإنها حكاية صادرة عن غير استقراء، بل عن ظن وتخيل.\nالرابعة: في انتقاده على الحافظ السيوطي قوله: «ولينه ابن عدي»، وذلك أن الحافظ السيوطي لم يشق عبارة ابن عدي حتى يُنتقد، بل قصد الحكاية عن ابن عدي بأنه ضعفه تضعيفا خفيفا، بحيث لم يقُل فيه «كذاب» ولا «وضاع» ولا «متهم» ولا «ساقط» ولا «متروك»، بل غاية الأمر أنه أقرّ علي بن المديني على كونه انفرد عن الأعمش بأحاديث (^٢)؛ والانفراد ليس من الأدلة القاطعة على ضعف الرجل، فكم من ثقة انفرد عن حافظ بكثير من الأحاديث. ولنا في هذا بحث في «فتح الملك العلي» (^٣).\nعلى أن كلام علي بن المديني فيه لا ينبغي أن يُعتبر، لأنه من رواية (^٤) محمد بن يونس الكديمي وهو وضاع (^٥).\n_________\n(^١) في كتاب «الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى ص ٦٠١، وعبارته بعد نقل كلام ابن مهدي: هذا لا معنى له في اختيار الألفاظ والتأويل فيها على الهوى.» اه، ونقله عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب ٨٨/ ٣ خلال ترجمة أبي خلدة، وأقره عليه.\n(^٢) وعبارة ابن عدي كما في «الكامل» ٥/ ٤٧١: «وهذا الذي قاله علي بن المديني هو كما قال، إنما أنكرت على أبي زهير هذا أحاديث يرويها، عَنِ الأعْمَش لا يتابعه الثقات عليها وله عن غير الأعْمَش غرائب، وهو مِنْ جُمْلَةِ الضعفاء الذين يكتب حديثهم.» أهـ\n(^٣) كتابه «فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي من أنفس مؤلفات الحافظ أحمد بن الصديق ﵀، وقد طبع مرة في حياته ومرة بعدها.\n(^٤) فإن ابن عدي رواها في الكامل» ٥/ ٤٧١ خلال ترجمة أبي خلدة، عن ابْن أَبِي عِصْمَةَ، وَمُحمد بن خلف، عن محمد بن يُونُس عن علي بن المديني به.\n(^٥) ترجمته في ميزان الاعتدال للذهبي ٤/ ٧٤.","vol":"1","page":195},{"text":"وهذه المسألة أخت السابقة عن الذهبي؛ فقول الحافظ السيوطي: «لينه ابنُ عدي» مثل قول الذهبي: «وثقه أبو زرعة»، فهو مثل آخر للقاعدة التي قررناها ليتأكد ما قلناه، والحمد لله.\nالخامسة: في قوله: «وأما الخليلي فوثق أبا زهير في تفرده عن الأعمش، وذلك هو سبب تضعيفه كما تقدم عن ابن المديني وابن عدي، وهما أعرفُ منه بهذا الشأن وأقعد، فتضعيفها مقدم على توثيقه». وذلك أن تضعيفها ليس مقدما على توثيقه لأنه مبني على تفرده عن الأعمش، ومُجرد التفرد لا يُثبت ضعفه لأمرين:\nأحدهما: أنه قد يكون غير متفرّدٍ وعلي ابن المديني لم يطلع على متابعيه، وكذلك ابن عدي، وكم من حديث يقول فيه الترمذي والبزار والطبراني وابن عدي والدارقطني: لم يرو عن فلان إلا فلان، أو تفرد به فلان، كما هو موضوع كتاب «الأفراد» للدارقطني و«المعجم الأوسط» و«الصغير» للطبراني، فيستدرك عليهم المتأخرون أكثر من متابع لذلك الراوي الذي حكموا بتفرده (^١).\nوثانيهما: أنه على فرض تحقق التفرد فقد يكون الشيخ خص ذلك الراوي بجزء أو مجلس لم يتيسر له إسماعه لغيره، إما قصدا منه لسبب من الأسباب، أو اتفاقا لعذر من الأعذار. ولأجل ذلك نرُدّ تضعيف ابن المديني الذي رواه عنه كذاب وضاع، ونُقدم توثيق أبي زرعة والخليلي، مع أن ابن عدي نفسه معترف له بعدم الكذب، ويُعضّدُ توثيق الرجل رواية الأربعة (^٢) له.\n\nفصل: قال الحافظ السيوطي: «فالحديث على رأي أبي زرعة ومتابعيه صحيح، وعلى رأي ابن عدي حسن، والحسن إذا ورد من طريق ثان ارتقى إلى درجة\n_________\n(^١) وللمؤلفِ ﵀ كتاب لطيف وطريف في الموضوع اسمه «ليس كذلك في الاستدراك على الحفاظ» وأكثره من هذه البابة، في استدراكه متابعات على من ادعى من الحفاظ تفرد بعض الرواة في بعض روايات، وقد طبع بتحقيقنا ولله الحمد عام ١٤٢٠ هـ.\n(^٢) وكذلك روى له البخاري في الأدب المفرد (كما في «الكامل» ٥/ ٤٧١).","vol":"1","page":196},{"text":"الصحة». فكتب عليه السيد عبد الله (^١): «كذا قال المؤلف، وهو منه بناءً على ما فهمه من ظاهر عبارة «الكاشف»، لكنا بينا ما فيها.» الخ المقال:\nأقول: وهو وهم مبني على وهم.\nأما الأول: فهو اعتقاد أن الراوي الذي قيل فيه «صدوق» لا يُحكم لحديثه بالصحة، معتمدا في ذلك على كلام ابن أبي حاتم (^٢) وموافقة ابن الصلاح له (^٣)، وليس الأمر كذلك لا في الواقع ولا في تصرف الحفاظ حتى ابن أبي حاتم نفسه. لأن المعتبر في الصحة هو العدالة والضبط، والصدوق عدل ضابط، إلا أنه ليس في المرتبة العليا من الضبط، وحديثه داخل في الصحيح. ولذلك قسموا الصحيح إلى أنواع متعددةٍ أبلغها الحاكم (^٤) إلى عشر مراتب، يُطلق على جميعها الصحة. وكل ذلك بالنسبة للتفاوت في الضبط، والصدوق من مراتبها العليا أو المتوسطة لا من المتأخرة، فضلا عن أن يخرج من حيز الصحيح.\nهذا بالنظر إلى القواعد والأصول، أما بالنظر إلى التصرف، فثلاثة أرباع رواة الصحيح المجمع عليه من الأمة لم يتجاوزوا في وصفه غالبا لفظة «الصدوق»، والقليل من قيل فيه: «ثقة». والمقام يحتاج إلى بسط بذكر أمثلة ذلك، ولكن الوقت ليس فيه بسط، والإشارة تكفي.\nوأما الوهم الثاني: فهو اعتقاده أن السيوطي إنما قال ذلك ارتكانا إلى أن أبا زرعة قال في الرجل «ثقة» وليس كذلك، بل قاله اعتمادا على أن لفظة «صدوق» داخلة في مراتب الصحيح.\n_________\n(^١) «إعلام الأريب» ص ٢٦ تعليقة رقم (١).\n(^٢) وعبارة ابن أبي حاتم في كما في «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٤: «وإذا قيل له: صدوق أو محله الصدق أولا بأس به فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية.» اهـ.\n(^٣) وعبارة ابن الصلاح كما في «معرفة أنواع علوم الحديث» ص ٢٤٣: «هذا كما قال؛ لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط، فيُنظر في حديثه ويُختبر حتى يعرف ضبطه.» اهـ.\n(^٤) في كتابه «المدخل إلى الصحيح».","vol":"1","page":197},{"text":"وكتب على قول الحافظ السيوطي: «وعلى رأي ابن عدي حسن» ما نصه (^١): «لا ندري كيف استجاز المؤلف أن يقول هذا، وهو يعلم أن التليين تضعيف خفيف، كما ذكره في كتابه «تدريب الراوي» (^٢) نقلا عن أهل الحديث، ويعلم أيضا أن الحسن يُشترط فيه ما يُشترط في الصحيح إلا الضبط، فإنه يكون في الحسن خفيفا وفي الصحيح تاما …». الخ.\nأقول: ولا أدري أيضا كيف استجاز السيد عبد الله أن يكتب هذا، وهو يعلم أن التليين المفسر بالتضعيف الخفيف عند أهل الحديث هو كون الراوي خفيف الضبط، الذي يعترف هو نفسه بعد ذلك بثلاث كلمات أنه هو الحسن. بدليل أننا لو قلنا له: ماذا تفهم من التضعيف الخفيف؟ لما أمكنه أن يجيب إلا بأن صاحبه خفيف الضبط. أما لو قال: قليل الضبط أو قليل الصدق لكان هو الضعيف الشديد. ولا أدري كيف سها عن قول العراقي في «الألفية» (^٣) في تعريف الحسن:\nوقيل ما ضعف قريب محتمل … (^٤).\nوعن قوله فيها أيضا (^٥):\nوقال الترمذي ما سلم … من الشذوذ مع راو ما اتهم\nيكذب (^٦) …\nفإن مفهومه أنّ مَن لم يتهم بكذب فحديثه حسن ولو وُصف ببعض الضعف، وحينئذ فالحافظ السيوطي لم يُخالف ما نصوا عليه في الحسن ولا ما ذكره هو في كتابه «تدريب الراوي» ولم يخرج عن ذلك أصلا.\n_________\n(^١) «إعلام الأريب» ص ٢٧ تعليقة رقم (١).\n(^٢) «تدريب الراوي» للسيوطي ١/ ٨٠٤.\n(^٣) «ألفية العراقي» ص ٩٨.\n(^٤) وعَجُزه: … فيه، وما بكل ذا حد حصل\n(^٥) «ألفية العراقي» ص ٩٧.\n(^٦) وتتمة صدر البيت: … ولم يكن فردا وَرَدْ.","vol":"1","page":198},{"text":"فصل: نقل الحافظ السيوطي عن الحافظ نور الدين الهيثمي أنه قال في سند البزار (^١): «رجاله موثقون»؛ فاعترض عليه السيد عبد الله (^٢) بأن أبا حمزة ضعيف، وأن ابن عدي قال: «وأحاديثه خاصةً عن إبراهيم مما لا يُتابع عليه». اهـ قال: وأثر ابن مسعود هذا منها.\nأقول: أما اعتراضه على الحافظ نور الدين فله وجه، ولنا عنه جواب نحتفظ به لوقت آخر.\nوأما قوله: «هذا منها» فنسأله: كَم من صحيح وسنن ومسند ومعجم ومشيخة وجزء وتاريخ ومصنف وفوائد راجعت في البحث عن هذا حتى عرفت أنه منها؟ أو من ذكر هذا من الحفاظ المطلعين مثلُ الحافظ وأضرابه؟ حتى أعترض عليك وعليه بأني وأنا مشغول البال مشوش الفكر ليس عندي عُشر العُشُر من كتب السنة، قد وجدتُ له متابعا أو متابعين مع أني ما بحثتُ في شيء من الكتب التي عندي إلا كتابا أو اثنين ولم أمد يدي إلى ثالث أصلا، فوجدتُ في أول كتاب أخذته للبحث، ومن الغريب أني عندما فتحتُه وجدت فيه أمامي: «باب الصلاة في الطاق (^٣)»: «أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أنه كان يؤمهم فيقوم عن يسار الطاق وعن يمينه، يعني يكره الصلاة فيه، قال محمد بن الحسن: وأما نحن فلا نرى بأسا أن يقوم بحيال الطاق ما لم يدخُل فيه إذا كان مقامه خارجا منه وسجوده فيه، وهو قول أبي حنيفة ﵀». اه من كتاب «الآثار» (^٤) لمحمد بن الحسن.\nفهذا حماد يتابع أبا حمزة في الرواية عن إبراهيم كراهة الصلاة في المحراب، وإبراهيم يروي جميع الأحكام عن أصحاب ابن مسعود عنه. فكيف لو بحثنا في\n_________\n(^١) قال البزار في «مسنده» ٥/ ٢١: «حدثنا محمد بن مرداس، قال: نا محبوب بن الحسن، قال: نا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت الكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب».\n(^٢) «إعلام الأريب» ص ٢٩ تعليقة رقم (١).\n(^٣) قال الرازي في «مختار الصحاح» ص ١٩٤: «الطاق: ما عُقدَ من الأبنية، والجمع: الطاقات والطيقان، فارسي معرب». اهـ\n(^٤) كتاب «الآثار» لمحمد بن الحسن ١/ ٢٥١.","vol":"1","page":199},{"text":"بقية الكتب التي عندنا؟ فكيف بما هو غير موجود عندنا؟ فالجزم بأن هذا منها تسرع لا ينبغي الإقدام عليه من أهل العلم ورواد التحقيق.\nوفي هذه التعليقة وقع السيد عبد الله في مثل ما انتقده على الذهبي والسيوطي فإنه قال: «كيف هذا وأبو حمزة ضعيف عند البخاري وأحمد وابن معين والدارقطني والجوزجاني وأبي حاتم والنسائي وأبي أحمد الحاكم والخطيب والعقيلي وأئمة هذا الشأن» … الخ فجمعهم في جمعة وركعهم في ركعة كما يقول المثل العامي المشهور، مع أن فيهم من شدد في التعبير ومنهم من خفف، وبين ألفاظ كلّ منهم مراتب وطبقات، يترتب على كل منها حكم حديثي اصطلاحي، فماله صنع ما عابه على الحافظين الذهبي والسيوطي؟ وهذا أيضا مما يدلك على أن القاعدة التي قررناها مركوزة في الطباع وإن لم يُتنبه لها ولا نُصّ عليها في شيء من الكتب.\n\nفصل: أورد الحافظ السيوطي حديث «لا تزال هذه الأمة أو أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى»، فكتب عليه السيد عبد الله (^١): «هذا التشبيه يُعيّن أن المراد بالمذابح في الحديث هي المقاصير المعروفة في بيع النصارى يذبحون عندها قرابينهم …» الخ.\nأقول: [قول] (^٢) النبي ﷺ (بخير) في هذا الحديث أن أمته لا تزال بخير ما لم يتخذوا المذابح، وأمتُه زال عنها الخيرُ يقينا وأصبحت مسلوبة من كل فضيلة خلقية ودينية وأدبية وسياسية كما هو مشاهد، فدل ذلك على أنها اتخذت المذابح المرتب عليها هذا الأمر. مع أننا لم نر في مسجد من المساجد ولا سمعنا عن قطر من الأقطار لا في عصرنا ولا في الأعصر الماضية أنه كان في المساجد الإسلامية مقاصير يذبح عندها القربان، فتعين أن المراد بالمذابح هي المحاريب التي كان السلف الصالح يكرهون الصلاة عندها. ودل هذا دلالة قاطعة على أن الحق هو ما فهمه الحافظ\n_________\n(^١) «إعلام الأريب» ص ٢٩ تعليقة رقم (٢).\n(^٢) عبارة المؤلف هنا مشوشة جدا، فما بين معكوفين زيادة مني لتيسير فهمها.","vol":"1","page":200},{"text":"السيوطي، وأنه موفّق ينظر بنور الله تعالى ببركة خدمته للحديث والسنة ومحبته للصوفية واعتقاده فيهم وذبه عنهم، ولذلك أُمِرْتُ باطنا بالذب عنه والانتصار له، إذ من المحال أن أكتب في هذه الأيام سطرا واحدا لما أنا فيه من الأشغال المتلفة للفكر والمذهلة عن الرشد والصواب.\n\nفصل: أورد الحافظ السيوطي حديث عبيد بن أبي الجعد قال: كان أصحاب محمد ﷺ يقولون: إن من أشراط الساعة أن تُتخذ المذابح في المساجد - يعني الطاقات .. ثم قال: هذا بمنزلة عدة أحاديث مرفوعة فإن كان واحد من الصحابة سمع ذلك من النبي ﷺ وأخبر به فكتب عليه الأخ ما نصه (^١): «ولكن مخرجها واحد، وأنّى يُعتبر تعدد الحديث مع اتحاد مخرجه؟ وغاية ما في هذا الأثر أن عبيد الله بن أبي الجعد يحكي عن الصحابة فهو غريب بالنسبة لتفرده عنهم بذلك».\nأقول: الحافظ السيوطي يتكلم في واد وسيدي عبد الله ذهب إلى واد آخر، أما وادي الحافظ السيوطي فهو أن هذا الخبر بمنزلة عدة أحاديث لأنه عن جماعة من الصحابة، ورواية كل صحابي تعدّ حديثا منفردا ولو كان لفظ جميعهم واحدا. وأما وادي سيدي عبد الله فهو الإسناد وكونه مشهورا أو غريبا، فكأنه فهم من كلام الحافظ السيوطي أنه يريد الحكم على هذا الحديث بالشهرة الاصطلاحية فناقشه في ذلك، كأن السيوطي بعيد عن هذا الفن لا يعرفه، مع أنه ما حام حول هذا المعنى كما رأيت.\nفصل: وأورد الحافظ السيوطي قول كعب الأحبار: يكون في آخر الزمان قوم يزينون مساجدهم ويتخذون بها مذابح [كمذابح] (^٢) النصارى، فإذا فعلوا ذلك صُبّ عليهم البلاء. فكتب عليه الأخ (^٣): «لا معنى للإتيان بكلام كعب في هذا الموطن، هذا فقد\n_________\n(^١) «إعلام الأريب» ص ٣١ تعليقة رقم (٢).\n(^٢) ساقطة من أصل المؤلف.\n(^٣) «إعلام الأريب» ص ٣٢ تعليقة رقم (١).","vol":"1","page":201},{"text":"تقرر في علم الأصول والحديث أن قول التابعي لا يكون في حكم المرسل إلا بالشروط التي تجعل قول الصحابي في حكم المرفوع، وهي أن لا يكون للاجتهاد فيه مجال، وألا يكون معروفا بالأخذ عن الإسرائيليات، وكعب هو الذي أشاد بذكر الإسرائيليات وأكثر من النقل عنها حتى اشتبه حالُها على كثير من الرواة فأدخلوها في المرفوع وهما وغلطا، ووقع من ذلك في صحيح مسلم، وفي ذلك من عظيم الضرر ما لا يخفى على ذي لب». اه.\nأقول: لا شك أن السيد عبد الله كتب هذا وهو فاقد لكل ما أُوتِيَه من رُشد وصواب لسبب سأذكره في الآخر، فإن الموضوع مشرق وكلامه مُغرّب، شتان بين مشرق ومغرب. فالحافظ السيوطي لم يَقُل في أثَرِ كعب إنه مرسل ولا أورده على أنه من قبيل المرفوع ولا في كلامه ما يشير إلى ذلك أصلا حتى ينتقد هذا الانتقاد الملصق به بدون أية علاقة ولا مناسبة، بل الرجل قال قبل هذا (^١): «وعضده أحاديث أخرى مرفوعة وموقوفة وفتوى جماعة من الصحابة والتابعين بمقتضاه …» ثم صار يَذكُر المعضداتِ، وأتى بهذا من جملتها على أنه أثر موقوف على كعب، واحْسِبه أنت كما تريد، فهو لا دخل له في أصله ولم يقل عنه شيئا لا مرفوعا ولا موقوفا له حكم الرفع ولا مرسلا ولا موصولا؛ فَمِن أين ألصق به هذا الانتقاد الغريب؟ وكيف يُقال في أثر قبل هذا وأثر الضحاك الذي بعده (^٢): «لا معنى لإيرادهما» وأصلُهما دائر بين أمرين: إما أن يكون عن النبي ﷺ، أو يكون عن الإسرائيليات، وكلّ منهما مقبول معمول به في مثل هذا الباب، لأنه من باب الوعظ والتذكير والتحذير والتنفير، ومن باب الإخبار بشيء صدقه الواقع وشهدت بصحته المشاهدة؟ فكيف يقال: لا معنى لإيراده، وقد جرى عمل الأئمة من عصر عمر بن الخطاب ﵁ إلى عصرنا بالاحتجاج بالإسرائيليات واعتبارها في هذا الباب؟ وقد كان عمر ﵁ يقول له: خوفنا يا كعب؛ والإمام مالك يوردها في «موطئه»، وكذا سائر الأئمة في عصره وبعده من الزهاد والعباد والأولياء والصالحين والعلماء والمحدثين.\n_________\n(^١) «إعلام الأريب» ص ٣٠ - ٣١.\n(^٢) وهو ما أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٤١٢ عن الضحاك بن مزاحم قال: أول شرك كان في هذه الصلاة هذه المحاريب.","vol":"1","page":202},{"text":"فالانتقاد على الحافظ السيوطي في إيراد هذين الأثرين غريب جدا، وأغرب منه الانتقاد على كعب نفسه، فإن الانتقاد عليه فضول ودخول في شأن الرجل وعلمه وتحكمه فيما أعطاه الله حريةً فيه. ثم هو اعتراض على الأمة بأجمعها لا يخرج منه إلا رشيد رضا وأذنابه الفسقة المارقين الذين لا دين لهم ولا علم معهم، وأعيذك بالله أن تكون منهم ولستَ والله الحمد منهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>خاتمة:</span> وهذه التعاليق إنما صدرت من الأخ بسبب مصادقته لذلك المجرم الحسود الحقود على علماء العرب ولا سيما أهل الحديث وخصوصا منهم الحنابلة والشافعية وخصوصا منهم الحافظان ابن حجر والسيوطي، وهو ذلك الجركسي (^١) محمد زاهد الكوثري، فهو الذي أغراه على كتابة هذه التعاليق وانطلت على الأخ دسائسه حتى ساعده على ذلك، وإلا فالسيد عبد الله فاضل في نفسه مقدر لأهل الفضل تمام التقدير، معترفُ بالحق لأهله كما هو شأن أهل الفضل والإنصاف والعلم والتحقيق لأمثاله.\nإلا أن عنده غرة وسلامة صدر تدفعه بادئ ذي بدء إلى الموافقة والمجاراة إن لم يكن هناك من يوقظه وينبهه فيرجع في الحال إلى الحق والصواب.\nوقد وقع له في هذه المسألة مثل ذلك بدءا وختاما، فوافق ذلك المجرم على ما كتب أولا وأجاب رغبته؛ ثم لما نبهناه رجع عن ذلك وأناب والحمد لله الذي وفقنا وإياه لذلك.\nوالله الشكر على ما ألهمنا من اتباع الحق ونصرته والذب عنه وعن حزبه، أدام الله علينا فضله ونعمته وتوفيقه وتولانا وحمانا من الخروج عن الصراط السوي والنهج المستقيم آمين والحمد لله رب العالمين، وكتب في خامس عشر جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وألف.\n_________\n(^١) قال ابن خلدون في «تاريخه» ٢/ ٢٧٧: «الجركس في جبال بالعدوة الشرقية من بحر نيطش، وهم من شعوب الترك».","vol":"1","page":203}]}